العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22/01/ 2012


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

مجلس الأمن واستغاثات السوريين .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عارضت كل من روسيا والصين مشروع قرار دولي في مجلس الأمن حول سوريا، وفشل المجلس في إصدار قرار يدين نظام بشار الأسد ويحمِّله المسئولية عن الجرائم والمجازر التي يرتكبها بحق شعبه الأعزل، ولحفظ ماء الوجه قدمت موسكو في منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) مشروع قرار يدين أعمال العنف في سوريا من قبل الحكومة والمعارضة على حد سواء(...!!) ورفضت الدول الغربية نص هذا القرار لأنه لم يكن قويا بما يكفي، ودعت الولايات المتحدة الأمريكية روسيا للتخلي عن مبادرتها ودعم قرار دولي أكثر حزما تجاه النظام السوري، لكن الروس اعترضوا على مسودة القرار الذي صاغته واشنطن وعدة دول أوروبية، ثم خفتت الأصوات الدولية المطالبة بتدخل مجلس الأمن لوضع حد لأعمال العنف وإراقة الدماء في سوريا، على أن تُدْعَم جهود جامعة الدول العربية من أجل إيجاد حل عربي لهذه الأزمة.

وقد أعطَت الجامعة النظام السوري المهلة تلو المهلة للاستجابة للمبادرة العربية بوقف العنف وسحب الأسلحة والمدرعات والدبابات والعربات المصفَّحة وكافة الجنود والآليات العسكرية من الشوارع وعودتها إلى ثكناتها، وبعد تسويف ومماطلة وثمانِ مُهل عربية (...!!!) وافقت الحكومة السورية على المبادرة العربية ووقَّعت بروتوكولها، ودخلت بعثة المراقبين العرب إلى الأراضي السورية، لكن نظام الأسد حدَّ من حركتها وتدخَّل في عملها، فلم تتمكن من أداء دورها، بل قتَلت السلطات السورية في غضون أسبوعين من بدء بعثة المراقبين عملها أكثر من خمسمئة متظاهر سوري، وتَواصَل مسلسل العنف والقتل اليومي وإراقة دماء السوريين، والجامعة العربية عاجزة تماما عن القيام بأي شيء يحمي الناس من الذبح، وكأن دورها كان منح الغطاء الرسمي العربي لنظام الأسد وزبانيته لارتكاب المزيد من المجازر البشعة والمذابح المروِّعة بحق شعبه!!

 

حدث كل هذا والشعوب العربية والإسلامية في صمت قاتل كصمت القبور!! وبعد خذلان الأشقاء العرب لهم، والغياب التام للعالم الإسلامي عن قضيتهم لم يجد السوريون سوى أن يستصرخوا مجلس الأمن الدولي ويطلبوا منه التدخل الجاد والسريع لإنقاذهم من براثن نظام الأسد الطائفي الذي يسومهم سوء العذاب منذ أحد عشر شهرا، حيث قَتل منهم الآلاف واعتقل وشرَّد عشرات الآلاف، ولا زال سادرا في غيِّه ويواجه المتظاهرين السلميين بمنتهى الوحشية، ويقتل منهم العشرات يوميا ويحصد أرواحهم بدم بارد وكأنهم مجموعة من الصراصير وليسوا بشرا من حقهم الحياة بحرية وكرامة كبقية البشر!!

 

وقد أدان وزير الخارجية الفرنسي (آلان جوبيه) مؤخرا صمت مجلس الأمن الدولي حيال سوريا معتبرا أن الوضع أصبح لا يحتمل؛ فالمجزرة مستمرة وكذلك صمت مجلس الأمن الدولي مستمر!! وأعرب الوزير الفرنسي عن رغبته في أن تكتب الجامعة العربية تقريرا موضوعيا عن الوضع في سوريا وترفعه قريبا إلى مجلس الأمن.

 

 ودعا (بان كي مون) الأمين العام للأمم المتحدة بشار الأسد للتوقف عن قتل أبناء شعبه، ونصحه قائلا: "إن الذين يمارسون السلطة بالقوة أو بالإكراه إنما يعجِّلون بسقوطهم. فعاجلا أم آجلا ستتخلى عنهم شعوبهم" وحث (بان كي مون) مجلس الأمن الدولي على التصدي للأزمة في سوريا، آملا أن يتناول الأوضاع السورية بطريقة متماسكة وبتقدير سليم لخطورة الموقف هناك!

 

ومن جانبه أكد وزير الخارجية الألماني (فيستر فيلي) أن ألمانيا تواصل سعيها بقوة من أجل استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي  بشأن سوريا، معتبرا أنه في ضوء التطورات الأخيرة من الضروري جدا أن يقوم مجلس الأمن بإرسال إشارة واضحة لنظام الأسد.

 

وحقيقة لا نفهم سر تأخر مجلس الأمن حتى الآن عن القيام بعمل ناجز لإنقاذ الشعب السوري من بطش نظام البعث الحاكم، فإذا كانت الجامعة العربية لأسباب كثيرة قد أخفقت عمليا طوال هذه الأشهر وفشلت فشلا ذريعا في حماية آلاف الأبرياء في سوريا من القتل اليومي بالعشرات ـ فما مبرر السكوت الدولي المشين على هذه الجرائم الوحشية التي يرتكبها بشار الأسد وزبانيته بحق شعبه الأعزل؟! وما الذي يمنع مجلس الأمن من التحرك الجاد والسريع؟! وهل هو في حاجة إلى دعوة من أحد للتدخل لوقف نزيف الدم السوري؟! أليس السوريون بشرا كغيرهم من سكان هذا الكوكب؟! أليسوا جزءا من البشرية التي أُسِّسَت الأمم المتحدة ومجلس الأمن لحمايتها؟! فإلى متى سيظل مجلس الأمن يكيل بمكيالين؟! ففي الوقت الذي استنفر هذا المجلس كل طاقاته للتدخل السريع في مناطق عديدة من العالم نراه يتراخى ويتلكأ ويتباطأ إذا ما كان الأمر يتعلق بإسرائيل من قريب أو بعيد!!

 

نفهم أن مصالح إسرائيل تقتضي بقاء نظام الأسد حاكما في سوريا؛ فقد أثبت هذا النظام العميل على مدى عقود أنه صمام أمان لدولة الكيان الصهيوني، ويكفي دليلا على ذلك أنه لم يطلق رصاصة واحدة منذ أربعين عاما لتحرير الجولان السوري المحتل، لكن ما ذنب الشعب السوري أن بلاده تجاور إسرائيل؟! وما الضرر الذي سيلحق بدول العالم لو سقط نظام الأسد الفاشي المستبد الذي يقمع شعبه ويقتله يوميا منتهكا كافة مواثيق حقوق الإنسان الدولية صباح مساء؟! ثم أليس السوريون بشرا من حقهم التمتع بهذه الحقوق كغيرهم؟! أم أن حماية أمن وسلامة إسرائيل أهم وأولى عند مجلس الأمن من إنقاذهم؟!

 

وربما قال قائل إن تشابك المصالح الدولية والإقليمية وارتباك الوضع الإقليمي الراهن هو السبب في تعقيد الأزمة السورية، فمن جهة هناك قلق إسرائيلي من سقوط نظام الأسد ـ الذي يوفر عمليا الأمن لإسرائيل بعيدا عن جعجعة المقاومة والممانعة ـ ومجيء نظام إسلامي يغامر بفتح جبهات القتال، ومن ناحية أخرى هناك مصالح حيوية للغاية لروسيا في الشرق الأوسط، وهي تضمن هذه المصالح بتحالفها الاستراتيجي مع نظام الأسد، وبالطبع فلن يتخلى الروس عن الأسد بسهولة ما لم يضمنوا تحقق مصالحهم تلك بشكل أو بآخر، ومن ناحية ثالثة هناك التحالف القوي بين إيران وسوريا وحزب الله في ظل التركيبة الطائفية والعرقية لدول المنطقة، وأي هزة في التوازن الهش والهدوء الظاهري الحرج بين هذه المكونات من شأنه تأجيج نيران الفتن الطائفية، وإشعال حروب أهلية مروعة، وجر المنطقة بأسرها إلى حرب شاملة ومدمرة!!

 

وهذا الكلام رغم وجاهته وأهميته إلا أنه مردود عليه، فبداية لا شأن للشعب السوري المسالم بكل هذه الحسابات السياسية المعقدة فكل ما يطلبه هو أن ينال حريته ويعيش حياة حرة كريمة كغيره من الشعوب، وقد أكدت المعارضة السورية مرارًا نضج مواقفها السياسية، فهي لا تتحرك على أية أسس طائفية، ولا تنطلق من قناعات أيدولوجية متشددة، وتدعو إلى الوحدة الوطنية، وتحرص كل الحرص على تماسك الجبهة الداخلية السورية بكل أطيافها ومكوناتها العرقية والدينية، وتنادي ببناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة سوريا الحرة الأبية لكل السوريين أيا كانت أعراقهم وطوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم الفكرية، كما أنها تؤكد على حماية الأمن والاستقرار في المنطقة، وبالتالي فلا يوجد أية مبررات تسوِّغ ما يحدث الآن من تجاهل عربي وإسلامي ودولي صارخ لأزمة الشعب السوري الأبي!! والكرة الآن في ملعب مجلس الأمن الدولي بعد كل هذه الاستغاثات والمناشدات، وآخرها نداء قائد الجيش السوري الحر له من أجل التدخل العاجل لإنقاذ أبناء الشعب السوري الذين هم أخوة لنا في الإنسانية، فهل يبادر مجلس الأمن بتحمل مسئولياته تجاه السوريين، أم يتخلى عنهم ويتركهم وحدهم في مواجهة طغيان الأسد وجبروت زبانيته؟!!  

ــــــــــــ

* كاتب مصري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلام عن القرية السورية والمؤامرة .. بدرالدين حسن قربي

نشرت جريدة الدستور الأردنية والقدس العربي اللندنية في 15 كانون الثاني /يناير 2012 مقالاً عن القرية السورية للشاعر العراقي المعروف ســعدي يوســـف، مفاده حسبما حدثته سيدةٌ لاتعرفه، التقاها في مقهى أوروبي عن إنشاء قرية سورية في أحد الدول الأوروبية هدفها تدريب جنود متوحشين متعطشين للدم على كل ماهو سوري تمهيداً لغزو سوريا وهدم قراها على رؤوس أهلها الآمنين. وحديثها حسب قوله أعاد إلى ذاكرته المتعَبة ماكان من القرية العراقية التي أقيمت في أكثر من مكان أوروبي قبل احتلال العراق.وعليه، وإن كان الكلام كلام قهاوي، ولكن يمتنع ذلك لمكانة كاتبه، بل ويستوجب التعقيب.

أراد شاعرنا أن يأخذنا بطريقة المآلات إلى اعتبار ثورة الياسمين على أرض البطولات السورية، مؤامرة خارجية يراد منها أن يصار بسوريا كما كان في العراق.  ولئن كنّا نعتقد أن المؤامرات على بلادنا لم ولن تتوقف، وهي ليست جديدة بل ممتدة في الزمان والمكان من قبل ومن بعد، ولئن كنّا أيضاً لاننفي خبر القرية العراقية أو السورية ولانثبته، ولكن المؤكد أن من دخلوا العراق على صهوة الدبابة الأمريكية معروفون جميعاً أفراداً وجماعاتٍ وكتلاً وأحزاباً وأطرافاً، وكان مَقْدمهم من مدائنَ مقاومِةٍ وممانِعةٍ معروفة، مدنٍ تَمُورُ رفضاً لكل ماهو أمريكي وصهيوني، وليس من قرية أوروبية شرقية أو غربية.

إشارة شاعرنا الكبير إلى ماعاد إلى ذاكرته عن القرية العراقية الأوروبية، أعادت إلى ذاكرتنا أيضاً الخصومة التاريخية والعلنية للنظام السوري لنظيره نظام بعث العراقلعشرات من السنين حتى يوم سقوطه بالطريقة المعروفة، والتي ترافقت بمناقبه ومآثره المشهودة في وقوفه في صف الجانب الإيراني، بحيث جعل النظامُ السوري وكذلك حليفُه الإيراني من بلده قريةً لامثيل لها في العالم كمكان إقامةٍ وتدريب، وحركةٍ وتدبير، وتخطيطٍ للمعارضين العراقيينحتى تمكنوا بالمساعدة الأمريكية والبريطانية العلنية، والتدخل العسكري المباشر أيضاً من العودة إلى العراق راكبين دبابة الأمريكي وداخلين بمعية المحتل.

وعليه، فهلكانت مشكلة العراق ونظامه في القرية العراقية الأوروبية التي أشار إليها الشاعر أم في الدولة السورية ونظامها، أم أن مصيبة العراقيين والسوريين هي مع مستبدهم وقامعهم وقاتلهم وسارقهم العراقي والسوري الذي أوصلنا معه إلى وضع كارثي معرفي أخلاقي سياسي اقتصادي اجتماعي وتنموي بعد عقود من ديكتاتوريات مستبدة فاسدةومفسدة، أهلكت الحرث والنسل وعطّلت حراك المجتمع وجففت فيه سـحر الحياة وبهجتها وأماتت فيه الأمل!!؟

ومن ثم، فإننا نتساءل مع أصحاب القرية العراقيةالسابقة والسورية الحالية اللاحقة: هل مثل هذه القرى هي التي جعلت من نظامنا قامعاً فاشياً وقاتلاً متوحشاً، يتطهر بالمقاومة من كل آثامه وذنوبه قبل أن يأوي إلى نومه، أو جعلت منه لصاً نهّاباً على رؤوس الأشهاد ثم يغتسل بالممانعة فيرجع كل صباح تقياً نقياً كيوم ولدته أمّه.  هل هذه القرية السورية التي أشارت إليها سيدة كريمة في مقهى، هي التي تآمرت واقنعت رجل أمناسمه عاطف نجيب، كل إمكاناته أنه عُتلّ شاذ،ّ ومريض زنيم، ولص مجرم، وكل مؤهلاته أنه ابن خالة رئيس النظام، ليصبح أحد أبطال ثورة الياسيمن السورية، يوم لم يثنه عن التوحش في تعذيب باقة من ورود أطفال درعا قطرة من رحمة أو لَحْسة من إنسانية، فصب عليهم سوط عذاب...!!؟

إن نظاماً قامعاً متوحشاً يرتكب أفظع الجرائم بمواطنه المقهور، وعامله البئيس، وموظفه التعيس، ومثقفه المضطهد وشعبه الجائع والممتهن، ثم يثور بركان جماهيره على السادة والكبراء بعد طول صبرٍ ومعاناة لعشرات السنين، لسنا بحاجة لنجوب شرق الأرض وغربها ولاشمال أوروبا لنقول عن قرية ومؤامرة في تفسير هذا الكم من الغضب الساطع لشعب مسحوق يدعو ربه أن ينام ثم يستيقظ فلا يرى منهم أحداً، ويتمنى لهم صاعقة تأخذهم أخذة واحدةً ولا تبقي منهم أحداً.  لأنه لو اجتمعت قرى الأرض تخطيطاً وترتيباً، لما استطاعت أن تحدث دماراً وخراباً في بنية المجتمع ومنظومة قيمه كما فعل ويفعل السفهاء والمعوَّقون من أبناء جلدتنا وبني قومنا ممن أعمى الله بصرهم وبصيرتهم وعقولهم ممن تولوا أمرنا بقوة بسطارهم وسلاحهم.

من يصدّق اليوم أن سوريا بعد عشرات السنين من حكم شمولي فاشي لحزب واحد وعائلة واحدة، الحرية فيها مسلوبة، والكرامة فيها مغتصبة تتهددها جوائح الفقر والمصير المجهول..!!  من يصدّق أن نصف قرن من حكم متوحش قتل فيه الوالد وما ولد أكثر من خمسين ألفاً من مواطنيه، واعتقل مئات الألوف منهم، وشرد أضعافهم طوعاً وكرها..!! من يصدق أن عشرات من السنين لم تكن كافية لهم للإصلاح، وحتى إذا قامت قيامة المستضعفين الأحرار وخرج ماردهم لايلوي على شيء يتحدى اللصوص والسفهاء والعاهات من الهبّاشين والشبيحة والمجرمين، خرجوا بلا ذرة من حياء ولاضميرومعهم شبيحتهم من العمائم واللحى يطلبون التمديد لهم للإصلاح، ولكن أنّى لهم وقد اقتربت ساعتهم، وأفضوا إلى ماقدموا من إجرام، وفاتهم القطاااار.!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جمعة معتقلي الثورة .. محمد فاروق الإمام

لقد بلغ عدد المعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة في سورية، بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية والسورية المستقلة، ما يزيد على تسعين ألف معتقل خلال عشرة شهور مضت من انطلاقة الثورة، فُقد فيها الآلاف من المعتقلين، وودّع المئات منهم الحياة على يد جلادي هذه المعتقلات، وسُلموا إلى أهليهم وقد شوهت أجسادهم وغيرت معالم وجوههم، ومن هنا استحق معتقلو الثورة النداء الذي أطلقه الشعب السوري الثائر مطالباً بالحرية لهؤلاء المعتقلين مسمياً جمعة الأمس 20 كانون الثاني بجمعة (معتقلي الثورة)، وإذا ما علمنا أن البروتوكول العربي الذي وقعه النظام السوري مع الجامعة العربية ينص بنده الأول على إطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً وهذا لم يتحقق، فلم يطلق النظام إلا بضعة آلاف وعلى دفعات متباعدة، فما يزال هناك عشرات الألوف قابعين في سجون ومعتقلات تفتقد إلى الحد الأدنى من صلاحيتها كزرائب للحيوانات.

تاريخ النظام السوري الذي كان يتراجع على الدوام في كل مناحي الحياة التي تخص الوطن والمواطن منذ استيلائه على السلطة فجر الثامن من آذار 1963، كان يخطو في مقابل هذا التراجع خطوات سريعة ومتقدمة في مجال قهر الإنسان السوري وإذلاله، فقد أقام العشرات من السجون والمعتقلات والأقبية والزنازين حتى يتمكن من احتواء عشرات الألوف من المعتقلين والسجناء على خلفية آرائهم وانتماءاتهم الفكرية والثقافية والدينية والمذهبية والعرقية.

لقد قام عندنا في سورية أدب سماه المثقفون (أدب السجون) يروي فصول المأساة التي يتعرض لها المواطن السوري الذي يسوقه حظه العاثر إلى سجون أو معتقلات هذا النظام، فقد روى السجين خالد الفاضل تجربته في سجن تدمر في كتاب أسماه (القاع.. سنتان في سجن تدمر الصحراوي). 

وروى الدكتور عبد الله الناجي تجربته المأساوية في سجن تدمر في كتاب (حمامات الدم في سجن تدمر).

وأصدر الأردني محمد سليم حماد كتاب (تدمر شاهد ومشهود) يحكي فيه تجربته في هذا السجن خلال فترة اعتقاله لمدة اثنتي عشرة سنة وكان يدرس في جامعة دمشق.

وحتى النساء كان لهن نصيب في الاعتقال، فهذه الطالبة في كلية الشريعة بدمشق هبة الدباغ تروي في كتابها (خمس دقائق فقط) المأساة التي تعرضت لها أثناء اعتقالها لخمس دقائق فقط كما قيل لها، فبقيت تسع سنوات خلف القضبان في سجن المزة العسكري بدمشق.

ويروي الكاتب السوري المعروف ياسين الحاج صالح، الذي أمضى نحو عقد ونصف العقد في سجون هذا النظام لأسباب سياسيَّة، تجربته خلف القضبان في كتابه (مرارة الاعتقال في سورية).

وهذا الشاعر السوري فرج بيرقدار يحكي تغريبته في سجون المخابرات السورية في كتابه (خيانات اللغة والصمت)‏,‏ ويحكي فصول التجربة التي عاشها وخرج منها بعد14 عاما.

ويحكي مصطفى خليفة – وهذا ليس اسمه الحقيقي فهو مسيحي كاثوليكي – في كتابه (القوقعة) عن يومياته في سجن تدمر الصحراوي الذي كان يحتوي – كما يروي - على أعلى نسبة لحملة الشهادات الجامعية في هذا البلد.

وهذا الشاعر السوري سليم زنجير يحكي في كتابه (ما لا ترونه) العجب العجاب عما تعرض له في سجون هذا النظام.

وفي كتاب (الطريق إلى تدمر.. كهف في الصحراء الداخل مفقود، والخارج مولود) يحكي المهندس الأردني سليمان أبو الخير، الذي اعتقل عند مروره بدمشق آتياً من ألمانيا التي كان يدرس فيها، تجربة خمس سنوات من الألم في هذا السجن الرهيب.

قد لا يُصدق الإنسان بعض القصص التي يسمعها أحياناً من أشخاص غيبوا داخل سجون النظام السوري، خاصة وأن الناس يعتقدون أن إسرائيل ومؤسساتها الإرهابية تتعامل مع الشعب الفلسطيني بأعلى درجة من اللاإنسانية والتعذيب والإهانة، لكن بعد أن ترى بعينك وتسمع بأذنك فإنك ستغير نظرتك إلى الأمور، وتُصبح تبحث عن القصة تلو القصة، فهذه بعضها  يرويها من عاشوا في سجون النظام السوري، فسجونهم كما يروي هؤلاء عبارة عن قبور تحت الأرض، أمضوا فيها أيام وأسابيع بدون ماء أو أكل، طرق تعذيب لا يمكن أن يتصورها عقل إنسان أو يستوعبها. ففي هذه السجون لا يستطيع الصليب الأحمر أو أية جمعية لحقوق الإنسان مشاهدتك أو زيارتك، ولا يستطيع أحد من ذويك أو معارفك السؤال عنك أو يعرف ما هي التهمة المنسوبة إليك أو إلى أين وصلت الأمور معك.

ويؤسفني أن أقول – بحسب روايات من اعتقلوا من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية – أن في إسرائيل يستطيع الصليب الأحمر أن يصل للمعلومات عنك خلال أقل من أسبوع، ويستطيع المحامي أن يُتابع قضيتك فور انتهاء التحقيق معك، وهذا بالتأكيد ما يجعلك تضع التساؤلات؟ هل الإسرائيليين أكثر رحمه من شبيحة هذا النظام وسجانيه ورجال أمنه؟!

هناك شهادات حية وموثقة عن السجون السورية، مارس هذا النظام فيها أبشع أساليب التحقيق مع المعتقلين بغض النظر عن جنسياتهم أو انتماءاتهم، فقد ضمت هذه السجون بالإضافة إلى السوريين عرباً وأجانب مورست بحقهم صنوف التعذيب الوحشي، ولم تشفع لهم جنسياتهم التي كانوا ينتمون إليها.

فما بالكم بالسوريين الذين يقضون عشرات السنين مغيبين وراء قضبان هذه السجون، وما بالكم بمعتقلين يُريد النظام أن يُلفق لهم التهم أو أن ينتزع منهم اعترافات وهمية، قد تكون على خلفية مشاركتهم في الثورة أو التظاهر، أو لكونهم قالوا كلمة لا للظلم والاضطهاد أو حتى خطو على الجدران عبارة (يسقط النظام) وكل العالم شاهد مصير أطفال درعا الذين عذب بعضهم حتى الموت، واقتلع أظافر البعض وشوهت وجوههم لأنهم خطو مثل هذه العبارة على جدار مدرستهم.

هذه الشهادات الحية لبعض نزلاء السجون والمعتقلات في سجون النظام من غير السوريين، تجعلنا نفكر ألف مرة بأبنائنا المعتقلين وبمصيرهم المجهول، ونتساءل هل هم في عالم الأحياء أم في عالم المفقودين أم في عالم الأموات؟! وأن من حقهم علينا أن نرفع الصوت عالياً للمطالبة بإطلاق سراحهم، وأن نسعى جاهدين لدى المنظمات المدنية والإنسانية العربية والأجنبية وفي كل المحافل الدولية للضغط على هذا النظام المستبد الباغي للإفراج عنهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

حسن نصر الله ينصح الضحية بأن لا يزعج الجزار .. محمد فاروق الإمام

نصح السيد حسن نصر الله الشعب السوري الثائر على حاكمه المستبد، في خطاب نقل عبر شاشة كبيرة أمام تجمع شعبي في بعلبك في شرق لبنان قائلاً: "ندعو المعارضة السورية في الداخل والخارج إلى الاستجابة لدعوات الحوار من قبل الرئيس الأسد والتعاون لإجراء الإصلاحات التي أعلن عنها والتي تنهض بسوريا وتعالج مشاكلها”. وأضاف قائلاً: "كما ندعو إلى إعادة الهدوء والاستقرار وإلقاء السلاح ومعالجة الأمور بالحوار”.

حسن نصر الله هذا الناصح غير الأمين هو نفسه وصف المعارضة السورية في الداخل والخارج، التي يدعوها للاستجابة لدعوات الحوار، في السادس من كانون الأول بأنها تقدم "أوراق اعتماد للأمريكي والإسرائيلي"، وهذا الناصح هو نفسه من أعلن تأييده ودعمه "للنظام السوري المقاوم" الذي يذبح شعبه من الوريد إلى الوريد منذ أكثر من عشرة أشهر، دون أن نسمع من هذا الناصح غير الأمين تقديم نصيحة واحدة لصديقه الجزار بشار الأسد، الذي يعوم هو وكتائب جنده وميليشياته ورجال أمنه في بحر دماء السوريين، غير آبه بكل النصائح والمطالب التي قدمها له القريب والبعيد ليتوقف عن قتل شعبه وينزل عند مطالبه ويلبي دعواته في رحيله ليختار بإرادته الحرة حاكمه وشكل حكمه.

هذا الناصح غير الأمين يتوجه اليوم إلى الضحية ليستسلم للجلاد ليسلخ جسده.. هذا الناصح الذي يدعي أنه أحد شيوخ الإسلام والمقاومة وإنصاف المظلومين والوقوف في وجه الاستكبار العالمي، نسي أن النصيحة تكون لولي الأمر قبل أن تكون لعامة الناس. فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الدين النصيحة" قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

كنا نتمنى على هذا الدعي للنصح أن يقول كلمة حق لهذا السلطان الباغي الجائر المستبد، وهو العارف بأن مثل هذه الكلمة إن أدت إلى مقتله دخل الجنة، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعظم الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر"، وكنا نتمنى عليه لو كان موقفه كموقف العابد الورع الناسك التقي أبو بكر النابلسي، الذي أُحضر بين يدي طاغية مصر المستبد المعز العبيدي الذي قال له: "بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت العبيديين بسهم". فقال النابلسي: ما قلت هذا، فظن الطاغية أنه رجع في قوله.

فقال: كيف قلت؟ قال: قلت: ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر، قال: ولم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الله، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم.

فأمر الطاغية بإشهاره في أول يوم، ثم ضُرب في اليوم الثاني بالسياط ضرباً شديداً، ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن، قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات". وهذا ما يفعله سيدك وحليفك، يا أيها الناصح غير الأمين، بأجساد الأطفال والشيوخ والنساء والرجال في سورية، كما فعل اليهودي بجسد هذا الشيخ الشجاع الورع التقي الذي آثر الموت على السكوت على ظلم ذلك الطاغية الجبار.

أيها الناصح غير الأمين ليتك تنظر بعينك التي أغلقتها متعمداً إلى هذه الجماهير الثائرة التي تصدح بصوت واحد منذ أكثر من عشرة أشهر غير آبهة بآلة حرب هذا الطاغية: (الموت ولا المذلة) (ما بنركع إلا لأله) (شهداء بالملايين على الجنة رايحين) وأن تنظر إلى نفسك وسيدك إلى أين أنتم ذاهبون من كل الذي تفعلونه بهؤلاء طلاب الحرية والكرامة والعدالة والإنصاف ورفع الظلم والتوقف عن القتل وسفك الدماء؟ وماذا ستقول لله عند سؤاله لك ولسيدك: بأي ذنب قتلتم هؤلاء الأبرياء؟ بأي ذنب انتهكتم أعراض الحرائر؟ بأي ذنب مثلتم بأجساد الأطفال والرجال والنساء وغيرتم خلق الله؟ بأي ذنب استبحتم بيوت الناس وبيوت الله؟ بأي ذنب خلفتم جيوش الأيتام والثكالى والأرامل والمعوقين والمعتقلين والمهجرين؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أغلقوا غوانتنامو الصغير ولكن لا تنسوا الكبير... زهير سالم*

تخفق قلوب محبي الحرية والعدل وسيادة القانون في العالم وتهتف حناجرهم لإغلاق السجن الأمريكي سيء السمعة في غوانتنامو. لقد كان هذا الإغلاق وعدا انتخابيا للرئيس الأمريكي لم ينفذ، و يريد هذا الرئيس اليوم أن يتقدم لدورة رئاسية ثانية !!! لقد أصبح هذا المطلب اليوم أكثر إلحاحا على الأجندة الإنسانية وليس الأمريكية فقط..

 

تابعت العديد من نزلاء السجن المذكور وهم يقدمون شهاداتهم على الفضائيات، ويرسمون  صورا عن مآسيه الرهيبة. كل الأحاديث كانت تواجهك بفظاعة الإنسان وقدراته البهيمية عندما تنتصر فيه غرائزه على أخيه الإنسان. لأمر ظللتُ أجهله اقترن ذكر السجن الرهيب وكمنعكس شرطي مباشر لديّ؛ بحقيقة ما يجري في وطني سورية منذ أربعين عاما...

 

ولكي لا يقع قارئ في لبس مما أقول ،  فالاقتران الذي أشير إليه لم يكن أبدا بين سجون سورية مثل ( تدمر والمزة وكفر سوسة وفرع فلسطين) وبين سجن غوانتنامو سيء الذكر إنسانيا وعالميا وقانونيا، وإنما كان الاقتران يتم بين مسجونين وسجن اسمه غوانتنامو وبين مواطنين ووطن اسمه سورية

 

 لم يكم الاقتران المشار إليه نفسيا فقط وإنما كان عقليا حتى خلته  نوعا من الوسواس القهري الذي يلازم الإنسان أحيانا فلا يفارقه، ولا يستطيع عنه انفكاكا. كل صورة من صور الإذلال الجسدي أو النفسي التي كان يتحدث عنها متحدث من أولئك الممتحنين كانت تستدعي نظيرة لها من واقع ما يعيشه المواطنون السوريون في سجنهم الكبير الذي هو وطنهم. كان الحديث عن الزبانية هنا وهناك دائما يخرج بمقايسة لصالح الغرباء وهذا ما يزيد في غيظي.  كنت أحاول أن أبحث دائما عن أسرار هذا الاقتران أو الهاجس ودواعيه، ربما لأدفعه عن نفسي حفاظا على صحة نفسية يبدو الإنسان أحوج ما يكون إليها ليستطيع التواصل مع الآخرين ولكن قلما وصلت إلى تفسير يقنعني أستطيع أن اجهر به أمام الناس.

 

في جوانب كثيرة من المقارنات العملية ما زلت أرى أن ما يعيشه المواطن السوري في يومياته العادية لا يقل نكالا عما تحدث عنه الذين رووا عن حياة ( المقاتلين الأعداء ). ولو أردت أن أفصّل لأوردت على القارئ العديد من وجوه الوقائع و المقارنات. بالطبع كان هذا قبل أن تفجؤنا صور أطفال درعا المنكل بهم، أو صورة حمزة الخطيب الممثل بجسده، أو أخيرا جسد الرضيعة عفاف محمود سراقبة وقبل حديث المواطن السوري من درعا الذي شرح لنا كيف سمل طبيب عيون عينيه، وسحب ما فيهما من ماء بأداة طبية، وقبل فيديو فرسان البيضة  الذين وضعوا ببساطيرهم الغليظة الدستور العملي لأفق العلاقة الوطنية في سورية الإصلاح الموعود.

 

 كنت أرى دائما أن وراء هذا الاقتران خيطا سريا يجمع بين الوطن الكبير المصنف سكانه عند عصابة ونظام أنهم وإن سالموا وهادنوا (مستسلمون أعداء ) وبين المصطلح الأمريكي الذي يريح الضمير المرهف لحضارة القرن الحادي والعشرين تحت عنوان ( المقاتلون الأعداء ). وكنت أحس أن من واجبي أن أجد هذا الخيط...

 

ربما أنت تتحير مثلي في البحث عن سبب يجعل القائمين على هذا السجن الكبير الذي اسمه سورية يرفضون أن يريحوا ضمائر مئات الألوف من الأمهات والآباء  والبنات والآباء والأخوات والزوجات والعمات والخالات.....بالكشف عن مصير سجين في سجنهم الصغير، فلا أجد جوابا إلا في حب الانتقام، والحرص على تعذيب أكبر شريحة من نزلاء سجنهم الكبير في الليل والنهار...

 

لم أستطع أن أجد في أي لحظة سببا أمنيا أو وطنيا أو قوميا أو سرا مما يتعلق بدعم المقاومة والممانعة يمكن لاستدامة الجروح المتعفنة في جسد اسمه الوطن أن يخدمه. تذكرت وأنا أتحدث عن العمات والخالات ما رواه أحد الشيوخ الذين قابلوا بشار الأسد كيف أن الرئيس اضطر أن يعيد زوج ابنة خالته لمكانته بعد أن حاول عقوبته وذلك ليريح ضمير خالته – الكبيرة في السن وهذا من البر – ولكن المشكلة أن الرئيس المذكور لم يعتبر كل مواطنة سورية ، في عمر أمه ، خالته

 

تابعت دائما الشهود على غوانتنامو وهم يتحدثون عن حالهم ومعاناتهم ومواجهاتهم ساعة يطلبون للتحقيق..واستمعت بالمقابل إلى العديد من المواطنين السوريين عندما قيل لهم وقد عادوا إلى الوطن بعد سنين ( عليك أن تراجع الفرع رقم...)

 

الكثير من الصور والوقائع والمقارنات التي كانت تثور في السياق كانت تجعل غوانتنامو الصغير أخف وطأة على نزلائه من غوانتنامو  الكبير على مواطنيه..

 

وفي ثنايا البحث عن السر الخفي الذي يستدعي هذا الاقتران  لا أستغرب أن يتهمني البعض بسببه بالمبالغة أو حب التهويل. يخيل إلي أحيانا أنني وجدت هذا السر وإن من غير يقين. وجدته في عبارة بسيطة تمر دائما على أسماعنا دون أن تستدعي معانيها أو استحقاقاتها الحقيقية العقلية والنفسية على السواء. ظننت أن الاقتران أو الانعكاس الإدراكي الشرطي حاصل بين السجن الصغير والسجن الوطن بجامع أن كليهما ( خارج القانون ).

 

هل يمكن أن أكون محقا؟! لعلي أو عساي!!

منذ سنوات طويلة عندما كان بعض المعارضين السوريين يشير إلى عناوين مأساتنا الوطنية في مثل المادة الثامنة من الدستور أو إعلان حالة الطوارئ أو في أي قانون سيء السمعة والصيت كنت أصر على القول هذه جزئيات صغيرة في سياق مشكلتنا الوطنية الكبرى.  مشكلتنا الحقيقية في غياب سيادة القانون. في أننا بشر نحكم بمزاج بسطار رأيناه في ساحة البيضة يدوس الرؤوس ويداعب الوجوه...

 

نحن اليوم بدون حالة طوارئ ولم يتغير شيء. وعندنا قانون إعلام جديد ولكن إعلامنا الرسمي ما زال محتكرا وخشبيا كما أعلن عن حبه له يوما الرئيس!!

 

حين يدعون اليوم إلى الحوار أو يزعمون أنهم مستعدون للإصلاح تبقى دائما المشكلة في الأساس الذين يريدون البناء عليه. يقول الفقهاء كل ما بني على فاسد فهو فاسد. ولابد للإصلاح من ضمانة ومادام الضمين هو المشكلة فعن أي حوار وعن أي إصلاح يتحدثون...

 

ننادي مع كل أحرار العالم أغلقوا غوانتنامو الصغير ولا تنسوا الكبير أيضا. ليكون القانون شجرة عالمية ظليلة تظلل كل بني الإنسان..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطاب الرئيس..! .. محمد خلفان الصوافي

تاريخ النشر: الأربعاء 18 يناير 2012

الاتحاد

التفسير الأسهل لحالة خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي أنه يعيش ما يسمى بالجهل السياسي. الكلمات يمكن أن تكون سبباً في تهدئة غضب الرأي العام وإطفاء ما تشعر به النفوس من احتقان إذا ما جاءت مناسبة ونجحت في إقناعهم بأن النية صادقة. الظرف السياسي الذي تمر به سوريا لا يسمح بتقطير الامتيازات، كما هو حاصل الآن. ولا يمكن استسهال وقع الكلمات بأن تحل محل السيف الذي يقطع "شعرة معاوية" بين الرئيس وشعبه ومع العالم كله باستفزازهم.

الذاكرة العربية مليئة بقصص خطب الرؤساء لشعوبهم، حين يتصرف وكأنه الوحيد في هذا العالم ولا يهمه أحد. قلة هي الخطابات التي نجحت في احتواء الموقف وتهدئة الأمور، لكن في الأغلب كانت "الرصاصة" باتجاه الرئيس نفسه. الناس يبحثون عن لقمة العيش وعن الكرامة وهذا ما ينتظرونه من خطاب الرئيس. لا أحد مهتم بالمفردات القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب، ولا بمن يحيك للنظام المؤامرات التي هي من نسج خياله. أي حديث عن استقرار البلاد منبعه العلاقة بين الرئيس وشعبه، والشعب هو أساس الشرعية. ليس سهلاً على المراقب أن يؤيد رئيساً يخاطب الناس بطريقة تكرر المشهد الذي أنهى فترات حكم رئاسية كان يعتقد أنها أزلية.

لجنة المراقبين العرب كانت فرصة للأسد كي يقدم نفسه للعالم بصورة أحسن. خطاب الرئيس أظهر سوريا للعالم وكأنها معزولة. فهو يخاطب شعبه قرابة الساعة ونصف الساعة ب"دردشة سياسية" وكأنه يريد منافسة الآخرين من حيث زمن الخطب. كان واضحاً أنه غير مدرك لما يحدث حوله، فبينما كان يلقي خطاباً يتهم من في الداخل والخارج بالتآمر على سوريا، كان الشعب في شوارع دمشق يحرق صوره ويطالبه بالتنحي.

التشدد في المواقف السياسية ليس دائماً دليل قوة، بل العكس هو دليل الضعف غالباً، خاصة إذا كان الأمر متعلقاً بالداخل. واستعراض القوة هو عدم ثقة بالنفس. أعاد الرئيس بخطابه سوريا إلى نقطة الصفر، سواء في الداخل أو في الإقليم الذي سماه بالمستعربين، وكأن فن قتل الرئيس لشعبه هو من صفات العروبة الأصيلة، حيث تجاوز عدد القتلى 5000 شخص. لم يبق له في العالم صديق، فمن يقف معه الآن؟

ليس من الحنكة السياسية أن تفتح كل الجبهات ضدك مرة واحدة، خاصة في وقت أنت بحاجة إلى كسب أصدقاء. الرئيس لا يكف عن ارتكاب الأخطاء، ليس فقط في حق أعدائه المتربصين به بل في حق حلفائه وشعبه، وهو ما يزيد الطين بلة. وإذا كان بشار يدرك السياسة فعلاً فهو الآن أكثر من يحتاج إلى تأييد شعبه له، والدروس على الأرض توضح ذلك. بتصرف بشار الغاضب، ألغى الكثير من المواقف الإيجابية، وربما يدفع نحو قرار أممي قريب سيكون صعباً على سوريا وعلى المنطقة.

للأسف يبدو أن الرئيس لم يتعلم الدروس ولم يستوعبها. كل دول العالم لديها أعداء وليس سوريا فقط، لكن التسلح بالشعب هو الذي يحمي الرئيس. وكل الأعداء يبحثون عن علل لإسقاط الدول، والحنكة السياسية تتطلب عدم توفيرها. حدث مثل هذا مع صدام حسين، ويحدث مع أحمدي نجاد الذي خسر المجتمع الدولي، وحدث مع القذافي حين استعان بالمرتزقة ضد شعبه

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق من بوابة طهران  .. حازم مبيضين

الرأي الاردنية

18-1-2012

يوماً بعد يوم تزداد حدة التوتر بين ايران والمجتمع الدولي من جهة, ودول جوارها الخليجي من جهة ثانية, حيث يرفض العالم امتلاكها لقدرات نووية قد تتحول إلى العسكرة في أية لحظة, في حين تهدد طهران دول الخليج بعدم تعويض نفطها إلى دول العالم, في حال تم إقرار حظر على الصادرات النفطية الايرانية, ومعروف أن أكثر من دولة خليجية أعلنت استعدادها وقدرتها على تعويض العالم عن النفط الإيراني, وفي الأثناء فان معضلة إغلاق مضيق هرمز تتصدر الواجهة, على وقع مناورات بحرية ايرانية في المضيق, تترافق مع تهديدات واضحة وصريحة بإغلاقه بالقوة, دون التفات إلى الأثر الاقتصادي لذلك على الدول الخليجية, أو الأثر الكارثي على مسألة إمدادات الطاقة في العالم, وإذا كانت واشنطن وهي تقود العالم الغربي تعلن عزوفها عن عملية عسكرية ضد الجمهورية الايرانية, فان إسرائيل ومعها بعض الدول الغربية, لاتخفي استعدادها لمثل هذا الاحتمال, الذي سيكون كارثياً بشكل كامل على المنطقة برمتها, وعلى العالم من بعد ولو بصورة جزئية.

بالتوازي مع ازدياد حالة التوتر والتصعيد مع طهران, تبدو فكرة التدخل الدولي ضد حلفاء إيران في دمشق وقد تراجعت إلى مستويات بعيدة, ليس لان أعداء النظام السوري يرون فيه اليوم حملاً وديعاً لايستحق غير حمايته, ولإنما لأن الظروف لاتسمح بذلك في ظل قوة النظام السوري, وقدرته على قمع الاحتجاجات الشعبية ضده, ولسبب آخر يتمثل في ضعف معارضيه وشرذمتهم, وعدم قدرتهم على توحيد كلمتهم, وعجزهم عن استثارة الشارع السوري بالكامل ضد نظام عرف كيف يربط مصالح الكثيرين ببقائه, وترافق ذلك مع قبضة أمنية مشددة لاتعرف الرحمة ولا المهادنة, وهي مستعدة للمضي قدماً وحتى النهاية, في استعمال قبضتها الحديدية الباطشة ضد كل من يقف في وجهها, وفي وقت يقدم فيه النظام بعض التنازلات التجميلية, باعتبارها خططاً للإصلاح السياسي المتدرج الذي تحتاجه البلاد.

معروف طبعاً أن النظام الإيراني هو الحليف الأول للنظام السوري, على ما بين النظامين من تباين واضح, فالأول إسلامي التوجه والبرامج بصبغة طائفية, يرفض العلمانية التي تتبناها دمشق وهي تنأى عن الإسلام السياسي, الساعي لتغيير نظام البعث بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين, الذي يمثل الوجه الآخر من المعادلة الطائفية ضمن أطر الإسلام السياسي, وللنظام الإيراني أذرع لاتتورع عن التحرك لنصرة نظام البعث السوري, كما أن له حلفاء ينطلقون من الولاء الطائفي, مستعدون لنصرة النظام البعثي, الذي كانوا وصفوه بأبشع النعوت, قبل أن يتبنوا اليوم مقولاته عن المؤامرة الخارجية, ويروجوا للمخاوف من أحوال المنطقة في حال إسقاطه, وفي كل الحالات فإن المصالح السياسية هي من يفرض التحالفات في هذه المرحلة الحساسة, التي ابتدأت من تونس ومرت بليبيا واليمن ومصر وتوقفت عجلتها في دمشق.

ما يثير المخاوف والقلق اليوم, هو أن يتم استهداف النظام السوري عبر البوابة الإيرانية, مع التبعات الكارثية لذلك على دول المنطقة وشعوبها على المديين القريب والبعيد, وفي مقدمتها النظام السوري الذي سيفقد حليفاً مؤكداً, أبدى استعداده عملياً حتى هذه اللحظة لدعم حكام سورية, وقدم لهم كل المساعدات التي يحتاجونها, متجاوزاً احتياجات الشعب الإيراني, الرازح تحت وطأة العقوبات الدولية, وليس بعيداً تحرك أذرع النظام الإيراني في العالم العربي ضد حكومات بلادهم, نصرة لولي الفقيه وتضامناً معه وخلطاً للأوراق, وصولاً إلى فتنة طائفية بدأت ملامحها بالتبلور, والمهم اليوم أن لاينجر العقلاء إلى مربع الفتنة, دفاعاً عن نظام يعرف الجميع أن الاسلام يقع في آخر اهتماماته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الهوية السورية: الدكتاتورية همشت الانتماءات والثورة اغنتها  .. عدي الزعبي

2012-01-17

القدس العربي

تطرح الثورة السورية أسئلة فلسفية تتعلّق بالهوية السورية ومستقبلها. نظرياً، كانت للتيارات الفكرية السائدة نظرة إيديولوجية جامدة تجعل الهوية جوهراً خالداً أزلياً. ليست هذه إشارة لشعار حزب البعث الشهير الذي يقدّس الرسالة الخالدة، بل أيضاً لرسالة التيارات اليسارية والإسلامية. ترى هذه التيارات أن الهوية هي إما إسلامية بالمطلق، أو عربية بالمطلق، أو طبقية بالمطلق. رؤية اليسار مختلفة، لكنها بالمحصلة تقوم بإرجاع كافة البنى الفوقية إلى البنية الاقتصادية، حيث تبدو الطبقة التي ينتمي إليها الفرد، هوية.

مع وصول حزب البعث للسلطة، أصبحت الهوية العربية هي الوحيدة المعترَف بها. الجيل الذي نشأ تحت حكم البعث، خصوصاً بعد أحداث الثمانينات والقمع المفرط الذي طال كل وجوه الحياة، كان مطلوباً منه أن لا يصرّح بأية هوية أخرى مرافقة أو مكمّلة للهوية العربية. تم استبعاد الهويات الدينية والإثنية بشكل كامل، ودفع الثمن الإسلاميون والأكراد بدرجات متفاوتة تبعاً للظروف. أيضاً تعرّض اليسار لقمع غير مبرّر.

ولكن، وهنا النقطة التي أود إثارتها، استبعدت الهويات المحلّية الطائفية والمناطقية بشكل كامل. في التسعينات، كان من المعيب، مجتمعياً، أن تجاهر بأنك شامي أو حوراني أو حمصي، ومن الخطير سياسياً، أن تجاهر بأنك علوي أو سُنّي أو درزي.

هذا الإفقار في مفهوم الهوية إلى الدرجة التي أصبحت فيها الهوية معنى فارغا يشير دائماً إلى فلسطين فقط لا غير، ولا يرتبط بأي ملموس على المستوى المباشر، أدّى إلى فكرة غريبة مفادها: أنّ من يجاهر بانتمائه المناطقي أو الطائفي هو حُكماً ضد العروبة، وبالتالي رجعي يُضمر الأذى لسوريا.

الخطأ الذي ابتدأ بالاستيلاء على السلطة من قبل حزب إيديولوجي، يرفض الاعتراف بوجود أحزاب أخرى لها رؤى مختلفة، امتدّ ليشمل الهويات الفرعية. هكذا حوكمت الهويات الأكثر حميمية والأقل أدلجة. لماذا؟

الاعتراف بالهويات المناطقية يستتبع المطالبة بتحسين الظروف المعيشية ومحاربة فساد رجالات السلطة والأمن في هذه المناطق. كما يؤدي إلى دراسات و مشاريع تتعلّق بالمناطق المعنيّة ومحاولة السكان التعاون مع، أو انتقاد، السلطات المحلية، وصولاً إلى حياة كريمة لأبناء هذه المناطق. الاعتراف بالهويات المناطقية والفخر بها، بهذا المعنى، هو حُكماً ضد الاستبداد، وليس ضد العروبة.

في بداية الثورة، اتّهم أنصار النظام أبناء حوران بأن لهم طبيعة عشائرية خاصة (حرفيّاً). دفاعاً عن هؤلاء، أصرّ البعض أنّه لا يوجد خلفيّة عشائرية في احتجاجات السوريين. السؤال هو لماذا يتم الربط بين العشائرية من جهة، والتخلف و الرجعية من جهة ثانية؟ ربّما كان لاحتجاجات السوريين خلفية عشائرية ودينية، وهذا ليس معيباً، طالما أن هذه الاحتجاجات تسعى لبناء دولة القانون القائمة على احترام الآخرين.

معظم أطفال درعا الذين تم تعذيبهم ينتمون لعشيرة أبازيد. أما الاحتجاجات فقد شملت كل عشائر حوران. أي أن العشائرية لا تعني التعصّب لعشيرة على حساب أخرى. إذا كان هذا هو بالضبط العنصر المعيب في العشائرية، فهو حتماً مبالغ فيه، و لم نره في الاحتجاجات. تكون العشائرية معيبة، كما المناطقية، إذا قامت على مبدأ استبعادي واستعلائي. أما إذا كانت مكمّلة ومرافقة للهوية الوطنية الجامعة، فهي ليست معيبة. يهتف أهالي حمص يومياً بأنهم يفدون حمص بأرواحهم، بل هم يفدون حمص بأرواحهم . لا يعني ذلك أبداً، أن الحماصنة ضد الهوية العربية أو الهوية السورية الجامعة. العكس بالضبط هو الواقع، الهوية الفرعية الحمصية، بتجسيدها للنضال ضد الاستبداد، هي نواة للهوية السورية الجامعة.

ما هو التبرير النظري لاستبعاد الهويات الفرعية المناطقية و الطائفية؟ ما الذي يجعل انتماء الفرد إلى منطقة معيّنة (حوران أو حمص أو دير الزور) أو إلى طائفة معينة (علوي أو سني أو درزي) رجعيّاً ولا يمكن أن يعمل لصالح العروبة؟ ما هو الخطأ في كون الفرد حمصياً فخوراً وعربياً، أو مسيحياً فخوراً وعربياً؟ التبرير النظري هو فكرة الهوية الاستبعادية. الهوية العربية، في فكر البعض، هي هوية خالدة أزلية تقسم السوريين بشكل كامل إلى عرب و غير-عرب. و هذه الهوية، كما النظام ، لا تقبل بالمشاركة في أية هوية أخرى. النظام أفسد مفهوم الهوية العربية بشدة، ولكن المفهوم نفسه، كما تمّ طرحه في بدايات القرن الماضي، مع مفاهيم الإسلام السياسي و اليسار بحاجة إلى مراجعة و تصويب.

ما أثبتته الثورة السورية هو أن الهويات المحلّية المناطقية لا تتعارض مع الهوية العربية من ناحية، و لا تتعارض مع مفهوم الهوية السورية الجامعة من ناحية أخرى. من هنا، يجب مراجعة المفاهيم الموجودة حالياً حول الهويات. ليست الهوية مفهوم ماورائي بدون ملموس عيني.

الكائن البشري، يعيش ويتنفّس ويأكل و يمارس نشاطاته اليومية في بيئة محددة زمانياً ومكانياً. هذه البيئة لها احتياجاتها و مشاكلها و انعكاساتها. الانتماء المناطقي له الأولوية دائماً. الإيديولوجيا، أو الفكر بشكل عام، الذي يحاول أن يشرح و يفسر الظاهر، يجب أن ينطلق من الواقع المُعاش، و أن يجاريه. لذلك، الهوية السورية الجامعة لكافة أبناء الشعب السوري، على اختلاف انتماءاتهم المناطقية و الطائفية و الطبقية، يجب أن تكون مرافقة و مكمّلة و داعمة للانتماء المناطقي. أما الهويات الطائفية و الإثنية المتنوعة فقد تكون مختلفة في بعض النقاط عن الانتماء المناطقي. ولكن الظلم الذي تعرّض له الإسلاميون و الأكراد، ينبع من ذات الخطأ: الهوية العربية تم تقديمها كهوية استبعادية بالمطلق. ما ينطبق على كافة هذه الهويات هو الفكرة نفسها: طالما أن هذه الهويات ليست استبعادية، تنفي الآخر و تحاربه بالمطلق، فهي هويات مشروعة تحت مظلة الهوية السورية الجامعة. في سوريا، أن الهوية العربية هي الهوية الاستبعادية التي يحكم باسمها النظام. كل الهويات الأخرى مقموعة و مستبعدة.

الثورة السورية هي ثورة البشر الذين يعيشون على الأرض. من هنا، كان للوجود على الأرض في المناطق المختلفة من بقاع سوريا، و للعمل الميداني، الدور الرئيسي في الثورة على الاستبداد. الهويات الفوقية، و التنظير من أعلى، يلعب دوراً ثانوياً في الثورة. هذا أمر صحي و سليم. الثورة تعيد ترتيب الأولويات. البشر أولاً، النظريات و الإيديولوجيا ثانياً.

الثورة السورية، من منظور فلسفي، تدعونا إلى أن نعيد النظر في المفاهيم الموروثة. استخدم النظام مفهوم الهوية العربية لتبرير القمع و الاستبداد. الثورة، في أحد وجوهها، هي ثورة على هذا الاستخدام للعروبة. إعادة الاعتبار لكل من تأذّى من هذا الاستخدام، و فتح حوارات جدية حول الهوية السورية و مستقبلها، يعني أن الثورة تسير في الطريق الصحيح. يجب ان نمدّ اليد ونتعاون مع الأكراد و الإسلاميين و اليسار واليمين. لكن أيضاً، الانتماء المناطقي والطائفي بحاجة إلى إعادة نظر. الدكتاتورية أفقرت سورية من كل انتماء، الثورة أعادت لسورية كل غناها وتنوعها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون اليوم! .. فايز سارة *

الاربعاء, 18 يناير 2012

الحياة

لا يحتاج السوريون في تعريفهم البسيط الى كلام كثير يقال فيهم، اذ يستمدون اسمهم من الانتماء الى بلد اسمه سورية، تبلغ مساحته مائة وثمانين ألف كيلومتر مربع، مقسم إدارياً إلى أربع عشرة محافظة، وبعدد إجمالي من السكان يناهز ثلاثة وعشرين مليون نسمة، وبتوزعهم دينياً الى مسلمين ومسيحيين، مع فارق كبير بين نسبة كل منهما، ومثل ذلك تكاد تكون النسبة اذا نظرنا الى السوريين حسب اصولهم القومية، حيث أكثرية من العرب، الى جانب الأكراد والأشوريين والشركس والأرمن والتركمان، أما من حيث الطوائف الدينية، فيتوزع المسلمون الى طوائف، أكبرها من السنة، والى جانبها طوائف من العلويين والشيعة والدروز والإسماعيليين، كما يتوزع المسيحيون الى طوائف من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، ثم السريان والأشوريين والأرمن والبروتستانت والموارنة، وفي اطار هذه المواصفات يمكن رؤية ملامح السوريين في عداد شعوب شرق المتوسط.

غير ان التعريف البسيط للسوريين لا يعطي صورة واقعية عن السوريين الذين يحتلون اليوم مركزاً مهماً في لوحة أحداث المنطقة، والذين تتناقل وسائل الإعلام أخبارهم وبتركيز واضح منذ حوالى عشرة اشهر، هي المدة التي انقضت على بداية حركة الاحتجاج والتظاهر في أواسط آذار (مارس) الماضي، والتي قادت الى تبدل نوعي في تعريف السوريين، سواء من حيث معرفة العالم بهم ولجهة تعريفهم بأنفسهم.

السوريون اليوم متظاهرون في احد وجوههم، وضحايا في وجه آخر. متظاهرون في عشرات المدن والقرى الموزعة ما بين القامشلي في الشمال ودرعا في الجنوب مروراً بحمص في الوسط، ومن دير الزور في الشرق الى اللاذقية في الغرب مروراً بالوسط الساخن، وهم ضحايا، اذ تجاوز عدد من قتلوا بصورة موثقة ستة الآف شخص، باستثناء المفقودين، وهم الآخرون بالآلاف، اضافة الى عشرات آلاف الجرحى وكثير منهم تحولوا الى معاقين، وثمة عشرات آلاف المعتقلين والمطلوبين، ونحو ثلاثين الف نازح خارج البلاد موزعين ما بين تركيا والاردن ولبنان وليبيا، وقد تجاوز عدد النازحين الى الأخيرة خمسة آلاف نسمة.

تظاهرات السوريين ما زالت تحمل مطالب الحرية والكرامة، كما كان عليه الحال في البداية، وقد وسعت مطالبها السياسية إلى حد إسقاط النظام، في اطار رد على استمرار الحل الامني - العسكري وتصاعده ضد الاحتجاجات السلمية، لكن بعض التظاهرات لا تخلو من هتافات غير سياسية، وبعضها لا يتوافق مع أفق ثورة السوريين من اجل الحرية والكرامة، وهو يتشابه مع الدعوات التي تظهر هنا وهناك لتوجه بعض معارضي النظام الى مقابلة عنف السلطات بعنف الثورة، وهي دعوات ما زالت تقابل برفض وحذر شديدين في اوساط سورية واسعة، أبرز مبرراتها أنّ تحولاً كهذا سيفقد ثورة السوريين أقوى أسلحتها، وهو السلمية، ويخرجها من موقفها الاخلاقي الحاسم في رفضها العنف الذي يمارسه النظام والرد عليه بالتظاهر السلمي.

السوريون اليوم منقسمون بين جماعة تريد التغيير بمعناه العميق وأخرى تريد الحفاظ على الوضع القائم مع اجراء تغييرات طفيفة، وثمة جماعة ثالثة مترددة، قلقة، وجزء منها خائف من احتمالات المستقبل. وان كان الاخيرون من المترددين ودعاة الحفاظ على النطام اقرب الى السكون في نظرتهم الى التغيير، فان الجماعة الاولى تبدو اكثر نشاطاً وحيوية رغم ما اصابها من أضرار وأذيات بشرية ومادية كبيرة بفعل القمع العنيف الذي تقابل به رغبتها بالتغيير.

والرغبة في التغيير عند هذه الجماعة، ليست محكومة بالتظاهر والاحتجاج فقط، بل ان ذلك تعبير عن مضامين اعمق لمشروع سوري كامل عنوانه العام اقامة نظام ديموقراطي تعددي مدني الطابع، نظام يوفر العدل والعدالة والمساواة وحكم القانون في اطار شرعة حقوق الانسان، نظام لكل السوريين بلا استثناء، وهذه الجماعة في الطريق الى مشروعها تسعى الى براهين عملية ويومية على الطريق، يتجسد أبرزها في مضامين هتافات التآزر بين المدن والقرى التي تطلقها حناجر المتظاهرين، وفي تأكيد وحدة السوريين، وفي التطمينات السياسية التي يتم تبادلها، وفي المساعدات المادية والعينية التي تتبادلها المناطق في ما بينها، بما فيها عبوات الدم، التي تمزج دماء السوريين في أوعية بشرية واحدة، وكلها وقائع تضفي على مشروع المستقبل أبعاداً عملية.

القسم الاكثر حيوية من السوريين اليوم يرسمون صورة اخرى لانفسهم، تتجاوز التعريف البسيط الذي كانوا يعرفون به، ليصلوا الى صورة أكثر اثارة وحيوية، صورة فيها كثير من المعاناة والآلام، لكن فيها كثير من الامل، ليس في تغيير حياتهم، بل في اعطاء مثال لكل الراغبين في تغيير حياتهم من الشعوب التي تعاني من انظمة الاستبداد والاستئثار في عالم اليوم.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خواطر في زمن الثورة  .. نوال السباعي - مدريد

عن الطائفية والطائفيين

* النظام الإيراني الطائفي القذر :: لماذا لاتتركون التقيّة ، وتسمون الأشياء بمسمياتها ؟! قولوا : أن إيران لن تتخلى عن النظام السوري! ، ولاتقولوا أنها لن تتخلى عن سورية !! سورية ليست بحاجتكم ، سورية تريد طردكم من أرضها أيها الغزاة الذين احتلوا أرضنا ووعينا باسم الإسلام والإسلام منكم بريء !!، أيها الطائفيون الذين تمددوا في مساحات سمعنا وبصرنا باسم الممانعة ، فاختطفوا المقاومة رهينة بين أيديهم الملطخة بدمائنا !!.. خذوا صبيانكم القتلة من بيننا وانصرفوا ..اجمعوا أطماعكم من جغرافيتنا ووجودنا وانصرفوا!.

* شيءٌ مضحك ومثير للتقزز والغضب ، تصريحات الناطقين باسم النظام الإيراني المحتل ، الذي يتدخل في شؤوننا الداخلية بصفاقة وقذارة لايتمتع بها إلا المحتل المستعمر المتمرس في "الاستدمار" و "النهب" !! .

شيءٌ مضحك جدا !!، ادّعاء إيران أنها ستدافع عن..... "سورية" !! ...

الشعب يريد طرد الاستعمار الإيراني ! الشعب يريد ترحيل المستعمرين الروس والكورييين من سورية !.

الشعب الذي راهنتم على قدرته على الصبر ، وسلمية احتجاجاته المدنيّة ،الشعب السوري ليس وحده أيها القتلة !! الشعب من ورائه -وكما يتخوف بعض إخواننا اللبنانيين - "أمة" ..أمة تعدادها ، على أسوأ الاحتمالات ملياراً ممن لايُلْقون بالاً للموت في سبيل الحق ، ونصرة المظلوم!.

* إذا كنتم تخوفوننا ببوارجكم وأطنان الأسلحة والذخائر التي تصبونها صباً في حلق هذا الغول الذي ربيتموه وسمنتموه بالتوافق مع أعدائكم "المزعومين " في الغرب ، فوالله إننا سنخوفكم بالإنسان .. اتقوا غضبة الإنسان ، فإن الإنسان هو أمضى سلاح عرفته البشرية في تاريخها على الإطلاق !!.

* لقد طلب إلينا الإيكوادوريون والغواتاماليون والبيروويون الإسبان والفرنسيين ، من الأحرار الذين لم تستطع تلويث فطرتهم وعقولهم آلة الإعلام الجهنمية المُشَوِهِة للحقائق ، إذا كان هؤلاء قد طلبوا إلينا أن نسمح لهم بالذهاب إلى سورية للدفاع عن هذا الشعب المعذب على يدّ هذا الاستعمار خماسي الشُعب ، فمابالكم بالمغاربة والمصريين والجزائريين والليبيين والكويتيين والسعوديين والعراقيين ... لقد بلغ السيل الزبى أيتها الأغوال الوالغة في دمائنا ..لقد بلغ السيل الزبى!.

* أُسقِط في يدهم في مسألة جعل "المعركة" في سورية طائفية!! .

عجزوا عن تحويل ثورة الشعب من أجل حريته وكرامته إلى معركة طائفية!!.

فجاؤوا يريدون جعلها طائفية بالقوة!!!.

* "صدام حسين" الهالك ، و"النظام السوري" المتهالك ، وجهان قذران لعملة واحدة ، امتطوا الطائفية ، ليدكوا بنيان المجتمعات التي اختطفوها ، وظنوا أن بإمكانهم بناء سلطانهم على جماجم الشعوب ... وخابوا وخسئوا جميعهم .. لقد هُزِم هذا الجمع ..

لأن شعوب المنطقة وعلى الرغم من القهر والارتكاس والوهن ، مازالت تنتمي إلى أعظم حضارة شهدتها البشرية ، حضارة أخلاقية ، -ومهما بدا عكس ذلك- يرتقي فيها الإنسان فوق الطائفية والعنصرية والأحقاد .. ويعرف -وحده من بين بقية البشر- معاني التسامح والعفو عند المقدرة

* الاستبداد والظلم والطغيان ملة واحدة ، لادين لها ولاانتماء ..لن نغفر لمستبد دموي مجرم لأنه من"طائفتنا" ، ونُشَيّطن مستبد دموي مجرم لأنه من طائفة أخرى!.

إن هذا أشبه بمن اتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله!! .. لقد كان صدام حسين مجرما بكل مقاييس الإجرام ، قتل وذبح وسلخ واغتصب وشوَّه ودمر وأباد الناس وعبَّدهم واستباح دماءهم ووجودهم وبنى سلطانه على الإرهاب والسرقة والنهب والكذب والتشويه والتمويه والبهتان.

والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها!!!!!!!

ياأيها الذين آمنوا اعدلوا هو أقرب للتقوى !.

مشكلتنا ليست مع الإيرانيين ولامع أبناء طائفة معينة ، مشكلتنا مع الأنظمة المستبدة الفاسدة المعتدية!.. مشكلتنا هي مشكلة الإنسان الذي تستبيح حرمته هذه الأنظمة المتغولة ، كائنا ماكان انتماؤها ، وكائنة ماكانت طوائفها!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بل الرئيس السوري هو من يتآمر على وطنه وشعبه! .. الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

لم يندهش السوريون ومعهم كثير من المراقبين، عندما سمعوا الرئيس السوري بشار أسد في خطابه يوم الأربعاء 10 كانون الثاني الجاري وهو يعيد أسطوانة مشروخة اعتاد أن يرددها إعلاميو نظامه ونظام أبيه من قبل متهما السوريين ودول الجوار بالتآمر على سورية. كما أن إدعاء الرئيس السوري بأن نظامه هو النظام المقاوم الممانع العربي الوحيد، وكما زعم ذلك "حسن نصر الله" قبل أيام هو كذبة كبرى كشف السوريون زيفها، وهو أحد الشعارات التي رفعها النظام، لكن من دون مصداقية. فأي مقاومة تلك وأي ممانعة، والجولان السوري محتل منذ 45 عاما، لم تطلق رصاصة سورية واحدة ضد إسرائيل على مدى 40 عاما؟

فمنذ اليوم الأول لانقلاب حزب البعث على السلطة الشرعية في سورية عام1963 أدخل هذا الحزب على الثقافة الوطنية والشعبية شعارات براقة سوقتها دكاكين النضال البعثية،كان منها شعار: لاصوت يعلو فوق صوت المعركة. كما تم تقسيم المواطنين حسب مرجعيات سياسية وقوالب اقتصادية، فهذا مناضل ثوري تقدمي، وذاك عميل إقطاعي رجعي.

