العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21/10/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

يا حرام.. يا «سي لَخْضرْ»!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

17-10-2012

عندما ينقل وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن نظيره الروسي سيرغي لافروف :»إن الرئيس السوري لن يترك السلطة أبداً.. وأنه لن يرحل» وعندما يعلن نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللَّهيان أن طهران قدمت للمبعوث العربي والدولي «لَخْضر» الإبراهيمي إقتراحاً لحل الأزمة السورية ينص على :وقف العنف ووقف إطلاق النار ووقف إرسال الأسلحة ودعم المجموعات الإرهابية! وإجراء حوار وطني بين «المعارضة»! والحكومة.. وفترة إنتقالية تحت إشراف بشار الاسد» فهذا يعني أنه لا جديد على الإطلاق وكأنك «يا أبو زيد» ما غزيت.. وتي تي لا رحت ولا جيتي!.. و»لا تندهي ما في حدا»!.

الآن دخلت ليس الأزمة السورية وإنما «الحرب السورية» شهرها العشرين والآن تشير الأرقام الى أن عدد القتلى ربما تجاوز الخمسين ألفاً وأن عدد المفقودين يقدر بضعف هذا العدد في حين أنْ لا أحد يعرف أعداد المعتقلين ولا أعداد المهجرين داخلياً بينما عدد الذين لجأوا الى الخارج إقترب من النصف مليون وكل هذا وهناك مدن غدت شبه مدمرة بأكملها من بينها حلب وإدلب وحمص ودير الزور والبوكمال في الشرق وحماه وكل ضواحي العاصمة دمشق بالإضافة الى درعا والعديد من توابعها الحورانية.

وكل هذا ولا يتردد سيرغي لافروف ،الذي هو في حقيقة الأمر جنرال هذه الحرب على جانب النظام السوري مثله مثل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، في أن يقول :»إن الرئيس السوري لن يترك السلطة أبداً.. وإنه لن يرحل» وكل هذا ويقدم الإيرانيون لـ»سي لَخْضر» إقتراحاً هو بمثابة شروط إذعان وبمثابة إلزام للمعارضة برفع يديها والإستسلام.. وإلاّ ما معنى أن تقترح طهران ،المنخرطة في هذه الحرب ضد شعب سوريا منذ اللحظة الأولى، فترة إنتقالية تحت إشراف بشار الأسد؟!.

وحقيقة إن ما يدعو الى الحزن والأسى أن مهمة هذا العملاق السياسي «سي لَخْضر» قد تقزَّمت الى حدِّ الإكتفاء ،بعدما سمع في طهران ما سمعه وبعد ما سمع أنَّ لافروف بات أكثر تشدداً وأنه قال :»أن بشار الاسد لن يترك السلطة أبداً.. وأنه لن يرحل»، بأن تكون هناك هدنة وقفٍ لإطلاق النار خلال أيام عيد الأضحى المبارك.. والمؤكد ان هذا لن يكون أبداً لأنه منذ إندلاع القتال قبل نحو عشرين شهراً قد مرَّت على سوريا أعيادٌ كثيرة لكن المجازر بقيت متواصلة وبقيت عمليات التدمير مستمرة.

إن هذا هو واقع الحال وإن هذه هي حقائق الأمور ويقيناً لو أن هذا النظام تراوده أيُّ نوايا ،إنْ صادقة أو كاذبة، لحقن دماء شعبه لما استمر في عمليات الذبح والتدمير حتى الآن ولقبل منذ البدايات بمقايضة كرسي الحكم ،الذي بات يغرق في دماء الأبرياء ويرتكز على جماجم أطفال سوريا، بإخراج هذا البلد من دوامة العنف التي كان بالإمكان تجنبها لو تم التعامل مع حادثة أطفال درعا المعروفة على أساس التسامح وعلى أنهم اطفال أبرياء لا يجوز وتحت أيِّ إعتبار التعامل معهم بالقمع المفرط والتعامل مع ذويهم بالإهانات والتحقير والإذلال فأولاً وأخيراً هم أبناء للشعب السوري العظيم وهم وحتى لو أن أطفالهم قد قاموا بما نُسب إليهم فإنه لا يجوز إطلاق الوحوش المخابراتية عليهم لتنهش أعراضهم ولتمزق أشلاءهم.

لقد كان معروفاً أن مهمة الأخضر الإبراهيمي قد ولدت ميتة وأن هذا النظام الذي غرق بدماء السوريين حتى رأسه لا يمكن أن يتراجع عما كان بدأه قبل نحو عشرين شهراً طالما أن الروس والإيرانيين أكثر إصراراً من بشار الاسد على مواصلة هذه الحرب الدامية والمدمرة حتى النهاية وطالما أن العالم يتخذ هذا الموقف المخزي وطالما أن مجلس الأمن الدولي قد فقد هيبته وفقد إنسانيته وفقد مكانته الدولية ودوره التاريخي وطالما أن العرب لعجزهم لا يجدون ما يفعلونه إزاء شعب شقيق أصبح مستباحاً سوى مواصلة رفض «التدخل الخارجي» وكأن التدخل الإيراني والروسي في شؤون دولة عربية ليس تدخلاً خارجياً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأحمر الإبرهيمي!

راجح الخوري

2012-10-17

النهار

بعد مضي شهر ونيف على ما سمّاه "مهمة مستحيلة" يتبين الآن ان اقصى طموحات الاخضر الابرهيمي، ان يتوصل الى تأمين هدنة عيد الاضحى للسوريين الذين هم في موقع الاضاحي سواء الذين قتلوا منهم او الذين ينتظرون القتل بالمذابح والقنابل برميلية وعنقودية!

لكن الهدنة لن تصل الى سوريا التي انزلقت الى ما سمته هذه الزاوية منذ اليوم الاول "حرب يا قاتل يا مقتول"، إذ يكفي ان يستمع المرء الى مطالعة سيرغي لافروف امام زملائه الاوروبيين من "ان الاسد لن يترك السلطة ابداً وان القضية متعلقة بمسألة حياة او موت"، لكي يعرف ان القتال سيستمر حتى آخر نقطة دم وهو ما يدفعنا الى طرح السؤال:

اذا كانت موسكو قد عرفت وأرادت وعملت دائماً على ألاّ يترك الاسد السلطة ابداً فلماذا أغرقت العالم بالاكاذيب اشهراً طويلة، وخصوصاً قبل مؤتمر جنيف وبعده، ولماذا سبق للافروف نفسه ان قال مراراً ان بلاده غير متمسكة بالاسد وانها تسعى الى حل سياسي ينهي حمامات الدم في سوريا، بينما سهرت دائماً على توفير الغطاء للمذابح فعطلت مجلس الامن واقامت جسراً من التسليح العاجل دعماً للنظام؟

قياساً بهذا الواقع الكارثي الذي يبشر به لافروف، لا ندري لماذا يستمر الاخضر الابرهيمي في رحلته وراء سراب الدم والمآسي التي تغرق سوريا وتكاد تفيض على دول المنطقة، فهل يظن مثلاً ان كلام لافروف لا يساوي إقالة غير مباشرة له من مهمته الفاشلة؟ واذا كانت روسيا تلعبها مع الاسد على انها قضية حياة او موت فهل تكون حظوظ الابرهيمي افضل من حظوظ كوفي انان او محمد الدابي؟

ثم لماذا يتظلم المعارضة عندما يدعو الى "وقف تدفق السلاح الى جميع الاطراف" مطالباً الدول التي تملك نفوذاً على ما سمّاه بعض الجماعات، بتشجيعها على التوجه الى الحل السلمي، "بعدما لم يأت الحل العسكري بأي نتيجة"، ولكأن هذه "الجماعات" هي التي اختارت الذهاب الى الحل العسكري بينما المعروف انها استمرت لمدة ستة اشهر في التظاهرات السلمية المطالبة بالاصلاح والصارخة "سلمية... سلمية" رغم تقليع اظافر الفتية في درعا منذ اليوم الاول!

واذا كان كلام لافروف غير كاف لكي يعتذر الابرهيمي عن مهمته المستحيلة التي تتحول رخصة مفتوحة للقتل، فليس عليه إلا ان يتأمل في المقترحات الايرانية والعراقية التي سمعها، وهي تدعو الى بقاء الاسد رغم كل المذابح والمآسي التي تغرق سوريا منذ عامين تقريباً، إلا اذا كان يريد ان ينهي حياته وهو الديبلوماسي المرموق كشاهد على الدم ليصير "الأحمر الإبرهيمي"!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المنطقة بين نفوذ "الهيمنة" ونفوذ "الوكالة"

سركيس نعوم

2012-10-17

النهار

يستبعد خبراء ومحللون أميركيون متابعون بدقة أوضاع التطورات في الشرق الأوسط وتطوراتها قبول بلادهم هيمنة ايرانية على المنطقة، أو هيمنة تركية عليها، أو هيمنة مشتركة تركية – ايرانية. فالمعلومات المتوافرة عندهم تشير الى ان الادارة الأميركية ترفض اي دور للجمهورية الاسلامية الايرانية في سوريا، والمقصود هنا سوريا ما بعد اسقاط الأسد ونظامه. وتشير ايضاً الى أن تركيا، المحكومة من "حزب العدالة والتنمية" الاسلامي منذ اكثر من عشر سنوات، ليست مهتمة بالهيمنة على المنطقة نفسها. ذلك ان جلّ همّها هو احباط كل المحاولات التي تقوم بها ايران من اجل "النفاذ" بالهيمنة المذكورة. وتشير ثالثاً الى ان الولايات المتحدة في عهد اوباما المقترب من نهايته او من عهده الجديد اذا اعطاه الاميركيون اصواتهم، بل ثقتهم مرة ثانية، كما من عهد منافسه الجمهوري ميت رومني اذا فاز بالرئاسة، لا تجد لها مصلحة في الهيمنة المشار اليها اعلاه على الشرق الاوسط سواء أكانت أحادية اي ايرانية او تركية أو مشتركة بين القوتين الاقليميتين الأكبر تركيا وايران.

هل الاستبعاد المذكور اعلاه في محله؟

هو في محله، يجيب خبراء ومحللون اميركيون آخرون ومنهم متابعون عرب لأوضاع المنطقة وتطوراتها. لكنهم يلفتون الى امر مهم هو ان احداً او جهة اقليمية لم يطرح هيمنة او سيطرة كالمفصلة أعلاه. فالمشكلة بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية هي في النهاية رفض الاولى تمدد الثانية الى قلب الشرق الاوسط والعالم العربي والسيطرة عليه، والانطلاق منه للتحول صاحبة القرار الأوحد في دولهما كلها. وذلك طبعاً بعد طرد نفوذ "الشيطان الأكبر" اي اميركا منهما، كما كل نفوذ دولي آخر سواء كان اوروبياً غربياً أو روسياً او صينياً، رغم انها تظن ان في وسعها اقامة علاقات عمل مع موسكو وبيجينغ تفرضها حاجتها الى دعمهما في مواجهة اميركا، وتفرضها حاجتهما الى طهران لمواجهة الاحادية "المتغطرسة" الاميركية. أما بين تركيا والولايات المتحدة فلا يبدو ان هناك مشكلة مستعصية على الحل كما هي الحال بين الاولى وايران، فالدولتان حليفتان من زمان. ولم يتأثر هذا الحلف سلباً، كما لم تتزعزع صلابته ومتانته بانتقال الحكم داخل تركيا من العلمانيين الى الاسلاميين. وعلى العكس من ذلك يظهر، وفي وضوح، ان التفاعل بين الدولتين المذكورتين صار اكثر ايجابية بعد وصول الاسلاميين الأتراك الى السلطة. والسبب الابرز لذلك هو تحول المنطقة كلها، وخصوصاً قلبها العالم العربي، اسلامياً او اسلاموياً الامر الذي يجعل من تركيا الاسلامية وسيطاً مطلوباً ومقبولاً في مرحلة التحولات الراهنة، بل في مرحلة التغييرات التي حصلت والتي ستحصل لاحقاً ومن الحليفين معاً.

الى ذلك فان تركيا واميركا عضوان في حلف شمال الاطلسي، ويعني ذلك أن لهما اعداء مشتركين وحلفاء مشتركين، وتالياً اهدافاً مشتركة. فضلاً عن ان تركيا الاسلامية ورغم استذكارها ما تعتبره تاريخاً مجيداً للامبراطورية العثمانية، ورغم طموحها لأن تكون اطاراً جامعاً للمسلمين في هذه المنطقة من العالم، فضلاً عن ان تركيا هذه تعرف انها لا تستطيع ممارسة دور اقليمي مهم اذا لم يكن ذلك برضى شعوب المنطقة وبموافقة الدول الكبرى وتحديداً اميركا واوروبا حليفتيها. ذلك ان روسيا والصين قد لا تنظران بود أو بعطف الى الدور الذي تطمح اليه. وتعرف ايضاً ان ممارسته ستكون صعبة اذا لم يحظ بقبول شعبها "المتنوع" مذهبياً وعرقياً.

اذاً وفي اختصار فان الكلام عن دور واسع تركي – ايراني في المنطقة، وعن دور اسرائيلي الى جانبه جرى بحثه وفي العمق في دوائر عدة دولية، كان ولا يزال كلاماً عن دور "الوكيل" اذا جاز استعمال هذه الكلمة، للقوى الدولية العظمى او الكبرى المهيمنة هي على المنطقة من زمان. ولم يكن ابداً كلاماً عن هيمنة مطلقة لدولة اقلميية وإن كبرى أو عظمى على المنطقة ودولها كلها. علماً ان طموح ايران المعلن على الاقل والممارس هو الى دور كهذا. وعلماً ايضاً أن الطموح نفسه قد يكون عند الاتراك الاسلاميين لكنهم لا يعبّرون عنه صراحة لأسباب عدة تم ذكر بعضها اعلاه. ولسبب آخر قد يكون حكمة قيادتهم. ولا يعني ذلك ان قيادة ايران تنقصها الحكمة. لكن يبقى البشر بشراً، والبشر يقعون في اخطاء وخصوصاً اذا نجحت مخططاتهم على مدى سنوات فصاروا مقتنعين بأنهم لا يُقهرون. وهذا ما يسمى الوقوع في غرور القوة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

زمرة بشار.. حتمية السقوط

2012-10-17 12:00 AM

الوطن السعودية

تأكيد المملكة أمام مجلس الأمن أول من أمس أن ساعة رحيل النظام السوري قد أزفت، تلخص النتيجة الحتمية التي سينتهي إليها نظام بشار الأسد الذي يسعى يائسا لتثبيت حكمه المتداعي على قواعد من الجماجم والأشلاء. ولقد بلغت إفرازات الوضع المأساوي سواء على مستوى الداخل السوري، أو في الخارج مراحل خطيرة مع تسارع وتيرة الضحايا وزيادة أعداد اللاجئين والمشردين، وكل ذلك بسبب العنف غير المسبوق لعصابة دمشق تجاه شعب أعزل يقصف بالمدافع والدبابات وتُدك بيوته بطائرات الميج.

ولعل ما يؤكد أن ما يجري في سورية هو "إرهاب دولة" قيام النظام باستخدام قنابل عنقودية روسية الصنع حسبما أكدته العديد من المنظمات الحقوقية المستقلة، في محاولة لقمع الانتفاضة واستعادة الأراضي المحررة، الأمر الذي يعكس أن زمرة بشار لا تأبه البتة للمدنيين في سبيل تكريس سلطتها الدموية.

إن الصراع الذي يدخل شهره العشرين يوفر أرضاً خصبة للإرهاب والأعمال الإجرامية والانتهاكات بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتعذيب وتطبيق الإعدامات الخارجة عن القانون. وتكفي تحذيرات المبعوث المشترك الأخضر الإبراهيمي من أن الأزمة تشكل خطرا على "السلم العالمي"، لتوفير غطاء دولي للتدخل وحماية النساء والأطفال والشيوخ من نظام باطش لا يرقب فيهم "إلاً ولا ذمة". ولكن صيحة الإبراهيمي التي تستدعي سرعة التحرك للحفاظ على أرواح المحاصرين داخل سورية والتي حولها النظام إلى سجن كبير، لن تكون إلا مجرد صيحة في "وادي الصمت الدولي" المخزي.

حقائق المشهد السوري تقول إن النظام يستشعر الآن قرب نهايته ولذلك يضرب بجنون وفي كل الاتجاهات، ولا يهمه في ذلك حجم الضحايا الذين يسقطون مضرجين في دمائهم. وصحيح أن آلة الأسد دمرت المدن والبلدات ولم يبق على الأرض السورية شبر إلا وفيه آثار قصف أو رصاص قناص أو نيران مدفعية، ولكن موعد الثوار مع فجر الخلاص ليس ببعيد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الهلال الروسي

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

17-10-2012

بزيارة نوري المالكي، رئيس وزراء العراق إلى موسكو، زادت المسافة ابتعادا بين بغداد وواشنطن، التي صنعت نظامها السياسي الحالي. أكثر من أربعة مليارات دولار، هي فاتورة مشتريات المالكي من السلاح الروسي. السلاح - عدا عن أنه حاجة عسكرية - هوية سياسية، يعبر عن ارتباط استراتيجي خاصة عندما تكون المفاضلة بين نظامين متنافسين. على طاولة عقود السلاح، هناك الخبراء والمدربون وشبكة الخدمات، مع التصاق سياسي.

وأحد الإشكالات التي تواجه تمويل ثوار سوريا اليوم صعوبة الحصول على سلاح روسي نوعي وبكميات كبيرة، كل المنشقين عن الأسد من عسكرها مدربون على استخدام السلاح الروسي، مما جعل مهمة الأطراف الممولة صعبة لتوفير الأسلحة والذخيرة التي تدرب المنشقون على استخدامها لسنوات.

باقتراب العراق من المعسكر الروسي تكون موسكو قد عوضت خسارتها الكبيرة في ليبيا، حيث أقصاها الثوار بسبب دعمها نظام القذافي سياسيا وعسكريا أثناء الثورة، كما تفعل الآن مع نظام بشار الأسد في سوريا. وبانقلاب المالكي على واشنطن بذهابه إلى موسكو صرنا أمام محور جديد، يتمثل فيما كان يسمى بالهلال الشيعي، يبدأ من إيران فالعراق وحتى سوريا ولبنان. إلا أن سوريا حالة مؤقتة، كما يعترف بذلك فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة «روسيا في الشؤون الدولية»، الذي يقول «من الصعب تصور أن بشار الأسد يتمتع بفرص واقعية للبقاء في السلطة على مدى بعيد بعد كل ما حدث في بلاده في الأشهر العشرين الأخيرة».

ولوكيانوف محق عندما يحتفل بانتقال العراق إلى الصف الروسي ويعتبره انتصارا سياسيا واقتصاديا كبيرا لموسكو. إنما لست متأكدا أنه سيكون ربيعا سهلا على المالكي نفسه الذي يغامر كثيرا بالالتصاق بالروس والإيرانيين.

الأميركيون يرون فداحة الخطأ الذي ارتكبوه بدعم المالكي، معتقدين أنهم يناصرون بذلك أغلبية السكان في العراق. إصرارهم على تفسير الأحداث السياسية في المنطقة من منظور إثني قادهم إلى تسليم العراق إلى الخصمين، إيران وروسيا. فمن الخطأ تصوير ما يحدث بالعراق، أو حتى بسوريا اليوم، على أنه جماعات تتقاتل طائفيا، حتى لو كانت التقسيمات الديموغرافية، سنيا وشيعيا، تدلل على ذلك. تحالفات الأنظمة ظلت في معظمها ذات أبعاد مصالح سياسية، قد تتفق أحيانا مع المفاهيم الدينية وقد لا تتفق. إيران، كدولة ثيولوجية شيعية، هي أكبر حليف لتنظيم القاعدة السني، وسبق أن تحالفت مع جماعات سنية سياسية مثل الإخوان المسلمين ضد أنظمة سنية رئيسية في المنطقة.

والخطأ الثاني المكمل، أن واشنطن ظنت أنه يمكن أن تدير علاقة براغماتية مبنية على التوازن والمصالح مع إيران في العراق لمواجهة «القاعدة» والجماعات السنية المسلحة وبقايا البعث، لأن هذه الجماعات عدو مشترك. واشنطن لم تدرك إلا متأخرة أن إيران وراء الجماعات السنية المسلحة، كما كانت وراء بعض الجماعات الشيعية المسلحة أيضا. إيران تملك مشروعا منافسا للولايات المتحدة ولديها خريطة طريق معاكسة السير.

ولأن الحديث يطول عن حروب وتحالفات السنوات العشر في العراق، وقد أصبح تاريخا وراءنا، فإن الأهم هو محاولة فهم مستقبل العلاقة الجديدة، إيران وعراق المالكي وروسيا. سوريا هي الرابط بينها، حيث يجتهد الثلاثي لدعم نظام الأسد في وقت يقدم فيه الأوروبيون والأميركيون القليل لمساندة الثوار. وعلى الرغم من بطء الانتصار فإن نهاية اللعبة في سوريا معروفة، سيخسر الحلف الروسي لأن الأسد سيسقط، وقد تنتقل الأحداث لاحقا إلى العراق. والأسباب معروفة، ففي العراق بركان يوشك على الانفجار بسبب تمادي المالكي في الهيمنة على مفاصل الدولة جميعا، وإهانته حلفاءه الذين دخلوا معه في محاصصة الحكم. لهذا ينفق المالكي بكرم على نظام الأسد، يريد إنقاذه، ويقوم بدور الممول المالي لمشاريع إيران الخارجية، مثل دعم حزب الله، بعد أن أصبح الإيرانيون في ضائقة مالية تهدد أسس النظام وبقاءه.

الحلف الروسي الذي يتشكل في الشرق الأوسط يعني أننا أمام عودة القطبين، وينذر بالمزيد من المشكلات وليس استقرار التوازن، كما يظن البعض.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف : هدنة عيد !!!( الجنازة حافلة والميت ...) .. زهير سالم*

لا بد لنا ابتداء أن نشهد للمبعوث الأممي بالبراعة السياسية والدبلوماسية . فبعد خمسين يوما من فعل ( لاشيء ) ومن غيبة ألحقها البعض بغيبة مأمول الفرج ، عاد السيد المحترم بقفزة بهلوانية ، لا تتناسب مع وقار العمر ؛ بعرض ( هدنة عيد ) لمدة أربعة أيام . يعرض هدنة أربعة أيام فقط فيخطف بها الأضواء بعد أن انطفأت ، ويملأ الدنيا ويشغل الناس !!

 

بتنا بالأمس الخميس ثاني الأيام العشر من ذي الحجة الحرام على مائتين وثلاثين شهيدا على أرض الشام . مائتان وثلاثون شهيدا بينهم عشرات النساء والأطفال . تذكرنا مجزرة مسجد معرة النعمان الذي تحول إلى ملجأ مدني بمجزرة ملجأ العامرية في بغداد . ملجأ العامرية اخترقته القذائف الأمريكية هناك ومسجد معرة النعمان تخترقه القذائف الروسية هنا .

 

وبدلا من أن يشتغل الرأي العام والرأي الخاص ( المبعوث الأممي ومن بعثه ) بتعقب مفاصل المجزرة والسعي لمواجهة القتلة في الساحة الأمامية لفعلهم ؛ يتراجع السيد المبعوث الأممي خطوة إلى الوراء عن مطلب موكله السيد بان كيمون الذي أعلن قبل أيام فقط بطلبه واضحا صريحا : وقف إطلاق دائم ومن طرف واحد يطالب به بشار الأسد وحده. بقدرة قادر وإرادة ملتوية يقزّم الدبلوماسي البارع طلب موكله إلى هدنة عيد لمدة أربعة أيام فقط . فتعلق هذه المرة الصنارة وتبدأ عملية مقصودة لذاتها من الشد والجذب ..

 

وبينما يمضي مشروع القتل الأسدي إلى غايته ؛ يتكاثر المعلقون حول القصعة الملغومة أو المسمومة . نقبل ، لا نقبل ، نقبل بشرط ، بل بشروط ، لا نقبل ولكن .. بل لماذا تأخرتم بالقيول ؟! لا..لا.. كيف أعلنتم القبول ألا تدرون ما يعني هذا ؟!!! وكان هذا الذي يجري هو المطلوب .

 

 المطلوب أن تدور أبصار المتابعين للمشهد السوري والمتضررين به والمستفيدين منه وراء ( كرة حامية ) تحركها خيوط المبعوث الأممي . الذي أراد أن يثبت لمن ينتظره أنه _غودو _ الذي سوف يعود ..

 

ربما بعض الرصانة في الموقف الذي نحن فيه تنفع . لقد قالت المعارضة السورية منذ أول يوم للمبعوث الأممي ولسلفه أيضا : إن مهمتك مستحيلة . وإن جهدك عبثي . وإنك إذ تصر على اختيارك تفعل ذلك على حساب دماء أطفالنا . طلب الإيضاح فأوضح الجميع له الحقائق . وحددوا المطالب . فهل كان من الحكمة ومن الرصانة أن تقطع قوى المعارضة جميعا مع كل هذا لتكون كمن _ كيفما مالت الريح يميل _؟! ألم يكن من الأجدى للمعارضة السورية ألا تنغمس في لعبة المبعوث الأممي والتي هي في النهاية لعبة النظام فتجيب المبعوث كلما دعاها إلى بُنيّة من بُنيات الطريق _ وإنك لتعلم ما نريد _ ..

 

حين نتابع الضوضاء التي أثارتها مبادرة السيد المبعوث الأممي حول هدنة الأيام الأربعة . بل زعم البعض أن عيد الأضحى عند الإيرانيين يوم واحد _ وعيد النيروز ثلاثة عشر يوما _ نتذكر قول العامة في وطننا وما أروعهم وأذكاهم وأزكاهم : ( الجنازة حافلة والميت ..) كلكم ستكملون المثل ، و سيوافق بعضكم معي على أن الهدف من إشعال الخلافات الصغيرة على الساحة الوطنية هو أن يتدفأ على نارها هؤلاء العابثون ..

هل تستحق هدنة أربعة أيام كل هذا المخاض ثم قد يكون الوليد خديجا ؟!

