العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22/07/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الفارس .. ودسائس دمشق في بغداد .. عبدالله الغضوي

عكاظ

13-7-2012

وأخيرا تحدثت العشيرة السورية.. ذلك المكون الاجتماعي الفاعل الممتد على أرض الشرق السوري، في دير الزور والحسكة والرقة، والذي ينتمي إليه أكثر من ثلاثة ملايين. فعلها الشيخ نواف عبود الفارس الجراح سفير النظام السوري في العراق وابن عشيرة «الدميم» العريقة أحد فروع قبيلة العقيدات في مدينة البوكمال على الحدود العراقية السورية.

طالما انتظرت الثورة مواقف العشيرة، التي عول عليها الكثير، لما لها من قوة وتأثير جماعي، خصوصا أن ما يمس الفرد يمس المجتمع وثورة الفرد هي ثورة المجتمع.

في انشقاق الفارس مدلولات خطيرة تنم عن ضعف وتآكل نظام الأسد في الداخل وانهيار العقد البعثي، خصوصا من يعرف أن السفير المنشق بعثي حتى النخاع، تولى مناصب حيوية في مناطق حساسة وبالغة الأهمية للنظام، من محافظ للاذقية إلى إدلب، ودير الزور وأخيرا سفيرا في دولة جوار تعيش وضعا أمنيا صعبا وصراعا دوليا لسورية نصيب كبير فيه.

لم يكتف السفير بالانشقاق فحسب، وإنما انضم إلى صفوف الثوار لتكون هذه ضربتين، الأولى في الخروج من النظام، والثانية في الانضمام إلى الطرف المضاد، مايخيف النظام أن يكون هذا الانشقاق افتتاحية لمسلسل الانشقاق الدبلوماسي، خصوصا أن البعض يؤكد استعداد 31 سفيرا للنظام للانشقاق.

منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق، وتهديد جورج بوش الابن لسورية بضربة عسكرية، اعتمدت المخابرات السورية على استراتيجية مؤداها إغراق العراق والقوات الأمريكية في فوضى العنف، وبذل كل الجهود الاستخباراتية لتلقين الأمريكيين درسا قاسيا في زعزعة الاستقرار. بل طالما اتهم ساسة بغداد دمشق أنها الداعم والمدبر لعمل التنظيمات الإرهابية في العراق وبالوثائق.

كل ماسبق، هو اليوم بالوثائق والدلائل في حوزة السفير المنشق الذي يعتبر شاهدا وحيدا على «أقاويل» تورط قيادة النظام السوري بزعزعة استقرار العراق، ودعم الإرهاب.

ستظهر دسائس نظام الأسد في بغداد قريبا، ستظهر مكائد البعث العتيدة في أرض العراق، كل ما ارتكبته فروع المخابرات السورية الخارجية في العراق ستنكشف للعالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: حروب الداخل والخارج! .. محمد الباهلي

تاريخ النشر: الجمعة 13 يوليو 2012

13-7-2012

في حواره مع صحيفة "الجارديان" البريطانية، تحدث كوفي عنان المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، عن المدى الذي وصلته الأزمة السورية، والمخاطر المتوقعة في سوريا، والدور الذي تلعبه القوى الكبرى، أي روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخرى، في هذه الأزمة. واعتبر عنان أن سوريا ستكون الخاسر الوحيد من هذه المنافسة الهدامة، محذراً من بقاء الوضع فيها على حاله منذ 15 شهراً، لأن استمرار الأزمة على النحو الحالي سوف يدفع نحو حرب أهلية قد يمتد خطرها إلى الدول المجاورة. وهذا الرأي يتفق مع ما تحدث به غالبية المحللين والمختصين في الشأن السوري، والذين أكدوا أن التضارب الخطير بين مواقف الدول الكبرى حول الأزمة السورية، سوف يعمق الأزمة ويوسع امتدادها إقليمياً، وأنه لا مخرج من المأزق إلا بالتقريب بين مواقف هذه الدول.

هناك إذن أزمة خطيرة وإشكالية سياسية معقدة يعاني منها الشعب السوري، وكان من المفترض أن يكون حلها في نطاق المجموعة العربية، وأن لا تترك للقوى الخارجية فرصة التدخل وفرض أجنداتها السياسية. إلا أن استماتة نظام الأسد من أجل البقاء في السلطة، وإثارته للخطاب الطائفي، وعدم إدراكه المتغيرات السياسية الجارية في المنطقة، وتداخل عوامل ومحركات أخرى أسهمت في تفاقم الأزمة... كل ذلك فتح الباب أمام هذا التدخل، والذي بدوره فاقم الأزمة وجعل الأمور تندفع نحو تعقيد أكبر، بعيداً عن الأمل في حدوث انفراج سلمي للأزمة ينتقل بالوضع من مرحلة الثورة إلى مرحلة التوافق السياسي.

إن إنقاذ سوريا من الوقوع في أتون الحرب الأهلية لن يكون ممكناً إلا بتوافقين؛ توافق القوى الدولية الكبرى، وتوافق القوى الداخلية متمثلة في المعارضة السورية. والتوافق الداخلي يتطلب توحيد صفوف المعارضة واتجاهها نحو هدف واحد يخدم مصالح الشعب السوري ويزيل نظام "البعث"، وهذا ما ينبغي الإسراع بإنجازه قبل أن تدفع الأحداث نحو حرب أهلية معلنة، لأن التطورات الجارية في المنطقة العربية، قد تساعد على خلط الأوراق وإيجاد حالة من الاضطراب العميق في منظومة الأمن القومي العربي الإقليمي وتدهور العلاقات بين القوى الكبرى، خاصة روسيا والولايات المتحدة.

إن الخطأ الذي وقع فيه نظام "البعث" السوري، هو توهمه بأن الدعم الخارجي، الروسي والإيراني والصيني، سوف يستمر، وأنه لا مانع من إبادة أكبر عدد من السوريين، وهدم مقومات الدولة السورية... على أساس أن ذلك الدعم سوف يوفر له الحماية إلى ما لا نهاية. وهذا في تصوري جهل خطير بمبادئ الواقع السياسي وسياسات الدول الكبرى؛ لأن الروس والأميركيين والأوروبيين سوف يصلون في نهاية المطاف إلى اتفاق يحقق لكل منهم مصالحه السياسية والمادية، وهذا ما حدث في تجارب كثيرة سابقة، وعندها سوف يدفع نظام "البعث" السوري الثمن غالياً، كما حدث مع أنظمة أخرى في تجارب عديدة مشابهة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العالم يُجرّب وسوريا تحترق! .. غازي دحمان

 ـ دمشق

المستقبل

13-7-2012

هل يحتاج الوضع في سوريا إلى لغة دبلوماسية غامضة في حين أن البلد بمجمله مقيم في غرفة العناية المشددة، وما الداعي إلى هذا الكم من التناقض الذي أظهرته التفسيرات المختلفة لأطراف مجموعة العمل الدولية لنص إتفاق جنيف، وكأن سوريا في بداية أزمتها أو حتى لا زالت في مرحلة التهيؤ للأزمة، أو كأن دبلوماسية حل النزاعات لازالت بلا خبرة ولم تعبر فوق ركامات الجثث في رواندا وسيراليون وكوسوفو وليبيا!

يبدو أن الكلام الوحيد الصادق هو ما قاله كوفي أنان من أن الحل يحتاج لعام آخر وهو في ذلك يكشف عن تقدير حقيقي لهذا الدبلوماسي العتيد لحركة واستعداد المجتمع الدولي، حينها يكون الجرح السوري قد نزف بما يكفي لموت سوريا أو تعطيلها وإخراجها من دائرة الحياة .

والواقع يكشف الحراك الدولي تجاه الحدث السوري نمطاً إستراتيجيا معيناً لمعالجة الأزمة وذلك عبر مقاربتها وكانها حدث ساكن وغير متحرك يمكن تزخيمه بأطروحات دبلوماسية تعمل على إيجاد ديناميات سياسية تشكل مسارات لحلول مرجوة، فيما الوقائع على الأرض تشكل ديناميتها الخاصة وتبتدع مسارات جديدة للأزمة يصبح معها الفعل الدولي بتفاهماته وقضاياه الخلافية وكأنه بات يخص قضايا منتهية بفعل التقادم .

نتيجة ذلك بمكن ملاحظة أن مبادرات المجتمع الدولي تتقدم على الورق في إطار عملية جدلية، بمعنى أن كل مبادرة تستولد مبادرة متقدمة بعض الشيء عن سابقتها، ولكن كل مبادرة تموت بسبب أعطاب في داخلها غالباً ما تنتجه الخلافات الدولية رؤيوياً ومصلحياً. ونتيجة الإهمال القصدي لتثبيت آليات محددة وواضحة لإنفاذ تلك المبادرات على أرض الواقع وتحويلها إلى فعل منتج لمسارات حلول حقيقية .

ماذا يعني ذلك؟، لم يعد خافياً أن الأزمة السورية باتت تشكل بيئة ومختبراً للسياسات الدولية حيث تمارس روسيا تمرينات في السياسة الدولية وفي إستراتيجيات التفاوض وتستثمر في ذلك هامش الرخاوة في البيئة الدولية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول تجريب تعديل النمط التدخلي الذي إتبعته في السنوات الأخيرة عبر دفع شركائها الغربيين إلى قيادة عمليات التدخل والإكتفاء بدور المشرف والمعاين.

لكن في مقابل ذلك تشهد الأزمة السورية تطورات متسارعة إن على مستوى زيادة عسكرة الثورة أو على مستوى تأكل البناء الوطني السوري وزيادة تهشيمه، وهو ما يشكل دينامية داخلية مشتعلة تعمل على تغذية الازمة السورية في مقابل التطور البطيء في الحراك الدولي. وتؤكد المعلومات الميدانية أن الحركة المناهضة لحكم الأسد والتي تأخذ الطابع العسكري تشهد تطورات مهمة في طريقة عملها وتنظيمها بحيث يجري تحويلها من حركة عسكرية طوعية إلى هيئة فعلية لها بنية عسكرية أكثر تنظيماً. الأمر الذي إنعكس بشكل واضح في زيادة فعاليتها الميدانية، فضلاً عن زيادة الخبرة التي إمتلكتها هذه المجموعات وتحسن إمدادات الأسلحة إليها.

على صعيد البناء الوطني، لم يعد خافياً بأن طول الأزمة وتصاعد حدة وتيرة العنف قد عملا بدرجة كبيرة على إعادة صنع مقاربات وطنية جديدة عن الوحدة الوطنية والموقف من مؤسسات الدولة وحتى طبيعة الدولة ذاتها، صحيح ان الوضع لم يصل بعد إلى حد الإحتراب الوطني الكامل والواضح، غير أن الانقسام بات متأسساً حول كل القضايا التي تشكل مجالاً مشتركاً للعيش الواحد ولإمكانية بناء دولة عصرية واحدة تحت حكم الأسد أو من دونه.

ومرة أخرى ماذا يعني كل ذلك، يعني أن الثورة السورية لاتشبه مثيلاتها العربيات، ليس من حيث أسباب قيامها ولا من حيث طبيعة أدواتها، بل من حيث إنتماؤها الجغرافي والديمغرافي، فهي تشبه بدرجة كبيرة مسارات الازمات اللبنانية والعراقية والتعقيدات الفلسطينية والأردنية، أزمات تاريخ إنفلاشها هو نفسه تاريخ إستمرارها ودوامها، تعجز عن إنتاج حل داخلي لها، وتعجز البيئة الدولية عن التوافق بخصوصها، وتصبح كل المبادرات مجرد محطات لإعادة تعريف الأزمة، من الطائف اللبناني إلى مكة الفلسطيني وليس أخيراً جنيف السوري .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موسكو... من كابول إلى دمشق  .. اليأس حرفوش

الجمعة ١٣ يوليو ٢٠١٢

الحياة

ليست هذه المرة الأولى التي تقف فيها موسكو في الجانب الخاطئ من التاريخ. في منطقتنا هناك الذكرى المريرة للدعم السوفياتي للحكم الشيوعي في أفغانستان، الذي كان مرفوضاً من أكثرية الأفغان. وفي أوروبا هناك الدور السلبي الذي لعبته موسكو في حروب يوغوسلافيا السابقة، بوقوفها ودعمها السياسي والعسكري للصرب، وللقمع والقتل اللذين مارسوهما بحق المسلمين والكروات في البوسنة وكوسوفو وفي كرواتيا، لمنع شعوب هذه المناطق من تحقيق حلمها بالاستقلال. ولعل من المفيد التذكير بمصير قادة الصرب في تلك الفترة، مثل سلوبودان ميلوسوفيتش الذي مات في السجن، وكاراديتش وملاديتش المعتقلين، واللذين تحاكمهما المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، على رغم فرارهما من العدالة سنين طويلة.

لهذا لا تخرج موسكو عن تقاليدها عندما تقف إلى جانب القمع الذي يمارسه النظام السوري بحق شعبه. ولعل المقارنة تصح بين مقاومة الشعب السوري وتلك التي قام بها شعب أفغانستان و «الشعوب» اليوغوسلافية، أكثر من تلك المقارنة التي أجراها رئيس «المجلس الوطني» عبد الباسط سيدا بين الثورة السورية والثورة البلشفية. ذلك أن هذه أخذت طابعاًَ طبقياً بروليتارياً، وانتهى الحكم الذي انتجته إلى دكتاتورية كاملة، عانت منها شعوب الاتحاد السوفياتي السابق على مدى سبعين عاماً. ولا نعتقد أن هذا هو الطموح الذي تريد الثورة السورية أن تحققه في بلدها.

خرج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان بهزيمة كاملة، وُصفت في حينه بأنها أشبه بالهزيمة الأميركية في فيتنام. غير أن ما جعل ذلك الخروج ممكناً كان انتقال الحكم في موسكو إلى يد ميخائيل غورباتشوف، الذي قرر تحرير الحزب الشيوعي من إرث القمع التاريخي، والوقوف إلى جانب شعبه، فأخذ القرار الجريء بوضع حد لعصر الظلام السوفياتي، وبالتالي لإنهاء المغامرة الأفغانية التي أسهمت في إفلاس الاتحاد السوفياتي سياسياً وعسكرياً، وقطعت صلاته بأكثر العالم العربي والإسلامي، حيث لم يبقَ له سوى حلفاؤه من الأحزاب المنضوية تحت لوائه، والتي لا تختلف أيديولوجية القمع التي تعتنقها عن أيديولوجيته.

وانتهى الدعم الروسي للحلفاء الصرب بهزيمتهم العسكرية على يد التحالف الغربي، بعدما فاقت المجازر التي ارتكبوها حدود الاحتمال الدولي، في وقت كان كوفي أنان (إياه) ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة، ومسؤولاً عن قوات حفظ السلام التي كانت «تراقب» المجازر بحق المسلمين في سريبرينيتسا وسواها.

في المغامرتين، الأفغانية والصربية، أخذ الروس جانب المعتدي ضد الشعب: في الحالة الأولى باسم العقيدة الشيوعية التي وضعها الغزو في مواجهة مباشرة مع العقيدة الإسلامية، ما أدى إلى نمو نزعات الانفصال في جمهوريات الاتحاد السوفياتي الإسلامية، وفي الحالة الثانية باسم التعاطف مع أبناء المذهب الواحد (الأرثوذكس)، وهو ما وضعهم مجدداً في الصف المعادي للكاثوليك وللمسلمين في جمهوريات يوغوسلافيا السابقة. وفي كل الحالات كانت موسكو أبعد ما يمكن أن تكون عن احترام رغبات الشعوب والقيم الديموقراطية.

الخوف الآن، في المغامرة التي ترتكبها موسكو في ظل فلاديمير بوتين، بدعمها أداة القمع في دمشق، بالمساندة السياسية التي تسد الطريق أمام مجلس الأمن، وبالمساندة العسكرية التي يستقوي بها النظام ضد شعبه، الخوف أن نكون أمام نشوء ظاهرة مذهبية متطرفة كرد فعل على القمع، شبيهة بظاهرة «الأفغان العرب» التي ولدت كنتيجة للمقاومة الإسلامية للغزو السوفياتي لأفغانستان. ذلك أن عناصر كثيرة تسمح بالمقارنة، من الهوية المذهبية للمقاومة إلى مصادر التمويل والتسلح، إلى طبيعة المواجهة بين نظام يمارس القمع وشعب يسعى إلى الحرية. وإذا نشأت ظاهرة كهذه، فلن يكون خطرها على مستقبل سورية وعلى وحدتها فقط بل على استقرار المنطقة كلها والعلاقات الداخلية بين شعوبها. ظاهرة كهذه سيكون صداها أبعد بكثير من «الأفغان العرب».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا بين خطة الأسد وضياع أنان  .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

13-7-2012

لا يدري أحد - حتى الروس - سبب إصرار أنان على إدخال إيران في حل «الأزمة» في سوريا! وقد كان هذا الأسبوع بالنسبة لأنان أسبوعا إيرانيا بامتياز. وقد بدأ الأمر قبل عشرة أيام بالغضب الساطع الذي استولى على أنان لاعتراض الولايات المتحدة والخليجيين على إشراك إيران في لقاء مجموعة الاتصال بجنيف. وتلا ذلك غيابه عن مؤتمر أصدقاء سوريا بباريس. فقد فهم معارضو الأسد من العرب والدوليين أن لجان الاتصال، واقتراحات المؤتمر الدولي بموسكو، ربما لاحقا بالعراق أو طهران، إنما يراد بها خلق آليات مواجهة لمؤتمرات أصدقاء سوريا التي توالت إقامتها ردا على الانسداد الذي تسببت به روسيا في مجلس الأمن. وما اكتفى أنان بإظهار الغضب في جنيف، والغياب عن مؤتمر باريس، بل إنه كما سبق القول «نظم أسبوعا إيرانيا بامتياز»، فذهب أولا للقاء الأسد بدمشق، ثم ذهب للقاء المالكي ببغداد، ومن هناك مضى إلى طهران حيث اجتمع بوزير الخارجية صالحي، وبمسؤول الأمن القومي جليلي. ولنلاحظ أنه التقى بجليلي لا للتفاوض على الملف النووي الذي لا علاقة لأنان به، بل على الشأن السوري، وهو المبعوث الدولي - العربي بشأنه!

في سوريا، بادر الأسدُ أنانَ بالتخلي عن بند كان قد صار واضحا أن أنان لا يؤمن بإمكان تطبيقه: تنحية الأسد شرط للدخول في مرحلة انتقالية تفاوضية! ثم أقنعه الأسد بالتخلي عن بند آخر، بحيث روج أنان لما صار يعرف خلال الأيام الماضية بـ«خطة الأسد»! والبند الثاني الذي تخلى عنه أنان من خطته ذات النقاط الست: وقف العنف قبل بدء التفاوض السياسي! فخطة الأسد العظيمة تقوم على «الانسحابات المتبادلة»؛ وهو ما خالف ما اتفق عليه مع أنان قبل ثلاثة أشهر، بل كان يحاول طرد المسلحين والإرهابيين من القرى والبلدات والمدن. وقد شارفت هذه المهمة الجليلة على الإنجاز؛ إذ سبق له أن تحدث عن «حرب» يوشك على الانتصار فيها! وهكذا فليتفاوض أنان مع المعارضة المسلحة على انسحاب متبادل، ومع المعارضة السياسية على بدء الحديث عن حل سياسي. وخرج أنان مقتنعا بـ«خطة» الأسد.. أو هكذا قال. إنما خفف من هذا الاقتناع الظاهر، ما تسرب عن محادثاته ببغداد، فقد قال للمالكي ومحاوريه الآخرين إنه لن يفيدهم في شيء دعم العنف الجاري في سوريا من جانب النظام، كما لم يفد في شيء دعم المسلحين المعارضين للأسد من جانب جهات عربية وتركية.

أما في طهران، فقد كان الأمر أصعب. فالإيرانيون كانوا يريدون التفاوض على أمور لا يملك أنان منها شيئا، تبدأ بمناطق نفوذهم في العراق وسوريا ولبنان، ولا تنتهي بالنووي، بل بمستقبل العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، بعد اشتداد الحصار عليهم ووصوله لتصدير النفط! وكان هم أنان إقناعهم بالضغط على الأسد للدخول في الانتقال السياسي الذي لا يبدأ بل ينتهي بتنحيه عند نهاية مدته عام 2014. لا يملك أنان بالطبع أن يعطي طهران شيئا بالمقابل، ولذا فقد اعتبر أنه «انتصر» ما داموا قد وافقوا على التفكير في سوريا بعد الأسد، أي بعد عام 2014، وحتى ذلك الحين، فإنه سيستمر في التشاور معهم، ويكون عليهم إقناع الأسد وحزب الله بالدخول في ترتيبات المرحلة الانتقالية بالفعل، أو يصبح الأمر مستحيلا على الجميع، وتصبح السلطة السورية هي الخاسر الأكبر بمنظور ما كانت عليه الأمور قبل عام ونصف العام!

ويتوجه أنان أخيرا وبعد الأسبوع الطويل مع المعسكر الإيراني إلى المعسكر الآخر. والمعسكر الآخر مكون من المعارضة السورية المسلحة، والمعارضة السياسية بفرقها الثلاث، واللجنة العربية برئاسة قطر، والجامعة العربية (المتمايزة عن قطر من خلال موقف أمينها العام)، والولايات المتحدة وحلفائها، وتركيا. وقد شكا أنان من قبل، وسيشكو الآن أكثر، من تعدد الأطراف والاتجاهات داخل «جبهة» المواجهة للنظام السوري. لكنه سيجد موقفين أساسيين: موقف يعتبر وقف العنف من جانب النظام شرطا لا بد منه للدخول في التفاوض، وموقف يعتبر تنحي الأسد شرطا لا بد منه للقبول بالدخول في المرحلة الانتقالية. وقد قال أنان لبعض ثقاته إن «العمل مع المعارضين أسهل بكثير من العمل مع النظام السوري، فخلافاتهم يمكن تجاوزها بجمعهم معا. أما من جانب النظام، فلا مفاوض غير الأسد نفسه، وما عادت عنده (قدرة) على تفويض غيره. ولذا لا يمكن التفكير حقا بتنحيته لأن الآلة العسكرية التي تسيطر عليها طهران منذ سنة، لا تعترف بغير الأسد، وسيكون صعبا على رئيس حكومة التوافق - وإن كان بعثيا - أن ينفذ شيئا من دون العودة كل ساعة للأسد الذي ينبغي أن يظل قابعا في قصره لحين انتهاء مدته لكي يمشي الحل».

ومن جهة أخرى، يقول بعض مستشاري أنان من العرب - وهم ليسوا بعيدين عن خنزوانات محمد حسنين هيكل - إن الصدع الزلزالي الذي تحدث عنه الأسد قبل عام صحيح، بمعنى أنه إذا ذهب الأسد ذهبت سوريا! ولكأنما بشار وأبوه هما اللذان أقاما هذا الوطن، وهو يذهب بذهابهما شأن كوريا الشمالية وكيم إيل سونغ وأولاده وأحفاده مثلا.

لن تنجح مفاوضات أنان مع المعارضين ولا مع مؤيديهم. فهو يبدو مستميتا فقط في تجديد مهمة بعثته بعد انتهائها في العشرين من الشهر الحالي. وقد تخلى عن أهم شروط مبادرته وهو وقف العنف، ولذا فلماذا ستقبل المعارضة بالتفاوض تحت وطأة السلاح؟ وهو ما لم تفعله عندما كانت غير مسلحة بعد خمسة أشهر على اندلاع الثورة! بيد أن الأبرز في تراجع عمل أنان ليس التخلي عن مبادرته عمليا؛ بل الابتعاد عن مجلس الأمن؛ إذ الأجدى بالفعل في الضغط على النظام - وبالاتفاق مع الروس - تهديد الأسد بوضع المبادرة تحت الفصل السابع. والروس إن كانوا واثقين من «التقارب» مع واشنطن - وهم كذلك - فإنهم - وبعكس الإيرانيين - قد يقبلون المضي في هذا الطريق. لدى الروس عدة ملفات مهمة يشتركون فيها مع الولايات المتحدة: الملف النووي الإيراني، وملف أمن إسرائيل، وملف أفغانستان الذي يهدد «الإرهاب» فيها الطرفين. وهم مختلفون بالفعل على الدرع الصاروخية، وعلى جورجيا؛ لكن الحديث لم ينقطع حتى في هذه المسائل. وهكذا، فهناك فرق كبير بين طهران المأزومة بالنووي والحصار وبمناطق النفوذ في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان، وبين روسيا الاتحادية القوية والمستغنية، والتي تريد استعادة الشراكة مع الولايات المتحدة على المسرح الدولي. لماذا ابتعد أنان إذن عن مجلس الأمن، أو لماذا لم يحاول الوصول إلى «توافق» الحد الأدنى بين الطرفين بالمجلس؟ أفكار أنان كانت دائما، عندما كان أمينا عاما للأمم المتحدة ثم عندما صار وسيطا دوليا، أنه في أي نزاع ينبغي عدم إلغاء أي طرف أو إضعافه حتى لا يطمع الطرف الآخر فلا يمكن إجراء التسوية. هذا هو الاعتبار الأول. أما الاعتبار الثاني، فهو أن الرئيس الأسد أفضل من خصومه ومعارضيه والتفاوض معه سهل، ويمكن التفكير ببقائه (!). وهذه أفكار يتداولها مفكرو «الأقليات» بالمشرق، ويحاولون ترويجها، مشيرين إلى نموذج جنوب أفريقيا، وهو مثل حساس بالنسبة لكوفي أنان، وإن لم يكف، فانظروا ماذا حصل بالعراق نتيجة التدخل الأجنبي، وماذا حصل بليبيا!

تنتهي مدة بعثة أنان العظيمة في العشرين من الشهر الحالي، وهو سيخاطب مجلس الأمن بهذه المناسبة، فيطلب إنهاء مهمته أو تجديدها أو تعديلها. والراجح أنه سيصر على التمديد، ليس لأنه نجح؛ بل لأن هذا الخيار لا خيار غيره، والتحية لخطة الرئيس الأسد العظيمة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بقاء الأسد.. هدف روسي لم يتغير!

2012-07-12 12:00 AM

الوطن السعودية

من الواضح أن الموقف الروسي من الأزمة السورية لم يتغير، بعد زيارة وفد من المجلس الوطني السوري إلى روسيا غداة تقدم موسكو بمشروع قرار إلى مجلس الأمن لتمديد تفويض بعثة المراقبين الدوليين في سورية، وأن المسؤولين الروس كانوا يسعون من خلال المباحثات إلى تغيير مواقف المعارضة التي تصر على تنحي بشار الأسد قبل البحث في أي إجراءات تتعلق بالمرحلة الانتقالية المحتملة، وهو ما لا تريده روسيا، وإنما تريد نقيضه تحديدا، مهما قيل عن وجود مباحثات سرية في هذا الشأن.

تصريحات مسؤولي المعارضة السورية، عقب المباحثات، تدل على أنه لم يتم إحراز أي تقدم يذكر، فقد صرح عبدالباسط سيدا رئيس المجلس الوطني السوري قائلا: "أؤكد باسم كل المعارضة الشعبية في سورية أن الحوار غير ممكن ما لم يرحل الأسد، لكن روسيا لها رأي آخر"، وهو ما أكد عليه برهان غليون عضو المكتب التنفيذي في المجلس الوطني، ورئيس المجلس سابقا حين قال: "لم نلاحظ تغيرات في الموقف الروسي. كنت هنا قبل سنة والموقف الروسي لم يتغير".

الخلاف مع روسيا، خلاف حول ماهية ما يحدث في سورية؛ فالروس لا يريدون أن يدركوا أن الأحداث السورية ليست خلافا مجردا بين المعارضة والسلطة، حول آليات معينة، وإنما هو ثورة شاملة بالمعنى الحقيقي للثورات التي تستلزم تغيير النظام بكل رموزه وأساليبه دون استثناءات، وهو ما عبر عنه سيدا في بداية المباحثات مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حين وصف الواقع السوري بأنه "ليس مجرد خلاف بين المعارضة والحكومة، بل ثورة"، وشتان بين الأمرين.

الرد الروسي العملي المباشر على المعارضة السورية جاء بعد وقت قصير من انتهاء المحادثات، حيث أعلنت موسكو أنها ستواصل تسليم الحكومة السورية أنظمة مضادات جوية، وبحسب وكالة أنباء انترفاكس عن مساعد مدير الجهاز الفدرالي للتعاون العسكري الروسي فياتشيسلاف دزيركالن قوله: "سنواصل تطبيق عقد تسليم أنظمة مضادات جوية"، مما يعني إعلانا واضحا عن استمرار الموقف الروسي في طريقه الأولى، وأن الهدف من المباحثات مع المعارضة لم يكن يتجاوز السعي إلى كسب تغيير في موقف المعارضة، بما يضمن بقاء الأسد بقاء يهبه الشرعية التي يؤمن أقطاب المعارضة بأنه فقدها منذ اندلاع الثورة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية ... قرار بموجب الفصل السابع

الراية

12-7-2012

الموقف الذي أعلنته المعارضة السورية بعد زيارة وفد من المجلس الوطني السوري لموسكو من أنها فشلت في تغيير الموقف الروسي من الأوضاع في سوريا وتحميل روسيا والدعم الروسي لنظام بشار الأسد مسؤولية استمرار أعمال العنف في سوريا يُشير بشكل لا لبس فيه أن الموقف في مجلس الأمن الدولي سيبقى يراوح مكانه. وأنه لن ينجح في استصدار قرار ملزم يضغط على النظام السوري لوقف العنف والقتل وإراقة الدماء بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بسبب الفيتو الروسي والفيتو الصيني اللذين سيكونان حاضرين ضد أي مشروع قرار بهذا الشأن يمكن أن يبحثه المجلس.

كما أن الإعلان الروسي عن مواصلة موسكو تسليم أسلحة إلى نظام الرئيس بشار الأسد رغم وجود حظر دولي، والادعاء أنها أسلحة دفاعية والذي جاء عقب زيارة وفد المعارضة السورية إلى موسكو يشير بوضوح إلى أن موسكو اختارت الجانب الذي تقف معه وأنها لن تسمح بالتالي بصدور أي قرار يدين حليفها النظام السوري أو يسمح بممارسة ضغوط حقيقية عليه لإجباره على وقف العنف. وأنها تخلت عن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية كحليف للنظام السوري في الضغط عليه لوقف قتل شعبه.

إن صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي الذي استمع إلى تقرير من الموفد العربي والدولي والمشترك كوفي عنان عن الأوضاع في سوريا لا ينصّ صراحة على وقف العنف والقتل والبدء الفوري في تطبيق مبادرته ولا يستند إلى البند السابع سيكون مضيعة للوقت ولن يكون له أي تأثير في مجريات الأوضاع في سوريا، ولن ينال تأييد ورضا الشارع السوري الذي فقد الثقة أو كاد أن يفقدها في جهود المبعوث المشترك الذي فشل في إقناع النظام السوري بتطبيق مبادرته ذات النقاط الست، حيث أصبح الشعب السوري يرى في مبادرته التي لم تنفذ غطاءً للقتل اليومي الذي يتعرّض له في معظم المدن والبلدات السورية.

الفشل المتوقع لمجلس الأمن في إصدار قرار يدين العنف ويجبر النظام تحت طائلة العقوبات والتهديد بتحرّك عسكري على وقف قتل أبناء الشعب السوري المطالبين بالحرية والتغيير يلقي بالمسؤولية الكبرى على المجتمع الدولي في البدء بالبحث في خيارات أخرى من أبرزها التحرّك من خارج مجلس الأمن الدولي لتوفير الحماية للشعب السوري من خلال مناطق حظر طيران ومناطق آمنة للجوء السوريين بعد أكثر من ستة عشر شهرًا على اندلاع الثورة السورية منعًا لمزيد من الضحايا الذين وصل تعدادهم إلى أكثر من ثمانية عشر ألف قتيل سقطوا برصاص قوات النظام وأجهزته الأمنية وشبيحته معظمهم من المدنيين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عنان وتجريب المجرب  .. طارق محمد الناصر

الرياض

12-7-2012

بعد اعترافه بالفشل في مهمته في سوريا قام المبعوث الدولي كوفي عنان بالعودة إلى محاولة تجريب المجرب فزار دمشق وطهران وبغداد. في كل محطة حل بها ردد نفس الكلام بضرورة إشراك إيران في الحل دون أن يشرح لنا كيف يمكن لإيران أن تكون جزءاً من الحل في حين ان المعارضة ترى بأنها منحازة بالكامل وتمثل جزءاً من المشكلة.

فهاهو وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي يصرح الاثنين الماضي لوكالة رويترز للأنباء بان "الشعب السوري يجب أن تتاح له حرية اختيار رئيسه بنفسه في الانتخابات المقررة 2014، وان قطاعاً كبيراً من المتمردين ينتمي لجماعات متشددة متطرفة وان أشخاصاً كثيرين من دول مختلفة يتدفقون على سوريا ويرفعون السلاح ضد الحكومة"

الحديث عن انحياز إيران للنظام السوري حديث لا يحتاج إلى دليل، وما تصريح صالحي أعلاه إلا الجزء الذي لا تنكره إيران وإلا فان المعارضة السورية ساقت كثيرا من الاتهامات المدعمة بالأدلة بانخراط إيران ميدانياً بالسلاح والمال والرجال في سحق مطالب الحرية والكرامة التي يُذبح من أجلها السوريون كل يوم.

يبدو غريباً أن يقع عنان، مرة جديدة، في فخ الرئيس السوري ليتبنى اقتراحه الداعي" لوضع منهج تدريجي يبدأ من بعض المناطق التي شهدت أسوأ أعمال عنف في محاولة لاحتوائه فيها والبناء خطوة بخطوة على ذلك لإنهاء العنف في مختلف أرجاء البلاد." وتشديده على "أهمية المضي قدماً في الحوار السياسي الذي يوافق عليه الأسد"

من ينادي بالحوار بين الحكومة والمعارضة في سوريا ويبشر بتشكيل حكومة وحدة وطنية، بناء على ذلك الحوار، هو شخص يعيش خارج هذا العالم. فدماء عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمختطفين تجعل أي فكرة لبقاء الأسد على رأس السلطة مرفوضة تماماً وتجاوزتها الأحداث بكثير.

الحقيقة التي لم يدركها عنان بعد هي انه لا يوجد إلا حل واحد يجنب سوريا مستقبل غاية في السواد. فسوريا الآن تعيش، فعلاً، في حرب أهلية توشك أن تتحول إلى حرب طائفية والاستقطاب على أشده وليس هناك، لدى الطرفين، مكان للمحايدين. فالمواطن السوري مطالب اليوم بأن يكون إما مع الثورة أو مع النظام.

الحل الذي يضمن بقاء الدولة السورية ويحافظ على هياكلها ويجنبها التقسيم والغرق، لسنوات وربما عقود، في بحر من الدماء يكمن في تنحي الأسد من منصبه لصالح نائبه ومن ثم جلوس الأخير مع المعارضة للحوار حول شكل سوريا المستقبل.

هذا هو الحل المثالي أما الحديث عن دور إيراني والوثوق بتعهدات الأسد، التي لم يف يوماً بها، فليس إلا مضيعة لوقت ثمين يمكن أن يشكل الفارق بين بقاء الدولة أو اضمحلالها لمصلحة الدويلات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثالوث المدمر للشعب السوري  .. فهيم الحامد

عكاظ

12-7-2012

فشل كوفي عنان مرة أخرى في حلحلة موقف النظام السوري حيال وقف نزيف الدم، ودخلت مهمته التي مضى عليها عدة أشهر دون حدوث اختراقات إيجابية غرفة الإنعاش، ومرحلة الاحتضار من جديد.

والسؤال الذي يطرح نفسه أين يكمن الخلل؟ يكمن في جملة من الأسباب. من ضمنها: عدم تحديد سقف زمني لمهمته المطاطية، والشعور السائد في المنطقة أن هذه المهمة أعطت فرصة للنظام في استمرار القتل والتعذيب، وإصرار النظام الأسدي على خياره الأمني العسكري الذي استفاد من هذه المهمة للأسف الشديد والتمادي في قتل شعبه، ودعم طهران وبغداد للنظام الدموي في دمشق لقتل الشعب السوري، واستمرار موسكو وبكين في مؤازرة نظام ساقط لامحالة.

عنان القادم من دمشق وطهران وبغداد وهي الثالوث المدمر للشعب السوري المناضل والذي يدفع ثمن الحفاظ على الأرض السورية وكرامتها التي تحاول بغداد وطهران تلويثها والسيطرة على مقدراتها والدفع بها في أتون الحرب الأهلية والطائفية بدعم رئيس النظام الأسدي وبمباركة قم والنجف وموسكو وبكين يعود مجددا لمجلس الأمن لطرح تقريره عن مهتمه، وكان من الأجدى لعنان أن يعود لمجلس الأمن بطرح فكرة استخدام حق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما أجمع عليه مؤتمر أصدقاء سورية في باريس وغاب عنه عنان لأسباب غير معروفة.

عنان لم يتمكن خلال جولاته المكوكية من إقناع النظام بسحب قواته من الشوراع، بل إن قوات النظام باتت أكثر تواجدا وأكثر قتلا من قبل بدء مهمة عنان، ولم ينجح في فرض المناطق الآمنة والممرات الإنسانية. والضحية الشعب السوري الذي اختطفته موسكو وبكين، وأصبح رهينة في أيدي الإيرانيين وأعوانهم في العراق. والخاسر الوحيد هو الشعب السوري الذي سينتصر في النهاية، وسيكسب الرهان لأنه أثبت أنه قادر على الاستمرار في التضحية والإقدام وصولا لضفاف الحرية التي دفع ثمنها أرواح ثورة الكرامة. إن رهان النظام في إدخال سورية مستنقع الاحتراب والانقسام والتقسيم أصبح ظاهرا للعيان لكن السوريين قادرون على التعامل مع أخطار هذه الحرب التي فرضت عليهم والتي تعتبر بالنسبة لهم معركة موت وليس حياة لإيمانهم بعدالة قضيتهم، وإصرارهم على الظفر بمعركة الحرية والكرامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلنا سوريون  .. علي حماده

2012-07-12

النهار

فكرت طويلا قبل ان اكتب هذا المقال، مع ان العنوان "كلنا سوريون" سكنني منذ اللحظات الاولى لاشتعال ثورة الحرية والكرامة في درعا في الثامن عشر من آذار٢٠١١. في ذلك اليوم ولدت سوريا مجددا فيما كان طغاتها يقولون ان سوريا مختلفة عن بقية البلدان العربية، وان النظام يعكس تطلعات الشعب! في تلك اللحظة فهمت ان بشار الاسد لم يفقه شيئا مما كان يعتمل في سوريا، وانه ككل وارث أتاه كل شيء على طبق من ذهب لم يفهم ناس سوريا. في خطابه الأول امام مجلس الشعب بعد اول مجزرة في درعا، اي في الثلاثين من آذار ٢٠١١، اثبت بشار انه صار جزءا من ماضي بلده وأنه خسر المستقبل.

منذ آذار ٢٠١١ والشعب السوري يقدم لنا درسا، بل دروسا في الكرامة والشجاعة والمروءة والإقدام والابداع والابتكار في مواجهة مع نظام قال احد ابرز قادته قبل اشهر انهم وفي سبيل إنقاذ النظام لن يتأخروا عن القتل حتى لو كلف ذلك التخلص من ثلث الشعب السوري! كم يذكرنا هذا المنطق بالنازية والستالينية وكل الفاشيستيات الدموية المجرمة. كم يذكرنا بالصهيونية التي قامت على مشروع ابادة شعب لإحلال شعب آخر مكانه (أليس هذا ما يحصل اليوم في حمص وريفها ومناطق اخرى محاذية للدويلة العلوية؟).

كلنا سوريون لاننا مع كل ثائر لكرامته وحريته وللعدالة.

كلنا سوريون لاننا مع كل انسان، عربيا كان ام غير عربي يضحي بالغالي والرخيص لاجل وطنه، يقدم الشهيد تلو الشهيد على مذبح قضية عادلة ومحقة.

كلنا سوريون لاننا مع كل ثائر على الظلم والاجرام والقهر والاذلال.

كلنا سوريون لاننا في لبنان عانينا الأمرين من قتلة الاطفال في سوريا حتى صرنا نلقبهم بـ"قتلة الاطفال في سوريا وقتلة الاستقلاليين في لبنان".

كلنا سوريون لاننا على يقين ان سوريا تستحق مستقبلا افضل من الذي اعده حافظ الاسد قبل مماته، فأورث بلدا بأسره الى اولاد حملوا في جيناتهم الجريمة والفساد.

كلنا سوريون لاننا نحب ان نحيا حياتنا بأمل وفرح بعد ان نتخلص من هذا السجن الكبير.

لقد مر خمسة عشر شهرا من الثورة، وقتلوا ما يقارب السبعة عشر ألفا ودمروا نصف البلاد وأحرقوها، ومع ذلك نلحظ ان الثوار اكثر تصميما من اي وقت مضى وان بشائر تحرير سوريا من إرث حافظ الاسد تقترب بسرعة، وان علامات الولادة الجديدة لسوريا الجديدة ترتسم بوضوح اكبر.

كلنا سوريون وكلنا لبنانيون، نضالهم هناك نضالنا ونضالنا هنا نضالهم. يتحررون فنتحرر معهم، ويخسرون معركة التحرير، ولن يخسروها فندخل كلنا من بيروت الى دمشق وحلب وحمص السجن، اذا بقي منا احد ليسجن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : لأن بشار الأسد ساعد حزب الله فمن حقه أن يقتل السوريين ويغتصب السوريات ... عقل السيد حسن نصر الله إذ يحلل ويركب .. زهير سالم*

يعلم المتابعون لأمور الملل والنحل أن الشيعة عموما و ( الاثنا عشرية ) خصوصا هم من أكثر الفرق الإسلامية عناية بالمنطق كمعرفة ومرجعية ومنهج . وربما يخفى عن الكثيرين أن مذهب القوم في الاعتقاد هو متابعة لمذهب المعتزلة ممن يسمون عقليي الإسلام . ينتسب القوم إلى واصل بن عطاء أو ينسبونه إلى أئمتهم ويمضون على سبيله في تعظيم شأن المنهج العقلي في الاستدلال والاحتجاج .

 

عندما قرأت كتاب الحكومة الإسلامية لآية الله الخميني منذ ربع قرن تقريبا هالني فيه أنه يستند إلى أقوال أرسطو وأقوال الحكماء ( الفلاسفة ) أكثر من استناده إلى ( قال الله... قال رسوله ..) كما تعودنا أن نقول في مدرستنا الإسلامية :

 

العلم قال الله قال رسوله .... وما سوى فأضغاث أحلام

 

بل كثيرا ما كنت أرصده يضرب عن الاستشهاد بالحديث النبوي الصحيح مقدما عليه قول الفلاسفة وأهل الحكمة كما يفضلون أن يطلقوا عليهم .

 

هذه المقدمة ضرورية لتأكيد أن السيد حسن نصر الله كتلميذ في مدرسة الولي الفقيه هو ضليع في علم المنطق وفي مناهج استخلاص النتائج من المقدمات . وإنه ليس في موضع من يقال له عندما يرتكب المغالطات أخطأت أو أسرفت ، بل هو عندما يفعل ذلك  يفعله عن علم وسوء قصد . هو فيما يضلل ويخادع مشمول بقوله تعالى (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ..)) .

 

وليسمح السيد حسن نصر الله أن نقول له إن عملية التضليل التي تحاولها في كل مرة تعتلي فيها منبرا لا تليق بصاحب عمامة كما لا تليق بعاقل بل لا تليق بإنسان يحترم عقول مخاطبيه .

 

لن نذهب في هذا السياق في مناقشة ما حاول السيد حسن نصر الله بالأمس تحويله إلى رسائل نارية يضغط بها على أعصاب الجماهير  فيستدر عطفها  وتعاطفها و تأييدها لقاتل أطفال ومغتصب نساء !!

 

 لن أناقش ادعاءات السيد حسن عن سورية الترسانة الصاروخية ، والتي اخترقها الطيران الإسرائيلي في عمقها !! ولا عن سورية القوية القادرة ، والمحتل لجولانها منذ أربعين سنة لم يدفع فاتورة الماء ولو لمرة واحدة !! ولن أناقشه في تعزيته ( بالشهيد ) آصف شوكت ، ( وشهيده ) الآخر عماد مغنية ، قتل وهو خارج من مكتبه في حصنه الحصين على يد الموساد الإسرائيلي ( زعموا ) وقالت زوجته غير ذلك قبل أن يفرض عليها الصمت الكهنوتي إلى الأبد ..

 

لن أستغيث كما فعل السيد حسن نصر باستحضار حصار غزة وأبناءها الذين جوعهم الصهيوني ، وأنسى كما فعل هو حصار أهل حمص وأطفالها الذين يجوعهم حلفه المريب ، ولن أستدعي جرائم بني صهيون في الضاحية الجنوبية وأتناسى كما تناسى السيد ما فعله المجرمون بشار وماهر الأسد ودواد راجحة وآصف شوكت وحسن تركماني ومحمد الشعار وهشام بختيار في كفر عويد وكرم الزيتون وبابا عمرو والقبير والحولة وتفتناز والتريمسة وحمورية والحجيرة ودوما ودرعا ( لم يستحق أحد من ضحايا هذه المجازر من السيد تعزية !! ) . لن أفعل ذلك لأنني أكثر انحيازا للمقاومة والممانعة ولمشروع عزة الأمة ، ولن أفعله لأنني إذا أجريت المقارنة بشروطها المنهجية الموضوعية فسيكون المستفيد منها من لا أرغب أن أصرح باسمه ولا بوصفه على حساب هذه اليد الشلاء التي طالما تمنينا أنها منا وفينا لا تكون . لن يعجب أحد من المقاومين الحقيقيين أن نقارن مستوى الإجرام في نفس قاتل محمد الدرة وقاتل حمزة الخطيب ...

 

سأعود بالسيد كما يحب أنصاره أن يدعوه وكما أحب أن أجاملهم فيه إلى السياق المنطقي الذي حاول أن يحاصر عقول جماهير مخاطبيه فيه .

 

الذي خطب السيد حسن به : أنه بما أن بشار الأسد داعم للمانعة والمقاومة فيجب أن نقف إلى جانبه في مشروع استعباد السوريين  وسلب حريتهم وممارسة الاستبداد عليهم !!

 

والذي احتج السيد به أنه بما أن بشار الأسد قدم لحزب الله صواريخ سورية الصنع  في حرب تموز فيجب أن نؤيده في مشروع سرقة أموال السوريين وقتل رجالهم  واغتصاب نسائهم ..!!!

