العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22/04/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

دراسة مقارنة بين الدساتير الديموقراطية والاستبدادية - الدستور السوري الجديد لعام 2012 .. المحامي محمد أحمد بكور

سبق ان كتبنا عدة مقالات ودراسات عن الدستور السوري (لعام 1973)، و نشر أحدها على موقع اخبار الشرق في (6/حزيران/2005) و مواقع اخرى (قوانين سيئة السمعة http://shamlover.maktoobblog.com  ) و شرحنا فيها انه دستور استبدادي من حيث الموضوع والمضمون, شأنه شأن كل الدساتير التي صدرت في اعقاب الانقلابات من عام (1949 -1970), وان اتبعت بعض الشكليات الديمقراطية في اعداده.

ان ماتم عرضه عن دستور (1973) ينطبق تماما على دستور عام (2012)، لانه نسخة طبق الاصل, ودعونا الى ضرورة تجنيب البلاد للازمات الناتجة عن طبيعته الاستبدادية ومصادرته للحريات العامة وسياسة التمييز وما تخلفة من احتقان. ودعونا لاصلاحات جذرية وتعديل الدستور في ظل حرية حقيقية وعدالة ومساواة, للانتقال الى الديموقراطية واقامة دولة مواطنة واحترام حقوق الانسان, وحذرنا من ان الانفجار واقع لامحالة مهما طال الزمن، اذا استمر النظام على نهجه. لقد حدث ماتوقعناه في (15/ اذار /2011) بانطلاق شرارة الثورة, بدأت بتظاهرات تطالب بالاصلاح وعوضا عن الاستجابة للمطالب المشروعة واتخاذ اجراءات تجنب البلاد المخاطر, اعتمد الحل العسكري الأمني, وحذرنا منذ الايام الاولى للانتفاضة من تداعياته, فالأزمة سياسية بامتياز وحلها سياسي وان استخدام القوة يعقدها ويضع الوطن على حافة الهاوية, لكن الفئة الحاكمة اصمّت آذانها امام كل الدعوات الوطنية المخلصة وربطت مصير البلاد ببقائها بالسلطة.

ان هذه الدراسة الجديدة الموجزة كانت معدة للنشر في 20/2/2012 (و أضيف عليها اضافات بسيطة اقضتها المستجدات) بعد الاعلان عن مشروع الدستور الجديد القديم وتحديد تاريخ (26/2/2012) لاجراء الاستفتاء عليه, وقد اجلنا نشرها بعد ان تعومت الساحة الاعلامية بالغث والسمين, واخذ كل من هب ودب يغرف بما لايعرف دون علم او دراية. وللقناعة بان الصراع في سورية مفتوح بين الحرية والاستبداد و قد يطول امده, و أن التغيير آت فان الواجب يتطلب تحديد وتعميق بعض القيم الدستورية بعيدا عن متطلبات السياسة للحظة الراهنة امر هام وضروري لوضعها امام المعنيين بالثورة السورية والتغيير وللسياسيين علّها تقدم فائدة لصنع المستقبل, ولنشر ثقافة دستورية, و وضع معايير لتمييز الدساتير الديمقراطية عن الاستبدادية. فعلى سبيل المثال كانت ردود البعض تعلل رفضهم لمشروع الدستور يتعلق بالتوقيت وانه جاء متأخرا وفات اوانه, وهذا يؤدي لسوء فهم ويفسر بأنه رفض عدمي, بينما الحقيقة لأنه يكرس الأستبداد وحكم الفرد, ولا يتضمن اي تعديل او اصلاح, وهو استنساخ عن سابقه وانتاج لنفس المضامين واجترارلنفس المواد لفظا ومعنى مع تغيير في تسلسلها فقط, باستثناء حذف عبارات الجمهورية العربية السورية شعبية واشتراكية, وعضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية, التي سقطت فعليا قبل الغائها, ولم يعد لها وجود في الواقع, وكذلك الغاء (م8) التي تنص بان حزب البعث قائد في المجتمع والدولة, واستبدلت بصيغ ملتوية حافظت على المضمون, وشكلت قيودا على التعددية الحزبية وتعطيل لإنشاءها.

اذن ليس رفض الدستور الجديد بسبب عامل الزمن بل لكونه كنسخته الاصلية دستور (1973) فهو دستور استبدادي شمولي فردي يعطي الرئيس كل صلاحيات السلطات الثلاث, وحصانة مطلقة عن اعماله واسبغ عليه عصمة و قدسية الملوك في العصور الوسطى, بينما هو في الانظمة الديموقراطية مواطن عادي يقوم بوظيفة لخدمة الشعب والوطن.

وبعد هذه المقدمة سوف نستعرض بعض المفاهيم الاساسية المتعلقة بالدستور تعريفا واصدارا ومحتويات وتعديلا:

تعريف الدستور :- هو مجموعة من القيم الفكرية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية تضمنتها وثيقة رسمية مكتوبة تحولت الى قواعد دستورية ناتجة عن عقد اجتماعي وسياسي يتنازل فيها الشعب عن حقوقة لتكوين ارادة عامة لتنظيم الدولة, ثم تسترد كل الحقوق في ظله, وهكذا يكون الشعب مصدرا للسيادة ومكونا لها وصانعا للسلطات, ومحددا صلاحياتها  ومالكا لها, وصاحب الحق بإلغائها او تعديلها حسب مقتضيات المصلحة العامة, وفقا لقواعد واجراءات يوجب احترامها من المحكومين والحاكم لكي لا تصبح اداة بيده يستعملها وفق اهوائه وشهواته، وهذه الوثيقة تشكل القانون الاعلى للبلد, ومرجعية لكافة قوانينه وتسمو عليها, ومبادئها تنظم أهداف الشعب وحياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية....... وكل مخالفة لها تعتبر باطلة ولا قيمة قانونية لها ولهذا تنص الدساتير في صلبها على تشكيل محكمة دستورية عليا لرقابتها.

كما تحدد وثيقة الدستور مؤسسات الدولة واختصاصها وسلطاتها وآلية تشكيلها وانتقالها (وقد يكون الدستور عرفياً وغير مكتوب كما هو في بريطانيا وهذا خارج اطار البحث).

وبما ان الشعب هو صانع للسلطة فان عدم التزام الحاكم بنصوصه يعد مخّلا بشروط العقد ومنتهكا لحقوق الشعب, وهذا يؤدي الى انفساخ العقد بينهما, ويصبح فاقدا للشرعية ومن حق الشعب صاحب السيادة ومصدرها ان يستعيد حقوقة بسحب الثقة منه او اقالته او عزله و محاسبته.

اصدار الدستور :- ان الذي يحدد طبيعة الدستور هل هو ديموقراطي أم استبدادي, هي مرجعية الاصدار وآلياتها, وتختلف في النظم الديموقراطية عنها في الاستبدادية.

*- في النظم الديمقراطية تعتمد على قواعد اساسية يجب مراعاتها واهمها:

* إن المرجعية هي للشعب وبالشعب وللشعب, ولتحقيق  هذا  الهدف تنتخب جمعية تأسيسية انتخاباً حراً من ذوي الإختصاص وفقهاء القانون الدستوري ويتمتعون بكفاءة علمية عالية ومن قانونيين يحملون شهادات علمية وعندهم ممارسة قانونية عملية, مهمتها اعداد مشروع الدستور.

* بعد اعداد المشروع يتم نشره بكافة وسائل الاعلام لمدة محددة لاطلاع الرأي العام ومناقشته وتقديم الملاحظات والمقترحات عليه من حذف أو تعديل...

* بعد إنتهاء المدة المعلن عنها, يعرض المشروع بصيغته النهائية على استفتاء شعبي حر ورقابة قضائية مستقلة و نزيهة, وفي بلد مثل سورية يعمل على الانتقال الى الديموقراطية يحبذ ان يجري في ظل رقابة منظمات عربية ودولية متخصصة.

* اذا حصل المشروع نتيجة الاستفتاء على النسبة المحددة يكون قد نال الموافقة علية, ويكسب الشرعية, ويصبح نافذا وساري المفعول وواجب التطبيق.

*- في النظم الديكتاتورية :- في هذه الانظمة كما هو حال سورية فان مرجعية الاصدار هو الفرد وليس الشعب, ويكون بشكل هدية او مكرمة من الرئيس القائد, الذي يصدر قراراً بتشكيل لجنة لاعداد المشروع من اشخاص المعيار الوحيد هو الولاء وليس الخبرة او الكفاءة ومن المقربين والمحيطين به من موظفين تقليديين, وممن احترفوا التبرير والنفاق للحاكم, وتلقى عليهم الاوامر والتوجيهات, ويحدد الاطار العام للقواعد والمبادئ الاساسية التي يريدها, ويترك لهم الصياغه بلغة الانشاء والبديع والبيان, ومن ثم يعرض على أستفتاء شكلي كما جرى في سورية في (26/2/2012) في غياب تام للحرية وإرادة التعبير, وتحت قصف المدافع والدبابات, وفي ظل مقاطعة اغلبية الشعب و تحت حراب الأجهزة الأمنية. وهذا يفقد الدستور شرطين اساسيين مرجعية الشعب والاستفتاء الحر, مما يجعله باطلا ومزيّفا للارادة الشعبية.

 

اصدار الدستور من قبل مجلس نواب الشعب :- وتعتمد هذه الطريقة على تشكيل جمعية تأسيسية من اعضاء مجلس النواب لاعداد المشروع. ونعتقد ان هذه الطريقة بعيدة عن أساليب النظم الديموقراطية المتبعة والتي ذكرناها آنفا و أدنى دستورية، لأن مهام مجالس الشعب المنتخبة مهما كانت مسمياتها هي أحدى السلطات الثلاث و مهمتها الرئيسية تنحصر بتشريع القوانين. والجمعية التاسيسية مهمتها وضع قواعد دستورية لهذه القوانين، وكذلك غالباً ماتكون المجالس تمثل اتجاهات عقائدية وسياسية للاحزاب والتكتلات، وفي هذه الحالة يخضع المشروع للمساومات والتوافقات ذات الصبغة المرحلية والفئوية، وهذا يتناقض مع طبيعة الدستور الذي يجب ان تكون قواعده تمثل المصالح العامة وتتمتع بالديمومة والثبات النسبي (كما جرى مؤخرا في مصر و حسنا ابطلت المحكمة الادارية بتاريخ 9-4-2012قرار تشكيل لجنة كتابة الدستور ونتمنى أن يؤخد بانتخاب جمعية تأسيسية لهذا الغرض).

وحاليا توجد دعوات مغلفة بالمصلحة الوطنية ومضمونها استبدادي، لأنها تفرض الوصاية على الشعب و تصادر حقه باصدار دستور وفق الاجراءات الديموقراطية وهو ما يروّج له بعض اوساط المعارضة بالدعوة الى اتفاق على وثيقة دستورية تفرض حال اسقاط النظام، مما يؤشر على عدم ايمان وصدق هذه الاطراف بالاقرار بحق الشعب. ان الايمان بالحرية وسيادة الشعب كمرجعية يوجب احترام حريتة في انتخاب جمعية تأسيسية لتحديد قواعد الدستور و أسس لدولة مدنية دولة المواطنة والمساواة امام القانون.

وسبق ان اقترحنا ان يكون العمل في المرحلة الانتقالية وفق (دستور 1950) مؤقتا او أن تكون الوثيقة المقترحة التي يتم التوافق عليها دليل عمل للمرحلة الانتقالية حتى يتم انتخاب جمعية تأسيسية. ويفترض بعد هذه التضحيات والمعاناه الابتعاد عن النهج في النظم الاستبدادية تحت اي ذريعة و مصادرة حق الشعب.

محتويات الدستور :- ان ما يتضمنة الدستور من محتويات و قواعد هي التي تحدد موضوعه فيما اذا كان ديموقراطيا او استبداديا جمهوريا ام رئاسيا. ففي النظام البرلماني الجمهوري ينتخب الرئيس من قبل مجلس النواب وينص على فصل السلطات الثلاثة وتعاونها والاليات الواجب اتباعها للحفاظ على توازنها، ويحدد المؤسسات و سلطات واختصاص كل منها.

فمجلس النواب او الشعب باضافة لانتخاب الرئيس، هو سلطة التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية وادائها، و منح الثقة لرئيس مجلس الوزراء والموافقة على البرنامج الوزاري، و حجب الثقة عنه وانتخاب المحكمة الدستورية العليا، وابرام المعاهدات، واعلان حالة الطوارئ وتمديدها والغائها وتعيين رئيس الاركان وقادة الجيش ورؤساء الادارات والفيالق والفرق و رؤساء الاجهزة الامنية والسفراء وكبار الموظفين.

السلطة القضائية:- ينص الدستور على استقلالها عن السلطة التنفيذية، ولضمان حيادها ينتخب اعضاء مجلس القضاء من مجلس النواب،وهذا بدوره ينظم المحاكم بدرجاتها ويعين القضاه ويحاسبهم ويعزلهم وفقا للقوانين. اما في النظام الاستبدادي فجميع السلطات المذكورة لمجلس النواب ومجلس القضاء يغتصبها رئيس الجمهورية وتتركز كل السلطات بشخصه غير الخاضع للمسائلة والمحاسبة.

تعديل الدستور :- ان عامل الزمن وحدوث تطورات ومتغيرات قد تتطلب تعديلا لبعض احكامه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية..... مراعاة للمصلحة العامة وحتى لايكون جامدا ويقف عائقا امام التطور ومواكبة مسيرة الحياة، ولاعادة تنظيمها وفقا للمستجدات، لهذا توضع آلية للتعديل عند الضرورة الملحة يجب التقيد بها وبمخالفتها او عدم اتباعها يعتبر التعديل باطلا وهذه الآلية تختلف حسب طبيعة النظام السياسي.

* فالتعديل في معظم النظم الديموقراطية تٌحدد من له الحق طلب التعديل والاسباب الموجبة وعرضها للنقاش ثم التصويت علية بأكثرية الثلثين، وبعدها يٌعرض على الاستفتاء وقد اكتفى الدستور السوري (لعام 1950) وبحصوله على الثلثين في مجلس النواب دون عرضه على الاستفتاء، ونحن نرى ان مجلس النواب لايملك حق التعديل وانما ارادة الشعب التي اوجدته ومجلس النواب سلطته تشريعية للقوانين وليست تأسيسية فالقواعد الدستورية هي خارج نطاق سلطاته وصلاحياته. لأن السلطة التي أسستها تملك تعديلها أو إلغائها

* التعديل في النظم الاستبدادية: التي تصادر حق الشعب وحرياته وتٌزيف ارداته شكلية، كما هو الوضع في سورية يتم التعديل من قبل مجلس الشعب بمسرحية دستورية وبدقائق كما جرى عام (2000) لاتاحة المجال لتوريث السلطة وحول الجمهورية الى وراثية، وفي ضوء العرض السابق يمكن التمييز موضوعيا وبسهولة بين انواع الدساتير ان كانت ديموقراطية ام استبدادية، وهل تمثل ارادة الشعب ام ارداة فرد، وبالتالي اصدار حكم على دستور عام (2012)، الذي اعاد تكرار دستور (1973) وبنفس الوقت نص على بقاء القوانين والمراسيم والقرارات النافذة والمعطلة للحريات لمدة 3 سنوات كالمراسيم 14 و 64 التي تمنع محاسبة الأجهزة الأمنية، وهكذا يؤكد النظام انه غير جاد ومؤهل لانقاذ البلاد من المأزق الخانق الذي تمر به، وان لا حل الا برحيله ونقل السلطة الى حكومة وطنية انتقالية تكون مهامها مرحلية ومحددة بتهيئة البلاد لانتخابات هيئة تأسيسية لاعداد دستور دائم وانتخابات تشريعية في ظل ارادة شعبية حرة بعد تفكيك الأجهزة الأمنية و اعادة هيكلتها و بنائها، وعودة الجيش الى ثكناتة وضمان حياده.

ونقترح زيادة في الاحتياطات، وسدا للذرائع التي يمكن ان ينفذ منها الاستبداد في بلد لم تترسخ فيه مؤسسات ديموقراطية

* ان يكون النظام القادم برلمانيا جمهوريا

* اعتبار كل قانون يتعارض مع حقوق الانسان باطلا

* عدم قبول اي تعديل يمس الحريات العامة

* تحريم العودة للحزب الواحد او القائد ايا كانت مرجعيته الفكرية او العقائدية

* منع العمل السياسي والانتماء الحزبي لاعضاء المؤسسة العسكرية

* تحديد مهام الاجهزة الامنية بشكل لا لبس فيه بحفظ الامن و خدمة الشعب

* تحريم تكليف الجيش بمهام القمع والتنكيل بالشعب وحصر مهمته بحماية الوطن والحفاظ على سيادته

* منع القضاء المزدوج وتشكيل محاكم استثنائية

* تنظيم وحصر اختصاصات القضاء العسكري على القوات المسلحة والاجهزة الامنية

* تحديد حالات اعلان الطوارئ لمواجهه الظروف الاستثنائية التي توجبها من حرب وفياضانات وكوارث طبيعية، وتحصر بالاسباب التي دعت لاعلانها وتحدد مدتها بشهر قابل للتجديد في حالة الاضطرار ولزوال الاسباب، وان الاعلان والالغاء حصرا بالسلطة التشريعية.

* تحديد مدة الرئاسة بخمس سنوات ولا يجوز تجديدها لمرة اخرى الا بعد مرور خمس سنوات كما جاء في دستور 1950 ولا يجوز تجديدها بعد ذلك.

* تجنب النظام الرئاسي بعد التغيير درءا لخطر العودة الى الديكتاتورية لغياب المؤسسات الديموقراطية و السياسية التي خلفها النظام الشمولي و الأهتمام باعادة بناء الدولة و هيكلة مؤسساتها و التعددية السياسية و الحزبية و الفكرية.

نأمل ان تسهم هذه الدراسة مع ما يصدر عن المعنيين بهذا الموضوع وبمستقبل وطنهم للوصول الى افضل الصيغ الدستورية، لينعم الشعب بالحرية والكرامة والامان والاستقرار.

-**-**-**-**-**-*

الأسد الصغير يعيد استنساخ مجازر البوسنة والهرسك .. محمد فاروق الإمام

قبل واحد وعشرين سنة هزت ضمير العالم المجازر التي ارتكبها الصرب بحق شركائهم في الوطن من مسلمي البوسنة والهرسك في تطهير عرقي وديني غابت صوره عن العالم منذ طرد المسلمين من الأندلس، وقد أقام لهم الأسبان محاكم التفتيش السيئة السمعة والتي كانت صفحة مظلمة من صحاف التاريخ الإنساني البشع، يتحاشى الكثيرون استرجاع ذكراها المؤلمة. وكنت ككل باقي البشر هزتني تلك المشاهد المقززة للنفس البشرية التي كان يتناقل الإعلام صورها عبر الشاشات الفضائية وتكتظ بها صفحات الجرائد في العالم شرقه وغربه، فقمت بإعداد كتاب عنوانه (البوسنة والهرسك شلال دم يتدفق)، ضمنته تلك المجازر بكل خصوصياتها المؤلمة ممهورة بالصور والوثائق، والتي كانت تحكي أبشع الفظائع التي لم يسجلها التاريخ الإنساني منذ قرون طويلة، حيث يتم تطهير عرقي وديني في جزء من هذا العالم هو مهد الحضارة المدنية الحديثة (أوروبا)، ونحن نعيش في كنف النظام العالمي الجديد الذي يدعي المدنية والرقي والحضارة واحترام حقوق الإنسان. وقد أثار هذا الكتاب في نفوس العديدين لواعج الألم والحزن، ومنهم الصديق العزيز الدكتور غازي ربابعة الذي اعتمده في الكلية التي يدرس بها في الجامعة الأردنية لطلابه في منهاج (دراسات معاصرة) وقد قال لي إن كتابك جعل كل من قرأه من طلاب وطالبات الكلية (يعيطوا).

وظننت كما ظن الكثيرون أن مثل هذه المأساة لن تتكرر، وقد خاب ظننا فهذه سورية وبعد 23 سنة من مأساة البوسنة والهرسك تتجرع من نفس الكأس التي تجرعه أهلها، فإذا كان هناك تطهير للون واحد من الناس هم المسلمون ففي سورية تطهير لكل أهلها من مسلمين ومسيحيين ودروز وعلويين وإسماعيليين وأكراد وآشوريين، فرصاص العصابة السادية التي تحكم سورية لا يستثني أحد من كل هؤلاء، فهو يستهدف كل ما يتحرك على الأرض أو يدب عليها، ولا تمييز بين طفل أو شيخ أو امرأة أو رجل، ولا ينجو منه حيوان في مزرعة أو وسيلة نقل عابرة أو شجرة تهزها الرياح، فكل ما فوق الأرض مستهدف محكوم عليه بالموت بأثر رجعي لا مفر منه. 

سيناريو البوسنة ينفذ في سورية اليوم ويتفوق عليه وحشية وفظاعة يستحي من فعلها مجرمو البوسنة لهولها، صحيح أنهم كانوا يقتلون الناس ولكنهم لم يكونوا يمثلون بأجسادهم ويقطعون أطرافهم ويبقرون بطونهم ويقتلعون عيونهم ويحفرون الأخاديد في وجوههم وصدورهم وظهورهم ويحرقونهم وهم أحياء. 

مذيع (سي إن إن) يتحدث عن ذكرى المجازر البوسنية ويسأل كريستيانا مامبور (المراسلة الشهيرة): "هل يمكن مقارنة البوسنة بسورية؟ هل التاريخ يعيد نفسه؟

لكننا بعد 20 عاماً لم نتعلم الدرس.. ها نحن نشهد بوسنة أخرى في العالم العربي.. نلوم الغرب على ذبح شعب مسلم في قلب أوروبا؟ ولكن الشام بضعة منا

الآن ايران والصين وروسيا مع مهل الحكام العرب يقتلون المسلمين على ارضكم فهل سنصمت على مذابح الشام الآن.. كما صمتنا على مذابح البوسنة!!".

أقولها بكل أسف: نعم العالم كله بعربه وعجمه شريك لسفاح سورية.. أقولها بكل أسف أن جمهورية إيران الإسلامية "التي هكذا تسمي نفسها" وتعلن أنها ستقيم ميزان العدل في الأرض وتنتصر للمستضعفين في العالم في مواجهة الاستكبار العالمي، وحزب "المعمم نصر اللات" الذي يدعي التزامه بولاية الفقيه والدفاع عن المسلمين والعداوة للصهيونية.. أقول إن ملالي قم ومعممي الضاحية الجنوبية هم شركاء للمافيا الحاكمة في دمشق في ذبح المسلمين في سورية، ويتنكرون للحديث النبوي الشريف الذي يقول: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره".

كما أقول بكل أسف ومرارة أننا لم نسمع من العرب إلا جعجعة وبيانات وتنديد وطرح مبادرات ومهل، وهبوط وصعود في وتيرة المواقف الإعلامية التي زادت الآلام على السوريين وجعلت السفاح الباغي يزداد توغلاً في دماء السوريين وذبحهم والتنكيل بهم، وقد خبر كل هؤلاء وهو على قناعة أن كلام العرب غثاء ووعودهم هباء وجعجعتهم خواء!!

وثبت أن أصدقاء العصابة الحاكمة في دمشق إذا قالوا فعلوا وإذا هددوا نفذوا، فهذه أساطيلهم تجوب سواحل سورية تتربص بكل من يقترب من أسوار حكامها، وهذا الفيتو كرت أحمر يشهر في وجه كل من يقترب من أعتاب بيت آل الأسد تلويحاً أو تلميحاً، وهذه قوافل الحرس الثوري الإيراني تتوافد على مدار الساعة عبر حدود دولة المالكي نصرة لحمى آل الأسد، وهذه ميليشيات حزب اللات تجتاز الحدود ليل نهار دعماً لشبيحة الأسد ومجرميه.

ونحن لنا الله.. لا سند لنا إلا هو.. هو حسبنا وعليه توكلنا وهو رجاؤنا وأملنا فصبراً يا أهلنا في سورية، فإنني والله لأرى النصر قاب قوسين أو أدنى أستشرفه من جنون السفاح وما يرتكبه من فواحش وآثام وجرائم، وسيشرب من نفس الكأس التي سقانا منها هو وأبوه من قبله عاجلاً أو آجلاً.. فإن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب؟!.

-**-**-**-**-**-*

في تقدير الموقف : المراقبون الدوليون بين مزدوجة الأمن والأمانة واشتراط الهوية ... زهير سالم*

تحاصر المجموعة المتسلطة على الدولة والمجتمع في سورية بعثة المراقبين الدوليين بين فكي أمنهم الشخصي وأداء الأمانة التي – أشفقت منها السموات والأرض والجبال حسب القرآن الكريم – وحملها هذا الفريق من البشر وأخذوا على أنفسهم العهد بأدائها ...

 

أداء الأمانة يقتضي من المراقبين أن يمتلكوا حرية الحركة بآفاقها الزمانية والمكانية والقدرة على التواصل مع الضحايا والمصابين ومع المتظاهرين والثائرين ولكن هذه المجموعة المتسلطة تقول للمراقبين : قدمي على قدمكم وحركتكم في إطار الدائرة التي أرسم لكم وإلا فأنا غير مسئولة عن سلامتكم ..

 

لو كان الأمر مناطا بأبناء الشعب السوري حقا من ضحايا ومتظاهرين وثائرين لرفعوا لهؤلاء المراقبين منديل الأمان أبيض ناصعا لا شية فيه ولتعهدوهم في غدوهم ورواحهم وصحوهم ومنامهم ؛ ولكن الجميع يعلم أن تحذيرات هذه المجموعة حين تعلن عدم المسئولية في حال خروج هؤلاء المراقبين عن دائرة سمعها وبصرها يتضمن تهديدا مبطنا وخطيرا ولعل هذه التهديدات هي التي جعلت الجنرال النرويجي يعتذر عن متابعة المهمة ويفضل العودة إلى البيت . كما فعل مدعي عام المحكمة الدولية من أجل لبنان من قبل ..

 

إن الطريقة التي تقترحها المجموعة المتسلطة لحركة المراقبين ، وإن كانت تجعل رحلتهم أشبه برحلة سياحية ولا سيما حين يرافقهم فريق التلفزيون الرسمي ، ويتغدون على مائدة محافظ ، ويتعشون على مائدة مدير جهاز أمني ؛ إن هذه الطريقة ستجعل تقارير هؤلاء المراقبين تفقد كل الشروط الموضوعية لأداء الشهادة على وجهها ، نقرر هذا بعيدا عن أي سوء ظن ، أو حكم استباقي . فلكي يؤدي الشاهد الشهادة على وجهها لا بد أن تكون ظروف تحمله لها ظروفا موضوعية محايدة تجاه الأطراف جميعا . لا بد لهؤلاء المراقبين – مثلا - أن يناموا ليلة مع أجساد القتلى الذين حرموا من حقهم في القبر بعد قتلهم بشهر ، ولا بد أن يعايشوا أمهات الأطفال المعذبين والمعذبات ، ولا بد أن يدركوا أن هؤلاء السوريين الذين غادروا بيوتهم المبنية إلى خيام التشرد لم يخرجوا في رحلة سياحية كما يزعم الذين يتحدثون معهم على وثائر ريش النعام ....

 

فإذا كان المجتمع الدولي حريصا على إنجاح مهمة عنان ، وإذا كان عنان حريصا على استقبال تقارير معبرة عن حقائق ما يجري على الشعب السوري المستباح فلا بد لحل المعضلة أن يصحب فريق المراقبين الدوليين الفريق القادر على توفير الأمن والحماية لهم حتى يؤدوا الشهادة على وجهها دون سلطان لا من خوف ولا من تخويف ..

 

ثم هناك حديث على أن المجموعة المتسلطة على الدولة والمجتمع في سورية لها تحفظات أولية على بعض الجنسيات ورفضها ابتداء أن يكون أي من أبنائها في عداد فريق المراقبين ... وهذا يعطي المجلس الوطني أن تكون له تحفظاته المقابلة على العديد من الجنسيات ولاسيما تلك التي أصبح مواطنوها جزء من آلة القمع المباشرة في قتل السوريين والتسلية في قنص أطفالهم وكذلك الدول التي تحمل وزراء خارجيتها مهمة وليد المعلم حتى أعفوه من منصبه تقريبا أو تلك الدول التي اعتبرت بقاء بشار الأسد خطا أحمر لأمنها القومي ...

18/4/2012م

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-**-**-**-**-**-*

السوريين في كِلّسْ !؟ .. ساري وادي

في عام 1998م اعتقد الهالك حافظ أن بمقدوره استخدام عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط على الأتراك. لم تنتظر تركيا طويلاً حتى جاء الردّ سريعاً وحاسماً (يجب تسليم أوجلان خلال 48 ساعة، وإلا فإن الجيش التركي سيكون بعدها في قلب دمشق!)

ارتعدت فرائص المقبور حينها ولم يجد لنفسه سبيلاً للخروج من هذا الموقف العصيب إلا أن يطلب من أوجلان مغادرة سوريا فورا. فهو يعرف الفرق الشاسع بين قدراته العسكرية والقدرات التركية.

 

الآن، وبعد مرور حوالي 14 عاماً على تلك الحادثة، وقد باتَ الجيش التركي أكثر قوة مما كان عليه، في حين أن الجيش السوري بات أكثر ضعفاً مما كان عليه، فهو منهكٌ خائر القوى يعاني من انهيار معنويات جنوده، فإن الأجدر والأحرى بالجيش السوري عدم التحرّش بتركيا، فمن الحماقة أن يَعبثَ الهرّ الهزيل بذيل وحش نائم، لأنه وبكلّ بساطة سيلتهمه!.

 

كذلك من المعلوم أن تركيا تمتلك أقوى جيش (برّي) في حلف الناتو من حيث العدد والعتاد، وهو قوة ضاربة يحسبُ لها حسابها، ومن الغباء الاستراتيجي الاستهانة بتلك القوة. فلماذا يتحرّشُ الهرُّ الهزيل بالوحش يا ترى!؟

ولماذا تُقدِمُ العصابة الحاكمة في دمشق على خطوة كهذه وهي تعلمُ علمَ اليقين أنها تُشكّل استفزازاً صارخاً لتركيا واعتداءً سافراً على سيادتها قد تكون عواقبه وخيمة فضلا عن كونه انتحاراً لسفاح دمشق؟! فمن أين جاء ذلك الجبان بتلك الجرأة بل الوقاحة يا ترى؟!

 

المسألة ليست معقّدة كما قد يتصور البعض، فالعصابة الحاكمة في دمشق لم تقصف الأراضي التركية إلا بضوء أخضر وغطاءٍ من إحدى الدول (روسيا، إيران، إسرائيل، أمريكا أو حتى أوروبا)، وقد تكون بعض تلك الدول مجتمعة في ذلك، والهدفُ ببساطة هو جرّ تركيا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد!

 

كيف؟ ولماذا؟.

 

إنّ المُتأمّل في سياسة تركيا الخارجية وموقفها الأخير من إسرائيل، يعلمُ أنها باتت مصدر قلق للعديد من الدّول التي لا تريد لها أن تلعب دور الريادة في المنطقة. وعلاوة على تصدّرها، بل وقيادتها، الناجحة للمنطقة في المجال السياسي وسحبها للبساط من تحت أقدام العرب فيما يخص القضية الفلسطينية، باتت تركيا تشكلُ تهديداً وتحدّيا اقتصادياً متعاظماً تتخوفُ منه أوروبا وتحسب له ألف حساب.

 

ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا وأمريكا، ولا تزال، تئن تحت وطأة الأزمة المالية العالمية وتباطؤ نموّها الاقتصادي، كانت تركيا (والصين) هي الدول الوحيدة في العالم التي استطاعت تحقيق نموّ اقتصادي تُحسد عليه. وفي الوقت الذي كانت تعاني فيه أوروبا وأمريكا عجزاً في موازناتها التجارية وركوداً اقتصادياً لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية، وما ترتب على ذلك من إفلاس عشرات البنوك وبطالة طالت الملايين، فإن دخل الفرد التركي تضاعف 3 مرات خلال السنوات العشر الأخيرة في ظل حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان.

 

فتركيا ليست خصماً سياسياً للغرب فحسب، بل أيضاً عدوّ اقتصادي أصبح يقرعُ أبواب أوروبا وبقوة.

 

خبراء السياسة الأتراك ليسوا سذّجاً، ويعرفون جيّداً ما يُحاك لتركيا، فالدول الإقليمية العظمى ومعها إسرائيل وإيران يهمّها جداً بقاءُ المارد العثماني داخل قمقمه، وليس من مصلحة العالم بقطبيه الشرقي والغربي خروج إمبراطورية عثمانية جديدة، وها هي الفرصة السانحة لها لتحجيم "الخطر العثماني الجديد" القادم بقوة.

 

ولن تجد تلك الدول وسيلة للقضاء على ذلك الخطر الذي بات يتهددها أفضل من إشغال تركيا واستنزافها اقتصاديا وعسكريا في حرب (أو حتى مناوشات عسكرية) طويلة الأمد مع سوريا وحلفائها في المنطقة كإيران وحزب العمال الكردستاني.

 

وهذا ما يُفسر جوهر الموقف السياسي التركي الحذر تجاه ما يجري في سوريا. فتركيا تعي جيداً خيوط اللعبة وأبعادها، وتعرفُ أنها تسير في حقلٍ مليء بالألغام، فسارعت بذكاء إلى أخذ زمام المبادرة وقطعت الطريق على المتربصين بها فصرّحت مرات عديدة أنها على استعداد لاتخاذ أي إجراء ضد سوريا شريطة أن يكون ذلك تحت مظلة الناتو أو الأمم المتحدة وبقرار أممي، وهذا ما أكدت عليه مرّة أخرى مؤخراً بعد قصف مخيّم اللاجئين.

 

فتركيا تعلم أنها لو تحرّكت منفردة فسوف يُستَفردُ بها وستكون قد أكلت الطّعمَ بغباء، وسيكون حالها كحال الأبله الذي ذهب بقدميه إلى حتفه، وهذا ما تخشاه تركيا وما لا تريد الانزلاق إليه.

فتركيا التي استطاعت على مدى سنوات طويلة بناء اقتصاد متين ودخول نادي الكبار، يحقّ لها الحفاظ على مكتسباتها التي حققتها، وليس من الحكمة أن تجعلَ للمتربصين بها عليها سبيلاً.

 

لقد تضاعفت ربما شريحة السوريين المستائين من مواقف أردوغان المُتقلّبة تجاه الثورة السورية، فهو لطالما صرّح ولقلما فَعَل. لكن علينا أنْ ندرك أنَّ لعبة السياسة والمصالح الدوليّة لا تأخذ بعين الاعتبار دماء الأبرياء، ولنتذكّر جيداً أن ما يحكم السياسة هي المصالح وليس العواطف.

 

ليس لدي أدنى شك في أصالة أردوغان ونزاهته ورغبته الصادقة في مناصرة الشعب السوري، لكن ماذا عساه يفعل وهو يعلم علمَ اليقين أنّ مع أول عثرة لتركيا، ستخرج كل الضباع من كهوفها وقد اتفقت سلفاً على التهام فريستها، هذا إن لم تنضم إليها ضباعٌ عربيةٌ أخرى أكلتها الغيرة وحرقت قلبها النجاحات التركية الباهرة على الصعيدين السياسي والاقتصادي!

 

إنّ التسرّع في تخوين أردوغان والانتقاص من شأن الدور التركي تارة، والتشكيك فيه تارة أخرى، ليس من الحكمة في شيء إذا ما أخذنا المعطيات أعلاه بعين الاعتبار. وقد قلتُها سابقاً، إذا ما تدخّلت تركيا مستقبلاً وأنشأت منطقة عازلة وأثبت أردوغان أنه رجلُ قولٍ وفعل، فسيكون من الصعب التراجع عن التخوين، فالتسرع غالباً ما يضع صاحبه في مواقف محرجة.

-**-**-**-**-**-**-**-**-*

طائفيّة؟ إياكم أن تقولوها ولو ذُبحتم بالسكاكين! .. مجاهد مأمون ديرانية

تدفقت على سوريا في الشهور الماضية جحافلُ وقوافلُ من شرقها وغربها، من مليشيات وعصابات الحرس الثوري وبدر والقدس وجيش المهدي وأمل وحزب اللات، وحتى من حُثالات الحوثيين، ومن غرائب الموافقات أنهم كلهم من طائفة معينة (لا أريد أن أسمّيها لئلا أصبح من الكتّاب الطائفيين)… ولكن إياكم أن تقولوا إن في سوريا حرباً طائفية.

آلاف القتلة والمجرمين اقتحموا حمص وحماة والرستن والقصير وتلكلخ واللاذقية وجبلة والحفة، وعشراتٍ غيرَها من مدن وقرى السنّة في سوريا، فقتلوا وذبحوا واغتصبوا ونهبوا وخرّبوا وارتكبوا الموبقات، ومن غرائب الموافقات أنهم كلهم من طائفة معينة (لا أريد أن أسمّيها لئلا أصبح من الكتّاب الطائفيين)… ولكن إياكم أن تقولوا إن في سوريا حرباً طائفية.

تاج أحياء الثورة، بابا عمرو، سقط بعد قصف همجي قام به جيش الاحتلال الأسدي بالمدافع والصورايخ، وكان المتوقع أن يبتهج النظام بالانتصار العظيم، انتصار جيش نظامي عرمرم على حي سكني فقير، وقد فعل، ولكنه لم يكن وحده، فقد شاركه في الابتهاج والاحتفال والرقص في الشوارع سكانُ بعض القرى السورية، ومن غرائب الموافقات أنهم كلهم من طائفة معينة (لا أريد أن أسمّيها لئلا أصبح من الكتّاب الطائفيين)… ولكن إياكم أن تقولوا إن في سوريا حرباً طائفية.

ثم رأينا ما هو أغرب وأعجب، فقد نشر مستشار خامنئي الخاص، محمد صادق الحسيني، نشر مقالة قال فيها (بالحرف): “إن إيران انتصرت في بابا عمرو”. وقبله دعا من يُسمّى “الشيخ” حسن الراشد في البصرة إلى إنشاء جيش مليوني لدعم نظام الأسد، ثم بدأنا نسمع منذ مطلع العام الحالي عن تجنيد وتسجيل آلاف المتطوعين العراقيين في “جيش الإمام الحسين” للقتال في سوريا إذا دعت الحاجة. من غرائب الموافقات أن تلك العجائب تصدر كلها عن طائفة معينة (لا أريد أن أسمّيها لئلا أصبح من الكتّاب الطائفيين)… ولكن إياكم أن تقولوا إن في سوريا حرباً طائفية.

أهم مرجعيات “الشيعة”، السيستاني، أفتى بوجوب دعم الأسد، وزعيم حركة “حزب الله” في العراق عيسى السيد جعفر أكد أن المقاتلين “الشيعة” سيملؤون سوريا إذا حاولت أي دولة أجنبية التدخل لإسقاط النظام، وأحد أبرز مراجع “الشيعة”، أحمد جنّتي، دعا الشيعة العرب إلى ما أسماه “الجهاد” دفاعاً عن نظام بشار الأسد، قائلاً في خطبة جمعة في طهران: “على الشيعة العرب الدخول إلى سوريا والجهاد إلى جوار النظام السوري حتى لا تقع سوريا في أيدي أعداء آل البيت”… ولكن إياكم أن تقولوا إن في سوريا حرباً طائفية.

* * *

أيها الأب الملكوم الذي ذُبح ابنه بين يديه: إياك أن تذكر طائفة المجرم الذابح، لو فعلتَ إنك إذن طائفي قبيح. أيتها العفيفة الشريفة التي اعتُدي على شرفها وانتُهك عفافها: إياكِ أن تذكري طائفة المجرم المغتصِب، لو فعلتِ إنكِ إذن طائفية ذميمة. يا عشرين ألف شهيد ويا ربع مليون معذَّب: إياكم أن تذكروا طائفة السفّاحين الذين اغتالوكم أو عذّبوكم، لو فعلتم إنكم إذن طائفيون وإنكم مجرمون بحق الوطن.

-**-**-**-**-**-**-**-**-*

رجال المهمات الصعبة .. د.محمد وليد حياني

أحوج ماتحتاجه الثورة السورية المباركة اليوم , وما زال الانتظار ساري المفعول , إلى رجال المهمات الصعبة , إلى قامات عالية تلتف حولها الجماهير , على مستوى القطر من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه , كما يتطلّب السّير في مشروع تّحررنا من ربقة النظام الأسدي الكثير من التّخطيط والاجتماع والتّنسيق والتّحليل والتّفكير بما يخدم الثورة وأهدافها , لكن ليس من الضرورة بمكان أن يحتاج مشروعنا هذا إلى متدربين مراهقين من المعارضة في جسم الثورة , وليس أبناء الثورة السورية المباركة فئران تجارب , اعذروني ألف مرة على هذا التعبير لكن الموقف يتطلب ذلك , إن ثورتنا المباركة عند انطلاقتها الميمونة , سبقت حشود المعارضة المترامية الأطراف والوجهات والتي استغرق عجنها وقتا طويلا , كمن يعجن الرمل , وهي ماتزال إلى اليوم في سباق محموم لتلحق بركب الثورة , لتواكبها أو تعبر عنها ولو جزئيا أمام العالم وفي المحافل الدولية.

إن ثورتنا المباركة لاتحتاج إلى كل هذه المؤتمرات واللقاءات والمحاضرات والورشات , التي تشهدها أطياف المعارضة السورية المنقسمة على بعضها تارة , والمستمرة في الانشطار تارة أخرى , وخطابها عاجز عن مواكبة مايجري على الأرض , ولسان مقالها أعجز من حالها, دون مشاركة فعلية لمسيرة الثورة في كل المواقع وعلى امتداد وطننا الثائر في وجه الطغيان بصدور عارية وما توافر له مما امتلكت يمينه من أسباب ووسائل الدفاع عن النفس والعرض والمال؟

لقد بلغ عدد المشردين داخل البلد رقما مخيفا يزيد عن المليونين كما زاد عدد اللاجئين إلى المخيمات في تركيا والأردن إلى رقم فاق الخمسة والعشرين ألفا , فضلا عن أعداد المعتقلين التي ناهزت الربع مليون وضاقت عليها السجون والملاعب الرياضية بما رحبت , وكل أولئك يحتاجون إدارة لأزمتهم بالمساعدات العينية والمادية والإسعافات وتوفير المسكن المؤقت والمأوى لهم.

إن مشروعنا التحرّري هذا يحتاج أول مايحتاج من أطياف المعارضة في الخارج إلى الإيمان الحقيقي بهذه الثورة وأهدافها النبيلة دون اجتزاء أو تقسيم , وعدم القفز عليها ابتغاء منصب أو متاع , الأمر يتطلب الالتزام بما تحتاجه الثورة نفسها , لا أن يٌفرض عليها ما تراه المعارضة من منظورها الضيق , لأنها طارئة على الثورة , وليست من فجرها أو صنعها , وخاض في سبيلها أعنف المعارك , فمن يتعاملون مع واقع الثورة على الأرض ويواجهون العسف والقصف والقتل والتشريد , هم أشد مضاء , وأكثر معرفة وواقعية , فأهل مكة أدرى بشعابها , وكم من ثورة من ثورات التحرر العربي والعالمي سرقت عند أو قبيل انتصارها , والآن تصدر أصوات قوية ترتفع هنا وهناك من أبناء الثورة في الداخل على تخوف من هذا المصير لكثرة مايرون من التواطؤ الإقليمي والدولي عليها .

إن من لم يتعامل مع واقع الثورة وفي كل مفصل من مفاصلها وخضب جسده بدمائها , وعانق مجدها وتنسم هواءها وعبيرها , كمن ادعى بأنه بطل في حمل الأثقال , فأحدث عندما حمَلوه عنزة ! فقال:ناولوني الأخرى!

لا نريد هنا تصغير شأن المعارضة – حاشا لله - أو التقليل من وطنيتها , أو التسفيه من حراكها الدؤوب, ولكن نريد أن نرى طحنا بعد أن تم الاعتراف بالمجلس الوطني كممثل شرعي للثورة السورية , إن ماينجز من لقاءات أدمنت عليها اسطنبول وتونس والقاهرة لن تنجز لنا إلا مزيدا من الخطابات , وشعبنا ملَ الخطابات البعثية والقومجية خلال نصف قرن , وهو الآن يقصف ويدمر ويهجر , والمعارضة إذا كان هذا ديدنها وخطابها , ستكون كمن يقدم لجريح ينزف زهرة , فيما هو يحتاج إلى عملية جراحية تنقذ حياته فضلا عن أكياس الدم وأرطال الدواء.

إن ما يجري على أرض الواقع من خلال التعامل مع النظام الأسدي إقليميا ودوليا ما هو إلا تواطؤ وإعطاء فرص ومهل , تزيد بل تطيل من عمر النظام بحجة أنّ البديل عنه هو الدمار والحرب الأهليّة؟ أو الإنفصال إلى دول بينما القتل وشلال الدم يعصف بأهلنا على امتداد الوطن الحبيب.

الوطن أكبر من المعارضة بكل أطيافها بما فيها المجلس الوطني , بل من الجميع. وهويحتاج إلى قامات عالية تمثله في الداخل وتلتف حولها الجماهير كما في الخارج أيضا , لتكون مواكبة للحدث , تعبر عنه , وتدافع عن الثورة أمام المجالس والهيئات الدولية ، وإلا لن ترى المعارضة في الخارج وطنها , ولن يترك لها موطئ قدم لتنمو فيه , كما لن يجد الذين ثاروا في وجه النظام أرضا تقلهم أوسماء تظلهم على امتداد وطنهم.

إن ثورتنا اليوم أحوج ما تحتاج إلى رجال المهمات الصعبة المؤمنين بقضيتهم والمدافعين عنها بكل ماأوتوا من حول وطول وحنكة وخبرة ودراية ودهاء ومطاولة ومصاولة وعزيمة لاتلين.

-**-**-**-**-**-**-**-**

سوريا مجرّد عنوان .. بقلم/ جورج علم

الراية

18-4-2012

دوّل الملف السوري، صدرت بيانات رئاسيّة ثلاثة عن مجلس الأمن، ثم قرار يقضي بإرسال مراقبين، طلائعهم قد وصلت إلى دمشق للإشراف على وقف إطلاق النار، هذا ليس بقليل، لقد دخلت سوريا لعبة الأمم، لكن من الباب العريض، إنه زمن المفاوضات الصعبة على وقع المواجهات، بإشراف ديبلوماسي محنّك تمّ اختياره بعناية ليكون موفدًا عربيًّّا - دوليًّا للإشراف على هذه المهمّة، وإنجازها، ولو بعد حين، هو كوفي أنان، وقد ذيّل توقيعه على نقاط ست، تحتاج كلّ منها إلى آليّة تنفيذيّة، وطاولة حوار، ومفاوضات شاقة لتأمين موافقة جميع الأطراف بدءًا من السقف الدولي، إلى السقف الإقليمي، إلى السقف العربي، وصولاً إلى الأطراف السوريّة الداخليّة كافة.

دخل التدويل من نافذة المراقبين، لأن ربيع سوريا مختلف له مفارقات لم نشهدها في تونس مثلاً، ولا في مصر، ولا حتى في ليبيا، أو اليمن، لنعترف بأن محاولة أولى قد جرت لتطبيق النموذج الليبي عن طريق استصدار قرار عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع يقضي بتدخّل عسكري لإسقاط النظام، وإحداث التغيير، إلاّ أن المحاولة فشلت نتيجة الفيتو الروسي - الصيني، وحصل اصطفاف غير مسبوق، محوره الولايات المتحدة، ومعها فرنسا، والإتحاد الأوروبي، ومجموعة من الدول العربيّة والإقليميّة، مقابل تكتل دولي - إقليمي - عربي كبير بزعامة روسيا. إن مثل هذا الاصطفاف الخطير لم تشهده أي دولة عربيّة اجتاحتها رياح التغيير باستثناء سوريا.

ولم يقصّر العرب، اجتماعات متلاحقة على مستوى وزراء الخارجيّة، ولجنة خاصة لمتابعة الملف السوري، وسلسلة من المبادرات التي لم تبصر النور، والكثير من العقوبات بهدف ممارسة شتى أنواع الضغط لحمل النظام على وقف القمع، ولكن من دون جدوى. إن التعاطي العربي مع الأزمة السورية كان نوعيّا وفريدا، ولم يمارس مع أي ربيع في أي بلد عربي من قبل، وقد وظّفت الجامعة الكثير من رصيدها من دون أن تتمكن من تحقيق ما تريد، وتكفي الإشارة هنا الى محاولات ثلاث لا تزال متفاعلة لغاية الآن: فشل المبادرات العربيّة، وفشل هيئة المراقبين العرب، وفشل التعاون العربي - الأمريكي - الأوروبي- الغربي، في إسقاط النظام عنوة. وبعد الفشل الذريع الذي منيت به هذه المحاولات الثلاث، بدأ تحوّل جديد مختلف بجلوس وزيرة الخارجيّة الأميركيّة هيلاري كلينتون مع نظيرها الروسي سيرغي لافروف، وكانت النتيجة التفاهم على كوفي أنان للإشراف على مرحلة جديدة في سوريا، تبدأ بوقف العنف وإطلاق النار، وتنتهي بإطلاق الحوار.

إن سوريا هي شعار المرحلة التي يشرف عليها أنان، لكنّ مسيرة الحوار والمفاوضات طويلة، ولن تخلو من العنف، ومن عمليّة " شدّ الحبال، وليّ الأذرع" للتفاهم على عناوين خمسة تتفاعل في المنطقة.

الأول: لقد نجحت روسيا - وإلى حدّ ما الصين - في حجز مقعد في الشرق الأوسط كشريك لا يمكن تجاهله في ترتيب أوضاع دوله، ولو بنسب معيّنة.

الثاني: إن سوريا قد تحوّلت الى واجهة لصراع المحاور، وبالتالي لا بدّ من الحوار بين المعارضة والنظام، ولا بدّ من إصلاحات جذريّة، ولا بدّ من تحقيق تداول السلطة، وإذا كان النظام لا يزال يمثّل فعلا أكثريّة الشعب السوري، فإن هذه الأكثريّة ستؤمن له الإستمرارية في الدولة والسلطة... وإلاّ عليه التخلّي؟!.

الثالث: لا بدّ من التفاهم على الدور الإيراني في الشرق الأوسط، وأيضا على الدور التركي، والدور الإسرائيلي. إن هذه الترويكا قد فرضت نفسها كقوى لا بدّ من رسم حدود أمنها، ومصالحها، ومجالاتها الحيويّة، ولو على حساب الدور السوري نسبيّا، مع رسم وتحديد الخطوط الحمر المطلوب عدم تجاوزها أيضا، خصوصا في منطقة الخليج.