لندن : 3 ذو الحجة 1433

19 / 10 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حديث أوباما ورومني الأجوف عن سوريا

ريتشارد كوهين

الشرق الاوسط

17-10-2012

في ظل بحث محموم عن اتفاق بين الحزبين في واشنطن، يمكنني ذكر شيء أشبه بانفراجة، رغم أن أيا من الطرفين لن يعترف بذلك، يتفق ميت رومني وباراك أوباما على ما ينبغي القيام به حيال الحرب الأهلية السورية، وهو أن يدعا القتال يستمر. هذا النهج يجدي نفعا حتى هذه اللحظة، فقد وصل عدد القتلى إلى نحو 30 ألفا، مضافا إليه المئات الذين يقتلون يوميا. وللنساء والأطفال نصيب لا بأس به من هذا الرقم.

وهناك قدر كبير من المعاناة والدمار المادي الهائل كما يكون الحال في أي حرب. يمكن أن يستمر كل هذا، بموجب الاتفاق بين الحزبين، إلى أن يدرك الحاكم المستبد بشار الأسد أن الحياة قد تكون أفضل كثيرا في الريفيرا الفرنسية. ومع هذا سيستغرق هذا الأمر بعض الوقت. وسدد رومني عبر خطابه الكبير عن السياسة الخارجية - الذي لم يكن فيه محددا - ضربة قوية لأوباما فيما يتعلق بسوريا. وقال خلال الشهر الحالي: «لقد فشل الرئيس في اتخاذ وضع القيادة في الشأن السوري. ويشارك المتطرفون الذين يتبنون نهجا عنيفا حاليا في القتال. وتعرضت تركيا حليفتنا لهجمات. ويهدد الصراع الاستقرار في المنطقة». هذا صحيح بالفعل، بل صحيح جدا. ما الذي يقترح رومني أن تفعله الولايات المتحدة إذن؟ هل يوصي بفرض منطقة حظر جوي تمنع الأسد من استخدام المروحيات المقاتلة في قصف حلب والمدن الأخرى؟ لقد سألت حملته الانتخابية وأجابت بالنفي. لذا، هل كان رومني يعني تزويد الثوار السوريين بأسلحة مضادة للدبابات والطائرات؟ كانت الإجابة بالنفي أيضا. ستسهل إدارة رومني بالأساس تدفق الأسلحة الثقيلة، لكن هذه الأسلحة مقدمة من آخرين. ربما يكون هذا ليس بالمساعدة الكبيرة، لكنه على الأقل أكثر مما تفعله إدارة أوباما.

ثبت أن كل التوقعات بانتهاء الحرب سريعا خاطئة. لقد استخدم الأسد جيشه وقواته الجوية وأجهزة الاستخبارات المحلية ضد شعبه. ولا داعي لأن أذكركم بأن هذا الشعب هو المسلمون من خارج الطائفة العلوية. وللمفارقة تبين صحة كل التوقعات بما سيحدث في حال تدخل الغرب، فقد حدث ذلك دون أي تدخل. لقد انتشرت حمى الحرب وأصبحت تركيا أكثر عدوانية تجاه سوريا، بل وتبدو متحفزة للقتال.

وربما يترتب على هذا الصراع قتال في لبنان رغم أنه من الصعب تحديد السبب، لكن في النهاية سيعمل الأسد على إثارة الاضطرابات هناك. إن هذه هي الصفحة الثانية من الكتاب السياسي السوري. يشعر الأردن بالقلق مما يمكن أن يحدث. عليه استقبال عدد لا يحصى من اللاجئين، حيث يضم معسكر واحد 9 آلاف سيدة سورية، 720 منهن حوامل، ويفتقر إلى الوسائل الضرورية للحياة. وتقدم الأمم المتحدة مساعدات. ولا يزال النظام في الأردن، صامدا، لكن لا ينبغي التعويل على ذلك.

على الجانب الآخر، يعمل الجهاديون - الذين لا يجيدون القتل فحسب، بل الحصول على الأسلحة أيضا - على تهميش وإبعاد أفراد الطبقة الوسطى السورية من المتعلمين الذين قادوا المظاهرات التي تحولت إلى ثورة. لا يستطيع أي أحد، بما في ذلك الولايات المتحدة، السيطرة على وصول الأسلحة إلى أيدي الثوار لضمان عدم حصول المتطرفين على أسلحة لا ينبغي لهم الحصول عليها. وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فسوف ينتهي الحال بوقوع هذه الأسلحة في أيدي أعداء أميركا كما حدث في أفغانستان بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي.

كنا نستطيع تفادي الجانب الأكبر من هذا لو كانت الولايات المتحدة اتخذت موقفا مبكرا حاسما تدعم فيه الثوار السوريين. عوضا عن ذلك، كان أوباما يلجأ عبثا إلى كل من كوفي أنان وفلاديمير بوتين للمساعدة في وضع حد للحرب في الوقت الذي كان ينبغي فيه التحضير لهجمات جوية.

لقد كان هذا هو ما ساعد في تحقيق الغرض في البوسنة وكوسوفو، وحتى في ليبيا، حيث كان الهدف هو خلع العقيد معمر القذافي ووقف حمام الدماء، وقد أجدى هذا نفعا. إن مجرد الإبقاء على طائرات الأسد على الأرض كان ليوضح للجيش السوري أنه كان يلعب مع الرجل الخطأ، وكان سيتبع ذلك انشقاقات، لكن ما فعله أوباما هو أنه ترك الموقف ينحرف ويزداد سوءا. لقد كان لديه فرصة لتخليص المنطقة من حاكم مستبد ويدع نظاما سنيا، ضد إيران، يحل محله على حدود إسرائيل الشمالية؛ هذه الحدود التي يصطف عليها ما يزيد على 33 ألف صاروخ لحزب الله موجهة نحو إسرائيل.

كانت كلمات رومني في خطابه الخاص بالسياسة الخارجية عن سوريا قوية، لكن مقترحاته كانت فاترة. لا بديل عن القيادة الأميركية. إذا كان سيتم تزويد الثوار السوريين بأسلحة، فعلى أميركا تنظيم توزيع تلك الأسلحة، وإذا كانت هناك حاجة إلى فرض منطقة حظر جوي، فلا توجد سوى أميركا قادرة على ذلك لا تركيا، القوة الاستعمارية القديمة. لقد كان رومني موفقا عندما أشار إلى افتقار أوباما إلى حس القيادة فيما يتعلق بسوريا. وكان من الأفضل أن يعمل هو من أجل الحصول على بعض هذا الحس لنفسه.

* خدمة «واشنطن بوست»

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

احتل عفلق السلطة فقلبه عسكر الطائفة

غسان الامام

الشرق الاوسط

16-10-2012

يقترب الرقم، عندي، من مرتبة القداسة. فهو الحقيقة الأزلية التي لا تقبل نقضا أو نقدا. من هنا، أرى من واجبي أن أصحح رقما ورد خطأ في حديث الثلاثاء الماضي. فأقول إن سعد الله الجابري، وليس فارس الخوري، كان رئيس وزراء سوريا في عام 1946. وقد خلف الجابري زميله الخوري في 30/10/1945. وكان الخوري خلف الجابري في عام 1944.

وأضيف أن شكري القوتلي تولى رئاسة الجمهورية في الأربعينات، من دون أن يكون لأحد فضل عليه في الوصول، سوى نزاهته التي صانته من الاتهام في قضية اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر. ثم لموقفه الشعبي الصارم الرافض لربط العملة السورية بالعملة الفرنسية، عندما كان وزيرا للمالية، في حكومة زميله جميل مردم في الثلاثينات.

في تقييم أخير للجيل القومي الأول الذي قاد النضال من أجل الاستقلال، أذكر الساسة السوريين اليوم بأن الشهبندر. هنانو. مردم. القوتلي. الجابري. هاشم الأتاسي... كانوا مؤمنين بالعروبة والتعددية الديمقراطية. هؤلاء كانوا يعرفون أن سوريا، بغير العروبة، لا تستطيع أن تلعب دورا يذكر في وطنها العربي الكبير.

في مرحلة الخمسينات والستينات، كان المسرح السياسي السوري أكثر تعقيدا. وغموضا. وخطرا. فقد اتسمت المرحلة بالصراع بين يمين تقليدي، ويسار قفز فجأة إلى المسرح، عبر تسييس الأجيال الجديدة، فأدلج سياسيا العروبة، بلا مبالاة بالحرية والديمقراطية.

وإذا كان جميل مردم المحرك السياسي لمرحلة النضال من أجل الاستقلال، فقد كان أكرم الحوراني المحرك السياسي لمعظم المرحلة الثانية. ومن متابعتي لمسيرة الحوراني عن كثب (صادف أني عملت في صحف ثلاث كان يشرف سياسيا عليها) أستطيع أن أقول إن الحوراني أيقن، حتى بعد اندماج حزبه الاشتراكي بحزب البعث، أن الحزب الجديد عاجز، عن توفير أغلبية نيابية حاكمة، عبر صندوق الاقتراع، في مجتمع محافظ.

كان خطأ الحوراني يكمن في تسرعه. فقد لجأ في الخمسينات. إلى دفع شباب الطائفة العلوية، إلى الانخراط في الجيش. وعندما أفاق في الستينات على خطئه المروع، كان الوقت قد فات لإنقاذ الديمقراطية. فقد قوض عسكر الطائفة نظام اليمين الانفصالي الذي دعمه الحوراني. واضطروا الحوراني نفسه إلى الفرار إلى المنفى، واعتزال السياسة.

ولم يكد الحوراني يغسل يديه من الطائفة العلوية، حتى ارتكب ميشيل عفلق وصلاح البيطار الخطأ ذاته. فقد راهن الرجلان على الضباط العلويين، بعدما اتخذ عفلق قراره السري الخطير، باستيلاء «البعث» على السلطة والدولة، إثر سقوط الوحدة المصرية/ السورية.

وبالفعل، تمكن عفلق، بعد سلسلة مؤتمرات حزبية متناقضة، من تحقيق حلمه بالاستيلاء على السلطة، وتشكيل حكومة «البعث القومي» برئاسة صلاح البيطار. غير أن عفلق سرعان ما واجه انقلابا عسكريا علويا (1966) يقوده ابنه «الروحي» صلاح جديد مع حافظ الأسد. وهكذا، كان على عفلق والبيطار، أن يلحقا بزميلهما اللدود الحوراني في المنفى.

بانقلاب الأسد على صلاح جديد (1970)، انكشف تماما مخطط الطائفة العلوية. الواقع أن الطائفة راهنت أولا على «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، منذ الخمسينات. لكن فاشية الحزب. وعداءه للعروبة. واغتياله العقيد عدنان المالكي (1955) رجل الحوراني في الجيش، كل ذلك أدى إلى صرف نظر الطائفة عنه، والتحول إلى «البعث» بجعله مطية بديلة أسهل للوصول إلى الهدف، بخداع زعماء الحزب التاريخيين، ثم إقصائهم، بعد الاستيلاء على السلطة والدولة.

قد تسألني، عزيزي القارئ، عن اليمين السوري، في هذه المعمعة اللاأخلاقية. أجيب بأن «حزب الشعب» بزعامة رشدي الكيخيا ورث «الكتلة الوطنية». وشكل الأغلبية في مجلس نواب الخمسينات. وشارك في الحكم، في مرحلة الديمقراطية الصعبة (1954/ 1958). وخاض معركة غير متكافئة مع يسار مدعوم مخابراتيا وعسكريا. اختفى حزب الشعب بقيام الوحدة المصرية/ السورية (1958). ثم اختفى ثانية بسقوط نظام الانفصال (1963).

كان قلبي على اليسار، شأني شأن معظم شباب جيلي آنذاك. لكن ما زلت أعتبر زعيم اليمين رشدي الكيخيا أنزه سياسي أنجبته سوريا في القرن العشرين، وأكثرهم عفة. فقد اكتفى بمقعده النيابي، محتجا بصمت نبيل على عسكرة اليسار للسياسة. وعندما أجمع اليمين واليسار على ترشيحه رئيسا لجمهورية الانفصال، رفض بإباء وكبرياء قائلا: «اليد التي وقعت وثيقة الوحدة مع مصر، لن توقع وثائق الانفصال».

رفض الكيخيا المنصب الرفيع. فقبل به زميل عمره الدكتور ناظم القدسي. بعد أشهر قليلة، عبأ ضباط الانفصال الدمشقيون خريج جامعات سويسرا، في مصفحة عسكرية. وأودعوه سجن المزة. ثم ذهبوا إلى القاهرة نادمين. باكين. مطالبين عبد الناصر باستعادة الوحدة. وكان الرد الشهير: «الوحدة التي ذهبت بانقلاب، لا تعود بانقلاب». عاد الانقلابيون. ردوا الاعتبار للرئيس القدسي. كان عليه أن يستقيل احتراما لكبريائه المهانة. لكن انتظر أن يطيح به الانقلاب البعثي الناصري (1963).

بانقلاب حافظ الأسد (1970)، تختتم الطائفة العلوية عقد المكر والخديعة الستيني، بإقامة دولتها الطائفية المزدانة بالشعارات القومية البعثية/ الناصرية. جرى ذلك بمعزل تام عن «جماهيرنا الشعبية» التي غابت عن السياسة. والعلم والخبر. والمشاركة، منذ بداية الستينات.

مع الثورة، جرى تشريح نظام الأسد عربيا ودوليا، بتفاصيل كثيرة. ليس لدي ما أضيف في هذه العجالة، سوى التنويه بحنكة الأسد الأب، في حبك التحالفات وتفكيكها، بمهارة لم تتوفر لابنه السعيد في الحب. التعيس في السياسة.

نخب سنية كثيرة. بليدة. غطت من مواقعها العسكرية. الحزبية. الاقتصادية، الحلف السام مع النظام الفارسي. وتسترت على شراسة النظام العلوي، بمشاركته في فساد ليبراليته الاقتصادية المتوحشة.

تشكون من عبادة الشخصية عند العلويين؟ لماذا لا تسمعون ما قاله وفعله «سنة» النظام؟! شبه العماد مصطفى طلاس رئيسه حافظ الأسد، بعد مجزرة حماه، بالرسول الكريم «الذي أدبه فأحسن تأديبه» (مجلة المستقبل 27/2/1988)، ثم يضيف: «عندما أنظر إلى مقدار واقعية فكر الأسد الاشتراكي يقفز إلى ذهني فورا هيغل. نعم، الأسد برأيي هو هيغل العصر». لا تضحك يا قارئي العزيز.

التركي (العصملي) داود أوغلو يرشح فاروق الشرع لخلافة رئيسه الأسد الابن، على رأس حكومة «إصلاحية». لم ينجح الشرع في الانشقاق والفرار، على مدى عشرين شهرا. فكيف ينجح في تفكيك دولة طائفية. مخابراتية. مافيوية، ذبحت ألوف المدنيين العزل، في مسقط رأسه، بسهل حوران؟! نعم، لست مع «اجتثاث» البعث. لكن هل كان البعثيون المنشقون يفكرون بالانشقاق، لو أن النظام الطائفي ظل ثابت الأركان؟

لست الشاهد الوحيد على التاريخ، لأحتكر روايته. هناك شهود حزبيون. سياسيون، قدموا روايات مختلفة للتاريخ. قد تكون رواية صحافي مستقل، لم يكن سياسيا. أو حزبيا، هي أكثر أمانة. لقد اكتفيت بتقديم لمحات سريعة عن شخصيات سورية صنعت التاريخ. وبإمكاني أن أكتب عن كل منها. وعن غيرها، صفحات طويلة.

لعل صفحات «الشرق الأوسط» مفتوحة أمام الباحثين. والمؤرخين. وعلماء الاجتماع ليكتبوا بموضوعية التاريخ السوري المعاصر، لا لخدمة الحاضر، إنما لخدمة الحقيقة، في ساعة الحرية، لتعريف السوريين بتاريخ، عمل نظام الطائفة والعائلة، لحجبه عن الذاكرة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فـوضى مع سبـق الإصـرار!! * ياسر الزعاترة

الدستور

16-10-2012

مشهد الصراع في سوريا مثير للحزن والقهر في آن. مثير للحزن لأن عملية تدمير البلد تمضي على قدم وساق دون توقف، فيما يتصاعد رقم الشهداء والجرحى والأسرى والمعذبين والمهجرين. ومثير للقهر لأن هناك من يصر على تحميل المسؤولية لشعب خرج يطلب الحرية ودفع آلاف الشهداء قبل أن تطلق رصاصة واحد ضد جنود النظام أو أجهزته الأمنية.

يعلم الجميع أن بشار الأسد لن يبقى حاكما لسوريا حتى لو استمر الصراع سنوات أخرى، لكن العالم يصر على سياسة الفرجة وتكبيل الثوار لكي يطيل أمد المأساة. يحدث ذلك لسبب بسيط هو أن مسارها القائم يخدم البرنامج الإسرائيلي في تدمير البلد وإشغاله بنفسه لعقود طويلة، فيما يخدم الرؤية الإيرانية أيضا؛ تلك التي تدرك أن (سوريا ضعيفة تنهشها النزاعات الداخلية لن تكون قادرة على تهديد مكتسباتها في العراق ولبنان).

نقول ذلك لأننا ندرك أن طهران ليست من السذاجة بحيث تعتقد أن بشار الأسد وعصابته سيستمرون في حكم سوريا بعد نهر الدماء الذي جرى ويجري، وبالتالي فهم يتآمرون مع الصهاينة الذين يزعمون أنهم يواجهونهم بسياسة المقاومة والممانعة.

العالم يتخذ من حكاية المقاتلين الأجانب ذريعة لمنع الدعم القادر على حسم المعركة، فيما يعلم الجميع أن إطالة المعركة هي التي تزيد في حجم الظاهرة الجهادية (مساعدة الشعب السوري ليست عيبا)، ولعلهم يريدون تعزيز الفوضى القائمة كمسار يؤدي لمزيد من التدمير، لأن بلدا مدمرا تعمه الفوضى لن يكون قادرا على التأثير على الحبيبة “إسرائيل”.

تركيا بدورها تبدو الأكثر ميلا لإنهاء الصراع بأسرع وقت ممكن، لكن حكومتها تبدو عاجزة عن فعل شيء خارج إطار مد الثورة بما يكفي للاستمرار، والسبب أن حجم المعارضة الداخلية والمخاوف المترتبة على تصعيد التدخل وصولا إلى العسكري لا يبدو سهلا بحال، لا سيما المعارضة العلوية الداخلية معطوفة على تصعيد نشاط حزب العمال الكردستاني الجاهز للعمل كبندقية للإيجار في خدمة البرنامج الإيراني. وحين تهدد إيران ونظام بشار بتزويد الأكراد بصواريخ “كورنيت” الإيرانية المطورة، فليس ذلك بالأمر اليسير، إذ ستمنح المتمردين قدرة هائلة على اصطياد الدبابات والآليات التركية بسهولة، فضلا عن تزويدهم بمضادات للطيران. الأهم بالطبع هي الضغوط الغربية التي تتعرض لها تركيا لكي لا تدعم الثوار بالأسلحة الثقيلة، فضلا عن التدخل العسكري المباشر، وهي ضغوط لا يمكن اعتباراها أمرا سهلا في ظل التزامات البلد بعضوية الناتو واستحقاقاتها.

تركيا تعاني أيضا من حقيقة أن الفوضى القائمة في الساحة السورية من جهة الثوار لا زالت تصعِّب الموقف بشكل كبير، وهي إذ تحاول لملمة خيوط المشهد، فإن حجم الفوضى يبدو أكبر من قدرتها على التعامل معها على نحو يقرب النصر على النظام.

عربيا يمكن القول إن كثيرا من الدول العربية تبدو مرتاحة لما يجري، لا سيما تلك التي لم يصلها قطار الربيع العربي وناهضته طوال الوقت تبعا لحساباتها الداخلية (سوريا مختلفة تبعا لإشكالية إيران والزخم الشعبي الداخلي المؤيد لها، وحسابات أخرى خاصة بكل نظام)، وهي أكثر ميلا لإطالة الحرب من أجل التدمير كي لا يفكر أحد بعد سوريا بالثورة تعزيزا لفكرة منع الفتنة ولأجل حقن الدماء.

الآن يمكن القول إن لعبة التدمير والفوضى قد بلغت مداها، وقد تحقق للأطراف المشار إليها ما تريد من الناحية العملية، اللهم إلا إذا توفرت لديها شهية للمزيد. وهذا يعني أن إمكانية سقوط النظام قد باتت واردة، لكن المصيبة أن الأخير لم ييأس، وهو يفكر أولا في الخطة (ب) ممثلة في الدويلة العلوية، وهو سيناريو آخر تدعمه إيران ما دام ممكنا، مع بقاء الهدف الآخر قائما، وربما متحققا على نحو ما، أعني تدمير البلد لمنع التأثير اللاحق على لبنان والعراق.

ليس هذا دعوة لليأس، بل دعوة لأن يستدرك الحريصون على سوريا وعموم الربيع العربي الموقف ويبادروا إلى فعل أقوى لوقف لعبة التدمير، بخاصة مصر وتركيا والدول الحريصة على الثورة.

لا ننسى هنا قوى الثورة والمعارضة التي ينبغي أن تكف عن لعبة الاصطفافات والاقتتال على مكاسب سخيفة، فيما البلد يدمر أمام أعينها، مع نداء إلى المجاهدين المخلصين أن يستوعبوا أن هذه ثورة حرية وتعددية وهم يطلبون الأجر من الله بنصرة شعب مستضعف، ولا يجاهدون لأجل تشكيل إمارة أو إمارات، لأن الأمر ينبغي أن يٌترك للسوريين. وليتذكروا أن من ذهبوا للجهاد في افغانستان ذات يوم لم يفعلوا ذلك إلا نصرة للمستضعفين وليس لإنشاء دولة وحكمها.

لقد دفع السوريون ثمنا باهظا من أجل التخلص من الطاغية وولوج باب الحرية، وهم ماضون في الدرب لن ييأسوا، لكن المخلص هو من يساهم في تسريع الحسم وتقليل المعاناة والتضحيات بكل ما أوتي من قوة.

بقي القول إن الثوار بشتى ألوانهم ورغم الفوضى التي يعانون منها، إلا أنهم يُظهرون عزيمة تستحق الإعجاب، وهم رغم بؤس التسليح يصمدون ويتقدمون بشكل تدريجي يبشر بانتصار قادم لا محالة، بل لعله بات قريبا بإذن الله.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الشكوك الغربية بالمعارضة السورية

الياس حرفوش

الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

إذا كان الرئيس السوري قد «نجح» في أمر حتى الآن، في مواجهة المعارضة الوطنية الواسعة ضد نظامه، فيجب الاعتراف بأن إطالة عمر المواجهة، نتيجة رفض النظام التجاوب مع مطالب شعبه، ساعد على فتح الباب والحدود السورية أمام السلاح المتعدد الاتجاهات والأهداف، والذي استقدمه المعارضون لمساعدتهم في المعركة الدائرة لإسقاط النظام بالقوة.

وتكفي متابعة أسماء الكتائب والتنظيمات والفرق المقاتلة التي نقرأ بياناتها العسكرية كل يوم، لنتبين منها الوجهة التي تريد هذه التنظيمات أن تأخذ سورية إليها إذا انتصرت، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ليس في سورية وحدها بل ربما في المنطقة ككل.

وإذا كان التفكك الواضح في صفوف المعارضة (السياسية والعسكرية) لا يكفي لإحياء آمال نظام الرئيس بشار الأسد بتجاوز أزمته الوطنية الكبرى مع شعبه، ها هي التقارير الصحافية الغربية التي باتت تنهمر علينا في شكل دوري عن التنظيمات الإسلامية المتطرفة، التي تستوحي أفكارها من تنظيم «القاعدة»، ودورها في تسليح الجزء الأكبر من عمليات المعارضة في الداخل. ومن شأن هذه التقارير أن تزود إعلام النظام السوري بحاجته من الدعاية الموجهة ضد المسلحين وأهدافهم، تطبيقاً للنظرية التي أطلقها منذ بداية المواجهات أن الحرب التي يخوضها هي مع «الجماعات الإرهابية المسلحة».

هكذا، يمكن تخيّل سعادة الرئيس السوري وهو يقرأ التقرير الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أمس، والمتضمن تفاصيل تتعلق بحذر إدارة الرئيس أوباما من هوية معظم المسلحين الذين يقاتلون النظام، ومن أهدافهم في سورية بعد الانتصار الذي يسعون إليه. وتنقل الصحيفة عن مسؤول في الإدارة قوله «جماعات المعارضة التي تحصل على المقدار الأكبر من المساعدات العسكرية ليست هي الجماعات التي نريدها أن تحصل على هذه المساعدات».

يضاف هذا إلى تقارير أخرى عن قيام الجنرال ديفيد بترايوس مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) بزيارة إلى تركيا الشهر الماضي للاطلاع على عمليات تسليح التنظيمات المعارضة والجهات التي يذهب إليها السلاح، ولمحاولة تنظيم جهة معارضة تستطيع الولايات المتحدة العمل معها ودعمها. ومن المبالغة القول إن حذر الولايات المتحدة حيال أهداف معظم تنظيمات المعارضة السورية يعود فقط إلى تردد الرئيس أوباما في توريط إدارته في الأزمة السورية عشية الانتخابات المفصلية للرئاسة، والتي بات التنافس فيها حاداً بينه وبين المرشح الجمهوري ميت رومني. ذلك أن الفوارق تكاد تكون معدومة بين الرجلين فيما يتعلق بالموقف المعارض لتسليح «أفغان جدد» على الأرض السورية. فعلى رغم أن رومني يبدو أكثر استعداداً من أوباما للمشاركة بفعالية في إسقاط الأسد، إلا أنه أعلن في خطاب أخير أنه سيتأكد من أن المجموعات التي تدعمها الولايات المتحدة هي تلك التي «تلتقي أهدافها مع قيمنا». وبديهي أن مناصري «القاعدة» وحاملي أيديولوجيتها لن يكونوا من بين هؤلاء.