 

ولم يقل حسن نصر الله كلاما غير هذا ، ولا يستطيع أحد أن يستنتج من كلامه غير هذا .

 

ولأنه لا يجرؤ حسن نصر الله ولا غيره أن يزعم أن سوريّاً واحدا ثار على بشار الأسد لأنه ساند المقاومة في لبنان أو في فلسطين ؛ ولأنه لا يجرؤ أحد أن يقول إن سوريّاً واحدا احتج على بشار الأسد لأنه قدم لسلاح حزب الله ممرا ، أو جعل من دمشق لقيادته في حربها مع الإسرائيليين مقرا ؛ يصبح كل ما قاله السيد حسن في هذا الإطار من اللغو الباطل ومن غثاء القول الذي ينتمي إلى الكلمة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

 

الشعب السوري ثار على بشار الأسد رفضا للاستبداد ، واحتجاجا على الفساد . وحمل السلاح دفاعا عن الدم والعرض . وهذا الذي ما يزال السيد حسن نصر الله يراوغ فيه ويضلل عنه . منطق لأنك طويل القامة أو أبيض البشرة فإن جوابك على مسألة الرياضيات صحيح هو منطق يدلل على سخافة القائل به أو على طائفيته وعنصريته .

 

 ثمة ركيزة أخرى حاول السيد نصر الله أن يتوكأ عليها في بهلوانية الدفاع عن القاتل مغتصب النساء مما لا يليق بسيد معمم بعمامة سوداء . ذلك قوله إن المستهدف في هذا الذي يجري في سورية هو الجيش السوري كما كان المستهدف في الحرب على العراق هو الجيش العراقي .  وهي كما يلاحظ القارئ بهلوانية ذات إيحاءات متمادية ، دون أن يتوقف السيد عند الذين قالوا لولا إيران لما استطاعت أمريكا أن تحتل العراق . لا علينا من أمر العراق الآن و لنعد إلى الساحة السورية ، لنسأل السيد من إذن هو الذي زج بالجيش والشعب السوري في ساحة الصراع ؟ أجب  وأنت تتابع نكوص العالم عن تقديم أي مساعدة لأشلاء الأطفال المبعثرة في سورية ؟ من زج بالجيش السوري في المعركة مع أطفال درعا أولا ثم مع أبناء البلدات السورية ثانيا ، ثم مع أبناء المدن السورية ثالثا ؛ ثم من حاصر أحرار هذا الجيش في الخيار الرهيب : تَقتلون أو تُقتلون حتى كان ما كان ..

 

ترقبت حديث السيد حسن نصر الله منتظرا أن أستمع منه مراجعة عقلية لانخراطه الأعمى في مشروع المستبدين الأشرار. أردت أن أجد عاقلا يتذكر قول عمر رضي الله عن عمر ( ولا يمنعك قضاء قضيته في أمسك أن تراجع به نفسك  فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ) . وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ .

لندن 19 / 7 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنان... القتل خطوة خطوة! .. راجح الخوري

2012-07-12

النهار

ثلاثة اشهر كارثية بعد ثلاثة اشهر كارثية. اذاً دعوا كوفي انان يواصل تقديم مسرحيته الفاضحة فليس هناك الآن من يعمل او يريد وقف نهر الدم الذي يغرق سوريا منذ 16 شهراً.

ولأن اميركا غارقة في السبات الانتخابي، واوروبا متخبطة في وحول الازمة الاقتصادية وفي الهلع من مجرد التفكير في خوض "التجربة الليبية" في سوريا، ولأن الجامعة العربية تراوح في الغياب والشلل مكتفية بمراقبة ما يحصل من مآسٍ وبتقديم فتات من سلاح ومساعدات مادية الى المعارضة السورية، ولأن روسيا تريد العودة الى المسرح الدولي من بوابة "الاستقطاب الثنائي"، ولأن ايران ستقاتل حتى النهاية في محاولة للحفاظ على النظام السوري رأس الجسر الاستراتيجي الذي اوصل نفوذها الى شواطئ المتوسط... لأجل هذا كله سيتجاوز مجلس الامن في 21 تموز الجاري كل رصيد القتل في الاشهر الثلاثة الاولى التي اعطيت لمهمة انان [اي ثلاثة آلاف قتيل جديد] ليعطيه مهلة ثلاثة اشهر جديدة لمزيد من القتل وحمامات الدم!

هذه هي خلاصة الوضع وحصيلة محادثات انان في سوريا وايران والعراق، بعد خلاصة مؤتمر جنيف المهزلة، والعراضة الاعلامية الدعائية لـ"مؤتمر اصدقاء سوريا" الذي عقد في باريس، وكذلك للمحادثات التي تجريها المعارضة السورية في موسكو. فبعد ثلاثة اشهر على خطته السداسية التي دعت الى وقف فوري للنار وسحب الدبابات من المدن والانتقال الى الحل السياسي، ها هو المستر انان ينهي محادثاته في دمشق بما يشبه الفضيحة، عندما قال انه يحمل افكاراً جديدة ويا لها من افكار تقوم على تقسيط الخطة: "اقترح الاسد وضع منهج تدريجي يبدأ من بعض المناطق التي شهدت أسوأ أعمال عنف في محاولة لاحتوائه فيها والبناء عليه خطوة خطوة لأنهاء العنف في البلاد"!

هكذا بالحرف وهو ما يمثل في الواقع وقياساً بما يجري من قتل وتدمير [سقط 60 قتيلاً اول من امس بينما كان انان يحادث الاسد] مجرد تانغو للموت المتواصل او مجرد فضيحة اخلاقية، وخصوصاً عندما نقرأ ان انان وصل الى التسول عندما قال للاسد: "نريد منكم بادرة حسن نية في اي نقطة نتفق على الانطلاق منها".

عندما قال انان: "لقد فشلنا في المرحلة الاولى ويجب ان نكون خلاّقين ونحاول من جديد"، تسربت انباء تتحدث عن سعي لتحريف مهمة المراقبين الدوليين بحيث يحاولون منع وصول الاسلحة الى المعارضة بدلاً من مراقبة ورشة القتل الناشطة، وذلك يكشف حقيقة خطة انان التي اصبحت مجرد سرادق دولي روسي وغربي يرتفع فوق سوريا لحجب حمامات الدم التي ستستمر طويلاً وستصيب الكثيرين بمن فيهم الايرانيون الذين اعلنوا امس ان لا تغيير في سوريا قبل موعد الانتخابات في سنة 2014!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا..هل بدأ النظام يواجه خطر تفككه؟  ..  عريب الرنتاوي

الدستور

12-7-2012

سجّلت الأيام القليلة الفائتة تطوراً لافتاً في حركة الانشقاق عن النظام السوري...ضباط رفيعو المستوى ومعهم عشرات المنتسبين من رتبت عسكرية أقل، عبروا الحدود إلى تركيا...العميد مناف طلاس، بما يمثل ومن يمثل، تخلى عن موقعه على رأس الفرقة 105 من الحرس الجمهوري ليلتحق بصفوف المنشقين...سفير دمشق في بغداد، يدشن – ربما – لبداية تفكك السلك الدبلوماسي السوري المعتمد في الخارج، فهو أول دبلوماسي على هذا المستوى يخرج على النظام بعد ستة عشر شهراً من الاحتجاجات الشعبية والمواجهة الدامية، وقبله كان طيارٌ في سلاح الجوي السوري، يحط بطائرته الميغ 23 في مطار المفرق، كأول طيار وأول طائرة يغردان خارج سرب النظام.

من السابق لأوانه الحديث عن تفكك النظام وانهياره من الداخل...لكن هذه المؤشرات رفعت منسوب التوقعات لدى كثيرٍ المراقبين للشأن السوري، حيث بدأ هؤلاء حديثاً عن “مفاجآت” محتملة، قد تشمل قطعات عسكرية كاملة (لواء فما فوق) أو ربما انشقاق شخصيات من الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس، ولقد كشف خبر انشقاق فاروق الشرع الذي انتشر قبل أيام، انتشار النار في الهشيم عن “المزاج” الذي يعيشه المراقبون، برغم كونه مجرد شائعة لم تؤكدها أية مصادر موثوقة.

ثمة حدود، تطول أو تقصر، لقدرة أي نظام سياسي على حفظ وحدته وتماسكه في لحظات عصيبة كتلك التي يمر بها النظام السوري، ولقد أظهر النظام السوري تماسكاً استثنائياً حتى الآن، كان سبباً في بقائه طوال هذه المدة (هناك أسباب أخرى بالطبع)، وكان الاعتقاد السائد في أوساط شرائح عديدة من النظام، بأن “الخيار الأمني/العسكري” سيعطي أكله، وأن السوريين سيطوون أزمتهم الحالية كما طووا بالأمس، أزمات عديدة لم تكن أقل تفاقماً.

لكن دوائر النظام وأوساطه الداخلية، بدأت تدرك (متأخرة كعادتها) أن الخيار العسكري/الأمني، الذي جُرّب بقسوة طوال عام ونصف العام، لم يفض إلى إسكات صوت المعارضة، السلمية والمسلحة، ولم يحل دون انتشارها إلى مختلف المناطق السورية، بل جرف إلى أتون المواجهة بأشكالها المختلف، شرائح جديدة من المواطنين والمناطق، وبصورة لم يعد معها أحدٌ قادرٌ على التنبؤ بما ستأتي به الأيام القادمة من تطورات.

في مثل هذه المناخات والآفاق المسدودة، ومع تنامي ضغوط الداخل على أركان النظام للانشقاق عنه، وتزايد إغراءات الخارج لهم للقفز من على سطح السفينة الآخذة بالغرق، فإن من المتوقع أن تتسع ظاهرة التمرد والانشقاق كبقعة الزيت فوق رداء أبيض...يساعد على ذلك أن النظام نفسه، لم يعد قادراً على أن يعد بأي شيء، سوى القتال حتى آخر سوري لمواجهة ما يسميه “العدوان الكوني” على سوريا.

نحن نعرف أن اتصالات مباشرة وغير مباشرة، تُجريها أطراف عربية وإقليمية ودولية مع مسؤولين وضباط كبار وسفراء لحثهم على الإنشقاق، وأن ثمة موازنات كبرى قد رصدت لهذه الغاية، وأن قرارات منح اللجوء السياسي قد اتخذت بانتظار تعبئة النماذج الخاصة بها...لكن هذا وحده لن يكون كافياً لتفسير الظاهرة حين انتشارها واتساع نطاقها، وهو أمر بات محتملاً أكثر من أي وقت مضى...التزايد الواضح في أعداد ومستويات المنشقين، لا يُفَسّر إلا بفشل الخيار الأمني وارتفاع كلفته وانسداد آفاقه.

ستتحدث الدعاية الحكومية السورية عن حفنة من “الخونة” و”العملاء” الذين باعوا ضمائرهم “من أجل حفنة من الدولارات”...وسيجري تسفيه دورهم ومكانتهم في مؤسساتهم، تماماً مثل فعل طلاس الأب (طائعاً أو مكرهاً) في وصف نجله طلاس الابن، لكن ذلك كله لن يقلل من أثر الظاهرة، ولا يحد من تداعيات على تماسك المؤسسة ووحدة النظام...يبدو أن طاقة النظام على الوحدة والتماسك، قد بلغت ذروتها...يبدو أن قبضته المتراخية على أجزاء واسعة من سوريا، الأرض والشعب” قد بدأت تتراخى أيضاً في حفظ وحدة مؤسساته الأمنية والعسكرية والدبلوماسية.

وستُشجع ظواهر من هذا النوع، المعارضة على المضي في مطالبها الرافضة لأي حوار مع النظام والداعية لإسقاطه أن تنحيه كشرط مسبق للحوار والانتقال...وستُضعف فرص الوصول إلى مخارج سياسية تحت مظلة عنان أو غيره...كما ستُشجع ظواهر من هذا النوع، داعمي المعارضة، خصوصاً الأكثر حماساً للعسكرة و”الحسم” على رفع وتيرة التسليح والتهريب والتمويل والتدريب، وسيكون ذلك كله، بمثابة إيذان باتساع رقعة المواجهات الدامية وإطالة أمد الحرب الدائرة في سوريا، وربما تكون “نذيراً” بانهيار الدولة وتفكك مؤسساتها.

والخلاصة المفجعة، أن كل يوم يمضي على الأزمة السورية المتفجرة، ومع كل موجة تسقط من الضحايا الأبرياء وغير الأبرياء، نكتشف أن هذه الأزمة ما زالت في بدايتها، وأن الأسوأ ما زال أمامنا وبانتظارنا، ولم يعد وراءنا كما كنّا نأمل ويأمل السوريون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كل هذا على المسرح السوري! .. طارق مصاروة

الرأي الاردنية

12-7-2012

أن يمتنع كوفي أنان عن حضور مؤتمر باريس «لأصدقاء سوريا»، وأن يذهب من طهران إلى بغداد بعد رحلة عادية غامضة إلى دمشق!!. وأن يحمل كل ثقل هذه المعجزات الدبلوماسية إلى مجلس الأمن مع مشروع قرار روسي يدعو لوقف العنف في سوريا مدة ثلاثة أشهر. فذلك كله ناتج عن معرفة السياسي الدولي العتيق بأن القرار الأميركي والأوروبي مشلول ومعوّق.

- نعرف حجم النفوذ الإيراني في سوريا، وربما نفهم سبب زيارة أنان لطهران، ولكن ما علاقة بغداد المالكي بالأوضاع في سوريا، ومحاولة وقف التذابح فيها، إذا كانت حكومة المالكي ذاتها غير قادرة على وقف حمامات الدم اليومية التي تعيشها بغداد والحلة وكركوك والرمادي وكل مدن العراق؟!.

- ثم هل رتب الأمين العام السابق أنان قصة العميد طلاس مع السلطات السورية، أم أن الرجل ما تزال إقامته لغزا؟!. هل غادر عن طريق تركيا إلى باريس، وتركيا تنكر ذلك؟ هل مرَّ من لبنان؟!. هل مرّ من الأردن دون علم الدولة وأجهزتها؟. أم أن الرجل ما يزال مكانه في دمشق، وأنه يلمع شعره الأسود الطويل لرئاسة الوزراء المقبلة أو وزارة الدفاع.. باعتباره رجل الحل الذي خرج من عُب النظام، ويحمل لقب المنشق، السنيّ، الذي قدم أبوه من الرستن معقل الثورة في شمال سوريا، ونسي مكان ولادته في موجات عشقه للورد الشامي وجينا لولو بريجيدا، ومؤلفاته فيها؟!.

كانت دمشق دائماً مسرح الدراما القومية العربية، وكانت تحمل لقب قلب العروبة النابض. دمشق الآن كل شيء غير تلك الدراما، وغير ذلك القلب. فنحن نشهد منذ عام ونصف مسرحية كوميدية، بدستورها الجديد غير القابل للنشر، وبانتخاباتها النيابية التي لا تعلم أجزاء سورية كثيرة عنها شيئا، ونشهد مسرحية اللامعقول على مداها الدولي.. في مجلس الأمن الذي لا يتفق على أن في سوريا ما يستحق الاهتمام، ومهمة كوفي أنان التائهة بين دمشق وموسكو وطهران وبغداد.. ومحطتها النهائية في نيويورك حيث يتقن الكبار لعبة طبخ الحصى، وتقديمه لمليوني سوري لاجئين في وطنهم وفي تركيا ولبنان والأردن وشتات العالم!

الذين ينتظرون شيئاً من اجتماع مجلس الأمن اليوم سينتظرون طويلاً.. فأميركا وأوروبا غير معنيتين، وروسيا تتابع أوضاع سوريا من خلال جمهورية الشاشان والمجاهدين. وتعرف أن دول الخليج العربي غير قادرة على الضغط عليها، والمعارضة السورية تجد نفسها في الحل العسكري الذي لا تملك غيره!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يمكن تسمية النزاع في سورية بالحرب الأهلية؟ .. روجر أوين *

الخميس ١٢ يوليو ٢٠١٢

الحياة

تعلّمنا تسمية عدد كبير من الفترات التي شهدت صراعاً داخلياً في تاريخ البشرية بالحروب الأهلية. وبرزت محاولات عديدة لتحديد طبيعتها وفق مشروع لتحديد هويات الحروب تأسس في جامعة ميتشيغن عام 1963 والذي يشير إلى أنّ الحرب تسمى بالحرب الأهلية عندما تكون المواجهة قائمة بين حكومة ما وبين كيان ما ليست له صفة حكومية بحيث تُشرك الحكومة الآلاف من جنودها في القتال ويسقط ضحايا في صفوفهم خلال المعارك.

وفي ما يتعلق بما يجري حالياً في سورية، يبدو أنّ النقاش الدائر حيال تسمية ما يجري بالحرب الأهلية أو عدمه هو مسألة سياسية، ولا يقتصر الموضوع على مجرّد تحديد ويعتمد بشكل كبير على تأثير مجموعة معيّنة من الذكريات التاريخية التي تبدو ثقافية بأغلبيتها.

لننظر في السياسة أولاً. في حال صحّ أن إدارة أوباما وحلفاءها الأوروبيين يحاولون من خلال تسمية ما يجري، بالحرب الأهلية كما هي الحال أو اعتبار أنّ الوضع سيتحوّل إلى حرب أهلية، إرسال تحذير معيّن إلى النظام السوري، فلا يُنظر إلى هذه المسألة بهذه الطريقة في دمشق وربما في موسكو أيضاً. فالأكيد أن الحروب الأهلية تفترض وجود طرفين فيها بينما ينظر إلى الأمر من وجهة نظر نظام الأسد على أن هناك طرفاً واحداً هو الحكومة وحدها، بينما الطرف الآخر يتألف بشكل واسع من «مرتزقة» أو من مقاتلين مدفوعين من الخارج. وما يثير قلقهم أكثر هو الإشارات التي تدل إلى وجود غزو عسكري شبيه بالمهمة التي نفذّها حلف شمال الأطلسي في إطار تدخّله في ليبيا والتي أدت إلى إنشاء ملاذات آمنة تحظى بحماية الطائرات العسكرية البريطانية والفرنسية بدلاً من حماية الشعب الأسير من وحشية النظام ونشر مراقبين دوليين وإرسال الفرق التي تقدّم مساعدات إنسانية.

أما في ما يتعلّق بالذكريات التاريخية والثقافية، فتملك شعوب الشرق الأوسط مجموعة كبيرة تختار بينها، بدءاً ربما من الحروب الأهلية في اليمن ومن ثمّ لبنان التي دامت على مدى نحو عقد واستدعت أشكالاً مختلفة من التدخّل الخارجي إلى أن ساهم الإرهاق الكبير في وضع حدّ للقتال. والجدير ذكره أنّ بعض شرائح المجتمع لم يعتبر الحرب اللبنانية حرباً أهلية بل مجموعة من التدخلات غير المرغوب فيها من الخارج بدءاً بالتدخلات الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.

وإذا سئلتُ ما إذا كان الاسم الذي سيطلق على نضال مماثل هو أمر مهمّ لأجبتُ بنعم لا سيّما أنّ إجراء مقارنة مع أحداث مماثلة يقدّم مجموعة من التفسيرات المهمة حول كيفية بدء القتال وطبيعته الحالية ووقعه على الدول المجاورة وكيفية إنهائه.

وإذا ما نظرنا إلى البداية، فإنني اتفق مع الرأي الذي عبّر عنه ديفيد ليش في كتابه الجديد بعنوان «سورية» والذي اعتبر أنه عقب التظاهرات السلمية المرتبطة بالربيع العربي الذي بدأ في آذار (مارس) 2011، سجّلت نقطة تحوّل أساسية في آب (أغسطس) من ذلك العام حين انتقل النظام مما يسميه السياسة «المعدّلة سياسياً» والقائمة على إطلاق النار على المتظاهرين إلى «حرب شاملة». والتذكير بهذا السجل الزمني يعني الإقرار بأنّه لم يكن ممكناً تفادي هذه التطورات التي كانت ردة فعل محتمة.

وفيما ازدادت حدة القتال، بدأت بعض الخصائص التي تميّز ما يسمّى الحروب الأهلية بالبروز. تمّ الفوز بأجزاء من الأرض وخسارتها وتم تقسيم العائلات بين قوات النظام الموالية والمعارضة فيما عرضت الحكومة والمعارضة وقائع متعارضة عن الحدث نفسه. ومن ثمّ بات العامل الطائفي أكثر بروزاً بحيث راحت تبرز مجموعات صغيرة من اللاجئين الداخليين الذين فروا من أماكن شعروا فيها بعدم الأمان إلى أماكن يقطنها أشخاص بوسعهم توفير الحماية لهم.

والمهم هو ما لم يحصل. فمن جهة لم يتجه السوريون الذين اضطروا للهرب إلى الخارج إلى مواجهة بعضهم بعضاً بنفس الحدة التي نشهدها بين السوريين في الداخل وباسم الغرائز والعقائد التي نجدها في ديارهم، وهذه هي الحال في معظم الحروب الأهلية، فالسوريون في الخارج بقوا متحدين في حبهم لبلدهم، وهذا عامل ستكون له أبعاد مهمة في المستقبل. من جهة أخرى بقيت المعارضة منقسمة ما أضر بها سياسياً على صعيد الدعم الخارجي المحتمل لو تمكنت من تحويل أنشطتها إلى أنشطة عسكرية من خلال منع النظام من مهاجمة أو إلغاء هدف واحد.

وأخيراً انتهت بعض الحروب الأهلية الحديثة سريعاً نتيجة فوز فريق معين كما حصل في إسبانيا في الحرب العالمية الثانية واليونان بعدها. إلا أن الحروب الأخرى بما فيها الحروب التي اندلعت في الشرق الأوسط في لبنان والسودان واليمن، فقد امتدت لسنوات فيما حظي الطرفان بالدعم الكافي من القوى الخارجية للحيلولة دون هزيمتهما.

ويجب أن ننتظر لنرى ما إذا كان ذلك سيحصل في سورية إلا أن هذا احتمال قائم. كما يمكن أن يتقلّص الدعم للنظام إلى حدّ أن يتمّ إجباره على محاولة بلوغ اتفاق مع خصومه أو يمكن أن نشهد على حدث خارجي مثل ما حصل عند اندلاع حرب الشرق الأوسط عام 1967 التي أجبرت القوات المصرية على الانسحاب من اليمن.

ونحن نعلم جيداً أنّه في ظلّ الأوضاع التي تشبه الحرب الأهلية، نادراً ما ترسل القوى الخارجية جنوداً باستثناء قوات حفظ السلام. فهم يعمدون بشكل عام إلى الانتقال من محاولة فرض حظر تام على الأسلحة إلى تسليح جهة وتبرير هذه الإجراءات بأنها تصب ضمن المصلحة الوطنية. هذه هي النقطة التي بلغناها على ما يبدو في سورية. فالسلاح يجرّ النفوذ. والنفوذ يسمح للقوى الخارجية القلقة من عواقب القتال المستمر بقول الكلمة الحاسمة فيما سيحدث في المستقبل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنان يخرج عن تفويضه ..  حسان حيدر

الخميس ١٢ يوليو ٢٠١٢

الحياة

أياً تكن ذرائع الموفد الدولي - العربي كوفي أنان لتبرير زيارته الى طهران وتأكيده أن لإيران «دوراً إيجابياً» في حل الأزمة المستفحلة في سورية، فإنها تشكل خروجاً عن التفويض الممنوح إليه على أساس الخطة العربية الانتقالية المرفوعة إلى مجلس الأمن، وتحول جهوده مجرد تقطيع للوقت بانتظار أن تحسم التطورات الميدانية والسياسية مسار وساطته المترنحة ومصير بعثة المراقبين الدوليين التي لم تعد قائمة عملياً.

وقد جاءت محادثات وفد المجلس الوطني السوري في موسكو امس لتؤكد أن اجتهادات أنان غير مجدية، بعدما تبين للمعارضين السوريين عدم حصول أي تطور ولو بسيط في موقف روسيا المتمسك ببقاء بشار الأسد، فكيف يُنتظر من إيران الغارقة حتى أذنيها في الدفاع عن حاكم دمشق، قولاً وعملاً، أن تكون «إيجابية» في التعاطي مع أي اقتراح انتقالي يؤدي إلى تغيير النظام.

لقد شكلت سورية بقيادتها الحالية المنفذ الذي دخلت منه إيران وتدخلت في الشؤون العربية، والغطاء السياسي لفرض إرادتها ورجالها في لبنان والعراق، فهل يعقل أن تتخلى عن هذه الورقة؟

أما الخطة التدريجية لوقف إطلاق النار التي اتفق أنان عليها مع الرئيس السوري فتشكل أيضاً خرقاً لتفويضه ولخطة النقاط الست التي كان وضعها بنفسه وصادق عليها مجلس الأمن والجامعة العربية، والتي تنص على وقف فوري وشامل لإطلاق النار وخصوصاً من جانب القوات الحكومية، وسحب الجيش من المدن والمناطق الآهلة وإطلاق المعتقلين السياسيين والسماح بكل أشكال التعبير السلمي.

ويصعب التصديق أن المبعوث المشترك لم يكتشف الخدعة في اقتراح الأسد وقف إطلاق النار أولاً في الجبهات الأكثر عنفاً بما يريح قواته ويسمح لها بالقضاء على بؤر الانتفاضة الأقل قوة، واحدة تلو الأخرى، لا سيما انه ينص على فترة ثلاثة اشهر للوصول إلى وقف شامل للعنف. ومن الواضح أن أنان الذي اعلن في حديثه إلى صحيفة «لوموند» فشل خطته يسعى إلى تمديد مهمته بأي شكل كان ومهما كانت النتائج ضئيلة.

ولعله يستغل في سبيل ذلك العجز الدولي عن التوصل إلى تفاهم يتيح البدء فعلاً في الحل الانتقالي. فالخلافات التي تبدت في تفسير «الأرضية المشتركة» التي خرج بها مؤتمر جنيف لمجموعة العمل حول سورية أظهرت الحاجة إلى استمرار جهوده، ولو من دون توقعات، خلال فترة المراوحة هذه. فالروس والإيرانيون يعرفون انه ليس ممكناً قبول المعارضة السورية على اختلاف توجهاتها بحل يقوم على بقاء الأسد وحاشيته، والأميركيون والعرب يعرفون انه ليس ممكناً أن يقبل الأسد بحل يقوم على تنحيه طالما لا يزال يمتلك القوة الكافية للدفاع عن نظامه.

لكن هذا لا يبرر الشطط الحاصل في جهود أنان وتوزيعه شهادات حسن السلوك على إيران وعلى الرئيس السوري نفسه، كما لا يمنحه الحق في تبني وجهة نظر احد طرفي النزاع بعدما كان حمَّله في إيجازه أمام مجلس الأمن المسؤولية الأكبر عن فشل مساعيه.

وحتى لو كان البعض يعتقد أن فترة اللاحسم ستطول، وقد تمتد إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، ما يبرر الحاجة إلى وجود وسيط ما، فالمطلوب من الأمم المتحدة ومن الجامعة العربية أن تضبطا موفدهما المشترك بحيث يتوقف عن الإخلال بشروط تفويضه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دم السوريين يلطّخ شرف العالم! .. راجح الخوري

النهار

2012-07-14

مهمة المراقبين العرب الذين ارسلتهم الجامعة العربية الى سوريا برئاسة مؤسس الجنجويد الفريق السوداني محمد احمد الدابي، انتهت بفضيحة محاولاتهم تغطية حمامات الدم التي اغرقت المدن السورية. اما مهمة المراقبين الدوليين الذين اوفدهم مجلس الامن برئاسة الوجه الخشبي الجنرال السويدي روبرت مود فقد انتهت بمهزلة أشبه بالرقص على القبور!

ذلك ان هؤلاء الذين يقبعون الآن في فنادقهم في دمشق في ما يشبه الاقامة الجبرية، بعدما تعذر عليهم القيام بمهماتهم المفترضة، اي مراقبة تنفيذ خطة انان ونقاطها الست، اصبحوا الآن موضوع تجاذب دولي يشبه ايضاً مهزلة الرقص على القبور!

روسيا تريد ان تجدد مدة انتدابهم التي تنتهي في 21 تموز الجاري، ثلاثة اشهر اخرى من دون اي تعديل في قواعد عملهم المعطل، بعدما منعهم النظام حتى من امتلاك اجهزة هاتف دولية، في حين كانوا يطالبون بالحصول على مروحيات تساعدهم في الوصول الى امكنة الاشتباكات والمذابح، بينما تريد اميركا تمديد انتدابهم مدة شهر ونصف الشهر على خلفية المادة 41 من الفصل السابع التي تفتح الابواب بالتالي امام المادة 42 التي تسمح لمجلس الامن باستعمال القوة.

والاستغراب في هذا السياق لا يتوقف عند الخلاف على المدة المقترحة للتمديد او على قواعد العمل فحسب، بل يصل الى الاهداف المضمرة من الدعوة الى استمرار هذه المهمة الفاشلة، ففي حين تريدهم موسكو ان يبقوا ولو مجرد شهود دوليين لم ولن يروا شيئاً، لكنهم يوفرون الغطاء لمهمة كوفي انان التي صارت متجددة للقتل، تتحدث انباء مستغربة عن اقتراحات لا تعارضها الدول الغربية، تدعو الى جعلهم بمثابة لجان ارتباط، في محاولة جديدة لتطبيق خطة انان السداسية ستفشل طبعاً كما فشلت الاولى.

كان واضحاً اول من امس ان المواجهة في مجلس الامن بين القرارين الغربي والروسي ستنتهي بفشل متعادل، ففي وسع "الفيتو" الروسي تعطيل القرار الذي قدمته بريطانيا، بينما في وسع التطورات الميدانية الكارثية في سوريا ان تنسف كل خطط موسكو التي حاولت وتحاول اعطاء النظام مزيداً من الوقت للحسم العسكري المستحيل.

كان من الفاضح دولياً، انه في حين غرق مجلس الامن في عض للاصابع بين الروس والغربيين كانت الانباء تتحدث عن مجزرة جديدة تعرضت لها بلدة التريمسة في حماه.

لقد تمادت المأساة الدموية وستطول اكثر بعدما وصلت الامور الى حائط مسدود، ففي زمن السبات الانتخابي الاميركي والاندفاع الروسي الاستقطابي دولياً والتراجع الاوروبي والعجز العربي المعيب الى درجة القعود عن رفع ولو مجرد إصبع في وجه روسيا، لا شيء يوازي الصراع الدامي بين السوريين إلا الصراع الديبلوماسي بين الدوليين!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رحلة البحث عن الدولة في الثورة السورية .. د. حسن جبران

المستقبل

- السبت 14 تموز 2012

ما أشبه الربيع العربي بمثيل له مرّ على دول كانت اشتراكية. ربيع يحكم بالموت المبكر على مواليد معاقة تضخمت عضلاتها وضمر رأسها، مثل كل الديناصورات في العهود البائدة. تقل حيلتها ويستحيل بقاءها كلما اتجه العالم نحو الرشد والتمدن. فالنظرية البنيوية الوظيفية، تشابه بين المخلوق السياسي والمخلوق البشري، ومن طبيعة خلق البشر أن يكون الرأس في أعلى الجسد بدلالته الرمزية، والقدمان في أسفله. وأن يتوازن العقل مع نمو القوة، وفقدان ذلك التوازن والتركيب البنيوي إعادة مؤلمة تنذر بالموت المبكر لتلك الأجسام غير الطبيعية. في حين يتمتع من يتحكم عقله السياسي بعضلاته العسكرية والأمنية بصحة النمو والتجدد.

لقد كان قدرنا في المنطقة العربية أن نُحكم بديناصورات سياسية ولدت من رحم المؤسسة العسكرية في ظروف تاريخية اقتضت إحضار البزة العسكرية لتغييب المحتل الأجنبي، فعملت بعد أن آل لها مآل السلطة، على تضخيم عضلاته والاهتمام بأقدامها ورهنت عقلها الصغير لقوتها المرعبة، أو لعقول أخرى تسخرها كيفما تشاء. وظنت تلك الديناصورات المعتوهة أن قوتها ضمان لبقائها، فراحت توظف المؤسسة العسكرية في حماية نفسها وضمان بقائها، من خلال وضع الأقرباء وأبناء العصبة المشتركة في مواقع المسؤولية. وخلق مؤسسات عسكرية متميزة في تسليحها وتنظيمها وولاءها لشخص الحاكم، كسرايا الصراع والدفاع والحرس الجمهوري وكتائب الموت.. إلخ. ومن خلال توسيع أجهزة الأمن وعدّ الكلمات والأنفاس. وتزايدت الاحتمالات التي يتم فيها الاعتماد على الجيش في مهمات الأمن الداخلي لدرجة أن طبيعة تدريبه واختيار ثكناته وتمركز تشكيلاته مرهون بالهواجس الأمنية وليس بهواجس المخاطر الخارجية.

كما تفننت تلك الديناصورات المتسلطة في تقزيم العقل السياسي لقوى المجتمع المحلي المختلف، فعملت على عسكرة الحياة الحزبية وحددت لها وظائف أخرى "كالتعبئة الايديولوجية" وجعلتها تدور في فلك الحزب الحاكم بلا حول ولا قوة. وأصبح الجميع مولعاً بالبوط والبذة العسكرية ولغة الأمن الصارمة. وتسلطت الديناصورات السياسية على قرار القوة الناعمة "الثقافة" والعمل السياسي، عبر هيمنة الحزب القائد وتفرد رؤيته في أكبر الأهداف وأصغرها، وأدق تفاصيلها اليومية والقطاعية فتفردت شعارات الحزب وصور أمينه العام المثقل بالنياشين والأوسمة في الشوارع ومناهج الدراسة وفي تنظيم النقابات ومقراته وفي كلمات الأغاني الوطنية والمهرجانات الخطابية.. إلخ. لقد تحولت تلك الأنظمة الى ديناصورات سياسية تحكم بملكية عسكرية جديدة تجمع بين منصبي الرئاسة والقيادة العليا للجيش والقوات المسلحة، وقد التهمت تلك الديناصورات الدولة برمتها، وقضت على حلم الفرح بالمولود الجديد.

ولأنّ السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فكان من المنطقي أن ينتشر الفساد ويتشعب في مؤسسات الدولة والمجتمع، في سياق حياة يومية تحكمها القبضة الأمنية وقوة العسكر، وتنتشر فيها الاتكالية والبيروقراطية وتخشب القوانين وركود العقلية والأداء، والارتكاس الى انتماءات تقليدية غير معلنة، ألغت روح المواطنة والمشاركة والإبداع وجوهر الدولة. وطال الفساد شبكة العلاقات الاجتماعية ووصل الى مؤسسة الأسرة التي بدأت مسارات التنشئة الاجتماعية فيها تتحدد بالمصالح لا بالمبادئ، وبالوصول السريع واقتناص فرص مشبوهة، وبالخوف من الأقارب وتخوينهم وبإعادة إنتاج ثقافة الخوف والروتين.. إلخ.

ظنت تلك الديناصورات أنها ضمنت بقاءها للأبد، من خلال تضخيم عضلاتها وتناسي تنمية عقلها وروحها، ومن خلال تقزيم الآخرين وتدجينهم في قفص رؤية السلطة الوحيدة. ظنت أنها قد امتلكت الساحة من بابها الى محرابها، ونشرت رعبها في كل الأمكنة. بعد أن حولت كل القوى المحلية الى أقزام مرعوبة من ضعفها السياسي والاجتماعي، ومن التوغل الأمني والقوة العملاقة لديناصورات من العهد الحجري.

ولكن المفارقة العجيبة في الربيع العربي المزهر اليوم، أن تلك القوة الرهيبة للديناصورات السياسية العربية المجنحة بجناحي الأمن والعسكر قد تهاوت سريعاً ومن حيث لا تحتسب على يد بائع خضار في زاوية من الحديقة العربية، وعلى يد أطفال صغار في زاوية أخرى. تهاوت كما تهاوى سليمان بفعل أضعف مخلوقات الله، وكأن أقوى العضلات تنهكها أجسام قد لا تُرى بعين النظام، وتتفتت القلاع بقطرات الماء وتذوب المعادن بفعل الصدأ.

في مقابلتي الأولى على شاشة التلفزيون السوري في عام 2005، حول مهارات التواصل والمرونة قلت: لقد انقرضت الديناصورات بكل ضخامتها وقوتها، وأصبحت من العصور القديمة. في حين استمرت باقي المخلوقات "من القرش.. الى وحيدات الخلية" التي تمتعت بالمرونة وتوازن وظائف ومكونات الجسد. وكما انقرضت الديناصورات الطبيعة فإنّ منطق التاريخ يسري على الديناصورات السياسية المرعبة والمغولة والمتضخمة، التي بدأت تتلاشى مع بداية القرن الجديد في الغابة السوفياتية وانتقلت الى الحديقة العربية، وستصل الى الأماكن من كوبا الى إيران وكوريا الشمالية. فلن تكون هناك عروض عسكرية في الساحات الحمراء وبالبذة العسكرية، ولن تكون هناك أجنحة أمنية مثنى وثلاث ورباع، تخفي في غياهب السجون كل من يريد الحرية والكرامة في حديقة الدولة والأحلام، ولن يكون هناك أقفاص لتقزيم الاخوة والأصدقاء والشركاء في ساحات الدولة وحدائقها.

فالبناءات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي بلغتها الإنسانية، والتطور الهائل لوسائل الإعلام والاتصال والتواصل والتقنية المذهلة.. إلخ، ومنتجات العقل البشري، لن ولا يمكن أن تسمح لديناصورات السياسة بالعيش بعد الآن. لتؤكد تلك البناءات ومنطق التاريخ، لغة القرآن ومقولة داروين أن البقاء لما ينفع الناس وللأصلح، ولمرونة العقل على قساوة القوة. فالقوة الغليظة تصنع الرعب والدمار والحزن. والقوة الناعمة العاقلة تصنع المدهش والنافع، ومن طبيعة البشر الهروب من الخوف الى الطمأنينة من الدمار الى العمار، ومعيار رقي البلدان تغليب السياسي على العسكري وتناغم تفاعلهم وأدائهم في جسم الدولة، كما هو البناء الهيكلي والوظيفي للجسم البشري.

لقد تلاشت حضارة القوة، وتجددت قوة الحضارات، وفي كل مرة سينهزم منطق القوة ولغة الرصاص والعسكر، أمام منطق العقل ولغة الحوار والقلم، وستنهزم الدبابات والمدافع مهما بلغت أوزان قذائفها ومدها وقدرتها التدميرية، أمام خصائص الجوال والكومبيوتر ومبضع الشفاء.. إلخ وحسن توظيفهم السليم، وقدرة منتجهم العاقل على إعادة الإنتاج بقيم مضافة.

إن الديناصور السوري المرعب بدأ يلفظ أنفاسه منذ أن هيّجته أصابع الأطفال في درعا وهي تكتب نهايته على جدران مدارسهم قفضمها وأجسامهم الغضة، وهو موقن بنبوءة الطفولة". وإلا ما جنّ جنونه أصلاً. وصحوة الموت التي يمر بها دفعته نحو القتل والدمار والتوحش في استخدام كل مخالبه وقوته وجبروته، واستقوائه بما تبقى من ديناصورات العالم والمنطقة، على أمل طول البقاء.. بيد أن عمره الافتراضي قد انتهى وهو في نزيف داخلي خطير وخارجي دائمين، واعتلال واضح وموت بطيء مشاهد. وفي القريب العاجل سيدخل هذا الديناصور الهرم الموت السريري، الى أن يعلن عن تلاشي أنفاسه وتوقف نبضات حياته الأخيرة.

لقد عاد الحلم الى الشام بمولود جديد يعوّضنا عن ولدنا المعاق والعاق، بعد أن هرمنا... وظننا أن شيخوخة أهل الشام والشهباء وابن الوليد... كشيخوخة ابراهيم الخليل... أنى يكون لنا ولدٌ وقد بلغنا من العمر عتياً....، بيد أن أنه ليس حلماً بل رؤية بانت بشائرها تتجلى وتحقق ولا تحبطنا الدماء وشدة الألم، فكلما ازداد الألم اقتربت الولادة. ولما كانت نهاية عصر الديناصور في سوريا مجرد وقت قد يقصر أو يطول قليلاً، تحتاج سوريا اليوم وبكل مكونات صناع ثورتها، أكثر من أي وقت مضى، الى أن تبتكر للعرب والعالم أبجدية سياسية رائعة تتناغم مع قيمة التضحيات التي قدمها الشعب السوري الأسطوري، متفرداً في مقارعة الديناصور المرعب ومستبسلاً في القضاء عليه. والعالم يقف حائراً ومندهشاً وعاجزاً، ويبدو وكأنه ومستمتع بهذه المقارعة العنيدة، ينوس بين موقف إنساني وأخلاقي دافع وبين مصالح ومخاوف محجمة مبنيّة على معرفة تركيبة هذا النظام. أبجدية تكامل منجزات السوريين عبر التاريخ القديم والحديث في مختلف الميادين. وتقوم هذه الأبجدية على التحرر من ثقافة الديناصورات ذات الرأس والقلب والصغير، والأزرع المتطاولة والقوة المرعبة، والتأسيس لجسم سياسي "دولة" يتوازن فيه العقل السياسي مع مفردات القوة: بناءً ووظيفة وتركيباً وعلاقة مع الآخر. جسم ينعم جميع أعضائه بالصحة والعافية والفائدة. ويشترك جميع الأعضاء في سيره نحو الأمام ليلحق بأقرانه في سباق الحياة ورحلة الإنسانية.

وإذ تقوم الثورة السورية الراهنة على مكوّني الهدم والبناء: هدم النظام القديم وتفكيكه، وبناء نظام جديد. نؤكد بإلحاح شديد على ضرورة نقد الدولة الوطنية الحديثة بعد هدمها وإعادة تشكلها داخلياً وذاتياً، لكي تتجسد الأمة من جديد وتعاد لها فاعليتها الضابطة للمجتمع السياسي المتمدد (الدولة). على قاعدة التوازن أو إعادته بين روابط متعددة (علاقة السلطة بالمجتمع علاقة الريف بالمدينة علاقة هوية المجتمع بهوية الدولة علاقة الديني بالسياسي علاقة الرجل بالمرأة الانتقال من ثقافة الرعايا والأقليات الى ثقافة المواطنة..... إلخ)، فتوازن هذه الثنائيات يقود الى بناء الدولة الأمثولة، وهي الخطوة المهمة في أي مسار تنموي لأي أمة أو جماعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: هل حلَّ وقت المساومة الكبرى بين الروس والأميركان؟!  .. د. نقولا زيدان

المستقبل

السبت 14 تموز 2012

لم تنجح قمة جنيف الأخيرة (30 حزيران) الموسعة في الوصول الى موقف موحد للدول الكبرى الخمس لحل الأزمة السورية. فقد كان كوفي عنان وهو منسق أنشطة المؤتمر قد عمد الى استبعاد كل من إيران والسعودية وذلك تجنباً للتوتر والنقاش الحاد وإضفاء جو من الهدوء عليه. فالنظام الأسدي مستمر في سياسة الأرض المحروقة وتدمير المدن وتنفيذ المجازر بحق المدنيين مستخدماً كافة أنواع الأسلحة، والمعارضة الملحة تزاوج بين حرب العصابات والمواجهة الصلبة الشرسة في المواقع التي التحقت بالثورة. والتصريحان الأميركي والروسي حول مستقبل سوريا تحدثا عن "مرحلة ما بعد الأسد" إلا أن تفسير هذه العبارة جاء متناقضاً على لسان لافروف وكلينتون، فتنحية الأسد العاجلة ليست واردة بالنسبة لموسكو الآن وهي تتحدث باستمرار عن الحل السياسي، بينما تعتبر واشنطن تنحية الأسد شرطاً لهذا الحل. وبالرغم من تعليق المراقبين الدوليين عملهم، وهم الذين شاهدوا استخفاف النظام الدموي ببنود عنان بضرورة الكف عن أعمال العنف لا بل كانوا شهود عيان على المجازر البشعة التي ارتكبتها كتائبه وفرق الموت التابعة له، فما زال عنان يعتقد بإمكان الوصول الى حل سياسي للأزمة. وما دام الموفد العربي الدولي ماضيا في تفاؤله هذا فباستطاعته سماع بوتين في خطابه أمام سفرائه التركيز المسهب على الحل السياسي وابلاغ "لافروف"أحد أجنحة المعارضة برئاسة ميشيل كيلو اصرار روسيا عليه. وبالمقابل فإن إيران، ذلك البلد الذي يصر عنان على مشاركته في أية محادثات سلام حول سوريا، فهو دون ضجيج، وبالإناة والصبر، قد أصبح قوة اقليمية لا يجوز الاستهانة بإمكاناتها. لقد أثبتت إيران أنها طرف مؤثر في عملية السلام التي لا يمكن أن تتم وتنجز إلا بمساهمتها، تماماً كما جرى في العراق حيث عقدت اتفاقاً ضمنياً مع الأميركيين كفل لهؤلاء نفوذاً جرى تقاسمه مع طهران. لقد أصبحت قوة اقليمية تنعم بمساندة موسكو المطلقة وتعاطف مكشوف من الصين التي تتصدر قائمة الدول المستوردة للبترول الايراني. يصرح وزير خارجيتها في زيارة خاطفة للخليج وعقب اطلاعه من "عنان"على فحوى محادثات جنيف: " ما من رئيس خالد على وجه الأرض" وذلك بإشارة للرئيس الأسد، إلا أنه يضيف بتعليق لافت "انه على الشعب السوري أن يختار رئيسه عام 2014 "(موعد انتخابات الرئاسة السورية المقبل)... معنى هذا الكلام ان كثيراً من الدم السوري سيسفك وكثيراً من المدن والقرى ستحرق، وان دماراً شاملاً سيحل بسوريا ما دامت المعركة مفتوحة حتى عام 2014 إن لم يكن أبعد من ذلك بكثير.

ويتساءل الرأي العام العربي حيال استمرار النزف وشيوع الدمار بالوتيرة المخيفة القائمة الآن، على ضوء هذه التصريحات والمواقف عما سيتبقى من سوريا والحالة هذه. لكن بعضهم يجيبون بتعليق فيه الكثير من المرارة والواقعية السوداء انه سيبقى الكثير الكثير من الركام والدمار كمادة دسمة لشركات إعادة البناء والاعمار في مرحلة ما بعد الحرب. عندها ستتسابق رؤوس الأموال العالمية العملاقة في مشاريع رفع الأنقاض وبناء ما تهدم وستكون لروسيا بلا شك حصة كبيرة في هذه المشاريع، ما دامت المفاوضات الأميركية الروسية ستؤدي حتماً الى الحفاظ على المصالح الروسية على ارض سوريا.