الرابع: التفاهم على خريطة إقتصاديّة جديدة لإقتسام خيرات ومغانم دول المنطقة، وإعادة توزيع الكوتا النفطيّة في الشرق الأوسط، إذ لا يُمكن، ولم يعد جائزًا بعد اليوم الحديث عن أن دولا مثل الولايات المتحدة تستأثر وحدها بقطاع النفط، وتحرم منه دولا مثل الصين وروسيا، إن ما كان ممكنا قبل الربيع السوري، لم يعد بعده، بعدما أصبحت المخابرات المركزيّة الروسيّة في قلب العاصمة السوريّة دمشق، تفاوض الآخرين من موقع قوة، انطلاقًا من أولوية وقف العنف، ووقف إراقة الدماء؟!.

الخامس: إن زمن الربيع العربي قد مكّن الشعوب من إسقاط الأنظمة القمعيّة، وأفسح المجال لكلّ الشرائح أن تخرج من كهوف القهر والظلم والإضطهاد الى الهواء الطلق، تصرخ، تعبّر عن آرائها ومطالبها وتطلعاتها، وهذا ليس بقليل، ولكن في موازاة ذلك لا بدّ من الاعتراف بأن مرحلة انتقاليّة قد بدأت، وهي مرحلة طويلة ومكلفة، وبدأت الدول الكبرى بمصادرتها تحت شعار مساعدة الشعوب المنتفضة على تحقيق تطلعاتها نحو الحريّة والديموقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. لقد عادت الحمايات الدوليّة الى المنطقة، وعادت المنطقة الى عصور المحميات، ولم يعد مهمًّا متى يسقط النظام في سوريا وكيف يسقط، ولا من يحكم سوريا بعد سقوط النظام، بل المهم كيف يمكن تحرير سوريا من النفوذ الروسي الذي تغلغل بالأمن، والسياسة، والإقتصاد، والمفاوضات في البحث عن التسوية والمصير والمستقبل؟!.

ولم يعد مهمًّا معرفة مصير مهمّة كوفي أنان، وعمل المراقبين، وما إذا كان الحوار سينجح، ومعه المفاوضات والتسوية، بقدر ما المهم معرفة حجم الانتداب الروسي في سوريا، ومصيره ومستقبله. إن العنوان هو سوريا، فيما المفاوضات هي أبعد، وأشمل، هدفها تسوية دوليّة محتملة حول ملفات كثيرة ساخنة في المنطقة.

_ كاتب لبناني

-**-**-**-**-**-*-*

الثورة السورية ما بعد مذبحة عنان .. مهنا الحبيل

الأربعاء 18/04/2012

المدينة

كل الأطراف الدولية والإقليمية تعلم بأن مهمة كوفي عنان لن توقف الذبح ولن تُحرر الضحايا ولن توقف الإرهاب ولن تمسح على رؤوس الأيتام ولا الصبايا المغدورات، ولا حتى ستسمح بدفن الشهداء في مقابر البلدات بعد أن دفنوا في أكبر جرائم العصر في حدائق منازلهم وبعض المنازل دُفن فيها كل الأُسر التي استشهدت بأيدي الغدر والنازية الأسدية وميليشيات الدعم الإيرانية المتعددة وأولها حزبها الفاجر في لبنان، نعم قد تُقلل لأيام عدد الشهداء وقد تُعطي أجواء مفاوضات كاذبة ويُستدعى للمهمة من جديد خصم الثورة هيثم مناع وفريقه بحسب طلب المقاول الروسي والإيراني اللذين اعتمدا تنصيبه معارضًا للثورة ويحاور النظام باسمها؟!

ومع ذلك الضجيج للمهمة فإن أطراف المجتمع الدولي الرئيسية تُلمّح بل تُصرّح بفشلها ومع ذلك تؤكد عليها؟ فالمتحدثة باسم البيت الأبيض وهيلاري كلينتون وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية كلهم يشككون في مهمة عنان ويصرون على تنفيذها مع تأكيد قوي حاسم لديهم برفض تسليح فريق الدفاع عن الضحايا وكلمة السر الأمينة والوحيدة للإنقاذ وهو الجيش الحر!!

هذه ليست ألغازا إنما عرض مباشر لفك ألغاز سحلية الحل الدولي المزعوم للقضية السورية وهل هناك منطق لإنقاذ الضحايا أمام مجرم مصاصٍ للدماء غير السعي لفك أنيابه القذرة من جسد الأطفال والنساء والرجال العُزل، الجميع يعرف هذا المنطق ويدرك وخاصة أوروبا وواشنطن ومن ورائهم خطة تل أبيب السرية، لكن مع كل ذلك تبقى بوابتهم هم ذاتهم المدار الروسي الإيراني يشتمونه ويمنحونه كل الدعم الحقيقي والتنفيذي الذي تُريده شركات الإبادة الجماعية في روسيا وميليشيات الخامنئي الإيمانية وقد أعلن باسم عمامته وولايته بأن النظام الأسدي ركن إيماني، على المؤمنين!! أن يهبوا لقتل خصومه من الأطفال والثوار السوريين، هي ذات الحبكة التي خدم فيها نبيل العربي المشروع الروسي الإيراني وقدّم للنظام تصاريح ذبح ومعها تلميحات لسلاح المعارضة، نفس الخطة تُنفذ الآن، لكن ما الذي يدفع تلك الأطراف وقد صرح مسؤولي الغرب أنهم بالفعل قدموًا إنذارًا لدول الخليج -لم تستجب له- بعدم تسليح الجيش الحر.

القضية التي تُجمع إسرائيل وإيران وتحرك الموقف المصلحي للغرب من منظور حماية إسرائيل أو حتى حماية مصالحهم، أنّ الذبح والقتل رغم كل الشناعة التي تُمارس بهما على الشعب لم يعد يعطي نتيجة حاسمة لإيقاف الثورة بل على العكس أضحى يغذيها بيمين عهد دائم يهتف به الرضع الجدد أمام مواكب جنائز أقرانهم، هذا ليس حديثًا عاطفيًا، إنه مشهد يستمطر تأكيده يوميًا أمام المراقب والمحلل السياسي، هناك قضية عقائدية مركزية للشعب السوري وهي إسقاط النظام الأسدي ودمغته الإيرانية، لا يوجد أي تراجع رغم التقاعس العربي وسلسلة خطابات أردوغان المفلسة على الطبيعة، لم تتزحزح إرادة الشعب السوري قيد أنملة.

إذن الذي جمع الطاقية العبرية والعمامة الإيرانية ليس موسكو، لكنها ترويكة دولية معتمدة، لعل مبادرة كوفي عنان تُحقق مخرجًا للنظام وتُبقي مسار إنقاذ له وللتواطؤ الدولي، والقراءة العقلية البسيطة تؤكد أن هذا الخيار لا تدعمه أي صورة من صور المشهد وأنه كان فقط يُراهن عليه لإنهاك الثورة، والغريب ورغم سيل الضحايا، الثورة متماسكة من قلب ميدانها الداخلي متحدة بين الجيش الحر وحلفائه العسكريين ومع قيادة حراك الداخل ومناضليها، هنا يكمن لنا المأزق الذي يخنق طهران وحدائقها الطائفية وتل أبيب وخشية موسكو على مزارعها، وبرغم تأخّر التسليح وتباطؤ الأتراك القاتل يتوسّع الجيش الحر في خطته الإستراتيجية ونقل المعارك إلى مواقع حيوية وخطيرة على النظام واستمرار خلق بؤر متعددة لتحقيق الزحف الذاتي لصناعة المنطقة العازلة والتي بات الأتراك ليس كمبادرة منهم ولكن كاعتراف بالواقع يحاولون الاقتراب منها والتعاطي معها بصورة جدية لخلق وضعية أفضل لهم مع العهد الجديد وقوة الحسم الأكيد، لكن السؤال المتكرر: متى ينتقل الحديث في السلاح إلى العمل بعد القول ولماذا الانتظار؟! هل بقي شك في أن عدو الثوار يشخص حولهم بالأبصار؟!

-**-**-**-**-**

مصير خطة عنان .. الوطن القطرية

التاريخ: 18 أبريل 2012

عشرات الخروقات التي ارتكبها النظام السوري، مستبقا بدء بعثة المراقبين أعمالها، تعني أن ما يضمره النظام على غير ما يعلنه، وأن الهدنة الراهنة هشة، على حد تشخيص الحليف الروسي، والذي كان يفترض به أن يوجه أصابع الاتهام لنظام لا تخفى عليه ألاعيبه ولا ضميره البلاستيكي، ولا خصاله المجبول عليها، ولا تاريخه الطافح بالقرف.

ومن ثم فإن التهديد الأميركي بإمكانية إعادة النظر في خطة عنان، لو استمر النظام السوري على بطشه وجبروته، والمطالبة الفرنسية للأمم المتحدة بضرورة كشف الخروقات العديدة التي ارتكبها النظام منذ حلول الهدنة الافتراضية، يضعنا أمام حقيقة أن النظام السوري سوف يعصف بالجهود الدولية بعد حنثه السابق بالجهود العربية، ومن ثم فإن الاستعداد ببدائل أخرى تنقذ الشعب السوري من تغول النظام تصبح مطلبا عاقلا وملحا.

فالنظام سوف يستغل محدودية عدد المراقبين، وصعوبة سيطرتهم على كل خطوط التماس بين النظام والثوار معارضيه، في استمراء خرق الهدنة، وفي القيام بعمليات دموية تجاة كل من رفع صوته مطالبا بالحرية والعدالة والكرامة.

ومن ثم فإن أقوال قيادات في الجيش الحر بأنهم قد وضعوا بالفعل خططا بديلة في حال إخفاق المبعوث الدولي كوفي عنان في خطته تصبح إجراء استشرافيا له ما يبرره، ذلك لأن زئبقية النظام تحولت إلى عادة سلوكية، تنعدم على أثرها الثقة به، وأفعاله - بل قل جرائمه - على غير أقواله.

ومن ذلك يمكن القول إن هذه النبرة التشاؤمية من مصير خطة عنان، تصدر عن كل الأطراف، بمن في ذلك حلفاؤه، ومن ثم أيضا ينبغي عربيا أن تتوافر بدائل وخطط، ومنها التدخل العربي الداعم تسليحيا للمعارضة السورية، طالما أن النظام لا يرحم، ولا يترك عنان ينجح.

-**-**-**-**-**-*-*

عودة "هجومية" للنظام السوري .. عبد الوهاب بدرخان

2012-04-18

النهار

تتزايد المؤشرات الى ان دمشق تعتزم تغيير منهجها اللبناني لإبلاغ من يلزم دوليا انها كانت ولا تزال تدير البلد، وانها عائدة بقوة الى تقرير شأنه الداخلي، كدليل الى تعافيها من ازمتها وانها لم تفقد ايا من اوراقها الاقليمية. ومن جانب آخر تتجه دمشق الى اتخاذ خطوات عملية دعما لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، سواء بتسليمه معارضين عراقيين مقيمين لديها ومطلوبين امنيا في بغداد، او ب"مصالحته" مع مسؤولين عسكريين سابقين ليتمكن من الظهور كمن يحظى بتأييد وجوه بارزة ومعروفة من سنّة العراق.

يراد لهذا التوجه الهجومي ان يعلن خروج النظام السوري من ازمته، لكن يعاني منسوبا كبيرا من الاوهام ومن الاستناد الى معطيات مصطنعة او مضخمة. نترك جانبا ما يتعلق بالعراق حيث بات محسوما ان اليد العليا فيه لإيران، وان سوريا تلعب دورا ثانويا تحت السقف الايراني.

اما في لبنان فإن العبث السوري متاح طبعا، من خلال شريحة واسعة من الحلفاء تبدأ ب"حزب الله" وحركة "امل" و"التيار" العوني لتشمل بضع دزينات من الاحزاب والدكاكين، قبل ان تنتهي في خلايا الدولة والحكومة. لكن اذا قرر النظام استخدام لبنان، وارغام حكومته على الانخراط في معركته ضد شعبه وضد الدول الغربية، وبانحياز واضح وعلني، فإنه سيجازف بخسارة المزايا والمكاسب المتوافرة له حاليا بفضل "الحيادية" الشكلية الكاذبة التي تشهرها الحكومة الموالية له.

هناك صيغة وتوازن بنت عليهما دمشق هذه الحكومة وعملها، وأمكن حلفاؤها ان يفيدوا منهما، بل ان القوى الدولية المناوئة للنظام السوري تعايشت معهما طالما انهما خففا من تداعيات الازمة على لبنان – حتى الآن – كما أمّنا "استقرارا" معقولا ساهم في تسكين اوجاع الازمة الاقتصادية.

حتى ان المعارضة (الاكثرية السابقة) فضلت مراعاة هذا "الاستقرار" على خوض معارك سياسية لزعزعة الحكومة. ورغم ان هذه المعارضة تغامر بخسارة زخمها وتصاعد نقمة جمهورها، الا ان توازنا آخر ارتسم عبر خلافات "الحلفاء" التي تولت زعزعة الحكومة. لكن اي اخلال سوري بصيغة العمل الحكومي سيستتبع تغييرا في سياسات الآخرين في الداخل والخارج.

لا شك ان محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع شكلت انذارا اوليا خطيرا، ومن البديهي ان الشبهات الاولى تتجه الى دمشق وحلفائها، وطالما انها ظلت مجرد "محاولة" لم تنجح فإن تحليل اهدافها يقود الى المستفيدين المفترضين منها ويبقى في اطار الشبهات. لكن استنكار دمشق المواقف اللبنانية الرسمية بعد قتل مصور "تلفزيون الجديد" علي شعبان، وتدخلها في التعامل الحكومي مع قضية النازحين، وتوظيف العونيين في حماية "داتا" اتصالات القتلة، وسعيها الى اختراق لبناني اكبر للعقوبات الحالية الدولية على النظام... كل ذلك وغيره يعزز التوجه الى انهاء سياسة "النأي بالنفس" وكأن الازمة انتهت في سوريا. فهل انتهت فعلا؟ وحده النظام يعتقد ذلك.

-**-**-**-**-**-*-*

البوصلة السورية وإِسرائيل .. معن البياري

الدستور

18-4-2012

يتفاصح محبون للنظامِ السوريِّ عندما يتلقَّفون تصريحاتٍ إِسرائيليةً تُساند تغييره، فيعتدّون بها دليلاً على جسارةِ حكام دمشق في مناوأَة إِسرائيل ومن وراءَها، ودليلاُ على «المؤامرة الكبرى» التي يواجهها النظام المذكور. وليس المعيبُ في هذا الوهم أَنَّ الوقوعَ على تصريحاتٍ إِسرائيليةٍ تُحبِّذُ بقاءَ رئاسةِ بشار الأَسد أَمرٌ ميسورٌ أَيضاً، بل في تصويبِ أولئك الشغوفين بما ينسبونَه إِلى النظامِ من مقاومةٍ وممانعة أَنظارَهم إِلى ما يُثرثرُ به السياسيون والعسكريون والمخابراتيون في تل أَبيب، فيما يُشيحونها عما هو أَوجبُ وأَوْلى، أَي إِلى ما ينطق به مئات آلاف السوريون في مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ واسعةٍ، ويُواجهون بالرصاصِ والقذائفِ في حربٍ لا يستحي الحكمُ هناك من مواصلتِها بكل صلف. ولا يدري من يحفلون بما يقولُه هذا المسؤولُ الاستخباريُّ الإسرائيليُّ المتقاعد وذاك السياسيُّ الراهن أَو السابق، وبما يكتبه معلقٌ في مطبوعةٍ عبريةٍ سيّارة، لا يدرون أَنّهم في هذا، مقروناً بإِغماضِ أَعينِهم عن أَشواقِ السوريين إِلى التحرّرِ من النظامِ القاسي الذي يتوسَّل حكمَهم بآلتِه الحربيّةِ والأمنيّة، إِنما يقعون في بعضِ العنصريةِ المقيتة، عندما يتعامون عن ويلاتِ شعبٍ يُغالب عسفاً مهولاً منذ أَكثر من عام، فيما ينتشون بقولٍ لأَيِّ إِسرائيلي يرى ضرراً في سقوطِ بشار الأَسد على الدولةِ الصهيونية.

لسنا نحبُّ لأصدقائنا هؤلاءِ أَنْ يلتفتوا إِلى الفجيعةِ في طلبِ بنيامين نتانياهو من مئات الأوروبيين المتضامنين مع الفلسطينيين، وواجهتهم إِسرائيل بالتضييقِ عليهم ومنع أَعداد منهم من دخول فلسطين، أَنْ يُناصروا الشعب السوري، بدلاً مما هم فيه. نرمي وراءَ ظهورنا هذا الكلامَ الرخيص، من دون أَنْ نغفلَ عن نحو مليون سوريٍّ فارين من منازلهم وبلداتِهم وقراهم ومدنهم، مهجّرين ونازحين ولاجئين في سوريا نفسها وفي لبنان والأردن وتركيا، وعن أَزيدَ من عشرة آلاف قضوا قتلاً في الاعتداءاتِ العسكريةِ التي لا يُريد النظام إِيقافها. ونظنُّ أَنَّ التحديقَ في حقائقَ مثل هذه، معطوفةً على الحقيقةِ المؤكَّدةِ عن تطلع الجموعِ العريضةِ في الشعب السوريِّ إِلى الخلاصِ من نظام الأَسد وعائلته وشبيحته وأَجهزته، هو ما يلزم أن يكون، فلا يُوجِّه بوصلتَنا السورية ما يعنُّ على خواطر الإسرائيليين، كيفما اتفق أَحياناً. ونحسبُ أَنه مهما بلغَ صخبُ الخارج بشأن حاضرِ سوريا ومستقبلها، فإِنَّ الداخل هو الأَوْلى بالإنصات إِليه. وسوريا، على ما يجدرُ أَنْ يعرفَ مشايعو النظام فيها، ليست جغرافيا وشأناً استراتيجياً تنشغلُ به مصالحُ وخياراتٌ إِقليميةٌ ودولية، بل هي وطنُ شعبٍ له خياراتُه ومصالحُه الأَهم.

أَنْ يرى المختصُّ الإسرائيلي بالشؤون الأمنية، شلومو بروم، أَنَّ لإسرائيلَ مصلحة استراتيجية في ضربِ محور إِيران وسوريا وحزب الله، يوازي رأيَ الجنرال المتقاعد والوزير السابق، إيفي إيتام، إِنَّ نظام بشار الأسد «أَفضل صيغةِ حكمٍ بالنسبة لإسرائيل». لسنا بلهاءَ حتى يُفرحنا هذا الكلام، وكذا احتفاءُ المعلق، أَمنون رابينوفيتش، بالنظام «الذي لا يردُّ على اغتيال عماد مغنية وعلى قصفِ منشأةٍ نوويةٍ في دير الزور». ونتمنّى على من تغشى عيونَهم الممانعةُ الجسورةُ لدى هذا النظام أَنْ لا يبتهجوا كمن شحطَ الذئبَ من ذيله، حين يُسرفون في تظهيرِ قولِ عاموس يادلين، الرئيسِ السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إِنَّ التغيير في سوريا، إِذا حصل، يعتبرُ تحولاً استراتيجياً إِيجابياً لإسرائيل. النصيحة لهم أَنْ يسمعوا هتافاتِ السوريين، في مظاهراتٍ يوميةٍ وليليةٍ، من أَجل تغيير النظام في بلدِهم الجريح.

-**-**-**-**-**-*-*

مغزى تحول المواقف تجاه سورية .. د. محمد احمد جميعان

2012-04-17

القدس العربي

يلاحظ المراقب للمشهد الدولي والاقليمي تحولا في المواقف تجاه سورية، يتمثل في تبني الحلول السياسية، بدل مواقف سابقة كانت تتبنى تنحي الرئيس او سقوط النظام بكامله..

لم يقتصر هذا التحول على دولة دون اخرى، بل هي مواقف تتبلور وتبرز بوضوح في احاديث الساسة الغربيين والاتراك وحتى بعض العرب، والملفت انها لم تعد تتحدث عن الدم والواقع الانساني المرير، الذي يمر به الشعب السوري، بقدر ما اصبح موقفا فيه عمق المكر والدهاء، وله ابعاده وتبعاته يجدر التوقف عندها مطولا.

تفسير هذا التحول بالسذاجة اوالبساطة المعهودة لم تعد مقنعة، المتمثلة بمبررات يسوقها البعض بأن النظام السوري تخطى حاجز السقوط، اوان الواقع السوري غير قابل للتغيير، او حتى تخوف الغرب من سيطرة الاصوليين على الحكم في سورية .

صحيح ان سيطرة الاسلاميين على الحكم في سورية يشكل هاجسا يخوف الغرب، سيما بعد تكرار المشهد في ليبيا وتونس ومصر، ولكن بإعتقادي ان الامر اكبر واعظم من ذلك بكثير فيما يخص الساحة السورية، اذ ان تحالف النظام هناك مع ايران وحزب الله يشكل هاجسا اكبر واخطر في المنظور الغربي، بل يتخطى اكثر ليصل الى ملامح ما كان يسمى بمشروع الشرق الاوسط الجديد الذي كان محوره القضاء على المقاومة وخدمة اسرائيل.

لقد تابع الغرب عنادة الموقف الايراني في دعمه لبقاء النظام السوري، وكذلك موقف حزب الله في هذا الاتجاه، وتابع ايضا ما افرزته هذه المواقف من اصطفاف طائفي مذهبي فرق الامة وتركها متناحرة، من يقف مع ومن يقف ضد، وكذلك ملامح عداء يتبلور متصاعدا تجاه حزب الله كحركة مقاومة اصبح الحديث فيها صريحا دون مواربة.

هذه المستجدات والنتائج التي افرزتها حالة الصراع وسيل الدماء على الساحة، وجدت لها صدى قويا من القوى الصهيونية ومن يدور في فلكها، باعتبارها صيدا ثمينا عجزت عنه في السابق، رغم الخطط والمشاريع والاموال التي بذلت في هذا الاطار، الا انها لم تستطع ان تحدث تحولا في المزاج العام الى نحو عدائي تجاه ايران وحزب الله ، وهو ما توفر الآن وتريد ان تعظمه وتصاعده وتجذره .

ولن يتم ذلك الا من خلال التلكؤ في تبني قرارات تخدم سقوط النظام، وطرح بديل ذلك حلولا سياسية تعمق حالة الصراع والدم والحقد والعداء على الساحة السورية، وبين مكونات الامة سيما السنة والشيعة، بقصد اضعاف حالة المقاومة، بل والاجهاز عليها واخراج ايران من المعادلة وتهيئة الاجواء لضربها، بما فيها اية مشاريع قادمة تشكل تهديدا على اسرائيل ..

بالطبع، سوف يعد ويخطط لذلك، هذا اذا لم يكن قد اعدت الخطط المناسبة لذلك بكل الاتجاهات، ارى بعض ملامحها؛ في الظاهر السياسي والاعلامي يتم تبني حديث سياسي للخروج من الازمة في سورية، وفي الباطن تعمل هذه القوى جاهدة لدعم الجيش السوري الحر ومعه مكونات المجتمع السوري المعادية للنظام بالسلاح والمال والمعلومات لادامة القتال واستمرار الصراع ، ليتوج ذلك في نهاية المطاف بسقوط النظام كليا، ولكن ايضا وهو الاهم تجذر حالة العداء الشعبي والسياسي والميداني تجاه ايران وحزب الله كحركة مقاومة ليجدوا انفسهم بعد ذلك امام واقع يسهل على اسرائيل الاجهاز عليهما بسهولة، ناهيك عن ترتيبات سياسية يمكن اعدادها من خلال ادامة الصراع هذا على الساحة السورية.

مصيدة محكمة للمقاومة في المستنقع السوري، تتم من خلال ادامة بقاء النظام هناك، من خلال الحديث عن حلول سياسية فيما يجري اعداد وتجهيز وتسليح للشعب هناك.

بقاء النظام في سورية اصبح خدمة كبرى للقوى الصهيونية، ويتم استثماره بخبث ودهاء، اذ لم يدرك ويستدرك بمبادرة يتنحى فيها الرئيس بمباركة ايران وحزب الله وكل من يريد ان يكون داعما لانقاذ الموقف دون تسويف او ابطاء، فلن نرى الا تمزقا وانهيارا وخلافا وعداءا لن ينفع معه الندم.

-**-**-**-**-**-*-*

الفخ السوري.. حذار من التدخل .. معاريف

صحف عبرية

2012-04-17

القدس العربي

في استطلاع أُجري مؤخرا أعرب 26 في المائة من الاسرائيليين عن معارضتهم لكل تدخل من دولتهم في القتال في سورية. ضد هذا القتال وقفت الدول الغربية، الدول العربية وتركيا، التي تعمل أساسا على المستوى السياسي. بالمقابل، يتلقى نظام الاسد مساعدة سياسية، اقتصادية وعسكرية من ايران ومن حزب الله، باسناد روسي. فهل اسرائيل، التي حرصت حتى الآن على الحيادية بالنسبة لسورية، كفيلة هي ايضا ان تتدخل؟

انهيار نظام الاسد ينطوي على فضائل هامة لاسرائيل، وعلى رأسها انهيار محتمل للحلف بين سورية وايران والذي يعرض اسرائيل للخطر. بدون سورية سيفقد حزب الله سندا هاما جدا، ناهيك عن ان نظاما سورية جديدا، يقوم على أساس اغلبية سنية، كفيل بأن يتحفظ من مكانة حزب الله الشيعي والمؤيد لايران في لبنان، البلاد التي تسعى سورية وايران الى نيل النفوذ فيها.

نظام سوري جديد كفيل بأن يعاني من عدم الاستقرار، يدفعه الى صرف الانتباه نحو اسرائيل، بما في ذلك على المستوى الامني، مثلا في ظل استغلال مسألة هضبة الجولان. قلق آخر في اسرائيل هو ان يصل سلاح من سورية المنهارة الى منظمات عصابات وارهاب مثل حزب الله، ولا سيما اذا كان هذا سلاحا كيماويا.

لقد تدخلت اسرائيل في الماضي في حروب أهلية في دول عربية، بشكل عسكري ايضا. في 1970 جرى صراع حاد في الاردن بين نظام الملك حسين والمعارضة لديه، م.ت.ف. سورية اجتاحت الاردن كي تساعد م.ت.ف. اسرائيل ردعت سورية من مواصلة الاجتياح للاردن، الامر الذي ساهم في انقاذ الملك حسين وسمح له بالتركيز على الحاق الهزيمة ب م.ت.ف. اذا ما جرى الآن اجتياح لسورية، من تركيا مثلا، فواضح ان اسرائيل لن تحاول منع هذا.

في 1982 دخلت اسرائيل الى لبنان الذي كان غارقا في حرب أهلية. ضمن أمور اخرى كي تساعد المسيحيين الموارنة في الصعود الى الحكم بعد سنوات من العلاقة معهم، تضمنت نقل السلاح. مثل هذه العلاقة بين اسرائيل والمعارضة السورية بالتأكيد لا توجد اليوم. ومع كل حماسة الاخيرة لاسقاط الاسد، فانها لا تعرب عن الرغبة في التعاون مع خصمه، اسرائيل، حتى ولا لهذا الغرض فقط.

حتى لو نشأ تفاهم مع المعارضة السورية، فان اسرائيل كانت على أي حال سترفض مسبقا التدخل المباشر الذي من شأنه ان يعرض للخطر جنود الجيش الاسرائيلي، حتى ولو بعمل من الجو.

كما ان مجرد اطلاق السلاح والذخيرة فقط، ليس من انتاج اسرائيل، وبالسر، كان سينطوي على مخاطرة اذا ما نجح النظام السوري في وضع اليد على جزء من الارساليات ليحصل على دليل صلة لها باسرائيل، كالقبض على أحد ما من المعارضة شارك في استقبال الارساليات من اسرائيل.

هذا الاكتشاف كان سيخلق توترا شديدا بين اسرائيل وسورية، والاخيرة كانت لا بد ستشعل أواره كي تصرف الانتباه عن أفعالها، بالتوازي مع توجيه الاتهام لاسرائيل في أنها تتدخل في ما يجري داخل دولة سيادية وبالمسؤولية عن استمرار القتال والمعاناة في سورية.

وكانت اسرائيل ستتعرض لانتقاد دولي، بما في ذلك من الغرب، الذي يمتنع حتى عن تسليح المعارضة ويخشى من اتساع الصراع في سورية. من اجل التخريب على الجهود الموجهة ضدها، كانت سورية ستحاول احراج الدول العربية وتركيا فتعرضها كمن توجد في ذات الجانب من المتراس مع اسرائيل ضد دولة عربية.

تشديد اسرائيل على ايران ومساعي تجنيد الدعم الدولي الاقصى في صالحها يشكل اعتبارات اخرى في اتخاذ القرار الذي يحظى بتأييد الغرب. وبالتالي فان على اسرائيل ان تُبقي مسألة نقل المؤن العسكرية للمعارضة في سورية لمن يعنى بذلك منذ الآن. بالاجمال، دور اسرائيلي في سورية من شأنه ان يضر أكثر مما يجدي، ولا سيما اذا تعاظم خطر الاحتكاك بين اسرائيل وسورية.

اذا ما فكرت اسرائيل بتدخل ما في سورية، لا ينبغي لهذا ان يكون من اجل أي من الطرفين بل في صالح مصلحة اسرائيلية واضحة كاحباط نقل السلاح بشكل عام، والسلاح المتطور بشكل خاص من سورية الى حزب الله، وحتى في هذه الحالة فقط اذا كان الامر ينطوي على مخاطرة منخفضة المستوى على اسرائيل. عليها ان تستعد لمواصلة حكم الاسد ولسقوطه في نفس الوقت دون ان يكون هذا على حسابها، وبالتأكيد في ظل الامتناع عن خطوة من شأنها ان تشعل، لهذا السبب فقط، مواجهة زائدة تماما.

' خبير في شؤون الامن القومي

-**-**-**-**-**-*-*

أوفقوا القتل نريد أن نبني وطناً لكلّ السوريين .. موقع المندسة السورية

ريما دالي ... اعتقلها الأمن ... أمرٌ طبيعي و اعتدنا عليه منهم, لكن لماذا ؟

لقد تخضبت باللون الأحمر, و اتجهت نحو مجلس الشعب, و بمنتهى الرّقي رفعت لافتة كُتب عليها :

أوفقوا القتل نريد أن نبني وطناً لكلّ السوريين

أمام مجلس الشعب, مجلس كلّ الشعب !!

أو ليس رجال الأمن و جيش النظام و أزلامه ( سوريين ) و هم يُقتلون يومياً على أيدي ( العصابات المسلحة ) ؟

اذاً, فلماذا اعتقلوها ؟ لمَ لم ينهوا اعتصامها بنفس الرقيّ و لو بقليل من الشدّة, و يفضّوا الناس, و انتهى الأمر كما بدأ,,

ثمّ من قال لهم, أنها ضدّهم ؟ و أنّ اللافتة تؤيّد الثورة ؟ و تحمل على اسقاط النظام ؟

يا ترى, ما الذي أثار حفيظتهم في تلك اللافتة ؟

طلبها بأن أوقفوا القتل ؟ أم بناء الوطن ؟ أم شملها كلّ السوريين ؟

و هل هذه الطلبات مجتمعة, يختلف عليها أحد في هذا البلد ؟

و هل من يوالي الى اليوم, يرى في ايقاف القتل و بناء الوطن, عمالة للخارج !!

هيَ كانت حريصة على أن تكون رسالتها الى الجميع, فتحاشت عَلماً ما, أو شعاراً ما, و رافقها في ذلك رد فعل المارّة ... مع أني لا اعتقد أنهم أحسنوا دعمها, لكنّ الأهم في النهاية, أنهم لم يخرّبوا عليها أداء رسالتها, فاكتفوا بالتصفيق بدون أي تصرّف قد يهيّج رعاع النظام, ليبعدوا عنها و عنهم أي أذى, لكن هيهات !!

ثورتنا بألف لون و لون, و هذا ما يجعلها أنموذجاً, فرغم علو صوت النار, عادت تلك الصبيّة الحقوقية لتخترقه, و تخرج بهذا الشكل السلمي الأنيق, و تعبّر ...

ربما, و أكاد أجزم آسفاً, أنّ ما طلبته ريما لم يعد يجمع كلّ السوريين ...

-**-**-**-**-**-**-**-**

“كلنا شركاء” في تركيا للبحث عن كواليس سياستها في سوريا

2012/04/16

كلنا شركاء

- لا ثقة بأي حل تحت وجود بشار الأسد ..

- سبب تأخر تركيا أنها لا تريد رحيل بشار فقط .. بل تطمح إلى حلول عملية لأغلب مشاكل الإقليم .

- خيارات كثيرة أمام تركيا من إستراتيجية بقعة الحبر إلى المناطق العازلة إلى الناتو إلى الضربات الموجعة !!

- في يد تركيا أهم ملفات الإقليم الاقتصادية والسياسية .

* * *

هناك عتب كبير على تركيا عند الكثير من المعارضة السورية لتأخرها واكتفائها بالتصريحات اللفظية , وهناك تخوين واتهامات واضحة من الإعلام السوري والساسة السوريين الموالين لبشار وحاشيته واتهام لتركيا بنكران الجميل وبحثها عن أرثها العثماني في سوريا والدول العربية ..

وهناك حيرة حقيقية في أوساط الشباب السوري من مواقف تركيا واكتفائها بضبط النفس رغم كل الاستفزازات النظام واكتفاء المسؤولين الأتراك بتصريحات نارية لا تترجم إلى أفعال ..

كما أن أكراد سوريا لديهم آلاف إشارات الاستفهام بل والاعتراض على ضبابية الدور التركي في سوريا ..

لهذه الأسباب الكثير كان لابد لكلنا شركاء من بحث بين كواليس السياسة التركية لعلنا نصل إلى إجابة لأسئلتنا , من قصدناهم كانوا في ألأغلب من التيارات التي تجير القرار التركي الآن , ممن يسمون جماعة " النوريين " نسبة إلى بديع الزمان النوري العالم المعروف والذي كان أحد خصوم كمال أتاتورك الكبار وتم اعدامه ..

ويعتبر الشيخ " فتخ الله كولان " الآن الأب الروحي لهؤلاء في تركيا والعالم , وتحت ولائه أغلب حزب العدالة وقادته , كما يعتبر داوود أوغلو راسم سياسة هؤلاء نحو المستقبل في الاقتصاد والسياسة .

لن نذكر في هذا التقرير الأسماء بناء على طلبهم , وسنتحدث عن أغلب الأسئلة التي تؤرق السوريين من ناحية السياسة التركية ..

- هل حقاً كلام الساسة الاتراك بدأً من زعيمهم أردوغان وانتهاء بأقل سياسي هو مجرد فقاعات إعلامية لا تفيد ولا تساهم في وقف الدم السوري , أم أن خلف الأكمة ما وراءها ؟

عن هذا السؤال تولّى الإجابة أحد مستشاري وزارة الخارجية التركية قائلاً :

هناك عدم فهم حقيقي لسياسي تركيا الجدد من أردوغان ومن معه , هؤلاء مولعون بالعمل في السر ولا يهتمون بما يقال عنهم أو ما ينقل عنهم أو ما يتهمون به وهذا سبب نجاحهم في تركيا وفشل خصومهم حتى من الإسلاميين مثل المرحوم نجم الدين أربكان الذي كان دائم الحديث عما يريد فعله في المستقبل ولذلك كان يحاصر قبل فعل أي شيء , أما هؤلاء فهم يجيدون تماماً اللعب في السر ويعتبرونها أم السياسة , فتح الله كولان كان في أمريكا ممنوعاً من دخول تركيا ومحارباً من الإعلام التركي والقضاء التركي ومع ذلك استطاع تأسيس جيل كامل من الأتراك الجدد عبر مدارس سرية نشرها في تركيا رغم كل المراقبة الشديدة له ولأنصاره .

- لذلك اتهام أردوغان ومن معه بأنهم يطلقون مجرد شعارات وكلام خاطئ جداً , فهم لم يتخلوا عن القذافي حتى اللحظات قبل الأخيرة بينما تخلوا عن بشار الأسد منذ اللحظات الأولى , تركيا تحضر نفسها ليس فقط لرحيل بشار , بل تحضر نفسها لسنوات العمل الدءوب في سوريا بعد رحيل بشار , فليس رحيل بشار المشكلة التي تؤرق تركيا , بل القادم مابعد بشار هو مايؤخر قرارات تركيا ويجعلها تحضر نفسها جيداً وتتأخر في الأعمال الموجهة نحو النظام السوري ..

يقول لنا هذا المستشار التركي :

الدولة التي تتخلى عن مليار دولار من استثماراتها في سوريا في لحظات لن تستطيع اتهامها بأنها تطلق فقاعات إعلامية

- نسأل الضيف :

ماذا تنتظر تركيا إذن ؟

يجيب , تركيا تعرف أن بشار لن يلتزم بأي خطة ولن يتنحى إلا بوسيلتين فقط وقد ذكرهما داوود أوغلو لعدد من الزعماء العرب والأجانب ,

- اغتياله من قبل مقربين له من الجيش والأمن .

- أو ضربات موجعة تقلق راحة من يحميه ؟

ولكن تركيا لا تريد أن تظهر بمظهر المعتدي على سوريا , لحساسية هذا الموضوع بالنسبة لعدد من أقليات سوريا مثل الأرمن والعلوية والدروز وكذلك الأكراد , بل تريد أن تظهر بمظهر المدافعة عن حدودها , وهذا ما يصر عليه الساسة الأتراك ..

الذي تنتظره تركيا الآن هو الانتهاء من كل الحلول السياسية وتأكد الداخل السوري بأغلب تياراته بما فيهم الأكراد من أن بشار الأسد لن يرحل إلا وقد افنى سوريا نهائياً , وسيكون دور تركيا وقتها ( دور المخلّص ) وليس دور المعتدي .

- ماهي خيارات تركيا المتاحة ؟

يجيب على هذا السؤال أحد العسكريين المقربين إلى وزير الدفاع التركية ..حيث يحدثنا أن القيادة العسكرية والسياسية في مجلس الأمن القومي تجتمع كل أسبوع وتدرس كل الاحتمالات وأنها صارت في الأسبوعين الأخيرين تجتمع أكثر من مرة في الأسبوع وقد حضر اجتماعاتها الأخيرة سفراء من دول الناتو أيضاً ..

وذكر هذا المصدر لنا أيضاً أن هناك دول عربية تأخذ تقريراً دورياً من هذه الاجتماعات أيضاً ..

حيث يتدارس العسكريون طريقة التعامل السليم وبأقل الخسائر مع المشكلة السورية .

ومن هذه الحلول التي تطرح :

- تدخل الناتو تحت بند المادة الخامسة التي تنص على حماية حدود دول الناتو وهذه لا تحتاج تفويضاً أممياً .

- المنطقة العازلة , وهذه تحتاج لتفويض دولي أو حتى سكوت دولي يسمح بإنشاء هكذا منطقة بحجة حماية المدنيين .

- التنسيق مع قادة كبار في الجيش والأمن للتخلص من بشار الأسد دون تدخل عسكري وهذه هي الخطة التي تسعى عليها تركيا منذ أكثر من شهرين .

- تأسيس جيش سوري مجهز بعتاد كامل ويتولى هو مواجهة السلطة السورية ( حزب العمال النسخة التركية ) .

- ساعة محددة ( ضربات موجعة حساسة على نقاط عسكرية مهمة لبشار الأسد يواكبها في نفس الوقت أعمال ميدانية للجيش الحر ومظاهرات كبيرة وعارمة واختراقات كبيرة لمؤسسات الدولة من قبل المواطنين في نفس الوقت مما يخلخل كل المؤسسة الأمنية والعسكرية ويجعلها عاجزة عن فعل أي شيء ..)

- نسأل هذا الخبير العسكري عن المنطقة العازلة التي تتردد كثيراً في الفترة الأخيرة فيجيب :

تركيا لديها أحد الحلين لهذه المنطقة العازلة ..

- إما خيار تورغوت أوزال وقراره الشجاع , إثر قيام المروحيات العراقية بشن هجمات على انتفاضة الكرد في شمال العراق والهجرة المليونية المعروفة صوب تركيا مما اضطر رئيس تركيا آنذاك تورغوت أوزال ( الكردي ) إلى المطالبة بإحداث منطقة " تابونية " عازلة في الأقليم الكردي من العراق من قبل المجتمع الدولي , لأسباب انسانية وسياسية معاً تتعلق بالتواجد الكبير لملايين الأكراد في تركيا فلاقى نداؤه ترحيباً من الحكومة البريطانية ودول أوربية واحراجاً كبيراً لأميركا لسكوتها على تجاوزات مروحيات صدام وبتلك المنطقة انقلبت موازين القوى على صدام حسين ..

مشكلة تركيا في الخيار في سوريا , أنها لم تستطع بعد تحديد منطقة مناسبة لهكذا حظر جوي لأن لها حساسيتها مع الأكراد وهم ينتشرون على أغلب مناطق الحدود .

إلا أن محدثنا يذكر أن العسكريين الأتراك وفي الاجتماعات الأخيرة قرروا ان حصل اتفاق دولي على هكذا منطقة أن يكون بعيداً عن مناطق الأكراد , حتى لا يعتبره هؤلاء الأكراد نية للهجوم التركي عليهم ولذلك استقرت آراء العسكريين على منطقة حدودية شبه طويلة من تل أبيض في الرقة حتى جرابلس وأعزاز في حلب , حيث أنها مناطق متناغمة سكانياً , ولعشائرهم وأسرهم قرابات في تركيا وعلاقات جيدة جداً ,

وحسب مصدرنا هذا هو سبب تركيز السلطة السورية على الهجوم على الرقة وريف حلب

- الخيار الثاني المتاح للسلطات التركية بحسب رأي هذا العسكري التركي , ههو خيار مايعرف عسكرياً ( بنقطة الحبر ) أو بقعة الحبر ..

حسب هذا العسكري تكون الخطة التركية باختيار مناطق حدودية في ادلب , مثل جسر الشغور التي يعتبرها الأتراك مناسبة جداً لهكذا منطقة لتاريخها المعروف مع أدلب العداوة مع حافظ أسد الذي همشها وقتل الكثير من عائلاتها ..

حيث ستقوم هذه المنطقة العازلة بالتمدد كبقعة الحبر حولها حتى تصل إلى قطع الطريق على حلب ثم ابتلاع حلب واخراجها من سيطرة النظام وبالتالي حرمانه من الرئة التي يتنفس منها اقتصادياً وسياسياً .

ماهي الرؤية الحالية للأتراك نحو المشكلة السورية :

سألنا في جولتنا على السياسيين الأتراك هذا السؤال , الأغلب منهم متفق أن السياسة التركية بالأغلب تعرف أن الحل السوري طويل ومكلف ولذلك تراهن عى موضوع المنطقة العازلة وأن أغلب الساسة الأتراك يقارنون بشار بصدام حسين ,

وأن رحيله سيكون خلال هذه السنة ولكن ليس خلال أشهر ,

وسبب مقارنتهم لبشار الأسد بصدام , أن رحيله يفترض حصاراً اقتصادياً مكثفاً , وهذا لم يطبق حتى الآن بشكل فعلي حتى عند بعض الدول العربية , ولذلك الأوراق التي تعمل عليها تركيا حالياً :

1- ورقة الاقتصاد " حيث تتولى تركياً محاصرة اقتصاد النظام عبر التفاهمات الاقتصادية مع أقوى حليفين له ايران و روسيا وهذا ما تعمل عليها الخارجية التركية سراً , رغم كل التسريبات الكاذبة التي يروجها الاعلام السوري عن رفض ايران التعامل مع تركيا واهانة وفودها , ذكرت لنا مصادر سياسية في تركيا أن الساسة الأتراك لا يكلفون انفسهم عناصر الرد على هكذا ترهات لأن الواقع هو من سيظهر كذبها والدليل على ذلك أن هناك مئات الاتفاقات الاقتصادية فوقع مع ايران وأن تركيا هي الوجهة المالية الحالية للنظام الايراني وأن كل الاعلام السوري ظهر كاذباً عشرات المرات وآخرها بعد تسريبه أن نجاد أهان داوود أوغلو في زيارته الأخيرة , ليكشف العالم أن داوود أوغلو عاد من إيران ومعه تفويض من نجاد بإدارة الملف السياسي لمفاوضات النووي الايراني مع الغرب وأمريكا وهي صفقة مهمة جداً لتركيا في طريق عزل نظام بشار عبر شراء محالفيه .

2-ورقة الملف النووي الايراني .

3- ورقة الدرع الصاروخي وملف القوقاز مع روسيا .

4- ورقة تحضير معارضة قوية سورية قادرة على إدارة البلاد بعد رحيل بشار , وهذه الورقة يشوبها حتى الآن الكثير من المشاكل التي تحاول تركيا حلها مع السعودية والجامعة العربية والمعارضة السورية والاتحاد الأوربي وأمريكا وروسيا .

كيف ترى تركيا الحل في سوريا ؟

هذا السؤال طرحناه على مصدر مهم في مركز أبحاث تابع لوزارة الخارجية التركية , حيث فصّل لنا وجهة النظر التركية في هذا الموضوع :

- مشكلة الحكومة التركية مع المعارضة السورية بما فيهم المجلس , أن الحكومة التركية تطلب منهم واقعية سياسية وليس مجرد آمال وأماني , فكثير في المعارضة السورية يحسب أن إنهاء النظام السوري هو بحاجة أيام وقرار في مجلس الأمن بينما تعلم الحكومة التركية أن إنهاء النظام السوري يحتاج وقتاً مناسباً وتدخلاً أكثر من مجلس الأمن , كما أن هناك تيارات كثيرة في المعارضة تعتبر أن عملها السياسي فقط على إنهاء بشار الأسد , بينما تريد تركيا والغرب والعرب مشاريع أكثر من إنهاء بشار , لأن هذه الدول تعتبر أن اصلاح ما أفسده البعث في الاقتصاد والسياسة يحتاج سنوات كثيرة والكثير من العمل الدؤوب وهو ما لم تصل إليه الكثير من تيارات المعارضة بعد .

- كما أن هناك مشكلة بين تركيا والأحزاب الكردية في سوريا , فهي أحزاب مهمة ولكنها لم تخرج بعد من عبارة حزب العمال الكردستاني بسبب قواعده المهمة في حلب , رغم أن لتركيا علاقات جيدة جداً بأحزاب كردستان , لذلك تنتظر تركيا نضوجاً في الأحزاب الكردية السورية يبعدها عن مظلة حزب تركي كان النظام السوري وراء تأسيسه ثم الغدر به وتسليم زعيمه والآن يعملون على إعادة استخدامهم لمشاريعهم في قمع الانتفاضة السورية , رغم أن أردوغان صرح مراراً لرؤساء عدد من الأحزاب الكردية في كردستان أنه لازال ملتزماً بخارطة الطرية الكردية التي ذكرها قبل الاستفتاء الذي جرى في أيلول , ولم تكن فخاً سياسياً من أجل تمرير الاستفتاء لحزب العدالة كما يدعي حزب العمال الكردستاني .

- كما أن هناك مشكلة كبيرة تواجه الاقتصاد التركي بعد أن تخلى عن استثماراته في سوريا وخسر الطريق الاستراتيجي الذي كان يصله بعدد من الدول العربية عبر سورية , وهي مشكلة ضاغطة الآن على الحكومة التركية ويحاول معارضو اردوغان استغلاله من أجل إحراج حزب العدالة , لذلك سيكون الحل السوري بالنسبة لتركيا مصحوباً بتعهدات عربية وأوربية وخليجية بتعويض هذه الخسائر في تركيا عبر عقود ومشاريع تظهر حزب العدالة بمظهر الفائز اقتصادياً وليس المغامر باقتصاد البلد وعسكرة الحدود ..

من أجل هذه الأسباب المهمة ذكر لنا هذا المصدر التركي المهم أن تركيا تنتظر نضج الرؤية الكردية السورية وتفاهمها مع باقي المعارضة السورية لانضاج مشروع سوريا القادمة المبنية على حسن العلاقة مع دول الجوار على مبدأ المصالح وليس ؟؟؟؟؟ كما أن تركيا تنتظر رؤية هزة اقتصادية خليجية غربية يعمل عليها الآن داوود أوغلو , تمنع هزة الاقتصاد التركي , وكذلك تسمح بدخول إيران معهم كمستفيد وليس كحصة في الخليج والمنطقة مما يعزل النظام السوري تماماً ..

لهذه الأسباب الحل السوري في تركيا أكيد لكنه بحاجة لمزيد من الوقت وربما الكثير من الضحايا أيضاً كما ذكر لنا هذا المصدر التركي المهم .

ونضج المعارضة السورية هو من يلعب دوراً مهماً في تقليص الوقت والضحايا .

-**-**-**-**-**-**-**-*

موسكو والنظام السوري... متى قبلة الموت؟ .. بقلم/ خيرالله خيرالله

الراية

17-4-2012

ذهب مراقبون دوليون إلى سوريا... أم لم يذهبوا. ليست تلك المسألة. ما على المحك مستقبل بلد عربي بات مهددًا. تمرّ سوريا حاليا بمرحلة مصيرية في ظلّ نظام يرفض الاعتراف بأنه انتهى. لا يشبه النظام السوري سوى تلك الأنظمة التي تحكّمت بدول أوروبا الشرقية فترة طويلة من الزمن امتدت بين العامين 1945 و1990.

كانت تلك الأنظمة مرفوضة من شعوبها. انتهت مع انتهاء الاتحاد السوفياتي. منذ سقوط جدار برلين في نوفمبر من العام 1989، كرّت السبحة. استعادت المانيا الشرقية حريتها وعادت إلى المانيا. لم تمض أشهر إلاّ واستعادت تشيكوسلوفاكيا بدورها حريتها ثم اختارت بطريقة حبية أن تُصبح دولتين هما تشيكيا وسلوفاكيا. عادت هنغاريا إلى أهلها، كذلك رومانيا التي تخلّصت من عائلة حاكمة جسّدت كل أنواع التخلف والوحشية. على الدرب نفسه سارت كلّ من بولندا وبلغاريا.

لم تكن يوغوسلافيا جزءا من المنظومة السوفياتية. انتهت يوغوسلافيا مع انتهاء تيتو الرجل الذي وحّدها وانتهت دول عدة بعد سلسلة من الحروب التي حركها انفلات كل أنواع الغرائز. دفعت يوغوسلافيا ثمن الوحدة غير الطبيعية التي استطاع فرضها جوزف بروز تيتو بفضل شخصيته القويّة. ما لا يمكن تجاهله أن تيتو، أحد مؤسسي حركة اللانحياز، تحدّى ستالين عندما كان في عزّ قوته وجبروته وأبقى على مسافة بين بلده والاتحاد السوفياتي. لكنّ ذلك لم يحل دون انفراط عقد يوغوسلافيا!

في النهاية، لم يكن الوضع في اي دولة من دول أوروبا الشرقية طبيعيا. كانت هناك شعوب تقاوم الديكتاتوريات والأنظمة الأمنية والدبابات السوفياتية. قاومت هنغاريا الظلم، فكانت انتفاضة بودابست في العام 1956. وكان "ربيع براغ" في العام 1968. أما بولندا، فلم تستكن يومًا وقد لعبت الكنيسة والحركة النقابية دورًا حاسمًا في مجال تأكيد أن أنظمة تقوم على الأمن وعلى دعم الدبابات السوفياتية لا يمكن أن تستمرّ إلى ما لا نهاية.