وإذا كان من الطبيعي والمفروض أن لا تعلق المعارضة الوطنية السورية آمالها على شروط الدعم الأميركي، فإن غياب هذا الدعم السياسي للمعارضة، والقلق من هويتها وبرنامجها، باتا يضعان المعارضة أمام خيارين، أحدهما أسوأ من الآخر: إما الفشل وبالتالي بقاء الأسد في السلطة، والأصح «عودته إليها». أو ترك الساحة لـ «الجهاد السوري» الذي بات يُخشى أن يحول سورية إلى «أفغانستان جديدة» في قلب العالم العربي، مع ما لذلك من ذيول ومضاعفات على مستقبل المنطقة وعلى أيديولوجية الحركات التي استطاعت العبور بثوراتها حتى الآن بمقدار معقول من النجاح والأمل.

لا يعني هذا الكلام بالطبع أن بقاء الأسد هو «أفضل الممكن» في الوضع السوري، فالسوريون، بعد كل ضحاياهم والدمار الذي لحق ببلادهم، يستحقون غير ذلك. من هنا، مسؤولية المعارضة الوطنية السورية (السياسية والمسلحة) أن تتفق على برنامج موحد يكون مقنعاً ومحرجاً في الوقت ذاته، للعرب والعالم، بأن معارضي سورية يستحقون الدعم لأنهم لن يسمحوا بتحويل بلدهم إلى ساحة للتطرف والفوضى بعد سقوط الأسد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأسد لن يرحل أبداً؟

علي حماده

2012-10-16

النهار

أهم ما قيل في الفترة الاخيرة عن الازمة في سوريا هو ما نقله وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن نظيره الروسي سيرغي لافروف من ان "الرئيس بشار الاسد لن يرحل ابدا". ففي هذا الكلام لا بل في هذا الموقف الذي حمله وزير الخارجية الروسي تكمن المعضلة في سوريا. فالمعركة مفتوحة حتى ينكسر احد الطرفين او يتعادلان سلبيا ويتوقف القتال ليعقد مؤتمر دولي حول سوريا لتظهير صفقة دولية قد تأتي وقد لا تأتي في القريب العاجل. ومن هنا التوقع بان يكون فصل الشتاء اقسى واكثر دموية في ظل تحول المعركة في سوريا من ثورة ارادها السوريون شعبية سلمية الى حرب تحرير كاملة الاوصاف، فصار الاحتكام الى القوة والسلاح هو السائد.

إذاً روسيا تبلغ الغرب ان بشار لن يرحل، بالرغم من تقهقر قواته على الارض، وبدء تساقط طائراته الحربية المغيرة على المدن والبلدات بأعداد اكبر، وتحول المعركة على الارض الى معركة للاستيلاء على اكبر مساحة في الشمال المحاذي لتركيا من اجل اقامة منطقة عازلة بالامر الواقع. ومن هنا اشتعال حرب الامدادات التي يعول عليها النظام لفك عزلة العديد من وحداته المقاتلة في محيط حلب وريف ادلب. ومن جهته يضع النظام ثقلا استثنائيا في حمص من اجل اسقاط آخر معاقل الثوار في الاحياء القديمة. ومعلوم ان لحمص خصوصية كونها تقطع التواصل الطبيعي في ما بين "الكانتون العلوي" على الساحل السوري، ومنطقة البقاع اللبناني المعتبر من الناحية العملية جزءا من دويلة "حزب الله". هذا ما يفسر التورط العسكري لـ"حزب الله" في معارك القصير ومحيطها، والهدف واضح جدا : افراغ تلك المناطق من سكان مناوئين بشكل تلقائي للنظام في سوريا. وعداء السكان الطبيعي للنظام هو البيئة الحاضنة للثوار وللجيش الحر الذي يعرف النظام ومعه "حزب الله" انه لا يمكن اخراجه نهائيا من هذه المنطقة الحيوية الواصلة ايضا "الكانتون العلوي" بدمشق وصولا الى تماس مع اسرائيل جنوبا من دون القيام بتطهير سكاني على قاعدة مذهبية واضحة لا تخفى على احد.

بشار لن يرحل ابدا هذا ما قاله سيرغي لافروف. ولكن ماذا عن الجبهة المقابلة؟ الولايات المتحدة تعيش انتخابات رئاسية وبالتالي فهي مشلولة تماما. اما العرب الداعمون للثورة مع تركيا واوروبا فهم في الانتظار، والسلاح المتطور المضاد للطائرات وللدروع جاهز وقابع في مخازن في انتظار انتهاء الانتخابات الاميركية واتخاذ القرار الاستراتيجي بالتعجيل في سقوط بشار بكل الوسائل. وهنا تبرز نظرية ان التعجيل في ترحيل بشار من شأنه ان يحد من انتشار الحالة الاصولية المسلحة في سوريا. فبقاء النظام ما عاد ضماناً لمنع التطرف ودخول القاعدة بل انه دعوة مفتوحة شأن بقاء "حزب الله" على ما هو عليه من سلوك وقوة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الدعم الدولي للإبرهيمي لفظي بلا ترجمة

روزانا بومنصف

2012-10-16

النهار

يحظى التحرك الذي يقوم به المبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية الى سوريا الاخضر الابرهيمي بدعم ظاهري من دول المنطقة التي يزورها في اطار جولته الجديدة راصدا ردود الفعل على افكار مبدئية يبدو انه يقدمها لحل الازمة الدموية في سوريا وفق ما اعلن ويعلن المسؤولون في هذه الدول. اذ يصعب الا تؤيد دول الجوار السوري علنا حلا سياسيا من اجل وقف نزف الدم في سوريا وسط تزايد سقوط الضحايا المدنيين في حين تخشى مصادر ديبلوماسية الا تكون مواقف هذه الدول قد شهدت تغييرا فعليا مما يجري هناك حتى الان خصوصا انها في انتظار الاستحقاق المتمثل بنتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية بعد ثلاثة اسابيع من اجل ان تبني على الشيء مقتضاه بالنسبة الى حساباتها للمرحلة المقبلة ، وان تكن هذه الانتخابات مرجحة بالنسبة الى مراقبين كثر لمصلحة ولاية جديدة للرئيس بارك اوباما .لكن ما قبل الانتخابات هو غيره ما بعدها في معايير التعامل مع الادارة الاميركية في انتظار خروجها من جمودها في شأن سوريا والمنطقة مع عدم اسقاط احتمال المفاجآت بطبيعة الحال في هذه الانتخابات. وتخشى هذه المصادر ان يتبين لاحقا ان موعد الانتخابات قد يكون موعدا وهميا لتغيير ربما يطرأ على المواقف في شأن سوريا في حين ان الواقع ينطوي على ترك الامور على حالها لكي تنضج على وقع الانهاك المتبادل والمزيد من الانهيار.

ويعود ذلك الى ان الابرهيمي يحظى بدعم كل من دول الاتحاد الاوروبي وروسيا ايضا التي تذكر في كل مناسبة بانه يمكن الموفد الدولي الاعتماد على دفتر شروط عماده خطة سلفه كوفي انان المؤلفة من النقاط الست وعماده ايضا بيان جنيف الذي اتفقت عليه الدول الكبرى للحل في سوريا في نهاية حزيران الماضي على رغم ان لا خطة كوفي انان نجحت ولا بيان جنيف متفق على سبل تنفيذه او على ترجمته وقد اختلفت الدول الكبرى الغربية مع روسيا على ترجمة تنفيذه بين تنحي الرئيس السوري بشار الاسد وعدم تنحيه. ففي هذه المواقف بالذات وفق ما تقول المصادر الديبلوماسية المعنية تكمن الثغر التي لا تعطي الابراهيمي دفعا على نحو كاف من اجل التقدم في خطته بما فيها الافكار التي تطرح عن نشر قوات دولية في سوريا عقب وقف اطلاق نار يتم بين الطرفين المتحاربين على رغم الجهود التي يبذلها في هذا الاطار. اذ ان مسؤولين اوروبيين عمدوا على اثر لقائهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في خلال عطلة الاسبوع المنصرمة الى الاعلان ان الموقف الروسي ازداد تصلبا ازاء الموقف من سوريا ونقلوا عنه قوله ان الرئيس السوري لن يرحل ابدا كما قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس تزامنا مع اتخاذ الاتحاد الاوروبي المزيد من العقوبات في حق كيانات واشخاص سوريين وفي منع الطيران السوري الى العواصم الاوروبية. الامر الذي يعني ان البون لا يزال شاسعا بين المواقف الغربية وموقف روسيا ازاء الوضع السوري والغرب لا يزال مصرا على تنحي الرئيس السوري في مقابل الرفض الروسي لهذا الامر.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ثقة أميركية بـ"إخوان" مصر... لا بـ"إخوان" سوريا!

سركيس نعوم

2012-10-16

النهار

الولايات المتحدة منشغلة تماماً بانتخاباتها الرئاسية. لكن ذلك لا يعني جمود الادارة الاميركية وامتناعها عن متابعة التعاطي مع القضايا الخارجية والداخلية وإحجامها عن اتخاذ القرارات اللازمة في شأن بعضها الذي يمس مباشرة المصالح الحيوية والاستراتيجية الاميركية. انطلاقاً من ذلك، ونظراً الى ان أبناء المنطقة يحلّلون مواقف إدارة اوباما، ويحاولون استشراف سياسات الادارة المقبلة كان لا بد من التوجه الى عدد من المتابعين الاميركيين لمعرفة حقيقة الموقف الاميركي الحالي وربما "المستقبلي" من الذي يجري في العالم العربي بدءاً من "ربيعه" ومروراً بتجلياته السورية.

ماذا قال هؤلاء؟

قالوا اولاً ان هناك اتفاقاً تاماً داخل ادارة اوباما وخارجها على ان فجر الاسلام الاسلامية او الاسلاموية قد طلع في العالم العربي والاسلامي. وقالوا ثانياً ان هناك اتفاقاً تاماً على ان الايديولوجيات التي سيطرت على هذا العالم في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي فشلت، كما فشلت الديكتاتوريات العسكرية التي انتهجت ما اعتبرته هي الايديولوجيا "العلمانية". علماً ان علمانيتها لم تكن جدية. وقالوا ثالثاً ان الطريقة التي تصرّف بها "الاخوان المسلمون" في مصر بعد وصولهم الى السلطة اظهرت انهم يمثّلون الجناح الأكثر اعتدالاً من بين التيارات والحركات الاسلامية او الاسلاموية. وقالوا رابعاً ان هناك انقساماً داخل صفوف اليمين الاميركي حول السياسة التي يجب ان تنتهجها الولايات المتحدة حيال الواقع الاسلامي او الاسلاموي الجديد في المنطقة. فبعض هؤلاء يظن انه من الأفضل متابعة دعم الايديولوجيات "العلمانية" على عدم جديتها ومنها ايديولوجيا النظام السوري. أما بعضهم الآخر فيرى ضرورة إقناع الاسلاميين او الاسلامويين بالاتجاه نحو الاعتدال. ويبدو ان الانقسام المذكور قد بدأ يصل الى نهايته، وخصوصاً منذ اقتراب المرشح الرئاسي الجمهوري ميت رومني من مواقف منافسه الديموقراطي الرئيس باراك اوباما، وخصوصاً التي منها تحبذ العمل مع الاسلاميين. وقالوا خامساً ان السياسة الحالية للادارة الاميركية حيال مصر هي العمل مع "الاخوان المسلمين" اي مع رئيسها، هو عضو منهم، ومحاولة اقناعه بإقامة مزاوجة ناجحة بين الاسلامية، وهي ايديولوجيته، وبين الديموقراطية، وبدفع العمل السياسي داخل بلاده في هذا الاتجاه.

ما هو موقف اميركا الحالية اي إدارة اوباما من سوريا نظاماً وثورة واسلاميين وليبراليين وعلمانيين؟

عن هذا الموقف تحدث المتابعون الاميركيون في واشنطن انفسهم فقالوا ان الادارة الحالية لا تزال في مرحلة وضع السياسة النهائية الواجب اتباعها حيال سوريا وما يجري فيها. وقالوا ايضاً ان "الاخوان المسلمين" السوريين يتحاورون مع الإدارة الاميركية، ويحاولون اقناعها بأنهم البديل الوحيد المعتدل للنظام الحالي في سوريا، تماماً مثل "اخوانهم" في مصر، وكذلك البديل الوحيد من سيطرة الاسلاميين او الاسلامويين المتطرفين او التكفيريين او العنفيين على سوريا دولة وشعباً. وقالوا ثالثاً ان إدارة اوباما لا تزال غير مقتنعة بكلام "الاخوان" السوريين، لكنها لا تزال تتابع الحوار معهم، وتطلب منهم أدلة على قدرتهم الآن وبعد وصولهم الى السلطة في أعقاب سقوط نظام الاسد على ضبط المجموعات الاسلامية المتعصبة التي "اخترقت" أرض سوريا للاشتراك في "الجهاد" ضد نظامها، او بالاحرى على كبحها. وقالوا رابعاً ان إدارة اوباما تحاور في الوقت نفسه كل اطراف المجتمع السوري واطيافه بمن في ذلك المنتمون الى عصبية الرئيس، اي الى الطائفة العلوية، والبادئون في معارضته والمسيحيون. وقالوا خامساً ان الإدارة تواجه حالياً مأزقاً او ورطة أو معضلة تتمثل بمعارضة المنشقين المحترفين عن الجيش السوري الذين تدربهم جهات مختلطة بإشراف اميركي ضم "الاخوان المسلمين" او من يماثلهم الى "سوريا الجديدة". فهم يميلون الى "العلمانية" ولا يمانعون في ضم الطائفة العلوية الى النظام الجديد بعد التخلص من الاسد ونظامه، وفي ظل ترتيب شامل وجديد لسوريا في الداخل والخارج. لكنهم يرفضون ضم "مستشاري" الاسد ورموز نظامه الى النظام المذكور اياً يكن انتماؤهم المذهبي او العرقي. علماً انهم لا يرفضون دوراً لنائب الاسد فاروق الشرع ولكن كرئيس لحزب سياسي هو البعث، وفي ظل قوانين وأنظمة تمنع عودته الى الهيمنة على البلاد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية

هل يصمد لبنان إذا طالت الأزمة السورية؟

اميل خوري

2012-10-16

النهار

السؤال الذي تختلف الاجوبة عنه باختلاف المصادر هو: متى تنتهي الازمة في سوريا؟

ثمة من يرى انها طويلة لان الحل السياسي المتفق عليه يثير خلافا حول آلية تنفيذه، والحل العسكري ممنوع حتى الآن لئلا يشعل حربا واسعة في المنطقة قد تتحول حربا عالمية ثالثة. وقد يكون لاستمرار الازمة السورية مدة طويلة تداعيات سياسية وامنية واقتصادية على دول الجوار ولا سيما منها لبنان نظرا الى وضعه الجغرافي، الامر الذي يجعل الدول المعنية بها، وخصوصا لبنان المتضرر الأكبر من استمرار الازمة، تستعجل البحث عن حل لها.

وثمة من يقول ان الولايات المتحدة الاميركية وروسيا متفقتان على وجوب العمل على ضبط الاوضاع في الدول المجاورة لسوريا بحيث يبقى الامن والاستقرار فيها ثابتين في انتظار انتهاء الانتخابات الرئاسية الاميركية ومعرفة من سيفوز فيها كي تستطيع روسيا الدخول في محادثات مع الرئيس الجديد حول الوضع في سوريا وكذلك في منطقة الشرق الاوسط، فاما يتم التوصل الى اتفاق اميركي – روسي على حل للأزمة السورية ويكون هذا الحل نقطة انطلاق للاتفاق على تقاسم النفوذ في المنطقة بما يشبه اتفاق "سايكس – بيكو" بطبعة جديدة، تأخذ في الاعتبار المستجدات على الارض والمصالح الحيوية لكل دولة، ويكون التوصل الى هذا الاتفاق منطلقا للبحث في اتفاق سلام شامل بين العرب والفلسطينيين من جهة والاسرائيليين من جهة اخرى ينهي النزاع المزمن في ما بينهم ويجعل الامن والاستقرار الدائمين والثابتين يحققان الازدهار في المنطقة كلها ويتحول ثمن شراء الاسلحة لتمويل مشاريع التنمية الى تحسن مستوى معيشة الشعوب فيها. اما اذا لم يتم التوصل الى اتفاق بين الدول الكبرى على حل الازمة السورية وبدا ان لا حل لها الا بعمل عسكري قد لا يبقى داخل الحدود السورية بل قد يتعداها الى دول مجاورة وربما الى دول المنطقة كلها، فان هذه الحرب تكون عندئذ بين محورين: المحور الايراني ومن معه والمحور الاميركي ومن معه، وتصبح نتائج الحرب هي التي ترسم الخريطة السياسية والجغرافية لدول المنطقة وشكل الانظمة فيها كما رسمت الحرب العالمية الثانية التي وقعت بين الدول الرأسمالية والدول الشيوعية وبين دول الانظمة الديموقراطية ودول الانظمة الديكتاتورية، وكانت نتيجتها انتصار دول الانظمة الديموقراطية، وانهيار دول الانظمة الاشتراكية والشيوعية. فهل ستنتهي الازمة السورية بحل اميركي – روسي يجري البحث فيه بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية وهو حل قد يكون الاقل كلفة بكثير من حرب مدمرة يشعلها عدم الاتفاق على حل سياسي؟

الواقع انه من الآن الى ان تنتهي الانتخابات الرئاسية الاميركية، فان الدخول في بحث لحل سريع يتم في حال اعادة انتخاب الرئيس باراك اوباما، اما في حال فاز منافسه، فان الدخول في هذا البحث سيتأخر الى حين تقوم ادارة اميركية جديدة وتعلن عن سياستها في المنطقة والعالم.

والسؤال المهم الذي يبقى مطروحا في هذه الحال هو: هل يظل في الامكان منع خطر انعكاس تداعيات الازمة السورية على دول الجوار مع ازدياد تدفق النازحين السوريين اليها وتوفير المساعدات الانسانية لهم لئلا يخلقون مشكلة اجتماعية داخل هذه الدول قد تتحول مشكلة امنية؟ وهل تظل ايران ساكتة وساكنة اذا ما شعرت بأن الازمة السورية قد تحسم عسكريا لغير مصلحة النظام ام انها توعز الى "حزب الله" بالاحتكاك باسرائيل وعندها تقع الحرب الثانية بينهما بعد حرب تموز الاولى عام 2006 وقد تتحول حربا شاملة في المنطقة؟

الاوساط السياسية المراقبة ترى ان لا خطر من تداعيات الازمة السورية ولا حسم لها قبل الانتخابات الرئاسية الاميركية، وانه اذا صار التجديد فيها للرئيس اوباما فان ابواب الحل تصبح مفتوحة.

اما اذا طال امد الحل نتيجة فوز منافسه وانتظار اقامة الادارة الاميركية الجديدة فيمكن القول عندئذ ان الازمة السورية تدخل في سباق بين الحل السياسي والحل العسكري ويصبح خطر تداعياتها على دول الجوار داهما.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأسد ومراوغة المراوغة!

عماد الدين أديب

الشرق الاوسط

16-10-2012

لست أعرف كيف يمكن أن ينجح «سي الأخضر الإبراهيمي» في مهمته الصعبة كمبعوث أممي وعربي خاص بالأزمة السورية؟

حاولت أن أقرأ في خارطة تحركاته السياسية لأفهم - قدر جهدي - معنى هذه التحركات وآثارها على الخطة التي يسعى إلى تقديمها قريبا لكافة أطراف الأزمة. ويمكن القول: إن تحركات الأخضر الإبراهيمي تعتمد على المبادئ التالية: 1) عدم الوعد العلني أو السري لأي طرف بشيء.

2) الحوار مع كافة الأطراف المباشرة في الأزمة.

3) التحاور مع أطراف دول الجوار المؤثرة في الأزمة السورية على أساس أنه إذا كان القتال الدائر الآن هو بين أطراف محلية بشكل مباشر فإنه يتم تغذيته من قوى إقليمية ودولية كثيرة وهي على سبيل الحصر: تركيا وإيران وقطر والسعودية والإمارات ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل والصين وروسيا وكوريا الشمالية والأردن ولبنان وحزب الله وحركة حماس، ومصر والجزائر.

كل هذه الأطراف بطريقة أو بأخرى، سياسيا أو أمنيا أو عسكريا أو ماليا، هي طرف ومكون أساسي من مكونات الحل المتخيل للأزمة السورية. وإذا كان كوفي أنان يتبنى تصورات أممية تقوم على توفير حل رغما عن بعض القوى المحلية والإقليمية والدولية بمنطق الغلبة لفريق ما ضد الآخر، فإن خطة الإبراهيمي تهدف إلى توفير خطة على مراحل تبدأ بإيقاف العنف يشارك الكل بموافقة الكل تقوم على مبدأ المشاركة لا المغالبة. حائط الصد أو الصخرة التي يمكن أن تتكسر عليها كل أفكار وتحركات وأحلام الإبراهيمي ومن يسانده هي «عقلية البعث» التقليدية التي تقوم على 3 مراحل أساسية من التعامل مع أي أزمة:

1) الإنكار الكامل لوجود الأزمة.

2) محاولة فرض سياسة الأمر الواقع بالقوة رغما عن العالم.

3) ادعاء التعاون مع العالم والمجتمع الدولي لإيجاد الحلول اللازمة للأزمة في الوقت الذي تحاول فيه أدوات النظام «التذاكي» لتحطيم أي أسس للاتفاق أو التهدئة! هذا المنهج الكلاسيكي هو «كتالوج» بعثي استخدمه صدام حسين عدة مرات، واستخدمه الأسد الأب، والآن يستخدمه الأسد الابن. الفارق الجوهري بين الأسد الأب والأسد الابن أن الأب كان يمتلك حكمة المراوغ العجوز القديم البارع في ضبط قواعد وشكل اللعبة، أما الأسد الابن فهو يفتقر إلى تلك الحكمة التي تجعله يبدو «بعثيا» حقيقيا بلا أقنعة وبلا مساحيق «الممانعة» و«المقاومة» وكل هذه الترهات الثورية! أخشى أن يصل الأخضر الإبراهيمي إلى أي نقطة نجاح مبدئية توقف تلك المجازر اليومية.

وحتى لو وصل إلى تلك الخطوة الأولى، فإن الغباء السياسي لتيارات البعث التقليدية سوف تصل في نهاية المرحلة إلى حافة الهاوية!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ليت الإبراهيمي يقنع الأسد بذلك!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

16-10-2012

دعا المبعوث الأممي والعربي إلى سوريا السيد الأخضر الإبراهيمي من بغداد بالأمس إلى «وقف تدفق السلاح إلى جميع الأطراف» في سوريا، داعيا الدول التي تملك نفوذا على بعض الجماعات إلى «تشجيعها على التوجه نحو الحل السلمي» بعدما «لم يأت الحل العسكري بأي نتيجة»!.

وهذا التصريح وحده يعد جزءا من المشكلة، وليس جزءا من الحل؛ فأولا هو أمر غير دقيق، لأن من لجأ للحل العسكري هو طاغية دمشق بشار الأسد، وليس الثورة، أو أي طرف خارجي. كما أن الأسد هو نفسه من أضاع كل الفرص، ومن أول يوم، من أجل تطبيق الحلول السلمية، وحتى قبل أن تصبح الثورة السورية أزمة تستدعي تدخل المجتمع الدولي، وقبله العربي. وعندما نقول إن تصريح السيد الإبراهيمي جزء من المشكلة فهذا ليس بالمبالغة، فالقول إن الحل العسكري لم يأت بأي نتيجة يجب أن لا يوجه للدول الحريصة على سوريا، وشعبها، ولا للثوار، بل يجب أن يوجه للأسد وجها لوجه، وعلنا. فطاغية دمشق هو من يستخدم الطائرات الحربية، والمدفعيات، وكل أنواع الأسلحة الثقيلة أمام شعب أعزل، وثوار لا يزالون يستجدون العالم من أجل أن يساعدهم سياسيا عبر مجلس الأمن، أو من خلال تسليحهم ما دامت إيران وروسيا تقومان بتسليح الأسد، وطوال الأزمة.

إشكالية تصريح السيد الإبراهيمي أنه يساوي الضحية بالجلاد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا التصريح أمام وسائل الإعلام، بضرورة «وقف تدفق السلاح إلى جميع الأطراف» في سوريا، ودعوة الدول التي تملك نفوذا على بعض الجماعات هناك إلى «تشجيعها على التوجه نحو الحل السلمي» بعدما «لم يأت الحل العسكري بأي نتيجة»، لم أجد من يؤكد سماعه منه شخصيا خلال مباحثاته الأخيرة مع بعض الأطراف؛ فلماذا يقال هذا التصريح الآن من بغداد، وليس من دمشق، مثلا، وبكلام موجه للأسد نفسه، خصوصا أن مصادري تؤكد أن مسؤولا رفيعا جدا في موسكو قد أبلغ مسؤولين بدوائر الأسد رسالة واضحة، قبل أسبوعين، مفادها أن موسكو فعلت المستحيل من أجل الأسد، وأن النظام الأسدي لم يف بوعوده، ولم يطبق ما اتفق عليه، وأنه حتى حين يستجيب النظام الأسدي فإنه يفعل ذلك إما متأخرا، أو بتحريف ما تم الاتفاق عليه. والمذهل أن ذلك المسؤول قد أبلغ مسؤولي الأسد بأن عليهم ألا يتوقعوا الكثير من روسيا بعد السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أي اليوم الثاني للانتخابات الأميركية! وبالطبع فإن موسكو تعي أن هناك حقائق لا بد من التعامل معها بعد ذلك التاريخ، سواء أعيد انتخاب أوباما، أو كانت النتيجة فوز الجمهوري ميت رومني.

عليه، فإن تصريح السيد الإبراهيمي يجب أن يقال للأسد وحده إذا كان الإبراهيمي يريد حلولا حقيقية قبل السابع من نوفمبر، وهو أمر مشكوك فيه، أي الوصول لاتفاق، أما إذا كان المبعوث الأممي يقول ما يقوله لأنه يعي أنه لا شيء سيتحقق قبل الانتخابات الأميركية، ويريد القول إنه بذل ما في وسعه، فتلك قصة أخرى، وهي الأقرب للواقع.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحظ العاثر للثورة السورية!

اكرم البني

الشرق الاوسط

16-10-2012

مجازا، يمكن القول بحظ عاثر للثورة السورية مقارنة بالثورات الأخرى، للدلالة على أهم التعقيدات والصدف السيئة التي اعترضت مسارها، فأطالت فترة مخاضها وآلامها، وخلقت هذا المشهد الرهيب من الدمار والضحايا والمشردين.