لقد دلت مفاوضات جنيف ان سلة المطالب الأميركية ونظيرتها الروسية التي يجري التفاوض عليها كسلة كاملة (a Whole package) تمثل فيها الأزمة السورية مفتاحاً لسائر القضايا العالقة. ذلك أن هذه الازمة تشكل المدخل للتفاهم الأميركي الروسي حول جملة المسائل التي يعتبرها الطرفان في غاية الحيوية بالنسبة لمصالح العملاقين ولعل أهمها على الاطلاق الدرع الصاروخي الذي تم نصبه في تركيا في الطرف الجنوبي الشرقي لحلف الناتو. وتدخل في مخاوف موسكو من التوسع المثير للقلق لحلف الناتو النوازع التي بدت جلية في أوكرانيا بعد سقوط كوتشما (2004) ومنازعات "ساكاشنيلي" (جيورجيا) مع موسكو في القفقاس لدرجة أنه استضاف معسكرات تدريب المقاتلين التشيتشان على أرضه، لا بل تورطَ الأميركيون أنفسهم في مساندة الثوار التشيشان.

إن الروس ينتهزون فرصة الأزمة السورية وتداعياتها الاقليمية الخطيرة فيعبّرون عن تشددهم في شروط حل هذه الأزمة ليفهموا الأميركيين من خلال ذلك أنهم لا يسمحون لا للأميركيين ولا لحلفائهم الأطلسيين بزجهم في حرب باردة جديدة. إن حرباً كهذه والتي ظهرت بوادرها في ليبيا أول الأمر حيث تضررت التوظيفات البترولية الروسية كثيراً من النتائج الاقتصادية للربيع العربي هناك، والتي تظهر بوضوح أكثر في سوريا الآن، تذكّر الروس كثيراً بآخر أيام الاتحاد السوفياتي وكم كانت باهظة الأثمان قضية التسابق نحو التسلح الكوني في ما سمّي آنذاك بحرب النجوم. فقد كان ذلك سبباً رئيساً في انهيار النظام السوفياتي.

إن فلاديمير بوتين الساعي بكل قواه لتحويل روسيا الى دولة صناعية كبرى وحيث أن روسيا تمتلك الامكانات الوفيرة من خامات وطاقة بل طاقة بشرية أيضاً، لا يتوانى عن مواجهة الأميركيين وحلفائهم الساعين لقلب النظام السوري.

انه يسعى في سوريا الى تسوية سياسية تكفل لروسيا مصالحها. لكن مصالح روسيا في المنطقة لا تقتصر على سوريا فحسب بل على جملة مسائل رئيسة لا تستطيع روسيا التهاون فيها والتنازل إلا بالقدر الذي ستكشفه المفاوضات التالية وهي ما زالت تتطلب بعض الوقت لتصبح أمراً واقعاً لا مهرب منه. أما أن يبقى الأسد وأسرته وحاشيته أو لا يبقى فذلك الأمر ستظهره حتماً المفاوضات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موسكو تخطط لإخراج مواطنيها فيما لو استدعى الوضع المتقلب تدخلاً فورياً  .. سفن روسيا في سوريا... مناورات حربية أم عمليات إخلاء؟!  .. فريد وير

الاتحاد

تاريخ النشر: السبت 14 يوليو 2012

يتوجه في الوقت الحالي أسطول بحري عسكري روسي صغير نسبياً، يتألف من نحو اثنتي عشرة سفينة حربية تم انتقاؤها من ثلاثة أساطيل بحرية روسية، نحو منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، من أجل إجراء مناورات حربية هناك. ومن المنتظر أن يرسو أسطول السفن الروسية في ميناء طرطوس السوري الذي تدير فيه روسيا قاعدة بحرية خاصة بالإمدادات العسكرية واللوجستية.

المسؤولون الروس يشددون في تصريحاتهم خلال الأيام الأخيرة، على أن المناورات الحربية التي يزمع أن يشارك فيها أسطول السفن المذكور، إنما كانت مبرمجة ومخططاً لها منذ وقت طويل قبل الآن، وأنها مصممة أصلاً من أجل كل الأهداف المعتادة لمثل هذه المناورات، وفي مقدمتها إظهار العلم في مناطق بعيدة من الموكب.

لكن تفصيلاً واحداً لافتاً في هذا الخصوص، يخبرنا بقصة مختلفة تماماً عن كل الرويات الرسمية الروسية. ومفاد ذلك التفصيل أن نصف السفن المتوجهة نحو المتوسط، والتي تم انتقاؤها من الأساطيل البحرية الروسية في القطب الشمالي وبحر البلطيق والبحر الأسود، هي سفن برمائية هجومية عملاقة.

وهذا النوع من السفن يصلح لنقل أعداد كبيرة من الناس (والدبابات)، وإدخالهم وإخراجهم من أماكن ضيقة. ووفقاً لما يقوله الخبراء فإن هذا المعطى يمثل دليلاً دامغاً إلى حد كبير على أن الحكومة الروسية تعمل في الوقت الحالي على الاستعداد للتعامل مع ظروف أو ضرورات طارئة، وربما وشيكة في سوريا، ومن ذلك إجلاء عشرات الآلاف من المواطنين الروس وعائلاتهم من الأراضي السورية في وقت بدأ ينهار فيه نظام الرجل القوي، حليفهم في دمشق بشار الأسد.

وفي هذا السياق، يقول سيرجي ماركوف، نائب رئيس جامعة بليخانوف الاقتصادية في موسكو، والذي يقدم استشارات بين الحين والآخر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "إنني واثق جداً من أن روسيا تفكر حالياً في كيفية التعاطي مع حالة نكون فيها مضطرين إلى إخراج عشرات الآلاف من مواطنينا، وآخرين ربما من دول أخرى، من الوضع الخطير والمتقلب القائم في سوريا حالياً". ويضيف المحلل الروسي قائلاً: "هذه المناورات كانت مبرمجة منذ وقت قبل الآن، وهدفها هو إظهار دعم روسيا للأسد ونظامه، وكذلك التأكيد على دورها المهم في المنطقة، إلا أن خليط السفن المشاركة والموجودة ضمن الأسطول الصغير، ربما جاء على ذلك النحو من أجل هدف أكثر عملية وارتباطاً بتطورات متوقعة أو غير متوقعة".

والجدير بالذكر هنا أن سوريا ما فتئت الشريك السياسي والعسكري الرئيسي لموسكو في المنطقة منذ عام 1971، لذلك نلاحظ الموقف الروسي الرافض بشدة قبول أي عمل دولي من شأنه إعطاء الضوء الأخضر لتدخل عسكري أو عقوبات مشددة ضد نظام الأسد، كما حدث مع نظام القذافي.

غير أنه خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت موسكو، التي أخذت تشعر ربما بالنهاية التي لا مفر منها للأسد، تغير مواقفها تدريجياً وتشير إلى أنها لن تتمسك بالأسد حين لا يتمسك به شعبه! فخلال الأسبوع المنقضي، على سبيل المثال، أعلنت روسيا عن اعتزامها إلغاء صفقات أسلحة جديدة مع سوريا. ويوم الثلاثاء الماضي، استضافت موسكو وفداً من قيادة "المجلس الوطني السوري"، الذي يمثل مجموعة المعارضة السورية الرئيسية في المنفى، وذلك في إطار جهود تروم إظهار نوع من المرونة والانفتاح على كل الأطراف.

وضمن هذا الإطار، يقول فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مطبوعة "راشا إن جلوبل أفيرز" (روسيا في الشؤون العالمية)، وهي دورية مرموقة متخصصة في السياسة الخارجية تصدر من موسكو، "هناك نوع من التحول في الموقف الروسي، والذي يمكن رؤيته في الموقف الدبلوماسي الأكثر نشاطاً الذي يتم اتخاذه حالياً"، مضيفاً قوله في هذا الصدد: "إن روسيا تتطلع إلى تنويع خياراتها".

وإلى ذلك، فقد أفادت وسائل الإعلام الروسية بأن الفرقاطة المضادة للغواصات،"الأدميرال شابانينكو"، إضافة إلى ثلاث سفن هجومية ضخمة هي: "ألكسندر أوتراكوفسكي"، و"جورجي بوبيدونوسيتس"، و"كوندوبوجا"، هي في طريقها حالياً إلى البحر الأبيض المتوسط برفقة سفينة إمدادات وزورق سحب من قاعدة الأسطول البحري الشمالي بالقرب من مورمانسك. ومن المرتقب أن تنضم إلى طرادات وسفينة صهريج من أسطول بحر البلطيق ترسو بميناء كالينينجراد. ومن المنتظر أن تلتحق بها في شرق المتوسط خمس سفن أخرى من أسطول البحر الأسود، مثل المدمرة سميتليفي وسفينتين هجوميتين برمائيتين -تسميان حسب بعض التقارير"قيصر كونيكوف" و"نيكولاي فيلشنكوف"- هذا إضافة إلى سفينتين أصغر حجماً.

وفيما يخص المواطنين الروس الذين يقيمون في سوريا، فإن التقديرات بشأن عددهم تصل إلى حوالي 100 ألف نسمة، وإن كان لا أحد على ما يبدو يمتلك رقماً واضحاً حول هذه الجالية الروسية. ويعزى أحد أسباب ذلك إلى حقيقة أن آلاف النساء الروسيات تزوجن من سوريين خلال الأربعين سنة الماضية، أي منذ أن أصبحت سوريا شريكاً رئيسياً للاتحاد السوفييتي، وبدأت أعداد كبيرة من الطلبة السوريين (الذكور في معظمهم) يتدفقون على الجامعات الروسية للدراسة وتلقي العلم.

وفي هذا السياق، يقول جورجي مرسكي، الخبير في"معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية" الرسمي في موسكو، إنه "لا أحد يعرف على نحو دقيق عدد المواطنين الروس في روسيا، لكن يمكن القول إن العدد عموماً ربما يتراوح بين 30 و40 ألف روسي وروسية، معظمهم من النساء الروسيات، زوجات الطلبة السوريين السابقين الذين عادوا للعيش في بلادهم مع زوجاتهم الروسيات خلال العقود الماضية". ثم يضيف مرسكي قائلاً: "إن هناك الأطفال وأقارب آخرين. وهناك أيضاً أعداد أصغر من المسؤولين الروس وعائلاتهم"، إضافة إلى موظفي الشركات الروسية العاملة في سوريا.

ويقول سيرجي ماركوف، الذي أشرنا إليه في بداية هذا المقال، إن روسيا يمكن أن تتكفل أيضاً بمواطني بلدان أعضاء في رابطة الدول المستقلة، إضافة إلى ما يقدر بنحو 30 ألف نسمة من الشركس، والذين ينحدرون من القوقاز وقد فروا من روسيا في القرن التاسع عشر، والذين يقال إن بعضهم تقدم بطلبات للحكومة الروسية من أجل إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

ويرى بعض الخبراء أن روسيا أخذت العبرة والدرس من الصين عندما قامت هذه الأخيرة بإجلاء أكثر من 30 ألفاً من مواطنيها بنجاح من ليبيا أثناء الحرب الأهلية هناك خلال العام الماضي، حيث استعملت سفينة للقوات البحرية الصينية من أجل إنجاز جزء من المهمة

ويقول لوكيانوف في هذا الصدد: "إن الجميع انبهر بالعملية الصينية، التي مثلت حدثاً بارزاً"، مضيفاً القول: "وهذا يعني أننا لا يمكن أن نقوم بأقل من ذلك، إذا ما استدعت الضرورة القيام به فعلاً".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا .. أزمة نظام أم أزمة بديل؟ 2/2  .. أ. نجيب الخنيزي

عكاظ

14-7-2012

تحدثت في مقالي السابق عن أزمة النظام السوري، بكونها أزمة هيكلية (بنيوية) شاملة في أبعادها ومكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والأخلاقية، وهذا يعني في علم الاجتماع السياسي، أنه ليس نظاما فاقدا للشرعية (وهو ليس النظام العربي الوحيد على الصعيد) فقط، بل أنه نظام أخذ بالتعفن والترهل، إذ لم تعد أساليبه وممارساته القديمة/الجديدة القائمة على تعميم القمع والخوف بين الناس، وتقديم بعض الامتيازات والإغراءات لجماعات محدودة من مناصريه ذات جدوى، حيث تتسارع عملية تفكيك قاعدته الاجتماعية/ الاقتصادية، وماكينته البيروقراطية/ الأمنية على حد سواء، مما سيقلص بشكل جدي قدرته على الصمود والبقاء طال الوقت أم قصر. غير أن الخبرة التاريخية المكتنزة للشعوب تؤكد بأن وجود الأزمة أو حتى استفحالها لدى نظام ما، لا يعني بالضرورة سقوطه الحتمي والتلقائي، كثمرة فاسدة، إذ يتطلب ذلك جملة من الاشتراطات الموضوعية والذاتية في الآن معا، والتي في مقدمتها أولا: تحديد مدى تبلور الإجماع الوطني من خلال تقبل غالبية مكونات الشعب (الاجتماعية والاثنية والدينية والمذهبية والجهوية) والنخب السياسية والاجتماعية والفكرية على اختلافها لفكرة التغيير والثورة. ثانيا: وحدة أطياف المعارضة (على الأرض) على اختلاف مكوناتها السياسية والأيدلوجية، واتفاقها المبدئي على هدف وشعار مركزي للعمل على الأرض و برنامج مشترك للبديل الوطني. هذان العاملان لعبا الدور الحاسم في عملية التغيير التي شهدتها بلدان عربية مثل تونس ومصر وليبيا واليمن. في الحالة السورية لا تزال هناك شكوك لدى قطاعات مهمة من الشارع السوري ونخبه، في توفر ذلك نظرا لحال التشرذم والانقسام والتعارض الحاد بين صفوف المعارضة السورية والذي يصل إلى حد كيل اتهامات واتهامات مضادة للطرف الآخر بالعمالة والتآمر (وهي لعبة النظام المفضلة على الدوام) سواء للخارج (الإقليمي والدولي) أو للداخل المتمثل في النظام الحاكم. تاريخيا فإن عملية الانقسام والتشظي، ليس لأسباب سياسية وأيدلوجية في المقام الأول وإنما لأسباب ذاتية ونفعية هي سمة عميقة للمعارضة السورية بمختلف أطيافها على مدى عقود، وعلى سبيل المثال كان هناك أكثر من 20 فصيلا وحركة ماركسية (ما بين معارضة وموالية للنظام) في سوريا، والأمر ذاته ينسحب على باقي التيارات الأخرى، في حين حافظ التيار الإسلامي وخصوصا حركة الإخوان المسلمين على وحدتها نظرا لشدة القمع الذي طاولها في الداخل وتفرقها وتشتتها في الخارج، وقد كان المستفيد الوحيد من استمرار هذه العملية العبثية هو النظام السوري الحاكم في المقام الأول، ويبدو بأن داء الانقسام المزمن قد انتقل بدوره إلى صفوف المعارضة الحالية، عبر حالات الاصطفاف والصراع بين ما سمي بمعارضة الداخل ومعارضة الخارج، وما بين المجلس الوطني السوري، وبين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وما بين قوات الجيش السوري الحر وعشرات التشكيلات المسلحة الأخرى. لقد وصل الأمر إلى تبادل الشتائم والتخوين بل واللكمات ما بين ممثلي المعارضة السورية كما حصل في الاجتماع الأخير للمعارضة السورية الذي رعته الجامعة العربية في القاهرة وهو ما من شأنه الإساءة إلى سمعتها ومصداقيتها في الداخل والخارج ولم تكن مصادفة مطالبة بشار الأسد أثناء لقائه الأخير مع المبعوث الأممي والعربي كوفي أنان لمناقشة البنود الستة واستمرار مهمة المراقبين الدوليين بتسمية شخص مسؤول يمثل المعارضة، ولم يملك أنان سوى الصمت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية ... قطر تدين مجازر الأسد

الراية

14-7-2012

حماة، درعا، القبير، الحولة، جبل الزاوية، دوما، وأخيرًا وليس آخرًا التريمسة في ريف حماة كلها شواهد على وحشية ودموية نظام بشار الأسد. هذه الأسماء الآنفة حُفرت على ذاكرة الدم السوري كضريبة باهظة الثمن، دفعها هذا الشعب الأعزل المطالب بنيل حريته من نظام قمعي واستبدادي جثم على صدور السوريين عشرات السنين بنسختيه المتطابقتين تمام التطابق، نظام حافظ الدموي وبشار الإجرامي.

بلدة التريمسة الحموية، أصبحت فصلاً جديدًا في كتاب مجازر الأسد الدموية، فيبدو أن حماة لم تُسدّد ما عليها من فاتورة الدم كي تنال حريتها، فبعد مجازر نظام الأب حافظ في ثمانينيات القرن المنصرم، ها هي تدفع الفاتورة مجدّدًا ففي فجر أول من أمس حاصرت قوات الأسد الإجرامية البلدة من جهاتها الأربع وأعملت فيها القتل والذبح حتى ساعات المساء، وما غادرتها إلا وقد تركتها أثرًا بعد عين، وكانت حصيلة الضحايا الأوّلية 305 قتيل تنوّعت طرق قتلهم بين القصف والحرق والإعدام الميداني والنحر بالأسلحة البيضاء، ثم قاموا برميهم في الحقول والمزارع واقنية المياه، انتقامًا من مطالبهم بالديمقراطية والعيش بحرية على ارضهم، في ظل نظام عصري يُولد من رحم الشعب أبعد ما يكون عن النظام الحالي المتحجّر.

دولة قطر انحازت منذ البداية للشعب السوري وهي نبّهت في كل مرّة وفي شتى المحافل الدولية على أن النظام السوري ينفذ حرب إبادة على الشعب، وطالبت بمواقف فاعلة وإجراءات لحقن دماء السوريين، وإيقاف جرائم بشار الأسد، وهي إذ تستنكر بأشد وأقسى العبارات مجزة التريمسة الوحشية والتي طالت الأبرياء والمدنيين العزل، فإنها تُطالب بفتح تحقيق فوري وجدي في هذه المجزرة والمجازر التي سبقتها وملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة، من دون تساهل أو تهاون من أجل ردع الأسد من تكرار مثل هذه الجرائم بحق الشعب الأعزل.

يبدو أن آلة الأسد الإجرامية لم تشبع بعد من دماء السوريين، فعلى مدى ستة عشر شهرًا استمرّت في ارتكاب المجازر، التي يبعث عبرها برسائل للسوريين وللعالم إمّا أنا أو الدم والمجازر والفناء، ولكنه لم يُدرك بعد أن من خرج لطلب الحرية لن يعود دون الحصول عليها وإن بذل في سبيلها حياته، فلن تُجدي نفعًا تلك المجازر في إطالة عمر النظام بل هو في الحقيقة يرقص رقصة المذبوح الذي يكاد يظفر بحياته وهي تهرب منه، فالانشقاقات الكثيرة والنوعية في الآونة الأخيرة تُؤكّد أن النظام شارف على النهاية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الملف السوري: تحرك تركي حَذِر ..  سيريل تاونسيند

تاريخ النشر: السبت 14 يوليو 2012

الاتحاد

من غير المستبعد أن تؤدي الحرب الأهلية الرهيبة المشتعلة حالياً في سوريا بين قوات النظام والمتمردين إلى جر تركيا، حتى قبل نهاية السنة الجارية، إلى نزاع مسلح مع سوريا، لتجد أنقرة نفسها متورطة في حرب ربما لا تريدها. فقد تنامت حدة التوتر بين الجارتين وتسارعت وتيرته خلال الأسابيع القليلة الماضية. فتركيا وبقيادة حكيمة من أردوجان وحزبه ذي المرجعية الإسلامية، "العدالة والتنمية"، وبعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وقوتها العسكرية والديموغرافية (78 مليون نسمة)... استطاعت بواسطة كل ذلك جمع رصيد مهم من القوة والنفوذ في المنطقة أهلها لتكون طرفاً أساسياً في الصراعات المشتعلة، تساعدها في ذلك إنجازاتها الاقتصادية على مدار السنوات الماضية، وتفاديها للديون خلافاً لدول أوروبا الغربية المثقلة بها. وأمام هذه القوة المستجدة التي يوفرها اقتصاد متصاعد وقوة عسكرية كبيرة، بدأت تركيا تبتعد في سياساتها الخارجية عن أوروبا لتقترب من منطقة شرق المتوسط الحافلة بالمشكلات والرهانات، لذا لم يكن غريباً أن تدلي تركيا بموقفها الواضح منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة السورية، إذ سعت في البداية إلى تقديم النصيحة للرئيس الأسد، مستغلة في ذلك قنوات التواصل المباشر بين قادة البلدين والعلاقات الودية التي كانت تجمعهما حتى تلك اللحظة. لكن عندما تفاقمت الأزمة وبدا النظام في دمشق مصراً على الحل الأمني، كان موقف أردوجان واضحاً بمطلبه الداعي إلى تنحي الأسد من السلطة قائلاً: "أومن بأن الشعب السوري سينتصر في مقاومته المجيدة"، مضيفاً في خطابه للأسد: "ليس من البطولة في شيء أن تحارب شعبك، وإذا أردت أن ترى مصير من فعل ذلك انظر إلى ألمانيا النازية وإلى موسوليني وتشاوسيسكو في رومانيا".

والحقيقة أن سوريا كانت صدمة كبيرة لتركيا التي علّقت عليها آمالاً كبيرة في دخول الشرق الأوسط والتقرب من شعوبه، فقد اعتقد الأتراك أن السوريين سيقتدون بنموذجهم الديمقراطي الذي يلقى صدى إيجابياً في بلدان الشرق الأوسط، كما أن تركيا عوّلت على سوريا لتعزيز العلاقات الاقتصادية.

وربما ينسى المراقبون في أوروبا دور الوساطة المهم الذي لعبته أنقرة في مفاوضات السلام بين إسرائيل وسوريا قبل انهيارها والنجاحات التي تحققت في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بتشجيع أميركي. وبالطبع كان مهندس العلاقات السورية التركية وزير الخارجية اللامع وأستاذ العلوم السياسية أحمد داود أغلو، فهو منظّر سياسة "تصفير المشاكل" مع الجيران، والمدافع عن نسج تركيا لعلاقات مميزة على الصعيدين السياسي والاقتصادي مع الدول المجاورة، وهي سياسة يبدو أنها تبدلت بعد الأزمة السورية لتتحول إلى مناهضة القمع كلما سنحت الفرصة لذلك، وإبداء موقف مناهض للتدخلات العنيفة ضد الحركات الاحتجاجية السلمية.

وتركيا في هذا السياق تنظر إلى نفسها من منظور حركات الإسلام السياسي الصاعدة في تونس ومصر وسوريا. وبالنظر إلى الحدود المشتركة بين تركيا وسوريا (450 ميلاً)، كان لابد من انخراط أنقرة حتى دون رغبتها، فقد جعلها القرب الجغرافي ملاذاً آمناً للنازحين السوريين من جحيم القمع والتنكيل ليصل عددهم في المخيمات التركية إلى حوالي 35 ألف لاجئ، هذا بالإضافة إلى العسكريين السوريين الذين انشقوا عن الجيش.

ومع ذلك فقد قرر أردوجان التحرك بحذر شديد في الملف السوري، مكتفياً في الوقت الحالي بتقديم الدعم للمجلس الوطني السوري المنقسم على نفسه، وللجيش السوري الحر.

وحتى عندما أسقطت النيران السورية طائرة مقاتلة تركية بعدما اخترقت لفترة بسيطة الأجواء السورية، تمسك أردوجان بسياسة ضبط النفس وعدم الانجرار لأية مواجهة. وربما ساعد في ذلك تأسف الأسد على إسقاط الطائرة التركية، مؤكداً أن دفاعات جيشه لم تكن تعرف أن الطائرة تابعة للجيش التركي. لكن إسقاط الطائرة كان كافياً لدفع تركيا بتعزيزات عسكرية إلى المناطق الحدودية والإعلان عن تغيير قواعد الاشتباك مع سوريا، وهو أيضاً ما يفسر إرسال تركيا ست طائرات مقاتلة لدى اقتراب مروحية سورية من الحدود في علامة على جدية الحكومة التركية في مواجهة أي اختراق لحدودها.

ويبقى الانطباع السائد اليوم عدم رغبة تركيا في الانجرار إلى نزاع مسلح ما لم تحظَ بدعم واضح من "الناتو" ومساندة المجتمع الدولي، وهي لن تدفع بجيشها، البالغ قوامه نصف مليون تقريباً و4500 دبابة، إلى إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري إلا بتأييد دولي واضح. وهنا يمكن الرجوع إلى المنطقة الآمنة التي أقامتها تركيا شمال العراق لحماية الأكراد عام 1991 بعد مبادرة بريطانيا وباقي القوى الغربية، لكني لا أعتقد أن تركيا ستحصل على دعم في هذه اللحظة من الناتو أو الاتحاد الأوروبي، أو حتى أميركا التي تجتاز هذه الفترة موسمها الانتخابي. فالناتو الذي قاد العمليات ضد النظام الليبي السابق ليس مستعداً لخوض عملية أخرى بسبب الأعباء المالية من جهة والورطة الأفغانية من جهة أخرى. بيد أن الحرص التركي والغربي معاً على عدم الدخول في حرب مكلفة وصعبة وربما تجر قوى إقليمية أخرى إلى أتونها، لا يعني أن الحرب مستحيلة، لاسيما وأنه لا أحد يعرف ما ستؤول إليه التطورات الميدانية، وما إذا كانت ستخرج عن السيطرة. فلو أسقطت مثلاً طائرة تركية أخرى لن يكون من السهل على القيادة التركية تجنب الرد العسكري بضغط من الرأي العام، كما أن التطورات الميدانية في الساحة السورية بدأت تتجه، وإن ببطء، نحو تغليب كفة الثوار، فالانشقاقات متزايدة في صفوف الجنود السنة، بالإضافة إلى هروب الضباط ووحدات صغيرة من الجيش السوري، هذا بالإضافة إلى اقتراب المعارك من قلب العاصمة دمشق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جمعة إسقاط "جمعة" عنان .. د.سعد بن طفلة العجمي

تاريخ النشر: السبت 14 يوليو 2012

الاتحاد

"مصافحة الشيطان: فشل الإنسانية في رواندا"، عنوان كتاب ألفه الجنرال الكندي "روميو دالير"، والذي كان قائداً لقوة الأمم المتحدة برواندا عام 2003، في الكتاب وفي شهاداته يعبر الجنرال "دالير" عن الغرابة لعدم اكتراث كوفي عنان لتحذيراته من خطورة الوضع. كان عنان حينها رئيس عمليات السلام في الأمم المتحدة في الفترة من 93-96 من القرن الماضي قبل أن يصبح أميناً عاماً للمنظمة الدولية، بل يسجل الجنرال أن عنان تدخل شخصياً لمنع قوات الأمم المتحدة من التدخل لوقف مجازر "التوتسي"، والتي راح ضحيتها ثمانمائة ألف إنسان ذبحاً ونحراً وجزراً. بعد مضي عشر سنوات، اعترف عنان بتقصيره وبأنه لم يأخذ تحذيرات الجنرال "دالير" على محمل الجد!

في عام 1995، ارتكبت مجزرة "سيربرينيتشا" بيوغوسلافيا أمام مرأى ومسمع قوات الأمم المتحدة حين كان عنان-مثلما هو اليوم- مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة بيوغوسلافيا!

بعد فشله الذريع في رواندا ويوغوسلافيا وأثنائها العراق، أصبح "عنان" أميناً عاماً للأم المتحدة، وكوفيء بجائزة نوبل للسلام مشاركة مع الأمم المتحدة عام 2001، وتلا ذلك الفشل فضائح طالت اسم ابنه في برنامج النفط مقابل الغذاء الذي أنشأته الأمم المتحدة للشعب العراقي واستغله صدام حسين لشراء الولاءات الخارجية وإطالة عمر نظامه.

للموضوعية، فقد سجل له الكينيون نجاحه الوحيد كوسيط دولي عام 2008 حين أنهى الخلاف بينهم بعد انتخابات الرئاسة في كينيا. غادر عنان أهم منصب بروتوكولي في العالم- الأمين العام للأمم المتحدة- بسجل أقل ما يقال عنه بأنه فاشل في وقف الفظائع التي ارتكبت بعهده، ولكن جامعة الدول العربية والأمم المتحدة اختارت الرجل الذي شارف على الخامسة والسبعين من العمر ليكون مبعوثاً دولياً خاصاً لسوريا. كان ذلك في فبراير الماضي، أي قبل خمسة أشهر قتل فيها الآلاف وشرد وجرح واعتقل ولجأ عشرات الآلاف وارتكبت مذابح مروعة عرف منها الحولة والحفّة والقبير والتريمسة، ولازال السيد عنان يجوب العواصم متنقلاً بين دمشق وطهران وجنيف وموسكو ليردد كلاماً باهتاً حول مبادرته التي تنص في بندها الأول على "وقف العنف" من كافة الأطراف، وهذا البند بحد ذاته كان أول انتصار للنظام السوري لأنه ساوى بين الضحية والجلاد.

يرى النظام السوري في "عَلْك" مبادرة عنان كسباً للوقت للإمعان بالقتل في محاولة يائسة للقضاء على الثورة، بل يرى في زيارات عنان لدمشق نافذة للإطلال على المجتمع الدولي من خلال مبعوث "دولي" يضفي شرعية على النظام رغم جرائمه، ليخرج عنان بعد لقاء الأسد مصرحاً: كان لقاء إيجابياً! وهو تصريح فسره الشعب السوري الثائر على أنه مباركة للمذابح، ومهلة لمزيد من القتل والبطش، حتى أن المدونين والمغردين السوريين أطلقوا على عنان اسم "وزير خارجية الأسد الجديد"، وخصوصاً مع تراجع دور المعلم عن الأضواء، ومقاطعة معظم المجتمع الدولي لنظام الأسد وسحب سفرائه من دمشق.

جهتان فقط يخدمهما استمرار عنان في مهمته أو مهلته للبطش: نظام الأسد الذي استخدم عنان خير استخدام، وإسرائيل التي ترى أن استمرار الاقتتال هو إرجاء لهمّها وتساؤلها الكبير: ماذا بعد الأسد؟

ولد كوفي عنان يوم الجمعة، ومن عادات أهل غانا –مسقط رأس عنان- أن يسمى الطفل باسم اليوم الذي ولد فيه، مثلما بعض عادات التسمية لدى العرب حيث ينتشر اسم خميس وجمعة. واسم عنان يعني بلغة "أكان" الغانية يوم الجمعة.

يرى السوريون- معارضون وثوار- أن المبعوث "جمعة" (عنان) منحاز دون مواربة لنظام الأسد، لدرجة أنهم سموه وزير خارجية الأسد، فمن يدري؟ قد تأتي جمعة "الشعب يريد إسقاط "جمعة" عنان؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنان.. وأستاذه الأسد! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

14-2012

من الواضح أن الثورة السورية قد تورطت في السيد كوفي أنان، ومبادراته، وخططه في الشأن السوري، حيث يبدو أنان اليوم وكأنه يسطو على وظيفة وليد المعلم. فما يفعله أنان لإنقاذ الأسد بات يفوق جدية المعلم في فعل ذلك.

فمبادرة أنان الأخيرة تجاه سوريا لا تعني منح فرصة للأسد، بل إنقاذه. فالحديث عن تهدئة الأوضاع تدريجيا «منطقة منطقة» يعني أن أنان يريد تمكين الأسد على الأرض بعد أن باتت فرصه تتضعضع في السيطرة على كل سوريا. والمخيف، والمستفز، هو قول أنان إنه لا بد من جمع السلاح الذي وقع في الأيادي الخاطئة، فهل أنان يريد أن يقول إن المعارضة السورية هي معارضة مسلحة، وإرهابية، كما يقول الأسد دائما؟ مما يعني أن أنان بات يتبنى مواقف الأسد، وخطاباته!

والأخطر من كل ذلك أن أنان يريد الاستمرار في مبادراته من دون سقف زمني، أو وضع مبادراته تحت الفصل السابع بمجلس الأمن، بما في ذلك استخدام القوة، وإلا فلا معنى لأي مبادرات جديدة.

لكن كثيرا من الشك حول مواقف أنان يزول تماما عندما نقرأ بتأمل ما نشرته صحيفة «الأخبار» اللبنانية هذا الأسبوع، حيث قامت بنشر محضر اللقاء الذي جرى بين الأسد وأنان، ثم عادت الصحيفة لتنفيه ثاني يوم، وهو أمر تعودناه من نظام الأسد، والصحف المحسوبة عليه وعلى حزب الله في لبنان، طوال فترة حكم بشار الأسد، حيث يتم تسريب المعلومات عن لقاءات الأسد بضيوفه، ثم يتم القول بأنها أُخذت خارج السياق، أو أن أطرافا في النظام الأسدي يريدون إجهاض ما يريد الأسد فعله، وهي أكاذيب وألاعيب تعودناها كثيرا من النظام الأسدي، وفعلها الأسد يوم روج كذبة الإصلاح أول فترة حكمه بدمشق، وبعد اغتيال رفيق الحريري، وفي كل أزمات لبنان الأخيرة، والعراق، وفعلها كذلك مع زواره السعوديين، والأتراك، والفرنسيين، وغيرهم.

قصة صحيفة «الأخبار» اللبنانية تظهر أنان مستمعا وكأنه تلميذ أمام أستاذه الأسد الذي كان يطرح عليه الفكرة تلو الأخرى، ويبدو مرتاحا، وواثقا، وأنان فقط يتمتم بالإيجاب والإعجاب. والأدهى من كل ذلك هو ما نقل عن استخفاف أنان بالمعارضة السورية في القاهرة، وتوصيفه للثوار السوريين بأنهم مجرد جماعات مسلحة إرهابية مدعومة من الخارج، وكأن ما يحدث في سوريا ليس بكارثة حقيقية، ومجازر، وجرائم تقع بحق الإنسانية، بل إن التقرير نقل عن لقاء الأسد وأنان تهكم طاغية دمشق على السيدة هيلاري كلينتون، والاستخفاف الواضح بدولة قطر. وقد شارك أنان في ذلك حين أبدى تعليقا مستخفا بدولة قطر، كما يوحي التقرير الذي نشر في صحيفة معروف قربها من النظام الأسدي، وحلفائه في لبنان.

ولذا فإن مواقف أنان تجعل المسألة ملحة الآن لإنقاذ السوريين من أنان أولا، وقبل إنقاذهم من طاغية دمشق، لسبب بسيط وهو أن الأسد يقتل، وأنان يبرر، ويسوّف، وعلينا أن نتذكر المقولة الشهيرة التي تقول: «عندما تقتل شخصا واحدا استعن بمحام، لكن عندما تقتل العشرات فاستعن بلوبي، يقوم لك بحملات دعائية»، وهذا ما يفعله الأسد اليوم من خلال نهج أنان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رسائل العلاقات العامة السورية .. عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

14-7-2012

توجد أكوام من الرسائل الإلكترونية، يقول «ويكيليكس» إنها مليونا رسالة، في طريقها للنشر ستكون خير دليل للتعرف على الكيفية التي أدار بها القصر الرئاسي في دمشق أزمته مع العالم. والرسائل الأولى التي ظهرت ربما فضائحية، أو محرجة، مثل أن تصميم حديقة قصر الرئيس بشار الأسد في اللاذقية كلف أكثر من عشرين مليون دولار، لكنها لا تضيف جديدا. إنما الأهم بضع رسائل نشرت قبل أيام بينت سعي النظام السوري لكسب القيادات الأميركية والرأي العام هناك، أيضا من خلال تكليف شركات علاقات عامة للدفاع عن وجهة نظر النظام السوري في الولايات المتحدة.

والحقيقة أن الأسد نجح في النصف الأول من العام الماضي في استمالة كثيرين في الغرب من خلال حملات العلاقات العامة تلك. وانسجاما معها كتب عدد من المعلقين والمحللين معبرين عن تشكيكهم في هوية ومطالب المعارضة السورية، وتلكأت الحكومة الأميركية مكتفية بدعوة الأسد لإجراء إصلاحات سياسية. فقد نجحت، وهذا ما تبينه المراسلات، الحملة في تصوير النظام على أنه معاصر، وراغب في التطوير، وأن الذي يحدث في درعا وحمص ليس إلا من فعل جماعات إسلامية متطرفة، هي امتداد لما حدث في المنطقة، في العراق والسعودية واليمن والجزائر والمغرب.

والأسد ينجح عادة في تضليل من لا يعرفه، وقد سبق أن استمال الأتراك والقطريين، وكذلك الفرنسيين بعد خروج شيراك وتولي نيكولا ساركوزي الرئاسة. لكن هؤلاء جميعا تحولوا إلى خصوم شرسين ضده، لأنه ثبت لهم، مع الوقت، أنه كان يستخدمهم لأغراضه، وأن كل ما وعدهم به مجرد أكاذيب، كما أن دفاعه عن أفعاله عادة لا يصمد طويلا. الأسد الذي استمال العديد من المهتمين بشؤون المنطقة العام الماضي لم يستطع أن يبقيهم إلى جانبه، لسببين: الأول أنه استمر يخسر المعركة على الأرض وهو الذي كان يصف المتظاهرين بأنهم مجرد عصابات محاصرة، وأن معظم ما يقال ضده دعاية تلفزيونية معادية. والسبب الآخر أنه لم يسع إلى تقديم إصلاحات حقيقية، مجرد تمثيلية من فصول. حتى الأتراك الذين صدقوا في البداية أنه مستعد للإصلاح تحملوا تكاليف ترجمة قوانينهم وناولوه باليد كتيبات توضح له التجربة التركية وكيف يمكن تحقيق المشاركة السياسية مع المعارضة والاستمرار في حكم البلاد، وبعد أشهر من المحاولات والوعود تجاهلهم وانقلب الأتراك ضده.

لا قيمة لحملات العلاقات العامة إذا لم تعبر عن الحقيقة، فالرئيس وزوجته وأطفاله يبدون ويتصرفون مع الآخرين في الظاهر كعائلة محترمة، لكن عندما نرى المجازر المروعة التي ترتكبها قواته، وهو نفسه يعترف أنه المسؤول عن قيادتها، ندرك أن المظاهر والصور لا يمكن أن تكذب على الناس طويلا. وعندما تبين الرسائل أنه وزوجته منهمكان في شراء المزيد من الأثاث والأغاني والأفلام، في وقت بلاده في حالة حرب، فلا يمكن للفرد إلا أن يقتنع بأن في القصر حاكما جزارا لا يبالي بنساء وأطفال شعبه.

الكثير من الرسائل المسربة، الصادرة عن القيادات السورية، تبين أن الأسد ركز على الدعاية، واهتم فقط برأي الغرب، وهذا يكشف أنه فشل في إدراك ما يحدث على أرضه. فقد استمرت الحكومة السورية تدعي أن ما يحدث هو مؤامرة خارجية، خليجية - غربية، ضمن صراع إقليمي ودولي. وبدل أن تدرك حقيقة واحدة، وهي أن الشعب السوري فعلا راغب في إسقاطها، استمرت في حملات دبلوماسية وعلاقات عامة تريد من العالم أن يقبل بها ولا تخاطب الشعب في الداخل. السؤال: هل يظن الأسد حقا أنها مؤامرة خارجية ضده؟ وهل يصدق أن الشعب السوري، في غالبيته، يحبه ويريده حاكما؟ لا أدري، لكن يبدو أن الأمر كذلك. كيف لا يدري أن غالبية السوريين لا تريد النظام، خاصة بعد فشله في تنفيذ أي من وعوده التي أعلنها قبل عشر سنوات، واستمرار النظام الأمني العسكري القمعي في ممارساته ضد المواطنين لسنوات سبقت الثورة؟ أجد من الصعوبة أن أصدق أنه لا يدري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر أصدقاء الشعب السوري… الحل بأيدي السوريين

جريدة عنب بلدي – العدد 23

الأحد – 8-7-2012

بعد طول نقاشٍ وجدلٍ تمخضت النسخة الثالثة من مؤتمر أصدقاء الشعب السوري المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة 6 تموز والتي انعقدت بحضور ممثلين عن أكثر من 80 دولة تمخضت عن التأكيد على ضرورة رحيل بشار الأسد!!! وتوسيع نطاق العقوبات على نظامه وكذلك توثيق جرائم النظام السوري ورفعها أمام محكمة الجنايات الدولية، كما دعا المؤتمر إلى اتخاذ جملة من التدابير بشأن سوريا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن هذه القرارات والنتائج لم تقارب مستوى طموحات الشعب السوري الذي حضر أحدُ رموزه -خالد أبو صلاح- المؤتمر إلى جانب ممثلي المجلس الوطني السوري وسواهم. فالشعب السوري طالب بإجراءاتٍ فعليةٍ توقف القتل وإراقة الدماء الذي يمارسه بشار الأسد ونظامه وليس بإصدار بيانات فحسب، فقد اكتفى الشعب من بيانات التضامن والتعاطف كما اعتادت آذان النظام على بيانات الشجب والتنديد. لقد كانت مطالب السوريين واضحةً ومعلنةً بتسليح الجيش السوري الحر وبإقامة مناطق عازلةٍ وممراتٍ آمنةٍ وضمان وقف القصف على المدن السورية، إلا أن الجميع تحدث عن حلٍ سياسيٍ للأزمة السورية وتعالت الأصوات بدعوة ضباط جيش النظام إلى الإنشقاق والتوقف عن القتل!! الأمر الذي يعكس موقفًا دوليًا أنه ليس ثمة قرارًا بالتدخل في سوريا أو دعم الثورة السورية في وجه الطاغية، وإنما القرار هو ترك الأمور على ما هي عليه حتى يتداعى النظام من الداخل.

ويمكن تسجيل النقاط والمشاهدات التالية حول المؤتمر:

كان من اللافت غياب المبعوث الأممي-العربي كوفي عنان الأمر الذي يثير التساؤلات والريبة حول مدى صداقة عنان وخطته للشعب السوري، إذ لوحظ تصعيد النظام لحملاته القمعية ومجازره الوحشية منذ دخول خطة عنان حيز التنفيذ.

كانت روسيا الحاضر الغائب في هذا المؤتمر. فرغم عدم حضور وفد روسي إلى المؤتمر إلا أن الموقف الروسي كان محط أنظار الجميع، فروسيا بدعمها للأسد وبإمداده بكل أنواع السلاح تدفع بالوضع في سوريا نحو مزيد من التصعيد والتوتر والفوضى، فكان التحذير لروسيا من مغبة استمرار دعم الأسد وبأنها ستدفع الثمن وحدها.

عبّر المؤتمر عن يأس المجتمع الدولي من بشار الأسد ومن إمكانية خضوعه للقوانين الدولية ووقف حمام الدم الذي يشتد يومًا تلو الآخر. فهو يقف على «رجلين من قصب» في مواجهة المجتمع الدولي منفوخًا بالدعم الروسي-الإيراني فهو الزبون الأكبر والأهم والأكثر سذاجة لسوق السلاح الروسي شبه الكاسد، كما أنه الامتداد العقائدي والإيديولوجي لإيران في المنطقة.

وبين ردود الفعل الدولية، يبقى الشعب السوري الأدرى بشعاب بلده وهو الأقدر على قيادة الدفة، فالأمور داخليًا تسارعت بفضل العمل الثوري الذي تركز في الآونة الأخيرة واكتسب نقلة نوعية وصلت إلى قلب العاصمة السياسية دمشق والعاصمة الاقتصادية حلب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اللاجئون السوريون في العراق  .. اللاجئون السوريون....قصص مأساوية ولجوء إلى المجهول .. بيرغيت سفينسون

قصص إنسانية كتبت سطورها بالدم والخوف واللجوء: شفاء وأخوها عمر وغيرهم من السوريين اضطروا إلى اللجوء إلى دهوك في كردستان العراق هربا من نظام الأسد وشبيحته. بيرغيت سفينسون قامت بزيارة لمخيم للاجئين السوريين في مدينة دهوك وأعدت هذا التقرير.

________

بيرغيت سفينسون

ترجمة: رائد الباش

مراجعة: هشام العدم

حقوق النشر: قنطرة 2012

10/7/2012

"شفاء" امرأة سورية حازمة تريد إخبار العالم عن مدى معاناة الشعب السوري، تتحدَّث بصوت مرتفع وثم تصرخ معبِّرة عن إحباطها وتقول: "نحن نعيش في مقبرة. والناس يموتون في كلِّ أنحاء سوريا!". هذه الشابة التي يبلغ عمرها أربعة وثلاثين عامًا جاءت إلى هنا قبل يومين فقط برفقة عائلتها من قرية تقع بالقرب من مدينة حمص، حيث كانت تعمل هي وزوجها في إحدى المزارع. وبعد أن ذهب زوجها إلى المدينة بسبب زيارتها من قبل لجنة المراقبين الدوليين التابعة للامم المتَّحدة وشارك في المظاهرات هناك، لم يعد أفراد الأسرة يأمنون على حياتهم. وقبل هربها أصيبت ابنة أختها بطلقة قتلتها وأصيبت أختها بجروح خطيرة. وأخيرًا أوصلها المزارع الذي تعمل لديه بسيَّارته البيك أب إلى الحدود العراقية.

وكان أخوها عمر يؤدِّي خدمته العسكرية في الجيش السوري وقد تم وضعه في مدينة القامشلي ولكنه عندما سمع أنَّ شقيقته في طريقها باتجاه العراق ترك وحدته العسكرية وذهب مع أخته. وتقول شفاء: "نحن أكراد وكانوا يريدون منه أن يطلق النار على أكراد". وتقع مدينة القامشلي في أقصى شمال شرق سوريا في مثلث الحدود السورية مع تركيا والعراق، حيث يعيش هناك معظم أكراد سوريا الذين يقدَّر عددهم بثلاثة ملايين نسمة. ويقول البعض إنَّ الجنود السوريين يطلقون النار على اللاجئين الذين يريدون الذهاب إلى تركيا. لا يستطيع عمر تأكيد ذلك ولكنه سمع مثل هذه القصص. ومنذ عدة أعوام يقاوم الأكراد في سوريا نظام الأسد مقاومة شديدة وقد وقعت هناك في عامي 1986 و2004 حوادث عنف وهيجان شعبي.