بعد تحرر دول أوروبا الشرقية، لم يبق في العالم سوى عدد قليل من الدول تتحكم بها الأجهزة الأمنية. بقي النظام العراقي، وهو نظام عائلي بعثي -يشبه إلى حد كبير- النظام السوري. اعتقد صدّام حسين في العام 1990 أنه لا يزال في استطاعته لعب دور أكبر من دوره. ذهب إلى الكويت هربًا من أزمته الداخلية. لم يجد من ينقذه عن طريق صفقة يعقدها مع الولايات المتحدة. تخلّى الاتحاد السوفياتي عن صدّام ونظامه وترك المجتمع العراقي يتفكك والمؤسسات العراقية تنهار من الداخل إلى أن جاء التدخل العسكري الأمريكي في العام 2003.

من سوء حظ سوريا اقتناع النظام فيها أنه يستطيع الرهان على روسيا التي تعتقد أنها ورثت قسما من القوة التي كان يمثلها الاتحاد السوفياتي. كلّ ما تفعله القيادة الروسية حاليًا يتمثل في البحث عن صفقة تستفيد منها موسكو وليس النظام السوري. إن عذابات الشعب السوري تبدو آخر همّ من هموم القيادة الروسية التي تُدرك قبل غيرها أن ليس في الإمكان تغيير مجرى التاريخ.

لو كان فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف يمتلكان حدّا أدنى من الشعور الإنساني، لكانا أفهما النظام السوري أنه ليس أقوى من النظام الروماني أيّام تشاوشيسكو ولا النظام البلغاري أيام جيفكوف ولا النظام الألماني الشرقي أيّام أريش هونيكر. في آخر المطاف، جاء ميخائيل غورباتشوف إلى برلين وتكرّم على الزعيم الألماني الشرقي بقبلة الموت.

مهّدت تلك القبلة لاستعادة ألمانيا وحدتها. كانت قبلة غورباتشوف لهونيكر بمثابة قبلة الرحمة للشعب الألماني كلّه. أظهر غورباتشوف أنه رجل عظيم يعرف إلى أين يتجه العالم. كان يعرف خصوصًا أن لا أمل بحياة مديدة لأنظمة تقوم على آلة عسكرية وأمنية مهما بلغ حجم هذه الآلة.

برفض موسكو التكرّم بقبلة الموت على النظام السوري، تسمح بقتل آلاف السوريين الأبرياء الذين لا يريدون سوى استعادة حريتهم وكرامتهم. هل تفعل ذلك عن قصد من منطلق رفض الاعتراف بأن هناك عالمًا جديدًا نشأ عن انهيار الاتحاد السوفياتي؟ هل هناك في موسكو من لا يريد الاعتراف بأنّ جدار برلين انهار قبل ثلاثة وعشرين عامًا، أم أن كلّ ما في الأمر أن موسكو تعتقد أن في استطاعتها الاستفادة من حرب أهلية في سوريا تؤدي إلى تقطيع أوصال البلد؟ إنه بالفعل منطق اللامنطق في عالم معروف فيه مصير نظام مثل النظام السوري، نظام في مواجهة يومية مع شعبه.

-**-**-**-**-**-*-*

حماية دولية للشعب السوري .. رأي الراية

الراية

17-4-2012

تعبر تصريحات حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى أثناء زيارته إلى روما حول الوضع في سوريا عن تضاؤل فرص نجاح خطة الموفد الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي عنان في وقف العنف وعن حجم المأساة الإنسانية التي تشهدها المدن والبلدات السورية منذ أكثر من عام. حيث تسبب عنف النظام السوري غير المسبوق في مواجهة الاحتجاجات الشعبية السلمية المطالبة بالحرية والديمقراطية والتغيير في سقوط أكثر من أحد عشر ألف قتيل وأكثر من سبعين ألف جريح وعشرات آلاف النازحين واللاجئين.

إن استمرار العنف والقتل على يد قوات الأمن وجيش النظام السوري الذي أصبح قتلاً على الهوية دفع دولة قطر منذ عدة أسابيع إلى مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لتسليح المعارضة ودعمها ليتسنى لها الدفاع عن أبناء الشعب السوري في وجه نظام لا يحسن سوى لغة القتل في التعامل مع شعبه وهي الدعوة التي يعيد تأكيدها سمو الأمير بالقول إن الشعب السوري"لا يلزمه دعم بالسبل السلمية، بل بالأسلحة"لإنقاذه.

لقد أدان سمو الأمير الصمت والعجز الدوليين في اتخاذ إجراءات للرد على المجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري مشدداً على أن موقف مجلس الأمن "غير أخلاقي إزاء شعب يقتل كل يوم ويتلقى الصمت فقط".

إن الشعب السوري الذي لقي تخاذلاً من المجتمع الدولي وعجزاً غير مبرر سمح للنظام أن يتمادى في استخدام خيار العنف والقتل لن يتراجع عن ثورته ومطالبه المشروعة بالحرية والكرامة والعدالة بعد التضحيات الكبيرة التي قدمها وهو بلا شك سيقطف ثمار ثورته عاجلاً أم آجلاً لأن إرادة الشعوب كانت وستظل أقوى من إرادة الطغاة والديكتاتوريين.

إن تمادي النظام السوري واستمراره في اللجوء إلى خيار العنف والقتل لمواجهة الثورة السلمية في سوريا يضع مجلس الأمن الدولي الذي اتخذ قراراً بإرسال بعثة مراقبة للإشراف على وقف إطلاق النار أمام مسؤولياته كجهة تحفظ الأمن والسلم فمن غير المقبول استمرار الحديث عن تطبيق مبادرة كوفي عنان التي قبلها النظام في نقاطها الست والتي أبرزها وقف إطلاق النار وسحب الجيش والأسلحة الثقيلة من المدن والبلدات السورية في الوقت الذي لا يزال يماطل النظام في تطبيقها على الأرض. ولا يزال يستهدف المدنيين ويقصف المدن بالأسلحة الثقيلة.

لقد استنفد النظام كل فرصة منحت له لوقف شلال الدم السوري وأثبت في كل مرة أنه لا يقيم وزناً لالتزاماته وتعهداته وبالتالي فإن المجتمع الدولي أصبح مطالباً باتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية الشعب السوري في وجه عنف النظام وتوقف المجازر التي ترتكب بحقه.

-**-**-**-**-**-**-**-**

مراقبون دوليون بعيون النظام؟! .. راجح الخوري

2012-04-17

النهار

لماذا غادر الجنرال روبرت مود سوريا فجأة بعدما كان قد اعلن انه سيقود فريق المراقبين الدوليين الذين انتدبوا وفق القرار 2042؟ هل حرصاً على الا يتحول نسخة نروجية من الجنرال السوداني محمد احمد الدابي الذي قاد مهمة فاشلة للمراقبين العرب قبل اشهر؟

كان كوفي انان قد اعلن ان مود سيرأس البعثة، وقد وصل هذا فعلاً الى دمشق للقيام بمهمة التقويم والتباحث مع السلطة في البروتوكولات التي تنظم عمل المراقبين وطرق تشكيلهم، لكنه غادر فجأة قبل وصول طليعة البعثة امس، معلناً انه لن يعود الى سوريا، وهو ما اثار كثيراً من التساؤلات والشكوك في امكان نجاح القبعات الزرق حيث فشلت السترات البرتقالية التي ارتداها المراقبون العرب.

القراءة في الموقف السوري من مهمة المراقبين قد تساعد في فهم اسباب الانسحاب المبكر للجنرال النروجي، الذي ربما اكتشف انه يواجه مهمة مستحيلة، وان الشروط التي يتمسك بها النظام ستحوله ايضاً "شاهداً ما شافش حاجة". ففي هذا السياق تقول دمشق "ان تحديد مدة عمل المراقبين واولويات تحركهم سيتم بالتنسيق مع الحكومة السورية لأنه لا يمكن سوريا ان تكون مسؤولة عن امن هؤلاء المراقبين إلا اذا شاركت ونسقت بكل الخطوات على الارض". هذا قد يعني ان على المراقبين ان يراقبوا بعيون النظام وان لا يتحركوا إلا حيث يأخذهم طبعاً بعد تحضير الارض والمشاهد والشهود. وقبل كل هذا يشترط النظام ان يكون له الحق في ان يوافق او لا يوافق على جنسيات بعض المراقبين الذين يتمنى لو كانوا جميعاً من الروس والايرانيين والصينيين!

ولكن اذا كان القرار 2042 دعا المراقبين الى"إقامة اتصال وتعاون مع الاطراف المعنيين ورفع تقارير حول مراعاة الوقف التام للعنف المسلح بشتى اشكاله من جانب جميع الاطراف"، فكيف يمكنهم القيام بهذا عندما يشترط النظام ان يقوم هو بهندسة تحركاتهم على الارض بذريعة ان القرار حمّله المسؤولية عن امنهم، وهو بالنتيجة ما يثيرمخاوف المعارضة من ان تنتهي مهمتهم على طريقة الدابي اي: يا حصرماً رأيته في حلب وحماه ودرعا وحمص وادلب!

المؤلم انه بعد اسبوع على وقف النار والعنف ظل المؤشر اليومي لتساقط الضحايا يراوح بين 20 الى 25 قتيلاً والعالم يكتفي بالحديث عن خروقات يحمّل النظام المعارضة مسؤوليتها بينما تحمله المعارضة هذه المسؤولية . والمثير هو اعلان النظام: "ان نجاح عمل المراقبين مرتبط بقدرة انان على تفكيك عوامل الازمة الخارجية المتمثلة بدول واطراف تمول الارهابيين وتسلحهم وتدربهم وتشجع المعارضة على رفض الحوار"!

هذا يعني ان دمشق تريد لأنان ان يكون مجرد مبعوث لها يسعى الى اجهاض كل دعم عربي للمعارضة، وخصوصاً في دول الخليج، كما تريد للمراقبين ان يروا بعيون النظام... والحصيلة النهائية ان الازمة السورية لن تنتهي غداً وستفشل القبعات الزرق حيث فشلت السترات البرتقالية!

-**-**-**-**-**-*-*

دمشق وحالة الإنكار .. الياس حرفوش

الثلاثاء, 17 أبريل 2012

الحياة

أصعب ما يعقّد الأزمة السورية ويزيد من صعوبات حلها هو حالة الإنكار التي يعتمدها المسؤولون السوريون منذ بداية هذه الأزمة.

بدأ الإنكار بنفي الأسباب الحقيقية للأزمة واتهام المعارضين الذين يطالبون بانتقال فعلي إلى نظام ديموقراطي تعددي بأنهم مجموعة من «الإرهابيين المسلحين» لا همّ لهم سوى تقويض سلطة الدولة وسيادتها، تنفيذاً لمخططات خارجية. ووصل الأمر إلى إنكار حقيقة الإجماع الدولي شبه الكامل ضد سلوك النظام، بعد أن وضعت معظم الدول أسماء أبرز المسؤولين فيه على اللائحة السوداء التي تمنعهم من السفر إلى هذه الدول كما تمنع التعامل معهم سياسياً أو مالياً. وكان رد النظام السوري على هذه المواقف بحذف قارات بكاملها من الخريطة، كما كان مصير القارة الأوروبية على يد وزير الخارجية وليد المعلم.

ووصل هذا الإنكار اليوم إلى ابتكار قراءة مختلفة للقرار الدولي الأخير الذي يسمح بإرسال المراقبين الدوليين إلى سورية وينظم عملهم، وزعم المسؤولين السوريين أن هذا القرار لا يشكل تهديداً لسيادة الدولة، مع أن فرض الرقابة الدولية على سلوك أي نظام حيال مواطنيه يتضمن في الأساس تشكيكاً في سلامة هذا السلوك وفي عمل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام من جهة، كما يضع هذا النظام في غرفة العناية الفائقة، بحيث يحتاج إلى تعامل استثنائي لا ينطبق في العادة على الأنظمة التي يعتبر سلوكها مع مواطنيها طبيعياً ومقبولاً حسب المعايير الدولية.

ومهما بالغ المسؤولون السوريون في اعتبار أن هذا القرار لمصلحتهم، لأنه سيكشف المسؤولين عن «رصد الانتهاكات ضد المواطنين ومؤسسات الدولة»، كما قالت المستشارة في الرئاسة السورية بثينة شعبان، فان مجرد مطالبة القرار بسحب القوى الأمنية والآليات العسكرية للنظام من المدن والتجمعات السكنية كأول شرط لوقف أعمال العنف في سورية هو في حد ذاته انتقاص من سيادة الدولة على أراضيها، إذ أنه يحمّلها المسؤولية الأولى عن أعمال العنف القائمة. فالنظام في أية دولة يتمتع في العادة بحق نشر قواته حيثما يشاء على أرضه، ولا يختلّ هذا الحق وتصبح هذه القوات عرضة للرقابة إلا عندما تقدم على ارتكاب مخالفات جسيمة في حق مواطنيها، أو عندما تصبح متهمة بأنها «قوات احتلال»، كما هو الاتهام الموجه من قبل المعارضة وأكثرية المجتمع الدولي إلى قوات النظام السوري.

يخترع المسؤولون السوريون سيناريوات خاصة بهم لإدارة الأزمة وتفسير أسبابها وتحليلها، ثم يصدقون هذه السيناريوات التي اخترعوها. لكن اختراعات كهذه لا تلغي الحقائق ولا تضمن أن يصدقها كل الناس. وهكذا فقد رد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على زعم السلطات السورية بأنها يجب أن تعرف مسبقاً بتحركات المراقبين بحجة ضمان أمنهم، فقال إن حرية تنقل المراقبين والسماح لهم بإجراء اتصالاتهم من دون عراقيل وضمان وصولهم إلى من يشاؤون من أفراد على الأراضي السورية هو من مسؤولية الحكومة السورية التي تتحمل المسؤولية كذلك عن سلامة فريق المراقبين.

قد يكون في ذهن المسؤولين السوريين أن يحولوا مهمة العقيد أحمد حميش إلى ما فعلوه مع الفريق محمد الدابي، الذي كانت تحركاته هو وفريق المراقبين العرب بمعرفة وتحت عيون السلطات الأمنية وأجهزة استخبارات النظام. لكن دمشق تخطئ كثيراً هذه المرة، إذا تعاملت مع القرار الدولي الأخير كما تعاملت مع المبادرة العربية. من المهم الانتباه إلى أن القرار 2042 وضع الأزمة السورية تحت أنظار العالم، ولم تعد أزمة عربية فقط، وهو ما حاولت القيادة السورية تجنبه منذ البداية بحجة حرصها على «الحل العربي». ومن المهم أيضاً قراءة معنى التصويت الروسي والصيني إلى جانب هذا القرار قراءة صحيحة. صحيح أن هذا القرار ساوى بين مسؤولية النظام ومسؤولية المعارضة عن أعمال العنف، وطالبهما معاً بوقفه، ولكن القراءة الدقيقة لبنوده تؤكد مسؤولية قوات النظام وأجهزته بالدرجة الأولى عن وقف الأعمال الحربية، ما يعني أن القوى الأخرى لا تمارس سوى الرد على أعمال النظام. يضاف إلى ذلك أن القرار يعيد التذكير ببنود خطة كوفي أنان، ومن بينها ضرورة الانتقال إلى «عملية سياسية تلبي الطموحات المشروعة للشعب السوري»، أي أن تلبية هذه الطموحات هي السبيل للخروج من الأزمة، وليس تنظيف المدن السورية من «الإرهابيين المسلحين».

-**-**-**-**-**-*-*

سقوط النظام السوري وبقاء السلطة .. قاسم الطباع *

الثلاثاء, 17 أبريل 2012

الحياة

بعد مرور أكثر من عام على انطلاق الحراك في سورية، يجد المراقب للمشهد السوري أن ما تم انجازه حتى الآن قد أصاب مقتلاً في عمق النظام بشكلٍ أكثر جذرية من بعض الدول التي أنجزت مقولة اسقاط النظام شكلياً وتسعى الى تقويض المضمون. ذلك أن الحراك السوري استطاع تعرية المقولات والشعارات التي أنبنى عليها النظام السوري عبر السنوات الأربعين الماضية، ليضع النظام أمام ضرورة إسقاط نفسه بنفسه ولو إلى مستوى أقل شأناً!

بداية بنى حافظ الأسد شرعيته أساساً على الغلبة، ودعمها بقطع فسيفساء من واقعه السياسي والثقافي بمنهج براغماتي تغلف بالمبدئية. وبعد وفاته استلم بشار الأسد بسهولة بينت تواطؤاً دولياً إقليمياً فاجأ العقول البسيطة التي لطالما صدقت ادعاءات الأسد الأب بأنه يخوض مواجهة مع الإمبريالية ومع دول الخليج التي لطالما وصفها جرياً على عادة يساروية ب «الرجعية العربية»، وأظهرت حجم إطباق النظام الأمني الشمولي على المجتمع، وانسحاق المعارضة الداخلية. إلا أن هذه السلاسة لم تخفِ ضعفاً كبيراً في الشرعية، حيث لم تستطع خطابات الأسد الابن عن الإصلاح في بداية عهده من ترميمها فاختار الغلبة مرة أخرى سبيلاً له، وحاول على مثال أبيه تحويل صراعات حكمه الداخلية والخارجية إلى قضيةٍ عامةٍ، بأمل أن يتبناها المجتمع السوري فيتوحد حول السلطة.

حينما انطلق الحراك الشعبي، كانت هناك تخوفات كبيرة لدى السلطة، فزمن من الاسترخاء إلى المنعة الداخلية تبدد بشكلٍ مفاجئ، وهو ما جعلها تسارع إلى الركيزة الطائفية الأكثر ضمانة من وجهة نظرها. واستخدم رجال السلطة من أجل الوصول الى هدفهم تفعيل ذاكرة المظلومية، وإثارة فزع العلويين من عدو تم تصويره على أنه سلفيٌ متطرفٌ دموي. وبنجاحهم هذا حققوا تماسك بنيتهم وأدواتهم الطائفيتين، وحاضنتهم الاجتماعية.

أفضى الصراع بين السلطة والحراك الشعبي في سنته الأولى إلى عدة نتائج: أولاً، تأمين السلطة لحاملها الطائفي، وسعيها لمأسسة هذا الحامل؛ وبمقدار تحقيقها لنجاح في مسعاها هذا كانت تدعم الفعل النقيض بتوفير مزيداً من شروطه. ثانياً، انشقاق المجتمع السوري عن نظام فقد آخر عناصر شرعيته حينما واجه الاحتجاجات الشعبية بالقذائف، وفقد آخر أثر مصداقيته حين روى في أجهزة إعلامه عكس ما كان الناس يرونه بأعينهم. ثالثاً، سفور وجه السلطة مع التصاعد الوحشي للقمع الذي وصل إلى حد القتل الجماعي، ما وضع النظام السوري في مواجهة مع العالم والدول العربية، الخليجية تحديداً التي أظهرت حرصها على الدم السوري المراق من قبل سلطة الاستبداد. رابعاً، انكشاف زيف إدعاءات السلطة بخصوص الصراع مع إسرائيل، ومقولات الممانعة التي تكررها، حينما خبر الناس بأنفسهم كيف تطلب ود إسرائيل، وكيف ترفض الأخيرة التغيير في سورية بدعوى أن الوضع القائم هو الأنسب لها. خامساً، انتقال سورية من دولة توازن إقليمي تشارك في رسم مستقبل محيطها، إلى ساحة صراع إقليمي.

وهكذا قوض الحراك الشعبي ما تبقى من ثقة بإدعاءات النظام المنهار، فلا وحدة، ولا حرية، ولا اشتراكية، وكذا كشف زيف مقولات العروبة والقضية القومية، وفند الصورة التي رسمتها السلطة عن نفسها على أنها في مواجهة دائمة مع إسرائيل ومركز الممانعة. ليظهر بذلك مدى تهافت النظام السياسي حتى بعين النواة المركزية للسلطة ما دعاها للتخلي عنه. وظهر ذلك في الخطوات التي قامت بها، ومنها إعلان دستور جديد منزوع منه المادة الثامنة التي جعلت من حزب البعث العربي الاشتراكي الحزب الحاكم لسنين مضت، وإعلان قانون الأحزاب الجديد بإيهاب إصلاحاتٍ تدعي أخذ المطالب الشعبية في الاعتبار! بينما هي تستعيض عن سبل سيطرتها السابقة بوضع صلاحيات سلطانية بيد الرئيس ليكون الضامن لبقاء سطوتها في ظل أي نظامٍ بديل تنتجه.

ومن هذه الخطوات نفهم أن السلطة أخذت القرار بإعادة بناء النظام، بل ببناء نظامٍ جديدٍ لا دور يعول عليه لحزب البعث إلا بمقدار ما يستطيع القائمون عليه إعادة صوغه لخدمة وظيفة خدمة العائلة المالكة. وللغاية نفسها اندفع أهل الحكم في البحث عن ثقاتٍ من خارج الطائفة العلوية، فأُرسل لهذا الهدف وئام وهاب إلى الطائفة الدرزية ليقوم ببناء فرعٍ لحزبه، حزب التوحيد العربي، وبالتالي مأسسة حزبية للطائفة. الأمر نفسه تكرر لدى الطوائف والأثنيات، أي تحزيب الأقليات الدينية والعرقية بارتباط مع مأسسة ممركزة للطائفة العلوية. وبهذا يظهر كيف يجري إعادة بناء النظام السياسي ليصبح نظاماً طائفياً تاماً يثبت تذرر المجتمع السوري ويؤدي، وفق رغبة السلطة، إلى بناء تحالفٍ طائفيٍّ يتحلق حول طائفة علوية مُمأسسة مستلهمين التجربة اللبنانية. ويتوقع أن يكون هذا النموذج الذي ستقدمه السلطة للعالم على أنه الأكثر ديموقراطية وتعددية في المنطقة. «قولوا ما تشاؤون وسنفعل ما نريد». وبذلك فإن ما يؤشر إليه سلوك النظام هو استبدال الوحدة الوطنية الصورية، بنظام طائفي، مصحوباً بتحالفاتٍ خارجيةٍ تخندقت إلى جانب النظام السوري، ليستعيض عن فكرة القومية العربية بفكرة التحالفات الجيوبولوتيكية، ودعم خفي لأحزاب اليسار التقليدية التي ما زال صمود النظام السوري يدغدغ رغباتها الأثيرة لمواجهة «الامبريالية العالمية»، وأيضاً تسريبات عن تقديم تطميناتٍ ما لإسرائيل على المدى المنظور. وبعد القضاء على الحراك سيكون للشعب السوري التعبير عن «حريته» عبر حوامله الجديدة الطائفية والاثنية... هو سقوطٌ مدوي للنظام السوري السابق، واستمرار للسلطة نفسها في نظام سياسي جديد!

في مواجهة سيناريو النظام الجديد، الذي تنحو السلطة السورية لصنعه، لا مناص من خطوات ضرورية من قبل المعارضة للنجاح في الحفاظ على الجمهورية السورية (وحدة أرضها وشعبها ودولتها) ولعل أهمها: إنشاء عقد اجتماعي جديد؛ ومواجهة الطائفية بكل صعيد؛ وتنظيم العملية الثورية، وعلى وجه الخصوص ضبط المكون العسكري في الثورة. وجعل الوطنية السورية الواسعة، صاحبة الحساسية للتعدد، التي انتجها الحراك الشعبي، المشروع البديل لمشروع النظام التفكيكي.

* كاتب سوري

-**-**-**-**-**-*-*

المراقبون أكبر تهديد للأسد .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

17-4-2012

قلة تراهن على نجاح مهمة ذوي القبعات الزرقاء، مراقبي الأمم المتحدة، الذين وصل أول ستة منهم للعاصمة دمشق. إنما قد يكون فشل مهمة المراقبين المتوقع هو كعب أخيل الأسد، حيث تنقلب عليه ألعابه المألوفة، الوقت والمماطلة والخداع، التي جربها لأكثر من عام.

عدد المراقبين صغير، حتى بعد أن يكتمل بمائتين وخمسين عسكريا وفنيا معتمدين من قبل الأمم المتحدة. جميعهم يعرف تاريخ النظام السوري في التعامل مع المراقبين، سواء في لبنان أو سوريا، أو في قضايا سابقة، مثل اغتيال الحريري وتحقيقات الأمم المتحدة.

المراقبون بحوزتهم كمّ كافٍ من الصور والخرائط والمعلومات عما يحدث على الأرض، وما يحتاجون إليه هو التأكد منها وليس اكتشافها. أيضا الفارق بين مراقبي الجامعة العربية الذين أرسلهم نبيل العربي ومراقبي الأمم المتحدة، أن العربي سمح بإعطاء قيادة الفريق للجنرال الدابي الذي يمثل نظام البشير الموالي لنظام الأسد والذي وجهت له اتهامات بأنه أحد مجرمي مجازر دارفور في السودان، أما الفريق الأممي فإنه خليط، وبرئاسة عقيد مغربي من داخل بعثات المراقبين المحترفين.

النظام السوري، الذي صار أكثر ثقة ولا يبالي بردود الفعل الدولية على جرائمه، قد يتجرأ على تهديد، وربما إيذاء، المراقبين، كما فعل مع بعض المراقبين العرب الذين اعتبرهم ليسوا في صفه، وهذا سيقوده إلى فخ دولي كبير. وقد حاول لثماني سنوات، وفشل في إيقاف تحقيقات اغتيال الحريري، ونعرف منذ ساعة الجريمة الأولى أنه وراء قتل رئيس وزراء لبنان الأسبق، وهو خلف عمليات القتل الكثيرة للشخصيات اللبنانية المختلفة، ولاحقا، قتل عددا من رجاله في داخل النظام السوري نفسه كانوا على خلاف معه.

كل الذين عملوا في التحقيق في اغتيال الحريري اشتكوا من عمليات التهديد والإيذاء من قبل المخابرات السورية. بداية من المحقق الدولي الشجاع، ديتليف ميليس، الذي تحدى السوريين على الرغم من حملة الأكاذيب ضده، ثم لاحقت مخابرات الأسد القاضي دانيال بيلمار، وكذلك القاضي البلجيكي سيرج براميرتس. لكن ذلك لم يوقف التحقيقات وتأسيس المحكمة. ومارس النظام ملاحقة المحققين والقضاة اللبنانيين الذين تجرأوا على التعاون مع المحققين الدوليين، واضطر أحدهم أخيرا إلى الاستقالة حيث أصيب بانتكاسة وأدخل بسببها إلى المستشفى، وتجرأ على قتل محققين لبنانيين قادوا إلى اكتشاف أصابع الجناة.

إن التعرض للمراقبين الدوليين سيكون خطأ فادحا، لأنهم جاءوا تحت قرار مجلس الأمن رقم 2042، ونص على إرسال بعثة مراقبة دولية مكلفة بتقييم الوضع على الأرض. والقرار أيضا صريح، حيث يشدد على وجوب حصولهم على حرية الحركة. والأخطر أنه يهدد النظام بإمكانية النظر في «خطوات أخرى»، في حال عدم تنفيذ دمشق القرار.

نحن نعرف أن الأسد سيخترع مسرحيات لنقل التهم على الثوار، وقد يعرض حياة المراقبين للخطر باسم المعارضة الإرهابية المسلحة، لكن المجتمع الدولي يعرف كل الحيل التي باتت مكشوفة، وروسيا مهما مانعت لن تستطيع حماية الأسد من التطورات الأخيرة، التي قد تؤذن بمرحلة دولية تتبعها قرارات حماية اللاجئين وممرات إنسانية، وستتجرأ الدول المعنية على الذهاب إلى آخر الطريق.

-**-**-**-**-**-*-*

مَن أطلقَ يد المخابرات السورية في الجولان المحتل..؟ .. وهيب أيوب

الحوار المتمدن - العدد: 3700

2012 / 4 / 16

منذ 14 شباط 1982، يوم إعلان الإضراب المفتوح لأهالي الجولان، الذي جاء ردّاً على قانون الضمّ.

مذّاك الحين وقع نظام حافظ الأسد بإحراجٍ شديد، كونه قد أفهم السوريين أن الجولان تحرّر في حرب تشرين "التحريرية" عام 1973 بعد أن عقد صفقة مع الإسرائيليين لوقف الحرب بأن أعادوا له مدينة القنيطرة 50كم2 من أصل 1250كم2 ليأتي الأسد رافعاً العلم السوري فوقها، موحياً أنه استعاد الجولان! وهي ذات المدينة التي أعلن حافظ الأسد عام 1967 سقوطها من خلال بيان رقم 66 قبل أن يصلها الإسرائيليون ب 17 ساعة، ثم الانسحاب الكيفي من كل الجولان وتسليمها للإسرائيليين دون قتال، إضافة لتفريغها من سكانها بتشجيع من القيادة العسكرية التي كان وزير دفاعها حافظ الأسد. فهل كان من ضمن الصفقة تسليم الجولان للإسرائيليين خالياً من سكانه..؟

ومن اللافت للنظر أنه في أواخر السبعينات بدأ طلاب من الجولان المحتل التوجه إلى دمشق لاستكمال دراستهم الجامعية، وكم كانت مفاجأتهم عظيمة حين اصطدموا بمعظم من التقوهم في الجامعة والشارع من المواطنين السوريين بأنهم يجهلون أن هناك جولانا محتلا، لدرجة أن شاكر الفحّام وزير التعليم العالي في حينه كان أيضا يجهل أن هناك سكاناً سوريين ما زالوا تحت الاحتلال...!

ولعل إضراب وانتفاضة أهالي الجولان في حينه كانت بمثابة فضيحة لنظام الأسد، بأنه قد تخلّى عن الجولان للإسرائيليين، وأنه قام بعقد صفقة ما معهم مقابل عدم زعزعة نظام حكمه، ولعلها استكمالً وامتداد لصفقة أولى تمّت عام 1967 مقابل دعمه غربياً وأميركياً وإسرائيلياً للاستيلاء على السلطة في سوريا. وهذا ما يُفسّر نهج الغرب وأميركا وإسرائيل عبر كل تلك العقود بعدم محاولة زعزعة أو إسقاط هذا النظام، وأن حافظ الأسد لم يتعرّض لمحاولة اغتيال واحدة منذ استيلائه على السلطة حتى وفاته من قِبلِ أيّ هذه القوى، بينما مثلاً، تعرّض الرئيس الكوبي كاسترو ل 638 محاولة اغتيال. ولا ننسى أن كل تلك القوى أيضاً، باركت توريث الأسد الصغير وهلّلت له.

كنا دائماً نتساءل، لماذا تمّ تجهيل السوريين بأرضهم المحتلة..؟ ولماذا لم يتم تدريس الطلاب من خلال المناهج الدراسية أن لديهم أرضا محتلة..؟ لماذا تمّ تجاهل أكثر من نصف مليون سوري هُجّروا من أراضيهم عام 67 من الجولان المحتل، والذين يُطلق عليهم صفة "النازحين" وليس المهجّرين من قِبل نظام الأسد؟ ولماذا لم يتم استخدامهم كورقة ضغط على الإسرائيليين والمجتمع الدولي، بحيث يُسمح لهم المجيء لخط وقف إطلاق النار المحاذي لمجدل شمس بدل أن يُرسِل عدداً من الفلسطينيين ليُقتلوا هناك دون أي حماية لهم من الجيش السوري، ليتاجِر بهم الأسد الصغير في سبيل إلهاء العالم عن المذابح التي يرتكبها يومياً ضد الشعب السوري؟ هذا الشعب الذي اتخذّ قراراً نهائيّاً لا رجعة فيه في إسقاطه وإنهاء عصر الاستبداد والفساد والمتاجرة بالقضايا القومية والوطنية الذي احترفها نظام عصابة الأب والابن منذ الاستيلاء على السلطة عام 1970.

لماذا إذا لم يحاول هذا النظام منذ أكثر من ربع قرن إطلاق سراح أيّ من المعتقلين المناضلين من أبناء الجولان المحتل في السجون الإسرائيلية؟ حتى أنّه لم يطلب من ربيبه حسن نصر الله إدراج أسماء المعتقلين الجولانيين ضمن آخر صفقة التبادل التي أجراها "حزب الله" مع الإسرائيليين، مِما أدى إلى استشهاد اثنين من معتقلي الجولان بسبب المرض هُما هايل أبو زيد وسيطان الولي اللذان أطلقا سراحهما لأسباب إنسانية وتوفيا بعد فترة من إطلاقهما، وما زال الباقون حتى الآن ينتظرون نظام الممانعة، ولكن لا حياة لمن تنادي!

وفي صفقة تبادل شاليط بين إسرائيل و"حماس"، أدرجت الأخيرة اسم المناضل الجولاني السوري وئام عماشة دون رغبة وموافقة النظام السوري، وتمّ الإفراج عنه، حيث عُرِفَ المناضل عماشة من خلال وجوده بالمعتقل بمواقفه المناهضة للنظام واستنكاره قتل أبناء شعبه، ودعمه للثورة السورية. فما كان من أجهزة إعلام النظام وأبواقه إلا أن اتهموه بالخيانة والعمالة، خاصة بعد تصدّره مظاهرات مع المعارضة في الجولان تطالب بإسقاط نظام الأسد، إسوة بشعارات الثورة السورية، وظهوره على عدة فضائيات مُجاهراً بمواقفه دون أي تحفّظ، ما أثار حنق النظام عليه وعلى عدد من نشطاء المعارضة في الجولان، فأخذ بتحريض أهالي الجولان ضدهم والتضييق عليهم، إلى أن وصلتنا رسالة مسرّبة من أحد الشرفاء في فرع فلسطين، مُدرج عليها أسماء عدد من النشطاء المعارضين في الجولان المراد تصفيتهم جسدياً، ومنهم وئام عماشة. وقد تأتي حادثة الاعتداء على بيت والده، محمود عماشة، ومحاولة قتله من خلال صدمه بالسيارة من عدد من شبّيحة الأسد، في هذا السياق التحريضي، حيث أُصيب بكسر في فخذه، وكُسِرت يد ابنه الآخر، وكسر أنف أحد الشباب الذين أتوا لتهدئة الوضع.

عودة إلى السؤال المركزي: لماذا لم يعمل هذا النظام الممانع على إطلاق معتقلي الجولان من السجون الإسرائيلية قرابة ثلاثة عقود..؟ تقديري، أن رسالة النظام الواضحة من عدم إطلاقهم، مفادها تحذير الآخرين من سكان الجولان بأن لا ينحوا ذات المنحى في العمل الوطني المقاوم ضد الاحتلال، وأن يكتفوا بالمجيء إلى موقع عين التينة عند خط وقف النار شرقي مجدل شمس، وأن يستمعوا للخُطب الجهورية من مبعوثي النظام وأتباعهم على الطرف الآخر، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال، وبهذا يضمن الهدوء وعدم إثارة مسألة الجولان وإقلاق راحته منها!!

الشيء الأهمّ، أنّه منذ منتصف التسعينات، أطلقت المخابرات الإسرائيلية العنان لأيدي المخابرات السورية، عبر فرع فلسطين سيّء السيط والسمعة، بأن يسرح ويمرح في قرى الجولان المحتل، وأن يقوم هو بتأديب الحركة الوطنية وتفتيتها وزرع الفرقة والفتنة فيما بينها؛ بعد أن عجزت المخابرات الإسرائيلية عن فعل ذلك منذ العام 67! والمُفارقة العجيبة، أن كل الذين يحاول النظام السوري تشويه سمعتهم واتهامهم بشتى التُهم جراء معارضتهم له وانحيازهم لجانب الثورة، هم من الشخصيات الوطنية المشهود لها مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي، فهل نفهم معنى هذا التقاطع بين فرع فلسطين والمخابرات الإسرائيلية، التي أطلقت يدهم للعمل بحرية في منطقة تخضع لاحتلالهم وسيطرتهم الكاملة..؟

الجولان المحتل – مجدل شمس

-**-**-**-**-**-**-**-**-**-*

حق الشعوب في التنمية .. الدكتور عبدالله تركماني*

لعل مقولة التنمية أمست اليوم قاسماً مشتركاً لمعظم العلوم الإنسانية وتطبيقاتها، وقد عرّف إعلان " الحق في التنمية " الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1986 عملية التنمية بأنها " عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ".

وهكذا فإنّ التنمية عملية مجتمعية يجب أن تساهم فيها كل الفئات والقطاعات والجماعات بشكل متناسق، ولا يجوز اعتمادها على فئة قليلة، ومورد واحد. فبدون المشاركة والحريات الأساسية لا يمكن تصوّر قبول الشعب بالالتزام الوافي والخلاّق بأهداف التنمية وبأعبائها والتضحيات المطلوبة في سبيلها، أو تصوّر تمتعه بمكاسب التنمية ومنجزاتها إلى المدى المقبول، كما لا يمكن تصوّر قيام حالة من تكافؤ الفرص الحقيقي وتوّفر إمكانية الحراك الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة والدخل.

ومن هنا اكتسب مفهوم التنمية البشرية رواجا كبيرا منذ العام 1990 حين تبنّى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مضموناً محدداً ومبسّطاً له، شمل ثلاثة أبعاد: أولها، خاص بتكوين القدرات البشرية، مثل رفع مستوى الرعاية الصحية وتطوير القدرات المعرفية. وثانيها، يتعلق باستخدام البشر لهذه القدرات للاستمتاع في الحياة وزيادة إنتاجية العمل. وثالثها، ينصرف إلى نوع ومستوى الرفاه الإنساني بجوانبه المختلفة.

ولعله من المفيد التركيز على العناصر الأساسية التالية كمؤشرات للتنمية الشاملة:

- التنمية عملية وليست حالة، وبالتالي فإنها مستمرة ومتصاعدة، تعبيراً عن تجدد احتياجات المجتمع وتزايدها.

- التنمية عملية مجتمعية، يجب أن تساهم فيها كل الفئات والقطاعات والجماعات، ولا يجوز اعتمادها على فئة قليلة أو مورد واحد.

- التنمية عملية واعية، وهذا يعني أنها ليست عملية عشوائية، وإنما عملية محددة الغايات، ذات استراتيجية طويلة المدى، وأهداف مرحلية وخطط وبرامج.

- التنمية عملية موجهة بموجب إرادة تنموية، تعي الغايات المجتمعية وتلتزم بتحقيقها، وتمتلك القدرة على تحقيق الاستخدام العقلاني المجدي للموارد المادية والبشرية، بموجب أسلوب حضاري يحافظ على طاقات المجتمع.

- إيجاد تحولات هيكلية، وهذا يمثل إحدى السمات التي تميّز عملية التنمية الشاملة عن عملية النمو الاقتصادي. وهذه التحولات - بالضرورة - تحولات في الإطار السياسي والاجتماعي والثقافي، مثلما هي في القدرة والتقنية والبناء المادي للقاعدة الإنتاجية.

- بناء قاعدة وإيجاد طاقة إنتاجية ذاتية، وهذا يتطلب من عملية التنمية أن تبني قاعدة إنتاجية صلبة وطاقة مجتمعية متجددة لم تكن موجودة قبلاً. وأن تكون مرتكزات هذا البناء محلية ذاتية، قدر المستطاع، متنوعة، ومتشابكة، ومتكاملة، ونامية، وقادرة على التعاطي المجدي مع التغيّرات في ترتيب أهمية العناصر المكونة لها، على أن يتوفر لهذه القاعدة التنظيم الاجتماعي السليم، والقدرة المؤسسية الراسخة، والموارد البشرية المدربة والحافزة، والقدرة التقنية الذاتية، والتراكم الرأسمالي الكمي والنوعي الكافي.

- تحقيق تزايد منتظم، عبر فترات زمنية محددة، قادر على الاستمرار في المدى المنظور، وذلك تعبيراً عن تراكم الإمكانيات واستمرارية تزايد القدرات وإطلاق الطاقات وتصاعد معدلات الأداء المجتمعي، وليس تعبيراً عن تغيّرات متأرجحة تلقائية المصدر غير متصلة السبب.

- زيادة في متوسط إنتاجية الفرد، وهذا يمكن التعبير عنه بالمؤشر الاقتصادي المعروف " تزايد متوسط الدخل الحقيقي للفرد " إذا ما أخذ بمعناه الصحيح، وإذا ما توفرت له إمكانية القياس الصحيح.

- تزايد قدرات المجتمع هو الوسيلة لبلوغ غاياته، وهذا التزايد الذي يجب أن يكون متصاعداً، يجب في الوقت نفسه أن يكون بالقدر النسبي المقارن بالنسبة للمجتمعات الأخرى.

-  الإطار الاجتماعي - السياسي، ويتضمن آلية التغيير وضمانات استمراره. ويتمثل ذلك في نظام الحوافز القائم على أساس الربط بين الجهد والمكافأة، إضافة إلى تأكيد انتماء الفرد لمجتمعه من خلال تطبيق مبدأ المشاركة بمعناها الواسع، وكذلك جانب العدالة في توزيع ثمرات التنمية وتأكيد ضمانات الوجود الحيوي للأفراد والجماعات، وللمجتمع نفسه.

إنّ الجوانب، الموصوفة أعلاه، بالإضافة إلى كونها تمثل أهداف التنمية، هي في الوقت نفسه مصدر قوة وسائلها وفاعلية وكفاءة أدائها.

*كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

-**-**-**-**-**-**-**-**-*-*

المراقبون الدوليون والتجربة العربية .. الوطن السعودية

2012-04-16

أكثر المتفائلين بالتعاطي الدولي مع الأزمة السورية لديهم هاجس، وأسئلة كثيرة حول مهمة بعثة المراقبين الدوليين الذين بدؤوا منذ أمس الوصول إلى سورية بناء على قرار مجلس الأمن رقم 2042 الذي اتخذ بالإجماع.

التجربة السابقة مع بعثة المراقبين العرب لا تبشر بالخير، حيث استخدمها النظام مطية لتنفيذ المزيد من عمليات القتل والإرهاب ضد المتظاهرين الذين كانوا في وقتها لا يحملون السلاح، فكيف سيتعاطى النظام مع بعض مزاعم من يرون أن الثورة خرجت من نطاقها السلمي وأصبح لها جناحها العسكري المتمثل ب"الجيش الحر" وجناحها السياسي المتمثل ب"المجلس الوطني"؟

نتمنى الخير للأشقاء السوريين والخروج من الأزمة بأقل الخسائر، ولكن التمنيات والآمال صعبة التحقيق في ظل الهيمنة العسكرية للنظام الذي يمتلك آلة كبيرة من الدمار والتخريب ما زالت صورها قائمة في بابا عمرو وحلب وإدلب وجسر الشغور ودرعا، ويملك من القوة السياسية المدعومة من القطبين الروسي والصيني، وقوة دعم عسكرية جاهزة للتدخل في أية لحظة من الجارة الإقليمية إيران، ما يؤهله للانقضاض على أي قرار لا يصب في مصلحته ويلمع صورته أمام الرأي العام العالمي، بعد أن أصبحت صورته سوداء أمام شعبه والشعوب العربية كافة.

إن تجربة المراقبين العرب، كانت فضيحة للنظام وللقيمين على البعثة ومن اؤتمن على نقل الحقيقة كما هي ودون تحريف، ونتمنى للمراقبين الدوليين أن يخرجوا بنتيجة مخالفة للمراقبين العرب، سيما أن المجال ما زال مفتوحا أمام النظام للعب على القرار الدولي عبر وضع الشروط و"الفيتوات" على جنسية المراقبين، وهذه نقطة حساسة على المجتمع الدولي عدم التساهل حيالها.

إن العالم الحر يعول كثيرا على نجاح خطة المبعوث الدولي والعربي المشترك كوفي عنان، وعلى المجتمع الدولي ألا يخذل، ولو لمرة واحدة من يتعلق بحباله.

-**-**-**-**-**-*-*

هل تقرر تركيا مصير نظام الأسد ؟ .. بقلم : سمير عواد

الراية

16-4-2012

 (مراسل الراية في برلين)

تتردد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا منذ اندلاع الأزمة السورية في اتخاذ القرارات اللازمة لوقف جرائم نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري.

 وخلافاً لدورهما الفعّال في الإطاحة بنظام معمر القذافي في ليبيا، يبدو أنهما تركا دفة الأمور لتركيا. ولا يُنتظر من جامعة الدول العربية في ظل الرئاسة الجديدة من قبل العراق (المتعاطف مع نظام الأسد)أن تفعل شيئا مثيرا كما فعلت ضد نظام القذافي.

 ويُلاحظ أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بدأ يتعامل باهتمام أكبر مع الأزمة في البلد الجار، وبينما يحث على مساعدة النازحين السوريين إلى بلاده، وجه تهديدات إلى الرئيس السوري باستخدام القوة، ولأن تركيا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي"ناتو" من المحتمل جر التحالف العسكري الغربي إلى نزاع عسكري مع النظام السوري. يبدو هذا من وجهة نظر معارضي الأسد الحل المناسب في ضوء التقاعس الدولي، وهذه خطوة تلفت نظر المراقبين إلى أن تركيا تعزز مكانتها كقوة طليعية في منطقة الشرق الأوسط.

سبب التهديدات التركية الأخيرة، هو الصور المرعبة التي وزعتها وكالات الأنباء العالمية قبل أيام التقطت على الحدود السورية التركية، ظهر فيها آلاف السوريين يفرون من بطش نظام الأسد محاولين الوصول إلى الأراضي التركية، حيث أطلق جنود الأسد النار عليهم ما أدى إلى إصابة الكثير منهم بجراح، وتحدث آخرون عند الوصول إلى "بر الأمان" أن جنود الأسد يمارسون التعذيب ضد معارضي النظام ويمارسون الإعدام ضدهم كما يغتصبون الفتيات.

كما تقوم تركيا بعمل إنساني، حيث أقامت الخيام للاجئين وشيدت المستشفيات الميدانية لتطبيب الجرحى وتساعد ما تستطيعه. وهي بذلك تُظهر للأوروبيين كيفية التعامل بالحسنى مع اللاجئين حيث فشلت أوروبا فشلاً ذريعاً بذلك عندما تدفقت أعداد اللاجئين من تونس وليبيا بعد اندلاع "الربيع العربي" وكيف تعاملت معهم السلطات والناس في إيطاليا الأمر الذي دفع منظمات حقوق الإنسان إلى انتقاد سياسة الاتحاد الأوروبي في إغلاق حدوده أمام اللاجئين، واليوم تدافع تركيا التي يرفض الأوروبيون ضمها إلى الاتحاد الأوروبي عن المبادئ التي ينسبها الغرب لنفسه وتساعد اللاجئين السوريين دون تردد رغم أن هذا العبء كبير عليها من الصعب أن تستمر بتحمله وحيدة.

ولأن الولايات المتحدة وأوروبا لا تتصرفان كما تتمنى المعارضة السورية فإن مصير نظام الأسد ربما هو اليوم بيد أنقره.

كتب المؤرخ البريطاني تيموثي جارتون آش في صحيفة"غارديان" البريطانية أن أوروبا تركت سوريا لمصير عثماني وأضاف منتقداً: كان ينبغي على الغرب القيام قبل أسابيع بوضع نهاية لجرائم القتل في سوريا من خلال تدخل عسكري. لكن خلافاً لليبيا يفتقد الغرب إلى الإرادة السياسية.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي منهمكان بالحملة الانتخابية للفوز بولاية جديدة في منصبيهما، وألمانيا رفضت المشاركة في الحرب ضد القذافي وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها إذا تم التخطيط لحرب ضد نظام الأسد وكلما ترتب تشكيل ائتلاف دولي راحت تلعب دور مناهض الحروب.

لذا تتحمل قوى أخرى عبء الأزمة السورية وفي هذا السياق أعرب جارتون آش عن توقعاته بأن تصبح تركيا بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط أكثر أهمية من بريطانيا وإيران أكثر أهمية من فرنسا والسعودية أكثر أهمية من فرنسا وروسيا أكثر أهمية من الولايات المتحدة.

ويعتقد بعض المراقبين أنه في ضوء التردد الأمريكي والأوروبي في استخدام القوة ضد نظام الأسد لحماية المدنيين، بدأ ينشأ نظام عالمي جديد، من الشرق الأوسط.

وقد لفت الأنظار كيف أن أردوغان قام خلال زيارته الأخيرة إلى الصين وهي إلى جانب روسيا تقفان لجانب الأسد، بالتصريح بعد مصرع سوريين كانا يحاولان الفرار إلى الأراضي التركية على أيدي جنود النظام السوري أن الناتو يتحمل مسؤولية لحماية الحدود التركية، وبذلك هدد لأول مرة بجر التحالف العسكري الغربي إلى حرب ضد نظام الأسد.

 ويعتقد البعض أن الناتو قد لا يأخذ مقتل سوريين اثنين كدافع للتدخل لكن إذا نشأ نزاع عسكري بين تركيا والنظام السوري سوف ينشأ وضع جديد من الصعب أن يتهرب الناتو من واجبات مساندة أحد أعضائه.

لكن أردوغان سياسي براغماتي من الطراز الأول وقد اكتسب خبرة واسعة في العمل السياسي منذ توليه السلطة في تركيا قبل عشرة أعوام، وهو لا يقصد جر الناتو إلى حرب وإنما يحذر بشار الأسد من الاستمرار بتجاهل مطالب المجتمع الدولي بالعمل في وقف قتل المدنيين والتنحي عن منصبه وإفساح المجال أمام عهد جديد يتفق عليه السوريون، وإذا لم يفعل ذلك عليه معرفة قدرات تركيا كما رسالة رئيس الوزراء التركي للغرب أن بلاده هي التي تحدد اليوم سياسة الشرق الأوسط.

وقد كشفت تهديدات أردوغان للأسد أن بلاده تدرس منذ أشهر كيفية تبرير القانون الدولي لعمل عسكري ضد نظام، وهي تملك أوفر الفرص من جنود الناتو، لكونها أبرمت مع سوريا اتفاقية في عام 1998 خلال ذروة الحرب التركية الكردية.

تقول المادة الأولى من اتفاق"أضنه" أن سوريا لا تسمح بالمساس بأمن واستقرار تركيا، كما أن الاتفاق ينص على السماح للقوات التركية بالتوغل مسافة 15 كلم داخل الأراضي السورية لتعقب"الإرهابيين" ولا حق لسوريا العمل بخطوة مماثلة.

ويعتقد المراقبون أن نشوء نزاع مسلح بين البلدين مرهون بالوقت وبعوامل الأزمة. ويعلم أردوغان أنه في ظل العجز الدولي والعربي على وجه الخصوص سوف يكسب قلوب العرب خاصة السوريين وفي الوقت الحالي يبدو المنقذ الوحيد.

-**-**-**-**-**-*-*

مهمة المراقبين مهددة بالفشل .. رأي الراية

الراية

16-4-2012

لا يبدو الطريق أمام مهمة المراقبين الدوليين الذين وصلت طلائعهم إلى دمشق لمراقبة وقف إطلاق النار مفروشاً بالورود، فالعنف مازال سيد الموقف في المدن والبلدات السورية وقوات النظام التي لم تنسحب من المدن والبلدات حسب مبادرة كوفي عنان ما زالت تقصف وتستهدف المدنيين حيث لم يتوقف سقوط الضحايا رغم دخول المبادرة حيز التطبيق.