أليس من سوء طالع الثورة السورية فقدانها عنصر المفاجأة الذي ميز الثورتين التونسية والمصرية وأربك نظاميهما؟! الأمر الذي منح السلطة الوقت لتحضير نفسها ووضع الخطط والتصورات لتجنب الأخطاء في التعاطي مع حركة الشارع الثائر، مرة بالمسارعة لإجهاض أي دور مستقل للجيش في التغيير، أسوة بما حصل في تونس ومصر واليمن، عبر زجه في المواجهة منذ البداية، وتوريط كتائبه في قمع المحتجين، ربطا بخصوصية البنية التكوينية لهذه المؤسسة العسكرية وشروط إخضاعها آيديولوجيا وطائفيا، ومرة بسحق أي محاولة لإقامة تجمع شعبي واسع وثابت يضمن التواصل والتفاعل المباشر بين الناس، كما ساحتي التحرير والتغيير في القاهرة وصنعاء. وكلنا يذكر كيف واجهت السلطة بالحديد والنار اعتصام أهالي حمص عند «دوار ساعة المدينة» وأهالي حماه في «ساحة العاصي»، وقس على ذلك في مدن أخرى. ومرة برفض تقديم أي تنازل سياسي لصالح الثورة واعتباره خضوعا لها، والإصرار على إنكار مشروعية حراك الناس، وتصويرهم كأدوات طائفية ومتآمرة يحل سحقهم، بما في ذلك استخدام العقاب الجماعي والتنكيل العشوائي لإبادة البيئة الاجتماعية الحاضنة للثورة.

هو حظ عاثر ارتباط سوريا مع محور نفوذ في المنطقة يختلف ويتعارض مع ما يمكن تسميته المحور الغربي الذي انتمت إليه أو دارت في فلكه أنظمة بلدان الثورات الأخرى، ما يعني أن حجم القوى التي تقف سدا في وجه مطلب الناس في التغيير لا يقتصر على توازنات داخلية صرفة، كما كان حال الثورات الأخرى حين رفع الغرب يده عن الأنظمة الموالية له وحثها على تقديم التنازلات السياسية أمام الحراك الجماهيري المتصاعد، ما ضاعف الصعوبات أمام الثورة السورية وربط مسارها بمواجهة مع أطراف هذا المحور الذي يجد في نجاحها خسارة له، ولا يتردد أو يبخل في تقديم كل أشكال الدعم والعون لمنع كسر حلقة نوعية من حلقاته، كالحلقة السورية.

زاد الطين بلة موقف الجار الإسرائيلي وكلمته المسموعة غربيا حول مستقبل النظام الحاكم في بلد يحتل جزءا من أرضه، وحافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، ما يفسر تردد السياسات الأميركية والأوروبية وإحجامها عن الدخول بقوة على الخط السوري، والمغزى هو أولوية ما يمكن أن يترتب على أي تغيير في سوريا على أمن إسرائيل، وكلنا يذكر، في أزمات سورية سابقة، وضوح الرغبة الإسرائيلية في عدم إسقاط النظام لخشيتها من وصول سلطة جديدة إلى الحكم تهز الاستقرار الراهن، وما يعزز رغبتها اليوم حضور مزاج سياسي للثورات العربية يميل في المحصلة لمعاداة سياساتها في فلسطين والمنطقة.

وأيضا هي صدفة سيئة أن تستصرخ الثورة السورية تدخلا أمميا لحماية المدنيين، بعد الآثار التي خلفتها التجربة الليبية وبعد شعور روسيا بالغبن وبمرارة الخداع مما حدث هناك، وتنكر الجميع لمصالحها وقد مررت قرارا أمميا وظفه حلف شمال الأطلسي في إطاحة القذافي وأركان حكمه، ما شجع موسكو على استخدام الفيتو ثلاث مرات في مجلس الأمن لإجهاض مشروع قرار يدين العنف السلطوي ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية المدنيين.

وضوح دور القوى الإسلامية والوزن الكبير الذي حازته في انتخابات تونس ومصر، ثم التصريحات غير المسؤولة لبعض قيادييها عن أولوية أسلمة الدولة والمجتمع، واستهتارهم بشعارات الثورة ومطالب الناس، هي من الصدف السيئة والضارة التي تعيق مسيرة الثورة، وتساهم في تعقيد شروط نضال السوريين وإضعاف قدرتهم على اجتراح التغيير، فما يطيل آلام المخاض في مجتمع تعددي، إثنيا ودينيا وطائفيا، كالمجتمع السوري، هو بقاء قطاعات من الشعب في وضع الحياد والسلبية، ولنقل مترددة أو محجمة عن الانخراط في الثورة، بسبب تنامي مخاوفها، كأقليات، من خطر وصول الإسلاميين إلى سدة السلطة، ومن مظاهر التضييق والتنميط المرافقة عادة لهذا النوع من الحكومات.

ثم، أليس حظا عاثرا أن يتراجع النهج السلمي للثورة تحت وطأة الخسائر الفادحة التي تكبدها الناس لأكثر من عشرة شهور من دون أن يقطفوا ثمارا مستحقة لقاء رهانهم على نهج لم يرتد عليهم بما كانوا يرجون، وخاصة في وقف العنف ووضع الأمور على سكة التغيير السياسي؟! والمعنى أن ينجح النظام عبر العنف المفرط والممارسات الاستفزازية في فرض العسكرة، وتشجيع ظواهر المقاومة المسلحة لتغدو المكون الأول من مكونات الثورة.

وأخيرا، هو حظ عاثر حين تبقى الثورة السورية عفوية في وجهها الرئيسي على الرغم من مرور أكثر من عام ونصف على انطلاقها، وأن لا تتمكن القيادات السياسية من خلق التمفصل الصائب مع المكونين المدني والعسكري لضمان أفضل أداء وأقل الأخطاء والخسائر، أو حين تخفق الائتلافات المعارضة، على تنوعها، في تنسيق نشاطاتها وتجاوز أمراضها وتشتتها، والأهم في طمأنة الرأي العام وإبداع أشكال من النضال المدني والسلمي كفيلة بتبديل المشهد والتوازنات القائمة، وأيضا هو سوء طالع حين يساهم مناخ العنف وانكشاف الصراع الطائفي في فتح الباب أمام المجموعات الدينية المتشددة وعناصر السلفية والجهاديين كي تنتزع حيزا مهما في المشهد، وهؤلاء، مع الاعتراف باستعدادهم العالي للتضحية والشهادة، هم الأبعد سياسيا عن شعارات الحرية والديمقراطية، والأكثر استسهالا للتجاوزات والأعمال الانتقامية، زاد الأمر تعقيدا تكاثر أعداد المقاتلين الوافدين من الخارج تلبية لنداء «نصرة الإسلام في بلاد الشام» وتدخل المال السياسي في تمويل بعضها، وخاصة الأكثر تطرفا.

في كل مراحل الثورة، ومثلما شكل رفض الشعب السوري للواقع القائم واستبساله في الكفاح لنيل حقوقه، المعلم والمحرك الأساسي للمتغيرات السياسية التي تحصل، فإن صمود هذا الشعب وعظمة ما يقدمه من تضحيات كفيل أيضا بوضع حد لتعثر ثورته وتعجيل انتصارها!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

روسيا: الأسد باق

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

16-10-2012

في واحدة من الوثائق السورية السرية التي اطلعت عليها، كتب رئيس محطة الاستخبارات السورية في السفارة السورية في موسكو، محللا ومستنتجا الموقف الروسي حيال بلاده من وحي مقابلاته مع مسؤولين هناك، كتب أن روسيا ترى في القضية السورية فرصة لاستعادة دورها الإقليمي في المنطقة.

كتحليل سياسي يحتمل الصواب والخطأ، يبدو أن الكثير من سلوك قيادة بوتين يؤيد ما كتبه الضابط السوري؛ الروس يبحثون عن دور في المنطقة، والعودة إلى الشرق الأوسط الذي كان قبل عقدين منطقة نفوذ أساسية لهم، وما نسب إلى وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، أن نظيره الروسي أبلغه أن بشار الأسد باق، وأكد هذه الرواية وزير خارجية بريطانيا، ويليام هيغ، الذي قال إن موقف الروس ازداد تصلبا.

ومعلوماتي التي سبقتها أن الروس جربوا مرة الحديث عن حل يتضمن إبعاد الأسد عن الحكم، لكن كانوا يريدون ضمانات لمصالحهم في سوريا، وهي كلمة مطاطة؛ أهونها استمرار عقد الخدمات الملاحية في قاعدتهم البحرية طرطوس، وأصعبها أن يدفع السوريون ديون الأسد التي بلغت مليارات الدولارات، واستخدمت لشراء أسلحة وذخائر لقتل آلاف السوريين، وتمويل النظام؛ نقديا وغذائيا!

ولو ربطنا المعلومات جميعها: بحث الروس عن دور شرق أوسطي بدعم نظام بشار، والمساومة على خروجه مقابل مصالح والتزامات متعددة - نجد أننا أمام معركة أكبر من ذي قبل.

هل هذا يعني أن الأسد باق فعلا، لأن وزير خارجية روسيا، لافروف، أبلغ وزراء أوروبيين رسميا أن الأسد باق رغما عنهم ورغما عن الشعب السوري؟ طبعا، لا. روسيا تستطيع أن تقرر الليلة التخلي عنه، وبالتالي سقوطه في بضعة أيام. لكنها لا تستطيع أن تقرر إبقاءه، فقط لأن بضعة وزراء خارجية جلسوا يتدارسون الوضع. لافروف يعرف، وكذلك رئيسه بوتين، أن بقاء الأسد من المحال، وسقوطه مسألة وقت قد يمتد إلى منتصف العام المقبل، وقد يكون على جثث خمسين ألف سوري إضافي، وتدمير ما تبقى من مدن. ما قاله لافروف يعني أن الثمن أغلى، لكنه لا يعني أن الأسد باق.

قدرة الدول الخارجية على تقرير مصائر الدول لم يعد أمرا هينا كما قسمت خريطة المنطقة في اتفاقيتي «سايكس بيكو» و«سان ريمو» قبل تسعين عاما. وأصبحت القلاقل أكثر كلفة على الدول الكبرى وأخطر على استقرارها مهما بعدت، والدليل المعركة الحالية في جنوب الصحراء في أفريقيا. نعم، الشرق الأوسط الجديد يتشكل، ولن يكون فيه مكان لبشار الأسد سواء قرر الكرملين الروسي ذلك أم لا. السؤال هو: هل سيكون للروس مصالح فيه أم لا؟ لقد اختاروا أسوأ البوابات للعودة للمنطقة، بمناصرة أسوأ الأنظمة وأقلها حظا في البقاء. كانوا في السابق مرحبا بهم كحلفاء وأصدقاء على لوح شطرنج المنطقة، في مصر والسودان والعراق وسوريا واليمن الجنوبي والجزائر.

تحالفهم مع إيران وسوريا وحزب الله، كما يبدو، يجعلهم في الزاوية الضيقة، وسيدفع بالمزيد من حكومات المنطقة وشعوبها باتجاه الغرب وليس العكس

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تورّط "حزب الله"..أين السرّ؟

خيرالله خيرالله

المستقبل

15-10-2012

لم يكن الامر يوما سرّا. اين السرّ على سبيل المثال وليس الحصر في معرفة من اغتال الاخ والصديق جبران تويني؟ تكفلت الايّام والاحداث والجنازات بكشف عمق تورط "حزب الله"، وهو لواء في "الحرس الثوري" الايراني عناصره لبنانية، في الاحداث السورية وقبل ذلك وبعده بكلّ ما شهده لبنان من احداث يندى لها الجبين.

كان ذلك معروفا لدى العامة منذ اعلن المسؤولون الايرانيون الواحد تلو الآخر انّهم معنيون مباشرة بالحرب الدائرة في سوريا وفي ضمان الانتصار على الشعب السوري. ولكن كان هناك دائما من يبحث عن اثباتات. وقد اتت الايام الاخيرة بتلك الاثباتات وبأن هناك تورطا ايرانيا مباشرا وعبر لبنان في الحرب على الشعب السوري.

ذهب احد القادة العسكريين الايرانيين الى حد تأكيد ان الحرب على الشعب السوري "حرب ايران". انها في الواقع حرب ايرانية بامتياز منذ نجح النظام القائم في طهران في السيطرة على سوريا بشكل تدريجي منذ وصول الرئيس بشّار الاسد الى الرئاسة صيف العام 2000، وحتى قبل ذلك عندما بدأ الاسد الابن يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية في ضوء تدهور الحال الصحّية لوالده ابتداء من السنة 1998.

بغض النظر عن مقتل هذا العنصر او هذا القائد الميداني من "حزب الله" في سوريا، فانّ تورط "حزب الله" في قمع الثورة الشعبية في البلد الجار للبنان، يعكس اتجاها واضحا بدأ يتبلور منذ العام 2005 يصب في انجاح عملية ايرانية مدروسة بشكل جيّد وبأدقّ التفاصيل هدفها النهائي الربط بين طهران وبيروت ومن ثمّ جنوب لبنان عبر البصرة وبغداد ودمشق...

كان ملفتا ان الملك عبدالله الثاني حذّر في تشرين الاوّل- اكتوبر 2004 مما سمّي "الهلال الشيعي"، بالمعنى السياسي للكلمة، اي بالحلف الذي تنوي ايران اقامته من منطلق مذهبي، ليس الاّ، للهيمنة على العراق وسوريا ولبنان...ومدّ نفوذها في اتجاهات اخرى، خصوصا في اتجاه الخليج العربي. لم يتجرّأ، وقتذاك، غير عبدالله الثاني على قول هذا الكلام السياسي الدقيق الذي لا علاقة له بأي شكل بالمذهبية. فتاريخ الهاشميين، وهم من اهل البيت، يشهد على ذلك.

هناك بكلّ بساطة ما هو ابعد بكثير من سقوط هذا المقاتل من "حزب الله" او ذاك في المواجهة الدائرة بين الشعب السوري والنظام القائم الذي يرفض الاعتراف بانّه انتهى. لم يعد مكان في المنطقة لانظمة من هذا النوع تقوم على اطلاق شعارات فضفاضة مثل "المقاومة" و"الممانعة" من اجل تغطية الطبيعة الحقيقية للنظام وهي للاسف الشديد طبيعة مذهبية، اخذت مع الوقت طابعا عائليا محضا، خصوصا ابتداء من السنة 2000.

نعم، هناك ما هو ابعد بكثير من سقوط قتلى لـ"حزب الله" في الاراضي السورية. الامر يتعلّق بالاصرار الايراني على انقاذ النظام السوري بايّ ثمن كان من جهة والعمل في الوقت ذاته على الامساك بلبنان في حال سقط النظام السوري من جهة اخرى. يعتبر سقوط النظام السوري بمثابة سيناريو "مرعب" للمسؤولين الايرانيين الذين سعوا في كلّ وقت الى انقاذ النظام من دون عثورهم على طريقة تمكّن هذا النظام من انقاذ نفسه. تلك مشكلة ايران التي سيتوجب عليها عاجلا ام آجلا مواجهة الحقيقة المتمثّلة بانّ النظام السوري غير قابل للانقاذ بايّ شكل نظرا الى ان مشكلته غير مرتبطة بالاصلاحات او بأيّ شيء من هذا القبيل. انها مشكلة نظام تابع لاقلّية تسعى يوميا الى المزايدة على السوريين والادعاء بأنّها قادرة على اعطائهم شهادات في الوطنية ليسوا، في طبيعة الحال، في حاجة اليها.

من هذا المنطلق، نجد انّ ما يعاني منه لبنان الذي يقاطعه السيّاح العرب، خصوصا الخليجيين منهم، وذلك للمرّة الاولى منذ قيام الجمهورية اللبنانية، وحتى قبل ذلك، جزء لا يتجزّا من اللعبة التي تمارسها ايران اقليميا. هل يمكن لايران البقاء في لبنان، او على الاصحّ ابقاء لبنان تحت سيطرتها، كما هي الحال الآن في حال سقوط النظام السوري؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي يفسّر الى حدّ كبير اندفاع "حزب الله" في اتجاه التورط اكثر فأكثر الى جانب النظام السوري في الحرب الشرسة التي يشنّها على شعبه.

جاء تشكيل الحكومة اللبنانية الحالية، حكومة "حزب الله" في سياق السعي الايراني المبكر الى استكمال وضع اليد على لبنان في ضوء الضعف الذي يعاني منه النظام السوري. ما لا يمكن تجاهله في اي وقت ان ايران استطاعت، عن طريق "حزب الله" ملء الفراغ الامني الذي خلّفه الانسحاب العسكري السوري من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 2005.

ما نشهده حاليا هو فصل آخر من مسلسل طويل معروف كيف بدأ وليس معروفا كيف سينتهي. بدأ بقرار ايراني بالوصول الى المتوسط، الى بيروت تحديدا، والى اقامة خط تماس مع اسرائيل في جنوب لبنان، من منطلق ان ايران قوة اقليمية وانّها المنتصر الوحيد من الحرب الاميركية على العراق.

كيف سينتهي المسلسل؟ الجواب ان الشيء الوحيد الاكيد هو ان السقوط الوشيك للنظام السوري غيّر الحسابات الايرانية وغيّر حسابات ادواتها، من بينها "حزب الله" الذي بات عليه التفكير بمستقبله. وهذا ما يفسّر تخبط الحزب وذهابه بعيدا في التورط مع النظام السوري، حليفه المذهبي الاوّل وغير الاخير بوجود النظام الايراني. هل يدفع لبنان ثمن هذا التخبط؟ الامر وارد لولا ان اللبنانيين يدركون ان النفوذ الايراني في لبنان سيتضاءل الى حد كبير مع سقوط النظام السوري وأنّ الحكومة الحالية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي هي آخر الحكومات الايرانية في لبنان...

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تمدّد انتفاضة القرداحة إلى أحياء علوية في دمشق

فادي سعد *

الإثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٢

المستقبل

ما جرى في القرداحة انتفاضة حقيقية. فقد اجتازت عائلاتها المناوئة للنظام عقدة الخوف، لتعلن ولادة جمهورية الكرامة والجرأة، في مواجهة ضباط رفيعي المستوى. ويؤكد ناشطون أن شوارع في القرداحة أصبحت حراماً على آل الاسد وشاليش، لا سيما بعد توارد أنباء عن مقتل هارون الأسد أحد أخطر زعماء شبيحة اللاذقية والقرداحة مع مرافقه في مواجهة مع العائلات المنتفضة، وما أشيع عن مقتل هلال الاسد، المسؤول عن الشرطة العسكرية في الفرقة الرابعة، أما محمد الأسد والذي بدأت الأحداث بسبب نزاع بينه وبين شاب من آل الخيّر، والذي يقبع في مستشفى طرطوس، فقد يكون كبش الفداء الذي سيقدمه بشار مقابل هدنة مع آل الخيّر وعثمان وحلفهم المتشكّل حديثاً.

وقد تجددت ليوم رابع الاشتباكات في محيط القرداحة بعد الكشف عن مقتل امرأتين قيل إن آل الاسد خطفوهما سابقاً، لكن الجديد أن الاشتباكات لم تقتصر على القرداحة، بل انتقلت للمرة الأولى إلى أحياء العلويين في المعضمية وعش الورور في دمشق، فاندلعت بين معارضين وموالين علويين، إضافة لورود اخبار عن انشقاق ثمانية من كبار الضباط العلويين في مراكز حسّاسة. وهذا، إذا صحّ، دليل قوي على أن بنية النظام الأمنية بدأت بالتفكك، ما قد يعني حتمية سقوطه القريب.

بدوره، فالنظام الذي فقد عقله إثر انتفاضة القرداحة ضرب طوقاً من التعتيم، وحاول تشويه اخبار الإنتفاضة بمساعدة طابور خامس (بين صفوفه معارضون). فحاول استخدام «الجيش الحر» بعبعاً لإخافة العلويين بعد خطف ثمانية منهم من «بولمان» متوجه الى دمشق ووصول جثة أحدهم إلى القرداحة. وهذه، بالطبع، أفعال لا تخدم سوى النظام، وربما كانت من تدبيره.

* كاتب سوري

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

قصة حياة أو موت

غسان شربل

الإثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

من يعرف النظام السوري وظروف ولادته واستمراره ومرتكزات قوته ونقاط ضعفه لا تفاجئه المأساة المفتوحة هناك. لا يشبه هذا النظام أنظمة البلدان التي عصف بها «الربيع العربي». ومن يعرف الرئيس بشار الأسد يعرف انه من غير الوارد أن يقتدي بزين العابدين بن علي أو يسلم بما سلم به حسني مبارك أو أن يسلك الطريق الذي سلكه الرئيس علي عبد الله صالح. اعتقد حزب البعث على غرار أحزاب كثيرة في تلك المرحلة أن من يأخذ السلطة يأخذها مرة واحدة وإلى الأبد. وليس من ثقافة الحزب خوض منافسات متكافئة مع أحزاب أخرى على ملعب الانتخابات. وفكرة الشراكة صعبة بالنسبة له إلا إذا امسك بكل خيوطها وهي تخسر صفتها في مثل هذه الحال. لا يتعلق الأمر بفكر الحزب وحده. يتعلق أيضاً باستيلاء جنرالات الأمن على مفاصل الحزب، وبشبكة المصالح الحزبية - الأمنية وبالنواة الصلبة الحقيقية للنظام والتي كان محظوراً الكلام فيها أو الإشارة إليها.

على رغم قوافل المنضوين في الحزب ومن مختلف الطوائف لازم النظام خوف غير معلن من أن فئات تنتمي إلى الأكثرية طائفياً تبطن حلم الثأر وتنتظر الفرصة. دفع هذا الشعور النظام إلى مزيد من الاتكاء على القبضة الأمنية كما دفعه إلى اعتبار مواقفه القومية المصدر الأساسي لشرعيته واستمراره وحقه في سحق أي تهديد لهذه الشرعية. ولم تتوافر للنظام فرصة جدية لتطوير نفسه وتوسيع قاعدته إلا في بداية عهد بشار الأسد يوم كان الرئيس قادراً على خوض انتخابات حرة والفوز فيها، لكن بارونات الأمن والحزب سارعوا إلى اغلاق النافذة. منذ تلك الأيام اختار النظام الاتكاء على خيار الممانعة لكن انسحاب قواته من لبنان حرمه من حق القيادة، فانضوى في برنامج إيراني صريح لم تحتمله المعادلة الداخلية. لا بد هنا من الالتفات إلى تاريخين الأول غزو العراق والثاني اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

مع هبوب «الربيع العربي» بالتوازي مع تردي العلاقات السنية - الشيعية في الإقليم كان الوقت قد تأخر فعلاً. ثمة من يعتقد انه لم يكن أمام النظام بحكم طبيعته وتحالفاته غير ما فعل. أي اعتبار الاحتجاجات مؤامرة على وجوده وخياره الممانع وأن القصة قصة حياة أو موت. وأن رده الأول يجب أن يكون منع قيام بنغازي سورية أو ميادين تحرير تستضيف المليونيات المعارضة. لهذا سارع إلى استخدام القوة المفرطة لإسقاط الطابع السلمي للاحتجاجات ولاعتقاده أن مواجهة «المجموعات المسلحة» مهما بلغت قوتها تبقى افضل من رؤية ساحات حلب ودمشق تغص بمتظاهرين يهتفون «الشعب يريد إسقاط النظام».

نجح النظام في استدراج المعارضة إلى مواجهة مسلحة تدور على شفير حرب أهلية. عززت هذه المواجهة تماسك النواة الصلبة التي يستند إليها وقطعت الطريق باكراً على خيارات نقل السلطة أو البحث في صيغ لا تترك مكاناً للرئيس في الحل. نجح النظام أيضاً في إظهار أن المواجهة هي قصة حياة أو موت لمحور بمجمله. في هذا السياق يمكن فهم سخاء إيران في دعم النظام وانتقالها خصوصاً بعد اغتيال خلية الأزمة في 18 تموز(يوليو) الماضي إلى موقع الشريك في يوميات المواجهة السورية وكأنها تعتبر بقاء النظام السوري قصة حياة أو موت. وهكذا أيضاً يمكن فهم رحلة الطائرة الإيرانية من دون طيار التي أرسلها «حزب الله» إلى الأجواء الإسرائيلية والتي أرفق السيد حسن نصرالله تبني رحلتها بكلام يعمق انخراط الحزب في النزاع السوري وكأنه يعلن أن ما يجري في سورية هو قصة حياة أو موت.

إنها قصة حياة أو موت للنظام وحلفائه وللمعارضة من دون أن تكون المعركة بمثل هذه الحدة لحلفائها. وفي غياب تفاهم أميركي - روسي لا يبدو قريباً أو تفاهم أميركي - إيراني لا يبدو محتملاً أو تدخل اطلسي ساحق لا يبدو وارداً حالياً سيموت كثيرون وستختفي بلدات وربما مدن وستسقط «براميل» كثيرة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إيران تلعب أوراقها مكشوفة في لبنان

مشهد مكتمل مع سوريا في المواجهة

روزانا بومنصف

2012-10-15

النهار

يتوقف مراقبون سياسيون عند الدلالات التي يمثلها اعلان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ان طائرة الاستطلاع التي تبنّى ارسالها الى اسرائيل هي من صنع ايراني وتجميع من عناصر الحزب. فالامر لم يعد يطرح من زاوية تلقي الحزب مساعدات ايرانية عسكرية ومادية او استخدام ايران الساحة اللبنانية على الحدود مع اسرائيل وتعزيز النفوذ الايراني في المنطقة، بل اللافت وفق هؤلاء هو لعب ايران ومعها الحزب الاوراق في لبنان على المكشوف، من دون اي محاولة للتغطية، بل على العكس من ذلك. فالتطور الذي شكلته حادثة الطائرة تأتي من حيث توقيتها بعد اقل من شهر على تصريحات القائد الاعلى للحرس الثوري الايراني في 16 ايلول الماضي عن وجود عناصر من فيلق القدس في سوريا ولبنان بعد تصريحات للمستشار الاعلى لمرشد الثورة اللواء يحيى صفوي، قال فيها ان لبنان وسوريا يمثلان العمق الاستراتيجي لايران، ويبدو ان اي تطور يبرز تاليا سيكون ترجمة عملية لهذه المواقف.