مأساة إنسانية

وعلى بعد بضعة كيلومترات عن الحدود أنزل المزارع أسرة شفاء من سيَّارته البيك أب حيث كان يجب عليهم مواصلة طريقهم سيرًا على الأقدام. وتقول شفاء بحسرة: "لقد تركنا كلَّ شيء خلفنا ولم نأخذ معنا إلاَّ ملابسنا التي كنا نرتديها وما استطعنا حمله". وتضيف إنَّهم دفعوا خمسة وسبعين ألف ليرة سورية (نحو تسعمائة وثلاثين يورو) لمهرِّب ساروا معه ست ساعات في الظلام حتى وصلوا الأراضي العراقية. وفي منطقة ربيعة التي تقع في أقصى شمال غرب العراق أرشدهم حرس الحدود العراقيون الأكراد إلى طريق مخيَّم للاجئين، واضطروا من جديد إلى قطع مسافة مائة وأربعين كيلومترًا حتى مناطق الحكم الذاتي الكردية الآمنة في محافظتي دهوك وأربيل. والآن تجلس شفاء وشقيقها عمر في كونتينر يستخدم لإدارة أحد مخيَّمات اللاجئين خارج مدينة دهوك ويريدان إخبار العالم عن مدى معاناة الشعب السوري وأحواله السيِّئة.

وتقول لي شفاء: "لم يعد يوجد لديّ خوف وبإمكانك أن تلتقطي صورًا لنا". لا يريد البعض الحديث حول قصصهم بسبب معاناتهم من صدمة أصابتهم نتيجة ما عاشوه من صدمات. وكذلك ما يزال يوجد لدى بعض الأشخاص الآخرين بعض من أفراد أسرهم وأقربائهم في سوريا وهم يخافون على حياتهم إذا اكتشف أمر هربهم إلى العراق. وتقول شفاء مفسِّرة سبب رفض بعض اللاجئين الحديث إلى وسائل الإعلام: "ما تزال الحكومة تعتبر هذا خيانة وطنية". وتضيف أنَّ اسم زوجها هو الآخر مدرج الآن على القائمة السوداء باعتباره "فارًا من الخدمة العسكرية" وسيتم إطلاق النار عليه في حال دخوله الأراضي السورية. ومن جانبه يبقى زوج شفاء جالسًا في الخلفية يومئ أحيانًا إيماءات قصيرة ليؤكِّد ما تقوله زوجته. ولكن في الواقع لقد بلغ حتى الآن عدد الهاربين من عنف النظام نسبة كبيرة للغاية بحيث صار من غير المؤكَّد إن كانت هذه القوائم سوف تبقى لفترة طويلة. إذ بلغ عدد اللاجئين في تركيا وحدها حسب الأرقام الرسمية أكثر من ثلاثين ألف لاجئ سوري، وكذلك يوجد في كردستان العراق حيث بدأ تدفّق اللاجئين إلى هناك منذ فترة قصيرة نحو أربعة آلاف لاجئ وفي الأردن إحدى عشر ألف لاجئ، أمَّا في لبنان يرجَّح وجود عدة آلاف من اللاجئين السوريين ولكن لا توجد هناك احصاءات رسمية.

الأكراد في عين العاصفة

وتقول شفاء: "نحن الأكراد وضعنا الأسوأ من بين الجميع، إذ لا توجد لدينا أية حقوق"، وتضيف أنَّ نصف الأكراد السوريين لا يملكون بطاقات هوية وكذلك لا توجد لديها ولدى عائلتها أية أوراق ثبوتية ولذلك لم يتمكَّنوا أيضًا من السفر إلى بلدان أخرى بل كانوا يطمعون في رحمة الرئيس الكردي مسعود البارزاني الذي أصدر قبل فترة غير بعيدة مرسومًا يقضي بأنَّ جميع الأكراد السوريين الذين يهربون من إرهاب نظام الأسد سيتم إيواؤهم في العراق. وقبل ذلك كان حرس الحدود العراقيون يعيدون اللاجئين القادمين من سوريا.

وتعتبر سياسة العراق تجاه سوريا متناقضة للغاية، وفي حين أنَّ الحكومة في بغداد وعلى رأسها رئيس الوزراء نوري المالكي تدعم بشار الأسد وترسل له إلى دمشق النفط والمال والسلاح، وقفت في المقابل حكومة إقليم كردستان في أربيل إلى جانب "أخوتها السوريين" الذين يعارضون نظام الأسد. إذ جاءت محاولة بشار الأسد طمأنة الأكراد متأخرة جدًا عندما وعد في بداية هذا العام منح الجنسية السورية للأشخاص الذين لم يكن لديهم حتى ذلك الحين جواز سفر سوري وبأنَّهم يسيطيعون أيضًا الحصول على بطاقات هوية. وتقول شفاء مشتكية: "لقد كانت هذه مجرَّد كلمات جميلة، مثلما يحدث ذلك في كثير من الأحيان". ولكن لم يعد من الممكن حتى بمثل هذه الوعود إيقاف ثورة الشعب عليه وعلى نظامه.

إنكار النظام

كان نظام الأسد ينكر وبكلِّ بساطة طيلة أعوام عديدة وجود الأكراد الذين يشكِّلون أكبر أقلية في سوريا. وقد كان ينتهي المطاف بالأشخاص الذين كانوا لا يريدون القبول بهذا الواقع إلى السجن أو المنفى. كذلك كانت تقاليد الأكراد ولغتهم محظورة رسميًا وكانت كلّ محاولة للاحتفال بعيد رأس السنة الكردية "النيروز" تقابل من قبل القوَّات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي المخيفة بعنف ووحشية. والآن تم انتخاب معارض كردي رئيسًا جديدًا للمجلس الوطني السوري المعارض. وهذا المعارض هو عبد الباسط سيدا المقيم في المنفى في السويد ومن المفترض الآن أن يوحِّد مجموعات المعارضة وأحزابها المنقسمة من أجل وضع إستراتيجية مشتركة لمحاربة الحكومة في دمشق.

وتقول شفاء يائسة: "سوريا هي بلدي ووطني وهويَّتي". ولكن لا توجد لديها أية فرصة للعودة إلاَّ بعدما يتم إسقاط الأسد، مثلما تقول وتضيف أنَّها حتى ذلك الحين سوف تضطر من دون شكّ إلى البقاء في معسكر دهوك الذي وصله حتى الآن ألف وثلاثمائة وستون لاجئًا. وتأتي إلى معسكر اللاجئين سيارة بيك أب تحضر لهم الخبز الطازج والجبن وكذلك يتم تزويدهم بفرشات وبطانيات. ويقول السيِّد زاد الله مدير هذا المعسكر: "نحن ما نزال قادرين على مواجهة الوضع"، ويضيف أنَّه حصل من حكومة إقليم كردستان في أربيل على ما يكفي من المال للأسر الموجودة في معسكره والتي يبلغ عددها مائتين وأربعين أسرة. "ولكن إذا استمر تدهور الأوضاع في سوريا أكثر وازداد عدد اللاجئين القادمين من سوريا فعندئذ سوف تقل الإمكانيات المتوفِّرة لدينا".

ويعترف زاد الله أنَّ الرعاية الطبية متوفِّرة للحالات الحادة ولكن عندما تظهر حالات مرضية خطيرة فعندئذ يجد نفسه عاجزًا ويضيف أنَّ المستشفيات الموجودة في المناطق الكردية في شمال العراق تعتبر هي الأخرى غير مجهزة تجهيزًا جيِّدًا لمعالجة الحالات المرضية المزمنة. فعلى سبيل المثال لا يمكن تقريبًا توفير العلاج لمعالجة مرضى السرطان وإن تم توفيره يكون بكميَّات غير كافية. وسيكون جميلاً لو استطاعت ألمانيا تقديم بعض المساعدات في هذا المجال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مجزرة جديدة ولا شيء سوى الشجب

2012-07-15 12:00 AM

الوطن السعودية

مذبحة أخرى ذهب ضحيتها ما يفوق 200 شخص في بلدة التريمسة بريف حماة في سورية، ولا شيء سوى الشجب والاستنكار الدولي والدعوات لوقف العنف أو حتى معاقبة سورية كما بدر أخيرا من المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي عنان الذي دعا مجلس الأمن إلى معاقبة سورية لعدم امتثالها لخطته. ولكن عدم الامتثال السوري كان واضحا منذ اليوم الأول ودموية النظام لم تكن تحتاج لدليل، وهذه المجزرة البشعة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة طالما ظل العالم يراقب بدون تحرك حقيقي وفعال على الأرض.

بعد مجزرة الحولة التي ذهب ضحيتها أطفال تم نحر رقابهم بالسكاكين جاء اليوم الدور على التريمسة لتشهد هذه الويلات، وفي تطور نوعي جديد لم ينف النظام السوري قيامه بالمذبحة كما حدث في الحولة بل ادعى أن ما حدث في التريمسة كان عملية نوعية تستهدف "مجموعات إرهابية مسلحة" على حد زعم النظام.

النظام السوري يزيد في طغيانه كونه يرى عجز العالم عن معاقبته بشكل فعال، وهذا الطغيان بدا واضحا من خلال استخدام السلاح الثقيل والطائرات المروحية والدبابات ضد بلدة التريمسة. وللأسف فإن عجز عنان مع النظام السوري وقبله إعلان الدكتور نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية أن الجامعة لم تعد تملك ما تقدمه من أجل الحل في سورية كلها مؤشرات تزيد من طغيان نظام بات بحاجة لمن يردعه عما يرتكبه من فظائع.

مجلس الأمن اليوم عاجز بسبب الفيتو الروسي، ولا تزال كل الحجج تقاد على خلفية التخوف من التدخل العسكري، ولكن في المقابل لا شيء حقيقيا يقدم للتعامل مع الوضع السوري. عجز مجلس الأمن سوف يستلزم مع الوقت تحركا من خارجه، ولكن في حال رفض التدخل الخارجي فإن فرض عقوبات هو أمر لا يجب التهاون فيه، حيث إن نزع الخيار العسكري من على الطاولة هو ما تسبب في هذا التصعيد الخطير في المقام الأول، فالنظام السوري اليوم لا يرى وجود أي سبب يردعه طالما ظل العالم عاجزا ومتنازعا في أمره حول كيفية التعامل معه.

هذه المجزرة الجديدة التي ذهب ضحيتها أبرياء وتبرير النظام السوري لها يجب أن تدق ناقوس خطر كبير بأن ما يجري في سورية حرب من النظام لن تجدي معه سوى حلول قوية وفعالة وليس مزيدا من الاجتماعات حول الطاولات تزيد في إضاعة الوقت مهما تشدق العالم باهتمامه بما يجري هناك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية … جريمة التريمسة يجب ألا تمُرّ

الراية

15-7-2012

أصبح مجلس الأمن الدولي بوصفه الجهة التي تحمي الأمن والسلم الدوليين أمام مأزق أخلاقي كبير مع استمرار ارتكاب النظام السوري للمذابح والتي كان آخرها مذبحة التريمسة في ريف حماة التي أقدمت قوات النظام على ارتكابها بدم بارد مستغلة الانقسام في مجلس الأمن الدولي وعدم قدرته على اتخاذ مواقف موحدة تجاه ما يحدث في سوريا من جرائم.

لقد انتقد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في موقف نادر مجلس الأمن الدولي مشيرا إلى "أن عدم تمكنه من الاتفاق على موقف موحد لممارسة الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد لوقف العنف في بلده هو بمثابة إعطائه "ترخيصا لارتكاب المزيد من المجازر".

إن الرد الحقيقي على مجزرة التريمسة ومن قبلها المجازر العديدة التي ارتكبتها قوات النظام السوري يكمن في صدور قرار واضح من مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإجبار النظام على وقف العنف فورا ودون تأخير وإنذاره بضرورة سحب أسلحته الثقيلة من المدن والبلدات السورية على الفور وتشكيل بعثة تحقيق دولية للتحقيق في مذبحة التريمسة التي يندى لها جبين الإنسانية وجميع المجازر التي ارتكبت في سوريا وإخضاع الجناة للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية فالمذابح التي شهدتها سوريا تعتبر جرائم حرب يجب أن لا يفلت مرتكبوها من العقاب ومن العار استمرارها وتواصلها أمام سمع العالم وبصره.

إن تساهل المجتمع الدولي مع الجرائم السابقة التي ارتكبتها قوات النظام وعدم التحقيق الجدي فيها واكتفائه ببيانات الشجب والإدانة والاستنكار لهذه الجرائم دون تحرك حقيقي على الأرض ساهم في تكرار هذه الجرائم وتوسعها لتشمل معظم المدن والبلدات السورية فالعجز الدولي المشين عن وضع حد لمأساة الشعب السوري ساهم في تفاقم هذه المأساة الإنسانية التي لم يسلم منها بيت في سوريا.

إن فشل مجلس الأمن الدولي في الخروج بموقف موحد تجاه ما يحدث في سوريا يجعله شريكا فيما يجري هناك من مآس ويجعل شرعيته ودوره كراع للسلم والأمن الدوليين محل شك كبير.

الإدانة الدولية الواسعة لجريمة التريمسة المروعة لا تكفي فدول العالم والمنظمات الأممية مطالبة بالاضطلاع بمسؤولياتها السياسية والإنسانية والتحرك سريعا لوقف المأساة التي يعيشها الشعب السوري منذ نحو ستة عشر شهرا من خلال سرعة توفير الحماية الدولية للشعب السوري لضمان عدم تكرار هذه المجزرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يُذبح الشعب السوري بالأسلحة المحرّمة دولياً؟! .. يوسف الكويليت

الرياض

15-7-2012

الحالة السورية كل يوم تفتح باباً للجريمة من قبل النظام، وسيستمر، لأن حماية المواطن هناك ليست قائمة في الذهن العالمي، وخاصة تلك الدول التي تدعي حماية حقوق الشعوب من الانتهاكات، والرمزية هنا أن سورية لا تشكل قيمة إستراتيجية للغرب إلا ما يتعلق بأمن إسرائيل، وهذا محميّ تلقائياً من النظام نفسه، والذي وجد نفسه يعقد صلحاً غير مدون رسمياً، ولكنه اتفاق أكدته الأحداث منذ حرب ١٩٧٣م، وبالتالي طالما ضمن الغرب هذه الحقيقة، فجزء من الاعتقاد ضعفه أمام الموقف الروسي - الصيني يفسر بسذاجة تامة، لأن المخرج ليس مجلس الأمن والخوف من اتخاذ الفيتو ضد أي إجراء من دول حلف الأطلسي لأنه ممكن دعوة الأمم المتحدة لاجتماع دولي، والتصويت على نقض مقابل للروس والصينيين بالتدخل وفقاً لموقف يؤيد هذا الإجراء، والامتناع عن هذه الدعوة، هي رغبة أن لا يكون الغرب بشقيه الأمريكي، والأوروبي طرفاً في معركة لا يرغبون بها، معتقدين أن روسيا تجر نفسها إلى مواجهة مع كل العرب لو سقط النظام.

روسيا تدعي أنها لا تسلم الأسد الأسلحة إلا بشروط إنهاء الأزمة، في حين بوارجها وأسطولها يتناميان بشكل مباشر على السواحل السورية، وهذا التواجد لا يُعزى إلى محاولة منع أي تدخل خارجي وإنما داعم للنظام إن لم يكن مشتركاً معه بشكل فعلي في قتل الشعب السوري، والصورة الروسية التي اهتزت عربياً وعالمياً ساهمت في عنادهم وبعث الروح السوفييتية بالقوة الموازية للأطلسي، وهو بيع للوهم، لأن تأثير الروس في محيطهم، وداخل ما كان يسمى الجمهوريات السوفييتية، صار معظمه في عصمة الغرب، ولم يبق إلا البعض الذين فرضت روابطهم المصلحية والإستراتيجية معها، وهو ما ينطبق على معظم دول العالم التي لم ترتبط معهم بمصالح كبيرة.

هناك تصرف لا بد أن يؤخذ بعين الاعتبار عندما نقل النظام السوري أسلحته الجرثومية والكيماوية، لما يدعي تأمين سلامتها بأماكن آمنة، لكن الظواهر بينت أنه استعمل أسلحة مماثلة وجدت على أجسام الجرحى، وهي سابقة خطيرة عندما يقدم الأسد على ضرب مواطنيه بهذه الأسلحة المحرمة دولياً مثلما فعل صدام حسين، أو أمريكا في أسلحة مشابهة استخدمتها في العراق، لأن نظاماً يقوم بالقتل المتعمد وبمجازر ظاهرة للرأي العام العالمي، مثل القتل الأخير لما يزيد على مئتين وعشرين مواطناً في بلدة (التريمسة) قد يذهب بعيداً إلى تنفيذ مخطط إبادة شاملة، وعندها ماذا ينفع الدور الدبلوماسي لرجل مثل عنان هو متورط أصلاً في فضائح خط النفط في العراق وغيرها، وما لم يكن هناك تحرك سريع يمنع الجريمة القادمة، فإن الزمن قد يتعدى القرارات الدولية إن لم يفضح المواقف المتخاذلة، والاحتمالات ترشح أن نظاماً أعلن الانتحار المتبادل، لا يجد الرادع الأخلاقي ولا العسكري، وستكون دماء السوريين في ذمة المجتمع الدولي كله؟!

عربياً، عدا الموقف الواضح لدول الخليج، فالذي لا يدعم النظام السوري مثل العراق، يساهم بصمته على تشجيع الحكومة، وهو تخاذل يرقى إلى الإسهام بالجريمة!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية في مواجهة “القذارة” السياسية ..  د. وائل مرزا

الثورة السورية تُواجه نقلةً نوعيةً في المكْر السياسي الذي يُحاول الكثيرون محاصرتها بأساليبه المختلفة.

الأحد 15/07/2012

المدينة

منذ عقود، لخَّص الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان رأيهُ في السياسة بهذه العبارة: «من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، ولكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة»..

ربما يجرح الكلامُ البعض من مرهفي الأحاسيس، لكنه يُعبّر عن معنىً محدد للسياسة كان ولازال يؤثر في العالم بأسره، وهو يكاد يكون اليوم المعنى الأكثر بروزاً عندما يتعلق الأمر بالثورة السورية.

صحيحٌ أن بالإمكان الإشارة إلى الدلالات التي أرادها ريغان من عبارته بشكلٍ آخر، ربما يكون أقلّ صراحةً وأكثر تهذيباً.لكن الواقعية تفرض علينا الاعتراف بأن تلك الدلالات كانت ولا زالت وستبقى موجودة، إلى درجة أو أخرى، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في كلّ مكان يوجد فيه ساسةٌ وسياسة على هذه الأرض.

تواجهُ الثورة السورية وستواجه تحدياتٍ كثيرة قد يكون عنفُ النظام ودمويتهُ أبرزَها، لكن أصعبَها على الإطلاق يتمثل في درجة (المكْر) السياسي الذي يُحاول أن يُحيط بنقائها إحاطة السوار بالمعصم، ويعملُ على تلويث طهارتها وإزاحتها عن أهدافها بكل طريقةٍ ممكنة.

ثمة ألفُ شاهدٍ وشاهدٍ على مانقول.

فقبل بضعة أيام، خرج السيد كوفي عنّان بعد لقائه رأس النظام السوري بتصريحٍ لم ينتبه الكثيرون إلى معانيه الخطيرة. إذ قال للصحفيين بعد إجراء محادثات في طهران إن الأسد «اقترح وضع منهج تدريجي يبدأ من بعض المناطق التي شهدت أسوأ أعمال عنف في محاولة لاحتوائه فيها والبناء خطوة بخطوة على ذلك لإنهاء العنف في كافة أرجاء البلاد».

نُدرك درجة (الفوقيّة) التي يتعامل بها السيد عنّان مع الشعب السوري وثورته، وهي فوقيةٌ نُشهدُ العالم بأنها ستُصبح مسمار الخطيئة الأخير في نعشِ حياته السياسية. لكننا نستغرب أن يصل الأمر إلى درجة (استغباء) السوريين من خلال صياغة عبارةٍ مراوِغة تُقدّمُ كـ (بشارةٍ) ينقلها إليهم عن السفاح الأكبر. فالحديث يوحي وكأن النظام سيبدأ عملية إصلاحٍ شاملة في تلك المناطق «التي شهدت أسوأ أعمال عنف»، أو أنه، في أقلّ الأحوال، سيسحب منها الدبابات والمدافع والشبيحة ليملأها بالمستشفيات والغذاء وشركات الإعمار. في حين أن أبسط قراءة سياسية لطريقة النظام في التفكير تُظهر بأن المقصود من العبارة يتمثل يقيناً في موجة التدمير المنهجي الوحشي لمناطق ريف دمشق ودرعا وحمص حماة والساحل وريف حلب ودير الزور، والتي بدأت قبل تصريح عنان ولاتزال مستمرةً إلى وقت نشر هذه الكلمات.

نعرف أن الموفد العربي والأممي ليس غبياً، وأنه كان يُدرك معنى الرسالة التي نقلها، فبماذا كان يُفكّر حين طلع علينا بتلك البشارة؟ لانتطلّع هنا لموقفٍ مُشرّفٍ يقوم فيه عنان بشرح الرسالة وتوضيح خطورتها على الشعب السوري وتناقضها مع الهدف المُعلن من مبادرته العتيدة. ولانجرؤ حتى بأن نحلم بإمكان إعلانه الاستقالة بسبب ماعرف أنه سيجري من مذابح ومجازر. وإنما كنا ننتظر حداً أدنى من الإحساس بالمسؤولية يتمثل في ألا يستخفّ بعقول السوريين والعالم، فلا يعرض علينا جميعاً تلك المقولة وكأنها إنجازٌ عظيم.

نعلم طبعاً أن السيد عنان لايقوم بممارساته بالأصالة عن نفسه، وإنما بالنيابة عن أطراف أخرى تمارس السياسة بنفس الطبيعة التي تحدّث عنها ريغان. وإذا كنا نعتب عليه أنه ارتضى لنفسه هذه المهمة البائسة، فإننا ندرك أن مصدر المشكلة يكمن في تلك الأطراف التي تُحرّكه وترعاه في نهاية المطاف.

من الواضح تماماً أن الثورة السورية تُواجه نقلةً نوعيةً في المكْر السياسي الذي يُحاول الكثيرون محاصرتها بأساليبه المختلفة. وقد بدأت هذه النقلة مع وضوح وصولها إلى نقطة اللاعودة في مسيرتها لإسقاط النظام في الأسابيع القليلة الماضية.

فحجم المكائد والمناورات والصفقات يزداد كمتواليةٍ حسابية. ودوائر اللاعبين الذين ينغمسون في (اللعبة) تتسعُ بشكلٍ سريعٍ ومتصاعد. وسيناريوهات (الاحتواء) والتلاعب لحرف الثورة عن تحقيق أهدافها الحقيقية تتكاثر مثل الفطر. وفي هذا الإطار، تجري عملية خلطٍ كبرى للأوراق تهدف إلى لفت الأنظار عن الحقائق والثوابت، والانتقال بدلاً من ذلك للحديث عن (الممكن) و(المعقول) بدعوى وشعارات الواقعية والعقلانية السياسية.

لاأعلم بماذا يُفكّر ثائرٌ مثل خالد أبو صلاح بعد أن رأى مارآه من عجائب في رحلته المؤقتة خارج سوريا، لكنني على ثقة بأنه زاد يقيناً بمقولة أحد مؤرخي اليونان، دولاكروا، حين قال: «الوقائع كائناتٌ مقدسة، تمارس انتقاماً بشعاً من الباحث الذي يتظاهر أنها غير موجودة». ذلك أن أبو صلاح يعرف تماماً طبيعة الوقائع على أرض سوريا الطاهرة، ويُدرك مَن الذي يصنع تلك الوقائع.

الأهمّ من هذا أن أبو صلاح وإخوانه الثوار يعرفون طبيعةَ من يواجهونهم من خلال وصفهم الواضح في الكتاب الحكيم: {وقد مكروا مَكْرَهُم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزولَ منه الجبال}، لكنهم يمضون مطمئنين بوعد الله حين يقول: {ولاتحزن عليهم ولاتكن في ضيقٍ مما يمكرون}، لأنهم يؤمنون أشد الإيمان بالنتيجة النهائية التي تؤكد بأنه: {ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا}.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حل سوريا في الاستفتاء .. محمد بن هويدن

التاريخ: 15 يوليو 2012

البيان

إن الخيارات المطروحة للتعامل مع الوضع في سوريا تتمحور حول ضرورة إنهاء نظام الأسد للبدء في الحديث عن مستقبل جديد لسوريا من دون ذلك النظام. لذلك يعمل الجميع على دعم خطة كوفي أنان وعلى الضغط على روسيا والصين وإيران وعلى تمويل ودعم المعارضة السورية .

وذلك في سبيل تحقيق هدف إزاحة نظام الأسد من السلطة في سوريا. وهذه العملية في حقيقة الأمر عملية صعبة جداً، فنظام بشار الأسد لا يتمحور حول مجموعة من الأفراد كما كان عليه الوضع في ليبيا وإنما هو عبارة عن شبكة معقدة من الطوائف والعرقيات التي استطاعت أن ت

تأصل بنفسها في مختلف مؤسسات الدولة وتسيطر عليها. لذلك فإن إزالة نظام الأسد يتطلب ثورة شعبية عارمة يقودها الشعب بأكمله ( من العرب والأكراد والدروز والسنة والعلويين والإسماعيليين والمسيحيين)، كما حدث في ليبيا وليست ثورة يقودها جزء من الشعب. وعليه يصبح خيار تغيير النظام في سوريا بغير نظام الثورة الشعبية الكاملة عملية صعبة للغاية.

وبالتالي فإن على المجتمع الدولي أن يفكر في طريقة أخرى لتحقيق هدفه بعيداً عن طريقة تغيير النظام نحو اتباع استراتيجية لتغيير رأس النظام وإبقاء النظام قائماً حتى يتآكل من نفسه من الداخل مع الوقت عند غياب رأس النظام الحالي. وهنا على المجتمع الدولي أن يأخذ على عاتقه كل الخيارات المطروحة لتغيير رأس النظام بما فيه خيار الاستفتاء الشعبي على بقاء الأسد أو ذهابه.

إلى اليوم لم يتحدث أحدهم عن إجراء استفتاء للشعب السوري لتحديد مستقبل بلاده مع بشار الأسد، استفتاء شعبي ينظمه المجتمع الدولي بمشاركة ومراقبة من روسيا والصين من شأنه أن يحدد الملامح الحقيقية لمستقبل سوريا ويكون خطوة مقبولة لدى الروس والصينيين الذين لا يريدون لخيار استخدام القوة المسلحة أن تكون هي الوسيلة في يد الغرب لتغيير الأنظمة السياسية غير المرغوب فيها في العالم.

إذا كنا بالفعل نود لسوريا عدم الانزلاق في حالة من العنف غير المسيطر عليه وإبعاده عن سيناريو العراق فإن فكرة مثل فكرة الاستفتاء الشعبي يجب أن تعطى حقها؛ وهنا يكون الشعب السوري وليس غيره هو الذي يحدد مستقبله ومستقبل بلده.

وبالتالي الضرب على وتر ما يردده الروس والصينيون وحتى الإيرانيون بأنهم مع إرادة الشعب السوري في تحديد مصير نظامه الحاكم وليست الإرادات الخارجية. على الشعب السوري أن يُعطى الحق في الاختيار بين بقاء بشار الأسد واستمراره في إجراء إصلاحاته السياسية، أو ذهاب الأسد وإعطاء السلطة للشعب السوري لتقرير مصيره السياسي.

الاستفتاء هو الحل الأمثل للوضع الراهن في سوريا بسبب أن الوضع هناك قد تعدى حاجز المقبول ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى تراجع عزم أو تفكك قوة النظام السياسي في سوريا باستثناء خروج بعض الأفراد والضباط غير المحسوبين بشكل واضح على النظام السياسي السوري من الجيش السوري وانضمامهم إلى الجيش السوري الحر. مثل هذه الانشقاقات لا تولد سوى استمرار حالة العنف المسلح بين الطرفين والتي يذهب ضحيتها الكثير من المدنيين في سوريا.

ومع تزايد التدخلات الدولية تصبح العملية أكثر تعقيداً، حيث يصبح سيناريو لبنان ماثل أمام أعيننا بشكل كبير وواضح، ولا يبدو أن الدول الداعمة لكل طرف مستعدة للتنازل عن ما تقدمه من دعم لحليفها سواء كان ذلك الحليف هو النظام بالنسبة لبعض الدول أو المعارضة بالنسبة لدول أخرى، الأمر الذي يجعل مستقبل سوريا قاتم للغاية وينذر بعرقنة ولبننة سوريا.

نعم سوريا ليست ليبيا لأن النظام الليبي تُرك وحيداً يواجه مصيره مع الغرب، أما سوريا فلا روسيا ولا الصين ولا حتى إيران مستعدة للتنازل عنه، فإلى متى ستظل الحالة السورية تجرى وراء الإرادات الخارجية؟!

هذا الأمر يطرح الحاجة لضرورة الاعتماد على الخيار السياسي بديلاً عن الخيار العسكري في إيجاد حل للوضع الراهن في سوريا لطالما لا يوجد اتفاق دولي على الخيار العسكري. فإذا جاءت نتيجة الاستفتاء معبرة عن رأي الشارع السوري الثائر والرافض للأسد فإن ذلك خير وبركه، بحيث تحتضن موسكو أو بكين أو طهران الأسد ومن معه وتترك الشعب السوري يحدد مستقبل بلده.

وعندها لا يستطيع بشار الأسد التمسك بالسلطة ولا تستطيع روسيا ولا الصين التعذر بإرادة الشعب السوري؛ أما إذا جاءت النتيجة معبرة عن رغبة السوريين في إبقاء الأسد، عندها لا صوت يعلو على صوت الشعب وعليه يجب على الأطراف المعارضة وغيرها التي لا تود للأسد البقاء أن تجلس معه للتشاور وإجراء إصلاحات سياسية بإشراف المجتمع الدولي بما فيها روسيا والصين.

نعم قد لا يعجب هذا الخيار الكثيرين ولكن ضياع الوقت في سوريا لغير صالح الحل السياسي سيلقي بظلاله على الوضع في المنطقة برمتها، الأمر الذي يجب أن يجعلنا نفكر خارج الصندوق الذي يُقيدُنا بخيار القوة العسكرية وخيار تغير النظام السياسي من الخارج بدلاً من التفكير بخيار التغيير من الداخل وفقاً لمعادلة كلمة الشعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ميقاتي بين "حزب الله" وسوريا  .. د. رضوان السيد

تاريخ النشر: الأحد 15 يوليو 2012

الاتحاد

جاء أحمد جبريل، أمين عام "الجبهة الشعبية- القيادة العامة"، إلى لبنان قبل شهرين وهدَّد اللبنانيين بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا حاولوا "الاعتداء" على المخيمات الفلسطينية وبخاصةٍ نهر البارد، وقال إنه قابل أمين عام "حزب الله" الذي قال له إنّ المهمة الرئيسية للحزب وسلاحه في هذه الأيام تتمثل في الحفاظ على نظام الممانعة والمقاومة في سوريا! وأَظهر وقتَها بعض قادة 14 آذار الاستغراب، لأنّ الحزب يقول كلَّ وقت إنه يحتفظ بسلاحه لتحرير الأرض، وردْع العدو الإسرائيلي! ومنذ جاء جبريل إلى لبنان وإلى اليوم جرت اشتباكاتٌ بين الجيش والفلسطينيين في مخيم نهر البارد، وبين جبل محسن وباب التبانة، كما جرت محاولتا اغتيال لسمير جعجع وبطرس حرب! وفي كل يومٍ تقريباً تجري اشتباكاتٌ على الحدود بين الجيش السوري ومسلحين في عكّار يقال تارةً إنهم سوريون وتارة إنهم لبنانيون يريدون التسلُّل إلى سوريا. ولدى لبنان من المسجَّلين رسمياً حوالي الثلاثين ألف نازح، بيد أن عدد السوريين المعدمين وشبه المعدمين الذين أتوا إلى لبنان في عام 2012 يزيد على المائة ألف. ومنذ بدء الاشتباكات على الحدود قبل عامٍ وحتى الآن قُتل 15 لبنانياً بينهم نساء وأطفال، وما حرَّكت الحكومة اللبنانية ساكناً، ولا استدعت السفير السوري لتسأله عما يجري. بل إن السفير السوري يأتي إلى المسؤولين اللبنانيين، مستنكراً!

ذكرتُ هذه الأمور كُلَّها لأن الحكومة اللبنانية واجهت أزمةً عصيبةً الأسبوع الماضي، بسبب خلاف أعضائها على تثبيت زُهاء الألفين من المياومين بشركة الكهرباء، ووزير الكهرباء كما هو معروف، جبران باسيل، صهر الجنرال عون حليف "حزب الله" في السياسة والحكومة، وله نصف الوزراء. وقد أصرَّ بري على تثبيت المياومين لأنّ 60 بالمئة منهم شيعة، بينما السنة حوالي 25 بالمئة، والمسيحيون 15 بالمئة فقط. والطريف أن مسيحيي عون ومسيحيي 14 آذار تحالفوا بمجلس النواب وانسحبوا من الجلسة لمنْع تثبيت المياومين المسلمين! فتصاعدت أزمةٌ كبرى، وقيل إن الحكومة تفككت إلى غير رجعة، وقد تشاتَمَ عون وبري عَلَناً، وحمل الوزير باسيل على "حزب الله" لعدم تدخُّله لصالح عَون! ثم وكأنما بسحر ساحرٍ خفتت كلُ الأصوات، واجتمعت الحكومة لمناقشة أربعة أُمور: بحث الاحتجاجات في عكار على قتل الجيش اللبناني لشيخين قبل شهر، وقيام المحكمة العسكرية بإطلاق سراح الآمرين بإطلاق النار، وبحث محاولة اغتيال النائب بطرس حرب (من 14 آذار)، ورفض وزير الاتصالات تسليم الداتا للقوى الأمنية لملاحقة الجُناة، وبحث الوضع المتوتر على الحدود مع سوريا وسقوط القتلى من اللبنانيين والسوريين النازحين يومياً، وإقرار موازنة العام 2012-2013.

وجرى إقرار الموازنة بما في ذلك الـ35 مليون دولار السنوية لتسديد نفقات المحكمة الدولية. لكن الأمور الثلاثة الأُخرى تعرقلت رغم ما يقال من أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ما كانا مسرورَين! إذ رغم محاولات الاغتيال، والحوادث الأمنية الأُخرى، لم تتعاون وزارة الاتصالات مع الداخلية والدفاع في تسليمهما الداتا لمتابعة المكالمات الهاتفية. وحُجَّةُ وزير الاتصالات وأكثرية وزراء عون و"حزب الله" أن في ذلك مساساً بالحريات والخصوصيات، رغم أن المتابعة ستكون بإشراف القضاء. وقد دفع ذلك السنيورة وحرب إلى اتهام أعضاء الحكومة بأنهم إمّا أن يكونوا هم الذين يمارسون الاغتيال، أو أنهم يتسترون على القائمين بذلك لأنهم يعرفونهم!

وفي مسألة مقتل الشيخين، أوصت الحكومة بالتوسُّع في التحقيق بإشراف مدعي عام التمييز، لكنها رفضت تحويل القضية إلى المجلس العدلي. أما في مشكلات الحدود، فأوصت الحكومة بنشر الجيش، مع أنّه موجود على الحدود بالفعل ولا يفعل شيئاً غير مراقبة النشاطات"غير المشروعة" حيال النظام السوري، وما حال ولا مرَّة دون دخول القوات السورية إلى لبنان!

لماذا نذكر هذا كلَّه؟ لأن الحكومة الحالية تشكلت قبل عام ونصف العام، أي قبل الثورة السورية بشهرين تقريباً، وقد شكَّلها نصر الله والأسد أثر إسقاط حكومة الحريري بانحياز جنبلاط وبعض نوابه إلى حكومةٍ برئاسة ميقاتي. ويقال إنّ فيلتمان شارك في التشكيل، بسبب العلاقة التي تربطه بميقاتي وجنبلاط، ولأن الأميركيين كانوا لا يزالون يأملون بتحسين العلاقات مع سوريا الأسد! وهكذا فقد فُرض عزل سياسي على الاتجاه السياسي الرئيسي لدى المسلمين السنة. وتعرض ميقاتي لبعض الإحراج بعد نشوب الثورة في سوريا. فقد بادر وزير الخارجية اللبنانية، وهو شيعيٌّ من جماعة "حزب الله" وإيران- إلى تأييد نظام الأسد في الجامعة العربية وفي الأُمم المتحدة، وذهب مبعوثاً من قِبَله إلى روسيا وأماكن أُخرى. وكان ميقاتي يعبر أحياناً عن أسفه لسفك الدم، ثم طوَّر مع وزير الخارجية ورئيس الجمهورية سياسة الوقوف على الحياد بشأن الأحداث في سوريا. بيد أنّ النظام السوري احتاج مع اشتداد الضيق عليه لما هو أكثر من ذلك: لجهة الأمن على الحدود، ولجهة تعاوُن الأجهزة الأمنية اللبنانية، ولجهة تهريب الأموال والتحويلات عبر النظام البنكي اللبناني. لكن ميقاتي ظل يتمتعُ بدعم واستحسان عدة جهات أوروبية وأميركية وعربية. وقد قيل في البداية إن السبب هو أنه يشكل قناةً باقيةً مع الحزب ومع النظام السوري. وعندما سقط هذا الاعتبار واستمر الرضا قالت السفيرة الأميركية في بيروت: إن السبب هو إبعاد لبنان عن الغرق في الأزمة السورية. والحقيقة أن ميقاتي و"حزب الله" يفعلان عكس ذلك، فهما يُعينان النظام السوري حتى في المواطن التي تؤدي إلى الإخلال بالأمن اللبناني وبالسلامة المالية للبلاد! وإذا كان "حزب الله" يعتبر ذلك واجباً دينياً واستراتيجياً، فإن الدوافع ذاتَها لا تتوافرُ لدى ميقاتي. إذ المفهوم أنه جاء للرئاسة بسبب شراكته مع الأسد وحُبه للسلطة، الشراكة التي صارت مكلفةً جداً حتى على أصدقائه من مديري المصارف الذين مَثَلُهُمُ الآن مَثَل مَنْ يلحس المبرد. أما حُبُّ السلطة، فيكفيه مرارةً ما يتجرعُهُ يومياً من عون الذي يريد الحصول على كل شيء قبل انهيار النظام السوري، وإعراض "حزب الله" عنه أو ضعفه.

بيد أن هذا شيء، ومصالح إيران و"حزب الله" شيء آخر. فإيران تخوض الآن معركة وجودٍ في وجه الحصار، وتخشى أن يضيع كل ما كسبته خلال أكثر من عشر سنوات إن تزعزعت أو أظهرت ضعفاً. والأميركيون الذين عملوا سنوات على تضييق الخناق عليها لن يُرخُوا قبضتهم عن عنقها قبل الحصول على ما يريدون. ولا شك أنهم يعتبرون التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هُرمُز فرصةً واستدراجاً. ولن تقع إيران في هذا المغطس، أي خوض حرب مباشرة مع الولايات المتحدة. لذلك لا تزال لـ"حزب الله" وظيفة مهمة هي التعرُّض لإسرائيل أو التهديد بذلك. ولا تزال له وظيفة معاونة النظام السوري. لذلك لا يستطيع ميقاتي مغادرة رئاسة الحكومة حتى لو أراد، لأنه رهين الحزب، ورهين النظام السوري المتداعي. وبذلك فالضغوط على المسلمين السنة وعلى قوى 14 آذار ستظل شديدةً وقاسية، ومنها الاغتيالات، ومنها استمرار العزل السياسي، ونشر التشققات والاختراقات في صفوفهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في التبرّؤ الطائفي من الثورة السورية .. عمر قدور

المستقبل

15-7-2012

لم تواجه ثورة من ثورات الربيع العربي ما واجهته الثورة السورية من وضع طائفي شائك تم استثماره على أسوأ وجه من أجل الطعن بها. ولعل هذا الوضع الذي كرسه النظام طويلاً، كان من أهم أسباب "اطمئنانه" الداخلي، فضلاً عن ثقته بحلفاء خارجيين سيواصلون دعمهم له على أسس عقائدية. هكذا قد تبدو القسمة نهائية بين أنصار الثورة وأعدائها، إذ ليس من المتوقع حدوث تحولات جذرية في الاصطفافات، ما دامت مبنية في جزء معتبر منها على قناعات طائفية غير قابلة للزحزحة، أقله في المدى المنظور. هذا لا يعني إطلاقاً استحالة الانتقال من معسكر النظام إلى جانب الثورة، بقدر ما يعني ملاحظة الديناميات التي تعيق الانتقال، والتي يجدر ملاحظتها ضمن كل كتلة طائفية على انفراد، إذ تكفلت هذه الآليات بمؤازرة النظام، فحاولت كبح جماح أولئك المتعطشين للثورة من شبابها؛ أولئك الذين باتوا بحكم "صعاليك" الطائفة!

منذ البداية دأب النظام على تصوير الثورة كمؤامرة سنيّة تبتغي الهيمنة على الطوائف الأخرى وإقصاءها، وتبتغي على نحو خاص الانتقام من الطائفة العلوية. ولكي ينجح في ترسيخ هذه الصورة كان لزاماً عليه مواجهة الثائرين من الطوائف الأخرى بأساليب أكثر خبثاً من القمع الوحشي المباشر الذي يُمارس على أقرانهم. إن وصف "حامي الأقليات"، الذي نسبه أنصار النظام إليه كان بحاجة إلى ضلوع ما يُسمى الأقليات فيه، سواء أكان عبر الاكتفاء بالصمت الذي يعني الموافقة أو عبر قيامها باستنفار أشد العصبيات الاجتماعية تخلفاً من أجل السيطرة على أبنائها ودعم رواية النظام. وبالتأكيد، يدرك الأخير جيداً المقدار المتفاوت من الضغط الذي تستطيع كل طائفة ممارسته، وعلى ذلك يختلف الدعم المستهدف من كل منها، وتتباين الوسائل التي يتم بها إظهار الدعم.

قد تكون المفارقة أن النظام الذي يستقوي خصوصاً بأبناء الطائفة العلوية يستشعر الخطر على نحو خاص من هذه الطائفة، إذ من المؤكد أن انخراط نسبة بارزة منها في الثورة سيعني سقوطه عاجلاً، وليس مستغرباً أن يُوجّه جزء أساسي من دعاية الإعلام الرسمي وشبه الرسمي لاستلابها وإثارة المخاوف الوجودية لدى أفرادها. لقد خاض النظام معركة مديدة من أجل احتكار تمثيل الطائفة، في الوقت الذي كان يدعي فيه تمثيل الوطن. وفي الواقع، تمكّن من تهميش بعض الزعامات التقليدية ومن ترويض بعضها الآخر الذي ارتضى المشاركة بفتات السلطة، ذلك فضلاً عن إفساد ما تيسر له من أبناء الطائفة عبر الرشاوى الصغيرة، مستغلاً حال الحرمان والشظف التي عانى منها الريف السوري على اختلاف الطوائف المنتمية إليه. بدءاً من انقلاب عام 1970 لم يتهاون النظام قط مع أي منافسة له ضمن الطائفة العلوية، بل إن ظاهرة الشبيحة كانت بدايةً بمثابة استعراض فظ لمدى سيطرته عليها، التي أعقبت الانتصار على الأخوان المسلمين. ومن المعلوم أن أبناء الطائفة هم أول من قاسى بطش الشبيحة وتحللهم من كافة القيم، أي أنهم دفعوا فوراً فاتورة باهظة مقابل الانتصار الذي يُفترض أن ينعموا به، وهذا ما يُتوقع أن يحدث على نحو أدهى وأمرّ فيما لو قُيّضت أدنى فرصة ليكسب النظام معركته الحالية.

مع سيطرته على الطائفة العلوية واحتكار تمثيلها أخذت متوالية السيطرة بالتوسع ضمن الطائفة لتطرد كل تمايز. وعلى العكس من مرحلة سبعينيات القرن الماضي، التي شهدت تنوعاً ومعارضة خلّفت آلاف المعتقلين من أبناء الطائفة فإنه بدءاً من منتصف الثمانينيات استتب الأمر للشبيحة كي ينكّلوا بالمارقين، من دون أدنى رادع أخلاقي أو اجتماعي. من الناحية السياسية تم إفقار الطائفة بنجاح ساحق، جنباً إلى جنب مع محاولة تغريبها الشامل عن المجتمع السوري ككل، وأتت ثمار تلك المرحلة لتعلن جلياً تبرؤَ الطائفة من الثورة منذ بدايتها، بل التبرؤ من فكرة الثورة بالمطلق. هي نكسة بالمعنى الكلي للكلمة أن تُجرَّد طائفة من دورها الوطني، وأن تقف على الضد من حركة التاريخ، بخاصة بعد المشاركة الحثيثة التي ميزت أبناء الطائفة من قبل، وبعد الانفتاح الذي عُرفوا به قياساً إلى البيئات الاجتماعية المحافظة.

أن يظهر على وسائل الإعلام الموالية أشخاصٌ من أسرة ليتبرأوا من شقيقاتهم أو أشقائهم، وحتى أن تظهر أم لتتبرأ من ابنها، هذه الظاهرة لم تشهدها سوريا في أشد العصور حلكة، فقد اقتصرت سابقاً على تبرؤ بعض العائلات من أبنائها إن ارتكبوا فعلاً مشيناً بالمعنى الأخلاقي. أما في السياسة، فقد كان من المعتاد أن تشهد الأسرة السورية تنوعاً في الميول والمشارب. تكتمل اللعبة القذرة في دفع عائلات علوية حصراً لإعلان تبرؤها من أبنائها على خلفية مشاركتهم بالثورة، لا لأن النظام عاجز عن الضغط على عائلات من ألوان طائفية مغايرة لتفعل ذلك بل لأنه يستهدف هذه الطائفة تحديداً ويريد تكريس وضعها على الجانب المقابل لعموم السوريين. وحتى إن أخذنا بالحسبان العائلات التي اندفعت إلى التبرؤ من بناتها أو أبنائها بلا أي ضغط مباشر من السلطة ليس بوسعنا القول إنها تصرفت بملء إرادتها. فمن المعلوم أن سيطرة النظام توالت حتى الحلقات الأدنى اجتماعياً، لتكتسب طابعاً مركباً على الصعيدين الاجتماعي والطائفي؛ الأمر يغدو شبيهاً بأن ترتكب أسرة ما يُسمى "جريمة شرف" لتتبرأ مما يُعتقد في وسطها الاجتماعي أنه عار كبير.