إن ما يهدد بفشل مهمة المراقبين عدم وجود اتفاق رسمي على وقف إطلاق النار بين قوات النظام والجيش السوري الحر الذي يقوم بالدفاع عن المدنيين كما أن استمرار النظام في استخدام العنف دفع بالمجتمع الدولي إلى التشكيك في إرادة النظام في سوريا احترام وقف إطلاق النار ووقف سيل الدم المتواصل منذ أكثر من عام.

النظام السوري الذي وافق على قرار مجلس الأمن الخاص بنشر المراقبين الدوليين ومن قبل على مبادرة المبعوث الدولي ومبعوث الجامعة العربية مطالب أن يفي بكل التزاماته ويثبت رغبته الأكيدة في التخلي عن خيار العنف ومواجهة الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية والتغيير بالرصاص.

إن استمرار قصف المدن وتواصل سقوط الضحايا المدنيين بقدر ما يعمق الأزمة ويزيد من تداعياتها السلبية على سوريا فإنه سيدفع بالبلاد إلى الهاوية والى المستقبل المجهول.

قرار مجلس الأمن رقم 2042 الذي سمح بنشر مراقبين لمراقبة وقف إطلاق النار في سوريا طالب الحكومة السورية أن تنفذ بشكل واضح كامل التزاماتها المتفق عليها كوفي عنان داعياً إياها إلى وقف تحريك القوات باتجاه المراكز السكنية والكف عن استخدام كافة أنواع الأسلحة الثقيلة في هذه المراكز وبدء سحب التجمعات العسكرية من داخل المراكز السكنية ومن حولها من أجل تسهيل التوصل إلى وقف مستدام للعنف وهو ما لم ينفذه النظام السوري حتى الآن.

لقد عبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن "قلقه الشديد" إزاء الوضع على الأرض في سوريا خاصة في مدينة حلب التي تعرضت لقصف عنيف من قوات النظام.

ففي الوقت الذي كانت فيه طلائع المراقبين قد وصلت إلى دمشق للبدء في مهمتها خرق النظام وقف إطلاق النار ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين الأمر الذي إذا استمر سيعقد مهمة المراقبين لوقف إطلاق النار.

إن وقف القتل والعنف وقصف المدن والبلدات الثائرة وعدم اعتراف النظام بوجود حركة احتجاجية واسعة النطاق في البلاد، واستمراره في القول إن "عصابات إرهابية مسلحة" تزرع الفوضى والعنف في البلاد سيؤدي إلى فشل مبادرة كوفي عنان ومن ثم وقوع سوريا في الفوضى.

-**-**-**-**-**-*-*

السوري المشرد..أين الواجب العربي تجاهه؟! .. يوسف الكويليت

الرياض

16-4-2012

 الشعب السوري كريم ونبيل، وهي خاصية في تركيبته العربية التي رفعت راية القومية بمعناها المطلق عندما جاءت الأنظمة، منذ الاستقلال، أن لا منع على دخول أي عربي بدون حواجز أو تعقيدات، ولم يكتف بهذه الخاصية فقط عندما جاءه اللاجئون الفلسطينيون، بعد النكبة بمئات الآلاف، وعاشوا مواطنين بدون فرز عن المواطن السوري..

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية آوى السوريون العديد من اللاجئين اللبنانيين وغيرهم بدون استثناء مسيحي أو مسلم أو غيرهما، وأثناء احتلال العراق وصل إلى المدن السورية أعداد مهولة من الهاربين من جحيم الحروب شبه الأهلية بالقتل على الهوية بسبب الصراعات الطائفية والقومية، وقبل ذلك، وأثناء أزمة إيلول الأسود، كانت سوريا حاضنة من هربوا من الأردن، وتحمل تبعات هذه الأعداد الكبيرة على ميزانية بلد ليس غنياً بالمفهوم العام، تضحية عالية من شعب كبير القلب..

الآن المحنة التي عصفت بالشعب السوري من نظامه الذي يقتل بدون تحديد من أجل بقائه، وينفذ مشروع تهجير وتصفيات جسدية تحسباً لبناء دولته العلوية، وإبعاد كل ما لا ينتمي لها، خلق هجرة كبيرة بلغت مليون لاجئ في كل من تركيا، ولبنان، والأردن مع إغلاق حدود العراق تبعاً لتضامنها مع حكومة الأسد، وعدم الاعتراف بالجميل عندما بقي العراقيون، وإلى الآن ضيوف الشعب السوري، في هذه المأساة يجب أن تكون مسؤولية العرب جميعاً إذ المساعدات العاجلة هي الحل المؤقت، لأن مبدأ السلطة يقوم على خلق أزمات للدول التي تؤوي الهاربين من عنف دولتهم، وما قامت به يشبه إلى حد كبير ما فعلته إسرائيل بإبعاد الفلسطينيين على أمل توطينهم في ملاجئهم، والحكم السوري خطط لمثل هذه العمليات، وعمل على خلق بيئة صراع طائفي، وقومي حتى أن الأكراد ظلوا بلا حقوق أو حتى تجنيس مما جعلهم يبادرون إلى المقاومة السلمية والعسكرية..

نعرف مدى الحالة النفسية والاجتماعية عندما تتساقط الأسلحة على الآمنين ثم يضطرون للهرب واللجوء لدول حدودية، وكيف يواجهون مصيرا قاسيا للتلاؤم مع المكان ومعاناة المعيشة والطقس، وأكثر منها الغربة عن الوطن الذي يعتبر الهاجس الأهم لأي مواطن يشرد من مكانه، وكيف يحدد وجهته وكيف يكسب قوت أبنائه وأهله، وهل يبقى يعيش على المعونات من المنظمات الإنسانية فقط؟!

الأمة العربية غنية والشعب السوري صاحب حق عليها، لأنه السباق في كرم الضيافة لأي عربي، وبالتالي إذا كان الواقع خلق لاجئين يحتاجون لكل شيء، فمن العار أن تبادر الأمم المتحدة أو البلدان التي قبلت لجوء هذه الأعداد، دون دور عربي عاجل وسريع بتأمين كافة احتياجات اللاجئين، وهو واجب وليس منة، لإشعار هؤلاء بأن محنتهم ليست أبدية، وأن هناك من يقف معهم عاطفياً وعملياً..

-**-**-**-**-**-*-*

تركيا والحسابات الاستراتيجية في سوريا .. مروان قبلان

عكاظ

16-4-2012

أثارت اعتداءات الجيش السوري النظامي على الأراضي التركية علامات استفهام حول موقف القيادة التركية من الأزمة السورية، خصوصا أن أنقرة باتت الحضن الأول لأقطاب المعارضة السورية، وكذلك تصريحات بعض المسؤولين حول إمكانية تدخل الناتو للحفاظ على الحدود، ومع تفاقم الأزمة السورية يتساءل البعض عن الموقف التركي أكثر دول الجوار تضررا بما يجري على الساحة السورية سواء من الناحية الإنسانية أو العسكرية؟

مع تحول الأزمة السورية إلى شأن إقليمي ودولي بامتياز، وجدت تركيا نفسها في خضم الصراعات وظنت أنها قادرة على تجاوزها. فمنذ وصول حزب العدالة إلى السلطة، اعتمدت حكومة أنقرة سياسة «تصفير المشاكل» مع الجيران. ويقوم جوهر هذه السياسة على أساس أن تعظيم مكاسب التعاون الاقتصادي بالدرجة الأولى مع الجوار الإقليمي سوف يؤدي إلى تقليص أهمية النزاعات التي تدور بمجملها حول قضايا جيو سياسية. وبالفعل، مع دخول العام 2011 بدا أن هذه السياسة تحقق نجاحات كبيرة،. كما سمحت هذه السياسة لتركيا بتأمين احتياجاتها من الطاقة (نفط وغاز) عبر عقود طويلة الأجل مع إيران. هذا الأمر حرر تركيا جزئيا من إمدادات الطاقة الروسية التي حاولت استخدامها بشكل متزايد خلال الآونة الأخيرة كوسيلة ضغط سياسية على الأتراك. كما سمحت هذه السياسة لأنقرة بتعظيم نفوذها السياسي إلى درجة تحولت فيها إلى وسيط مقبول للمساهمة بحل الملف النووي الإيراني، ومرة أخرى كانت موسكو المتضرر الأكبر من الدينامية التركية التي أزاحتها عن موقعها كوسيط وحيد في الملف النووي الإيراني.

لكن أنقرة تفاجأت كما غيرها بهبوب رياح التغيير في العالم العربي وبدت شديدة الارتباك عندما وصلت هذه الرياح إلى ليبيا تحديدا، ففي تونس ومصر لم يكن للأتراك مصالح كبيرة تضطرهم إلى اتخاذ مواقف واضحة من الثورات التي أطاحت نظاميهما، لكن الأمر اختلف جذريا في ليبيا التي لم يبد أن الأتراك متحمسون للتغيير فيها خوفا على مصالحهم الاقتصادية. لكن ومع وضوح مصير النظام الليبي، قرر الأتراك السير باتجاه الريح.

ورغم أهمية ليبيا للأتراك، إلا أن سوريا شكلت التحدي الأكبر لسياستهم في عموم الشرق الأوسط. فحكومة أردوغان التي تعلمت من الدرس الليبي سارعت إلى إعلان تأييدها للتغيير في دمشق، إلا أنها بدت شديدة الحذر في موقفها الجديد، أخذا في الاعتبار الاصطفافات الإقليمية والدولية الناشئة عن الأزمة السورية. في هذه الحالة وجدت تركيا نفسها في مواجهة معادلات القوة التي حاولت أن تنساها في خضم سياسة «تصفير مشاكل» التي حاولت اتباعها مع الجيران. زيارة أردوغان الأخيرة إلى إيران كشفت بوضوح عن مدى التوتر الذي يشوب العلاقات بين البلدين، فردا على سوء استقبال طهران لأردوغان قررت أنقرة الانضمام إلى العقوبات التي فرضها الغرب على صادرات إيران من النفط عبر تخفيض وارداتها منها بنسبة 20 % بعد أن كانت وافقت على نشر الدرع الصاروخي الأمريكي على أراضيها في خطوة اعتبرتها طهران موجهة إليها.

أما فيما يتعلق بالعلاقات التركية الروسية فهي أعقد من أن يتم اختصارها بالنفط أو اغتباط موسكو بعودة التوتر إلى علاقات طهران بأنقرة بعد فترة من الدفء بلغت أوجها بتصويت تركيا ضد قرار مجلس الأمن 1929 الذي فرض مزيدا من العقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي. في الموضوع السوري تحديدا يبدو أن مخاوف موسكو من وصول نظام حليف لأنقرة في دمشق يشكل العامل الحاسم في التشدد الذي أبدته روسيا في مجلس الأمن دفاعا عن النظام السوري. فموسكو التي تنظر إلى تركيا كخصم تاريخي تريد الحيلولة دون أن تجني هذه الأخيرة ثمار التغييرات التي تجري في عموم الشرق الأوسط وذلك على حساب موسكو ومصالحها وهو ما يبدو حاصلا الآن.

مواقف طهران وموسكو هي ما حالت حتى الآن دون اتخاذ تركيا خطوات فعلية فيما يرتبط بالأزمة السورية،. لكن الموقف التركي الذي يبدو شديد الحرج من كثرة التصريحات وقلة التحركات سوف يصل قريبا إلى مرحلة يضطر فيها إلى فعل شيء ما وإلا أضاع كل المكاسب التي أمكن تحقيقها خلال فترة الربيع الذي يوشك إن يتحول إلى صيف قائظ.

-**-**-**-**-**-*-*

تذاكيات في مجلس الأمن .. خالد أبوكريم

التاريخ: 16 أبريل 2012

البيان

إذا كان الشعار المضاد المحفور على الحجر وجلود البشر معا "الأسد أو نحرق البلد"، وإذا كانت جدران الشوارع التي حرثتها الدبابات، تلطخت بشعار "الشعب يريد تربية من جديد"، فأي فرصة لمبادرة كوفي عنان وما تتضمنه من حوار؟

هذه الذهنية التي تقود الصراع في سوريا، تواصل وصفة القبضة الأمنية الداخلية والدبلوماسية الحريرية خارجياً، ومعها يحار المراقبون في المسار السياسي الدولي، منذ تفجر الأزمة السورية ولغاية القرار الأخير لمجلس الأمن.

في البداية، حين أطلقت درعا شرارة الاحتجاجات، انهالت تصريحات "الخارجيات" الأطلسية بغضبها على الرئيس السوري بشار الأسد ومطالبته الصريحة بالتنحي، ثم مع حدوث ما يمكن وصفه ب"الانتكاسة الثورية" للشارع السوري، حين نجح النظام في استدراجه لحلبة السلاح، تناوب الخفوت على المواقف الدولية تحت وطأة هواجس الحرب الأهلية واتساعها إلى عموم المنطقة، وهو التهديد الذي كان الأسد لوح به للمنادين بتقويض نظامه.

ومع وصول مستوى البطش إلى حدود لا يحتملها الضمير العالمي، رجح التتبع المنطقي للأحداث، أن خطة شيطانية وراء هذا الصبر العجيب على سقوط ما معدله مئة ضحية في سوريا يوميا، تقوم على إعطاء فرصة للقذائف والرصاص لتعيد سوريا قرناً إلى للوراء، فيرث النظام الجديد تركة أثقل من أن تتيح له ولو ثقباً للتنفس خارجيا، وبالتالي نسيان الجولان وحزب الله وثقافة "الممانعة"، والغرق تماما في إصلاح المرافق والنفوس.

ها هي مبادرة عنان تنبت لها أرجل تمشي على الأرض، بنجاح مجلس الأمن في تبني قرار نشر مراقبين عسكريين للإشراف على وقف النار في سوريا، واللافت هو الإجماع، أي سقوط الدرع الروسي الصيني الحامي للنظام السوري. فهل هناك أمر قلب الموازين الدولية؟

قبل أسبوعين ردت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على سؤال صحافي في الرياض، بالقول حرفيا "الروس في أيدينا"، لكنها بالطبع لم تفصح عن الثمن الذي قبضه الثعلب فلاديمير بوتين، ليلين تصلب الكرملين ويتراخى "الفيتو".

ثاني الإشارات انطلقت من إسطنبول، حين أشيع التفاؤل و"الأجواء الإيجابية" بين المفاوضين الأوروبيين والإيرانيين بشأن ملف طهران النووي، رغم صدور مواقف متشددة قبل نحو الشهر من قبل القيادة الإيرانية، ما يشي بصفقة ربما باع الحليف حليفه في إطارها، مقابل سلامة بوشهر وغيره.

تحرك تركي أردني مواز، لكن هذه المرة يتركز في محاولة التدقيق في هويات الهاربين من سوريا إلى أراضي البلدين، حتى لا يفرغ خيار الانشقاقات في الجيش السوري من هدفه الأصلي، وبالتالي تتحول المناطق الحدودية الأردنية والتركية مع سوريا إلى معسكرات للجنود المنشقين، بدل بقائهم في بلادهم والبدء في رص وتنظيم الصفوف.

كل العوامل هذه تؤشر إلى مرحلة حسم تقترب، اصطفاف دولي يبدو أكثر حزما هذه المرة، فمع موعد نشر هذا المقال تكون طليعة المراقبين الدوليين قد وصلت إلى سوريا، ما يعني تحييد الدبابات وإن لبست لبوس "المدرعات المدنية"، وتاليا فتح المجال أمام الجماهير لتعود إلى هدير الشارع المدوي، بينما الفخ المنصوب لأي حماقة من قوات النظام يقضي بمناطق عازلة وتسوية الأرض أمام سيل الانشقاقات العسكرية شمالا وجنوبا، على وقع التهديد الوارد في القرار الدولي الجديد ب"خطوات أخرى".

بقي سر هو الأهم؛ هل اكتملت الدائرة الدولية في الداخل السوري، عبر تبلور قيادة بديلة تجنب سوريا التشرذم، وتحمل الوصفة الديمقراطية المطلوبة.. وربما المرسومة؟

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا والنوايا المطلوبة .. رأي البيان

التاريخ: 16 أبريل 2012

البيان

فتح تصويت مجلس الأمن الدولي على قرار بنشر مراقبين في سوريا، باب الأمل مجدداً حول إمكانية توفير بيئة سياسية ملائمة لمخرج غير عسكري أو أمني للأزمة في سوريا.

ورغم أن عدد المراقبين سيكون بحدود 30 عسكرياً غير مسلحين، إلا أنه لا يمكن مقارنتها مع التجربة السابقة للمراقبين العرب، حيث لم يبرز انقسام على هوية المراقبين الدوليين كما حدث مع تجربة مراقبي جامعة الدول العربية. وبالتالي فإن بعض الأحكام المسبقة المتشائمة حول القرار الجديد وقياسه بتجربة الجامعة العربية، ليس في محله. وهذا ليس تشكيكاً في مهنية المراقبين العرب، بل إن قرار مجلس الأمن صدر بعد إدراك الدول الكبرى أنه لا يمكن لجهة واحدة فرض رؤيتها للحل في سوريا. هذه القناعة لم تكن موجودة لدى الأطراف الدولية المعنية بالصراع في سوريا، عندما صدر قرار إرسال مراقبي الجامعة العربية.

ومما يقلل من منسوب التشاؤم، أن هذا أول قرار يوافق عليه المجلس منذ أن بدأت الانتفاضة على حكم الرئيس بشار الأسد قبل 13 شهرا، حيث استخدمت موسكو وبكين حقهما في النقض (الفيتو) مرتين، لمنع صدور قرارين ينددان بقمع المحتجين.

إذاً، الأرضية الدولية باتت مهيأة لتقبل ما يتوصل إليه السوريون (النظام والمعارضة) من توافق على حل برعاية دولية، والخطوة الأولى لذلك تبدأ من الالتزام بقرار وقف إطلاق النار بموجب خطة المبعوث العربي الأممي كوفي أنان. وللأسف، لم يكن هناك التزام كامل من الحكومة السورية بالهدنة التي دخلت حيز التنفيذ منذ يوم الخميس الماضي، فيما لم تذكر التقارير أي خروقات واضحة من جانب المعارضين للنظام، باستثناء حادثة اغتيال وحالة خطف من دون أن تتبنى أي جهة مسؤوليتها عنهما.

إن نجاح مسعى المراقبين يجب أن يترافق مع إبداء دمشق لنوايا طيبة وإيجابية ومشجعة لعمل هذه البعثة التي تعتبر الفرصة الأخيرة، بحسب تصريحات وتلميحات دول حليفة وغير حليفة للنظام، وإذا فشلت فسيدفع ذلك المجتمع الدولي إلى «ضبط إيقاع الفوضى» التي ستنفجر إذا انعدم أي أفق لحل سلمي في سوريا.

-**-**-**-**-**-*-*

مشكلتنا مع روسيا .. ميشيل كيلو

السفير

16-4-2012

ليست روسيا كأميركا: في كل ما يتعلق بوجود سوريا كدولة وكمجتمع. ليس لدى أميركا أي حرص على وجود سوريا الدولة والمجتمع، بل هي تشجع أي فعل يمكن أن يفضي إلى تقويضهما ودمارهما، ما دام الصراع في المنطقة يتصل بإسرائيل، التي لا شك في أنها تريد إطالة أمد الصراع في سوريا وتؤيد إضفاء طابع عنيف عليه، لأن من غير الممكن تدمير سوريا دولة ومجتمعا من خلال ثورة سلمية، خاصة إن كانت تطالب بالحرية وترى فيها أساسا حديثا لإعادة تجديدها في زمن متغير، بعد نصف قرن من الفشل والهزائم، تسبب بها نظام لم يجد ما يواجه به شعبه غير قدر متصاعد من العنف والقتل والتهجير والانتقام، من دون مراعاة المصالح العليا للبلاد والعباد.

هذه النقطة المهمة تضعنا امام استنتاجين:

- ليست لروسيا في سوريا الأهداف عينها التي لأميركا، بل إن أهداف روسيا معاكسة لأهداف الأخيرة، لأنها لا تستطيع أن توافق على تقويض دولتنا ومجتمعنا، ولا تقدر إلا أن تكون مع استمرارهما وبقائهما، موحدين ومحميين بطبيعة الحال، حرصا على مصالحها الخاصة. ليست روسيا ضالعة في خطط صهيونية مدعومة أميركيا تتصل بتمزيق المشرق العربي وتدمير بنيته القومية والوطنية، وليس في تاريخ علاقاتها معنا ما يشير إلى رغبتها في شيء كهذا أو عملها من أجله. وإذا كانت تقترف اليوم الأخطاء، فإن أخطاءها، التي لا يجوز أن تسامح عنها، تقع على صعيد آخر غير تدمير سوريا دولة ومجتمعا.

- لا يجوز أن نتعامل مع روسيا وكأنها عدو يريد تدميرنا. ولا يسوغ تاريخنا معها تعاملا كهذا. ومن غير المقبول اعتبارها مسؤولة عن مأساتنا، بينما نرى في أميركا دولة تريد حمايتنا، حريصة على وجودنا ومستعدة للتدخل عسكريا لحمايتنا. ليس صحيحا ما تعتقده اليوم قطاعات واسعة من مواطنينا حول روسيا واميركا، ليس فقط لأنه عكس الواقع والحقيقة، بل لأن للخطأ فيه عواقب خطيرة على مستقبل الحراك السوري ووجود دولتنا ومجتمعنا.

ليست روسيا كأميركا في هذه النقطة الفائقة الأهمية، التي تحدد مواقف الدولتين، فتجعل الثانية عديمة الاكتراث بمصير سوريا، وبالتالي قليلة الاهتمام بإنهاء الصراع الدائر فيها، قبل انهيار بنى دولتها ومجتمعها، بينما لا تفعل روسيا الشيء نفسه، وترتكب أخطاء جدية ليس في المسائل التي تتعلق بوجود دولتنا ومجتمعنا، بل بالصراع الدائر منذ نيف وعام في وطننا، وتعتقد روسيا خطأ أن استمرار السلطة الراهنة يضمن وجودها ونفوذها في بلادنا وفي المشرق، لأن هذه السلطة تحول دون قيام حكومة للإسلام السياسي على مقربة من حدودها الجنوبية، بما يمكن أن تمثله من مخاطر داخلية روسية، بينما الصحيح أن نمط الحكم البعثي الاستبدادي هو الذي يحرك ويحرض الحركات الأصولية من جميع الأنواع، بما في ذلك العلماني والدهري منها، وأن طريقة معالجة الأزمة السورية بالأمن والجيش واقتحام القرى والمدن وقتل المواطنين الأبرياء هي التي نشرت نار العنف والتطرف من أقصى شرق إلى أقصى غرب، ومن أقصى شمال إلى أقصى جنوب سوريا، وأدت إلى بروز انقسام مجتمعي وسياسي يزداد عمقا وتفجرا بمقدار ما يمعن النظام في اعتماد الأمن وسيلة عملية لسياساته، بينما فتح الحل الأمني الباب واسعا أمام التدخل الخارجي في الشأن السوري، هذا إذا ما تجاهلنا التدخل العسكري الإيراني إلى جانب السلطة، وهو اليوم مباشر وكثيف ويمكن أن يعطي طهران مكانة تقريرية في بت مصير الأزمة السورية، بمعنى أنه قد يحول دون إيجاد حل بجهود جهات سورية رسمية ومعارضة، ويمد من عمر الاقتتال الداخلي في بلادنا، ما دامت إيران تدافع عن نفسها في الخندق السوري المتقدم، وتخشى أن يفضي إنهاء الأزمة بحل سياسي إلى فتح دفتر أزماتها، الداخلية منها، وتلك التي ورطتها قياداتها فيها مع عالم خارجي لا شك في أنه يعد نفسه للمعركة ضدها.

يتنكر الروس لتاريخ طويل من الصداقة جمعهم بالسوريين ودولتهم قبل الانقلاب العسكري الذي أوصل البعث إلى السلطة بعقد كامل، ويتناسون أن سوريا عقدت أول صفقة سلاح معهم عام 1954، قبل مصر بأشهر عديدة، وأنها اعترفت بجمهورية الصين الشعبية قبل مصر، مع أن الاعتراف بالصين كان يومذاك محرما أميركيا لا يجوز الاقتراب منه تحت أي سبب، وأن المعارضة السورية لا تتطلع إلى إخراج روسيا من بلادها، بل ترى فيها قوة توازن مع الغرب بوسعها مساعدتها على حماية استقلال الدولة السورية الوطني، بعد تغيير النظام، وأنها كذلك مصدر رئيس للعون العسكري والمدني، وستكون جهة تسهم في إعادة بنائها، علما بأن أخطاء روسيا الحالية تأخذها إلى موقع يجعل من الصعب على أصدقائها الدفاع عن ضرورة وأهمية الإبقاء على علاقات مميزة معها. والغريب، أن روسيا تتبنى موقفا يؤيد النظام إلى حد يحول بينها وبين استنكار أو إدانة ما يرتكبه من جرائم ضد شعبه، ويقترفه من أخطاء قاتلة في التعامل مع مأزق غير أمني ولا يعالج أصلا بالأمن، وأنها تنسب إلى الشعب المطالب بحقوقه نوايا ليست لديه، وتنظيمات لا محل لها في صفوفه، وتلصق بالإخوان المسلمين السوريين صفات يعلنون رفضهم لها، ويقدمون الأدلة على أنها ليست من سياساتهم، بدل أن تقيم حوارا معهم تتلمس خلاله حقيقتهم وحقيقة مواقفهم، وما هم على استعداد لقبوله في سوريا الحرة، وفيه كثير مما يمكن أن يبعث الاطمئنان لديها .

يقوم الموقف الروسي على الفكرة الجوهرية التالية: لن نتمسك بأسرة الأسد أو حتى بالنظام السوري، إن كانت سوريا القادمة ستقدم لنا ما يقدمه هو لنا، أو أكثر منه، وستقيم حكما مستقرا ومعتدلا يريد الحفاظ على التوازنات والعلاقات الدولية القائمة في المنطقة والبحر المتوسط .إذا لم تكن هناك ضمانات بأن حكما كهذا هو الذي سيلي النظام الحالي، فإننا سنتمسك بالوضع الراهن، وسندافع عنه بكل ما لدينا من قدرات، وهي كثيرة. هكذا، يكون من الأهمية بمكان أن تدخل المعارضة في حوار عميق وذي مصداقية مع روسيا، يطاول مستقبل علاقاتها مع بلادنا، يكفل مواقعها تجاه أميركا ويؤكد أننا لن نصبح أداة بيد تركيا واستراتيجياتها الإقليمية والقومية، وأن دولتنا ستكون عربية التوجه وإن مارست سياسات صداقة وأخوة مع العالم الإسلامي وحافظت على قيم ومنطلقات إسلامية في سلوكها المحلي والدولي. أن الساحة الرئيسة لسياسات سوريا القادمة ستكون بالدرجة الأولى المجال العربي، وإن أفادت من التجربة التركية في ما يتعلق بتنظيم العلاقة بين الدين والنزعات القومية والمدنية والعلمانية والجمهورية، كما في مجال الاقتصاد الحر والانفتاح على العالم... الخ.

هذا ما تطلبه روسيا، وهو يسير الدفع، إن كان بديله حرق بلادنا وتدمير دولتها ومجتمعها، بيد النظام والغرب... وصمت روسيا الذي يحدث الانطباع بأنه قبول بما يجري. هل نبادر إلى دفع هذا الثمن، مع أننا ندفعه منذ وقت طويل، وندفعه اليوم أيضا، لكن الجهة التي تفيد منه هي النظام لا الشعب ومشروع الحرية العتيد؟.

بسبب مكانتها من بلادنا ونظامها القائم، تستطيع روسيا لعب دور فريد في حل أزمتنا، فهل نساعدها على ذلك أم نقف حجرة عثرة في طريقها، لمجرد أنها تعلن عزمها على مساندة النظام إلى أن يوجد بديل؟ ترى: ألا يملي علينا واجبنا الوطني أن نكون هذا البديل؟

كاتب ومعارض سوري

-**-**-**-**-**-*-*

موانع النظام الممانع .. رمزي الغزوي

الدستور

16-4-2012

ما زال أصاحب نظرية (المؤامرة) يتمترسون خلف مقولة، أن ما يجري في سوريا ليس إلا صناعة من لدن الوهم السينمائي، أو فبركة من خيال كاتب جامح. وأن قوافل الشهداء الذين يوارون الثرى، ليسوا إلا ممثلين بلداء، أو (كمبرساً) رخيصين ارتضوا الانخراط في جوقة تمثيل عالمية، لا هم لها إلا الإيقاع بالقيادة الحكيمة لهذا النظام.

وما زالوا يشككون في كل شيء: في مساحة ثقب أحدثته رصاصة خرقت صدر شاب في العشرين، قبل أن يسجى كوردة مقصوفة في حضن أمه وعويل ذويه. ويرون الدبابات الرابضة بين البيوت مجسمات كرتونية صنعت بيد العملاء، لتعطي فرصة للتدخل في آخر قلاع الصمود العربي الممانع، وما زالوا يشككون في لون الدماء المتخثرة في تضاريس الوجوه وجنبات النعوش وضيق الطرقات، فهي ليست إلا ماء طماطم أريق بليل.

وما زال بعضهم لا يعترفون أن الشهداء لم يتجاوزوا أصابع اليدين عددا، وأن صور أزقة وساحات وشوارع درعا وحمص والقابون وجسر الشغور وغيرها من بؤر الثورة، ليست إلا أماكن وهمية أقيمت خصيصاً لتحاكي مشاهدنا السينمائية. وما زال يقتلني قهرا قولهم: إن النظام الأسدي نظام ممانع.

في الفيزياء لدينا مصطلح الممانعة الشهير، وهي المقاومة التي يبديها الجسم حين يمر فيه تيار كهربائي، وإذا أجزنا أن خطر العدو الاسرائيلي، هو هذا التيار المفترض، في نظر الذين يكيلون بعدة مكاييل، ولا يؤمنون أن الشعوب المهزومة من الداخل، لا يمكنها أن تنتصر على عدو خارجي مهما تضاءل شأنه. إذا تخيلنا هذا، فعلينا أن نقدر شكل وحجم الممانعة الباسلة والبطلة والصاخبة الحمراء، التي أبداها هذا النظام ضد عدوه مدى أربعة عقود وأزيد.

هو نظام ممانع حقاً، ممانع لأية بؤرة حق تريد شهقة الحياة، ولكل ذرة حرية مشتهاة. ممانع بالرصاص لكل من يرفع الرأس، وممانع أن يتخلى عن وهمه، وكذبه، وعنجهيته، وشراسته، وساديته، وأسديته على أهله وناسه، ممانع أن يترك تيار الحرية ليمر في بلد عريق عراقة حروف الكتابة، وصهيل الحضارة.

سيسقط الأسد مدوياً، لأنه علا في الباطل، وشاط في الغي. وسينسى ككل الطغاة من قبله. وستبقى التحية خالدة بفم التاريخ للشعب السوري الباسل، الذي واجه الدبابة بصدر عارٍ. تحية لشعب شجاع خرج للمواجهة والممانعة ، وهو يعرف أن الرصاص يتحمحم ليسكن رؤوس أبنائه وأطفاله وحياته. تحية للذين أخافوا خوفهم، وحدقوا في حريتهم، ومانعوا الباطل وأخمدوه.

-**-**-**-**-**-*-*

الوضع السوري القائم.. إلى متى؟! .. سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

16-4-2012

هل ستظل الأوضاع في سوريا تراوح في مستنقع الدماء وتظل المهمة الدولية احصاء عدد القتلى أو الشهداء أو الجرحى أو محاولة معرفة من هي الجهة التي تقوم بهذا.

أدرك الطرفان التركي والأردني أن الحل السياسي للأزمة السورية هو المخرج فقد تغير الخطابان التركي والسوري بدرجات متفاوتة ولعل ذلك لكون الطرفين يحسان بالمأساة السورية ويعيشانها أكثر من أي أطراف أخرى.. فحدود البلدين يعبرها اللاجئون السوريون الذين يحتاجون الى الحماية والايواء والمساعدة وليس الى استمرار الخطب والوعود والانتظار..

ربما يطول ليل السوريين فالنظام يشتري الوقت ويجد دعماً سياسياً ما زال قائماً ومستمراً حتى الآن من طرف بلدين عضوين دائمين في الأمم المتحدة هما روسيا والصين ورغم كل الضغوط التي يجري الحديث عنها على البلدين الا أنها لم تصل حد جعلهما يراجعان موقفهما ..بل ان الموقف الروسي ما زال يرى استمرار الوقوف الى جانب النظام السوري وهذا ما عكسته لقاءات وزير الخارجية السوري مع نظيره الروسي أخيراً كما ان الصين عبرت عن نفس الموقف من خلال تصريحات جديدة للخارجية الصينية ..

بموازاة ذلك ما زال هناك دعم مادي عسكري ومدني ولوجستي ايراني لسوريا وبمشاركة عراقية تتفهم العلاقة الايرانية السورية وتحرص عليها ويضاف الى ذلك دعم وتأييد حزب الله للنظام السوري على أكثر من مستوى أبرزها ابقاء التوازن في لبنان لصالح بقاء النافذة السورية مفتوحة ولصالح بقاء قوى سياسية عديدة تؤيد النظام السوري في مواجهة قوى أخرى تقف ضده..وتوازن الردع هذا ليستفيد منه النظام السوري ..

اكثر الاطراف تضرراً هو الشعب السوري الذي يعيش المعاناة والقتل والحصار وظرف المعيشة الصعبة وقد وصل عدد السوريين الذين أصابتهم أضرار الحرب مباشرة اكثر من مليون سوري وهناك مئات الالاف يتوزعون على المنافي وخاصة في تركيا والأردن حيث يزيد عدد اللاجئين السوريين الى الأردن عن مائة ألف لم تتوفر لهم فرص الايواء والعيش وما زالت أوضاعهم تثير الكثير من الأسئلة عن غياب المجتمع الدولي الذي يكتفي بالتصريحات..

عشرات الوفود الدولية الرسمية ومن منظمات المجتمع المدني الدولي غير الرسمية زارت مناطق الحدود السورية الاردنية وكتبت تقارير وصورت، وهناك تقارير عديدة تتدفق على سفارات الدول الاجنبية وهناك مبعوثون لهذه السفارات يصلون الى الحدود ويتفقدون التجمعات اللاجئة وآخر هذه الوفود السفير الفرنسي ايريك شوفالييه الذي حطت رحاله في مدينة الرمثا وتحاور مع بعض اللاجئين عبر الترجمة واصطحب صوراً ملتقطة وأدلى بتصريحات وأطلق وعوداً عن مساعدات ستصل ..

زيارة السفير استطلاعية وهناك زيارات سبقت لسفراء آخرين من العرب والاجانب وزيارات آخرى في الطريق واوضاع اللاجئين السوريين ما زالت على حالها من البؤس والمعاناة والافتقار لشروط الحياة الانسانية وقد يتضاعف الأمر سوءاً فهؤلاء اللاجئون بحاجة الى حماية والى أمن بعدما جرى الاعتداء على اللاجئين السوريين على الحدود التركية اذ لا ضمانات ان يقع عليهم عدوان أو يندس في صفوفهم وبين ظهرانيهم عملاء يلحقون بهم الأذى وقد أثبتت التقارير أن عدة محاولات جرت لولا بعض اليقظة.

مع استمرار الحالة السورية وعقم الحل السياسي وعدم توفره حتى الان فإن أوضاع اللاجئين السوريين الذين يزدادون لا بد من مناقشتها بشكل جاد وموضوعي بعيداً عن الفزعة وحتى وطأة الحالة السياسية ومفارقاتها بل لا بد من الالتفات للحالة الانسانية المتفاقمة واذا كان المجتمع الغربي ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الذي تتقدمه الحماسة الفرنسية لم يقدم للمعارضة السورية سوى الدعم الخطابي وقرارات لم توقف القتل حتى الان ..فهل يمكن لهذه الاطراف مساعدة اللاجئين السوريين عملياً وبمساعدات لوجستية واضحة وسريعة؟..لماذا لا تفترض هذه الاطراف أن زلزالاً وقع وان تسونامي قد حصل وان ذلك يستلزم تدفق المساعدات وتوفير شروط الايواء؟..ماذا ينتظر هؤلاء ؟ أين الجدية؟ ولماذا يظل العبء على الاردن وحده الذي قدم كل ما في استطاعته؟..حان الوقت لانخراط دول وبشكل رسمي وملموس لمساعدة هؤلاء اللاجئين فلا يكفي ما يقدمه الهلال الاحمر الاماراتي ومساعدات شبيهة من منظمات سعودية وكويتية ذات طابع انساني وديني..على المجتمع الدولي ان يؤكد ارادته في الوقوف الانساني الى جانب هؤلاء اللاجئين ليثبت مصداقيته بدل استمرار الكلام في زمن القتل..

-**-**-**-**-**-*-*

بانتظار نتائج التدويل!! .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

16-4-2012

القرار الذي اُتخذ بإرسال مراقبين إلى سوريا ،الذي احتفل به شبيحة النظام السوري وأعوانهم في الخارج، يشكل حلقة جديدة في سلسلة هذا الصراع الذي غدا ومنذ البدايات إقليمياً ودولياً قد تكون أخطر الحلقات على الإطلاق فمهمة كوفي أنان أرادتها الدول التي وقفت وراءها «كميناً» لإيقاع بشار الأسد في المصيدة وتوفير مبررات مقنعة لإجراء قد يتخذ الطابع العسكري إن ليس من قبل مجلس الأمن بسبب «الفيتو» الروسي الجاهز دائماً وأبداً فمن قبل حلف الأطلسي أو من قبل تركيا مدعومة بغطاء عربي على الأقل.

الآن بعد هذا القرار تدنت إمكانية أن يستمر هذا النظام بالاعيبه ومناوراته السابقة المعهودة ثم وأن الأمر ،على غير ما كانت عليه المبادرة العربية وما كان عليه وضع المراقبين العرب، بات محكوماً بقرار دولي وباشتراطات من الصعب التملص منها تضمنتها النقاط الست المتعلقة بمهمة كوفي أنان وهذا يعني أن القادم سيكون أعظم وأنه سيكون أمام بشار الأسد خياران فإما الالتزام بكل هذه النقاط وهذا يعني أن عليه أن يهيئ نفسه لوداع لدمشق لا لقاء بعده وإما اللجوء إلى المناورات التي بقي يلجأ إليها على مدى عام مضى وأكثر فيكون هذا الخيار طامة كبرى وإجراءً عسكرياً هو يعرف أن «سيناريوهاته» أصبحت جاهزة بكل احتمالاتها المتوقعة وغير المتوقعة.

لقد أصبحت سوريا ،بموجب هذا القرار، تحت الوصاية الدولية ولعل ما يعرفه هذا النظام ،الذي بقي يتحدث عن المعارضة حتى في البدايات عندما كانت كل أنشطتها لا تزال في هيئة مظاهرات سلمية على أنها عصابات مسلحة لا يمكن الاعتراف بها أو التفاوض معها، أن موافقته على ما أقره مجلس الأمن بالإجماع تعني تسليمه واعترافه بوجود طرف آخر يسيطر على جزءٍ من البلاد وتعني أيضاً تسليمه واعترافه بالجيش الحر الذي يضمن له القرار الدولي سيطرةً على المناطق التي يسيطر عليها مما يعني الاعتراف بأنها غدت محكومة من قبل طرفين وليس من قبل طرف واحد.

ما كان على هذا النظام ،لو أنه يرى أبعد من أرنبة انفه، أنْ يلجأ إلى التصعيد منذ اللحظة الأولى وأن يتعامل مع الأمور بالطريقة التي تعامل بها الرئيس السابق حافظ الأسد مع تحركات «حماه» في عام1982 ،التي بدل استيعابها ب»فَرْكةِ إذن» فقط إن لم تكن هناك إمكانية لاستيعابها بالتنفيس البطيء والاستجابة لبعض المطالب «المعقولة»، ذهب فوراً إلى الحد الأقصى فكانت النتيجة مذبحة أزهقت أرواح عشرات الألوف من الأبرياء ودماراً لا تزال آثاره ماثلة للعيان رغم مرور كل هذه الأعوام الطويلة.

وما كان عليه ،أي هذا النظام، أن يلجأ إلى المناورات والألاعيب التي كان يبرع بها في البدايات ،كاحتلاله لبنان لنحو ربع قرن وأكثر، ثم تأتي النتائج كارثية بانسحاب جيشه من هذا البلد بصورة مهينة في عام 2005 وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1559، لإحباط المبادرة العربية وإحباط خطوة المراقبين العرب لتكون النتيجة قراراً دولياً أصبحت سوريا بموجبه تحت الوصاية الدولية وهو قرار إن لن يتم الالتزام به حرفياً فإن النتائج قد تكون تدخلاً عسكرياً ومناطق محمية وبالطبع نهاية لحكم بشار الأسد الذي اعْتَقَدَ انه بإتباع درس «حماه» سيضمن سيطرة طويلة الأمد وإيصال هذا الحكم الذي أورثه إياه والده إلى ابنه حافظ «الصغير»... وعاشت الأسماء!!.

هناك مثل يقول:»واوي بلع موس.. بعد عشاه تسمع إعواه» وحقيقة أن هذا القرار الذي بُلِّعَ لهذا النظام السوري سيكون بوابة نهاية قريبة ف»التدويل» في مثل هذه الحالات هو استدراج للعبة دولية في غاية الخطورة كانت قد لعبتها أنظمة لم تحسن التصرف لا مع شعوبها ولا مع مستجدات الأوضاع الطارئة التي داهمتها فكانت النتائج شاهدة على سوء ما جرى.. وها هي نهاية القذافي لا تزال حية في الأذهان وماثلة للعيان!!

-**-**-**-**-**-*-*

دور تركي مرتقب في حل الازمة السورية .. نور الحلبي

2012-04-15

القدس العربي

تركيا... تلك الدولة التي كانت من أقرب الدول للنظام السوري قبل اندلاع الاحتجاجات باتت اليوم من ألد خصومه وجزءا من الأزمة على حد قول وزيرالخارجية السورية وليد المعلم حين صرح بأن تركيا جزء من المشكلة باستقبالها للعصابات المسلحة على أراضيها ولم يكتف المعلم بذلك وإنما اتهمها بالقيام بتدريبهم وتجنيدهم أيضا، بعكس الواقع الذي تتكلم عنه بعض قيادات الجيش الحر من التشديد عليهم في الأراضي التركية ...

تركيا... التي لم تتوان لحظة عن تقديم النصح للأسد واستخدام كافة الأساليب لإقناعه بخطورة اللجوء للحل الأمني تجاه الاحتجاجات الشعبية- رغم النقد الموجه إليها من قبل الشارع السوري بعدم تقديم حلول ناجعة وعملية لإيقاف القتل والتنكيل، إلا أنها كانت بالنسبة للنظام صديقا وفيا وحقيقيا فكانت كمن ينطبق عليه المثل: ( صديقك من صدقك ).. فأراك الواقع بصورته الحقيقية بعيدا عن المراوغة وتشويه الواقع من أجل تطبيق أجندات ومصالح خاصة من خلال إغراق النظام في شر أفعاله كما تفعل إيران وروسيا والصين- أصحاب الأجندات السياسية النفوذية والاقتصادية في المنطقة كما تصفهم المعارضة السورية، فباتت بسبب مساندتها للشعب السوري من ألد أعدائه .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه على الساحة السياسية اليوم : هل ستلعب تركيا دورا فاعلا في حل الأزمة السورية في المرحلة المقبلة؟ خاصة وأن المتتبع لسير الأزمة السورية يحكم بفشل مهمة أنان منذ بدايتها، فمن أحد أسباب النقد لها أنها ساوت بين الجلاد والضحية، ليس ذلك فحسب بل صورت الأزمة كما تصفها الدول المؤيدة للنظام وكما يصورها النظام للعالم :على شاكلة نزاع وصراع بين طرفين متكافئين في عتادهما وأهدافهما، وكما قيل في تحليل آخر: أن تلك المهمة قد اتخذت كذريعة من المجتمع الغربي لمنع التدخل العسكري في سوريا أولا ولمنع تدفق السلاح للجيش الحر ثانيا، كما أن السبب الرئيسي الذي يحكم على تلك المهمة بالفشل هو أن تلك النقاط الست التي نصت عليها المبادرة مستحيلة التنفيذ لاستحالة تنفيذ أولها وهو: إيقاف النظام لآلة القتل المانعة من سقوطه، خصوصا بعدما غرق في دماء السوريين ونكل بهم أشد تنكيل وهذا ما يدركه الغرب تماما، وحتى إن وافق النظام عليها مرغما إلا أنه لن يتخلى عن حلوله الأمنية التي انتفض بسببها الشعب السوري وإنما سيغير من تكتيكها فقط ، وربما قد يسحب آلياته من كافة المدن ويشدد قبضته على العاصمة دمشق كونها العاصمة السياسية للنظام وعلى حلب- العاصمة الاقتصادية لسوريا- فهما اللتان تحكمان على سقوط النظام في النهاية.

فمع عجز مهمة أنان عن إيقاف القتل وتزايد الهجمة العسكرية على المدن السورية الساخنة من قبل النظام يزداد عدد اللاجئين في دول الجوار يوما بعد يوم ودون توقف، خصوصا في تركيا التي يقدرعدد اللاجئين فيها اليوم بنحو خمسة وعشرين ألفا مما بدأ يشكل عبئا يتنامى مع عجز الدولة التركية عن تلبية كافة احتياجاتهم، وهذا من أحد أسباب زيارة أنان للمخيمات فيها من أجل الاطلاع على أوضاعهم، إضافة لشعور تركيا بتنامي قوة قيادات الجيش الحر على أراضيها مما يشكل خوفا قد تلمح أسبابه من خلال حادثة إطلاق الرصاص على مخيم ( كيليس) الذي وقع منذ فترة، مع محاولة تكرار مثل هذه الحوادث من قبل قوات النظام في الفترة الأخيرة، في خطوة تخويفية للسلطات التركية برسالة مفادها استعداد النظام لإشعال حرب على الحدود التركية، في حال قيام السلطات التركية باتخاذ خطوات عملية إزاء الأزمة السورية، فلم تصدر تركيا في البداية استنكارا أو ردا صلبا إزاء تلك الحادثة مما يعبر عن تخوف وتردد في شأن اتخاذ المواقف اللازمة إزاء آثار الأزمة في أراضيها بشكل عام، أو ربما تمهل حذر لرؤية مدى فاعلية مهمة أنان، خصوصا وأن الدول العظمى لم تعطها الغطاء الذي تبحث عنه حتى الآن للقيام بأي خطوات عملية أوعسكرية بل على العكس تماما؛ فما زالت أمريكا تخوف العالم من اندلاع حرب إقليمية في حال وقوع أي تدخل عسكري في سوريا وتقوم بتضخيم الخطر الإيراني في الوقت الذي لن تتجرأ فيه إيران على القيام بحرب ضد تركيا في جبهة واحدة مع العرب وخصوصا مع دول الخليج، وفي ظل حربها النووية مع أمريكا وحلفائها أيضا، والذي يقال عنه: أنه قد زاد لهيبه في ظل الأزمة السورية لهذا الغرض.

التخوفات التركية تلك إضافة للهجمات الكردية المتكررة التي حاول النظام السوري تخويف تركيا من إشعالها منذ بداية الثورة في حال تدخلها، وتخشى تركيا اليوم من تكرارها في تلك الفترة، قد لحظها المراقبون من خلال الجولة التي قام بها أردوغان قبل مؤتمر أصدقاء سوريا الثاني لواشنطن وإيران... إذ يقرأون فيها قيام جلسات ومحادثات خفية إزاء تلك التخوفات ومحاولة تركيا الضغط على الغرب لحلها، تلمح ذلك من خلال إصرار أردوغان على ضرورة إقامة منطقة عازلة آمنة لللاجئين وإنشاء ممرات لوصول المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة، رغم طلب المعارضة لتلك الحلول منذ بداية نشوء مشكلة اللاجئين السوريين وازدياد العنف، فما قرأه المراقبون والمحللون من ثمار تلك الجولة : إضافة لرفض الدول لها وعدم إعطاء تركيا الغطاء الذي تحتاجه لتطبيقها، حدوث اتفاق مضمر على أن تلك الخطوات قد تكون من ضمن مهمة أنان أو ربما ستكون المرحلة التالية بعد فشل تلك المبادرة لجعلها خطوة مبررة أمام العالم.

والخوف الذي تلمحه اليوم من الرافضين لأي تدخل عسكري في سوريا: أن يكون فشل مهمة أنان ذريعة مبررة لدخول قوات حفظ سلام غربي يرافقه دخول أمريكي محتمل كما يدور الحديث من احتمال إرسال أمريكا لقواتها الموجودة في الجولان لحماية اسرائيل إلى الأراضي السورية في المرحلة المقبلة، فتصبح مهمة أنان بذلك كمبادرة ملغومة يراها هؤلاء المعارضون متزامنة مع تخوف أمريكي على إسرائيل من خلال شعورها بتنامي قوة المعارضة يوما بعد يوم خصوصا في جانبها العسكري، إذ يلمح ذلك من خلال خطاب كلينتون في مؤتمر أصدقاء سوريا الثاني، الذي ذكرت فيه ( بأن المعارضة السورية قد بدأت تقوى وأن على النظام أن ينفذ تلك المبادرة )، إذ تدرك أمريكا أن الخطوة التي قام بها المجلس الوطني في توحيد المعارضة وتوضيح ملامح الدولة المقبلة للسوريين وللعالم، وكذا وثيقة الإخوان التطمينية السابقة للمؤتمر، والخطوة الأهم التي عملت عليها المعارضة وهي اتحاد المجلس الوطني مع الجيش الحر من خلال مجلس عسكري قيادي موحد للكتائب والترحيب والتأييد الشعبي في الداخل السوري الذي لقيته تلك الخطوات رغم تأخرها من شأنها أن تجعل المعارضة أقوى وأكثر ترابطا وتجعل النظام أكثر خشية من ذي قبل، فمن شأن خطوة مشابهة لخطوة المنطقة العازلة تنامي الجانب العسكري للثورة من خلال تشجيع كافة المؤسسات العسكرية إلى الانشقاق عن النظام إن وجدت منطقة آمنة لهم من بطش النظام - حسب ما يعبر عنه الكثير من الشخصيات العسكرية والأمنية بشكل سري لقيادات الجيش الحر- وهذا ما جعل مبادرة أنان المهداة للنظام من واشنطن الفرصة الأخيرة له بسبب الضغط العالمي والتركي خصوصا الذي تواجهه الدول الغربية اليوم لحل الأزمة... وهذا ما أشارت له كلينتون في خطابها - إن فهم النظام ذلك - في خطوة ضاغطة عليه لتنفيذ تلك المبادرة ومحذرة، رغم إدراك واشنطن تماما لاستحالة تنفيذ تلك المبادرة من قبل النظام ...

وربما أن تركيا قد قرأت تلك الخطوة التي يعد لها الغرب مما يجعلها اليوم أكثر إصرارا لتقديم حل المنطقة العازلة، وربما يكون ذلك أحد أسباب زيارة أردوغان للسعودية في خطوة هامة تحمل في طياتها الكثير من الأهمية على الساحة السياسية العربية .