وليس واضحا ما اذا كانت المساعدة الايرانية المعلنة للحزب تساعد المسؤولين الايرانيين في تبرير احد اسباب الانهيار المالي والاقتصادي، من زاوية ان المساعدات تؤتي ثمارها في تعزيز موقع ايران الاقليمي وليست هدرا في تقديمها الى الحزب او خارج ايران، الا ان الرسالة وفق ما يقرأها المراقبون المعنيون تتصل بمجموعة امور هي: اولا الرغبة الايرانية في الاعلان بوضوح ان ايران هي من بات بديلا كامل المواصفات في لبنان مكان النظام السوري الذي بات عاجزا الى حد كبير عن الاضطلاع بمهمة الوصاية على القرار اللبناني، وتاليا توظيفه لمصلحة الاهداف الايرانية سواء ما يتصل بالموضوع النووي او بالنفوذ الاقليمي لايران في المنطقة. وان لبنان هو ساحة او مسرح مكمل لما تواجهه كل من ايران وسوريا، وانه جزء لا يتجزأ من المنظومة التي تضمهما معا في اطار المعركة التي تستهدف ايران.

ومع ان البعض يعتبر ان الاعلان الايراني عن تثبيت الحضور والنفوذ في لبنان سابق لانطلاق الثورة السورية بدليل اسقاطها حكومة الرئيس سعد الحريري، الا ان ايران بدت مضطرة اكثر في الاونة الاخيرة الى تأكيد مصالحها في لبنان بصراحة ومن دون مواربة في معرض امتلاكها ما يكفي من الاوراق قابلة للمساومة او المفاوضة لاحقا. وهذه الرسالة الاخيرة هي برسم الدول العربية والمجتمع الدولي في كل الملفات التي ترى ايران نفسها معنية بها.

ثانيا، ان حادثة الطائرة هي عرض قوة في وقت تتعاظم فيه التحديات في كل من ايران والحزب. فمن حيث التوقيت، فان التهديدات لاسرائيل ولمسار مسعى استطلاع الطائرة الاجواء فوق المنشآت النووية الاسرائيلية موازية للتهديدات التي تواجهها ايران في الموضوع النووي ايضا، كأن في المسألة محاولة ارساء توازن رعب او توازن تهديد.

ثالثا، ان لكلام الامين العام للحزب عن الطائرة رسائل داخلية تصب في اطار اولوية استراتيجية دفاعية اقليمية ايرانية لاستراتيجية دفاعية لبنانية، لكن ايضا هناك احتمال لعدم تغير المعادلة السياسية بفعل التطورات السورية والانهيار المحتمل للنظام.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

زين الشامي / سيكولوجية القمع ... سيكولوجيا الإصرار عند السوريين

الرأي العام

15-10-2012

غالبية من المتابعين لما يحدث في سورية شاهدوا على القنوات الفضائية ذلك الرجل الثلاثيني وهو يعبر بألم عما فعلت به قوات الامن السورية خلال مداهمتها لبعض قرى ومناطق جبل الزاوية في ادلب حين صرخ «أنا إنسان ماني حيوان.. وهالناس كلها متلي». انه محمد أحمد عبدالوهاب، وهو من قرية «خربة الجوز» التي تزنرها اشجار الكرز والرمان والجوز ودوالي العنب وكروم الزيتون والتين. صرخته كانت مؤلمة ومؤثرة لأنها صرخة لا يعرف ما تختزنه من قهر الا السوريون انفسهم او غيرهم ممن عاشوا تحت نظام عائلة الاسد وحكم البعث والذين اكتووا بنار القمع الممتد على اكثر من خمسين عاما في تاريخ السوريين الحديث.

طبيعة النظام في سورية منذ تسلم البعثيين وتحوله الى نظام امني عسكري متغول في الحياة العامة في اوائل الثمانينيات بعد القمع الدموي لحركة التمرد التي قادها الاخون المسلمون، هي طبيعة ليست فريدة في التاريخ، لكنها فريدة لناحية امتدادها واستمرارها منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وحتى لحظة ثورة السوريين في آذار عام 2011 وهي ثورة لم تنته الى اليوم، انها الثورة الاكثر دموية وألما وتضحيات وبطولات مقارنة ببقية ما شهدته البلدان العربية التي عاشت انتفاضات مماثلة.

ان بطولة السوريين وشدة قمع النظام لمعارضيه تعكس حقيقة التاريخ، التاريخ الممتد ما بين تسلم البعث للسلطة ثم تحوله الى نظام شمولي فردي بعد تسلم حافظ الاسد السلطة في عام 1971. وبناء عليه ربما يتساءل احدهم عن هذه «الخصوصية السورية»، او الاسباب الكامنة وراء بطولة السوريين واستعدادهم الكبير للتضحية رغم قوة النظام وبطشه ورغم عشرات الالاف من الضحايا ورغم تدمير الكثير من المدن والقرى؟

ان الجواب يكمن في فهم صرخة «محمد احمد عبد الوهاب» ابن قربة «خربة الجوز»، نعم، فهم سر هذه الصرخة التي تعكس حقيقة علاقة المواطن السوري مع نظامه، لقد اراد السوريون من خلال ثورتهم ان يضعوا حدا لاكثر من نصف قرن من القهر والاستلاب والعبودية التي مارسها نظام فاشي كان يختبئ وراء شعارات قومية كبيرة، نظام شعاره الوحدة والحرية والاشتراكية، لكنه اكثر الانظمة العربية التي اساءت للتضامن العربي واكثر الانظمة التي شاركت في تمزيق وحدة الصف العربي، ولعل اللبنانيين والفلسطينيين يدركون تماما ماذا فعل هذا النظام بحق قضاياهم ووحدتهم السياسية والمجتمعية. لا بل ان هذين الشعبين هما من بين اكثر الشعوب العربية التي عرفت وذاقت وحشية هذا النظام، خصوصا وان الآلاف منهم سجنوا في سجون النظام وتم تعذيبهم ومنهم من قتل او اعتقل ولم يعد الى اهله الى اليوم.كذلك كان النظام السوري من اكثر الانظمة استلابا لحرية مواطنيه واكثرهم تفقيرا لشعبه وسرقة ونهبا للمقدرات الوطنية.

ان تكون سوريا أو عشت في سورية، يعني انك تعرف تماما ما هو وقع كلمة مثل «مخابرات» او «فرع فلسطين» او «فرع المنطقة» او «سجن تدمر» او «سجن المزة». ان وقع هذه الكلمات على نفسية السوريين ربما يشبه وقع «النازية» او «الغستابو» على اليهودي، او «ستالين» على الروس. انها ليست كلمات عادية او امكنة او مؤسسات، انها تفاصيل وحياة يومية محورها الخوف والرهبة عاشها السوريون لسنين طويلة، انها كلمات ليست بكلمات، انها الموت، او التعذيب، او نهاية المستقبل، او الغياب لسنين طويلة بعيدا عن الضوء والاهل والاقارب، وفي احسن الاحوال كلمات تثير الهلع الشديد في نفس أي شخص حصل وسمع بعض القصص عنها لاشخاص اختربوها.

حتى المؤسسة الحزبية، او تلك التشكيلات الهرمية التابعة لحزب البعث لا تقل في مدلولاتها وايحاءاتها القمعية والسيكولوجية عن تلك القلاع والمؤسسات الاستخبارية، ففي الفرقة الحزبية قد تستدعى للتحقيق مع امين الفرقة اذا لم تكن «مواطنا ايجابيا» او «صديقا للدولة»، وهو مصطلح يعرف السوريون انه يعني «مواليا للنظام والرئيس القائد». وفي الفرقة الحزبية ايضا قد لا يسمح لك بفتح حانوت صغير اذا لم يوافق امين الفرقة على ذلك لاعتبارات «قومية» او تخص الأمن الوطني والقومي او لاسباب تتعلق بنسبة ولاء الشخص للنظام أو سلبيته.

ذات يوم وصل ابي الى البيت وقت العصر ووجه مكفهرا متألما غاضبا، كنت طفلا لم يتعدَ العاشرة من العمر، من خلال حديثه لأمي فهمت ان رئيس البلدية اجبره على شراء كتاب اسمه «هكذا تكلم القائد» اذا كان يريد الحصول على تلك الرخصة المتعلقة بفتح «فرن للخبز» وكان سعر الكتاب مرتفعا جدا بحيث انه كان يعادل راتب موظف، ابي كان اميا ولم يكن امامه خيار سوى شراء كتاب سميك يحتوي نحو الف وخمسمئة صفحة وعليه صورة الرئيس حافظ الأسد.

ان تكون سوريا، يعني ان تخشى وتحسب حسابا لجارك فربما يكون «جاسوسا» يعمل لدى المخابرات، ومن مدرسك الذي يعلمك فقد يكون على علاقة بالحزب او فرع استخباراتي، ومن زميلك في الصف فربما جندّه امين فرقة الحزب في المدرسة؟

ان تكون سوريا، عليك تعتبر ان «القائد» اهم شخص على وجه الكرة الارضة، وهو الاكثر احتراما وحكمة ورحمة وحبا لشعبه والاكثر شجاعة في مواجهة «العدو». لا يجب ان تنتمي او تكون منتميا لأي حزب سياسي غير حزب البعث، واياك ان تعجب بأي رئيس او قائد او ملك او زعيم غير حافظ الاسد، ومن بعد ذلك ابنه ووريثه بشار الاسد. ان مثل ذلك قد يعرضك للسين والجيم والاستدعاء لدى احد الفروع الامنية.

في سورية من الطبيعي جدا ان تهين وتشتم لكن اياك من توجيه كلمة نابية الى شخص «القائد» ان ذلك قد يجعلك نسيا منسيا في اقبية المخابرات.

في سورية عليك ان تجامل رجل السلطة وترشيه احيانا مهما كانت حياتك قاسية ومهما كنت «مواليا» للنظام. ان استمرار ولاءك دائما في وضعية اختبار مهما بلغت من شأن او عمر. انه مسيرة دائمة ملازمة لكل فرد اراد ان يتجنب المساءلة او ملاحقة ومتابعة الاجهزة الاستخبارية، ومن خالفوا او تحدوا هذا النمط من العبودية كان مصيرهم السجن او في ادنى الاحوال، العزل والبقاء بدون عمل او فرصة في التعليم او حتى السفر للخارج.

ان مجيء بشار الاسد للسلطة بعد وراثته الحكم عن ابيه عام 2000 لم يغير من حقائق هذه الاوضاع، او من طبيعة المؤسسات الامنية المتغولة في حياتهم، مجيئه لم يضع حدا للفساد، ولم يصنع سوى اصلاح شكلي مخادع حين اعطى دفعا لطبقة جديدة من رجال الاعمال المقربين واصحاب النفوذ الموالين فيما بقيت غالبية السوريين تعيش ذات الظروف التي عاشتها تحت حكم الاب... مزيد من القمع، مزيد من تردي الحياة المعيشية، والادهى من كل ذلك مزيد من الخوف.

ربما يفسر ذلك بعضا من اسباب صمود السوريين الى اليوم امام آلة القمع الوحشية للنظام واصرارهم على الاستمرار في ثورتهم.

زين الشامي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

نموذج الحكم في سوريا ينتظر نضج التسوية الدولية

من يعيد الإعمار وبأي شروط؟ وهل تعتمد التجربة اللبنانية؟

سابين عويس

2012-10-15

النهار

قد تطول الازمة السورية أو تقصر وفق الرهانات على تقدم مسار التسوية الأميركية – الروسية على ما يتوقع مرجع سياسي بارز، بعدما حسم الخيار الدولي في شأن مصير النظام وبدأ العمل على تحديد التوقيت والآليات والضمانات، ليس لمستقبل سوريا وإنما للمصالح الروسية فيها من جهة ولعملية التحول إلى المجتمع المدني من جهة أخرى، في ظل محاولات تحريك الاقليات التي لم تبلغ بعد المدى الذي يتيح لها تحقيق التغيير. وفي رأي المرجع المشار اليه، فإن بت مسألة الوقت مرتبط بالأجندات والمفاوضات الخارجية، وبتحسين الوضع العربي من خلال المزيد من الدور المصري بهدف إعادة التوازن في المنطقة بعد الفراغ الذي خلفه تراجع هذا الدور لمصلحة تقدم النفوذ الايراني.

لكن لطول الازمة السورية مخاطر على الاقتصاد السوري نتيجة الخسائر والاضرار التي تتفاقم يوما بعد يوم وتهدد البلاد بالانهيار.

تتفاوت الارقام المعلنة حول حجم تلك الخسائر. وثمة من يتحدث عن عشرات مليارات الدولارات كلفة إعادة إعمار سوريا، إذ تراوح التقديرات بين 34 مليارا و60 مليارا وفق ما أعلن أخيراً عضو غرفة الصناعة في دمشق أحمد غنام مقدرا حجم الخسائر بـ50 مليارا.

لفريقي النزاع في سوريا مصلحة في تضخيم حجم الخسائر والاضرار في حسابات كل منهما لمرحلة إعادة الاعمار، بهدف تأمين الحصول على أكبر حجم من المساعدات. وفي حين تغيب الاحصاءات الدقيقة لهذه العملية وهي في تغير يومي بفعل تنامي الأعمال العسكرية التدميرية، تؤكد مصادر في القطاع الخاص أن ثمة مبالغة وتضخيماً في تقدير كلفة إعادة الاعمار.

وتنطلق من تقويمها بقولها إن الاضرار في غالبية المدن التي شهدت اقتتالات او مواجهات او إستهدافاً مباشر بالقصف، إقتصرت على الابنية السكنية والمؤسسات التجارية والانشاءات، فيما لم يسجل تدمير على مستوى البنى التحتية الصناعية أو منشآت الكهرباء او المياه او الجسور كما حصل في لبنان مثلا في عدوان تموز، حيث إستهدفت بشكل مباشر البنى التحتية. علما ان كلفة اعادة اعمار لبنان بعد ذلك العدوان تراوحت بين 3 و 3٫5 مليارات دولار، من ضمنها اعادة بناء اكثر من 160 الف وحدة سكنية مدمرة بالكامل وإعادة بناء كل شبكة البنى التحتية (الجسور والطرق والمنشآت). ولكن الأضرار الحقيقية في رأي هذه المصادر تعود إلى الخسائر في تراجع الحركة الاقتصادية وشلل الانتاج والتصدير والاستثمار والبناء. وهذا الامر يقود سوريا إذا طال أمده كما هو ظاهر اليوم إلى التحول نحو إقتصاد حرب، مع ما يعنيه ذلك من فقدانه مقومات أساسية من دوره وموقعه على خريطة المنطقة.

قد يشوب الغموض القراءات الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب إن على المستوى السياسي، لجهة من يحكم سوريا وبأي نموذج سياسي أو على المستوى الاقتصادي لجهة من يعيد إعادة إعمار سوريا وبأي نموذج مالي.

إذا كان يتعذر في الظروف الراهنة الاجابة عن السؤال الاول في إنتظار نضج التسوية الدولية في هذا الشأن، فإن ثمة من يرى أن سوريا ستكون أقرب الى إعتماد النموذج اللبناني ما بعد حرب تموز، بما يتيح لها ان تعيد بناء مساكنها ومؤسساتها واسواقها وأحيائها المدمرة بدعم دولي لا بد أن يكون مشروطا بالتسوية المرتقبة.

لكن الحاجة ملحة في سوريا الى تفادي النموذج اللبناني ما بعد الحرب الاهلية إذا طالت حربها، لأنها ستكون في حينها أمام مواجهة كلفة إعادة الاعمار إلى جانب كلفة إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد والنمو. ولن تكون حلول مثل إنهيار العملة لشطب ديون مستبعدة، علما أن ثمة من يبدي خشية على الديون المعقودة بالعملات الاجنبية، وللبنانيين يعملون في سوريا بعض منها.

وإلى جانب أضرار التدمير اليومية، يشهد الاقتصاد تراجعا في كل أنشطته على صعيد الانتاج والتصدير والسياحة والتجارة وتراجع العملة، فيما سجلت الاحتياطات المكونة بالعملة الاجنبية نتيجة تراجع تصدير النفط الى مستويات ضعيفة ( لا تزيد على 4 مليارات دولار) بفعل الاستنزاف المالي الحاصل. يقابل ذلك خضوع سوريا لعقوبات غربية تضعها تحت مجهر المراقبة والضغط الدوليين، فيما المتنفس الرئوي الجدي لها لبنان يواجه ضغوطا مماثلة، تزيد حيال أي محاولات تفلت.

يعوض سوريا خسائرها عاملان هما: التهريب الناشط بقوة عبر الحدود اللبنانية والتركية على الاخص، وتدفق النقد من المال السياسي المخصص لتمويل الحرب الذي يؤمن بدوره الاستقرار في البلاد ويحول دون الانهيار. وهذان العاملان يحولان سوريا إلى إقتصاد حرب يقتات من التمويل السياسي ومن الحدود المشرعة، مما يجعل عملية إعادة ضبطها أمرا غير سهل.

في أي حال وأياً تكن بوابات الخروج المتاحة أمام سوريا، فهي ستمر حكما بالتجربة اللبنانية التي كان لقيادات النظام اليد الطولى فيها!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

القناة السرية بين تل أبيب ودمشق!

عماد الدين أديب

الشرق الاوسط

15-10-2012

ما أعلنت عنه «يديعوت أحرونوت» أول من أمس ثم أكدته الخارجية الإسرائيلية عن حدوث مفاوضات سرية بين تل أبيب ودمشق خلال الشهور الماضية بهدف التوصل لاتفاق سلام سوري - إسرائيلي، أمر يدعو للتأمل العميق.

جميعنا يعلم أن هناك قناة اتصال خلفية تتم منذ الاحتلال السوري للبنان بين دمشق وتل أبيب على مستوى الاستخبارات العسكرية بين البلدين.

هذه القناة السرية تعمل بكفاءة وانتظام بصرف النظر عن طبيعة العلاقات أو اللاعلاقات العلنية أو مستويات التوتر بين سوريا وإسرائيل. وقد أثبتت هذه القناة أنها «ذات كفاءة وأهمية قصوى للأمن بين الطرفين». وتعززت هذه «القناة» في دورها أثناء وجود لجان عسكرية تفاوضية في ماراثون التفاوض السوري - الإسرائيلي الذي تم في واشنطن برعاية أميركية في عهد الرئيس بيل كلينتون، وكان يقود فريق التفاوض السوري فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية، ووزير الخارجية حينئذ.

وكشفت المصادر الإسرائيلية أول من أمس عن أن هدف هذه المفاوضات مع سوريا هو البحث عن إمكانية لشق الصف بين سوريا من ناحية، وإيران وحزب الله من ناحية أخرى، أو أن هذه المفاوضات تمت برعاية من وزارة الخارجية الأميركية.

وفي رأيي، فإن هذه المفاوضات التي لا يحتاج أحد إلى أن يكون عبقريا كي يكتشف أنها ستفشل من اللحظة الأولى، كانت تهدف إلى «تعويم» أو «تنشيط» النظام الأسدي في أزمته.

وفي رأيي، فإن تل أبيب وواشنطن اكتشفتا بعد قليل أن ارتباطات بشار الأسد الشخصية والنفسية والأمنية بالنظام الإيراني أقوى من أي «مداعبة سياسية مع واشنطن أو أي غزل أمني مع تل أبيب».

حدثت تلك المفاوضات في وقت تشكل فيه ثورات الربيع العربي عبئا على واشنطن بعدما كانت حلم الأحلام لصانع القرار الأميركي. وتمت هذه الاتصالات السرية في وقت يعد فيه إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي خطته التي يعكف على تدعيمها، وهي فصل غزة عن الضفة، ثم فصل الضفة عن الدولة العبرية خوفا من مشروع يتم الإعداد له دوليا في الغرف المغلقة مؤداه أنه إذا فشلت فكرة الدولتين، فمن الممكن تسويق فكرة أن تكون هناك دولة واحدة تحتوي القوميات الإسرائيلية والعربية من يهود ومسلمين ومسيحيين ودروز.

هنا يبقى السؤال: إذا كانت كل مشاريع واشنطن الإقليمية تعاني من الفشل المتكرر، فمن سوف يدفع ثمن هذا الفشل؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إيران وروسيا والأطلسي.. والتصعيد السوري ـ التركي

فؤاد فرحاوي

الشرق الاوسط

15-10-2012

شهدت الأزمة السورية تصعيدا خطيرا بعد سقوط قذيفة سورية على بلدة «أكتشه قلعة» التركية والتي أودت بحياة خمسة أتراك. وخلافا للفترة السابقة التي تم فيها إسقاط الطائرة العسكرية التركية في يونيو (حزيران) الماضي، اتسم رد فعل أنقرة بحدة أكبر، إذ قامت المدفعية التركية بقصف أهداف داخل الأراضي السورية. واستصدرت الحكومة مذكرة تفويض من البرلمان التركي يأذن لها بالقيام بعمليات عسكرية في العمق السوري. ورغم صدور مذكرة التفويض فإن المسؤولين حرصوا على ضبط ردود فعلهم تجاه الاستفزاز السوري وعدم الانجرار إلى فخ ربما تم الإعداد له من أطراف عدة. الموقف التركي رحب به حلفاء وأصدقاء تركيا، أما روسيا فقد عرقلت صدور بيان مجلس الأمن يدين النظام السوري.

وتوضح طبيعة الإجراءات التي اتخذتها أنقرة وتصريحات مسؤوليها أن تركيا بصدد نقل التعاطي مع الأزمة السورية إلى مستويات أكثر حزما. وتدرك أنقرة أن النظام السوري لا يمكن له أن يقوم بأي خطوة عسكرية وأمنية خارجية دون التنسيق مع الروس والإيرانيين، فلكل من موسكو وطهران مستشارون عسكريون يشاركون في عمليات التخطيط والتنفيذ لحماية النظام السوري من السقوط، على الأقل في هذه المرحلة. وكان لافتا أن ربط أردوغان في الطلب الذي تقدم به للبرلمان بين سقوط القذيفة السورية والأمن القومي التركي، مما يؤكد أن الأزمة السورية دخلت منعطفا جديدا بالنسبة لأنقرة.

وفي الواقع، فإن تطورات في المنطقة أقلقت صانع القرار التركي، حيث يفهم منها أن سقوط القذيفة السورية على الأراضي التركية إنما هي حلقة من حلقات «لي الذراع» بين أكثر من طرف إقليمي ودولي حول موضوعات أخرى تتشابك مع الأزمة السورية، من قبيل الملف النووي الإيراني والعلاقات الروسية بحلف الأطلسي وكذلك تطورات العلاقات الإيرانية - التركية - العراقية.

إيران شعرت أن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب ملفها النووي بدأت تؤثر على اقتصادها وأمنها الاجتماعي والسياسي، إلى درجة صار فيه البعض يتحدث عن «ربيع فارسي» قادم قد يعصف بالنظام الإيراني. وازدادت المخاوف الإيرانية بعد انهيار عملتها الوطنية مؤخرا وما نتج عنه من اصطدام التجار مع الشرطة في طهران، الأمر الذي دفع مرشد الجمهورية علي خامنئي للحديث عن «مؤامرة الريال».

وبالتوازي مع الضغوط الداخلية على النظام الإيراني، بدأ الأوروبيون مناقشة إمكانية فرض حظر تجاري ومالي أوسع على طهران يشمل قطاع الطاقة والبنوك. وتذكر الخطوة الأوروبية بردود الفعل الإيرانية في أواخر عام 2011 وبداية 2012 عندما هددت بإغلاق مضيق هرمز في حالة ما إذا فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية عليها، ولكن هذه التهديدات لم تؤد إلى إيقاف إصدار عقوبات جديدة، بل نتج عن تكرارها قيام واشنطن في سبتمبر (أيلول) الماضي بأكبر مناورة بحرية في تاريخ الشرق الأوسط بمشاركة 30 دولة، وذلك كرسالة موجهة لإيران بأن مضيق هرمز خط أحمر. فهمت طهران الرسالة فاتجهت إلى التركيز أكثر على الورقة السورية والعراق. وتعتقد إيران أن أحد مداخلها لمواجهة الولايات المتحدة هو إضعاف واستهداف حليفها تركيا، بل والعمل على إيجاد تناقضات في العلاقات الأميركية - التركية. وهكذا سعت طهران من خلال حليفها في بغداد نور المالكي إلى دعوة واشنطن للضغط على أنقرة من أجل الامتناع عن قيام الطيران الحربي التركي بقصف شمال العراق بدعوى ملاحقة «حزب العمال الكردستاني». وبالتوازي مع تلك الدعوة طلبت الحكومة العراقية من البرلمان إلغاء أو عدم التمديد للقواعد الأجنبية فوق الأراضي العراقية، وذلك في إشارة إلى المواقع العسكرية التركية في الشمال والتي أنشئت بموجب اتفاق سابق مع نظام صدام حسين.

وفيما يبدو محاولة من طهران للضغط على أنقرة وواشنطن عبر العراق وفق السيناريو الأسوأ، أي سيناريو سقوط حليفها في دمشق، قام وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي بزيارة للعراق، وهي أول زيارة يقوم بها وزير دفاع إيراني للعراق منذ 1979. وبعدها قام قائد القوات البحرية الإيرانية بزيارة لبغداد والالتقاء بنظيره العراقي. وتكتسب أهمية هذه الزيارات في سياق عرض سابق لطهران على بغداد للتوقيع على اتفاقية التعاون الأمني والعسكري، وذلك خلال آخر زيارة قام بها نور المالكي لإيران. حكومة المالكي طلبت من طهران التريث إلى غاية أن يتضح الموقف والتأثير الأميركي على تركيا لإيقاف الغارات الجوية في شمال العراق، وقد يكون هذا الملف إحدى القضايا الرئيسية التي سيتم مناقشتها خلال الزيارة المرتقبة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد للعراق بعد عودة المالكي من روسيا وجمهورية التشيك.