هذه الشعارات لم يكن لها رصيد في قلوب البعثيين بل كانت للاستهلاك المحلي فقط. فعندما وُضِعت حكومة البعث تحت الاختبار انهزمت شر هزيمة في حرب 5 حزيران عام 1967، وقاد هذه الهزيمة وزير الدفاع في ذلك الوقت اللواء "حافظ أسد"، وأعلن عن سقوط القنيطرة في يد الجيش الإسرائيلي في 9 حزيران، أي قبل يومين من دخول الإسرائيليين إليها.

بعد الهزيمة كان لا بد من إعادة هيكلة حكم البعث، فتم تحميل الهزيمة والإخفاق إلى الفريق الأضعف في الحزب، وتمت تصفيات داخل السلطة والحزب، فأُعدِم رفاق بعثيون، زُعِم أنهم انتحروا، مثل "عبد الكريم الجندي"، واعتقل من اعتقل، وهرب آخرون خارج سورية.

وهكذا تداول الضباط البعثيون على سدة السلطة في سورية. انقلابيّ يأتي وآخر يذهب، حتى رسى المزاد أخيرا على اللواء "حافظ أسد" الذي أطاح عام 1970، بجميع رفاقه البعثيين بعد أن اعتبرهم متآمرين على البلاد، وكانوا حتى قبل يوم واحد شركاء له في حكم سورية. أدخل البعثيون مصطلح المؤامرة بقاموسهم منذ انقلابهم عام 1963، لكي يتهموا من عداهم من السوريين بالتآمر. ثم ما لبثوا أن اتهموا فرقاء منهم بعد كل جولة تصفية وانقلاب جديد, من دون أن يتم تحديد طبيعة المؤامرة حتى يتم معرفة من يتآمر على من؟

عندما استلم حافظ أسد السلطة قبل أربعة عقود، واتهم بعثيين بالتآمر على سورية، لم يتعجب المواطن السوري، فقد كانوا –بمن فيهم حافظ أسد- متآمرين على الحقيقة.فقد تآمروا في عام 1963 على الشرعية الدستورية، ممثلة برئيس جمهورية منتخب هو الدكتور "ناظم القدسي" وعلى حكومة منتخبة منحها الثقة مجلس نيابي منتخب .

اليوم يخرج علينا الرئيس بشار أسد في رابع خطاب له منذ بدء الثورة في 15 آذار، متهما الثوار بالتآمر ودول الجوار. وكخطاباته السابقة لم يأت خطابه الرابع بجديد يمكن أن يعتبر علاجا يداوي به إخفاقات نظامه في مقاربة حل جذري للاستعصاء السوري المستحكم. كما فاقم الخطاب عزلة سورية الإقليمية بتهجمه على الجامعة العربية وعلى زعامات عربية، فجاء كلامه جزافا لا يليق برئيس جمهورية يسب زعماء عربا ويصفهم "بالمستعربين"، وإن لم يسمهم. استطرادا فإن هذا الوصف إذا كان هناك من يستحقه فهو الرئيس بشار أسد نفسه، ومن قبله الرئيس حافظ أسد. لن أفصل كثيرا في نفي اتهامه هذا، فقد أفرد له مقالا مستقلا. فقط أنوه بأن حافظ أسد وقف مع إيران ضد العرب عندما دعمها في حربها ضد العراق. ويبقى أن الولد سر أبيه، فها هو بشار أسد لم يوجه نقدا لإيران لاحتلالها الجزر الإماراتية الثلاث منذ عام 1971. ويبقى التساؤل: من تآمر حقيقة على سورية؟ أهم الثوار السوريون؟ أم بشار أسد ومن قبله أبوه حافظ أسد؟

تجدر الإشارة إلى أن بشار أسد ومن قبله أبوه، قد سوى بينه وبين سورية، واعتبر من يقف ضد استبداده وضد وقمعه للشعب أنه يتآمر على سورية، ما يعني أنه يعتبر أن سورية هي بشار أسد وبشار أسد هو سورية. وإذا كنا نسميه باسم رئيس سورية فذلك على اعتبار الأمر الواقع. وإلا فإن بشار أسد هو مغتصب للسلطة في سورية، وكان أبوه قبله قد سبقه في ذلك عندما استلم السلطة في سورية بانقلاب عام 1970، وما أسس على فاسد فهو فاسد.

تأسيسا على القاعدة الأصولية أعلاه، فإن انقلاب آذار عام 1963 كان اغتصابا للسلطة. كما أن انقلاب حافظ أسد في ما أسماه الحركة التصحيحية عام1970 هو اغتصاب للسلطة أيضا .كما أن تسمية بشار أسد عام2000 للرئاسة لم تكن شرعية. أي أن رؤساء سورية منذ آذار عام 1963 وحتى تاريخ اليوم وقع حكمهم خارج الشرعية الدستورية التي ترتب الحكم على الاختيار الحر من خلال صناديق الاقتراع الشفافة. فإذا كنا نقول إن الرئيس بشار أسد فاقد للشرعية، فهو من قبيل المجاز. وإلا فإن حكمه لم يكن شرعيا بالأصل.

تلك كانت المؤامرة التي خضع لها الشعب السوري باسم الشرعية الثورية. فلا شرعية لأي ثورة يترتب عليها اغتصاب الحقوق. وكل ما قام به حافظ أسد بعد اغتصابه للحكم في عام 1970 كان منافيا للشرعية الدستورية التي تعني الحكم عن طريق الانتخاب الحر.

لعل أكبر تآمر قام به بشار أسد هو استحلاله دماء السوريين الذين تظاهروا مطالبين بالحرية والديمقراطية وتداول السلطة، وقد حرموا منها خلال 41 عاما في عهده وعهد أبيه من قبل. فعندما تظاهر السوريون، قتلت كتائب بشار من قتلت واعتقلت من اعتقلت وانتهكت أعراضا كثيرة، كما زاد عدد شهداء الثورة السورية حتى نهاية شهرها العاشر عن ستة آلاف حسب إحصاء الأمم المتحدة الموثق . كما زاد عدد من اعتقلوا واختطفوا واختفوا عن خمسين ألف سوري.هذه القراءة تبين للعالم أجمع من هو المتآمر في سورية ومن هم ضحية التآمر؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وحدهم يقاومون  .. الياس خوري

2012-01-15

القدس العربي

السوريون وحدهم، هذا ما كان وما سوف يكون، كل الكلام المبتذل عن طلب التدخل الخارجي، او التذرّع بالتدخل الخارجي، تهاوى. وحده النظام يستعين بالخارج ويستجلب الاسطول الروسي، ويستقوي بالسلاح المستورد من موسكو، وبحليفه الايراني.

اما شباب سورية وشاباتها، الذين غطت دماؤهم السماء، فانهم وحدهم.

وحدهم يتظاهرون ووحدهم يموتون.

وحدهم يصنعون الأمل، ووحدهم يتدثرون باليأس.

وحدهم، هتافاتهم واهازيجهم وصمودهم وبطولاتهم، تكتب الصفحة الأكثر اشراقا في تاريخ بلادهم وتاريخ العرب.

وحدهم، متروكون لمصيرهم. لا امريكا ستفعل شيئا لأجلهم، ولا عرب امريكا يريدون ذلك او قادرون عليهم.

وحدهم، لأنهم طرقوا بوابة المستحيل، وقالوا ان قلب العرب يجب ان ينبض من جديد، فاجتمعت ضدهم اعتى آلة عسكرية فاشية، وامعنت فيهم قتلا، والعالم يتفرج.

المراقبون العرب لم يكونوا سوى نتاج البؤس العربي، الذي حوّل العالم العربي الى ملعب للقوى الاقليمية والأجنبية.

والجامعة العربية تقول ما لا تفعل، تغطي فتوق العجز بالكلام، ولا تملك اي وسيلة ضغط فعلية كي تتوقف المذبحة.

اما العالم الغربي، الذي عشنا عقودا في ظل تواطئه مع الدكتاتور العربي، والذي حاول ان يستلحق نفسه بعد سقوط بن علي، ولا يعنيه من الثورة المصرية سوى دعم الانقلاب العسكري خوفا على معاهدة كامب دايفيد، والذي ساهمت طائراته في اسقاط الدكتاتور الليبي طمعا في جنة النفط، هذا العالم يقف مترددا امام الثورة السورية، وهذا ما كنا منذ البداية على اقتناع تام به. فامريكا لا تريد سوى مصلحة اسرائيل، ومصلحة اسرائيل تكمن في اضعاف سورية كوطن، وارهاقها، كي يصير دكتاتورها مجرد دمية لا حول لها.

كل النقاش الذي تورط فيه المثقفون السوريون كان وهماً. كل الكلام عن تدخل خارجي كان بلا معنى.

الخلاف ليس بين من يريد تدخلا لن يحصل، وبين من لا يريد تدخلا، هو خلاف وهمي.

السؤال هو كيف تنتصر الثورة السورية.

بعد عشرة اشهر من اندلاعها، تجد الثورة السورية نفسها مهددة. لقد ضاع الكثير من الوقت والجهد على التحالفات الدولية والعربية، وكان الأحرى ان ينصب الجهد كله من اجل بناء مؤسسات الثورة، كي يستطيع الشعب الوصول الى هدفه في اسقاط النظام.

هذا هو السؤال.

السؤال يبدأ من واقع آن للجميع قراءته بدقة: الشعب السوري وحده في مواجهة آلة القمع.

هذا هو الواقع الذي يجب الانطلاق منه، بل هذا ما كشفه الواقع منذ الأيام الاولى لاندلاع اكبر انتفاضة شعبية في تاريخ العرب المعاصر.

المواجهة بين شعب اعزل وبين نظام فاشي، بنى آلة عسكرية مخيفة في انتظار لحظة الانقضاض الشاملة على الشعب.

كان الرئيس السوري واضحاً في خطابيه الأخيرين، فهو يعلن ببساطة ووضوح وبلغة لا التباس فيها انه قرر ان ينتصر على الشعب!

تم حشد الناس بالطريقة 'البعثية' اياها، كي يقف فيهم الرئيس خطيباً ويقول انه سينتصر عليهم، وأنه لا يبالي بأحد.

يقول للناس وللعالم انه قرر ان ينتصر على شعبه، يستخدم اللغة الملتبسة اياها في الكلام عن الاصلاح وما شابه، يناور في كل شيء ولا يعطي شيئاً، لكنه يبقى ممسكاً بالبندقية، كي يعلن انه لن يتراجع عن قراره بالحسم.

لعبة النظام صارت واضحة، انها استدراج الثورة السورية الى الحسم العسكري، وهناك يستطيع الابن ان يستعيد 'امجاد' الأب، محولا سورية كلها الى حماه ثانية.

هذا هو الخطر الذي يجب ان يعيه الجميع. النظام يستطيع ان يلجأ الى الحسم العسكري الشامل، وعبر غزو المدن والقرى.

لكن لعبة الحسم العسكري رغم خطرها الأكيد لم تعد تخيف السوريين، لا لأنهم يملكون جيشاً موازيا يستطيع مقاومة الجيس النظامي، بل لأنهم يملكون ما لا يستطيع اي جيش الانتصار عليه: الارادة والوحدة.

ليس التنسيق بين المجلس الوطني والجيش الحر هو ما سيغير المعادلة، رغم ضرورته، وليس البحث المتعثّرعن قواسم مشتركة للمعارضات السورية هو الجواب، رغم ان هذا المسعى يجب ان يستمر.

الجواب هو في الابداع الشعبي الذي تصنعه حمص وادلب ودير الزور وريف دمشق وحماه وحي الميدان وطلبة حلب... انه القرار بأن لا عودة الى الوراء، وان اية قوة عسكرية في العالم، مهما عظمت لا تستطيع ان تقهر ارادة شعب قرر ان يقاوم الى النهاية.

الجواب في تنسيقيات الثورة، التي تنهض بعد كل ضربة وموجة اعتقال، في شجاعة الناس وهم يحتقرون الذل ولا يخافون، الجواب هو في الأيدي المرتفعة والأقدام التي تقرع الأرض، والدموع التي صارت بلون الدماء.

الجواب كان وسيكون سورياً.

المعركة طويلة. الثورة السورية هي الأصعب والأكثر جذرية والأكثر كلفة. لا وجود هنا لجيش يقف على الحياد على الطريقة التونسية، او لجيش يصطاد الثورة بما يشبه الانقلاب على الطريقة المصرية، او لطائرات الناتو التي دمرت اكثر مما حمت المدنيين على الطريقة الليبية.

في سورية ثورة طويلة بشروط معقدة وكلفة عالية وتضحيات كبرى.

لا تستطيع الثورة ان تنهزم او تتراجع، خيارها الوحيد هو الاستمرار حتى اسقاط النظام.

السوريون وحدهم، وهم يعلمون ان مهمتهم هي الأكبر، لأن مصير ثورتهم سيحدد مستقبل بلادهم ومستقبل العرب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام الأسد في سوريا.. وماذا بعد؟  .. م. سعيد الفرحة الغامدي

الثلاثاء 17/01/2012

المدينة

من الصعب التكهن عن بعد؛ ماذا سيكون الوضع في سوريا إذا سقط النظام السوري؟! -الذي أصبح قاب قوسين أو أدني- وذلك إذا تجنبت سوريا الدخول في حرب أهلية يطول مداها وتجر إليها لبنان ودول مجاورة أخرى! مفاتيح الحسم السريع بيد النظام عن طريق التخلي عن السلطة وإيجاد مخرج آمن للرئيس وأعوانه على منوال الترتيب الذي حصل في اليمن الذي مازال متعثرًا هو الآخر حتى اللحظة. المعارضة السورية لازالت لم توحد صفوفها بعد، والجيش كذلك لازال أغلبيته مع النظام بكل دفاعاته وأسلحته التي ينبغي الحفاظ عليها قبل أن تقع في أيدٍ تعبث بها في ظل الفوضى القائمة والتي من المتوقع أن تتصاعد وتيرتها ما لم تتوصل الأطراف المتصارعة إلى حل سريع قبل أن تذهب سوريا -الوطن- وكل ما تملك من وسائل الدفاع عن أمنها واستقرارها في مهب الريح.. وتنبري إسرائيل لتكمل الصفقة وتغلق كل ما تبقى للعرب من أمل في الصمود على الجبهة السورية.

إيران التي تعضد النظام في الوقت الراهن لا تستطيع تغليب الأسد على شعبه لأنها هي الأخرى في خطر من ضربة خارجية بسبب حماقة التصريحات التي يطلقها بعض قادتها من وقت لآخر وتهديداتها بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية.. الأمر الذي لن يسكت عنه العالم لضمان تدفق الطاقة النفطية من دول المنطقة إلى الأسواق العالمية التي تعتمد عليها بالكامل.

والواقع السوري يدل على أن الكل وصل إلى نقطة اللا عودة.. فالنظام مصر على الاستمرار حتى النهاية.. والمعارضة أيضًا تصر على مواصلة الثورة حتى النصر -كما تدعي-. سوريا بلد عربي محوري، وليس من مصلحة العرب أن يتفتت، مثلما حصل للعراق، ولكن إصرار النظام على الارتباط بإيران على حساب علاقته مع العمق العربي وتخلف وتيرة الإصلاح المطلوب في شؤونه الداخلية سبب له المشاكل التي أدت إلى الحالة الراهنة. وبالعودة إلى أصل المشاكل التي أزّمت العلاقات العربية -عربيا وخارجيا- نجد القضية الفلسطينية من صميم الأسباب التي أدت إلى التخلف والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة من بداية القرن العشرين حتى الوقت الراهن واتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.. وأوسلو الفلسطينية وما تلاها من الاختراقات الإسرائيلية المتعددة التي أوصلت المنطقة إلى سياسة عنق الزجاجة، والعدو الإسرائيلي هو المستفيد الأول من كل الإخفاقات التي حصلت، ومازالت تجر ذيولها في كل ركن من أركان العالم العربي. والريبة من أن نتائج الربيع العربي ستقود إلى الأسوأ فيما يخص القضية الفلسطينية وليس للأحسن، ومرة أخرى يظل العدو الإسرائيلي هو المستفيد الأول وإذا دخلت سوريا في أتون حرب أهلية طويلة المدى فذلك غاية ما يتمناه الصهاينة لأن ذلك سيُدمِّر مقوّمات جبهة قائمة وصامدة تحسب لها حساب في الحرب والسلم مهما كانت التكهنات والمحاذير والروايات متعددة الجوانب. إن التفكير بصوت عالٍ في هذه المرحلة لصالح القضية الفلسطينية ومستقبل الأمة العربية على المدى البعيد لا أحد مستعد الإصغاء له الآن في ظل المعارك الدائرة في بلاد الشام وغيرها من الدول العربية.. لأن كل زنقة مزنوقة بزنقتها. وكم من قائل.. إن الرئيس بشار الأسد بحاجة لمن يهمس في أذنه -من خارج طاقم الجامعة العربية الحالي- ويقول له: إذا كنت فعلًا تحب سوريا فخذ العبرة ممن سبقوك من بداية الربيع العربي.. واذهب قبل أن تذهب سوريا في مهب الريح! والإسراع في تدارك الموقف في غاية الأهمية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الأسد وخطابه .. د. أحمد يوسف أحمد

تاريخ النشر: الثلاثاء 17 يناير 2012

الاتحاد

بعد شهور من الصمت ألقى الرئيس السوري خطاباً يوم الثلاثاء الماضي تضمن رؤيته للأزمة السورية وسبل الخروج منها. يلفت النظر أن ما يقارب العام قد انقضى على ثورتي تونس ومصر ومن بعدهما الثورتان اليمنية والليبية، ومع ذلك فإن إدراك القيادة السورية للموقف ما زال على ما هو عليه، وكأن نظماً لم تسقط وحكاماً لم يجبروا على الهرب أو التنحي أو يقتلهم الثوار، فما زال الثوار والمعارضون جماعات من "الإرهابيين" يتحركون بوحي من قوى أجنبية وعربية، وتدعمهم أجهزة إعلام كاذبة تحاول دفع السوريين إلى الوهم والسقوط والانهيار! والمشكلة أن هذا التشخيص يكاد يتطابق مع مثيله التونسي والمصري واليمنى والليبي، علماً بأن أبسط مبادئ التحليل العلمي تشي بأن العوامل الخارجية لا يمكن أن تكون هي العوامل الرئيسة في تفسير ظاهرة ما.

ينطوي تشخيص القيادة السورية على تناقضات كامنة أولها ما سبقت الإشارة إليه حالاً من نسبة ما يحدث في سوريا إلى عوامل خارجية، وثانيها أنه لم يتعرض أصلاً لتفسير كيف أن نظاماً سياسيّاً يرى فيه الأسد ونخبته نظاماً نموذجيّاً يُخترَق إلى هذا الحد من "الإرهابيين والمخربين" دون أن تتمكن مؤسسات النظام السياسية والأمنية والعسكرية من أن تضع حداً لاختراقهم، وكيف تستطيع وسائل إعلام خارجية مهما بلغت قوتها أن تدفع شعباً إلى الثورة على "نظام نموذجي" يعيش في كنفه، وكيف أن القيادة لا ترى في سقوط آلاف الشهداء والجرحى وهروب آلاف أخرى إلى دول مجاورة -لا ترى في ذلك تآكلاً في شرعية النظام. ومشكلة إدارة الأزمات السياسية في هذه الحالات أن هذا الإدراك المشوه للأزمة لابد أن يفضى إلى قرارات عاجزة عن مواجهتها، فتكون النتيجة مزيداً من التعثر والسقوط.

خص الرئيس السوري الجامعة العربية بجزء يعتد به من خطابه، فقد فشلت خلال ما يزيد على ستة عقود في إنجاز موقف يصب في المصلحة العربية، وهي جامعة منزوع عنها صفة "العروبة" وإنما تحولت إلى "مستعربة"، ثم أضاف أنه إذا كان بعض الدول العربية يسعى إلى تعليق "عروبة" سوريا في الجامعة فإنه يعلق "عروبة" الجامعة، واعتبر مبادرة الجامعة العربية "منصة انطلاق" إلى مجلس الأمن. والحقيقة أن هذا التشخيص -مع الاعتراف بوجود عوامل ضعف بنيوية في الجامعة- ينطوي على مغالطات بينة، إذ أنه عبر تاريخ الجامعة نستطيع أن نتحدث عن دعمها المعنوي والمادي لحركات التحرر في الوطن العربي في خمسينيات القرن الماضي، وعن احتضانها في النصف الأول من ستينيات ذلك القرن مشروع الكيان الفلسطيني، وعن تجنيب النظام العربي ويلات الانقسام والصدام في أزمة المطالبة العراقية الأولى بالكويت في 1961، وعن توفير الآليات المطلوبة لحصار نظام الحكم المصري بعد خروجه على مألوف سلوك النظام العربي واتجاهه منذ 1977 إلى سياسة منفردة لتسوية الصراع مع إسرائيل.

وإذا كانت الإجابة بالنفي على الأسئلة السابقة، وكان تشخيص القيادة السورية للجامعة العربية صحيحاً، فلماذا بقيت سوريا داخلها طيلة هذه العقود من الإخفاق؟ ولماذا لم نسمع عن محاولات سورية دؤوبة لإخراج الجامعة من حالة التردي التي تعانيها؟ ثم إن تشخيص القيادة السورية لمكانة سوريا في الجامعة العربية ينطوي على مبالغات غير مقبولة. صحيح أن سوريا ركن أساسي في بنية النظام العربي، ولكن القيادة السورية وقعت هنا في خطأ علمي آخر وهو أن "الجزء" مهما كانت أهميته لا يمكن أن يكون أهم من "الكل"، وهذا يعنى في حالتنا هذه أن فرض "عزلة" عربية على سوريا لا يعنى عزلة الجامعة العربية. أما الحديث عن "المبادرة العربية" تجاه الأوضاع في سوريا واعتبار هذه المبادرة "منصة انطلاق إلى مجلس الأمن" فهو ينطوي بدوره على تناقض آخر، صحيح أن بعض النظم العربية ربما يكون راغباً في تصفية حساباته مع النظام السوري، ولكن أي مراقب منصف يعلم أن هناك اتجاهاً قويّاً داخل الجامعة لعدم تكرار التجربة الليبية، ولا يقل عن ذلك أهمية أن الحديث عن نوايا خبيثة خلف المبادرة العربية يتناقض مع قبول سوريا هذه المبادرة، وتفاوضها الممتد حولها، وقبول مبدأ المراقبين العرب بعد طول ممانعة.

ماذا عن الحل إذن؟ من المهم هنا الإشارة إلى أن الرئيس السوري لم يرَ آلية للإصلاح سوى الحوار الوطني والدستور الذي قارب الإعداد وسيستفتى الشعب عليه. أما عن الحوار فقد ازدادت الفجوة بين النظام ومعارضيه عبر دماء الآلاف من الشهداء والجرحى، ولذلك فإن آفاق حوار وطني حقيقي تكاد تكون مسدودة خاصة وقد استبعد الأسد منه قوى المعارضة الموجودة في الخارج التي تعمل وفقاً لتوجيهات القوى الأجنبية حسب تصوره، في الوقت الذي لم يشر فيه بحرف إلى نوعية قوى المعارضة التي يمكن أن تشارك في حوار كهذا. وأما مشروع الدستور الجديد فلا نعرف الكثير عن القوى الحقيقية التي تكمن خلفه، وإن كان انحيازها للنظام القائم مرجحاً أو على الأقل فهي لن تفرز دستوراً يحقق الإصلاح والتغيير المنشودين لأنهما سيفضيان إلى تقويض نظام لا يستفيد منه الأسد فحسب وإنما نخبته العسكرية والمدنية والتجارية أيضاً، وتعلم هذه النخبة أن في تقويض النظام قضاءً مبرماً عليها. وفضلاً عن كل ما سبق فإننا لا نعرف أيضاً لماذا تأخر مشروع الدستور الجديد طيلة هذه الأشهر على رغم تفاقم الموقف السياسي والوضع الأمني.

تبقى مسألة التدخل الخارجي سواء كان أجنبيّاً أو عربيّاً أو مزيجاً منهما، والحقيقة أنه على رغم النوايا السيئة المحتملة لبعض الدول التي تطالب بهذا التدخل، فإنه في الوقت نفسه أصبح مطلباً ملحّاً لقطاعات من الثوار أنفسهم. ومع ذلك يبقى التدخل الدولي ملتبساً للغاية، أولاً لأنه يخلط بين سوريا الدولة وسوريا النظام، وبفرض أنه ممكن فقد يتجه بالأساس إلى تدمير الجيش وليس النظام السوري، ذلك أن القوة السورية مهما كانت ممارسات النظام الحالي في سوريا تبقى إضافة للقوة العربية في مواجهة أية تحديات قادمة، وثانيّاً لأن تنفيذه يبدو مسألة معقدة للغاية سواء كان عربيّاً أو أجنبيّاً أو مختلطاً. عربيّاً لأننا نعرف أن الانقسامات بين الدول العربية وعدم وجود تنسيق مسبق بينها لمواجهة مثل هذه المواقف من الممكن أن يجعل من هذا التدخل كارثة حقيقية، وأجنبيّاً لأنه ما من قوة عظمى أو كبرى إلا وتواجه مشكلات معوقة لهذا التدخل، فالإدارة الأميركية خرجت بالكاد من مغامرة الغزو العسكري للعراق في 2003 وبقي لها أن تواجه الوضع في أفغانستان، والدول الأوروبية غارقة في أزمة اقتصادية ممتدة لا يمكن أن يكون التدخل العسكري في موقف كالموقف السوري الراهن متسقاً مع متضيات الخروج منها.

يبدو إذن أن الحل الوحيد يكمن في صمود الثوار واستمرار الثورة حتى ينتفض الشعب السوري بأكمله ضد ممارسات النظام، وقد تحدث انشقاقات متزايدة في مؤسسات النظام وعلى رأسها المؤسسة العسكرية مما يجعل الموقف أقرب إلى حالة الحرب الأهلية، وقد يمثل هذا في حينه سياقاً يبرر التدخل الخارجي على رغم كل سوءاته ومحاذيره. أعان الله شعب سوريا الحبيبة وأمده بالقوة والعزم والإصرار، فهي المفاتيح الوحيدة لنجاحه في استخلاص حقوقه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قوات عربية... لكن من أين؟! .. راجح الخوري

2012-01-17

النهار

من أي سماء يمكن أن تهبط القوات العربية التي يقترحون إرسالها الى سوريا، وهل هناك فعلاً دول عربية تملك الرغبة او الاستعداد للقيام بهذه المهمة المستحيلة، واذا كانت بعثة المراقبين قد عجزت عن تقديم تقارير واضحة ومفيدة عما يجري، فهل هناك من يصدق ان

في وسع قوات عربية ان توقف حمام الدم الهادر في سوريا ؟

فعلاً من اين يمكن ان تأتي هذه القوات يا طويل العمر؟

من الجزائر التي تدعم نظام الأسد، ام من المغرب الذي لم يسبق له ان شارك في أي قوات منتدبة من هذا النوع، ام من تونس الغارقة في اعادة ترتيب الوضع بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، ام من ليبيا التي تقف على حافة صراعات مسلحة بين الثوار، ام من مصرالغارقة في هموم الانتقال من نظام مبارك الى "ديموقراطية" تحيط بها علامات استفهام كثيرة بعد نتائج الانتخابات الاخيرة ؟

ام تأتي من اليمن الذي بالكاد يتراجع عن حافة الحرب الاهلية، ام من العراق حيث تدعم سلطة نوري المالكي نظام الاسد، والذي يراوح عند ابواب حرب مذهبية بغيضة بين السنة والشيعة، ام انها تأتي من الاردن الذي يكفيه ما فيه من متاعب ؟

لعلها تذهب من لبنان القاصر الذي لا يجرؤ في ظل حكومته البائسة على حماية الفارين من سوريا الى اراضيه، ام تراها ستأتي من مجلس التعاون الخليجي و"درع الجزيرة" الغارق في مهمات تطوير قدراته الدفاعية والردعية في وجه التهديدات الايرانية المتصاعدة وقد وصلت اخيراً الى توجيه التهديد لدول المنطقة من زيادة انتاج نفطها لسد حاجات السوق العالمية؟!

كل هذا ليس خافياً بالتأكيد على أمير قطر الشيخ حمد الذي اقترح ارسال هذه القوات لأنه يريد وقف حمامات الدم المتزايدة بأي طريقة، وخصوصاً الآن بعدما فشلت مهمة المراقبين فشلاً فاضحاً، وهو ليس خافياً ايضاً على عمرو موسى الذي ايد الاقتراح الذي سيكون موضع بحث في اجتماع وزراء الخارجية العرب في 21 كانون الثاني الجاري.

بالتأكيد يريد الشيخ حمد من اقتراحه ارسال قوات عربية الى سوريا، ان يحدث هزة جديدة قد تساعد على تلمس مخارج توقف حمامات الدم، التي تنذر بنشوب حرب اهلية تلهب المنطقة كلها. واذا كانت الدول العربية غير قادرة على هذا الأمر فإن مجرد طرحه يفتح الابواب على إمكان تحمّل مجلس الامن والمجتمع الدولي مسؤولياتهما حيال المأساة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لم يكن أمير قطر "يمزح" لكن... سركيس نعوم

2012-01-17

النهار

لم يكن امير دولة قطر يمزح عندما اقترح، رداً على سؤال إعلامي، ارسال قوة عربية الى سوريا لوقف العنف. ورغم ذلك فان لبنانيين وسوريين كثيرين وعرب "تساءلوا عندما سمعوه اذا كان جدياً في اقتراحه، او إذا كان يقصد الانتقال الى العمل العسكري العربي لانهاء ما يجري في سوريا. وتساءلوا ايضاً عن معنى وقف العنف الذي تحدّث عنه. هل هو عنف نظام آل الاسد ضد الثائرين عليه الذي يشكّلون، في رأي قطر ومجلس التعاون الخليجي وغالبية الدول العربية و"العالم الغربي"، الاكثرية الشعبية في سوريا؟ ام هو عنف الجماعات "الارهابية والتخريبية" كما يسمّي النظام هؤلاء الثائرين؟ ام هو عنف الفريقين معاً؟

وتساءل هؤلاء اللبنانيون والسوريون والعرب اذا كانت الدول العربية، التي يقترح امير دولة قطر ان ترسل قوات لوقف العنف في سوريا، ترغب في ذلك، او تسمح لها ظروفها الراهنة بذلك، أو تمتلك من الاعتبارات والمخططات والقدرة ما يدفعها الى ارسال قوة عسكرية الى بلاد الشام. وتساءلوا ايضاً اذا كانت الدول العربية توافق على ذلك سواء في جامعة الدول العربية أو في المشاورات الثنائية.

وتساءل اللبنانيون والسوريون اياهم مع غالبية العرب اذا كان نظام آل الاسد في سوريا يقبل تدخل قوات عسكرية عربية في بلاده سواء لمساعدته او لمساعدة الثوار.

هل من اجوبة عن هذه التساؤلات وعن اخرى كثيرة غيرها؟

من الاجوبة ان رفض نظام الاسد اي تدخل عسكري وان عربياً في بلاده لا بد ان يؤدي الى خطوة من اثنتين. الاولى، تخلي العرب عن هذا التدخل. والثانية، تنفيذه بالقوة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل ان الدول العربية مجتمعة ومنفردة مستعدة لمواجهة عسكرية مع النظام المذكور؟ والجواب استناداً الى المعطيات المتوافرة هو كلا. والسؤال الآخر الذي يطرح هو ان هل تمتلك هذه الدول القدرات اللازمة لتنفيذ التدخل المذكور؟ والجواب هو كلا ايضاً. فقطر التي تدخلت بمئات من جنودها في ليبيا لا تستطيع ان ترسل الآلاف الى سوريا لعدم توافرهم. والعربية السعودية لا تستطيع الامر نفسه لأسباب ثلاثة. اولها، حرصها الدائم والمزمن على عدم التورط في مغامرات عسكرية، وعلى عدم استعمال القوة الا عندما يتهدد امنها مباشرة سواء من الداخل او من الخارج او منهما. وثانيها، انشغالها بالخطر الذي تشكّله ايران الاسلامية عليها وبالبحث عن طريقة لمواجهته. وثالثها ادراكها ان امنها الداخلي معرّض للاهتزاز سواء بسبب التوتر في المنطقة الشرقية التي تعتبر ان ايران تؤثر في بعض شيعتها. ودول الخليج الاخرى ليست في هذا الوارد لغياب القدرات. ومصر اكبر الدول العربية واكثرها امكانات عسكرية، مشغولة بنفسها هذه الايام. وستبقى كذلك طويلاً. فضلاً عن انها، وبعد تجربة تدخلها العسكري الفاشل في اليمن في ستينات القرن الماضي، احجمت عن التدخل المباشر عسكرياً واكتفت بالانواع الاخرى منه. وما امتناعهما عن الاشتراك في قوة الردع العربية التي قررت قمتان عربيتان مصغّرة ثم موسعة ارسالها الى لبنان عام 1976 لوقف الحرب فيه، ولمصالحة دولته مع الوجود الفلسطيني المسلح على ارضه الا دليل على ذلك. اما دول المغرب فمشغولة بأوضاعها الداخلية وكذلك السودان والاردن، علماً ان للأخير تاريخ عريق في انواع اخرى من "التدخل الفاعل".

في اختصار تريد غالبية الدول العربية الخلاص من النظام السوري. لكنها لا تمتلك القدرات اللازمة. ولذلك فإنها تعوّل على الدول الكبرى التي بدورها لا تستطيع الآن القيام بذلك عسكرياً طبعاً، والتي يرفض بعضها العمل العسكري اساساً. وليس هناك من العرب من عنده مخطط "عربي" شامل تشكل سوريا جزءاً محورياً منه مثلما كان للاسد الاب الراحل مخططاً ل"سوريا التاريخية" لبنان جزء مهم منه. فقط دولتان غير عربيتين، ويا للاسف، تمتلكان المخطط والقدرة لتغيير الاوضاع السورية، وتنتميان في الوقت نفسه الى الاسلام بفرعيه، وهو شرط ضروري لقبول السوريين والعرب اي تدخل عسكري في بلادهم، وهما تركيا وايران. لكنهما متناقضتان في المشروع والرؤية والاهداف حتى الآن على الاقل. اولاهما مع ثوار سوريا، وثانيتهما مع نظامها. ولن يتوافقا اذا لم تتوافق الثانية مع اميركا، او لم تدخل معها في مواجهة عسكرية شرسة... وخاسرة. والاحتمالان امامهما عقبات كثيرة وجدية. وفي الانتظار "تغطس" سوريا اكثر في الدم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قوات متعددة الجنسية لسوريا؟  .. علي حماده

2012-01-17

النهار

جاء قول امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي عبر فيه عن دعم فكرة ارسال قوات عربية لحماية المدنيين في اطار حل يفرض على النظام في سوريا، ليفتح نقاشا واسع النطاق في شأن حدود التدخل الخارجي في الازمة السورية. فالموقف القطري (قطر رئيسة القمة العربية واللجنة الوزارية العربية المعنية بالازمة السورية) يعكس اقتناعا عربيا ودوليا بأن مهمة المراقبين العرب فشلت وما عادت كافية لوقف القتل الذي يمارسه النظام في سوريا ضد المواطنين العزل. اكثر من ذلك، كان خطاب بشار الاسد الاخير واضحا لجهة اعلانه عن مواصلة القتل حتى بوجود المراقبين. وقد هاجم الاسد الابن الجامعة العربية، اي الحل العربي، حتى بدت مهمة المراقبين العرب مجرد نزهة سياحية اكثر منها مهمة سياسية - انسانية. وبذلك يمكن الزعم ان مهمة المراقبين انتهت، وان بقاء فرق المراقبين في سوريا صار مثل عدمه. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير موقف امير قطر الذي فتح الباب علنا امام الحديث عن قوات عربية تنتشر في سوريا لوقف القتل.

الفكرة المطروحة جذّابة اذا ما نظرنا الى واقع الحال السيئ على الارض. فبشار الاسد يخوض حربا حقيقية ضد الشعب، وانتشار بضع عشرات من المراقبين العرب لم يحل دون ارتفاع منسوب القتل، وتاليا صار من الضروري الذهاب ابعد بفتح موضوع نشر قوات عربية في مدن ومناطق تحل مكان الجيش والامن السوريين، على ان تمتلك القوات العربية امكان ردع اي خلل او خروق على الارض. بالطبع لن يقبل النظام في سوريا بهذا الحل، وسيعتبره مقدمة للبننة سوريا، اي تكرار التجرية اللبنانية التي كان لنظام حافظ الاسد اليد الطولى فيها قبل اربعة عقود، حيث ادى حافظ الاسد دور "الاطفائي المهووس" ببراعة استثنائية!

البحث في إرسال قوات عربية جيد، لكنه غير كاف. فالدول العربية غير قادرة على تأمين قوات عربية جيدة التدريب تكون قادرة على مهمات رادعة على الارض. وحدها قوة متعددة الجنسية عربية - غربية - روسية يمكن ان تؤدي الدور بكفاية. ولكن المرحلة الراهنة لا تشي بإمكان ان يقبل بشار الاسد بانتشار قوات عربية - دولية حتى بمشاركة روسية.

ان الحديث عن قوات عربية على الارض في سوريا ينبغي ان يشكل مقدمة لبحث جدي في حل عسكري للأزمة السورية. فاستمرار النظام في قتل المواطنين لا يمكن ان يستمر الى ما لا نهاية، وخصوصا ان الثورة مستمرة بزخم كبير. وسكوت المجتمع الدولي عن القتل اقرب ما يكون الى التواطؤ منه الى الخوف من اللااستقرار في المنطقة.

إن التدخل الدولي واجب في سوريا. التدخل العسكري بداية عبر دعم الجيش السوري الحر، واقامة مناطق عازلة جنوبا وشمالا ضرورية لحماية آلاف الجنود المنشقين الذين يحتاجون الى مناطق آمنة في سوريا يلجأون اليها. هذا التدخل يقوض كثيرا قدرات النظام لمواصلة حربه في الداخل، ويقرّب نهايته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المتغيرات التي حولت بشار إلى شمشون  .. غسان الإمام

الشرق الاوسط

17-1-2012

في قمة العرب البيروتية (2001)، وفي أوج الفرحة بالمنصب والسلطة، حاضر الشاب الوارث، من فوق. فوق، الزعماء العرب. جامل أهل الحكمة والتجربة فورة الشباب. فسكتوا عنه. عندما اختلف معهم، بعد سنين قليلة، وصفهم متماديا بأنهم «أشباه رجال»!

ها هو بشار اليوم يدخل أولى سني الكهولة (46 سنة). لم تزوده السلطة المطلقة بحكمة التجربة. فقد فرز العرب عربين. ألحق نفسه ونظامه بالعرب العاربة. قال عن عرب الجامعة إنهم عرب «مستعربة». عرب «بلا ثقافة. بلا حضارة»! ربما لأنهم لم يلتحقوا مثله بإيران.

ماذا سيكون رد عرب عدنان على عرب إيران؟ عرب الأغلبية الصامتة في انتظار يوم الخميس (19 يناير «كانون الثاني» الحالي) على أحرَّ من الجمر. من القاهرة، سيأتي رد وزراء خارجية العرب.

في الرد على الإهانة. والاستفزاز. والتهديد، أعتقد أن هناك ثلاثة خيارات أمام العرب: تدويل بشار، بإحالته إلى مجلس الأمن، بعدما تحول إلى «شمشون»: عليّ. وعلى العرب. المنطقة. والعالم.

الاحتمال العربي الثاني يستوحي قلة الحيلة مع نظام لا بد من مداراة سفاهته، بتمديد المهلة المعطاة له، ليصلح نفسه، ويكف عن التسلّي بقتل شعبه.

الاحتمال الثالث والأخير سحب المراقبين. ف«مَنْ راقب الناس مات هما». وتركُ الحسم للصدام الدموي بين الشعب والنظام في الميدان.

لكل من هذه الاحتمالات إيجابيات وسلبيات. أبدأ أولا بشمشون الأسد. فقد خرج من قوقعة عزلته، ليهدد الأحياء بمصير الأموات من ضحايا النظام، اعتقادا منه بأن المتغيرات الأخيرة في الموقفين العربي والدولي، جاءت لخدمته، لتحسين مواقع نظامه. وفي مقدمة هذه المتغيرات وصول الأسطول الروسي وصواريخه.

في رؤيتي لاحتمال التدويل، أجد أنه مجرد انتقال من عجز عربي، إلى عجز أميركي/ أوروبي. مع حياد أنجيلا ميركل قاطرة أوروبا الاقتصادية، يبدو أوباما وساركوزي مشغولين في انتفاضة انتخابية لا تقل تهديدا لمستقبلهما السياسي، عن تهديد الانتفاضة السورية لشمشون بشار.

وبالتالي، فالتدخل الغربي في سوريا مستبعد حاليا، طالما أنه عاجز عن نيل «الرخصة» من مجلس الأمن العاجز، بدوره، عن بصمها، بوجود الفيتو. التوأم الروسي/ الصيني.

السؤال المحيِّر في هذا العجز الدولي: لماذا تشجع أميركا وأوروبا، إذن، مجلس برهان غليون الإخواني، على المطالبة بالتدويل الذي تعارضه، أصلا، معارضة الداخل؟ هل هي مجرد الرغبة في تنكيد حياة شمشون الأسد، وإدامة الصراع الدموي في سوريا؟

يبدو أن مجلس المعارضة السورية الخارجية معجب بمشروع التدويل الذي أتاح له الظهور الدعائي، في «مجلس» دهاقنة السياسة الدولية: هيلاري. هيغ. جوبيه.. فيما كان على المجلس السوري الانشغال بدعم التنسيق بين جناحيه الليبرالي والإخواني. ثم تحقيق التوافق مع المعارضة الداخلية، بعدما أجبره أردوغان وداود أوغلو على وضعه في الخدمة الدعائية لجيش سوريا الحر المنطلق من تركيا.

احتمال رهان عرب الجامعة على «تسوية» ما، مع النظام، ينطلق من واقع الانقسام العربي بين معارض. ومنحاز. وشاهد «ما شافش حاجة»، على الرغم من العيون السود ل170 مراقبا دخلوا من بوابة النظام. ومهددون بالخروج مسحوبين. أو مطرودين من النافذة.

أعتقد أن المتغيِّر الأهم في الموقف العربي هو الانشغال بتفاقم الصراع في الخليج: إغلاق إيران لمضيق هرمز خط أحمر. أميركا وأوروبا اللتان تنهلان من نفط الخليج ستسارعان إلى فتح المضيق بالقوة. إذا ردت إيران بالتعرض لحقول النفط والناقلات الخليجية، فالرد على الرد سيكون بتدمير الحقول النفطية الإيرانية. وربما معها مراكز المشروع النووي الإيراني.

الصين تسعى إلى الحصول على جرعة نفطية خليجية بديلة للنفط الإيراني. لكن روسيا سارعت إلى التحذير من شن حرب أميركية على «جارتها» إيران. السبب الحرب الدبلوماسية والإعلامية التي يشنها الغرب على نظام بوتين. هناك مساومة تحت الطاولة بين الغرب وبوتين. إذا نجحت التسوية بتحييد روسيا، يصبح موقف بشار ونجاد حرجا للغاية، فيما تنتعش المبادرة العربية لتأديب النظام السوري.

أذكِّر هنا بأن المبادرة العربية لم تصل، بعد، رسميا إلى المطالبة العلنية بتغيير النظام. فهي تدعو المعارضة إلى الحوار معه.

ولعل الخليجيين، ربما باستثناء القطريين أو بالاتفاق معهم، غير راغبين في وصول «الإخوان» إلى إحياء مشروع الخلافة الإسلامية مع تركيا. من خلال سيطرتهم على سوريا، بعدما سيطروا انتخابيا على مصر ومعظم المغرب العربي.

وصل تردد الجامعة إلى درجة عدم نشر تقرير الفريق السوداني محمد الدابي عن جولته «السياحية» في سوريا مع مراقبيه، واكتفاء الأمين العام نبيل العربي بالقول إن التقرير كان «مُرْضيا». فقد ساوى بين القتلة والمقتولين. لعل الخليجيين، بعد الجروح التي ألحقها كل من الشبيحة والانتفاضة بالمراقبين الكويتيين والإماراتيين، يترحمون على حنكة وتجربة المخضرم عمرو موسى.

مع ذلك، لست ضد المراقبين العرب، بمن فيهم الدابي. وأستغرب إلحاح قادة انتفاضة الخارج والداخل على استعجالهم في مهمتهم أو سحبهم. فهم على كل حال أفضل من قوات بان كي مون العاجزة عن حفظ سلام جنوب لبنان. ودارفور. والكونغو. وجنوب السودان.

أما الانسحاب فهو الاحتمال الأسوأ. الانسحاب العربي يمنح شمشون النظام الفرصة للحسم الأمني مع الانتفاضة، على الطريقة السورية/ اللبنانية: «يا قاتل. يا مقتول».

هناك عامل آخر غير المتغيرات الدولية والعربية، في إجبار بشار على النزول إلى الساحة «الحكواتية»، للتمهيد بحسم الوضع الأمني بقبضة وعضلات شمشون، بعدما ازداد فوضى واهتزازا، من دير الزور شرقا. إلى محافظة إدلب غربا. ومن ريف حمص وحماه في الوسط. إلى اللاذقية الساحلية. إلى ريف دمشق من دوما شمالا إلى درعا جنوبا. وعلى طول الحدود مع لبنان من الزبداني جنوبا إلى تلكلخ والقصير شمالا.

ماذا سيقول التاريخ عن بشار؟ عرف كيف يصل. لكن لم يعرف كيف يحكم. يدخل بشار التاريخ من بوابة شمشون: «عليّ. وعلى أعدائي». في غيبوبته عن الواقع، فقد أذهل السوريين، موالين ومعارضين، بدعوتهم إلى «احتضان» الشبيحة والأجهزة الأمنية! كسب بشار رضا الوالدة. في مخالفته لمنطق التاريخ، ارتكب مخالفة سير. سار عكس اتجاه المسيرة البشرية نحو الأفضل حضاريا. وإنسانيا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اعداء الشعب السوري هم الأخسرون  .. جان كورد

ليس في السياسة عداوات أو صداقات، وإنما هناك مصالح فقط، ولكن العقلاء في كل مكان يدركون جيداً أن هناك عداوات و صداقات لاتذبل، بين الشعوب خاصةً، رغم اختلاف الأزمنة وتغير رياح المصالح المادية أو السياسية، وهي تؤثر بعمق في وعي الشعوب لأجيال وأجيال، ولايمكن لأي سياسي ناجح أو اقتصادي باهر اهمالها لدى قيامه بمهامه المنوطة به من قبل قيادة بلاده. والأذكياء هم الذين يسارعون إلى تقديم الاعتذار للشعوب الأخرى، عما بدر من أسلافهم تجاهها من إجرام. وهنا نتذكر موقف المستشار الألماني الأسبق، الزعيم الاشتراكي – الديموقراطي الشهير، ويلي براندت، حين خر على ركبتيه، أمام قبر الجندي المجهول في وارسو، معتذراً للشعب البولوني عما لحق به على أيدي النازيين الألمان من أذى أثناء الحرب العالمية الثانية، فأزاح بذلك ستاراً أسوداً كان قد أسدل على العلاقات الألمانية – البولونية، إلا أن الجرح التاريخي ذاك لن يندمل، رغم اختفاء الحدود بين البلدين وشراكتهما ضمن الاتحاد الأوروبي الواسع.

وهناك أمثلة عديدة شبيهة في التاريخ، بين الأتراك والبلغار، بين اليابانيين والصينيين، بين الأمريكان والفييتناميين، بين الاسرائيليين والعرب، بين الانجليز والفرنسيين وسائر مستعمراتهم في آسيا وأفريقيا، بين الأتراك والأرمن، وبين الكورد وأعدائهم الذين سفكوا الدم الكوردي في العديد من المجازر البشعة في تاريخ صراعهم الطويل من أجل الحرية.

والشعب السوري، الذي يتعرض اليوم إلى أشرس حملة إرهابية في تاريخه الحديث، تذكرنا بأيام هلاكو وتيمورلنك والغزاة الصليبيين، لايمكن أن ينسى أبداً هذه المواقف النكراء المؤيدة لروسيا والصين وايران تجاه النظام الاسدي في سوريا، رغم إيغاله في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية. ولن ينسى أيضاً توالي الشحنات الضخمة من الأسلحة الروسية والأموال الايرانية التي تصل إلى أيدي النظام الارهابي للاستمرار في تقتيله أبناء وبنات السوريين، وبخاصة أولئك المدنيين الذين يمارسون حقهم المشروع في التظاهر السلمي والمطالبة بتغيير نظامهم السياسي الفاسد هذا... كما لن ينسى الحملات المسعورة لزعيم حزب الله الشيعي في لبنان، هذا الذي أثبت للعالم كله، بما ينشره من كلامٍ تافه وما يمارسه من سياسة حمقاء، أنه لايتخلى عن الطاغوت الاسدي، على الرغم من مزاعمه بأنه مع ثورات الربيع العربي ومع حق الشعوب المضطهدة والمظلومة.

الشعب السوري لاتهمه المصالح المادية التي قد يجنيها من خلال علاقاته بهذه الدولة أو بتلك، وإنما تهمه حريته ووقف سفك الدماء البريئة لمواطني بلاده المنكوبة اليوم. كما أنه لاينخدع بالمزاعم التي يطلقها الروس أو الحزب الشيعي في ايران ولبنان عن "ضرورة الحوار" مع أعتى المجرمين المستبدين به، وإنما يكتب هذا الشعب في دفتر الذكريات أسماء من خذله في أصعب أيام تاريخه، من دولٍ وأحزابٍ وشخصياتٍ، أياً كانت جنسياتها وكيفما كانت مزاعمها وذرائعها... ولابد لهذا الليل الطويل أن ينجلي، وعندها سيكتشف الذين وقفوا موقف العداء له أنهم هم الأخسرون في تجارتهم، وسيدفعون الثمن باهظاً بأن لايرد الشعب السوري على توسلاتهم بعقد علاقاتهم مع نظامه الجديد، الحر، الذي سيقوم على أشلاء الدكتاتورية، مثلما قامت أنظمة ديموقراطية في مختلف أنحاء العالم، بعد التخلص من كثير من الأنظمة والدكتاتوريات، عنصرية كانت أو استعمارية، نازية أو فاشية، شيوعية أو عسكرية... وكان آخرها سقوط أنظمة عربية في شمال أفريقيا كانت لها علاقات أوسع من علاقات النظام الاسدي في العالم.

نعم، أعداء الشعب السوري هم الأخسرون، وإن غداً لناظره قريب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطاب الأسد: عندما يتحول الشعب والوطن إلى كلمات! .. د. علي الخشيبان

الرياض

16-1-2012

خطاب الرئيس الأسد هو محاولة لسد النوافذ الصحفية التي أطلقها المراقبون العرب عن الوضع في سورية وخصوصا في المناطق التي يزورها أعضاء البعثة ، فلم يتوقف مشروع التبرير عند هذا الحد فقد كان قتل الصحفي الفرنسي مشروعاً آخر من الرعب المقصود

من أهم الملاحظات الراسخة في ذهني عن جميع الرؤساء العرب الذين سقطوا في فصل الربيع العربي أنهم يتحدثون في خطاباتهم الأخيرة قبل أن يرحلوا أن الشعب يريدهم ، بل إن بعضهم أكد أن الملايين سوف تزحف من أجله ، بينما لم يسألوا أنفسهم أن الشعب لم يأت بهم حتى يظل راغباً في بقائهم.

لا أحد يعلم تحت أي فرضية يمكن أن يقول رئيس دولة ، شعبُه ثائر عليه منذ قرابة عام كامل، إن الشعب يريده؟

هذا سؤال منطقي ، ومن الجانب الآخر يجب التفكير وبشكل كبير بطريقة الحكم على الشعوب فكيف يصرح رئيس دولة أن شعبه يرغب فيه بينما يقوم أعوانه بقتل الشعب بدم بارد في الساحات والميادين؟!

بعد خطاب الرئيس بشار الأسد والذي تحدث في خطابين منفصلين عن الوضع في سورية تسارعت الأسئلة حول حقيقة الوضع ليس في الشارع فقط بل حتى في دائرة الحكم وفي التعبيرات النفسية للنظام ذاته.

بغض النظر عن المكان أو اللغة المستخدمة، وبعيداً عن البحث في مواقع الأمل أو التشاؤم في خطابه فهناك حقيقة مهمة لابد وان ننتبه إليها، هذه الحقيقة تقول الوضع مرعب في سورية أكثر من الرعب ذاته، وكان ذلك باديا على وجوه الجميع مراقبين وشعباً ، ولكن الأكثر رعبا هو ذلك الخوف والقلق الذي ظهر به الرئيس بشار الأسد في آخر خطابين له فلم تكن مؤشرات الخطابين سوي صور نفسية لكمّ القلق والخوف من الوضع الدائر هناك.

الرعب أكده الرئيس نفسه فلقد كانت كلمات الرئيس غير قادرة على بعث الاطمئنان على أن هناك بارقة أمل، وتضاعف الاتهام للمخربين دون إجابة مقنعة من النظام نفسه ، فكيف ولد الإرهاب، وكيف ولد المخربون بين عشية وضحاها في دولة تحكم قبضتها على الشعب وأنفاسهم بيد من فولاذ؟

لا أحد يشك في أن الشعب السوري وتحت ذريعة الإرهاب يتعرض للكثير من القتل والتدمير وفي ذات الوقت يتم تبرير هذا التدمير بصورة غير منطقية من قبل النظام، وهذا يعكس ثقافة الحكم في الكثير من دول العالم العربي حيث يظل الرئيس ونظامه هما المصدر الإجباري للحقيقة ولكن كما يبدو أن هناك تحولا في إمكانية تحقيق هذه الفرضيات مرة أخرى.

التناقضات الصارخة في التصاريح الصحفية التي يبديها أعضاء بعثة جامعة الدول العربية لا تبشر بخير حول استمرار مسلسل القتل للشعب السوري فهم ينقلون لنا صورة حقيقية عن الواقع، وتناقضُ تصريحاتهم التي تبين حجم الرعب الذي يعيشه السوريون يجعل المشهد أكثر فظاعة مما نتوقع.

خطاب الرئيس الأسد هو محاولة لسد النوافذ الصحفية التي أطلقها المراقبون العرب عن الوضع في سورية وخصوصا في المناطق التي يزورها أعضاء البعثة ، فلم يتوقف مشروع التبرير عند هذا الحد فقد كان قتل الصحفي الفرنسي مشروعاً آخر من الرعب المقصود فوسائل الإعلام العالمية سوف تفهم الرسالة كما فهمتها جامعة الدول العربية التي عجزت حتى عن صد إرهاب مرافقيها عندما يتوجهون إلى مواقع المظاهرات.

الخيال العلمي الاستخباراتي لدى النظام السوري يبدو أنه فقد بعض خصائصه في حبك القصص البوليسية بطريقة محكمة ، وهذا ما انعكس في حادثة الصحفي الفرنسي، كل هذه المؤشرات تعطينا دلالة مؤكدة على نهاية حتمية للنظام ولكن السؤال يقول : هل سيكون بشار كالقذافي مقاتلاً حتى آخر أنبوب لمجاري المياه..؟

لا أعتقد أن بشار يمكن أن يماثل القذافي فالمعطيات الشخصية مختلفة والطبيب دائما يفضل النهاية التي يكون سببها الأدوية، بمعنى دقيق إذا كانت الأدوية سبباً من أسباب الشفاء فهي كذلك قد تكون سبباً من أسباب الموت.

القضية محسومة ولن تعود سورية النظام كما كانت ولكن ما ينتظره الشعب السوري هو عودة سورية العرب حرة إلى شعبها من - بيت الأسد -، وما هي إلا أسابيع وتبدأ فصول النهاية بعد معركة التحضيرات للنهاية والجميع سوف يساهم في تحديد هذه النهاية لأنها تكتب اليوم بطريقة واضحة.

لماذا يكرر الرئيس الأسد في جميع خطاباته أن ما يحدث في بلده هو مؤامرة دولية على سورية بينما لم يكن الثائرون هم من شعوب (الواق واق) الثائرون هم الشعب السوري وليس لهم علاقة بمؤامرة دولية أو محلية فكل ما يرددونه خلال الأشهر الماضية هو الحرية ورحيل النظام فقط.

قال الرئيس الأسد في خطابه نصاً أعتقد انه كان تحضيرا غير مباشر لما حدث للصحفي الفرنسي فقد أشار إلى انه سيرعب كل هؤلاء وان سورية أصبحت ملكا له وليس أكثر فقد قال في خطابه : "عشرات محطات التلفزيون والصحفيين في العالم يكرسون جهودا خاصة لإسقاط سورية من خلال دعاية كاذبة. هذا هو السبب الذي يجعلني لا أسمح للصحفيين الأجانب بدخول سورية كي لا يتجولوا عندنا لفبركة أفعالهم ضدي".. انتهى كلامه.

أما عن الجامعة العربية التي حاولت طوال الأشهر الماضية الدفاع عن النظام السوري وكسبت رضا النظام السوري في مقابل غضب الشارع العربي ، قال الرئيس بشار الأسد عن هذه الجامعة "هذه ليست جامعة وليست عربية".

المؤشرات تقول إن الأسد سيغادر السلطة خلال الأسابيع القادمة وسيكون الشعب السوري حراً، والجيش السوري حراً، هذه ليست أمنيات ولكنها توقعات قريبة الحدوث يبنيها خبراء السياسة وروادها وفقا لما يحدث على ارض الواقع ولكن كم من التغيرات في المنطقة التي يمكن أن تبرز نتيجة اختفاء النظام في سورية

إذا ما ذهب النظام السوري فسوف يصاب حزب الله في لبنان بالعمى وسوف تصاب إيران بالصمم أما العراق فسوف يصاب بشلل نصفي يعجزه عن الحركة ، حيث من المتوقع أن يقوم الأصم بحمل الأعمى على كتفيه وأمامهما عربة المشلول الذي يرى ولكنه لا يستطيع أن يغير من مسيرة الأصم الذي لا يسمع شيئا بينما يظل الأعمى فاقداً للاتجاه يسمع الكلام ولكن لا يعلم أين مصدره

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نقطتان فاتتا الرئيس السوري... خيرالله خيرالله

المستقبل

16-1-2012

ثمة نقطتان فاتتا الرئيس بشّار الاسد في خطابه الاخير. الاولى ان المشكلة التي يعاني منها النظام غير قابلة للحلّ نظرا الى انها قائمة مع الشعب السوري وليس مع معارضة غير موحّدة، والاخرى ان الكلام عن العرب والعروبة لا يغطي واقعا أليما. يتمثّل هذا الواقع في ان سوريا في عهد الاسد الابن تحوّلت من حليف لايران الى تابع لها. لم يعد لدى النظام السوري ما يعتمد عليه سوى الدعم الايراني المباشر وغير المباشر عبر العراق. والكلام هنا عن العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الاميركي الذي افسح في المجال لجعل اليد الطولى فيه للنظام الايراني...

الاكيد ان في الامكان الحديث عن نقاط ضعف اخرى كثيرة في الخطاب الطويل، خصوصا اضطرار الرئيس السوري الى التحدث عن الزيتون وموقع سوريا في العالم بصفة كونها القوة الخامسة في حقل تصدير الزيتون. ليس معروفا بعد كيف يمكن صرف هذا الكلام عن قوة الزيتون وأهميته في بلد لا يمتلك النظام فيه القدرة سوى على ممارسة سياسة الابتزاز نظرا الى انه عاجز عن الحرب وعن السلام. مثل هذا الكلام عن الزيتون وأهمية الزيتون والذي يتجاهل عمق الازمة التي يعاني منها النظام يدلّ على ان ليس في الامكان القيام بإصلاحات من ايّ نوع كان. انه نظام مريض يرفض الاعتراف بأنّ لا أمل للقائمين عليه سوى القبول بمرحلة انتقالية تقود الى تغيير سلمي وعبور الى برّ الامان ليس لسوريا فحسب، بل لأركان النظام ايضا، بعيدا عن اي نوع من البطولات والعنتريات التي تجاوزها الزمن.

كشف الخطاب ان النظام السوري في مواجهة مباشرة مع الشعب. كشف خصوصا انه ليست لديه خيارات اخرى غير الخيار الامني. يرفض النظام الاعتراف بأنّ مشكلته مع كل السوريين. مع دمشق وحمص وحماة وحلب واللاذقية وادلب ودير الزور ودرعا ودوما والسويداء ومعرة النعمان وتلكلخ ومع كلّ مكونات الشعب السوري من سنة ومسيحيين وعلويين ودروز واسماعيليين اضافة بالطبع الى الاكراد.

ليس اسهل من الكلام عن ارهاب وإرهابيين لتبرير القمع الذي يمارس في حق الشعب السوري الذي قرر المقاومة ولا شيء آخر غير المقاومة. انّ المقاومة الحقيقية الآن هي مقاومة الشعب السوري لنظام يريد استعباده ولا يمتلك اي خيار آخر غير خيار القمع. هل صدفة ان اربعمئة سوري قتلوا منذ بدء مهمة المراقبين العرب الذين لا يمتلكون اي قدرة على المراقبة؟. كلّ ما يستطيع هؤلاء المراقبون عمله هو التحقق من ان النظام السوري يستخدمهم من اجل كسب الوقت ليس الاّ وكأن الوقت يعمل لمصلحته!

يخطئ الرئيس السوري اذا كان يعتقد ان في استطاعته اعادة عقارب الساعة الى خلف. هناك شعب قرّر بكل بساطة استعادة كرامته. هذا كلّ ما في الامر. نعم، ان سوريا هي قلب العروبة النابض. لكن قلب العروبة النابض لا يطعن السوريين في الظهر، ولا يطعن العرب في القلب، ولا يحوّل سوريا الى تابع للنظام الايراني. من يتحدث عن تنوع في سوريا لا يمكن ان يقبل بأن يكون تحت رحمة ميليشيا مذهبية مسلّحة في لبنان. كذلك، لا يمكن لمن يتحدث عن العروبة الحضارية ان يكون أسير ما يقدمه له النظام الايراني العنصري من دعم.

يفترض في النظام السوري الابتعاد عن اعطاء دروس في العروبة. يكفيه انه لم يعد لديه اي نفوذ في لبنان الاّ عبر "حزب الله" الايراني. من شكّل الحكومة الحالية في لبنان برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي هو "حزب الله" ولا احد غير "حزب الله". كلّ ما تبقى تفاصيل ومحاولات للهرب من الواقع.

سقط النظام السوري عمليا في العام 2005 عندما اضطر الى التخلص من رفيق الحريري بشكل مباشر او غير مباشر، بالتواطؤ مع آخرين او بترك آخرين ينفّذون الجريمة. ان استشهاد رفيق الحريري ليس "اغتيالا" كما ورد على لسان الرئيس السوري في خطابه. ان استشهاد رفيق الحريري ورفاقه ليس حدثا عابرا بمقدار ما انّه علامة فارقة على صعيد التغييرات التي طرأت على التوازنات الاقليمية. فبعد اغتيال رفيق الحريري حصل أهمّ تطور على صعيد المنطقة. يتمثل هذا التطور في استسلام النظام السوري للنظام الايراني وتحوله الى امتداد له لا اكثر...

بدل إلقاء خطاب طويل فارغ من اي مضمون حقيقي باستثناء الشعارات التي لا قيمة حقيقية لها والتي لا تنطلي سوى على السذج، كان الاجدر بالرئيس بشّار الاسد الاعتذار من السوريين واللبنانيين والعرب عموما. في النهاية ان السوريين ليسوا بالسذاجة التي يظنّها. انهم شعب متمسّك بثقافة الحياة. لو لم يكن الامر كذلك، لما استطاعوا مواجهة آلة القمع التي يمتلكها النظام طوال ما يزيد على عشرة اشهر في غياب اي دعم دولي او عربي او اقليمي.

آن أوان مواجهة الحقيقة بدل الهرب منها. ليس النظام السوري الحالي الذي يعطي شهادات في الوطنية والعروبة. من يعطي مثل هذه الشهادات هو الشعب السوري الذي يحاول استعادة سوريا وإعادتها الى حضن العروبة الحضارية البعيدة كلّ البعد عن الطائفية والمذهبية.

هذا الشعب الذي عانى من النظام يعرف قبل غيره ان ليس في الامكان المتاجرة به الى ما لا نهاية من جهة، وان هناك مرحلة عمرها نصف قرن انتهت من جهة اخرى. هذا كلّ ما في الامر. ليس هناك استعداد لدى الشعب السوري للرضوخ لنظام ظالم والقبول في الوقت ذاته بالهيمنة الايرانية. العالم تغيّر. هذا ما فات ولا يزال يفوت الرئيس السوري الغارق في اوهام الدور الاقليمي...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية.. ما هو الأسوأ؟  .. سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

16-1-2012

لن يتوقف القتل في سورية..وستظل الرواية مختلطة وسيظل النظام يجد لنفسه مبرراً لمزيد من سفك الدماء باسم مقاومة التخريب والارهاب وستظل معارضة الداخل تفتقد الى قيادات فاعلة ومعارضة الخارج تكتفي بالاعلام والتصريحات وانتظار الفرج من الآخرين..

سورية ليست ليبيا هذه حقيقة وان كان الظلم واحداً ودكتاتورية النظام قد بلغت حد مصادرة كل رأي..

خطاب الأسد الأخير يحاول الظهور وكأن سورية امتلكت زمام المبادرة للرد على المعارضة..