في الدلالات العميقة، فإن أسوأ ما فعله النظام بالطائفة العلوية هو الانحدار بها لتتخذ شكل الطائفة وتظهر بشكل متماسك يتبرأ من شبهة التنوع. وفي المؤدى الحقيقي النزول بالطائفة المعروفة بالتحرر الاجتماعي لتصبح أقل من غيرها حرية. فالحرية لا تتوقف عند المظاهر الاجتماعية من لباس وغيره، بل تتعين بمقدار حرية كل فرد واختياره لقراراته بملء إرادته. وأن تتبرأ كتلة اجتماعية من خيار سياسي فهذا يعني أولاً إنكار حرية كل فرد منها، ويعني تالياً وجود هيمنة مطلقة ضمنها بحيث تستطيع الفئة المهيمنة عليها تحديد المسار الذي تريد واستلاب السواد الأعظم تحت أوهام مختلفة، منها وهم المشاركة في الهيمنة.

استكمالاً للعبة القذرة، تحاشى النظام استخدام العنف المفرط مع الثائرين من أبناء الطائفة، محققاً بذلك غايات عديدة منها عدم تسليط الضوء على مشاركتهم بالثورة، ومنها أيضاً محاولة زرع الفرقة بينهم وبين أقرانهم، الذين تعرضوا لمستوى أعلى من العنف. لكن المحك الفعلي هو فيما لو تزايدت نسبة هؤلاء الناشطين وبات من الصعب السيطرة عليها اجتماعياً. أغلب الظن أن النظام لن يميز حينها بين طائفة وأخرى، لأن المقايضة الحالية تقوم أساساً على تقاسم الدور الأمني، وعندما تفشل الآليات الاجتماعية والطائفية في تنفيذ المهمة الموكلة إليها، فمن المتوقع أن يلجأ إلى التعويض عنها بالأسلوب الأمني المعهود.

قد يكتشف العلويون في وقت قريب، أن ابتلاءهم بهذا النوع من السلطة هو أكبر مصيبة حاقت بهم في العصر الحديث، فالديكتاتورية التي تدّعي حماية طائفة لا تفعل في الواقع سوى الاحتماء بها، ونسب سيئات الديكتاتورية إليها، هذا فضلاً عن إفساد الطائفة ذاتها بفكرة السلطة. أما الأسوأ، فهو أن يضطرنا النظام إلى استخدام هذه التوصيفات في الحقل السياسي، فمن المرجح أن العلويين لن يكونوا طائفة سياسية بمعزل عنه وعن إعاقته لهم، وحتى في الظروف الحالية قد لا يطول الأمر كثيراً لتبدأ الكتلة الخائفة منهم بإعلان تبرؤها من ممارسات النظام، أما بخصوص الكتلة المؤيدة فإن الدواعي الوطنية والأخلاقية والإنسانية تدفع إلى التمسك بأمل أن تقرر التخلي عن نظام، لا يفعل شيئاً سوى تقديمها قرباناً له.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : الأسلحة البيولوجية والكيمائية بيد مجنون ويائس  ... هل ستتركون الفرصة لشمشون ليدمر المعبد ؟! .. زهير سالم*

مع أنه أصبح من الثابت ميدانيا أن بشار الأسد يستخدم القنابل العنقودية والرصاص المتشظي المحرمين دوليا كما وثقته المنظمات الحقوقية إلا أن ذلك لم يعن للمجتمع الدولي شيئا ، حتى الآن .

 

بل إن وزير الخارجية الروسي ( لافروف ) قال متهددا الشعب السوري ، تعقيبا على زيارة المجلس الوطني لروسية ورفضه للعروض الروسية ، ( قالوا إن ما يحدث في سورية هو ثورة فعليهم أن يدفعوا ثمن الثورة ولماذا يطالبون الآخرين بالتدخل !!  ) ألا يمثل هذا الكلام الضوء الأخضر لبشار الأسد ليوغل في مسلسل القمع بلا حدود تحت غطاء الحماية الروسية والصينية من جهة ، ولا مبالاة الآخرين الذين ما زالوا يلعبون دور المتفرج من جهة أخرى  . ماذا يغني من الحق أن يتظاهر هؤلاء بالأسى والأسف بعد كل مجزرة تقع ، وتزهق خلالها مئات الأرواح من الأطفال والنساء والأبرياء ؟!!

 

ولكن كيف سيتطور اليوم الوضع مع انتقال المعركة إلى قلب العاصمة دمشق ، فأصبح بشار الأسد  ينام ويصحو على دوي القذائف وأزيز الرصاص ، ومع ما يعانيه هذا الشخص من فصام وذهان  ووسواس قهري وقلق واضطراب وانفصال عن الواقع ويأس ؟! ألن يجعله ذلك أكثر خطرا مع كل ما في يديه من سلطة وسلاح ؟!

 

إن الأخبار المؤكدة عن قيام عصابات الأسد بتحريك الأسلحة البيولوجية والكيماوية من مواقعها تؤشر إلى نية مبيتة لتوظيف هذه الأسلحة في معركة ( اللحظة الحرجة ) عندما سيخيل لليائس الممسوس أنها قد حان حينها ؛ إما حسب وهم المذهون على أنها قد تشكل له حبل خلاص ، أو حسب رغبة اليائس على أنها طريق للانتقام . ألن يدفعه كل ذلك ليكون  شمشون الذي يهدم المعبد ، أو نيرون الذي يحرق روما .

 

ماذا ستنفع مع مثل هذه الحالة الإنذارات الدولية ، والمواعظ الجوفاء ، والتهديدات التي لم تفلح حتى اليوم في حماية عنق رضيع من ساطور القتلة والمجرمين ؟!

 

وكيف يمكن لدول كبرى أخذت على عاتقها حماية السلم والاستقرار في العالم أن تظل تتمارى في حقائق ناطقة كالتي وثقتها المنظمات المختصة في الحولة وكرم الزيتون والقبير وحمورية والتريمسة وتفتناز وكفرعويد ..؟! أليس عجيبا أن يعجز المجتمع الدولي بالأمس عن إصدار بيان لإدانة مجزرة التريمسة وثقت البعثة الدولية أنها اشتركت فيها أسلحة ثقيلة لا يملكها غير بشار الأسد وعصاباته ؟ وماذا يمكن لمن لا يزال يفكر بمبادرة تحت سقف مجلس الأمن أن ينتظر من بوتين المتقمص شخصية الأسد .

 

وأي مستقبل للشعب السوري يتصوره هؤلاء اللامبالون إذا ما نفذ السهم وخرج علينا مجرم ناطق باسم بشار يروي لنا قصة رعيبة عن عصابة مسلحة سرقت بعض المخزون في اليد الآثمة من الكيماوي أو البيولوجي وتصرفت به على هواها وظلت تنفي وتثبت وتجاحد الشمس وتنكر ضوء النهار .  

إلى أي مدى سينجح الاختباء وراء الفيتو الروسي في إعفاء الضمير الإنساني من مسئولياته ؟ أليس بوتين المتطلع اليوم إلى العظمة  بشبق نازي محموم على طريقة هتلر مجنون آخر طامح إلى السلطة على حساب دماء السوريين ؟!

 

هل يظن هؤلاء وأولئك الذين ما زالوا يديرون ظهرهم لما ينفذه شمشون دمشق على الشعب السوري أنهم سينجحون أو أنه سينجح في إبادة عشرين مليون سوري بإدارة اللامبالاة بالطريقة التي يمارسونها ...؟! (( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ.. )).

لندن : 18 / 7 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"أنتروبولوجيا" الصراع السوري  .. غازي دحمان

دمشق

المستقبل

15-7-2012

لم يعد بالإمكان إخفاء طبيعة الصراع الدائر في سورية، على الأقل في تجلياته وتمظهراته الأخيرة، إذ طالما عكف الناشطون وأصحاب الرأي على محاولة رفض تصوير ما يجري في البلاد على أنه إقتتال أهلي، وربما كانوا في ذلك يقفون عند توصيف اللحظة الأولى من الثورة، قبل أن تشهد البلاد عمليات الفرز الهائلة والاصطفافات التي جرت في عمق المكونات السورية، أو ربما لأن ذلك يناقض حلمهم في ثورة مدنية تأتي بدولة مدنية عصرية ومتنورة، قبل أن ينجح النظام وأعوانه الإقليميون والدوليون بتحويلها إلى حرب أهلية، تشكل طوق نجاة للنظام الحاكم، علّها تحمل بذرة الخلاص من الثورة، أو على الأقل التأكيد بان نموذج الممانعة إن سقط فليس بفعل ثورة، لأنه "هو الثورة ذاتها"، وإنما بفعل مؤامرة خارجية، أو نتيجة تخلف المنظومة الإجتماعية التي لم تستطع هضم إنجازات نظام الثورة على مدار خمسة عقود، وترفض إعطاء النظام فرصة كافية لتطويرها!

وفي الواقع، ليست حال الصراع بين المكونات السورية حال مستجدة. صحيح أن تمظهراتها في السابق لم تكن بمثل الوضوح الذي نشاهده اليوم، إلا أن الذاكرة الإجتماعية لمختلف المكونات السورية تحمل الكثير من الحكايات والقصص، بعضها مشوّه وبعضها مختلق وبعضها فردي، لكنها تشكل أحد منابع ثقافة السوريين تجاه بعضهم البعض، كما أن سلوك السوريين تجاه بعضهم البعض يصدر عن هذه التوليفة، ومن الأسف أنه ترك التوليفة تتفاعل وتتعبأ وتتشوه من دون ان يبذل أحد جهداً في هذا المجال، فيما ظل السوريون عقوداً من الزمن يعيشون في ظل لعبة تكاذب هي الأطول ربما في التاريخ.

ويبدو أن المستعمر الفرنسي كان الطرف الوحيد الذي يعرف حقيقة الأمور في سورية، ربما لأن رجالاته كانوا يقفون على حقيقة الأوضاع نتيجة مصارحة السوريين لهم، وإنكشافهم أمامهم من دون أقنعة وحيل، ولذلك عندما أقدم على تقسيم سورية إلى دول طائفية كان يعتقد انه يقدم خدمة جليلة للسوريين قبل مغادرة البلاد. لكن الواضح أن دهاء السوريين، وشعورهم بضعف فرنسا وإقتراب خروجها من مسرح التأثير الدولي، هو ما دفعهم الى الإنقلاب على الصيغة الفرنسية، والقبول بوحدة سورية إلى أن يقدر الله أمراً كان مفعولاً.

في السنوات الأولى التي تلت خروج فرنسا من البلاد إستطاع السوريون تجاوز الحرب الأهلية عبر الإلتفاف على مظاهرها، بمعنى عدم السماح بإنفلاشها في الشارع، ربما لأن الجميع لم يكن على إستعداد كاف لخوضها، وكذلك لعدم وضوح قدرة كل طرف، ثم ولسبب أهم لعدم توفر خطوط الإحتكاك المباشرة بين الفرقاء، نتيجة حال الإنغلاق التي كانت تعيشها مختلف الطوائف في مناطقها. ونتيجة لذلك، جرى حصر الصراع في المجال الذي يوفر كل هذه العناصر، وكان الجيش في ذلك الوقت الجهة التي يتواجد فيها كل أبناء الطيف السوري ويحتكون ببعضهم البعض، ولازالت الذاكرة السورية تختزن ذكريات الصراع المرير الذي خاضه أبناء الطوائف للسيطرة على الجيش، ومن ثم تغيير موازين القوى لصالح هذه الطائفة أو تلك.

ويمكن القول أن تلك المرحلة حدًدت الفئة الغالبة في هذا الصراع، وبات المطلوب هو تعميم هذا الإنتصار عبر فرضه على بقية المكونات، مرة عبر بعض التنازلات المحسوبة، ومرة أخرى عبر القوة العارية، لكن دائماً كان يُراد للوجدان السوري هضم هذه الحقيقة وإعتبارها نهاية تاريخ الصراع السوري، عبر قبول العلمنة الشكلية والعروبة الشعاراتية بديلاً مرضياً ومناسباً للجميع، وإعادة صياغة الهوية السورية بناءً على هذا التراضي المتصور.

غير ان النظام الحاكم لدمشق لم يجهد نفسه كثيراً في السعي لترسيخ الهوية السورية الجديدة، كما لم يسعَ إلى إحداث الإندماج الإجتماعي، الذي من شأنه أن يكون حاملاً للمشروع المقترح، وضامناً شرعياً لإستمراره، بل تبين أن النظام لم يكن حتى جدياً في الدفاع عن مشروعه ذاته، وقد فاجأته وأحرجته بعض القوى الوطنية بإصرارها على تنفيذ هذا المشروع، الذي لم يكن يمتلك تصوراً حقيقياً لأبعاده، كما لم يكن مستعداً للإنخراط فيه بما يكفي، كيلا ينزع منه وهج الإنتصار الفئوي التاريخي، وكان أن بدأ حملة قمع رهيبة هدفها الأساسي إفهام الآخرين أن سورية الجديدة باتت من نصيب جهة محددة، وربما هي التي شكلت الإرهاصات الأولى لشعار "الأسد أو لا أحد".

على الصعيد الإجتماعي، لم تساهم سيولة النزوح الريفي إلى دمشق، من مختلف أبناء المكونات الطائفية والعرقية، بصياغة نمط من التصاهر والإندماج المجتمعي. بل على العكس من ذلك، عملت على تعزيز الصور النمطية المشوهة لدى المكونات عن بعضها البعض، ذلك أن أغلب هذه المكونات نقلت معها، ليس عاداتها وتقاليدها وقيمها، بل حتى أواني الطبخ وعدة الشاي والمتة، وسكنت فيما يشبه الغيتوات المغلقة، وكان لوجودها في دمشق وظيفة محددة هي تحصيل المنافع من الدولة وإعادة إرسالها إلى أريافها. وبالتالي، فإن غاية وجودها في دمشق لم يكن الإستقرار الذي ينتج عنه الإندماج والتكافل وتشكيل الجسد الوطني الواحد.

من جهتهم، ظل أبناء دمشق ينظرون الى هؤلاء الوافدين بصفتهم أناساً أقل تحضراً ومدنية، وبالتالي فإن المجال المشترك معهم لن يكون سوى البيع والشراء، بمعنى إختصار العلاقة إلى أدنى حدودها، والقبول بذلك، إلى أن يقدر الله أمراً كان مفعولاً.

واليوم ينفجر الصراع عارياً وبكل وضوح ومن دون الحاجة للتكاذب، وقد إتضح أن الوحدة الوطنية تنتعش في سورية فقط في ظل معادلة الغالب والمغلوب. وحينما يصار إلى تغيير قواعد اللعبة فإن ذلك يصبح خطراً يستوجب التصدي له. هل ينتهي هذا الصراع إلى تقسيم سورية؟ ربما، وربما ينتهي بتسوية معينة، لكن الأكيد أن هذا وذاك لن يتم قبل يأخذ قسطه من دماء أبناء السوريين، أو من يسمون بذلك حتى هذه الحظة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجزرة السورية .. يوسف بزي

المستقبل

15-7-2012

ليست السلطة وحدها هي مطلب صدام حسين أو معمر القذافي أو بشار الأسد. هؤلاء تحديداً يختلفون في استبدادهم عن حسني مبارك أو زين العابدين بن علي مثلاً. فالرئيس المصري المخلوع كانت معقودة له مؤسسة الرئاسة، وله السيطرة على أجهزة الأمن الداخلي، فيما فقد في السنوات الأخيرة هيمنته على الإعلام، وأظهرت الانتفاضة الشعبية العارمة "استقلالية" الجيش، ولم يبد الجهاز البيروقراطي الضخم أي ولاء سياسي فعلي سوى للدولة وليس لشخص الرئيس أو حاشيته. والقمع بكل أشكاله، كان يخضع لموازين وحسابات داخلية وخارجية، تجعل السلطة مقيدة نسبياً وعاجزة عن إبادة المعارضة أو نفيها. وهذا ما ينطبق على حال سلطة بن علي. وحتى في الاقتصاد، ورغم فداحة استغلال النفوذ وما رافقه من فجور وفساد كبيرين، فإن الأعمال والثروة المالية لم تنحصر أبداً بيد السلطة وحدها، وربما كان تحسّن أحوال الطبقة الوسطى وتوسّعها هما من الأسباب المباشرة للثورتين المصرية والتونسية. إذ إن التوسع في السفر وازدياد فرص التعليم وانتشار التكنولوجيا، ساهم كله في محاصرة السلطة، وقلل كثيراً من انقياد المجتمع وطاعته العمياء للسلطة.

كان بقاء مبارك وبن علي أو سقوطهما يخضع لـ"شرعية" الطاعة التي يبديها المجتمع أو يخرج عليها. لذا، فإن ذهاب مبارك إلى السجن وبن علي إلى المنفى، بعد مقاومة ركيكة وكاريكاتورية (بضعة أسابيع وحسب)، يكشف أن ثمة حدوداً سياسية وأخلاقية كانت تحفُّ سلطتهما. لقد افتقد مبارك وبن علي لخطاب إيديولوجي توتاليتاري يدجنان به المجتمع. لذا كانت "السياسة" (الرأي والاعتراض) ممكنة، ولو في حدها الأدنى، في مصر وتونس.

في حال عراق صدام وليبيا القذافي وسوريا الأسد، ليست الرئاسة هي المطلب، بل مصادرة الدولة ودفن المجتمع، وإزالة كل تمايز أو تعدد لأوجه السلطة (تشريعية أو قضائية أو تنفيذية) وتوحيدها في عقله وفمه ويده.

هكذا يغدو الشخص هنا هو "الأمة" مجسدة فيه. هو "الإرادة" الوحيدة و"الدستور" الحي. الديكتاتورية التامة، والفاشية في أحط صورها. ومن أجل ديمومتها تتحول السلطة إلى مشروع عنف مستمر، تنخرط في حرب مفتوحة على المواطنين. شرط الطاغية هو نصبه العداء ضد مجتمعه. وهذا ما يتيح له، أخلاقياً، ممارسة القتل، وسحق أي تمرد أو اعتراض، بكل وسائل القوة المتوفرة له.

ليس النفوذ والجاه والمال والشهرة فحسب، مطلب من هم على شاكلة القذافي أو بشار الأسد، بل "التمتع" بممارسة السيطرة المطلقة، الانغماس في لذة التسيُّد القسري، وفي لذة التغلب العنيف، والبحث عن نشوة الفوز بمصارعة الآخرين وقتلهم إن أمكن. صدام حسين والقذافي كانا يستعرضان أساليب هذه الممارسة، بوصفها دعاية مؤثرة إضافية لقوتهما. بينما يلجأ الأسد الإبن إلى تمويه الوحشية بمظهر التهذيب واللطف، بل وأحياناً بمظهر الرقة العاطفية. وبهذا المعنى، هو ديكتاتور "حديث"، تلفزيوني ـ إعلامي وترويجي، يطلب الإعجاب من قتلاه ومن ضحاياه ومن المتفرجين.

الثورتان التونسية والمصرية، اكتفتا بالتظاهر والعصيان المدني. النزول إلى الميادين والتظاهر والاعتصام، مزق "العقد" المبرم بين المواطنين والسلطة، التي مارست عنفاً محدوداً ومتوقعاً وهزيلاً، فانتهى أمرها سريعاً ورحلت. أما في حال صدام، فحتى الثورة الشعبية المسلحة لم تكن كافية لإزاحته، وتطلب الأمر حرباً خارجية بائتلاف دولي قادته الولايات المتحدة، فيما القذافي سقط بحرب داخلية خسرها، لفرط تخريبه المنهجي لكل تنظيم، ومنه الجيش المنظم. أما بشار الأسد، فمصيره لم يحسم بعد، رغم مرور سنة ونصف السنة على حربه الضروس ضد الثورة السورية، مستثمراً البناء (أو التخريب) الممنهج الموروث من عقود الاستبداد البعثي وعقود ديكتاتورية أبيه، المصحوبة بخطاب توتاليتاري وبتقاليد عريقة ومديدة في التدجين وفي زرع الخوف والرعب.

الدولة، في غايتها، تسعى إلى تحقيق السعادة العامة، والخاصة. أما عندما تكون في عهدة ديكتاتورية من صنف بشار الأسد، فهي تنتقل من سوية "التسلط الطبيعي" إلى علاقة الإرهاب من طرف واحد، السعادة للسلطة والإرهاب المستديم للمجتمع. لذا فإن السمة المميزة للثورة السورية بين ثورات الربيع العربي، ستكون "المجازر" والقتل الجماعي. الاستبداد هنا يصير عنفاً محضاً. والثورة لن تكون حقيقية ولن تستمر إن لم تكن عنيفة بدورها. كل اعتراض على "العنف الثوري" ليس طرحاً أو اقتراحاً حالماً ومثالياً، بل هو يغدو تسليماً لحصرية العنف بالسلطة واستسلاماً لها. وأكثر من ذلك، إذا لم يشكل العنف الثوري رادعاً ولم يتقدم بالثورة نحو أهدافها، يغدو طلب العون العنيف من الخارج مطلباً "انسانياً" ومشروعاً.

لقد حان وقت وقف المجزرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تريمسة يا تريمسة .. احمد عياش

2012-07-15

النهار

إذا قرر طفل أن يسأل أمه التي تهدهده كي ينام وهي ترنم أغنية "تريمسي يا تريمسي يا حبة العديسي" الشعبية أليست "تريمسي" الاغنية هي "تريمسة" حماه التي شاهد ضحايا مجزرتها على شاشة التلفزيون؟ بماذا تجيبه؟ ستنفي بالطبع العلاقة بين الأغنية والمجزرة. ولكنها ستقرر أن لا ترنم مجدداً بالأغنية وستفتش عن أخرى. فطفلها لن يتردد في السؤال مجدداً. من الأفضل أن تكون كلمات الأغنيات خالية من الاشارة الى مكان أو زمان أو اشخاص يستحضرون سوريا. لكن أمر هذا الطفل وأمه يبقى أهون من أمر أمهات وآلاف الاطفال الذين فتك بهم الطاغية السوري. هو لا يلغي اغنيات الاطفال بل يلغي المترنمين بها والمستمعين الصغار الذين ينامون على انغامها.

تغيير الأغنية لا يقاس بتغييب الفاعل. في لبنان لا يغني اتباع الطاغية لأنهم أصلاً لا علاقة لهم بالأغنيات بل يتكلمون بلسانه. الى درجة أنهم يستنكرون الموت باعتباره فعل من افعال الموتى لا من افعال قاتلهم. يطبقون بحزم اجراءات التقشف على اسعاف الجرحى في صفوف النازحين السوريين، ويدققون ويعتقلون على المعابر الحدودية جواً وبراً وبحراً كل من يشكون بأنه فار من جحيم الطاغية. لا عجب فهم يأكلون من خبز الطاغية ويضربون بسيفه الذي أثخن لبنان جراحاً.

يتباهى "حزب الله" بأن الجنوب هو الأكثر استقراراً في لبنان وربما في الشرق الأوسط، وفي سوريا يتباهى بشار الأسد بأن الجولان المحتل هو ايضاً الأكثر استقراراً في سوريا، وحليفه القيصر الروسي بوتين عندما زار اسرائيل أخيراً قدم التطمينات بأن ترسانة اسلحة تابعه السوري ولاسيما منها الكيماوية في حرز أمين. ولأن الجنوب اللبناني الأكثر استقراراً ومثله الجولان السوري فلا ضير أن يُنقل الجيش من مربع اليونيفيل الى الحدود الشمالية من دون أن يعترض معترض. فالخطر لم يعد من اسرائيل بل أصبح في سوريا. كم هي محظوظة اسرائيل. فالقرار 1701 الذي أنتجه "الانتصار الإلهي" في حرب تموز 2006 أقام سياجاً دولياً يرعاه ليس قوات اليونيفيل فحسب بل جيش "حزب الله" ايضاً. اما في سوريا، فقد أكد النظام في صورة لا لبس بها ان قدراته الجوية والبحرية والبرية هي لمحاربة العدو في الداخل وليس على الحدود. انه العدو الرابض في دمشق وحماه وحمص وادلب ودير الزور وحلب ودرعا وكل الارياف. فإذا لم تنفع معه المدرعات تكلمت المدافع بعيدة المدى. وإذا عجزت المدافع تحدث الطيران الحربي. وإذا سألك أحدهم من أين للنظام هذه القدرة فأجب بأنها من ثمار "الممانعة" و"المقاومة" على مدى أكثر من 40 عاماً. لا ينفع أن تتوقف الأم عن الترنم بـ"تريمسي يا تريمسي" فالاطفال أذكى من الطاغية وأعوانه وهم قادرون أن يغنوا "يا مال الشام يللا يا مالي". فالطاغية وأعوانه الى زوال مهما طال المطال فيا حرية تعالي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لقد أذنت ساعتهم في سوريا .. علي حماده

 باريس

2012-07-15

النهار

قبل يومين ثار مخيم اليرموك الفلسطيني في قلب دمشق على "جمهورية حافظ الاسد" ونزل سكانه الى الشارع لينشدوا للحرية، فيما توجه بعضهم نحو نصب رفع في المخيم يحمل في وسطه رسما لحافظ الاسد وشرعوا يدكونه بأحذيتهم في استعادة لمشهد اعتدناه في ليبيا وفي مناطق سورية ثائرة، ثم حطموا النصب. رد النظام وجماعاته كتنظيم احمد جبريل "الجبهة الشعبية - القيادة العامة" المعتبر ذراعاً مخابراتية سورية باطلاق النار على شبان المخيم وقتلوا العديد منهم وجرحوا العشرات، ثم حوصر المخيم لتبدأ مرحلة قمع وقتل شبيهة بما يحصل في عشرات المناطق والمدن والقرى السورية الثائرة على النظام.

تدل انتفاضة مخيم اليرموك في قلب دمشق على حقيقة مفادها ان الثورة صارت اكثر انتشارا، وهي كما سبق ان قلنا في مطلعها تملك هوامش واسعة للتوسع والتطور في الوقت الذي لا يملك نظام من الهوامش الفعلية سوى آلة قتل مدججة معطوف عليها عقل مافيوي يحاكي في وحشيته عقول اكبر طغاة التاريخ. هامش النظام هو قتل الناس فيما هامش الثورة هو استقطاب مزيد من الناس للتعجيل في انهاء مأساة وطن وشعب كبيرين. لقد انتهى عصر حافظ الاسد في اليوم الاول للثورة في آذار ٢٠١١، وسقط بشار في بحر الدماء التي فجرها محاولا ايقاف عقارب الساعة، وتغيير العصر المتغير. وعندما نتحدث عن الثورة فإننا لا نتحدث عن المعارضة السياسية في الخارج بل عن كل ما هو ثورة ان في الداخل او في الخارج، سياسيا كان ام عسكريا أم ثقافيا ام اقتصاديا ام انسانيا. اننا لا نتوقف عند عثرات المعارضة و لا عند تواطؤ بعض المعارضة في الداخل مع بعض النظام وان سرا. كما اننا لا نلتفت حقيقة الى مسألة توحيدها بوصفها حالة سلبية بالمطلق. واننا ننظر الى الثورة السورية بشمولية اكثر: ننظر اليها من زاوية المسار التاريخي في المنطقة، وخلاصته ان الموجة الحالية في العالم العربي كبيرة الى حد لن تقدر كل اسلحة روسيا المستخدمة من جانب بشار وبطانته على ان توقفها. قد تؤخرها قليلا ولكنها لن توقفها. حتى التأخير الذي نشكو منه فإنه في مقياس الحدث التاريخي تفصيل وان تكن الآلام هائلة. ان التغيير في سوريا حصل في آذار ٢٠١١، ونحن نعيش اليوم نتائجه. بشار هو الماضي الاسود فيما رفاق حمزة الخطيب هم المستقبل.

على ارض الواقع وصل الامر بالنظام الى ان يتخذ قرارا باستخدام الطيران لقتل الناس وتدمير قراهم واقتحامها. لم تعد الدبابات ولا المدفعية بكافية لتركيع الثورة، جاء دور الطيران تماما كما حصل في قرية التريمسة في ريف حماه، والاخطر من ذلك ان مشهد التطهير المذهبي يتكرر في غير مكان. و مع ذلك فإن الثورة تكبر في نفوس السوريين ، ولن تتمكن منها حتى الاسلحة الكيميائية التي بدأ بشار بتحريكها! لقد اذنت ساعتكم في سوريا...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وصفة عنان : أعطوا القاتل فرصة .. سالم الفلاحات

الدستور

15-7-2012

يظهر ان اختيار كوفي عنان مبعوثا دوليا وعربيا كان معبرا حقا عما يريده الغرب والشرق والعرب بسوريا المستقبل

فتاريخ عنان حافل بالسماح للقتل ورؤية الدماء والتمثيل بالجثث والاحتفاظ بالرؤوس والجماجم في متاحف التاريخ الاسود ,لتبقى صفحة سوداء في جبين الدول الكبرى وفي سجل الصمت والتخاذل وقبل ذلك في تاريخ عنان نفسه.

ولو رجعنا الى الفترة التي كان فيها عنان امينا عاما للامم المتحدة وكيف كان السلم العالمي في عهده وكيف كان حال العديد من الشعوب في العالم الثالث , لوجدنا انه حاز قصب السبق في حيازته على اكبر قدر من المذابح التي طالت العديد من الشعوب

ويظهر ان هذه المؤهلات التي حازها عنان , وابرزها الانحياز للاقوياء على حساب الضعفاء ,, وللحكام على حساب الشعوب , ولمنطق القوة على حساب قوة المنطق والحجة , ثم القدرة على الابتسام والظهور بالمظهر الجاد وبسحنة أفريقية تجعل البعض يظن انه من المكتوين بنار الظلم , لتتوقع منه نصرة المظلومين .

لعل هذه المواصفات والمؤهلات هي التي جعلته الشخص المفضل الذي يفهم المراد دوليا وعربيا وقبل ذلك صهيونيا المبعوث الدولي والعربي لانقاذ الشعب السوري , وهكذا جاء عنان بالفرج ولكن للقتلة المجرمين وليس للشعب المقتول المشرد المطارد والمهجر منذ ثلاثين عاما او تزيد حتى اليوم .

جاء عنان بمهمته التي توهم البعض في البداية انها بداية نهاية معاناة الشعب السوري لاخراج سوريا قوية متماسكة لتستطيع ترميم ما دمره النظام خلال سنة ونيف وايقاف النزيف الدموي الهائل ...

كان نصاب القتل الذي حدده النظام السوري خشية ان يثور عليه العالم من ابناء الشعب قبل وساطة عنان عشرين قتيلا وبعد استيقاظ ضمير عنان بطولاته وانسانيته قدره بمئة او مئتين او ربما ثلاثمئة ، ثم أعطى مهلا جديدة للنظام   ليثخن في القتل وهتك الاعراض واخافة الناس وترويعهم لعله يرتوي من هذه الدماء الطاهرة لاكمال المأساة السورية وايصال الشعب .لحالة من اليأس والاستسلام لبطش النظام .

لانستطيع احصاء المذابح الجماعية للشعب السوري في عهد بعثة عنان وليس اخرها مذبحة تريمســــــــة وما من مذبحة الا وهي اكبر من سابقاتها حيث احصى من تبقى على الحياة منهم لبعثة عنان اكثر من مئتين وعشرين شهيدا ولا مانع من ادانة النظام احيانا عندما تفتضح بعض المذابح الكبرى عربيا ودوليا وحتى من روسيا نفسها التي اصبحت عظمى فقط في المسالة السورية ولا يستطيع احد في الارض ان يجرح شعورها .

وموقف عنان ليس اكثر سوءا من الموقف الدولي والعربي عدا عن الموقف الروسي الذي لا يحتاج الى وصف , ويتبدى للعيان ان الباعثين والمبعوث(عنان) متفقان على شيء واحد هو قتل روح التمرد على الاستبداد والقتل التي انفجرت في سوريا بعد معاناة وصمت , وهو الموقف نفسه تجاه العديد من الشعوب العربية الثائرة على الفساد والاستبداد بل والداعم للانظمة الدكتاتورية والفردية, ومدها بعناصر البقاء والحياة ما دامت المصلحة الصهيونية ببقاء الانظمة المجربة والمستألفة والمدجنة المتفاهمة سرا وعلنا معه ، كل بطريقته الخاصة لكنها متفقة جميعها في المحصلة أخيرا.

ولعل حكمة ربانية تخفى علينا جميعا ـ وهذا لايعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته ـ لعل الشعب السوري يحرر نفسه دون تدخل دولي لصالحه وحتى تبقى ثورته نظيفة وبايد سورية فقط , صحيح ان الخسائر في الارواح والممتلكات والقيم والاعراض كبيرة وهائلة , ولكن اذا لم يكن غير الأسنّة مركبا    فما غاية المضطر الا ركوبها .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: التوريث والأخطاء القاتلة  .. خالد الدخيل

الأحد ١٥ يوليو ٢٠١٢

الحياة

من الواضح أن حافظ الأسد نجح في بناء مؤسسة أمنية قوية بقدرات عسكرية عالية، للنظام الذي أعاد تأسيسه في خريف 1970. الأداء العسكري للنظام هذه الأيام يؤكد ذلك، والأعداد الكبيرة ممن قضوا على يده، ومن شردهم، ومن اعتقلهم من السوريين، ومن حجم الدمار الذي يوزعه على معظم مدن وقرى سورية خير شاهد على ذلك. لكن من الواضح أن النظام السوري فشل في كل شيء آخر، وأبرز معالم هذا الفشل أنه أشعل حرباً أهلية لا يستطيع بعدما يقرب من 16 شهراً أن يكسبها، ولا أن يوقفها، ولا حتى أن يخسرها. وصلت الأمور إلى حد المأزق، لأن النظام فقد السيطرة على سياق الأحداث. يملك النظام قوة تدميرية هائلة مقارنة مع المعارضة، وسقفه في التدمير والقتل مرتفع جداً حتى عن سقف إسرائيل، لكنه لم يعد يملك القدرة على حماية نفسه من السقوط. كل ما يملكه هو رفع كلفة هذا السقوط، وهو ما يفعله الآن، وربما لهذا اقترح الرئيس الأسد على كوفي أنان هدنة تسمح بخروج متزامن من المواقع الحساسة لقوات النظام وقوات المعارضة، وأن يضمن خروجاً آمنا لهذه الأخيرة. قد يكون في ذلك خدعة، لكن الأرجح أنها تعبير عن عجز بدأت بوادر استيعابه تظهر للعلن.

هنا يبرز السؤال: كيف نجح الأسد الأب في سحق انتفاضة حماة عام 1982 في ثلاثة أسابيع، وحصرها بحيث لم تنتقل عدواها إلى مدن أخرى، في حين فشل ابنه في السيطرة على انتفاضة درعا، ومنع انتقالها إلى أنحاء سورية؟

درعا مدينة ريفية وأصغر من حماة، وتقع في منطقة نائية عن المدن الكبرى، ثم إن ما حصل في حماة كان ذروة مواجهة شرسة بين النظام و»الإخوان المسلمين» بدأت عام 1979. أما ما حصل في درعا فلم يكن إلا محاولة أطفال لتقليد ما كانوا يسمعونه من شعارات الربيع العربي التي كانت تتردد بشكل يومي على شاشات الفضائيات. كان بالإمكان معالجة الموقف بشيء من الحكمة، لكن قسوة النظام وشراسته تعكس من ناحية طبيعته الحقيقية، ومن ناحية أخرى ارتباكه في ظل أجواء الانتفاضات الشعبية. نجح الأسد الأب لثلاثة أسباب: الأول أن الانتفاضة اقتصرت بشكل أساسي على حماة، وثانياً أنها حصلت قبل الربيع العربي بحوالى ثلاثين سنة، وثالثاً أن حافظ الأسد كان آنذاك يتمتع بغطاء عربي ودولي سمح له بتدمير المدينة وفرض تعتيم إعلامي على ما كان يحدث. الرئيس الشاب يفتقد هذه الميزات الثلاث، ومع ذلك تصرف مع أطفال درعا بالطريقة نفسها التي تصرف بها والده مع حماة، غير آبه أو غير مدرك لأهمية الاختلافات الكبيرة بين الحالتين، بما في ذلك اختلاف الظروف المحيطة بهما، وبخاصة اختلاف الظرف الإقليمي والدولي وعلاقته الوثيقة بما كان يحدث في كل منهما. لم تتحول انتفاضة حماة إلى ثورة شعبية تشمل غالبية سورية، أما انتفاضة درعا فتوسعت لتصبح انتفاضة في كل أنحاء سورية تطالب بإسقاط النظام. وبما أن سياسة النظام واحدة في الحالتين، فإن هذا الاختلاف يعود بشكل أساسي إلى اختلاف طبيعة الانتفاضتين، واختلاف الظروف المحيطة بكل منهما، وبالتالي فإن المسؤولية في عدم تقدير هذه الاختلافات، وما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات خطرة تعود بشكل حصري إلى قيادة النظام السياسي للرئيس بشار الأسد. السؤال: لماذا فشل الرئيس في إدراك هذا الاختلاف بما يمكنه من احتواء أحداث درعا، ومنعها من التحول إلى شرارة ثورة تطالب بإسقاطه؟

بدأ مأزق الرئيس الشاب قبل الثورة بسنوات، وتحديداً مع عملية التوريث التي أوصلته للحكم. كان التحضير والترتيب لهذه العملية أمنياً وسرياً، وعندما توفي الأسد الأب تمت عملية التوريث بشكل مموّه، إذ تم تعديل المادة الدستورية المتعلقة بسِنّ الرئيس لتلائم سنّ الوريث خلال أقل من نصف ساعة، ثم صوّت مجلس الشعب، وبعده أجرى استفتاءً شعبياً تحت إشراف وزارة الداخلية لإعطاء مسحة انتخاب للرئيس الجديد، أي أن النظام كان في حالة تناقض حاد مع نفسه، فأقر التوريث، لكنه لا يستطيع الاعتراف بذلك، ولا يستطيع إعطاءه صفة رسمية دستورية، لأن هذا يتطلب تعديلاً دستورياً يغير من طبيعة وأسس الجمهورية، ولم يكن هذا متاحاً. بعبارة أخرى، أضعف التوريث موقف الرئيس الجديد، أضف إلى ذلك أن التوريث اقتضى تجاوز كل القيادات الكبيرة، سياسية وعسكرية، والتي شاركت الأسد الأب في بناء النظام، وإحالة بعضهم على التقاعد، ونشأ نتيجة ذلك صراع بين الحرس القديم والحرس الجديد الذي جاء مع الوريث الجديد على رأس الحكم، وهو ما يعني أن الرئيس بشار كان في سنوات حكمه الأولى يستشعر هاجس تهديد داخلي. في تلك الأثناء حصل الغزو الأميركي للعراق، وسقوط نظام صدام حسين خلال ثلاثة أسابيع من بدء الغزو. حينها بدا واضحاً أن القيادة الجديدة في دمشق وجدت نفسها، وفي أيامها الأولى، أمام تطور إقليمي ودولي لم تتهيأ له، وبدا واضحاً من تصرفات هذه القيادة أن الخوف قد استولى عليها من التداعيات المحتملة لهذا التطور الخطر. أصبح الجيش الأميركي على حدودها، وهناك من يقول بأن المحطة القادمة لهذا الجيش يجب أن تكون دمشق. في الوقت نفسه كانت الأصوات ترتفع في لبنان مطالبة بتخفيف القبضة الأمنية السورية على الحياة السياسية في هذا البلد، وإعادة انتشار القوات السورية.

وجد الرئيس الجديد نفسه تحت وطأة شعور متمكن بأنه بين ثلاثة مصادر للتهديد: أولها داخلي، واثنان من الخارج، واستقر رأيه على أن الموقف يفرض الإمساك بالورقة اللبنانية بأي ثمن، للمساومة بها إذا ما فرضت التطورات ذلك. اتخذ الرئيس قراره تحت وطأة الشعور بالخوف والضعف، وليس بناء على حسابات سياسية متوازنة. بدا للرئيس أن السبيل الوحيد للإمساك بالورقة اللبنانية هو فرض التمديد للرئيس اللبناني حينها، إميل لحود، حليف دمشق القديم، بالتعاون مع الحليف الآخر، «حزب الله»، ففعل ذلك بالقوة والتهديد، وكأنه ليس في لبنان من صديق لسورية إلا لحود، وتم التمديد بالفعل. بعد التمديد بقليل اغتيل رفيق الحريري، ثم «كرت» سبحة الاغتيالات اللبنانية. هل هناك من علاقة بين التمديد وموجباته، وبين هذه الاغتيالات؟ التمديد فرضته دمشق، والاغتيالات بدأت بعد التمديد. أخذت الأسئلة والاتهامات تزعج عاصمة الأمويين، وهنا بدأ التخبط السياسي للقيادة السورية، الذي أفقدها كل أوراقها الإقليمية والدولية. اعتبرت هذه القيادة الورقة اللبنانية أهم بالنسبة لها من أي شيء آخر، وأهم شيء في هذه الورقة هو «حزب الله» بقدراته العسكرية الضاربة. وهذا مؤشر على شعور حادٍ بضعف موقفها الداخلي. أولوية تحالفها مع «حزب الله»، تعني أولوية تحالفها مع إيران، وهو ما يوحي بأن هواجس دمشق مع الرئيس الجديد ومخاوفها تتجه للخارج. لكن جاءها التهديد من حيث لم تحتسب: ثورة شعبية من الداخل تريد التخلص من النظام ومن رئيسه، وعندها وجد الرئيس الشاب نفسه أمام الثورة أعزل في الداخل إلا من قوة عارية، ومن دون أي غطاء إقليمي أو دولي في الخارج، إلا غطاء طهران وموسكو. وهذا على عكس ما كان عليه والده عام 1982. طهران تعاني من العزلة والعقوبات، وغطاء موسكو لم يحمِ كل من حاول تغطيته من أفغانستان، مروراً بالعراق، وأميركا الجنوبية، وانتهاء بأوروبا الشرقية.

ما آلت إليه أوضاع سورية مع الرئيس الجديد تؤكد الخطأ القاتل للتوريث الذي وقع فيه الأسد الأب، فبسبب هذا الخطأ تغيرت حسابات دمشق وأولوياتها الإقليمية، وأوقعتها أخيراً في الأخطاء القاتلة على يد الرئيس الجديد، وهي أخطاء حاذر الأسد الأب من الاقتراب منها على مدى ثلاثة عقود. الخطأ الأول هو الدخول في محور إقليمي يقيد النظام بخيارات مغلقة، ويحد من حركته إقليمياً، ويخل بتوازنات إقليمية لا يستطيع النظام السوري بتركيبته المحافظة على استقراره، بل والبقاء من دونها. الخطأ الثاني القطيعة مع السعودية ودول الخليج العربي من ناحية، ومع مصر من ناحية أخرى، فالقطيعة مع السعودية ومصر معاً، مع بقاء الحالة العراقية كما كانت عليه في عهد صدام، أو وهي تحت النفوذ الأميركي الإيراني المزدوج، تعني أن سورية تصبح معزولة إقليمياً ودولياً. الخطأ الثالث السماح لعلاقة سورية مع إيران أن تكون على حساب علاقاتها العربية، أو العكس. والخطأ الرابع الارتهان لفريق واحد في لبنان، لأن هذا يضيق من خيارات سورية لبنانياً وإقليمياً، والغريب أن الرئيس الجديد وقع في كل هذه الأخطاء مجتمعة، وهو يدفع ثمنها هذه الأيام. وقبل ذلك يدفع ثمن أولوية الخارج على الداخل، وتعامله مع هذا الداخل بطريقة انتهت إلى ثورته عليه، وعلى نظامه الذي أتى به الى الحكم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رسائل التريمسة .. عبدالله اسكندر

الأحد ١٥ يوليو ٢٠١٢

الحياة

كلما ارتكبت مجزرة في سورية، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن كي يتخذ قراراً ملزماً بوقف العنف، وتالياً إلى روسيا التي لا تزال تمانع مثل هذه الخطوة.

وجاءت مذبحة التريمسة بين ثلاثة مواعيد مهمة. الأول جولة الموفد كوفي أنان على دمشق وطهران وموسكو. وهي الجولة التي تحول خلالها من موفد مشترك - دولي عربي، أي ينقل صيغة التفاهم العربية - الدولية التي تبلورت في النقاط الست، إلى مروّج لمسار جديد خاص.

الثاني، زيارة موفدين من المعارضة السورية، بشقيها المجلس الوطني المتشدد في مواقفه وقبله التيار الديموقراطي الداعي إلى حوار داخلي ما والمعارض لأي تدخل خارجي، من أجل توفير صيغ طمأنة في شأن المصالح الروسية في المرحلة المقبلة.

والثالث، عودة الملف السوري إلى مجلس الأمن، سواء في إطار بحث مهمة المراقبين وتمديدها أو في قرار جديد يتناول الأزمة السورية عموماً، وكيفية دفع خطة أنان (الأولى أو الجديدة؟) إلى حيز التطبيق.

وقراءة رسائل المذبحة الجديدة في ريف حماة تأتي في هذا الإطار السياسي، خصوصاً أنه ليس هناك أي شك في الطرف الذي ارتكبها، وهو القوات السورية النظامية والشبيحة. لقد اعترفت دمشق رسمياً بأن قواتها هي التي تقوم بعمليات في المنطقة واعترفت بعثة المراقبين، وللمرة الأولى ومن دون لبس، أن القوات النظامية هي التي ارتكبتها.

ويطرح السؤال عن دوافع النظام إلى ارتكاب هذه المذبحة، في الوقت الذي يسعى أنان إلى إشراك الحليف الإيراني في الحل ويتوجه إلى الحليف الروسي في إطاره، وفي الوقت الذي يعود الملف إلى مجلس الأمن. وقد رأينا الردود العربية والدولية المنددة والمطالبة بالفصل السابع وبعضها بالتدخل الخارجي.

الأرجح أن النظام يريد استدراج مثل هذه المواقف ويدفع الأمور إلى تصعيد ميداني وسياسي، من أجل قطع الطريق على أي احتمال للحوار، سواء جاء عبر أنان أو موسكو، ناهيك بالطبع عن رفضه المطلق لأي بحث في مرحلة انتقالية.

على المستوى الظاهري قال النظام كلمته في هذه المسألة، عبر تنظيم انتخابات برلمانية وحكومة «وحدة» مع «معارضة» داخلية، إلى حد تسمية أحد هؤلاء المعارضين وزيراً للحوار والمصالحة. أي أن النظام قام، شكلياً، بما عليه. ويبقى إقناع «المجموعات المسلحة والإرهابيين» بالانضمام إليه. وهذا بالضبط ما ركزت عليه موسكو في تبرير موقفها المناهض لأي قرارات دولية ملزمة لوقف العنف.