وما نراه اليوم أن العنف الذي قام به النظام على الحدود التركية والذي من المتوقع أنه سيزيد من وتيرته في الأيام المقبلة، سيكون الشرر والمبرر لتركيا للقيام بما أرادت إقامته من مناطق عازلة للسوريين الهاربين من بطش النظام بحجة انتهاك السيادة التركية ونحو ذلك، تلك الخطوة وإن كانت ستأتي متأخرة أو أجبرت السلطات التركية على القيام بها بسبب الظروف المحيطة بها إلا أنها ستكون فاعلة في ظل تزايد العنف في المناطق السورية وخطوة سيقبل ويرحب بها السوريون في الوقت الذي سدت فيه كل أبواب الحلول العربية والدولية العملية المنقذة للشعب السوري من البطش والقتل بعيدا عن الحسابات السياسية والنفوذية...، ولعل السوريين يجدون في مثلها خطوة قد تكون الأكثر أمانا من التدخل لقوات عسكرية أمريكية أو فرنسية... أو دخول حلف الناتو في خوف من أحداث لم تمح من ذاكرة العرب والسوريين في العراق وليبيا...، فما يقوله السوريون المعارضون للتدخل الأجنبي اليوم ( أننا نقبل بتدخل دولة كتركيا والتي تعتبر على الأقل دولة مسلمة وديمقراطية دون القبول بتدخل غيرها ) فهل سيكون الفرج المرتقب للسوريين الذين يصرخون كل يوم ( ما لنا غيرك يا الله ) في جعبة تركيا؟ أم سنضطر لاستقبال الأسوأ وهو القوات الأمريكية الموجودة في الجولان لحماية اسرائيل والأسوأ أدهى وأمرّ، فعلى النظام اليوم أن يعي خطورة المرحلة المقبلة وأن يترك السوريون يقررون مصيرهم ومستقبل بلادهم دون أن يجر البلاد للأسوأ والأمرّ.

' كاتبة سورية

-**-**-**-**-**-*-*

سؤال 'ثوري' ساذج: ما مصيرُ القاتل بعد منعه من القتل؟ .. مطاع صفدي

2012-04-15

القدس العربي

لماذا لا يريد أكثر الناس أن يصدقوا أن النظام القاتل سوف يتوقف عن القتل. ليست المسألة عائدة إلى فقدان الثقة بوعود النظام التي كذبها هو نفسه في كل مهلة أعطيت له كيما يصحّح ممارسته، لكنه يضاعف من وحشيتها بالكم والكيف معاً. هذه الممارسة ليست جديدة، لم تطرأ على سلوكه مع انطلاق الثورة ضده.

ماذا يفعل نظام القتل إن كفّ عن القتل. فهو منذ أن استولى صاحب النظام على الدولة السورية قبل أربعين عاماً ونيف تم تدشين عهده بقتل أقرب شريك وصديق له، والحكم على بقية أعضاء القيادة العسكرية والحزبية آنذاك بالقتل الطويل المؤبد في سجن المزة، لم يخرج أحد منهم إلا بعد عقود إلى المستشفى أو إلى القبر الترابي الأخير.

ثم جرى تعميم القتل على مجمل حياة السوريين، بأشكاله المادية والمعنوية، الاجتماعية والثقافية، الإنسانية والحضارية.

لقد سُحبت من السوريين ملكيّتهُم لوطنهم وكرامتهم، جملة وتفصيلا، بات معظمهم أشبه بالمهجّرين وهم في عقر دارهم، والمهمشين في كل شأن عام يمسّ أبسطَ مصالحهم الطبيعية، ومطامحهم السياسية والثقافية. لقد جرى تمليكُ سورية للأُسرة الحاكمة وأتباعها، بالموافقة الدولية (الشرعية) على الأمر الواقع!

أسوأ أعراض الانحطاط المداهم للنهضة العربية الثانية، كونُها أنتجت قسراً عنها أو بإرادتها، أظلمَ إقطاعٍ سلطوي عرفه تاريخ الاستبداد العالمي. وكان النظام الأسدي الأسروي رائداً متميزاً لشتى النُسَخ الأخرى المتسلطة على أكثرية دول الاستقلال العربي الجديد.

فإجهاضُ النهضة بات المحرك (التاريخي) عندما تحقّق حرمانُها من مجتمعاتها الحرة، أمست دولُ الاستقلال ملكياتٍ خاصة لحكامها. فكان لا بد لهذا النوع من الإقطاع السلطوي المطلق أن يدخل في صراع النفي الدائم لمنافسه وغريمه الأنطولوجي الذي هو الشعب.

ينحل كلُّ من مفهوم الأمن القومي وأمن الدولة إلى مجرد الحماية المستديمة لهذه العلاقة البائسة بين قمة لاغية لقاعدة هرمها، وهذه القاعدة نفسها، الموجودة حكماً وواقعاً، ولكنها الممنوعة من أبسط حقوقها الطبيعية والمكتسبة إنسانياً إجتماعياً معاً.

قامت الثورة من أجل هدفٍ واحد، هو منع النظام من ممارسة القتل. كان خوفه الأعظم من أن تنجح الثورة في قتله سلمياً. فكان تفظيع القمع إلى ما يتعدى كل حدوده، طلباً في أن تتساوى الثورة معه حينما يلجأ بعضُها إلى العسْكَرة.

لكن هذه العسْكَرة المتحققة جزئياً، التزمت حدودَ الدفاع عن النفس، بينما عمّت مفاعيلُ الحراك الثوري المدني، غالبيةَ العمق الجماهيري. تضاعفت عزلةَ الأسرة المسيطرة، فقدت صلتها العضوية الزائفة بالدولة، بعد أن أعلنت الحرب على شعبها. انحدرت قطعاتُ الجيش المقاتلة إلي هيكلةِ ميليشياتٍ شعبوية أخرى تستبيح كل المحرمات الدولية والأخلاقية. كلما أوغلت ( الأسرة) في سعار الدم والنار والخراب كلما ازدادت قرباً من نهايتها.

لكن البطش يصير غاية في ذاته، وأصحابه يظنون أنهم أحرار في ممارسته، وأنهم منتصرون ماداموا يحصدون أجساداً صريعة تحت مناجلهم. فالقتلة المحترفون لا يعبأون بالنتائج، تهمّهم أفعالهم وحدها. ما داموا قاتلين فهم المنتصرون، وضحاياهم هم المهزومون. ذلك هو منطق الحد الأعلى لبلوغِ الطغيان ذروةَ غبائه، موازِنةً لذروة عنفه الجنوني، إذ يعتقد أنه قادر على فعل كل شيء، أي على خراب كل شيء، حتى أَمْنِهِ الأخير في النهاية.

والواقع، إن أربعة عشر شهراً من أدمى وأوحش ما عرفته أيام العرب العجاف المعاصرة، بَرَعَ خلالها قتلةُ النظام المسعورون في تمزيق آخر الأقنعة السياسية الزائفة الساترة لوجوه ذئابهم من سادتهم المعلنين أو المتوارين وراء السُّجُف الاقليمية أو الدولية.

لم يحدث أن أصبحت شعارات التقدم العربي أرخصَ بضاعةٍ شعارية ابْتذلَها قياديون تكشفوا عن سفاحين من طراز أجبن جبناء وحوش التاريخ، هؤلاء (الأبطال)، غُزاةُ القرى والمدن والأحياء الآمنة، ثمّ تفريغها من أهاليها، ذبْحُ أطفالها، اغتصابُ نسائها، تعذيب كل لحم حي لأضعف المخلوقات الواقعة تحت مخالب الذئاب البشرية المسعورة.

هذه المشهديات المريعة لا شيء يمكن أن يحجب تفاصيلها الفظيعة. لا الهدنة الهشة، ولا هذه العودة السخيفة إلى اللغة الدبلوماسية التي يتداولها زبائن المؤسسات الدولية. ليس ثمة صيغة اتفاق أو تفاهم يمكنها أن تعقد حوارات عقيمة بين الجلادين وضحاياهم. أما الخطط التكتيكية والإستراتيجية اللاعبة خارج حدود معارك الدم والمصير العام، فهي لن تستطيع أن توقف حرباً لم تحقق هدفها لأي من أطرافها، ولن تمنع استئنافها بأقسى حالاتها عند أقل خطوة أو هفوة، قد يرتكبُها أحدُ الخصمين المتنازعين.

يريد السوري أن يفهم هذه الهدنة أنها ربما توقف الحرب الإبادية التي يشنها النظام على الشعب الآمن، لكنها لن تمنع، ولا تستطيع أن تمنع ثورة الجماهير الغاضبة. في حين يعتقد النظام أنه موشك على استعادة شرعيته ما أن يحكم الغرب مجدداً على أهلية النظام لإستئناف دوره المعهود، بصفته الالتباسية المميزة لحكمه خلال أربعة عقود كان خلالها محوراً مركزياً في استتباب أهم مصالح الغرب في المشرق، بدءاً من صيانة مستقبل إسرائيل. بل ربما يجنح خيال النظام إلى ما هو أبعد من منجزات (تراثه) الماضي، إذ سوف يرشح نفسه لأن يكون المنجلَ الحاصد لأزهار الربيع العربي أينما وكيفما أينعت ثوراتُه القادمة، بعد أن نجح في إمتحان إنزال الضربة القاضية في واحدةٍ من أهم وأعظم ثوراته. فلماذا إذن لن يفوز ثانية بأفضل جوائز الثقة لدى كبار سادة العالم. هؤلاء الذين لا يرون ثمة وسيلة لدرء فجائيات الربيع العربي. أفضل من استنبات حقل الأشواك المسمومة في حقول أزهاره ومواسمه عينها.

قد تصحُّ هذه الصفحةُ المخيالية من أحلام الطغاة كلما أوغلوا أكثر في تطبيق عقيدة التوحيد بين القتل والنصر، هكذا: إقتلْ تنتصر، لا تقتل فتنهزم! أخطر ما يخشاه عبيد هذه العقيدة في لحظة (الهدنة) الدولية المفروضة هو أن يغدو منع حرب النظام شرطاً لاستئناف ثورة الشارع الأهلي السلمي. هذا الوضع لا قِبَلَ لأرباب النظام أن يتحملوه لا آنياً ولا مرحلياً. وهم إن اضطروا للإنصياع شكلياً، فإنهم سيمارسون نوع الحرب الأخرى الأخفى، حيثما يعممون مصائد شبّيحة الظلام في أحياء المدن والأرياف، يمارسون الاعتقالات الفردية والجماعية، والاغتيالات، ينشرون شبكيات الاختطاف والإخفاء. فلا حماية لظهور الجماهير وعائلاتهم، إن لم يتمأسسْ نضالُ ثوارهم في منظمات المقاومة الشعبية الشاملة، حيثما تُفرض أشكالُ المقاطعة المتنوعة على كل علاقة رسمية أو عمومية بين فعاليات المجتمع المدني وسلطات الفئة الحاكمة، بما يؤول إلى إحكام عزلة هذه السلطات خارج كل مشروعية للدولة والمجتمع في آن واحد.

هذا مع العلم أن عزلة النظام ليست مستجدة، هو اختارها لذاته ولحكمه منذ أن قرر الاستئثار بالدولة أسروياً وفئوياً، مكوِّناً بذلك نوعاً من طبقة أقلوية عنصرية متحكمة في مختلف مقدرات البلاد وأرزاق مواطنيها. فلما اندلعت الثورة أخيراً انقلبت هذه العزلة إلى قطبية عدوانية مطلقة خاضت وتخوض حروب القتل ضد غالبية شعبها.

فكان رد الثورة هو إسقاط النظام، وإدانة أربابه بجرائم الإبادة المنظمة ضد الإنسانية. لكن مازال هذا الردّ بدون أجوبة حاسمة، تائهاً ما بين خطوط الصراع المحتدمة أو المكبوتة. فلا حديث فورياً عمن انتصر أو انهزم حقاً أو فعلاً.

والمشكلة التي يتعذر على النظام الإقرار بها علنياً بالنسبة لمصيره العاجل هي ما إذا كان التدخل الدولي مصرّاً على إزاحته كلياً، أو أنه سيُبقي عليه كنظام حكم مع اضطراره للتنازل عن بعض رموزه، ويخصّ شخص رئيسه بالذات. هذا بعض الحل الذي تنتظره قيادات معارضة كثيرة، دون التمعن بنتائجه شبه الكارثية.

هل يفتدي النظامُ نفسَه بالتخلي عن زعيمه، ولكن السؤال الأهم هو المتعلق بالثورة، وليس بالمعارضة. حتى وإن كانت الثانية تدعي تمثيلها للأولى. فالإدعاء لا دليل عليه سلباً أو إيجاباً إلا بقدر ما تثبت الثورة أنها لا تزال سيدةَ الشارع الجماهيري السلمي، وبالتالي فهي وحدَها المؤهّلة لوظيفة المرجعية الشرعية لكل معارضة صادقة مع ذاتها أولاً، سواء كانت داخل حدود الوطن أو خارجه.

فالخلط بين منطق الثورة وأحابيل المناورة، هو البضاعة السياسوية المسيطرة عادة على (مفاوضات) ما يسمَّى ب مرحلة الانتقال المنتظرة لما سيأتي بعد النجاح النسبي للهدنة الراهنة، غير أنه مثلما لا يصدق أحد من مسؤولي الغرب المتابعين، إلتزامَ الأسد بتنفيذ البند الأول من مبادرة أنان، بسحب آلة الحرب من شوارع المدن وأحيائها، فإن النظام نفسه لا يعرف كيف يمكنه الصمود طيلة مرحلة الانتقال المفترضة، في الوقت الذي تستعيد الجماهير حرية التظاهر والمطالبة الصارخة، والمنادية بإسقاطه جملةً وتفصيلاً، دونما التمييز بينه وبين رئيسه.

إنها إذن الانطلاقة بالأزمة نحو مناورات الحلول والمواقف السياسية، عندئذٍ لن يبقى أبطالُها محصورين ضمن هذا الثلاثي المباشر: الثورة والمعارضة والنظام، لن يظلوا وحدهم في الساحة، فالأطراف الإقليمية والدولية متحفّزة جميعها للفوز بحصص من كعكة أية صيغة توافقية، يرسو عليها (بازار) الصفقات المتضاربة، الواضحة المعالم في مقدماتها المبتذلة منذ الأمس واليوم، وغير المجهولة النتائج التي سيتحمّل أعباءها المريبة سلفاً، هذا الشعبُ المضحّي بشبابه ومصالحه الراهنة العاجلة، أملاً باسترداد الحرية التي هي أم المصالح الكبرى لعموم المجتمع والأمة الأعظم، المنتمي هو إليها.

هل إذا توقفت حرب القمع ستفوز الثورة، أم أن (السياسة) ستكون لها بالمرصاد. لكن الأمل عظيم بشبيبة الشام الذين اكتسبوا ما هو أهم وأبقى من تجارب شيوخهم، وهم يصارعون في جحيمِ أبشع مجزرة مستديمة لأربعة عشر شهراً، عانوا خلالها كلّ فظائع بعض النوع الإنساني المرتدّ إلى أظلم حقبة من وحشيته المطلقة، ولكن بكل وعيه وإرادته الشيطانية وحدها، هذه المرة! ليس لهم أن يتعلموا فقط من دروس النكسات لثورات عربية سابقة ومعاصرة لانتفاضتهم بل تزيدهم معرفة بأسرار التغيير البنيوي، تجربتُهم الذاتية عينها.

إذ أصبح مستقبل الربيع العربي كله متوقفاً على تحولات الثورة السورية. فأي قرار سينتهي إليه جدل الحلول المنتظرة في بلاد الشام، ستكون علاماتٍ فارقةً في طريق مستقبل هذا الربيع ومواسمه الطموحة القادمة. والشام في عين العاصفة كعادتها تاريخياً.

' مفكر عربي مقيم في باريس

-**-**-**-**-**-*-*

يجب انجاح مهمة المراقبين الدوليين .. رأي القدس

2012-04-15

القدس العربي

يبدأ فريق المراقبين الدوليين عمله في سورية ابتداء من اليوم في مهمة الهدف منها التأكد من التزام جميع الاطراف بوقف اطلاق النار الذي جرى العمل به يوم الخميس الماضي.

السلطات السورية تقول انها ملتزمة بالكامل بهذا الاتفاق، ولكنها لن تتهاون مع الجماعات المسلحة التي تواصل عملياتها العسكرية ضد النظام في تهديد واضح الاهداف والمعاني.

المعارضة تؤكد الشيء نفسه ولكنها تتحدث في الوقت نفسه عن عدم التزام النظام بوقف اطلاق النار، وتشير الى قيام دباباته بقصف احياء في مدينة حمص يوم امس، لكن منظمات حقوقية دولية تقول انها، اي قوات المعارضة، هاجمت مركزا للشرطة في منطقة حلب.

قوات المراقبين الدوليين التي تشكلت بقرار من مجلس الامن الدولي ومن المتوقع ان يرتفع تعدادها الى اكثر من 250 مراقبا، من المفترض ان تزور مواقع الخروقات والمواجهات العسكرية، وتقدم تقارير مفصلة عن مشاهداتها.

مهمة المراقبين الدوليين صعبة للغاية، وسيجد فريق المراقبين نفسه وسط حقل الغام، فالنظام السوري لا يثق بهم وان كان لا يظهر ذلك علانية، ويريد ان يكون له رأي في تحديد المناطق التي سيزورونها، والا فانه لا يضمن سلامة هؤلاء.

الخوف من المراقبين الدوليين يعود الى تجربة المفتشين الدوليين في العراق خاصة في الفترة التي سبقت الاحتلال الامريكي لبغداد، حيث تصرف هؤلاء بعنجهية وتعمدوا فرض شروط تعجيزية على النظام، بل مارسوا اعمالا مهينة واستفزازية من بينها الاصرار على تفتيش غرف نوم رأس النظام بحجة البحث عن اسلحة الدمار الشامل التي تبين عدم وجودها، ومعرفة القوى الغربية مسبقا لهذه الحقيقة.

اتفاق اطلاق النار الهش يواجه اختبارا صعبا في الايام القليلة المقبلة، واعراب السيد كوفي عنان مبعوث الامم المتحدة الى سورية عن قلقه من جراء الخروقات والقصف مبرر، لان انهيار هذا الاتفاق يعني انهيار مبادرته للتوصل الى حل سياسي للازمة يؤدي الى حقن الدماء.

لا احد يريد العودة الى الايام والاشهر الماضية التي سبقت التوصل الى الاتفاق المذكور، حيث كان يسقط عشرات القتلى يوميا، ولكن من الواضح ان الجانبين سواء في النظام او المعارضة يملكان نوايا جدية لانجاحه والجلوس الى مائدة الحوار، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالطرفان لا يعترفان ببعضهما البعض، وكل طرف يريد انهاء الآخر، مما يجعل مسألة الجلوس الى مائدة الحوار معقدة للغاية.

النظام السوري لا يثق بالمجتمع الدولي وبالتالي ينظر بعين الريبة والشك الى فرق المفتشين الدوليين، ولهذا فان على الجهة التي تقف خلفهم وتدعم مهمتهم العمل على تجنب اي عمل استفزازي من شأنه ان يؤدي الى نتائج كارثية، ابرزها انهيار وقف اطلاق النار او تعرض عناصرها لخطر القتل.

مهمة المراقبين العرب فشلت لان المعارضة السورية ومعها بعض الدول العربية نظرت اليها بعين الشك، وحكمت عليها بالفشل قبل ان تبدأ، ومهمة المراقبين الدوليين قد تواجه المصير نفسه اذا تواصلت عملية التشكيك فيها من قبل النظام او المعارضة او الاثنين معا.

مهمة المراقبين الدوليين هذه يجب ان تتوفر لها كل اسباب النجاح خاصة من قبل النظام السوري، لان البديل لفشلها كارثي بكل معنى الكلمة، اللهم اذا كان المجتمع الدولي والنظام نفسه يريدان حربا اهلية طائفية، وتحويل سورية الى دولة فاشلة.

-**-**-**-**-**-*-*

مهمة أنان ومحادثات إسطنبول وجدت لتبقى .. جورج سمعان

Mon, 16 أبريل 2012

الحياة

كان متوقعاً أن يتبنى مجلس الأمن بالإجماع قراراً بإرسال مراقبين دوليين إلى سورية. هو صورة أخرى عن الإجماع الذي يتسلح به كوفي أنان. كان من المبكر إعلان فشل مهمته. لا مصلحة لأحد من أولئك الذين وقفوا خلفها، دوليين وإقليميين، في أن يستعجلوا نعيها. لم يُستنفَد الخيار السياسي والديبلوماسي. بل يجب ألا يستنفد بهذه السرعة، أياً كانت الخروقات اليومية لوقف النار وأعمال العنف. فلا أحد من اللاعبين يملك بدائل لمعالجة الأزمة. جميعهم توافقوا على أنها الفرصة الأخيرة... وعدم استغلالها حتى النهاية يعني انزلاق حتمي إلى حرب أهلية واحتمال انهيار الدولة وزعزعة الاستقرار في المنطقة كلها. ولا أحد منهم يملك وسيلة يمكن أن تدفع بالنظام إلى الانهيار، مثلما ليس في جعبة النظام ومن يواليه ويدعمه ما يمكن أن يوقف الحراك ويلحق به هزيمة ساحقة.

المطلوب ألا يقطع أحد مسيرة التفاوض أياً كانت العقبات، ومهما بدا أن الحل السياسي شبه مستحيل. هذا التفاوض في الأزمة السورية يواكبه تفاوضٌ موازٍ في الملف النووي الإيراني انتهى أيضاً بخلاف المراحل السابقة من الحوار. مايكا مان الناطق الرسمي باسم وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، وصف محادثات اسطنبول بأنها «تختلف تماماً» عن سابقتها قبل 15 شهراً، وأن «المبادئ لإجراء مفاوضات جديدة متوافرة»، و «كل الدول أبدى الرغبة في عقد اجتماعات ثنائية».

التفاوض إذاً حاجة لجميع الأطراف الذين هم أنفسهم في الملفين السوري والإيراني، دوليين وإقليميين. فلا الولايات المتحدة وحلفاؤها كفوا عن التشديد على الحل الديبلوماسي مع طهران ودمشق، مترافقاً مع سيل من العقوبات. ولا روسيا وحلفاؤها توقفوا عن صد ما يعدونه «هجمة غربية» على النظامين الإيراني والسوري، متمسكين بالقانون الدولي ووجوب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ويعرف الروس أن توكُّؤهم على ما يعدونه مواثيق دولية قد لا يفيد طويلاً في وقف موجة التغيير التي تجتاح العالم العربي والحراك الداخلي في سورية تالياً، ولا في وقف سعي أميركا والدول الأوروبية إلى مزاوجة هذه التطورات مع مصالحهم السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي حين تبدو الدول الغربية أكثر براغماتية، تبدو روسيا كأنها لا تود مفارقة مفاهيم وأدوات السياسة السوفياتية في مقارعة ما تسميه «انعدام الأخلاق» في سياسات الغرب، كما عبر بوتين ومسؤولون روس في مناسبات عدة. لعل هذه الديبلوماسية القديمة تعيد إليهم الكثير مما فقدوا منذ سقوط الحرب الباردة.

واضح من محادثات اسطنبول أن الحرص على مواصلة الديبلوماسية دورها لا يقتصر على أميركا وشركائها، بل تحتاج إيران أيضاً إلى البقاء في مربع الحوار لئلا ينتقل خصومها مستقبلاً عندما تتوافر الظروف إلى المواجهة التي لا يرغب أحد حتى الآن في الوصول إليها. لذلك عادت طهران إلى طاولة الحوار بعد غياب طويل ومعاندة. ولذلك أيضاً انضمت إلى الإجماع الدولي على مهمة كوفي أنان. ولم يبق أمام النظام السوري سوى التجاوب مع هذا الاجماع، أياً كانت النيات ومدى صدقها في التزام منطوق هذه المهمة الدولية-العربية. كما ليس أمام المعارضة غير التجاوب مع هذه الرغبة الدولية. ولا حاجة إلى رفع الصوت ومزيد من الخلاف على موضوع التدخل الدولي على غرار ما حصل في ليبيا، فالتدخل الخارجي ليس متوافراً وينتظر من يفتح له الأبواب، لا من الحلف الأطلسي ولا من تركيا.

مهمة المبعوث الدولي-العربي وجدت لتبقى حية حتى تتبدل المعطيات والظروف المحيطة بكل ملفات المنطقة وليس الأزمة السورية وحدها. لا تملك واشنطن حلاًّ، ولا موسكو، لذلك يحرص الجميع على عدم استعجال فشل المهمة. روسيا كفيلة بإقناع الرئيس بشار الأسد بتوفير الحد الأدنى من الشروط لانتشار المراقبين الدوليين ومن ثم الإعداد لإطلاق عملية سياسية ستطول بالتأكيد... حتى ينجلي ليس غبار الحوار المتجدد بين إيران والدول الست الكبار في شأن ملفها النووي، بل حتى ينجلي غبار السباق الرئاسي في الولايات المتحدة وفرنسا. وحتى يرسم فلاديمير بوتين العائد إلى الكرملين صورة حكومته الجديدة وملامح إستراتيجيته وسلم أولوياته، في ضوء كثير من التطورات، الحالي منها والقادم. كما أن حكومة رجب طيب أردوغان تحتاج هي الأخرى إلى تنفس الصعداء بعد انهيار كل مقومات ديبلوماسيتها التي بشرت بها طوال عقد من الزمن. مثلما تحتاج إلى ترتيب البيت الداخلي.

تجاوزت الأزمة السورية النماذج التي أفرزها «الربيع العربي»، من تونس إلى مصر وليبيا واليمن. من هنا يبدو أفق الحلول مسدوداً، ومآل الحراك مفتوحاً على المجهول. ميزان القوى سيظل قائماً على توازنه الحالي ما لم تحدث مفاجأة كبرى: أهل الحراك على تصميمهم الذي لا يلين، رغم آلاف الضحايا والمعتقلين واللاجئين في الداخل والخارج، والنظام المصمم على خياره الأمني ورفضه الاعتراف بالأزمة ما دام خصومه في الخارج لا يفكرون لحظة في التدخل العسكري، ولم يستطيعوا فتح كوة في الجدار الروسي، بل قد يكونون مرتاحين إلى ما حققه الحراك حتى الآن، فالوضع السوري الغارق في الفوضى عطل دور دمشق في لبنان وفلسطين والعراق، وبات عبئاً على إيران الحليف اللصيق الذي يجهد للحفاظ على ميزان القوى القائم في المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة.

قد تفرز الأزمة السورية نموذج حل مختلفاً تماماً يبدو شبه مستحيل بعد سيل من الدماء والدمار وبعد هذا التصدع الذي أصاب العلاقة بين النظام وأهله من جهة والشريحة الكبرى من السوريين. ولعل أقسى ما في الخطوات اللاحقة للهدنة الحالية أو لوقف الأعمال العسكرية هو الانخراط في الحوار أو البحث عن حل سياسي يسمح في نهاية المطاف بترسيخ ما يمكن أن يشكل تسوية «لا غالب ولا مغلوب». وفي هذا المجال هناك من لا يتوقع تقدماً سوى برفع مستوى مهمة أنان. كأن يكلف رعاية حل لا يفرضه النظام ولا ترسمه المعارضة. أي أن يقوم ما يشبه الوصاية، أو الرعاية التي يقرها مجلس الأمن لإجراء الإصلاحات المطلوبة تؤدي في النهاية إلى التغيير المنشود، على أن تراعى مصالح كل المكونات السورية، الطائفية والمذهبية والعرقية. أي أن توزع عليها المواقع والمناصب على طريقة «المحاصصة» اللبنانية أو العراقية.

وإذا كان على القوى الكبرى، خصوصاً روسيا، أن تحافظ على مصالحها في آخر موقع لها في الشرق الأوسط، فليس أمامها سوى الدفع في اتجاه هذه الوصاية الدولية لابتداع حل يضمن لها هذه المصالح، بضمانه مصالح القوى التي وقفت إلى جانب النظام حتى اليوم. أما السعي إلى حل يرحل معه الرئيس بعد مرحلة انتقالية، على أن تبقى التركيبة القائمة للنظام فتلك وصفة لن تنفع بقدر ما قد تدفع نحو قيام «كوريا شمالية» في الشرق الأوسط... ولكن مع قلاقل واضطرابات لا تستقر معها لا البلاد ولا جيرانها ولا الشرق الأوسط.

إن قراءة متأنية لما جرى حتى اليوم في سورية تثبت أن الصراع ورفع التحدي حتى النهاية سيفضيان إلى خيارات لا يروق لأحد التفكير فيها. فبعض السوريين يرفض الحديث عن إمكان انزلاق البلاد إلى حرب أهلية مفتوحة ومدمرة، على رغم أن نذرها وصورها قائمة في ما يحدث اليوم. وبعض آخر يكابر ويعاند في رفض الاعتراف بالواقع وما يحتمه من تغيير. يهرب مع النظام إلى الحديث عن «المؤامرة» لإعادة رسم خريطة المنطقة وتغيير الحدود التي رسمها اتفاق سايكس-بيكو البريطاني الفرنسي. علماً أن الحرب الأهلية، قد تقود إذا اهتز ميزان القوى القائم داخلياً وخارجياً، إلى كسر القوس الإيراني القائم من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق ليستقيم السد السني من العراق وسورية... ولبنان في وجه الجمهورية الإسلامية. أو قد تقود إلى تعزيز هذا القوس، إذا أعيد رسم خريطة سورية وتواصل خط الساحل من اللاذقية إلى بانياس فطرطوس... وحمص التي تشكل عقدة الوصل مع لبنان وبقاعه، مثلما تشكل صلة الوصل بين عاصمتي الشمال السوري وجنوبه فضلاً عن الداخل الشرقي. وعندها يصبح ذاك السد بين فكي كماشة. هل هذا ما يريده نظام الرئيس الأسد وأهله الذين «يواجهون مؤامرة خارجية» لتدمير البلاد؟ أم هذا ما يريده خصوم النظام الذين يرفضون منطق الاحتراب الداخلي والتفتيت أيضاً؟

-**-**-**-**-**-*-*

أزمة سوريا عند واشنطن.. قبل أي جهة أخرى .. إياد أبو شقرا

الشرق الاوسط

16-4-2012

«زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا.. أبشر بطول سلامة يا مربع»

(جرير)

عندما وصفت قبل أسابيع قليلة مهمة كوفي أنان لتسوية الأزمة السورية بأنها «مهمة الدابي 2»، كنت أحاول أن أكون واقعيا في تخميني من دون استخفاف.. أو سوء ظن يرد في غير محله.

فأنا من المؤمنين بأن «الطبع يغلب التطبع». وبما يخص نظاما عايشته - عن قرب ومن بعد - لأكثر من 40 سنة، تيقنت أن «قول الشيء وفعل نقيضه» عادة ترسخت في طبيعته، بل هي جزء لا يتجزأ من كيميائه الحيوية. وبناء عليه يغدو ضربا من الغباء أن يتوقع منه الراصد أي شكل من أشكال الالتزام، فما بالك إذا بني الالتزام المزعوم على إنكار الحقائق؟!

منذ 13 شهرا يركز الإعلام السوري الرسمي، وشبه الرسمي، على شهداء القوات الأمنية والجيش - رحمهم الله جميعا - من دون أن يشير، ولو من قبيل «رفع العتب»، إلى وجود ضحايا مدنيين.. تجاوز عددهم «الرسمي» عشرة الآلاف قتيل.

سمعنا عن «مندسين» و«إرهابيين» و«مؤامرة إسلاميين أصوليين» وتسلل «متسللين» من لبنان أولا، ثم من تركيا. ولكن لم تكن هناك إجابات شافية عن سبب ل«اندساس» الأطفال إلى درجة تبرر خطفهم ثم قتلهم.

لم تكن هناك توضيحات مقنعة عن سبب إصرار «المندسين» البالغين على مهاجمة مظاهرات معارضي النظام.. بينما يتركون «عراضات» التأييد له تمر بسلام.

لم يكلف النظام نفسه عناء تفسير كيفية تمدد «مؤامرة» بهذه الخطورة في دولة يديرها عدد محترم جدا من أجهزة الاستخبارات.. من القامشلي في أقصى الشمال الشرقي إلى اللاذقية في أقصى الغرب، ومن اللاذقية إلى درعا في أقصى الجنوب، مرورا بإدلب وحماه وحمص وريف دمشق.. و.. و.. إلخ.

لم نسمع كيف يمكن لأشخاص مثل جورج صبرا أو فارس الحلو أو ريما فليحان أو فدوى سليمان أن يكونوا «أصوليين» أو «سلفيين».. أو كيف امتدت «الأصولية» إلى سلمية، قاعدة الإسماعيليين في سوريا، حتى بات ضروريا قصفها بالدبابات.

وتكرارا، سمعنا خلال الأشهر الماضية من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي السوري، أن المظاهرات التي سيرت تأييدا للرئيس بشار الأسد إنما حشدت وسيرت دعما ل«خطط الإصلاح» (!).. الإصلاح؟!

إصلاح ماذا؟! هل كانت هناك عيوب ما تحتاج إلى إصلاح؟!.. وإذا كان هو الحال، أليس غريبا أنه قبل «الربيع العربي» - الذي فقد اليوم الكثير من براعمه وشذاه - كانت سياسات الرئيس «كاملة الأوصاف» تستحق المبايعة بلا نقاش، مشفوعة بأكثر من 90 في المائة من أصوات الاستفتاءات المعلبة؟!

إصلاح ماذا.. طالما أن «الخطوة الإصلاحية» الأولى تمثلت بإعادة تشكيل حكومة من «المدرسة» نفسها، برئاسة وزير «حزبي» في الحكومة السابقة، و«وزراء سيادة» كلهم من «الطاقم القديم».. الذي يفترض أن الإصلاح مطلوب من أجل التخلص منه؟!

ما علينا. هذا كله صار من الماضي.

نحن الآن أمام وضع جديد، مع إقرار خطة نشر المراقبين الدوليين «وفق شروط احترام السيادة السورية»، كما طمأننا مشكورا السيد بشار الجعفري، والحمد لله.

ماذا ينتظر السوريون من «الفصل الأول» من «خطة كوفي أنان»؟ وهل هو الشيء نفسه الذي ينتظره منها المجتمع الدولي؟

بداية، الشعب السوري، الذي عجم عود «الحكم الأسدي» منذ خريف 1970 وأدرك أن لا «أنصاف حلول» ترتجى منه، أراد من انتفاضته احترام حقه في حياة حرة كريمة داخل بلده. وعلى رأس قائمة أولويات الحياة الحرة الكريمة.. المحافظة على سلامته وكرامته، ومن ثم إتاحة المجال له للتعبير عن رأيه وخياراته. وهذا الشعب يفهم أيضا أن خطة أنان «خطة واحدة متكاملة» لا مجال لتجزئتها والانتقاء منها استنسابيا، والتعامل معها على مراحل.

ولكن منذ إعلان النظام «موافقته» الاضطرارية «المشروطة» على الخطة، واصل التصدي للمتظاهرين السلميين، واستمر قصف المدن. كذلك ظلت «الآلة العسكرية» القمعية بقضها وقضيضها من مدفعية ودبابات وطيران عمودي و«شبيحة» داخل المدن والقرى وما حولها. وهذا يعني أن الالتزام الكلامي لا يتوازى مع الواقع على الأرض، حتى بالنسبة لأولئك الذين يريدون رؤية الكأس نصف ملأى لا نصف فارغة.

وهنا يأتي دور المراقبين الدوليين، الذين يؤمل أن يكونوا أكثر من مجرد «شاهد ما شافش حاجة»، كحال بعض أفراد بعثة الدابي الذين حالت حفاوة النظام المفرطة بهم، وحرصه على تكريمهم، دون مشاهدتهم صورة ما يحدث كاملة.

أمور كثيرة يمكن أن تقلق الراصد المتابع بشأن عمل المراقبين، ابتداء من شكل التفويض المعطى لهم، واستتباعا عددهم وحرية حركتهم - في ظل «احترام السيادة» طبعا - وجنسياتهم ومدى استقلاليتهم عن القرارات التي التزمت بها حكومات دولهم، مع النظام أو ضده، ثم قدرتهم على التمييز بين «المندس» (؟) و«الشبيح» من المسلحين بثياب مدنية. كيف سيتيسر للمراقب ذلك طالما أن أحدا من الجانبين لا يحمل «بطاقة هوية» أو «أمر مهمة» يحددان واقعه.. اللهم إلا إذا أتيحت لهم مشاهدة نقلهم بحافلات تتحرك بحماية الدبابات والمدرعات، أو تواكبها، أو تتبعها؟! بل كيف يمكن التأكد من أن «مدنيا» يرتكب هذه الجريمة أو تلك وليس عسكريا أو رجل أمن بزي مدني؟!

أصلا لا وجود لاتفاق رسمي لوقف إطلاق النار، إذا كان لنا الكلام عن «طرفين» متساويين متواجهين.. كما تود موسكو وبكين إقناعنا. وانطلاقا من انعدام الثقة عند المعارضة بنيات النظام، وإنكار النظام وجود معارضة حقيقية، ناهيك عن انشقاق عسكريين لرفضهم مهاجمة أهلهم، تبدو احتمالات مثل هذا الاتفاق بعيدة.

ثم نأتي إلى مسألة تجزئة «خطة أنان». وهنا نحن أمام محيط متلاطم من فرص المناورة المتاحة للنظام في ظل التراخي الأميركي المكشوف والمشبوه إزاء المشاغبتين الروسية والصينية. وهذا بجانب مقاربة أنان نفسه، وهي مقاربة رخوة باهتة تتعمد تجنب الحسم والقطع، وتبدو وكأنها تتوسل التعاون توسلا، كي لا نقول تتسوله تسولا.

عمليا كوفي أنان يملأ فراغا.. لا أكثر ولا أقل.

إنه يملأ فراغ الانكفاء التواطئي الأميركي، بناء على رغبات إسرائيلية بإبقاء الوضع الإقليمي على حاله، ومن ثم استثمار الاستقطاب الطائفي الحاد بين تشدد شيعي وتشدد سني يتقوى كل منهما بالآخر. ثم ترحيل فرصة أي صدام - مستبعد أصلا - مع إيران، واستغلال واشنطن تحمس موسكو وبكين للعب دور «القوى الكبرى» للاختباء خلفهما.. وتحميلهما تبعات تنامي الكراهية في العالم الإسلامي.

هذا الموقف الأميركي، ما لم يطرأ أي تعديل جذري عليه خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، سيواصل تكبيل تركيا، وسيزيد من مضي دمشق قدما في طريق النحر والانتحار.

Teaser :

ملاحظة: أرجو مراجعة هذه الجملة (بداية، الشعب السوري، الذي عجم عود «الحكم الأسدي»)

-**-**-**-**-**-*-*

سيغرقكم الأسد بالتفاصيل .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

16-4-2012

ها هو نظام الأسد يواصل التلاعب بالمجتمع الدولي، وخلفه بالطبع مجلس الأمن، مثلما تلاعب بالجامعة العربية من قبل، حيث قبل كل مهلة ومبادرة، مع إفراغها من محتواها، ومواصلة القتل والتدمير، فها هو الأسد يواصل قصف حمص، بينما يفاوض على تفاصيل المراقبين الدوليين!

فكل ما سيفعله الأسد بقرار مجلس الأمن إرسال مراقبين هو إغراق المجتمع الدولي بالتفاصيل، فمن عدد المراقبين إلى جنسياتهم، ثم تحركاتهم، وسلامتهم، وهكذا، فكل ما يريده الأسد هو شراء الوقت لنظامه، ومواصلة القتل على أمل إخماد الثورة، والتي ثبت أنها بعيدة عن النهاية فعلا، والدليل عدد السوريين الذين نزلوا بمظاهرات الجمعة الماضية. فتلك المظاهرات بحد ذاتها كانت رسالة للنظام الأسدي، ودائرته المقربة، أكثر من كونها رسالة للخارج. ومفاد تلك الرسالة أن لا أمل للأسد، حيث عقد السوريون العزم على إنهاء حقبته السيئة، ورغم كل العنف. هكذا كانت رسالة جمعة «ثورة لكل السوريين»، فالجميع، من حول الأسد، أو المؤملون ببقائه، قد وصلتهم الرسالة، خصوصا ونحن نشهد أكثر من 800 نقطة تظاهر بالجمعة الماضية، حيث تشير تلك المظاهرات إلى أن السوريين عقدوا العزم على اقتلاع نظام الطاغية من جذوره.

ولذا فإن فكرة إرسال المراقبين الدوليين ليست بالسيئة، لكن عدد المراقبين هو السيئ، فما الذي بوسع ثلاثين مراقبا، أو حتى مائتين وخمسين، فعله بسوريا؟ فالمفروض أن يصار إلى إرسال ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مراقب دولي لضمان حماية أكبر للسوريين، وحينها يكون المجتمع الدولي قد قلب الطاولة على الأسد وألاعيبه، التي من أبرزها إغراق الجميع بالتفاصيل. فإذا كان المجتمع الدولي، وتحديدا الدول الفاعلة، غير راغبة في التدخل العسكري الآن، فمن باب أولى عليها أن تشغل الأسد بنفسه، بدلا من أن تتركه هو يشغل الجميع بالتفاصيل، بينما هو يواصل القتل، خصوصا أن هناك قناعة بواشنطن، وبعض العواصم الغربية، بأن الأسد لم يقبل بهدنة أنان إلا من أجل إعطاء قواته فرصة للراحة، ولرفع الضغط عن روسيا. وعليه فالسؤال هو: لماذا يمنح الأسد الفرصة تلو الأخرى دون تضييق الخناق عليه، خصوصا أن قواته لم تتوقف لحظة عن قصف المدن وقتل السوريين؟

وكما قلنا من قبل يوم قبل الأسد هدنة أنان بأنها: فاصل ونواصل، فإن خطته اليوم هي لالتقاط الأنفاس وإغراق الجميع بالتفاصيل، ومن هنا فواجب المجتمع الدولي، وتحديدا الدول المعنية، الإسراع بتسليح الثوار السوريين، ووضع أسنان ومخالب للقرارات الدولية لكي لا تكون مجرد عملية منح فرص للأسد الذي لا تتوقف قواته عن القتل لحظة. وبالطبع فإن حيل الأسد لإغراق الجميع بالتفاصيل لا تعد دليل قوة أو نجاح، بل إنها دليل على أن الأسد أشبه ما يكون بواقع في حفرة، ويواصل الحفر، أي أنه في ورطة، وبطريقه للسقوط، لكن الإشكالية الوحيدة التي تواجه الجميع اليوم هي حمام الدم السوري الذي لا يتوقف، ولذا فلا بد من خطوات حقيقية لوقف آلة القتل تلك، وأول خطة هي عدم إعطاء الأسد فرصة ليغرق الجميع بالتفاصيل.

-**-**-**-**-**-*-*

هل هو الزمن الخطأ للسوريين؟ .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

16-4-2012

هل تاهت آمال السوريين لأن ثورتهم تأخر حسمها، وبعد أن استهلكت أربع ثورات عربية ضخمة مشاعر العالم وحماسه.. بعد مفاجأة الثورة التونسية، وضخامة ثورة المصريين، وبعد دراما ميدان التغيير في صنعاء، وأنهار الدماء في ثورة الليبيين ضد القذافي؟

أم أن حماس العالم، والغرب تحديدا، خبا بسبب إنجاب الثورات ديمقراطيات مشوهة، وفزعهم من مواليدها الجديدة، يرون فيها جيوبا أصولية إسلامية سرقت ثورات شبابية ليبرالية؟

ثورة الشعب السوري هي أصعب الثورات وأخطرها. كل شيء يقف ضدها من الملل، والتوجس، والخيبات، والحسابات السياسية والحروب الإقليمية والدولية. والأسوأ أن التاريخ ليس في صف السوريين المنتفضين، فروسيا تبحث عن مكان لها في منطقتنا بعد أن غابت عنه ثلاثة عقود، وكانت تهيمن على سبع دول عربية آنذاك.

أحيانا للتاريخ يد في التغيير. عام 1990 تاريخ مهم، فقد غزا صدام حسين جارته الكويت، عندما كانت المنطقة في فراغ سياسي بتهاوي الاتحاد السوفياتي الذي لم يعد خطرا. ظن صدام أنه في ظل الفراغ قادر على فرض واقع جديد، والحقيقة لم يكن مخطئا لولا أن الظروف وقفت ضده. سعى مبكرا إلى طمأنة الدول الكبرى، وتحديدا الولايات المتحدة، أن خلافه مع الكويت خلاف بين دولتين تاريخهما مشترك، ولن يضر بمصالح الغرب ومستعد لتقديم ما يلزم من ضمانات لذلك. أيضا نظامه لم يعد محسوبا على الاتحاد السوفياتي. وتطورت علاقة صدام بواشنطن نفطا وسلاحا ودبلوماسيا، فهي التي ساعدته للنجاة من هزيمة الحرب مع إيران بعد ثماني سنوات صعبة. في أسبوع الغزو الأول كان للسفير السعودي الأسبق بندر بن سلطان دور خطير. فقد سد الباب أمام رسل صدام وحلفائه العرب الذين تقاطروا على واشنطن يطرحون وعودا ومبررات هدفها الحقيقي تمكين صدام من الغنيمة. وعندما سأل بوش سفير السعودية الذي شن حملة دبلوماسية على كل الأصعدة في واشنطن واستعان برئيسة وزراء بريطانيا ثاتشر التي طارت للولايات المتحدة وقالت للرئيس جورج بوش الأب تحثه على ألا يتردد ويساوم «هذا ليس الوقت لتبدو مرتبكا». وبدوره سأل بوش بندر متشككا هل أنتم مستعدون أن نرسل لكم قوات أميركية تحارب صدام؟ رد عليه السفير «نعم.. إذا كنتم مستعدين لإرسال قوات ضخمة». كانت هناك مخاوف لها ما يبررها أن يمتنع الأميركيون عن التدخل ويقبلوا بحلول ووساطات كانت مطروحة، خاصة أن الفرنسيين والروس وغيرهم يدفعون بفكرة الحل السلمي الذي سيترك الكويت لصدام.

اليوم غير الأمس، وتوازنات القوى اختلفت. الروس يتخذون من الثورة السورية رسالة لإعلان عودتهم، فهم خرجوا مع خروج صدام من الكويت ويريدون العودة مع الحفاظ على نظام الأسد. ويعتقدون أنهم خسروا ليبيا القذافي خديعة، عندما غير السفراء في ليلة اجتماع مجلس الأمن مشروع القرار من «شجب» فقط إلى السماح ب«حماية المدنيين»، وكانت ذريعة للتدخل العسكري الذي أسقط نظام العقيد. لكن رهان الروس على أنظمة بشعة مثل القذافي والأسد ما كان سيمنح الدولة العظمى عودة دائمة في هذا الزمن.

لا أقول فات تاريخ التغيير للشعب السوري، لكن أرى أن الاعتماد على التدخل الخارجي صار ضعيفا بسبب رفض الروس تحديدا. وليس أمامه سوى مواصلة محاصرة النظام الذي سنراه ينهار في لحظة مفاجئة. السوريون بأنفسهم سيغيرون التاريخ.

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا بين فريقي مراقبة .. سمير عطا الله

الشرق الاوسط

16-4-2012

بادئ ذي بدء، كما قالت العرب، شكرا لمجلس الأمن بعموم فروعه ودوله الكبرى والمتوسطة، لأنه توافق بعد عام حول الموت في سوريا. وشكرا لدمشق أنها خفضت عدد القتلى اليوميين إلى الخمس. وإنما نشكر لعل ينقص، في هذه الحال، عدد الضحايا إلى الصفر، ويتذكر الجيش العربي السوري أن حمص وحماه وإدلب وأريافها، أجزاء من بلده وشعبه وأهله.

لا نفع من التساؤل.. فلا ميتا يحيي ولا مدينة يبني ولا ألما يزيل ولا لوعة يخفف. لكن من طبائع البشر أنهم في الكوارث يتساءلون: ماذا لو أن النظام السوري تدارك حادثة أطفال درعا، فأصغى إليهم بدل أن يقتلع أظافرهم؟ وماذا لو ترك علي فرزات يرسم بدل أن يحيل الكاريكاتير على الشبيحة؟ وماذا لو أقدم الرئيس السوري على إعلان الإصلاح فورا بدل أن يمضي ساعة في شرح فوائد «السرعة لا التسرع» وكأن تلبية مطالب عمرها نصف قرن تسرع أحمق وسرعة هوجاء؟

نظروا أين نحن بعد عام من الكلام عن السيادة ورفض التدخل الخارجي والمؤامرة الكونية وإزالة أوروبا عن الخارطة: نوعان من المراقبين الدوليين؛ النوع الأول بين الدولة والعدو الإسرائيلي في الجولان، والنوع الثاني بين الدولة والناس، في شوارع المدن والأرياف. «مراقبون» دوليون بعد المراقبين العرب، ولكن «من دول موضوعية» كما تمنى واشتهى واشترط وزير الخارجية السوري وصاحب مبدأ تعديل خريطة العالم وإزالة القارة الأوروبية.

مراقبون دوليون وسفارات العالم مغلقة، بما فيها اليابان. وروسيا نفسها توافق على قرار دولي للفصل بين النظام والعصابات المسلحة التي دفعت حتى الآن عشرة آلاف قتيل وآلاف الجرحى والمعتقلين والنازحين. أي سيادة هي تلك التي تقبل مشهد المخيمات والنزوح إلى جميع بلدان الجوار؟ أي كرامة وطنية مع سقوط عشرة آلاف إنسان بينهم نساء وأطفال؟ أي عبث سياسي ووطني هذه المكابرة التي تجر خلفها أنهار الدماء منذ اللحظة الأولى؟

تسلح النظام السوري بأن المنطقة كلها سوف تشتعل إذا استمرت المؤامرة عليه.. ماذا ينفعه إذا خربت المنطقة كلها.. إذا كانت سوريا أيضا سوف تخرب؟ كم كان أفضل لسوريا أن يتمعن النظام في مطالب أهلها، وطلب المتآمرين: وقف العنف والدخول في حوار حقيقي مع الناس وإزالة آثار التكبر والغطرسة من الدستور والسلطة؟ ماذا لو عزلت الدولة رمزا أو رمزين من رموز العنف والقمع وسوء السمعة؟ ماذا لو حل خطاب الالتقاء محل خطب التبرير؟ ماذا لو قبلت النصيحة بدل تكرار الذريعة؟

هل هذا أفضل الآن؟ مراقبون دوليون وسط الركام الداخلي ومراقبون آخرون في الجولان؟ أليست الكلمة الطيبة أجمل من الدبابات، والإصغاء إلى الناس أجدى من الإصغاء إلى عويل الأطفال والأمهات؟

-**-**-**-**-**

السباكة السياسية في سوريا! .. حسين شبكشي

الشرق الاوسط

16-4-2012

في المسألة السورية لا بد من «ربط» الأمور ببعضها لفهم الصورة بشكل أوضح، فاليوم بعد تصريح وتقرير مندوب الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية المشترك كوفي أنان بأن النظام في سوريا لم ينصَع كاملا ليطبق شروط وخطة عنان واستمر في إرسال قواته للمناطق المختلفة وإطلاق النار على المتظاهرين بشكل قمعي واضح، وهو استمرار لنفس النهج الدموي الذي اتبعه منذ انطلاقة الثورة السورية لأكثر من عام الآن مما استدعى أن يطلب من الأمم المتحدة أن ترسل مجموعة من المراقبين للتأكد من التزام النظام السوري بالتطبيق الفعلي والحقيقي لمبادرة كوفي أنان كاملة.