فشل الحل العربي عبر الجامعة العربية سواء في التوجه السياسي أو في الخطط التي وضعت في مبادرة البروتوكول أو في مجموعات المراقبين التي لم تسمن ولم تغنِ من حاجة لمزيد من معرفة ما الذي يجري، فهذه المجموعات قليلة أولاً وليست مزودة بأدوات ووسائل كافية أو امداد لوجستي يمكنها من التنقل بسرعة أو يتيح لها الاتصال بالمواقع التي ترغب الاتصال بها كما أن قدرة النظام على اخفاء الكثير من الوقائع وصلت الى درجة الاحتراف حين غيّر أسماء الاحياء والمواقع والشوارع وألوان السيارات وحتى ملابس رجاله الذين يقومون بالمداهمة والقتل وقد عمل على خلط حابل مهمة الجامعة العربية بنابل تدخلاته في تحديد عملها ومساراتها فتحولت هذه المجموعات الى وسيلة معوقة ولم يجرؤ أحد من أعضائها أن يقول بصراحة ما رأى وما استنتج..

الجامعة التي شرعت بارسال مجموعاتها للمراقبة كانت تريد أن تتخلص من الشعور بالاثم ازاء ما يعيشه الشعب السوري من قتل ومحاصرة وتعذيب واغلاق مدنه واحيائه وحتى قطع الماء والكهرباء والوقود والخبز عنه ومنع وصول المساعدات والأدوية اليه..

ولكن هذا الشعور بالتخلص من الاثم لم يمتد كثيراً فقد فشلت المهمة وانقلب السحر على الساحر وأصبحت الجامعة العربية في حال دفاع عن نفسها بدل أن تبادر وتدين وتكون حكماً وقاضياً ولذا بدأت تجمع أوراقها امام فراغ متزايد يزرعه النظام بمزيد من تشديد القبضة الحديدية والرغبة في الحسم سريعاً وهو يعمل على محورين استمرار سياسة الضرب بقوة واطلاق محاولات من جانب حلفائه في ايران وحزب الله ولبنان وحتى الجزائر وأماكن أخرى لم تعلن عن نفسها أو تعمل بوجهين لاستقطاب المعارضة المعتدلة أو التي ما زالت تفتح خطوطاً مع النظام للدخول في مفاوضات أو اتصالات تستهدف قطع خطوط الخارج أو الايقاع بالمعارضة الخارجية واتهامها باستجلاب التدخل الاجنبي أو الدفع باتجاه الحرب الاهلية الداخلية أمام هذا الواقع المعقد والصعب والذي يدفع السوريون ثمنه باهظاً.. يأتي اعلان أمير دولة قطر الشيخ حمد عن افلاس برنامج الحل العربي القادم من الجامعة عن طريق ارسال مراقبين ويوسع الفكرة ليطالب بتدخل قوات عربية وهي فكرة مارستها الجامعة في حل الطائف وفي السماح بدخول قوات سورية الى لبنان بمظلة عربية وفي نفس الوقت يطلب أمير قطر من وزير الخارجية الاميركية في اللقاء معها ومن ادارتها التدخل الدولي بحسم الأمر..

ما زالت اللهجة الاميركية فاترة وما زالت تحتسب تطورات عدة منها الخشية من تدخل أميركي جديد قد لا يكون محسوباً بعد ما حدث في العراق ما قد يكون فشلاً أميركياً في نتائجه حتى اليوم ثم الاستماع لوجهة النظر الاسرائيلية ما اذا كان التدخل الخارجي في سورية سيفيد المصالح الاسرائيلية أم يضر بها وما اذا كانت القوى الجديدة القادمة لحكم سوريا بعد الاسد ستراعي المصالح الاميركية والاسرائيلية أم لا ..

التدخل الخارجي يغير دوافع الثورة السورية وبرامجها ويأذن بشراكة دولية قد تتفق مع المعارضة في اسقاط الاسد ولكنها تختلف معها في النتائج وما ستؤول اليه الاوضاع..

لن يكون التدخل الخارجي العسكري في سورية والذي قد يأخذ أشكالاً مختلفة ومن مصادر مختلفة مرحباً به من غالبية الشعب السوري وحتى من قطاعات واسعة من معارضة الداخل وبعض معارضة الخارج وهذه معضلة جديدة يستفيد منها النظام ويوظفها ولذا فإن ليل السوريين سيطول وفجرهم سيتأخر وستكون الفرصة متاحة لمزيد من القتل والمعاناة التي قد تمتد لسنوات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثية الشر الفاعلة في سورية النظام وروسيا وإيران  .. زهير سالم*

أثبت تقرير بعثة المراقبين العرب المقدم إلى اللجنة الوزارية العربية أن النظام في دمشق قد نجح إلى حد كبير في التأثير على رجال البعثة العربية وتقريرها، الذي ضمن للنظام عدة نقاط أساسية من أهمها الحديث عن (جماعات مسلحة) تعطي النظام الذريعة لاستخدام عنف سلطوي مضاد. والحديث عن قتال متبادل، بتجاهل الفروق بين ردود فعل فردية تعتمد على سلاح فردي أو شخصي، وبين جيش نظام يستقوي بآخر غير نظامي ويتسلحان بضروب من أسلحة ثقيلة من مدفعية ودبابات وصواريخ. وثالثا نجح النظام في الحصول على طلب مفتوح على الزمن من قبل رئيس البعثة لاستمرار عمل بعثته كما أشار الفريق الدابي في تجربته من إقليم دارفور، أن عمل اللجان يمتد في مثل هذه الحالة إلى سنوات وهو الزمن غير المؤقت الذي يحتاجه النظام السوري للقضاء على كل صوت معارض أو ضمير مناهض داخل سورية.

 

ذكّرنا تقرير السيد الدابي بتقارير بيغن وشارون ونتنياهو بعد حروبهم على الشعب الفلسطيني الأعزل بأنهم يردون على عنف إرهابي يمارسه بعض الفلسطينيين. لقد ظلت صواريخ حماس محلية الصنع ذريعة صالحة لتبرير (عملية الرصاص المصبوب ) أي الحرب على غزة بما فيها من فسفور أبيض وعدوان على عيون الأطفال في غزة..شكرا للفريق الدابي، وشكرا للذين أرسلوه وشكرا للذين انتدبوه.

 

سيكون مفيدا للشعب السوري أن يقرأ تقرير الجامعة العربية بموضوعية فيكف عن الحلم، أو السعي وراء سراب الآخرين ؛ الجامعة ومجلس الأمن والمنظمات الإنسانية أو السياسية مهما كان لونها، ليضع مشروعه الوطني في نصابه وليعطي هذا المشروع استحقاقاته العملية.

 

سيكون مفيدا للمعارضة السورية بكل تشكيلاتها وفصائلها وشخصياتها أن تدرك الفرق بين الكلام الدبلوماسي الذي يقال في الغرف المغلقة، و البسمات ترتسم على الوجوه بدقة محسوبة، وأحاديث الأماني والوعود الدافئة، وبين الموقف السياسي الحقيقي.. الموقف الذي صنعته في الجامعة العربية كل من مصر ( الثورة !!) و جزائر ( المليون شهيد !!) وسودان ( ....في فمي ماء !!) وعراق المالكي ولبنان حسن نصر الله. إذ ليس للميقاتي فيه أي نصيب!!

 

سيكون مفيدا للمعارضة السورية اليوم أن تدرك حقيقة ما تحت غثاء التصريحات المتوترة المتذبذبة، والرسائل الإعلامية التي يسعى أصحابها إلى استعادة ثقتهم بأنفسهم، و إلى كسب احترامهم لذواتهم أمام المرآة الشخصية من جهة، وإلى خداع البسطاء من المستضعفين في الأرض من جهة أخرى؛ دون أن يعني ذلك تحمل أي قدر من المسئولية السياسية أو الإنسانية.

 

بالعودة إلى قراءة الواقع كما هو على الأرض ستدرك المعارضة السورية والشعب السوري أن القوة الوحيدة التي تتحرك عمليا في الميدان هي القوى المؤيدة للنظام والمدافعة عنه واعقدوا معي على أصابعكم..

 

جيش من الشبيحة الإعلاميين ينطلقون في الفضاء العام للدفاع عن النظام يبدؤون من الشيخ البوطي والأب بشارة الراعي وعطا الله حنا ولا ينتهون عند حزب السعادة الإسلامي التركي ( وعظم الله أجرنا في نجم الدين أربكان ) وينضاف إلى هؤلاء وأولئك الكثيرون الذين لا فائدة من الإشارة إليهم لأن الذين يلعبون السياسة بعواطفهم يملئون الفضاء..

 

ثم نتابع شريكا آخر في الحرب على شعبنا ونصيرا للنظام في ذبح أطفالنا، فروسيا شريك حقيقي مبادر بكل ثقلها السياسي والعسكري أيضا. تتقدم بثقلها السياسي والعسكري وببوارجها الحربية لتحادّ الشعب السوري وتعمل على كسر إرادته..

 

ماذا حملت البوارج الروسية إلى الشواطئ السورية منذ يومين؟ ولماذا تم إغلاق الموانئ السورية لاستقبال هذه البوارج؟ لا أحد يستطيع أن يتكهن!! ولكن الذي نعرفه أن روسيا هي قوة حقيقية واقعة تدخل المعركة، وهي لا تحارب مع بشار الأسد بالتصريحات والتمنيات والبسمات والأسف والقلق والطلب والتوجيه كما يفعل الآخرون مع المعارضة... وإنما تحارب مع بشار الأسد بالمواقف السياسية مهما كانت كلفتها، وتشارك في قتل أطفال سورية ببوارجها وبما يمكن أن تحمله هذه البوارج من سلاح وعتاد وخبرات..!!

 

هل هناك أي طرف دولي وقف إلى جانب الشعب السوري كما وقفت روسيا إلى جانب النظام؟! هل هناك بارجة حربية أو فرقة عسكرية استنفرت لحماية هؤلاء ((الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ..)) ساعدوني على الرؤية ودعوني أوقد لكم المصباح...

 

و ثالثا.. هناك إيران بعددها وعديدها وعتادها وتوابعها وملحقاتها . هناك إيران شريك استراتيجي وتكتيكي وعملي في ذبح أطفال سورية وقتل شبابها...

 

إيران السياسية، وإيران المرجعية التي تأمر فتطاع، وإيران العسكرية التي حركت هي الأخرى بوارجها من قبل إلى شواطئ الشام، إيران التي تشارك أموال النفط فيها وفي جاراتها وكذا أموال الخمس للأتباع هنا وهناك في تشويه جسد حمزة الخطيب وتعذيب الطفلة ذات الأربعة شهور، وفي سمل أعين السوريين، وفي إقرار عقيدة ( لا إله إلا بشار ) رغم أنف مروان وبنيه!! إيران التي تدرك اليوم ثأرا من ( تيم وعدي ) والعبارة مقتبسة عن ألسنة (الرواديد ) فيها فيهب للثأر معها تلاميذ الولي الفقيه في العراق وفي لبنان.

 

هذه هي الحقائق الواقعية التي تحاصر الشعب السوري على الأرض وكل ما عدا ذلك فحديث خرافة يا أم عمرو..حقائق لها استحقاقات تصنع النصر وتطرد واليأس وتخرجنا من دوامة العجز بإذن الله. فهل نحن مستعدون

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

«عرقنة» سورية! .. جميل الذيابي

الإثنين, 16 يناير 2012

الحياة

لم يتبقَّ أحد من العالم أجمع لم يدعُ نظام بشار الأسد إلى وقف القتل، بل إن غالبية الدول الكبرى والمنظمات الدولية أعلنت أن نظامه فقد شرعيته. الغالبية دعت الأسد إلى الإصلاح أو الرحيل. قالت الغالبية إن النظام الحاكم في سورية فقد شرعيته، ويجب أن يتوقف عن القتل حالاً. العالم دان ما يقوم به «شبيحة» النظام ضد الشعب السوري، وتوالت الدعوات للأسد الى لتوقف عن استخدام القوة المفرطة، حتى إن حلفاءه دعوه إلى ذلك، بمن فيهم روسيا والصين وإيران. النظام لا يكترث. «الشبيحة» لا يكترثون. أبواق النظام (شبيحة الإعلام) في سورية ولبنان يطبّلون ويزمرون ويبررون لأعماله الإجرامية وممارساته الفاشية. لم يتبقَّ أحد لم يخاطب هذا النظام القاتل بلغة العقل إلا أنه لا يزال يصر على سفك دماء الأبرياء بما يؤكد أنه فاقد للصواب والإنسانية والشرعية، ولا بد أن يرحل عاجلاً لا آجلاً.

قبل يومين قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في حوار مع «الحياة»، إن لديه «رسالة قوية» يبعث بها إلى بشار الأسد من بيروت، مفادها أنه «فقد شرعيته، ويجب أن يكف عن قتل شعبه»، مؤكداً أن «هناك دائماً مجالاً للاستدراك كي لا تصبح الحرب الأهلية في سورية حتمية». المدن السورية تذرف الدموع يومياً على الموتى ولا تزال فوهات المقابر مفتوحة، وثأر الدم ربما يجبر بقية الشعب على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وأهاليهم. وعلى رغم الألم والجروح المفتوحة لا يزال بان كي مون يضحكني كما يستفزني نبيل العربي، فكلاهما يتحدث كثيراً ولا يفعل للشعب السوري إلاَّ قليلاً أو لا شيء.

نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية وضع الفريق أول الركن محمد الدابي (سوداني) رئيساً لبعثة المراقبين العرب، وهو الذي وصفته مجلة «فورين بوليسي» بأنه «أمقت زعيم مهمة إنسانية في العالم على الإطلاق» و»أسوأ مراقب لحقوق الإنسان في العالم»، ولم تسمع الشعوب العربية من الدابي حتى اليوم انتقادات واضحة لممارسات النظام على رغم أن حمام الدم لم يتوقف وعدد القتلى يتزايد بشكل يومي، ويبدو أن الدابي متواطئ أو يتعامى عن مشاهد القتل والترويع والتجويع أو أنه يميل إلى مجاملة النظام والتغطية على ممارساته بالتقوقع تحت عباءة نبيل العربي وعلاقاته وصلاته بالنظام.

نظام الأسد لا يزال في غيه يعمَه ويصر على عدم سحب الدبابات والمظاهر العسكرية ومحاصرة السكان والمدن. سورية تعيش قتلاً خارج القانون، واعتقالات عشوائية، وتعذيباً للمتظاهرين، ونسب القتل لا تنخفض بل تزيد، وكل هذا سيضطر الشعب إلى اللجوء لحمل السلاح لحماية نفسه من بطش النظام وقد تتحول سورية إلى عراق آخر. النظام السوري يجر البلاد نحو «العرقنة» مثلما تشد ممارسات نظام علي صالح في اليمن البلاد نحو «الصوملة»! فأخيراً، أعلنت منظمة مجهولة تُطلق على نفسها اسم «حركة مناهضة المد الشيعي في سورية» تبني خطف خمسة إيرانيين في حمص الشهر الماضي، محذرة إيران و»حزب الله» من المضي في دعم النظام السوري. كما أن قائد «الجيش السوري الحر» العقيد رياض الأسعد هدد بأن قواته «ستنتظر بضعة أيام على عمل المراقبين، وإذا شعرت بأنهم غير جديين ستتخذ قراراً سيفاجئ النظام والعالم كله». إنها دندنة الحرب الأهلية و»عرقنة» سورية كما يريد النظام. النظام البعثي لا يتعلم من سابقيه، ويعتقد بأن المتظاهرين الذين يخرجون في الساحات ويهتفون باسمه مؤيدين، بينما غالبيتهم في حقيقة الأمر خائفة من القمع والسجون والتعذيب، وإلا لكانت تلك الجموع التي هتفت باسم القذافي في باب العزيزية أنقذته من القتل، وجنبت صدام حسين حبل المشنقة.

«أول منشق» سوري يعمل في الجهاز المركزي للرقابة المالية في رئاسة الوزراء قال لقناة «الجزيرة» بعد أن وصل إلى القاهرة سالماً، إن 80 في المئة من المسؤولين وموظفي الدولة مستعدون للانشقاق لولا القمع وخشيتهم على أرواحهم وعائلاتهم.

سورية على مفترق طرق، ولن تنقذها إيران أو غيرها مهما حاولت لفت الأنظار عن ممارسات نظام الأسد بالتهديد لإغلاق مضيق هرمز، ولم يتبقَ أمام النظام إلا الرحيل أو إدخال البلاد في أتون حرب أهلية. لا شك في أن بشار الأسد يدرك جيداً أن كرسي السلطة الذي يجلس عليه لم يعد يتسع له، وهو يترنح مرة فوقه ومرة تحته، وأن مصيره سيكون نفس مصير طغاة الأنظمة العربية الذين تساقطوا قبل «الربيع العربي» وبعده. لكنه لا يزال يناور ويزيف ويضلل الحقائق في وجود من يغطي على ممارساته وجرائمه الفظيعة. الأكيد أننا أمام محاولات من نظام الأسد ل»عرقنة» سورية! فليس هناك مستفيد من زعزعة الوضع أمنياً وسياسياً وطائفياً في الوقت الراهن سوى النظام وأتباعه وأبواقه فهو يريد أن «يخربها» قبل أن يرحل لِبئس المصير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خالد أبو صلاح: أُمّةُ في رجل…!  .. إبراهيم اليوسف

كلنا شركاء

15/1/2011

بات من المعروف، أن من بين ما استطاعت الثورة السورية أن تنجزه، خلال عشرة الشهور الماضية من عمرها- إلى جانب كسر جدار الخوف- وإلى الأبد، الإنجاز الأعظم في تاريخها، هو أنها باتت تعرِّفنا إلى رجالاتها الجُدد، ممَّن لم يكونوا على بال أحد، في مجتمعاتهم، أو حتَّى أسرهم، فبرز منهم القادة الميدانيون الذين لم يتابعوا دراساتهم في الأكاديميات السياسية، أو العسكرية، بل كانوا من المغمورين اجتماعياً، وربَّما أسريَّاً، كي نجدنا أمام أسماء جديدة، مهمَّشة، كانت الأبعد عن تقديم ذاتها، منها العاطل عن العمل، أو حامل الشهادة العليا الذي يعمل في مجال الأعمال المجهدة، أو طالب المدرسة، أو الجامعة، أو الموظف الصغير، أو الفلاح المجوَّع، وربَّما الفنَّان أو الرياضيُّ، وكلُّ هؤلاء لم يكونوا من عداد الأسماء النجومية، قبل هذه الثورة، القيامة العظمى للإنسان السوري.

كثيرة جداً، هذه الأسماءُ، أسماءُ رسل الخلاص الحقيقين، الذين يصنعون-الآن-مجد سوريا الجديدة، ويرسمون ملامحها، فهم القادة الميدانيون، و الأبطال الذين يواجهون الرَّصاص، واقعاً، وليس عبر صور شعرية، أو خطبة نظرية، رنَّانة، غالباً كانت هي الأصل في كل الهزائم التي مُني بها بلدنا، ومن بين هذه الأسماء" خالد أبو صلاح" الطالب الجامعي، العشريني، الذي بات يختزل صورة رجل الثورة الحقيقي، في ذاته، فهو البطل في الشارع، والسياسي في الميدان، والقائد في المواجهة، والسفير للثورة، والصحفي العملاق الذي ينقل صوت الثوار إلى العالم كله، مواجهاً كتائب النفاق الإعلامي، وهو أحد من ينطبق عليهم القول" الفرد الذي يهزم آلة الإعلام المزيفة"، من خلال فضح أكاذيبها التي حيرت العالم عبر عقود، ولا يزال هناك من يستمرىء خديعته، كما يفعل بعض القيادات البائسة في روسيا، ممن اندحروا في عقر دارهم، بعد بيعهم أمجادهم التليدة، كي يسرقوا–الآن- خيرات بلدنا، كشهداء زور يولغون في دماء أبناء سوريا الجريحة.

وإذا كان كل الغيارى على الثورة، رأوا في إيفاد بعثة المراقبين التفافاً على الثورة، ولعبة ديماغوجية تنمّ عن محاولة الجامعة العربية عن حرصها على عدم افتضاح عنانتها، وعجزها، عن تسمية الأشياء بأسمائها- لاسيما وأن هذه الخطوة جاءت بعد" تجميد عضوية سوريا فيها-فإن الجهة صاحبة القرار فعّلت هذه العضوية(وبأي منطق وقانون جرى هذا؟؟) وهنا مكمن الغرابة والفضيحة. فكأني بأبي صلاح قال في نفسه: سأتابع الكذاب حتى باب داره، حين قام بأعمال خارقة، وهل من معجزة أكبر، من أن يقوم هذا الفتى المقدام، بالوصول إلى بعثة المراقبين، وإجبارهم على أن يتوجهوا للوقوف على حطام، وأطلال، بعض الأحياء الدارسة التي تقول صراحة: ثمّة حرب عظيمة، مرَّت من هنا، وليقدِّم الأدلة القاطعة، على شكل صفعات على وجوه المهرِّجين القتلة، وأتباعهم من شهود الزور، على أن هذا الخراب تمَّ بسبب آلة حرب النظام الدموي، وإن ذلك، لم يتم بسبب قذائف إسرائيلية، بل ليشير في حضور هؤلاء الشهود، المؤتمرين بتوجيهات محمد الدابي، إلى قنَّاصة، ورماة حواجز قائلاً: هذا الذي قتل..!، أو ذاك الذي فعل كذا..!، وأن يعترف أحدهم قائلاً: أجل، تأتينا أوامر بإطلاق النار، ليرمي بزته العسكرية، جانباًًًًًًًًًً، معلناً انشقاقه عن قادة جيش يؤمر بقتل أهله. أو عندما يعدُّ تقريراً عن حادث استشهاد هذا، أو ذاك، مبيناً أن قاتليه هم الأمن وشبيحتهم، وإن الأكثر مدعاة للعجب حين يصور هذا الساحر، ببطولاته، مظاهرات حي حمصي، كبابا عمر، وهو تحت القصف، من دون أن يستعين بخبير استراتيجي، أو عسكري، أو عرافَّة، فلا يواري ولا يوارب ملامح المكان الذي يلتقط صوره عبر بثِّ حيِّ، على إحدى الفضائيات، يرقص خلال اللقطات أبناء وبنات حمص، مشيعين هذا الشهيد أو ذاك، إلى مثواه الأخير، بينما القذائف تستهدف المكان، والرصاص ينهمر، مدراراً، نيابة عن المطر، كي ينتقل بعد ذلك إلى حي آخر، فآخر، يتابع التصوير، بوساطة هاتفه المحمول، مخترقاً الحواجز التي لا تسمح حتى للطيور بالتحليق في سماء المكان، فيكون المصور الصحفي البارع، بل المذيع، و الفدائي،" القبضاي" الذي يشدّ المراقب، رهن التدريب، من ياقته قائلاً له: أن اشهد وافتح كلتا عينيك، ولا تغمضهما عن الحق..! ، مقدِّماً له الحجَّة تلو الحجَّة، ببراعة عبقريِّ فذِّ.

وهل أشير إلى لقطة أخرى، هي أن أبا صلاح استطاع، وبوجهه المكشوف، ولباسه الذي لا يغيِّره-ربما إلى أن تحقق الثورة النصر- أن يؤدي دوراً رمزياً، هو إعادة دبَّابة استولى عليها الجيش الحر، إلى" الجيش المأمور بأداء مهمَّة إبادة الشعب، وذلك تنفيذاً لمادة رئيسة من نص البروتوكول تتعلق ب" إنهاء المظاهر المسلحة"ليبرىء "جانب" الجيش الحر، ويؤكد للجامعة العربية، وللعالم، أن من لا يوقف المظاهر المسلحة هو" النظام" الدموي، لا سواه..!

بدهيٌّ، أن في ما أوردته هنا، عن الرَّجل، حفيد ابن الوليد، بتسرة لنضاله الذي يمكن أن يكتب في أكثر من مجلَّد، وهناك عشرات القصص البطولية التي قام بها، مؤدياً دوره، على أعظم نحو، ليكون أكثر من رجل، بل أمَّة في رجل، وهو شأن الملايين من شبابنا الذين يواجهون أشرس آلة قتل في العصر على الإطلاق، وكأنِّي بأبي صلاح أحد رموز الثورة، حقَّاً، مادام أنَّه قادرٌ أن يؤدي دوراً رمزياً عظيماً للجامعة العربية، يمكنها أن تعتمد-لو أرادت-على تقاريره، وحدها، كي تصل إلى البراهين التي أرسلت مئات المراقبين إلى سوريا، من أجلها، فتحسم الأمر، بصوت عال، وتوفر أرواح، ودماء، خمسمئة شهيد بريء، بيد أنها لم تفعل ذلك، للأسف…!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مكونات الثورة السورية وسياستها  .. ياسين الحاج صالح

الحياة

09/01/2012

الوجه الأبرز للثورة السورية هو التظاهرة: خروج مجموعات تتراوح بين عشرات الأفراد ومئات ألوفهم إلى الفضاء العام ومحاولة احتلال حيّزات منه لبعض الوقت، مع إطلاق الهتافات ورفع اللافتات المناهضة للنظام والداعية إلى سقوطه. تحيل التظاهرة إلى المكون الميداني للثورة الذي عرفه العالم، وشكّل ولا يزال منبع كرامة السوريين والبرهان على شجاعتهم وجدارتهم بالحرية. ويشمل هذا المكون كل الأفعال الاحتجاجية الإيجابية والسلبية، بما في هذه الإضراب.

للثورة السورية مكونات أخرى. أولها المكون الاجتماعي الداعم للنشاط الميداني. أعني البيئات الاجتماعية المتنوعة التي تحتضن الثورة وتؤمّن الحماية والدعم للثائرين. وهذا المكون متنوع جداً، يشمل أحياناً مناطق وأحياء بأكملها في بعض الحالات، لكنه متشكل في صورة شبكات مساندة في حالات أخرى، مع المشاركة في النشاط الميداني، وإن ليس دوماً بالتواتر المشهود في درعا وحول دمشق، وفي حمص وإدلب ودير الزور وبعض مناطق حلب. الرابط الجامع لهذا المكون الاجتماعي هو التماهي بالثورة كقضية وكفاعلية يومية من جهة، والقطيعة التامة مع النظام. هذا الشيء ربما لا يلحظه سياسيون ومثقفون معارضون للنظام، يفوتهم أن الأمر اليوم لا يتعلق بمعارضة النظام، بل بالانفصال الكلي عنه، وبالاستناد إلى الثورة كحدث مؤسس ومنتج لشرعية جديدة.

ثالث مكونات الثورة هو المكون العسكري. يتعلق الأمر هنا بألوف من الجنود والضباط الذين «انشقوا» عن الجيش النظامي، وفي حالات أقل عن أجهزة أمنية، وتجمعهم مظلة عامة هي «الجيش السوري الحر». وعلى رغم سوء تسليحهم وقلة عددهم، فقد نجح جنود الجيش الحر في فرض درجة من الردع في بعض المناطق، تحول دون مهاجمة قوى النظام التظاهرات السلمية. والواقع أن كثيراً من التظاهرات التي يراها العالم تنال هذه الفسحة من المكان ومن الوقت بفضل هذه الحماية بالذات. وهو ما يوجب تحليلاً أكثر تعقيداً من ذلك الكلام الصوري الذي يقيم تقابلاً بين التظاهرات السلمية والتسلح. في الشروط العيانية السورية اليوم، ليست العلاقة بين الأمرين علاقة تنافٍ، بل هي أقرب إلى علاقة تكامل.

ودور الحماية هذا من جهة، وملابسات انشقاق عناصر الجيش الحر من جهة ثانية، وكون هؤلاء العسكريين هم التجسيد الأقصى للقطيعة مع النظام من جهة ثالثة، تسوّغ اعتبارهم مكوّناً أصيلاً للثورة السورية. لذلك كانوا يستحقون ما هو أكثر من اعتزاز بأفرادهم في تلك الورقة التعيسة الموقّعة بين المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطني في اليوم الأخير من العام المنقضي.

المكون الرابع للثورة السورية هو السياسي. ويشمل هذا المكون السياسي التنظيمات والكتل التي تعتنق قضية الثورة وتعمل على دعمها. كان المجلس الوطني السوري نال شرعية شعبية مهمة، لكنها ليست مضمونة له على الدوام. ويبدو أنها اليوم في تراجع بسبب عدم تمكنه من إعطاء انطباع إيجابي عن نفسه وعمله بعد مؤتمر تونس قبل أسابيع، ثم بخاصة بعد ما تسببت به الورقة المومأ إليها من مشكلات داخلية أضعفته.

لهذا المكون السياسي سمتان ظاهرتان. أولاهما أنه تهيمن عليه المعارضة التقليدية، وهذه في عمومها معارضة قبل ثورية وغير ثورية، لم تغير في نفسها شيئاً بعد الثورة، فلم يغير الله شيئاً مما بها. والسمة الثانية أنها منقسمة، وأن انقسامها متأصل في تكوينها، وأن صراعاتها تحتدّ بدرجة تتناسب طرداً مع حدة الصراع مع النظام، الأمر الذي وفر على الدوام هامش مناورة مريحاً للنظام. ولانقسام المعارضة التقليدية نسق قديم يكاد يكون ثابتاً، لا يشكل التقابل بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق غير آخر حلقة من حلقاته.

للثورة السورية مكون ثقافي يضم فنانين وكتاباً واكبوا الثورة بوسائلهم المتنوعة. ولعل في ما أعلن أخيراً من تشكل رابطة للكتّاب السوريين ما قد يكون مأسسة لانشقاق الكتّاب عن النظام. ليس واضحاً بعد كيف ستسير الرابطة، ولا إن كانت ستشكل إطاراً ديموقراطياً فعلياً لتفاعل أو عمل أولئك الذين يتكلمون على الديموقراطية أكثر من غيرهم. يفترض أن تجرى خلال أيام هيكلة الرابطة وانتخاب من يديرونها، وسيكون هذا أول امتحان ل «أول مولود ديموقراطي للثورة السورية»، على ما قال أحد مؤسسيها.

ومن الخصائص البارزة للثورة السورية أن مكونها الإعلامي مندمج بقوة بالمكون الميداني، وأن المتظاهرين أنفسهم هم من يقومون بتصوير أنشطتهم. وهذا ليس من دون حماية فقط، بل مع استهداف خاص لهؤلاء «الإعلاميين» غير المحترفين. من المحتمل أنه يتمايز ضمن المتظاهرين من يختصون بالتصوير والتسجيل وبث المعلومات، لكن لا يكاد يكون أحد من هؤلاء مختصاً بالإعلام في الأصل.

لكن ينبغي أن تُدرج ضمن المكون الإعلامي للثورة السورية فضائيات عربية، «الجزيرة» و «العربية» بخاصة، وفرت للثورة منابر بث واسعة الانتشار، وساهمت في إبطال مساعي النظام لعزلها وخنقها.

وللثورة مكون اقتصادي أيضاً. وهو يشمل «ناشطين اقتصاديين»، يساهمون في دعم الثورة مادياً. ويتوافر انطباع بأن مساهمة هذا القطاع مهمة ومتزايدة. وهذا شيء غير مسبوق، بالنظر إلى أن أصحاب الأعمال هم الأكثر حذراً، وهم أنفسهم من يقولون عن قطاعهم إنه الأجبن. ويقع على عاتق هذا القطاع جانب من العبء الإغاثي الكبير الذي تتحسن سبل النهوض به، وقد ساعد في صون كرامة أسر وأفراد من الأكثر تماهياً بالثورة.

فهم الثورة السورية يقتضي النظر بتفصيل في كل من هذه المكونات. لكن تحديد مكونات الثورة أمر مهم عملياً، ومن شأنه أن يساعد على وضع السياسة الملائمة لسير الثورة نحو غاياتها المرجوة. يلزم قبل كل شيء ضمان استمرارية النشاط الميداني واتساعه، فهو أساس الثورة ومبدأ استمراريتها، وكل المكونات الأخرى تعتمد عليه، ولا قوام لها من دونه. يلزم بالقدر نفسه توفير الدعم المادي والسياسي للمكون الاجتماعي، والرعاية المادية والسياسية أيضاً للجيش الحر، وتطوير العمل الإغاثي ليشمل أوسع المحتاجين. ويتعين بناء الهياكل السياسية الداعمة للثورة حول هذه المهمات. الثورة هي الداخل السوري الجديد، وبناء السياسة حولها هو ما يعيد السياسة إلى الداخل الوطني، خلافاً لنهج النظام الثابت، وخلافاً لما تقوم به حتى اليوم تشكيلات المعارضة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية وأسباب النصر  .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

صادمًا ومحبطًا كان الخطاب الرابع لبشار الأسد منذ اندلاع الثورة السورية المباركة، وليست الصدمة وليدة المحتوى المهترئ والبائس للخطاب، فهذا ما اعتدناه من الزعماء العرب ـ لاسيما قبيل سقوطهم ـ ولكن مبعث الصدمة والإحباط هذه المرة كان اللغة الفجة (بل الدموية...!!) التي استخدمها بشار في مخاطبة شعبه الأبي الشجاع الذي يقف بصدوره العارية في وجه بطش زبانية النظام وعصابات شبيحته رغم استخدامهم لأعتى أساليب القمع وأكثرها وحشية في العالم.

وبدلا من اعتراف الأسد بخطورة الأزمة التي تواجهها سوريا بسبب تعنته وعناده وجبروت نظامه، وبدلا من الإقرار بمسئوليته الأخلاقية والتاريخية تجاه شعبه في هذه اللحظة الحرجة ـ بدلا من ذلك كله راح يهدد السوريين ويتوعدهم بمزيد من المجازر وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح، وفي نبرة متعالية ولهجة متعجرفة قطع بشار الأسد الطريق على أية حلول سياسية تحلحل الأزمة من مكانها، وبكل صلف وغرور رمى بالمبادرة العربية في وجه الجامعة بدولها وزعمائها وأمينها العام، وفي إفلاس شديد وكلام ممجوج أخذ يكرر أن سوريا تواجه مؤامرة كونية خطيرة يشارك فيها: الثوار والمعارضة السورية، ووسائل الإعلام العالمية، والقوى الدولية، بل والدول العربية كذلك!!

وهذا الكلام القميء المستهجن لا يدل على الإفلاس السياسي وحسب، بل له دلالته الأخطر إذ يظهر بوضوح شديد عدم جدية نظام الأسد وعدم رغبته في إيجاد أية حلول مقبولة للأزمة الراهنة في سوريا، وعدم استعداده لتلبية أية مطالب للثوار ولو في حدها الأدنى، وكل هذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن ما تقوم به الجامعة العربية من إجراءات وحوارات مع النظام في سوريا ما هو في الحقيقة إلا مضيعة للوقت، وكأن الجامعة بذلك تمنح بشارًا وزبانيته المزيد من الوقت لقتل السوريين، وتوفر له غطاءً ديبلوماسيا عربيا لارتكاب المزيد من الجرائم البشعة والمجازر الوحشية المروعة بحق شعبه الأعزل!!

ويبدو جليًّا أن نظام الأسد الفاشي لا يدركأن الشعب السوري البطل لم يعد يرضى بالخنوع، ولن يقبل بالإهانة، أو يسكت على الظلم والقمع بعد الآن؛ لأنه بالفعل بات يفضل الموت على المذلة، وهذا ليس مجرد شعار يرفعه الثوار وحسب في مدن سوريا وشوارعها، بل هو قرار حاسم اتخذه السوريون، وليس أمام بشار سوى الاستجابة والرضوخ لهذا المطلب الشعبي الذي لا رجعة عنه أبدا.

والورقة الأخيرة التي يعول عليها نظام الأسد الفاسد هي ترويع الشعب السوري، وبث الفرقة والخلاف بين أبناء المجتمع ومكوناته الإثنية وطوائفه الدينية، وتخويف السوريين من بعضهم البعض، لكن كل محاولات تفتيت وتفكيك المجتمع السوري،على أية خلفية دينية، أو طائفية أو اثنية ستبوء بالفشل بإذن الله تعالى، وها هم الإخوان المسلمون في سوريا ـ وكما جاء في بيانهم الأخير ـ يؤكدون للعالم أجمع، وبشكل خاص للمراهنين على وحدة الشعب السوري في الداخل والخارج، ويشددون على أنهم جميعا: مسلمين ومسيحيين، سنة وعلويين ودروزا وإسماعيليين، عربا وكردا وتركمان.. شعب واحد، ومجتمع واحد، ومشروع وطني واحد؛ يسعى إلى الحرية وإلى الكرامة وإلى السلام والعدل.. ويرفضون كل أحاديث الحقد والثأر والانتقام والعصبية، ويعلنون تمسكهم ـ بكل إصرار ـ بمجتمع مدني واحد، وبدولة مدنية أساسها المواطنة، ويحمي القانون كل فرد فيها!!

ولم يعد مقبولا بتاتا أن يستمر النظام السوري في قتل عشرات السوريين الأبرياء يوميا، ولن ينجح في محاولات تضليل المراقبين العرب والتحايل على عملهم،وسوف تخفق بإذن الله كل خططه لشق صفوف المعارضة السورية وتأجيج الخلافات بين مكوناتها وأطيافها المختلفة، كل ذلك لن يفيده في شيء؛فمن يحدد المسار الحقيقي للثورة السورية هو الشعب السوري نفسه برجاله وشبابه ونسائه وأطفاله،وليس هذا الطرف أو ذاك من أطراف المعارضة الرسمية في الداخل أو في الخارج.

وليس أمام بشار سوى الاستجابة والرضوخ لمطالب شعبه، لكن يبدو أن الرسالة لم تصله بعدُ، وكلامه الأخير أوضح دليل على أن ليس لديه ما يراهن عليه هو ونظامه سوى الوقت، غير أن الوقت ليس في صالحه، ولا خوف مطلقا من كلامه وصراخه وتهديداته، فهذا بالضبط هو ما فعله القذافي على مدى أشهر، وحتى قبيل سقوطه المدوي كان يهزي بأنه قادر على إنزال الهزيمة الساحقة بشعبه الثائر وبدول حلف الأطلنطي، وما هي إلا سويعات وسقطت طرابلس الغرب في أيدي الثوار، وهرب القذافي وزمرته مذعورين كالفئران، وبعد نحو شهرين فقط ألقي القبض عليه مختبئا كالجرذ في أنبوب للصرف الصحي، ثم لقي مصرعه بعد ساعات على النحو المخزي الذي شاهده العالم أجمع... ولا ندري أيحب بشار الأسد أن يلقى نفس المصير أم لا؟!!

إن الواقع يؤكد أن هناك تطورا جذريًّا وحاسما طرأ على السياسات والتوازنات الإقليمية والدولية بعد انطلاق الربيع العربي، ولا يمتلك نظام الأسد أي مساحة للمراوغة، ولم يعد لديه أي نفوذ هنا أو هناك، ولن تنفعه روسيا بحاملة طائراتها وبارجاتها الحربية وسفنها العسكرية، ولن تغني عنه الصين شيئا؛ إذ ليس في استطاعة أحد الوقوف طويلا في وجه مطالب الشعب السوري المسالم الذي يقاوم ببسالة نادرة طغيان هذا النظام المتوحش، والحقيقة التي يرفض بشار الاعتراف بها حتى الآن أنه في مواجهة فاصلة مع شعبه، وهذا الشعب لن يتخلى أبدا عن أهدافه مهما حدث، وحتى تنتصر ثورته، وتتحقق إرادته، عليه بعد التوكل على الله أن يوحد صفوفه، ويجمع كلمته، ويثق في إمكاناته وقدراته، ويطلب العون من الله وحده، ولا ينتظر شيئا من أحد!!

ــــــ

*كاتب مصري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرئيس الضال والخطاب الأخير  .. مها بدر الدين

الراي

15-1-2012

بواحدة من هذه الجمل الغالية القيمة كان على بشار الأسد أن يبدأ خطابه الذي أُعلن عن أهميته القصوى في الإعلام السوري الرسمي، ليثبت للعالم عامة والسوريين خصوصا بأنه ما زال يملك ذرة من ضمير حي تمكنه من التصالح مع النفس وإدراك الحقيقة والاعتراف بالخطأ، لكنه للأسف أكد مرة أخرى أن لا مكان لهذه الفضائل بين مكونات شخصيته المجبولة على اغتصاب الحق والدفاع عن هذا الاغتصاب بهمجية مطلقة يندى لها جبين عالم الغاب، ويتبرأ من دمويتها وحوش الأدغال، ويلفظها قرفاً حتى آكلو اللحوم البشرية.

ومرة ثالثة يعبر الأسد بفلسفته المملة التي تبعث على الغثيان حيناً والاشمئزاز أحياناً أخرى، عن شخصيته المركبة تركيباً آلياً كما تركب الآلات الميكانيكية وتبرمج على نظام الكتروني معين بحيث يصبح عملها أتوماتيكياً بحسب تلك البرمجة، فالأسد منذ وفاة أخيه باسل حامل لواء الحكم الأسدي واقتلاعه فجأة من مدرجات العلم ليزرع في ثكنات الجيش وفروع الأمن، قد برمج على تسلم راية السلطة والعمل على خدمة المشروع الطائفي الممتد من إيران إلى لبنان بكل ما أوتي من قوة ولو على حساب تصفية الشعب السوري، لأن تنفيذ مخطط الهلال الشيعي هدف استراتيجي يرسخ أيديولوجية عقائدية يراد لها أن تسيطر على مساحة جغرافية تتوسط الشرق الاوسط لخلق توازن طائفي مع الأكثرية السنية في المنطقة، من هنا يأتي التمسك العنيد والعنيف والدموي بالكرسي السوري كونه ركناً أساسياً من أركان المخطط الصفوي التي ستتداعى بقوة عندما تميد أرجل الكرسي مما يؤدي إلى السقوط الحتمي والمدوي للجالس غير الشرعي عليه.

وكعادته في خطاباته السابقة وزع الأسد الاتهامات جزافاً هنا وهناك، فشملت كل أطراف الأزمة السورية الحالية ابتداء من الشعب السوري الثائر مروراً بالجامعة العربية والمنظمات الإنسانية وانتهاء بالمجتمع الدولي ككل، ولم يستثن من اتهاماته تلك إلا حلفاءه الدوليين وداعميه الإقليميين وعصاباته الأمنية ومؤيديه المنتفعين، ولم يخجل من تكرار كذبته التي اختلقها بوجود عصابات مسلحة تقتل الشعب السوري لتبرير إجرامه وإصراره على قتل أكبر قدر ممكن من المواطنين السوريين الباحثين عن مستقبل حقيقي بعيداً عن أوهام هذا البشار وكذبه المستمر الذي يدل على انفصام بشخصيته نتج عن اختلاف نشأته الأولى بعيداً عن عالم السياسية وضجيجه وبين المسؤوليات الدموية التي أوكلت إليه لتحقيق هدف الأسد الأب وطائفته، وعلى انفصال تام عن الواقع المحيط به ورفض قاطع لإدراك حجمه الحقيقي الذي آل إليه في نظر السوريين بعد معالجته السيئة للاحتجاجات السلمية بالحديد والنار.

وعلى خطى القذافي تائه القبر والمدفن، ظهر رأس النظام في حشد من مؤيديه بدت أعدادهم على الفضائيات الموالية مضاعفة في عدسات التصوير، وظهرت حقيقة تواجدهم بعدسات الشرفاء من المواطنين السوريين، ومرة أخرى يظهر غباء هذا النظام الإعلامي والسياسي لاعتقادهم أن الحقيقة يمكن تزويرها بعد أن أصبح معظم السوريين مدونين ومصورين ومحررين ومتحررين شرفاء همهم الوحيد مطابقة الصورة على الواقع، ورغم محاولة النظام الظهور بمظهر المتماسك والمتمكن أمام المجموعات الأمنية باللباس المدني والتي أحاطت بزوجة الرئيس وأبنائه إلا أن ابتسامة أسماء الأسد الصفراء والمتصنعة لم تخدع الشعب السوري بقدر ما أثارت حفيظة الأمهات المكلومات بأبنائهن الذين قضوا على يد زوجها الفاشي وهي تحتضن أبناءها بحنان قلق ونظرات متوترة لم تعرف أن تتجنبها كما نصحتها شركة العلاقات العامة التي تعاقدت معها لتبيض صورتها وصورة زوجها.

وبظهوره المقتبس هذا، أكد الأسد أنه غير نادم على ما اقترفت يداه من قتل واعتقال وتهجير وتدمير، وأنه غير آبه بالدول العربية وجامعتها ولا المجتمع الدولي ومنظماته، وأنه سيمضي قدماً في محاربة الشعب السوري والقضاء على الأحرار منه، وأنه باق كالسيف المسلط على رقبته يسرق حريته ويمتهن كرامته ويغتال أحلامه بغد أفضل، لكن الشعب السوري بدوره يؤكد له بأنه ما عاد يطيق مراره بعد أن ذاق حلاوة الحرية، وما عاد رئيسه بعد أن أثبتت مدرعاته وآلياته العسكرية أنه عدوه، وأنه ماض في ثورته حتى تحقيق التغيير المنشود، وعازم على بناء سورية الحديثة التي تليق بتاريخه وقدراته ومقدراته.

لقد كان خطاب رئيس النظام السوري الأخير الرصاصة الأخيرة التي أطلقها على أمل السوريين الضئيل بإمكانية عودة الرئيس الضال إلى جادة الصواب فينتبه إلى ما ارتكبه من أخطاء جسيمة بحق الشعب السوري منذ توليه رئاسة الحكم، وكان عليه قبل الوقوف على المنصة أن يدرك بأنه سيتوجه بخطابه هذا إلى شعب سوري، لن يصفق له ثانية كلما تكلم أو يضحك ببلاهة كلما تبسم، ولن يرضى بعد الدماء التي سالت أن يعيش في ظل حكمه الجائر والظالم، ولن يجبر بعد احساسه بكرامته أن يندهش عنوة ويعجب غصباً بكلمات السيد الرئيس، وكان عليه أن يعرف أيضاً أنه يقف على شفا حفرة من نار وقودها أزلامه الشبيحة وأمنه المجرم وجيشه الخائن وثلة من مؤيديه الذين لا لون لهم سوى لون الدم ولا رائحة لهم سوى رائحة القتل والموت، وأن خطابه الأخير هذا قد يكون الأخير فعلاً كما يتمنى معظم السوريين، فلا يسمعون بعده نكيراً ولا يرون غيره منكراً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: 10 آلاف شهيد جديد؟  .. علي حماده

2012-01-15

النهار

كان واضحا من خلال الخطاب الاخير لبشار الاسد ان الحرب بين الشعب والنظام في سوريا صارت مفتوحة، وان المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدا كبيرا على الارض. من هنا اعتبار مراكز القرار الدولي ان الطرفين على الارض يتحضران لمواجهة واسعة النطاق ودموية، يمكن ان ترفع أعداد الضحايا الى مستويات قياسية لم تشهدها الثورات التي سبقت الثورة السورية. وإذا كان عدد الشهداء الذين سقطوا برصاص النظام في سوريا تجاوز الخمسة آلاف بحسب أرقام الامم المتحدة، فإن المرحلة المقبلة التي بدأت مع خطاب بشار الاسد أخيراً يمكن ان تشهد سقوط خمسة الى عشرة آلاف مدني آخر مع اتخاذ النظام القرار بمحاولة الحسم عسكريا وامنيا. وحتى الساعة، لم يُعرف مضمون الخطة التي يقال إن الحلقة الضيقة حول بشار اعدتها لكسر الثورة. ولكن قياساً على التجارب السابقة في دول أخرى، يمكن الزعم ان النظام سيقدم على محاولة اجتياح مدينة حمص بكاملها، علما ان الجيش النظامي يضم اعدادا كبيرة من الجنود الضباط المتوسطي الرتبة من محافظة حمص، ومعظمهم لا يزال قيد الاحتجاز. وهؤلاء مؤهلون لتنفيذ انشقاقات في الجيش.

على مستوى آخر، تقول المعلومات المتوافرة من اوساط واسعة الاطلاع في الحكومة التركية ان القيادة الروسية اتخذت قرارا يقضي بمنع سقوط النظام في سوريا، أياً تكن التكلفة. وفي هذا المجال تعتبر المصادر عينها أن موسكو ابلغت الاميركيين ان اي حل في سوريا ينبغي ان يشبه في حده الادنى الحل اليمني، على قاعدة ان يتم تغيير في النظام بدلا من تغيير النظام نفسه. بمعنى آخر، أن يكون بشار الاسد جزءا من الحل في مرحلة انتقالية يتمخض عنها قيام ائتلاف حاكم، شريطة عدم تصفية البنية الامنية والعسكرية للدولة. في المقابل تعتبر القيادة التركية ومعها الادارية الأميركية في ضوء المحادثات الاخيرة التي اجراها رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان مع الرئيس الاميركي باراك اوباما ان المرحلة المقبلة يجب ان تشهد جهدا حاسماً لتوحيد المعارضة السورية، ودعم الجهد لزعزعة البنية العسكرية والامنية للنظام بخطة لتوسيع الانشقاقات. وفي هذا المجال تؤكد المصادر التركية ان معظم الدول العربية المعنية ولا سيما الخليجية باتت تعتبر نظام بشار الاسد من الماضي، وتريد وتيرة أعلى من العمل لتحقيق التغيير في سوريا، وتعتبر ان العمل من خلال مجلس الامن يجب ألا يكون الطريق الوحيد للتغيير في سوريا. وفي المرحلة الاخيرة صار لفكرة التدخل العسكري غير المباشر في سوريا أنصار في الفريق العربي المعني بالازمة.

في حسابات المجتمع الدولي صار بشار الاسد من الماضي. وفي التقويم الموضوعي يعتبر الاسد الابن قائدا لفريق في سوريا في حالة حرب، ويستحيل عليه ان يحكم سوريا مرة أخرى. لقد سقطت "جمهورية حافظ الاسد " في الخامس عشر من آذار 2011، والدم الذي يراق في سوريا هو الثمن المؤخر لاربعة عقود من عصر آل الاسد الاسود!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جثة الجامعة في حمص! .. راجح الخوري

2012-01-14

النهار

فشلت مهمة بعثة المراقبين العرب في سوريا والمأساة او بالأحرى الفضيحة اننا صرنا في حاجة الى لجنة لتقصي الحقائق كي نعرف من الذي يقول الصدق، رئيسها محمد احمد الدابي الذي يبدو انه يريد ان يكمّ افواه المراقبين، أم بعض اعضائها الذين تحدثوا عن فظاعة ما يجري، أم الامين العام للجامعة نبيل العربي الذي يسوق لنا التحليلات السياسية عن الاحتمالات المتصلة بالوضع السوري اكثر مما يقدم التقاريرعما يجري هناك!

فشل المراقبين ليس مفاجئاً. المفاجئ ان تصبح صدقية الجامعة العربية تحت الاقدام.

فمن جهة يبدو الخلاف بين الدابي والمراقب الجزائري انور مالك بمثابة ادانة لعمل البعثة ونزاهتها، وخصوصاً بعد استقالة مراقب سوداني آخر، ومن جهة ثانية لم يقصّرالرئيس بشار الاسد في رشق الجامعة بأبشع النعوت. اما نبيل العربي فإنه يتجه ليكون اكبر شاهد زور في تاريخ الجامعة التي طالما فرقت ولم تجمع!

بعد اسبوع على بداية عمله في سوريا اعلن المراقب انور مالك: "ان الخطف مستمر والتعذيب فاق الحدود، وان سوريا تتجه نحو الدمار والحرب الاهلية ولا همّ للنظام إلا البقاء في الحكم على حساب واقع مأسوي، والاحياء المنكوبة لن تتراجع بعد الذي تعرضت له"، لكن الدابي الذي يقول "ان الوضع في سوريا مطمئن" سارع الى تكذيب افادة مالك، الذي هرب من سوريا ويقول الآن انه تلقى تهديدات بالذبح في حين جرح اثنان من زملائه وهرب آخر.

نبيل العربي انضم بدوره الى نعي مهمة المراقبين عندما قال انها لن تتمكن من ان تنجح كما يفترض وان التقارير التي تصله من دمشق مقلقة للغاية، لكنه واظب على إتحافنا بالقول ان ليس هناك من هو على استعداد للتدخل لإنهاء الوضع المأسوي ولكأن مهمته هي التحليل لا البحث عن الحلول!

عملياً، اللواء محمد احمد الدابي هو آخر من كان يجب تكليفه ترؤس بعثة انسانية، ليس لأنه من اشد الموالين للرئيس عمر البشير المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، بل لأن سجله في اقليم دارفور الذي شهد ابادات جماعية يكفي لإدانته.

ووفقاً لكتاب "دارفور... تاريخ جديد لحرب طويلة" الذي اعده جولي فلنت واليكس دي وال، فإن الدابي هو الذي انشأ ميليشيا الجنجويد منذ عام 1999 عندما ارسله البشير الى الجنينة عاصمة دارفور.

فهل من الغريب ان يشتبك الدابي مع فريق المراقبين وان تفشل الجامعة العربية لتكون مجرد جثة سياسية ملقاة في احد شوارع حمص؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قذافي الشام وسط جماهيره الحاشدة!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

15-1-2012

وحدهم مريدو نظام الأسد هم الذين لم تتداع إلى ذاكرتهم مشاهد معمر القذافي وهو يخطب في جماهيره ويلوح لهم بقبضته بينما كانوا يشاهدون بشار الأسد وهو يكرر ذات اللعبة في ساحة الأمويين في العاصمة دمشق.

من الصعب عليهم التفكير في معالم التشابه بين الزعيمين، هم الذين لم ولن يتوقفوا عن ترويج مقولة إن نظام دمشق يختلف عن نظام ليبيا ومن قبله أنظمة تونس ومصر واليمن، والسبب بالطبع أن استدعاء معالم التشابه تلك سيصيبهم بالاكتئاب ويستثير فيه مشاعر الخوف من نجاح المؤامرة التي تستهدف نظامهم الحبيب.

الآخرون من معارضي النظام، ومعهم سائر المنحازين للإنسان وللحرية من أبناء الأمة، كانوا يرون التطابق في المشهد، ولذلك راحوا يرددون مقولات القذافي “إلى الأمام إلى الأمام”، وهم يرون بشار الأسد يتحدث عن هزيمة المؤامرة!!

لسنا نقول إن الجماهير التي احتشدت في ساحة الأمويين (قيل مئات الآلاف) هي من لون الشبيحة الذين يقتلون الناس، لكنهم في واقع الحال ينتمون إلى فئات ترى في سقوط النظام تهديدا لمكاسبها، وربما مستقبلها أيضا، لاسيما حين تمعن في شيطنه المعارضة.

وفيما كان أنصار النظام يصورون الحشد المشار إليه بوصفه تعبيرا عن حجم التأييد الذي يحظى به النظام، فإن أحدا من المعارضين لم يقل إنه نظام معزول بالكامل ولا يحظى بأية قاعدة شعبية.

والحال أن ما ذهب إليه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله (أشرنا إليه في مقال سابق) حول وجود ستة ملايين يؤيدون النظام ليس بعيدا عن الحقيقة، إذ أن الغالبية الساحقة من العلويين لا يترددون في إعلان تأييدهم، بينما تشير المعطيات الأخرى إلى أن غالبية جيدة من الدروز والمسيحيين تقف في ذات المربع بهذا القدر أو ذاك.

نعتذر ابتداءً عن الخوض في التصنيف الطائفي، لكنها الأبعاد الإنسانية التي لا يمكن تجاهلها. وفي زمن الصراعات غالبا ما يعود الناس إلى طوائفهم وأعراقهم بحثا عن السند والحماية). وهنا ينبغي التأكيد على أن فئة محدودة من أهل السنة (أكثر من ثلاثة أرباع السكان) هي التي تقف في مربع النظام (لا يحب الرفاق اليساريون والقوميون أن يذكرهم أحد بانتماء تلك الكتلة إلى فئة البرجوازية و”الكمبرادور”!!). وهو وضع لم تنتجه الثورة في واقع الحال، بل هو سابق عليها، ومن خالط السوريين يدرك ذلك بكل وضوح، لاسيما أن مواقف النظام الخارجية لم تكن تواسي من كانوا يعيشون القمع والفساد على يد النخبة الحاكمة.

ولكن لماذا لا يخرج الناس بهذه الأعداد الضخمة ليعلنوا تأييدهم للثورة كما خرج مئات الآلاف في ساحة الأمويين؟!

إنه سؤال لا يعدو أن يكون نوعا من المماحكة، إذ يدرك الجميع أن محدودية أعداد المتظاهرين في المدن والأرياف لا تتعلق سوى بالخوف من القتل والاعتقال، مع العلم أن محدودية الأعداد في كل مظاهرة لا ينبغي أن يلفت الانتباه عن العدد الهائل من التظاهرات التي تخرج في نفس الوقت.

إننا نتحدى أنصار النظام أن يخرج الجيش من الشوارع ويتوقف القتل لأسبوع واحد يُسمح خلاله بالتجمع في ساحة الأمويين وساحات المدن الأخرى للمؤيدين والمعارضين (هل تذكرون تجمعات ساحة العاصي في حماة التي خرج فيها غالبية السكان؟!).

عندها فقط سيتأكد الجميع من الفارق بين نسبة مؤيدي بشار الأسد مقابل من يعارضونه. أما إذا رأى أولئك أن تأييد 20 في المئة، بل حتى 25 في المئة من الناس يمكن أن يكون كافيا لبقاء النظام من الناحية السياسية والأخلاقية، فلهم ذلك وليبوءوا بإثمه.

عبثا يحاول بشار الأسد السيطرة على الوضع، لكن جماهير الشعب السوري تقف له بالمرصاد، وتبدي من الشجاعة والبطولة ما يعجز القلم عن وصفه. وتبقى مهمة قوى المعارضة التي ينبغي أن تبتكر طرائق جديدة للاحتجاج ينخرط فيها قطاع أكبر من الجمهور، أعني القطاع الذي يعارض، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية لمواجهة الرصاص والاعتقال.

هناك في فقه الاحتجاج السلمي وقواميسه عشرات الوسائل التي ينطبق عليها هذا البعد، والتي يمكن للغالبية أن تعبر من خلالها عن الرفض، وتؤدي تبعا لذلك إلى إرباك النظام أكثر فأكثر وصولا إلى إسقاطه.

ماذا لو أعلنت قوى المعارضة عن ساعة محددة يكتب الناس خلالها شعارات إسقاط النظام على ورق أبيض ثم يلقونها في الشوارع من خلال الأسطح والشبابيك؟! وساعة أخرى يكبِّرون خلالها .. إلخ.

المهم أن تركز قوى المعارضة على تفعيل الاحتجاجات وتنويعها، لأن ذلك هو واجب الوقت أكثر من العلاقات الخارجية والاقتتال على جلد الدب قبل صيده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سلاح روسي لقمع الثوار لا لتحرير الجولان .. جهاد المومني

الراي الاردنية

15-1-2012

الرسالة التي تبعث بها سفينة الاسلحة الروسية للنظام السوري ليست موجهة للولايات المتحدة الاميركية المتهمة باسقاط معمر القذافي الحليف المهم والمشتري المواظب للسلاح الروسي كما تقول الصحافة المقربة من نظام بوتين- ميدفيدف ,انما هي رسالة للشعوب العربية مفادها ان روسيا - من أجل مصالحها ولكي تحافظ على حليفها بشار الاسد وبقايا الحلفاء من مستوردي الاسلحة - لن تسمح للشعوب العربية بالتحرر لا من الظلم والديكتاتوريات والانظمة الشمولية المستبدة ,ولا من الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية المحتلة ومنها اراض سورية وفلسطينية ولبنانية ,فسفينة الاسلحة التي رست في الموانئ السورية قادمة من روسيا ليست محملة باسلحة مخصصة لتحرير الجولان او مزارع شبعا ,بل ارسلت على عجل لتسليم عسكر النظام وشبيحته ادوات قتل للمتظاهرين في شوارع مدن وبلدات سوريا وغير مخصصة لمواجهة الجيوش المعتدية من خارج الحدود او المحتلة للارضي السورية بكل تأكيد ,وربما تكون هذه الدفعة من الاسلحة مشروطة بعدم استخدامها بأي حال من الاحوال ضد اسرائيل ,لكن الثابت وفقا لسياق السياسة الروسية في السنوات العشر الاخيرة ,ان موسكو المتحمسة هذه الايام للدفاع عن نظام بشار الاسد كما لم تفعل من قبل, كانت قد اتفقت مع تل ابيب على حجم ونوع الاسلحة المباعة وقدراتها وما اذا كانت تؤثر على موازين القوى في المنطقة الذي يجب ان يبقى يميل لصالح اسرائيل بعشرات الدرجات .

في روسيا اليوم اعراض ندم تظهر في بعض الصحافة ووسائل الاعلام على السماح لحلف الناتو باسقاط نظام القذافي في ليبيا ,ولكنهم في روسيا يتجاهلون حقيقة ان الليبيين هم الذين اسقطوا نظاما عانوا منه عشرات السنين كما عانت منه روسيا نفسها لانه بكل بساطة كان الصديق الفاسد المسيء لاصدقائه , اما الناتو فلم يكن أكثر من مساعد مدفوع الأجر نفذ مهمة تدمير الالة العسكرية التي لم يكن بمقدور الثوار تدميرها ,تماما كما يحدث الان في سوريا حتى وان تجنب اصدقاء النظام في دمشق وضع اية مقارنات بين النظامين , لكن هذا لا يغطي الحقيقية بغربال, فما فعلته الالة العسكرية لنظام القذافي بالشعب الليبي في اول اسابيع الثورة تفعله الآن الالة العسكرية للنظام السوري ولكن منذ ما يقارب السنة فيما العالم ينتظر موقفا روسيا يتفق مع مبادئ الانسانية اذا كان من الصعب على ( صديق العرب ) اتخاذ موقف سياسي يناسب مصالحه ومصالح الشعوب العربية سواء في سوريا او ليبيا او اليمن او غيرها من البلدان التي تخوض شعوبها صراعا على الحرية ,اما هذه المواقف الغريبة لدولة طالما ادعت انها تتصدر قائمة اصدقاء العرب فتثير الدهشة فعلا .

نتمنى لو ان روسيا تعيد النظر بموازين القوى في العالم كله حتى لا تنفرد الدول الاستعمارية بقرارات الشعوب المضطهدة ,ولكن ليس على هذه الاسس التي تعتمدها روسيا ما بعد التحرر من الشيوعية ونظام الحزب الواحد ,فالذي يقدم روسيا صديقا وحليفا للشعوب العربية ليس وقوفها مع الانظمة الحاكمة لمجرد انها سوق للسلاح الذي يخزن في المستودعات ولا يستخدم الا ضد الانتفاضات الشعبية ,ما يضع روسيا في مكانة الصديق للسوريين ولغيرهم من العرب الثائرين على حاضرهم المرير وقوفها مع طلاب الحرية ودعم خياراتهم من أجل تحرير الارض المحتلة اولا من قبل اسرائيل ثم بعد ذلك تأييد ثورات التحرر من عبودية الانظمة المستبدة ,وبنفس الوقت الحرص على ان لا يستغل الاستعمار الغربي هذه الثورات كي يعيد امجاده في هذه المنطقة وعلى حدود روسيا الجنوبية وفي خاصرة مصالحها .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطائفية في سوريا  .. فايز سارة

الشرق الاوسط

15-1-2012

تصاعد الحديث عن الطائفية في سوريا في الأشهر الأخيرة، ولا سيما في ضوء ما يحصل في وسط البلاد، وانقسم المنخرطون في الحديث عن الطائفية إلى فريقين مختلفين، أولهما أكد بروز وتزايد الأحاسيس الطائفية في البلاد وفي مواقع معينة منها، وأن الوضع بما يحمله من أخطار يضع البلاد على قاعدة حرب داخلية طائفية الطابع. والثاني اعتبر أن الحديث عن الطائفية في سوريا مختلق، أو مبالغ فيه في أحسن الأحوال، وأن الهدف منه خلق أجواء تسهم في توتر الأوضاع الداخلية بغية حرف الصراع السياسي القائم في البلاد وتحويله من صراع سياسي إلى طائفي، يمكن أن يجر سوريا إلى خطر حرب تنخرط فيها كل الطوائف، لا البعض منها.

ورغم أن لكل واحد من الطرفين المختلفين ما يدعم رؤيته من معطيات ووقائع، فإن الوقائع العامة المعروفة عن التاريخ السوري تؤكد وجود طوائف في سوريا منذ مئات السنين، وأن هذا الوجود مستمر، لم تؤثر فيه بصورة حاسمة أو تغيره كل التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها سوريا ومحيطها، بل إن سوريا، وهي تدخل مرحلة الاستقلال في الأربعينات، رفعت شعارا عاما نصه «الدين لله والوطن للجميع» تعبيرا عن نبذ السوريين للطائفية، وتأكيد على أن العلاقة بين السوريين الموزعين على أديان وطوائف ليست الأساس الذي يقوم عليه الكيان الوطني، الأمر الذي يعني أنه ومع وجود الأديان والطوائف، فإن السوريين اعتمدوا نهجا هو الأبعد عن التشدد الديني والطائفي، مما يعني أنهم ليسوا في وارد الطائفية، التي تعني التحزب لطائفة ومعاداة أو معارضة الطوائف الأخرى.

وتزيد الوقائع العامة في التاريخ السوري الحديث إلى ما سبق من أفكار وذهنيات وموروثات سورية، في موضوع الطوائف والطائفية، معطيات عملية، ولا سيما في الجوانب السياسية منها، ولعل الأبرز فيها أن قادة حركات مقاومة الاحتلال العثماني في بدايات القرن العشرين والانتداب الفرنسي الذي تلاه في ربع قرن لاحق كانوا من كل ديانات وطوائف سوريا، كما أن في المعطيات العملية أن أغلب الجماعات السياسية السورية في المائة عام الماضية احتوت في بناها وهيئاتها المختلفة قيادات وكادرات موزعة على مكونات الجماعة الوطنية في أديانها وطوائفها، بل إن هذه الجماعات عندما قدمت ممثلين لها إلى البرلمانات، وللمناصب الوزارية حيث تولت السلطة في فترة ما بعد الاستقلال، لم تختر ممثليها على أسس طائفية، بل اختارتهم وفق معايير الكفاءة والقدرات، التي تعتمدها، وكان ذلك معمولا به حتى في المناصب الحساسة في البلاد، والشواهد الاسمية كثيرة ومعروفة.