أما روسيا فإنها رغم دعوتها كلا من تركيا وسوريا «لضبط النفس» على خلفية التصعيد الأخير، فإنها بدورها تستعمل الورقة السورية لإضعاف موقف أنقرة في الساحة الإقليمية. وترى موسكو أن الضغط على تركيا عبر سوريا يحقق لها أهدافا استراتيجية تتصل بإحراج حلف الأطلسي، وإظهاره كمنظمة تعجز عن الدفاع عن أحد أعضائها. وتربط موسكو موقفها من الأزمة السورية بمسعاها إلى إقناع دول آسيا الوسطى بعدم جدوى بقاء قواعد الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في جوارها الإقليمي بعد الانسحاب من أفغانستان. وتعتقد روسيا أن إضعاف تركيا من خلال الملف السوري هو إضعاف لقدرة أنقرة على أن تلعب أدوارا في آسيا الوسطى والقوقاز بالتعاون مع واشنطن. ولكن هذا لا يعني أن موسكو ترغب في إلغاء الدور الأميركي نهائيا في هاتين المنطقتين، بل إن هذا الدور مطلوب أحيانا، لمحدودية قدرات روسيا في مواجهة كل المشاكل في هذه المناطق، لا سيما عندما تنخفض أسعار الطاقة. إن أحد الأهداف الرئيسية لروسيا من خلال الضغط على أنقرة، هو الإبقاء على التأثير الأميركي بالمنطقة في الحدود التي تستطيع من خلالها موسكو أن توسع نفوذها وتأثيرها في السياسات الدولية.

ونظرا لالتقاء المصالح الإيرانية والروسية بخصوص الأزمة السورية والتصعيد ضد أنقرة وواشنطن، فإن موسكو تسعى بدورها إلى تطوير علاقاتها بالعراق. وفي هذا الإطار تأتي دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنوري المالكي لزيارة روسيا. وهي الزيارة التي شملت مباحثاتها قضايا توسيع الاستثمار الروسي في قطاع الطاقة والبنية التحتية في العراق، وبمشاركة المقاولات المتوسطة والصغيرة الروسية بدل الاقتصار على الشركات الكبرى. وفي الحقيقة، فإن مجالات التعاون الاقتصادي في مباحثات المالكي بموسكو لم تثر مخاوف كبيرة لدى أنقرة وواشنطن، بقدر ما أثارتها صفقة السلاح التي بلغت 4.2 مليار دولار شملت تعزيز منظومة الدفاع الجوي العراقي، وذلك برغم تأكيد المالكي أن الصفقة ليست بديلا عن السلاح الأميركي. والملاحظ أن أطرافا سياسية عراقية، مثل «الاتحاد الكردستاني»، أبدت مخاوفها من هذه الصفقة، إذ تخشى أن يستغلها المالكي ضد منافسيه وخصومه عبر بوابة الأزمة السورية وتداعياتها الإقليمية.

يتضح في ضوء التحليل السابق أن سقوط القذيفة السورية على الأراضي التركية لم يكن خطأ غير مقصود، بل هو حادث يراد منه الإبلاغ أن الأزمة السورية قد دخلت مرحلة جديدة سمتها الإعلان غير الرسمي عن قيام تحالف روسي إيراني عراقي في مواجهة سيناريو سقوط نظام بشار الأسد. وعلى هذا الأساس قامت تركيا من خلال المذكرة البرلمانية بإعلان غير رسمي عن جاهزيتها عسكريا للتصدي لتحالف يستهدف أمنها القومي وإضعاف نفوذها وتأثيرها الإقليمي.

* باحث في منظمة

البحوث الاستراتيجية الدولية (أوساك) في أنقرة

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المَسألة الطائفية في سوريا

جان عبدالله

المستقبل

14-10-2012

تسييس الطوائف وتطييف السياسة

من أهم الفوارِق الفعليَّة بين الأنظمة التوتاليتاريَّة المركزيَّة الأوروبيَّة (الفاشيَّة والنازيَّة) والأنظمة التوتاليتاريَّة العربيَّة (البعثين السوري والعراقي)، علاقَةُ المُركَّب السلطوي الحاكم بالمكوِّنات الأهليَّة الأوَّليَّة السابقة على الدولة،إذْ استطاعت النازيَّة وظيفيَّاً التحايُل على النزاع البروتستانتي - الكاثوليكي، و ذلك بتأجيجِ حماسةٍ قوميَّة للعرق الآريّ "الحديث" أزاحَت الحساسيَّات الكامنة في الدين المسيحي "القديم"، فالتقى بذلك المزاجان البروتستانتي والكاثوليكي في دعم النازيَّة، واستطاعت بذلك الحركة القوميَّة الاشتراكيَّة بتحديث التنابذات الأهليَّة وتحقيق وحدة وطنيَّة عابرة للشقوق المجتمعيَّة عن طريق صبِّ الالتهابات الأهليَّة في حركة يمينيَّة جامعة مليئة بالتقاليد الرجعيَّة يقودها هتلر. بعكس التوتاليتاريات العربيَّة التي كانت مُندخلةً في الصلب الاجتماعي وطَرفاً في الصراع الأهلي وأمعنت في تفسيخ النسيج الوطني،علاوة على ذلك فإنَّ ما أدَّى إلى انقِشاع الأيديولوجيا وظهور النواة السلطويَّة بعريِّها الطائفي المحضْ في التوتاليتاريات العربيَّة هو هَشاشةُ التأسيس النظري الأيديولوجي المتمثِّل بضعف الطاقة التخيُّليَّة التحويليَّة (الأداةُ الحديديَّة التي تحوُّل الواقع إلى ما ينبغي أن يكون) في الذهنيَّة الكليانيَّة المتسلِّطة، فهل يستطيع أحدٌ أن يقارن نصوص ميشيل عَفلق الخطابيَّة الحماسيَّة بالمناظرات العميقة بين ستالين وتروتسكي ؟!، أو المساواة بين "الكتاب الأخضر" الممل وكتاب "كفاحي" لأدولف هتلر؟! (أنظر كتاب"قضايا قاتلة" للمعلِّق اللبناني حازم صاغيَّة الصادر عن دار الجديد)

ومنه، فلا توجد محدِّدات جوهريِّة أصليَّة في جذرِ أفراد المجتمعات المشرقيَّة تجعلهم طائفيّين أشرار،كنتيجةٍ قدريَّة وأزليَّة لتعدديَّة دينيَّة ومذهبيَّة ستؤدِّي حتماً إلى حربِ أهليَّة، والطائفيَّة ليست عاهةً بنيويَّة كامنةً في جينات هذه الشعوب، وذلك في محاولات بعض المفكِّرين والمستشرقين لخلْقِ ديناميكيَّةٍ ذاتيَّة ثابتة على الزمن وعصيَّة على التاريخ، في وعي هذه الطوائف تعيدُ إنتاج الطائفيَّة باستقلاليَّة مُطلقة عن ممارسات السلطة السياسية الحاكمة في تلك اللحظة التاريخيَّة. من الممكن أن يستيقظ الشعور الطائفي نتيجة لتراكب الفروق الدينية والمذهبية مع فروق اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية(انظر "الطائفية والسياسة في سوريا" لياسين الحاج صالح في كتاب "نواصب وروافض" من إعداد حازم صاغيَّة الصادر عن دار الساقي)، أي التمازج بين التموضع الطبقي والانتماء الطائفي (ريف مهمل مقابل مدينة مُخدَّمة، غنى وفقر، تمثيل واسع في المؤسسات الرسميَّة مقابل حرمان في التمثيل)، لكن المسألة الطائفيَّة في الحالة السوريّة مرتبطةٌ في العمق بفشل الجهاز السياسي الحاكم( المولِّد الأساسي للطائفيَّة) في نقل الصراع من "رَحْبَة" المجتمع حيث العنف الفعلي إلى "حرم" السياسة حيث العنف الرمزي، وبالتالي الاقتراب من العصبويَّة السلطويَّة الخاصة والابتعاد عن منطق الدولة العموميَّة في أصول الحكم.

"ترييف المدن" أهم عوامل المسألة الطائفية

أدَّى المَزجُ المحكم بين الليبراليَّة الاقتصاديَّة والتسلُّط السياسي إلى ضعف الطاقةِ الدمجيَّة للمدن الكبرى،فحصلَ أخطر تشوُّهٍ اجتماعي في تاريخ سوريا المعاصر(له دورٌ لا يستهانُ به في خلق "حالة طائفية") ألَّا وهو عمليَّة "ترييف المدن"، يعرِّفها علماء الاجتماع الفرنسيون "عمليَّة إراديَّة عاجلة يغزو فيها عرفُ العشيرة التقليدي قانونَ المدينة الوضعي، تقل بسببها فرص الاندماج الخلاق بين العناصر الوطنية، وترقُّ سماكة الطبقة الوسطى، ويزدادُ تركّز الثروة بيد أقليَّة اقتصاديَّة،و تظهرُ أحزمة أحياء عشوائيَّة حول المدن"، وكانت الأيديولوجيا الاشتراكية السلطويَّة (من هنا أيضاً سبب بقاء الخطاب الإيديولوجي الاشتراكي السلطوي زراعيَّاً و حرفيَّاً بسبب انطلاقه من الريف بالمقارنة مع الخطاب الإيديولوجي النازي المؤدلَج و المصنَّع) بشحنَتِها الطهرانيَّة والطوباويَّة خير حاملٍ للحقد التاريخي المتراكِم في ذات الفلاح المُهمَّش على تشاوُفِ و تباهي عاصمة الأمويين، وبقي لدى الأقلَّوي هاجسٌ نفسيٌّ بالتهديد والتوجُّس، إذْ كان لديه الإدراك الكافي بأن الهويَّة الأهليَّة لا الكفاءة الفرديَّة توسَّلت لتقلُّد المنصب الحالي، وبأنَّ الموقع الرسمي في تراتبيَّة الدولة لم يأت نتيجة تطوُّر طبيعي تدريجي بل ثمرة استثناءٍ شاذٍّ وظرفي، فزاد التباعد بين الأقليَّة العلوية (الأقليات عموماً) والأكثريَّة السنيَّة، حيث بقي المجتمع السني السوري سديميَّاً و غامضاً و مهدداً، وهنا حصل التماهي الشبه التام بين الأوليغارشيا العسكرية الحاكمة والأقليَّة العلوية.

علاقة تشظِّي الأيديولوجيَّات بالانقسامات العموديَّة:

والحال فإنَّه أيَّة أيديولوجيا شعبويَّة تصبح قاطرةً لمكوِّنات قبليَّة، من هنا ثمَّة تشويشٌ يجري التكتُّم عليه دوماً في النتاج السوري المكتوب، مفاده صعوبةُ الفصل بدقَّة على مستوى النخب بين الأهلي المجتمعي والسياسي المدني، تمحُّصٌ و مقارنة بين الخيارات الأيديولوجية والمنابت الأهليَّة في الحالة السوريَّة، سيظهرُ أن كثيراً من الخيارات الفكريَّة لم تكن بريئةً عن الانتماءات الأهليَّة، وإلا ما المعنى أن أغلب العلمانيين والمطالبين بفصل الدين عن الدولة هم من الأقليَّات؟، وأن أغلب الذين يطالبون بالديمقراطيَّة وبحكم صناديق الاقتراع هم من الأكثريَّة الأهليَّة؟!، أليسَ الانحيازُ الإيديولوجي هنا ردَّةُ فعلٍ فكريَّة الطابعِ أهليَّة الدافع؟، وبأن الأيديولوجيا مرآةٌ لتضخيم الذات المجروحة المذعورة على الصُّعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعيَّة، طبعاً هذا الافتراض ليسَ قانوناً قطعيَّاً، ولا علاقة للعلمانية والديموقراطية كمفاهيم كونيَّةٍ نظريَّة مجرَّدة بهذه التكوينات المجتمعيَّة، ولكن الاشتباك بين الكوني العام والتاريخي الخاص كان مشوَّهاً وعاقَّّاً في الوضعيَّة السوريَّة.

في تعذُّر خلْق"الطائفة السنية"

ومن المهم الذكر بإنَّه كلَّما كانت الجماعة كبيرةً ومُبعثرة الانتشار جغرافيَّاً،و رازحةً تحتَ كسورٍ طبقيَّة حادَّة (مقارنة الفلاح الموجود في ريف ديرالزور المهمَّش مَثلاً مع التاجر الشامي الثري المقيم في حي أبو رمَّانة)، وصراعات ثقافيَّة نابذِة(ريف-مدينة)، فإن استِنْطَاق الوعي الذاتي الطائفي لها وصَقْلهِ في حيِّز الإمكانِ والفعل السياسي، أصعب منه في جماعة صغيرة مُتركِّزة الانتشار الجغرافي، ومتشابهة التموضُع الطبقي، إضافةً فإنَّ هنالك عائِقاً موضوعيَّاً وتاريخيَّاً أكثر أهميَّة يعرقلُ تحويل الجماعة السنيَّة السورية إلى "طائفة سنيَّة" خطيَّة التوجه ومُشرَّحةَ الملامح، وهو افتقارُ الذاكرة السنيَّة السوريَّة الجمعيَّة إلى رضوض اضِّطهاد راعفةٍ وسرديَّات مظلوميَّة مُتقيِّحة تساعد على الاستنفار الغرائزي والتعبئةِ العدديَّة والتراصِّ البكائي وهذه العناصر مُلحِّة لأي هويَّة مُغلقة تهندسُ نفسها وجدانيَّاً بالضد من الآخر(مثل الشيعيَّة السياسيَّة في العِراق مثلاً)، وأهمَّ الدلائل الواقعيَّة الحسيَّة لصواب هذا الادِّعاء هو فشل "جماعة الأخوان المسلمين" في مَأْسَسَة الجماعة السنيَّة(بالمعنى العددي العياني السكوني لكلمة جماعة) إلى "طائفة سنيَّة" مُعادلة لها في منصَّة السياسة،و بقاء فكرهم الطائفي حَبيسَ أوراقهم السياسيَّة لعدم وجود "طائفة سنيَّة" كافية تنفِّذ المشروع.صفوةُ القول: الحديث عن "طائفة سنيَّة" مُنجزَة وكليََّة و متجانسة في الحالة السوريَّة هو أقربُ إلى نحتِ بناءٍ اسمنتيّ مُتماسك من صِلْصَالٍ شبهِ سائل.

وأخيراً فإذا كان أغلب سجناء الجنايات في فرنسا (أكثر من 72 في المئة) هم من المسلمين، فإنَّ هذا لا يعني أن هنالك علاقةٌ بين الإسلام و الإجرام (انظر الحوار مع ثائر ديب يؤكد ما معناها بالنسبة للزنوج والبيض في الولايات المتحدة المنشور في "السفير العربي" بتاريخ 29-8-2012 تحت عنوان "عن الطائفية ومثقفيها في سوريا")، فقابليَّة كلُّ من المسلم المهاجر و الفرنسي الأصل لارتكاب الجريمة هي واحدة، إنما يجب دراسة ظاهرة الإجرام ضمن الظروف والعوامل والمسببات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وحتى المذهبية، نستطيع أن نجرَّ هذا الكلام نسبيَّاً على المسألة الطائفية في سوريا، لنؤكِّد أن الطائفية مشكلةٌ بشريَّة، وعلاجها يكونُ بنقاش هؤلاء البشر مع بعضهم، وأيُّ فهمٍ طائفي للمسألة الطائفيَّة لن يؤدّي إلإ إلى إعادة إنتاج الطائفيَّة.

ثقافة "له له يا شباب، كلنا أخوة...عيب" هي التي تزيِّن السطح الوطني بالتكتُّم والإغْفال، فيضحي الحديث عن أيّ تباين أو تفاوت عيباً وطنيَّاً يعارُ به الناقد، أمَّا لُهاثُ البعض في نبشِ التاريخ لاصطياد صورٍ تُزكَّي الألفة بين الطوائف فهو عَدَمي، لأن ذاك التاريخ نفسه مُتخمٌ بصورٍ سهلة الاستحضار، وتؤكِّد التنافر وتعمِّق الشقاق.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الدماء لم تجف بعد

المستقبل

14-10-2012

ما تزال داريا تنظر بعيني الدهشة إلى ما جرى من حولها، فسكان المدينة حتى اللحظة الراهنة، لم يستوعبوا تفاصيل المجزرة التي ارتكبتها قوات النظام السوري في المدينة، والتي تجاوز عدد ضحاياها الألف والمائتي شهيد. لم تصحو المدينة من هول الصدمة بعد والدماء كما حكايا الناس، لم تجف بعد.

عشرات التفاصيل والحكايا، بدأت تظهر اليوم، يرويها اشخاص عاشوا لسوء حظهم كل تفاصيل المجزرة وينطرون بعين الدهشة ويستاءلون: من أين أتي هؤلاء الجنود بكل هذا الحقد؟

عشرات الشهادات التي قدمت لنا، اكدت أن عدداً كبيراً ممن اعدموا ميدانياً على يد قوات الأمن، قطعت سبابتهم وذلك في اشارة لمنع الشهداء من النطق بالشهادة قبل أن يلفطوا أنفاسهم الأخيرة.

لم تكن مجزرة داريا، كما باقي المجازر الأخرى التي يرتكبها نظام الأسد، بدافع ديني او طائفي، كما قد يتوهم البعض. فذلك تحليل أقل ما يمكن ان يقال عنه انه سطحي فالقتل الممنهج الذي اعتمدته قوات الأسد ضد المدنيين، وعلى مرأى من ابنائهم وعوائلهم، يفسر رغبة النظام واصراره على تنفيذ شيئين اساسيين، اولهما تحقيق فك الارتباط بين عناصر الجيش الحر من الثوار، وحاضنتهم الاجتماعية وذلك عبر تطبيق العقوبة الجماعية على هذه الأخيرة، وثانيهما هو ترويع الأهالي في سبيل كسر ارادتهم وزعزعة صمودهم، وكل ذلك في محاولة النظام لاعادة احكام سيطرته على المجتمع السوري.

فأغلب الشهادات والتوثيقات تشير إلى ان جرائم القتل التي ترتكبها قوات الأسد، تجري بعد فرز الذكور عن الاناث، ومن ثم اقتياد الذكور على اختلاف أعمارهم وتجميعهم،/ ومن ثم البدء بعمليات التعذيب والتنكيل، وكل هذا يجري على مرأى من أهلهم وعوائلهم، وبعدها تحدث عمليات الإعدام، التي غالباً ما تتم في الشوارع وعلى الملأ.

تروي لنا احدى الأمهات التي ودعت ثلاثة من أولادها في المجزرة وتقول: اقتحمت عناصر الأمن منزلنا، وامرت الذكور بمختلف اعمارهم بالخروج من المنزل، بعدها دخلت قوات الجيش، وقامت بتفتيش المنزل، سرقوا كل ما وقعت عليه أيديهم بما فيه ثيابنا الخاصة، بينما كسروا وخربوا كل ما عجزوا عن حمله؛ خرجت بعدها الى الشارع مسرعة لأعرف ما حل بأبنائي، رأيتهم واقفين مع باقي أبناء الحي ووجوههم إلى الحائط، صرخت وبكيت، زجرني الجنود وامروني بالدخول الى القبو الذي كانت تتجمع فيه باقي نساء الحي مع اطفالهن، وعندما لم انصاع لأوامرهم، اطلق احد الجنود علي النار، لم يصبني ولكن أغمي علي، عندما استيقظت كان كل شيء قد انتهى، والدماء تلون الشارع، لقد اخذوا كل شيء حي في اعماقي، لقد اخذوا "ضي عيوني".

لم يعد نظام الأسد يرتكب جرائمه بالسر، بات علنياً وواضحاً، وأكثر من ذلك راح يسهل وصول صور ومجازره إلى الأهالي في كل انحاء سوريا حتى ان وسائل اعلامه نفسها باتت مشاركة في نقل الجريمة، وكل ذلك في سبيل ارهاب السكان وكسر ثورتهم؛ وفي ظل الوضع الراهن بات الصراع واضحاً بدوره، بين نظام متمسك بالسلطة حتى آخر رمق، وبين شعب ثائر لم يعد يملك سوى خيار المضي قدماًَ بثورته، اذ لا سبيل حتى لمجرد التفكير بالتراجع أو الاستسلام. بينما تتمرأى الجريمة امام عالم متواطئ ومساند للطاغية.

هي معادلة باتت واضحة بالنسبة للشعب السوري الثائر، بات واضحاً وقوفه بمفرده امام واحدة من أشرس آلات القتل بالعالم. لقد عرت الثورة السورية نظام "الأسد الممانع". كما كشفت زيف الخطاب العالمي حول الديموقراطية وحقوق الانسان.

وفي داريا التي نسعى الى رصد جرحها النازف، لا يسعنا سوى الشعور بالذهول، حيال موت معمم، وخيط حياة رفيع يتمسك به السكان بكل ما أوتوا من عزيمة، ففي هذه الأثناء التي نرصد فيها ما يجري في المدينة يفاجئنا فريق جريدة "عنب بلدي" الخاصة بداريا باصدارهم عدداً من جريدتهم، في اشارة الى استمرار الثوار في مزاولة نشاطهم، فالأهالي باتوا اكثر تماسكاً، واكثر تصميماً على الاستمرار والمضي قدماً، فاليوم لم يعد النظام الحاكم فقط من يرسل الرسائل، ايضاَ بات هناك طرف آخر في المعادلة، انه الشعب عندما تدب به الحياة ويقرر انه بات صانعاً لتاريخه ولا صانع سواه.

اليوم يودع اهالي داريا شهداؤهم، ويودعون معهم خوفهم، الذي سعى نظام الأسد عبر عقود حكمه إلى زرعه في قلوبهم، ينتصبون واقفين هناك ويعدون بالاستمرار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

داريا... قبل المجزرة وبعدها عنب وثورة

دمشق ـ صبر درويش

المستقبل

14-10-2012

(قبل أن تقرأ: أريد التنويه إلى أن أغلب الشهادات والتوثيقات الموجودة هنا كانت قد أخذت قبل المجزرة التي تعرضت لها مدينة داريا، بينما ما حدث من تفاصيل بعد المجزرة فسنفرغ له مكان آخر).

تبدو المدينة هادئة تماماً بعد القصف، كل شيء يشير إلى مرور قوات الأسد من هنا، الجدران المثقوبة، المنازل المهدمة، وآثار الضحايا الذين عبروا منذ قليل على هذه الطرقات.. كل شيء يشير إلى أن الجيش "الوطني" كان على مقربة من هذه الأنحاء.

لا تبعد مدينة داريا سوى بضع كيلومترات عن العاصمة دمشق، تعد بساتينها التي تلتقي ببساتين كفرسوسة جزءً من الغوطة الغربية، الملتفة حول دمشق من جهة الجنوب الغربي.

ولداريا سمعتها في النشاط السياسي السابق على الثورة السورية التي انطلقت منتصف آذار (مارس) من العام الماضي؛ ففي عام 2003 ستقوم قوات الأمن السوري باعتقال مجموعة من الناشطين الذين لم يفعلوا شيئاً سوى أنهم قاموا بتشكيل مجموعة من الشبان والشابات للعمل على تنظيف المدينة كشكل من اشكال النشاط المدني، وكان ذلك كافياً كي يتم اعتقالهم بتهمة التآمر على الأمة!

تقول حنان "كنا مهتمين بالشأن السياسي قبل انطلاقة الثورة، كانت تدور في منزلنا مع والدي وإخوتي نقاشات مطولة حول الأوضاع في البلد، ولكن هذه النقاشات كانت تنتهي ما أن نخرج من المنزل، كان كل شيء ممنوع، وخاضعاً لقبضة المخابرات الحديدية".

حقاً، تعد أجهزة المخابرات السورية والتي وصل عددها حتى السبعة عشر جهازاً، واحدة من أعتى أجهزة المخابرات في العالم، وهي التي وجدت في الأصل بغية قمع المجتمع السوري ومنعه من أي شكل من اشكال التعبير الحر، وهو الشيء الذي سمح لنظام الأسد بالاستمرار طيلة العقود الماضية في الحكم. إنها العقود الأسوأ في تاريخ سوريا الحديث.

تبدو على حنان سيماء الاعتداد بالنفس، وهي تروي لنا أولى مشاركات نساء داريا، والتي بدأت في السابع عشر من آذار العام الماضي، عندما شاركن في اعتصام وزارة الداخلية في قلب العاصمة دمشق، للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي، الذين كانوا قد اعتقلوا في أحداث الخامس عشر من الشهر نفسه، وما أن وصلوا تقول حنان- حتى قامت قوات الأمن بتفريق الاعتصام بالقوة، وبالهجوم العنيف على المعتصمين، حيث قاموا باعتقال العشرات، كان من بينهم المفكر السوري المعروف الطيب تيزيني.

بدأت التظاهرات في مدينة داريا ببضعة شبان وأربع نساء فقط لا غير، بضع هتافات... وينقض رجال الأمن والشبيحة على المتظاهرين، ويعتقلون بعضاً منهم، تقول حنان: لم نكن خائفين على الإطلاق، على العكس كنا نضحك عالياً، ونشعر بأن عهداً جديداً قد بدأ. بعدها خرجنا بتظاهرة من أمام محكمة المدينة وكانت أعدادنا قد تزايدت قليلاً، وككل مرة نخرج فيها للتظاهر يتصدى لنا رجال الأمن، ولكن الذي ميز ذاك اليوم كان اعتقال ثماني نساء من المتظاهرات، كانت صدمة للجميع، فلأول مرة يتجرأ الأمن على اعتقال النساء، إلا أنهم ما لبثوا عند المساء أن أخلوا سبيلهم جميعاً.