والرسالة التي يبعث بها النظام حالياً هي لحليفه الروسي الذي يبعث بإشارات متعارضة في شأن الحوار وأطرافه. والتصعيد في هذا الإطار يلزم الحليف بتأييد النظام وخطواته السياسية.

أما الرسالة البعيدة المدى فهي تنطوي على تسعير للنزاع بما لا يبقي أي شك في طبيعته الطائفية، الأمر الذي يدخل الأزمة في معادلة جديدة، تفرض على جميع الأطراف الدوليين إعادة النظر في تقويمهم للوضع وللأدوار التي يمكن أن يقوموا بها، خصوصاً لجهة التدخل المباشر. من البديهي أن اتخاذ هذا النزاع البعد الطائفي يدفعه إلى أن يصبح جزءاً لا يتجزأ من نزاع إقليمي، أي انزلاق فيه يتحول حرباً إقليمية لا تستبعد إيران وتركيا، ناهيك عن دول الخليج والأردن. والجميع يدرك أن دول المنطقة والدول الكبرى لن تبقى بمنأى عن مثل هذا النزاع الذي لا ترغب فيه، لأسباب كثيرة، وستعمل على أن تحول دونه أو اشتراكها فيه. أي أن التصعيد الطائفي يبعد شبح التدخل الخارجي أكثر من كونه مستدرجاً له.

وبذلك تكون الدماء السورية، مرة أخرى، هي الثمن الذي يقدمه النظام من أجل البقاء في السلطة وتخويف العالم من عواقب سقوطه. وعلى روسيا أن تقرر الآن ما إذا كانت تلتقط هذه الرسائل الدموية أم أنها ستبقى تتصرف وكأنها لا تعرف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ادعاءات حول سوريا! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

15-7-2012

تكثر الادعاءات حول سوريا، كلما أوغلت الأزمة السورية إلى الأعمق زمنيا والأكثر تعقيدا في تفاصيلها الداخلية وفي التدخلات الخارجية في الشأن السوري، وتصل بعض هذه الادعاءات إلى حدود الكذب صراحة أو تلميحا أو تتجاوزه في بعض الأحيان. وتتشارك في تلك الجريمة التي ترتكب بحق سوريا والسوريين هيئات دولية وإقليمية ودول كبرى وصغرى، إضافة إلى شخصيات معروفة، ولكل طرف من الأطراف أسبابه ودواعيه في ما يسوقه عن سوريا وأوضاعها من ادعاءات وأكاذيب.

ومن بين أكثر الادعاءات شيوعا عن سوريا، أنها تعيش حالات انقسام حاد في بناها السكانية طبقا لمكونات دينية وطائفية وعرقية، وأن هذه الانقسامات تتبلور في تكوينات متشددة، تأخذ طريقها نحو التحول إلى جماعات مسلحة، أو أنها أصبحت كذلك بالفعل، وأنها انخرطت في أعمال ونشاطات، تعزز الانقسامات. غير أن واقع الحال في العديد من المناطق والمدن السورية، لا سيما دمشق التي تضم ربع السكان السوريين، يؤكد خطأ الادعاء، ويجعله بلا مصداقية.

وهناك ادعاء آخر، يتردد كثيرا، بالقول إن سوريا تعيش حربا أهلية، أو القول إنها غرقت في حرب طائفية، وهو ادعاء لا يراعي الواقع ولا يفهمه، حيث إن النظام من خلال تبنيه للحل الأمني العسكري يشن الحرب ضد سوريين في كل المناطق، بمدنها وقراها، ولا تميز قذائف الدبابات والمدافع، وحتى طلقات البنادق والقناصات، أهدافها من البيوت والأفراد طبقا لطوائفهم أيا كان الذي يطلقها، بل إن الذين يطلقون النار لا ينتظمون حسب طوائف ومناطق أو ديانات.

كما أن من بين الادعاءات الفاضحة القول بأن سوريا أصبحت قاعدة للخلايا الإرهابية المتشددة، والتي لا تتشكل من سوريين فقط، وإنما من عرب ومسلمين يفدون من أنحاء العالم إلى سوريا ليجعلوها أفغانستان جديدة أو ما يماثلها. ولا شك أن قولا كهذا يشكل كذبا فاضحا، حيث لم تبين وقائع وتطورات نحو عام ونصف عام من الأحداث السورية أحداثا تؤيد أو تدعم هذا الادعاء، بل إن البيئة السورية بما عرف عنها من الناحيتين السياسية والدينية لا تشكل حاضنا لمثل ذلك، ولا هي بيئة جاذبة للمتشددين على نحو ما هو معروف.

وثمة ادعاءات وأكاذيب أخرى، يجري ترديدها حول سوريا، من بينها وصف المعارضة بأنها مسلحة من دون إشارة إلى أن الأمر ينطبق بصورة محددة على الجيش الحر الذي يشكله منشقون عن المؤسسة العسكرية، ومثل ذلك القول بأنه يتم تجنيد أطفال في العمليات العسكرية، وهو أمر غير صحيح في ضوء الوقائع، وكذلك القول بوجود عمليات قتل وخطف وتخريب ممتلكات على خلفيات دينية أو طائفية، خاصة حيال المسيحيين، وجميعها ادعاءات لا تتوافق مع الحقائق القائمة في الواقع.

وأي شيء غير النفي المطلق لأحداث تتصل بما سبق، يدخل في دائرة مبالغة توازي في خطئها ما تذهب إليه تلك الادعاءات والأكاذيب، التي تأخذ حادثة أو قلة من الحوادث، أو مظاهر، أو معلومات يرددها البعض لأهداف سياسية تخدمه، وتعتبرها ظواهر عامة، صارت بمثابة ملامح لسوريا والسوريين، وأصبحت ترسم ملامح أفكارهم وسلوكياتهم، وتحدد الآفاق التي ستتطور إليها مستقبلاتهم.

لقد حدثت في ظروف الحل الأمني – العسكري، الذي اختارته السلطات سبيلا لمعالجة الأزمة بدل المعالجة السياسية، ارتكابات وجرائم وحشية، لا سيما من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وامتدت بعض تلك الارتكابات إلى الوسط الشعبي والجيش الحر، وبعض الأعمال والارتكابات كانت في إطار ردود الفعل على ما حدث ويحدث من انتهاكات فاضحة، لكنها ظلت أعمالا فردية أو محدودة ومقترنة بظروفها وبأماكنها، بمعنى أنها لم تكن ظواهر على نحو ما توصف.

إن الخلفية التي تنطلق منها الادعاءات والأكاذيب السابقة وما يماثلها، تعود إلى أسباب متعددة ومختلفة. أول هذه الأسباب يكمن في جهل الواقع السوري، أو ربط المعرفة به بما هو معروف عن مجتمعات عربية وإسلامية أخرى مثل لبنان والعراق وأفغانستان، وجميعها بلدان لكل واحد منها خصوصياته، التي تجعله مميزا عن غيره، وفي مثال محدد فإن جماعات الإسلام السياسي في كل واحد من البلدان السابقة لا تشبه بعضها حتى في الاسم.

وثمة سبب آخر وراء تلك الادعاءات والأكاذيب، حيث تتحول إلى ذريعة، يتم الاستناد إليها في تبرير مواقف أصحابها، وصولا إلى التنصل من مسؤولياتهم في المشاركة الجدية والعملية بحثا عن حل للأزمة القائمة في سوريا، والتي يمكن أن تكلف البعض مسؤوليات وأعباء سياسية ومادية لا يرغبون في تحملها والقيام بها، ولعل أحد الأمثلة على ذلك الادعاءات القائلة بتشتت المعارضة السورية وانقسامها، باعتباره يبرر عدم اتخاذ موقف يؤازر مطالب السوريين.

وهناك سبب ثالث في خلفية تلك الادعاءات، وهو استخدامها لخدمة مواقف سياسية، يتبناها أصحاب تلك الادعاءات، ومن ذلك قول المسؤولين الروس وتكرارهم إن المعارضة في سوريا مسلحة، وإنها تستهدف تدمير الدولة السورية، وهو ادعاء هدفه تبرير الموقف الداعم للسلطات السورية ومواقفها الذي تقوم به موسكو، وجعل السلطة والمعارضة على ذات الأرضية والمسؤولية في الأزمة السورية.

خلاصة الأمر في الادعاءات والأكاذيب، التي يتم ترويجها حول سوريا والسوريين، أنها ترسم صورا غير حقيقية عن الواقع، وهي تسهم في استمرار الأزمة وتصعيدها، وغالبا فإنها سوف تقود إلى توطين الأزمة وتعميقها، الأمر الذي يضع مسؤولية كبيرة على مختلف الأطراف لا سيما الباحثين عن مستقبل أفضل لسوريا والسوريين للوقوف ضد تلك الادعاءات ومحاربتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام الأسد: انشقاق آخر .. نيكولاس بلانفورد

تاريخ النشر: الإثنين 16 يوليو 2012

الاتحاد

نيكولاس بلانفورد

بيروت

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«كريستيان ساينس مونيتور»

يمثل انشقاق مسؤول سوري سني رفيع آخر في ظرف أسبوع، مؤشراً إضافياً على ازدياد مشاعر القلق على هامش نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي تهيمن عليه الطائفة العلوية.

غير أن نواة النظام مازالت على ما يبدو متحدة ومتماسكة ولا تُظهر مؤشراً على انهيار وشيك، مما يوحي بأن المواجهة ستزداد طولاً وستتخذ طابعاً طائفياً أكثر في القادم من الأسابيع والأشهر.

فيوم الأربعاء الماضي، أعلن نواف فارس، الذي كان سفيراً لسوريا في بغداد منذ عام 2008، عن استقالته من حزب "البعث" الحاكم، مشيراً إلى أنه سينضم إلى صفوف معارضة نظام الأسد، حيث قال في مقابلة تلفزيونية بعد توجهه إلى قطر: "إنني أدعو جميع أعضاء الحزب للقيام بالشيء نفسه، لأن النظام حول هذا الحزب إلى وسيلة لقمع الشعب وتطلعاته الحقيقية إلى الحرية والكرامة".

ورداً على ذلك، أعلنت وزارة الخارجية السورية أن فارس "أُعفي من مهامه" بسبب إدلائه بتصريحات "تتنافى مع واجبه"، مضيفة أنه يمكن أن يخضع للمتابعة القضائية ويتعرض لـ"عمل تأديبي".

والجدير بالذكر هنا أن فارس، الذي ينتمي إلى السنة، هو رئيس قبيلة العقيدات القوية التي تغطي المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق. وهو أيضاً محافظ سابق لدير الزور، وهي بلدة كبيرة تقع في شرق سوريا وتشهد اشتباكات دورية بين قوات النظام والمعارضة.

انشقاق نواف فارس العلني جاء بعد أن قام ضابط عسكري كبير هو مناف طلاس، الذي يعتبر جنرالاً كبيراً في الجيش وصديقاً مقرباً من بشار الأسد منذ الطفولة، بمغادرة سوريا متوجهاً إلى فرنسا.

لكن، وخلافاً لفارس، لم يدلِ الجنرال طلاس بأي تصريح علني يشرح فيه أسباب مغادرته سوريا أو يكشف فيه عن مخططاته المستقبلية. غير أن بعض التقارير تقول إن ثقته في النظام انهارت عقب الهجوم الذي شنه الجيش السوري على مدينة حمص والمناطق المحيطة بها، والتي تشمل الرستن، المدينة التي تنتمي إليها عائلة طلاس.

والجدير بالذكر أيضاً أن بعضاً من أقوى وحدات "الجيش السوري الحر" المتمرد تنشط في منطقة حمص. ومن بينها كتيبة الفاروق التي يرأسها عبد الرزاق طلاس، ابن عم مناف طلاس، ما يبرز ربما صراع الولاءات الذي يوجد فيه.

ومع ذلك، فإن فرار مناف طلاس من سوريا يعتبر مهماً بغض النظر عما إن كان الأمر يتعلق بانشقاق سياسي للانضمام إلى صفـوف المعارضـة أو مجرد خطوة تهدف إلى حماية نفسه وعائلته في حال انهيار نظام الأسد.

والجدير بالذكر هنا أن والد مناف هو مصطفى طلاس، الذي شغل منصب وزير الدفاع لوقت طويل في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد وكان من المقربين منه.

كانت عائلة طلاس ترمز إلى التحالف بين السنة، التي تشكل الأغلبية، والعلويين، وهم فرع من الشيعة لا يُعرف عنهم الكثير وينتمي إليهم الأسد.

لكن، وعلى غرار عدد من الشخصيات السورية الرفيعة من عهد حافظ الأسد، فقد تم إخراج مصطفى طلاس من السلطة تدريجياً عقب صعود الأسد إلى الرئاسة عام 2000. والعام الماضي، وبعد وقت قصير على بدء الانتفاضة ضد حكم الأسد، سافر مصطفى طلاس إلى باريس لأسباب صحية حسبما أعلن، ويُعتقد أنه مازال في العاصمة الفرنسية. ومن جانبه، قام فراس طلاس، شقيق مناف، بمغادرة سوريا أيضاً قبل عدة أشهر.

الجزء الأعظم من المعارضة السورية سني، ينتمي بشكل رئيسي إلى المناطق الريفية والطبقات العاملة في المدن. ويمثل رحيل مناف طلاس وفارس المؤشرين الأولين على أنه حتى أنصار النظام السنة البارزين أخذوا ينشقون عنه.

ومن المرجح أن تقوي مثل هذه الانشقاقات الانطباع بأن الصراع على سوريا أخذ يتحول إلى نزاع طائفي يجمع بين المتمردين السنة في معظمهم، ونخبة علوية مترسخة في الحكم، في حين تراقب أقليات أخرى بخوف، مثل المسيحيين والدروز والأكراد، من على خط التماس. الوحدات الجوهرية للجيش السوري مازالت متماسكة وصامدة على الرغم من أن الانشقاقات العسكرية قد ازدادت خلال الأسابيع الأخيرة، بينما بدأ عدد متزايد من الضباط الكبار يفرون إلى الأمان النسبي الذي توفره تركيا المجاورة.

وقد أدت الانشقاقات الأخيرة إلى رفع معنويات "الجيش السوري الحر" المتمرد الذي أظهر تحسناً في المهارات العسكرية، إضافة إلى إمدادات أكبر من الأسلحة والذخيرة.

لكن، وفي مؤشر على تصاعد العنف ربما، أعلنت منظمة "هيومان رايتس ووتش" لحقوق الإنسان، والتي يوجد مقرها في نيويورك، يوم الخميس الماضي، أن أدلة فيديو أظهرت أن الجيش السوري يستعمل ذخيرة قنابل عنقودية تعود إلى العهد السوفييتي ضد التلال التي يسيطر عليها المتمردون بالقرب من مدينة حماه في وسط البلاد.

وفي هذا الإطـار، قال ستيف جوس، مدير قسم الأسلحة في "هيومان رايتس ووتش"، إنه إذا ما تأكد ذلك، فـ"سيكون أول استعمال موثق لهذه الأسلحة الخطيرة جداً من قبل القوات المسلحة السورية خلال النزاع".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمة أنان وخطورة إضاعة الوقت .. خير الله خير الله

المستقبل

16-7-2012

أسوأ ما في مهمة المبعوث الدولي والعربي الى سوريا أنها طالت أكثر مما يجب. فالواضح أن كوفي أنان غير قادر على اتخاذ موقف من المجزرة التي يتعرّض لها الشعب السوري يومياً. إنه يضع القاتل والضحية عند قدم المساواة ويذهب حتّى الى تبرير الفظائع التي يرتكبها النظام والتي جعلت شخصاً مثل العميد مناف طلاس يتخلّى عن بشّار الأسد.

هل إضاعة الوقت جزء من مهمة كوفي أنان؟ ذلك ليس مستبعداً نظراً الى أن طبيعة الرجل الذي شغل في الماضي موقع الأمين العام للأمم المتحدة تؤهله للعب مثل هذا الدور. لو لم يكن الأمر كذلك، لما زار المبعوث العربي والدولي طهران سعياً الى "تسوية سياسية" في سوريا، علماً أن إيران متورطة الى ما فوق أذنيها في الصراع الداخلي السوري إن بشكل مباشر أو عبر أداتها اللبنانية المسمّاة "حزب الله". إيران لا يمكن أن تكون جزءاً من أي تسوية نظراً الى أن مستقبل وجودها الطاغي في سوريا مرتبط ببقاء النظام أو رحيله.

مع رحيل النظام، لا يمكن لإيران أن تكون موجودة في سوريا. ولأنّها باتت مقتنعة بذلك، لم يعد أمامها سوى دعم النظام السوري الى النهاية. إنه الخيار الوحيد الباقي أمام النظام الإيراني الذي يسعى في الوقت ذاته الى إغراء روسيا باتخاذ مواقف متصلبة حيال كلّ ما من شأنه إطالة عمر النظام وإغراق الشعب السوري في مزيد من الدم. ليس سرّاً أيضاً أن إيران تلعب دوراً محورياً في جعل العراق، المنقسم على نفسه، ممرّاً لجزء من المساعدات التي تصل الى النظام السوري من منطلق طائفي ومذهبي ليس إلاّ...

ماذا ذهب أنان يفعل في طهران؟ هل يستطيع إقناع المسؤولين الإيرانيين أن لا مصلحة لهم في زيادة التورط في الصراع القائم في سوريا، وهو صراع بين شعب يريد استعادة حريته وكرامته لا أكثر ونظام يعتبر البلد مزرعة والسوريين عبيداً لديه لا أكثر؟

لا مخرج في سوريا ولسوريا في غياب موقف واضح يأخذه المجتمع الدولي كلّه انطلاقاً من الواقع المتمثل في أن النظام انتهى وأن على الرئيس بشّار الأسد وأفراد عائلته والقريبين منه ترك السلطة. لا مفرّ من مرحلة انتقالية تتولاها قيادة أو حكومة وحدة وطنية لا علاقة للنظام القائم بها من قريب أو بعيد. كلّ ما عدا ذلك مجرد إضاعة للوقت وزيادة لعذابات الشعب السوري الذي أثبت أنه لا يمكن أن يخرج من الشارع قبل سقوط النظام.

المؤسف، في ضوء تصرّفات أنان، أقلّه الى الآن، أنه لم يستوعب تماماً ما يجري على الأرض السورية. الأهمّ من ذلك أنّه لم يقرأ في كتاب ما بعد الثورات العربية التي أطاحت زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمّر القذافي. لم ينجو منها إلاّ علي عبدالله صالح الذي عرف كيف يساوم من أجل البقاء في صنعاء ولكن خارج دار الرئاسة... أي السلطة.

يفترض في الأمين العام السابق للأمم المتحدة إدراك أن ما يدور في سوريا هو أمّ الثورات العربية. لا عودة عن الثورة في سوريا إلا بإسقاط النظام. هناك شعب يقدم يومياً عشرات الشهداء من أجل استعادة حرّيته. وهناك حاكم يرفض أخذ العلم بذلك ويتصوّر أن الشعب لا يزال معه. إذا لم يكن في استطاعة كوفي أنان عمل شيء من أجل وقف العنف ليعلن صراحة أن المجتمع الدولي مقصّر وليسمّ الأشياء بأسمائها، بما في ذلك الاعتراف بأنّه كلّما طالت الأزمة السورية، زادت مخاطر تفتيت البلد. هل هذا ما يسعي اليه الذين اختاروا كوفي أنان مبعوثاً دولياً- عربياً الى سوريا؟ هل المطلوب إضاعة الوقت ولا شيء غير ذلك من أجل الوصول الى انهيار داخلي في هذا البلد العربي المهم؟

كلّما مرّ يوم يقترب موعد معركة دمشق. ستكلّف تلك المعركة الكثير من الضحايا. ستزداد درجة العنف. كلّ ما يفترض بأنان عمله هو التخلي عن دور الموظف الإداري الذي يتقنه والانتقال الى السياسة.

في السياسة، لم يكن انتقال مناف مصطفى طلاس الى الخارج حدثاً عابراً. الرجل نفسه ليس مهمّاً. لكن انتقاله يعني أوّل ما يعني أن النظام القائم لم يعد يمتلك سوى فرق "الشبيحة" تدافع عنه. شئنا أم أبينا، كانت عائلة طلاس التي ارتبطت بعلاقة تاريخية مع آل الأسد، بصفة كونها عائلة سنّية من خارج المدن الكبرى، جزءاً من النظام. كانت تشكّل بالنسبة اليه آخر غطاء سنّي...

يفترض بشخص مثل كوفي أنان إدراك هذا الواقع وإبلاغ كلّ من يعنيه الأمر أن العنف في سوريا لن يتوقف ما دام بشّار الأسد في السلطة وأن البحث يجب أن يتركز على كيفية خروجه. الحلّ اليمني فات أوانه إلاّ إذا كان وارداً إنشاء دولة علويّة يلجأ اليها بشّار ومن معه.

ولكن مرّة أخرى، هل يبحث كوفي أنان عن مخرج في سوريا ولسوريا أم أن كلّ مهمّته تتلخّص بالرغبة في إضاعة الوقت؟ مثل هذا السيناريو ليس جديداً. حدث قبل ذلك في العراق. كان في استطاعة التحالف الدولي الذي حرّر الكويت في بداية العام 1991 استكمال مسيرته الى بغداد. فضّل التوقف عند نقطة معيّنة. انتظر ثلاث عشرة سنة قبل الإقدام على خطوة إسقاط النظام العراقي بالقوة. كان مطلوباً حصول تآكل للعراق من داخل كي لا تقوم للبلد قيامة يوماً. هل هذا هو الهدف من مهمّة أنان بغض النظر عن نيات الرجل... التي قد تكون طيبة وقد لا تكون كذلك؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مجزرة جديدة في انتظار التالية!! ..  ياسر الزعاترة

الدستور

16-7-2012

لم يعد بوسعنا بعد التعب الذي أصابنا من إحصاء الشهداء والجرحى، فيما نجهل تماما أعداد المعتقلين الذي يزيدون عن عشرات الآلاف يعيشون الموت يوميا في سجون بشار الأسد، لم يعد بوسعنا غير إحصاء المجازر لأن إحصاءها يبدو أسهل، فيما شعرنا بالتعاطف مع السيد كوفي أنان!! بسبب “الصدمة” التي تعرض لها نتيجة المجزرة الأخيرة في بلدة التريمسة التابعة لمدينة حماة، وهي التي تمكن مراقبوه من دخولها بعد 13 ساعة على ارتكاب المجزرة ليشاهدوا الحقيقة التي اضطرته للحديث صراحة عن عدم التزام قوات بشار بوقف استخدام الأسلحة الثقيلة في قصف المناطق السكنية، مع أن المجزرة تمت بمشاركة الطيران هذه المرة، فيما أكمل الشبيحة مهمة الذبح على الأرض.

من الطبيعي أن يخرج علينا شريف شحادة الذي كوفئ على “جهوده الجبارة” في الدفاع عن النظام عبر الجزيرة وسواها بعضوية مجلس الشعب، من الطبيعي أن يخرج علينا موضحا أن الجماعات الإرهابية هي التي ارتكبت المجزرة، مشددا على التزامن التقليدي للمجازر مع جلسات لمجلس الأمن، مع أن الجماعات إياها ليست من النوع الذي يهتم بجلسات مجلس الأمن ولا يتابع بالضرورة مواقيتها ولا قراراتها!!

ربما كان محقا في السؤال عن مصلحة النظام في ارتكاب مجازر من هذا النوع، لكنه ينسى أن المجاميع العسكرية التي تمارس القصف والقتل لم تعد تملك غير ذلك بعد أن أصبحت كلفة الاقتحامات المباشرة كبيرة بسبب استبسال الثوار، فيما يتجاهل أن جحافل الشبيحة المعبئين بالحقد الطائفي لا يُستغرب عليهم أن يفعلوا أكثر من ذلك، هم الذي ينتمون في الأصل إلى حثالة البشر.

والحال أن إسكات المدن والبلدات الثائرة بشتى أنواع الأسلحة لم يعد مجرد خيار بالنسبة للنظام، وإلا فإن المناطق التي يفقد سيطرته عليها ستواصل الاتساع يوما إثر آخر، وهو يعول من خلال مضاعفة أدوات العنف على إسكات المناطق الثائرة وإخراج الثوار منها وإعادتها إلى سيطرته. وعندما يضطر، للمرة الأولى يوم الخميس الماضي إلى تنفيذ سياسة الأرض المحروقة بحق بساتين في ضواحي دمشق من أجل إخراج عناصر الجيش الحر منها، فهو إنما يدافع عن حصنه الأخير الذي يتعرض لمحاولات يومية لاقتحامه من قبل الثوار.

صحيح أن قلب مدينة دمشق لا يزال هادئا بعض الشيء، تماما كما هو حال قلب مدينة حلب، لكن ذلك لا يحدث إلا بسبب ضخامة الحشد الأمني داخلهما، وتبعا لوجود علويين إلى جانب أقليات أخرى تصطف إلى جانب النظام، مع قلة من المنتفعين من أبناء السنة.

حين يدقق المراسلون الأجانب في المشهد، فإنهم يرون عاصمة “حبلى بالغضب” كما عبر مراسل “واشنطن بوست”، مستدلا على ذلك بجدران المدينة التي تزدحم بالشعارات المعادية للنظام، وبالمسيرات “الطيارة” التي تبدأ وتختفي سريعا خشية الاعتقال الذي يُعد في ذاكرة السوريين أسوأ كثيرا من الموت. ويشير إلى أن أهل المدينة يعيشون المأساة بأم أعينهم عبر عشرات الآلاف من الهاربين إليها من الضواحي فرارا من الموت، وأكثرهم من النساء والأطفال.

نعود إلى المجزرة البشعة التي تعلمنا من سابقاتها أنها تستجلب قدرا من التعاطف الدولي الذي ما يلبث أن يتبخر بمرور الوقت ليعود الكلام التقليدي عن الحل السياسي، وحيث يميل المجتمع الدولي، وغالبا مجاملة للطرف الإسرائيلي إلى إطالة أمد المعركة من أجل تدمير البلد وإشغاله بنفسه لعقود، وصولا إلى الحل “السياسي” الذي يفترض أن يسبق الحسم العسكري بفترة قصيرة حتى لا يقع البلد بيد فئات تصعب السيطرة عليها.

نقول ذلك لأن حشر الأزمة فيما يفعله كوفي أنان ينطوي على تجاهل لحقيقة أن الرجل لا يتحرك من تلقاء نفسه، حتى حين يزور طهران وبغداد بعد موسكو، بل يتحرك بالتنسيق مع الوضع الدولي والعربي الذي يعمل مبعوثا له لحل الأزمة السورية.

هو نفاق استثنائي لا يكسره سوى الموقف التركي الذي يميل إلى الحسم العسكري، مع دعم قطري سعودي، مع أن عموم الموقف العربي لا يبدو مريحا تبعا لاستمرار منحه الغطاء لمهمة أنان التي لم يعد لها مكان في المشهد خارج سياق التآمر من أجل سرقة الانتصار لحظة التأكد من قرب تحقيقه، وهو يبدو قريبا بالفعل في ظل توالي الانشقاقات في صفوف النظام (عسكريا وسياسيا) وفقدانه السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد.

لذلك كله لا يبدو أمام السوريين غير استمرار الجهد والجهاد من أجل الحسم الثوري، ولن يتم ذلك من دون مزيد من تفعيل العمل العسكري، والأهم استمرار العمل الشعبي، بخاصة في مدينتي حلب ودمشق اللتين ينبغي أن تنخرطا أكثر فأكثر في الاحتجاجات وصولا إلى عصيان مدني شامل يسقط النظام الذي يزداد ترنحا يوما إثر آخر، فيما يزداد اعتماده على طائفته كملاذ أخير في المواجهة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«التريمسة» ليست مجزرة.. بل مجرد شغب ملاعب !؟ .. رجا طلب

الرأي الاردنية

16-7-2012

هذا العنوان ليس نكتة سمجة بل هو كلام سوري رسمي اقل ما يقال عنه انه منفصم تماما عن الواقع ويعبر افضل تعبير عن ازمة اخلاقية وسياسية كبرى يعيشها النظام بعد تعدد المجازر التي اخذ يوقعها بحق شعبه الاعزل، الحقيقة لم اصدق ما اسمع عندما خرج علينا جهاد المقدسي الناطق الرسمي باسم الحكومة السورية ليكذب العالم كله ويقول ان ما جرى في قرية التريمسة لم يكن الا مواجهة بين الجيش والارهابيين او الجماعات المسلحة، وليقول ما هو افظع من ذلك من ان القتلى الذين سقطوا في هذه المواجهة هم 37 مسلحا ومدنيين وبشهادة «رجل فاضل» لاحظوا التعبير، الدولة السورية تاخذ ارقامها الرسمية في مجزرة رهيبة كالتريمسة من «رجل فاضل» اي بمعني لو ان الارقام كانت اكثر من ذلك لكان رجل كاذب.. اي استخفاف بعقول الناس هذا الذي يمارسه الاعلام السوري والخطاب الرسمي للنظام؟

لو لم اسمع الرجل بنفسي لما صدقت، لقد كان خطابا استفزازيا منقطع النظير حاول خلاله الناطق باسم الدولة السورية تقزيم كل شيء وتكذيب اي شيء واختلاق احداث وسيناريوهات لتبرير الاجرام والدموية اللذان يمارسان ضد العزل، وحتى انشقاق العميد مناف طلاس تحول وحسب منطق المقدسي الى كونه مجرد «ضابط في الجيش السوري اختار ان يغادر البلاد بدون اذن»، وهو بهذا المنطق كان افضل له لو اعتبر ما جرى في التريمسة مجرد مواجهة قاسية بين مشجعي فريقين متنافسين في كرة القدم او شغب ملاعب.

المقدسي يقول هذا الكلام وبدم بارد وهو يعلم ان العالم يعلم انه لا ينطق بالحقيقة، فهو بكل تاكيد استمع الى تصريحات المراقبين الدوليين الذين اكدوا ان القرية قصفت بالطيران وان اعداد القتلى فيها زاد عن 150 قتيلا لكن منطقه الغريب في النفى دفعه الى القول ان القرية لا تستحق قصفا جويا لان مساحتها لا تتعدى كيلو متر واحد بمعني لو كان اكبر لكان مبررا قصفها بالطيران.؟!

هذا الخطاب يدلل مجددا على النظام السوري غير عابئ بالعالم كله ويستخدم هذه اللغة التي تستخف بارواح ابناء شعبه وبعقول العالم لانه لم يُعاقب بعد ولانه مازال يعتقد انه محصن من هذا العقاب بسبب انتهازية ولا اخلاقية الموقف الروسي وبسبب ضعف مبعوث الامم المتحدة كوفي عنان الذي كان يحتم عليه واجبه الاخلاقي وبمجرد وصول التقارير الاولية عن المجزرة الى مكتبه الى الاعلان عن فشل عمل المراقبين الدوليين في سوريا الذين مضى على عملهم دون اي نتيجة تذكر اكثر من ثلاثة اشهر.

من الملفت اكثر هو ذلك الصمت العربي الرسمي والشعبي على هذه المجزرة وعلى مجزرة الحولة قبلها وغيرهما من المجازر، حيث تحول خبر قتل الاطفال والنساء والعشرات من الرجال في المدن والقرى السورية الى خبر عادي وهو امر مرعب بحد ذاته حيث بات العالم يتعايش مع هذا الاجرام المنظم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: هل يسبق تآكل النظام من الداخل مناورات المجتمع الدولي؟ .. اياد ابو شقرا

الشرق الاوسط

16-7-2012

«محاولة الحوار مع شخص تخلّى عن التعقل، تشبه إعطاء الدواء لميت».

(توماس باين)

من جسر الشغور وحي بابا عمرو الحمصي، ومن الحولة إلى القُبير، ووصولا إلى التريمسة، يواصل «جرّاح» دمشق، الدكتور بشار الأسد، «عملياته الجراحية» الدموية لإنقاذ الشعب السوري.. من نفسه!

انطلاقا من أقوال الرئيس السوري وأفعاله، على امتداد الأشهر الـ17 الماضية، يغدو من العبث مواصلة الكلام. ومن واقع الإخفاق التام لمهمة الوسيط الدولي - العربي كوفي أنان، سواء من حيث التصوّر أو الممارسة، حان الوقت لكي يكف المجتمع الدولي عن العبثية الدبلوماسية.

في هذه الأثناء، ثمة شبه إجماع على أن سوريا ما زالت بعيدة عن نهاية النفق. ويقوم شبه الإجماع هذا، بجانب العنصرين المذكورين آنفا - أي مواقف الأسد وانهيار مهمة أنان - على بقاء المواقف الدولية للأطراف الدولية الفاعلة على حالها. ففي ظل انعدام الجدية بتبنّي استراتيجية الردع، وعلى الرغم من الأرقام المفزعة لعدد الضحايا وانتشار المآسي الإنسانية الموثقة بالصورة والأرقام، سيواصل كل فريق صاحب مصلحة ابتزاز منافسيه على حساب الشعب السوري.

ولئن كانت الولايات المتحدة تسعى جهدها لتحاشي اعتماد الحسم لاعتبارات انتخابية وإسرائيلية، ينشط في دول غربية فاعلة تياران متناقضان فكريا.. ما زالا مستعدين (بل متحمسين) لتجاهل آلام الشعب السوري والظن خيرا بقاتليه، هما:

1 - تيار اليمين العنصري، الذي يرى أن الشعب السوري (مثله مثل أي شعب عربي أو مسلم) لا يفهم الديمقراطية ولا يستحقّها، وهو إذا مارسها فسيمارسها بطريقة خاطئة، وسيصوت حتما لقوى اليمين الأصولي والديني. وبالتالي، لماذا يورّط الغرب نفسه في مأزق ليس له فيه أي مصلحة؟

2 - تيار اليسار المتطرّف، الذي تدفعه مراهقته السياسية بصورة تلقائية أحيانا إلى التعاطف مع أي خطاب، صادقا كان أم كاذبا، يدعي الثورية والنضال والعداء للإمبريالية والولايات المتحدة. ومع الأسف، هذا التيار موجود ومتحرك حتى في بعض وسائل الإعلام الجاد في دول كبريطانيا وألمانيا وفرنسا.

في الجهة المقابلة على المسرح الدولي، تقف القوتان الشيوعيتان سابقا؛ روسيا والصين، اللتان تتصرفان بعد انهيار الشيوعية، تماما كما تصرفت الإمبرياليات عبر التاريخ. وهما عندما تتآمران اليوم على مصير الشعب السوري، وتتواطآن مع قاتليه، فهما لا تستهدفانه مباشرة كشعب سوري، بل كانتا ستتصرفان بالأسلوب المتغطرس واللاأخلاقي نفسه مع أي شعب في أي مكان آخر من العالم تتعارض فيه مصالحهما الوطنية مع مصالح قوة كبرى منافسة. وبالتالي، كما شهدنا على امتداد الأشهر الـ17 الأخيرة، لم تغير موسكو وبكين مقاربتيهما من الأزمة السورية قيد أنملة، بل ذهبتا بعيدا في عداء مفتوح مع الشعب السوري، ومن خلفه شعوب العالم العربي التوّاقة إلى التحرر والعيش بكرامة. والمرجح أن انعدام حماسة واشنطن والعواصم الغربية للحسم والردع، وعجز الدول العربية عن المعاقبة - أو حتى المساءلة - كانا عاملين مؤثرين في إقناع القيادتين الروسية والصينية.. ليس فقط بعرقلة أي مسعى دبلوماسي من قلب مجلس الأمن، بل بمواصلة تقديم الدعمين السياسي والتسليحي لنظام الأسد كي يواصل محاولات إخماد الثورة الشعبية بالحديد والنار.

بعد كل مجزرة ارتكبها النظام السوري تكاثر الكلام وتطايرت الاستنكارات الجوفاء، ولكن في كل مرة همدت الأمور.. وكأن شيئا لم يكن. وهذه المرة أيضا بعد مجزرة قرية التريمسة بمحافظة حماه، بدأت باكرا محاولات لتجهيل الفاعل، تمهيدا لتمييع القضية وإلباس ما حصل غلالات من الشك، علها تساعد النظام على الاحتفاظ بزخم عملياته القمعية الدموية، وتمنحه متنفسا جديدا يستبق نوبة أخرى من التفكك البطيء في بنيته العسكرية والسياسية.

إن الرهان على مجلس الأمن، ولا سيما بعد الحصيلة الفارغة المتوقعة للقاءات المعارضة السورية في موسكو، إمعان في إضاعة الوقت وخذلان السوريين. وتوقّع حدوث تغير جدي في الموقف الأميركي المفرط في سلبيته، على الأقل قبل أن تدب الحرارة في الحملة الانتخابية الرئاسية للحزب الجمهوري، سذاجة سياسية تقارب الغباء. ولا يبدو أقل سذاجة التفاؤل بقرار عربي شجاع بتجميد العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والثقافية مع روسيا والصين.

كل هذا يعني أن قدر الشعب السوري هو ربحه معركته في أرضه.. وليس في عواصم القرار الدولي.

الشعب السوري يدرك اليوم أنه سيربح معركته، طال الزمن أم قصر، لأنه ما عاد أمامه من خيار غير ربح المعركة ضد قاتليه، وليس لأنه مدعوم من الخارج. فهو في حقيقة الأمر لا يتلقى ولو جزءا بسيطا من الدعم الذي يستحقه صموده ونضاله. وهذه القناعة هي نقطة التحول التي ستؤثر في أولئك الذين اختاروا الرهان على مرور الوقت، أو انتظار انهيار الثورة، من دون أن يشاركوا في التآمر عليها.

بعض راصدي الوضع السوري يشيرون إلى «قوة دفع» أخذت تميز حركة الانشقاقات، سواء من قبل الشخصيات المدنية (سياسية ودبلوماسية) أو العسكرية - الأمنية، ولا شك في أن تطورات الأسبوع الفائت المتعلقة بالعميد مناف طلاس والسفير نواف الفارس تستحق أن يُنظر إليها بإيجابية، بصرف النظر عن مدى جديتها. غير أن طبيعة النظام، القائمة على التمويه والتضليل، لا تشجع كثيرا على الاطمئنان إلى تنامي «المعارضين» من أوساط كانت حتى الأمس القريب من رموز النظام وفي قلب أجهزته ومنظوماته السياسية، وإن كان هذا ليس سببا كافيا للتردد في تشجيع الانشقاقات وتسهيل حدوثها وفسح المجال لأي منشق لإعادة تأهيل وضعه. إن القصد من هذا الكلام هو اعتماد الحد المقبول من الواقعية والحصافة لكي لا ترتكب الثورة السورية مزيدا من الأخطاء التكتيكية التي ارتكبتها حتى الآن؛ إما نتيجة سلامة طويتها أو لتحمسها للتغيير السريع.

ولقد شاهد السوريون كيف ظهر بعض الأشخاص مدعين صفة «المعارضة» في أول «لقاء مفتوح» دعا إليه النظام تحت رئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع، خلال فترة قصيرة من اندلاع الثورة. بل ألقى بعضهم خطبا عصماء خلال ذلك اللقاء يصعب تصديق جرأتها من «معارض».. مشارك بشخصه أو بتنظيمه ضمن «الجبهة الوطنية التقدمية» التي يرعاها النظام. ومن ثم، بعد مرور بعض الوقت، نشط هؤلاء «المعارضون» أكثر، وصاروا يعقدون اجتماعات في عواصم أجنبية وعربية كـ«معارضين»، قبل أن تنكشف الكذبة، عندما خاضوا «الانتخابات - المهزلة» التي أجراها النظام أخيرا، وفازوا فيها بمقاعد جنبا إلى جنب مع «شبّيحة» النظام وأدواته المفضوحين. بل إن اثنين من «المعارضين» المندسين دخلوا الحكومة الجديدة.. بل وتولى أحدهم منصب نائب رئيس وزراء!

«معارضون» من هذه النوعية.. من مصلحة الثورة السورية كسب عداوتهم لا تأييدهم.

-*-*-*-*-*

ماذا بقى لنظام الأسد فى سورية؟  .. محمود حمدي أبو القاسم

مركز الأهرام للدراسات السياسية والأستراتيجية

وصف الرئيس السورى بشار الأسد الوضع فى سورية فى الاجتماع الأول للحكومة الجديدة فى 26 من يونيو 2012 بقوله أن "سورية تعيش حالة حرب حقيقية" ولم يحدد ضد من تكون هذه الحرب، وأضاف بقوله "عندما نكون فى حالة حرب، كل سياساتنا وكل توجهاتنا وكل القطاعات تكون موجهة من أجل الانتصار فى هذه الحرب"، وأكد على أن سورية ستنتصر فى النهاية، فهل النظام السورى من الناحية العملية قادر على حسم الصراع لصالحه وضمان بقائه؟، أم أن الوضع يشير إلى عكس ذلك؟. الواقع يشير إلى امتلاك النظام السورى أرصدة متراكمة مهمة فى إطار صراعه من أجل البقاء لكن مستقبله مرهون بمدى احتفاظه بهذه المصادر أو دعمها كضمانة لاستمراره، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه العوامل والمصادر وتحديات استمرارها على النحو الآتى:

أولا: القدرة على مواجهة الحراك الداخلى

1- استطاع النظام بناء تحالفات وعلاقات زبائنية مع شرائح واسعة من رجال الأعمال والتجار وأصحاب المصالح والنفوذ خصوصا فى مدينتى حلب ودمشق والذين لا يزالون يؤمنون بأن مصالحهم مرتبطة بالأساس ببقاء النظام هذا على جانب، وعلى جانب آخر استغل النظام تعقيدات بنية المجتمع وتعددياته كفزاعة فى مواجهة الداخل والإقليم بل والعالم، وبناء على ذلك أصبح هناك حاجز من الخوف بين هذه القوى وبين الثورة خوفا على وجودها أو مصالحها، وهذا الانقسام فى بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية بل والمؤسساتية أعطى للنظام فرصة أطول للبقاء لأن النظام ولعقود طويلة لم يعمل على بناء مجتمع يقوم على المواطنة والاعتراف بالتنوع الغني للهويات الاجتماعية والدينية والإثنية والإقليمية والسياسية في سورية بل قام بفرض قيود على الفضاء السياسي وجعل الحوار السياسي خاصا ومحصورا إضافة إلى توليد العداوات الطائفية واستمالة بعض عناصر وكسب ولائها بتسكينها فى التركيبة الاجتماعية فى مراكز السلطة والثروة.

2- لكن فى الواقع مع دخول جيل جديد من المحتجين من خارج الفضاء السياسى المنظور ومن خارج شبكة المصالح وبراعتهم وقدراتهم على الحشد وعلى تصدير صورة المشهد إعلاميا، وذلك فى مواجهة ضعف قدرة النظام على التكيف مع المستجدات وغلبة المعالجة الأمنية على نية الإصلاح الحقيقية، كل ذلك أدى فى النهاية إلى اتساع نطاق ونوعية الاحتجاجات وسقوط آلاف الضحايا الذين بدورهم يعطون تغذية عكسية للاحتجاجات، التى يبدو أنها كسرت حاجز الخوف تماما وشجعت الجماهير على تحدى السلطة، التى لم تتورع فى ارتكاب مجازر وجرائم استفزت بعض القيادات والجنود ودفعتهم للانشقاق عن الجيش، والذين كانوا بدورهم النواة الحقيقية للمعارضة المسلحة وبفضل الحصول على بعض الدعم الخارجى تمكنت من توجيه ضربات موجعة للنظام وأجهزته، ويمثل إصرار معارضتا الداخل بشقيها السلمى والمسلح ومعارضة الخارج على خيار سقوط النظام ورفض التفاوض معه أو الاستجابة لخطواته الإصلاحية العقبة الاولى أمام بقاء الأسد الابن ونظامه، ولا شك أن تواتر دخول شرائح جديدة من الطبقات الوسطى والوسطى/العليا من حلفاء النظام فى المدن الكبرى خصوصا حلب ودمشق يمثل دفعة مدينية قوية للثورة فى الداخل، وربما يدفع باتجاه تقويض تحالفات نظام الأسد الابن وإنهاء مفعول فزاعته الطائفية وفزاعة الهيمنة الإسلامية على سورية فى مرحلة ما بعد الثورة.

ثانيا: ولاء الجيش والأجهزة الأمنية للنظام

1- يدين غالب قادة الجيش والأجهزة الأمنية منذ وقت ليس بقريب بالولاء للنظام/الطائفة، وذلك بالنظر إلى التغير الذى طرأ على بينة الجيش السورى بعد انقلاب 1966 الذى أدى إلى صبغ الجيش وأجهزة الأمن بصبغة طائفية بسيطرة العلويين على مفاصلهما ولم تظهر سلبيات هذا التحول فى بنية الجيش السورى فى ظل حالة الحشد والتعبئة السياسية فى إطار الإيديولوجية القومية العروبية التى رفعها النظام، إلا أن موقف الجيش من الأزمة كشف عن طبيعة هذا التحول ومدى تأثيره، وخصوصا ما يعرف بفرق النخبة وهى الحرس الجمهورى والفرقة المدرعة الثالثة والرابعة والقوات الخاصة، والتى دخلت المدن وضربت الأحياء السكنية وشاركت فى قمع التظاهرات فى كل أنحاء سورية وذلك إلى جانب أجهزة الأمن التى تتبع الرئيس الأسد مباشرة وكذلك الاستعانة بما يعرف بالشبيحة وقد تورطت هذه القوى فى جرائم بحق الشعب السورى وهى تقود معركتها إلى جانب النظام حتى النهاية وهو الأمر الذى يجعل معادلة الصراع فى الداخل لازالت فى صالح النظام. وقد اتجه النظام إلى تجنيب وحدات الجيش التى يغلب على تكوينها الجنود السنة المشاركة فى قمع الاحتجاجات، حيث أظهرت خبرة الاستعانة بهذه الوحدات فى كل مرة حدوث حركات انشقاق واسعة، لهذا يعول النظام على وحداته الخاصة والتى تتكون أغلبيتها من العلويين والتى تتحدث التقارير عن أعدادها الضخمة وذلك بجانب الأجهزة الأمنية وفرق الشبيحة التابعين مباشرة لنفوذ عائلة الأسد.