لكن تاريخ سوريا الحديث والمعاصر لم يكن خاليا من نزعات طائفية، ظهرت هنا وهناك في فترات لا شك أنها من فترات التاريخ العصيب لسوريا. وأبرز تلك النزعات وأهمها ما سعت إليه سلطات الانتداب الفرنسي في تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، وهو توجه تناغمت معه قلة من السوريين في مناطق محدودة، لكن وعي الأغلبية الوطنية أفشل المشروع، وأجبر الفرنسيين على التراجع عنه، وعندما خرج الفرنسيون من البلاد أقام السوريون كيانهم الوطني الواحد.

وبين النزعات الطائفية التي ظهرت بعد الاستقلال قيام العهد الديكتاتوري في فترة حكم العقيد أديب الشيشكلي بممارسة سياسة طائفية، وصلت الى حد استخدام السلاح في بعض المناطق السورية، وكان ذلك عاملا أساسيا في الثورة عليه وإسقاطه، وهو الأهم في عوامل إجباره على التخلي عن السلطة ومغادرة البلاد في عام 1954، لتعود البلاد بعده إلى نظام ديمقراطي انتخابي يعتمد المساواة بين السوريين دون تمييز طائفي.

ومنذ وصول حزب البعث إلى السلطة في عام 1963، ضربت النزعات الطائفية سوريا عدة مرات، كان الأبرز فيها إثارة نزاع بين السنة والعلويين أكبر طائفتين إسلاميتين، ومثاله الأوضح كان نشاط الجماعات المسلحة في الثمانينات ضد السلطة، ورد الأخيرة الذي لم يكن أقل رداءة وقسوة في تعامله ليس مع تلك الجماعات فقط، وإنما مع المجتمع كله من أجل إخضاعه والسيطرة عليه. ورغم الآلام التي خلفها ذلك الصراع ونتائجه، فإن السوريين بإرثهم الموحد ووعيهم الوطني، استطاعوا تجاوز فكرة النزاع بين السنة والعلويين، التي كان من شأنها لو توسعت أن تؤدي إلى تفتت الكيان السوري وانقسام مواطنيه بصورة نهائية.

وعدم ذهاب أغلبية السوريين إلى النزعات الطائفية في الثمانينات، لم يقابل بسياسات تتجاوز ما طرحته تلك المرحلة من تحديات، واعتبرت السلطات القمع السياسي والبوليسي أساسا في تعاملها مع التحديات القائمة، بدل الذهاب إلى إصلاحات وطنية شاملة، تعيد ترتيب الحياة السورية في جوانبها المختلفة، وهو أمر أدى إلى تعميق الأزمة في مضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واضعا إياها على قاعدة انفجار لاحق، وهو ما حصل عمليا في مارس (آذار) الماضي.

وقد لعبت تطورات الأزمة، وخاصة في ضوء اعتماد السلطات طريق الحل الأمني-العسكري لمعالجة الأزمة وما رافقها من تحشيد دعوي وسياسي، دورا في إبراز نزعات طائفية متصادمة، بل إن الممارسات السلطوية صبت في الاتجاه ذاته مباشرة أو بالمحصلة، الأمر الذي أعطى النزاع على نحو ما ظهر في مدينة حمص وجوارها ملامح صراع طائفي رغم جوهره السياسي.

خلاصة القول: إن الطائفية في سوريا وإن بدت مقترنة بملامح الأزمات السورية ومنها الأزمة الراهنة، فإنها لا تمثل ظاهرة عامة تهدد وحدة الكيان والشعب السوري، بل إن ما يظهر منها له بعد محلي وظرفي، لا يتعدى مكانه وزمانه المحددين، غير أنه لا يمكن الركون إلى النتيجة السابقة، إذا استمرت الضغوط على المسألة الطائفية، والتي يأتي في سياقها استمرار المعالجة الأمنية - العسكرية للأزمة، واستمرار السلطات السورية في سلوكين سياسي وإعلامي يعتمد التجييش والتحشييد الذي يصعد النزعات الطائفية، مما يتطلب من السلطات ضرورة إحداث تحولات جوهرية في السياسة السورية في الرؤية والممارسة قبل أن تدخل البلاد نفق صراع طائفي مدمر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد في باب العزيزية! .. طارق الحميد

الشرق الوسط

15-1-2012

ظهور بشار الأسد الأخير في دمشق وسط بعض من مؤيديه يشبه كثيرا ظهور معمر القذافي في باب العزيزية، أو الساحة الخضراء، ليظهر أنه ما زال قائدا، ويحظى بالشعبية، لكن ذلك غير صحيح على الإطلاق، سواء بحالة القذافي، وهذا ما أثبتته الأيام، والأحداث، والأمر نفسه ينطبق على الأسد.

فبعد خطاب الأسد، الذي ظهر فيه مستجديا ومنفصلا عن الواقع، خرج بعدها بيوم وسط الحشود ليثبت شجاعته، وقيادته، لكن الواقع يقول إنه خرج بسبب الخوف، وأكد خروجه أنه ليس رئيس سوريا، وإنما رجل له أتباع، وقد يقول قائل: كيف ذلك؟ ظهور الأسد ثاني يوم خطابه، ذي التسع وتسعين دقيقة، في ساحة الأمويين، كان مؤشرا على أن الأسد هو زعيم فئة محددة، وليس رئيس سوريا، وبذلك فإنه هو من ساهم في عزل نفسه أكثر وأكثر، ويكفي الإشارة إلى أن الصور التي ظهرت لخطابه المطول، والممل، في الجامعة لم تظهر وجود مسؤولين من أعضاء حكومته، وخصوصا الوجوه المعروفة، وقت ذلك الخطاب، كما لم تظهر أيا من مرتدي البزات العسكرية، من أصحاب الرتب، ناهيك عن أن إطلالته المحدودة في ساحة الأمويين أظهرت أن معظم الحضور هم من رجال الأمن، وذاك ظاهر من ملامحهم، وبنيتهم، ويكفي تأمل الأمن المحيط بزوجته وقتها.

وفي خطابات الأسد الثلاثة السابقة، وحتى آخر مقابلة مع المحطة الأميركية، كان يتحدث بها كرئيس للسوريين، رغم أنه لم يكن مقنعا بالطبع، لكن إطلالة ساحة الأمويين كانت مختلفة، حيث كان يطمئن أتباعه بأن النصر قريب، ويتعهد لهم بمحاربة شريحة عريضة من المجتمع السوري، ويتعهد بالانتصار على العرب، والغرب، وبدا وكأنه في موقع حسن نصر الله، وليس رئيس سوريا، والفارق كبير!

وبالطبع فسيكون السؤال الآن هو: متى يسقط الأسد، أو كيف؟ والإجابة عن هذا السؤال لخصها العميد السوري المنشق مؤخرا مصطفى أحمد الشيخ، حيث يقول إن «الانشقاقات الكبيرة وعلى مستوى القطاعات تصير عندما يصبح هناك أفق مفتوح ويشعر الضابط أو العسكري أن هناك قرارا دوليا بإسقاط النظام»، مضيفا أنه «حتى الآن لا يوجد قرار دولي بإسقاط النظام. ولهذا لم نر ضباطا كبارا ولا مسؤولين من المناصب المدنية العالية انشقوا. ولكن إذا صارت هناك منطقة عازلة فمعظم الجيش سينشق ويسقط النظام بشكل أسرع». وهذا ما حدث في حالة ليبيا، وليس المقصود هنا مشاركة الناتو عسكريا، وبشكل موسع، بل إن المطلوب هو اتخاذ قرار دولي لرفع الشرعية عن النظام الأسدي، وأولى الخطوات لذلك هي صدور قرار أممي لتوفير منطقة عازلة، وحظر للطيران، فحينها ستكون حركة الانشقاقات واسعة بالجيش السوري، خصوصا أن عدد المنشقين حتى الآن، بحسب العميد الشيخ، بلغ 20 ألفا، وبمجرد توفير المنطقة العازلة، بحسب العميد الشيخ، فإن مسؤولين كبارا سينشقون، ومن شأن ذلك إسقاط النظام، وبشكل سريع.

وهذا ما يجب أن يتم الآن، حيث إن جميع الحلول الأخرى أصبحت بلا جدوى، ومهما حاول البعض القول بغير ذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جدوى بقاء المراقبين العرب في سوريا

الجزيرة السعودية

التاريخ: 14 يناير 2012

بدلاً من أن تساعد بعثة المراقبين العرب إلى سوريا على تهدئة الأوضاع، والتمهيد لبدء تنفيذ بنود المبادرة العربية، التي تتضمن وقف القتل والعنف في المدن والشوارع السورية، وإعادة الجيش إلى مقاره، وبدء حوار وطني، أضافت تأزماً إضافياً للأزمة المستمرة منذ أكثر من عشرة أشهر، وانتقل الاختلاف حول جدوى عمل المراقبين العرب من المؤيدين لها والمعارضين إلى صفوف المراقبين أنفسهم؛ فبعد عودة بعض المراقبين، وإصابة آخرين، أعلن المراقب أنور مالك من الجزائر انسحابه من مهمته، والعودة إلى بلاده؛ لعدم جدوى استمراره في أداء مهمته، في ظل المضايقات وتهديدات النظام السوري، التي وصلت إلى حد الذبح، كما يقول.

أقوال المراقب الجزائري المنسحب من هيئة المراقبين العرب، الذي أدلى بأقواله عبر المحطات التلفزيونية الفضائية، قوبلت بنفي وتشكيك من رئيس المراقبين الفريق أول مصطفى الدابي، الذي اتهم زميله الجزائري بنكث الوعد، وأنه لم يشارك فعلياً في عمله؛ حيث كان مقيماً بالفندق متحججاً بالمرض، في حين أظهرت لقطات عديدة المراقب الجزائري وهو يؤدي عمله في حمص، وأن انسحابه من عمل المراقبين ليس له ما يبرره؛ لأن المراقبين يؤدون عملهم، ولا يوجد ما يهدِّد أمنهم..!!

دفاع الفريق الدابي عن مهمة المراقبين العرب، وتواصل انسحاب المراقبين، رفعا مستوى وحدة الجدل حول مهمة المراقبين، وكشفا عن سرعة تشكيل بعثة المراقبين، والكيفية التي تم بها تكوين واختيار أعضاء البعثة، التي اعتمدت على ترشيح الدول للذين كانوا ممثلين للدول، وليس للمنظمات الحقوقية، إلا نفراً قليلاً، كما أن تنصيب الفريق أول مصطفى الدابي رئيساً للبعثة، الذي تشوب حوله الشبهات، على خلفية عمله في دارفور في بلده السودان، وعدم إعداد وتدريب المراقبين وافتقارهم لمعدات المراقبة والتصوير والتسجيل..

كل هذا جعل مهمة بعثة المراقبين العرب دون فائدة، بل كانت مضرة ومؤذية للشعب السوري، وبخاصة المتظاهرين السلميين، الذين ارتفع عدد قتلاهم حتى زاد إلى أكثر من 400 قتيل، وهذا ما جعل الكثيرين يؤيدون انسحاب المراقب الجزائري، وقبله المراقب السوداني، إضافة إلى المراقبين الخليجيين الذين أُصيب بعضهم؛ كون بقاء المراقبين العرب أصبح محبِطاً، ويُزيد تفاقم الأزمة السورية، ويخدم الحل الأمني الذي ينتهجه النظام السوري، والذي يستثمر بقاء المراقبين العرب؛ ليرتكب مزيداً من القتل في صفوف الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ربما - خطاب الرئيس .. بدرية البشر

السبت, 14 يناير 2012

الحياة

حظي السوريون بساعتين من التمتع بكهرباء مضاءة من دون انقطاع، لكن دفعوا ثمنها الاستماع ولمدة ساعتين مستمرة إلى خطاب إنشائي فقير من رئيسهم بشار الأسد الذي طالبته الثورة بالرحيل، ووصفت المعارضة الخطاب بأنه عودة جديدة لمصطلحات الثمانينات في عصر الأسد الأب، مثلما تشبث بآلياته القمعية من دون ان يفطن إلى ان الواقع قد اختلف. بدا خطاب الرئيس واجباً منزلياً على الشعب، كل استمع له بحسب أمانيه، ففيما ظن بعض الثوار أنه قد يلوح بفرج ويتنحى الرئيس، فإن معارضاً سورياً هو حازم النهار قال لولا إن الإعلام سيسألني عنه في الغد لما استمعت إليه، بينما اعتبره البعض ضريبة ساعتين مضاءتين بالكهرباء.

ماذا لو انقطعت الكهرباء، وحرم الناس من سماع خطاب الرئيس؟ ما الذي سيتغير؟

لا شيء تقريباً. سيبقى الثوار في الشارع، والمعارضة ستندد ببقاء الرئيس الذي احتل كرسي الرئاسة، الذي ورثه عن أبيه في نظام جمهوري، ولا يريد أن يهبط منه، رغم فشل سياسته وأقل ما فيها الفشل الاقتصادي، الذي يعتبر بحد ذاته فضيحة تستوجب التنحي في أية حكومة تحترم سياستها. فما بالك أن يتسبب هذا النظام بثورة تطالبه بالرحيل، وتتسبب بشلل الأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية كافة، وتتعطل بسبب عناد الرئيس عمليات الاستيراد والتصدير، حتى أصبحت عاجزة عن توفير الوقود لإشعال المدافئ والمطابخ. هذا غير مشكلاتها التي ثار من أجلها الثوار، وأهمها الانفراد بالحكم والاستبداد فيه. فخرج الشعب بأغنية غناها المطرب إبراهيم قاشوش تقول: «إرحل... إرحل يا بشار».

تضمّن الخطاب شتيمة عربية فصيحة هي «خسئتم». أعادت إلى الذاكرة المسلسلات التلفزيونية الفصحى، ولولا ثقتي بأن السوريين جميعهم محصنون بخلفية عربية قوية لقلت إنهم قد يحتاجون إلى ترجمة للكلمة توضع مع الخطاب تفسر لمشاهديه ماذا عنت «خسئتم» لأنها من المفردات القديمة التي لم يعد أحد يستخدمها. وزاد الرئيس بأن وصف الإخوان المسلمين بـ «إخوان الشياطين».

من ضمن ما تميزت به الثورات العربية هي التحليلات اللغوية لخطاب الرؤساء وشتائمهم الشتام، لتؤكد واقعاً عربياً مريراً يشير إلى أن على الشعب بعد كل خطاب رئيس عربي أن يتحضر بحزمة مناديل ورقية ليمسح ما علق على وجهه من شتائم، فهذا هو الحق الذي لا يتنازل عنه الرئيس تجاه الشعب حين يثور عليه.

وأنا أشاهد الرئيس السوري يشتم كعادة سابقيه ويهديهم فوق القتل والسحل والصور التذكارية لموت الأطفال والنساء ونشر الرعب بينهم شتيمة، أفكر لو أن هذا الرئيس سقط غداً ووقع بين أيدي هؤلاء الثوار الذين عذبوا فردوا عليه العذاب، كما فعل الثوار بالقذافي، فهل ستشغلنا الفضائيات مرة اخرى بالحديث عن اخلاق العفو، وحق الأسير والحفاظ على رباطة الجأش؟!

إنه مجرد سؤال جدير بأن يجعلنا نتفادى الوقوع في الخطأ مرتين، ومن العدل أن نضع الصورة بين الزمنين والحدثين تماماً كما تفعل دعايات التجميل حين تضع لنا صورة ما قبل العملية وما بعدها. لنضع صورة الرئيس قبل الثورة وبعدها؟

النظام السوري قبض على المطرب إبراهيم قاشوش صاحب أغنية «إرحل... إرحل يا بشار» واحدة من اغاني الثورة السورية، وفي مشهد مصور بثته الفضائيات شاهدنا جثته وقد مزقت حنجرته بموسى حادة، ثم رميت عند نهر العاصي. صورت الكاميرات مكان الحنجرة المنتزعة وروع بها كل من يجرؤ على الغناء أو الصراخ ضد الرئيس.

ما لا يفهمه الرئيس أن المطرب مات وحنجرته قصت وربما رموا بها للكلاب، لكن بقيت أغنية حية يغنيها شباب سورية وشيوخها ولا يزالون حتى هذه اللحظة يرقصون عليها الدبكة الشعبية في مدن سورية الثائرة. عجزنا ونحن نقول للحاكم إن قص حنجرة ينبت منها آلاف الحناجر، حتى ولو اتبعها بشتيمة قديمة مثل «خسئتم».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما لم يقله بشار الأسد في خطابه! .. سليم نصار *

السبت, 14 يناير 2012

الحياة

التاريخ يعيد نفسه في سورية...

في كتابه عن الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، يشير المؤلف باتريك سيل الى أحداث حماه باعتبارها تمثل محطة فاصلة من مراحل الحكم ويقول: «بعد الانتصار على «الإخوان المسلمين» في حماه، ظهر حافظ الاسد بصورة مفاجئة في شوارع دمشق يوم 7 آذار (مارس) 1982 وبما ان ظهوره تزامن مع الذكرى التاسعة عشرة لثورة البعث، فقد حملته الجماهير الصاخبة على أكتافها مدة ساعتين كاملتين من قصر الضيافة الى البرلمان». وفي ذلك اليوم، كان الرئيس غاضباً ومنفعلاً خلال إلقاء خطاب ناري بدأه بالقول: «أيها الأخوة والأبناء... الموت للإخوان المسلمين المجرمين. الموت للمأجورين الذين حاولوا نشر الفوضى والدمار في الوطن».

بعد مرور حوالى ثلاثين سنة على ذلك الصدام الدموي الذي وقع في حماة بين قوى النظام ومسلحي «الاخوان المسلمين»، تجددت صورة تلك الواقعة في مدن مختلفة بواسطة عناصر مختلفة.

وبدعم من تركيا ودول عربية وغربية عدة، أنشئ «المجلس الوطني السوري» المعارض من مختلف الاطياف بهدف القيام بدور المحاور والشريك وربما البديل.

وتوقع الداعمون لهذا المجلس زعزعة النظام على نحو ما حدث في تونس ومصر، الامر الذي يفتح باب التغيير امام الحلول المطروحة. ومع ان الرئيس بشار الأسد استبعد وصول نيران «الربيع العربي» الى بلاده... إلا ان عدوى التغيير وصلت الى درعا وحمص وحماة باندفاع اربك اجهزة الامن، وهدد بنية النظام الذي اسسه والده. لذلك اعطى مبادرة الجامعة العربية فرصة واسعة بانتظار استكشاف الموقف الحقيقي والنهائي للدولتين الداعمتين، أي روسيا والصين. وقد تعرضت هاتان الدولتان لضغوط متواصلة من جانب الولايات المتحدة ودول التحالف الاوروبي بهدف التعاون لإصدار قرار عن مجلس الامن مواز للقرار الذي اتخذ ضد نظام معمر القذافي.

يقول الديبلوماسيون في دمشق ان ايران خشيت من امكان تراجع موقف الاسد حيال الضغوط الاقليمية والدولية التي تمارس ضده. كما خشيت من انعكاسات التحول السوري على مكانتها الاقليمية والدولية، خصوصاً انها في صدد بناء منظومة جديدة تتألف من ايران والعراق وسورية ولبنان، لملء الفراغ السياسي والامني الذي تركه الانسحاب الاميركي من العراق. وبما ان سورية تمثل الحليف المركزي لإيران في المنطقة، فقد حذرت طهران من خطورة اسقاط الاسد، ومن تداعيات هذا العمل على دورها المستقبلي. لذلك قررت استفزاز القوات البحرية الاميركية المنتشرة حول مضيق هرمز، والاعلان عن تطوير قنبلتها النووية، والقيام بمناورات للحرس الثوري بالذخيرة الحية استمرت عشرة ايام. وقام التلفزيون الحكومي بعرض سلسلة لقطات درامية تمثل اطلاق صورايخ بعيدة المدى وانطلاق زوارق حربية سريعة معدّة لعمليات انتحارية. وأعربت مصادر غربية عن تخوفها من ارتفاع سعر النفط، في حال اغلق المضيق وتوقفت عمليات شحن ما نسبته خمس تجارة الطاقة العالمية. ومن المؤكد – كما يقول خبراء في شؤون النفط – ان هذه التوقعات ستؤثر في الاقتصاد الغربي المنهار، وتحدث انقسامات داخل القوى الغربية في شأن العقوبات.

ويبدو ان مصدر الهجمة الايرانية يستند الى معطيات عدة اهمها: مخاوف الرئيس اوباما من الدخول في مزيد من المواجهات العسكرية بعد سياسة الانطواء التي ظهرت عقب الانسحاب من العراق... وتأثير الازمة الاقتصادية الخطيرة في الولايات المتحدة وأوروبا على القرارات السياسية. اضافة الى هذا، فإن اوباما لن يخاطر بشن حرب غير مضمونة في وقت يستعد للفوز بولاية ثانية.

ولكن طهران لم تكتف بهذا القدر من الحسابات، لذلك امر وزير النفط الايراني بضرورة زيادة حجم المخزون في حاويات عائمة في البحر الى 8 ملايين برميل في محاولة لاستباق الحظر النفطي.

في ضوء هذه التطورات، خشيت الادارة الاميركية من انقسام المواقف الاوروبية حول العقوبات الاقتصادية على ايران. لذلك سارع وزير الدفاع ليون بانيتا الى القول ان اغلاق مضيق هرمز يعتبر «خطاً احمر» بالنسبة الى بلاده وغالبية دول العالم. وقد ايده في هذا القرار وزير الدفاع البريطاني فيليب هاموند، الذي وعد بإرسال المزيد من كاسحات الالغام المتطورة الى منطقة الخليج، اضافة الى المدمرة «دارلينغ».

ومن اجل تطمين اسرائيل، اعلن الوزير الاميركي بانيتا ان بلاده تستعد للقيام بمناورات مشتركة، تعتبر الاضخم منذ عام 2009. وقال ان الهدف من اجرائها يتعلق باختبار الانظمة الدفاعية الصاروخية.

وفي خطوة ديبلوماسية تشكل نوعاً من التحدي السافر لقوة الولايات المتحدة، قام الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد بجولة زار خلالها فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا والاكوادور. ومع ان غرض الجولة يتمثل في كسر حال العزلة الدولية، إلا انها من جهة اخرى تتمثل في اختراق ما يسمى بـ «الحديقة الخلفية» للنفوذ الاميركي.

تزعم الصحف الايرانية ان المناورات العسكرية والجولة الديبلوماسية التي يقوم بها نجاد، تدخل ضمن حملة ردع مدروسة ترمي الى شد أعصاب الاسد ومنعه من التراجع امام المبادرة العربية و «المجلس الوطني» المعارض.

في هذا السياق، دخلت موسكو على الموقع السوري لتشجع الرئيس الاسد على الاقتداء بإيران وعدم الاستجابة لمطالب المعارضة. وقد دعمت اقتراحها بإرسال اسطولها الى ميناء طرطوس بغرض تحقيق امرين مهمين: الاول اشعار النظام السوري بأن روسيا جادة في حمايته وبقائه لأنها فقدت صداقة كل الدول الاخرى في الشرق الاوسط. ثانياً: ابلاغ واشنطن والعواصم الاوروبية بأن موسكو مستاءة من تهميشها المقصود من جانب الدول الغربية، بحيث فشلت في اقتناص عقد واحد من عقود ليبيا الجديدة. علماً ان القذافي كان يملأ ترسانته من مصانعها الحربية، ويفضلها على سائر الدول الاجنبية في ميادين الإعمار ومشاريع التنمية.

خلال مرحلة الترقب ووصول نار المعارضة الى العاصمة، تبين للنظام ان اسلوب القتل على الهوية بدأ يمارس بصورة مكشوفة في أزقة دمشق وأطرافها السائبة. ونقلت الاجهزة الخاصة سلسلة حوادث كان ضحاياها من الطائفة العلوية، الامر الذي دفع بشار الاسد الى التركيز في خطابه على موضوع الارهاب، وعلى اعتماد «الامن» قاعدة اساسية في سلّم الاولويات.

وقبل ان يدلي في خطابه الرابع، بمواقفه السياسية المفاجئة، قرر القيام بعرض واسع للآلة الحربية التي تملكها قواته. وقد فوجئت الدول الغربية بحجم الترسانة الصاروخية التي بث صورها التلفزيون الرسمي. وجرى خلال تلك المناورات عرض عدد من عمليات اطلاق كل انواع السلاح الباليستي البعيد المدى. كما جرى عرض اطلاق صاروخ «سكود» وصاروخ «فروغ» وصاروخ «أس. أس 21».

في مناورة سلاح البحرية التقطت صور لإطلاق صاروخ «ياخنت» من منظومة الصواريخ البرية «باستيون». وهذا صاروخ جوال يتجاوز سرعة الصوت بمدى يصل الى نحو 300 كلم. كما ان من الصعب اكتشافه او اعتراضه. لهذا تم نصبه على طول الشاطئ السوري بهدف تهديد النشاط البحري الاسرائيلي، العسكري منه والمدني. وكان جهاز «الموساد» قد اعرب عن قلقة من وقوع هذه المنظومة في يد «حزب الله»، مثلما وقعت في السابق منظومة «سي 802». واللافت ان نصب هذه الأنظمة في جنوب لبنان، يمكن ان يغطي كل شواطئ اسرائيل بحيث يصل الى غزة ايضاً.

يستدل من هذه المناورات، ان الاسد اخذ بوصية حليفته ايران وصديقته روسيا. خصوصاً ان رئيس الوزراء فلاديمير بوتين ينظر الى الاسد كشريك استراتيجي مهم، تقلقه جداً عملية انهيار نظامه. وعليه قدمت موسكو وساطتها لكبح جماح القوات الرسمية ومنع العنف من وصول المعارضة الى الحكم. وينطلق اهتمامها من تعاون قديم منحها مكاسب سياسية لمنافسة القوى الغربية الطامعة في احتواء سورية. ومع ان هذا التعاون تعرض للاهتزاز والبرود عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، الا ان تخلي موسكو عن معظم الدين السوري، جدد الثقة بين الدولتين. كما جدد صفقات الاسلحة التي اغنت الترسانة السورية بكل جديد ومتطور.

في تصريحه الاخير، توعد بوتين بأن روسيا سترد على أي عمليات «أحادية الجانب» يقوم بها الغربيون على الساحة الدولية، اذا لم تأخذ في الاعتبار المصالح الروسية.

وكان بهذا الكلام يشير الى اهمية دور بلاده في استقرار الشرق الاوسط، ان كان عبر سورية ام عبر المنظمات الفلسطينية. من هنا يمكن تفسير موقف بشار الاسد الذي اكد في خطابه الاخير محو كل التعهدات وإلغاء كل التدخلات، والعمل معه لا مع برهان غليون او مع الجامعة العربية او الامم المتحدة.

في ضوء هذه الخلفية، فسرت الجامعة العربية خطاب الاسد وكأنه نعي لوفاة مبادرتها المحفوفة بالمخاطر. أي المبادرة التي تعرض مراقبوها لكل انواع التهويل والتضليل. كذلك تعرضوا لقيود رجال الامن الذين منعوهم من زيارة السجون التي تضم نحو 35 الف معتقل، واكتفوا بتقديم لائحة تضم 16 الف معتقل فقط. علماً ان الأمين العام للجامعة نبيل العربي تبرع بمنح شهادة حسن سلوك للنظام السوري في وقت استقال المراقب الجزائري انور مالك، لأنه رأى عملية سلخ جلد أسير على طريقة معتقل «بوخنفيلد» النازي.

هل يعني هذا ان الانتفاضة السورية ستعود الى المربع الاول وتبدأ من الصفر؟

يقول مراقبو الجامعة العربية ان احتمالات انفجار حرب اهلية واسعة وصلت هذه المرة الى ابواب حلب ودمشق. والمدينتان تعتبران مؤشراً لانتقال غير سلمي يمكن ان يشهد اعادة تشكيل «المجلس الوطني» المعارض.

وقد يكون من المفيد التنبيه الى ان نظام الاسد استعاد نفوذه بفضل الدعم الروسي... ولكنه قد يفقد هذا النفوذ اذا ظل محافظاً على الرباط الذي يشده الى ايران!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نهر الدم السوري الذي يغرق الجميع  .. شحاتة عوض

2012-01-13

القدس العربي

كل معطيات اللحظة الراهنة تقول إن المحنة السورية ستطول أكثر مما توقع طرفاها سواء النظام أو المعارضة، فالنظام الذي يراهن على' إندحار المؤامرة ' على سورية والقضاء على 'الارهابيين' لا يبدو قادرا على تحقيق ذلك، والمعارضة التي تراهن على إسقاط النظام خلال وقت قصير تستند في ذلك لتمنيات أكثر من كونها مستندة الى رؤية واقعية لما يجري. وبين المعارضة والنظام يتواصل تدفق نهر الدم السوري ليغرق الجميع ويطرح أسئلة محزنة عن الثمن الفادح المطلوب أن يدفعه الشعب السوري لينال حريته ويسترد قراره ويحقق ما خرج للشوارع من اجله؟

خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير أظهر بجلاء أن النظام بات منحازا كليا للخيار الأمني وعصا القمع الغليظة ولم يعد لديه غيرها في مواجهة خصومه ومناوئيه ولم يعد يملك شيئا يقدمه سوى حديث عن مؤامرة كبرى على البلاد، وعن إصلاحات شكلية لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع حتى على رغم أنها لا تلبي طموحات المعارضة والثوار، وعن حوار وطني يحدد النظام شروطه وأطرافه التي يبدو أنها تستبعد كليا معارضة الخارج وتكتفي ببعض مكونات المعارضة في الداخل. والأمر الذي يدفع لإستبعاد أي حلول في الأفق هو أن النـــظام ينكر أصلا وجود أزمة حتى يمكن البحث لها عن حلــول، فخطــــاب الرئيس السوري الطويل، والذي أعقبه بظهور لافت في ساحة الامويين وسط دمشق، سعى لأن يرسل رسائل عديدة ولاطراف مختلفة، لكن الرسالة الأهم التي حاول إيصالها هي أنه مازال قويا وقادرا الخروج بالنظام منتصرا في هذه المواجهة الجديدة التي يراها مع الخارج وليس مع شعبه.

في المقابل فإن المعارضة في مجملها والتي تنطلق في مواقفها من رفض كامل لفكرة الحوار مع النظام وترى أنه لا بديل عن رحيله وإسقاطه، تدرك أن ذلك غاية دونها الكثير من الدم والوقت والجهد وأن سقوطا سريعا للنظام على غرار ما حدث مع أنظمة إستبدادية اخرى أمر مستبعد. وهذا يعني أن الشعب السوري يبدو مطالبا بدفع فاتورة باهظة ثمنا لحريته .. فالنظاام لايزال متماسكا حتى الآن، فلم يشهد إنشقاقات في بنيته السياسية أو تصدعات في تركيبته الحزبية، كما أن الجيش وعلى الرغم من الانشقاقات المحدودة في صفوفه مازال موحدا ومتماسكا. ربما تكون القبضة الأمنية الهائلة للنظام وربما الارتباط القوي بين مكوناته وأدراكها للمصير المشترك يشكلان عاملا مهما لتفسير صمود النظام حتى اللحظة، وربما تكون التركيبة الحالية للجيش وخريطة القيادة سببا إضافيا في إستبعاد حدوث إنشقاق كبير في صفوفه.وقد يكون فشل المعارضة في إقناع القطاع المتردد من الشعب السوري باللحاق بالثورة سببا ثالثا لإستمرار النظام .. ومن هنا فإن المعارضة إذا كانت تراهن على حدوث إنقلاب أو إنشقاق كبير داخل النظام يؤدي لإسقاطه في النهاية، فان عليها أن تراجع موقفها في هذا الصدد وعلى الأقل ينبغي أن تكون حذرة في هذا الرهان.

خلاصة ذلك أننا أمام طرفين لا يبدو أن أحدهما قادر حتى الآن على الغاء الآخر أو فرض شروطه ومطالبه .. فرغم أن خطاب الأسد الأخير شكل إنتقالا من خانة الدفاع لموقع الهجوم والمواجهة ضد خصومه، فإن النظام السوري يبدو عاجزا عن الغاء حقيقة أن هناك إنتفاضة شعبية عارمة تجتاح البلاد ضده وتطالب باسقاطه، مهما بقي متمسكا بحالة الإنكار التي يعيشها منذ بداية الانتفاضة. أما المعارضة في الخارج والتي تشكل العنوان السياسي لهذه الإنتفاضة ولجانها الشعبية المختلفة، فلا تبدو قادرة على إسقاط النظام بالسرعة التي تريدها، فهي لا تملك عناصر القوة اللازمة لبلوغ هذا الهدف، كما أنها مساعيها لإستقدام تدخل دولي لحماية المدنيين يصطدم بموقف دولي منقسم ومرتبك وموقف عربي أكثر إنقساما وإرتباكا في تعاطيه مع الملف السوري.

وبين هذا وذاك سيبقى مطلوبا من الشعب السوري أن يدفع مزيدا من الدم النبيل ثمنا لثورته التي لا يبدو أن هناك بديلا عنها ولا تراجع بعد كل هذه الدماء التي سالت في شوراع وطرقات وأزقة المدن السورية على يد أجهزة النظام وشبيحته، لاسيما وأن كثيرين يرون أن الأسد أعطى ضوءا أخضر لمزيد من القتل والقمع حين تحدث عن ضرب الجماعات الارهابية بيد من حديد وهو الوصف الذي يطلقه النظام على مناوئيه من الثوار أو من عناصر الجيش الوطني الحر المنشقين عن الجيش السوري والذين يحاولون حماية المتظاهرين من قمع النظام.

وبعيدا عن الأطراف المباشرة للمحنة السورية يبدو العامل العربي حتى اللحظة جزءا من المشكلة لا سببا للحل، فالجامعة العربية التي تشهد إنقساما في صفوف اعضائها والتي تسعى لإيجاد حل للازمة تحت الخيمة العربية يجنب سورية شبح التدويل وتكرار سيناريوهات كارثية على غرار مع حدث في العراق او ليبيا، تجد نفسها بين مطرقة النظام الذي يراوغ ويناور ولا يقوم بخطوات ملموسة لمساندة هذه الدور، وبين سندان المعارضة التي تبدو مشككة في جدوى هذا الدور ولا ترى فيه سوى فرصة للنظام لارتكاب مزيد من الجرائم والقتل.

وتبدو مهمة بعثة المراقبين العرب الذين أوفدتهم الجامعة العربية الى سورية لرصد حقيقة الاوضاع هناك وفقا للبروتوكول الموقع مع النظام السوري، إختبارا مهما وربما الإختبار الأخير لمدى قدرة الجامعة العربية على إيجاد تسوية أو حل يجنب سورية وشعبها شبح التدخل الأجنبي، وإن كان هناك من يرى أن الوقت والوضع على الأرض قد تجاوز هذا الأمر ولم يعد أمام الجامعة العربية فرصة حقيقية للنجاح، فإذا أضفنا الاعيب النظام مع المراقبين العرب الذين أنسحب بعضهم من المهمة، وتشكيك المعارضة في قدرتهم على وقف القتل وحتى تشكيك أطراف عربية في نجاحهم في هذه المهمة، لادركنا أن الأمور لا تسير كما تهوى وتتمنى الجامعة العربية أو على الأقل بعض الأطراف الفاعلة فيها. لكن السؤال هنا هو ا البديل في حال فشلت الجامعة العربية في مسعاها لوقف تدفق شلال الدم السوري على الارض وأيقاف أعمال القتل اليومي للسوريين وإقناع النظام بالالتزام ببنود المبادرة العربية؟ والسؤال الأهم هو ماذا لو نجحت الجامعة في مهمتها الصعبة تلك، هل سيبدو ذلك كافيا بالنسبة للمعارضة السورية؟

في ظني أنه لا يوجد بديل جاهز لفشل الجامعة العربية في حل الأزمة السورية، فالمجتمع الدولي ليست لديه حتى اللحظة رؤية واضحة أو موحدة تجاه ما يحدث في سورية، وهو أمر تدركه كل أطراف الأزمة ، فالنظام ينطلق في مواقفه من إدراك بأن المجتمع الدولي يبدو مرتبكا ومنقسما في تعاطيه المسألة السورية ويراهن على أنه لا يوجد تغير ملموس في الموقف الروسي بشكل خاص والذي يقف بصلابة ضد أي قرار أو أجراء ضد سورية في مجلس الامن ..أما المعارضة التي تراهن على تدخل دولي يحمي السوريين من ألة القتل فإنها لاتريد أن ترى هذا الأرتباك في مواقف المجتمع الدولي وبأن الأطراف الدولية المؤيدة لها مثل أمريكا وفرنسا وغيرهما تكتفي حتى اللحظة بالكلام لا الأفعال ربما إدراكا من هذه الأطراف لمدى تعقيد وحساسية الوضع السوري، وربما وهذا أمر تتحمله المعارضة السورية نفسها، لانها لا ترى بديلا واضحا وموثوقا يمكن التعاطي معه بعد إسقاط النظام في دمشق. ولعل ما يؤكد ذلك ما قاله الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي قبل يومين ردا على إنتقادات المعارضة، من أن المجتمع الدولي لا يحتاج لإذن من الجامعة ليتدخل في المسألة السورية وأن ذلك يرجع لأنه لا يوجد موقف دولي واضح بشأن هذا التدخل.

وحتى في حال نجحت الجامعة العربية في مهتمها المستحيلة في سورية، وأقنعت النظام بوقف أعمال القمع والقتل ضد المدنيين، وهذا ربما يتنافي مع لغة النظام الأخيرة، فان ذلك لن يكون كافيا بالنسبة للمعارضة ومن خلفها المنتفضون والمحتجون والذين بات سقفهم هو إسقاط النظام ولاأقل من ذلك بعد كل من قدموه من تضحيات ودماء. خلاصة القول أن كل أطراف الملف السوري تبدو مأزومة سواء كانت الاطراف المباشرة كالنظام أو المعارضة أو الاطراف الإقليمية والدولية.

فطرفا الازمة الأساسيان ركبا الشجرة ولا يبدو أنهما أو أي منهما مستعد للنزول عن سقفه .. المعارضة لا ترضى بأقل من الإطاحة بالنظام، والنظام لايرى سوى مؤامرة لن يتوقف إلا بالقضاء عليها ودحرها مهما سقط من قتلى ومهما سالت من دماء، والجامعة العربية القت كل أوراقها، والمجتمع الدولي ليس مستعدا بعد أو موحدا حول كيفية التعامل مع ما يجري .. والنتيجة أن نهر الدم السوري سيبقى يفيض وسيلطخ وجوه كل من ماتت ضمائرهم أو فقدوا إنسانيتهم، لكن الأكيد الأكيد أن الشعب السوري الذي خرج للشوارع طالبا الحرية والكرامة والعدل لن يعود قبل أن يحقق ما خرج لأجله مهما كانت فداحة الثمن أو كلفة التضحيات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيار الصبر والمصابرة .. الخيار الثالث .. كتبه: عبد الله بشير وليد

لقد طالت مرحلة مقاومة النظام الظالم بالطرق السلمية، حتى برزت مطالبات بنقل الثورة إلى مرحلة جديدة، بالتدخل الأجنبي، أو بالعمل المسلح.

هذه المطالبات نتيجة للضغط الذي يتعرض له الشعب الصابر، لكن أياً من التدخل الأجنبي أو العمل المسلح لا يضمن حسم الصراع، أو لا يضمن حسمه لمصلحة الأمة على الأقل، وقد يعطي هذا الانتقال عناصر قوة لأعداء الأمة ولأصحاب المصالح تمكنهم من إطالة أمد الصراع، وبذر بذور فتنة طويلة يظهر الآن أنا بعيدون عنها.

الخيار الثالث لشعبنا هو الصبر على المرحلة الحالية، وأظنه خياراً ممكناً، قبل أن نتحدث عن إمكانيته علينا أن نذكر أن توابع الخيارات الأخرى ليست توابع سهلة، وقد تحتاج لصبر أكثر، ولتحمل الضغوط لفترة أطول.

وعلينا أن نذكر أيضاً أن النظام الظالم في المرحلة الحالية من المقاومة السلمية ليس في وضع مريح، فقد ظهر أنه أقل عدداً وأضعف جنداً من احتلال وقمع كل مناطق الاحتجاجات، وقد فقد السيطرة التامة والقدرة على التحكم الشامل، ويكاد يعلن عن نفسه عصابة من القتلة، وفي هذه الحال سيكون عصابة كبيرة، وربما مافيا متسلطة، لكنه ليس نظام حكم لدولة قائمة مستمرة.

ولنعد للسؤال: هل خيار الصبر على المرحلة الحالية ممكن؟

أقول: لقد وصلت الثورة إلى هذه المرحلة واستمرت لهذه المدة بصبر لم يكن متوقعاً، بعون من الله الذي أفرغ صبره على العاملين والناشطين، وعلى أهليهم ومن يعينهم. ولاستمرار هذا الصبر نحتاج أن نتوجه إلى الله تعالى بمزيد من الاستعانة والاستنصار، وعماد كل توجه إلى الله تعالى هو إصلاح النية وتطهير القلوب.

الأمر يحتاج إذن إلى حملة إخلاص، وحين نتحدث عن الإخلاص نتحدث عن مكون باطن في خفايا القلوب، وتفاضل الناس بإخلاصهم ليس دائماً مطابقاً للظاهر من أعمالهم. وما دمنا نستجلب نصر الله بتطهير نياتنا فلنتوقع النصر، لكن إن وهبنا الله النصر فلن نعرف الجهة التي استحقت الأمة النصر بسببها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: “هل تنصرون إلا بضعفائكم؟”.

قد ينصرنا الله بصبر أم فقدت ابنها، واحتسبته شهيداً عند الله، ونحسب أن من هؤلاء الأمهات الكثير في شعبنا، وأن مثل نموذج صبر الأم نماذج أخرى كثيرة من الصابرين المخلصين.

وإذا أردنا أن نحقق هذا التوجه الجماعي لإخلاص النوايا، فعلينا أن نستعين بأعمال صالحة تطهر القلوب، وفي مثل هذا المشهد، ولمثل هذه الغاية لا يحقق مثل هذا التطهير كما يحققه بذل الناس من أموالهم، وقد يصلون إلى مرتبة من يبذلون أنفسهم، بشرط احتساب نية الصدقة لله تعالى في باطن كل فرد، وتحري أن تؤدي إلى كفاية حاجات المجموع لتحقق النصرة للأمة. وحين تنهض الأمة بعمل إغاثي يكفي جموع الثائرين وأهليهم، ويسد حاجة المحتاجين والمتضررين منهم، فلننتظر نصراً قريباً.

هل مازلنا نتحدث في السياسة؟ نعم، نحن نتحدث عن ثورة تنتصر بتضحيات شعب طال صبره، وعظمت مواقفه، ننتظر أن يعاهد كل مشارك منه في الثورة نفسه ألا يكون هو الذي يرفع الراية البيضاء، حتى لو أراد غيره رفعها، كل ذلك كي لا يتحول القاتل إلى زعيم مرخص، ولا يتحول القتل إلى تطبيق للقانون.

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا واصبروا، إن الله مع الصابرين﴾.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صراخك يا عفاف مظاهرة.! الأمن السوري يعذب ويقتل طفلة ذات أربعة أشهر

http://www.youtube.com/watch?v=NcOP2XMa0aM

صراخك يا عفافُ مظاهرةْ

إهداء إلى تلك التي قتلت أربعة آلاف شهيد، ففي كل شهر مر من عمرها تقتل فيه ألفا، حتى استشهدت ودماء شعب سورية معلقة في رقبتها..!!

إلى تلك الطفلة عفاف محمود سراقبي ذات الأربعة أشهر..!

شعر: جعفر الوردي

ماتت عفافُ على فراش من وَهَنْ

ماتت عفافُ وما لها عندي كَفَنْ

لمَ يا عفافُ تدمِّري هذا الوطنْ ؟!

لمَ تسرقي من عيننا طعم الوَسَنْ ؟!

***

لم يا عفافُ سفكتِ دمَّ شبابنا ؟!

ونزعتِ كل اللطفِ من أفواهنا

وبترت طعم الحبِّ من أيامنا

لمَ يا عفافُ فعلتِ ما يغتالنا ؟!

***

أينَ الجُناة وأين منهم أخوتي ؟

بعضُ الأسابيع انقضى من طفلتي

لم تُسمعِ الصيحاتُ منها نخوتي

بل صوتُ ضِحكاتٍ لهم قد غطَّتِ

***

هلَّا قتلتم كل شعبي دونها

هلا أبحتم كلَّ طهر غيرها

أنا مجرمٌ، روحي حلال هدرها

ما ذنبها ما جرمها ما وزرها ؟!

***

حسِبوا صراخك يا عفافُ مظاهرةْ

ظنوا البياضَ علامةً لمؤامرةْ

قالوا تنظِّم للجيوش عناصرهْ !

بل إنَّها من بابِ عمرو ثائرةْ

***

مهلاً عفاف فكلُّ حرٍّ متهمْ

حتى البهائمُ منهمُ ذاقت ألمْ

إذْ كل دمٍّ يا عفاف يصيحُ دَمْ

قطراتهُ شُعَلٌ تضيء لنا الظلمْ

***

نامي عفافُ، على النبيِّ فسلمي

وعلى أشقاءِ الشهادة والدَّمِ

إنا لغير دمائهم لا ننتمي

وطموحُنا نحو الشهادة يرتمي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

غباء أم هيستريا ؟؟!! .. د.هشام الشامي

7-1-2012

مركز الدراسات الإستراتيجية لدعم الثورة السورية

تتكرر فضائح الإعلام الرسمي للنظام السوري يومياً ، بل على مدار الساعة و على جميع المستويات ، حتى بات الجميع يستهزئ و يضحك و يسخر و يشمئز من تمثيليات الإعلام  الرسمي السوري السيئة الإخراج ، هذا ما أكده وزير خارجية النظام المعلم عن فضيحته ( التي جاءت بجلاجل ) عندما عرض في مؤتمره الصحفي و على الملأ أفلاماً قديمة سجلت في طرابلس و كفرلاتا في لبنان و أخرى في إطلاق قروية النار ابتهاجا في عرس في ريف دمشق على أنها صور لعصابات مسلحة تعيث  في الأرض فساداٍ في ديار سوريا الأسد ، و عندما فضح أمر هذه الأفلام و اتًضح كذب النظام ، و سأل الوليد بمؤتمر صحفي لاحق عنها , أقر بوقاحة فريدة و بدون أن يرف له جفن أنها سيئة الإخراج 00

أمس و قبل صلاة الجمعة خرج علينا الإعلام الرسمي السوري و من دار في فلكه ( كقناة الدنيا و أخوانها ) ليعلن عن تفجير انتحاري إرهابي في حي الميدان الدمشقي العريق أودى بحياة العشرات و أصاب عشرات أخرين من السوريين ، و هنا لن نتساءل مع المحلليين عن المكان و لماذا أختير حي الميدان  لهذا الإنفجار و هو أكثر الإحياء الدمشقية مشاركة في فعاليات ثورة الكرامة ؟؟ ، و لا عن الزمان : و لماذا كان هذا التفجير قبل صلاة الجمعة ؟؟ بأقل من ساعة و هو موعد خروج المظاهرات من مساجد الميدان أسبوعياً ، و لماذا كان التفجير مع دعوة الثوار لاعتصامات في ساحات المدن الكبرى و خاصة دمشق و حلب ؟ ! و لماذا كان قبل يوم من تقديم رئيس لجنة المراقبين العرب  الفريق الدابي لتقريره للأمين العام للجامعة لعرضه على مجلس الجامعة ؟؟ تماما كما كان تفجير كفرسوسة قبل جمعتين مع بدء هذه اللجنة عملها 00و لماذا و لماذا ؟؟؟!!

لكنني أتساءل عن زوايا أخرى لهذه الحادثة الإجرامية المدانة بكل المقاببس ، زوايا تظهر فضائح و غباء و هستريا و جنون هذا الإعلام المخادع و الكاذب و الذي لا يصدقه شعبنا حتى في حالة الطقس ( التي اكتشف هذا الإعلام الغبي أن قناة العربية تبث من خلال النشرة الجوية شفرات للثوار داخل سوريا فالغيوم مظاهرات و الأمطار و الصواعق متفجرات إلى آخر تلك الهلوسات و التوهمات..)

كتلك الصور التي أظهرت مراسل الفضائية السورية و هو يوزع أكياس نايلون مليئة بالخضار و الفواكة و اللحوم و الحاجات اليومية للمواطن العادي في مسرح الجريمة بشكل منظم و مرتب و دقيق و بنفس اليد يحمل المايك و عليه شعار الفضائية السورية ، و عندما كانت فضائية تلفزيون الجديد اللبنانية-الموالية - تعرض الخبر بشكل مباشر نقلاً عن أختها الإخبارية السورية التي انفردت بنقل الخبر بداية ، زهلت المذيعة لما رأت ، فصمتت و لم تستطع أن تتابع التعليق فآثرت السكوت عن الكلام اللامباح ( و هنا ندرك لماذا يصر النظام على منع وسائل الإعلام الحرة من دخول سوريا و متابعة الأحداث )، و كذلك صور الحقائب و الأكياس التي كانت ترمى داخل حافلة المكروباص المتفحم من النافذة الخلفية المتحطمة ، و عرضت هذه الصور مع جثث متفتتة و متفحمة من شدة الإنفجار لكن أكياس النايلون المليئة بالحاجات اليومية و الحقائب الجلدية و الدبلوماسية ما زالت سليمة لم يصبها دخان فضلاً عن النار

و لم ينس المخرج الأمني الغبي الذي كان ينثر الأشلاء و الدماء على مسرح الجريمة أن يظهر بعض الشبيحة و هم يمثلون أنهم يرفعون أثار الجريمة و يتهموننا كسوريين : بدكم حرية ( و كأته يقول : إذا أصريتم على طلب الحرية فهذا جزاؤكم )

أما رجل الأمن الذي تظاهر أنه مصاب و يتآوه ألماً و لا يستطيع الحراك و يحاول زميله إسعافه ، فقد فضح نفسه و فضح هذا الإعلام عندما قفز كالقرد و هو يشير للكاميرا أن الدور التمثيلي قد انتهى

و رجل الأمن الآخر الذي كان بمثل دور المتوفى من الإصابة و يحاول رفاقه حمله لكنه تسرع و لم يدر أن دوره لم ينته و أن الكاميرا ما زالت مسلطة عليه فرفع رأسه ينظر إلا رفاقه و إلى الكاميرا التي تصوره

إنه جنون الإعلام الكاذب الذي جعلنا نترحم على إعلام غوبلز النازي الذي لا يستحق الرحمة

فكل من ظهر في هذه الأفلام أو قام على إعدادها من ممثليين و مذيعين و مخرجين و كومبارس هم من أغبياء الأمن السوري الذي دخل مرحلة الجنون و الارتجاج الدماغي بعد الضربات الساحقة و الماحقة التي أصابته من متظاهري الثورة السلميين

هذا ما جعل مدير الثقافة ( و التوجيه الحزبي ) في محافظة الحسكة الأستاذ!!أحمد الدربس يقول و على الفضائية السورية الرسمية مفسراً كلمة ( سلمية ) التي ما زال الثوار يصرون عليها و يرددونها رغم كل جرائم نظام الشبيحة على مدار عشرة أشهر : أنها كلمة ماسونية ( بعيد عنكم ) و لم يتركنا الأستاذ نحتار في التفسير بل تابع موضحاً و مبرهناً لكلامه المقنع : فالتاء هي تونس ، و الياء هي اليمن و الميم هي مصر ، و اللام ليبيا ، و لم يبق إلى السين و هي طبعاً سوريا ، ألم يقنعكم خزته العين ؟؟!!

أما الذين ما زالوا مستغربين من غباء و هستريا هكذا إعلام محرض و قاتل لشعبه فنرده إلى إدارة وكالة الأنباء السورية ( سانا ) و لن نفسرها ماسونياً على طريقة الأستاذ أحمد الدربس ( فنقول الألف الأخيرة إدارة و النون نباح أو نهيق و الألف و السين أزلام الأسد " أي إدارة نهيق أزلام الأسد ) ، بل لنرجع إلى بياناتها الرسمية بشأن شهداء تفجيري دمشق  الأخرين و الذين قتلوا مرتين حسب هذا الإعلام الغبي

فقد أوردت وكالة الأنباء ( سانا ) بتاريخ 27/12/2011،تحت عنوان : ( الأحداث على حقيقتها.. قائمة بأسماء شهداء العمليتين الانتحاريتين الإرهابيتين اللتين استهدفتا مقر إدارة المخابرات العامة في كفرسوسة و مقر فرع المنطقة و المناطق المحيطة بهما ) ـ مع الانتباه لكمة حقيقتها و وضع خطوط حمراء تحتها ـ ما يلي : و سنكتفي بذكر الأسماء التي قتلت مرتين و حسب ترقيم سانا:

>شهداء إدارة المخابرات العانة :

4- المساعد أول عدنان الحايك 9ـ الرقيب الأول حازم الصالح 11ـ الرقيب المجند عدي القنطار 11ـ الرقيب المجند غيث الجغامي 14ـ المجند محمد السعدي .

>شهداء الأمن العسكري :

5- المساعد أول علي محمود خيزران 8- المساعد أول طاهر أحمد زينة 14-المجند ميزر هيثم العلي .

>شهيد من إدارة السجلات الطبية :

الرقيب المتطوع مجد الدين عبد الحميد الهايس .

علماً أننّا نجد في الخبر الذي نشرته "سانا"نفسها بتاريخ 26/12 / 2011 تحت عنوان: .تشييع جثامين 14 شهيداً من الجيش والأمن إلى مثاويهم الأخيرة أسماء كل من:

المساعد أول عدنان جاد الله الحايك من السويداء., ذُكِرَ سابقاً باسم عدنان الحايك

المساعد أول حازم عزيز صالح من طرطوس. ذُكِرَ سابقاً باعتباره رقيباً و باسم حازم صالح

والرقيب أول غيث عصام الجغامي من السويداء. ذُكِرَ سابقاً باعتباره رقيباً مُجنداً, باسم .غيث الجغامي .

و الرقيب المجند عدي سمير القنطار من السويداء. ذُكِرَ سابقاً باسم عدي قنطار

و الرقيب مجند عبد الحميد الهايس من دير الزور. ذُكِرَ سابقاً باعتباره الرقيب المتطوع, باسم مجد الدين عبد الحميد الهايس..

المجند ميزر هيثم العلي من ريف دمشق. ذُكِرَ سابقاً كما هو, المجند ميزر هيثم العلي .

وفي تفاصيله ذكرت وكالة الأنباء: .بأكاليل الورد والغار وحفنات الأرز وعلى وقع موسيقى لحني الشهيد ووداعه شيعت من مشفيي تشرين وحمص العسكريين والسويداء الوطني أمس إلى مثاويهم الأخيرة في مدنهم وقراهم جثامين 14 شهيداً من عناصر الجيش والأمن استهدفتهم المجموعات الإرهابية المسلحة أثناء تأديتهم لواجبهم الوطني في دمشق وريفها ودرعا..

ثمّ نقرأ بتاريخ 28/12/ 2011 في وكالة الأنباء "سانا" خبر: .الأحـداث علـى حقيقتـها… تشييع جثامين 9 شهداء من عناصر الجيش والقوى الأمنية والشرطة إلى مثاويهم الأخيرة. الذي نجد فيه أسماء كل من الشهداء:

المساعد أول طاهر أحمد زينة من اللاذقية. ذُكِرَ سابقاً كما هو, المساعد أول طاهر أحمد زينة.

المساعد أول علي محمود خيزران من اللاذقية. ذُكِرَ سابقاً كما هو, المساعد أول علي محمود خيزران.

وقد ذكرت "سانا" في تفاصيل الخبر: .شيعت من مشافي تشرين وحمص العسكريين والشرطة بحرستا اليوم إلى مثاويهم الأخيرة جثامين 9 شهداء من الجيش والقوى الأمنية والشرطة استهدفتهم مجموعات إرهابية مسلحة أثناء تأديتهم لواجبهم الوطني في حمص ودمشق..

كما أوردت سانا كذلك مع أسماء شهداء التفجيرين الانتحاريين اسم الشهيد "المجند محمد السعدي / درعا – قرية القنية" و كان اسمه الثلاثي 0 محمد ياسين السعدي - قد ورد سابقاً في خبر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" تحت عنوان: .قائمة بأسماء الشهداء ليوم السبت 24-12-2011.

و هكذا يتضح مرة أخرى للجميع مدى كذب و وقاحة و تدليس و افتراء إعلام النظام الأسدي الممانع ، و الذي اتخمنا على مدى أربعة عقود بخطاب الصمود و التصدي و الممانعة و المقاومة و مقاومة الصهيونية و الإمبريالية ، لكن هذا النظام لم يقتل إلا شعبه و معه من كشفه و فضحه من عرب لبنان و فلسطين و العراق و غيرهم ..

فإلى متى السكوت عليه يا عرب ؟؟؟!!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

جمعة دعم الجيش الحر .. محمد فاروق الإمام

عشرة شهور دامية مضت على سورية وغربان حِمام الموت تحصد الأرواح وتستبيح الإنسان والحيوان والشجر والحجر في طول البلاد وعرضها بلا رادع من ضمير أو بقية من إنسانية، وقد فُقدت هذه المعاني من قلوب الكلاب السائبة المسعورة التي أطلقها من عقالها نمرود الشام ورأس غربانها بشار الأسد، تنهش الأجساد بسادية لم تروها لنا كتب التاريخ في كل سوداوية صحافه على كثرتها!!

ولم يكن لهؤلاء الضحايا من ذنب إلا أنهم ينشدون الحرية والانعتاق من الظلمة إلى النور، ولم يكن لهم من معين أو ولي إلا الله و(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) في مواجهة فئة باغية تريد لهم التقلب في الظلمة والديمومة في دياجيرها، يدفعهم إليها طاغوت الشام بكل جبروته وصلفه وتحديه لله الذي توعدهم بقوله: (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

يوم أمس كانت (جمعة دعم الجيش السوري الحر) وقد يأس المتظاهرون على مدار 300 يوم من التظاهر السلمي من جيشهم (حماة الديار)، لينصفهم ويقف إلى جانبهم، في مطالبهم العادلة المحقة فباعهم لنمرود الشام بأبخس الأثمان، وكان فعل جيش حماة الديار على الأرض يؤكد زهده بهذا الشعب، الذي قدم ويقدم له جهد عرقه لأكثر من أربعين سنة يعدّه تسليحاً وعتاداً وتدريباً لملاقاة العدو الصهيوني الغاشم، كي يحرر لهم مرتفعات الجولان التي سلمها الأسد الأب للصهاينة دون دفع أو مدافعة في حزيران عام 1967، ويحمي سياج الوطن ويذود عن حياضه ويتصدى لمؤامرات الأعداء ويفشل مخططاتهم، فكان الناكر للجميل والعاضَّ لليد التي جاعت لتطعمه وتعرت لتكسيه وارتضت الفاقة والحرمان لتزوده بالسلاح والعتاد!!

ولم تجد هذه الجماهير - بعد صبر عشرة شهور من القتل والذبح وانتهاك الأعراض واستباحة البيوت والمقدسات والتهجير – لم تجد بداً من أن تتوجه إلى البديل الذي وجدته في الجيش السوري الحر، الذي آثر الموت والشهادة على أن تمتد يده بالغدر إلى أهله وأشقائه وأبناء وطنه، والذي تمرد على أوامر نمرود الشام وأبى أن يكون إلى جانب الطغيان والاستبداد دون الأهل والعشيرة، ممن ظُلموا وذُبّحوا على يد حماة الديار الذين تحولوا إلى حماية الظالم السفاح ونظامه السادي دون حماية الشعب والأوطان.

لقد كان للجيش السوري الحر وقفة شجاعة إلى جانب الشعب الثائر المطالب بالحرية والكرامة، يدافع عنهم ويصون أعراضهم ويحمي ديارهم، على قلة عدده وما تمكن من حمله من أسلحة فردية، في مواجهة جيش النظام بكل جبروته وآلته العسكرية الجهنمية من دبابات ومدفعية وقاذفات صواريخ وطائرات عسكرية وبوارج حربية، بكل ما تحمل وتقذف من حمم ونيران، إضافة إلى الآلاف المؤلفة من رجال الأمن والشبيحة والعصابات المسلحة من أعوانه ومؤيديه، ضارباً أسطورة في البطولات ما سمعنا بمثلها منذ أيام عز العرب وماضيهم المجيد، حتى غدت أماكن وجودهم حضناً دافئاً يجد فيه الناس الأمن والأمان.

وكان لابد للمجلس الوطني أن يتحرك.. وقد ارتضته هذه الجماهير الثائرة أن يكون ممثلها الوحيد والناطق باسمها والمؤتمن على ثورتها، أن يتوجه نحو هذا الجيش السوري الحر، وقد خاب رجاؤهم في جيش حماة الديار، اهتداء ببوصلة هذه الجماهير التي خصت جمعتها الأخيرة باسمه لدعمه ومؤازرته، وكان المجلس الوطني رهن إشارة هذه الجماهير ومطلبها، فسارع إلى قيادة هذا الجيش الحر لينسق معها ويقف على مطالبا واحتياجاتها، من إعادة تنظيم وهيكلة واعتماد خطة لاستيعاب الجنود والضباط المنشقين، وتشجيع كبار الضباط والعسكريين على الانحياز إلى الجيش الحر وتأمين الطرق الآمنة لوصولهم إليه، فلم يعد لهذه الجماهير من أمل، بعد الله، إلا هذا الجيش الحر في انتزاع الحرية والفوز بالكرامة من براثن هذا النمرود الباغي، ووضع حد لحمام الدم ومستنقع العذابات والآلام!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية وأسباب النصر .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

صادمًا ومحبطًا كان الخطاب الرابع لبشار الأسد منذ اندلاع الثورة السورية المباركة، وليست الصدمة وليدة المحتوى المهترئ والبائس للخطاب، فهذا ما اعتدناه من الزعماء العرب ـ لاسيما قبيل سقوطهم ـ ولكن مبعث الصدمة والإحباط هذه المرة كان اللغة الفجة (بل الدموية...!!) التي استخدمها بشار في مخاطبة شعبه الأبي الشجاع الذي يقف بصدوره العارية في وجه بطش زبانية النظام وعصابات شبيحته رغم استخدامهم لأعتى أساليب القمع وأكثرها وحشية في العالم.

 

وبدلا من اعتراف الأسد بخطورة الأزمة التي تواجهها سوريا بسبب تعنته وعناده وجبروت نظامه، وبدلا من الإقرار بمسئوليته الأخلاقية والتاريخية تجاه شعبه في هذه اللحظة الحرجة ـ بدلا من ذلك كله راح يهدد السوريين ويتوعدهم بمزيد من المجازر وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح، وفي نبرة متعالية ولهجة متعجرفة قطع بشار الأسد الطريق على أية حلول سياسية تحلحل الأزمة من مكانها، وبكل صلف وغرور رمى بالمبادرة العربية في وجه الجامعة بدولها وزعمائها وأمينها العام، وفي إفلاس شديد وكلام ممجوج أخذ يكرر أن سوريا تواجه مؤامرة كونية خطيرة يشارك فيها: الثوار والمعارضة السورية، ووسائل الإعلام العالمية، والقوى الدولية، بل والدول العربية كذلك!!

 

وهذا الكلام القميء المستهجن لا يدل على الإفلاس السياسي وحسب، بل له دلالته الأخطر إذ يظهر بوضوح شديد عدم جدية نظام الأسد وعدم رغبته في إيجاد أية حلول مقبولة للأزمة الراهنة في سوريا، وعدم استعداده لتلبية أية مطالب للثوار ولو في حدها الأدنى، وكل هذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن ما تقوم به الجامعة العربية من إجراءات وحوارات مع النظام في سوريا ما هو في الحقيقة إلا مضيعة للوقت، وكأن الجامعة بذلك تمنح بشارًا وزبانيته المزيد من الوقت لقتل السوريين، وتوفر له غطاءً ديبلوماسيا عربيا لارتكاب المزيد من الجرائم البشعة والمجازر الوحشية المروعة بحق شعبه الأعزل!!

 

ويبدو جليًّا أن نظام الأسد الفاشي لا يدرك أن الشعب السوري البطل لم يعد يرضى بالخنوع، ولن يقبل بالإهانة، أو يسكت على الظلم والقمع بعد الآن؛ لأنه بالفعل بات يفضل الموت على المذلة، وهذا ليس مجرد شعار يرفعه الثوار وحسب في مدن سوريا وشوارعها، بل هو قرار حاسم اتخذه السوريون، وليس أمام  بشار سوى الاستجابة والرضوخ لهذا المطلب الشعبي الذي لا رجعة عنه أبدا.