وهنا عادت السياسة لتتدخل في خطوات تنفيذ هذا الأمر على الأرض ليكون نافذا وفعالا ومؤثرا ومجديا، فالطلب الأساسي كان أن يكون نوعية المراقبين الذين سيتم إرسالهم عسكريين، إلا أن روسيا (طبعا وكالعادة) أبدت اعتراضها الشديد على هذه النقطة، وطلبت أن يكون المراقبون مدنيين واكتفت بأن يكون عدد المراقبين المرسلين 25 مراقبا فقط، علما وللتذكير والتاريخ وخلال أزمة كوسوفو (وهي منطقة تبلغ مساحتها نصف مساحة محافظة حمص فقط) تم إرسال عدد ثلاثة آلاف مراقب لها.

في عوالم «السباكة السياسية» تلعب روسيا دور السباك الفني التنفيذي الأول للنظام السوري، فلافروف وزير خارجيتها أصبح هو فعليا المتحدث الرسمي الأول عن النظام السوري وسياساته، وبات ما يصدر منه وعلى لسانه أهم بكثير مما سوف يقوله وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، بل وحتى أهم مما سيصرح به رئيس النظام بشار الأسد نفسه، الذي فقد مصداقيته المرة تلو الأخرى في مواقف وتصريحات سابقة.

واليوم تلجأ روسيا إلى فتح «صمامات» الملف الإيراني النووي لتنفيس الضغط وتسريب الهواء الساخن منه لصالح الموقف الدولي ضد نظام بشار الأسد ودمويته المرعبة بحق شعبه، ويبدو جليا أن هناك تناغما ملعوبا و«مهضوما» في لغة الإشارات بين إسرائيل وروسيا وإيران، فمنذ تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه وحكومته قررا «تأجيل» أي ضربة عسكرية ضد إيران إلى السنة المقبلة «لمنح» الفرصة للدبلوماسية الدولية أن تحقق نتائج ملموسة في هذا الأمر، وخلف الكواليس كانت مجاميع من «الخبراء الشرق أوسطيين» المحسوبين وبقوة على الحكومة الإسرائيلية وهم من التنفيذيين السابقين في الخارجية والأمن القومي والأكاديميين الحاليين يحذرون من السقوط الخطير لنظام بشار الأسد وتحول سوريا من منطقة محسوبة «المخاطر» على إسرائيل إلى منطقة مفتوحة الاحتمالات، يتعرض وقتها الأمن الإسرائيلي لشتى أنواع المخاطر بشكل غير محسوب ومخيف.

وبدأ الخطاب الأميركي يتحول ويهدأ ليركز على الجوانب الإنسانية والإغاثية بدلا من إنهاء شرعية بشار الأسد ونظامه وإزالته من المشهد السياسي، وفتحت روسيا المشهد بشكل أكثر درامية بتنسيقها مع الحليف الإيراني لالتقاط مبادرة المباحثات مع الأطراف الدولية عن برنامجها النووي والتخصيب وحجمه وهل سيعقد في إسطنبول أو في بغداد، وهل تغضب تركيا أم شعب بغداد، وكانت السباكة السياسية الروسية تحقق نتائجها في تخفيف «الضغط» على بشار الأسد ونظامه، وتم «دوليا» من أميركا وروسيا تحديدا تجريم أي محاولة لتسليح «الجيش السوري الحر» بينما كانت روسيا وإيران والعراق وحزب الله يواصلون جهودهم بدعمهم المستمر في تسليح نوعي للجيش الأسدي وآلة القمع الأكثر دموية في العالم اليوم، دون أن يكون لهذا الأمر أي اعتراض أخلاقي أو سياسي عليه ليكشف العالم أن ازدواجيته ما هي إلا نفاق دنيء ورخيص، وبذلك يستوي النظام «المقاوم» الأسدي في نفس الخانة مع النظام الإسرائيلي، كلاهما يتم النفاق من أجله بازدواجية فجة، وكيل بمكيالين دنيء لا يكسبهما في أعين العالم أي نوع من الجدارة ولا المصداقية ولا أي نوع من الشرعية أبدا، بل على العكس يؤكد مكانتهما «الشيطانية» وأهمية وضرورة الخلاص منها.

لم يكذب أو يخطئ رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد حين زل لسانه بأصدق ما صرح به النظام خلال أحداث الثورة السورية، وقال: «إن أمن سوريا من أمن إسرائيل»، ولكنه كان يقصد أن أمن نظام الأسد تحديدا وليس أمن سوريا! السباكة السياسية مهما كانت الفهلوة فيها ذكية واستثنائية إلا أن الحلول ستنفذ إذا لم يتم معالجة أصل المشكلة، لأن «الانفجار الكبير» يتأخر ولا يتأجل!

-**-**-**-**-**-**-**-*-*

إنه حكم الله والتاريخ... لا محالة .. محمد سراج

لسائل أن يسأل عن الهيئة النفسية والروحية لقاتل الشعب في هذه اللحظة السوداء في جبين العالم أجمع شعوبا وأنظمة، وهل أن يده تطال اليوم دقائق ما يحدث اليوم من وحشية تتجاوز الوحشيات المعاصرة إلى ما سبق من قديم الزمان وحكايا القرآن، وحشية يخجل منها مدعو التقدم بأي شعار بله والدين المسالم أو العلم الحالم، هل هو حقا يملك زمام كل العصابات التي تقصف بالطائرات والدبابات والتي تقوم بالذبح والتعذيب والاغتصاب والاغتيال والتصفية؟

هل أن ولدا في العالم يتولى الحكم في الثامنة والثلاثين يفعل كل هذه الأفاعيل دون أن يردعه حاكم ناضج من مثل حاكم بالجوار التركي، بل وينتهك حدوده دون أن يحرك الناضج التركي ساكنا؟!

قناعتي ومنذ البداية أن المسمى بشار لم يكن ليرق لمجابهة المد الشعبي إلا وهو متراس صغير ضمن آله جهنمية كبرى تكيد ليس لأمة الشام فحسب بل بالأمة الكبرى المرتبطة أواصرها بالشعب السوري، متاريس صغرى ومتوسطة وكبرى تشكل النظام العالمي الاستكباري اليوم. وقناعتي الثانية هي النار المتقدة اليوم في الشام هي التي تهدد الآلية العالمية بمثابة مغص طفيف جدا تشعر به في أحشائها، لذلك فهي تتجاهل الحرقة التي تسببها من وقت لآخر، لكنه سرعان ما سينمو ليصبح مغصا مزمنا لاينطفئ ألمه، هذه هي صورة الثورة السورية في الضمير العالمي اليوم المسيطرة مافياته على تفاصيل الحياة اليومية لإنسانه.

لا يمكن لبشار بأن يكون ذلك الفرعون أو النمرود أو النيرون إنه لا يرق لذلك، وإنما الاستبداد اليوم يتعرف بتلك الآلية العالمية اليوم، إذ نكون أمام حاجة ملحة اليوم لتعريف من يحكمنا اليوم وكيف يمكن التخلص منه، بشار في النهاية ليس إلا مسكينا في هذه اللحظة التي صيرت من دم الأمة يسري أنهارا في الشام، إذ المتراس المتوسط المرتبط ببشار هم حاشيته التي لم تتجرأ على فضيحة التعديل المعروفة إلا لتنسج على منوال استراتيجية سياسية ما فتئت تحبك أكبر أساطير الهيمنة في التاريخ، بما استوعبته من متناقضات لا يكاد يعد لها حصر منطقي.

ومن أين ينبع وعي العصابات التي تكيد بتلك المحارق باسم الآلية العالمية اليوم، وكيف يتوافق وعيها الغريزي بالطائفية أو المال أو حتى بنرجسية التلذذ بالإجرام أيا كان مع ذروة الوضع الاستراتيجي؟ !

إنه لاشك لم يكن ضربة لازب أن يكون ما يحدث اليوم أمرا مرتبا ترتيب احتياط لمثل هكذا مد ثوري انطلق من أقصى النقاط عن مهد الإسلام بتونس إلى أدناها منه في اليمن، وتكون منه سورية في موضع الوسط الذي يحرق كل ما حوله في زمن سيكون بعد التحول والانتصار من مخلفاته.

فالوعي وعي وإن كان وعيا بالغريزة والحجود، مقابل وعي بالروح والشهود، حيث الوعيان يستكشفان وجودهما معا ولأول مرة وهم يلتقيان في موضع واحد هو مهد الحضارات والأديان، والصراع الحقيقي اليوم هو صراع الوعيين الجحودي والشهودي، حيث يعمد الأول إلى القوة المادية متحصنا بها ومتحصنة به أيضا، ويعمد الثاني إلى الروح.

فالمفارقة الحاصلة في هذه اللحظة ليست إلا مفارقات السنن التاريخية لذاتها، حين يصدح الحق صامدا أما قوة العالم المادية... تدمي القلب وتحزنه وتغمه، لكنها عن العارفين تفرحه لأنها مكتملة قبل اكتمالها، لأنها سائرة وحتما في دربها الطويل نحو التأسيس الجديد للدين من أرض الشام فبوركت ياشام. فإنه حكم الله والتاريخ يجاوز وعينا وضمائرنا...لامحالة.

-**-**-**-**-**-**-**-*-*

الثورة... فِعْلٌ وأخلاق .. بقلم: الشيخ حسن قاطرجي

أحد نبلاء المسلمين الأتقياء العقلاء في تاريخنا الإسلامي جاءه أحد الرجال - وكانت عدة ساحات للجهاد مشتعلة – وراح ينتقد أحد إخوانه ويَعيبه! واستغرق في حديثه وقتاً! ففاجأه بسؤال: هل قاتلتَ الروم؟ قال: لا، قال: الفرس؟ قال: لا، قال: أهلَ الهند والسند؟ قال: لا، فقال له مُوقظاً ومُفهّماً ومرِّبياً: سَلِم منك الروم والفرس وأهلُ الهند والسند ولم يسلم منك أخوك المسلم!!

 

هذه طبيعة لدى بعض الناس وهي شهوة التعالي على الآخرين والحديث عن عيوبهم وتبرئة الذات والغفلة عن ترتيب الأولويات وعدم مراعاة (واجب الوقت)... مما يستوجب أن يَرُدَّهم (الكبار) إلى ما يقتضيه الدين والتقوى والعقل والخُلُق وإلى ما يتطلَّبُه (فقه المرحلة).

 

واليوم بلاد المسلمين تعاني من تحديات كثيرة ومخاطر جسيمة... والثورات في البلاد التي انتصرت فيها تواجِهُها ألغامٌ خطيرة يضعها المترِّبصون بها شرّاً، وتُحيكها بقايا قُوى الأنظمة البائدة، وتُوحي بكثير من تكتيكاتها وأماكن زرعها: مراكز التآمر الدَّوْلي...

 

... أما البلاد التي لازالت في مخاض الصراع القاسي والدامي مع الطُّغمة المجرمة المتحكِّمة فيها – بالتحديد: النظام السوري المجرم بشراسته الوحشية وهمجيته التي فاقت كل حدود التوقعات – فإن التحديات أكبر وأقسى، والمخاطر أشد وأعتى...

 

لذا فإن شعوبَنا أحوجُ ما تكون إلى نُبْل الأخلاق وبُعْد النظر وإدراك شراسة المواجهة ومراعاة الأولويات والبُعد عن الخصومات والحرص على تجميع الصفوف... ولا شك أن الثورات الشريفة لا تنجح بمجرد تقديم التضحيات وتوفُّر عزيمة الإصرار على قَلْع الطغاة... وإنما تحتاج أكثر ما تحتاج- لضمان نجاحها– من أصحابها ومن سائر المناصرين لها إلى (أخلاق الثورة) بَنفْس وتيرة (فعل الثورة) من الثوار الصادقين العظماء!

 

وفي تراثنا المليء بالحكمة والتعقُّل وبُعد النظر ونُبْل الخلق: نصيحة الحكيم العاقل (بَشير بن عبيد الله) لمن رآه يستعد للولوج في خصومةٍ وجَدَلِ مع قريبٍ له فقال له ناصحاً: (واللهِ ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدين، ولا أنقصَ للمروءة، ولا أَضْيَع للّذة، ولا أشْغَل للقلب: من الخصومة)!! فانتفع بنصيحته والتفت لتوِّه إلى خصمه قائلاً: لا أخاصمك، فقال له خصمه: إنك عرفتَ أن الحق معي! فقال له: لا، ولكنْ أُكرم نفسي عن هذا...

 

فما أنبله من موقف! وما أقواه على مخالفة هواه! وما أدلَّ موقفَه على خُلُقه ومتانة دينه!

 

فالثورة (فعل) يتشكل بمحرِّكات العقيدة والإيمان وبالوعي السياسي وعزيمة البذل والتضحيات... وهي أيضاً (أخلاق) تتشكل بالحرص على عدم التنازع على المناصب ولا الاشتغال بالتُّرَّهات وحظوظِ النفوس فضلاً عن الصراعات المسلحة في صفوف الثوار، وعلى الاهتمام بتجميع الصفوف وتوحيد الكلمة، وتسمو الثورة حضارياً بالتسامح والغفران وبأنْ تكون (أخلاقُ) الثائرين المجاهدين والمناصرين لهم الصادقين في التطلّع إلى تغيير واقع المسلمين والارتقاء بأمتنا... أن تكون صدىً لنداء الغَيُور المتحرِّق صاحب العقل الكبير والإيمان العميق، والقلب السَّمْح والخُلُق النبيل...

فلا بُدّ من رأب كلِّ الصُّدوعِ     وجَمْعِ الصفوف ودرء العِلَلْ

ولا بد مـن قصد ذات الإلـهِ     وحشدِ القُوى ليصـحَّ العمَلْ

فهذا هو – حقيقةً - مفتاح الأخلاق: قصدُ ذات الإله وطَلَبُ رضاه، ونُكران ذواتنا وعدم الدَّوَرَان حول الـ(أنا)، وكل ذلك يحتاج إلى توفيقٍ من الله وعونٍ، وإلا:

إذا لم يكن من الله عَوْنٌ للفتى     فأولُ ما يقضي عليه اجتهادُهُ

-**-**-**-**-**-**-**-**-*

على خيمة رمزية لا يتّفقون .. د. سماح هدايا

نعم يتطلّب السّير في مشروع التّحرير شروط التّخطيط والاجتماع والتّنسيق والتّحليل والتّفكير؛ لكن هل يحتاج مشروع التّحرر الوطني السوري لهذا الازدحام الشديد في حركة المؤتمرات واللقاءات والمحاضرات والورشات التي تشهدها أطياف المعارضة السورية المختلفة المستمرة في الانشطار والمتواصلة في سير الخطاب؟

 التحرّر يحتاج إلى تنسيق الرؤى؛ لكنّه يحتاج، الآن، أول مايحتاج إلى الإيمان الحقيقي الخالص بمبدأ التحرّر والالتزام به، وبمايتطلّبه من ثورة عارمة، وخوض المعركة الواضحة الأهداف فعلياً وعقائدياً، والاغتسال بدماء الثورة ومشاركة الثوار، في أي موقع، مصير النضال والوفاء الوطني

 ماذا ستنجز هذه اللقاءات التي أدمنت استضافتها مدينة القاهرة، وهي تشهد حراكا نشيطا لكثير من أطياف المعارضىة السورية؟؟؟ أستنجز مزيدا من المراسيم الاجتماعية وطقوس الأحاديث التي تذكرنا بحفلات الاستقبال التي كانت تقيمها العائلات في مدننا القديمة ؛ استقبال السيدة فلانة في العشرين من الشهر القمري، واستقبال السيدة علانة في الثامن من الشهر العمري..وهكذا...؟ أمزيدا من حشد القوة لمحاربة معارضات أخرى لها مرجعيات أخرى؟ أمزيدا من الانفاق على إطالة عمر النظام بحجة أنّ البديل عنه هو الدمار والحرب الأهليّة؟ أو ستنجز حقا لقاءا ثوريا يرقى بالثورة ويرتقي بها؟

 ليس تصغيرا من شأن الحراك السياسي النشيط، لكن المهم معنى هذا النشاط وهدفه، فهل هو حوار لخدمة الثورة والعمل على تحقيق أولى خطوات التحرر بإسقاط النظام السياسي، أو مفاوضات من أجل تثبيت الأقدام في الساحة السياسيىة والاستفادة من الثورة، فيما بعد، وجني مكاسبها بشكل فئوي أو حزبي أو عقائدي؟. ربما هذه اللقاءات مفيدة جدا إذا كانت تقرّب الرؤى من أجل دعم الثورة السورية، أو إذا كانت تفتح أمامنا المجال واسعا للاستفادة كثيرا من دروس من تجربة ثورة الشعب المصري، حتى نتجاوز سياسيا وفكريّا ماوقع به، وفيه الحراك الثوري الشعبي المصري من إرباكات؛ فالمصريون حتى الآن لم ينهوا المرحلة الأولى من ثورتهم وهي إسقاط النظام السياسي بكل رمزوه، ومازالوا يتخبطون بين أحزاب يقاتل كثيرها من أجل مصالحه الانتخابيّة، وشعب يقاتل، جلّه، من أجل حريته ولقمة العيش والكرامة.

 واللافت في أمر النشاط السوري في القاهرة أنّ في ساحة التحرير التي يزورها الآلاف، خيمة للثورة السورية والمفروض أن تكون الخيمة رسالة إعلامية قويّة للتعبيرعن الثورة السورية وشعبها. والزائر، قصدا، هذه الخيمة يتوقّع تصويرا ولو ببساطة للثورة السورية, لكنّه يخيب أمله؛ فالخيمة، هناك لا تمنحه كثيرا من كرم الثورة؛ فهي أضعف بكثير من أن تكون صورة معبرة عن الثورة السورية ومعاناة الشعب السوري من نظام الاستبداد ألأسدي. وماتعرضه الخيمة، للأسف، يقل بكثير عن واجب التمثيل الرمزي للثورة؛ فأين أحزاب المعارضة من هذا. وأين النشطاء في حراك المعارضة في القاهرة؟ أليس المفروض الارتقاء بمعروض الخيمة ليكون أكثر مهنية وتنظيما وفنا وإعلاما، ويعبّر عن نبض الثورة وتضحيات الشعب ويصوّر أشكال معاناته من نظام الاستبداد الأسدي. إنّ المعارضين السوريين الكثر في مصر، مازالوا، حتى الآن، غير ناجحين في العمل على نصب خيمة، وإن كانت الخيمة قد لا تعني الكثير واقعيا، لكنّها تشكّل خارطة متقنة رمزية للثورة السوريّة في ميدان التحري في القاهرة التي يجتمع فيها المعارضون وينشطون؛ فهل سينجحون في العمل الجدي الموحّد على مشروع متكامل لدعم ثورة وطن والإطاحة بنظام الاستبداد والطغيان؟؟

 ومن حراك الحوارات واللقاءات ننطلق لنسأل السؤال الذي يحيّر كثيرا، ويثير ألف إشارة استفهام: كيف يأتي المعارضون المشهورون والمعروفون بنضالهم من سوريا لحضور هذه المؤتمرات واللقاءات والتحاور والتنسيق ثم يعودون ويدخلون الحدود الرسمية السورية، وهم على مرأى مباشر من عصابات المخابرات السورية، فلا يموتون قتلا، ولا يغيبون عن الوجود في مجاهيل السجون ولا تختفي أخبارهم، بينما يجري على الحدود السورية الرّسمية ذاتها اعتقال العائدين إلى بلادهم لعمل أضيق وأصغر، لمجرد أنّهم تجرأوا وخرجوا في ثورات غاضبة وطالبوا بإسقاط النظام قرب سفارات بلادهم في الخارج، ويغيب بعضهم عن الوجود أو يعود إلى اهله في تابوت؟؟؟..لماذا الثائر يموت والمعارض المحاور يبقى؟؟؟

أسئلة خطيرة، يجب أن نسألها ونحصل على إجاباتها، لأن الشعب الذي يقدم دمه ثمنا للحرية سيسأل قريبا أو عاجلا هذه الأسئلة ويحاسبنا ويطلب منا حقّه. الشعب المجروح أصبح لا يرحم من يغتصب حقّوفه. المعركة واضحة وهدفها واضح هو إسقاط النظام. وليس الاجتماع لتنسيق إسقاط بعضنا بحجج الأصوليات والمرجعيات والنوايا، وليس تأجيل المعارك الحقيقية في إسقاطه من أجل معارك فرعية بل شحصية وانعزالية.

 الوطن أكبر من الجميع. وهو الأعرق والأبقى، والشعب نبضه، وإن لم نكن كبارا بقامات نضالنا المخلص، ننبض بآمال الشعب، لن يرانا الوطن ولن يترك لنا موقعا لننمو فيه.

-**-**-**-**-**-**-**-**-*

منعطف مسار الثورة في سورية نحو التغيير الجذري الشامل ... كيف يتحقق شعار الثورة لكل السوريين على أرض الواقع .. نبيل شبيب

تبدّلت المعطيات محليا وعربيا ودوليا حول مسار الثورة السورية، وبدأت تُطرح أفكار عديدة على مستوى الثوار للتعامل مع هذه المعطيات، ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن بقايا النظام القمعي في سورية، تعمل لتبديل أساليب عملها للتلاؤم مع تلك المعطيات أيضا.

في مسار الثورة أمر جوهري ثابت لا ينبغي أن يحيد عنه أحد طرفة عين، وهي أنها ثورة تغيير جذري شامل، فلا يمكن القبول بأي هدف دون هدف اقتلاع الاستبداد بجذوره وفروعه وسائر تجلّياته، لبناء دولة المستقبل وفق إرادة الشعب المتحررة تحرّرا ناجزا لا مساومة عليه.

ولدى بقايا النظام الاستبدادي أمر ثابت سيتشبث به حتى آخر رمق، وهو عدم التراجع في أي موقف أو سلوك يمكن أن يمثل خطوة أخرى على طريق سقوط العصابات وإفلات زمام التسلّط على الدولة والوطن والشعب، فهي تدرك أن التراجع يعني النهاية.

 

جناح سياسي للثورة

في مسار الثورة نقص كان تأثيره مزدوجا، فعدم وجود جناح سياسي ثوري فاعل ومؤثر على صناعة القرار أعطى الفرصة للعبث الأجنبي فترة طويلة بحقيقة هدفها الجوهري الثابت، وبالتالي لممارسة سياسات توصف بحق بأنها "سياسات إعطاء المهل المتوالية" لعصابات القمع المسلّح، بقصد أو دون قصد -سيّان.. فالمهم هو الحصيلة- كما جعل المعارضة السياسية التقليدية تبحث -بغض النظر عن النوايا أيضا- عن موقع "لنفسها" في مسار الثورة، الشعبية بامتياز، فغلب التشرذم وتسلّلت الانتهازية إلى صفوفها، ولا تزال حتى الآن أمام مفترق طرق بين معايير "المعارضة التقليدية" ومعايير "الثورة التغييرية".. وكانت الحصيلة أن القوى العربية والدولية التي لا تستطيع أو لا تريد الاستغناء عن التعامل مع "كيانات سياسية" وليس "ثورية" وجدت ما يكفي من الأسباب ومن الذرائع للتقصير في أداء "المفروض والواجب" عليها تجاه الثورة الشعبية، أو للانحراف عن ذلك في اتجاهات شتّى.

وفي مسيرة القمع الإجرامي من جانب عصابات النظام المسلّحة نقص خطير لا تستطيع التخلص منه، فوجودها من قبل وبقاؤها الموهوم رهن بألاّ تطرح "مخرجا سياسيا" تجاه ثورة تستهدف التغيير الجذري الشامل، وهذا ما جعلها تعتمد على ثلاثة مرتكزات: قوة الأسلحة الثقيلة الإجرامية، التحالفات الإقليمية والدولية الإجرامية، والكذب المتواصل سياسيا وإعلاميا. وكانت الحصيلة إعطاء مزيد من طاقة الدفع للثورة جغرافيا ونوعيا، وعزلة إقليمية ودولية متصاعدة وإفلاسا سياسيا وإعلاميا مطلقا.

لقد وصل مسار الثورة بذلك في هذه الأيام بالذات إلى منعطف حاسم، يمكن للثورة أن تبني عليه بالجمع بين أمرين: أولهما تصعيد الثورة بمختلف وسائلها، سلما وبالقوة المشروعة، في مواجهة القوة الاستبدادية القمعية غير المشروعة، والأمر الثاني نشأة جناح سياسي ثوري معبّر عن الثورة يفرض نفسه على كافة القوى الأخرى، من خلال طرحه القوي المشروع لأهداف الثورة المعبرة عن إرادة الشعب، على صعيد المنطقة إقليميا، وعلى المستوى الدولي، وتجاه المعارضة التقليدية التي يرتبط مستقبلها بمدى ارتباطها بالثورة.ز وليس العكس.

 

من شروط النصر

بين أيدينا من الوقائع في هذه المرحلة أو هذا المنعطف الحاسم:

1- متابعة جناح المظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية

2- تطوير مسيرة الجناح المسلّح باسم الجيش الحر

3- طرح إعادة هيكلة المجلس الوطني السوري

4- الطرح السياسي الخارجي بين "مهمة عنان" و"مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري"

ومن هذه الوقائع تنطلق الدعوة التالية:

1- إن الثوار الذين استطاعوا في مواجهة أصعب مراحل مسار الثورة الحفاظ على نبضها الثوري المتصاعد في مختلف المدن والأرياف، فتمكن الصمود البطولي من الثبات في مواجهة قمع العصابات المتسلّطة الهمجي، هم قادرون بعون الله، على أن ينتقلوا بمسيرة الثورة داخل الوطن، إلى أقصى درجة ممكنة من الانتشار جغرافيا وعددا، والتصعيد الجماهيري نوعيا، لتتحوّل مواقع الاحتجاجات ممّا ناهز 700 في جمعة "ثورة لكل السوريين" إلى عشرة أضعافها قريبا، وبما يشمل مزيدا من فئات الشعب السوري بجميع مكوّناته، مع العمل على ابتكار مزيد من "أشكال الاحتجاج الثوروي" الأكثر تلاؤما مع الظروف الخاصّة بتلك الفئات، وهي متنوّعة لا يمكن أن يسري عليها جميعا اتباع طريقة التظاهر الجماهيري فقط.

2- أمام المجموعات والتنظيمات المعارضة في المجلس الوطني السوري والمتواصلة معها في الوقت الحاضر، فرصة قد لا تتكرّر، تحمل عنوان إعادة "هيكلة" المجلس، والمفروض أن تضاف إليها إعادة "نموضع" المجلس على خارطة الثورة ومسارها، بحيث تشترك الأطراف الثلاثة "الثوار" و"الجيش الحر" و"المعارضة التقليدية" في صناعة القرار.. الآن، على طريق إعادة الهيكلة تنظيميا، وتثبيت الرؤى السياسية، الحالية والمستقبلية، وتحديد الوسائل والأطر الضرورية لمتابعة المسار حتى تحقيق هدف التغيير الجذري الشامل.

3- إنّ التعامل مع القوى العربية والإقليمية والدولية، في إطار مجلس الأمن ومهمة عنان، وفي إطار "أصدقاء شعب سورية" وأطروحاتهم المتفرّقة المتعددة، لن يكون تعاملا مجديا للثورة ومسارها، إلا بقدر ما يتحقق من توحيد الموقف السياسي والوسائل الثوروية "الآن" بين الأطراف الثلاثة المذكورة، ولن يتحقق ذلك إلا:

- بالتخلّص من كل أثر صادر عن أنانيات ذاتية شخصية وتنظيمية وانتمائية

- بتأجيل المقتضيات المشروعة للتعددية الانتمائية إلى ما بعد قيام دولة المستقبل

- بتثبيت معايير الثورة التغييرية أساسا لكل خطوة للتلاقي على أرضية مشتركة

. . .

هذا ما يقتضيه الوفاء لدماء الشهداء والضحايا ومعاناتهم، وهذا ما يقتضيه الإخلاص للوطن والشعب، وهذا ما تقتضيه حتى "المصلحة الذاتية المشروعة" لكل فريق دون استثناء.. وهذا ما يمكن للتقصير فيه، أو المماطلة في تحقيقه، أن يؤدّي إلى إطالة أمد الثورة مع المعاناة، ولا يكفي للقبول به -أو تسويغه- يقين المخلصين بأنّه يؤدّي في الوقت نفسه إلى مزيد من التمحيص. آنذاك يتحول شعار "الثورة لكل السوريين" إلى واقع نعيشه في مسار الثورة وفيما تؤدّي إليه من نصر مؤزر بإذن الله.

-**-**-**-**-**-**-**-**-*-*

قصة وطن (بلاد الشام) .. البراء كحيل

albraa_1234@hotmail.com

هذا ما تخيلت أنّ يكتبه مؤرخٌ بعد قرنٍ أو قرنين من الزمن في سجلات التاريخ عن أهل الشام ......

يروي الثقات عن الثقات أنّ بلاد الشام كانت مضرب المثل بالخيرات والجمال والبهاء , فالأنهار تجري من تحتها وتلفّها الخُضرةٌ من جميع جوانبها حتى غدت جنّةً غنّاء تغنّى بها الشعراء والأدباء ورسم لها الفنّانون أجمل اللوحات وعاش أهلها بسعادة وهناء الكلّ فيها يتمتّع بالأمان والإطمئنان فرغم اختلاف طوائفها وتعدد أديانها عاش الجميع بمحبّة وود لا يُظلم فيها أحد ولايُعتدى على أحد فالمسلم أخو النصراني والعلوي أخو الدرزي .

واستمرت تلك البلاد على هذه الحال , حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي استولى فيه رجلٌ طاغيةٌ يدعى حافظ الأسد على كرسي الرئاسة فحكم تلك البلاد بالحديد والنار ما يقارب الثلاثين عاماً ذاق خلالها الشعبُ العذاب والهوان , فهاجر منهم الكثير ومن بقي عاش بفقرٍ وذلٍّ وخوف

ثمّ شاء الله أن يقبض روحه الخبيثة ويُريح العباد والبلاد من شرّه وظلمه .

فعاشت البلاد في صدمة وفوضى لتستيقظ على مؤامرة خبيثة نُصِّب من خلالها ولده بشار خلفاً لوالده لتكون تلك هي السابقة الأولى فيما كان يسمى بالدول الجمهورية.

واستبشر النّاس خيراً فقد كان مثقفاً طبياً للعيون تخرَّج من جامعات متحضرة في احدى الدول الأوروبية التي كانت تنعم بالعلم والمعرفة والحرية في ذلك الزمان .

ووعد الشعب بالإصلاح والحرية والكرامة ومحاربة الفساد والقضاء على المفسدين , فتأمل النّاس خيراً حتى أطلقوا على حكمّه في البداية "ربيع دمشق" وانتظروا تلك الوعود لعلّها تتحقق , ولكن للأسف لم يصدق ذلك المثل القائل : "رُبّ شوكةٍ أنجبت وردة" وتبينّ أنّ الشوكة لم تُنجب إلاّ علقماً مُراً فكان كالزَّقوم على أهل تلك البلاد .

أصبحت الثروة في يد أقاربه وأبناء عمومته وازداد تجبّر العائلة الحاكمة, فغدت البلاد وكأنّها مزرعة لآل الأسد والشعب كأنّهم عبيدٌ لديهم , ومع ذلك صبر الشعب المسكين على المرّ والظلم راجين أو حالمين أن يتغير الحال في يومٍ من الأيام .

وبقيت هذه حالهم حتّى جاء ذلك العام الذي أرّخ اسمه المؤرخون "بعام الربيع العربي" انتفضت فيه الشعوب العربية ضدّ حكّامها الظالمين فأسقطوا طاغية في بلاد تونس وآخر في بلاد مصر وثالثاً في ليبيا ورابعاً في اليمن , ولمّا رأى أهل الشام الأبطال إخوانهم في بلاد العرب يُسقطون الطغاة والظالمين هبّوا يطلبون الحرية والكرامة التي سلبهم إيّاها آل الأسد , ويُحكى أنّ سبب انتفاضة أهل الشام صبيةٌ صغارٌ في مدينة "درعا" كتبوا على جدران مدارسهم عباراتٍ ضدّ حُكم الأسد وأعوانه فاعتقلهم جنود الطاغية وأذاقوهم ألوان العذاب فهبّ أهل "درعا" بشيبهم وشبابهم لأجل أطفالهم . وفي هذه اللحظة بدأت شرارة النور التي انتقلت إلى كلّ بلاد الشام تنادي بالحرية والكرامة وتُطالب بمعاقبة المجرمين .

فما كان من طاغية الشام إلاّ أن قابل أولئك العزّل المساكين بالنّار والرصاص فأردى منهم العشرات في بداية ثورتهم لعلّه يُخيفهم ويعيدهم إلى جحور الرعب التي كانوا يعيشون فيها , لكنّ أولئك الأبطال دفنوا الخوف مع أوّل صيحة " الله أكبر" أطلقتها حناجرهم , و أبدوا شجاعة وبسالة نادرةً فقد كانوا يواجهون الرصاص بالصدور العارية حتى قال فيهم المؤرخون : " إنّه لم يوجد كشجاعتهم على وجه الأرض ولم يعرف التاريخ لهم شبيهاً "

"فأهل الشام شهيدٌ يشيّعه شهيد ويغسّله ويكّفنه شهيد ويحمله شهيد ويدفنه شهيد " فقد تحولت جنائزهم إلى حربٍ ضروس بين حملة النعوش وحُماة العروش .

واستمر حالهم هذا ما يزيد على العام تخلّى عنهم القريب والبعيد وتآمرت عليهم دولة الفرس التي كانت تُسمّى في ذلك الوقت "إيران" ودولٌ أخرى جاهرت بمناصرة الظالم وأخرى ناصرته سراً وفي الخفاء . ولمّا رأى القوم ذلك رفعوا شعار " ليس لنا إلاّ الله" , والغريب أنّهم كانوا يطلبون الموت ويجدون فيه الحرية من أسر الذل والهوان لحاكمٍ ظالمٍ طاغية , فقد كان الخروج في مظاهراتٍ ضدّ طاغية الشام يعني أنّك إمّا أسيرٌ مُغيّب في ظلام السجون أو شهيدٌ سوف تسقط في تلك المظاهرات .

وأذاقهم ذلك الظالم أشدّ ألوان العذاب فقد وصل الأمر به إلى ذبح الأطفال واغتصاب النساء وحرق الكتب ولم يسلم منه حتى الحيوان فقد فاق في طغيانه التتار والمغول حتى استحى إبليس من جرائمه , وكان كلّما زاد في ظلمه زاد ذلك الشعب البطل ببسالته وجهاده ويروي لنا الأجداد أنّ مدينة "حمص" أصابت ذلك الطاغية بالجنون فقد قدّمت آلاف الشهداء وأبدت بسالةً منقطعة النظير وكان حالها كحال بقية المدن الثائرة كلّما ظنّ الطاغية أنّه أخمد نار ثورتها عادت لكي تشتعل من جديد بحماسةٍ أكبر وعزيمةٍ أقوى .

إنّهم أهل الشام الشجعان مهما تكلّم التاريخ عن ثورتهم وقال عن شجاعتهم فهو مقصّر في حقّهم فقد واجهوا المدفع وهم عُزّل وتخلّى عنهم العالم بأجمعه فلم يُنقص ذلك من عزيمتهم بل زادهم إيماناً بربّهم وهم يتلون قوله تعالى :" الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " , سطّروا بدمائهم الزكية تاريخ بلادهم المجيد فكتبوه بأحرف من نور مدادها الدماء وورقها جلد الشهداء .

وهنا أقف عاجزاً عن كتابة خاتمةٍ لقصة بلاد الشام منتظراً تلك النهاية السعيدة التي سيكتبها شجعان الشام.

-**-**-**-**-**-**-**

الأزمة السورية إلى منعطف جديد .. د. محمد مصطفى علوش

الرأي العام

15-4-2012

دخلت الأزمة السورية منعطفا جديداً، أقل ما يقال فيه إنه مفصلي وخطير، وذلك بعد انتهاء المهلة المضروبة لوقف القتال التي وافقت السلطات السورية على الالتزام بها، ابتداء من الخميس الفائت، الثاني عشر من الشهر الجاري. وبهذا الخصوص، يفترض ألا يكون وقف اطلاق النار هدفاً بحد ذاته عند الجميع، بقدر ما هو يدشن لمرحلة جديدة، قطب رحاها البدء بمفاوضات مباشرة بين النظام والمعارضة برعاية أممية، تفضي الى انتقال ديموقراطي في سورية.

والسؤال الأكثر خطورة : هل سينجح وقف اطلاق النار أصلاً قبل الحديث عن بدء المفاوضات؟ عملياً، لا يستطيع أحد الجزم بإمكانية ذلك، إذا ما أخذنا بالاعتبار المبادرتين السابقتين للجامعة العربية.

وفي استعراض سريع لمبادرة المبعوث الدولي كوفي أنان الى دمشق نجد ان الحكومة السورية اعلنت في مارس الماضي التزامها بالمبادرة المكونة من ست نقاط، والتي تتلخص في الوقف الفوري لجميع أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، وتأمين دخول المساعدات الإنسانية إلى الشعب السوري، وتسهيل عملية الانتقال السياسي بقيادة سورية، وبدء حوار بين الحكومة السورية وجميع أطياف المعارضة السورية. ومن ضمن ما نصت عليه المبادرة، التي لم تحدد مهلة زمنية لتطبيق كامل بنودها، سحب الجيش السوري قواته واسلحته الثقيلة من المناطق السكنية وما حولها في وقت لا يتعدى العاشر من إبريل الجاري على ان تبدأ الأطراف المتصارعة بالتزام هدنة انسانية يومية مدتها ساعتان افساحا في المجال لأعمال الإغاثة وغيرها.

وبالعودة الى تعاطي الحكومة السورية مع المبادرة السداسية، نجد أنها تمكنت من اقناع المجتمع الدولي قبل القبول بالتفاوض معه على الإعتراف، ضمناً ومن ثم تصريحاً، ان الصراع في سوريا يدور بين طرفين مسلحين، وليست حرباً شاملة يشنها طرف واحد ضد شعب أعزل، كما تعتقد كل من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا والمجلس الوطني السوري.

وبفضل الدعم الروسي في أروقة مجلس الأمن، الرافض لاستصدار أي قرار ضد سورية، نجحت الحكومة السورية قبل استقبال كوني أنان في دمشق، أن تنتزع اعترافاً آخر من مجلس الامن تضمنتها مبادرة أنان تنص على الاعتراف بوجود، جماعات مسلحة، يسميها النظام «عصابات ارهابية» أو يسميها خصومه «المعارضة المسلحة»، بكلا الحالتين، بات هناك اعتراف دولي بوجود طرف آخر يمارس العنف الى جانب النظام. كما نجح النظام بشطب أي مبادرة، تنصّ على تنحي الرئيس السوري، رغم كل التصريحات الغربية والعربية الداعية الرئيس بشار الأسد للاستقالة.

الخطوة الثانية التي تكتك لها النظام، هو التفاوض على تفصيلات بنود المبادرة، وقد نجح في حمل انان على التغاضي عن بند «سحب الآليات العسكرية والأسلحة الثقيلة من المدن والقرى الآهلة»، والتركيز بدلاً من ذلك على بند «وقف العنف المتبادل» مع انتزاع فقرة جديدة لصالحه، تضاف الى الصيغة السابقة تفيد ب «حق الجيش السوري في الردّ على أي اعتداء أو خرق لاتفاق وقف اطلاق النار». كما أن بند «البدء فوراً بمفاوضات شاملة بين النظام والمعارضة بقيادة سورية» كان طرحاً للنظام السوري منذ اندلاع الأزمة إلا ان المعارضة لم تعره اهتماما بحجة ان النظام غير مأمون الجانب ولا يحترم العهود والمواثيق.

ومن هنا فقد نجح النظام على المستويين السياسي والعسكري أن يفرغ المبادرة من مضمونها، وهو برع في ذلك مراهناً على عامل القوة على الارض، وعجز المجتمع الدولي عن فعل أي شيء أبعد من التهديد وفرض مزيد من العقوبات التي تخنق النظام ولا تقتله. ولعل البعض يقرأ أن وعيا غربيا قائماً بخطوات النظام السوري، وهو يسايره، وان لم يوافق على سلوكه علناً، لأن القرار الغربي يقضي بإصلاح النظام السوري، وليس بإزالته واقامة نظام آخر جديد.

وبعد سنة من تعميد الشارع السوري بالدّم، يعيد النظام المجتمع الدولي والمعارضة مهما شرقت أو غربت الى ساحته بل الى المربع الأول، و«كأنك يا ابو زيد ما غزيت»، في حين ان المعارضة تزداد شرخاً وانقساماً ويوماً بعد يوم تتلاشى قدرتها على التوحد في الرؤى والأهداف. وبين هذا وذاك يبقى مستقبل سورية في مهب الريح!

-**-**-**-**-**-*-*

مجلس الأمن.. حل الأزمة السورية أم إدارتها؟ .. الوطن السعودية

2012-04-15

جاء موعد الهدنة المفترضة حسب تفاهمات المبعوث المشترك لسورية كوفي أنان مع النظام السوري، ومضت بخروقات من قبل نظام الأسد، ولا يزال القصف على حمص وإدلب مستمرا بعنف وباستخدام الآليات العسكرية الثقيلة رغم كل ادعاءات النظام. واستمرار سقوط قتلى وجرحى من المواطنين السوريين هو أبرز دليل على أن النظام السوري كان ولا يزال يستخدم كل خطوات وجهود الدبلوماسية الدولية فقط لشراء مزيد من الوقت دون وجود نية حقيقية لإيجاد حل للأزمة القائمة.

الجهود الدولية في المقابل تتبع أجنداتها الخاصة والتي تأتي في ذيلها حياة المواطن السوري، فلا تزال خطوات مجلس الأمن رغم كل ما يقال من كل الأطراف قاصرة عن تحقيق الحد الأدنى المطلوب من الجدية في التعامل مع النظام السوري.

قرار مجلس الأمن الذي صدر بالأمس والقاضي بإرسال مراقبين في سورية للإشراف على وقف إطلاق النار يعني إحجام الدول الرئيسية عن دعم فكرة تسليح المعارضة أو التلويح بها، تعبيرا عن رغبة هذه الدول في إدارة الصراع القائم لا في حله، وهو فرق كبير، حيث إن الحديث الآن تحول حول إرسال مراقبين لضمان وقف إطلاق النار وإنهاء العنف، وربما فتح ممرات إنسانية، وهي كلها أمور تتعلق بمجرد تثبيت الوضع القائم لا محاولة حل النزاع وإنهائه، وهو أمر لن يتم إلا برحيل النظام، وحتى الآن يبدو أن الحديث عن رحيل النظام غائب عن المشهد العالمي بعد قرار مجلس الأمن الأخير بإرسال المراقبين إلى سورية، فهذا القرار وخلافه من التفاصيل يعطي نظام الأسد الفرصة لإطالة أمد بقائه وتعقيد القضية.

الوضع السوري يحتاج خطوات جادة تتعلق بمناقشة رحيل النظام كقاعدة أساسية، يتم على أساسها الحل والنقاش، وأما ما يتم الآن فهو مجرد الدوران في دوائر حول الحل دون الولوج فيه.

وبعيدا عن قرار مجلس الأمن فمن المفترض أن تنعقد اللجنة الوزارية العربية المعنية بسورية في الدوحة يوم الثلاثاء المقبل، والمأمول أن ينتج عن اللجنة توصية قوية يتم على أساسها تحرك عربي ضاغط، وبالأخص على روسيا التي نقضت تفاهماتها مع العرب بعد اجتماع لافروف مع وزراء الخارجية، فما يحدث الآن على صعيد الملف السوري خاصة في مجلس الأمن هو مجرد إعطاء الأسد فرصة لقتل المزيد من شعبه حتى في وجود المراقبين الدوليين كما حصل سابقاً.

-**-**-**-**-**-*-*

هل يضيّع المجلس الوطني الفرصة تلو الأخرى.. إعمار سورية مثالا .. د. وائل مرزا

لو خُدِم هذا المشروع إعلامياً لكانت هذه من أهم الرسائل التي يجب أن تصل إلى بعض السوريين المترددين في الانضمام إلى الثورة

الأحد 15/04/2012

المدينة

يظلم المجلس الوطني السوري نفسه والثورة السورية بأكثر من طريقة. لكنه لايصل إلى درجةٍ من الظلم أكبر من تلك التي يمارسها حين يُغفل أهمية تسليط الضوء على إنجازٍ قام به بعض أعضائه ويمكن أن يُنسب إليه بشكلٍ أو بآخر. وتبلغ المأساة قمّتها حين نرى كيف أن هذا الإنجاز يمكن أن يُساعد على رفع معنويات الشعب، وأن يُخاطب الشرائح التي تبحث عن إجابات تتعلق بالمستقبل ودرجة التخطيط والاستعداد له، من السوريين أولاً، ومن أطراف النظام الدولي بعد ذلك.

حصل مثالٌ على هذا خلال الشهرين الماضيين. فقد قامت مجموعةٌ من المختصين السوريين العاملين في المجال الاقتصادي بوضع ملامح خطةٍ أولية للتعامل مع واقع سورية الاقتصادي بعد سقوط النظام. تحرّكت المجموعة بالخطة لتعرضها على بعض الدول والمنظمات الإقليمية والدولية. وبعد شيءٍ من الجهد، اقتنعت وزارة الخارجية الألمانية بجدّية الخطة والقائمين عليها، فقامت بدعوة عشر دول وخمس منظمات عالمية لعقد مؤتمر خاص يناقش الخطة المذكورة. حصل اللقاء في منتصف شهر آذار / مارس الفائت واجتمع سفراء ودبلوماسيون ومسؤولون من أهل الاختصاص لمناقشة الخطة وإمكانيات تطويرها.

لم يتمّ إقرار الخطة والاتفاق على تطويرها فقط، بل حوّل المجتمعون مؤتمرهم إلى مجموعة عمل دولية تم الاتفاق على أن تتعهد بالمساعدة على بناء الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام في مشروع يُذكّر بمشروع مارشال الشهير، وتضم المجموعة إلى أمريكا أهم الدول الأوربية والعربية.

أكثر من هذا، تمّ الاتفاق على عرض الخطة على مؤتمر أصدقاء سورية الذي انعقد في اسطنبول في مطلع نيسان / أبريل الحالي للحصول على تفويضٍ من الدول المشاركة في المؤتمر بتبنّي الخطة والمجموعة من قبل المجتمع العالمي. وفعلاً، تمّ عرض الخطة على المشاركين في المؤتمر، وتمّت مناقشتها والموافقة عليها، وقام المؤتمر بتفويض المجموعة رسمياً للعمل على تطوير الخطة وتطبيقها.

ماذا يعني هذا؟ يعني أن هناك الآن أكثر من ثمانين دولة ومنظمة عالمية ملتزمة سياسياً بأن تُشارك وبشكلٍ رسمي في إعادة إعمار سورية بعد سقوط النظام. وأن المجتمع الدولي، بغضّ النظر عن كل شكاوى السوريين منه، يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في مرحلةٍ من المراحل إذا عرفنا كيف نتعامل معه ونتكلم بلغته ونستفرغ الوسع في استخدام المداخل للاستفادة منه.

ماذا يعني هذا أيضاً؟ لو تمّت خدمة هذا المشروع إعلامياً كما يجب لكانت هذه من أهم الرسائل التي يجب أن تصل إلى بعض السوريين المترددين في الانضمام إلى الثورة بسبب مايرون أنه المجهول القادم. . وثمة فرقٌ كبيرٌ في طريقة التفكير بالحاضر والمستقبل، وفي مصادر اتخاذ قرار مثل قرار الوقوف مع الثورة، ينتج عن المعرفة بوجود مثل هذا المشروع.

هل يمكن لعاقلٍ أن يجهل تأثير العلم بمثل هذا المشروع على كل فعاليات الاقتصاد في سورية على صعيد الأفراد والمؤسسات العاملة في قطاعات الصناعة والتجارة والمال والأعمال وكل مايتعلقُ بها من نشاطات؟ هل يمكن إغفال الاختلاف الممكن في طريقة تفكير أهل تلك القطاعات حين يعلمون أن لسورية الجديدة أفقاً يمكن أن يكون في غاية الازدهار؟ وأن بإمكانهم أن يكونوا جزءاً منه إذا أرادوا؟.

وهل يمكن لعاقلٍ أن ينكر تأثير العلم بمثل هذا المشروع على عامة الناس ممن يخشون من قادمٍ مجهول فيما يتعلق بخدمات الناس وأرزاقهم؟ ألا يمكن لهؤلاء أن يغيروا موقفهم إذا علموا بوجود خطةٍ تأخذ في حسابها وتجهيزاتها إمكانية أن يمارس النظام قبل سقوطه خيار نيرون فيحرق الأخضر واليابس؟ وهذا فعلاً ماتأخذه الخطة في حسابها. إذ تتطور الخطة في تفاصيلها لتصل، على سبيل المثال فقط، إلى عدد بواخر القمح وكميات الحبوب وعدد المولدات الكهربائية التي يجب أن تكون جاهزةً في تلك المرحلة، ومن هي البلدان المانحة التي ستقدمها، وغير ذلك من التفاصيل الدقيقة.

ألا يقتضي هذا أن تعلم الدنيا بأسرها بمثل هذا المشروع وأن تُخصص له وحده حملةٌ إعلامية ضخمة تُظهر أبعادهُ الاستراتيجية ويكون لها تأثيرٌ نفسيٌ وعمليٌ هائل في تغيير المواقف من الثورة؟

ثمة حاجةٌ ماسة لأن يعيد كل من يريد أن يخدم الثورة حساباته، ويعيد ترتيب أولوياته بشكلٍ جذري.

ثمة حاجةٌ لوقفةٍ جديّة مع النفس ليمنع المرء ظلمَ هذه النفس قبل كل شيء، أما الثورة فماضيةً لتحقق أهدافها في نهاية المطاف ووفق كل المؤشرات، وستجد دائماً أهلها، بنقاء أهلها وإخلاصهم، المؤهلين لأداء هذه المهمة.

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا: مراوحة إلى حين  .. حسام كنفاني

آخر تحديث:الأحد ,15/04/2012

الخليج

بعد طول انتظار، بدأ تطبيق خطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان للوضع في سوريا . الخطة ليست مثالية ودخولها حيز التنفيذ ليس نموذجياً، لكن يعتقد كثيرون أنها قد تشكل بداية مخرج للوضع القائم في البلاد . غير أن الواقع قد يكون مغايراً، فالخطة ليست مخرجاً بقدر ما هي مدخل إلى مرحلة جديدة من الأزمة، التي يبدو أن انتظار حلها سيطول .