2- لكن يواجه تماسك الجيش معضلة تزايد الانشقاقات بين عناصره وخصوصا على مستوى القيادات الوسيطة والعليا والتى كان أخرها هروب احد ضباط القوات الجوية بطائرته الى الأردن وطلبه اللجوء السياسي فى 21 من يونيو 2012، وكذلك انشقاق العميد فى الحرس الجمهورى مناف طلاس فى 5 يوليو 2012، وهو ابن وزير الدفاع السورى السابق مصطفى طلاس والمقرب من الرئيس السورى وذهابه الى فرنسا والذى تروج دوائر غربية لإمكانية قيادته المرحلة الانتقالية بعد رحيل الأسد، كما تتحدث بعض التقارير عن تعاظم عدد وقوة الجيش السورى الحر وسيطرته على 40 % من الاراضى السورية خصوصا على امتداد الشريط الحدودى مع تركيا، التى يبدو أنها منفذ مهم للدعم المادى واللوجيستى وتوفير الحماية لعناصر الجيش الحر، هذا علاوة على وصول حركة الانشقاقات الى ضباط الامن الداخلي السوري وإعلانهم عن تشكيل قيادة لقوى الأمن الداخلي تابعة للثورة السورية، بالإضافة الى انشقاق عناصر من جهاز المخابرات التابع لنظام الاسد. وبالطبع تصب كل هذه الانشقاقات فى إضعاف جبهة النظام ، لكن فى الواقع يبقى النظام فى هذا الإطار متماسكا الى حد يمكنه من وقف تمدد حركة الاحتجاجات ومواجهة المعارضة المسلحة وإن كانت تطورات المعركة على الأرض تشير إلى أن عمليات الجيش الحر بدأت تدخل مرحلة مهمة من حيث جغرافيتها ونوعيتها حتى أنها شجعت على انخراط فئات فى مناطق متعددة من حلب ودمشق على الانضمام للثورة.

ثالثا: الدعم الدولي والإقليمي

1- يمثل استمرار توفير الدعم المادى وتوفير الغطاء السياسى للنظام السورى سواء على المستوي الدولى من جانب روسيا والصين أو على المستوى الاقليمى من جانب إيران وحلفائها فى المنطقة أحد أهم عوامل بقاء النظام، فمنذ البداية تراهن روسيا على بقاء النظام وكان واضحا أن هناك إصرارا روسيا على مواجهة اى قرار لا يأخذ بعين الاعتبار رؤيتها كاملة، وعدم استعدادها لأي تغيير فى موقفها تجاه الأزمة لأن عملية التغيير فى سورية صعبة ومكلفة بالنسبة إلى حجم مصالحها، خصوصا أن روسيا تدير جزءاً من سياستها الخارجية فى الشرق الأوسط من خلال علاقتها المتطورة مع النظام السورى فى السنوات الأخيرة، وهى على غير استعداد لخسارة وجودها العسكرى على السواحل السورية وترك الساحة للمخططات الأمريكية والأوروبية حيث تمثل خسارتها لسورية نهاية لوجودها فى الشرق الأوسط ككل. ويرتكز الموقف الروسى على معارضة أية قرارات دولية تحمل النظام بمفرده المسئولية عن العنف فى سورية، وترفض دعوة الرئيس السورى للتنازل عن السلطة من أى طرف، كما تعارض فرض أى عقوبات على سورية أو فرض أى حظر على الأسلحة المتجهة إلى سورية بالإضافة إلى استبعاد استخدام القوة ضد سورية، مع التأكيد على ضرورة فتح حوار سياسى بين النظام والمعارضة كحل وحيد للازمة، هذا فى الوقت الذى تقدم فيه الدعم العسكرى للنظام السورى وتمده باحتياجاته من الأسلحة.

أما الصين فقد بنت موقفها من الأزمة السورية بناء على رفض استخدام القوة فى معالجة الأزمة، لأنه ينتهك الأعراف الأساسية المنظمة للعلاقات الدولية، كما تعارض الصين تغيير النظام السورى بالقوة، ومن هنا تتكفل روسيا والصين بتوفير غطاء دولى لحماية النظام كما توفر له روسيا الدعم المادى اللازم لبقائه. ويمثل هذا الموقف عودة لأجواء الحرب الباردة، بل إنه ربما يكون بداية لتحولات كبرى فى هيكل النظام الدولى ربما لن تتوقف ساحات المواجهة فيها عند الأزمة السورية.

وعلى المستوى الاقليمى تلعب إيران وحزب الله دورا مركزيا فى دعم النظام السورى بالسلاح وتحدثت بعض أطراف المعارضة عن وجود عناصر من الحرس الثورى الإيرانى وعناصر حزب الله تقدم الدعم إلى النظام داخل سورية، حيث تعتبر ايران سورية خط دفاع اول عن وجودها باعتبارها نافذة مهمة لمد نفوذها فى المنطقة بجانب حزب الله ومنظمات المقاومة الفلسطينية فى مواجهة الضغوط الاقليمية والدولية ومحاولات عزلها وتقويض قدرتها على امتلاح السلاح النووي وهيمنتها على الاقليم وخصوصا الخليج العربى.

وبفضل موقعها الجيوسياسي فى المنطقة يمتلك النظام السورى رصيدا كبيرا من المناورة وقدرة فعلية على التأثير من خلال استغلال تقاطع هذه المصالح الإقليمية والدولية فى المنطقة بما يسمح له بالبقاء لفترة أطول، خصوصا أن التغيير فى سورية أصبح يستلزم عند البعض ضرورة تدخل خارجي أو تسليح للجيش السورى الحر وهو أمر صعب حيث لا زال الغرب يستبعد هذان الخياران ويكتفى بمحاولة خلق اجماع دولى حول خروج الأسد من السلطة وبداية مرحلة انتقالية وهو ما تعارضه روسيا والصين وإيران بشدة. كما أن هناك مخاوف كبيرة من انفجار الوضع التعددى فى المنطقة وتأثيره على استقرار الاوضاع فى لبنان والعراق ومن ثم المنطقة ككل.

2- لكن فى مواجهة هذا العامل نجد هناك دفع من بعض القوى الإقليمية والدولية باتجاه تغيير النظام كحل للأزمة من جانب وتحقيقا لمصالحها فى المنطقة من جانب آخر، وتأتى هذه الضغوط على المستوى الاقليمى من جانب دول الخليج وجامعة الدول العربية، حيث قادت قطر والسعودية التفاعلات الخاصة بسورية على مستوى مجلسى التعاون الخليجى وجامعة الدول العربية وصولا إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان وكذلك تشكيل مجموعة أصدقاء الشعب السوري، مع محاولة الضغط على روسيا والصين لتغيير موقفهما المساند للنظام، وكذلك دعم المعارضة والاعتراف بها ممثلا عن الشعب السورى..الخ، هذا علاوة على الموقف التركى الذى يعد محورا رئيسيا فى التفاعلات الخاصة بسورية من منطلق تأييد عملية التغيير فى سورية خصوصا بعد حادث إسقاط الطائرة التركية فوق المياه الإقليمية السورية، وعلى مستوى آخر يأتى الموقف الامريكى والغربى الذى يضغط على الرئيس السورى للابتعاد عن السلطة وبدأ عملية إصلاح داخلية حقيقية، وقد ساهمت كل هذه القوى فى عزلة النظام ومحدودية حركته والضغط عليه عبر سلسلة من القرارات والإجراءات والعقوبات وبالفعل شلت قدرته على الحركة الخارجية وقوضت كثير من علاقاته التى كان لتوه قبل الثورة قد بناها سواء على مستوى الاقليم او على المستوى العالمى.

وربما يمثل تطور هذه الضغوط فى مرحلة ما إلى توافق حول تدخل عسكرى ضد النظام السورى على غرار الحالة الليبية، أو إقامة منطقة عازلة لحماية المدنيين، أو تنحية الرئيس عن المشهد وتنازله عن السلطة على شاكلة النموذج اليمنى تهديدا حقيقيا لعامل القوة الثانى الذى يستند إليه النظام لكن حتى الان يبقى الموقف الروسى الصينى صلبا ويبقى احتمال التدخل خارج إطار الشرعية الدولية مستبعدا.

وفى النهاية يمكن القول أن مصادر قوة النظام السوري قد بدأ بعضها فى التآكل وبعضها لازال يمثل مصدرا من مصادر قوة النظام وضمانة لبقائه، فعلى المستوى الداخلى يفقد النظام بعضا من مصادر قوته مع مرور الوقت، ومن المرجح أن يمثل أى تحول فى موازين القوة بين الأطراف فى الداخل المتغير الأهم فى حسم الصراع لكن يبقى خطر تمزق البنية الاجتماعية مع طول أمد الأزمة أو تقسيم سورية على أساس قومى أو مذهبى أو طائفى ...الخ الخطر الأكبر، أما على مستوى الإقليم فإن حلفاء سورية التقليديين إيران وحزب الله لا يملكان سوى البقاء مع النظام إلى النهاية، أما على المستوى الدولى فرغم تعرض الصين وروسيا لضغوط شديدة أخلاقية وسياسية فإن موقفهما لازال يدعم النظام، ورغم الحديث بعد اجتماع جنيف فى 30 يونيو 2012 عن تغير الموقف الروسى والموافقة على رحيل الأسد لبداية مرحلة انتقالية جديدة غير دقيق ودليل ذلك مشروع القرار الروسى الذى يسمح بتمديد عمل بعثة مراقبي الأمم المتحدة في سورية الذي ينتهي في 20 يوليو لمدة ثلاثة شهور وذلك دون أن يتضمن مشروع القرار اي تهديدات بعقوبات محتملة، ومن ناحية أخرى وزعت بريطانيا بالنيابة عن الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا مشروع قرار بموجب الفصل السابع وما يترتب عليه من آثار، وبهذا نكون أمام عودة لمأزق الدبلوماسية الدولية فى سورية حيث الخلاف هو سيد الموقف والفيتو هو خيار روسيا فى مواجهة أى حل دولى حاسم للأزمة فى سورية، ومن ثم نكون أمام أزمة يلعب فيها عامل الزمن دورا مهما بحيث يمثل توقيت حدوث تغيرات كبرى فى العلاقة بين اي من هذه المتغيرات المتباينة بداية مرحلة فاصلة فى تاريخ سورية وربما الإقليم بأسره، ولا شك أن الأسد الابن ونظامه لن يكون طرفا مهما فيها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لافروف "الرؤوف".. يرفض العقوبات على "الأسد"!

2012-07-17

الوطن السعودية

يبدو أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، لا يريد أن يكون لروسيا دور إيجابي في إنهاء الأزمة السورية، وحقن دماء الشعب، ذلك أنه يصر على أن خيار بقاء الأسد خيار شعبي سوري، وذلك حينما صرح بأن مطالبة روسيا بإقناع بشار الأسد بالتنحي غير واقعية، لأنه لن يقبل بالرحيل، قائلا: "إنه أمر غير واقعي ببساطة.. لن يتنحى عن السلطة. هذا ليس لأننا نحميه، بل لأن قسما كبيرا جدا من الشعب السوري معه".

إن مثل هذا التصريح، وبهذه الصياغة، يعني أحد أمرين:

أولهما؛ أن يكون لافروف متعمدا تجاهل الحقيقة الماثلة في كون الشعب السوري يريد الخلاص من بشار الأسد ونظامه بكل رموزه وتاريخه الدموي القامع.

وثانيهما؛ أنه يسير خلف التغرير الإعلامي السوري القائم على الإيهام بأن هناك تأييدا شعبيا كبيرا للنظام، غاضا الطرف عن أن الخطاب الإعلامي السوري الرسمي يقوم على الإكراه، وأن الكثير من المتشدقين بالتأييد إنما يفعلون ذلك خوفا من انتقام النظام منهم أو من أسرهم، لأنهم يعرفون أساليبه، ويحفظون تاريخه القمعي كما يحفظون أسماء من ذهبوا ضحايا الصدع بكلمة الحق، فهل انطلت حيل النظام السوري على لافروف، أم إنه يريد لها أن تنطلي عليه، انطلاقا من توهم أن بقاء الأسد يحقق مصالح روسية واضحة؟ لعل أبرزها "تصريف" السلاح الروسي المتكدس الذي كان يحتاج إلى أزمة كالأزمة السورية؟

أمس، لم يبد لافروف أي مؤشر يدل على تغير موقف روسيا بشأن الصراع الدائر في سورية، وذلك في تصريحاته التي سبقت محادثاته مع كوفي عنان، المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وكرر معارضة روسيا لمشروع قرار يناقشه مجلس الأمن بشأن تمديد مهمة المراقبة في سورية، والذي من المتوقع أن يتضمن تهديدا بفرض عقوبات، بل إنه تجاوز المتوقع حين وصف التهديد بفرض عقوبات بأنه ينطوي على "قدر من الابتزاز"، ثم إنه أمعن في التحدي حين حث شركاء روسيا في مجلس الأمن على تأييد مشروع القرار الذي تتبناه موسكو، والذي لا يتضمن أي تهديد لدمشق في حالة عدم الإذعان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية ... غطاء سياسي روسي للقتل

الراية

17-7-2012

استبق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقاءه بالمبعوث الدولي والعربي المشترك كوفي عنان الذي يزور روسيا ليتهم المجتمع الدولي بممارسة الابتزاز ضد موسكو لحملها على الموافقة على قرار يدين العنف والقتل في سوريا ويدعو لوقفه فوراً تحت طائلة البند السابع.

تصريحات لافروف نزعت ورقة التوت عن الموقف الروسي الداعم لنظام الأسد سياسياً وعسكرياً من خلال وضع العصي في دواليب مجلس الأمن لمنعه من إصدار قرار يدين حليفه النظام السوري الذي ادعى أن رئيسه بشار الأسد لن يرحل لأن قسماً كبيراً من الشعب السوري يدعمه وهو الزعم الذي يفتقر إلى الأدلة والبراهين وتكذبه أحداث الثورة السورية المطالبة بالحرية والتغيير المتواصلة منذ أكثر من ستة عشر شهراً والتي انتشرت وتوسعت في معظم إن لم يكن جميع المدن والبلدات السورية.

الغريب في تصريحات لافروف أنها جاءت في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي أن أعمال العنف في سوريا باتت تنطبق عليها تسمية الحرب الأهلية.

حيث ساهم الفيتو الروسي الذي استخدم مرتين ضد مشروع قرار لمجلس الأمن يدين عنف النظام ويطالب بوقف عمليات القتل في تزايد الأعمال المسلحة في سوريا وتحول الثورة السورية من طابعها السلمي المدني الذي حافظت عليه لشهور إلى ثورة مسلحة نتيجة لقيام النظام بمواجهة الثورة السلمية بالقتل وارتكاب المجازر.

كما أن تصريحات لافروف جاءت في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة المواجهات حيث وصلت إلى العاصمة السورية دمشق التي تشهد بعض إحيائها منذ يومين اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية والجيش الحر، هي الأولى بهذه الحدة منذ بدء الأحداث قبل 16 شهراً.

الموقف الروسي ومعه الموقف الصيني في مجلس الأمن وفرا غطاء سياسياً للنظام السوري على مدى أكثر من عام ونصف العام سمح للنظام بمحاولة إخماد الثورة السورية بالقوة مطمئناً إلى المساندة الروسية الصينية وحينما فشل في ذلك بات يستخدم المجازر لإيقاع الرعب والهلع في نفوس أبناء الشعب السوري وهو ما فشل فيه أيضاً ودليل ذلك وصول المعارك والمواجهات المسلحة إلى العاصمة دمشق نفسها.

إعلان لافروف أن حل الأزمة السورية يكمن في تطبيق خطة عنان وأن روسيا تدعم هذه الخطة لا يستقيم مع إعلان مدير العمليات في مركز تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة أن الحكومة السورية تعتمد "سياسة عرقلة كثيفة" تحول دون وصول المساعدة إلى حوالي 850 ألف شخص يحتاجون إليها في سوريا وهو ما يؤكد أن النظام السوري ومن ورائه روسيا يحاولان استغلال هذه المبادرة لشراء الوقت لإخماد الثورة لا غير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية ورائحة الموت .. ألا يندى جبين العالم؟!  .. د. زهير فهد الحارثي

الرياض

17-7-2012

صفوة القول، طالما أننا لا نعول على تغير الموقف الروسي، فالمؤمل من الغرب-إن ارتهن للمنطق والحق والواجب-أن يتمسك بمبادئه في حماية حقوق الإنسان والدفاع عن الشعوب ولو بالقوة إن وجب الأمر كما فعلها من قبل في كوسوفو، فحماية الشعوب من الفتك بها تستوجب التدخل ولو بشكل انفرادي

ما يحدث في سورية أصبح يعكس وبلا مواربة مثالا حيا إلى أي مدى يمكن أن تصل فيه وحشية ودموية الإنسان. مجازر غير مسبوقة في التاريخ حيث بزت ما سبقها من جرائم إبادة من حيث أساليبها ونهجها ودمويتها وعنفها. وهل بقي لنا من وصف نقوله ما بعد مجزرة التريمسة؟ جز رقاب وقتل أطفال وتشويه جثث واغتصاب نساء وقصف مبان بالطائرات والأسلحة الثقيلة. معجم عفن ممقوت وبغيض مليء بكل ألوان القمع وصنوف الإجرام والتعذيب. نظام مستبد ودموي يقتل شعبه ويجتاح المدن ليحولها إلى مدن أشباح، مكرساً آلة القتل والقهر والتدمير.

وهنا ثمة تساؤل حارق يصرخ من أعماق كل من يشاهد مسلسل الموت الدامي اليومي: تُرى أين صحوة الضمير العالمي،والى متى يستمر هذا الصمت المريب الخانع، وذلك التردد المفضوح؟

وهل من المعقول أن مجلس الأمن، الذي يفترض أن تقع عليه مسؤولية ترسيخ الأمن في كوكبنا، لم يستطع إلى هذه اللحظة من الاقتراب لإصدار قرار تحت الفصل السابع بسبب التواطؤ الروسي والصيني؟

أليست كافية تلك الأكوام من الجماجم والجثث والمناظر البشعة،التي لايمكن لكائن بشري من تحملها، بأن تُفيق الضمير العالمي من سباته وتصيبه بقشعريرة الخزي والعار ليبادر بإيقاف آلة القتل؟ وأين تلك الدول التي ما فتئت تتشدق بحماية حقوق الإنسان أمام تلك المشاهد الإجرامية؟ وهل ذهبت أدراج الرياح كل تلك القوانين والمواثيق الدولية والالتزامات الأدبية والأخلاقية التي وضعها المشرعون لحماية الشعوب؟!

لقد كان محقاً خادم الحرمين الشريفين عندما طالب بإصلاح الأمم المتحدة، التي تجاوز عمرها الستة عقود، معلقاً الجرس حول مستقبل المنظمة العتيقة لاسيما وان أقواله أكدت اهتزاز الثقة بها،لافتا إلى ان العالم لا يحكمه عدة دول بل يُحكم بالعقلانية والإنصاف والأخلاق.

ولعل الموقف الذي نراه في سورية الآن يعطي زخما لانتقاد الملك حول أهمية إعادة النظر في هيكلية الأمم المتحدة ودور مجلس الأمن وآلية اتخاذ القرار فيه،كونه يطالب بإصلاح جذري يعالج الجوهر لا الشكل. وينشط الذاكرة الإنسانية في أن الغاية من إنشائها تكمن في حماية الأفراد والشعوب وليس مؤسسات الدول التي تفتك بشعوبها. بمعنى آخر أن مفهوم الأمن الإنساني هو حماية الأفراد داخل الحدود وليس فقط امن الحدود.

على أن التذمر يأتي عادة بسبب آلية العمل الإجرائية في المنظومة الأممية،وابرز مثال على ذلك نظام الفيتو الذي بات يُستخدم كأداة صراع وهو ما يتعارض مع نص صريح في ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص صراحة على "مبدأ المساواة بين الأعضاء". ناهيك عن تعطيل بعض القرارات الصادرة عن مجلس الأمن لتأثره بموازين القوى ومفاعليها، بدليل الفيتو الروسي- الصيني الذي جاء كترجمة واقعية لهذا الخلل ما يعني أن القواعد المرجعية التي يستند إليها مجلس الأمن تفتقر إلى الوضوح.

مع أن ميثاق الأمم المتحدة جعل مهمة تولي تبعات اختلال الأمن والسلم الدوليين لمجلس الأمن وذلك وفقا لأحكام الفصل السابع من الميثاق والتي تجيز له استخدام القوة عند الضرورة، وهي استثناءات كحالات الدفاع عن النفس، كما يحدث الآن في سورية،لكن تبقى هناك إشكالية التطبيق وتداخل المصالح.

وإذا كانت روسيا وإيران والصين شركاء في جريمة العصر، فان ذلك قطعا لا يعفي الغرب من تحمل المسؤولية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، فالتلكؤ والخذلان فضلا عن البيانات المكرورة التي لم تعد تجدي،كلها باتت تُصيبنا حقيقة بالاشمئزاز والتقزز والقرف، بدليل المجازر المروعة التي نشاهدها تُرتكب يوميا وقد وجدت لها مسوغا شرعيا لشراء الوقت من خلال المُهل الزمنية التي استفاد منها النظام السوري أيما استفادة في المماطلة والتسويف!

إن المتابع للتصريحات الغربية يشعر بأنها ما هي إلا ذر الرماد في العيون،أو بمعنى أدق إعطاء ضوء اخضر للنظام السوري للمضي قدما في دمويته وهمجيته. هذا عدا أن بقاءه يعني دخول دول الإقليم في نفق الفوضى والانتقام من قبل دمشق وهذا بمثابة إشعال لصدامات وصراعات ومماحكات، ولذا فإسقاطه بات ضرورة لأمن شعوب المنطقة.

إن دمشق تعرف أبعاد اللعبة، وتجيد فنونها مع حليفتها طهران،وقد استماتتا كما نلمس محاولتين توسيع نطاق الصراع وتوريط دول أخرى في المواجهة. فدمشق على يقين بأن سلوكها الدموي هو بمثابة انتحار سياسي، وان النتيجة ستؤدي إلى أفول النظام في نهاية المطاف،ومع ذلك تشعر بأن الهروب إلى الإمام وشراء الوقت هما المخرج الأخير لأنه لم يعد بيدها حيلة، معولة على تحولات سياسية أو ربما متغيرات دولية قادمة.

على أن عدم حماس الغرب لمسالة التدخل العسكري في سورية، كما يبدو لانشغال البيت الأبيض بالانتخابات، ولقناعتهم بعدم وجود بديل،وكذلك خشيتهم من انتماءات الثوار السوريين، التي قد تصل للحكم وهي مناهضة للسياسات الغربية فضلا عن ضغوط تل أبيب في أفضلية بقاء النظام الحالي. ناهيك عن الاصطفاف بين معارضة الداخل والخارج. كما أن هناك من أبدى خشيته من مواجهة أميركية-روسية، وذلك بأن يتحول التراشق السياسي فيما بينهما إلى مواجهة عسكرية في أية لحظة، فالأسطول الروسي في طرطوس والقوات الأميركية متواجدة في الجهة المقابلة.

صفوة القول، طالما أننا لا نعول على تغير الموقف الروسي، فالمؤمل من الغرب-إن ارتهن للمنطق والحق والواجب-أن يتمسك بمبادئه في حماية حقوق الإنسان والدفاع عن الشعوب ولو بالقوة إن وجب الأمر كما فعلها من قبل في كوسوفو، فحماية الشعوب من الفتك بها تستوجب التدخل ولو بشكل انفرادي وذلك من باب ترسيخ الأمن الإنساني. فالحل يجب أن يأتي ولا يهمنا أن يكون على شاكلة الأزمة الليبية أو أسلوب النموذج اليمني، بقدر ما أن المهم هو إنقاذ الشعب السوري من مسلسل الإبادة. فهل يصحو الضمير العالمي وينتصر للعدالة والحرية والكرامة الإنسانية؟

سؤال ربما يرهقه انتظار الإجابة..!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. الركض نحو الخلف !! .. يوسف الكويليت

الرياض

17-7-2012

أن تكون المواجهة بين روسيا تحديداً مع الشعب السوري ووقوفها مع جلاده، يعني أنها راحلة برحيله، ومن يتابع تصريحات ومؤتمرات (لافروف) وزير خارجية روسيا يجده أكثر كلاماً يدافع به عن الأسد، وحتى من المقربين له، لكن هل هذا الموقف يخدم مستقبل العلاقة مع بلد سوف يحكم على رحيل الأسد بقوة قانون الوجود، والذي يضع الشعب القوة المطلقة مهما كانت نسب القتلى والتدمير؟

الجديد في الركض خلف السراب توجه الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) لبكين، وعنان لموسكو وهما مجرد متجولان يعرضان بضاعة لا تغري أي مشتر، لأن أياً من البلدين صرحاء في أفكارهما ومواقفهما، وعنان شخصياً ليس ذلك الرجل المؤتمن على اتجاهه المنحاز لهما وللنظام، وهذا لا يعني أن دول أوروبا وأمريكا لهما الرغبة في الحل وإنما يجدان في موقف خصومهما على الطرف الآخر هروباً من أي مسؤولية، وإلا متى كان للروس والصينيين الوزن الذي يعوقهما عن أي تدخل في دولة تحقق لهما مصالحهما، أو تهدد أمنهما؟

التطورات الأخيرة في تحرك العاصمة دمشق بالاضرابات، والقتل المتبادل تضعف قول (لافروف) من أن الشعب السوري، أو قطاع كبير منه مؤيد للأسد، وهي ليست تخرصات، وإنما وقائع على الأرض بتزايد النقمة عليه وهذا يدفع بالعديد من العاملين بأجهزة الأمن والجيش للانشقاق، وروسيا أكثر من يدرك هذه الحقيقة، ولعل ما تشير له بالتخويف بحرب أهلية، ستكون هي السبب المباشر لها وتتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية، لأن من يدفع بالمعركة إلى حرب إبادة وبسلاح روسي متقدم يتدفق على النظام لا يوفر للروس إقناعه الرأي العام العربي والعالمي، بسلامة موقفهم مهما كانت حربائية الطروحات التي لا تستقيم مع المنطق..

ليس للسياسة ثبات عندما تتعارض أو تتلاقى المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، فقد انتشرت الحروب بين الدول المتخلفة مثل الصومال، وأفغانستان ودول أفريقية وآسيوية، وسوريا رغم أهمية موقعها وحساسيته، إلا أنها تندرج ضمن تنازع القوى، لكن لو شعر الغرب على سلامة إسرائيل مما يجري بها، لتغيرت المعادلات، لتصبح المسألة متجاوزة الروس والصينيين، إلى التأثير على حليف لا يقبل التراخي في أي خطر يحيط به، لكن طالما الأمور تتجه إلى الداخل السوري فقط، أو حتى لو امتدت الأزمة للبنان، فالقضية تعتبر عربية بحتة..

لن تحسم المسألة السورية بسهولة، لأن الموقف العربي بلا غطاء أو تأثير مباشر إلا بدعم حياة اللاجئين، أو مساعدة جيش التحرير ببعض الأسلحة التي لا تخل بميزان القوى مع السلطة، وتبقى الأهمية بتوافق دول مجلس الأمن والذين يديرون اللعبة وفق منطقهم وتلاقي مصالحهم، ويظل الشعب السوري المعادل الأهم في كل ما يجري ويدور، ومن هنا تأتي أهمية صلابته في هذه الحرب المعلنة عليه، لأن إطالة عمر المعركة، مهما كانت التضحيات، ستدير البوصلة باتجاهه وهو ما تفهمه السلطة وتتعامى عنه..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مناف طلاس.. التمثيلية !! .. د. سلطان عبد العزيز العنقري

الجيش الحر والمعارضة عليهما الحذر والحرص من مثل هذه الألاعيب والتمثيليات من قبل النظام

الثلاثاء 17/07/2012

المدينة

غريب أمر هذا الرجل الذي انشق بسرعة البرق وهرب أيضا بسرعة البرق.اللغز المحير أنه إلى الآن لا نعرف كيف فلت من نظام دكتاتوري يلاحق قادته باستخباراته وزبانيته إلى مراحيض المياه.فانشقاق العميد مناف طلاس، ابن وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، هو في ظاهره ضربة قوية للنظام وفي منظومة حرسه الجمهوري وقوات جيشه، كونه هو ووالده من المقربين جدا لنظام حزب البعث ورئيسه،ولكن في باطنه، وهنا مربط الفرس، هذا الانشقاق والهروب هو تمثيلية حبكها نظام الأسد بكل عناية للحيثيات التالية:

فأولا والد مناف هو وزير دفاع سابق لحزب البعث، بل معروف عنه أنه من أعمدة الحزب وعرابيه، ولديه ولاء حتى النخاع، بل تشير التقارير بأنه هو مهندس عملية انتقال السلطة لبشار الأسد بعد وفاة والده الدكتاتور حافظ الأسد.

ثانيا أنه بعد انشقاقه السريع، وهروبه السريع إلى فرنسا، لم ينضم إلى الجيش الحر في جبهة القتال، على الحدود التركية، المكان الذي تم تهريبه منه، مثله مثل غيره من الضباط الذين أعلنوا انشقاقهم وانضمامهم للجيش الحر للدفاع عن مواطنيهم من خلال تسخير خبرته العسكرية الطويلة، والمعلومات القيمة والثمينة التي لديه لدعم الجيش الحر، كونه عسكريا متنفذا في السلطة ووالده من قبله، وكان من المفترض أنه كقائد مقرب في الحرس الجمهوري أن يكون في خندق المنشقين لدعمهم بل ويخطط لهم ويزودهم بالمعلومة التي يحتاجها الجيش الحر ولكن بدلا من ذلك ذهب يتبطح في الشارع الباريسي الشهير الشانزيليزيه وفي مقاهيه المخملية؟ إنه بالفعل نفذ بجلده بضربة معلم؟ فهل يعقل أن ينشق ابن موالٍ للنظام مثل أبيه؟ فسفره على وجه السرعة كان الهدف منه تهريبه للالتحاق بعائلته في باريس بعد أن أبلى هو ووالده بلاء حسنا في خدمة النظام، فهذه مكافأة له ولوالده،أما الشعب السوري والوقوف بجانبه في محنته فهي آخر اهتماماته، فالمهم لم الشمل مع عائلته في باريس؟!!ويبدو أن هذه التمثيلية انطلت حتى على وزير خارجية فرنسا،إلا إذا كان يعرف هذه التمثيلية مسبقا !!والذي بشرنا في أثناء اجتماع أصدقاء سوريا في باريس أنه سليم معافى في الجو قادما ولله الحمد والمنة لباريس؟!

ثالثا أنه لم ينشق إلا بعد أن رأى النظام يتداعى، فأين هو قبل ستة عشر شهرا ،وهي عمر انتفاضة الشعب السوري ضد نظام حكم قمعي دموي؟!!.

رابعا أنه يريد تنظيف يديه الملطختين بالدماء من خلال هذا الهروب والانشقاق المزيف.

خامسا ولكي نثبت أنها تمثيلية، وكيف أن النظام الذي هربه يريد تجهيزه مرة أخرى للامساك بالحكم، كامتداد لحكم حزب البعث، وتفويت الفرصة على المعارضين داخل سوريا، قام أحد ممن يسمون أنفسهم بالمعارضين في الخارج، المندسين من قبل النظام في صفوف المعارضة،وهم كثر،بترشيحه رئيسا للحكومة الانتقالية المقبلة؟!!

والذي يثبت أن هناك مندسين في المعارضة في الخارج هو عدم التوحد فيما بينهم حتى هذه اللحظة مما جعل أمد النظام يطول وبالتالي هم من يتحملون مسؤولية إطالة عمر النظام، والمجازر التي ترتكب بحق شعبهم.

سادسا أنه إذا كان مناف طلاس منشقا حقيقة عن النظام لماذا النظام هو أول من أذاع نبأ انشقاقه في وسائل إعلامه ، فالعادة جرت أن المنشق هو من يعلن انشقاقه وليس النظام الذي يتكتم دائما على أي انشقاق حتى لا تحصل انشقاقات أخرى؟

وأخيرا لم نر طلته البهية بحلته العسكرية والأوسمة والنياشين التي منحها إياه حزب البعث على صدره في وسائل الإعلام لكي يفضح أسياده في النظام الذين هربوه وجعلوا منه منشقا فهو مازال صامتا ويبدو أنه في هذه المرة فقط يطبق حديث الرسول عليه الصلاة والسلام «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان...» ؟!

نخلص إلى القول أن الجيش الحر والمعارضة في الداخل عليها الحذر والحرص من مثل هذه الألاعيب والتمثيليات من قبل نظام لا يفرق بين الحجر وبني آدم ،وكذلك الانتباه من البعض من المعارضين المندسين الذين ينفذون أجندات النظام.وفي المقابل فإنه يجب دعم الجيش الحر الذي يدافع عن مواطنيه بالسلاح المتطور وبالخبرة العسكرية لإسقاط النظام بشكل سريع. إنها بالفعل تمثيلية بل مضحكة ومسخرة ولكن لن تنطلي علينا فهذا النظام الفاشي مدعوم من قبل أنظمة فاشية لا تقيم للإنسان وزناً ولا احتراماً لآدميته وحقوقه كالصين وروسيا وإيران وإسرائيل ومن معها من الغرب والشرق .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في سوريا .. الدماء تدق النوافذ !! .. إبراهيم علي نسيب

الثلاثاء 17/07/2012

المدينة

• اعتقد أن العالم ما يزال يتعامل مع شعب سوريا من خلال مسلسل باب الحارة وحلقاته تلك التي نقلت للمشاهدين صورة جميلة للحارة ورجالاتها (الأبضايات) الذين كانوا يقاتلون بطريقة تدل على أنهم أناس يعشقون الموت ويركضون من اجل الكرامة وكلنا عاش مع المسلسل حكايات كانت بكل أمانة أجمل من كل ملامح الجمال, وحين انتهت حلقاته جاءت الحقيقة الفاجعة في حكاية ثورة فرضت عليهم مأساة اكبر من ان تنتهي في كلمات ذلك لأن النظام أخلص جدا في قتلهم وانتقى كل الحيل ليحاصرهم بالموت وأي موت هم يواجهون اليوم والعالم وبكل أسف ما يزال يتفرج بأنانية مفرطة وهو ينتظر من (كوفي عنان ) وخططه الفاشلة من بداياتها حتى اللحظة الفرج , بينما هو يظل يصر على المضي في مباشرة حلول وبمشاركة من ايران في الحلول !! وهي احد أهم أسباب المشكلة ويظل العالم يتفرج وروسيا تعارض كل قرارات العقل والمنطق ليحاصر الموت السوريين في هيئة كريهة للموت الجماعي كان آخرها مجزرة ( تريمسة) وكأن دماء السوريين عطر.. وسؤالي لماذا يحدث كل هذا ؟؟ لست ادري !! لكني على يقين أن من يقدم لهم اليوم مآسيهم هو حتما سوف يكون في الغد الآتي عدوهم( الأول) وقاتلهم ( الأول) الذي ظن أن مصالحه هي في موت الآخرين بثمن بخس من صفقات بيع السلاح وأن مهمته هي ليست سوى الوقوف مع نظام مجرم دون ان يعي ان خطأه أكبر من أن يغفره التاريخ .

وبحزن أبكي معهم موت العروبة التي باتت ترقص في الريح وتمضي والأمل أدنى من أن يحمل للسوريين ملامح حياة ليقف أو يكون معهم ضد قاتلهم ليبقى النظام الظالم وتبقى المآسي هي اللغة الرائجة ويبقى الأمل في الله القوي العزيز الذي بيده النصر ...،،

• وفي حضور الموت تغازلني قصائد الشاعر السوري ممدوح عدوان وديوانه (الدماء تدق النوافذ) وفي ذاكرتي بعض من قصيدة تقول ...قف يا نسيمي اين تمضي يا رجل !! ...قف وانتبه لخطاك خلف خطاك دم !!..ما عاد في الأيام متسع لكبح ( اللا ) وإيماء ( النعم ).. وأكاد أشك أن يقف هذا القائد الجبان والقاتل الشرس وجنوده الذين لبسوا صفات الأنذال حين قتلوا الأبرياء والنساء والأطفال بجبن وخسة ليلبسوا بذلك صفة الأنذال للأبد والتاريخ أذكى من أن يسقط الأحداث لكن من يسمع من ؟ومن يقنع من؟ طالما ان العالم ما يزال يتفرج وينتظر (كوفي عنان ) وكأن جثث وأشلاء السوريين لا تستحق أبدا من أن نسرع الخطى ونتقدم في اتجاه الحل الحاسم وكأني أموت معهم بموت العروبة أين العروبة يا أبي !!!

• ( خاتمة الهمزة) ....يا وطنا جف حتى تشقق ..دع لي بقية..فكيف تبدل أُمٌ بنيها !! وكيف يبدِّل أبناؤها دمهم !! هي جزئية من شعر ممدوح عدوان وهي مني اليوم في خاتمة الهمزة لكل أبناء سوريا الذين يحملون السلاح ليقتلوا أمهاتهم وبناتهم وأبناءهم وإخوانهم وأخواتهم أقولها لهم الدماء تدق النوافذ فاحذروا ان تصعد للأعلى ليخنق سوريا الموت للأبد وهي خاتمتي ودمتم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى أين تمضي مبادرة أنان؟ .. المصدر: صحيفة «تشاينا ديلي» الصينية

التاريخ: 17 يوليو 2012

البيان

في إطار جهد يبذل لإحياء الأمل في إمكانية التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، قام كوفي أنان المبعوث الخاص للأم المتحدة والجامعة العربية، بإعلان أنه قد توصل أخيراً إلى نهج جديد مع الرئيس السوري بشار الأسد لإنهاء العنف هناك، وأنه سيطلع قوى المعارضة السورية على تفاصيل هذا النهج.

وينبغي على مجتمع دولي يحب السلام، الاعتزاز بمثابرة كوفي أنان، ففيما تحتدم التوترات في سوريا، يظل إبقاء الحوار مستمراً هو الأمل الوحيد للحيلولة دون مزيد من الكوارث الإنسانية في البلاد التي وقعت في وهدة العنف على امتداد شهور طويلة، ويظل هذا اللقاء فرصة أخرى للوصول إلى السلام.

بتعين على المجتمع الدولي أن يلتف حول مبادرة أنان الجديدة، على نحو ما حدث عندما اقترح خطة من ست نقاط لوقف إطلاق النار في إبريل الماضي. وينبغي له أن يضغط عل كل القوى السياسية في سوريا، لقبول غصن السلام.

طالما أن هناك إمكانية للتوصل إلى حل سلمي للأزمة، فإن المجتمع الدولي ينبغي أن يقدم دعمه الكامل لوساطة أنان، ويتعين العلم أن المضي قدماً بنهج أنان الجديد، لن يكون أمراً سهلاً وخالياً من الصعوبات. فلكي يتم البدء بحوار جديد وإطلاق عملية سياسية، يتعين على الأطراف المتصارعة التوقف عن القتال.

لقد فشل وجود 300 مراقب دولي في كبح جماح العنف المنطلق في البلاد، والأمر الأساسي هو أن المواجهة الدائرة بين القوات الحكومية السورية وجماعات المعارضة المسلحة قد تصاعدت.

إن النهج الجديد لن يكلل بالنجاح إلا عندما تصل القوى السياسية في سوريا إلى حلول وسط، غير أن اجتماع «أصدقاء سوريا» الذي اختتم أعماله في باريس مؤخراً، قد أسفر عن التعهد بمزيد من الدعم للمعارضة السورية المسلحة، وهدد بفرض مزيد من العقوبات على الحكومة السورية، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى تصاعد حدة الصراع.

وبينما قامت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بتشجيع، أو على الأقل بالسماح بتدفق المزيد من الأسلحة من الغرب إلى قوى المعارضة السورية، فقد شنت هجوماً عنيفاً على روسيا والصين في ذلك الاجتماع، واتهمتهما بـ«عرقلة التقدم».

إن تصريحات كلينتون مجافية للواقع، فالصين قدمت مساهمة مهمة في دعم ميثاق الأمم المتحدة، الذي يعد العرف الأساسي الذي يحكم العلاقات الدولية والسلام والاستقرار في المنطقة. إن التقدم الحقيقي في سوريا هو بالعمل من أجل إقرار حل سلمي دائم، يقوم على أساس خيار الشعب السوري نفسه، الأمر الذي يقتضي التزاماً بنهج أنان الجديد.

ويأتي ذلك في وقت وزعت فيه روسيا على شركائها الـ14 في مجلس الأمن الدولي، مشروع قرار يمدد تفويض بعثة مراقبي الأمم المتحدة في سوريا، لكنه لا يتضمن أي تهديد بعقوبات.

وينص مشروع القرار على التمديد ثلاثة أشهر لتفويض بعثة المراقبين، مع الأخذ في الاعتبار التوصيات التي قدمها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والتي تقترح خفض عدد المراقبين العسكريين الثلاثمائة، وإعطاء بعثة مراقبي الأمم المتحدة في سوريا دوراً سياسياً أكبر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الفصل السابع! .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 17 يوليو 2012

الاتحاد

منذ الرصاصات الأولى التي أُطلِقت على المتظاهرين العزَّل في سوريا، كنا نراهن على رجاحة العقل والحكمة، التي ستكون المدخل إلى الحفاظ على الوطن السوري. ونذكر أن حواراً راح يتسع بين جموع من الفئات الاجتماعية (مثقفين وفلاحين وتجار وعمال وشباب وطلاب من كلا الجنسين)...إلخ، وتركّز الحوار على السؤال التالي: بعد الإعلان الرسمي عن إلغاء قانون الطوارئ خصوصاً، ألم يعد التظاهر المباشر في شوارع سوريا وارداً مسموحاً به؟ والإجابة على هذا السؤال الخطير تعادل مصداقية السلطة في سوريا كلياً. وتطور الأمر بكيفية محشوَّة بالقنابل الموقوتة. وتعاظم الموقف الداخلي والخارجي اضطراباً، حين فشلت خطة عنان، وانفجرت المجازر هنا وهناك من بقاع سوريا، إلى أن حدثت الزلازل الكبرى الأخيرة، التي يبرز منها الاثنان الهائلان في الحولة وتريمسة، وحتى ذلك الحين كنا نطالب بالكفّ عن استخدام السلاح بمقاييسه المختلفة، وبالعودة إلى لحظة العقل والحكمة، ولكن دون فائدة بالحد الأدنى.

لقد اتضح أن الاستمرار بذلك الطريق سيقود إلى المآل الكارثي في الوطن. أما هذا المآل فراح يُفصح عن شخصه بصيغتين اثنتين، ظهرت أولاهما في الدفع إلى الأمام باتجاه تدخل خارجي، سواء كان عسكرياً أو اقتصادياً ودبلوماسياً وغيره. بيد أن الصيغة الثانية أخذت تعلن عن نفسها في مناطق محدّدة مختارة، على أساس إنتاج صراعات وحروب ذات طابع طائفي أو إثني أو جهوي أو أهلي، وأرِيد لهاتين الصيغتين الإثنتين أن تتكاملا في قدرتهما على إشعال البلد بكامله. فيبقى مَن يبقى مِن المغامرين في النظام القائم، ومَن تجمّع حوله مِن حملة السلاح والساعين إلى البقاء في السلطة إلى آخر لحظة. وإذا كنا في فترات سابقة ليست قصيرة نراهن على سحب السلاح من حقل القتل والذبح والحرق، وعلى الاستمرار بتطبيق خطة عنان عبر الانتقال إلى المحاور الخمسة المتبقية (إخراج السجناء المعنيين والبدء بمحاكمة المتسبّبين...إلخ)، فإننا أخذنا نلاحظ أنه ليست هنا رغبة ولا إرادة في إنجاز ذلك. ورحنا نشعر بأسى وغضب عميقين، حين أدركنا أنه ليس ثمة في الأفق -بالنسبة إلى المعْنيّين في السلطة- سوى الاستمرار في الخيار العسكري الأمني وبكل الأهوال التي قاد إليها وما يزال يقود.

ها هنا بالضبط، وجد الناس أنفسهم أمام خيار قسري وحيد: إما القبول بالموت في هذه المجزرة أو تلك، درءاً لمخاطر التدخل الأجنبي، وإما الانتقال إلى خيار الدفاع عن النفس عن طريق كيفية أو أخرى من التدخل الخارجي (ربما عدا العسكري المباشر). وقد تعمق هذا الخيار وتكرّس في وعي ملايين السوريين، حين اكتشفوا ما "يكمن وراءه). واتضح أن "الفصل السابع" يمكن ضبطه على أساس استخدامه حتى الحد الأقصى ما قبل "السلاح المباشر". وحين يحدث ذلك، فإن من قاد ويقود إليه إنما هو أولئك الذين يضعون استراتيجياتهم وهمومهم خارج "الشأن الوطني السوري". وبهذا الاعتبار "تغير الأحكام بتغيّر الأزمان". فحماية النساء والأطفال والشباب والكتاب هي، أيضاً، استحقاق يفرض نفسه على من يعلن أنه يقوم بحماية سوريا وشعبها. وحينذاك سيكون هنالك ما هو أعظم بالنسبة إلى سوريا، ذلك هو حمايتها والدفاع عن مستقبلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثم ماذا بعد يا عنان؟ .. أحمد المنصوري

تاريخ النشر: الثلاثاء 17 يوليو 2012

الاتحاد

رغم أنه أقر قبل أسبوعين بفشل جهود وساطته لمدة عام كامل كمبعوث لكل من الأمم المتحدة والجامعة العربية بشأن حل الأزمة في سوريا، لا يزال كوفي عنّان يعتقد أن بوسعه أن يقدم حلاًّ لوقف نزيف الدم المستمر في سوريا. وبدلاً من أن يحترم سمعته وسمعة المؤسسة الدولية التي ينتمي إليها والأطراف التي وثقت بمساعيه، وقبل كل شيء يحترم الشعب السوري الذي لم يَجْنِ من وساطته طوال هذه المدة إلا مزيداً من القمع والمجازر، انحاز عنان إلى النظام السوري وأمهله مزيداً من الوقت مراعياً مصالحه ومصالح الروس والإيرانيين الشركاء في إبادة السوريين.

لا يبدو أن عنان يتحرك من أجل مصالح الشعب السوري، كما يظهر أن آخر همومه هو إظهار الحزم مع نظام الأسد! فما الفائدة المرجوة من وساطته إذا كان النظام يستخف بخطته ومبادراته، وطالما أن الضحية التي تحرك عنان لإنقاذها لا تزال تواجه كل صنوف القتل والترهيب تحت سمع وبصر عنان وبعثة مراقبيه.

من حق السوريين أن يتساءلوا عمّا قدم كوفي عنان هو وبعثة المراقبين منذ أن قدِموا للوساطة ولتقصي الأوضاع في سوريا؟ وما الفائدة التي جناها الشعب السوري سوى مزيد من المجازر التي لم يستطع عنان وفريقه إيقافها وآخرها مجزرة تريمسة بريف حماه، والتي قد لا تكون الأخيرة! المستفيد الوحيد من هذه الوساطة الدولية هو نظام بشار الذي استفاد منها أيماً استفاده بأن أطال أمد بقائه، واستطاع أن يروج لنظريته بوجود "مقاتلين من القاعدة" و"إرهابيين" حسب زعم النظام السوري.