 

والورقة الأخيرة التي يعول عليها نظام الأسد الفاسد هي ترويع الشعب السوري، وبث الفرقة والخلاف بين أبناء المجتمع ومكوناته الإثنية وطوائفه الدينية، وتخويف السوريين من بعضهم البعض، لكن كل محاولات تفتيت وتفكيك المجتمع السوري، على أية خلفية دينية، أو طائفية أو اثنية ستبوء بالفشل بإذن الله تعالى، وها هم الإخوان المسلمون في سوريا ـ وكما جاء في بيانهم الأخير ـ يؤكدون للعالم أجمع، وبشكل خاص للمراهنين على وحدة الشعب السوري في الداخل والخارج، ويشددون على أنهم جميعا: مسلمين ومسيحيين، سنة وعلويين ودروزا وإسماعيليين، عربا وكردا وتركمان.. شعب واحد، ومجتمع واحد، ومشروع وطني واحد؛  يسعى إلى الحرية وإلى الكرامة وإلى السلام والعدل.. ويرفضون كل أحاديث الحقد والثأر والانتقام والعصبية، ويعلنون تمسكهم ـ بكل إصرار ـ بمجتمع مدني واحد، وبدولة مدنية أساسها المواطنة، ويحمي القانون كل فرد فيها!!

 

ولم يعد مقبولا بتاتا أن يستمر النظام السوري في قتل عشرات السوريين الأبرياء يوميا، ولن ينجح في محاولات تضليل المراقبين العرب والتحايل على عملهم، وسوف تخفق بإذن الله كل خططه لشق صفوف المعارضة السورية وتأجيج الخلافات بين مكوناتها وأطيافها المختلفة، كل ذلك لن يفيده في شيء؛ فمن يحدد المسار الحقيقي للثورة السورية هو الشعب السوري نفسه برجاله وشبابه ونسائه وأطفاله، وليس هذا الطرف أو ذاك من أطراف المعارضة الرسمية في الداخل أو في الخارج.

 

وليس أمام  بشار سوى الاستجابة والرضوخ لمطالب شعبه، لكن يبدو أن الرسالة لم تصله بعدُ، وكلامه الأخير أوضح دليل على أن ليس لديه ما يراهن عليه هو ونظامه سوى الوقت، غير أن الوقت ليس في صالحه، ولا خوف مطلقا من كلامه وصراخه وتهديداته، فهذا بالضبط هو ما فعله القذافي على مدى أشهر، وحتى قبيل سقوطه المدوي كان يهزي بأنه قادر على إنزال الهزيمة الساحقة بشعبه الثائر وبدول حلف الأطلنطي، وما هي إلا سويعات وسقطت طرابلس الغرب في أيدي الثوار، وهرب القذافي وزمرته مذعورين كالفئران، وبعد نحو شهرين فقط ألقي القبض عليه مختبئا كالجرذ في أنبوب للصرف الصحي، ثم لقي مصرعه بعد ساعات على النحو المخزي الذي شاهده العالم أجمع... ولا ندري أيحب بشار الأسد أن يلقى نفس المصير أم لا؟!!

 

إن الواقع يؤكد أن هناك تطورا جذريًّا وحاسما طرأ على السياسات والتوازنات الإقليمية والدولية بعد انطلاق الربيع العربي، ولا يمتلك نظام الأسد أي مساحة للمراوغة، ولم يعد لديه أي نفوذ هنا أو هناك، ولن تنفعه روسيا بحاملة طائراتها وبارجاتها الحربية وسفنها العسكرية، ولن تغني عنه الصين شيئا؛ إذ ليس في استطاعة أحد الوقوف طويلا في وجه مطالب الشعب السوري المسالم الذي يقاوم ببسالة نادرة طغيان هذا النظام المتوحش، والحقيقة التي يرفض بشار الاعتراف بها حتى الآن أنه في مواجهة فاصلة مع شعبه، وهذا الشعب لن يتخلى أبدا عن أهدافه مهما حدث، وحتى تنتصر ثورته، وتتحقق إرادته، عليه بعد التوكل على الله أن يوحد صفوفه، ويجمع كلمته، ويثق في إمكاناته وقدراته، ويطلب العون من الله وحده، ولا ينتظر شيئا من أحد!!

ــــــــــــ

* كاتب مصري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

في أنظمة القمع لاصوت يعلو على صوت المعركة .. بدرالدين حسن قربي

على مقعده في مدرسته في بَرْزَة الثائرة منذ عشرة أشهر حسوماً في وجه أعتى أنظمة القمع توحشاً في العالم، وبين يديه ورقة امتحان اللغة العربية وفيها مطلوب منه أن يكتب موضوعاً في الإنشاء عن صمود أهل غزة.

سأل المعلمةَ التي كانت تراقب: آنسة ..!! هل مايمنع أن أكتب عن صمود أهلي في برزة..!؟

ارتبكت المعلمة ومعها المراقبات الأخريات وهنّ يتطلعن إلى بعض، ونظرات الجميع تقول: إي لعنة الله على هيك نظام مقاوم وممانع. 

قالت المعلمة: بس الإنشاء المطلوب عن أهل غزة، ولن يعطوك علامة إذا كتبت عن صمود ناس غير أهل غزة..!  الله يرضى عليك ياابني..!! اكتب عن الصمود كما هم يريدون، حتى لا تقع في مشكلة التآمر والخيانة فيعتقلوك أنت أو أحداً من أهلك..!  ليش أنت نسيت ياابني، إيش صار بأطفال درعا ..!؟

دمعت عينا الطفل ببراءة مؤكداً أنه لم ينس، وإنما هو ساكن ببرزة، مضيفاً: والشبيحة ( تبعوت) عش الورور قتلوا أبي الصيف الماضي، وأخي معتقل بعد وفاة أبي، وأنا أخذوني منذ يومين وعذبوني لأعترف إن كان أحد يرسل لنا مساعدات من أمريكا أو اسرائيل.

ياآنسة..!! مومعقووول أن أترك استشهاد أبي وصمود أمي وإخواني وأخواتي وأهلي في الشام، وأقطع مئات الكيلومترات لأكتب عن صمود أهل غزة....!!؟

قالت له المعلمة: ياابني..!! هو (هيك الصامدين والمقاومين والممانعين) الله خالقهم، ساعتهم معيّرة على فلسطين ورَبَطْها مربوط على غزة. ليش أنت ماسمعت ياابني عن تعيين ميرو – رئيس مجلس الوزراء الأسبق – رئيساً للجنة الشعبية العربية السورية لدعم الشعب الفلسطيني ومقاومة المشروع الصهيونيمع أول ايام العام الجديد باعتبار لاصوت يعلو على صوت المعركة، لأن مَنْ قَبْله اهترى وتَخْتَخْ من كثرة الدعم والمقاومة...!؟

كتب الطالب البرزاوي موضوعه وسلّم الورقة.  ولم تك إلا لحظات لتقرأ المعلمة فيها:

ياأهل برزة..!!

ياأهل الصمود الصامدين منذ عشرة أشهر، وياأهل الكبرياء..!!

أنتم الأهل والعشيرة والقرابة والجيرة، أنتم الصمود والكبرياء والعزة والشموخ، بوركت ثورتكم وبوركت دماؤكم، رفعتم رؤوس أهل سوريا عالياً.

الله معنا الله معنا، الله مولانا، والأسد ساقط ساقط ساقط.

صحيح أنهم قتلوا منّا حتى اليوم أكثر من 400 طفل. وإنما نشد على أيديكم نحن الأطفال ونصرخ بأعلى صوتنا:

نحنا معكم. نحنا أعلنّا العصيان، الشعب السوري مابينهان، نحنا أعلنا العصيان

وأنا سوري والله أكبر، وكل واحد فينا عنتر ، ومنّا نشيلو هالأزعر، ونحنا أعلنّا العصيان.

نحن الأطفال، من درعا في الجنوب إلى ادلب في أقصى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب في الصحاري والسهول والجبال،  لسوف نؤكد للعالم أننا أحرار أبناء أحرار، وأننا من طيّر بشّار قاتل الأطفال.

عاشت برزة وعاشت سوريا الوطن والحرية والكرامة والبلد، لأنها لنا ومش مزرعة لبيت الأسد.

http://www.youtube.com/watch?v=9XB9E9eCEJE&feature=share&mid=57461

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعادلة السورية والثورة .. عقاب يحيى

أطراف وشباب كثر يتساءلون ويعيدون السؤال عن الذي يجري في سورية . عن حجم ما يعتبرونه تواطؤاً وصمتاً، وعدم لا مبالاة من العرب والمجتمع الدولي إزاء الدم السوري الغزير الذي يراق، وبما يكفّ يد النظام المجرم، ويجرون مقارنات تبدو عادلة وواقعية بين الموقف من ليبيا والموقف من سورية، بل وحتى تونس ومصر، واليمن أيضاً..فيزداد الشعور باليتم، وهناك من يذهب إلى القنوط، أو إلى تفسيرات مختلطة تدخل فيها الاتهامات، وقد تحضر الصهيونية وكيانها الاغتصابي، والمؤامرات وغيرها التي تتركز على بلدنا العزيز.. الأمر الذي يدعو إلى التوقف عند بعض العوامل التي تشكل المعادلة، أو الخصوصية السورية :

1 بعيداً عن الذاتوية التي تحاول النفخ في الخصوصية، أو تكبيرها للتبرير، وإرضاء الذات، وحتى النرجس.. فموقع سورية الجيوستراتيجي، والجيوسياسي، وشعبي.. يجعلها في موقع حساس يختلف فعلاً عن معظم البلدان العربية لموقعها ودورها، وبالتالي أثر التغيير على عموم المنطقة والإقليم .

لقد كتبت أكثر من مرة عن الزلزال السوري الذي سيُحدث ارتجاجات هائلة لن يقف عند الحدود السورية، بل سيتناول مرة واحدة مجموعة من البلدان بشكل مباشر، وسريع : لبنان العراق فلسطين الأردن، ولمَ لا إيران، وعموم بلدان الخليج، ذلك جزء من مكونات الحالة السورية، ومن طبيعة بلدنا العزيز جغرافياً وسياسياً، الأمر الذي يدخل في حسابات الاستراتيجيات العربية والإقليمية والصهيونية والدولية .. ويجعلها تتمهل كثيراً، وتعدّ للعشرة وهي تتخذ مواقفها بشأن الذي يحدث، ومحتواه، ومستقبله(تتعدد الرؤى والتدخلات والتقديرات) .

2 ارتبط نظام الطغمة الفئوي برباط خاص(نوع من حبل سرة) مع النظام الإيراني بما يتجاوز علاقات المصالح، والتحالفات السياسية المعهودة إلى ما يمكن اعتباره تشابكاً مختلطاً تدخل على خطه البنى الفئوية، وجوهر المشروع الإيراني المزدوج : القومي الراكب على إيديولوجيا مذهبية تغزو المنطقة وتخترقها بواقع تهاوي النظام العربي، وهزاله، وتبعيته، وفشل مشروع النهوض الاستقلالي، التحرري الخاص بالعرب . وبالتالي : ترابط الحالة السورية بالعمق الإيراني في أكثر من مفصل .

3 وعلى نفس الخط يمكن قراءة دخول الحالة العراقية البائسة على الوضع كطرف داعم رغم فجوات التناقض الشكلي المريع بين نظام يرفع شعارات الممانعة، وآخر قِدم على الدبابات الأمريكية، وعلى غلّ المطلومية التاريخية وتجييرها لصالح تركيبة طوائفية .

4 في هذا المجال ما من أحد يجهل تلك العلاقة المدغومة بين نظام الطغمة وحزب الله، وسقوط قشرتها الخارجية وهي تكشف لبّها المذهبي حيث تنتصب أقوى من كل الوهج السابق الذي حصل عليه حزب الله من خلال دوره المقاوم لإسرائيل، وقد تهلهلت الشعارات، ولم يبق سوى صراخ حسن نصر الله المستعد(لقطع يد كل من يحاول إسقاط" بؤبؤ العين" النظام السوري)، وبما يدخل هذا العامل المذهبي اللبناني في المعادلة السورية كمقتحم مهم .

5 كما تحضر فلسطين المنهكة، وفلسطين تعبيرات حماس اللاجئ قسم منها لدمشق، والتي تبلع موس الواقع، فتقبل استخدامها، ولو بالصمت المتواطؤ لاستثمار ورقتها في معركة المصير التي تخوضها الطغمة ضد الشعب السوري، وعلى طريقة تلميع ممانعة لم تطلق رصاصة واحدة سوى على الشعب، بينما جبهة الجولان أكثر الجبهات هدوءاً ..

6 وبغض النظر عن منطق التخوين والعمالة الذي ينساق إليه بعض المحللين عن علاقة نظام الطغمة منذ أيام الطاغية الأب مع الصهيونية وغيرها، والذي نركنه جانباً، فإن حرص الصهيونية العالمية وإسرائيل على بقاء نظام بمواصفات الطغمة يرتكز على ثابتين استراتيجيين مهمين :

آ خط التفتيت العمودي الذي يقع في صلب تلك الاستراتيجية الصهيونية، وهنا فإن النظام الفئوي، الأقلوي تاريخاً وممارسة مغطاة بقشور الشعارات شبه القومية، شبه العلمانية، شبه الممانعة، وفي علاقته مع إيران، وحكام بغداد الجدد، وحزب الله، ولفيف من الفئات والقوى العربية المشابهة يخدم من حيث يعي، أو من حيث النتيجة مشروعات التفتيت المذهبية التي عرفت تصاعداً وانتشاراً ملفتين في الأعوام الأخيرة، وبما يهدد شرخ ليس البلدان العربية على أساسها وحسب، وإنما مجتمعات كل قطر على حدة أيضاً .

ب التزام نظام الطغمة حرفياً بالتعهدات والاتفاقات التي عقدها مع الكيان الصهيوني(اتفاقات الفصل والهدنة ووجود مراقبين دوليين)، ومنع وتجريم أي عمل مقاوم من الجبهة السورية(البراهين ثابتة) . وبالتالي فإن كل ضعف يلحق بهذا النظام كلما كان أصلح لهم، وكلما انهار وازداد عزلة كلما احتاجهم أكثر وبات أكثر طواعية .

7 ورغم أهمية مصر(كبرى الدول العربية وصاحبة الدور الاستراتيجي) فإن المرجل السوري كان على الدوام الأكثر فاعلية وتأثيراً وتحريكاً للأوضاع العربية، لهذا فإن إسقاط الاستبداد المكين، وإقامة الدولة التعددية الديمقراطية على أنقاضه لن يتوقف تأثيره بالحدود الجغرافية لسورية الكيان الحالي، وسيمتدّ، بالتأكيد، إلى دول الجوار والإقليم، ولن تكون دول الخليج بمنأى عنه، ناهيك عن الدول المحيطة، وإيران، كما أسلفنا .

******

على صعيد الداخل السوري نجح نظام الطغمة، وتحديداً منذ مجازر حماة الشهيرة (شباط 1982) بإلغاء وجود أية أطراف فعلية لانتصاب معادلة طبيعية بينه وبين المعارضة، حين نجح في تحقيق ما يشبه السيادة المطلقة على الشعب وجميع القوى السياسية، وحين أخضع المجتمع السوري لعملية اغتصاب واختطاف بالقوة الجبرية والإخضاع المدجج بالقتل والاعتقال والمطاردة والتهجير والإذلال، والتشويه والإفساد.. في بحر سيطرة الأجهزة الأمنية الأخطبوطية، ومافيا النهب والتجاوز والتشبيح، فتصحّرت الحياة السياسية، وعمّ القحط العقود.. إلا من محاولات يائسة من المعارضة التاريخية التي دفعت أثماناً غالية دون أن تقدر على إنتاج معادل لها يرشحها لأن تكون طرفاً ما في المعادلة .

وسط هذا الوضع، وعلى قاعدة فرض عملية التوريث كأكبر عملية قسر وتزوير وتشويه للجمهورية، وللكرامة السورية انفجرت الثورة السورية كالبركان المفاجئ وهي تُخرج من أعماقها كل ما اختزن عبر العقود من نقمة، واحتقان، وردود فعل.. على يد شباب جديد لم يمتهن السياسة سابقاً، ولم ينخرط في أحزاب وتجارب محددة.. لتشكيل معادلة في ظرف استثناء ..ليس من السهل عليها أن تنهض بالقوة والوعي المطلوبين لمواجهة نظام متعضدٍ أتقن الخبث والدجل، وامتدّت أذرعه الأمنية في كل الاتجاهات . ومع ذلك فإن تصميم، وقوة الاندفاع للشباب السوري، ومستوى الشجاعة والتضحية في المواجهات التي تتصاعد فرضت على الطغمة معادلة جديدة لا انفكاك له منها، وهي تهشّم يومياً في مملكة الرعب التي بدت أسوارها عصية على الاقتراب والتهديم لعقود خلت .

بالوقت نفسه فإن قوى المعارضة(التاريخية) التي لا يشكّ أحد بمستوى التضحيات التي قدمتها معظمها على طريق انتزاع الحريات الديمقراطية، وتفصيح معاني ومرتسمات التعددية، والتغيير.. قد دخلت على خط المعادلة الجديدة ولو من مواقع خلفية، في البداية، ثم عبر محاولة تصدّرها، وركوبها ما أمكنها ذلك.. بكل ما في هذا التشابك من تناغم وتباين بين الثورة كمرجعية رئيس يعود لها الفضل الأساس في هذا التطور برمته، وبين الشدّ صوب المواقع والمواقف التقليدية التي دأبت أغلبية تلك القوى على ممارستها والتحنط في قواقعها، وهو ما يمثل حالة الرجرجة في المسألة السورية بجانبها الداخلي الذي يخص طرف الثورة وحلفائها .

عربياً : فإن الثورات المنتصرة غلى هذه المسافة أو تلك بما فيها أنصافها وأقل، أو أكثر من ذلك، تواجه في هذه المرحلة مهمات البناء الجديد، وركام عقود الاستبداد وما ألحقه من دمار وخراب، وتفاعلات تجاذب الأطراف والقوى متعددة الخلفيات والمرجعيات، وبينها وبين حركة الشباب الذي فجرها وقادها، والعاجز لأسباب موضوعية وذاتية متداخلة عن قيادتها وتأسيس البديل.. بما يفتح المجال لأنواع من الصراع متعدد الأشكال، ويلقي بأعباء ثقيلة على مجمل تلك الحالات تجعلها غير قادرة على تقديم الدعم المأمول للثورة السورية .

بينما بقية أوضاع النظام العربي المنخور، والمرتعب من اشتعال الثورة فيه(لتشابه أوضاع الاستبداد) يبقى عاجزاً، ومتخلفاً، ومعادياً، وهو لسان حال الجامعة العربية التي تعكس بجلاء وضع النظام العربي، رغم بعض الفلتات لبعض أطرافه والمتساوقة مع الأضواء التي تأتيها من الخارج : صاحب القرار الرئيس .

لذلك، وعلى رغم إلحاح الثورة السورية على رفض التدخل العسكري الخارجي، ووعيها الأكيد لمخاطره وخلفياته، فإنها اضطرت إلى دفع الملف السوري إلى(أحضان) الجامعة العربية علها تكون قادرة على حماية المدنيين من القتل وفعل الإبادة المنظم، وبالوقت نفسه رفعت شعار طلب الحماية الدولية للمدنيين من قبل الهيئة الأممية.. والذي ما يزال قصراً على المحاولات .

الوضع الدولي الذي تدخل على خطه كل تلك العوامل التي ذكرناها الخاصة بالحالة السورية، يواجه، منفرداً ومجتمعاً مجموعة من الاعتبارات الداخلية التي تخصّ أزماته الاقتصادية، وأوضاع أمريكا في العراق وأفغانستان، وخلفية الحسابات المصلحية في المواقف من الوضع السوري، والحالة الإيرانية، والروسية والصينية، ومجمل الاستراتيجيات الكونية للدول الكبرى التي نجدها تتنافر في بعض المواقع، وتتناغم في غيرها.. لتكون النتيجة حالة انتظارية إزاء ما يجري في بلدنا الحبيب، مع التأكيد على أن إزهاق الأرواح يومياً، والدمار الذي يلحق بوطننا، ومحاولات النظام الدفع نحو الحرب الأهلية كلها أمور لا تشغل بال أصحاب القرار في تلك الدول، بل لعل مزيداً من الانهيار، ومزيداً من جرائم القتل التي يمارسها النظام، ومزيداً من توتير الأجواء الداخلية على أسس طائفية.. قد تكون مطلوبة لأنواع من التدخل القادم الذي يمكن أن يتخذ أشكالاً ما، أو يكثف مراهناته على(عمل جراحي داخلي)، وربما على نوع من السيناريوهات التي تؤدي إلى إيجاد تسوية للوضع، على غرار اليمن(اقل أو أكثر)، وهي التي تجوب اليوم المساعي وحركة الاتصالات، وربما محاولات التكييف والإخراج عبر بعض الأطياف والأسماء المعارضة التقليدية، أو تلك الرخوية التي تخرج من أمعاء النظام وأجهزته الأمنية، والتي لن يكتب لها النجاح لأنها تريد قطع الطريق على إتمام الثورة التي قرر شعبها مواصلتها مهما غلت التضحيات، كما هي بالوقت ذاته محاولة إنقاذ رأس النظام ومرتكزاته من المصير العادل الذي يستحقه .

إن تعقّد لوحة الوضع السوري تؤكد المرة تلو الأخرى أهمية الاعتماد على الذات في معركة مصيرية تخص وطننا ومستقبله، وترفض رهن سيادته واستقلاله لأي طرف كان. والثورة وفقاً لذلك تعي جيداً طبيعة المواجهة واستحقاقاتها، وأن كل دعم عربي، أو خارجي مهما كان شكلهما ومستواهما لن يكونا على حساب المعادل الرئيس : الاعتماد على الذات، أو على قرار الثورة وبرنامجها لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية . دولة الأحرار لمواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات .

في جميع الحالات، فإنه وللمرة الأولى منذ عقود يفرض الشعب، عبر شبابه، ومن خلال شلال الدماء، والتضحيات، والتصميم معادلته على طغمة القتل والدمار والنهب والفساد، مؤكداً أنه صاحب المصير والقرار، وأنه سيفرض إرادته في الزمن المنظور، وسيهزم هذا الوضع الاستثناء، ويطهر بلادنا من شروره ورجسه ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بعثة المراقبين العرب في أسبوعها الأول .. عريب الرنتاوي

قبل التوقيع على برتوكول المراقبين، شنّت المعارضة السورية وأطراف عربية وإقليمية ودولية، هجوماً عنيفاً على نظام دمشق، لرفضه وتسويفه ومماطلته في إستقبال بعثة المراقبين العرب، وكانوا في ذلك محقين تماماً...اليوم، وبعد أن وطأت أقدام المراقبين الأراضي السورية، تحوّلت سهام النقد والهجوم إلى "المراقبين" أنفسهم، والجامعة التي أرسلتهم، والأمين العام الذي بدأنا نسمع بأن ليس له من اسمه نصيب، فلا هو نبيل ولا هو عربي (؟!).

الحكاية بدأت في الجامعة، عندما عادت بعض الدول العربية عن مواقف سابقة، ونأت بنفسها عن بعض الموقف الخليجية الأكثر استعجالاً للتغيير في سوريا، والمحكومة بحسابات الصراع مع إيران وحلفائها، وليس بأجندة الإصلاح في سوريا وأولوياته...الأمين العام للجامعة أخذ يجنح في مواقفه صوب محور القاهرة – بغداد – الجزائر وغيرها، ما أوقعه في دائرة الاستهداف والتشكيك من قبل إعلام الدول الخليجية ذاتها، كما لوحظ أن هذه الدول التي كانت الأكثر حماسةً للمبادرة العربية، أخذت تطوي صفحتها، بعد أن كادت المبادرة أن تطوي وظيفها ك"سُلّمٍ" للتدويل.

إلى أن جئنا إلى المراقبين العرب، بروتوكولاً وتشكيلاً ورئيساً، وأحسب أن اختيار اللواء الدابي، السوادني الجنسية، قد تم تقديراً للموقف السوداني الرسمي، الذي انتقل من تأييد النظام السوري بقوة إلى معارضته بشدة...لكن وما أن وطأت أقدام الدابي أرض حمص المنكوبة، حتى انهالت عليه سهام النقد والتجريح، وأخذ "القوم" يتذكرون أن الرجل متورط في جرائم ضد الإنسانية في دارفور، وأن المسافة التي تفصله لاهاي، حيث محكمة جرائم الحرب، ليست سوى خطوات قلائل؟!.

أبعد من ذلك، فإن "متحمسي الأمس" لبعثة المراقبين العرب، هم أنفسهم الأشد حماسة اليوم لسحب هذه البعثة، وإنهاء تفويضها، والطعن في نزاهة رئيسها وطواقمها، والسبب في ذلك، يكمن في الخشية من أن لا تخدم تقارير البعثة الغرض "المُعدّ سلفاً" لها، ألا وهو استجلاب التدخل العسكري الدولي على عجل، إو استحضار "السيناريو الليبي" بالتمام والكمال.

والحقيقة أن المعارضة السورية ذاتها، تبدو اليوم منقسمةً حول الموقف من بعثة المراقبين العرب...فهناك من يعتقد أن وجود طواقهما مفيد، أقله لجهة تميكن الشعب السوري من معاودة أشكال انتفاضته السلمية، والتخفف من أعباء "العسكرة" وتداعياتها...فيما يرى بعضهم الآخر، أن استمرار عمل هذه البعثة، قد لا يساعد في البرهنة على صحة "رواية المعارضة السورية للأحداث" ودفع المجتمع الدولي لأن يبنيّ على الشيء مقتضاه.

والمؤسف حقاً، أن العرب من كلا المعسكرين، أو الاتجاهين اللذين تبلورا في اجتماعات الجامعة العربية، مقصرون تماماً بحق سوريا وبحق "قرارات الإجماع العربي" ذاتها... فبعد قرابة الثلاثة أسابيع منذ توقيع بروتوكول لم يصل إلى سوريا سوى أقل من مائة مراقب، في الوقت الذي كان يتعين فيه، أن يصل هذا العدد إلى خمسمائة مراقب...العرب الرافضون للتدويل، وغير المتساوقين مع التدخل العسكري، يحجمون عن الإسهام في البعثة، خشية أن تفضي نتائج أعمالها إلى ما يتعاكس مع مواقفهم واتجاهاتهم...والعرب المتحمسون للتدخل والتدويل، لم يكن أمر البعثة يثير قلقهم كثيراً، فقد كانوا يتطلعون للحصول على شهادة "تجريم" للنظام، حتى وإن مُهرت بتواقيع قلة قليلة من المراقبين العرب...لذلك جاءت إسهامات الجميع متواضعة، وأحياناً لدرجة الصفر.

مع أن وجود مئات المراقبين على الأرض السورية الشاسعة، وفي كافة بؤر التوتر وخطوط التماس، وبصورة شبه مقيمة، وبالتزامن على كل البؤر وخطوط التماس، كان من شأنه تسهيل مهمة المراقبين، وتوفير الحماية للمدنيين، وتمكين الشعب السوري من التعبير عن موقفه بحرية وسلمية تامتين، وعندها كان يمكن للعالم أن يفهم حقيقة ما يجري على الأرض السورية، بعيداً عن البروباغندا والبروباغندا المضادة.

ومما زاد الطين بلة، أن هؤلاء المراقبين يذهبون إلى سوريا، بأقل التجهيزات التقنية واللوجستية، حتى أنهم يشكون من نقص فادح في وسائل النقل والمواصلات...وهذا شاهد إضافي على عدم جدية "المجتمع العربي"، على غرار المجتمع الدولي، في إنجاز هذه المهمة، بالغة الحيوية للشعب السوري وكفاحه العادل والمشروع من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية.

كان ينبغي على جميع الدول العربية، ولغايات حفظ التوازن والاتزان، أن تسهم بكثافة في بعثة المراقبين العرب، وأن تخصص لها كل ما تحتاج من أدوات ووسائل وإمكانيات، لتمكين الفريق العربي من إنجاز مهمته على أكمل وجه...كان يتعين حفظ مهمة هؤلاء بعيداً عن السياسة والتسييس، وتمكينهم من إنجاز "التفويض" الذي جاءوا به ومن أجله، من دون ضغط أو إكراه، لكن للأسف، فإن هؤلاء المراقبين، يعملون اليوم في مناخات من الابتزاز والعرقلة والتخويف والتشهير والتضليل.

نحن ندرك أتم الإدراك، أن النظام ما كان ليدّخر جهداً في سبيل "حرف الفريق العربي عن أهدافه وتفويضه"...ونحن على قناعة تامة بأن ماكينة النظام، السياسية والإعلامية والحزبية والأمنية، تحركت بكامل طاقتها لضمان أن "تُضمّن" تقرير البعثة، فصولاً من روايته الرسمية...لكن الطريقة التي تدار بها "معركة الرقابة والمراقبين" لا تساعد في كشف ألاعيب النظام وخدعه، بل تمده بالمزيد من المبررات للطعن في صدقية خصومه المحليين والعرب والإقليميين والدوليين، وما أكثرهم.

السبت المقبل، سيستمع وزراء الخارجية العرب لأول تقرير من الدابي حول نتائج أعمال الأسبوع الأول لبعثة فريقه...والأرجح أن كل طرف عربي سيبحث في التقرير عمّا يخدم روايته واهدافه، وبدل أن يكون التقرير مادة لبناء موقف عربي مشترك يقرر طبيعة الخطوة التالية في الأزمة السورية، أحسب أنه سيكون مدعاة لمزيد من الانقسام، وقد يُحكَم على هذه البعثة أنها فشلت في أداء وظيفتها، حتى قبل أن تبدأ، وسيضاف هذا الفشل الجديد، إلى أرشيف تاريخي متراكم من الفشل، فشل الجامعة والعمل العربي المشترك سواء بسواء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام في متاهته .. حسام عيتاني

الجمعة, 06 يناير 2012

الحياة

من تصريحات المسؤولين السوريين ومتابعة وسائل إعلامهم، تبدو الصورة على النحو الآتي: يزداد التفاف الشعب حول قيادته كلما تصاعد تأثير المؤامرة في حياة المواطنين اليومية.

لقد أسفر نفي الحكم وجود أزمة داخلية تصل إلى أعمق الأسس التي أقام بنيته عليها، عن نتائج تلامس مسرح العبث والكوميديا السوداء. إذ ليس من المعقول تصور قدرة الخارج على السيطرة الميدانية على ثالث أكبر مدينة وتقع في وسط البلاد بعيدة من أي حدود، أي حمص، وفرض درجة من الاضطراب على يوميات ملايين السوريين في سعيهم إلى رزقهم، من دون أن يشكو النظام الحاكم من علّة سوى بعض الفساد الذي تعالجه إصلاحات «سيد الوطن».

الواقع يقول أمراً شديد الاختلاف. وهو أن القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي أقام النظام السوري صرحه الرهيب عليها، تصدعت بما يفوق كثيراً قدرة أي جهة على الترميم. لقد انتهت لعبة الابتزاز الموجه إلى الخارج من أجل ديمومة القبض على الداخل. وأظهرت إسرائيل في مناسبتين، في ذكرى النكبة في 15 أيار (مايو) وبعد أقل من شهر في ذكرى هزيمة حزيران (يونيو)، عزمها على الرد بقسوة حيال أي محاولة للتحرش. يومها سقط شبان فلسطينيون قادهم طهرهم وحماستهم إلى تصديق أكاذيب النظام، فدفعوا أعمارهم ثمناً لرهان خاسر على جذب اهتمام العالم من خلال التحرش الحدودي.

وأبدت أوروبا قدرتها، حتى الآن، على تجنب الانخراط في مواجهة يريدها الحكم في دمشق، من خلال تعرضه – مباشرة أو بالواسطة - لقوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان ال «يونيفيل». الموقف التركي أكثر تعقيداً بسبب القرب الحدودي ووجود لاجئين ومنشقين سوريين على أراضي تركيا، من ناحية. وبسبب ضخامة المصالح التركية في سورية وطبيعة الدور الذي رسمته أنقرة لنفسها في الإقليم، من ناحية ثانية.

لم ينجرّ أي طرف خارجي، حتى تركيا، إلى الساحة التي سعى نظام الرئيس بشار الأسد إلى افتتاح استعراض عسكري عليها يبرر به وحشية القمع في الداخل. لا في لبنان ولا في الجولان ولا على الحدود التركية، على رغم الشكوك العميقة في قدرته على خوض صراع مسلح مباشرة مع أي قوة خارجية. لقد عاد النظام ليجد نفسه في مواجهة الحقيقة التي لم ينفك ينكرها بجملتها وبتفاصيلها: لم يعد في وسع المجموعة الأمنية – العسكرية - الاقتصادية التي حكمت سورية في الأعوام الخمسين الماضية أن تجدد نفسها وركائز سلطتها.

ومع كل الإنكار الذي يقابل النظام والمنافحين عنه، من سوريين ولبنانيين وآخرين، لن يستطيع في نهاية المطاف وقف موجات الشبان السوريين المطالبين بحياة أفضل تحتوي على قدر من المكونين السحريين (الكرامة والحرية). فالنظام القائم على تحالف الانتهازيين والطائفيين وشرائح من البرجوازية الطفيلية وكبار الضباط، فقد قدرته على تسيير البلاد، حتى بالمعنى البسيط للكلمة، أي تلبية الحاجات العادية للمواطنين وحمل هؤلاء على أداء واجباتهم المدنية، من دون اللجوء إلى العنف والقسر.

لا يعترف النظام، والمسبّحون بحمده، بهذه البداهة. بل ينسبون إليه جملة من الانتصارات السياسية والديبلوماسية والأمنية المتخيلة، آخرها قرب وصول حاملة طائرات روسية إلى مرفأ طرطوس. ويمكن النظام السوري التمسك بالرواية التي يريد، لكنه سيفاجأ بعد وقت قد لا يطول أنه سيواجه وقائع ملموسة تختلف تماماً عن رواياته الكوميدية التي تبثها وسائله الإعلامية وتكتبها أقلام استحوذ عليها، بالرشوة أو الرعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الحالة السورية والطريق اليمني! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

6-1-2012

يخطئ من يعتقد أن المبادرة العربية تجاه سوريا تشبه المبادرة الخليجية تجاه اليمن وسوف تشكل مخرجا للنظام من أزمته وتعالج سوء ما آلت إليه أوضاع المجتمع، فالحالتان مختلفتان وتاليا النتائج، وثمة فوارق متعددة بين الوضعين السوري واليمني تشير إلى أن طريق صنعاء غير سالك في دمشق!

خلافا للوضع اليمني الذي تطوقه دول الخليج العربي ويشكل جزءا من استقرارها وتهتم كثيرا بمنع انزلاقه إلى مزالق خطيرة، يتحكم في الحالة السورية ارتباطها بمحور إقليمي، يبدأ بإيران، مرورا بالعراق ولبنان، وتجاهد أطرافه مجتمعة للحفاظ عليه متماسكا وقويا، مما يعني صعوبة القبول بتغيير في سوريا أو تقديم تنازل يمكن أن يمس المستوى الراهن لنفوذ هذا المحور، أو لا يأخذ في الاعتبار مصلحة طهران التي تدعو إلى إشراف إقليمي على الوضع السوري وإلى مشاركة فعالة في معالجته!

وخلافا للوضع اليمني، ثمة كيان صهيوني على الحدود السورية، ولإسرائيل كلمة قوية حول التطورات في بلد يجاورها وتحتل جزءا من أرضه وحافظ نظامه على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، وتاليا من احتمال وصول سلطة جديدة إلى الحكم تهز الاستقرار الراهن. وإذ يؤثر هذا التعقيد على جوهر الموقف الغربي وجديته من الحدث السوري، فإنه يمنح السلطة الحاكمة هامش مناورة تستند إليه للاستمرار في التسويف والمماطلة وتاليا التوغل أكثر في القمع والتنكيل!

وخلافا للوضع اليمني القبلي التكوين، ثمة خصوصية في التركيبة الاجتماعية السورية لجهة التعددية الإثنية والدينية والطائفية، وتفاوت مواقف هذه المكونات من مسار الثورة وعملية التغيير وآفاقها، وتحديدا خوف بعضها على هويته ونمط عيشه من احتمال استئثار بديل إسلامي بالسلطة، مما يفسر في ضوء طابع الكتلة الشعبية المشاركة في الثورة بقاء قطاعات من الشعب السوري في وضع الحياد والسلبية، ولنقل مترددة أو محجمة عن الانخراط فيها. زاد الطين بلة، والخوف خوفا، نتائج الانتخابات في تونس ومصر والتي أعطت الإسلاميين وزنا كبيرا، والأهم إعلانات بعض قادتهم في نشوة انتصارهم عن الخلافة الإسلامية وفرض الشريعة لتطهير المجتمع من الفساد، الأمر الذي يسمح للنظام بمزيد من التحايل والمناورة في التعاطي مع الحلول والمبادرات!

وأيضا خلافا للوضع اليمني، يصح القول إن النظام السوري ينتمي إلى نوع من الأنظمة العاجزة عن تقديم التنازلات والتي لا تقبل أي مساومة على بقائها أو أي تعديلات جذرية في تركيبة السلطة يمكن أن تقصي بعض رموزها، والمرجح أن تخوض معركتها إلى النهاية كمعركة وجود أو لا وجود، وأن يتصرف أركان الحكم وكأنه ليس من رادع يردعهم في توظيف مختلف أدوات القمع الأمنية والعسكرية بغرض إخماد جذوة الانتفاضة أو على الأقل إضعافها وإنهاكها، تحدوهم قناعة بأن للدول العربية والغربية مصالح تركض وراءها على حساب مواقفها ومبادئها، وستأتي إليهم صاغرة، طلبا لها، ما إن تحسم الأمور الداخلية وتعود المياه إلى مجاريها!

يتفق الكثيرون على أنه لولا جديد موقف موسكو ومشروعها المفاجئ بشأن الحالة السورية الذي قدم إلى مجلس الأمن والذي فسر في أحد وجوهه كتحذير للنظام بأنه ليس ثمة فيتو روسي بعد الآن، ولولا قرار مجلس الجامعة العربية بإحالة الملف السوري إلى التدويل، لما كان ثمة جديد في موقف النظام السوري من المبادرة العربية، ولما شهدنا سرعة في التوقيع على البروتوكول القاضي بإرسال بعثة مراقبين لحماية المدنيين!.. والمعنى أن الإيحاء بالتعاون مع المبادرة العربية ليس سوى محاولة للالتفاف عليها، وأن إظهار الرضوخ والقبول يبدو كما لو كان محاولة من قبل السلطات السورية لشراء بعض الوقت كي تتوغل أكثر في القمع بدليل استمرار الحملات الأمنية والعسكرية المتسارعة في غير مدينة ومنطقة سورية مع وبعد وصول طلائع المراقبين العرب، جنبا إلى جنب مع الرهان على خبرتها في تعطيل هذه المبادرة أو إفراغها من أي فاعلية، كإشغال فريق المراقبين بالتباينات والتفسيرات الصغيرة وإغراقهم في التفاصيل بغية احتواء دورهم.. أليس صحيحا ما قيل بأن الشيطان يكمن في التفاصيل؟!

والحقيقة أن المبادرة العربية لا تملك في الحالة السورية حظا كبيرا في النجاح لصعوبة تعاطي أهل الحكم إيجابيا وجديا معها، لأنهم خير من يعرف ماهية النتائج التي ستتمخض عن تنفيذها، وأي وضع ستكون عليه السلطات السورية في حال سحبت القوات العسكرية من الشوارع وكفت اليد الأمنية وأطلق سراح المعتقلين وسمح للمظاهرات السلمية ولوسائل الإعلام العربية والأجنبية برصد ما يجري بحرية.. ألن تكون أبسط نتيجة هي نقل الصراع نحو طور جديد يعزز من قدرات الانتفاضة الشعبية وهامش حركتها وتغدو معه إمكانية احتوائها أمنيا وعسكريا وسياسيا أكثر صعوبة وتكلفة؟!

إذا كان الإصرار على الخيار الأمني والتوغل أكثر في العنف، ورفض اللجوء إلى المعالجات السياسية، أحد أهم الأسباب التي تترك البلاد نهبا للتدخلات والمبادرات الخارجية، فإن العمل على تفادي الآثار السلبية التي بدأت تنعكس في المجتمع السوري، والحرص على عدم انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، يشجع على اعتبار المبادرة العربية أحد أهم منافذ الخلاص، سواء بقيت عربية وأكره النظام على التعامل مع بعض بنودها، أو دفعت إلى حقل التدويل!

استمرار المشهد السوري لم يعد ممكنا، لجهة أن تتصرف النخبة الحاكمة كأنها لا تأبه بالمواقف الدولية والعربية، وتواجه الاحتجاجات كأنها تتمتع بحصانة لاستخدام أشنع وسائل القمع والتنكيل، متكئة إلى ردود أفعال لا تزال بطيئة ولم ترق إلى مستوى الحدث ومعاناة الشعب السوري، لكن استمرار الانتفاضة بهذه الصورة البطولية، وما تقدمه من أثمان باهظة في أعداد الضحايا والجرحى والمعتقلين، وزيادة التعاطف الإنساني معها من قبل الشعوب والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإنسانية، أمر كفيل بإحراج السياسات الرسمية أكثر فأكثر ودفعها لتعديل مواقفها وإكراهها على رفض استمرار ما يحصل وعلى المشاركة في البحث عن مبادرات وحلول مجدية تأخذ في الاعتبار الخصوصية السورية، والأهم تلبي مطامح المحتجين ومطالبهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الحزب لم يقرأ الرسائل .. غسان شربل

الخميس, 05 يناير 2012

الحياة

أول رد فعل على الإعلان عن عقد المؤتمر القطري الحادي عشر لحزب «البعث» الحاكم في سورية في شباط (فبراير) المقبل هو أن الحزب تأخر كثيراً وسبقته الأحداث. وما كان للاحتجاجات التي تشهدها سورية أن تقع وتؤدي إلى إغراق مناطق كاملة في القمع والعنف والدم لو كان الحزب لا يزال موصولاً بمشاعر الناس العاديين فضلاً عن التحولات التي ضربت المشهدين الإقليمي والدولي.

لا شك في أن الأحزاب تُصاب بما يُصاب به الأفراد. تكبر وتشيخ وتتكلس وتستعذب النوم على حرير المفردات القديمة وشبكة المصالح الراسخة. وفي مثل هذه الأحوال تتحول كل دعوة إلى المراجعة والتغيير نوعاً من الخيانة والتجديف لا بد من وأدها في مهدها. يُضاعف من التعقيد أن يستولي بارونات الأمن بمخاوفهم وتشددهم على مفاصل صنع القرار في الحزب الذي يتحول آنذاك آلة بيروقراطية للتوظيف والامتيازات وإنتاج الوزراء والنواب على قاعدة الولاء المطلق والوفاء الأعمى. وما أصاب الحزب في سورية أصاب أيضاً الكثير من الأحزاب التي حكمت في دول قريبة وبعيدة بزعم احتكار الوطنية والحقيقة والحلول.

يمكن القول إن الحزب في سورية لم يقرأ الرسالة التي وجهها انهيار جدار برلين واندحار الاتحاد السوفياتي وتواري المعسكر الاشتراكي. فقبل أن تكون تلك التطورات هزيمة لدول كانت هزيمة لنموذج بمنطقه وآلياته وتلاوينه. الرد الوحيد جاء من الرئيس حافظ الأسد بقراره المشاركة إلى جانب التحالف الدولي في حرب تحرير الكويت. أنقذ الأسد يومها بلاده من العزلة وبعث برسالة مفادها أن سورية ليست أسيرة علاقتها بموسكو وطهران وأنها قادرة على التحاور مع أميركا والتفاوض مع إسرائيل والاحتفاظ بروابطها مع الاعتدال العربي. لم يقم الحزب من جانبه بقراءة عميقة للأحداث ولم يخرج باستنتاجات.

في بداية القرن الحالي أضاع الحزب فرصة كبرى. لو أحسن التعامل مع «ربيع دمشق» لما وقعت البلاد على هذا النحو في «الربيع العربي». كانت مطالب «ربيع دمشق» محدودة ولا تتخطى السعي إلى فتح النوافذ. وكان النظام قوياً ومستقراً ويستطيع الاتكاء على شعبية الرئيس الشاب لتقديم تنازلات محدودة توسع فرص التعبير وتقلص سطوة الأمن على الحياة اليومية للناس وتسمح بتسلل قطرات من الدم الجديد إلى الدولة والحزب. أجهضت الشبكة الأمنية - الحزبية الفرصة وفرحت بانتصار سيؤدي إلى تعزيز الاحتقان في المجتمع وهو ما ساهم في الانفجار الحالي.

سيعيش الحزب في سورية امتحاناً صعباً مع الغزو الأميركي للعراق. مواجهة الغزو الأميركي ستدفع سورية إلى تسهيل مرور «الجهاديين» إلى الساحة العراقية مع ما لذلك من أثمان في الداخل والخارج. ستتحالف دولة الحزب لاحقاً مع القوى التي رعت اجتثاث البعث العراقي.

وتحت لافتة المقاومة والممانعة سيتحالف الحزب مع تنظيمات إسلامية في الدول المجاورة محتفظاً بعدائه المطلق لإسلاميي الداخل ومن دون أن يتسامح مع القوى الديموقراطية والليبرالية. ويمكن القول إن الحزب لم يتنبه تماماً للخلاف السنّي - الشيعي في المنطقة والذي ساهم في مفاقمته أسلوب إعدام صدام حسين واغتيال رفيق الحريري ولم يتنبه للحساسيات الداخلية حيال الذهاب بعيداً في التحالف مع إيران. كما لم يتنبه للرسائل المتضمنة في طي صفحة الحزب الواحد وتكرار توجه الناخبين العراقيين والأتراك واللبنانيين إلى صناديق الاقتراع في انتخابات غير مطبوخة النتائج سلفاً.

لا شك في أن جهوداً بذلت على الصعيد الاقتصادي ورافقها حديث عن استيحاء التجربة الصينية من دون الالتفات إلى الفوارق وهي كبيرة. وفي هذا السياق أقر المؤتمر السابق للحزب في 2005 مسألة الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى «اقتصاد السوق الاجتماعي». لكن الأكيد هو أن هاجس الدور الإقليمي والخوف من أثمان التغيير تقدما في سلم الأولويات.

حين يعقد المؤتمر الجديد للحزب سيواجه المشاركون سؤالاً صعباً سعوا طويلاً إلى تفاديه. إنه السؤال عما إذا كان لا يزال ممكناً إنقاذ سورية من دون تنازل الحزب عن المادة الثامنة من الدستور التي جعلته منذ 1963 «الحزب القائد للدولة والمجتمع». الجواب معروف. وليت الحزب قدم مثل هذا التنازل في بداية الاحتجاجات وأرفقها بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية غير حزبية.

في أي حال القراءة المتأخرة للرسائل تبقى أفضل من الاستمرار في رفض قراءتها خصوصاً أن الاحتجاجات المفتوحة بعثت برسائل قاسية لا يمكن تجاهلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يفعل المراقبون العرب؟ .. ديانا مقلد

الشرق الاوسط

5-1-2012

خرج الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، ليقول إن الدبابات السورية انسحبت من المناطق السكنية في المدن الساخنة، لكن عمليات القنص والقتل مستمرة. تصريح بدا بمثابة صك براءة منح للنظام السوري مجانا في حين لا يزال القتل يستمر بمعدل لا يقل عن ثلاثين شخصا في اليوم.

بعد ساعات قليلة على كلام العربي، ظهرت صور فيديو لناشطين سوريين تبين أن الدبابات في حمص مثلا لا تزال منتشرة، وأن شبيحة النظام ما زالوا في الطرقات، أما سيل الصور الأخرى لجثث وضحايا باتوا يسقطون باللحظة فهو أيضا استمر بوتيرة عالية لم تخل أيضا من مشاهد ضرب وتعذيب لمواطنين.

وللحقيقة فإن الأسبوع الأول من عمل بعثة المراقبين العرب إلى سوريا حمل كمّا من الصور والمشاهد التي تثير إلى جانب القلق الكثير من التساؤلات. فما مغزى وقوف بعض المراقبين العرب يلتقطون الصور أمام جثث أطفال مسجين في منزل أو أمام ضحايا تعذيب، أو التقاط صور لهم خلال لقاءات مع سوريين ذاقوا ما لا يطاق يشكون لهم ما عانوه، أو مشاهدتهم في الشوارع مع مواطنين ومحتجين، بينما نسمع أصوات إطلاق رصاص فوقهم؟

هذه الصور إن لم تكن لها وظيفة الجهر والتوثيق والإدانة فما قيمتها؟

هي حتما ليست دليل نجاح مهمة بعثة المراقبة ولا الحملة المضحكة التي يشنها الإعلام السوري على أفراد بعينهم من المراقبين من خلال روايات وقصص بوليسية تعني أن مهمة البعثة قد أنجزت، وأن هذه البعثة قد وصلت إلى الحقائق الكاملة، أو أنها سمحت لصورة المشهد السوري أن تصل إلى العالم. وهذه الصورة إن وصلت فهي وصلت بفضل عذابات السوريين ونضالهم لإيصال حجم معاناتهم وكمّ القسوة والعنف الذي يتعرضون له.

لهذا فليس تفصيليا أن يخرج نبيل العربي ويعلن بلهجة منتصرة أن النظام السوري وافق على دخول 130 وسيلة إعلام، لكنه فقط لم يسمح لثلاث وسائل هي «العربية» و«الجزيرة» و«فرانس 24»، وكأن ذلك هو أمر تفصيلي.

هؤلاء المراقبون العرب دخلوا إلى بلد مطوق وموصد في وجه الصحافة منذ أكثر من تسعة أشهر، وهو مقفل في وجه كل محاولات نقل حقيقة ما يجري إلى العالم، وليس تفصيليا أنه منذ وصول بعثة المراقبين إلى سوريا تجاوز عدد القتلى ال200.

ماذا يفعل المراقبون العرب في سوريا؟

بعد أكثر من أسبوع على بدء مهمة هؤلاء المراقبين المكلفين من قبل جامعة الدول العربية برصد وتقصي الحقائق لا تبدو الإجابة عن السؤال بديهية، فمواقف البعثة على ما عبر الأمين العام تبدو متناقضة وغير حاسمة ومترددة في الكثير من المواقف، ولم تأت بجديد على صعيد كشف الحقائق أو على صعيد السماح لوسائل الإعلام بنقل ما يجري في سوريا.

إذن، ليس الإعلام من تعجل في تقييم مهمة المراقبين، على حد ما قال الأمين العام للجامعة العربية..

-*-*-*-*-*-*-*-*=

لهذا تأخر الحسم وصمد النظام السوري كل هذه الفترة!! .. صالح القلاب

الشرق الاوسط

5-1-2012

ليست هذه الحالة مقتصرة على الثورة السورية وحدها، بل إن كل ثورات الربيع العربي قد فاجأت شعوبها وفاجأت الحكام الذين استهدفتهم والأنظمة التي أطاحتها وهي تتشابه في أنها تفجرت من دون قيادات مخططة ومن دون قوى منظمة ومن دون تصورات مسبقة وأيضا في أن الذين اتخذوا موقفا انتظاريا في البدايات ليتأكدوا من إمكانيات الفوز ما لبثوا أن قفزوا إلى واجهة الأحداث ليقطفوا ثمار كل هذا الذي جرى وليفوزوا بصناديق الاقتراع وحقيقة أن هذا مرت به ثورات كثيرة عبر التاريخ القريب والبعيد. وهنا فإن الإنصاف يقضي بضرورة الإشارة إلى أن «الإخوان المسلمين» السوريين يختلفون عن إخوانهم المصريين وعن إخوانهم التونسيين، هذا إذا اعتبرت حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي جزءا من هذه العائلة «الإخوانية»، في أنهم كانوا جزءا من الثورة السورية منذ انطلاق شرارتها الأولى في الخامس عشر من مارس (آذار) العام الماضي، إذ إن لهم بالأساس تجربة تختلف عن تجارب الآخرين، وإذ إن بعض الذين من المفترض أنهم إخوانهم قد تخلوا عنهم في محنتهم التي استمرت لأعوام طويلة وانحازوا إلى هذا النظام الأسدي وإلى إيران، بحجة أن هناك حلف «ممانعة ومقاومة» وأن حركة حماس، والتي هناك تقديرات ومعلومات بأنها ستتحول إلى حزب سياسي فلسطيني بعدما فكت علاقاتها التنظيمية بتنظيم بلاد الشام الإسلامي وأصبحت فرعا من فروع التنظيم العالمي لهذه الجماعة الإسلامية، كانت جزءا من هذا الحلف مثلها مثل حزب الله اللبناني بقيادة حسن نصر الله.

ولعل ما يشير إلى أن «إخوان» سوريا ربما يتمتعون باستقلالية سياسية وتنظيمية عن «إخوان» مصر و«إخوان» الأردن وأيضا عن «إخوان» بلاد الشام والتنظيم العالمي ل«الإخوان المسلمين» أن لهم علاقات مميزة بحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، وأنه لم يسجل عليهم أي موقف رافض للتصريحات التي كان أدلى بها رئيس الوزراء التركي في آخر زيارة له إلى القاهرة، والتي روج فيها لضرورة «علمانية» الدولة، وهي التصريحات التي ووجهت ليس بالرفض فقط وإنما بالشتائم والاتهامات من قبل «الإخوان المسلمين» المصريين وأيضا من قبل بعض قيادات «الإخوان المسلمين» الأردنيين.

والواضح حتى الآن أن «إخوان» سوريا الذين لم يبدر عنهم أي ادعاء بأنهم هم الذين يقودون الثورة السورية أو أنهم هم الذين يشكلون عمودها الفقري، ستكون لهم تجربة مختلفة عن تجربة «إخوان» مصر وتجربة حركة النهضة التونسية في حال انتصار الثورة السورية التي ستنتصر بالتأكيد، وأنهم سيقفون مع الآخرين من قوميين ويساريين ووطنيين مستقلين على أرضية الشراكة في كل شيء والسعي منذ اللحظة الأولى إلى الانخراط في تجربة مميزة عنوانها إقامة نظام ديمقراطي على أساس الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وأن تكون الدولة البديلة الجديدة دولة حريات عامة ودولة مواطنة حقيقية ودولة عمليات بناء يشارك فيها السوريون جميعهم بكل توجهاتهم والتزاماتهم التنظيمية والسياسية وبكل طوائفهم وانتماءاتهم المذهبية والإثنية.

إن سوريا بتجربتها الطويلة منذ أول انقلاب عسكري في نهايات عقد أربعينات القرن الماضي وإلى أن انتهى الحكم إلى عائلة «الأسد» التي استبدت بهذا البلد العريق وبشعبه المتميز لأكثر من أربعين عاما لا يمكن أن تقبل باستبدال نظام ديكتاتوري يرفع شعار الوحدة والحرية والاشتراكية بنظام حزب أوحد آخر ولكن بشعارات دينية ترفض التغيير ولا تقبل النقاش والمؤكد، وهذه مسألة بالإمكان اعتبارها محسومة، أن الشعب السوري بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذه المآسي وبعد كل هذه التضحيات وكل هذه الأعداد من الشهداء والجرحى والمفقودين لن يقبل بأقل من تجربة ديمقراطية حقيقية ولا بأقل من دولة علمانية - مدنية فعلية ولا بألا تكون دولته التي حلم بها لنحو قرن بأكمله لكل مواطنيها بغض النظر عن ميولهم والتزاماتهم السياسية وعن انتماءاتهم العرقية والإثنية والطائفية والمذهبية والدينية.

ويبقى، ونحن بصدد الحديث عن واقع الثورة السورية ومستقبل سوريا بعد انتصار هذه الثورة التي ستنتصر حتما بإذن الله ومشيئته، أنه لا بد من التوقف عند الأسباب التي جعلت نظام بشار الأسد يصمد كل هذه الفترة التي باتت تقترب من العام الكامل في حين أن نظام زين العابدين بن علي قد انهار خلال أسابيع قليلة، وأن نظام حسني مبارك لم يصمد في وجه ميدان التحرير في حقيقة الأمر إلا لأيام معدودات، وأن نظام القذافي، ملك ملوك أفريقيا، الذي كانت بعض التوقعات تشير إلى أنه سيصمد لفترة أطول بحكم عوامل قبلية وجهوية وجغرافية كثيرة، قد انهار بطريقة كارثية، وأن «الأخ قائد الثورة» قد انتهى بطريقة مأساوية خلافا للطريقة التي انتهى بها رئيس جارته الشرقية ورئيس جارته الغربية.

هنا لا بد من إيراد ملاحظة والتوقف عندها وهي أن القوات المسلحة إن في تونس وإن في مصر قد بادرت إلى حسم موقفها بسرعة بالانحياز إلى الثورة هنا وهناك وذلك إلى حد أنه يحلو للبعض القول إن ما جرى في مصر ضد حسني مبارك كان انقلابا عسكريا استغل منفذوه ما تعرض له شبان ميدان التحرير من بطش أجهزة النظام السابق و«بلطجيته» وقواته الأمنية وأنه لو لم تتحرك القوات البرية التونسية وتحسم الأمور وتضع بن علي وزوجته في طائرة وترسله إلى اللجوء السياسي لما انتهى الأمر بهذه السرعة ولربما استجدت عوامل داخلية وخارجية جعلت الثورة التونسية تستغرق وقتا كالوقت الذي لا تزال تستغرقه الثورة السورية وهذا ينطبق أيضا على الثورة المصرية.

وإن هذا يؤكد وجهة النظر التي تقول إن بنية الجيش المصري وأيضا الجيش التونسي تختلف عن بنية الجيش السوري فهذا الأخير بني على مدى أكثر من أربعين عاما في عهد الأسد الأب وعهد الأسد الابن على أسس طائفية جعلت ولاءه وبالقوة وعلى أساس الأمر الواقع ليس للوطن ولا للشعب للأسف، وإنما لهذا النظام وأهل هذا النظام وجعلت الوطنيين المخلصين من ضباطه وجنوده، يلجأون إلى الانشقاق والفرار وإنشاء «الجيش السوري الحر»، وهذا حرم الثورة السورية من الدعم العسكري السريع الذي توفر للثورة المصرية وللثورة التونسية.. وأيضا وإن بحدود معينة إلى الثورة اليمنية والثورة الليبية. ثم وإن هناك عوامل أخرى غير هذا العامل جعلت الثورة السورية غير قادرة على الحسم السريع وجعلت معاناة الشعب السوري تستمر على مدى كل هذه الفترة منذ مارس العام الماضي وحتى الآن، وربما لفترة قد تطول لسنة كاملة أخرى، من بينها أن الوضع العربي تجاه ما جرى في سوريا ظهرت فيه اختراقات كثيرة وأن إيران ومعها حزب الله وبعض الأطراف العراقية الحاكمة قد دخلت هذه المواجهة منذ اللحظة الأولى، وكل هذا وهناك الموقف الروسي والموقف الصيني اللذان حالا دون إصدار أي قرار فاعل من قبل مجلس الأمن الدولي، وهناك أيضا وأيضا أن هذا النظام قد استكمل الإفراط بالقوة العسكرية والعنف الأمني بألاعيب ومناورات سياسية وضعت المزيد من المبررات في أيدي «المؤلفة قلوبهم» من العرب لقطع الطريق على أن تتخذ الجامعة العربية موقفا حاسما كذلك الموقف الذي اتخذته تجاه ليبيا وتم على أساسه الاستنجاد بحلف الأطلسي لمنع مذبحة في بنغازي كالمذبحة التي تعرضت وتتعرض لها مدينة حمص ومدن سورية أخرى.

إن هذا هو الواقع بالنسبة للثورة السورية، ثم إن هناك من يرى أن تأخر الحسم في سوريا كل هذه الفترة يعود أيضا إلى أن تحول هذا البلد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي قد جعل الاتفاق على بديل لهذا النظام وعلى بديل لرئيسه بشار الأسد مسألة في غاية الصعوبة، فإيران تعتبر أن هذه المعركة معركتها وأنه سيتوقف على نتائجها مستقبل دورها الإقليمي في المنطقة كلها وتركيا لديها تخوفات تجاه مستقبل هذه الدولة المجاورة في ضوء واقع المعارضة وفي ضوء التركيبة الطائفية والإثنية القائمة، وأيضا فإن هناك إسرائيل وإن هناك الولايات المتحدة التي يبدو أنها لا تملك وضوح رؤية فعلية وحقيقية تجاه هذا الوضع، وهذا ينطبق أيضا على أوروبا وينطبق إذا أردنا قول الحقيقة على بعض الدول العربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

هل تكون بلادنا ثمناً لصفقة إقليمية ؟؟ .. عقاب يحيى

تكثر جولات الاتصالات بين عدد من العواصم والأطراف في المنطقة، فتنتشر الأخبار عن صفقات وسيناريوهات تعدّ بين أطراف مختلفة، وسورية هي السلعة الأكثر رواجاً لأن تكون محط التقايض والاتفاق، وتدخل إيران بقوة على الخط فارشة نفوذها في العراق للتبادل فيه على تمرير حل تسووي يحافظ على (بؤبؤ العين) نظام الطغمة، وينتقل أحمد داوود أوغلو إلى طهران لبحث الممكن، بينما تتواتر الأنباء عن لقاءات إيرانية بأطراف من المعارضة السورية، وعن تقديم مقترحات(شهية) لها ضمن ما يقال عن تشكيل " حكومة وفاق وطني" تحمي الوريث، وتبقي عليه حتى العام 2014.. مع بعض تعديلات في الصلاحيات ربما . بينما تتقاطع معلومات أخرى عن وجود مشاريع(أكثر جذرية) تدور حول تنازل الوريث لنائبه وضمان مكان آمن له ولعائلته، مع التعهد بعدم محاسبته، والبدء بمرحلة انتقالية عبر (حكومة من المستقلين والمعارضين) لمرحلة عام.. تجرى بعدها انتخابات رئاسية وبرلمانية ...

إيران القلقة على حليفها وربيبها هي طرف مشارك وليست حيادية، وإيران التي تمدمدت نفوذاً وتأثيراً في العراق تحت بصر وتسهيل الاحتلال الأمريكي والكثير الذي يقال عن وجودها المباشر، وعن دورها مع أتباعها(الأحزاب الشيعية) تلعب لعبة أخرى في الوضع السوري بتقديم بعض الإغراءات للأتراك وغيرهم مقابل كفّ يدهم عن التدخل في الشأن السوري، وبالوقت نفسه تسويق حل التمديد لنظام الطغمة حتى نهاية ولاية الوريث القاتل، وبالوقت نفسه تحمّي الأوضاع في الخليج حول مضيق هرمز، وفي الملف النووي الذي تشبه قصته حكاية ألف ليلة وليلة.. والهدف الرئيس : ألا يمسّ (بؤبؤ العين)، أو ينهار، أو يسقط تحت ضربات الثورة السورية .

الأتراك يلعبون بالوضع السوري وفق أوراق متشابكة تدخل على خطها مجموعة من الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، ولذلك يناقلون بتمهل، وتناقض، ومراوغة بين عدد من الاحتمالات التي وضعوها منفردين، أو بتشارك بعضها مع حلفائهم في الناتو، لذلك عرفت المواقف التركية ذبذبة وزكزكة تثير حيرة المتعاطفين معها والمراهنين على دور تركي جرى النفخ فيه كثيراً، والاستغاثة به بينما لم يرق إلى مستوى الحد الأدنى الذي تستدعيه تطورات الأوضاع السورية من جار أمل الشعب السوري منه أن يكون عونه، وداعمه في محنته المصيرية وهو يتعرض لحرب إفناء .

في هذه اللوحة التي تدخل روسيا على خطها بقوة الرهانات والحسابات الروسية، ونهج المصالح الذي يمتدّ إلى قوس الأزمات المعروف، وإلى الاستراتيجيات الدولية التي تريد روسيا أن تثبت أنها عامل فاعل فيها.. يجب أن نرى بعمق وموضوعية الموقف الصهيوني الذي يمكن أن يكون باروميتر الموقف الدولي، وهو الموقف الذي لا يزال داعماً لوجود نظام الطغمة، ورافضاً للعمل على إسقاطه : بتضافر العوامل الذاتية والخارجية .

*******

المعارضات السورية التي استفاق بعضها متأخراً على وقع الثورة ومفاعلاتها ووهجها وقوة تأثيرها، أو تلك التي تتوالد في رحم وأحشاء النظام، وعديد السمكيين الذين يتدرعون بالأخطار الخارجية المحدقة بالوطن لتبرير وتمرير وجهات نظر متخلفة بمسافات عمّا طرحته الثورة وعمّا وصلت إليه من مستوى متقدّم على طريق إنهاء الطغمة، وتهديم مملكة الاستبداد والفساد.. يتساوق بعضها مع تلك الطروحات والمشاريع وقد تكاثفت، وارتدت في الفترة الأخيرة حلل الوطنية، ورفض التدخل العسكري الخارجي، وكأن ذلك التدخل على الأبواب ولا ينتظر سوى إشارة منهم، أو من الشعب السوري وحراكه الثوري، وهم يحاولون ركوب الثورة وتصدّرها، وقطف تضحياتها وكأنهم ممثلوها الحقيقيون، أو الأوصياء على مصير سورية ..

الثورة السورية صناعة وطنية خالصة قام بها الشباب خلافاً لتقديرات، وحسابات، وأوضاع جميع أطياف المعارضة، الجذرية منها والنص نص، والحمائمية والصقورية فيها . تلك حقيقة الحقائق التي يجب ألا تغيب عن أذهان ومواقف الجميع، وأكثر من ذلك : فإن حراك ونشاط ووجود المعارضة اليوم بهذه الكيفية ما كان يمكن له أن يكون أصلاً لولا الثورة وتضحياتها الغالية. وبالتالي : فالثورة هي المرجعية الأولى والأخيرة للجميع، والثورة هي صاحب القرار، وهي المسؤول الأول عن المسار والمآل، وليس من حق أحد كائناً ما كان تاريخه وتضحياته أن يدعي تمثيل الثورة، أو أن يفوض نفسه العمل بصيغ بديلة عمّا تقره، وتطرحه .