انتظار متعدد المراحل، أقل قليلاً من مراحل خطة عنان، غير أنه نابع منها . في البدء انتظار تطبيق وقف إطلاق النار، وهو البند الثاني في الخطة . الأمر بدأ قبل أيام قليلة، يبدو إلى الان صامداً، وإن كانت خروقاته تتصاعد من يوم إلى آخر، غير أن القتل المجنون توقف مؤقتاً . لكن هذا قد لا يكون كافياً لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار، الذي سيكون عليه انتظار أول تقارير المراقبين الدوليين، المزمع وصولهم إلى الأراضي السورية في المقبل من الأيام .

مرحلة تحقيق وقف إطلاق النار ستكون طويلة، ومرحلة تحديد معاني ذلك ومسؤولية الخروقات القائمة ستكون أطول . ومن كان يترقّب تحقيق وقف القتل للعودة إلى ساحات التظاهر، عليه العودة عن رأيه مع قرار وزارة الداخلية السورية بأن التظاهر يحتاج إلى ترخيص، وهذا من الممكن أن يضرب خطة عنان في مقتل .

بعد هذا الانتظار، الذي ستكون خلاله الأزمة مفتوحة على تصعيد وهدنة، يأتي دور الحوار السياسي . ففي حال تسنى الوصول إلى مرحلة الحل السياسي، كما تنص عليه الخطة، فإن تحديد الأطراف المتحاورة أو السقف المطلوب للحوار، وهو أمر ليس بيسير، سيكون عليه الانتظار طويلاً أيضاً، وسيكون خاضعاً للعديد من التجاذبات التي من الممكن أن تفجّر الخطّة من أساسها .

بعد هذا وذاك، فإن الانتظار الأهم سيكون ترقّب المتغيرات السياسية في العالم، ولا سيما الانتخابية منها . الانتخابات الفرنسية والأمريكية، وحتى الروسية، كانت من ضمن سلسلة من الحسابات التي أرجأت أي قرار حاسم في ما يخص الأزمة السورية . فما بعد هذه الانتخابات قد لا يكون كما قبلها، غير أنها أيضاً بحاجة إلى انتظار .

خطة عنان هي المدخل السحري لهذا الانتظار، الذي قد لا يأتي بالحل، وإنما سيفي بغرض تخفيف النزف قدر الإمكان .

من الصعب المراهنة على ما ستؤول إليه الأوضاع السورية مستقبلاً، لكن خطة عنان تشكل فرصة للجميع كي يأخذوا بها من دون مواربة، أو رهانات على الخارج، إذا ما أريد لها أن تنجح، خصوصاً أن هذا الخارج له مآرب أخرى تتجاوز مصلحة الشعب السوري، بل قد لا تكون هذه المصلحة ضمن هذه المآرب . . وعندها سوريا وحدها سوف تدفع الثمن وليس غيرها .

-**-**-**-**-**-*-*

رسالة قوية يجسدها قرار «الأمن» حول سوريا .. الوطن القطرية

التاريخ: 15 أبريل 2012

ظلت حالة الرصد والمتابعة لتداعيات الأزمة السورية، منذ اندلاعها حتى الآن، تؤكد بأن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أو صامتا، إزاء ما حدث من انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان من طرف النظام السوري، عبر استهداف آلته العسكرية والأمنية للمدنيين، في مختلف المناطق التي شهدت احتجاجات، والتي سقط فيها آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، إضافة إلى ما تسبب فيه القمع المنظم، من قبل دمشق، من حالة أمنية متدهورة، اضطر بسببها آلاف السوريين للنزوح ليصبحوا لاجئين بدول مجاورة، مثل تركيا ولبنان والأردن. في هذا السياق، فإننا نرى بأن قرار مجلس الأمن الدولي الذي صدر بإجماع أعضائه، أمس السبت، يبعث برسالة قوية جديدة إلى دمشق، تؤكد بأنه لا تهاون في تطبيق خطة كوفي عنان «المبعوث العربي – الدولي المشترك». فقد أجاز قرار المجلس إرسال مجموعة أولى من المراقبين الدوليين إلى سوريا، لمتابعة التنفيذ لخطة عنان.

 كما نص القرار على إمكانية اتخاذ خطوات أخرى في الفترة المقبلة، في حال ظهور أي إخلال رئيسي من جانب النظام السوري، بتعهداته بتطبيق «الخطة العربية – الأممية». إننا نعتبر في هذا المنعطف الصعب الذي تعيشه سوريا وشعبها، بأن على النظام السوري أن يمضي قدما في الإيفاء بتعهداته التي ألزم نفسه بها. ونأمل في الوقت نفسه بأن يتزايد توحد فصائل المعارضة السورية، ليتسنى تحقيق الحلول الشاملة المنشودة، التي يتطلع إليها الشعب السوري بأسره، لتجاوز ما مر به من محنة غير مسبوقة، في تاريخه الحديث، وللتوصل إلى الحل الملائم للأزمة، بما يفي برغبة الشعب في امتلاك إرادته السياسية الكاملة، ليقرر ما يريده من معطيات سياسية واقعية، تعبر عن كافة مكوناته وفئاته.

-**-**-**-**-**-*-*

ماذا يحصل في شوارع دمشق؟ .. كريستوف أيّاد.

("لوموند" 9 نسيان 2012)

المستقبل

15-4-2012

يطغى على العاصمة السورية مناخ ما قبل حرب اهلية. فيما يؤكد احد مسؤولي النظام ان "المعركة من اجل قلب نظام الحكم انتهت"، تصف الشهادات التي جمعتها صحيفتنا واقعا مغايرا تماما. اصحاب الشهادات يتكلمون عن مواجهات ليلية، عن الانعدام المتزايد للأمن، عن التهديدات بالخطف، عن الخوف الذي يغزو القلوب... اما ظروف الحياة، فهي نحو المزيد ايضا من القساوة: ارتفاع الاسعار، النقص في المحروقات، انقطاع الكهرباء، تعطل شبكات الهاتف والانترنت، والبؤس والفقر اللذان ينضحان من وجوه اهل حمص المهجرين الى العاصمة.

لطالما اعتدّ النظام السوري بأن اهل دمشق لن يتحركوا، شاهرين هذه الحجة التي برأيهم تؤكد على ضعف الثورة ضده. هذه فكرة مغلوطة. فسكان ضواحي دمشق ليسوا وحدهم المعبئين ضده، انما قلب دمشق نفسها صار تحت مجهر القوات الامنية. برأي الجميع، فان الاحياء الاكثر انخراطا في اعمال الثورة تقع في جنوب غرب العاصمة، الضواحي الجنوبية، مثل دوما وحرستا الواقعتين في الشمال الشرقي منها واللتين ما زالتا تتعرضان لهجمات بالدبابات، بعدما عرفت شوارعهما تجمعات ضخمة. اما في وسط البلد، فان الاحتجاجات اكثر تقطعا.

يقول احد سكان دمشق: "ابن اخي تلميذ في مدرسة الميدان. وها هو يلازم البيت لمدة اسابيع احيانا. منذ ايام، في المعظمية، منع الشبيحة التلاميذ من الذهاب الى المدرسة. ورسالتهم واضحة، كانوا يودون القول لهؤلاء المراهقين بان لا يشاركوا في التظاهرات. بعد ذلك سمعنا اطلاق رصاص بالقرب من المدرسة". المدارس الرسمية صارت تغلق او تفتح بحسب الجو في الشارع...

"اذا اردت ان تتوجه الى حيّ المزة، عليك عبور عدة نقاط تفتيش. بعض الطرقات المفضية الى المزّة مقطوعة ايضا"، تقول سوزان احمد، وهي شابة ناشطة ضد النظام تتجول في شوارع دمشق يوميا بغية جمع المعلومات التي تعود وتنشرها على الشبكة لتوزعها على المجموعات الناشطة الاخرى. وهي تتابع: "لطالما كان الامن مسألة في غاية الاهمية في المزّة. فهو حيّ غني، يقطنه السفراء والمسؤولون الكبار في النظام، فضلا عن اقارب الرئيس بشار نفسه. ولكن الاجراءات الامنية في المزّة تعزّزت مؤخرا، خاصة ان العديد من ابناء هذا الحيّ بدأوا يتحركون". من المعروف ان تظاهرات اندلعت في المزة في 19 من شباط الماضي، رد النظام عليها بتقطيع أوصال الحيّ ومحاصرته.

نقاط التفتيش في مداخل العاصمة زاد عددها بشكل ملحوظ. واذا وقع على حواجزها سوري من مدينة حمص، تكون المعاملة في غاية القساوة. تتابع سوزان احمد: "عندما تنظم تظاهرات موالية للنظام في دمشق، بساحة الامويين، لا يعود بوسع احد الدخول الى العاصمة، فالنظام ترعبه التظاهرات. الموظفون مرغمون على المشاركة في هذه التظاهرات المنظَّمة من قبل النظام".

يسود في دمشق مناخ ما قبل حرب اهلية. مباني القوات الامنية مسيجة باسوار من الباطون المضادة للقنابل، وذلك بعدما تكاثرت في الآونة الاخيرة عمليات التفجير المنسوبة لمجموعات ارهابية اسلامية. ولكن سكان دمشق يشكّون في هوية المنفذين الحقيقيين لهذه الهجمات العنيفة. التفجير الذي تعرض له احد مراكز المخابرات الجوية في حي المزّة في 17 آذار الماضي، والذي تسبب رسميا بسقوط 27 قتيلا وحوالى مئة جريح، اثار استغراب رياض وهو واحد من سكان الحي الذين زاروا موقع المخابرات بعيد الانفجار. يقول رياض: "حصل التفجير في السابعة والنصف صباحا، في وقت تكون فيه المكاتب خالية تماما من الموظفين. معظم القتلى هم جنود يحرسونه". ولأن رياض سجين سياسي سابق، فهو متأكد ان الطوابق الواقعة تحت الارض من هذا المبنى تضم سجناء، وهو يتابع حول هذه النقطة: "تحت ارض مركز المخابرات الجوية ثماني غرف من دون نوافذ، تتسع لنحو 400 سجين. ماذا حصل لهؤلاء السجناء؟ هل أخلوهم ام أبقوهم تحت الانقاض، التي لم ترفع بدورها الا بعد يومين من حصول التفجير؟". ورياض مذهول ايضا من شدّة الانفجار: "السور الذي يفترض به ان يحمي مبنى المخابرات الجوية، وسمكه خمسون سنتمترا انهار تماما، كل الواجهة انهارت. انه عمل محترفين!".

سوزان احمد من جهتها تتكلم عن "عملية إخراج مسرحي". فيما العديد من المعارضين يلاحظون بأن عملية التفجير الاولى في 23 من كانون الاول الماضي في دمشق، حصلت يوم وصول المراقبين العرب ويوم الجمعة ايضا، وهو يوم يستحيل فيه التنقل في المدينة بسبب التظاهرات.

حيّ المزّة بدوره كان مسرحا لمواجهات ليلية بالاسلحة الاوتوماتيكية. ينظر رياض الى هذه الاشتباكات كما الى التفجيرات. ويرى انها تحدث بين اجهزة الامن المختلفة في جولة تصفية حسابات، وليست كما يعتقد الكثيرون هجمات ل"الجيش السوري الحرّ". اما راغدة حسن، وهي مناضلة متوارية عن الانظار فتؤكد أن مقاتلي "الجيش السوري الحرّ" ينشطون داخل احياء العاصمة. في حرستا، تقول، حيث هوجمت القوات الامنية، تواجه السلطة حرب عصابات (..).

الاسعار انفجرت والسوق السوداء ازدهرت. في بداية آذار الماضي، واجهت العاصمة نقصا في المحروقات، يقول "سامر" وهو فنان لجأ الى بيروت مؤخرا: "اسعار المواد الغذائية الاساسية تضاعفت، الا اسعار الخبز. ولكن من الصعب شراء الخبز. لا يمكننا القول بأن الحياة طبيعية في المدينة القديمة. كل شيء يسير ببطء. المحلات التجارية لا تفتح الا في نهاية النهار. والمطاعم خالية من الزبائن".

اما الكهرباء فمقطوعة بين ثلاث ساعات و11 ساعة في اليوم، وقطع الكهرباء هو دائما من نصيب الاحياء المتمردة. تقول سوزان احمد: "العديد من التظاهرات تحصل ليلا. عندما تنقطع الكهرباء بصورة مفاجئة، هذا يعني بأن قوات الامن سوف تتدخل".

في ضواحي دمشق، يواجه السكان معضلة وصول أعداد غفيرة من مهجري اهل مدينة حمص. تقول سوزان احمد: "لا يملكون شيئا، لا ثيابا ولا غذاء. عدد كبير من العائلات يعيش في شقة واحدة. الحمد لله ان التضامن قوي. ولكن حتى مساعدة اللاجئين اصبحت امراً خطيراً" (...)

-**-**-**-**-**-*-*

أسماء بشار الأسد، من "وردة الصحراء" إلى "ماري أنطوانيت الشرق" .. دلال البزري

المستقبل

15-4-2012

ظهرت زوجة بشار الاسد، أسماء، على خشبة الاعلام الغربي بعد تعافيها من انهيار عصبي أوصلتها اليه كل من والدته ناعسة وشقيقته بشرى، وهو انهيار كان يمكن لأية حماة او "ابنة حماة" أن تسبّب به ل"كنّة" جديدة، من خارج القبيلة او من داخلها. ولكن في حالتنا هذه بالذات، ارتدت حوافز الشرّ ضد هذه "الكنّة" لبوس المذهبية، عائدة الى كون العروس سنية فيما العريس علوي. لذلك طبعت الطلّة الاولى لأسماء امام الاعلام الغربي بذيول الخناقة العائلية، وقد بدت فيها "متجاوزة الفروقات المذهبية"، "متسامحة"، "حداثية، داعية الى التعددية"... بعدما تجرأت على الزواج من ابن طائفة اخرى، باسم "الحب"، وخرجت من الصراع الذي اشعله "قوية... فاهمة... متماسكة".

لكن هذه الصفات والقصة العائلية التي نسجتها بقيت في خلفية المشهد، لم تكن تذكر الا لماما. فالمهم بالنسبة للاعلام الغربي كان مظهر اسماء الاسد: مشيتها "المبهجة"، شبابها "المشرق"، طولها "الفارغ"، قدّها "النحيل"، قصَّة شعرها "المودرن"، اناقتها "الراقية"... ثم، من ناحية اخرى: مولودة في بريطانيا، من أب جراح قلب معروف وأم ديبلوماسية، كانت تزور سوريا اثناء العطل، تتكلم الانكليزية باللهجة البريطانية، خريجة برمجة مالية وعملت في اصعب الفروع المالية، كانت ذات مستقبل مهني واعد... كُتب لها ان يكون قدرها استثنائيا باقترانها بوريث دولة سوريا. ولكنها لا تكتفي ب"جمالها" و"سحرها" و"أناقتها"، انما هي ايضا "متفانية في خدمة نساء سوريا ولاجئيها"، وبرعايتها انشطة "المنظمات غير الحكومية" التي تحرث ارض وطنها من الاقاصي الى الاقاصي. وقد خصّص لها البرلمان الاوروبي مبالغ هائلة لتشجيعها على المضي في هذا "التفاني".

بعد إعادة العلاقات الطبيعة بين دمشق وباريس في بداية عهد نيقولا ساركوزي، قامت اسماء الاسد بزيارة الى باريس، برفقة زوجها. سحرت الاعلام الفرنسي بكل ما سبق، وردت على اسئلة الصحافة الفرنسية الساذجة، باجابات "عاقلة رزينة"، من نوع انها لا هي ولا زوجها يهتمان بال"صورة" او بالمظهر بل بجوهر الامور، او انها هي وزوجها وابناؤها "فريق شديد الانسجام... نحن نصوت على ما نرغب واين نرغب..."؛ أو، "ان فرنسا وسوريا بلدان متطوران، يعتزان بماضيهما، وهما ايضا علمانيان".

عشاء "حميم" مع زوجها في احد المطاعم الباريسية الفاخرة، صُوِّر بقدرة قادر، فنال "الكوبل" رتبة العشاق، بسبب النظرات الرومنطيقية التي كانا يتبادلانها أمام العدسة التي لم يكونا يعرفان بوجود صاحبها... على هذا المنوال الكثير، وأهمه الرقّة اللامتناهية التي ابدتها اسماء الاسد تجاه أطفال غزة اثناء عدوان نهاية 2009 الاسرائيلي. قالت اشياء تضيف الحنان الى سحرها، خصوصا انها كانت بالهندام الانيق المبهج نفسه وقصة الشعر "المودرن"...

مجلة "فوغ" الاميركية خصصت لها ملفا منذ عام ونيف، خلصت المجلة الى ان سوريا هي "البلد الاكثر مدعاة للثقة والاستقرار" ، وان "السوريات ينلن حقوققهن بقدر ما ينال الرجال حقوقهم"، وان اسماء الاسد "تشجع الشباب السوري على الانخراط في الحياة المدنية". فهي"السيدة الاولى التي تجر بلادها من الديكتاتورية الى التقدم والانفتاح"... الخ. المجلة اطلقت عليها لقب "وردة الصحراء"، ووصفتها بأنها "أكثر السيدات الاول نداوة وجاذبية"، وقد اضافت اليها لقباً آخر، بعد لقب "ديانا العرب":

لكن حظ مجلة "فوغ" لم يكن يسيرا: فالمقابلة مع اسماء الاسد نشرت في ربيع العام الماضي، وهو التاريخ الذي اندلعت به الثورة السورية، من درعا. فكانت اولى اشارات الانتكاسة ان المجلة سحبت العدد الخاص باسماء الاسد من الشبكة الالكترونية. فثار الذي ما فتئ الاعلام الغربي يطرحه مع استمرار حرب النظام على الشعب السوري: "ما هو موقف وردة الصحراء مما يحصل في بلادها؟ كيف يمكن للطالبة التي درست في كوين كولدج البريطانية العريقة، والتي كان اصدقاؤها يلقبونها ب"إمّا" (Emma) كيف يمكن لها ان تسكت امام مقتل كل هؤلاء الشباب المطالبين بالحرية؟ كيف يمكن لهذه المتخصصة اللامعة في الشؤون المصرفية ان ترفض رؤية الامور كما هي في الواقع؟". فكانت الاشاعات عن هروبها مع اولادها الى خارج سوريا، والذي لم يحصل بفضل جهود الامن. واجابتها المكتوبة على سؤال من مجلة "تايمز" عن موقفها مما يحصل: "الرئيس هو رئيس كل سوريا، وان السيدة الاولى تدعمه في هذا الدور"، وانها "في هذه الايام مهتمة بالحوار. تصغي الى العائلات التي تعرضت للعنف وتواسيها"...

اما الضربة القاضية فكانت تسرّب الرسائل الالكترونية التي تبادلتها اسماء الاسد مع زوجها خلال العام الاول من الثورة السورية الى صحيفة "الغارديان" البريطانية ، وبدت فيها سينيكية، غير مبالية بمأساة شعبها، ساخرة بأبناء مدينتها، حمص، متواطئة مع زوجها، ولا يثير اهتمامها الا الشوبينغ الالكتروني، حيث نعرف من هذه الرسائل انها منكبة على شراء الاواني واللوحات الشمعدانات المصنوعة في محلات "هارودز" الفاخرة، فضلا عن احذية "لوبوتان" (louboutin) التي تعتز بأنها "ليست بمتناول الجمهور الواسع"، وعقود من الالماس من احد المحترفات الباريسية الفخمة.

بعد هذا، يبدأ التشكيك: هل دقّق احدهم بال"سي في" (CV) المهني الخاص باسماء الاسد؟ الا يمكن ان نكون قد خُدعنا ولم تكن لا طالبة متفوقة ولا محللة لامعة ولا كانت مقبلة على مستقبل باهر؟ والدتها التي قلنا عنها ديبلوماسية، ألم تكن سوى موظفة في سفارة سوريا في لندن؟ وعملنا منها ديبلوماسية؟ والدها، هل هناك قبول من اعضاء الجمعية السورية-البريطانية برئاسته لها؟ هل يعقل اننا كنا نراها وردة رقيقة نادرة قاطرة بلادها نحو الحداثة والعلمانية والتعددية... تتحول الى ماري انطوانيت الشرق؟ كل هذا طبعا معطوف على عقوبات اقتصادية تطالها شخصيا، واجراءات اخرى ترفقها بزوجها وابيها الذي تبين بأنه يلعب دور الوكيل المالي السري لآل الأسد.

قد تكون هذه التساؤلات معبرة عن التشوش الذي اصاب هذا الاعلام، نتيجة انخداعه باسماء الاسد، وظهورها على حقيقتها المرّة. لكن التشوش لا يكفي. او انه لا يفسر شيئا. هناك عطب في الاعلام الغربي ظهر بوضوح في حالة اسماء الاسد، ليس من السهل عليه التنبه له، لشدة ما هو موسوم بتصوراته الخاصة وعلاقته بعالمنا. في الاعلام الغربي شيء من السطحية؛ الصورة، المظهر، الهندام، الهيئة، الوقفة... كلها عناصر حاسمة في رسمه لملامح أصحابها. هذا مستوى مهم عند كل سياسي او سياسية غربيين. الصورة عندهم حاسمة في تشكيل الموقف من صاحبها. ولكن هم لا يكتفون بها عندما يتعلق الامر بشخصياتهم العامة؛ بل يبحرون في اعماقها وتناقضاتها ومكرها وحماقتها، في ثقافتها وجهلها، في سُباتها او ديناميكيتها. وعندما يأتي دورنا، يكون نصيبنا الصورة فحسب. خصوصا اذا كانت صاحبتها امرأة. يكفي ان تكون شابة، جذابة، نحيلة، بقصة شعر "مودرن" وثياب "سينييه".... حتى تتبدد كل الشكوك وتصبح صاحبة كل هذه الاوصاف قاطرة الديموقراطية والتقدم في بلادها. ليس هذا فحسب، لهذه الصورة المرغوبة مواصفات "جمالية" محددة: هي كل تلك التي تجذب الذوق الغربي، أو تسحره.

الاعتماد على الصورة فحسب لا يكفي. اذ ان اسماء "نشيطة" ايضا، ترعى "الجمعيات غير الحكومية". هل يمكن ان نصدق أن الاعلام الغربي والبرلمان الاوروبي، وربما غيرهما من المؤسسات الداعمة، صدّقوا اسماء الاسد حرفيا عندما قالت لهم بانها صاحبة هكذا نشاط؟ من دون تحقيق ميداني او اسئلة اقل سخافة من تلك التي يطرحون؟ الارجح انهم يريدون ان يصدقوا اكثر من انهم صدقوا. اما الاسباب فشتى: اولها انهم ليسوا معنيين تماما بموضوعهم، ولذلك لا يراجعون ما كانوا اعتقدوه الا بعد ان تثار الفضيحة. لا يهم الا الفضوليين من بينهم ان تكون السياسة الرسمية لبلدانهم هي التغاضي عن الديكتاتوريات بقدر ما يخدم ذلك مصلحتهم، مصلحة بلادهم العليا. لا يجدون غضاضة في هذا التواطؤ، ولا تناقضا بين قناعاتهم وبين كسلهم الفكري في البحث عما وراء تلك الصورة التي لا تعكس شيئا غير صورتهم.

الاعلام الغربي ملغوم. فيه الغث والنفيس. فيه الشغف بالمعرفة واستسهال الحصول عليها، فيه الرصين والخفيف، في الصحيفة الواحدة، بل القلم الواحد، احيانا (انظر الى ما يكتبه برنار هنري ليفي، او توماس فريدمان في الصحافة). هو مثل غيره من الاعلام تتجاذبه المصالح الضخمة والعلاقات العامة الضرورية. وتتفاوت وسائله بين ارقى التحليلات واسفل ممارسات التنصت على الخصوصيات. هو مثل اعلامنا يجب ان يخضع للتدقيق والنقد. مثل الديموقراطية الغربية نفسها. الاثنان تشوبهما الشوائب نفسها.

اما قصة اسماء بشار الاسد، فمتروكة للتاريخ، الأعمق والاقل خفة واستخفافا من الاعلام. حتى الآن، فهي، قبل تسريبات الغارديان، زوجة ضعيفة تداري زوجها، على مضض ربما. وبعد تسريبات الغارديان، هي منافقة بخصوص أطفال غزة، مستهترة بمصير ابناء شعبها (شعبها اكيد؟)، مشغولة باقتناء ترفيات تأسف صديقتها انه لن يكون ربما هناك فرصة للتباهي بها، عاشقة لزوجها القاتل السمِج... فلننتظر.

-**-**-**-**-**-*-*

المنبر الديمقراطي: حالة سورية أخرى .. فايز سارة

الشرق الاوسط

15-4-2012

يكاد يتفق المتابعون للوضع في سوريا على أن ثمة انسدادات في واقع المعارضة السياسية هناك، وأحد تعبيرات الانسداد يمثله انقسام المعارضة، وهو يوزعها على أربع كتل سياسية، أولها المجلس الوطني ثم هيئة التنسيق الوطنية، والمجلس الوطني الكردي، ثم مجموعة كبيرة من الأحزاب والجماعات السياسية الموجودة داخل وخارج البلاد.

وثمة تعبير آخر في انسدادات المعارضة السورية يجسده عجز المعارضة بكتلها وتنظيماتها المختلفة عن الاستجابة لضرورات المرحلة السياسية الراهنة، ليس باتجاه تحقيق وحدة سياسية لها تتجاوز من خلالها واقع الانقسام الحاد والوصول إلى صياغة توافقات تعزز دورها في الحياة السورية وفي معالجة الأزمة الحالية التي تصيب سوريا والسوريين، وتجعلهم خارج ما صاروا إليه نتيجة السياسات الأمنية - العسكرية التي تتابعها السلطات السورية منذ أربعة عشر شهرا.

لقد استدعت انسدادات المعارضة جهودا كثيرة في داخل البلاد وخارجها للخروج من الوضع القائم، بما يفرضه من تحديات تتعلق في الأهم من مستوياتها الداخلية بمطالبة الحراك السوري بوحدة المعارضة، وتقدم الأخيرة لمواجهة مهماتها في التصدي للواقع السوري وما يحيط به من تداعيات سياسية، تشمل احتمالات سقوط النظام، وإعادة بناء سوريا باتجاه نظام ديمقراطي تعددي، يحقق للسوريين العدالة والمساواة وتحديث الدولة والمجتمع، وهي مهمة تجد في المحيط الإقليمي والدولي من يربطها بضرورة وحدة المعارضة السورية، باعتبارها مدخلا لدور تؤديه المعارضة في المواجهة القائمة والمستقبلية مع النظام ومن أجل إسقاطه، في حال قرر المحيط الإقليمي والدولي الدخول في عملية إسقاط النظام، سواء في إطار عملية سياسية أو من خلال تدخل عسكري يقارب التدخل الغربي في ليبيا.

غير أنه ولأسباب متعددة تتعلق بواقع المعارضة من جهة وبالظروف الإقليمية والدولية المحيطة، فإن المعارضة لم تتمكن من مواجهة انسداداتها المستعصية، الأمر الذي شجع جهودا سياسية ومدنية موزعة بين الداخل السوري والمهجر للبحث عن حلول ومعالجات، هدفها إعادة تحريك وتجديد المعارضة، وهو سياق جاءت في مساره ولادة المنبر الديمقراطي السوري في فبراير (شباط) بهدف بلورة تعبير ديمقراطي سوري، يمثل تجربة تكاد تكون مختلفة عن معظم التجارب السياسية الراهنة، تجربة تسعى إلى تكثيف وتوسيع المشاركة السياسية والشعبية في الشؤون العامة، لا سيما في الشأن السياسي، بما يعنيه ذلك من تقوية لحس المواطنة ومسؤولية المواطن في الاهتمام بشؤون بلده، خصوصا في زمن الثورة.

وشاركت في التجربة فعاليات من داخل سوريا والمغتربات، وكثير من الأخيرين هاجروا بفعل السياسات العسكرية - الأمنية، ورسمت التجربة أسس قيام المنبر باعتباره كيانا ديمقراطيا، تلتقي فيه تيارات فكرية وسياسية وفعاليات ميدانية، هدفها خلق وإشاعة خطاب سياسي فاعل، يخدم أهداف الثورة وتحقيقها في الحرية والكرامة والعدالة، وبناء دولة ديمقراطية تعددية قائمة على سيادة القانون والمساواة بين جميع السوريين بلا تمييز، وإعلان دستور يؤكد تداول السلطة والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحصر دور الجيش وقوى الأمن في حماية البلاد وسلامة ترابها ووحدة أراضيها، وإخضاعهما للسيادة الشعبية والمحاسبة.

وأكد المنبر عند إطلاقه مهمات مرحلية تقع في صلب اهتمامه، في مقدمتها التأكيد على ضرورة استمرار الحراك الشعبي السلمي، وتوحيد قوى المعارضة وإيجاد تحالفات سياسية، تتيح القيام بمهمات مشتركة في السير نحو التغيير، والعمل لإجبار النظام على وقف العمليات العسكرية والأمنية في كل البلاد وإطلاق المعتقلين في إطار حل سياسي يوفر دماء السوريين ويحفظ كرامتهم وممتلكاتهم، التي يتم التفريط فيها من جانب النظام وبعض معارضيه.

ووقف المنبر بوضوح في مواجهة العنف الرسمي الذي أدى إلى التسليح والعسكرة مع ما يترتب عليهما من نتائج، لعل الأخطر فيها احتمالات حرب داخلية، يمكن أن تتوسع إلى حرب إقليمية وتدخلات دولية مسلحة من شأنها تدمير سوريا، كما أعلن وقوفه في مواجهة أي دعوات وممارسات طائفية من شأنها الإضرار بالسلم الأهلي ووحدة المجتمع وحرف الثورة عن أهدافها.

ولعل الأهم في تجربة المنبر الديمقراطي، ليس دخوله على خط محاولة خلق إطار نوعي جديد داخل الحراك السياسي والاجتماعي، يقارب ما فعلته لجان إحياء المجتمع المدني في استنهاض الحياة السورية في العقد الماضي، ودفعها نحو إعادة تأسيس نشاط سياسي وثقافي سوري تحالفي، ولا في تحديد المهمات الأساسية للحراك السياسي والشعبي الراهن فقط، بل في محاولتها خلق آليات تعزز النهوض السياسي من جهة، وتقوي الحراك الشعبي من جهة ثانية، وهو ما يجسد بالفعل خلق حالة سورية جديدة.

-**-**-**-**-**-*-*

السعودية وأوهام النظام السوري .. أمل عبد العزيز الهزاني

الشرق الاوسط

15-4-2012

منذ أثارت السعودية موضوع تسليح المعارضة السورية دفاعا عن السوريين العزل أمام وحشية نظام الأسد، لم يكف الإعلام السوري والإيراني عن الهجوم على المملكة واتهامها بانتهاز الأزمة للثأر من سوريا بسبب اختلاف موقف الدولتين الفكري والعقائدي في الكثير من القضايا العربية. إعلام بشار الأسد تفنن في فتح ملفات قديمة وحديثة للطعن في مواقف الرياض حول سوريا ولبنان والقضية الفلسطينية.

ربما لا تكفي الأسطر المتاحة للرد الكامل على أكاذيب إعلام التزييف فيما يخص القضية الفلسطينية، ولا يحق لمن ارتكب مذبحة مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان نهاية السبعينات أن يزايد على موقف المملكة من القضية الفلسطينية. ولكن الأهم هو التأكيد على أن الاختلاف الذي يلعب على أوتاره نظام بشار الأسد بين السعودية وسوريا كان حاضرا منذ حكم والده حافظ الأسد، وكان الأسد الأب بالذكاء والدهاء الذي جعله يتجنب مع السعودية الخلاف رغم الاختلاف، لعلمه بأهمية إبقاء العلاقة مع المملكة وما ستعود به عليه من الفائدة أو منع الضرر، مهما تباعدت المفاهيم.

مواقف السعودية من سوريا في عهد حافظ الأسد محفورة في ذاكرة التاريخ ولا يملك أحد محوها أو تشويهها، وهي لا تعد ولا تحصى بدءا من الدعم المالي والعسكري وحتى الذود عنها في المحافل الدولية التي رأت في سوريا موطنا لتربية العصابات الإرهابية المسلحة. ومع عدوانية حافظ الأسد واستفزازه لدول الجوار كالعراق الذي تضرر من إنشاء «سد طبقة» وحجز مياه نهر الفرات في بحيرة الأسد، كادت تنشب حرب بين الدولتين، فتدخلت السعودية عام 1975 ورسمت اتفاقية أطفأت شرارة الحرب بين الديكة البعثيين. وفي اتفاق الطائف الذي كتب الحلقة الأخيرة من مسلسل تدفق الدم اللبناني في عام 1989، والذي كان ينص على انسحاب الجيش السوري من لبنان خلال سنتين من توقيع الاتفاقية، لم تمارس السعودية ضغوطا لتأليب اللبنانيين بعضهم على بعض أو لتحريض الغرب على إرغام حافظ الأسد على الانسحاب، بل حفظت ماء وجهه وجعلت حالة السلم في لبنان أولوية، ولم تخرج القوات السورية إلا في عام 2005 بقرار من مجلس الأمن بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولم يكن شيء ليردع الجيش التركي في عام 1998 من اقتحام قلب سوريا وانتزاع عبد الله أوجلان الزعيم الكردي المطارد إلا وساطة سعودية، فأمهلت تركيا حافظ الأقد يومين لتسليم المطلوب، وهكذا كان.

في عهد حافظ الأسد، لم تكن سوريا - رغم تحالفها مع إيران في حربها ضد العراق، ورغم ميلها للاتحاد السوفياتي على حساب المصالح العربية - دولة مسلوبة القرار، ولم تكن تابعة لأي من الدولتين، بل حليفة. استطاع أن يحافظ الأسد الأب على هيبة الدولة السورية ومكانتها الإقليمية رغم كل الأزمات والحروب الخاسرة، وكان له في كل عثرة وثبة، ودعم كان ينتظره دائما من المملكة، ولم يخب ظنه يوما.

أما الأسد الابن، البسيط الشخصية، الفقير سياسة وإدارة، فله أن يفاخر اليوم بأن رعونته وتبعيته لإيران حجمت سوريا وحولتها من دولة ذات سيادة، إلى مجرد تنظيم، مثله مثل حزب الله وحماس.

منذ تولي بشار الأسد السلطة، كانت القيادة السعودية تجتهد بكل الوسائل لاحتوائه بسيل من رسائل النصح المكتوبة والمنطوقة، وبالدعم السياسي والمالي، دعمته بعد سقوط بغداد في 2003 على يد الأميركيين الشرهين وقتها لإسقاط كل الأنظمة التي تعاديها، وكان بشار الأسد يرتعد خوفا من التفاتة أميركية ضاقت ذرعا بنظامه. وحتى حينما اغتيل رفيق الحريري في 2005، حليف المملكة وصديق القيادة، وفاحت رائحة شبهة القتل حول نظام الأسد، لم تقطع السعودية علاقتها بسوريا، بل تجاوزت هذه المحنة بكثير من الحكمة والهدوء، وعادت لتحاول احتضان الأسد ونصحه بتسليم المطلوبين للعدالة وأن لا يقف في وجه المحكمة الدولية حتى لا يكسب عداء العالم. كانت المملكة وكأنها تدس ورقة الإجابة الصحيحة في يد الطالب البليد في قاعة الاختبار، لكنه لم يستطع حتى أن يتلقفها لأنه كان قد اتخذ قراره بأن يتنازل عن كرسي السيادة لصالح الإيرانيين، ولم يتبق من عروبته أو حميته لها سوى عبارات القومية المصابة بعوامل التعرية وانسلاخ اللون في شوارع دمشق.

في خطابه الشهير خلال حرب إسرائيل على لبنان في 2006، تجاوز بشار الأسد الأعراف الدبلوماسية وتهجم على المملكة بلغة بعيدة عن التهذيب. تجاوز التعريض بالمملكة مع أصدقائه إلى التعريض العلني، بكل غرور وعنجهية، ومع ذلك قبل العاهل السعودي اعتذاره واستضافه في قمة الرياض في العام الذي يليه، ولم يكد ينتهي العام نفسه حتى ابتدر نائبه فاروق الشرع، الرجل الأول لإيران في سوريا، بالهجوم صراحة على المملكة. ومع هذا السلوك الشاذ، وإضافة إلى دور سوريا السلبي في التقاتل العراقي، ودورها السلبي في لبنان خاصة في فترة احتلال ميليشيا حزب الله لبيروت في مايو (أيار) 2008، دعا الملك عبد الله بشار الأسد إلى قمة رباعية بالرياض في 2009 في محاولة لتنقية الأجواء ليكون العرب متفقين، وإن لم يكونوا متحدين، ضد جرّهم إلى صدام إيراني أميركي. وفي بداية الأزمة السورية الحالية التي يدعي النظام السوري أن السعودية تستغلها للانتقام، أرسل الملك عبد الله رسله لبشار الأسد يحذره من سوء إدارة الأزمة بإراقة الدماء، ولكن للأسف، سبق جنون العظمة العذل.

باختصار نستطيع أن نقول إن علاقة السعودية بسوريا في عهد بشار الأسد لم تكن علاقة صداقة صحيحة، بل كانت في حالة موت دماغي، ولم يكن يربطها بالحياة سوى إمدادات الغذاء التي تحرص عليها المملكة، أي إنها مبادرات وخطوات إيجابية من طرف واحد، ولولا ذلك لانتهت هذه العلاقة منذ سنوات.

مهما جيّش النظام السوري من أقلام وإعلام، لتشويه مواقف المملكة تجاه سوريا فلن يقوى على إلغاء الوقائع أو التشكيك في صدقها، وعلى بشار الأسد أن ينشغل بإخراج نفسه من الحفرة التي أوقع نفسه فيها بدلا من محاولة خلق معارك كلامية. كما لا حيلة للسعودية فيما ترى وتسمع من عقلية النظام الذي لا يفهم سوى لغة التآمر والاحتيالات والخداع إلا أن تتمسك بموقفها الأخلاقي تجاه الشعب السوري، وتبقي على تاريخها الناصع بعيدا عن المهاترات، ولا تعبأ بأسد يزأر في غابة محترقة.

-**-**-**-**-**-**-*-*

كيف تخدم المؤسسات الإسلامية الثورة السورية .. الفجوة المطلوب ردمها بين العلماء والعامة .. نبيل شبيب

هذا نص كلمة تمّ إعدادها لأحد المؤتمرات ولم يتم إلقاؤها لأسباب لا علاقة لها بالمؤتمر ونتائجه الطيبة، أنشرها في مداد القلم سائلا الله أن يكتب فيها النفع المرجو.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والسلام عليكم ورحمة الله وبعد،

فليس سهلا على مثلي الحديث في مؤتمر يضمّ ثلّة من كبار علمائنا الأجلاء، ولئن تجرّأت في هذه الكلمة على نقل بعض ما يتردّد على ألسنة الثوار في سورية ولا سيما الشبيبة، فلا أغفل قبل ذلك عن تأكيد ما لا يحتاج في الأصل إلى تأكيد من حيث فضل العلماء ومكانتهم والرسالة التي حملوها وكان لها بعد إرادة الله عز وجل دور لا يخفى على أحد في الحفاظ على إسلامنا في سورية وعلى تجديد الصحوة فيها، وفي سواها، وعلى تعزيز التشبث بالقيم الإنسانية الثابتة إسلاميا، وفي مقدمتها الكرامة والحرية التي كانت من وراء اندلاع هذه الثورة الشعبية البطولية.

في الدعوة إلى هذا المؤتمر أعطيت إحدى ورشات العمل فيه عنوان: كيف تخدم المؤسسات الإسلامية الثورة السورية، على أن يتم الحديث تحت أربعة عناوين فرعية: الواقع - الفجوة - مقترحات - مشروعات

ولا أدري ما هو القصد تماما من كلمة فجوة التي وردت وبعدها بين قوسين (فرص التطوير) ولم يُتح الوقت مجالا للمراجعة، فأتحدث إليكم وفق ما فهمت عن الفجوة بين المؤسسات الإسلامية بوضعها الحالي، وفرص تطويرها كما تطرحه الثورة التي صنعها جيل الثورة المعاصر، أو صنعها في الدرجة الأولى جيل الشبيبة، كما هو الحال مع الثورات الأخرى فيما بات يحمل عنوان الربيع العربي.

ولهذا العنوان مغزاه، إذ يطرح نفسه تاريخيا كبداية ربيع حقبة جديدة.. وليس كحصيلة حقبة سابقة، أو يطرح نفسه كحدث تغيير تاريخي وليس كحدثٍ وقع بناء على مقدمات سابقة، بينما يشير وصفه بالعربي إلى البعد الجغرافي وليس إلى البعد الذي نرجو أن يسجّله المؤرخون مستقبلا، وكأنّي به سيحمل عنوان الربيع الإسلامي الإنساني في المنطقة العربية.. وآنذاك لن يعرف حدودا جغرافية ولن يكون دون نتائج أبعد مدى على مستوى الأسرة البشرية.

. . .

والسؤال: هل تستطيع المؤسسات الإسلامية القائمة حاليا، وجلّها ممّا قام في الحقبة الماضية، أن تحقق هذا الهدف بالذات؟..

هل يمكن أن تصبح الثورات الحالية ولا سيما في سورية، ثورة بداية إشراقة ربيع شامل، من ميادينه العقيدة والقيم والأخلاق، والحضارة والثقافة والمعرفة، والفكر والأدب والفنون، والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، ناهيك عن الأثر المرجو في العلاقات الإنسانية على مستوى الأسرة البشرية؟..

أليست المؤسسات الإسلامية الحالية نفسها في حاجة إلى ثورة ذاتية لتحقق هذا الهدف؟.. أو بتعبير آخر: ألا توجد فجوة بين واقع المؤسسات ومسار الثورة -وهنا أقف عند حدود الثورة الشعبية في سورية- وهي الفجوة التي لا بدّ من ردمها لتتمكن المؤسسات الإسلامية من القيام بدور ريادي تغييري وفق القاعدة المعروفة التي شاع فهمها من الآية الكريمة: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)

. . .

الأدلة على وجود فجوة من حيث الأساس عديدة، منها ما هو ثابت معروف، فكما يقال: العبرة في النتائج، ومنها أنّ هذه الثورة صنعها الشعب في سورية بصورة مباشرة، ولم تكن من صنع المؤسسات الإسلامية أو سواها من المؤسسات ولا التنظيمات الإسلامية المتعددة.

ومنها أدلّة ممّا يمكن استقراؤه، فنحن نطرح ما نطرح عن دور المؤسسات الإسلامية وتفعيله بعد مضيّ زهاء ثلاثة عشر شهرا على انطلاقة الثورة الشعبية في سورية.

أنطلق إذن دون مزيد من التفصيل من وجود هذه الفجوة، من الإحساس بوجودها، والاقتناع بوجوب ردمها، وضرورة سلوك السبل الكفيلة بتحقيق ذلك، فأيّ اقتراح أو مشروع يصدر عن المؤسسات الإسلامية لا يصل إلى المستهدفين به، دون أن تكون العلاقة بينها وبينهم علاقة وثيقة، لا تقوم على الثقة بسموّ العقيدة والأخلاق والعلم والفقه فحسب، بل تقوم أيضا على الاقتناع بالقدرة على أداء دور بالغ الأهمية، بالغ الخطورة، وبالغ التأثير إذا تم أداؤه على الوجه الأمثل، وهو ما يقرّره هذا المؤتمر لنفسه كهدف سادس من بين أهدافه: إبراز الدور القيادي للعلماء والدعاة والمتخصصين في نصرة الشعب السوري.

. . .

ردم الفجوة يتطلّب استيعاب معالمها ومحاورها.. ولا يمكن التفصيل في ذلك أيضا، فأكتفي بمثال يحضرني من خلال حديث بلغني قبل أيام، عن لقاء جمع عددا من العلماء والشباب السوريين، وكان لا بدّ أن يدور حول ما وصلت الثورة إليه، وكان من كلام أحد العلماء الكبار في اللقاء، ما تناوله بإسهاب ملحوظ عن واجب النصح للحكام وكيف ينبغي أن يكون، وما هي شروطه، فكان كأنّه يتحدّث عن حاكم آخر من سجلّ التاريخ ولا يتحدث عن هذا الذي يعتبره الشباب الثوار الحاضرون بين يديه، المستمعون إليه، قاتل الأطفال والشيوخ، ومنتهك الحرمات والأعراض، ومدمّر الثروات والطاقات، ومجرما ارتكب ويرتكب أبشع أنواع الجرائم ضدّ الإنسان.. جنس الإنسان، وبحق الوطن.. كلّ الوطن، ويقولون فيما يقولون، إنه بالدليل القاطع غير قابل للإصلاح، ولا مجال بعد كلّ ما ارتكب ويرتكب، للحوار معه، ناهيك عن نصحه بالسبل التقليدية، أو مع الملأ الذين جعلوا من أنفسهم أدوات تنفيذية همجية لاستبداده وفساده وفجوره.

إنّ المؤسسات التي نتحدّث عن دور قيادي مرجوّ لها هي بمن تقوم عليه من علماء ودعاة ومتخصصين، يقودون في دور العلم والعبادة، ويقودون في ميادين الجهاد والشهادة، يقودون بالقدوة في كلّ ما يقتضيه العلم من عمل، ويقودون بالقدوة في كلّ ما تقتضيه الثورة من عزيمة وإقدام ومواقف قوية، صائبة وحاسمة.

. . .

لهذا وجب علينا في هذا المؤتمر السؤال:

ما هي فرص تطوير هذه المؤسسات الإسلامية لنفسها لتطوّر تبعا لذلك دورها في ريادة الثورة الشعبية في سورية؟..

وأكتفي بهذا الصدد ببعض العناوين، راجيا أن يأذن لي العلماء الأجلاّء بذلك، ففيها ما يعبّر عمّا أسمع يوميا من الشباب ومن الثوار:

أولا: فقه حيّ متجدّد معاصر يتعامل مع موروث الاجتهادات الفقهية والفكرية والحركية وكذلك على المفاهيم الاجتهادية الذاتية، على قاعدة: كلّ يؤخذ منه ويترك إلاّ صاحب هذا القبر.. صلوات الله وسلامه عليه.

ثانيا: القيادة القائمة على المشاركة.. وليس على التوجيه فقط، والاندماج .. وليس على التلقين وحده، وقيادة الصفوف في الميدان.. وليس عبر الأوراق والمؤتمرات فحسب.

ثالثا: استيعاب الثورة الجارية على أنّها ثورة على الاستبداد بكل جذوره وفروعه.. وكذلك على اساليب التعامل التي سادت خلال العقود الماضية ولم توصل إلى إسقاط الاستبداد.

رابعا: استيعاب الثورة على أنّها ثورة جيل جديد أوجد معايير جديدة يجب التعامل معها ليمكن الوصول إلى الجيل الجديد بغض النظر عن وقوع أخطاء.. فكل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوّابون.

خامسا: مشاركة جيل الشبيبة في القيادة وصناعة القرار.. الآن.. ليمكن للجيل الأكبر سنّا والأوسع علما والأقدر على القيادة في الأصل، من أن يرعاه على عينه، أثناء حياته، أثناء التجربة العملية، وكلّ عالم جليل وقائد كبير قادرٌ على العطاء على هذا الصعيد وإن لم يكن في منصب قيادي مباشر.

سادسا وأخيرا: تطوير الوسائل والأساليب على كل صعيد، فمن ميزات عالمنا وعصرنا أنّ تحقيق الأهداف، سائر الأهداف، مرتبط بنوعية الوسائل والأساليب الحديثة، التي يتقن الشبيبة استخدامها، ارتباطا أوثق وأكبر تأثيرا مما كان في عصور ماضية.

. . .

في اعتقادي أنّ الفجوة الفاصلة بين المؤسسات الإسلامية وجيل الثورة بدأت تتقلّص، ولكن ببطء لا يوازي سرعة مسار الثورة، وأعتقد أيضا أنّ التلاقي على طريق يخدم الثورة كما يقول هذا المؤتمر، ويساهم في تحقيق أهدافها، ليست طريقا مسدودة.. ولكن تنتظر المضيّ عليها دون تردّد، ومع مراعاة عنصر الزمن، ليمكن بعد الخطوة الأولى طرحُ السبل الكفيلة بتطوير مسار الثورة في اتجاه النصر الموعود، فهذا من أسباب النصر، التي أُمرنا أن نأخذ بها، لنشهد قريبا بإذن الله مقتضى قوله عز وجل: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

والسلام عليكم ورحمة الله.

-**-**-**-**-**-**-*-*

سيكولوجية الاستبداد وجرائم الإبادة الجماعية .. وليد فتيحي

الوطن السعودية

14-4-2012

ما يحدث في سورية هو نتيجة متوقعة لخمسةِ عقود من حكم طغاةٍ مستبدين، وتكوين جيش من المرتزقة العبيد الذين لا يعصون الأوامر مهما كانت، بل إنّهم يقومون بواجبهم تجاه سيدهم كعبيد لا يفكرون لحظة فيما يفعلون

شهد المسرح الإنساني على مر العصور جرائم إبادات جماعية يندى لها جبين الدهر.. هذه الجرائم كانت وما زالت محط أنظار كثيرٍ من علماء النفس في محاولة لفهم كيفية تحكم فردٍ أو مجموعةٍ صغيرة بعقولِ الآلاف لتنفيذ أوامرهم في إبادة شعب بأسره.. فلا "نيرون" ولا "هولاكو" ولا "ستالين" أو "موسيليني" ولا الرئيس الصربي "ميلوسوفيتش" ولا "صدام حسين" كان باستطاعتهم تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية بمفردهم دون من يطيع أوامرهم.. فكيف استطاع هؤلاء الطغاة التحكم في عقول الآلاف لتنفيذ جرائمهم؟

لقد وجدت الدّراسات النّفسية أن هناك عوامل وأبعاداً سيكولوجية مشتركة في جميع الإبادات الجماعية، ولفهمها لا بدّ من فهم سيكولوجية السلطة الاستبدادية وسيكولوجية الطّاعة.

أمّا سيكولوجية السّلطة الاستبدادية في الأنظمة الديكتاتورية أو التوتاليتارية فهي أبشع أنواع الاستبداد، وهي تؤدي إلى تغيير في سلوك الأفراد في المجتمع نظراً للمحيط الذي تخلقه. ومن سمات وخصائص السلطة الاستبدادية الخوف والحذر وعدم الثقة بالجماهير وخداعهم والمكر بهم واستخدام العنف والقمع ضد كل مناوئ لسلطتها، وكونها تدرك أن الشعوب ستثور عليها إن توفّرت لها الظّروف، فإنها تلجأ إلى تشويه الحقائق باستخدام كل الوسائل المُتاحة، وخاصة الإعلام، لتزييف وعي الجماهير وضمان وقوفهم إلى جانب النظام ضد من يسمونهم بأعداء السلطة، وبذلك يُستخدم الإعلام كوسيلة للترغيب والترهيب وتطويعِ الجماهير لإرادة المستبد.