سيتراجع النشاط الميداني السلمي قليلاً، إثر الممارسات العنفية لقوى الأمن السوري بحق المتظاهرين، بيد أن هذا الحراك لن يلبث أن يتصاعد من جديد مكتسباً زخماً شعبياً على قاعدة اتساع رقعة الاحتجاجات في البلاد. استفادت داريا من تاريخها العريق في النشاط المدني، فوسعت نساء المدينة من دائرة نشاطاتهن الثورية. تقول سحر: لم تكن التظاهرات هي الشكل الوحيد للتعبير عن احتجاجنا، حاولنا أن نبتكر وسائل أخرى للتعبير، فوزعنا المناشير وسعينا إلى التأثير على وعي الناس من خلال البروشورات التوجيهية، أصدرنا جريدتنا التي أسميناها جريدة "عنب بلدي"، وكان خيارنا للاسم ناتجاً عن شهرة مدينتنا بالعنب من جهة، ومن جهة اخرى كنا نرى أن عنقود العنب مؤلف من مجموعة حبات وكل واحدة مختلفة عن الأخرى، كنا هكذا ننظر إلى مجتمعنا السوري، على أنه مكون من مجموعة حبات مختلفة ولكنها مجتمعةً في تكوين واحد؛ وبينما كنا نفكر بالوسيلة التي سنصل من خلالها إلى النساء غير المشاركات بالتظاهرات خطر على بالنا فكرة مساعدة أطفال المعتقلين والشهداء، من خلال برامج تأهيلية ودعم اجتماعي كي يستطيعوا تجاوز المحنة. كنا نسعى بكل ما نملك من طاقة ومن وسائل للوصول إلى اكبر قدر ممكن من الناس والتأثير فيهم، كنا مؤمنات بثورة شعبنا وبأننا على حق، وأكثر من ذلك كنا مؤمنات بضرورة استمرار نضالنا السلمي، حيث كنا مقتنعات تماماً أن النظام يسعى بكل إمكانياته لحرف الثورة عن سلميتها، ونجحنا في حدود لا بأس بها، وسقط لدينا أول شهيد من شهداء دعاة السلمية في المدينة، الشاب غياث مطر.

إضافةً إلى كل ما سبق، عملنا على طباعة صور معتقلينا وشهدائنا وتعليقها في الشوارع، لا لشيء وإنما فقط لنذكر الجميع بضرورة الاستمرار بالنضال، وشد عزيمة الناشطين، لقد كنا من اوائل من طرح فكرة تشكيل لجان شعبية. الثوار استطاعوا بعد كثير من الجهد والنضال من تحرير المدينة بشكل جزئي، ومن هنا رأينا أنه لابد من حماية المراكز الحيوية الموجودة في المدينة.

كنا مدركات لبعض المظاهر السلبية التي ستبرز إلى جانب الثورة، فسعينا إلى معالجة هذه المظاهر من خلال التواصل مباشرةً مع الناس، تواصلنا مع أسر الشهداء والمعتقلين، ونظمنا جلسات للحوار، وانتقدنا بشكل حازم كل انحراف للثورة كنا نلمسه، وكانت جريدة "عنب بلدي" إحدى المنابر المهمة في ذلك.

اليوم تقصف مدينة داريا بمدافع النظام، وتحاصر بقواته الأمنية، تدك بيوتها وتهدم فوق رؤوس ساكنيها، وتقدم عشرات الشهداء والمعتقلين، وتصر على الرغم من ذلك بالاستمرار في طريق يقول أغلب الناشطين أنهم لن يعودوا عنه.

تقول ريم: لقد اعتقلت على يد قوات الأمن، حيث ساقوني إلى إحدى الأفرع الأمنية في دمشق، لم أشعر بالخوف، خصوصاً عندما فهمت أنهم لن يؤذوني، كنت أشعر بالقلق على عائلتي وكيف سيواجهون كلام الناس، كنت أتساءل: هل علم جيراننا بغيابي؟ زملائي في العمل.. أقاربي؟ وبعد أن خرجت، علمت أن نصف سوريا كانت تعلم بقصة الاعتقال هذا، فالناشطين ومنهم صديقاتي كانوا قد نظموا تظاهرات للمطالبة باطلاق سراحنا، وعندما خرجت استقبلت استقبال البطلات، كان الدعم الشعبي لنا واضحاً للعيان. رددت في قرارة نفسي: اعتقلتني قوات الأمن، أخذوا خوفي مني، وبقيت أنا وحلمي بحرية أرى أنها باتت قبض اليد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

العالم متفرجاً على "المحرقة" السورية

دمشق ـ غازي دحمان

المستقبل

14-10-2012

بقدر ما تحمل الحالة السورية قدراً هائلاً من الدراما، فهي تتضمن جانبا كوميديا يسمح بمقدار من الرفاهية، حتى وإن كانت سوداء وبنكهة مرة، ذلك أن كل الدماء السورية التي نزفت منذ انطلاق ثورة الحرية والكرامة، منذ تسع عشرة شهراً، لم تكن كافية بنظر صنّاع السياسات العالمية، وبالأخص أولئك الذين يدعون الدفاع عن حقوق البشر ويربطون شرعية وجود دولهم بارتباطها بهذه القيم... إلا إذا تم استخدام الأسلحة الكيماوية في إراقتها !

هذا الشرط ( استعمال الكيماوي)، يستبطن بداخله شبهة إنحراف أخلاقية فاضحة، وكأن العالم يسعى إلى تجديد عدته القيمية وينتظر الحدث السوري ليقبل على ذلك، ثمة شيئ في روح العالم بات بحاجة إلى إعادة تشغيل وصيانة ليصار إلى إطلاقه بما يتوافق والتقدم التكنولوجي والتقني الهائل، الذي ساهم في زيادة التخلف القيمي، فهذا العالم الذي مرت مآسي رواندا ولم تتح له لحظة متابعة تفاصيلها، ذلك أن "الإخوة" الروانديين أنجزوا مهمتهم( مذبحتهم) على عجل، وقبل أن تلتقط كاميرات العالم هذا الحدث، ولم ينتشِ بالحد الكافي من مجزرة الكوسوفيين، يريد أن يجدد شباب روحه بالفيلم السوري الطويل، وهو لن يقبل بغير الكيماوي خاتمة منطقية وطبيعية.

يتضح ذلك جلياً من خلال تواطؤ العالم الغريب والمريب تجاه الحدث السوري، فرغم كل الأهوال التي تقع على الأرض السورية وكل ما يجري من عمليات ذبح منظمة وتهجير غير مسبوق، لم تشهد عاصمة، لا غربية ولا شرقية، تظاهرة إحتجاج واحدة، ولا أي تعبير من عائلة التعبيرات الاحتجاجية والتضامنية، لدعم الشعب السوري، حتى المحاولات الفردية لفنانين أو ناشطين ومثقفين، وأحزاب خضراء، أو جمعيات رفق بالحيوان، لم يتم ملاحظتها على هامش المذبحة السورية الكبرى.

ولعل ما يدرج هذا الأمر في خانة الكوميديا، السوداء وغير المضيئة، ذلك النمط الأبله في التعاطي العقلي والوجداني على السواء، مع حيثيات المرحلة السورية الدامية، ففي حين يدفع العقل السياسي، بإفتقاده للمبادرة والحس المسؤول، الأمور في سورية صوب المذبحة الكبرى، عبر تسهيله الممرات اللازمة لعبورها وإغلاق كل الطرق التي تؤدي إلى نجاة الشعب السوري، سواء من خلال حالة المناكفة السياسية الدائرة على هامش المذبحة، وتواضع العالم على هذا النمط السياسي في إدارة الحدث، أو من خلال تأمين هامش زمني للنظام ومساحة عجز هائلة، تتيح أمامه كل خيارات القتل والإستباحة التي يستطيع إنجازها، نجد أن الوجدان العالمي متبلد ومنكفئ لدرجة يغري معها صانع القرار بالاكتفاء بالترقب والانتظار.

غير أن ثمة ما في الموقف العالمي أيضاً ما يثير الضحك( الأسود)، وهو عملية حساب تكاليف إنقاذ الشعب السوري من المحرقة الكيماوية المنتظرة، وقد تم التعبير عنها تصريحاً وتلميحاً في أحاديث وتسريبات الدبلوماسية الغربية، وذلك من خلال الحديث عن الأزمة الإقتصادية التي تمر بها الدول الغربية، وبخل الدول العربية النفطية، وكذا القول بإختلاف الحالة الليبية التي كلفت بحدود مئة وخمسين مليار دفعتها ليبيا الجديدة( مع البقشيش)، والملاحظ في هذا الأمر تعمد الغرب التأكيد على أن الحالة السورية مختلفة كثيراً عن الحالة الليبية على اعتبار أن مواجهة القوى العسكرية السورية تتطلب كلفة أكبر، في حين أننا نتذكر أن الطائرات الإسرائيلية كانت كلما أرادت التنزه تلجأ إلى الأجواء السورية، وكان جنرالات إسرائيل يتحدثون عن حرب ساعات لإسقاط نظام الأسد، الذي كان يصمت، أو في أحسن الأحوال يحيل الرد إلى مكان وزمان لن يأتيا أبداً.

بانتظار أن يتحقق العصف الكيماوي، على أجساد السوريين، وفي عقل وضمير العالم، ستفيض سورية موتاً كثيراً، ونزوحاً وتشرداً، حتى بتنا نعتقد أن العالم لا يفعل سوى الوقوف على بوابات سورية لإحصاء النازحين منها، لا لشيئ إلا اللهم الشفقة على دول الجوار من هذا الكم الوافد والضاغط على موارد هذه الدول وإمكانياتها، وكأن العالم يستكثر على السوريين النجاة بأرواحهم ويتمنى لو يأتي صباح لا يجد فيه سوريين يطلبون منه مساعدتهم.

لقد وضع العالم للسوريين شرطاً تعجيزياً لإنقاذهم ونجدتهم من براثن العصابة الحاكمة، وهو أنه يتوجب عليهم أولاً أن يموتوا بالكيماوي وأن يعيشوا تفاصيل المحرقة الكيماوية، ويراها العالم وربما يعد جثثهم ويقلبها ويتفحصها فرادى أو جماعات، إذ أن الأمر قد يحمل تضليلاً يمارسه الشعب السوري، وقد يكون الموت إستنسابياً، بمعنى موت بالبراميل أو بالصواريخ ومدافع الدبابات، فهذا موت مخالف للشرط الكيماوي، عندها وعندها فقط يمكن الحديث عن تدخل ضد النظام، لكن السؤال هنا هل سيجد العالم حينها سوريين يحتاجون للإنقاذ!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الانتقام من حلب

دمشق ـ عمر قدور

المستقبل

14-10-2012

إثر انقلابه في عام 1970، قام حافظ الأسد بزيارته الوحيدة إلى مدينة حلب. هناك، في فندق "لو بارون" وسط المدينة، التقى بفعاليات المدينة طامحاً بنيل رضاها؛ مستمعاً أكثر مما تكلم محاولاً تقديم نفسه بمظهر المعتدل مقارنة برفاقه البعثيين الذين انقلب عليهم. هناك أيضاً التقط المصور الحلبي الأرمني أول صورة له ستُعتمد وتُروّج على نطاق واسع وهو بالزي المدني، ومع أن حافظ الأسد حظي بشهرة كبيرة لاحقاً إلا أن ذلك المصور لم يفرد لصورته مكاناً ضمن الصور التي يعرضها في واجهة مشغله، وأيضاً قلّما يشير أحد الى الأسد عند الحديث عن لائحة الشرف لفندق لو بارون العريق، تلك اللائحة التي بقيت صدارتها لأسماء مثل شارل ديغول وأغاثا كريستي.

لقد قامت براغماتية حافظ الأسد حينها على مغازلة البرجوازية المدينية التي كانت تبدي التململ من راديكالية صلاح جديد وأنصاره، وبالطبع لم يغب العامل المذهبي عن حسبانه، لكن بالتأكيد لم يكن ذاك الجنرال الطامح بالسلطة ليفهم هذه الطبقة التي خرج منها سياسيون ليبراليون، ومنهم نائب عُرف بزهده بالرئاسة هو الرئيس الأسبق ناظم القدسي. الجدير بالذكر أن ناظم القدسي، الذي عُرف طوال حياته النيابية بالتصدي لتدخل العسكر في السياسة، توفي في المنفى عام 1998 في الوقت الذي كان فيه مشروع توريث السلطة في سوريا يمضي على نحو حثيث، ولم يورد إعلام النظام أي خبر عن وفاته، لأن فكرة وجود رئيس سابق منتخب ديمقراطياً تتعارض جذرياً مع النظام، بخاصة عندما يكون المعنيّ حقوقياً بارزاً اكتسب تحصيله العالي من جامعات دمشق وبيروت وجنيف.

من المرجح أن الأسد الأب أخطأ الظن حين فهم صمت المدينة واستكانتها على أنهما تسليم ورضا بحكمه؛ الواقع أن تصدي الأخوان المسلمين للسلطة في نهاية السبعينات لقي شعبية لا بأس بها، وإن كانت ذات دلالة على نقمة الأهالي أكثر من كونها دلالة على تغلغل الفكر الأخواني. فالمدينة، التي ستُعرف بدءاً من الآن بميلها إلى المحافظة، كانت قبل حكم البعث معقلاً لحزب الشعب ذي التطلعات الليبرالية والوحدوية معاً، أما التدين الشائع فيها فهو التدين الشعبي البسيط أو التدين المقترن بالزهد وبالطرق الصوفية وحلقاتها. في حلب ثمة هارموني يصعب على هكذا نظام استيعابُه؛ التدين بمعناه الروحي واحد من ركائزه، إنما ليس الإسلام السياسي الذي حاربه النظام بعد أن أوجد له كل مسببات الانتشار.

لقد أثبتت مواجهة الثمانينات فشل الأسد في استيعاب الطبقة المدينية، وبدلاً من مراجعة الدرس لجأ النظام إلى الأسلوب الوحيد الذي يعرفه وهو الانتقام. أولاً تم قمع التحركات الشعبية بكافة الوسائل الأمنية، بما فيها الإعدامات العشوائية العلنية، ومن ثم تم إرهاب المدينة بمحاصرتها تماماً وتفتيش بيوتها بيتاً بيتاً بغية التنكيل بالأهالي وتأديبهم. أما الجزء التالي فكان الأكثر تأثيراً وديمومة، فإثر القضاء على الإخوان أحكم النظام قبضته بقسوة على المدينة مستهلاً عقداً ونصف من التهميش الاقتصادي والإذلال الإداري، وأيضاً من إباحة المدينة لرؤساء الأجهزة الأمنية الذين صاروا المرجع الأوحد لكل ما يتعلق بتفاصيل العيش. لقد بطش الأسد الأب بحلب مستهدفاً بالدرجة الأولى إفراغها من أهميتها الاقتصادية، ومن ثم محاربة سكانها عموماً بالمستوى المتدني للخدمات العامة، وفي المحصلة تمكن بجدارة من تخريب نسيجها الاجتماعي والاقتصادي، وإن لم يصل به الأمر إلى تدمير عمارتها على نحو ما يحدث اليوم.

يمكن القول إن الجسور باتت مقطوعة بين حلب ورأس النظام حتى أصبح مشروع التوريث واقعاً، حينها عاد الأسد إلى مدّ الجسور عبر أبنائه، وبداية عبر ابنه البكر باسل، وكأنه كما توسل رضا المدينة عام 1970 من أجل رئاسته شعر بالحاجة إليها من أجل استقرار الحكم لوريثه. هذه المرة لم يغازل النظام برجوازية المدينة المعروفة تقليدياً، بل راح يقيم صداقات وتحالفات مع شريحة الأثرياء التي نشأت في أثناء حكمه، ومن المؤكد أنه لا يحتاج كثير عناء لرشوة هذه الشريحة. من خلال زيارات أبنائه المتكررة إلى حلب، راح الأهالي يسمعون بأسماء جديدة لعائلات مقربة للحكم، عائلات لم تكن معروفة من قبل لكنها اكتسبت شهرة بسبب ثرائها المفاجئ واقترانها بأضواء السلطة. مع ذلك لقيت زيارات الأبناء ارتياحاً في بعض الأوساط الشعبية، إذ توسمت فيها تغيراً في نهج النظام الانتقامي حيال المدينة، بخاصة عندما تقدّم الرئيس الحالي مشروع التوريث إثر وفاة شقيقه الأكبر، فكثف من زياراته وظهوره العلني في المدينة وأسواقها في الوقت الذي أقعد فيه المرض الأسد الأب وبات هو الرئيس الفعلي. حينها، ووسط السوق الأثري القديم، هتف له التجار: "يا أبا حافظ.. غيّر لنا المحافظ". وكان المحافظ قد أزعجهم بفساده، وبالأتاوات التي يفرضها عليهم. وبالفعل استجاب الوريث لمطلبهم، فأعفى المحافظ من منصبه ليُعيّنه رئيساً للحكومة مع التنويه بنظافة يده!

لم تنقطع زيارات الوريث إلى حلب بعد أن نُصّب رئيساً، ورغم أن المدينة لم تشهد اهتماماً حكومياً يعوّض سنوات التهميش والإقصاء إلا أن شعوراً بالارتياح ساد في البداية، مصدره التخلص أخيراً من العقاب الذي فرضه الأب. ويبدو أن الرئيس الابن من ناحيته قد شعر بأنه تمكن من رشوة المدينة عبر تلك المظاهر الشعبوية كالحضور المفاجئ لبعض فعاليات المدينة، أو التواجد المفاجئ في بعض إداراتها؛ ربما كان حرياً القول إنه اعتقد بقدرته على شراء ولاء المدينة بأرخص الأثمان.

على هذه الشاكلة سارت الأمور، وقبل أشهر قليلة لم يكن بوسع أحد توقع ما وصلت إليه المواجهة في حلب، بل على العكس مما يحدث الآن دأب النظام على ترويج فكرة موالاة حلب له، وظلت المدينة لنحو السنة محط استياء وسخرية الناشطين بسبب لامبالاتها الظاهرة تجاه المجازر التي تُرتكب في مدن أخرى. في الواقع كانت الأنظار تتجه إلى حلب منذ بداية الثورة بسبب مواجهتها القديمة مع النظام في ثمانينات القرن الماضي، وكان النظام أكثر إدراكاً لانقضاء المفاعيل المباشرة لتلك المواجهة، لكنه كان مخدوعاً للمرة الثانية إذ اعتقد أن بوسعه رشوة المدينة بالفتات وعزلها عمّا يحدث حولها في البلد ككل. نعم، من المؤكد أن الإبن حظي بمحبة نسبة لا بأس بها من الأهالي، بالقياس إلى شخصية الأب الذي عوّل فقط على كونه مرهوب الجانب، وفي هذا دلالة على تخطيهم لما يروّجه النظام عن طائفيتهم، إلا أن هذه المحبة لم تكن صكاً دائماً كما يظن.

بالإضافة إلى كل العوامل التي تجعل من خسارةِ حلب خسارةً فادحة للنظام، هناك شيء شخصي لا يمكن تحييده، وعلى أساسه قد نفهم ما روجته صحيفة موالية عن ذهاب رأس النظام لقيادة معركة حلب بنفسه؛ إنه الانتقام. قد يبدو هذه التوصيف خارجاً عن السياسة، وهو كذلك حقاً، لكن شتى أنواع الدمار، بل لنقل ذلك البطر في إيقاع الدمار، لا يصدر إلا عن إرادة قوية في الثأر. في حلب يتم تدمير كل مقومات الحياة الراهنة والمستقبلية؛ ثمة أحياء صارت أنقاضاً تماماً، المرافق العامة على سيئاتها تم استهدافها وتدميرها. المدينة الأثرية، التي تعد من أكبر المساحات المحتفظة بنسيجها العمراني القديم، يتم تقويضها بشكل متواصل. القلعة الأثرية، التي تحوي معبد الإله حُدد، حُوّلت إلى ثكنة عسكرية، والأسواق الأثرية المحيطة بها اختبرت المعنى الحرفي لـ"الأسد أو نحرق البلد".

للإنصاف، ليست المرة الأولى التي تعرف فيها حلب مثل هذا الدمار، لقد حصل ذلك سابقاً عندما رفضت فتح أبوابها أمام تيمورلنك فانتقم منها بإباحتها بعد تمكنه من هزيمتها. يومها دمّر التتار نصف المدينة؛ نصفها فقط، لا كلها كما يفعل الانتقام البغيض لتتار اليوم.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

كيف انقلبت الثورة على فكرة "العائلة" التي رعاها حافظ الأسد؟

من مقومات السياحة في بلدي التقاط الصور للبراميل المتفجرة

حلب ـ حسين جمو

المستقبل

14-10-2012

في سيارة الـ"فان" التي أقلتنا إلى "أطمة" (المحطة الأولى بالنسبة للداخل إلى سوريا من بلدة الريحانية التركية)، تبادلنا الحديث سريعاً مع أربعة آخرين. الثورة غيّرت طريقة التعارف الاجتماعية المعهودة، فهنا لا سؤال عن الأسماء، بل فقط الوجهة، لا لأسباب أمنية وإنما لعدم وجود قيمة للاسم. أحد الشبان الأربعة كان في طريقه إلى حماة، وأعطاني رقم جوال سوري للاتصال به، في حال فكرت في التوجه إلى مدينة النواعير.. أخذت الرقم ونسيت أن أسأله عن اسمه، وهو أيضاً لم يقل اسمه.

استغرق وصولنا إلى القرية عشر دقائق، وهنا ودعني الشباب الأربعة (رفقة عشر دقائق) بالأحضان والقُبل.. عندما أردت تدوين اسمه في ذاكرة جوّالي التركي لم أجد شيئاً يناسبه أكثر من "الحموي أبو النواعير". كنا قد صادفنا أيضاً على الحدود عضواً في المجلس الوطني السوري، لم يسأله أحد عن اسمه، فقط "أهلاً وسهلاً"، لا يهتم الناس هنا بالسياسة والسياسيين طالما لا يعملون في المجال الإغاثي. في بدايات الثورة كان يمكن لعضو المجلس هذا أن يجمع حوله في ذلك المكان كل الموجودين، لكن لم يلتفت إليه سوى شخصين لـ"ضرورات الضيافة". كان حديثه الذي يصل إلى مسامع ركاب الحافلة، لافتاً، لا لأهمية ما يقول، بل لغرابة الأسلوب على ما يبدو، التفاصيل التي يُسمِعها لمحدّثه مليئة بالبيروقراطية: "أنا اتصلت برياض الأسعد عبر المكتب الإعلامي وقلت له إن تصريحاتك غير مدروسة وتخلو من الحسابات السياسية، أجريت اتصالات مع مكتب العميد مصطفى الشيخ أيضاً وناشدتهم ضرورة التهدئة مع رياض وأرسلت له قائمة بـ... إلخ". استفدت من رصد الردود الصامتة على حديث "الأستاذ" كما كان يخاطبه محدّثه، ولم أتحدث بهذا الأسلوب مع من قابلتهم مطلقاً طيلة سبعة أيام. في أجواء المعارك والدماء التي تنزف، قد يُعجَب الناس بساعة من الكلام "الأنيق" والعلمي، لكن في ما تبقّى من الوقت عليك أن تكون مثلهم، ولا يعني الأمر التماهي الكاذب، فالأمر أشبه بأن يتواجد أورهان باموق في صفوف فريق بشيكطاش خلال مباراة كرة قدم، بالتأكيد لن يكون الوقت مناسباً ليشرح أن طلاق شكورة من زوجها المحارب، المختفي، على المذهب الشافعي بدلاً من الحنفي يعني أن بشيكطاش بإمكانه أيضاً تغيير الخطة للفوز!

في ضيافة الخال ظاظا

باستثناء مقاتلي الجيش الحر، لمست من رد الفعل الأولي للناس أن المجانين وحدهم يطلبون التوجه إلى جبهة حلب، وهؤلاء كثر بين الصحافيين. طلبنا من السائق التوقف في ساحة القرية لنجد مطعماً أو مضيفاً نتحايل لديه على جوعنا، لكنه ألحّ علينا بالمرور على "مخفر الجيش الحر" الذي يديره الخال ظاظا، أشهر شخصية في البلدة، واكتسب لقب "الخال" بسبب إيوائه النازحين في مدرسة أطمة وتفرغه للعمل الإغاثي. لم يكن هناك شيء من مظاهر المخفر داخل مقر "الخال ظاظا" سوى الطاولة العريضة التي يجلس خلفها، والكرسي المتحرك الذي يقول له السوريون في الأرياف "الكرسي البرّام". كان المكتب مليئاً بأناس يريدون التقدم بشكاوى أو طلبات معينة. طريقة ترحيبه بنا كشفت لنا شيئاً من "سوريا الموعودة" التي نحلم بها: اعتذر مراراً عن طلبه منا تسجيل أسمائنا، وأقسم أن هذا الإجراء هو لحمايتنا في حال ضللنا الطريق أو وقعنا في قبضة النظام.. وطلب أن نرتاح في المكتب ونشرب الشاي إلى حين قدوم مجموعة مقاتلين من حلب ليرافقونا إلى المدينة.

من المفروض أن عدد سكان البلدة أربعة آلاف نسمة، أما المقيمون فيتجاوزون 15 ألفاً. هذا التضخم السكاني الطارئ غيّر وجه القرية. بعض الأهالي قاموا بهدم جدار مطلّ على الطريق من منزلهم وفتحوا دكاكين فلافل وحمّص وخبز. إلقاء السلام من "غرباء" على الرجال الجالسين أمام منازلهم لا يثير الريبة في نفوسهم، والتفتّ أكثر من مرة بعد تجاوزنا لمجموعات منهم لأرى ما إذا كانوا - كالسابق قبل الثورة يلتفتون هم أيضاً وراءهم للتدقيق في الغريب الذي مر بهم قبل قليل.. لم يفعلوا.

اتجاهات الركض في الثورة

خرجنا من "مخفر الجيش الحر" إلى منزل أحد الناشطين حيث من المقرر أن يقوم بترتيب دخولنا إلى حلب. قضينا الليل في منزله بسبب استحالة التوجه إلى حلب ليلاً: الطريق غير آمن بعد شيوع خبر الهجوم على الفوج 46 في ريف حلب الغربي، والهستيريا التي أصابت قوات النظام بقصف عشوائي استهدف القرى الواقعة على الطريق الذي سنسلكه. قضينا ليلة مليئة بالضحك إلى مطلع الفجر، من الصعب وصف التغير الاجتماعي الضخم الذي أحدثته الثورة، ولم يمنع، أني وزميلي الإعلامي بحكم "الغرباء" اجتماعياً، في "تواطؤ" مضيفنا معنا على أحد أقربائه من إدلب، فقد زوّدنا بتفاصيل عن دور قريبه الشاب في معركة إدلب الأولى التي خسر فيها الجيش الحر بشكل سريع ودراماتيكي، ويبدو أن المعركة المذكورة أصبحت مادة دسمة للنكتة، وكيف أن الشاب القادم من كفرنبل كان قد نام قرب خط المواجهات عندما اندلعت المعركة إضافة إلى "سيرة" انشقاقه الطويلة والمشوّقة!