سيحتجّ كثير على مفهوم المرجعية، وسيدخل في متاهة الأسئلة : عمّن تكون، ومن يمثل الثورة؟؟، وسيستعرض هؤلاء أوضاع الحراك الثوري والتنسيقيات، والتعدد في الأشكال التي بلورتها الثورة (الهيئة العامة للثورة اتحاد التنسيقيات والمجلس الثوري لجان التنسيق.. وغيرها) ثم يعدد المصاعب، والخلافات، والداخل والخارج، والحقيقي والمزيف، ومن هو على الأرض ومن يجلس خلف الكمبيوتر.... للوصول إلى نتيجة : أن لا مرجعية واضحة للثورة، وأنه هو المرجعية، وأقله : أن من حقه أن يجتهد، وأن يقدّم ما يراه الأصوب، والأنضج، والأرشد(سنسمع أكوام الحديث عن العفوية، والاندفاع، والعاطفية، وعدم تقدير موازين القوى، والأوضاع الداخلية والعربية والدولية وغيرها كثير كي يعطي هؤلاء أنفسهم جواز مرور لما يقتنعون ويطرحون) ...

ورغم المصاعب الحقيقية للثورة، وما يعانيه البديل من إشكالات، فإن الثورة قطعت أشواطاً مهمة على طريق البلورة، وهناك شبه إجماع بين جميع مكوناتها وتشكيلاتها على المشترك العام : إسقاط النظام بكافة رموزه وعلى رأسه الوريث، وتقديمه لمحاكمة عادلة، ومجموع القتلة في النظام جراء ما اقترفت أيديهم من مجازر، وطلب الحماية الدولية للمدنيين عبر الهيئة الأممية، ودعم الجيش الوطني الحر باعتباره ذراع من أذرعة الثورة، والعمل لتأمين منطقة آمنة له وللمدن التي تعرض للمجازر ..

هذه البلورات لا تقبل الغمغمة ولا الالتباس، كما أنها بالضد من كل محاولات التليين والرخاوة والزحلقة والتمرير، وهي مخالفة تماماً لأية سيناريوهات تبقي على حياة رموز نظام الطغمة ولو ليوم واحد، ناهيك عن القبول بالاتفاق معه، وتشكيل حكومة انتقالية لها علاقة به.

الثورة السورية التي اعتمدت على التضحية بالغالي في سبيل الحرية والكرامة لا يمكن أن تقبل بأقل من إحراز الهدف الرئيس الذي ضحت في سبيله آلاف الأرواح من الشباب، والذي يتم وثكل واعتقل وعذّب وهجّر لأجله مئات الآلاف، وهي لم تشكُ ضعفاً، أو تعباً، ولم تطلب من أحد أن يتوسط لها، أو يقايض باسمها، وهي قادرة على الاستمرار حتى لو ظلت يتيمة كما كان شأنها طوال الأشهر العشرة المنصرمة .

ولهذا ستسقط جميع السيناريوهات التي لا تلبي الهدف الرئيس، وسيقدر شعبنا على تحطيمها بقوة إيمانه وثباته، كما أنه سيقطع الطريق على كل الأطراف التي تساوم على قضيته، والتي سيلعنها التاريخ، ويضعها في المكان الذي تستحق : كائناً من كانت رموزها وأسماؤها ومبرراتها .

ستتجذر الثورة، وتنتصر، لأنها باختصار : تعبير عن إرادة الشعب، واستجابة لمسار التاريخ وضروراته ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من خلف مسلسل التفجيرات السورية؟!  .. يوسف الكويليت

الرياض

7-1-2012

السوريون الثوار، لا يعولون على فريق التفتيش العربي، والمعارضة لم تتفق على قواسم مشتركة، والتفجيرات الأخيرة تؤكد أن السلطة بدأت تنفيذ عمليات قتل جماعية بمواقع تختارها وتنسب ما يجرى للقاعدة، أو أي شبح لا يوجد إلاّ في مخيلتها بدليل أن تفجيري دمشق الماضيين لم تعرض السلطة أي وثائق تدين طرفاً آخر..

ما حيّر النظام العجز التام عن قهر الشعب الذي وصل إلى اجماع تام بأن الحرية، حتى لو كان ثمنها الموت، فهو مبرر مصيري لا يختلف عليه أحد، ولذلك فالمحاولات بكسر عظام الشعب ولدّت بطولات غير مسبوقة في كل الثوارت العربية المعاصرة، باستثناء ليبيا التي لم يتم حصر قتلاها، سواء من نظام القذافي أو قوات حلف الأطلسي..

اعتماد سياسة التفجيرات من قبل السلطة، سيدفع بالطرف المعارض استخدام نفس السلاح، وهو ما يتوافق مع طبيعة القتل المتبادل أسوة بما يجري في العراق وجرى في بلدان عربية أخرى، لكن الخشية تأتي من استبدال استراتيجية المعارضة إلى الأخذ بطرق الاغتيالات أو من داخل مفاصل النظام، إذا ما تدهورت الحالة الاقتصادية لتقود إلى يأس يؤدي إلى التصفيات بين أصحاب الخط الواحد..

فريق المفتشين الذي استقبله السوريون بالترحيب، بدأوا يفقدون فيه الأمل حتى ان ما قيل عن رئيس الفريق مطالبته فتح الحوار بين الفرقاء، أو يتعدى مهمته التي جاء من أجلها، وأي فشل عربي، يعني عجزاً كلياً عن تقوية دور الجامعة والسلطة السورية هي من يحتفل بقصور عملها، لكن هل تسير الأمور لصالحها؟..

حتى مع فشل لم شمل المعارضة، فالشعب هو من يقرر النتائج، ومع أن الحكم استعمل أدواته المحرمة كلها، وأنه لا يوجد في الساحة إلا الخصومة العربية التي أدخلت مراقبيها، فالموقف الدولي لن يظل بلا عمل، ليس لأن المشكل إنسانياً يفرض واجب إيقاف الجريمة على الشعب السوري، بل الخشية من تداعيات تضر بأمن إسرائيل التي تراقب بحذر، ولكنها تخشى أن تدخل مرحلة وجود حزام إسلامي يمتد من مصر للأردن، لسوريا ومحيط لهذه الدول يتكون من ليبيا وتونس وربما الجزائر فالسودان..

فإخوان سوريا، هم القوة الجاهزة لتولي الحكم، ولا يتطابقون فكرياً ولا على توافق مع ثورة إيران التي يرون فيها داعماً أساسياً لحكم طائفي، والمجتمع الدولي ليس بيده قهر الاتجاهات الشعبية في بلدان الربيع، وسوريا قد تكون الأكثر خطراً لو جاء الإسلاميون بذراع القوة التي قد لا تكون حيادية في احتلال الجولان، لكنهم أي (الغربيون والأمريكان) يجدون أن قطع الطريق على إيران يساعد في تقليص نفوذها، وسيكون حزب الله بلا غطاء قريب، أو جهة موصلة له العتاد والمال..

سوريا نقطة التقاء لأزمات كثيرة، لكنها إذا ما تحررت من النظام، ستكون إضافة كبيرة للقوة العربية، وفي المشرق تحديداً..

-*-*-*-*-*-*-*-*=

سوريا والزلزال والدول الإقليمية  .. حسين العودات

التاريخ: 07 يناير 2012

البيان

صرح الرئيس السوري بشار الأسد بأن أي عدوان على سوريا سيكون زلزالاً يطاول المنطقة بكاملها، وكتبت وسائل الإعلام السورية كلاماً مماثلاً، مع مزيد من التفصيلات حول إمكانية تفجر الأعمال العسكرية والعنفية مع إسرائيل، وبين هذه وحزب الله في لبنان، بل و مع تركيا وبين إيران وجهات أخرى، فضلاً عن حدوث أعمال عنفية وإرهابية في العراق وفي غيره. وفي الخلاصة فإن رأي السلطة السورية يؤكد أن أي تدخل عسكري في سوريا سيمتد إلى دول أخرى مجاورة لها، أي إلى خارج حدودها.

تتنافس قوى ثلاث رئيسية في منطقة الشرق الأوسط، هي تركيا وإيران وإسرائيل، ولكل منها بطبيعة الحال أهدافه وأساليبه، ويضع خارطة طريق لنفسه للوصول إلى هذه الأهداف.

تعثر دخول تركيا السوق الأوروبية المشتركة، وبعد توسع الاتحاد الأوروبي ليشمل بلدان أوروبا الشرقية دون تركيا شعرت هذه أن هدف دخولها هذا الاتحاد أصبح هدفاً بعيداً، وربما وجدت بدائل مؤقتة هي أن مجالها الحيوي هو في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة وسط آسيا.

وقد أشار وزير خارجية تركيا الحالي عندما كان مستشاراً للرئيس في كتابه (العمق الاستراتيجي) إلى أن هذا المجال الحيوي هو مصدر قوة كبيرة لتركيا اقتصادياً وسياسياً، يؤهلها لتلعب ليس فقط دوراً إقليمياً بل دوراً عالمياً، خاصة وأن الشروط الموضوعية القائمة في المنطقة هي لصالح قيام روابط جديدة بين تركيا وبين دولها، يسهلها وجود علاقات تاريخية مديدة وعميقة بين هذه الدول ثقافية ودينية، ولهذا كله توجهت تركيا نحو دول الشرق الأوسط، وبدأت الاهتمام في قضاياها، والسعي لتكون حليفاً لها تقويها وتقوى بها دون أن تدير ظهرها لأوروبا.

فبدأت بإقامة علاقات واسعة وشاملة مع سورية الجارة المباشرة لها والبوابة الحقيقية التي تربطها مع الدول العربية الأخرى، وقد أوصلت هذه العلاقة الجديدة والواسعة تركيا إلى تحقيق هدفين في آن واحد أولهما حل مشاكل الحدود والمياه والأراضي الحدودية المختلف عليها مع سوريا منذ النصف الأول من القرن الماضي، وخاصة منها ضم لواء اسكندرون إلى تركيا عام 1939، وثانيهما توسيع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع سوريا تمهيداً للانطلاق منها إلى البلدان العربية الأخرى.

منذ قيام الثورة الإيرانية عبرت إيران بصراحة عن أهدافها بتصدير الثورة إلى دول المنطقة وبدأت تنفيذ ذلك من خلال الاعتماد على الأقلية الشيعية فيها، وإثارة النزعات الطائفية. وقد أخرت الحرب العراقية الإيرانية استكمال إيران تحقيق سياساتها، لكنها بعد انتهاء الحرب ووقوع العراق تحت سيف العقوبات الدولية بعد عام 1990 (حرب الخليج وغزو الكويت) انطلقت من جديد لتسير في طريق تحقيق أهدافها، واستطاعت أن تسلح حزب الله في لبنان.

وأن تعقد صلات مع بعض الشرائح الطائفية في البلدان العربية، ثم بعد الغزو الأمريكي للعراق أصبحت هي المهيمنة عليه، ولم تعد فكرة الهلال الشيعي اتهاماً أو وهماً وإنما أصبحت واقعاً قائماً يهدف لمد النفوذ الإيراني من إيران إلى البحر المتوسط.

وفي هذا الإطار تحالفت إيران مع النظام السوري وأقامت علاقات متينة في مختلف الجوانب معه، وأصبح بين الطرفين إضافة إلى حزب الله، علاقات استراتيجية يصعب تفكيكها كما يصعب على كل طرف من الأطراف الثلاثة التخلي عنها.

أكدت إيران أكثر من مرة تحالفها الاستراتيجي مع سوريا، ودعمها المطلق للنظام السوري، ووسعت العلاقات الاقتصادية مع سوريا لتواجه العقوبات الاقتصادية الأوروبية والعربية، وتعاونت مع النظام السوري في مختلف المجالات، وحذرت من التدخل العسكري في شؤون سورية، ويلاحظ حتى الآن أنه رغم الموقف التركي المعادي للنظام السوري، والموقف الإيراني المتحالف معه استراتيجياً، لم يعلن عن أي خلاف بين البلدين أو بداية تناقض علني، وإن وجد هذا التناقض فمازال غير معلن، ويصر كل من الطرفين على عدم وجوده.

ويحاول كل منهما أيضاً أن لا يفجر خلافات مع الطرف الآخر كل لأسبابه. فتركيا تريد التعاون الدائم مع إيران فيما يتعلق بالقضية الكردية وتجاه الوضع في بلدان وسط آسيا، وإيران تريد التعاون مع تركيا لاستمرار موقفها تجاه التسلح النووي الإيراني وتجاه العقوبات الغربية على إيران.

أما إسرائيل فهي الصامت الأكبر حتى الآن، مع أنها من أكثر الدول التي يمكن أن تتأثر بتطور الوضع السوري سلباً أو إيجاباً، فهي من جهة لا تنكر ارتياحها من هدوء الجبهة السورية طوال ما يقارب الأربعين عاماً، ومن خوفها من أي نظام سوري جديد، وهي من جهة ثانية تخشى من اضطرار النظام السوري إلى إشعال حرب على حدودها الشمالية.

أو تحريض حزب الله لإشعال مثل هذه الحرب في حالة التدخل العسكري في شؤون سوريا، ويقال إن إسرائيل كانت تضغط على الولايات المتحدة في الأشهر الأولى من الثورة السورية كي يبقى الحال في سورية كما هو، ولذلك كان الموقف الأمريكي موارباً، إلا أنها تراجعت عن موقفها السابق على أن تضمن لها الولايات المتحدة عدم تغيير سياسة النظام المقبل في سورية تجاهها، وتدمير قواعد الصواريخ السورية وقواعد الطيران ومراكز الاتصالات في حال التدخل الأجنبي في شؤون سورية.

يبقى السؤال المطروح هو مدى تحقق (الزلزال) الذي تحدث عنه الرئيس السوري في حال التدخل العسكري الأجنبي، وهل فعلاً سيطاول هذا الزلزال إسرائيل والعراق وإيران ولبنان وتركيا أم لا؟.

يشير مراقبون إلى أنه ليس من اليسير إشعال أعمال عسكرية في المنطقة، ذلك لأن النظام السوري، إذا قام بذلك أو حرض عليه، قد يضطر لمواجهة عدوان إسرائيلي شامل ليس لديه القدرة على صده، ويبدو أنه من الصعب على إيران أن تساعده عسكرياً، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله، ولن تحرك تركيا ساكناً، وعليه فإن شكوكاً تحيط بمدى إمكانية وقوع الزلزال وتحقيق تصريحات الرئيس الأسد وتنبؤات الإعلام السوري وكتّابه.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الوزراء العرب ووفد مراقبيهم المدان  .. رأي القدس

2012-01-06

القدس العربي

تعقد اللجنة الوزارية العربية بشأن سورية اجتماعا طارئا في القاهرة الاحد، لبحث النتائج الاولية التي توصلت اليها بعثة المراقبين العرب اثناء تقصيها للحقائق على الارض حول مدى التزام السلطات السورية بمبادرة الجامعة العربية الرامية الى حقن الدماء ووقف آلة القتل، وسحب الجيش من المدن وفتح حوار بين النظام ورموز المعارضة.

وفد المراقبين العرب تعرض للانتقادات الشديدة من قبل الكثير من قيادات المعارضة السورية، كان آخرها من قائد الجيش الوطني السوري الحر الذي طالب بسحبهم فورا لانهم لم يؤدوا واجبهم على الوجه الصحيح. كما حمل متظاهرون لافتات تندد بالوفد وتتهم الجامعة العربية باطالة عمر النظام والمشاركة في قتل الشعب السوري.

الدكتور نبيل العربي امين عام الجامعة العربية رفض الانتقادات الموجهة الى فريق المراقبين، مثلما رفض المطالب المرفوعة باعادتهم فورا وانهاء مهمتهم، وتحدث عن تحقيق تقدم بما في ذلك الافراج عن آلاف المعتقلين كان آخرهم 550 معتقلا افرجت عنهم السلطات امس.

من المؤكد ان التقرير الذي سيقدمه المراقبون الى مجلس الجامعة ولجنة وزراء الخارجية لن يكون في صالح النظام السوري في اغلب فقراته وانطباعاته، لان اعمال القتل لم تتوقف طوال فترة زياراته لمواقع المواجهات، خاصة في بلدتي حمص وحماة، ولكن من المتوقع ايضا ان يشير التقرير الى عمليات قتل تستهدف قوات الامن والجيش السورية الرسمية من قبل عناصر منشقة، الامر الذي قد يؤكد رواية للنظام حول العصابات المسلحة لم تجد آذانا صاغية طوال الاشهر الماضية.

وزراء الخارجية العرب اتخذوا قرارهم بتجريم النظام، واتهامه بعدم السماح للجنة بمواصلة مهامها بحرية قبل ان يغادروا الى بلادهم للمشاركة في اجتماع الاحد، ولذلك لن يكون مستغربا اذا ما قرروا التوصية بتطبيق العقوبات الاقتصادية التي لوحوا بها ضد النظام السوري، مثل وقف التعامل مع البنك المركزي، وفرض حظر طيران مدني من والى دمشق، والتوجه الى مجلس الامن الدولي لاعتماد هذه العقوبات على المستوى الدولي، خاصة انها لقيت ترحيبا حارا من الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية الاخرى.

الذهاب الى مجلس الامن الدولي ليس خطوة مضمونة النتائج، فالصين وروسيا جاهزتان لمنع فرض اي عقوبات جديدة على سورية، واستخدمتا 'الفيتو' ضد مشروع مماثل تقدمت به كل من بريطانيا وفرنسا، ولكن من غير المستبعد ان يحدث تغيير على الموقفين الروسي والصيني في ظل استمرار عمليات القتل وعدم تطبيق اي اصلاحات ديمقراطية جدية على الارض مثلما وعد النظام اكثر من مرة ولم ينفذ وعوده.

الاوضاع السورية وضعت النظام العربي الرسمي في مأزق بالغ الخطورة، فقد صعّد وزراء الخارجية العرب، والخليجيون منهم على وجه الخصوص آمال الشعب السوري المعارض للنظام بقرب الخلاص، ولكنهم لم يقدموا له غير بعض الخطوات السياسية التي جرى تفسيرها على انها اطالة لعمر النظام في وقت يطالب هؤلاء باسقاطه.

وزراء الخارجية العرب بذهابهم الى مجلس الامن الدولي ربما يريدون التنصل من التزاماتهم، ورمي الازمة السورية في الملعب الدولي، والاكتفاء بموقف المتفرج او الداعم للحرب الاهلية الطائفية التي بدأت في البلاد بشكل متسارع، كل حسب موقفه وامكانياته المادية ومصالحه السياسية.

من المفيد الانتظار، وعدم التسرع في اطلاق الاحكام المسبقة، والمأمول ان يأتي اجتماع الاحد مختلفا عن الاجتماعات السابقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

التدخل الدولي قادم إلى سوريا.. ومفهوم جديد للأمن الإقليمي  .. عبدالعزيز بن عثمان بن صقر

الشرق الاوسط

7-1-2012

المشهد في سوريا يبدو معقدا ومتداخلا ونهايته ملتبسة أو غير واضحة للعيان، لكن الأمر في حقيقته قد يبدو مختلفا، والسيناريو الأقرب هو أن الحل سيكون عبر البوابة الأجنبية أي التدخل الدولي وباستخدام القوة العسكرية، بعد أن استنفدت كل الأوراق الإقليمية أغراضها بل أكدت فشلها بسبب المواقف المتباعدة في سوريا بين طرفي الصراع (النظام والشارع أو المعارضة) جراء مراهنة كل جانب على رهان يراه هو الطريق إلى انتصاره، فالنظام يراهن على يأس المتظاهرين وضعف تنظيمات المعارضة وانشقاقها، بجانب عدم القدرة على الصمود أمام الآلة الأمنية والعسكرية، وتأييد روسيا والصين، إضافة إلى اقتناعه بعدم وجود مساندة إقليمية أو دولية فاعلة للمعارضة كما يعتقد أن تقرير المراقبين العرب سيكون في صالحه، في حين تراهن المعارضة على زيادة رقعة المظاهرات وانتشارها في كل أرجاء سوريا خاصة عندما تمتد بشكل أوسع إلى دمشق وحلب، إضافة إلى المناطق التي تشهد حشودا من المتظاهرين حاليا وهي كثيرة، كما يمتد الرهان إلى توقع إنهاك الجيش وتفككه بزيادة الانشقاقات وخوف قادته من الإدانة بقتل الثوار وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية ومن ثم التخلي عن نظام بشار الأسد ما يقود إلى انهياره وسقوطه. وهناك أمل متصاعد بتدويل الصراع السوري ودخول مجلس الأمن الدولي كعامل لحماية الثورة.

لكن كيف سيتطور سيناريو تدخل القوى الدولية أو تدويل الأزمة السورية؟ الإجابة تكمن في عدة نقاط، منها: عدم وجود خيار أمام النظام السوري إلا في استخدام الحل الأمني، فهو يعلم أن التخلي عن هذا الحل يعني انهياره سريعا، ولكنه متأكد أن هذا الحل هو مؤقت وترقيعي بمعنى أنه يؤجل النهاية ولن يلغيها، كما أن هناك أزمة ثقة بين النظام السوري ومحيطه الإقليمي باستثناء إيران، ثم العراق تحت التأثير الإيراني أيضا، مما يؤدي لعدم وجود حلفاء من العرب للنظام السوري بعد رفضه لكل النصائح العربية.

مراهنة النظام السوري على مواقف وتأييد روسيا والصين سوف تنتهي إلى الفشل أيضا ولن يستمر دور موسكو وبكين المتعاطف إلى ما لانهاية، وبدأت التحركات الغربية تجدي مع موسكو التي تريد أن تقبض الثمن، وهذا عُرفٌ مشروع في العلاقات الدولية بين القوى الكبرى أو ذات التأثير على مجريات الأحداث العالمية وسبق تطبيقه في أكثر من حالة كانت طرفها موسكو. فسوريا تعد آخر معقل للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط وواحدة من أكبر أسواق تجارة السلاح الروسي في المنطقة، ومن ثم لن تفرط موسكو في هذا المعقل أو تتخلى عنه إلا بثمن باهظ أو معقول على أقل تقدير، وهذا الثمن بدأ يلوح في الأفق ويتمثل في انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية وهو ما فشلت موسكو في تحقيقه طيلة 16 عاما من المفاوضات المضنية، كما أن هناك دعما ماليا ضخما من اليابان وكوريا الجنوبية لموسكو وهو ما يجري تحديد قيمته وتوقيت دفعه أو تسليمه الآن.

أما التدخل الإقليمي فلن يحقق شيئا في حل هذه الأزمة، فلا يوجد طرف يريد أو يستطيع أن يدخل في مواجهة عسكرية ويتورط في هذه الأزمة بعد أن باءت كل الجهود العربية بالفشل تقريبا باستثناء موقف جامعة الدول العربية الذي ينتظر تقرير المراقبين، والذي لن يجدي كثيرا على ما يبدو طبقا للتقارير الواردة من دمشق والتناقض الذي يلوح في الأفق حول مضمون التقرير المرتقب، كما أن تركيا لن تستطيع التورط بمفردها لاعتبارات عديدة وكل ما تستطيع القيام به هو عدم خسارة الشارع السوري بعد أن يئست من التعويل على النظام في دمشق، وفي الوقت نفسه عينها مفتوحة على مستقبل تعاطي أكراد سوريا مع الوضع السوري الداخلي ومع الأكراد في دول الجوار ومن بينهم أكراد تركيا بعد انفراط عقد الدولة السورية الحالية.

إذن لن يتبقى إلا الدور الدولي الذي بدأ يأخذ منحى جديدا في مجلس الأمن الدولي من خلال مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا ويجد دعما أميركيا وغربيا، مما يفتح الباب للتدخل الأجنبي تحت شعار التدخل العسكري الإنساني في المقام الأول كما حدث في ليبيا في العام الماضي وقبلها في العراق عام 1991 وكوسوفو عام 1999. وهذا التدخل سوف يسبقه تمهيد داخل أروقة مجلس الأمن الدولي وعبر الاتصالات السرية واجتماعات الغرف المغلقة وبتدخل أطراف متعددة منها الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، ودول الاتحاد الأوروبي، سوف يتمخض عنها وفاق دولي على حساب مقايضات مالية ومصالح استراتيجية، تقود في مجملها إلى رسم خريطة جديدة لمفهوم الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط سوف يمتد تأثيرها إلى دول أخرى، وإلى فترات مستقبلية بعيدة أو متوسطة المدى على الأقل.

في مقدمة معالم مفهوم الأمن القومي في مرحلة ما بعد التدخل الدولي لإسقاط النظام السوري يأتي تحجيم الدور الإيراني ومحاصرته داخل إيران مستقبلا والذي يمتد إلى العراق في المرحلة الحالية بناء على واقع تركيبة النظام السياسي الحاكم في بغداد وعلاقته الخاصة بطهران لاعتبارات عديدة وهي معروفة على ألا يخرج هذا الدور أو التأثير إلى دول إقليمية أخرى كما كانت تخطط وتسعى طهران منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، ثم بعد سقوط نظام صدام حسين في بغداد عام 2003.

بالتبعية سوف تشهد مرحلة ما بعد التدخل الدولي لإسقاط النظام السوري إضعاف حزب الله اللبناني، أو تضييق الخناق عليه ما قد يفككه على المدى البعيد أو على أقل تقدير تحجيمه والتسريع بتنفيذ مطالب الدولة اللبنانية بتسليم سلاح الحزب ودمج عناصره - في حالة قبولهم - في الجيش اللبناني.

مفهوم الأمن الإقليمي في المرحلة القادمة غامض وملتبس وتشوبه صراعات غير معلنة بين قوى تقليدية وأخرى جديدة بين الدول الموجودة في الإقليم، خاصة مع غياب العمل العربي المشترك، وانشغال أو انكفاء العديد من الدول العربية على أوضاعها الداخلية، أو خروجها جزئيا أو مؤقتا من منظومة الأمن الإقليمي والعمل المشترك، مما يلقي بمسؤولية كبيرة على كاهل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ويجعلها تسارع بوضع استراتيجية أمنية بما يؤمن الوضع في منطقة الخليج أولا وبشكل عاجل، ثم في المنطقة العربية باعتبار أن الأمن الخليجي لا يبدأ أو ينتهي عند حدود دول الخليج فقط، بل مرتبط بأمن المنطقة بالكامل.

الاستراتيجية الخليجية لأمن المنطقة لا بد أن تبدأ بتفعيل قوة درع الجزيرة، وإعادة النظر في تسليح الجيوش الخليجية، وتطوير الآليات والتجهيزات العسكرية، والتركيز على الأسلحة المتطورة، حيث إن المرحلة المقبلة قلقة وغامضة المعالم، ولاعبوها يزدادون ومصالحهم تتشابك في ظل أفول نجم قوى إقليمية مهمة، وتزايد قوة ونفوذ دول غير عربية موجودة في المنطقة وتمتلك أسلحة نووية أو أسلحة تقليدية متطورة، إضافة إلى عدم استقرار الأوضاع في آسيا الوسطى وأفريقيا ما يعني أن الدائرة الأمنية الأوسع والمحيطة بالدول العربية غير مستقرة أيضا، الأمر يتطلب اتخاذ مبادرة الدفاع باعتبارها أفضل وسيلة للهجوم.

التغيير السياسي في سوريا وسقوط نظام البعث الذي حكم البلاد لفترة تجاوزت أربعة عقود سيترك نتائج جذرية تؤدي إلى إعادة ترتيب توازنات القوى على المستوى الإقليمي. تغيير النظام في سوريا لا يعد شأنا داخليا فقط، فالدور الذي لعبه مثلث التحالف الإيراني - السوري - حزب الله، خلال العقود الزمنية الماضية في التأثير على سير التطورات الإقليمية كان دورا لا يمكن إغفاله. وغياب سوريا عن هذا التحالف سيؤثر سلبا وبشكل جذري على أطراف التحالف الأخرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وتستمر المؤامرة ! .. أنور ساطع أصفري

كاتب - إعلامي - ناشط سياسي .

يقولون أن رؤية المجتمع الدولي فيما يخصّ الأزمة السورية تتمحور حول عدم التدخل العسكري ، حيث أن أي تدخل عسكري في الأزمة سيُفجّر كافة البؤر الساخنة في الدول المجاورة ، وهذا ما تتجنّبه المؤسسات الدولية أو المجتمع الدولي .

ولعل المستفيد الوحيد من هكذا رؤية هو النظام السوري الذي يستغل هذه النقطة لإرتكاب المزيد من القمع والقتل والتنكيل وسفك الكثير من الدماء .

والمستفيد الأكبر من ذلك أيضاً وبكل تأكيد هو النظام الإيراني ، الذي بدأ يُكشّر عن أنيابه متحدياً المجتمع الاقليمي على مرأى من المجتمع الدولي وغير آبهٍ بأي شيء لأنّه وبالأساس مطمئن بأنه لا تصعيد جدّي ضده .

دعوني أعود إلى الوراء قليلاً ، فبعد عودة المالكي رئيس وزراء العراق من زيارته الأخيرة للولايات المتحدة وبعد إنسحاب الجيش الأمريكي من العراق ، حيث إلتقى هناك الرئيس الأمريكي باراك أوباما ، فبعد عودة المالكي من هذه الزيارة مباشرة قام الأمين العام للجامعة العربية بزيارة بغداد وإجتمع مطوّلاً مع المالكي ، ومن ثُمّ إنطلقت المبادرة العراقية فيما يخصّ الأزّمة السورية ، وصرّحت تركيا وبنفس التوقيت بأنها لن تسمح بأي تدخل عسكري من أراضيها ضد نظام دمشق وأنها لا ترغب بالتدخل العسكري لحل الأزمة السورية ، وبنفس الوقت أيضاً قامت شخصيات معارضة سورية بزيارة طهران واللقاء هناك مع ذوي الشأن ! ، وبنفس الوقت أيضاً خفت الصوت الجاد والعملي للجامعة العربية ، وبنفس التوقيت أيضاً بدأت إيران مناوراتها العسكرية المتطورة في المياه الاقليمية والتي تلامس شواطىء دول مجلس التعاون في الخليج العربي .وبنفس التوقيت أيضاً زاد النظام القمعي من ممارساته الدموية وجاءت قضية التفجيرات الأولً في دوار كفرسوسة والثانيً في حي الميدان وكلاهما في دمشق .

أمام كل هذه المعطيات أستطيع أن أقول أن المالكي بعد زيارته لأمريكا وبعد لقائه أوباما قد عاد وهو يحمل رسالة تحذيرية إلى الجميع فيما يخصّ الملف السوري .

المناورات البحرية الإيرانية هي ليست موجّهة إلى الولايات المتحدة الامريكية ولا إلى المجتمع الدولي ، إنما هي رسالة موجهة إلى المجتمع العربي وخاصّة دول مجلس التعاون فيما يخصّ الملف السوري ، ولعل تركيا أوّل من تعلم الدرس فغيّرت وعلى الفور كافة مواقفها وذلك منذ اللحظة الأولى التي عاد بها المالكي من زيارته لواشنطن ولقائه الرئيس الامريكي في البيت الأبيض . وقام كبار المسؤولين في تركيا بزيارة إلى طهران وإلتقوا كبار المسؤولين الإيرانيين وتدارسوا مصالحهم في المنطقة .

ولقد قامت إيران أيضاً من خلال عناصرها بإفتعال حالات شغب في البحرين ليوم واحد ذهب فيه قتلى وجرحى ، كما إفتعلت الشيء نفسه في منطقة القطيف في السعودية ، وكأن إيران تريد أن تقول \ إنظروا ماذا نستطيع أن نفعل ، دعوا الملف السوري وشأنه \ !.

ليست هناك أية خلافات بين أمريكا وإيران ، حيث أن إيران هي التي سهّلت مهمة الجيش الامريكي في العراق ، وأمريكا هي التي قدّمت العراق على طبق من ذهب لإيران . وكل ما يصدر من كلا الجانبين من تصريحات ساخنة ما هو سوى للإستهلاك الإعلامي ليس إلاّ .

أمريكا في غاية الإطمئنان في منطقتنا الإقليمية وفي المحصّلة فليختار العرب من يشاؤون من بين تركيا وإيران لأنّ كلاهما يتبع للإدارة الأمريكية ، والإدارة الأمريكية في غاية الأمان والإطمئنان لكلا المسارين .

طبعاَ إيران تدرك تماماً أن خسارتها لنظام دمشق يعني بشكل مباشر خسارتها الحليف الأقوى لها في المنطقة وبالتالي خسارتها لحزب الله وبالتالي أيضاً خسارتها لكافة أطماعها في المنطقة .لذلك هي مصرّة على دعم النظام بكافة الأشكال والإطالة في عمره بقدر ما تستطيع ، ولكن عندما ترى أن النظام بدأ يتهاوى وهو بحاجة ماسّة لغرفة الإنعاش حيث بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة ، بكل تأكيد ستسحب إيران يدها من المعادلة وتنجو بنفسها .

الادارة الأمريكية والأمين العام للأمم المتحدة كلاهما بادر إلى إصدار بيانات تشجب التفجير الأول في دمشق والتفجير الثاني في دمشق أيضاً ، لكنهما لم يصدرا بيانات يومية تشجب حالات القتل اليومي وحمامات الدم التي تراق في المدن السورية بشكل يومي ! .

الأمين العام للأمم المتحدة يقول على وفد الجامعة أن ينجح في مهمته ونحن ننتظر تقاريره حول رؤيته للأمور داخل سورية من خلال زياراته الميدانية هناك ، وسندعم وفد الجامعة بمساعدات فنيّة وقد نرسل مراقبين من طرفنا لمرافقة وفد الجامعة العربية .

الإدارة الأمريكية لو كانت جادّة في مواقفها فيما يخصّ الثورة السورية لجيّشت المجتمع الدولي بدقائق ، لكنها ليست جادة وكذلك المجتمع الدولي ليس بجاد تجاه الشعب الثائر من أجل أبسط حقوقه الطبيعية في الحرية والكرامة والديمقراطية .

المعادلة على الأرض واضحة تماماً فهناك :

* كتلة فاسدة قمعية لا تزال قوية ومتماسكة .

* وكتلة ثائرة من أجل الحرية ومن أجل أبسط مبادىء حقوق الإنسان .

وأمام هذه المعادلة أقول : لو توفّرت معارضة موحّدة أو لو وُجدت هكذا معارضة على أرض الواقع لإختلف الوضع 180 درجة على أرض الواقع منذ اليوم الأول لإندلاع شرارة الثورة .

إن الثورة في وضعٍ أصبحت تشك فيه بوجود مؤامرة يشترك فيها الجميع وتستهدفها ، أمام هذه المطيات ومع إحتمالات حدوث تطورات جديدة على الأرض فيما يخصّ الثورة السورية ، أقول :

علينا أن نعي تماماً أن الشعب السوري الثائر إستطاع خلال الأشهر العشرة الفائتة أن يهزّ أركان النظام ولمفرده وأن يُحدث شرخاً حتّى في مؤسسته العسكرية وأن يخلق حالة إحباط إقتصادي واضحة للعيان ، كما علينا أن نعي أن هناك المزيد من الأشخاص الوطنيين الذين هم في المؤسسة العسكرية أو الأمنيّة أو الجهاز المدني ، جميعهم سينضمّون اليوم وقبل الغد إلى صفوف الثورة المطالبة بحقوقها العادلة التي تقرّها كافة الأعراف والأديان والمؤسسات الدولية .

كما علينا أن ندرك أن الشعب السوري الثائر ولمفرده وهو يواجه حالات القتل في الداخل من قبل النظام وأزلامه ويواجه مؤامرة الخارج التي تُحاك من قبل الجميع ، لقادر وبعد 10 أشهر من التضحية والعطاء أن يضع النظام القمعي الفاسد في يوم ما بين فكي كمّاشة حيث سيلفظ أنفاسه الأخيرة وينهار كما إنهارت كافة عروش القمع والاستبداد في دول أخرى .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شبيحة وبلطجية ومرتزقة: بعض ملامح هؤلاء؟  .. فايز سارة

الشرق الاوسط

8-1-2012

رغم أن مجموعات البلطجية والشبيحة والمرتزقة، كررت ظهورها في البلدان العربية مع اندلاع ثورات الربيع العربي، فإن هذه المجموعات ليست جديدة في الواقع العربي. إذ هي قديمة، لكن الجديد فيها، هو فورانها وتحولها إلى ظاهرة بارزة وصادمة بعد أن كانت محدودة الحضور والتأثير، إضافة إلى سمة أخرى، رافقت الربيع العربي، وهي عدم اقتصار بروز ظاهرة البلطجية والشبيحة والمرتزقة وتأثيرها على بلدان التغيير العربي العاصف مثل تونس ومصر وليبيا، وتلك التي تسير نحو التغيير مثل اليمن وسوريا إلى بلدان لا تصنف في إطار بلدان الثورات مثل الأردن، وقد تكشف التطورات المقبلة حضور هذه الظواهر في بلدان الهدوء النسبي، عندما يتطلب الأمر كذلك، لأن التجارب العربية، تنتقل بالعدوى وبعضها ينتقل بالدروس، كما تدلل الوقائع.

والواضح، أن البلطجية والشبيحة والمرتزقة (بالتعبير العملي والدارج) هي تعبيرات لظاهرة واحدة، فيها تمايزات ذات طابع محلي أكثر مما فيها من اختلافات جوهرية بين تلك التسميات، والوظيفة الأساسية للمنتمين إلى هذه الجماعات، تتمثل في قيامهم بالتدخل ضد الغير في أي مكان وزمان ودون أي مبررات منطقية وموضوعية، بمعنى آخر أنهم ليسوا أكثر من أدوات ذات مهمة معينة، يتم تسييرهم باتجاه القيام بها للحصول على النتائج المطلوبة.

وفي الحالات العربية المحددة، جرى استخدام هؤلاء للتدخل في الحملات الانتخابية في كل مراحلها وصولا إلى تغيير النتائج كما حدث مرارا في الانتخابات المصرية قبل انهيار نظام مبارك، وجرى الدفع بهم من أجل فض التجمعات الشعبية غير المرغوب فيها، بما فيها المظاهرات والاعتصامات في العديد من البلدان، وخاصة بعد الثورات العربية، حيث جرى تكليف بعضهم أو فرق منهم بأداء مهمات خاصة بينها اعتداء على أشخاص وممتلكات بما يخدم القوى والأجهزة التي توظف هؤلاء وتستخدمهم بما في ذلك أجهزة الأمن الرسمية، وثمة وظائف تناط ببعض البلطجية والشبيحة والمرتزقة، ومنها أعمال تحتاج إلى تخصصات، كما في الأعمال التي تتم على شبكة الإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بهدف السيطرة على مواقع المعارضين وجماعتهم، وتهكير تلك المواقع وتدميرها، وشن الحملات الدعاوية التي تخدم الجهات التي توظف هؤلاء أو تقود نشاطاتهم، وقد تتطلب مهمات هؤلاء سفرهم إلى خارج بلدانهم أو تنظيم بعضهم في بلدان الاغتراب. وفي المثال السوري قام الشبيحة بكثير من الأنشطة الخارجية في تركيا ومصر والأردن ولبنان وغيرها.

إن القسم الرئيسي من المنتمين لهذه الظاهرة في سوريا وبلدان عربية أخرى منها مصر واليمن، هم من الهامشيين الذين عاشوا أغلب حياتهم على هامش المجتمع. بل إن جزءا رئيسيا من هؤلاء انخرطوا في أعمال غير قانونية وارتكبوا جرائم، وهي ملامح تجعل من السهل السيطرة عليهم من جانب الأجهزة الأمنية وكبار المتنفذين في النظام الحاكم خاصة مع توفير مستويات معينة لهم من الحماية، وقسم من المنتمين للظاهرة عاملون في شركات خاصة وعند أرباب عمل وثيقي الروابط بالنظام الحاكم، كما أن بين المنتمين للظاهرة عاملين في دوائر وأجهزة الدولة من المدنيين، وتم تنظيم بعض أعضاء في الحزب الحاكم وفي نقابات واتحادات بينها نقابات العمال وهيئات طلابية في هذه الظاهرة.

إن الاختصار المعبر عن هذه الظاهرة، إنما يكمن في ضم حشد من الهامشيين السهلي الانقياد إلى جانب أكراه محتاجين للعمل والأجور، وأنصار من كل لون بينهم سياسيون وأيديولوجيون في نسيج هدفه تشكيل جدران حماية «شعبية» للنظام، والقيام بأعمال من شأنها إحباط أي الأعمال المناهضة للنظام، وإلحاق الأذى بالقائمين بها وبممتلكاتهم وأدواتهم وتدمير حواضنهم الاجتماعية.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد القول إن أعمال المنتمين إلى هذه الظاهرة إنما هي تلبية لمصالح مادية مباشرة وغير مباشرة، يدفعها النظام والنافذون فيه للمنضوين في عداد البلطجية والشبيحة والمرتزقة، بعض تلك المصالح تكون في أجور نقدية مباشرة، وهو الأمر الأكثر شيوعا في التجارب التي عاشتها ثورات الربيع العربي، والأقل منها هي امتيازات تعطى للنخبة ممن يشكلون مراكز الإدارة والسيطرة في الظاهرة، ويوجهون أعمالها. غير المشترك الأكبر الذي يحصل عليه المنتمين إلى هذه الظاهرة، هو ما يسبغه عليهم النظام من حماية غير قانونية، وخصوصا عدم محاسبتهم عن حمل الأسلحة واستخدامها ضد الآخرين وما يقومون به من جرائم أخرى، يتم ارتكابها تحت سمع وبصر السلطات وأجهزتها الشرطية والقضائية وبمباركتها، مما يمكن معه القول، إن ما يقوم به هؤلاء يبلغ حد الجرائم المنظمة.

وبطبيعة الحال، فإن لجوء السلطات إلى استخدام الشبيحة والبلطجية والمرتزقة، لا يعني فقط عدم كفاية أجهزتهم العسكرية والأمنية في إحكام قبضتها على المجتمع وتحركاته، إنما تعني تنويع آليات الضبط والسيطرة بخلق بنى «شعبية» موازية موظفة في خدمة النظام مقابل تلك البنى الناهضة في وجهه، والرافضة لسياساته وممارساته، دون الأخذ بعين الاعتبار ما يترتب على هذا السلوك من آثار أساسها نقل الصراعات إلى عمق المجتمع، مما يهيئ لاندلاع صدامات أهلية، تؤهل البلاد للدخول في أتون الحرب الأهلية.

إن تجارب تونس ومصر في عملية التغيير السريع، لم تترك آثارا كبيرة لما قام به الشبيحة والبلطجية والمرتزقة على المجتمع، وقد تنطبق ذات النتيجة على ليبيا إلى حد ما، لكن الأمر في اليمن وسوريا، قد تكون له نتائج مختلفة بعد استمرار وتواصل تلك الظاهرة قرابة عام كامل، الأمر الذي يعني أن ثمة ضرورة للتوقف عند هذه الظاهرة والتدقيق في نتائجها، التي لن تسلم من نتائجها الكارثية الأجهزة والأشخاص الذين صنعوها، وقاموا برعايتها وليس المجتمع وحده.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

رمز الشجاعة الأدبيّة: الشيخ أبو الطيب الأتاسي

طريفيات

المركز الإعلامي لدعم ثوار حمص

7/1/2012

اعتدنا في حمص على جرأة مشايخنا وصدحهم بكلمة الحق الشجاعة منذ بداية الثورة، فكان بيان علماء المسلمين في حمص

http://alsalafway.com/cms/topic.php?action=topic&id=10653

في السابع من نيسان، أوّل بيان من جهة رسميّة في الداخل السوري، تكسر جدار الصمت، وتطالب الرئيس بشكل مباشر بخمسة عشر مطلبًا هي الترجمة القانونيّة لإسقاط النظام والحريّة والديمقراطيّة. ثم كان إعتصام الساعة في ساحة حمص في الثامن عشر من الشهر ذاته، وكان للمشايخ دور بارز في قيادة الإعتصام وبلورة مطالبه والخروج إلى وسائل الإعلام لإيصال صوتنا ورسالتنا .. تتعدّد المشاهد وتكثر .. ننسى بعضها، وبعضها لا يمكننا أن ننساه، ليس لأنه جزء من ذاكرتنا فحسب، بل لأنه شكّل ذاكرتنا .. شكّل شخصيتنا .. وحفر فينا معالم لا تنسى .. كانت جمعة ‘أحفاد خالد بن الوليد’ الثاني والعشرين من تموز … نزل الخطيب من على المنبر، وأقام المؤذّن الصلاة .. اصطففنا مستعدّين .. ننتظر تكبيرة الإحرام .. قليلًا، نسمع جلبة في الصفوف الأولى .. أحدهم يطلب الميكرفون، يمسكه .. “السلام عليكم .. يا شباب هذه الجمعة جمعة ثورة .. واسمها خالد بن الوليد، يجب أن نخرج كلنا في المظاهرة وأن نقول للعالم أننا لن نركع إلا لله” تتعالى أصوات الشباب في المسجد بالتكبير .. تهدأ الأجواء .. يكبّر الإمام .. وتبدأ الصلاة .. أثناء المظاهرة سألت صديقي من هذا ؟ إنه الشيخ أبو الطيب الأتاسي .. قال لي.

الشيخ أبو الطيب هو أوّل من خرج معنا في مظاهرات الحي ..كم كان حريصًا علينا، يريدنا أن نوصل رسالتنا ونتحدى النظام وآلته القمعية بشجاعة وإقدام. لكن دون ان يحدث لنا مكروه ..كم كان قلبه معنا .. كم كانت نظراته تلاحقنا .. مرةً بعد مرّة .. بعصاه التي ما كانت تفارقه، لحيته البيضاء، ملامحه البطوليّة، كلامه الحماسيّ .. صار رمزًا للثورة في الحي، سألته مرّة عن عصاه التي لا يتركها، فقال لي: هذه أحميكم بها، والله يحمينا..

الشيخ أبو الطيب هو الشيخ الوحيد الذي أشعرني بأن النظام سقط فعلًا لا قولًا عندما قال صادحًا على الإذاعة يوم الجمعة من المسجد بعد الخطبة : بشار الطاغية سيسقط بهمتكم يا شباب، سيروا بارك الله بكم .. لقد أعاد الأتاسي للمنبر دوره ووظيفته وهيبته بعدما أساء لها البوطي وحسون وبقية الجرذان القذرة .. قلت له مرّة متأثرًا بجرأته الشديدة: الله يجزيك الخير يا شيخ، والله انت بتنحط ع الراس .. أجابني : يا ابني ماعم نعمل غير الواجب، البركة فيكن، نحن شو عم نعمل …

عندما كان يقف ليلقي كلمة الثورة بعد خطبة الجمعة كنت أنظر إليه بنهم! بشغف! أحاول أن أشبع من عظمة هذا المشهد .. يوم جمعة .. ألوف المصلين .. شيخ بلحية بيضاء يلقي كلمة ملتهبة مسمّيًا الأشياء بمسمياتها .. هذا هو المنبر الحق، هذا هو الشيخ الحق .. كنت أحاول أن أمتلئ من شجاعته ..

أكثر من مرّة تعرضنا لإطلاق رصاص على المظاهرة، وما إن يهدأ الرصاص وأنظر إلى من بقي، حتى تقع عيني دائمًا على الشيخ أبو الطيب .. ياه .. شيخ كبير في العمر، صامد أمام الرصاص .. وغيره هرب!

كلماته الثورية كانت عفوية جدًا رغم أنه كان يحضّرها كتابةً على وريقة صغيرة، كان يتحدّث بلغة الشارع، بعيدًا عن صالونات المثقفين وكلامهم البارد وتنظيرهم الفوقي وتحذيراتهم وتوصياتهم .. كلمات بسيطة، لكنها مؤثّرة .. فماهي إلا أسابيع قليلة .. وصارت مظاهرتنا تتجاوز الآلاف الكثيرة ولم يعد يبقى في المسجد سوى قلّة قليلة من كبار السن ..

اليوم في زخ القصف العشوائي العنيف على باباعمرو، والمآذن تكبّر، دخل الشيخ أبو الطيب إلى المسجد وقال عبر الإذاعة الخارجيّة: ياشباب بدنا دكاترة وممرضين ومواد اسعافية للمشفى، بدنا متبرعين بالدم .. إغاثة وفزعة وجرأة وشجاعة … ياااااه كم تتمثّل فيه معالم البطولة .. قنص الشيخ أبو الطيب الأتاسي .. وهو رافع رأسه .. قالها ألف مرة بعزة وعاشها بعزة، قالها بشجاعة وجرأة، وعاشها بشجاعة وجرأة: لن نركع إلا لله ..

ونحن أيضًا يا شيخنا .. لن نركع إلا لله .. إذهب إلى رضوان ربك .. فقد تركت وراءك أثرًا لن يمحى ..

-*-*-*-*-*-*-*-*

أسرار النظام السوري  .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

8-1-2012

أخيرا، انشق مسؤول رسمي بعد نحو عشرة أشهر من ثورة الشارع على النظام السوري. محمود الحاج أحمد ليس وزيرا ولا سفيرا، مع هذا يشغل وظيفة حساسة. منصبه إلى قبل أيام هو المفتش الأول في الجهاز المركزي للرقابة المالية بمجلس الوزراء السوري، والمفتش المالي في وزارة الدفاع.

والأحاديث التي أدلى بها منذ ظهوره على وسائل الإعلام ألقت الضوء على كيفية عمل هذا النظام السري الذي يعتمد الغموض، ويخيف كبار موظفيه حتى لا يكشفوا معلومات أو يختلطوا مع الآخرين. من الذي يمول النظام، وكيف، وما حجم إمكاناته المالية الحالية، وما مدى حاجاته التمويلية، ومن يقرر، وما هي نقاط ضعفه الحالية، وما مدى صلابة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وما علاقتها ببعضها، وسيطرة القيادة عليها، وما احتمالات حدوث انقلاب أو انشقاقات عسكرية واسعة؟ وغيرها من الأسئلة المهمة التي لا نعرف إلا القليل عما يدور في داخل دمشق بسبب قبضة الأمن وسياسة الترويع التي تمارسها ضد موظفي الدولة والمرتبطين بها. من دون معلومات موثوقة تبقى تقديراتنا مجرد تخمينات مثل قولنا: إن النظام قد يسقط في الصيف أو الخريف على أبعد تقدير، فهو قد يصمد لأطول من ذلك إن كان قويا في الداخل ومدعوما ماديا وعسكريا من الخارج، وقد ينهار فجأة خلال أسابيع رغم صورته المتماسكة إن كانت هناك تشققات في داخله لا ندري عنها من الخارج. نحن نتحدث عن نظام منغلق يحكم الدولة بأجهزة أمنية وعسكرية.

ونعرف أن بعض المنشقين السوريين قد تراجعوا خلال الأسابيع القليلة الماضية عن الكشف عن أنفسهم، بما فيهم الذين فروا إلى خارج سوريا، خشية انتقام النظام من أفراد عائلاتهم. لهذا قد لا نرى وزراء أو سفراء ينشقون إلا في ساعاته الأخيرة، ويؤكد ذلك المفتش المالي المنشق أن نحو 80% من الجهاز الحكومي السوري ضد بشار الأسد، ويتمنون الانشقاق لكن الخوف يمنعهم.

وما تحدث به أحمد ألقى الضوء على بعض ما يعتري النظام المحاصر، وما يقال عن علاقاته الخارجية وتمولاته المالية والعسكرية التي توضح أن إيران تلعب دور السند، وبالتالي نحن نرى حربا شعبية ضد نظامين شرسين، الذي يجعل محور لعبة النظام السوري تقوم على المماطلة وكسب المزيد من الوقت للمزيد من الاعتقالات والتصفيات، لأن المدد الإيراني سيجعله واقفا على قدميه أكثر من تصوراتنا، وما تتحدث عنه قوى المعارضة من أرقام قتلى هي أقل بكثير من الأرقام الحقيقية التي لا تشمل ما يحدث للمعتقلين والمنشقين وغيرهم، الذين لا يعلنون عن مفقوديهم.

وبالنسبة للنظام فإن الاعتقال مثل القتل يلغي وجود الفاعلين من الساحة، وبالتالي فإن آلة القتل والقمع لن تتوقف، وهي تتستر خلف مشاريع وساطات، مثل وساطة حماس الأخيرة التي هدفها مد النظام بفترة إضافية بعد أن أصبحت مسرحية المراقبين توشك على الانتهاء. إن النظام السوري يقوم الآن بتشجيع أتباعه وأصدقائه، من المعارضة المزورة التابعة للنظام أصلا، ومن جماعات حقوقية مصرية وجزائرية، ومن قيادة حماس، لمساعدته على كسب المزيد من الوقت ومنع رفع القضية إلى مجلس الأمن، وبالتالي فإن الحل العربي يعني الإبقاء على نظام بشار، أما تدويل القضية، فيعني إسقاطه.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الجامعة العربية والملف السوري ...أبعد من فشل ! .. د.نصر حسن

مرة ً أخرى ،مضى على الثورة السورية عشرة أشهر ، الفاعل الدموي الوحيد فيها هو النظام الذي استباح الشعب السوري وأمعن فيه قتلاً وذبحاً واعتقالاً وتشريداً وإهانة ً لا مثيل لها ، في النصف الأول من الأحداث الدامية بقيت الجامعة متفرجة على جرائم النظام في طول سورية وعرضها دون أن تحرك ساكناً ، دخلت الجامعة على خط الأحداث في النصف الثاني خجلاً ، مضطرةً مترددةً منقسمة ً بين تيارين ،الأول يعكس النظام العربي وضعفه وهوانه وعجزه عن فعل شيء ينقذ قلب العروبة النابض الذي يفتك فيه النظام بشكل وحشي بدون رادع، والثاني لنقل محايداً يعمل على بلورة موقف ما يساعد على خروج سورية من محنة دموية حصرها فيها النظام المجرم .

ومع ما رافق تحرك الجامعة في الثلاثة أشهر الأخيرة من بطء وريبة في محصلته العامة لم ينتج شيء ملموس يوقف القتل ،بل كان بمثابة زمن مفتوح للنظام لسفك المزيد من الدم وإشاعة الرعب على أمل حسم الموضوع ووقف الثورة ، ورغم أن النظام في تعامله مع الجامعة كان بمنتهى قلة الاحترام بل يكيل التهم والشتائم لها علانيةً ورفضه أي دور لها ،سوى الذي يتطابق مع موقفه ونهجه الغوغائي في أن وراء الأحداث عصابات مسلحة وقاعدة وارتفاع إرهابيين هدفهم هو التآمر على النظام المقاوم الممانع ،وللأسف كان لهذا التسويق الرخيص صدى لدى الجامعة العربية التي تعلم علم اليقين أن كل مقاربات النظام كاذبة مخادعة دموية هدفها سحق الثورة في سورية .

ومع وضوح المشهد الدموي وممارسات النظام وعصاباته ضد المدنيين الأبرياء ، راوغت الجامعة لشهور وخضعت لابتزاز النظام السوري ورفضه توقيع المبادرة العربية في البداية ، والتعامل البطيء معها لتمرير الوقت ،وأيضاً للأسف انساقت الجامعة وراء تضليل النظام وألاعيبه وتعامله المخادع مع المبادرة، عبر موافقته على بنود معينة ورفض أخرى طمعاً في إدخال الجامعة في متاهة البنود والفقرات وإطالة الوقت ، استغرق شهرين سفك فيها النظام آلاف أرواح السوريين ،مع ذلك رفض المبادرة ، تبرعت الجامعة وأعطته مهلة أخرى زادت فيها وحشيته ووتيرة قتل المدنيين ،وبعد أن تيقن النظام على أن دور الجامعة سيكون لصالحه، وقع على بروتوكول الجامعة الذي ينص على ، الوقف الفوري للقتل وسحب الجيش والمظاهر المسلحة من المدن ، والإفراج الفوري عن المعتقلين ، والسماح بالتظاهر السلمي ،والسماح لوسائل الاعلام الحر بدخول سورية وتغطية الأحداث بحرية، وسمح لمن وافق عليه من أعضاء اللجنة بدخول سورية!، فماذا فعل النظام مع البروتوكول ولجنته العتيدة ؟! وماذا فعلت لجنة المراقبة في الشوط الأول ؟! وماذا فعلت الجامعة بعد تقديم اللجنة تقريرها الأول ؟!.وهل هناك من حاجة لشوط دموي ثاني للجنة المراقبة العربية ؟!.

إنها الفرجة المأساوية على نظام دموي وحشي يقتل ويذبح ويغتصب ويدمر ويفجر ويمارس كل شذوذه وعنفه ضد المدنيين العزل السلميين ، لم ينفذ من بنود البروتوكول شيئاً ، لا هو أوقف القتل ،ولا هو سحب جيشه من المدن ،وأطلق سراح عدد من المعتقلين واعتقل أضعافهم بنفس الوقت، ولم يسمح سوى لإعلامه المشروخ وضباط أمنه وشبيحته بمرافقة أعضاء اللجنة ، فماذا على الحيادية والمهنية والأخلاق أن تقول ؟ّ!.

إنها الشراكة مع هذا النظام القاتل الذي يتصدى بكل آلته العسكرية والأمنية وفجوره وانحطاطه وممارسة القتل المكشوف ضد ثورة شعبية مدنية سلمية عمدت طريقها وأهدافها بأنهار الدم وألوف الشهداء ،ومابرحت تصدح بالحرية والكرامة والسلمية ، استخدم النظام وأعوانه الإقليميين والدوليين كل وسائل القتل والترهيب والتفتيت والشعارات الكاذبة والفبركات البائسة والمحاولات الفاشلة لجر الثورة وسورية إلى الفتنة الطائفية والحرب الأهلية وفشل في ذلك فشلاً ذريعاً .

إنه العار ، أن يدمن الجميع على رؤية صور الذبح والقتل والتدمير والإهانة ، تمارس ضد أطفال ونساء وشيوخ وشباب أبطال يريدون الحرية والكرامة ، إنه البؤس الوطني والقومي والإنساني عندما تقرر الجامعة العربية في اجتماعها بتاريخ الثامن من كانون الثاني بتكرار دعوتها للجلاد بضرورة الرأفة ووقف العنف ، إنه العمى الأخلاقي في مساواة الضحية بالقاتل ، إنه العبث والملهاة ، إنه العمل المتهور غير المسؤول الذي يشبه سكب البنزين على الحريق لتكبر مساحته وتنفلت مفاعيله إلى حيث تدري ولا تدري الجامعة العتيدة.!.

أكثرمن ذلك ، ليكن واضحاً للجميع ، أن الشعب السوري عندما قرر القيام بثورة الحرية والكرامة ، كان يدرك جيداً من هو هذا النظام ، وما هي بنيته ونهجه وطريقة عمله وتعامله مع الشعب وهو خبير في طقوس الدولة البوليسية ، و يدرك جيداً هزال الوضع العربي الرسمي وجامعته العتيدة ، ويعرف ماذا يمكن أن تقدم للشعب السوري ، ويلم قليلاً من التاريخ القريب ودور الجامعة وقدرتها على حل الأزمات العربية ، وبالتالي يدرك أن معركته مع هذا النظام الشاذ صعبة وطويلة وسوف يخوضها وحيداً ، ولم يعول على العوامل العربية والخارجية كثيراً ، بل كان حرصه على الحل الوطني الذي أسقطه النظام أولاً ، وعلى الدور العربي الذي أجهضه النظام ثانياً، وعلى احترام دور الجامعة غير المفهوم البتة أخيراً .

أخيراً نقول بمنتهى الاطمئنان ،بان الشعب السوري البطل سوف ينتصر على القتلة الطغاة ، وأن النظام وعصاباته وأعوانه وأصدقائه وكل المترددين والصامتين والمشاركين في استباحة الدم السوري هم واهمون في حساباتهم ، وأن الثورة التي مضى عليها سلمية عشرة شهور، كانت تراهن قليلاً على قدرة الجامعة العربية على حقن الدماء وعلى الحفاظ على بعض دورها ومصداقيتها وسمعتها الأخلاقية ، لكن اليوم وبعد عروض أعضاء اللجنة على الإعلام ورؤية قتل النظام وجيشه وشبيحته لايحتاج إلى توثيق والعالم كله يعرف ذلك .

الشعب السوري يقول : على الجامعة العربية أن ترفع يدها مشكورة عن الملف السوري، وتستمر في ممارسة هواية الفرجة على نظامها الذي يتفنن في قتل الشعب واستباحة حرمته !.

سورية جزء من هذا العالم الذي تحكمه قوانين وشرائع كونية ، والشعب السوري وحده من يقرر ويشرع حماية الروح البشرية والكرامة الإنسانية عبر كل الوسائل من عبث النظام القاتل ، وليس هناك من عار ورذيلة أكبر من القتل والإهانة وتمزيق المواطن والوطن إلى أشلاء أمام المتفرجين والصامتين والمشاركين أعداء الحرية والإنسان في كل مكان ، سورية في مرحلة جديدة ، والثورة في طور جديد , وكل الأطراف أصبحت عارية ومكشوفة ، وحرمة الدم السوري أكبر من الجميع ...وكل الطرق إلى حمايتها شرعية .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجامعة العربية في الوقت المستقطع .. عقاب يحيى

شبّه المناضل الوطني الكبير مصطفى رستم دور الجامعة العربية بأنه تماماً كالوقت المستقطع، ولا نريد القول : الوقت الضائع لأن شعبنا يدفع دماً كل لحظة لأجل حريته وكرامته، ولأنه لا وقت يضيع في الثورة التي تسابق زمن القتل المفتوح لانتزاع النصر لبلدنا وشعبنا كله ..

الحق أن التوصيف "مبهبطّ " قليلاً على الجامعة العربية (المسكينة) التي ليس بمقدورها أن تكون لاعباً، أو طرفاً في لعبة القوى الدولية حتى تُمنح وقتاً مستقطعاً تتسلى، أو تلعب به بطريقتها، فقد ركلوها مرغمة كي تقوم بدور يبدو خطيراً وحيوياً لما يشبه ملء الفراغ، وربما أن تجعل مما تقوم به جسراً لقادم ما ما زال على قائمة الانتظار، أو التهيئة في المطبخ الأمريكي والدولي ..لأن الجميع يدرك حال الجامعة، ويعلم بالوقائع أنها حتى لو أرادت فعل شيء، ولو كانت مُجمعة على أمر واحد فإنها، بواقعها، ومن خلفها النظام العربي المهلهل، والمفكك، والمشغول قسم منه بأوضاعه الذاتية.. فإنها لا تملك قدرة الفعل، ناهيك عن تعقّد الوضع السوري وجبروت الطغمة الذي يستحيل أن تستجيب للحد الأدنى من الأماني والاتفاقات.. أو أن تخضع لمشيئة عربية حتى لو تدرّعت، وتسلحت بقوات عسكرية كبيرة، إن كان لجهة الخلل في موازين القوى في هذا المجال، أو لجهة الاعتبارات التي يستند إليها نظام الطغمة في مواجهته لأي مشروع عربي يتجاوز الحيادية إلى الاصطفاف صراحة مع الشعب السوري، أو يحاول إيقاف عمليات القتل والجرائم اليومية التي يرتكبها بتخطيط منهّج هو خياره الوحيد، ونتاجه الشرعي.. لذلك فعلاً يبدو الدور العربي شبيهاً تماماً بالتوصيف الذي أشار إليه المناضل الكبير مصطفى رستم، وربما دون وجود كرة يتلهون بها أثناء الفرجة على الدماء السورية وهي تتهاطل غزيرة، فتضطر بعضهم إلى وضع كوفيته على عينيه، أو الالتفات جانبا كمن لا يرى، بينما يمكن لآذان البعض أن تلتقط ما يهمس لها من ضباط الأمن، ومن شبيحة يرتدون مناصب معلقين سياسيين وخبراء معلومات لكي يضعوا القاتل والحق في كفتي ميزانهم فيدونها تقريرهم على ورق غير رسمي تبدو عليه بصمات النظام .

ـ الوقت المُستقطع يعني باللغة السياسية أن أصحاب القرار في الدوائر الغربية لم يقرروا بعد حسم أمرهم وبلورة موقف بالتدخل المباشر في الشأن السوري، والأسباب كثيرة وإن تبرقعت بقصة ضعف المعارضة، أو عدم وحدتها، أو هذا الشرط المعلن وذاك، ولأنه ببساطة ما زال يستخدم منطق (الدحرجة) الذي سبق وكتبت فيه أكثر من مرة، والذي يقضي بأن يغرق النظام أكثر وأكثر في الدماء والقتل، والأزمة حتى التعفن، وأن تتهدّم الكثير من أركان مملكة الرعب، ومعها مؤسسات الدولة السورية، وأن يصبح الدفاع عن النفس، وعن الروح والعرض والكرامة والحقوق والممتلكات ردّ فعل طبيعي للشعب السوري يتغلب على الطابع السلمي الذي حرصت عليه الثورة السورية أشهرها الطوال، وصولاً إلى أن يصبح التدخل ـ بكل أشكاله ـ مطلباً شعبياً عارماً، ومن موقع الانهيار والضعف الذي لا يقف عند أية شروط وأثمان له... وقتها قد يفكر أصحاب القرار بطريقة ما لتدخلهم، ومعها تلبية ما يخططون، وما يبغون ..وحينها قد يتحوّل دور الجامعة من بيدق إلى غطاء، أو أنبوب تمرير .

ـ من هنا، ومن وعي اللوحة الدولية بكل مركباتها : وقوفاً عند الموقف التركي وتماوجاته، والموقف الفرنسي وخفوت فعاليته، وحال الدول الأوربية جميعها، وجوهر وملابسات الموقف الروسي وحدوده وثمنه، والحالة الإيرانية وغيرها... فإن الصراخ اليومي ب"رفض التدخل العسكري الخارجي" يبدو وكأنه ردة فعل مَرَضية على ضغوط مباشرة وغير مباشرة من نظام الطغمة، وكأنّ أصحابه يخافون الاتهام من فقدان المناعة الوطنية فيهم، ويريدون التأكيد لأنفسهم، وللنظام بأنهم وطنيون عن حق وحقيق، وأنهم لذلك يرفعون وتيرة رفع الشعارعلى الطالع والنازل، ويخاصمون حوله، ويتنابزون لتكريسه شرطاً لازباً في أية صيغة مبروزة ..