لكوفي عنان، الحاصل على جائزة نوبل للسلام، تاريخ مهني عريق في العمل الدولي لكنه لا يخلو من الأخطاء والشوائب. فقد شغل الدبلوماسي الغاني منصب أمين عام الأمم المتحدة لدورتين متتاليتين منذ عام 1997 حتى عام 2007، كما ترأس عمليات حفظ السلام قبل ذلك عندما كان مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة إلى يوغسلافيا ورواندا. ووجّهت بعض الجهات والمنظمات انتقادات مباشرة إليه لأنه كان المسؤول الرئيسي عن تخاذل الأمم المتحدة لمنع جرائم الإبادة الجماعية بحق المسلمين في البوسنة والهرسك على يد الصرب، وأيضاً في إيقاف المجازر في رواندا الذي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء.

كما أن عنان هو من وضع خطة برنامج "النفط مقابل الغذاء" لإضعاف القدرات العسكرية لنظام صدام حسين إلا أن البرنامج كان له أثر عكسي على الشعب العراقي الذي عانى لسنوات طويلة من سوء التغذية ونقص الأدوية، فيما ثارت شبهات حول ضلوع عنان في قضايا فساد وتكسب غير مشروع من هذا البرنامج.

مشكلة عنان في مهمته لحفظ السلام في سوريا، أنه أخطأ في تشخيص الداء بأن ساوى في بعض الأحيان بين الجاني والضحية، وأخطأ عندما استمر في مهمته بعد إقراره بالفشل. وأخطأ بشكل أكبر عندما تغيّب عن مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في جنيف الأسبوع الماضي. أما توجهه إلى طهران ومن ثم إلى بغداد وغيرها من العواصم التي تدعم النظام القمعي في دمشق، فقد كانت خطيئة فادحة في حق الشعب السوري وثورته.

ثم ماذا بعد يا عنان وقد أفرغت ما في جعبتك من خطط استخف بها كما قلت النظام السوري؟ أليس من الأجدر بك أن تحفظ ما بقي من ماء وجهك وتغادر بعد أن عجزتَ عن إقناع النظام بوقف نزيف الدم؟ إن إيمان السوريين بعدالة ثورتهم وتمسكهم بإنجاز مطالبهم لن يتزعزع إذا غادرت أنت وفريقك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"شعرة معاوية" مع سورية! .. محمد أبو رمان

الغد الاردنية

17-7-2012

تصريحات رئيس الوزراء فايز الطراونة، من التشيك، حول الوضع في سورية، بالرغم من غموضها، إلاّ أنّها تشي بإرهاصات تطور جديد في الموقف الرسمي الأردني تجاه العلاقة مع النظام السوري والثورة السورية.

الطراونة (وفقا لخبر وكالة الأنباء الفرنسية)، بعد لقائه بنظيره التشيكي، قال "إن الحوار لم يعد الحل للأزمة السورية وعلى مجلس الأمن التدخل". واقعياً، لا تخرج تصريحات الطراونة عن حدود المواقف الأردنية خلال الفترة الماضية، والتي بقيت ملتزمة بالأجندة الدولية والعربية، ودعمت كل قرارات الجامعة العربية ضد النظام السوري. مع ذلك، فإنّ المطالبة بتدخل مجلس الأمن، تمثّل –في نظر المراقبين- خطوات جديدة تجاه حسم الأردن رهاناته نحو الوضع السوري.

خلال الفترة الماضية، حاول صانع القرار الأردني الإبقاء على "شعرة معاوية" مع النظام السوري، برغم الحملة الإعلامية والسياسية السورية، بل بدأ بعض المسؤولين في مواقع القرار العليا، قبل أشهر قليلة، ومع تراجع فرضية التدخل العسكري الخارجي، يدفعون نحو إعادة ترميم العلاقات بنظام الأسد، وبالدعوة للتضييق على المعارضة السورية في الأردن، وعلى نشاطاتها المختلفة، وهي قراءة سرعان ما تصدّعت أمام تصدّع المؤسسة العسكرية والأمنية، وارتفاع منسوب الانشقاقات النوعية هناك.

اليوم، ما يدفع إلى الشعور بأنّ هنالك إرهاصات لتطور في الموقف تجاه سورية، سياسياً ودبلوماسياً في المرحلة الأولى على الأقل، هو تصريحات الطراونة الأخيرة، التي تتزامن مع طرد السفير السوري من المغرب، وانشقاق السفير السوري في العراق، وتزايد حركة الانشقاقات داخل الجيش السوري، والأخطر من ذلك اتهامات رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية لكل من الأردن وتركيا بالسماح بتسلل المسلحين إلى سورية، وهي تصريحات تستبطن النظرة الحقيقية لدى طهران وسورية نحو الأردن، ما يعني أنّ ما يجري على السطح من محاولات تجنب المواجهة المباشرة سياسياً ودبلوماسياً، لا تخفي ما يضعه الطرفان في بطنيهما تجاه الآخر!

بالضرورة، لا نتوقع تحولات دراماتيكية في العلاقة بين الدولتين، بقدر ما ستشهد تصعيداً سياسياً وإعلامياً متبادلاً، ونتوقع حسماً من صانع القرار الأردني لرهاناته تجاه ما يحدث في الشمال، من دون التورط في احتكاك أو مواجهة عسكرية مباشرة معه. وهو موقف كان من الطبيعي أن نصل إليه ضمن دائرة التحالفات الإقليمية والدولية التقليدية، لكن دلالته الأساسية أنّه يحمل في طياته قناعة جديدة لدى مطبخ القرار في عمان بتلاشي فرص نجاة النظام السوري أو بقائه على قيد الحياة مدّة طويلة!

إنسانياً وأخلاقياً، نأمل أن ينعكس ذلك على ملف التعامل مع الضيوف واللاجئين السوريين، وتحديداً بعد سياسة وقف التدفق الهائل، إذ أصبح الأردن خلال الأشهر الماضية المنفذ الوحيد للأشقاء، بعد أن أغلقت أغلب السفارات العربية والغربية أبوابها أمامهم، فلا بد من الموازنة بين الاعتبارات الاستراتيجية والإنسانية.

إلى اليوم، يبدو عدد اللاجئين السوريين في ازدياد، فهنالك من يتحدث عن 135 ألفا، ومن يتحدث عن مائتي ألف، فيما تشير التقديرات الرسمية أنّ ارتفاع منسوب الفوضى والعنف والقتل والتدمير سيضاعف عدد اللاجئين إلى قرابة مليون نسمة!

من الواضح أنّ الحسابات الأردنية بدأت تختلف تجاه سورية، وضغوط ما يحدث لدى الجارة الشقيقة تزداد سياسياً وإنسانياً واقتصادياً. ولعلّ ما يميز الموقف من الأوضاع في سورية هو تقارب السياسات الرسمية مع الرأي العام، حتى إن اختلفت الدوافع والأسباب وراء ذلك!

m.aburumman@alghad.jo

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نحو حرب أهلية طويلة في سوريا .. باسم الجسر

الشرق الاوسط

17-7-2012

كل شيء يدل على أن الربيع العربي قد تباطأت خطاه عند أبواب دمشق، وأن الصراع الدامي الدائر في سوريا خرج عن كونه معركة بين الشعب والنظام وتحول إلى حرب باردة - ساخنة بين الدول الكبرى والدول الإقليمية لا يستطيع أحد التحكم بمآلاتها، التي يرجح المراقبون بأنها ستكون مختلفة عن مآلات الانتفاضات الشعبية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن.

لقد فوجئ العالم بالموقف الروسي الصلب الذي شل يدي مجلس الأمن الدولي وأمد، مع الدعم الإيراني والمساندة الصينية، نظام الحكم السوري بالقوة السياسية والعسكرية التي مكنته من مواصلة قمعه بالعنف للانتفاضة الشعبية، كما استفاد النظام من انقسام الدول العربية حول مصيره، ومن تأييد قسم من الشعب السوري له، خوفا مما أو ممن سيأتي بعده، كما استفاد من بقاء القيادات العسكرية (العلوية في أكثرها) إلى جانبه، حتى الآن. ولكن هذا كله لم يضع حدا للمظاهرات الشعبية ولا للمقاومة المسلحة ولا لمراهنة الدول الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة ودول عربية وإسلامية هامة على سقوطه بشكل أو بآخر. رغم أن هذه الدول لم تقرن مراهنتها بأي تدخل عسكري حاسم.

إننا نكتب هذا المقال في الوقت الذي يطالب فيه كوفي عنان بإشراك إيران - ولماذا ليس العراق التي عرج عليها قبل التوجه إلى نيويورك - في المؤتمر الدولي لحل الأزمة السورية، وفي الوقت الذي تقترح فيه روسيا على المعارضة السورية عقد مؤتمر في موسكو مع ممثلي النظام السوري، وبعد أن تكشفت عدة خلافات في صفوف المعارضة السورية داخل سوريا وخارجها، وبعد أيام من زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى إسرائيل - وهي زيارة ذات دلالة وأبعاد لم يتوقف عندها المراقبون كما يجب - والسؤال هو: هل ستنجلي هذه الغيوم وتتجه الأمور نحو حل ربيعي عربي آخر؟ أم أن الكلمة الأخيرة ستكون لروسيا وإيران والرئيس السوري وقواته المسلحة؟ وهل من السهل على الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية والإسلامية والشعب السوري ابتلاع هذه الهزيمة؟ وما هي حقيقة موقف إسرائيل مما يجري في سوريا، والجميع يعرفون أن مصلحة إسرائيل ورأيها لهما ما لهما من تأثير على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط!

إن وراء التصلب الروسي أسبابا تكتيكية وأخرى استراتيجية، من مناوأة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، إلى استعادة دور الاتحاد السوفياتي سابقا فيه، إلى المصالح الاقتصادية والعسكرية في سوريا، إلى خوفها من امتداد الموجة الإسلاموية من الشرق الأوسط إلى القوقاز والشيشان والجمهوريات الإسلامية السوفياتية سابقا، إلى الحنين الروسي - الأرثوذوكسي للدور الديني القديم الذي قامت به في زمن الإمبراطورية العثمانية، كوريثة للإمبراطورية البيزنطية وكحامية للأرثوذوكس في العالم.

أضف إلى ذلك إدراك موسكو بأن يدي الرئيس الأميركي مكبلتان نوعا ما في هذه السنة الانتخابية، وأن التدخل العسكري الأميركي والأوروبي غير وارد بعد تجربتي العراق وأفغانستان.

من هنا بات الكثيرون يعتقدون بأن حل المحنة السورية سياسي ودولي بامتياز، لا بنتائج المواجهة بين شعب منتفض على نظام سلطوي، وبالتالي مختلف عما آلت إليه الأمور في الدول العربية الأخرى.

ولكن هذا المنطق تطبيقه يحتاج إلى اقتناع وموافقة الطرفين الأساسيين في النزاع، أي النظام السوري الحاكم والمعارضة - المقاومة السورية. وكل شيء حتى الآن يدل على أنهما غير مقتنعين أو مسلمين به، وأنهما ماضيان بالقتال والتقاتل، وأن الأطراف الدولية والإقليمية الداعمة لكل منهما مستمرة في دعمها. وأن سوريا متجهة نحو الحرب الداخلية بخطى واسعة.

لقد تكدست واختلطت في المجابهة والقتال الدائرين في سوريا العوامل الداخلية بالنزاعات الإقليمية وبالمصالح الدولية، بحيث بات من الصعب جدا إمساك طرف خيط فك شباك هذه المعركة، إن لم نقل هذه الحروب الصغيرة والكبيرة، الساخنة والباردة الدائرة على أرض سوريا وعلى مستقبلها السياسي، والرهان الحقيقي لم يعد عمن سيكسب المعركة، بل عن الثمن الذي على كل طرف فيها أن يدفعه لكي يتراجع الطرف الآخر عن موقفه. هل تكون صفقة أميركية - روسية جديدة؟ أم مؤتمر دولي؟ أم تصعيد المجابهات إلى تصعيد الأمور إلى حرب أهلية تغذيها دول إقليمية وخارجية كبرى، على غرار الحرب الإسبانية الأهلية في الثلاثينات من القرن العشرين؟ وهل تمتد شراراتها إلى دول أخرى في المنطقة؟

إن سيناريوهات تغيير الأنظمة التي عرفتها تونس ومصر وليبيا واليمن غير مرشحة للتطبيق في سوريا طالما أن القسم الأكبر من قيادات الجيش السوري ما زالت موالية للنظام. وما دامت روسيا والصين تدعمان هذا النظام وتمنعان مجلس الأمن من القيام بدور أكثر تأثيرا عليه.

ولكن الأمور ستتغير إذا تغير موقف القيادات العسكرية – أو حدث انقلاب عسكري – أو إذا غيرت أو لينت موسكو وبكين موقفهما.

وفي انتظار كل ذلك يستمر سفك الدماء وقصف المنازل وتنجرف سوريا كل يوم أكثر نحو الحرب الأهلية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قصة محزنة! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

17-7-2012

لا أستطيع منع نفسي من الابتسام كلمة قرأت تعليقا على جملة قلتها أمام وزارة الخارجية الروسية، تحدثت فيها عن رجل لم تتلوث يداه بالدم السوري، يمكن أن يتولى قيادة حكومة انتقالية لفترة قصيرة لا تتخطى الأشهر الثلاثة، هو العميد مناف طلاس.

عندما قلت هذا، كنت أرد على صحافي سألني إن كان هناك من لم تتلوث يداه بالدم من أهل النظام، وهل المعارضة على استعداد للتعاون معه؟ تذكرت ما تقوله المعارضة بإجماع أصواتها، وهو أنها تريد التعاون خلال المرحلة الانتقالية مع أشخاص من داخل النظام لم يلطخوا أيديهم بدماء السوريين، عسكريين كان هؤلاء أم مدنيين، وتذكرت أن المجلس الوطني يعد في مسودة برنامجه السياسي بتشكيل حكومة وحدة وطنية – وليس مرحلة انتقالية - تجمعه مع المؤسسة العسكرية، وأن اختيار من يمثل هذه المؤسسة، التي تتلطخ أيدي ممثليها وقادتها بالدماء حتى الأكتاف، لن يترك للمجلس أو لغيره من فصائل المعارضة. تذكرت أخيرا أن مناف طلاس رفض منذ يوم الانتفاضة الأول الحل الأمني، وقال بحل سياسي يقوم على إصلاح النظام وإنجاز مصالحة وطنية، وبالتالي على تغيير في النظام والسلطة تقبل به المعارضة، وأنه زار مناطق مختلفة وحاور مثقفين كثيرين من هذا المنطلق، ولم يتخل عن موقفه عندما تبين له أن بشار الأسد ذاهب في العنف إلى حده الأقصى، وإنما قعد في بيته أو أقعد فيه، حيث كان تحت رقابة دائمة وبعيدا عن السلطة وأهلها.

ذكرت اسم مناف طلاس انسجاما مع فكرة عدم تلوث الأيدي بالدم، وفكرة وجود عسكر في الحكومة الانتقالية، وقلت في نفسي: هو ذا عميد في الجيش لم تتلوث يداه بدماء مواطنيه، ورجل إصلاح وتسوية سياسية أراد لها أن تحدث تبدلا في النظام، فلماذا لا يكون شريكا في حكومة مرحلة الانتقال، انسجاما مع ما تقبل به المعارضة؟

هكذا، لم يكن ما قلته خارج أي سياق معارض، بل كان ترجمة لأفكار أجمعت فصائلها كلها عليها. لكن الدنيا قامت ولم تقعد، فمن قائل إنني نصبت حكومة عسكرية بعد أن ثار الشعب على حكم العسكر، ومن قائل إن بشار الأسد أرسل مناف طلاس إلى باريس كي يراني وأنني ذهبت إلى موسكو لإقناع الروس بحكومة يتزعمها، وأن كلامي يؤكد نجاح الخطة الأسدية، ومن قائل إن طلاس لطخ يديه بدماء السوريين، ومن قائل إنني قبضت أموالا منه لأعمل معه رئيس وزراء... إلخ. الغريب أن من قالوا هذا الكلام ضد حكم العسكر ينتمون في معظمهم إلى الجانب الذي يريد تشكيل حكومة وحدة وطنية مع المؤسسة العسكرية، التي تقتل السوريين منذ عام ونصف العام، كي تشرف معه على مرحلة نقل سوريا من الاستبداد إلى الديمقراطية! أو أنهم من أبطال المؤامرة الأبدية، التي جعلتني قادرا على تعيين حكومة وتنصيب رئيس وزراء من قفا يدي، كما يقال، بعد أن اتصلت ببشار الأسد والروس في وقت واحد وأقنعتهما بقراري، كما جعلتني رجلا بلا ذمة وسوبرمانا ما إن يقبض بعض الدريهمات من أحد حتى يعينه رئيس وزارة في بلد لا يعرف أحد فيه رأسه من قدميه، ينخرط مئات الآلاف من مواطنيه في قتال لا يعرف الرحمة، وليس فيه من يمون في أحيان كثيرة حتى على نفسه!

إذا كان ما قلته ينسجم مع خط المعارضة، فلماذا شنت علي حملة طالب بعض المنخرطين فيها بقتلي قبل أن أقتل الثورة؟ أنا أفهم أن يقول الجيش الحر إنني لم أنسق معه، لأن هذا القول صحيح. وأتفهم صرخات الاستنكار التي تدين حكم العسكر، فأنا نفسي لن أوافق على هذا الحكم تحت أي ظرف، وأوافق على بقاء أعين الشعب مفتوحة علي وعلى غيري، لمحاسبتنا على كل كبيرة وصغيرة، لكنني لا أفهم ولا أقبل الكلام عن الخيانة، فمثل هذا القول يستحيل أن يكون ردا على اقتراح ينسجم مع ما تفكر المعارضة بأكثر وأخطر منه بكثير، دون أن يرفع أحد من المستنكرين صوته احتجاجا على حكم العسكر وقبض الأموال والخيانة!

هل شنت الحملات لأن السوريين خافوا حقا أن يكون ما قلته هو الحل؟ إذا كان هناك من صدق ذلك، فلسبب وحيد هو أنه يفتقر إلى الوعي السياسي والقدرة على المحاكمة الصحيحة. لو كانت لديه حدود دنيا من هذه القدرة، لضحك من الذين أوهموه بأنني عينت رئيس وزراء في موسكو، ولقال لنفسه: من أين لفرد معارض أن يفرض شخصا على أطراف متحاربة ودول متناحرة بينها قوى عظمى، ومعارضات متنافسة، بينما يعجز العالم عن الوصول إلى أي تسوية بين أطرافه أو عن بلوغ أي حل وسط يمكنه، ولو من بعيد، تهدئة الأوضاع السورية المتزايدة التفجر والخطورة والانتشار؟

مهما يكن من أمر: لم يصبح مناف طلاس رئيس وزارة، ولم تقم حكومة انتقالية، ولم يتوقف القتال، ولم يوافق العالم على التهدئة، ولم يكن الأمر غير جواب على سؤال: كلاهما افتراضيان.

لماذا إذن شنت الحملات الكلامية الضارية وأطلقت التهديدات المرعبة؟ أعتقد أن الجواب يكمن خارج قضية مناف طلاس. إنه ذلك الاستقبال الذي خص به وفد «المنبر الديمقراطي السوري»، وذلك الاهتمام الكبير به كطرف مستقل عن المال السياسي والأجهزة الأجنبية، اللذين قد يكونان أزعجا بعض من يتوهمون أنهم يمثلون شعب سوريا! لو انتظر هؤلاء قليلا ليقرأوا ما قاله النظام عن تصريح موسكو، وهو أن ترشيح طلاس للحكومة ليس غير مؤامرة حبكتها أيدي الصهيونية، فلربما كانوا صمتوا ووفروا على أنفسهم الشعور بالإحراج، الذي لا بد أن تسببه لهم خفة وضعتهم في صف غير بعيد عن نظام يريدون أن يكونوا في موقع يناقض موقعه!

يا إخوتنا الأعزاء: لا تبددوا رصيدكم لدى الشعب، واجعلوا الحوار سبيلكم إلى توضيح وتحديد المواقف، عندكم وعند غيركم، وإلا بدوتم في صورة غير كريمة ولا تليق بكم، تقوض صدقيتكم عند الناس، بينما أنتم بأمس الحاجة إلى الموقف الكريم والاحترام!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الخطاب السياسي للمعارضة السورية .. سلامة كيلة

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٢

الحياة

لكل ثورة خطابها السياسي، ولقد حاولت الثورة السورية أن تنتج خطابها، رغم طابعها العفوي واعتمادها على شباب كان الاستبداد الطويل قد فرض عليهم «الخواء الفكري» بعد أن أصبحت «خطابات الرئيس» هي الفلسفة والتاريخ والسياسة وكل فروع العلم.

من يتابع خطاب المعارضة على الإعلام يلحظ أنه يتخذ سياقات ثلاثة: الشتم وتقريع السلطة و «كشف» جرائمها، الندب على الشهداء، واستجداء العالم من أجل التدخل لـ «وقف المجزرة».

لقد أصبحت الثورة السورية مجزرة، وباتت الإدانة ضرورية للسلطة التي تمارسها، وبالتالي تجب استثارة «النخوة» العالمية من أجل التدخل لوقفها. كيف يمكن أن تتحوّل ثورة إلى مجزرة، ويصبح الندب هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عنها، ويكون تحليل اسبابها هو التركيز على «فواحش» السلطة من دون أي مسٍّ للواقع الذي فرض حدوثها؟ ثم يجري بعدها الانطلاق من الإقرار بالعجز الذاتي، بما يفرض بالتالي دعوة العالم للتدخل.

كل ذلك يؤشر إلى غياب الخطاب السياسي، ويوضّح أن هذه المعارضة لا تمتلك تحليلاً للواقع السوري، ولطبيعة الثورة، وتلتمس مشكلات عاشتها وتعيشها من أجل الوصول إلى انتصارها، أضف إلى ذلك تحكُّم سطحية مذهلة في الفهم، جعل الأمر يتعلق بتبيان استبدادية السلطة وقمعها فقط، دون تلمس التكوين الذي أوجدته في الواقع، وجعل كتلاً أساسية تعيش تحت خط الفقر. لقد رأت السلطةَ وممارساتها القمعية ضد العمل السياسي، لكنها لم تلحظ آثار النهب الذي مورس وفَرَض تمركزَ الثروة بيد أقلية عائلية حاكمة، وبالتالي إفقار كل هذه الكتلة البشرية وتهميشها. ومن هنا، فقد فشلت في تلمس ظروفها، ومن ثم فشلت في توقّع إمكانية ثورتها، حيث ألقت عليها كل الأحكام السيئة، من الخضوع والخنوع، إلى قدرة البعث على فبركة وعيها وإخضاعها، إلى جهلها وما إلى ذلك.

ولهذا مازالت لا ترى إلا السلطة وممارساتها، ولهذا السبب تكرِّر كل الكلام الذي يقال منذ عقود حول الاستبداد والحاجة إلى الديموقراطية، دون تلمّس مطالب الطبقات الشعبية التي انتفضت، وفهم مقدرتها وقدرتها، وبالتالي العمل -كما يفعل كل حزب حقيقي في وضع ثوري- على تنظيم نشاطها وبلورة برامجها، وتحديد السياسات والتكتيكات الضرورية لتوسع الثورة وتطورها، وصولاً إلى كيفية انتصارها، وتحقيق ذلك عبر العمل مع الشعب المنتفض وليس في الهواء الإعلامي.

الثورة تحتاج إلى خطاب قوة وعنفوان وليس إلى خطاب ندب، إلى خطاب فهم وتفهيم السياسات الضرورية لتطورها ولمس كل التفاصيل اليومية التي تتعلق بالنشاط على الأرض، وليس إلى خطاب ردح واستجداء، خطاب يوضح المطالب والشعارات التي تساهم في توسع الثورة عبر كسب المترددين وشل المؤيدين. ولقد كان همّ السلطة طيلة الفترة الماضية يتركز على إبقاء المترددين مترددين لكي لا ينضموا إلى الثورة، وتركّز خطابها الإعلامي على ذلك، ومع الأسف كان ناجحاً. أما خطاب المعارضة (وهنا يمكن القول إنني أقصد معارضة الخارج خصوصاً، او القوى الأساسية فيها)، فقد أفضى إلى نتيجتين، الأولى دفع قطاعات مجتمعية إلى الالتصاق بالسلطة، والثانية إبقاء تردد المترددين. ولقد تحقق ذلك عبر تركيزها على التدخل الخارجي الذي كان يخيف قطاعات مجتمعية مهمة، و «النفس الأصولي» الذي كان يخيف الأقليات الدينية وقطاعات من العلمانيين، في وضع كان لانضمام هؤلاء أهمية كبيرة في تسريع انتصار الثورة، نتيجة المواقع المفصلية لأفراد من بعضها (وهنا العلويون)، وبالتالي تسريع إضعاف السلطة وتفكيكها.

ما يبدو هو ان المعارضة ظلت «خارجية»، ليس بالمعنى المكاني فقط بل بمعنى فهم الثورة ومسك بنيتها وصوغ الخطاب الذي يعبّر عنها، فلا الندب يفيد، حيث باتت السلطة مكشوفة إلى أبعد حدّ حينما يقرر الشعب إسقاطها، من ثم لا حاجة لمزيد من مراكمة «الكشف» و «الفضح» لتاريخها وممارساتها، خصوصاً بعد أن اصبحت تشاهَد بالعيان، ولا رثاء الشهداء بصفتهم قتلى يفيد، بعد أن اصبحوا أبطالاً، وبات من الضروري توضيح جرأتهم وقوتهم. وليس المطلوب أن تُستغل الثورة من أجل مطلب «سخيف» يتعلق بالتدخل «العسكري من أجل الوصول إلى السلطة بغض النظر عن انعكاس هذا التدخل على الثورة، وعلى سورية ككل.

لقد توسعت الثورة من دون فعل «سياسي»، وشملت سورية كلها من دون تأثير المعارضة، اللهم سوى التأثير السلبي الذي كان يؤخّر توسعها نتيجة تخويف فئات اجتماعية كان يجب ان تنخرط سريعاً فيها. هي تفكِّك السلطة بقوتها وليس بفعل سياسي، وينشا فيها شباب يمتلك المقدرة على القيادة من دون الحاجة إلى أحزاب تعيش في «عالم آخر».

بالنسبة لهذه المعارضة، يمكن أن أكون تحدثت «سانسكريتي»، فمن لم يدرس الكيمياء لا يستطيع فهم معادلاتها. أقصد من لم يفكّر في الثورات، وكيف تحدث وما هو دور الفعل السياسي فيها، لن يفهم ما أقول.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعركة في قلب دمشق  .. الياس حرفوش

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٢

الحياة

ها هي المعركة بين النظام والمعارضة السورية تبلغ أحياء العاصمة. وكلما تقدمت المواجهة، يتعزز معها الشرخ الطائفي العميق الذي بات يميز الثورة. نظام يُغرق نفسه ويُغرق معه الطائفة العلوية بادعائه الحرص على المحافظة على مصالحها وبتخويفها مما ستتعرض له بعد الثورة، فيما تأخذ المعارضة اكثر فأكثر اللون الذي تنتمي اليه اكثرية السوريين. وهكذا يضاف الى صورة حكم الاقلية المذهبية التي كانت للنظام منذ انقلاب حافظ الاسد على صلاح جديد عام 1970 صورة اخرى هي افتقاره الى الاكثرية الشعبية وبقاؤه على رأس الحكم رغماً عن ارادة معظم السوريين.

تصبح هذه الصورة اكثر وضوحاً مع اتساع الانشقاقات العسكرية والديبلوماسية عن النظام، وهي انشقاقات لعشائر وعائلات وشخصيات بارزة من الطائفة السنّية، دعمت النظام على مدى عقود. وتتضح الصورة اكثر مع هوية المدن المنتفضة على النظام، والتي راهن طويلاً على اغرائها بالمنافع الاقتصادية في مقابل قبولها بحالة الجمود السياسي وحرمانها من أي رأي له تأثير في ادارة البلد. ينطبق ذلك بشكل خاص على حلب ودرعا، مثلما ينطبق على عائلات حمص والرستن، التي ناصرت الرئيس الراحل وسكتت على مضض على وراثة ابنه له، وهي فعلت ذلك على أمل ان يتسع الافق السياسي للنظام مع رئيسه الجديد الشاب وان تتسع معه قاعدة الولاء المذهبي التي اختار ان يتحصن بها.

وبعد غالبية المدن السورية التي انتفضت على النظام وعانت من بطش آلته العسكرية وما خلفته من خسائر كبيرة في الارواح ودمار لا يعوض في الممتلكات وخسارة لجنى العمر لمعظم العائلات، يصل الدور الآن الى الاحياء السنّية في دمشق. ومن الدلالات التي لها مغزى كبير ان حي الميدان مثلاً، الذي كان من بين احياء العاصمة التي شهدت اعنف المعارك امس، لم ينتفض اهله ضد النظام الحاكم منذ انتفاضتهم ضد الاحتلال الفرنسي في العشرينات، والتي انتهت بتدمير بيوتهم كما يحصل لها الآن. هكذا بات اهل دمشق يقاتلون النظام «القومي» اليوم كما قاتلوا الاحتلال الاجنبي في الماضي، ويظهرون الاستعداد لدفع الكلفة العالية للتخلص منه مثلما فعلوا لكسب معركة الاستقلال.

في وجه التطورات المتسارعة والمتلاحقة في سورية يثير الاستهجان كلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمره الصحافي امس عن «الدعم الشعبي الكبير» الذي لا يزال يتمتع به الرئيس السوري. من الصعب ان يكون وزير خارجية روسيا جاهلاً بحقيقة ما يجري على الارض وهو الذي باتت بلاده متورطة مباشرة في دعم الاسد. ومن الصعب ايضاً ان لا يكون لافروف على دراية بحقيقة المسرحية التي ابتدعها النظام السوري بتعيين «وزير دولة للمصالحة الوطنية» للتفاوض مع المعارضة، وهي المسرحية التي لم تنطلِ على كوفي انان نفسه خلال لقائه الاخير مع الرئيس السوري. غير ان الحقيقة ان موسكو، في محصلة الامر، لا تقدم أي خدمة بموقفها هذا لا لنفسها ولمصالحها، ولا للنظام السوري. على العكس، هي تدفعه الى التصلب في مواقفه، من خلال رفضها أي تحرك جدي ضده في مجلس الامن. ولن يؤدي ذلك سوى الى اتساع رقعة الحرب الاهلية ومعها ارتفاع معدلات القتل، وبالتالي الى التعجيل في السقوط الدموي للرموز الكبيرة في النظام، بعد ان فوتت على نفسها اي فرصة للتسوية او للمصالحة مع شعبها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق في دوامة الألم والأمل .. خالد غزال *

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٢

الحياة

وسط المأساة الدائرة في سورية، لا بد من تسجيل علامات تدعو الى التفاؤل، أولها الإصرار العنيد على استمرار التظاهرات الشعبية، التي لم تتوقف يوماً رغم النيران المسلطة على المتظاهرين، ورغم إدراك المشاركين فيها أن مقرّهم قد يكون في نهاية اليوم إما القبر أو المستشفى أو السجن.

لم يسجل التاريخ الحديث في العالم كله مثيلاً لحجم البطولات التي يقدمها الشعب السوري منذ العام ونصف العام، في وقت راهن كثيرون في النظام والمجتمع الدوليين على تعبٍ سيصيب الشعب المنتفض نتيجةَ اليأس وعدم القدرة على اسقاط النظام. هذا الحراك في الشارع سيظل يشكل نقطة القوة الأساسية للانتفاضة السورية، والامل شبهَ الوحيد الذي تمكن المراهنة عليه لإسقاط النظام.

النقطة الإيجابية الثانية تتمثل في مقدرة الانتفاضة على الاتساع والسيطرة على اكثر من نصف مساحة سورية، وفق ما يرد في تقارير محلية وعربية ودولية. هذا الاتساع يساهم في انهاك قوى النظام الامنية، ويتسبب في عجزها عن السيطرة على الارض وقمع الانتفاضة، كما يساهم في تأمين ممرات للمساعدات، العسكرية منها والامنية.

وإلى جانب هذا الاتساع، لا بد من تسجيل أهمية الانشقاقات المتوالية في صفوف الجيش والانفكاك عن النظام. إن ما يظهر من هذا الانفكاك لا يشكل سوى نزر يسير مما هو حاصل فعلاً، ويتخذ شكل انكفاء من دون إعلان الانشقاق. ليس في الامر غرابة، فالنظام السوري مارس ويمارس القمع على كل مَن يشتبه في معارضته، وينسحب الامر على أسرة المعارض، بل ومجمل عائلته.

في المقابل، ليست قليلةً العثراتُ والتعسّرات في وجه الانتفاضة السورية، فبداية لا بد من تسجيل الخيبة من واقع المعارضة السورية في الخارج. صحيح ان هذه المعارضة قد جرى تكوينها «على عجل» مع بداية الانتفاضة، وأنه كان مهماً جداً انخراط كمية كبيرة من المعارضين في هيئات وتنظيمات، على الرغم من مشاربهم الفكرية والسياسية المختلفة، وخلافاتهم حول الاهداف المرحلية والنهائية للانتفاضة... لكن مرور هذه الفترة الزمنية كان يجب ان يؤدي الى «نضج» هذه المعارضة والتوافق على الاهداف الأساسية في إسقاط النظام، وذلك قبل ان تصل إلى السلطة وتستشري عندها صراعاتها. كان منظراً مزعجاً ما نُشر وعُرف عن مجريات النقاش في مؤتمر القاهرة واندلاع الصراع بين مكوناتها، وكأنها قد حققت انتصارها واستلمت السلطة، وهي تخوض معركة الإقصاء المتبادل بين اطرافها.

أما في المقلب الدولي، فلم يكن مفاجئاً اعلان الموفد الدولي كوفي انان فشل خطته في وقف العنف وإحلال السلام، ومنذ البداية كان معروفاً ان النظام السوري يتحدث بلغتين، لغة كاذبة عن استعداده لتسهيل مهمة المراقبين وإنجاح خطة انان، ولغة حقيقية، يمارسها عبر الإفادة من الزمن المعطى في المراوغة الدولية، لممارسة مزيد من القتل والتدمير، عسى ان ينجح في إنهاء الانتفاضة. لذا، كان مفاجئاً هذا التجديد في مهمة انان وتوسيع دائرة اتصالاته، مكرراً الاقاويل السابقة نفسها، فيما يستمر النظام في كلامه السابق اياه، قولاً وقتلاً. اما على صعيد المؤتمرات الدولية والصلات الديبلوماسية بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وروسيا من جهة ثانية، فإن الشكوك وسوء النية ضرورية تجاه الأطراف جميعاً. يبدو ان روسيا قد رفعت سعر النظام عالياً، وباتت تريد ثمناً باهظاً للدخول في صفقة على حساب حليفها السوري. اما بالنسبة للمعسكر الغربي، فلا يظهر ان الإستراتيجية التي اعتمدها منذ البداية، والقاضية بتشجيع الحرب الأهلية ومنع التدخل لإسقاط النظام في آن، وذلك بهدف إنهاء الموقع الذي تحتله سورية في الجغرافيا السياسية للمنطقة، الذي جعل منها لاعباً قوياً يحمل مخاطر تهديد للمصالح الإستراتيجية الغربية، لا يظهر ان هذه الإستراتيجية قد تبدّلت، بل ان سوء الظن يذهب الى القول إن المطلوب هو إنهاء سورية جيشاً وقوة اقليمية، وتفكيك نسيجها الاجتماعي، وإدخالها في حرب طائفية طاحنة... ما يعني ان جميع الحلول المطروحة ليست سوى «تقطيع وقت» من اجل الوصول الى سورية ضعيفة جداً، بما يسمح عندها بجلوس هذه القوى على طاولة تقدِّم للسوريين ما جرى تقديمه للبنانيين عام 1989، اي انجاز تسوية على غرار «اتفاق الطائف».

لا يبدو ان رحلة العذاب السورية سائرة قريباً الى نهايتها، بل يتوقع المزيد من العنف، مقابل المزيد من الصمود الشعبي. هذا الصمود هو الأمل، والنقطة المضيئة في النفق السوري العميق، الذي سيصل الى خاتمته السعيدة في نهاية المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسلحة الدمار الشامل هاجس إسرائيل في «الربيع العربي» .. ماجد الشّيخ *

الحياة - السبت ١٤ يوليو ٢٠١٢

يحدد تقرير إسرائيلي هو عبارة عن دراسة جديدة، أعدها البروفيسور إفرايم عنبار من مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية، التابع لجامعة بار إيلان، عدداً من الاتجاهات العامة لما يسود المنطقة في أعقاب تفجر ثورات «الربيع العربي» أهمها: تراجع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط - وضعف الدول المتحالفة مع الغرب في المنطقة، فضلاً عن تضاؤل قوة العرب لمصلحة غير العرب (تركيا وإيران)، كما أن المشهد الإقليمي الجديد، يحمل معه مخاطر لا تعد، أبرزها: مزيد من عدم اليقين حول سلوك قادة الدول المجاورة تجاه إسرائيل، زيادة الأنشطة الإرهابية، انخفاض قوة الردع الإسرائيلية والعزلة الإقليمية المتنامية، التهديدات المتصاعدة في شرق البحر المتوسط، واستمرار التحدي النووي الإيراني. أما بالنسبة الى سورية، فهي الآن في خضم انتفاضة دامية منذ سنة ونيف، ولم تظهر أي علامات للهدوء بها، وفي هذا السياق تُحذر الدراسة من أن بشار الأسد لا يمكن إسقاطه بسهولة.

على هذه الخلفية وفي أعقاب تحذيرات أخرى أكثر تخصصاً في المجال العسكري، جاء تحذير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن يؤدي تردي الأوضاع الأمنية في سورية إلى «وصول أسلحة متقدمة؛ بما في ذلك تلك الكيماوية إلى «حزب الله» اللبناني والقاعدة».

وأشار نتنياهو في سياق جلسة للجنة الخارجية والأمن البرلمانية في الأول من تموز (يوليو) الجاري إلى أنه «لولا مساعدة إيران ومنظمة «حزب الله» النظام السوري من خلال إرسال مقاتلين ليحاربوا إلى جانبه، لما كان قد صمد الرئيس السوري بشار الأسد».

في الفترة ذاتها، قال نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس أركان الجيش السابق موشيه يعلون، إن إسرائيل تعتقد انه لا يوجد خطر مباشر من أن تقع أسلحة سورية الكيماوية في أيدي المتشددين، على رغم المخاوف المتزايدة بشأن القتال هناك، ما دفع إلى إطلاق دعوات إسرائيلية للتدخل العسكري الخارجي. وإسرائيل التي كانت حذرة في البداية في الحديث عن أي تغيير للنظام في سورية، خرجت في الآونة الأخيرة بدعوات قوية على نحو متزايد لوضع نهاية لحكم الرئيس السوري بشار الأسد. حيث يكمن القلق الرئيس من أن ينقل النظام أسلحة سورية الكيماوية، التي تعتقد القوى الغربية انها المخزون الأكبر في العالم، لـ «حزب الله» اللبناني حليفها السياسي المدعوم من إيران، في محاولة يائسة للبقاء في السلطة، من طريق نشر الترسانة العسكرية السورية. وعلى رغم ذلك، فإن احتمال سقوط هذه الترسانة في أيدي المقاتلين الأجانب المنتمين الى تنظيم القاعدة، يشكل مصدر قلق ثانوياً.

وفي وقت أبكر (كانون الثاني / يناير الماضي)، قال رئيس شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي اللواء أمير إيشل، إن إسرائيل قلقة على مصير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية السورية واحتمال وقوعها بأيدي «حزب الله» في حال سقوط النظام. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن إيشيل قوله في محاضرة ألقاها في «مركز القدس للشؤون العامة»، أن «القلق الأساسي هو من المخزون العملاق للأسلحة الكيماوية والبيولوجية والقدرات الإستراتيجية التي ما زالت تصل إلى سورية وغالبيتها من أوروبا الشرقية».

صمت غريب

وهكذا في ظل استمرار إضعاف الانتفاضة الشعبية لقبضة النظام، تشعر القوى العالمية بالقلق، لأنه قد يفقد السيطرة على مخزون سري من الأسلحة الكيماوية، ما يتيح للمتشددين قدرة الحصول على غازات قاتلة. علماً أن سورية هي واحدة من ثماني دول من بينها إسرائيل ومصر رفضت التوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1997، مما يعني حرمان الهيئة العالمية المعنية بالرقابة على الأسلحة الكيماوية من الاختصاص بالتدخل هناك. وتعتقد القوى الغربية أن دمشق لديها أكبر مخزون متبق في العالم من الأسلحة الكيماوية غير المعلن عنها، من بينها غاز الخردل وغاز الأعصاب القاتل الذي يحتفظ به النظام لتحقيق التوازن مع ترسانة إسرائيل النووية غير المعلنة.

وقال مسؤول في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية: «هناك صمت غريب جداً في أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بشأن سورية، ومع ذلك هناك دول عدة منفردة أبدت مخاوف حذرة». ولكن «الصمت لا يعني أنه لا يوجد قلق... فسورية مصدر طاغ للقلق في العالم، في الوقت الحالي، بسبب الأسلحة الكيماوية». ونظراً لأن يدي منظمة حظر الأسلحة الكيماوية مقيدتان، سيكون مجلس الأمن الدولي هو الهيئة الدولية الوحيدة القادرة على بحث قضية الأسلحة الكيماوية السورية. بينما يقول مسؤولون في المجلس «إن هذه القضية لم تطرح بعد».

وتأسست منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ومقرها لاهاي، للإشراف على حظر انتاج هذا النوع من الأسلحة وتخزينها واستخدامها. وانضمت 188 دولة للمنظمة، التي تواجه صعوبة في إقناع دول في الشرق الأوسط بالانضمام إليها. واستخدم الغاز السام مراراً في المنطقة منذ الستينات. وقد يواجه النظام السوري صعوبة بعد إضعافه في إبقاء الأسلحة الكيماوية بعيدة من أيدي جماعات أخرى، وقد يدفعه يأسه إلى أن يصبح أكثر ميلاً لاستخدام هذه الأسلحة أو نقلها الى حلفاء.

وأخيراً اظهر تحليل اجرته القناة العاشرة في التلفزيون الاسرائيلي، تزايد القلق من مستقبل الترسانة العسكرية السورية، التي تضم صواريخ سكاد بعيدة المدى، والقادرة على حمل رؤوس كيماوية. ووفق القناة، فإن الخوف في اسرائيل يتزايد من امكانية نقل الصواريخ السورية الى «حزب الله» اللبناني، خصوصاً بعد حصول القناة على صور فيديو تظهر هذه الصواريخ وهي تنقل الى جهة غير معروفة، أو يتم نقلها من مواقعها إلى مواقع جديدة.

وقال مراسل القناة العسكري الون بن دافيد ان اهمية هذه الصور التي التقطت في دمشق، أنها تعزز المخاوف الاسرائيلية التي جرى الحديث عنها عن مستقبل الاسلحة السورية.

على أهبّة الاستعداد

ولهذا يلاحظ في الآونة الأخيرة أن حكومة نتانياهو، تواصل التصعيد في تصريحاتها حول ما يجري في سورية، التي اعتبر وزير الدفاع ايهود باراك أنها تستوجب وضع الجيش الاسرائيلي على أهبة الاستعداد، فيما قال نائب رئيس الأركان الجنرال يائير نافيه إن سورية تمتلك «أكبر ترسانة أسلحة كيماوية في العالم». وصرح الجنرال نافيه لإذاعة الجيش الاسرائيلي ان «سورية جمعت اكبر ترسانة من الاسلحة الكيماوية في العالم، وتمتلك صواريخ قادرة على الوصول الى اي منطقة في الاراضي الاسرائيلية». ورأى نافيه ان «السوريين لم يتغيروا ولن يترددوا في اغتنام أي فرصة للاعتداء على إسرائيل»، معتبراً أنه يتوجب على الجيش الاسرائيلي «التعامل مع تهديدات وجودية تواجهها دولة اسرائيل».

وكان مسؤولون عسكريون إسرائيليون آخرون، أكدوا في الأشهر الأخيرة أن سورية تمتلك اهم مخزون من الأسلحة الكيماوية، معربين عن تخوّفهم من وصول هذه الأسلحة الى «حزب الله» اللبناني حليف النظام في دمشق. ويقول خبراء عسكريون إسرائيليون ان سورية بدأت منذ اربعين عاماً إنتاج غازات السارين و «اكس في» والخردل التي يمكن استخدامها مع الصواريخ. وكان قائد المنطقة العسكرية الشمالية يائير جولان قال في مطلع حزيران الماضي، إن اسرائيل ستدرس امكانية مهاجمة قوافل محتملة تنقل أسلحة متطورة في حال اكتشفها الجيش الاسرائيلي في الوقت المناسب. اما رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال بني غانتز فأعرب عن قلقه إزاء تزايد مظاهر زعزعة الاستقرار في هضبة الجولان، وذلك بسبب ضعف النظام السوري. وحذر الجنرال الإسرائيلي في كلمة امام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست «من تداعيات الاحداث في سورية على هضبة الجولان، لجهة تزايد مظاهر زعزعة الاستقرار، وحتى في المنطقة الفاصلة على الحدود». وتابع الجنرال الاسرائيلي قائلاً: «نحن قلقون اليوم اكثر من اي وقت مضى، ازاء تهريب الاسلحة من سورية الى «حزب الله»، خصوصاً في حال سقوط النظام السوري». ويعتبر الجنرال غانتز انه مهما كانت نتيجة النزاع في سورية، فهي ستكون سيئة بالنسبة الى اسرائيل.

هكذا هي إسرائيل، ما كان لها أن تخرج من جلد قلعتها الأمنية، فالأمن بالنسبة اليها يأخذ مركز الاهتمام الأول، وهاجس الأمن هو الوحيد الذي لا يحتمل التراخي أو الإهمال في النظر إليه، أو في بناء الخطط لمواجهة أي احتمالات ولو ضئيلة، بوجود مخاطر قد يعرض الكيان برمته للدمار، خصوصاً إزاء أسلحة غير تقليدية من قبيل النووي الإيراني أو الأسلحة الكيماوية السورية وغيرها من أسلحة قد تكون قد وصلت إلى قوى ليست في عداد الدول.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com