ويعمد المستبِد إلى منع الاجتماعات والتجمعات الثقافية والإعلام الحر، واتخاذ كافة السبل لزرعِ الإحساسِ في المواطن أنه غريبٌ في وطنه، بل وإجبار المواطنين على الخسة والهوان والضَّعة والذُّلِ، ونشر الجواسيس في كل مكان، وإغراء المواطنين بعضهم ببعض لزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، فيأمن الطاغية المستبِد على نفسه، وغالباً ما يكون المستبِد مصاباً بواحدٍ أو أكثر من الأمراض السّيكولوجية مثل الشخصية النرجسية أو البارانوية أو الميكيافيلية أو السّيكوباثية.

وفي كثير من الأحيان يجمع الطاغية المستبد صفاتٍ مشتركةٍ يصنِّفها علماء النفس والاجتماع تحت بند "الشخصيّة البارانوية الملوّثة بسمات سيكوباثية ونرجسية."

أما الشخصية البارانوية (Paranoid Personality) فتكون غالباً نتاج طفولة مضطربة افتقدت دفء أحد الأبوين أو كليهما، فيتعلم الطفل (طاغية المستقبل) عدم جدوى التّعاون مع الآخرين أو الثقة بهم، وأن العالم من حوله يتَّسم بالقسوة والعدوانية، ولا مكان إلا للقوي المُستَبد. والشّخصية البارانوية لا تعرف النّيات الحسنة.. فتُحقّر العواطف مثل الحب والرّحمة والتّعاطف وتصبح القيمة السائدة عندها هي القوة والسّيطرة.

وبالنسبة للشخصية النرجسيّة فهي شخصيةٌ مفرطةٌ بحبِّ الذّات والإحساس بالفوقية والأفضلية على الجميع. وفيما يخص الشّخصيّة الميكيافيلية فهي شخصية معقّدة انتهازيّة من سِماتِها الرئيسية أنها تؤمن بنظرية "الغاية تبرر الوسيلة."

أما سيكولوجية الطّاعة فهي تدرس دواعي انصياع الآلاف من البشر لرغبات وأوامر المُيول العُدوانية لمن بيدهم صنع القرار ولتفسير الإبادة الجماعية، فإن الفرد في هذه المجتمعات غالباً ما يُبرر لنفسه ما يفعله بإلقاء اللوم على القادة الذين يصدرون الأوامر، وتؤكد الدراسات ما للثقافة والدين في المجتمع من ترسيخ مفهوم الطّاعة والخضوع عند شريحة واسعة في المجتمع عندما تستغل لصالح السلطة الاستبدادية.

تبدأ القصة بوصول طاغية مستبد إلى سدّة الحكم.. وبحكم شخصيته المريضة فإنه يجذب إليه العبيد من الرجال، وبما أنه يحمل نَفساً وضيعةً خاويةً فإنه يشعر دائماً بالخواء النّفسي والعاطفي، يحاول أن يملأ هذا الخواء بإخضاع عدد أكبر من الناس تحت سلطته ولكنه لا يجدُ الإشباع، فيستمرُّ في محاولاته ليوسّع من إخضاع أكبر عدد ممكن من البشر ولكن لا فائدة.. يزداد عنده الإحساس.. يشعر بالخواء الدّاخلي ويدخل في دائرةٍ مفرغةٍ ويشعر بالشّقاء والاكتئاب، وتزيد القوة التي يملكها من انحرافه النفسي فيزدادُ فيه الغدر والخديعة واللّؤم والظلم والفجور، فلا يعرف الصّداقة ولا الإخلاص ولا الوفاء بالوعود، فالنّاس كلهم خونة يريدون إسقاطه عن عرشه، ولذلك تجد كثيراً من هؤلاء يقتلون أقرب الناس إليهم دون أي رحمة أو شفقة أو ندم.

كما أن الطاغية يجتذب حوله أخسّ الناس وأوضعهم وأشدّهم خُبثاً، يرضون أن يكونوا له عبيداً ليكونوا هم أسياداً على من تحتهم، وهلم جراً.. حتى تجد المجتمع كله لا يعدو إلا أن تُصبح الغالبية العظمى فيه عبيداً لمن فوقهم وأسياداً لمن تحتهم، ولا يبقى من الأحرار إلا من في السُّجون أو المُختفين عن الأعين قدر المستطاع.

وتتم البرمجة الاجتماعية لصناعة الإنسان "النموذجي" لهذا المجتمع المستبد أو كما يُطلِق عليه كتاب "حرّر ذاتك.. منك" بالفيل "المطيع". ويشرحه كالتالي "يعتاد فيل السّيرك منذ صغره ربطه بشجرةٍ كبيرةٍ بواسطة حبلٍ غليظٍ ومتينٍ لكي لا يتحرك من مكانه، ويحاول الفيل مرّات عديدة التحرّر من قيدِهِ ولكنه يعجز عن ذلك نظراً لأن الحبل متين والشجرة قوية ولكونه صغيرا. وعندما يكبر هذا الفيل ويصبح بطبيعته قادراً على اقتلاع الشجرة أو قطعِ أغلظِ الحبالِ بسهولة إلا أنه لا يستطيع التحرّر من قيده حتى لو ربط بحبلٍ رقيقٍ وبعمودٍ هش. والسّبب في ذلك أنه قد زرع مراراً أو تكراراً في "اللاوعي" عند الفيل فكرة عجزه عن التحرر من قيده منذ صغره، حتى أصبحت جزءاً من نظام معتقداته التي لا تقبل التشكيك في كبره". وكذلك الحال في المجتمعات الديكتاتورية.. يتم تأطير وضبط جميع أفراد المجتمع من خلال الإيحاء والإعلام الموجّه والإعلان والثّواب والعقاب، فيصبح إنسان هذا المجتمع كالفيل المُطيع لا يدرك قوّته، وقد تأصّلت فيه فكرة عجزه عن اكتساب حريته.

إن مجتمعاً ما لكي ينفك من قبضة المستبدّ وزبانيته يحتاج إلى تضحيات كبيرة.. لأنه سيواجَهُ بأعدادٍ كبيرةٍ من العبيد للطاغية لا يجدون أي حرجٍ أو خوفٍ أو رادعٍ من ارتكاب أفظع وأبشع الجرائم ضد الإنسان الذي يأبى أن يرضخ ويركع للطاغية.

وما يحدث في سورية في أيامنا هذه هو نتيجةٌ متوقّعة لخمسةِ عقود من حكام طغاةٍ مستبدين، وتكوين جيش من المرتزقة العبيد الذين لا يعصون الأوامر مهما كانت، بل إنّهم يقومون بواجبهم تجاه سيّدهم كعبيدٍ لا يفكّرون لحظةً فيما يفعلون فيقترفون أسوأ جرائم الحرب ضد مدنيين.. لا يفرِّقون بين شيخ أو امرأة أو طفل، القتل عندهم رحمة والتعذيب فنٌ ومتعة وتقطيع الأطراف وإحداث العاهات المستديمة جزءٌ لا يتجزأ من طقوس الولاء لسيّدهم.

لقد رأيت بأم عيني في سورية بعض آثار أعمال هؤلاء المجرمين.. وما خفي داخل سورية مما ستكشفه الأيام أكثر بكثير.

سيذهب بشار الأسد كما ذهب الطّغاة من قبله أجمعين، وسيبقى الشعب السوري الحرّ الأبي ليسطر التاريخ أنه شعب استطاع أن يقول للطاغية (لا) وينفكّ من قبضته، على الرغم من صعوبتها، لأنه آثر الموت حراً على الحياة ذليلاً تحت حكم طاغية مستبد مجرم فاسق.

-**-**-**-**-**-*-*

ثورة سلمية .. الشرق القطرية

التاريخ: 14 أبريل 2012

لم تمنع عمليات الانتشار الأمني الكثيف، واستمرار ضخامة الحواجز العسكرية في المدن والبلدات السورية، وعدم سحب الجيش والأسلحة الثقيلة لإعادتها إلى ثكناتها، أمس، عشرات آلاف من المتظاهرين السوريين المناهضين لنظام الرئيس بشار الأسد من الخروج إلى الشوارع في جمعة جديدة، كان شعارُها "ثورة لكل السوريين".

إن اليوم الثاني من سريان تطبيق خطة كوفي عنان، يكشف بجلاء أن نظام بشار الأسد لا يزال يواصل خرق البند الأول الذي ينص على وقف العنف وسحب الجيش والأسلحة من المدن، ناهيك عن بقية البنود. فقد دوّى صوت الرصاص في أكثر من منطقة، وأسفر ذلك عن سقوط قتلى وجرحى، وحاصرت قوات الأمن والجيش التي انتشرت بكثافة بكل آلياتها في المدن والبلدات والمساجد، وقمعت السكان والمصلين في محاولة لمنعهم من التظاهر. أما فيما يتعلق بالبنود الأخرى، فان التزام دمشق لا يزال صفراً كبيراً، حيث ترتفع النداءات والمناشدات الموجهة للنظام بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية ووسائل الإعلام إلى سوريا، والإفراج عن المعتقلين على خلفية الأحداث، والسماح بالتظاهر السلمي.

المهم أنه ورغم عدم التزام النظام السوري ببنود خطة المبعوث الدولي والعربي المشترك كوفي عنان كاملة، واستمرار سقوط قتلى بإطلاق النار على المعارضين، فإن تزايد عدد السوريين المشاركين في المظاهرات المطالبة بالتغيير وإسقاط نظام البعث الحاكم، تبعث نوعاً من الأمل في رجوع الثورة السورية إلى طريقها الأول وهو طريق الانتفاضة "السلمية" للتعبير عن رغبة الشعب في التغيير، بعد أن أجبر بعض المعارضين في الأشهر الأخيرة على حمل السلاح دفاعاً عن النفس في مواجهة آلة القمع الدموي والتقتيل، إثر الحملة العسكرية واسعة النطاق التي شنها النظام بدباباته وأسلحته الثقيلة على البلدات الثائرة.

إن التحركات السياسية النشطة التي جرت على الصعيدين الإقليمي والدولي يوم أمس، خصوصاً المحادثات التي أجراها معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية مع كل من كوفي عنان ونبيل العربي أمين عام الجامعة العربية، وأحمد داود أوغلو وزيرالخارجية التركي، والقمة السعودية التركية التي استضافتها الرياض أمس، فضلاً عن المباحثات التي تدور على الساحة الدولية، سواء في نيويورك أو في بقية العواصم الكبرى، ينبغي أن تعمل كلها في اتجاه واحد.. وهو الضغط على النظام السوري لوقف سياسة "المراوغة"، وإرغامه على الوفاء بتعهداته التي قطعها أمام المجتمع الدولي.

-**-**-**-**-**-*-*

خطة أنان لا تحمل حلاً ولو لجمت العنف موقتاً .. وجهتا نظر للمعارضة حول الأزمة الطويلة .. روزانا بومنصف

2012-04-14

النهار

ينقل بعض المتصلين بأركان المعارضة السورية اقتناعهم بانه على رغم وضع الازمة السورية على جدول اولويات مجلس الامن والدول الكبرى، فان احدا لن يتولى الامور مكانهم من اجل نقل بلادهم من مكان الى اخر.. اذ لا ينظرون الى واقع ما يجري من ضمن ما يشيعه كثر وما ساهمت بعض التطورات في اضفائه من ان ما يجري يندرج في اطار صراع دولي اي اميركي روسي او اقليمي اي عربي ايراني بل هو ثورة داخلية على نظام تحكم بالوضع السوري لاكثر من اربعة عقود معيدين ما يجري الى واقع الثورة من ضمن الانظمة العربية التي فجرها الربيع العربي. وهذا الواقع لا ينفي احباطا لدى بعض فئات المعارضة من الاداء الدولي او العربي ازاء ما يجري في سوريا. اذ ان الولايات المتحدة هي اكثر من يتسبب بهذا الاحباط في ظل ما يعتقد انه تخل غربي حقيقي وفق ما يصفه هؤلاء عن دعم المعارضة السورية في مقابل تردد تركي لا يبدو واضح الاسباب على رغم الدعم الذي قدمته تركيا على صعد عدة وفي مقابل عدم انسجام الموقف العربي مما يجري في سوريا بين ما يعلن في شأنه وما ينطبق تنفيذه على الارض خصوصا ان بعض الزعماء العرب تحدثوا بلهجة قاسية جدا في الآونة الاخيرة وبدوا كأنهم يرفضون النأي الغربي عن دعم المعارضة السورية وتسليحها. الا ان ترجمة ذلك على الارض بدت بطيئة وغير متوافقة مع ما اعلن من مواقف حادة في هذا الاطار اقله وفق ما ينقل عن اركان في المعارضة.

خلاصة هذه المواقف ساهمت وفق ما تقول مصادر معنية في الموافقة على خطة المبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان من اجل هدنة في سوريا توقف اطلاق النار والعنف. الا ان لا اوهام حقيقية لدى المعارضة بان النظام سيلبي متطلبات الخطة بكل بنودها نظرا الى تداعياتها الخطيرة عليه علما ان هناك وجهتي نظر اساسيتين في هذا الاطار لدى المعارضة. احدى وجهات النظر هذه تفيد وفي ضوء ما جرى من فظائع على الارض وما تركت هذه الفظائع من آثار ان تطول الازمة السورية اولا لان خطة انان لا تحمل حلا سياسيا حتى الآن وان الحل الذي يقترحه النظام او اقترحه حتى الآن غير قابل للتطبيق بدليل البحث في ايفاد مراقبين دوليين لمراقبة وقف النار بين فريقين على الارض بمعنى ان النظام لم يعد وحده ممثلا للسوريين فيما الحل المطروح في حال كان هناك حل من جانب النظام هو وجهة نظر فريق لا يوافق عليه الفريق الاخر.

وتبعا لاصحاب وجهة النظر هذه فان غياب افق الحل السياسي حتى اشعار آخر وكذلك غياب اي اقتراحات جدية تتناول امكان انشاء مناطق عازلة او ممرات انسانية او ايضا تسليح المعارضة يفيد بانه لن يحصل اي شيء في المدى القريب او المتوسط بل ستبقى الامور في كر وفر تبعا لما يفتعله النظام من جهة ولما تعتقد المعارضة انها تستطيع تحقيقه من جهة اخرى عبر تنفيذ حق التظاهر الذي كفلته لها خطة انان. ولذلك يتخوف اصحاب وجهة النظر هذه من ان يؤدي طول مدة الهدنة النسبية في غياب اي حلول نتيجة الاقتناع بأن النظام لن يدخل اي حل يعتقد انه يمكنه تجاوزه وعدم التنازل فيه الى امتداد هذه الحال الى سنة او اكثر بقليل مع ترجيح احتمال ان تبرز مظاهر الحرب الاهلية اكثر فاكثر مع تداعيات خطيرة سبق للبعض ان ذكرها او اشار اليها اي اقامة كانتون علوي مستقل يضم اللاذقية وطرطوس وجبل العلويين من دون ان يعني ذلك تقسيم سوريا على غرار ما سعى البعض في ليبيا اخيرا الى القيام به.

اصحاب وجهة النظر الاخرى من ضمن المعارضة او بالاحرى المعارضة الاخرى غير المعارضة الاولى لا تعتقد بهذا الاحتمال التقسيمي وتستبعده حتى لو نشأت حرب اهلية كاملة المواصفات نظرا الى صعوبة تجمع ابناء الطائفة العلوية في الاماكن المذكورة. ويبدي هؤلاء اقتناعهم وفق ما ينقل عنهم بأن تنفيذ النظام السوري خطة انان وعدم اخلاله بها يحمل في طياته فرصا حقيقية وجدية لتحقيق المعارضة مكاسب لمصلحتها. اذ ان اضطراره الى وقف النار سينشط التظاهرات السلمية ضده مما يؤدي على نحو بديهي الى تحقيق المعارضة نقاطا ايجابية في خانتها وعودته الى اطلاق النار عليها سيؤدي الى تغيير في المواقف الدولية ضده واحراج حلفائه الدوليين كما سيحرج الولايات المتحدة والغرب عموما الذي تعتبر هذه المعارضة ايضا انه متقاعس وغير متحمس لمساعدة السوريين في وجه النظام لاعتبارات متعددة.

وفي الانتظار فان الوضع الصعب على الارض في سوريا ايضا مع احصاءات دولية تفيد عن حاجة اكثر من مليون سوري الى مساعدات انسانية فورية في حين يتم التداول في هروب اكثر من 40 الف مسيحي من حمص وحدها الى قرى داخل سوريا نتيجة التدمير الذي لحق بالمدينة الى جانب تهجير سوريين من طوائف اخرى الى الداخل والخارج ايضا فضلا عن بقاء الافرقاء على استنفارهم، كل ذلك يستمر في رسم علامات استفهام كبيرة حول المرحلة القريبة في سوريا من دون اجوبة واضحة.

-**-**-**-**-**-*-*

استراحة المحاربين في سوريا .. عريب الرنتاوي

الدستور

14-4-2012

قَبٍلَ النظام السوري بخطة كوفي عنان كارهاً...حيث أعلن التزامه بوقف إطلاق النار على مضض...ليس هنالك مشروع سياسي جدي لدى النظام لحل الأزمة السورية، ونأمل أن يكون قد وصل للاستنتاج بعد ثلاثة عشر شهراً من المواجهات الدامية، بأن طريق الحل الأمني / العسكري، غير نافذ وقد يودي بوحدة البلاد ويعصف بمصائر العباد.

التحدي الأكبر الذي سيواجه النظام في سعيه لتنفيذ الخطة، يتجلى بشقين: أمني، ويتعلق بالتأكد من عدم استخدام المعارضة المسلحة لوقف النار لتحقيق المزيد من الانتشار والتسلح والتدريب والتقاط الأنفاس...أما الشق الثاني، فسياسي، ويتجلى في الخشية من خروج ملايين السوريين، أو مئات الأولوف منهم، في تظاهرات مطالبة بإسقاطه، قَبِل السماح لها طالما أنها سلمية، بيد أنها كفيلة إن اندلعت بإلحاق ما عجزت المعارضة المسلحة عن إحداثه من خسائر في أوساط النظام، تفكيكاً لبنيته وإحكاماً لأطواق العزلة المضروبة من حوله.

النظام يريد وقف النار، ولكنه يريد أشياء أخرى إلى جانبه...هو لم يكف عن النظر للمعارضة كعصابات إجرامية مسلحة...وهو لن يقبل ببقاء جيوب ومناطق ومساحات من الأرض السورية تحت سيطرة المعارضة وسلطتها...وهو لا يريد أن يَجري التعامل مع المعارضة كندٍ للنظام، وفي ظني أن النظام سيجد صعوبة في “حفظ أعصابه” واستمرار الالتزام بالتهدئة...وقد تنهار “الهدنة الهشة” بأسرع ما يظن كثيرون، سيما وأن الاستفزاز والتحريض والتعبئة لن تتوقف من قبل خصومه، بل ربما تشهد تصعيداً أعلى من أية مرحلة مضت، ودائما بهدف إخراج النظام عن طوره.

في المقابل، المعارضة السورية المسلحة، أُنهكت واستُنزفت خلال العام الفائت...فقدت مساحات واسعة من مناطق سيطرتها ونفوذها...سقطت قلاعها الواحدة تلو الأخرى في أيدي النظام...وهي بحاجة لفرصة لالتقاط الأنفاس، ولملمة الصفوف وإعادة ترتيب نسقها القتالي لمواجهة المرحلة المقبلة...المعارضة المسلحة، لن تلقي السلاح، ولن تعود إلى “بيت الطاعة”...هي تريد فرصة إقليمية ودولية أفضل لتصعيد هجماتها وحسم المواجهة مع النظام، والتهدئة التي قبلت الالتزام بها، ليست سوى استراحة محارب، تعود بعدها أشد مضاءً إلى ميادين النزال والقتال، أو على الأقل هكذا يتمنى أنصارها ونشطاؤها.

لا أحد يريد التهدئة طائعاً...جميع الأطراف قبلت بها مكرهة...والجميع يريد أن يستثمرها إلى أقصى حد ممكن...وكل طرف يريد للطرف الثاني أن يبادر لخرقها، وأن يتحمل تبعات ذلك...النظام للمضي في خياره الأمني/العسكري الذي أظهر حتى الآن بأنه لا خيار آخر لديه....والمعارضة لاستعجال التسلح والعسكرة واستدعاء التدخل الدولي وفرض ممرات إنسانية وملاذات آمنة في العمق السوري.

لذا فإن “وقف إطلاق النار”، من وجهة نظر معظم الخبراء والمراقبين، ليس سوى “هدنة هشة ومؤقتة”...ويُعتقد على نظام واسع، بأنها سرعان ما ستنهار، لتعود الأطراف إلى المربع الأول للأزمة، ولكن بضراوة أشد وعنف أوسع نطاقاً.

واشنطن وموسكو تريدان التهدئة، ولكل منهما أهدافها ومراميها...الأولى، تريدها ل”تقطيع الوقت” حتى انتهاء موسم الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل...والثانية تستعجلها، للخلاص من أزمة أثقلت كاهل دبلوماسيتها واستنزفتها بالكامل، فضلاً بالطبع عن رهانات موسكو على إمكانية إفلات النظام من خطر السقوط أو المحاسبة والمساءلة على مصائر عشرة آلاف قتيل سقطوا حتى الآن في أتون الأزمة.

في المقابل، ثمة دول ثلاث، لا تبدو سعيدة بأي تقدم أو نجاح تحققه مهمة عنان...فهي ناصبت المبعوث وأفكاره الست، أشد العداء منذ اليوم الأول لتعيينه...قطر والسعودية، ما زالتا على عهدهما المؤيد للعسكرة والتسليح واستدعاء التدخل الدولي، فيما تقف أنقرة على عتبات استدعاء الأطلسي لفرض ممرات ومناطق عازلة، متذرعة باعتداءات الجيش السوري التي طاولت الأراضي التركية...الدول الثلاث، ضاقت ذرعاً بمهمة عنان، وهي تعمل على إحباطه، وليس مستبعداً أن يصدر أمر العمليات لبعض أطراف المعارضة المؤيدة لهذا المحور بخرق التهدئة...عندها ستتولى الماكينة الإعلامية، أمر تقرير من المسؤول عن الخروقات والانتهاكات، وإحاطته بكل ما يليق به من صور نمطية، اعتاد إعلام هذه الدول، على بثها وترويجها على أوسع نطاق ممكن.

كثيرون يريدون لمبادرة كوفي عنان أن تأخذ حيز التنفيذ قولاً وفعلاً...هؤلاء يخشون انزلاق سوريا إلى حافة الفوضى والفلتان والانقسام، مثلما يريدون أن يزيحوا عن أكتافهم وزر قضية جديدة، بعد أن ناخت رقابهم وأكتافهم، بأعباء القضية الفلسطينية، ولأزيد من مائة عام من الصراع.

وفي ظني أن مبادرة كوفي عنان، تشكل فرصة أخيرة، على تواضعها، للخروج بسوريا من نفق الأزمة المظلم...قلنا ذلك من قبل، وهو قول اكتسب مصداقية أعلى، بعد أن جنح فريقا الأزمة إلى خيار الحوار والتفاوض والمعالجة السلمية، ولو ظاهرياً على الأقل...نقول ذلك من منطلق الإيمان الشديد، بأن مبادرة كوفي لا تمتلك حظوظاً قوية تستند إليها، وأن تحوّلها إلى “فرصة أخيرة لسوريا” تستوجب الكثير من النيات الحسنة، على ضفتي الانقسام السوري، فهل تتغلب النوايا الطيبة والمصلحة العليا، على الحسابات الأضيق محلياً والمطامع الأبشع إقليمياً ودولياً...سؤال لن يطول انتظارنا لمعرفة جوابه.

التاريخ : 14-04-2012

-**-**-**-**-**-*-*

لن تتوقف آلة القتل .. ياسر الزعاترة

الدستور

14-4-2012

ليس ثمة عاقل كان يتوقع أن يوقف بشار الأسد آلة القتل الدموية؛ التي تمعن قتلا في الشعب السوري على خلفية الاستجابة المعلنة لخطة المبعوث العربي والدولي (كوفي أنان)، وهي الاستجابة التي تأتي نتاج قناعة النظام بقدرته على المناورة وكسب الوقت خوفا من خسارة الحلفاء الدوليين الذين يحرجهم تعنته واستمراره في برنامج الحل الأمني.

ثمة جانب بالغ الأهمية في مبادرة كوفي أنان يؤكد أن النظام لن يستجيب لها بأي حال. إنه ذلك المتعلق بإخراج الجيش من المدن والسماح بالاحتجاج السلمي، وهو جانب لو طبقه النظام لتدفق الملايين إلى الشوارع وتدحرجت الأوضاع نحو نهايته الحتمية.

يدرك النظام أن ما تروجه أبواقه حول الأقلية المعارضة والأكثرية المؤيدة، وحول الطبقة المتوسطة في دمشق وحلب ما هو إلا هراء في هراء، وأن ما يحول بين الناس وبين النزول إلى الشوارع بالملايين ليس سوى الخوف من الموت، وقبله الاعتقال الذي يبدو في ذاكرة السوريين أسوأ بكثير من الموت، وإلا فأين سكان حماة الذين خرجوا عن بكرة أبيهم قبل شهور، ولماذا لم ينزلوا بذات الزخم بعد ذلك، بينما كان شبابهم الثائر يكتفي بمسيرات محدودة، وإن تكن كثيرة العدد نهارا وليلا (يوم أمس خرج مئات الآلاف في مسيرات متفرقة رغم بقاء الجيش في الشوارع)؟!

لقد عوَّل النظام منذ البداية على عسكرة الانتفاضة الشعبية، الأمر الذي يسمح له بمواصلة القتل اليومي الذي يحول بين الناس وبين المشاركة الجماهيرية الواسعة في الثورة، مع ركون إلى قوته وقدرته الأمنية التي تمنحها إيران بخبرائها وأسلحتها ومالها مزيدا من القوة.

وفي سياق المبادرة والتعاطي معها كان النظام ولا يزال يعول على استمرار الأعمال العسكرية من طرف المجموعات المسلحة، الأمر الذي يبرر مضيه في برنامج القتل، وهي فكرة لم تكن مجدية بعد أن أعلن الجيش السوري الحر التزامه بوقف النار، فيما كان المشهد مختلفا في الجانب الآخر الذي واصل آلة القتل، بما في ذلك يوم أمس الجمعة، مع قناعة الجميع بأن من العبث مقارنة مجموعات مسلحة بأدوات بسيطة مع جيش يقصف المدن بالمدافع الثقيلة والدبابات، والمشاهد التي تبث في الإنترنت تشير إلى حرب حقيقية لا تبررها المواجهة مع شبان يحملون الأسلحة الخفيفة، لاسيما أن كل الكلام الذي قيل عن التسليح لا زال حبرا على ورق، إذ لم يحصل الجيش السوري الحر على أسلحة قادرة على صنع مواجهة تنطوي على قدر ولو محدود من التوازن. ولا خلاف على أن النظام السوري باختراقاته القوية في قوى المعارضة، بما فيها المسلحة، يدرك أن هناك مجموعاتٍ ليست تابعة للجيش السوري الحر ولا تأتمر بأمره، يمكن استغلال وجودها في ترويج مقولة المواجهة مع مجموعات إرهابية وليس انتفاضة شعبية.

اليوم يتأكد العالم أجمع أن القتل هو من صنع النظام، وأن الجزء الأكبر من الثورة لا زال سلميا، ولا يعرف إن كان فشل مهمة كوفي أنان سيؤثر في خريطة المواقف الدولية، أم ستبقى على حالها، لاسيما الدعم الروسي والصيني للنظام، مع رفض غربي لتسليح المعارضة، الأمر الذي يؤثر بدوره على الموقفين العربي والتركي.

لا حل أمام هذه المعضلة سوى استمرار التعويل على الذات، مع ما يتيسر من دعم خارجي، الأمر الذي ينبغي أن يترجم في فعاليات شعبية أكثر قوة في الداخل، مع استهداف بنية النظام الأمنية (إذا لم يتوقف القتل) في معركة استنزاف ستؤدي إلى انهياره مهما طال أمدها. وهنا نتوقع أن يبادر السوريون إلى مظاهرات حاشدة مع تراجع حدة القتل خوف ردود الفعل الدولية، الأمر الذي بدأ أمس الجمعة، ويمكن أن يستمر بعد ذلك لإثبات رفض النظام للخطة وعدم التزامه ببنودها.

لن يقبل السوريون بعد كل هذه التضحيات بحكم بشار الأسد وبنيته الأمنية والطائفية، ومن يعتقد ذلك واهم إلى حد كبير، وهذه الجحافل من الشبان الذين يخرجون بوجوههم المكشوفة لم يعد أمامهم غير استمرار القتال حتى الشهادة أو الانتصار.

التاريخ : 14-04-2012

-**-**-**-**-**-*-*

كيف يصل المتظاهرون السوريون إلى الساحات وهي محاطة بالجيش والأمن والشبيحة ؟ .. ليث الشريف'

2012-04-13

القدس العربي

لماذا لا يملأ المتظاهرون السوريون الساحات في المدن الرئيسية كدمشق وحلب ؟ سؤال طرحه أحد شبيحة النظام السوري ليستدل على عدم وجود ثورة في سورية.

فمنذ بداية الثورة في الخامس عشر من آذار العام الماضي حرص النظام السوري على عدم إتاحة الفرصة أمام المتظاهرين ليصلو ا إلى أي ساحة كنوع من الاستفادة من الثورات التي اندلعت في بلدان سبقته كتونس ومصر، حيث كان للميادين والساحات كلمة الفصل في هذا الموضوع..

وأظهرت التسريبات التي نشرتها صحيفة 'الغارديان' البريطانية أن النظام يتلقى النصائح من أحد المقربين منه ويدعى حسين مرتضى - وهو صحفي يعمل في تلفزيون العالم الإيراني - لإحتلال الساحات العامة، قبل أن يصل إليها المتظاهرون .

فمن درعا مهد الثورة السورية حاول المتظاهرون الاعتصام أمام الجامع العمري، حيث لم يطل مكوثهم هناك بعد أن توجه إليهم الجيش بقضه وقضيضه.... وقتل النظام عشرات الأشخاص حتى استطاع إخلاء ساحة درعا البلد من المعتصمين.

ساحة الساعة الشهيرة في حمص بن الوليد والتي تم تحويلها إلى ساحة الحرية، كانت أولى الميادين التي تم الاعتصام فيها فعليا، ولم يستطع الناظم إخلاءها إلى بعد مجزرة راح ضحيتها نحو أربعة عشر متظاهرا، وهذه المجزرة مصورة وموجودة على اليوتيوب لمن أراد التحقق.

في دمشق حاول المتظاهرون عدة مرات الوصول إلى ساحة العباسيين لكن دون جدوى، نتيجة وجود أعداد كبيرة من الأمن والشبيحة في تلك الساحة التي يوجد فيها ستاد العباسيين الدولي، والذي أصبح بدوره ملعبا ولكن للأمن والجيش، بعد أن تم منع اللعب فيه، حتى يتم داخله فرز المعتقلين على الفروع الأمنية، وفي أحد المرات حاول أهالي حي جوبر الدمشقي المجاور للعباسيين الوصول إلى الميدان، ولكن أيضا وقعت هناك مجزرة راح ضحيتها عدة أشخاص، والمجزرة موثقة بفيديو على اليوتيوب ....

والساحة الأخرى الكبيرة في دمشق هي ساحة الأمويين وهي بطبيعة الحال محاطة بكثير من الثكنات العسكرية، منها قيادة الأركان، كونها يوجد فيها الإذاعة والتلفزيون، وبالإضافة إلى هذا يتواجد فيها أيام الجمعة عدد كبير من الشبيحة الذين يتجمعون في أرض ملعب دمشق الدولي القريب جدا من تلك الساحة، فكيف باستطاعة المتظاهرين العزل الوصول إلى هكذا ساحات ؟!.

المحافظتان اللتان الوحيدتان اللتان تم فيهما الاعتصام في الساحات هي حماة ودير الزور، ففي ساحة العاصي بمدينة أبي الفداء التي تجمع فيها مئات الآلاف قبل أن يقتحم النظام حماة في بداية شهر رمضان المبارك وسقط حينها نحو ثلاثمئة شهيد في ثلاثة أيام، وكذلك حصل في دير الزور شرق سورية ليسقط عشرات الشهداء.

هذا التضييق على المتظاهرين، وتقطيع أوصال المدن بالحواجز دفع الثائرين للتجمع في الأحياء الفرعية والقرى كل على حدا،حتى تجمع في سورية أكثر من سبعمئة نقطة تظاهر، وبلغ عدد المتظاهرين في أحد الجمع حوالي أربعة ملايين حسب رويترز، حري بهكذا ثورة أن لا تستطيع قوة في العالم القضاء عليها....

وإذا كان أبواق النظام السوري يتبجحون بعدم وصول الناس إلى الساحات،فليسمحوا بالتظاهر السلمي ويدخلوا وسائل الإعلام العالمية لتغطي دون قيد أو شرط، فالمتظاهر السوري هو مشروع شهيد أو معتقل أو مصاب، يعني ببساطة من يتظاهر هو فدائي بكل ما للكلمة من معنى، ما دفع بعض المراقبين ليقول إن المتظاهر السوري الواحد يعادل مئة أو أكثر في غير ظروف وغير بلدان ....

' كاتب سوري

-**-**-**-**-**-*-*

أفكار الأمم البسيطة في سورية المعقدة .. مالك التريكي

2012-04-13

القدس العربي

انهزم الحزب الاشتراكي الفرنسي في الانتخابات البرلمانية عام 1993، فاضطر الرئيس فرانسوا ميتران، قبل عامين من انتهاء ولايته الأخيرة، إلى تقاسم السلطة مع حكومة يمينية برئاسة ادوارد بالادور. كانت تلك تجربة 'المساكنة' الثانية بعد مساكنة أولى، من عام 1986 إلى 1988، مع حكومة جاك شيراك. وقد كانت النقاشات تتركز آنذاك حول ما إذا كان ادوارد بالادور سينجز وعده لرفيق دربه جاك شيراك بعدم منافسته على أصوات اليمين في انتخابات الرئاسة عام 1995، وحول ما إن كان السياسي الاشتراكي المرموق، رئيس المفوضية الأوروبية، جاك ديلور سيلبي رغبة صديقه ميتران في أن يكون هو حامل لواء الحزب الاشتراكي. وبينما كنا يوما خائضين في هذا النقاش: من سيكون الفائز، شيراك، أم بالادور، أم جوسبان؟ بينما كنا كذلك، إذا بصديق صحافي سوري من الظرفاء يقول: لا تتعبوا أنفسكم في كثرة التحليلات والتكهنات، فإنها لن تكون إلا من نصيب... باسل!

كان باسل الأسد آنذاك ابن أبيه. كان ملء السمع والبصر. أمل سورية المستقبل وزعيمها المنتظر. إلا أنه ما لبث أن كان، منذ أوائل عام 1994، من القصة ما تعرفون، ومنذ منتصف عام ألفين من الإصلاح والانفتاح على يدي شقيقه ما تشهدون. لهذا لن يكون من الصعب التنبؤ بهوية الفائز بانتخابات الشهر القادم في فرنسا. إذ يمكن من اليوم الجزم بأنها لن تكون إلا من نصيب بشار... ذلك أن الأكيد أن مستأجر قصر الاليزيه الجديد، أيا كان، سوف لن يأتي إلا وبشار جالس في مكانه الرئاسي لا يريم. هذا، على ما يبدو، هو ما انقشع عنه غبار 'اللعبة الكبرى': لعبة الأمم المنهمكة في أزماتها الدائمة وانتخاباتها الدوارة، والمنشغلة بنفطها (اللاموجود هنا) وبإسرائيلها التي رأت في ما يرى النائم شعوبا وقبائل من الأعداء الأصوليين الزاحفين، فصاحت بأمم الغرب التي أجفلها فرط الانفلات الشعبي: أن 'تمسكوا بمشؤومكم لا يأتينّكم من هو أشوم منه'.

ولأن هذه الأمم 'متحدة' في تكرار الإنذار تلو الإنذار الدبلوماسي، وفي عدم التفريق بين حالات تقرير المصير، ليبية كانت أم كوسوفية أم سورية أم بحرينية، ولأنها عليمة بأن عنان رجل طيب في المنصب وأنه أطيب خارجه، فقد أوكلت إليه أمر خوض معركة تربيع الدوائر منفردا بعد أن دججته بأحدث جيل من أسلحة 'الأفكار البسيطة في الشرق المعقد': ما عليك إلا أن تستحلف كل من صادف أنه مستعد لأن يحلف... على ألا تتأخر في استخلاص النتائج إلا بقدر ما يلزم من وقت لكتابة التقرير وترجمته إلى اللغات المعتمدة.

ولا ينتاب هذه الأمم قلق مبالغ فيه بشأن 'السلام والأمن الدوليين' إلا من احتمال وحيد، هو أن تهاجم دولة القنبلة النووية الافتراضية دولة الرؤس النووية الفعلية التي لا تعدّ حتى لا تحصى. ذلك أن الدولة الأولى تلتزم بقواعد لعبة حظر الانتشار النووي التزاما منقوصا وربما تظهر غير ما تضمر لمستقبل وشيك جدا- مستقبل بلغ من شدة قربه أن 'الخبراء' ثبتوا منذ عام 1999 على الإنذار بأن القنبلة الإيرانية سوف تنتج في غضون عام أو عامين على أقصى تقدير. أما الدولة الثانية، فإن الحكم سعيد هانىء بأنها تزدريه كل الازدراء لأن لديها عذرا غير قبيح، هو أنه لا علم لها بوجود لعبة حظر الانتشار هذه أصلا، ناهيك عن التزام قواعدها واجتناب محرماتها.

كما لا ينتاب 'المجتمع الدولي' قلق زائد عن الحاجة بشأن الاستقرار الإقليمي، باعتبار أن الضغوط الدبلوماسية سوف تفعل فعلها. وإن لم يكف ذلك، فإن سلاح العقوبات الاقتصادية سوف يحدث الأثر المطلوب بنفس النجاعة المجربة مرارا وتكرارا على مدى عقود وعقود، خصوصا في كوبا وفي كوريا الشمالية. ولعل مما يعزز هذا الاعتقاد المسطح تسطيح الأرض ما قبل الكوبرنكية أن العقوبات تشمل هذه المرة ما لا يمكن أن تقوم للطغم الحاكمة معه قائمة: حرمان الأمهات والزوجات من متعة الحج إلى 'بلد الجن والملائكة' وما جاوره أو شابهه من بلدان الإدمان على الأفراح والمسرات!

ورغم أن حلف الأطلسي لم يعد متحالفا إلا مع رغبة كبار القوم في عدم الانجرار إلى تدخل عسكري تنادي بوجوبه تركيا الفتاة، فإنه لا يزال تاركا أمر إطلاق التصريحات مفتوحا على نقائض الاحتمالات، حتى بلغ الأمر بالمؤرخ البريطاني تيموثي غارتون-آش أن يقول إن القوى الغربية قد استسلمت و'أسلمت سورية إلى مصير عثماني'.

========================

المعجزة التي ينتظرها السوريون .. علي الشهابي*

السبت, 14 أبريل 2012

الحياة

بعدما يفشل أنان في مهمته، وهو سيفشل، سينفتح الباب أمام بداية ترتيبات التدخل العسكري الغربي في سورية. هذا ليس تبشيراً للراغبين بهذا التدخل لإسقاط النظام، ولا تحذيراً لرافضيه، ناهيك عن محاولة تخويف النظام. لكنه المنطق الذي ستندفع الأمور باتجاهه بفعل النظام. وأهم ما يشجعه على ذلك انه ينظر إلى الوقائع، ويتعامل مع مجريات الأمور، بالطريقة التي يرغب بها ان تكون. فهو يبني كل سياسته على بداهة أن الغرب لن يتدخل عسكرياً، ومثل هذه البداهة بلاهة.

صحيح أن كل السياسيين والعسكريين الغربيين أكدوا انهم ليسوا بوارد التدخل العسكري في سورية من دون قرار من مجلس الأمن، وأن موسكو أكدت أنها لن تسمح بصدوره. لكنّ اليقين بأن هذا الوضع نهائي سذاجة. فبعدما منعت موسكو مجلس الأمن من اتخاذ أي قرار يتيح له التدخل السياسي في سورية، عادت وسمحت له أن يسرح ويمرح سياسياً من الباب الإنساني – مهمة أنان. ليس هذا فحسب، بل إنها توافقت مع الغرب على إرسال ما يشبه الإنذار إلى النظام السوري «يطلب مجلس الأمن من المبعوث (أنان) أن يطلع المجلس بانتظام، وفي الوقت المناسب، على ما يحرزه من تقدم في مهمته. وعلى ضوء هذه التقارير سينظر مجلس الأمن باتخاذ تدابير أخرى». هذا ما نصّ عليه البيان الرئاسي لمجلس الأمن حول سورية في 21/3/2012، وبالتالي باتت الأمور رهناً بنتائج مهمة أنان، هذه التي ستنجم عن كيفية تعاطي النظام معها.

تنطلق هذه المهمة من بداهة شرعية النظام، لأنها دخلت على خط الأزمة السورية من الباب الإنساني، لكنّ تفاصيلها السياسية تنتقص من هذه الشرعية. وكلما تعاطى معها في شكل إيجابي، كلما أوغلت في انتقاصها منها. مثلاً، ما أن وافق النظام على خطة انان، حتى سارع مجلس الأمن إلى إصدار بيان رئاسيٍ ثانٍ في 5 نيسان (أبريل) يطالب فيه النظام أولاً بوقف تحركات الجنود نحو المراكز السكنية، وثانياً بإنهاء استخدام الأسلحة الثقيلة فيها، وأخيراً الشروع بسحب الحشود العسكرية من المراكز السكنية وحولها. كل هذا مطلوب تنفيذه بما لا يتعدى 10 نيسان، فماذا سيفعل النظام؟

الكل يتمنى أن يتوصل إلى الاتفاق مع المعارضة على كيفية إنهاء ديكتاتوريته من خلال تحديد جدول زمني للاجراءات المطلوب تنفيذها في المرحلة الانتقالية، وفي مقدمها حل الأجهزة الأمنية. ما يعني أن يقتنع بأن السوريين مصممون على جعل سورية بلداً ديموقراطياً، وأن يتعامل فعلاً بحسب هذه القناعة. لكنّ سلوك النظام ليس فيه ما يسند هذه الأمنية. فقد رأيناه، طوال عام كامل، يصب جهده في اللعب على حبال التناقضات الدولية التي بدأ ملعبها يضيق. وفي هذه الأثناء كان يعتمد الحل الأمني – العسكري، ويسوّف بخطوات الانتقال إلى الديموقراطية من خلال وضعه العربة أمام الحصان. هذا ما قام به بإجراءاته الثلاثة البارزة، التي كان القصد منها الإيحاء بأنه يعمل على جعل سورية بلداً ديموقراطياً. فأصدر أولاً قانوناً جديداً لللانتخابات، ثم قانوناً لتشكيل الأحزاب وختمها بتغيير الدستور.

سأتغاضى عن كونه هو وحده الذي يُصدر ويُغيّر، ما يضمر أنه يتعامل وكأنه الممثل السياسي الوحيد لكل السوريين. لو أن الأمر كذلك، ما الداعي إذاً للديموقراطية السياسية؟ على كل حال لنعاين الاجراءات.

من الطبيعي أن تتناقش الأحزاب بقانون الانتخابات وتتفق عليه، لأنها معنية بالانتخابات ونتائجها. فشكل القائمة والدائرة الانتخابية يؤثران في نتيجتها. لكنّ النظام، باعتباره ممثلاً لحزب البعث، لا يريد أن يناقش اي حزب معارض بهذا القانون حتى لو كان الأخير تتوافر فيه المواصفات المطلوبة للترخيص ويوافق على شروط النظام. ما يعني أنه كان يتعين على النظام إصدار قانون الأحزاب قبل قانون الانتخابات. وكذا الحال مع قانون الأحزاب: لقد أصدره في ظل الدستور القديم، الذي تنص مادته الثامنة على أن حزب البعث قائد الدولة والمجتمع. وبالتالي، كل حزب تقدم للحصول على ترخيص رسمي من الطبيعي أنه موافق على ذاك الدستور. ما يعني أن عليه تقديم فروض الطاعة للنظام قبل أن يعترف النظام بشرعيته. فلو كان يزمع السير بسورية على طريق الديموقراطية، ولو بطريقته، لعكس هذا التسلسل بتغيير الدستور اولاً.

هذا الشكل من وضع العربة امام الحصان ليس صدفة، ولا نتاج قلة خبرة. وإنما هو سياسة مدروسة كي يظل النظام «يتكرر، من دون ان يتغير» على حد تعبير مهدي عامل. لكل هذه الأسباب، ستحدث معجزة إن التزم النظام بتطبيق الخطة التي أناط مجلس الأمن بالسيد أنان مهمة رعايتها والإشراف على تنفيذها.

عندما جاء المراقبون العرب، خرج المزيد من السوريين إلى الشوارع. هذا ما قاموا به ليس فقط تعبيراً عن احتجاجهم على النظام، بل الأهم كي يرى المراقبون أنهم يحتجون وكيف يتعامل النظام مع احتجاجاتهم. هذا ما فعلوه امام مراقبي الجامعة العربية، التي يعلمون أنها بلا أسنان. وقتها اضر بقضيتهم، جزئياً، وجود بعض المسلحين بينهم ل «حمايتهم». فهل سيحتمل النظام تدفق مئات الآلاف إلى الشوارع أمام المراقبين الدوليين، في ظل الغياب التام للسلاح والمسلحين؟ وهل سيقبل النظام التفاوض مع المعارضة في ظل وجود هذه الآلاف في الشوارع؟ هذه هي المعجزة التي ينتظر حدوثها الجميع.

* كاتب سوري

-**-**-**-**-**-*-*

ما بعد وقف إطلاق النار .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

14-4-2012

الجديد في المشهد السوري الدامي وجود مبعوث دولي، وبالتالي يفترض أننا أمام احتمالين؛ نهاية العنف والقبول بحل سلمي، أو استمرار القتل والعودة للمواجهات بين النظام والشعب. هذا من الناحية النظرية، أما على أرض الواقع، فإننا أمام احتمال واحد فقط وإحدى نتيجتين. مبادرة المبعوث كوفي أنان ستفشل في وقف القتل، والنتيجة إما أن يقتنع المجتمع الدولي بأن النظام رافض وبالتالي يجيز التدخل لإنهاء المأساة، أو يستمر الانقسام الدولي بسبب وقوف الروس إلى جانب بشار الأسد ومعظم العالم يقف متفرجا على شعب يُذبح. والثاني هو الأرجح.

لا أحد يعتقد بجدية وقف إطلاق النار، ولا أحد يصدق به، بما في ذلك صاحب المبادرة نفسه مندوب الأمم المتحدة كوفي أنان، وسرعان ما ستنهار الهدنة والمبادرة لاحقا.

لو كان النظام جادا في التفاوض كان بإمكانه أن يفعل ذلك وهو يطلق النار، وكان الأرجح أن يهدي المهمة لحليفه الروسي لا لمندوب أممي. أما لماذا قبل المبادرة فذلك فقط للاستمرار في كسب المزيد من الوقت، وتدوير دعوى الجماعات المسلحة لتبرير الحرب من جانبه، وتخفيف الضغط عن حليفته موسكو.

أما أهمية مبادرة أنان، فإنها قد تكون آخر المبادرات، إلا من واحدة أخيرة، وهي مبادرة إنقاذ النظام إذا حاصر الثوار العاصمة دمشق، هنا تصبح جادة، والنظام هو نفسه من سيدعو إليها. مسألة تعتمد على قدرة السوريين على الاستمرار في مظاهراتهم، وقدرة الثوار على تغيير ميزان المعركة، أمران يصعب أن نقدر كم سيستغرقان من الوقت، لكننا بكل تأكيد أمام شعب لا يكلّ، على الرغم من جسامة الثمن.

أما مبادرة أنان، فمجرد وسيلة أخرى تخدم النظام وحده، حيث يظهر أنه قبل بها، وتعاون معها بتخفيف المواجهات، وسيسعى لترويج مزاعمه بوجود جماعات مسلحة منتشرة تدعمها دول الخليج والغرب. ولا قيمة للمبادرة طالما أن الموقف الروسي واضح وصريح بأنه سيستخدم الفيتو ضد أي قرار يدين الأسد.

ولهذا يتبقى على المجموعة الدولية التي تدرك مخاطر الأزمة السورية على المنطقة والعالم، وتلك التي تشعر بآلام الإنسان السوري وتريد وقف المجزرة، أن تعرف أنه لا يوجد سوى حل فاعل واحد، وهو دعم الثوار السوريين والتعجيل بإنهاء المأساة. النظام لن يقف حتى يخسر، هذه حقيقة جلية. يشعر أنه الآن قادر على استخدام أكثر من نصف مليون من قواته الأمنية والعسكرية وأسلحته الثقيلة، بما فيها الطائرات المقاتلة والمروحيات والدبابات لقصف المدن دون رادع.

لو نظرنا في علاقة المبادرات السابقة، والوساطات المختلفة، بتصرف النظام، نجد أنها منحته ثقة في نفسه برفع مستوى العنف والقتل. فهو في البداية كان يستخدم الشبيحة، وهي جماعات مرتبطة بالنظام تشارك في المواجهات بملابسها المدنية حتى لا يقع لوم القتل على النظام. ثم صار يسمح لقواته الأمنية بالمشاركة في إطلاق النار علانية. ولاحقا استدعى الجيش ونشره في المدن والأرياف بعد أن كبر حجم المظاهرات، وبلغت في بعضها أكثر من نصف مليون، كما حدث في حماه. بعدها، صار مشهد استخدام الدبابات والمدافع في قصف الأحياء المدنية عاديا يمارس بشكل شبه يومي في مناطق مختلفة من البلاد. وحديثا، زاد النظام من قوة النيران، فلجأ إلى استخدام المقاتلات الحربية وطائرات الهليكوبتر. السبب أن النظام كان يخشى في البداية من عواقب التدخل الدولي، وأمامه سوابق مثل البوسنة وليبيا. وبعد أن وجد أن الروس والصينيين مستعدون للدفاع عنه في مجلس الأمن، مهما استخدم، لم يعد يبالي بنوعية الأسلحة وضخامة المجازر التي ترتكبها قواته.

وعلى الرغم من أنه استخدم كل درجات العنف لأكثر من عام، فإننا نرى فشله في كبح جماح الثورة، وبالتالي النظام يطيل من عمره فقط ولا يديم بقاءه. وإطالة الأزمة ستنجح في نشر الفوضى في البلاد، وهي الذريعة التي تتذرع بها الكثير من الدول لتبرير الامتناع عن التدخل، في حين أن عدم التدخل أو عدم دعم الثوار في الحقيقة يتسبب في إطالة الأزمة ودخول جماعات فوضوية، مثل الجماعات الجهادية وغيرها.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com