ـ ومن هنا أيضاً فإن المطالبات التي لا تخلو من البكائيات، والمناشدات متعددة الخلفيات، والمستوى بطلب التدخل الدولي العسكري، وتلك الهيصة الكبيرة من التفاعلات والصراعات حول السقف والمضامين والكيفيات، ومحاولة كثير أن يدلو بدلوله في هذا التكرار حتى وإن لم يك يدري ابعاده وظروفه وتداعياته.. تبدو أيضاً صرخات في وادٍ عميق يردد صداها بعض من أدمنوا رفض رؤية الوقائع، وخط تفاصيل اللوحة الدولية، ومعاني التدخل العسكري الخارجي، وخلفياته، وشروطه، ومدى نضجه عند أهله.. وكأن عديد أطياف المعارضة تتقاتل حول الوهم، وحول من يريد بيع الأحلام فيرفضها آخرون.. بنفس المنهج، ويحصد نتيجتها الشارع السوري الحائر والمبلبل من هذه الخالطوات، ومن نسبة الوقائع والحقائق فيها..

ـ في جميع الحالات.. وكما تؤكد الثورة السورية في جوهرها وأصالتها وخط الحياة فيها.. أنها ثورة سورية خالصة من صناعة شباب سوري متعطش للحرية والكرامة، رافض للإذلال والمهانة والتغييب، وأنه عندما قرر أن ينتفض، وعندما قرر بوعي تقديم المُهج فداء لها كان يدرك أنه يعتمد على نفسه ـ بعد الله ـ وأنه يضحي من أجل حرية وسيادة سورية وشعبها، وليس في سبيل رهنها لأية جهة داخلية أو خارجية، وأن طلب العون من الأشقاء،أو من الخارج ـ إن حدث ـ هو لحماية الحياة من الإبادة، وبحثاً عن وسائل دعم مشروعة هي حقه على أخوته العرب، وعلى الهيئة الأممية التي كانت بلادنا عضواً مؤسساً لها، وبالحدود التي لا تمسّ شعرة من كرامة وسيادة بلادنا وقرارها المستقل، ووحدتها الجغرافية والكيانية السياسية .

ـ الثورة وهي تلج شهرها العاشر بثبات واتساع تدرك طبيعة المعادلة، وتعقيدات اللوحة السورية، إن كان لجهة طبيعة نظام الطغمة ومرتزاته الفئوية، القمعية، الإبادية، وما يملكه من قدرات على الفتك لم يستخدمها بعد، أو من محاولات خلبية لفتح ما يعتقده جهنم الحرب الطائفية، وطبيعة الثمن الذي يجب دفعه للنصر، أو لجهة ما يحرك الخارج من مصالح واستراتيجيات وشروط لها علاقة بالوطن وقضاياه ومستقبله، ولهذا، ورغم اضطرارها لطلب الحماية الدولية للمدنيين كمطلب حق ومشروع، فإنها تعي جيداً ان عمادها الرئيس على شعبها وشبابها، وعلى اتساع رقعتها لتشمل الأغلبية الساحقة من المدن وفئات المجتمع، وهي تملك عديد الخيارات التي تضعها ضمن جدول عملها وتصعيد وتيرتها .

ـ وعلى هذه القاعدة من الفهم للوحة الداخلية والعربية والدولية.. فإن عنعنة مجلس الجامعة العربية، وتمديده فترة المراقبين، وما ورد في تقاريرهم من إجحاف يدل على ضعف وعيهم لطبيعة ما يجري، خصوصاً تأكيدهم على وجود عنف وآخر مضاد له، وكأن القاتل يتساوى مع الشعب، وكأن المجرم مضطر للإبادة في مواجهة(عنف مضاد) لا يخرج عن كونه حالات معزولة، ورد فعل محدود الأثر، والوجود، وأنه بدأ بعد أشهر من الصمود بالصدر العاري، وبعد نهر الدماء، وآلاف آلاف المعتقلين والمفقودين، وعمليات التدمير والاغتصاب ..وغيرها كثير..

مع ذلك، ولأننا ـ في هذا الجانب ـ ضمن الوقت المستقطع فعلاً فيجب أن نحوّل وجود هؤلاء المراقبين (رغم قلة عددهم، وضعف حرفيتهم وخبرتهم وقدراتهم، وربما مهنية وحيادية عديد فيهم) إلى عامل إيجابي لصالح الثورة من خلال مزيد من الضغوط على الجامعة العربية لوضع بنود(البروتوكول) موضع التنفيذ خاصة ما يتعلق منه ب : سحب الجيش وقوات الأمن من المدن ـ إيقاف القتل وعمليات العنف ـ إطلاق سراح جميع المعتقلين، وحينها، بل وحتى لمجرد وجودهم سيمتلك شعبنا هامشاً ما من حرية الحركة للتظاهر بقوة أكبر كي يستعيد أمسه في بانياس وحماة ودير الزور وحمص وحوران وغيرها عندما خرج الشعب بأغلبيته الساحقة معرباً عن موقفه، ومطالبته بإسقاط النظام.. وهو جاهز اليوم للخروج بمئات الآلاف في المدن السورية كقاعدة تثبت أن الشعب اتخذ قراره، وأنه جاهز لأشكال أخرى من العمل : الإضراب ـ الاعتصام حتى انهيار الطغمة وتكنيسها ..

لن نعتب على الجامعة العربية لأنها أعجز من أن تلام، ولأن بعض دولها تخاف وهج الثورة أن يصلها، لذلك تتباطأ ويمكن أن تتواطأ، وهي لا حول ولا قوة .. إلا أن تكون جسر الوصول للأمم المتحدة، وبوابة الجسر مقفولة حتى اليوم، والمفتاح ليس عندها، بل عند أصحاب القرار ..

الشيء الرئيس الذي نعوّل عليه : قدرات شعبنا التي لا حدود لها.. فهي الرهان، وهي العامل الحسم..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العرب وسوريا..وعقدة الأميركي والأوروبي! .. خيرالله خيرالله

المستقبل - الاثنين 9 كانون الثاني 2012

ما المطلوب من المراقبين العرب في سوريا كي يكون النظام راضيا عليهم؟ يبدو ان مهمة المراقبين، اقلّه من وجهة النظام، يجب ان تقتصر على تغطية عمليات القتل والتنكيل التي تستهدف ابناء الشعب السوري وضمان استمرارها بدل السعي في وضع حدّ لها في اقصى سرعة.

انها وقاحة ليس بعدها وقاحة ان ينتقد النظام السوري كلّ من يحاول تحديد مهمة المراقبين العرب بشكل واضح حتى يتمكن هؤلاء من تأدية المهمة المطلوبة منهم من جهة وان تكون هذه المهمة في خدمة الشعب السوري من جهة اخرى. الآن صار الموقف الاميركي من المراقبين العرب تدخّلا في الشؤون العربية واساءة الى جامعة الدول العربية.

في الماضي القريب، كان التدخل الاميركي الهادف الى ضمان دخول القوات السورية الى لبنان موضع ترحيب ليس بعده ترحيب في دمشق ما دام الهدف وضع اليد على الوطن الصغير ووضعه تحت الوصاية وارتكاب المجازر من دون حسيب او رقيب!

فجأة، صار هناك حرص سوري على جامعة الدول العربية، بعدما اقدمت تلك الجامعة على خطوة خجولة جدا في اتجاه التخفيف من القمع الذي يتعرّض له شعب بكامله يحاول استعادة حريته وكرامته بعدما سعى نظام عمره نحو نصف قرن الى الغائه من الوجود لا اكثر ولا اقلّ.

للمرة الاولى منذ فترة طويلة تقوم جامعة الدول العربية بعمل مفيد. ولانّ هناك خوفا مشروعا من ان تتمكّن السلطات السورية من استغلال المراقبين بهدف كسب الوقت ليس الا، جاء التدخل الاميركي والفرنسي. يستهدف هذا التدخل المبرر منع التلاعب بالمراقبين وابقاء مهمتهم ضمن حدود واضحة المعالم تصبّ في نهاية المطاف في خدمة الشعب السوري وثورته المجيدة.

لا عيب في امتداح الاميركيين والفرنسيين عندما يقدمون على خطوة في الاتجاه الصحيح تدعم الشعب السوري وتساهم في حمايته من الظلم الذي يتعرّض له. العيب في ان تكون هناك لدى اي عربي عقدة الاميركي والفرنسي والسكوت عن دعمهما للظلم وتوفيرهما غطاء لعملية ابادة لشعب بكامله، تماما كما حصل في الماضي في لبنان بدءا بطرابلس وصولا الى صيدا مرورا بالجبل والقرى النائية القريبة من الحدود السورية كالقاع مثلا.

في تاريخ لم يمرّ عليه الزمن بعد، استخدم النظام السوري العامل الفلسطيني لضرب الصيغة اللبنانية. منذ ما قبل العام 1970، عندما استطاع الجيش العربي (الأسم الرسمي للجيش الاردني) منع المسلحين الفلسطينيين من تدمير المملكة ومؤسساتها، لم يكن لدى النظام السوري من همّ سوى ارسال مسلحين فلسطينيين الى الاراضي اللبنانية. كان الرئيس حافظ الاسد لا يزال وقتذاك وزيرا للدفاع، لكنّ ارسال الاسلحة والمسلحين الى الاراضي اللبنانية كان مرتبطا به مباشرة. هل كان ذلك عملا مشروعا لانّ الفرنسيين والاوروبيين والاميركيين وفّروا له الغطاء المطلوب للقيام بعمل يساهم في تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية وزرع بذور الفتنة في الوطن الصغير، فضلا بالطبع عن ادخال القضية الفلسطينية في متاهات كان مطلوبا من المسؤولين الفلسطينيين البقاء بعيدين عنها؟

الاكيد ان النظام السوري لا يريد ان يتذكّر كيف ان الاميركيين امّنوا له الدخول عسكريا الى الاراضي اللبنانية وقمع اللبنانيين والفلسطينيين في آن بهدف السيطرة على البلد. حدث ذلك بحجة ان المطلوب اميركيا استيعاب الازمة الداخلية في لبنان ومنع تحولها الى ازمة اقليمية. لم يجد هنري كيسينجر وقتذاك من مخرج سوى تكليف القوات السورية "وضع اليد على مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان". والتعبير، الموضوع بين مزدوجين، هو التعبير الرسمي الذي وضعه وزير الخارجية الاميركي لتبرير تسهيل الدخول العسكري السوري الى لبنان ولاقناع اسرائيل بفائدة!

الاكيد ايضا ان النظام السوري يريد ان ينسى، او ان يتناسى، ان وزير الخارجية الاميركي في العام 1976، لعب الدور الاساسي في تأمين ضوء اخضر اسرائيلي للدخول العسكري السوري الى لبنان بغطاء من جامعة الدول العربية. يفترض في من لديه ذاكرة ان لا ينسى ان السوريين دخلوا في البداية تحت غطاء عربي اسمه "قوات الردع العربية".

ما دام الامر متعلّقا بلبنان وقتل اللبنانيين مسيحيين ومسلمين وتهجير اكبر عدد منهم من بلدهم، فان الغطاء الاميركي موضع قبول وترحيب. تماما مثلما انه مقبول ان تلعب ايران دور الشريك الفعلي في الحرب الاميركية على العراق، من دون ان تتجرّأ جامعة الدول العربية على ان تنبس ببنت شفة. بالطبع، لم يكن مطلوبا من العرب دعم نظام صدّام حسين العائلي- البعثي الذي لم يجلب الى العراق والعراقيين سوى المصائب، لكنّه كان عليهم ايضا تسمية الاشياء باسمائها والتحسّب للنتائج التي ستترتب على المشاركة الايرانية، بوجهها المتعدد، في الحرب على العراق.

اخيرا جاء وقت لم يعد العرب قادرين على السكوت. لم يعد المجتمع الدولي قادرا على التفرّج على المجزرة التي يتعرّض لها شعب اعزل يتعرّض للالغاء. ليس مطلوبا من العرب الاكتفاء بارسال مراقبين الى المدن والبلدات السورية فحسب، بل من المستحسن ايضا ان يرحبوا بكل مبادرة ايجابية تصدر عن الولايات المتحدة او فرنسا او تركيا.

اين العيب في قول كلمة حق عندما تقدم اميركا واوروبا على عمل جيّد؟ اوليس الولايات المتحدة التي وضعت حدا للعدوان الثلاثي على مصر في العام 1956؟ اوليست الولايات المتحدة، في عهد ادارة بيل كلينتون، التي اوقفت المجازر التي تعرّض لها المسلمون في البلقان قبل سنوات قليلة؟ لماذا لدى العرب عقدة الاميركي والاوروبي بغض النظر عن الموقف المتخذ منهما من هذه القضية او تلك؟

-*-*-*-*-*-*-*-*=

كي لا تصاب سوريا «بداء البعث» على يد المعارضة .. حد أدنى من الخلافات  .. ميشيل كيلو

السفير

9-1-2012

بعد أن صار جلياً كم هو متعذر الاتفاق بين أطراف المعارضة السورية، وكم هي كبيرة خلافاتها الصغيرة ومؤثرة تناقضاتها الشخصية، وكم هي رئيسة قضاياها الثانوية، تمس الحاجة إلى بديل يكون مقبولاً، قد يكون من الحكمة بدء العمل في سبيله بإزالة الخلافات والمشاحنات الشخصية، على أن تعقب ذلك مرحلة تالية تزال فيها الشكوك والريب بين التنظيمات عامة، وتنظيمي المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق لقوى التغيير الديموقراطي بصورة خاصة، بما أنهما التنظيمان اللذان يتبادلان جميع أنواع الاتهامات، التي لا يعلن عنها صراحة، وإلا لكانت وجدت لها حلولا معقولة، ولكان تأثيرها على علاقاتهما وعملهما قد تضاءل بمرور الوقت، وإنما تترك للغمز واللمز في جلسات مغلقة أو لمداولات لها طابع السرية والخطورة. ولا بد أن نصل في نهاية الأمر إلى توافقات عامة، جد عامة، تخلو من التفاصيل المختلف عليه، فيلتزم الجميع بقبولها والتقيد بنصها وروحها أخلاقياً ووجدانياً قبل أن يلتزموا سياسياً، ويعتبروا تنظيم علاقاتهم في ضوئها ومن خلالها مصلحة وطنية عليا من واجب الجميع تحقيقها، لأن فيها مصالحهم الحزبية والشخصية، ولأنها تتخطى مصالح أي تنظيم بمفرده، مهما كان اسمه وموقعه ودوره.

لنبدأ إذن من الخاص بأضيق معاني الكلمة: من الخلافات الشخصية، التي لعبت دوراً غير قليل في إفشال وثيقة القاهرة بين المجلس والهيئة، وكان لاسمَي من وقّعا عليها دوره في إثارة المشاعر والمواقف ضدها، على غير ما كان المرء يتوقعه ويتخيله. ومع أن بروز العلاقات الشخصية على حساب المصالح العامة يعطي انطباعاً سيئاً عن أية معارضة، ويؤكد كم هي متخلفة سياسياً ووطنياً، فإن الواقعية تتطلب التوقف عنده بكل جدية، أقله لأن بين أسبابه عوامل واعتبارات تراكمت على مر عقود، لذلك أخذ بعضها طابعاً شخصياً مع أن منبته سياسي وعام، فلا بد من أن يعد التصدي لعيوبها تصدياً لعيوب سياسية عميقة الأغوار والجذور، بلغت من التوطن في النفوس حداً أقنع مختلف الأطراف بالتعامل معها بوصفه جزءاً تكوينياً من مواقفهم ورؤاهم، يتداخل مع أشخاصهم وقناعاتهم حتى صار من الصعوبة بمكان التخلي عنه، لأنه من الصعوبة الفصل في حالات كهذه بين ما هو ذاتي وموضوعي، خاص وعام، كما بين الرأي والحكم المسبق، والشحن الشخصي والحكم الرصين... الخ. إذا نجحت المعارضة السورية في تنقية علاقات قادتها وممثليها الشخصية، فإنها تكون قد وضعت نفسها على سكة السلامة، وبدأت تخرج من مأزق تتخبط فيه بنجاح منذ وقت طويل، من دون أن تفلح في مغادرته أو في إيجاد الطرق الصحيحة للابتعاد عنه.

بإزالة أو تجفيف الخلافات الشخصية، يصير من المرجح النجاح في تجفيف الشكوك والاتهامات الصريحة والمضمرة بين طرفي المعارضة الرئيسين، المجلس والهيئة، ويغدو بالإمكان طرحها بكل شفافية، والتحدث عنها بموضوعية ووضوح، ويصير من المستبعد تخوين الآخر والتشكيك في مواقفه والتزاماته، ومن المرحّب به الحديث بروحية نقدية عن كل شيء وأمر، ويتم تدريجياً بلوغ نقطة يسهل بعدها التخلص من الريب والشكوك، أرضيتها الثقة المتبادلة القائمة على التفهم والتسامح، فلا ينصب الواحد لغيره الفخ تلو الفخ، ويترك له هوامش حركة حرة يعتبرها شرعية وإن أخذ موقفا نقديا وصريحا منها بين حين وآخر، مثلما يحدث عادة بين أشخاص أحرار وأنداد وأحزاب وتنظيمات ديموقراطية.

ثمة قدر هائل من عدم الثقة بين المجلس والهيئة، فالأول يتهم الثانية بالضلوع في خطط سرية هدفها إنقاذ النظام، والثانية تتهمه بالعمل على تسهيل التدخل العسكري في سوريا وعسكرة الانتفاضة وخدمة مصالح خارجية وجهات سرية.

أي اتفاق يمكن أن ينجح بين جهتين تتبادلان هذا القدر من الشك وانعدام الثقة؟ ولنفترض جدلاً أنهما اتفقا، كيف ستطبقان ما اتفقا عليه، إن كانت علاقاتهما قائمة على الشك المتبادل، الذي كثيراً ما يبلغ حدود التخوين؟ لا بد، إذن، من حديث صريح ومفتوح عن أزمة الثقة، ومن الضروري أن توضع أسس مشتركة بهدف إزالتها بجهود متضافرة ومتكاملة، وأن ينطلق المختلفون من المشترك إلى المختلف عليه، وليس العكس، وأن تتم تسوية ما يختلف عليه في إطار عام يوسع ما يجمع ويقلص ما يفرق، إلى أن يرجح الأول على الثاني ويقلصه إلى أدنى الحدود.

لن ينجح هذا من دون توافق جدي وصادق على أسس للعمل المشترك تغطي الحقول العليا من الشأن الوطني والمصالح الخاصة بالدولة والمجتمع، التي يجب أن يتعهد الجميع برؤية الشأن العام في ضوئها، والنضال في سبيل حل قضاياه على هديها. هذه الأسس موجودة في العقل السياسي المعارض السوري، لكن خلافات ممثلي أحزابه ومنظماته، وشكوكهم المتبادلة حوّلتها من جوامع مشتركة إلى أدوات إضافية للخلاف والشقاق، مثلما حدث لإعلان دمشق، الذي أراد توحيد المعارضة فاستخدم لتمزيقها، أو مثلما حدث في مفاوضات المصالحة بين جماعة الإعلان والتجمع الوطني الديموقراطي، التي انتهت إلى تأسيس هيئة التنسيق، وهي تكوين جديد حلت فيه تنظيمات يسارية لا شأن لها ولا دور محل جماعة الإعلان، التي اتخذت من جانبها مواقف غريبة من محاولات لتوحيد طيفي المعارضة تولاها مثقفون مستقلون ناضلوا جميعهم تقريباً في إطار «لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا». من دون هذه الأسس التوافقية، لا سبيل إلى إزالة الخلافات الشخصية أو تحييدها، ولا مجال لخلق ثقة تكفي لحفز العمل المعارض باعتباره عملاً وطنياً بالأساس والجوهر والنتيجة، من الضروري الانطلاق فيه من العام إلى الخاص وليس العكس، وإلا أصاب بلادنا على يد المعارضة ما أصابها على يد البعث، وهو يقوم على رؤية العام، أي الوطني والجامع، في ضوء وجهات نظر ومصالح خاصة وضيقة، تجعل الوطن مجرد تابع للسلطة، وترفض أن ترى له مصالح مستقلة عن مصالح الممسكين بها وهي نفعية وشخصية غالباً. هذه الأسس يجب أن تتعلق بمصالح الدولة والمجتمع العليا، وأن توفق بينها وبين حقوق الإنسان وحرياته كمواطن دولة تساويه حريته مع غيره، وإن اختلف وضعه عن أوضاع سواه. إذا ما رسمت الأحزاب سياستها في ضوء هذه الأسس، ماذا يبقى للخلاف والشكوك والبغضاء بين قادتها وأعضائها، وفي المجال العام؟

ليست وحدة المعارضة السورية شرط نجاح عملها، وليست ممكنة اليوم على كل حال، ربما لأنها تريد التفاهم على سياسات عليها لا تقوى أرجلها على حملها، بسبب خلافاتها الشخصية وشكوكها المتبادلة وافتقارها إلى جوامع ومشتركات عليا توحّد نظراتها وواجباتها. إنها كمن يريد إشادة بناء بدءاً من طابقه الأعلى نزولاً إلى أساساته، مع أن الأصل في أي بناء البدء من أساساته صعوداً إلى طوابقه العليا.

بعد المحاولات الكثيرة الفاشلة، ما رأيكم، سادتي في المعارضة، أن نبدأ من تضييق خلافاتنا وتناقضاتنا الشخصية والعامة وصولاً ذات يوم إلى وحدة يتأكد اليوم أن الجري وراءها عبث لا طائل تحته ولا جدوى منه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*=

سوريا.. هل هذا صحيح؟  .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

9-1-2012

هناك معلومات مربكة، ومزعجة، تتعلق بالجامعة العربية وطريقة تفكيرها، وتناولها للملف السوري، وكذلك كيفية رؤيتها للمعارضة السورية، سمعتها من عدة مصادر عربية مسؤولة، ومطلعة، على درجة عالية، أطرحها بهذا المقال كتساؤلات، ودون أحكام، حتى نمنح الجامعة مساحة من حسن الظن، وحتى توضح موقفها عمليا.

فالمعلومات تشير إلى أن مسؤولا كبيرا بالجامعة يقول لأحد زواره أثناء شرحه للأوضاع بسوريا، وكيفية التعامل معها، بأن في سوريا ثلاثة آلاف ناشط سوري فقط، وهم من يحركون المظاهرات هناك، وأن نظام بشار الأسد يبحث عنهم، وعندما يصل إليهم، ويتمكن من التخلص منهم، سينتهي كل شيء حينها بسوريا، بل إن ذلك المسؤول يتوقع أن يتمكن النظام الأسدي من إنهاء كل شيء بحلول شهر فبراير (شباط)!

وهذا ليس كل شيء بالطبع، فإن ذلك المسؤول بالجامعة يشكك في جدية المعارضة السورية، ويتساءل عن مصادر تمويلها، حيث يقول إن عند المعارضة «أموالا كثيرة.. ونفسي أعرف منين؟»! كما أن بعضا ممن بالجامعة يروجون إلى أن هناك دولة خليجية زودت النظام الأسدي بأجهزة كشف لجوالات «الثريا». ومعلوماتي المستقاة من مصدر مطلع، ومعني مباشرة بذلك الملف، أن هذا الكلام يروجه نظام الأسد نفسه، وهناك من يتبناه عربيا، حيث إن المعلومات الاستخبارية، بحسب المصدر الرفيع، تقول إن الإيرانيين هم من يزودون النظام الأسدي بتلك الأجهزة، وخصوصا أن السلطات الإيرانية قامت بفعل ذلك أيام اندلاع الثورة الخضراء بإيران، وتمكنت وقتها من سحق تلك الثورة، ومن خلال استخدام تلك التقنية.

والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن هناك معلومات مذهلة تقول إن أسباب تأخر وصول المراقبين الخليجيين، وعدم التحاقهم بباقي المراقبين العرب، هي رفض النظام الأسدي تسهيل دخول المراقبين القطريين مما جعل دول الخليج جميعا تمتنع عن إرسال مراقبيها تضامنا مع الوفد القطري، مما أحرج الجامعة العربية نفسها، وذلك ما حرك الأوضاع، وقام النظام الأسدي بالسماح للمراقبين القطريين بالدخول، وبالتالي تجاوبت باقي دول الخليج!

والأدهى، وبحسب مصادر وثيقة الصلة، أن النظام الأسدي لم يوافق أصلا على التوقيع على بروتوكول إرسال وفد المراقبين العرب لسوريا إلا عندما سربت له الجامعة العربية، ومن خلال أحد مسؤوليها، أن رئيس وفد المراقبين العرب سيكون الفريق السوداني الدابي، وهذا ما جعل النظام الأسدي يشعر بالارتياح، ووافق على أثر ذلك، وقام بالتوقيع على البروتوكول العربي لإرسال وفد المراقبين العرب!

وجميع ما سبق من معلومات يثير القلق حقيقة من طريقة، ونيات، الجامعة العربية تجاه الثورة السورية، فإما أن هناك ربكة، وتخبطا، وإما أن هناك نيات غير سليمة من أجل الحفاظ على النظام الأسدي رغم كل ما يفعله من جرائم، ولذا لا يملك المرء إلا القول: ما رأي الجامعة بهذه المعلومات، وخصوصا أن جميع التصريحات الصادرة من الجامعة تحاول إيهام العرب والسوريين بأن الجامعة حريصة على السوريين العزل، لكن ذلك ليس ما يحدث على الأرض، وليس ما يقوله بعض كبار المسؤولين العرب؟

فما الذي يحدث فعلا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شيخ الثورة السورية أبو الطيب الأتاسي … وداعاً

المركز الإعلامي لدعم ثوار حمص

7/1/2012

تلك اللحية البيضاء التي تنير دروب الإنشاءات منذ أول يوم سطعت فيها شمس المظاهرات, وتلك القامة الضئيلة التي تجعلك ضئيلاً أمامها, وتلك العينان الخاشعتان اللتان تشعرانك بعظمة الإيمان بالله عزّ و جلّ. منذ اليوم الأول وهو في المقدمة بعباءته البنية التي تدفئ قلوب كل شباب الإنشاءات، يتسابق هو وعصاه أيهما يقود المظاهرة أولاً. منذ اليوم الأول يتحدى الخوف والجبن ويخطف المنبر ويقول علناً وبعد كل صلاة جمعة: على كل من في المسجد أن يخرج بالمظاهرة اليوم…

منذ اليوم الأول يصر شيخ الثورة أن يبقى في منزله، في حارته، لصيق مسجده الحبيب، يرمي الجنسية الأمريكية التي تمكنه من المغادرة متى شاء خارج الوطن، يصر على المواجهة بعصاه المسلحة بالإيمان، بتكبيراته المدمرة، بصلاوته الخمس في مسجده الحبيب (مسجد قباء)، يصر على الشهادة, أجل يا حمص كل أجيالك اليوم شهداء، بدءاً من هاجر الخطيب مروراً بهادي الجندي ختاما بأبي الطيب.

اليوم ومنذ الصباح الباكر وبابا عمرو تقصف، ويغضب أبو الطيب لأجل إخوانه، يلبس عباءته ويحمل عصاه ويهرول نحو مسجده الحبيب (مسجد قباء)، يفتح الإذاعة ويكبر ويكبر ويكبر ويكبر، يقصف جنود الأسد بتكبيراته المزلزلة، ويطلب من كل الأطباء والممرضين التوجه إلى مشفى الحكمة لمعالجة الجرحى، يخرج شيخ الثورة من مسجده المحاصر كالأقصى بعشرات من القناصين، يسير بضع خطوات وتستقر رصاصة في صدره، يتهاوى جسده، تهتز حمص، يحمل إلى منزل مجاور رغم أن المشفى يبعد عشرين متراً - ولكن يأبى جنود الدكتور أن يعالج من يجرحون – يتشهد أبو الطيب، يستشهد أبو الطيب، ينضم أبو الطيب إلى رأس قافلة شهداء الثورة السورية.

أربعة أيام وأنا لا أنام إلا ساعتين، وأنا مدرك أن مصيبة ستنزل في حارتي. وقبل عشر دقائق من استشهاده أتصل بصديقي (مشروع الشهيد) أساله إن كان أحد قد استشهد في الحارة، يجيني بلا المطمئنة. وأنا ذاهب الآن إلى المسجد, يخرج، عشر دقائق يتصل بي وصوته يبكي، يقول لي كنت عند باب المسجد و رأيت أبا الطيب يسقط قتيلا أمامي!!

سامحني أبو الطيب لأنني لم أكن معك في لحظاتك الأخيرة، سامحيني حمص لأني رحلت عنك، سامحني يا رب لأني خرجت من هذه المدينة الطاهرة حياً أرزق.

أبو الطيب، قتلت في أول مسجد بني في الإسلام كما قتل أول خليفة في الإسلام و بنفس يد الغدر الفارسية.

اليوم يا أبا الطيب تحتضن حمص جسدك الحبيب، تخالط أنفاسك الطاهرة هواءها الحر، تسيل دماؤك الزكية على أرضها المحررة.

اليوم يا أبا الطيب أودعك كما ودعت هادي رامي وحكم وجمال وخالد، أودعك ولا زلت أتحسس مكان يدك الدافئة تربت على كتفي وأنت تقول الله يحميك، واليوم أقول لك اسأل لنا الله أن يحمي حمص وأهلها من بطش الأسد وشبيحته.

اليوم يا أبا الطيب ينحني أمامك هاشم بيك الأتاسي ولؤي الأتاسي ونور الدين الأتاسي وكل آل الأتاسي وكل رجال حمص وحرائرها.

اليوم يا أبا الطيب تلقى رسول الله وتخبره أن أهل مدينة حمص يتسابقون إلى الجنة، أننا أبطال، أننا بتهمة التكبير نقتل في بلاد الشام، أننا اليوم نعيد فتحها من جديد، أننا اليوم نطهرها من جديد.

وغداً يا أبا الطيب، حمص حرة، وسورية حرة، وقبرك محفوظ في أرض حمص العدية ككل قبور الصحابة والأولياء والأبطال الذين دفنوا في هذه العدية، وفي النهاية وكما العادة:

ودع بشارا إن النظام مرتحل وهل تطيق صبرا أيها الشعب

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الدجل العربي في سوريا إلى متى؟!  .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

لا شك أن عجز الجامعة العربية وفشلها الذريع في وقف إراقة دماء السوريين طوال كل هذه الأشهر يثير حيرة وشكوك الكثيرين، بل يفجر غضبهم الشديد إذا ما قورن موقفها المتباطئ من الثورة السورية بموقفها الناجز السريع من الثورة الليبية، خاصة وأننا نرى التخاذل والتباطؤ الرسمي العربي يتخذ أشكالا عدة ربما تصل إلى درجة التواطؤ، وإلا فليفسر لنا جهابذة الجامعة العربية سر منح بشار ونظامه القمعي المستبد المهلة تلو الأخرى رغم أن العالم أجمع يشاهد إصراره وإصرار نظامه الفاسد على التعامل بوحشية مفرطة مع المتظاهرين السلميين، وقتله لعشرات المحتجين العزل يوميًّا!!

وقد أقرت الجامعة العربية مؤخرًا بوجود قصور كبير في إمكانيات بعثة المراقبين العرب في سوريا، واعترفت بحاجة هؤلاء المراقبين إلى مزيد من التدريب على القيام بمهام عملهم، لكن الغريب أنها أكدت أن سحب المراقبين من سوريا ليس مطروحًا الآن!! بل شددت على أنهم سيواصلون عملهم وفقًا للبروتوكولات المتفق عليها مع الحكومة السورية، وذلك على الرغم من أن الشعب السوري على الأرض قد أكد مرارًا أن نظام الأسد لا ينفذ هذه الاتفاقات، وأنه يواصل قمع المظاهرات السلمية بكل شراسة، مما يؤكد أن مهمة المراقبين غير فعالة، وأنها لن تسفر إلا عن منح بشار ونظامه المزيد من الوقت لمواصلة قمع السوريين وقتل الثوار، وهذا هو ما تؤكده كذلك الأنباء الواردة من الصعيد الميداني حيث ما تزال قوات أمن نظام البعث وشبيحته يقتلون يوميا وبكل وحشية عشرات الشهداء في مختلف المدن السورية كحمص وإدلب وحماة ودير الزور ودرعا وغيرها! الأمر الذي دفع قائد "الجيش السوري الحر" العقيد (رياض الأسعد) لدعوة الجامعة العربية إلى إعلان فشلها في سوريا، وإحالة الملف السوري إلى الأمم المتحدة.

ومظاهر التشكيك في قدرة بعثة المراقبين العرب على إنجاز مهمتها لا تقتصر على المعارضة السورية أو النشطاء السوريين وحسب، وإنما تمتد عربيًّا ودوليًّا لتشمل الكثيرين من النخب السياسية فقد أعرب (البرلمان العربي) عن قلقه البالغ تجاه ما يجري من مذابح يومية في سوريا، ودعا إلى سحب المراقبين العرب منها فورًا، وأكد وزير الخارجية الفرنسي (آلان جوبيه) أن بعثة مراقبي الجامعة العربية ليست قادرة على أداء عملها بشكل صحيح، وطالبت واشنطن المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد بشار الأسد ونظامه.

وعلى المستوى الإنساني وبعيدًا عن التصريحات السياسية فلا شك أن أجواء قاتمة من الإحباط والتشاؤم تخيم على السوريين، وتنتابهم جميعًا مشاعر الألم ومرارة الإحساس بخيبة الأمل نتيجةً لخذلان الأشقاء العرب لهم، وتجاهل العالم كله لمحنتهم ومأساتهم المروعة ودمائهم التي تسفك وأرواحهم التي تزهق يوميًّا على مدى عشرة أشهر كاملة!!

وأكثر ما يثير غيظ السوريين، ويبعث دهشة واستغراب كل من يتابع أخبار الثورة السورية عبر جميع وسائل الإعلام العالمية أن التقرير الأوَّلي الذي قدمه المراقبون العرب يساوي بين الجلاد والضحية، حيث يساوي بين الجرائم البشعة والمجازر الوحشية التي يرتكبها زبانية النظام السوري بحق المدنيين العزل الأبرياء وبين محاولات بعض الشباب السوري الدفاع عن أنفسهم ونسائهم وأطفالهم، وإنقاذ أرواحهم من الموت!! (علمًا بأن أغلب أو كل هؤلاء الشباب هم من الجنود المنشقين عن الجيش الذين رفضوا قتل أبناء شعبهم، وامتنعوا عن إطلاق النار على المتظاهرين العزل الأبرياء، وهربوا من وحداتهم العسكرية نجاة بأرواحهم من القتل).

والأغرب أن وزراء الخارجية العرب رغم اعترافهم بقصور بعثة مراقبيهم في سوريا، وقلة خبرتها، ونقص إمكانياتها التقنية، ورغم اعترافهم بتعويق النظام السوري لها وإعاقتها عن ممارسة عملها رغم كل ذلك إلا أنهم أصروا على كرمهم الحاتمي في التعامل مع سفاحي حزب البعث السوري، ومنحوا بشار ونظامه أربعين يومًا إضافية أخرى ليقتل المزيد والمزيد من السوريين حتى موعد اجتماعهم القادم يوم الأحد 19فبراير (شباط) لمناقشة التقرير المفصل لبعثة المراقبين، وإذا استمر معدل القتل في سوريا على الوتيرة الحالية بمتوسط خمسين شهيدًا يوميا، فبحسبة بسيطة يكون أمام بشار فرصة كبيرة لإنجاز مهمته وقتل ألفي سوري آخر؛ وبذا ترتفع رسميا حصيلة الشهداء الموثقين إلى نحو عشرة آلاف شهيد!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!!

إن أكثر ما يثير الأسى والحزن في قلب كل عربي أن الأنظمة العربية بقادتها وسياسييها لا يريدون الاعتراف بأن العالم قد تغير، وأن العصر قد تغير بالفعل، وما زالوا يعاملون شعوبهم ومواطنيهم على أنهم قطيع من الحمقى والمغفلين، ولا زالت حياة الإنسان العربي بلا قيمة، فما تزال الدماء تراق، والأنفس تزهق، والأعراض والحرمات تنتهك، والنساء تغتصب بلا وازع من خلقٍ أو ضمير، وبلا خوف من أية محاسبة على هذه الجرائم، فالسفاحون مرتكبو هذه الجرائم في غاية الاطمئنان على مصيرهم ومستقبلهم ما دام هناك من يحميهم ويدافع عنهم ويتستر على إجرامهم، ويتذرع لهم بكافة الذرائع والحيل: باسم المقاومة والممانعة حينًا، وباسم القومية العربية حينًا آخر!!

وإن كانت كل هذه المناورات وكل هذا الدجل محبطًا للكثيرين على المستوى السياسي، إلا أننا على المستوى الإيماني نلمس ارتفاع الروح المعنوية بشكل ملفت لدى الشباب والثوار السوريين، ونلحظ بوضوح تام صدق عزيمتهم وقوة إرادتهم، وإصرارهم الحازم على نيل حريتهم وكرامتهم، وثباتهم الراسخ على مواقفهم، وتمسكهم القوي بجميع أهدافهم، ولعل ما يشد أزر أبناء الشعب السوري ويقوي عزيمتهم أن الله تعالى معهم لأنهم على الحق، فهم يدافعون عن أنفسهم وكرامتهم وحقهم في حياة حرة كريمة!!

وخير ما نقوله لهم ونذكرهم به قول الله تعالى: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ*" [آل عمران: 139،140] وقوله عز وجل: "إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [محمد:7] وقوله جل شأنه: "يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [الصف:8] وقوله سبحانه وتعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ*" [المجادلة:20،21].

* كاتب مصري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اجتماع واحد وبيانان ختاميان  .. عريب الرنتاوي

أطرف ما صاحب وأعقب الاجتماع الأخير للجنة الوزراية العربية الخاصة بسوريا، أنه خرج "ببيانين ختاميين"....الأول وزّع على الصحفيين، وفيه حديث عن تعاون سوري كامل، وعن عنف النظام و"الجماعات المسلحة"، ويضج بعبارات الثناء والتأييد والتمديد لمهمة المراقبين العرب، فيما حفل البيان الثاني، الذي وضع على موقع الجامعة الالكتروني، بمطالبات للنظام حصراً بوقف القتل والعنف، وتأييد مشروط لبعثة المراقبين، وإشارة موجهة إلى تعاون جزئي أبداه النظام مع مهمة البعثة العربية.

والحقيقة أن المسافة الزمنية القصيرة بين "البيانين" كانت كافة لبعض وزراء العرب، ومن موقعهم النافذ في هيئة أركان الثورة السورية (؟!)، لأن يضيفوا ويحذفوا ويعدّلوا ما شاء لهم من عبارات ومواقف...وبالحدود التي سمح لهم بها، غياب الدور والفاعل للمراكز العربية الكبرى مؤسسة الجامعة، ونجاح دول عربية صغيرة في ملء فراغها، خدمة لمصالح وحسابات نعرف أولها ولكن أحداً لا يعرف آخرها، مع أنهم كانوا والحق يقال، يريدون اغتيال مهمة المراقبين في مهدها، وإطلاق الرصاص الحي والمطاطي على مبادرة الجامعة العربية، وتحويل الملف بأسره إلى مجلس الأمن.

اللجنة استمعت لتقرير من كبير المراقبين العرب، قيل في وصفه بأن تميز بالدقة والموضوعية والحياد، وأنه تضمن صوراً وشهادات وخرائط وتسجيلات...فنياً، لاحظ التقرير أن النظام قدّم الكثير من التسهيلات (وليس كلها) لمهمة المراقبين، لكنها تسهيلات كافية لتمكين البعثة من مواصلة مهمتها، وقد أوصى التقرير بتعزيز البعثة ودعمها مالياً ولوجستياً وبشرياً، ومنحها الوقت الكافي لاستكمال عملها....التقرير تحدث عن مضايقات مارسها النظام وأعوانه على أعضاء الفريق العربي للمراقبة، لكنه في المقابل أشار إلى مضايقات مماثلة مارستها المعارضة وأنصارها، بدافع إقناع المراقبين بصدقية روايتها، تماماً مثلما كان النظام وأعوانه، يدفعون باتجاه تمرير الرواية الرسمية، واحتجاز مساحة مناسبة لها في تقرير الدابي، وهذا أمر مفهوم في حالات النزاع من هذا النوع على أية حال.

أما لجهة مضمون المهمة، فقد سجّل التقرير أن النظام لم يف بعد بالتزاماته، فالقتل ما زال مستمراً، على أنه ليس قتلاً من جانب واحد، هناك جماعات مسلحة تمارس القتل أيضاً، وهذا ما نعرفه جميعاً باستثناء وزير أو وزيرين عربيين وبعض أصحاب الرؤوس الحامية في المعارضة السورية، التي تستعجل دبابات الأطلسي وطائراته...التقرير قال أن النظام سحب بعض المظاهر وابقى بعضها الآخر...التقرير أشار إلى إطلاق سراح معتقلين، لم يقل أنهم جميع المعتقلين، ولم يقل أنهم معتقلين سياسيين بالضرورة، بل ألمح إلى احتمال أن يكونوا، جميعهم أو جُلّهم، من المعتقلين الجنائيين.

في المقابل، أعادت اللجنة الوزارية العربية التذكير بجوهر مبادرتها، حل سياسي للأزمة السورية، ينشأ عن "وحدة المعارضات السورية" وتقدمها بمرئياتها لحل الأزمة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، تقود المرحلة الانتقالية في سوريا...ومن هذا المنطلق، جرى تجديد التكليف للأمين العام بالاتصال بمختلف أفرقاء المعارضة، ودعوتهم للمشاركة في "مؤتمر وطني سوري"، تنبثق عنه هيئة ممثلة لمعارضتي الداخل والخارج، تتولى النطق باسمهما، ورسم معالم خريطة طرق للخروج بسوريا من أزمتها الراهنة، وهي المهمة التي تعذر إنجازها من قبل، وليس في الأفق، ما يشي بإمكانية تحقيقها من بعد، أقله في المدى المرئي.

لكن بعض الوزراء العرب، (الأعضاء في هيئة أركان الثورة السورية)، لا يفضلون تكرار أحاديث من هذا النوع، بل يطالبون القيادة السورية باتخاذ "قرار تاريخي"، من دون أن يفصحوا عن ماهية هذا القرار، ربما كانوا يفكرون بطلب خطي موقع من الأسد، باللجوء إلى الدوحة أو جدة، متجاهلين أن القرار التاريخي المطلوب من القيادة السورية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو الالتزام التام ببنود المبادرة العربية، بدءا بوقف القتل وسحب الجيش وإزالة المظاهر المسلحة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتشكيل حكومة انتقالية، تشرف على إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية، تصوغ دستوراً جديداً للبلاد، تُجرى بموجبه انتخابات برلمانية ورئاسية تعددية، تخرج البلاد من محنتها الراهنة والإقليم بمجمله من قلقه الشديد.

والحقيقة أن هذه المواقف، تعكس مواقف مروحة واسعة من المعارضين السوريين، خصوصاً في الداخل، وربما مواقف بعض الأطراف الإقليمية والدولية، لكن ثمة تيارات في المعارضة، مدفوعة بمواقف خليجية وإقليمية ودولية أخرى، تبدي استعجالاً غير مفهوم في استدراج الحسم، ظناً منها أن هذا السيناريو هو الأفضل لسوريا، أو الأقل كلفة، لكن ما تدركه هذه الأطراف، أن هذا السيناريو قد لا تكون نتيجته تغيير شكل النظام بل تغيير صورة سوريا وخرائطها، وأن كلفته الباهظة، ستجعلنا نترحم مرات عديدة، على كلفة شهداء الأشهر العشرة الأولى للثورة السورية....تماماً مثلما كان عليه الحال في العراق، حيث لم تبلغ كلفة إسقاط النظام هناك، سوى بضعة آلاف من الشهداء والقتلي، في حين قفزت أرقام الضحايا بعد سقوطه، إلى مئات ألوف المدنيين الأبرياء، ومن مختلف الطوائف والمكونات، فهل ثمة من هو على استعداد لأخذ العظة والحكمة والمصلحة بنظر الاعتبار؟!

أخطر ما يمكن أن يترتب على تقرير بعثة المراقبين، هو إشاعة الإطمئنان في أوساط النظام القائم في دمشق...وتسرب الاعتقاد في أوساطه، بأن أنصاف الحلول وأرباعها، يمكن أن تغني عن التوجه للحل السياسي الشامل، بديلاً عن "الخيار الأمني الدامي"...مفاتيح الحل ما زالت في جيب النظام، والمسؤولية الأولى والأخيرة ستظل ملقاة على عاتقه بحكم ولايته العامة على شؤون البلاد والعباد، والذهاب إلى إنفاذ المبادرة العربية بكل تفاصيلها، هو الأمل الوحيد لتجنب السيناريوهات الأسوأ التي تنتظر سوريا.

لقد أسقط النظام عن سبق الترصد والإصرار، فرص "الحل الوطني" للأزمة السورية، وهو لم يقبل ب"الحل العربي" إلا مكرها ومرغماً، وعليه الآن أن يدرك أن إسقاط الحل العربي، هو الطريق الأقصر للتدويل و"الأطلسة"، إن لم يكن الآن، ففي قادمات الأيام...وأن الالتزام بتنفيذ كامل بنود المبادرة العربية، ومن دون مماطلة أو مراوغة، هو أقصر الطرق لتبريد الرؤوس الحامية، وقطع الطريق على "وزراء التدويل والأطلسة العرب"...وأنه أولاً وأخيراً، المسؤول والملوم عن مصائر سوريا وألوف الضحايا البرئية التي تتساقط من دون حساب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجامعة العربية والأزمة السورية .. علي الغفلي

الخليج

10-1-2012

دفعت عوامل عدة وجيهة ومترابطة إلى اتخاذ جامعة الدول العربية قرار إرسال بعثة المراقبين العرب إلى سوريا . تتمثل أهم هذه العوامل في فداحة الخسائر البشرية التي يحصدها العنف الذي يمارسه النظام ضد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإسقاطه، وشعور الدول العربية بضرورة التدخل من أجل المساعدة لإنهاء الأزمة السياسية المكلفة التي تعصف بالقطر السوري، وكذلك محاولة العرب تفادي القفز إلى تدويل المسألة السورية بشكل قد يضع الأمور في نطاقات الغموض السياسي الاستراتيجي التي لا تصب في مصلحة كل من الشعب السوري والنظام الإقليمي العربي .

ينبغي أن نضع التدخل الذي تمارسه جامعة الدول العربية تجاه أزمة النظام السياسي السوري في إطاره الواقعي . يجسد هذا التدخل نشاطاً دبلوماسياً في المقام الأول، إذ إنه قد بدأ من خلال تصور تحرك سلمي تبلور دبلوماسياً في أروقة الجامعة أولاً، ثم تطلب تحركاً دبلوماسياً آخر مارسته الجامعة تجاه دمشق ثانياً، وهي مهمة مزدوجة ليست بالسهولة التي يتصورها البعض، خاصة في ضوء ضعف سجل عمل الجامعة العربية بشكل عام، وصعوبة التعامل مع صلف وعنف النظام الحاكم في دمشق بشكل خاص .

إضافة إلى ذلك، فإن التحرك الدبلوماسي الذي تقوم به الجامعة يعد جهداً إقليمياً عربياً في هذه المرحلة، ولكنه ليس منقطعاً عن التحرك الدبلوماسي الدولي تجاه المسألة السورية، وذلك وفق اعتبارين مهمين، الأول هو أن ثمة عقوبات اقتصادية قد اتخذتها الدول الغربية ضد دمشق مؤخراً لإجبارها على الرضوخ لمطالب الشعب، والثاني هو أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ينتظر مخرجات تحرك الجامعة كي يبني عليها تحركاً دبلوماسياً لاحقاً ضمن إطار المنظومة العالمية .

يمكن تصور أن التعامل العربي مع الأزمة السورية قد استفاد من الخبرة التي توفرت لديه من خلال الحالتين الليبية واليمنية على مدى العام المنصرم، إذ وضحت الحالة الأولى ضخامة الثمن الأمني الذي يتعين على الشعب مكابدته لفترة قد تمتد شهوراً عديدة في حال قرر المجتمع الدولي استخدام القوة العسكرية من أجل هزيمة وإزاحة النظام الحاكم، في حين وضحت الحالة الثانية جدوى المثابرة في استخدام الضغط الدبلوماسي كأداة للقوة الناعمة في ترويض عنف النظام، وربما إقناعه بالانسحاب وترك السلطة بأقل قدر من الخسائر بالنسبة لكل من الدولة والشعب .

أكثر من ذلك، كان المجتمع الدولي متحمساً بشكل معقول للتدخل عسكرياً في المسألة الليبية، ولكنه لا يزال متردداً كثيراً بشأن القيام بتدخل مماثل في الحالة السورية، وفق أسباب حقيقية لا يمكن إنكار الأسس الواقعية التي تستند إليها . وعلى الرغم من أن نظام الحكم في اليمن قد استخدم أقصى درجات المماطلة والمناورة من أجل التهرب من مطلب التوقيع على المبادرة الخليجية، إلا أن واقع الأمر هو أنه قبل التوقيع عليها في نهاية المطاف، والأمر ذاته قد ينطبق على إمكان أن تنتهي جولات المماطلة والتنصل التي يمارسها نظام الأسد في صورة الرضوخ لأدوات نفوذ الضغط الدبلوماسي التي توظفها جامعة الدول العربية من أجل إدارة الأزمة الخانقة في سوريا .

على الرغم من الشكوك التي تحيط بالفرص المتاحة أمام نجاح تدخل الجامعة العربية في المسألة السورية، فإن مجرد امتلاك هذه المؤسسة الرغبة في القيام بجهد ما في إيقاف المذابح البشرية التي توقع عشرات السوريين بشكل يومي، مع مراعاة الجامعة عدم التسرع بإلقاء مصير أمن المنطقة بأسرها في متاهات المجهول في حالة التدويل غير المنضبط للأزمة السورية، يعتبر من دون شك موقفاً مقدراً للكيفية التي تتعامل من خلالها الجامعة مع التغيير السياسي الذي تشهده الدولة السورية .

ولذلك، فإنه مع قبول حقيقة أن دخول وفد المراقبين العرب لم يسهم حتى الآن في وقف العنف الدموي في المدن السورية، فإن الوجه المقابل للأمر يشير إلى أن التسرع بتدويل المسألة السورية لا يضمن بدوره إيقاف هذا العنف، بل يشي أن يتسبب التدخل العسكري الدولي في زيادة سقوط الخسائر البشرية في حال شهدت سوريا حرباً مماثلة لتلك التي شهدتها ليبيا . إضافة إلى ذلك، إن التخوف القائل إن الأمر قد يستغرق فترات زمنية ممتدة أمام ضغط التدخل الدبلوماسي قبل أن يثمر أية نتائج ملموسة في خصوص إيقاف العنف الدموي وإزالة النظام الحاكم في سوريا هو تخوف مشروع، ولكن يمكن الرد عليه بالتذكير أن أنشطة التدخل العسكري الدولي في ليبيا كانت قد استمرت فترة طويلة من مجهودات الحربين الأهلية والدولية، امتدت شهور عدة وتضمنت قدراً كبيراً من التكاليف البشرية والسياسية العميقة التي يتوجب على الحكومة الليبية الجديدة العمل على مواجهة تأثيراتها السلبية .

نقدر الأسباب التي تدفع بالشرفاء في سوريا إلى التذمر من أداء بعثة المراقبين العرب في بلادهم، ونفهم إطلاق البعض الحكم بفشل مهمة المراقبين، ونعي دعوة “الجيش السوري الحر” الجامعة العربية إلى سحب مراقبيها .

ولكن في المقابل نود أن نذكر أن التحرك الدبلوماسي العربي يتطلب جهداً ممتداً لا يمكن تحديده على الإطلاق بفترة أسابيع معدودة . تشكل الإرادة العربية التي أدت إلى اتخاذ قرار التدخل في الأزمة السورية وإرسال المراقبين العرب تطوراً مهماً، ينبغي أن تتحلى بروح الصبر والمثابرة للاستمرار في التحرك الدبلوماسي لتحقيق هدف إنقاذ الشعب السوري، وينبغي عليها أن تشرع في استخدام أدوات دبلوماسية أخرى في حال ثبت فشل أداة بعثة المراقبين .

إن الأزمة السورية حرجة للغاية، ويتطلب حسن التعامل معها عدم التسرع بالحكم على مدى نجاح مهمة المراقبين العرب، وعدم المسارعة بسحب بعثة المراقبين في حال انخفضت تقديرات أدائها، وأيضاً عدم التخلي عن مسار التدخل الدبلوماسي العربي في الأزمة السورية قبل أن يستنفد هذا المسار أدواته الممكنة كافة .

-*-*-*-*-*-*-*-*=

تلاعب النظام السوري بالعرب وفزاعة التدويل  .. خالد الحروب – كامبردج

الدستور

10-1-2012

معدل القتل اليومي الذي يقوم به النظام السوري منذ دخول بعثة المراقبين العرب إلى هناك لم يقل عن 30 قتيلا في اليوم الواحد. البروتوكول الذي بناءً عليه ذهب المراقبون العرب الى سوريا تحول إلى سيف جديد على رقاب السوريين, يستخدمه النظام نفسه ويتمتع ب “الشرعية” التي يضفيها على قمعه وجرائمه اليومية. بروتوكول بعثة المراقبين العرب طالب الحكومة السورية بسحب كل المظاهر العسكرية, الدبابات والجيش وغير ذلك, والوقف الفوري للقتل من قبل اجهزة الامن والشبيحة فور توقيع النظام عليه. الذي حصل حتى الآن ان النظام يقتل والمراقبون العرب يدونون الملاحظات. البروتوكول العتيد طلب من النظام الافراج الفوري عن عشرات الاف المعتقلين الذين لا احد يعلم ظروفهم حبسهم البائسة ولا طرائق التعذيب التي يواجهونها الآن, واوكل بالمراقبين التأكد من تطبيق ذلك. الذي حصل حتى الآن ان النظام يتلاعب بذلك, يطلق عدة مئات اليوم, ويعتقل اكثر منهم غدا. البروتوكول العتيد طلب من النظام فتح البلاد امام الاعلام لنقل صورة عن ما يحدث من جرائم. الذي حصل حتى الآن ان النظام يقتل يوميا وبمعدلات اعلى من تلك التي كانت قبل دخول المراقبين العرب وغير مسموح لأي اعلام غير تابع للنظام ان يغطي اي شيء.

قبل هذا البروتوكول كان النظام قد ركل بتعجرف المبادرة العربية التي تبنتها الجامعة العربية في شهر ايول/سبتمبر وكانت الامل الوحيد في قطع الطريق على تدويل الازمة والتدخل الخارجي. طالبت المبادرة الرئيس بإصدار تعهد واضح بإتخاذ خطوات اصلاحية محددة لتحويل سوريا إلى تعددية سياسية, بما في ذلك الالتزام بتنظيم انتخابات رئاسية عام 2014. لكن الذي حصل حتى أن ذلك الكلام لم تكن له علاقة بما يحدث على الارض, وكأنه قادم من كوكب آخر, حيث تأسس على فرضيات ساذجة من ان النظام يريد ولو الحد الادنى من الاصلاح. من يتوقع التزام النظام بأي إصلاح حقيقي مهما كان جزئيا فهو يتساذج على نفسه قبل ان يفعل ذلك على الآخرين.

نفس المبادرة طالبت آنذاك بفصل الجيش عن الحياة المدنية. لكن ما رآه ويراه العالم كله حتى الآن ان الجيش هو الذي يحكم ويقمع ويدير آلة القتل وهو أداة طيعة بيد النظام السياسي يوجهها الى شعبه. طالبت المبادرة ايضا النظام بفتح حوار فوري مع المعارضة, والنظام اراد من تلك المعارضة ان تأتي إلى بيت الطاعة ويجري حوار امنيا معها في دمشق. ثم طالبت المباردرة حزب البعث الحاكم بعقد مؤتمر قطري على الفور يعلن فيه قبول الحزب التعددية الحزبية والسياسية في سوريا والاحتكام الى صناديق الاقتراع. لم يحدث هذا ايضا. لو كان عند النظام القائم في دمشق ادنى احساس بالمسؤولية الوطنية, وادنى درجات الحرص على سوريا من الانزلاق في مسارات الحرب الاهلية, وربما الطائفية, والتدخل الخارجي, والسيناريوهات المظلمة لتبنى تلك المبادرة. لكن لا المبادرة ولا البروتوكول اللاحق لها في وارد التطبيق او النظر فيهما بجدية من قبل النظام.

وهكذا نعود إلى المربع الاول, حيث ان أي متابع للمشهد السوري وثورة الكرامة العظيمة التي تُرك فيها الشعب السوري اعزلا في مواجهة نظام باطش مستعد لسحق الناس يوميا مقابل البقاء في الحكم يعلم ان سياسة حكام دمشق هي تقطيع الوقت, والتلاعب, والتسويف, واعطاء مواقف رمادية, والتملص من اي التزام حقيقي. حان الوقت لأن تتوقف الجامعة العربية عن القبول بالسير في لعبة النظام على حساب دم الشعب السوري, ومن العاجل جدا ان تُعلن فشل مهمة مراقبيها في سوريا الذين تحولوا الى شهود زور على القتل اليومي للسوريين.

وحان الوقت لأن يُرفع الملف برمته للامم المتحدة ويُصار إلى البحث حول صيغة للتدخل الاممي لحماية الشعب السوري رغم كل الفزاعات السخيفة التي تُستخدم ضد هذا الحل الاخير والوحيد امام صلف النظام. من لديه حل سحري يستطيع ان يوقف به المجزرة اليومية التي يتعرض لها السوريون فليقدمه لديهم. يتفادى السوريون في الداخل والخارج هذا الحل الجراحي لما له من سمعة سيئة في المنطقة, وما يحمله من اجندات معروفة. لكن النظام هو وحده المسؤول عن دفع الامور نحو التدخل الخارجي لأنه يغلق كل حل آخر. الحل العربي الذي تمثل في المبادرة العربية كان البوابة الاخيرة لتفادي سيناريو التدويل, لكن النظام اغلقتها بإحكام.

ما يجب ان تسمعه الجامعة العربية وسمعه مراقبوها في المدن السورية في الايام الاخيرة هو ان التدخل الخارجي صار مطلبا من مطالب الثورة: “التدويل مطلبنا”, كما حملت شعارات الجمعة الاخيرة. عندما يُحشر الشعب في الداخل من قبل كل اجهزة قمع النظام في الزواية الاخيرة, ويُدفع دفعا لرفع مطلب الحماية الدولية فإن ذلك يعني ان هناك خيارين يواجهان الناس: الموت او الحماية الدولية. لا يحق لأحد بما فيهم قيادات المعارضة السورية, الحقيقي منها او الصوري, ان يتجاهل مطالب الناس لحماية ابنائهم وبناتهم. الشعارات الطنانة في الخارج ضد الامبريالية والغرب والتدخل الخارجي لا توقف قطرة دم واحدة من الدماء التي تسيل في الشوارع السورية يوميا. لو استمع الليبيون لتلك الشعارت الجوفاء لبقي القذافي وابناؤه حتى هذه اللحظة يريقون دماء الشعب ويلغون فيه. من دون الحماية الدولية والتدخل الخارجي لبقيت ليبيا مزرعة واقطاعية للدكتاتور الآفل وعائلته. الذين عارضوا التدخل الخارجي في ليبيا آنذاك لم يطرحوا حلا بديلا لليبيين الذين كانت تحصدهم آلة الموت القذافية. كانوا يريدونهم ان يواصلوا فتح صدورهم العارية للرصاص المجنون. الناصحون اولئك انفسهم مطلوب منهم الآ ان يقدموا للسوريين بديلا عن التدخل الخارجي والتدويل. النقد والشتائم المتواصلة لفكرة التدويل اقامة منطقة عازلة وحظر جوي وتحت حماية دولية لا يقدما حلولا للمطحونين. على اصحاب الشعارات ان يقدموا حلولهم العملية للسوريين الثائرين في الشوارع وعلى اهبة الموت, او ان يصمتوا.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

من أجل عيون بشار الأسد!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

10-1-2012

سمعنا أن “الرفاق” القوميين واليساريين قد شرعوا في فضَّ شراكتهم مع الإسلاميين (الإخوان المسلمين تحديدا)، وإنشاء تحالف جديد فيما بينهم يضم الأحزاب الخمسة التي كانت تشكل مع الإخوان لجنة تنسيق أحزاب المعارضة، وهي: البعث العربي (العراقي)، البعث التقدمي (السوري)، الوحدة الشعبية، الشيوعي الأردني وحشد، إلى جانب حزب الحركة القومية التي تتبنى نظرية القذافي (ما مصير بعد رحيل العقيد؟!).

بعيدا عن أي تبريرات معلنة، فإن جوهر الموقف الجديد إنما ينبع من الخلاف حول الملف السوري في ظل تأييد الإخوان لثورة الشعب مقابل تأييد الأطراف الأخرى للنظام، ولا قيمة لقول مسؤول (الوحدة الشعبية) إنهم يؤيدون الحراك السلمي، وقوله: إن الإخوان يؤيدون التدخل الأجنبي، لأنه ذلك محض التفاف على الحقيقة، إذ لا الإخوان يؤيدون التدخل الأجنبي، ولا القوم إياهم يؤيدون الاحتجاج السلمي، وإلا لما سكتوا عن قتل الآلاف قبل أن تطلق أي رصاصة على الجيش السوري، ولما وصفوا المحتجين بأنهم أصحاب أجندات خارجية تستهدف المقاومة والممانعة.

يمكن لأولئك القوم أن يقولوا أي شيء في سياق تبرير موقفهم حيال ما يجري في سوريا، لكن حديثهم عن الاحتجاج السلمي ودعم الديمقراطية والحرية لا يبدو مقنعا، لأن أحدا لم يمنع بشار الأسد من نشر الديمقراطية والحرية قبل أن يخرج الناس إلى الشوارع، بل بعد ذلك أيضا. وعموما يعرف الجميع أن حزبي حشد والوحدة الشعبية قد أخذا موقفيهما المشار إليه بسبب وجود نايف حواتمة (مرجعية حشد) في دمشق (دعك من كراهيته المزمنة للإسلاميين)، وتأثير جناح ماهر الطاهر في الجبهة الشعبية على موقف حزب الوحدة.

لقد فقدنا الأمل بتغيير القوم لرأيهم؛ على تباين في دوافع كل منهم بين الحزبية والأيديولوجية والطائفية، وبين خليط من ذلك كله، وما يعنينا هنا هو هذا التجمع الجديد الذي نشأ أو سينشأ بعيدا عن الإسلاميين.

الأرجح أن لسان حال الإخوان في التعبير عن هذه القضية سيردد بكل بساطة تلك المقولة الشعبية “رضينا بالهم، والهم ما رضي بينا”، إذ أن الجميع يعرف أن كل الأحزاب المشار إليها لا يمكنها تنظيم مسيرة ذات بال في أي مكان، أعني مسيرة يشارك فيها الآلاف في أي مناسبة، وزعماء الأحزاب المذكورة لم يحصلوا منذ ثلاثة عقود على فرصة الحديث للآلاف إلا في عهد تحالفهم مع الإخوان، بينما كان نصيب المحظوظ منهم يتمثل في الحديث إلى بضع عشرات في قاعة مغلقة.

هي الأيام جعلها رب العزة دولا بين الناس، وهذا الزمن ليس زمن أولئك، إذ أن أحدا، باستثناء قلة من الناس لم يعودوا مقتنعين بشعارات الماركسية، وحتى البعد العروبي لا ينطلق من إحساس عنصري، وإنما بمشترك بين دول يمكنها التعاون وصولا إلى الوحدة، وليس على قاعدة إعلاء عرقية على أخرى، لأن في الفضاء العربي أعراقا أخرى من الطبيعي أن ترفض الشعار القومي بطبعته التقليدية.

إنها الجماهير المؤمنة في زمن الصحوة الدينية، وحين يضطر “الرفاق” للانتظار بباب مسجد رئيس حتى خروج الناس من صلاة الجمعة من أجل تنظيم مظاهرة، فلأنهم يدركون أن الناس يتواجدون هنا، وحتى الذين لم يذهبوا إلى الصلاة بسبب التقصير لا يقفون في المربع الآخر من الناحية الفكرية، وحين يُدعون إلى التصويت لا يجد كثير منهم غير الانحياز للمشروع الإسلامي.

ما ينبغي أن يقال هنا هو أن خطوط التفاهم التي أنشأها الإسلاميون مع التيارات المشار إليها هي تعبير عن وعي متقدم وميل للم الشمل على أسس تخدم البلاد والعباد بعيدا عن حساسيات الأيديولوجيا. وفي مصر على سبيل المثال أنشأ الإخوان تحالفا انتخابيا مع عدد من القوى القومية واليسارية رغم هامشية حضورها، وفاز على قائمتهم (الحرية والعدالة) عدد من اليساريين والقوميين، ومنهم مسيحيون مثل أمين اسكندر.

اليوم، ومن أجل نظام دموي ورث الناس كما يرث أحدهم مزرعة عن أبيه، بل بطريقة أسوا (تذكرون مسرحية تغيير الدستور الهزلية من أجل الابن العزيز الذي لم يبلغ يومئذ العمر المطلوب)، من أجل نظام كهذا يذهب “الرفاق” في اتجاه آخر، ويصل بهم الحال حد الالتقاء مع أصوات يمينية ذات نفس إقليمي وطائفي، كما يتحالفون في النقابات مع جهات رسمية ضد الإسلاميين، وعموما هم أحرار فيما ذهبوا أو سيذهبون إليه. ونحن إذ نوقن أن أمرا كهذا لن يمسَّ الثورة السورية، ولن يطيل عمر نظام بشار الأسد، فهو قد يؤثر بهذا القدر أو ذاك على مسيرة الإصلاح هنا في الأردن.

هو مخاض بالغ الأهمية، وتاريخ يُكتب في هذه المنطقة، وسيعرف الذي يقفون إلى جانب الطغاة أمثال بشار الأسد أي منقلب ينقلبون، أما الإسلاميون فهم مجتهدون يبتغون وجه الله، ووجه الله لا يمكن أن يُبتغى من خلال دعم الطغاة، وإنما من خلال نصرة المستضعفين في كل مكان، بمن فيهم غير المسلمين.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

سورية بين السندان الروسي والمطرقة الأمريكية  .. د. صالح بكر الطيار

2012-01-09

القدس العربي

تتسارع وتيرة الأحداث في سورية وتجهد قوى اقليمية ودولية من اجل انهاء هذا الملف لصالح احداث تغيير في النظام اسوة بما حصل في مصر وتونس وليبيا وما سيحصل في اليمن، ولكن المفارقة ان روسيا تتعامل مع الملف السوري بشكل مخالف تماماً للطريقة التي تعاملت بها مع ملفات الربيع العربي لما لهذه الدولة من خصوصية وأبعاد اٍستراتيجية ترتبط بمصير المنطقة ككل، فالأمريكيون وأن يكونوا ليسوا وراء انطلاق ثورات الربيع العربي إلا انهم تمكنوا من اعادة استيعاب المتغيرات التي حصلت والتحكم بها وخاصة في ليبيا الغنية بثروتها النفطية والتي استأثرت الشركات الأمريكية بمعظم الإستثمارات فيها، وفي مصر الدولة الأكبر في العالم العربي، وفي تونس والمغرب اللتان تعتبران موطأ قدم هام للتأثير لاحقاً على مجريات الأحداث المرشح لها ان تبدأ عام 2012 في الجزائر الغنية جداً بمادة الغاز، والأمريكيون وأن لم يكونوا وراء الثورة التي حصلت في اليمن إلا انه استطاعوا استيعاب تفاعلاتها ليس لغناء هذا البلد الذي يفتقر لكل شيء بل لأنه تحول مؤخراً الى خندق متقدم لتنظيم 'القاعدة' الذي فقد وجوده الهام في باكستان وأفغانستان ومن ثم في العراق والذي بدأ يتجه الى تركيز قواعده في مناطق اليمن الجنوبي تحسباً للإنطلاق من هناك بإتجاه شبه الجزيرة العربية.

وهذا يعني ان امريكا قد احكمت السيطرة على شمال افريقيا وعلى اليمن، وبقي ان تحكم سيطرتها على المشرق العربي الذي تعتبر سورية مفتاحه الأساسي والتي إذا ما تم اسقاط النظام فيها فتكون واشنطن قد اصابت من وراء ذلك عدة اهداف:

1 - تكون قد ازالت نظاماً لم يقدم أي تسهيلات بشأن مستقبل السلام في المنطقة وفق الرؤية الأمريكية.

2 - تكون قد ازالت نظاماً داعماً لحزب الله وحركة حماس اللذين يعتبران تنظيمان ارهابيان من وجهة نظر امريكا ويشكلان خطراً على اسرائيل،

3 - تكون واشنطن قد افقدت ايران حليفاً استراتيجياً في المنطقة تعتمد عليه لمد نفوذها بإتجاه فلسطين ولبنان.

4 - تكون واشنطن قد ساعدت في ايصال نظام في سورية شبيه بالأنظمة التي يتم تركيبها في ليبيا وتونس ومصر والمغرب واليمن، والجزائر مستقبلاً.

وإذا ما نجح هذا المشروع الأمريكي تكون واشنطن قد سيطرت بالكامل على المنطقة وثرواتها اقتصادياً وسياسياً وأستراتيجياً، وتصبح روسيا في عداد المتفرجين من وراء الكواليس، وحتى دول الأتحاد الأوروبي ستكون جالسة في الصف الثاني وليس الى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، من هنا استفاق 'الدب الروسي' من غفوته وعاد ليفرض نفسه على الساحة الشرق اوسطية متوخياً تحقيق التالي:

1 - اعتبرت روسيا نفسها انها تكبدت خسائر فادحة فيما جرى في ليبيا وتونس ومصر واليمن حيث خرجت دون تحقيق اي مكاسب سياسية او إقتصادية،

2 - باتت روسيا مهددة بشكل مباشر بعد ان نصبت امريكا درعها الصاروخي في تركيا،

3 - تمتلك روسيا قاعدة بحرية استراتيجية على الشواطىء السورية تتيح لها التواجد في مياه البحر المتوسط.

4 - حماية موسكو للنظام السوري يوفر لها حضوراً هاماً في ملف الشرق الأوسط وفي كل التسويات التي يمكن ان تجري بهذا الصدد،

5 - بقاء القاعدة العسكرية البحرية الروسية على شواطىء سورية يجعل الأتراك يفكرون مليون مرة قبل ان يسمحوا للأمريكيين بإستخدام الدرع الصاروخي المنصوب في تركيا.

6 - لبنان وسورية من الدول الواعدة نفطياً نظراً لما كشفت عنه التنقيبات الأولية في البحر الأبيض المتوسط.

7 - حماية النظام السوري فيه تسليف موقف كبير لإيران حليفة سورية مما يعني احتمال البدء بالتمهيد لبناء حلف اقليمي دولي على المدى البعيد قوامه روسيا وسورية وإيران وفي مرحلة لاحقة العراق، وعليه فالمسألة ليست مسألة تغيير نظام في سورية او ايصال المعارضة الى السلطة تمهيداً لإشاعة الديمقراطية والقضاء على الفساد والبطالة بل جوهر الخلاف حول من يمسك بالقرار في الشرق الأوسط ولهذا فإن سورية تتخبط اليوم ما بين السندان الروسي والمطرقة الأمريكية.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

النظام السوري وصناعة «إشكالية التدخل العسكري»  .. بشير هلال *

الثلاثاء, 10 يناير 2012

الحياة

على عتبة نهاية شهرها العاشر، تُلصَق «مسألة» التدخل الأجنبي بالانتفاضة السورية كما لو أنها على رأس المسائل الإشكالية التي يتوجَّب عليها مواجهتها. حتى أن بعضهم لا يزال، عن حسن نية أو عن سوئها في الغالب، يعتبرها الخط الفاصل في مقاربة الحدث السوري.

وقد كانت مناسبة توقيع مسودَّة «اتفاق» بين «هيئة التنسيق» ووفدٍ من المجلس الوطني السوري، والسجال الحاد والمتعدد الطرف الذي جرى حول تسريب الأولى لها قبل عرضها على هيئات المجلس، الذي اتخذ مكتبه التنفيذي قراراً برفضها وإعداد مشروع بديل، كفيلان بإظهار الموقع الذي تحتله هذه المسألة، أو يُراد لها أن تحتله في النقاش العام. وبصرف النظر عن تناقضاتٍ محتملة مع بندها الثاني، الذي ينص على «حماية المدنيين بكل الوسائل المشروعة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان» كرسَّت المسوَّدة بندها الأول لرفض أي تدخل عسكري أجنبي «يمس بسيادة البلاد واستقلالها».

والحال أن فرض «إشكالية التدخل الأجنبي» كعنوانٍ للنقاش العام، أمرٌ تولاّه النظام السوري بصورة مبكرة بُعَيْد اتضاح أمورٍ ثلاثة:

الاول، اتساع الانتفاضة وازدياد وتائر تحركها رغم القمع الدامي، ما أشار إلى صدورها عن موجة عميقة غير قابلة للاحتواء بالأشكال التقليدية التي اعتادها النظام.

الثاني، فشل الدفعة الأيديولوجية-الإعلامية الأولى التي حاولت نزع الشرعية الشعبية عن الانتفاضة بتنظيم شارع موازٍ وتقديم عروض إصلاح تجميلي واتهامها في الآن نفسه بالاندراج في سياق مؤامرة دولية يتغيّر جدول الدول المزعوم مشاركتها فيها بنسبة إدانتها للقمع وتجريمه.

الثالث، انكشاف عدم قدرة النظام على إنتاج محورٍ رئيس لسياسته في مواجهة الانتفاضة خارج الخيار الأمني، وما رتبه ذلك من ميلٍ إلى تبريز الاستعداد لتصعيد القمع ودرجته، بإكسابهما مظاهر أكثر دموية وشمولاً، بأمل إبعاد المترددين عن الحراك وخنقه تدريجاً، عبر القتل العشوائي والاعتقالات الجماعية في أكثر مدنه وحواضره انخراطاً، منعاً لسيطرته على الساحات والفضاء العام بالتواقت مع استهداف منظِّميه، ومع مساعي تقسيم المعارضة بين داخلية وخارجية، ووطنية وغير وطنية، وتسفيه شعاراتها ومصداقيتها.

لكن السلطة، التي اعتقدت أنها تستطيع تصعيد الخيار الأمني وسط دخان اقتراحات الحوار العقيمة، مُتوقعةً في ذلك ردود الفعل المتواطئة للجيران والمحدودة للغرب، أخذت تكتشف وتستبطن أن درجة احتمال الأخير انخفضت بشكلٍ مفتوح بعد دروس الموجة الاولى من الانتفاضات العربية ونتائجها، وقراره الانخراط في ليبيا ودلالته كبحثٍ عن استراتيجية جديدة في المنطقة للتلاؤم مع سياق «الربيع العربي» وما يفرضه الحضور المتزايد لرأي عام عربي وعالمي ساهم بتشكيله شيوع وسائل التواصل الجديدة والتعاطف مع قيم الكرامة والحرية والمساواة.

ولكن عجزها عن تجسيد اكتشافها وجود حدود منخفضة للقمع باقتراح تسوية سياسية، دفع السلطة إلى الإصرار على الخيار الأمني الذي ضربت المواعيد بعد المواعيد لإنجاز هدفه بتصفية الانتفاضة، ولا زالت، دونما طائل، مما وضعها عملياً ومنذ أشهر في وضعية العاجزعن التصفية، والعاجز عن الحل وغير المقبول في عداده أصلاً وفقاً للحراك الشعبي. وهو وضعٌ دفع تركيا ودول خليجية وغربية أساسية إلى اعتبار النظام عنصر عدم استقرار إقليمي مرتفع الكلفة وفك تعاقداتها المنصرمة معه والمبنية على تعايش حذِر وتحديد سقفٍ لعلاقته بإيران. ما دفعه إلى تتويج التدخل العسكري على رأس ترسانة التضليل الاعلامي إلى جانب «المؤامرة» و «العصابات المسلحة».

وبالمقابل، فإن الانتفاضة التي واجهت قمعاً دامياً متدرجاً بصمود منقطع النظير، وكانت بهذا المعنى إعلاناً بالقطع مع الخوف الجماعي المُكبِّل، كانت ولا تزال مضطرة إلى مواجهة اللاتكافؤ في نسبة القوة العارية مع النظام وتعطيل سيطرته التي لا تقتل وتجرح وتعتقل المتظاهرين وعوائلهم فحسب، بل تعوق مشاركة آخرين ذوي مصلحة، وتمنع انفكاك الدولة بما يتواجد ويتراتب من مؤسساتها، عن النظام. كما كان عليها في هذا السياق أن تبحث عن كيفية تعطيل جاذبياته الناجمة عن استحواذه على المال العام والتشريع والوظائف والرشى الجمعية والفردية. كان تأخر حدوث الانتفاضة نفسه يعود في قسم منه الى المفاضلة اللاأخلاقية التي فرضها لعقودٍ خلت بين القبول بالتهميش والإفقار وبين مواجهة الآلة القمعية-السياسية الشمولية وسيطرتها.

وبالتالي، فأمام تحول الانتفاضة إلى نشاطٍ يومي وسقوط آلاف القتلى والجرحى واعتقال اكثر من مئة ألف مواطن واحتلال المدن وميادينها وبدء عمليات التدمير الممنهج وازدياد محاولات النظام بصورة أساسية لاستثارة ردود أفعال أهلية عبر طرائق وأدوات وخطابات القوى التي يستخدمها، بدا شعارُ حماية المدنيين إحراجاً رباعياً : للنظام بأفق تنظيم تنافس متكافئ معه، وللدول العربية التي يصمت معظمها، وللعالم وللهيئات الأممية.

وهو شعار وضعه النظام فوراً في خانة طلب التدخل العسكري رغم الفارق بينهما لخضوع الأول لقرار الهيئات الأممية وضغوطها غيرالعسكرية بصورة أولية وتلاؤمه مع المفاهيم الحديثة في القانون الدولي عن «واجب الحماية»، فيما يحيل الثاني إلى صور الاستعمار والقطبية الأحادية. ومما يلفت النظر أن هذا الادغام وجد صدى لدى قسمٍ من المعارضة التقليدية (هيئة التنسيق خلال حزيران/ يونيو) الذي وضع «لا للتدخل الأجنبي» على رأس لاءاته الثلاث، في حين كان حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي الذي يرأسه الاستاذ حسن عبد العظيم مُنسق الهيئة، يدعو قبل أشهر وبمناسبة الانتفاضة الليبية «المجتمع الدولي والنظام العربي لاتخاذ الإجراءات الفورية لوقف المجازر الدموية وجرائم الإبادة الإنسانية التي يمارسها نظام الطغيان والفساد».

وبهذا المعنى، يفقد أيَّ معنى اتهامُ المجلس الوطني بالتحضير للتدخل الدولي لمطالبته بحماية المدنيين، فيما يسود صمتٌ تركي وحذرٌ غربي ومطالبةٌ أقصاها فرنسي بممرات إنسانية، بينما تتابع روسيا تدخلها بالفيتو واستعراضات القوة، وإيران

بالمال والتكنولوجيا والسلاح والاتصالات بقسمٍ من المعارضة لإغرائها بمساومات تبقي النظام فيما يمتنع عن تنفيذ المبادرة العربية ويعرقل عمل مراقبيها، فتبدو بذلك «إشكالية التدخل العسكري» على حقيقتها كأداة لفرط المعارضة ومحاربة شرائحها الأكثر جذرية ولمقاومة كل توجهٍ دولي إلى تكبيل أدوات حرب نظام يائس على الشعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

المراقبون العرب وتجهيل الفاعل .. الياس حرفوش

الثلاثاء, 10 يناير 2012

الحياة

لو اعتمد معارضو النظام العراقي السابق وثوار ليبيا وتونس ومصر على الجامعة العربية، لكان صدام حسين وزين العابدين بن علي ومعمر القذافي وحسني مبارك في الحكم اليوم. هذا هو الدرس الذي تعلّمه نظام بشار الأسد متأخراً، فأسرع بعد تلكؤ الى فتح أبوابه للمراقبين العرب، على ما في ذلك من استهانة ب «السيادة السورية»، التي كان يقول إنه حريص على حمايتها، وهو الدرس الذي كان يجب ان تتعلمه المعارضة السورية، وهي التي تقول إن هدفها هو إسقاط النظام في دمشق.

واقع الأمر أنه لم يكن لدى كل من الحكم والمعارضة السوريين مخرج أفضل من مخرج المراقبين: النظام اعتبره -ولا يزال- كأساً اقل مرارة من كأس التدويل، والمعارضة رأت انهم يمكن ان يوفروا سبيلاً مقبولاً لإحراج الأجهزة الأمنية السورية، فتتوقف عن اعمال القتل المتمادي، وتفتح أبواب السجون، فيتحرر المعتقلون، ويخرج ملايين السوريين في تظاهرات سلمية، مطالبين برحيل النظام، تحت أعين المراقبين، بعد أن يسقط جدار الخوف من آلته الأمنية.

غير أن ما اكتشفته المعارضة السورية، هو ان المراقبين العرب لا يسقطون نظاماً، وليست هذه مهمتهم. وجودهم في الشوارع السورية نتيجة لاتفاق موقع بين الجامعة العربية التي ارسلتهم والحكومة السورية التي تستضيفهم، منح الشرعية للنظام السوري منذ بداية الطريق، ووضعه في موقع الفريق الاقوى بالمقارنة مع المعارضة. ويصحّ ذلك أكثر عندما نعرف أن أطراف المعارضة هم آخر من يعلم عن هويات المراقبين وعن ميولهم السياسية، في الوقت الذي بقي في يد الحكومة السورية حق وضع الفيتو على من تريد أو لا تريد منهم.

لذلك لم يكن غريباً الجدل الذي ظهر إلى العلن بشأن دور المراقبين بعد اجتماع اللجنة الوزارية العربية اول امس ومناقشتها التقرير الاول الذي قدمه رئيس الهيئة الفريق محمد الدابي، فقد أكد الدابي أكثر من مرة في تصريحات خلال مهمته في سورية، أن دور المراقبين ليس المساعدة على إسقاط النظام، بل التأكد من تطبيق الخطة العربية، التي لم تلحظ في أي من بنودها أيّ هدف يتعلق بمستقبل النظام، الذي قال حمد بن جاسم نفسه في أكثر من مناسبة إنه أمر متروك للسوريين.

لقد جاء تقرير المراقبين العرب «حيادياً»، على صورة الجامعة ومثالها. ورغم الوضوح الذي اتسمت به الخطة العربية، وخصوصاً لجهة وقف أعمال العنف كافة والإفراج عن المعتقلين وإخلاء المدن من المظاهر المسلحة، وفتح المجال امام الوسائل الإعلامية للاطلاع على حقيقة الوضع، تعمّد التقرير تجهيل الفاعل عند حديثه عن إطلاق النار على التظاهرات وعن الآليات العسكرية على اطراف المدن وعن استمرار التضييق على وسائل الاعلام المصنّفة ضد النظام. وحتى في حديثه عن القتلى الذين يسقطون يومياً، لم يتسنّ لفريق المراقبين معرفة ما اذا كان هؤلاء من حلفاء النظام أو من خصومه، مثلما لم تتسنّ له الإجابة عن ذلك السؤال الأبدي: لماذا لا يسقط القتلى سوى في التظاهرات المناهضة للنظام؟ وهكذا، وبدلاً من ان يسجل تقرير المراقبين عدم تنفيذ النظام السوري بنود الخطة العربية التي ذهبوا اصلاً الى سورية لمراقبة تنفيذها، جاء تقريراً وصفياً، يحاول الوقوف في الوسط بين الطرفين، مثلما تفعل الجامعة العربية نفسها، وهي التي تختصر داخل قاعاتها واجتماعاتها نزاعات العرب واختلاف أهوائهم.

ما يمكن استنتاجه من ذلك كله، ان المعارضة السورية متروكة الآن لتتدبر امرها بنفسها. وإذا كان صحيحاً، مثلما قال رئيس وزراء قطر، أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، فالصحيح إيضاً أن هذه العقارب يمكن ان تبطئ سرعتها إذا تعطل عملها، وبالتالي يصبح الزمن معها متأخراً عن مواعيده الطبيعية... وهو ما سوف ينطبق مع الأسف على انتفاضة الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الأسد.. الخطاب الثالث، ولن يُبرد الدمَّ إلا الدمُّ..! .. جعفر الوردي

ظهر الأسد بعد ثورة شعبه للمرة الثالثة في العشر شهور التي انقضت وسورية تغلي عليه وترفضه، الخطاب الأول الذي كان مهرجانا كبيرا في مجلس الشعب السوري المصنوع صنعة من قبل البعث وأجهزته المخابراتية، وتلاه الخطاب الثاني في قاعة جامعة دمشق، كما هو مكان الخطاب الثالث والأخير، تخلل ذلك لقاءات صحفية، وعقد لقاءات مع وزراء وما إلى هنالك حتى قاربت مرات ظهوره (نصف درزينة)! ما يقرب من ست مرات..

الملاحظ الذي استدركته المنظمة الحزبية السورية هو إيقاف الشعارات الممجدة للرئيس ورميه بأبيات الشعر والثناء، وتقليص التصفيق إلا في حالات قصوى في الأهمية، حتى يتداركوا ما شنه عليهم الناشطون في خطاباته السالفة.

هذا ما أذكره من فرق بين الخطابات..! كان الخطاب الثالث خطابا متوترا وصعبا عليه، لكنه استدعى كل ما لديه من قوة وعزيمة وأمات آثار الإرباك على ملامحه ولهجته، لكن مهما كان من كلفة استخدمها إلا أن شيئا من هذا التوتر والإرباك أو إن صح تعبيره الخوف يظهر عليه.

استخدم ولأول مرة في تاريخ خطاباته لهجة المهاجمة والعنف وإجبار الناس على الاطمئنان والهدوء النفسي وأن ليس ثمة ما يخيف وما يقلق، كان ذلك باديا عليه وواضحا..

من أشنع ما استخدم، وهي لم تكن مكتوبة بل ارتجلها ارتجالا كلمة (خسئتم) وهي تنمي عن توتر وتحد وسبة للشعب الثائر، وتنمي أيضا عن عظيم توتر وحقد على هذا الشعب الذي لا يعرف الهدوء أو التفاهم.

كانت حقيقة هذه الكلمة قاصمة بالنسبة له، حيث عرف عن ألفاظه المنتقاة وتهذيبه الجملي واللفظي في خطاباته التي يكثر فيها من استعراض قوة اللفظ وتفسيره وإيهام السامع معاني لم يكن يدركها لو لا تفسيره لها وإسهابه فيها، فهي وغيرها من الألفاظ التي ارتجلها تؤكد جليا قوة الإرباك والخوف في نفسه.

كذلك كان استخدامه واعترافه بالشباب الثائر أمرا جديدا من عشرة أشهر مضت، حيث أكد عليها وكررها في صيغة عاطفية وحقدية، فقال الثائر لا يسرق الثائر لا يخرب، وما إلى هنالك..

ثم يظهر عليه محاربته البسمة من وجهه وطردها كلما عنّت له، ومع ذلك حاول الإتيان بها بقدر ما يوحي للسامع أنه غاية في الهدوء وعدم التشنج، إلا أن بلعه الريق كان مكلفا غير مرة في خطابه خصوصا وقت ارتجاله عن الخطاب المكتوب، مما يوحي إرباكا وتوترا شديدين أيضا.

الأسد في خطابه هذا –الأخير حسبما يظهر لي- قتل بقلب كل سوري أي ذرة من حسن الظن أو التفاؤل إطلاقا، كان هناك قلوب ربما قالت: لا بد إلا وأن يهدئ روع الشعب ويلطف الجمل، فكانت لطمة على وجه كل سوري مؤيد ومعارض..

فالتبجح بالعروبة وسب الغير واتهامهم، وترديد اسطوانات الممانعة والمقاومة والنضال، كُنَّ أهم ما لديه من مفاصل في الخطاب؛ إذ لا جديد يزيد عليها، إلا أن يأتي باعتذار للشعب أو التنحي..

ناقش على الملأ ما قام به من أعمال ولقاءات وقوانين، لكن الصواب والحق أن الشعب لا تهمه هذه الإيضاحات وليس هو بحاجة لها؛ إذ هي من مهمة المختصين في ذلك المجال، أما ثائر لا لقمة عيش عنده ولا كهرباء ولا وقود وقد قتل أخوه أو ابنته أو ابنه فلا يهمه إلا الثأر والانتقام.

وكأن بشار على رغم اطلاعه على علم الحدود والتعاريف لم يعر ذهنه يوما لأبيات مدَّاح أبيه الشهير شاعر الرافدين الجواهري الذي قال:

أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ ,,, بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ

أتعلمُ أنّ جِراحَ الشهيد ,,, تظَلُّ عن الثأر تستفهِم

أتعلمُ أنّ جِراحَ الشهيد ,,, مِن الجُوعِ تَهضِمُ ما تَلهم

ستبقى طويلاً تَجُرُّ الدماء ,,, ولَنْ يُبرِدَ الدمَ إلاّ الدم

كلا، فهو لا يعلم أن الدم لن يبرده ويطفئ غليله إلا الدم، وهذا ما دأب عليه الشارع السوري من أول قطرة دم نزفت، حيث قال بملئ فيه (والله لنأخذ بالثأر)..

أقل ما يمكن قوله له في خطابه هذا هو ما كان يراه الأطفال السوريون في ألعاب البلاي ستيشن (game over)، فهذه أصدق عبارة تقال له، وليس هناك من أخرى تناسب وضعه الحرج.

أتوقع أن لا خطاب بعد هذا الخطاب، ولا حتى خطاب تنحي، لأن الصورة التي رسمها الأسد تحكي أن الأيام القادمة هي أصعب أيام تمر على سورية نظاما وشعبا.

فهو بخطابه هذا فتح الساحة بعبارة إما غالب أو مغلوب، وقد نسي الأسد قولة أبيه الذي صدق وهو كذوب حينما قال: ( قوتان لا تقهران، قوة الله وقوة الشعب) يبدو أنه بتاريخ أبيه جاهل، فمن باب أولى أن يجهل تاريخ شعب سورية الذين قال شوقي فيهم:

بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا ،،،، وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا

وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها ،،،، فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ ،،،، يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وأقول له آخر عبارة من قصيدتي (اُصمت) التي أنشأتها مخصصة لخطاباته:

اُصمت، فدمُّ الشَّعب قال كلامَه: ،،،، ارحلْ فإنَّا لا نطيقُ رُآكَ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*=

أمّا خطاب ؟؟؟؟.... عقاب يحيى

لم يتوقع أحد ممن يعرف الوريث المأزوم أن يجيء خطابه بأكثر مما ورد، لأنه وقد أكلت " الأزمة" جزءاً مهماً من عنجهيته المصطنعة، و"شجاعته" المشغول عليها لإبرازها دون أن تصاب بالمضغ ونشفان الريق واصفرار الوجه وهو ينقّط لؤماً وتهديداً.. ونثراً للاتهامات.. فإنه كان وفيّاً تماماً لبنية نظام ورثه فعبّر عنه بطريقة المُلقن الذي اعتاد إلقاء الدروس على التلامذة بغض النظر عن الموضوع، وعن مدى انتباههم، أو تفاعلهم معه بغير التصفيق المعهود ..

شكلياً : الخطاب إن جازت التسمية ينقل " أستاذ" المصطلحات المصاب بعقدة بنيوية يمكن أنه قد يعي مفاعيلها فيه، فيحاول نفيها بتلك الفذلكة اللغوية التعليمية.. انتقل بمستواه من الجامعة إلى الابتدائي، وربما للتهويم في سماء يتصورها خارج المكان والزمان والأحداث، ف"حلّق" فيها مستفيضاً بالشروح والتعليقات، والخروج عن النص، والتفصيح..وكأن عقدة الانفصام، أو عته جنون العظمة وصل مرحلة خطيرة يصبح معها القاتل أكثر استعداداً لسفك المزيد .

عقدة النقص المورّثة بعملية التوريث تستدعي صاحبها إظهار" عبقرية" في حروف العلة والمعلول والمصطلحات وكأنه يريد القول : أستحق أن أكون رئيساً..والدليل تلك الفصاحة الأشبه بمعلم، أو محاضر يلقي شيئاً مكتوباً على مدرجات أميين يعرفون كيف يصفقون، ولا يتجرأون على التثاؤب وإظهار الملل ..

شكلياً أيضاً : الخطاب يكرر معزوفات الطاغية الأب فتحضر المؤامرة(العشق الأبدي) ، وتصبح سورية هي النظام، وهي الفرد، وهي القزم المملوك من طغمة فئوية مريضة بكل أنواع الحقد، والصلف.. فيعيد الابن كلمات أبيه، ويرد تعبير " إخوان الشياطين" الذي يمكن أن يليق بثقافة شبيح موتور وليس بمن يضع نفسه في موقع رئيس، ومن يختزل سورية به وبعصابته، فيكرر التكرار نفسه وكأننا في الثمانينات، وفي خطاب التهريج، وما بعد، وكأننا في عامه الأول من حكمه المفروض .

أما المضامين.. فهي تحمل مداليل كثيرة خطيرة، ترتكز على عامود الاستبداد القاتل فتنثر أفكاره وأفراخه في كل المجالات، ويصبح الشعب الثائر كمشة إرهابيين ومجرمين وقتلة وعملاء ومأجورين، ويتمّ نسف جوهر الأزمة(لا يمكن الاعتراف بها لأنه أصل البلاء) ورميها على آخر، والآخر يبدأ من المواطن السوري، إلى العرب والجامعة العربية، إلى الغرب ومؤامراته..وإذ ب"المسكين" نظام الطغمة عرضة لمليون مؤامرة داخلية وعربية وعالمية.. والسبب : انه مقاتل، ومحارب، ومقاوم، ورافض، وممانع.. ناسفاً بذلك عن قصد حقوق شعب طفح كيله، وامتهنتت كرامته، وحرياته وحقوقه طوال أزيد من أربعين عاماً ..

الوريث المصاب بعته الصلف يستعيد سيرة والده القاتل بفخر لم يخلو من قهقهة مشهودة، وإذ به يريد أن يبزّه فخراً بالاستعداد لارتكاب المزيد من المجازر.. كيف لا و"المؤامرة" اليوم أشمل، وأقوى، وأكثر خطورة ؟... وهذا ما يدعو للوقوف الطويل عنده في محاولة لاستشراف القادم من الأيام التي يعلن فيها القاتل أنه مقبل على المزيد والمزيد، وأن خياره الوحيد هو هذا، وما رشّ تلك الحكايا عن الإصلاحات والتفصيل فيها، وعن " الحوار مع المعارضة الشريفة"ن وإمكانية إشراك بعضها في " الحكومة القادمة" التي ما يزال محتاراً في إيجاد الاسم المناسب لها.. سوى بعض عظام مهترئة نخرها عهر الدجل، وحقد الغل فبانت هرمة، ساقطة قبل أن ترى النور .

نعم مداليل الخطاب المخطوب كبيرة، وخطيرة، لكنها تؤكد بالجرم المشهود أن لا خيار، ولا طريق سوى الثورة، وأن على جميع من يعلك حتى الآن كلمات الحوار، والرهان على " التغيير التدرجي" أن ينتحروا، أو يكفوا عن اللعب وقد علق لهم الوريث مشانق الإعدام، بل والخوازيق، وأنه لا ينفع مع هذه الطغمة سوى وحدة الشعب وأطياف المعارضة جميعاً في خندق العمل لإسقاط الطغمة بكل رموزها ومرتكزاتها، والالتزام بما بلورته الثورة وطرحته، ممثلة بهيئاتها وشبابها على الأرض، لوضع برنامج التغيير الشامل، تمهيداً للمرحلة الانتقالية التي تفتح الطريق لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التعددية ..

سيسقط الخطاب في وحل زمن غابر.. وقد يتسلى به أطفالنا القادمون وهم يتقاذفونه بين أرجل النسيان ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لا ينفع الوقت مع النظام السوري؟  .. خيرالله خيرالله

المستقبل

11-1-2012

لم يعد من همّ في سوريا، أقلّه بالنسبة الى النظام العائلي- البعثي، سوى كيفية كسب الوقت. هل يفيد عامل الوقت النظام في شيء، ام انه يساهم في اهتراء البلد من داخل ليس إلا، أي بما يصبّ في تفتيت سوريا؟

الوقت لا يمكن ان ينقذ النظام. هذا عائد الى ان السوريين سيستمرون في المقاومة والممانعة والثورة الى ما لا نهاية نظرا الى ان المسألة بالنسبة اليهم مسألة حياة او موت. بات السوري يفضل الموت على الظلم والقمع والذلّ. لم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين بقاء نظام ستاليني في السلطة في بلد حيوي مثل سوريا يمتلك شعبا عظيما استطاع المحافظة على التعلّق بثقافة الحياة على الرغم من كلّ المحاولات التي استهدفت إلغاءه من الوجود. ما يفترض ان يفهمه النظام السوري ان التحايل على المراقبين العرب لا يفيد في شيء، كذلك الرهان على شق صفوف المعارضة وتأجيج الخلافات بين مجموعاتها المختلفة. مثل هذا الرهان ليس في محلّه نظرا الى أن من يحدد اجندة الثورة الحقيقية التي يشهدها البلد هو الشعب السوري وليس هذه المجموعة المعارِضة او تلك.

مرّة اخرى، لا بدّ من القول بأنّ ما تعاني منه سوريا هو ازمة كيان ونظام في الوقت ذاته. كان هناك دائما شعور ما لدى المقيم على رأس هرم السلطة في دمشق ان الكيان السوري ضيّق عليه. والواقع، الذي يثبته تسلسل الاحداث، ان المشكلة لم تكن في الكيان بمقدار ما انها كانت في النظام. لم يستطع النظام السوري يوما حلّ اي مشكلة من مشاكل البلد. ولذلك، كان الانقلاب العسكري الاوّل بعد استقلال الكيانات العربية في سوريا وليس في مكان آخر. كان ذلك في العام 1949 قبل ثلاث سنوات وبضعة اشهر من الانقلاب الذي شهدته مصر وأطاح النظام الملكي في تمّوز من العام 1952.

زادت الرغبة في الاتجاه الى الخارج في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد الذي تولّى السلطة، كل السلطة، في خريف العام 1970. كان نجاح الاسد الأب في خوض حرب تشرين الى جانب انور السادات، مبررا للسعي الى دور اكبر على الصعيد العربي. عمل الاسد الاب على ثلاث جبهات هي لبنان والعراق ومصر. عمل ايضا على جبهات اخرى، بما في ذلك اقامة علاقة معينة مع الادارات الاميركية المتلاحقة. توجت العلاقة مع الاميركيين باتفاق فك الارتباط مع اسرئيل في العام 1974. أمّن الهدوء والسكينة في الجولان على الرغم من انّه بقي محتلا!

نجح الاسد الاب الى حدّ كبير في تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية عن طريق تسليح الميليشيات بغضّ النظر عن الحزب الذي تنتمي اليه. وكان اوّل من وقع في الفخ بعض الاحزاب المسيحية التي اضطرت الى الاستنجاد به في مرحلة معيّنة من الحرب اللبنانية ومن حروب الآخرين على ارض لبنان!

جهد في الوقت نفسه، نتيجة عمل دؤوب بدأه عندما كان لا يزال وزيرا للدفاع، في عملية تجميع المسلحين الفلسطينيين في لبنان واستخدام الورقة الفلسطينية ضد ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. وقع ياسر عرفات بدوره في الفخّ الذي نصبه له النظام السوري في لبنان. لم يتعلّم الكثير من التجربة التي مرّ بها في الاردن في العام 1970 وفي السنوات التي سبقت 1970.

على الصعيد العراقي، لعب الاسد الاب ورقة معاداة صدّام حسين. نجح في ذلك الى حدّ كبير نظرا الى ان العرب كانوا في معظمهم يخشون تهوره. استطاع ايجاد حاجة عربية اليه في لعبة التوازنات الاقليمية وذلك على الرغم من الموقف السوري الداعم للنظام الايراني في حربه مع العراق ابتداء من العام 1980.

على الصعيد المصري، كان النظام السوري المستفيد الاوّل من عزل مصر في عهد انور السادات بعد زيارته القدس وإلقاء خطاب في الكنيست، وبعد توقيعه اتفاقي كامب ديفيد ثم معاهدة السلام مع اسرائيل في آذار من العام 1979. جرّ الاسد الاب العرب، بمن فيهم العراق البعثي الذي كانت تنقص قيادته السياسية النضج السياسي، الى لعبة المزايدات التي مكّنته من لعب دور اقليمي لا افق سياسيا له.

كان الرهان في سوريا على الوقت. تغيّرت اللعبة كلّيا مع رحيل حافظ الاسد في السنة 2000 ثم مع سقوط النظام العراقي في 2003. لم يستطع النظام السوري التكيّف مع التغيير، خصوصا بعد العام 2005 عندما اضطر الى الانسحاب عسكريا من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. لم يدرك ان هناك تطورا جذريا طرأ على التوازنات الاقليمية. يتمثل هذا التطور في ان القرار السوري صار ايرانيا وان ليس في استطاعة دمشق امتلاك اي نفوذ في لبنان لولا ما تجود به عليها طهران. لم يدرك النظام السوري انّ للتخلص من رجل في حجم رفيق الحريري ثمنا ضخما لا يمكن مقارنته الا بالثمن الذي دفعه صدّام حسين نتيجة احتلاله دولة مسالمة اسمها الكويت...

مع مرور الوقت، ظهرت مشاكل سوريا على حقيقتها. مع مرور الوقت، سيتبيّن ان هناك خطرا جدّيا على الكيان السوري في غياب الترتيبات اللازمة لمرحلة انتقالية تضمن هبوطا هادئا وآمنا للطائرة السورية. انها لحظة بروز كل المشاكل في الوقت نفسه. للمرة الاولى منذ ما يزيد على ستين عاما لا مكان في الخارج يهرب اليه النظام السوري، ولا لعبة توازنات يمكن ان يراهن عليها. انه في مواجهة مع شعبه لا أكثر ولا أقلّ. من يقول إن احتمال تفتّت سوريا غير وارد، يستطيع التمعّن في تجربة السودان!

-*-*-*-*-*-*-*-*=

الجامعة العربية: هل آن أوان التغيير؟  .. فايز سارة

السفير

11-1-2012

كشفت ثورات الربيع العربي عن الحاجة الملحة والضرورية لإحداث تغييرات جوهرية تشبه الثورة في جامعة الدول العربية، وهذا ما أكدته طريقة تعامل الجامعة العربية مع ثورات الربيع العربي، التي يمكن رسم ملامحها في ثلاث حالاث، الأولى، تتمثل في تجاهل الجامعة للأحداث وغض النظر عما جرى في بعض البلدان على نحو ما حدث في ثورات تونس ومصر وفي تحركات اليمن والبحرين، وتجسدت الثانية في تأثر الجامعة السريع بالأحداث واتخاذ موقف منها، وجاء في سياق ذلك تبني الجامعة قراراً ساخناً يدعم التدخل العسكري الدولي الذي نفذه «الناتو» في ليبيا، والموقف الثالث، يمثله موقف الجامعة من تطورات الأزمة في سوريا، وهو موقف تأخر حتى ظهر، وعندما ظهر اعتراه التردد في اتخاذ الإجراءات العملية رغم أن خياره بدا واضحاً في رفض سياسات النظام في المعالجة الأمنية العسكرية للوضع واستخدام القوة ضد الحراك الشعبي، ودعوة السلطات السورية الى تغيير سياساتها وممارساتها في التعامل مع التحركات الشعبية، وهو السياق الذي ولدت في مضمونه مبادرة الجامعة العربية، قبل أن تطلق من خاصرتها البرتوكول الخاص ببعثة المراقبين العرب ليكونوا شهوداً على ما يحدث في سوريا.

إن التناقض الملموس في مواقف الجامعة العربية، يمثل عاملا يفرض بذل جهود عربية جدية في المستويين الرسمي والشعبي من اجل تغيير الجامعة وتثويرها، مما يؤدي الى إعادة النظر ليس في مؤسسات الجامعة وأجهزتها، بل في رؤية الجامعة وآليات عملها، والأهم في التغييرات المطلوبة، إجراء تبدل نوعي في أنماط التفكير والتدبير المعمول بها في الجامعة وهيئاتها.

والعامل السابق في راهنيته وضروراته من أجل التغيير في الجامعة العربية وتثويرها، يمكن أن يضاف الى عوامل اخرى، كانت دفعت العرب في العشرية الماضية الى طرح ضرورات اصلاح جامعة الدول العربية، وفي هذا السياق قدمت افكار ومشاريع، كان هدفها عصرنة الجامعة العربية وتطويرها ورفع مستويات أدائها بما يخدم القضايا العربية، ويحقق لها افضل ظروف النجاح والتقدم في مواجهة ما اصابها من الضعف والترهل، وعدم القدرة على خدمة ومعالجة الأوضاع العربية وتداعياتها في المستويات الداخلية وفي العلاقات القومية والدولية.

وتحقيق مثل هذا الهدف في دور وأنشطة الجامعة العربية، يتطلب إصلاحات تشمل بصورة أولية وأساسية، الإطار السياسي في عمل الجامعة ولا سيما في امرين اثنين، اولهما إعطاء الجامعة دور المبادر فيما يخص اهدافها ومهماتها بخلاف ما هو عليه الوضع حالياً، مما يعني تولي الجامعة مهمة رسم وتطوير والمساهمة في تنفيذ السياسات العربية على نحو ما يفعل الاتحاد الاوربي في تعامله مع السياسات الأوروبية، والأمر الثاني إعطاء الجامعة العربية، التي كانت هيئة تمثل الحكومات العربية، بعداً وعمقاً شعبياً في سياساتها وبناها مما يجعلها أكثر تمثيلاً للإطار العربي، وهو تطور واقعي تتجه إليه اغلب المنظمات والهيئات الدولية والاقليمية، ومنها الامم المتحدة، وسوف يتقوى هذا التوجه في الجامعة العربية مع التغييرات التي يعبر عنها الربيع العربي.

وأهمية إصلاح الاطار السياسي، لا تكتمل ولا تصبح ذات فاعلية إلا بتحقيق اصلاحات اخرى، تشمل الاطار القانوني والتنظيمي، بحيث يتم وضع اطر تعيد ترتيب علاقات الجامعة ومؤسساتها مع البلدان العربية وفقاً لمحتويات الاطار السياسي في توجهاته الجديدة، ثم القيام بخطوات مماثلة من اجل تطوير العلاقات الداخلية في هيئات الجامعة وفيما بينها. وهو ما يفترض ان يشمل الجانبين الاداري والمالي في انظمة عمل الجامعة وهيئاتها وعلاقاتها، وما يترتب عليها من علاقات داخلية وخارجية.

إن إصلاح الجامعة العربية بات ضرورة ملحة اكثر من أي وقت مضى، وهو امر لا تفرضه فقط الاحتياجات العربية العامة، التي كانت قائمة قبل مجيء تطورات الربيع العربي، وأكثرها ما زال قائماً، بل إن اصلاح الجامعة وصولاً الى تثويرها اصبح في الضرورات الملحة في ضوء ما حمله الربيع العربي من تحركات وأفكار وممارسات وتغييرات ادى بعضها الى ثورات انتصرت، وأخرى في طريقها للنصر، وثالثة منتظرة في سياق عربي سيلف المنطقة، ويفرض عليها تبدلات جوهرية وعميقة لا يمكن استثناء أي بلد عربي منها، كما لا يمكن استثناء الجامعة ذاتها، والتي هي كما يقال بيت العرب كلهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*=

خطاب حافل بالتهديدات  .. عبد الباري عطوان

2012-01-10

القدس العربي

كسر الرئيس السوري بشار الاسد تقليدا بارزا في الثورات العربية عندما القى خطابه الرابع يوم امس، الذي استغرق قرابة الساعتين، دون ان يتضمن اي مفاجآت جديدة، وان كان البعض يعتبر ان اضافته لأولوية محاربة الارهاب، جنبا الى جنب مع مواجهة المؤامرة الخارجية، هي خريطة طريق لمزيد من اعمال العنف والقتل في الاسابيع والاشهر المقبلة.

الرئيس بشار الاسد أراد ارسال رسالة واضحة الى السوريين والعالم بأسره، مفادها ان استتباب الامن ومحاربة 'الارهاب' يتقدمان على كل شيء، فلا اصلاح حقيقيا، ولا مصالحة وطنية، قبل تحقيق هذين الهدفين.

الانتفاضة السورية المطالبة بالتغيير الديمقراطي توشك ان تكمل شهرها العاشر، والتطورات على الارض تؤكد ان البلاد تنزلق الى حرب اهلية طائفية، مما يعني ان معركة النظام للقضاء على الارهاب والمؤامرة الخارجية قد تطول لأشهر، وربما لسنوات، اذا وضعنا في اعتبارنا ان المؤشر البياني لأحداث العنف ومواجهات سفك الدماء في تصاعد مستمر.

خطاب الرئيس بشار الاسد الرابع جاء مختلفا عن خطابيه الاول والثاني، اللذين تحدث فيهما عن الاصلاحات، والغاء حالة الطوارئ، واطلاق الحريات الاعلامية والتعددية السياسية، حيث فتح النار بقوة على الجميع دون اي استثناء، فتح النار على الجامعة العربية، وعلى دول الخليج وفضائياتها المضللة، وشكك في عروبة الجميع تقريبا، بحيث لم يترك شعرة معاوية مع احد.

هل فتح النار، وبهذه الشراسة هو دليل قوة ام دليل ضعف؟ هناك من يقول ان الرجل يعيش حالة عزلة في ظل ازمة اقتصادية طاحنة بدأت تتفاقم بفعل الحصار المفروض من قبل الولايات المتحدة واوروبا وبعض الدول العربية، وزاد من تفاقمها ان الحليف الايراني القوي الذي يمكن ان يكون بديلا عن العرب، وعنصرا مساعدا لكسر الحصار، يعيش ظروفا اقتصادية صعبة بسبب عقوبات امريكية، ويمكن ان يزداد وضعه سوءا اذا ما فرضت دول الاتحاد الاوروبي حظرا على صادرات النفط الايرانية.

' ' '

في المقابل يرى البعض الآخر ان الرئيس الاسد كان يعكس في خطابه حالة من الثقة بالنفس، وايحاء بأن نظامه تجاوز مراحل عديدة من الأزمة، وبات اكثر قوة بفضل الدعم الروسي الصيني اولا، ووصول حاملات طائرات وسفن روسية الى ميناء طرطوس، لتأكيد هذا الدعم، وفشل مشاريع التدويل التي هددت بها الجامعة العربية، والانقسامات الخطيرة في صفوف المعارضة السورية، والخارجية منها على وجه الخصوص.

لا نجادل مطلقا بأن الرئيس السوري كان اكثر تماسكا وثقة بالنفس، بالمقارنة مع خطاباته السابقة التي كشفت عن ارتباكات لم يستطع اخفاءها، ولكن مواصلة الاعتماد على الحلول الامنية الدموية، ودون ان تتوازى مع حركة سياسية نشطة للبحث عن مخارج، ودبلوماسية ذكية لكسب بعض العرب المترددين وتحييد او تقليص عداء المتشددين، فإن هذه الثقة قد تتآكل لأن حجم المؤامرة الخارجية التي يتحدث عنها الرئيس الاسد كبير، والمتآمرون المتورطون فيها يتمتعون بنفس طويل، ويملكون المال والكثير منه، ويضعون ايديهم في مياه باردة.

فإذا كان النظام السوري يشعر بالقوة والصلابة هذه الايام بفعل بعض النجاحات الامنية التي حققها من خلال قبضته القوية، فإن هذا هو الوقت الأنسب بالنسبة اليه لتقديم التنازلات لشعبه من موقع القوة، وليس من موقع الضعف، والبحث بجدية عن حلول سياسية للخروج من الازمة.

الرئيس السوري يعترف بان المعارضة ترفض في معظمها الجلوس الى مائدة الحوار معه، والمشاركة في حكومة وحدة وطنية، ولكنه لم يقل لماذا تتخذ هذا الموقف الرافض، والاجابة بسيطة وهي عدم الثقة بجدية الحوار، والتزام النظام السوري بتطبيق ما يتم الاتفاق عليه في نهايته من خطوات عملية، ومن المؤكد ان هذا الرفض سيزداد بعد الاغراق في اطلاق التهديدات بسحق الانتفاضة، لأنها تعني اضعاف المناعة الامنية، وتخلق الاجواء الملائمة لتسلل الارهاب واتساع ضرباته بالتالي.

ثم كيف يمكن ان تأتي المعارضة الى مائدة الحوار مع نظام يخونها، ويتحدث عن ارتباطاتها بقوى خارجية معادية وتشارك في تنفيذ مخططاتها، وكيف يقول الرئيس بشار انه مستعد للحوار حتى مع المتورطين في مواجهات حماة عام ،1982 أي الاخوان المسلمين، ثم يصفهم في آخر الخطاب بأنهم اخوان الشياطين؟

' ' '

النظام السوري بحاجة الى وقفة تأمل ومراجعة خطابه، ومن ثم سياساته الداخلية والخارجية، فالمرونة في التعاطي مع وفد المراقبين العرب وبروتوكولهم اعطته مساحة لالتقاط الانفاس، وارباك الجامعة ولجنة متابعتها، ولكن هذه المرونة لم تدم طويلا، وشاهدنا بعض هؤلاء المراقبين يتعرضون للاعتداء من قبل جماعات محسوبة على النظام بطريقة غير لائقة وهمجية، الامر الذي نسف العديد من النجاحات الدبلوماسية التي انجزتها هذه المرونة.

نتفق مع الرئيس الاسد بأن العرب لم يقفوا مع سورية طوال السنوات العشر الماضية، بل تآمر بعضهم ضدها، ولكنهم وقفوا معها طوال الثلاثين عاما التي سبقتها، فماذا حقق النظام السوري من اصلاحات سياسية واقتصادية طوال تلك السنوات، حيث كانت الاوضاع مستقرة نسبيا، وكان المثلث السوري المصري السعودي يشكل تحالفا اقليميا يحكم المنطقة؟.

نريد التذكير بان تولي حزب العدالة والتنمية التركي الحكم جعل تركيا القوة الاقتصادية السابعة عشرة على مستوى العالم في عشر سنوات، اما الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا فقد جعل من البرازيل القوة الاقتصادية الرابعة على مستوى العالم في الفترة نفسها، وهو الذي لا يحمل شهادة جامعية، وكان ينتمي الى أسرة صغيرة لا تملك ثلاجة او حتى جهاز تلفزة.

نطالب المعارضة السورية الخارجية، او بعض مكوناتها على وجه الخصوص، بشيء من التواضع، فتهجم البعض على الجامعة العربية، والتلويح بسيف التدويل، وكأن حاملات الطائرات الامريكية مستعدة للتوجه الى شواطئ اللاذقية وطرطوس وبانياس بمجرد اشارة منها، اي المعارضة، لا يخدمان استراتيجيتها ولا يقربانها من تحقيق اهدافها.

الرئيس رجب طيب اردوغان كان مصيبا عندما قال ان سورية تنزلق الى حرب اهلية طائفية مدمرة قد تفجر المنطقة بأسرها، ومن المؤسف ان هناك دولا عربية واجنبية تعمل على تأجيج هذه الحرب بالمال والسلاح، ومن المؤسف ان النظام السوري باستمراره في توجهاته الاحادية باعتماد الحلول الامنية فقط، والتهجم على الجميع، والتشكيك في عروبة معظم العرب، والاستمرار في حالة الانكار والعناد، والتغول في سفك الدماء، يساهم بتسهيل مهمة هؤلاء.

المخرج من الأزمة السورية هو الحل السياسي لان البديل كارثي للنظام والمعارضة معا، وللشعب السوري الذي سيكون الضحية الاكبر في نهاية المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد النظام! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

11-1-2012

ليس هناك من خطأ أشد فداحة من خطأ الصراع الخفي أو المعلن على السلطة بين القوى المشاركة في حراك شعبي أو مجتمعي، قبل الانتصار على النظام الذي يراد التخلص منه. وليس هناك ما هو أشد خطورة على شعب يقاوم الاستبداد من تقسيمه إلى أتباع لهذا الفريق أو ذاك من الفرق المنخرطة في الشأن العام، على الجانب المعارض. أخيرا، ليس هناك ما هو أكثر إضرارا بمصالح النضال العامة من شروع قوى دخلت متأخرة إليه، أو كان حضورها ضعيفا فيه عند بداياته، في خوض معارك خفية ضد بقية قواه، خصوصا إن كانت تحمل - وهي غالبا ما تحمل - سمات سلوك تآمري سري وخفي. باختصار شديد: من الخطأ الفادح والجسيم اقتسام جلد الدب قبل اصطياده.

حدث شيء من هذا أو ما يماثله في مصر، حيث خاضت قوى إسلامية معركة إسقاط النظام باعتبارها معركة ربطتها أكثر فأكثر بوصولها إلى السلطة، رغم أن النظام لم يكن قد سقط بعد. هذه القوى، عملت على الانفراد بجلد الدب قبل اصطياده، ولولا بطولات المواطن العادي لكانت هددت الانتفاضة الشعبية أو أفشلتها، نتيجة لما انتهجته من سياسات متعددة الأهداف والمستويات، تجسدت من جهة في محاولات مدروسة لإزاحة «حلفائها» عن مواقعهم، رغم حساسية لحظة الصراع واتصالها بموازين قوى كان يجب أن تبقى موحدة ليكون الحسم سريعا ومضمونا، ومن جهة أخرى في خططها لحرف قطاع واسع من الجماهير عن هدف نضالها الأصلي، ولحشدها وراء أهداف حزبية ضيقة ترجمت قراءة آيديولوجية محدودة، ويرجح أن لا تكون صحيحة للمرامي المجتمعية العامة.

وبالنظر إلى أن قوى وجماهير الانتفاضة الشعبية العربية ليست متماثلة في طابعها وهويتها، مع أنها متفقة على هدفها: إقامة دولة مدنية ديمقراطية، فإن ركض واحدة من قواها الرئيسية هي فضلا عن ذلك قوة شعبية ومنظمة، وراء هدف حزبي خاص يكون غرضه حرف جهدها نحو تغيير موازين القوى لصالحها داخل الحراك، وتمكينها من احتلال مواقع تتيح لها التحكم بموازين وعلاقات القوى الثورية، وحسم مسألة السلطة قبل سقوط النظام، وهذا يلحق ضررا جديا بوحدة وفاعلية الحراك الشعبي والسياسي، ليس لأنه يشق صفوف المجتمع وتعبيراته المناضلة وحسب، وإنما كذلك لأنه ينقل المعركة في مرحلة مبكرة، وفي وقت غير مناسب، إلى داخل هذه القوى وعلاقاتها، مع ما يمكن أن يترتب على نقلها من هوامش واسعة يمارس النظام ألاعيبه عبرها، بينما تتحول المعارضة، التي كانت موحدة الإرادة، إلى معارضات متصارعة، متنافرة الرأي وحتى المقاصد، تجد نفسها مجبرة على خوض معارك خفية لا لزوم لها، ما دام من الحماقة اقتسام جلد الدب قبل اصطياده، وليس بوسع أي قوة إسقاط نظام استبدادي متحكم وقديم بمفردها. هذا الأمر، يزداد سوءا إلى أن يبلغ درجة الخطورة الحقيقية على العمل الثوري المشترك، إن كانت القوى العلمانية قوية وفاعلة في المجتمع، وكان لها شعبية واسعة تفوق في مرحلة الانطلاق شعبية أي قوى أخرى، لكنها تصير مستهدفة من الذين يريدون حسم مسألة السلطة خلال المعركة: قبل سقوط الاستبداد، مثلما تفعل اليوم جهات إسلامية سورية منضوية في المجلس الوطني وخارجه، تعتقد أنها ستحقق مأربها عبر دفع القواعد الشعبية المنتفضة إلى التطرف السياسي والمذهبي، وهجر النزعة السلمية التي كانت ميزة حراكها، والتوجه نحو السلاح والعنف، مع ما يحمله هذا كله من مخاطر قد تقوض تماما النضال في سبيل الحرية، ويحدثه من تبدل في طبيعة الصراع ويلحقه من ضرر بالشعب وقضاياه العادلة.

ثمة بين نماذج العمل الثوري نموذجان رئيسيان يتقاطعان عند حالات وسطية متنوعة. هناك أولا: الثورة التي تتم ضد حكم استبدادي أعاد إنتاج مجتمعه انطلاقا من سلطته وتوطن أمنيا وآيديولوجيا بقوة فيه، ونجح لفترة طويلة في إرغامه على رؤية نفسه بدلالة السلطة والخضوع لقيمها ومصالحها. في هذا النموذج، لا تنجح الثورة إن لم تكن فعلا مشتركا يسهم فيه أغلبية الشعب وجميع المنخرطين في العمل السياسي العام والمنظم، على أن يكون بينهم حد أدنى من التناقضات غير العدائية وقدر أعلى من التوافق في القول والفعل، ويعملوا على تسوية وإزالة أي تناقضات توجد في ما بينهم أو داخل المجتمع يمكن للنظام استغلالها لدق أسافين داخل أطراف النضال الشعبي، وينقلوا تناقضات المجتمع إلى السلطة، كي لا تبقى موحدة وتفقد قدرتها على الصمود في وجه الحراك وقواه. إلى هذا، لا بد من تحقيق أعلى حد من وحدة المنطلقات والسبل والأهداف على صعيدي القاعدة المجتمعية وقياداتها. بغير ذلك لا يسقط الاستبداد، وبخاصة إن كان وراءه جزء وازن من الشعب، واستطاع تحويل معركة مجتمعه ضده إلى صراع مذهبي أو جهوي أو إثني يشق المجتمع، ونجح في قلب المعركة إلى عراك يدور حول أهداف لا علاقة لها بمطالب الشعب الأصلية، وخاصة منها مطلب الحرية: الجامع والموحد، ودولة المواطنة الديمقراطية. في هذا النموذج، يسقط الاستبداد بقدر ما يتوفر شرطان: وحدة الشعب ووحدة القوى السياسية التي تعبر عنه من جهة، وسرعة تصدع النظام من جهة أخرى.

هناك، بالمقابل، نموذج تنخرط فيه قوى متصارعة تتنافس وتتسابق على أهداف خاصة بكل منها. يحدث هذا عندما تتوزع بدائل الوضع القائم على قوتين أو مجموعة قوى ترشح كل واحدة منها نفسها للحلول محله، مثلما حدث مثلا في تاريخ روسيا الحديث، حين تنافست قوتان مجتمعيتان متناقضتان هما العمال والبرجوازية، عبرت عنهما قوى سياسية متصارعة إلى درجة التنافي، على إرث النظام القيصري. في هذا النموذج، نحن أمام تطور يأخذ الدولة من نظام إلى بديله، ولسنا أمام انتقال من شكل حكم إلى آخر، مثلما يحدث اليوم في ما نسميه «الربيع العربي».

في هذين النموذجين، لا ينجح التغيير إذا لم تتقاطع أهداف وسياسات قواه المنظمة وجماهيره في موقفها المشترك من النظام القائم، أو إن هي اختلفت على رؤيتها له وأهدافها الخاصة حياله. إنه تقاطع يحدث في جميع الثورات، وقد حدث في الثورة الروسية ووصل إلى حد قيام تحالف بين خصمي النظام القيصري المتصارعين، أدى إلى تشكيل حكومة مؤقتة مشتركة بينهما، وإن كان قيامها لم يضع حدا نهائيا لصراعاتهما، مع أنه غلب، وقتيا، عداءهما المشترك للقيصرية على تناقضاتهما الخاصة، التي لو بقيت مستعرة لكانت ربما أفضت إلى هزيمتهما كليهما.

في النموذج المصري بالأمس والسوري اليوم، نحن أمام نمط معدل من النموذج الثاني، لا يدور حول مصير النظام الاقتصادي/ الاجتماعي، بل حول شكل الحكومة السياسي. ثمة مشكلة حقيقية هي أن الانتفاضة لا تواجه قيصرية متخلفة، بل نظاما أمنيا محدثا من رأسه إلى أخمص قدميه، دأب على تفكيك المجتمع وشحنه بالتناقضات وعزز تأخره وضعفه وانقسام صفوفه، ومنعه لفترة جد طويلة من بلورة وتكوين تعبيرات تنظيمية مستقلة تتصف بالقوة. لهذا، من غير الجائز إطلاقا وقوع تنافس بين خصومه وهو في عز قوته، أو قبل أن يخسر القسم الأكبر منها ويغدو ذهابه محتما. المشكلة التي يواجهها النضال اليوم هي أن بعض قواه بدأت تخوض منذ اليوم معركة ما بعد النظام، وتنقل المعركة إلى داخل المجتمع، في تجاهل فاضح لأسس الصراع ضد الاستبداد، مع أن ما تفعله يلاقي سياسات النظام في نقاط عديدة، كالدعوة إلى العنف، والانفتاح على التدخل الخارجي، وتقسيم وشق المجتمع إلى كتل وتجمعات متناحرة أو مقتتلة.

ليس ما يجري بالأمر العفوي أو القليل الأهمية. ولا بد من وقفه عبر جهد وطني جامع يضم كل من يرغب في اصطياد الدب قبل تقاسم جلده، وإلا أصاب الحراك المجتمعي وتعبيراته السياسية ضرر يصعب جدا إصلاحه.

أما السؤال الذي يطرح نفسه الآن فهو: ألا يستحق تطور كهذا وقفة تأمل ومصارحة تنجزها أطراف المعارضة السورية، يكون بين مقاصدها وضع اليد بكل وضوح على الجرح، وفعل كل ما يلزم للتخلص من هذا النهج وسياساته ومضاره، ونبذ القائمين عليه، إنقاذا للانتفاضة ولوحدتها ولأهدافها؟

-*-*-*-*-*-*-*-*=

لعبة الجامعة العربية  .. عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

11-1-2012

علينا أن نفهم أننا أمام لعبة تديرها أطراف في الجامعة العربية لإنقاذ نظام الأسد في سوريا من إسقاطه، والتغطية على مذابحه هناك. وما إرسال المراقبين، ودعوة خالد مشعل وإيران لبدء وساطة سلمية، إلا لعبة هدفها شراء وقت لإعانة النظام على قتل المزيد وإنقاذ رقبته. لقد مدت الجامعة العربية عمر النظام بأكثر من ثلاثة أشهر منذ بدء الحديث عن دعوات التفاوض، تمكن خلالها من السيطرة على بعض المناطق المنتفضة، ولو نجحت الجامعة ومشعل وروسيا في حماية ظهر حكومة الأسد وضمنت عدم التدخل الدولي تسعة أشهر أخرى لربما تمكن من تفريغ الشوارع والميادين الثائرة، ولن يعجز خلالها عن حبس نصف مليون من النشطاء والمتظاهرين، واحتلال المدن بالقوات المسلحة والشبيحة.

التدخل الدولي لا ينافي الأخلاق أو السياسة أو العروبة أو الإسلام، بل ضرورة لموازنة بطش النظام ودعم دول تمده بالقوة والمال والرجال. لدينا نماذج أحداث مهمة كان التدخل الدولي فيها حاسما بهدف حماية السكان من أنظمة باطشة، أبرزها تدخل الناتو لإنقاذ مسلمي كوسوفو والبوسنة والهرسك، وقبلها التدخل الدولي لإنقاذ الشعب الكويتي من احتلال صدام. قبل عشرين سنة عرف العرب الجدل نفسه الذي يدور اليوم حول جواز التدخل الدولي لإنقاذ الشعب السوري من المذبحة. كان صدام قد التهم الكويت في فجر الثاني من أغسطس (آب). انقسم العرب بين فريقين؛ عرب مع احتلال صدام للكويت، وعرب يريدون طرده. فريق الاحتلال كان يعرف أن من المستحيل هزيمة قوات صدام بقوة خليجية، ويخشون من هزيمتها بتدخل دولي. والفريق الثاني يعرف أن إيران حاربت ثماني سنوات وأي قوة عربية ستحتاج إلى سنين أطول لمواجهة نظام عسكري مثل صدام، وقد ينتصر. حينها تخندق كل فريق في مكانه وسط معركة كلامية، فالمجموعة الخليجية كانت تريد التدخل الأميركي لأنها تعرف أنها قوة ضاربة قادرة على اختصار الوقت وتأمين النصر، لكن مع منحه الشرعية الدولية من خلال مجلس الأمن، حتى لا يثير حفيظة العرب عموما. والفريق الثاني كافح التدخل حتى يؤمن احتلال صدام للكويت. وصار كل من يدافع عن اللجوء إلى الحل الدولي يخوَّن ويُتهم بالعمالة. واقترحوا عوضا عنه ما سمي بالحل العربي وقوات عربية. طبعا كان هدف المشروع في حقيقة الأمر تمييع القضية.

فكرة إرسال المراقبين العرب اخترعت لغرضين؛ منع التدخل الدولي، ومنح النظام مزيدا من الوقت لينهي الثورة بقتل النشطاء وسجن المتظاهرين. العالم لم يطلب إرسال مراقبين عندما كان الصرب يذبحون مسلمي كوسوفو والبوسنة والهرسك. لقد اختصرت الحلول في إنذار نظام بلغراد آنذاك، إما وقف المذابح وإما التدخل الدولي، ورغم اعتراض الروس وبعض الأوروبيين فإن التدخل الدولي تم وهو الذي أوقف المذابح. لم يقبل أحد دعوات إرسال مراقبين ليوغوسلافيا لأن التقارير المختلفة تؤكد على حدوث المذابح وقتل المدنيين العزّل، وهو ما يحدث الآن في سوريا.

ولاحظوا أن الحالة السورية أكثر استحقاقا للتدخل من قضية كوسوفو، ففي عام 1988 كانت المشكلة بسبب إعلان الكوسوفيين انفصالهم عن دولة بلغراد، ثم تشكيلهم جيش تحرير كوسوفو الذي خاض قتالا ضد الصرب. أما في سوريا فإن الشعب يباد وهو لم يطلب انفصالا، ولم يقاتل. تقريبا كلها مظاهرات سلمية ضد النظام، ومع هذا يتم قتل الناس علانية أمام العالم، فكيف يدّعي بعض العرب أن التدخل الدولي عمل استعماري ومرفوض؟

التاريخ يعيد نفسه. اليوم العرب الذين يريدون إنقاذ نظام بشار الأسد من السقوط يعتمدون استراتيجية تقوم على فكرتين؛ الأولى منع التدخل الدولي، والثانية منحه المزيد من الوقت ليقتل كل الناشطين من الشعب السوري أو يسجنهم. هذه حقيقة رفض التدخل الدولي التي تنفي أبسط حقوق الإنسان، حقه في إنقاذ حياته، ولا يجوز إنكارها عليه تحت أي مسمى. وبكل أسف، الأمين العام للجامعة العربية جعل وظيفته منع إنقاذ الشعب السوري من المذبحة، ومنح سكين النظام المزيد من الوقت للقتل.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com