فجراً، كانت السيارة بانتظارنا لنقلنا إلى قرية بسرطون (جنوب غرب حلب) التي أسمع بها للمرة الأولى، حتى لم أعثر لها على اسم في الخريطة التفصيلية لسوريا. هناك أيقظنا أبو العز واعتذرنا منه على الإزعاج الذي سببناه له، لم يسأل عن أسمائنا، وبادر بالترحيب الريفي المفعم بالاحترام. في غرفة الضيوف، التي غالباً ما ينام فيها "كبير المنزل" على ما جرت العادة في الريف، كان هناك قاذف آر بي جي وبندقية كلاشينكوف وعدة قنابل يدوية. يضع أبو العز هذه الترسانة قرب رأسه قبل النوم، "فهي باتت أقرب من الزوجة إلينا" على ما يقول شقيقه الطبيب. الثورة أوجدت معها أمثالاً جديدة أيضاً، فأبو العز الذي يقاتل على جبهة صلاح الدين في حلب رد على اعتذارنا لإيقاظه بتلخيص مراحل الثورة التي غيّرت من عادات نومه الطبيعية: "في البداية.. تقريباً حتى الشهر العاشر من العام الماضي، لم نعتد النوم في المنزل ليلاً.. كان الأمن يلاحقنا ونحن نهرب.. ثم حدثت حالة توازن في ما بيننا استمرت حتى شهر شباط الماضي، التقينا وجهاً لوجه وقتلنا منهم وقتلوا منا.. المرحلة الثالثة والمستمرة حتى الآن هي أنهم بدأوا يهربون ونحن نلاحقهم، إن شاء الله ستنتهي هذه المرحلة بسقوط النظام.. ما زلنا نعيش دورة نوم غير طبيعية".

فشة خلق ثورية

أقلّنا فريد، وهو رجل طويل القامة ومقاتل شرس، في سيارته إلى بلدة قبتان الجبل. ليس لديه هاجس من النظام، فهو سيسقط لا محالة، لكن ما يقلقه هو عدم اعتياد الناس على انتفاء سلطة الدولة. لم يحتَج إلى قرائن لمخاوفه، فسرعان ما صادفنا أناساً يقطعون الأشجار على مشارف بلدة عنجارة. بدا في غاية الغضب والقلق لأن هؤلاء يدعمون مقولة إننا "لا نستحق الحرية". مررنا بالقرب من مبنى مؤلف من طابق واحد وبدت عليه آثار الحرق. كان ذلك مخفر الشرطة قبل أن يهاجمه فريد ورفاقه: "هل ترى هذا المبنى؟ كان هذا هو المخفر، وكان فيه أربعة عناصر.. هؤلاء الأربعة كان يضبطون هذه المنطقة كلها". كان يريد قول أشياء كثيرة، لكن ربما خشي أن يحبطني.. أنا القادم من على بعد آلاف الكيلومترات احتفاء بالثورة. مشكلة المقيم (غالبيتهم) خارج سوريا هو اعتقاده أن المقيم في الداخل يعرف كل شيء، وهذا الأخير أيضاً يعتقد أن الأول لا يعرف شيئاً ممّا يجري على أرض الواقع. عدم كسر هذه المعادلة يضمن تدفق المعلومات والسرديات "السلبية" بغزارة، لكن "فشة الخلق" التي بدأها فريد تنتهي سريعاً عندما يتفاجأ بأن الشخص الذي نقصده قد قتل برصاص جاء من قاعدة عسكرية للنظام.

براميل الخردة الحقيرة!

أتاح بقائي في قبتان الجبل نحو خمس ساعات التعرف على بعض جوانب هذه البلدة، التي يتجاوز عدد سكانها الـ20 ألفاً. والسياحة هنا تعني أن يأتي شاب ويأخذني إلى آخر مكان تم قصفه بالبراميل المتفجرة. قبل ذلك، تحدث الرجل الثلاثيني توفيق عن مسيرة البلدة في هذه الثورة، فقط عندما نطق بكلمة "البراميل" فإن الكلمة التي كان من المفروض أن تليها خرجت مشطورة إلى نصفين. كان المشهد سينمائياً، حيث أرخى عيْنيْه إلى الأرض وأمسك عن الكلام. في يوم الجمعة كان نحو ألف شخص في مسجد البلدة يصلّون الظهر عندما ألقت طائرة مروحية ببرميلين.. الأول وقع بعيداً عن الجامع نحو 100 متر في الخلاء وقتل خمسة أشخاص. كان توفيق من بين المصلين حينها وهو متأكد أن 400 شخص على الأقل ربما كانوا سيقتلون لو أن البرميل سقط على الجامع، وليدعم كلامه بالأدلة، مد يده خلف المخدة التي يتكئ عليها وأخرج شظية أكبر قليلاً من حجم كف اليد، ووزنها 17 كيلوغراماً.

البرميل المتفجر قنبلة غير مدروسة الشدة ولا تخضع لحسابات صنع القنابل، فقط مخروط معدني ثقيل جداً، مليء بالبارود والمسامير. إنها قنبلة مكونة من الخردة الحقيرة المدعمة بالبارود. ورغم أن "البرميل" هو السلاح الخردة الأكثر إثارة للرعب والتدمير، إلا أن النقص المرعب للذخيرة تجعل من بعض صانعي القنابل ينتظرون، وهم بكامل عدّتهم، أن لا ينفجر البرميل الذي يهوي عليهم. وهو ما حدث في اليوم الذي ألقت المروحية برميلين، إذ إن واحد منهما قتل شخصاً ودمر منزلاً لكنه لم ينفجر! هرع صانعو القنابل إلى المكان وانتشلوا البرميل والجثة. شيّعوا الجثة سريعاً ثم بدأوا بتشريح البرميل الضخم (نصف طن) ونقلوا البارود في أوعية بلاستيكية إلى حيث يمكنهم إرسالها لورشة القنابل والصواريخ المحلية الصنع. ويقول توفيق: "لأنها قنبلة خردة وتافهة وقاتلة فإن نحو 30 في المئة منها لا تنفجر.. عندما يكون السقوط مائلاً بسبب ثقل طرف على آخر لأن واضع الحشوة تيس ومتخلف فإن نقطة الارتطام لا تكون على الصاعق".

نهاية العائلة

بعد سياحة البراميل المتفجرة، التقينا بشاب لم يبلغ العشرين عاماً. قتل شقيقه قبل يومين من وصولنا إلى بلدته. تحمّسه الشديد لخدمتنا كان يحمل في طياته سعادة باطنية لتحمله مسؤوليات شقيقه الأكبر، وبدا أن هذا الأمر ابتلع الحزن الذي كان أثره واضحاً في انتفاخ محيط العين واحمراره. صادفنا والده أيضاً وهو جالس مع مجموعة رجال كبار في السن على رصيف مظلل. هؤلاء المسنون ليسوا متفرجين على الثورة كما يبدو للوهلة الأولى، ففي الريف على عكس المدينة بقيت التراتبيات الاجتماعية السابقة فعالة في الثورة، والذي يأخذ شكل تحريك الخيوط في الخفاء، وهو نمط معروف من القيادة العشائرية في الأرياف يقوم على وقوف بعض الوجهاء من كبار السن خلف أحداث يقودها ميدانياً شبان ومراهقون، وغالباً ما تكون خصومات اجتماعية وتصفية حسابات يبدأها الشباب ولا تنتهي إلا بقرار من الوجهاء. اليوم، وبينما قضت الثورة على الحنان الأسري الذي يغذي الجُبن، بات إرسال الأبناء إلى القتال قراراً أبوياً باهظ العاطفة.. فالشاب الذي لم يبلغ العشرين توجه إلى الحاجز الذي نصبه الجيش الحر على مدخل البلدة والذي يستهدفه الطيران بين حين وآخر. توقف بسيارته أمام والده.. تقدّم الأب خطوات قليلة ومدّ يده من نافذة السيارة ليودع حقيبة صغيرة التقطتها يد الابن سريعاً: كانت ستة مخازن ذخيرة لبندقية الكلاشينكوف رسمت أمامي صورة لنهاية "مفهوم العائلة" التي كانت الحبل السري لحكم حافظ الأسد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أي حرب تركية محتملة ضد سوريا؟ * د. حسن أبو طالب

الدستور

14-10-2012

بموجب المادة‏92‏ من دستور تركيا أطلب من البرلمان التركي إعطاء تفويض لمدة عام يسمح بإرسال القوات المسلحة التركية إلى بلدان أجنبية وتكليفها بمهام خارجية والقيام بالترتيبات اللازمة حيال هذا الأمر‏,‏ شريطة أن يكون تقدير وتقييم المواقف التي تستدعي ذلك من اختصاص الحكومة التركية وحدها‏.‏

هذه فقرة أساسية من المذكرة التي قدمها رئيس الوزراء أردوغان للبرلمان التركي يطلب فيها تفويضا للقيام بعمليات عسكرية خارج الأرض التركية, وهو ما حصلت عليه الحكومة بالفعل حين أقر320 نائبا مذكرة التفويض لمدة عام كامل, بينما عارض129 نائبا من حزب الشعب الجمهوري المعارض وحزب السلام والديمقراطية, باعتبار أن صيغة التفويض واسعة وتتيح شن حرب عالمية وليست مجرد عمليات محدودة وطارئة على الحدود.

ومع ذلك فإن مسئولي الحكومة التركية أكدوا أن لا نية لديهم لشن حرب, وهو نفي يبدو غير مقنع في ضوء حقيقة التفويض البرلماني الذي يتيح إرسال الجيش التركي إلى بلدان خارجية وليس بلدا واحدا لغرض القيام بمهام قتالية. أو بعبارة أخرى شن حرب على دول أخرى وفقا لتقييم الحكومة التركية وحدها دون الرجوع إلى البرلمان مرة أخرى. وقد لا تكون صيغة التفويض إلا مجرد صيغة مرنة تضع في اعتبارها احتمالات تدهور الموقف على الحدود مع سوريا, وربما مع حدود دول أخرى كإيران مثلا, وقد يقصد بها نوعا من الردع المعنوي الاستباقي لسوريا ولغيرها من الدول التي قد تلجأ لمناصرة دمشق إذا ما حدث عدوان عليها.

مهما كانت الرسائل التي استهدفتها الحكومة التركية, فإن المسألة برمتها على صعيدي الشكل والمضمون أكبر من مجرد إجراءات تتعلق بتأمين الحدود أو القيام برد عدوان أو قصف محدود ردا على إطلاق قذيفة أو قذيفتين من الجانب الآخر. فهل تعي الحكومة التركية عواقب التورط في الأزمة السورية عسكريا؟

من المؤكد هنا أن استمرار الأزمة السورية بصورتها العسكرية الصفرية السائدة تمثل خطرا كبيرا على كل جيران سوريا بما فيهم تركيا ذاتها, خاصة أن الجهود الدبلوماسية العربية والأممية تبدو عاجزة تماما عن تحريك الموقف ناحية إنهاء العنف المسلح. وفي الآن نفسه فإن كل الأفكار حول تدخل عسكري دولي تبدو كارثية تماما على الاقليم ككل, وهو ما يفسر تردد القوى الكبرى في التفكير في هذا الأسلوب المروع. ووفقا لتطورات الداخل السوري فإن الصراع العسكري لم يعد فقط بين الجيش النظامي وسوريين مسلحين يريدون تحرير شعبهم من حكم استبدادي، بل أصبح ساحة اختلط فيها نضال السوريين المشروع مع تطلعات مسلحين من جنسيات عربية وأجنبية يؤمنون بأفكار جهادية تستهدف تغيير النظم العربية بالعنف المسلح.

ومما لا يمكن الجدل فيه أن لتركيا الحق في اتخاذ الترتيبات العسكرية التي تحمي حدودها ومواطنيها, ولها الحق أيضا أن ترد على أي قصف من الطرف الآخر, وأن تطالب باعتذار إن كان القصف مقصودا ومخططا, وأن تحصل على تعويض مناسب لمواطنيها الذين استشهدوا نتيجة هذا القصف. ولها أيضا أن تهدد كنوع من الردع السياسي وأن توجه عبارات حماسية ترضي الرأي العام الداخلي, وأن تطلب من الأمم المتحدة اتخاذ الاجراءات المناسبة لإدانة أي تحرك أو فعل عدائي ضد حدودها, بيد أن المقابل لكل هذه الخطوات المشروعة والتي لا خلاف عليها من حيث المبدأ, هو أنه ليس من حق تركيا أو غيرها من الدول أن تستغل الازمة التي تمر بها سوريا للقيام بأي أعمال عسكرية على الأرض السورية من قبيل التوغل أو إقامة مناطق يحميها الجيش التركي بحجة حماية اللاجئين السوريين. ففي هذه الحالة وأيا كان نبل المبررات الانسانية التي ستعلن, فإننا سنكون وفقا للقانون الدولي أمام حالة عدوان واحتلال لأرض عربية أخرى. ووفقا للقانون الدولي أيضا وإعمالا لحق الدفاع عن النفس, سيكون من حق السوريين سواء كانوا مع نظام بشار الأسد أم ضده أن يواجهوا الاحتلال التركي بالقوة حتى إنهائه. وفي المحصلة ستتورط تركيا عسكريا ويزداد لهيب الوضع الإقليمي الذي قد ينزلق بقوة إلى مواجهة عربية إيرانية تركية إسرائيلية في آن واحد, ولنا أن نتصور كيف سيكون الشرق الاوسط كله حينذاك, وكيف سيكون السلام والأمن العالمي. بالتأكيد سيكون كارثيا ومروعا.

وربما يقول قائل هنا ان تركيا تتدخل عسكريا بالفعل من خلال مناصرة الجيش السوري الحر بالسلاح والأموال وبالاستشارات العسكرية وبحماية عناصره القيادية, وأنه في حال دخول قوات تركية الاراضي السورية فسيكون الأمر مجرد امتداد للمواجهة غير المباشرة الموجودة بالفعل بين تركيا والنظام السوري. وهو استنتاج شكلي مرفوض ويجافي الحقيقة, ونأمل ألا تقع فيه الحكومة التركية أو من يدفعونها إلى التدخل العسكري تحت شعار إقامة مناطق محمية ومحظورة على الطيران السوري بزعم حماية المدنيين.

الوضع خطير, واحتمالات حرب إقليمية باتت قريبة الحدوث, ومع ذلك فعلينا أن نراهن على وعي وبصيرة الحكومة التركية, التي اتصور أنها لن تقع في شرك عمل عسكري غير محسوب أو مدفوع برغبة القيام بخطوة غير مسبوقة لإنهاء الأزمة السورية وتحقيق بطولة لن تحدث إلا في الخيال وحسب. وفي تصوري أن الحكومة التركية تعي تماما عواقب التورط العسكري المباشر في الأزمة السورية, وتعي أن خطوة كهذه ستضر بعلاقاتها مع العالم العربي كله شعوبا وحكومات اللهم من يتصور عبثا أن توريط تركيا في رمال سوريا المتحركة سيعوض العجز العربي عن الفعل اللازم لمناصرة الشعب السوري. دعونا نقولها صراحة إن حدث وتخطى الجنود الاتراك الحدود السورية تحت أي مبرر كان ستكون علامة فارقة ولكن سلبية للغاية للسياسة الخارجية التركية المعاصرة, والتي استهدفت قبل اربع سنوات أن تكون علاقات تركيا مع كل محيطها الجغرافي خالية من أي نزاعات, تحقيقا لشعار صفر مشكلات الذي صكه وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو, غير أن تطورات السنوات الأربع الماضية أتت بعكس ما وعد به هذا الشعار المثالي. إذ تشتبك انقرة بالفعل مع اكثر من نزاع سياسي واستراتيجي مع عدد من دول الإقليم, وبما يؤكد أن عالم اليوم يقوم على قليل من المثالية والطوباوية وكثير من الواقعية وصراعات المصالح وتناقضات القيم. والمهم كيف ندير كل ذلك بعيدا عن السلاح واللغة الخشنة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف : كلمة السر في جولة المبعوث الأممي : ( وقف تدفق السلاح إلى جميع الأطراف !!) زهير سالم*

رغم عظم التضحيات التي يقدمها الشعب السوري على الأرض إلا أن ثورته لم تجد حتى الآن الحامل السياسي الذي تستحق . ولذا تتكاثر على هذه الثورة المبادرات والمؤامرات دون ان تجد لها من يفندها أو يتصدى لها أو يحذر الشعب والثوار منها . إن غياب الحامل السياسي عن الساحة تجعل هذه المؤامرات أكثر وأشد خطورة كما نلحظها اليوم ..

 

إن الحل السياسي لما يجري في سورية هو في وضع الأساس الركين للدولة المدنية المأمولة . والقطع تماما مع جميع مرتكزات الشر ومظاهره وتعبيراته . وكل مبادرة دولية أو اممية أو إقليمية تقوم على غير هذا الحل تعتبر خطرا على الثورة ومؤامرة على الشعب السوري . وهذا ما يجب توضيحه دائما لكل المواطنين .

 

إن خطورة ما يحمله المبعوث الأممي إلى المنطقة ويبذل جهده لإقناع دولها به في كونه يتحرك تحت عنوان ( الوسيط ) . والمفهوم من كلمة الوسيط هو أنه الساعي إلى الوصول إلى الحلول الوسطية ، التي تجمع بين الفرقاء المتحاربين . والحلول الوسطية تكون دائما على حساب الطرف الذي يظن أنه الضعيف ، أو الأضعف في المعادلة .

 

والملاحظ اليوم أن المبعوث الأممي يقارب جميع أطراف المعادلة ببسط أرضية من الخطاب تقدم تطمينات أولية تستدر التأييد أو تستدعي الصمت ولو حتى حين . بمعنى أنه يقدم لكل طرف من أرضية الخطاب ما يطمئنه ويقنعه ويستدر تأييده أو يشتري صمته.

إن العنوان الحقيقي الذي يتحرك تحته المبعوث الأممي وهو نفس العنوان الذي يعلنه الأمين العام للجمعية العامة ليل نهار هو ( وقف تدفق السلاح إلى جميع الأطراف في سورية .)

 

هذا العنوان يشكل لب ( المؤامرة ) الدولية على الثورة السورية . هذه المؤامرة التي جعلت الأمير سعود الفيصل ينسحب من مؤتمر أصدقاء سورية الأول الذي عقد في تونس والتي رسمت خارطته السيدة هيلاري كلينتون وما تزال تتمسك بها .

 

إن من يستمع إلى المبعوث الأممي أو إلى الأمين العام للأمم المتحدة وهو ينادي بوقف ( تدفق السلاح إلى جميع الأطراف ) . يتخيل أن هناك بوارج وطائرات تنقل من أطراف العالم الأربعة السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل إلى المعارضة السورية . إن استعمال كلمة ( تدفق ) بالنسبة لما يعيشه الثوار السوريون من ضنك وشدة وقلة في التسليح الكمي والنوعي يعتبر من ( الكذب البواح ) الذي يجب على جميع قوى المعارضة السورية أن تعمل على فضحه والتنديد به ، وليس التماهي معه بأي شكل من الأشكال .

 يطوف المبعوث الأممي – بما يملك من قدرة دبلوماسية وقوة إقناع – على بعض القيادات العربية التي تتعاطف مع أعناق الأطفال المجزوزة في سورية لتتوقف عن فعل ذلك ، وليزين لها أن هذا الذبح الذي يقع في سورية – مع استنكاره له وتعاطفه مع ضحاياه - كفيل بجعل هؤلاء المعارضين يجلسون على مائدة حوار تعيدهم إلى بيت الطاعة . وهذا هو جوهر الحل الروسي الإيراني الأسدي ..

 

لم يكن حمل السلاح ، ولا تسليح الثوار في أي لحظة جزء من خيار الثورة ولا الثوار . إن الذي جعل السلاح اضطرار الدفاع عن النفس هو عنف النظام وقسوته من جهة وتخلي المجتمع الدولي عن مسئولياته في الدفاع عن المدنيين في سورية من جهة أخرى .

 

يدرك المبعوث الأممي وكذا الأمين العام للأمم المتحدة أنهما غير قادرين على وقف تدفق السلاح على عصابات الأسد، وإن حاولا ذلك . ويدركان أن ترسانة السلاح التي تملكها هذه العصابات ، ولو لم يكن لها مزيد ، كفيلة بإبادة الشعب السوري بما فيها الأسلحة البيولوجية والكيمائية والقنابل العنقودية وبراميل الحقد والكراهية المحلية ؛ ولذا فإن مشروع الإغلاق على الثوار السوريين للحد من قدرتهم على الاستمرار تعني الحكم بخنق هذه الثورة . وبالتالي فرض الحلول التي يمكن أن ينعم بها بشار الأسد عليها . وعندها سيتم الإعلان عن نجاح المبادرة السياسية الأممية .

لندن : 29 / ذو القعدة / 1433

15 / 10 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الاتفاق الذي عطلته الثورة السورية * ياسر الزعاترة

الدستور

14-10-2012

مثير ما كشفه الصحفي الصهيوني المعروف “شمعون شيفر” بخصوص المفاوضات التي كانت جارية منذ عام 2009 بين نتنياهو وبين بشار الأسد لتحقيق تسوية سياسية بين البلدين عبر وساطة دبلوماسي أمريكي سابق هو فريد هوف، وهي المفاوضات التي أكدتها المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية.

اللافت أن توقيت كشف المعلومات قد جاء عشية إعلان نتنياهو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهي الانتخابات التي يبدو واثقا من قدرته على كسبها بسهولة نظرا لتشرذم القوى الأخرى.

هنا وجد نتنياهو أن كشف الوثائق يستهدفه شخصيا، حيث يشكك في صقوريته أمام الجمهور الإسرائيلي الذي ينزع نحو اليمين، وربما مال إليه بوصفه الزعيم القوي الذي يخيف العرب ولا يخضع للأمريكان.

ولكن ماذا في الوثائق التي كشفها “شيفر”؟.

خلاصتها أن مفاوضات كانت تجري بين الطرفين عبر الوسيط الأمريكي، وكانت سرية إلى حد كبير. شارك فيها من الطرف السوري وليد المعلم، كما تضمنت لقاءً بين “هوف” وبين بشار الأسد.

في المفاوضات فوجئ الأمريكان كما عبروا عن ذلك بالمرونة التي أبداها نتنياهو، حيث وافق من حيث المبدأ على التنازل عن هضبة الجولان والانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، الأمر الذي لم يحدث مع أي من رؤساء الوزراء السابقين، بمن فيهم رابين (صاحب الوديعة الشهيرة) التي طالما طالب بشار الأسد بأن تكون بداية أية مفاوضات بين الطرفين.

للتذكير كانت المفاوضات بين الأسد (الأب) وإسحق رابين قد بلغت مستويات متقدمة، لكنها انتهت إلى الفشل في اللحظات الأخيرة بعد الخلاف حول بعض التفاصيل.

نتنياهو لم يوافق على الانسحاب حتى حدود 67 فقط، بل وافق أيضا على أن يتم ذلك خلال عامين رغم أنه طلب مدة أطول، كما وافق على أن تستمر علاقة دمشق مع طهران، مع الاتفاق طبعا على تطبيع كامل في العلاقة بين سوريا والكيان الصهيوني.

وفيما نفى نتنياهو تقديمه للتنازلات المشار إليها كما ذكرنا من قبل خشية التأثير على فرصه في الانتخابات، فقد سكت نظام بشار الأسد، أقله إلى الآن، فيما يرجح أن يذهب نحو النفي خشية تأثير القصة على معركته مع الثورة، هو الذي يبيع على الناس حكاية المقاومة والممانعة التي تتعرض لمؤامرة أمريكية صهيونية.

لسنا ابتداءً ممن ينكرون وجود محور المقاومة والممانعة مقابل محور الاعتدال، فتلك حقيقة سياسية بصرف النظر عن الأهداف والنوايا، مع العلم أن الحركات والقوى الإسلامية التي تقف اليوم ضد بشار (باستثناء حزب الله) كانت الكتلة الأهم في المحور الأول، وهي التي وقفت مع المقاومة والممانعة وضد كل أشكال التطبيع مع العدو.

اليوم يتبين أن بشار الأسد لم يكن لديه أي مانع في التوصل إلى تسوية مع العدو الصهيوني، من دون أي شرط يتعلق بالقضية الفلسطينية، تماما كما كان حال أبيه في مفاوضات التسعينات التي وضعت القيادة الفلسطينية على صفيح ساخن.

والحال أن فكرة المقاومة والممانعة لا تلغي أبدا أن النظام السوري جزء لا يتجزأ من النظام العربي الرسمي الذي يعترف بالقرارات الدولية التي تؤكد أن الأراضي المحتلة عام 48 هي دولة إسرائيل. ولا ننسى أن المبادرة العربية في بيروت عام 2002 قد مرت برضاه وموافقته أيضا، وهي كما يعرف الجميع تضيف إلى الاعتراف بالقرارات الدولية إياها تنازلا عن حق العودة للاجئين بالحديث عن “حل متفق عليه”.

من هنا يمكن القول إن الثورة السورية قد أفشلت اتفاقا كان يطبخ على نار حامية، مع التذكير بأن نتنياهو هو الأكثر قدرة على توقيع اتفاق من هذا النوع وتحمل مسؤوليته، لاسيما أن الجولان ليس من أراضي “إسرائيل” بحسب العقيدة الصهيونية، ويمكن التنازل عنه من أجل تسوية مقبولة مع الفلسطينيين.

سينكر الشبيحة الذين يناصرون بشار الأسد ذلك كله، ويتهموننا بالاستناد إلى مصادر إسرائيلية، مع أنهم يعرفون أكثر من غيرهم صحة المعلومات.

كل ذلك لا صلة له البتة بموقفنا من الثورة السورية، ولو ثبت لنا أن بشار كان يُعدُّ القنبلة النووية لإبادة الكيان الصهيوني لما وقفنا معه ضد شعب يطلب الحرية. تلك قضية أخلاقية لا تعني أصحابنا أولئك.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

السعودية ... والثورة السورية

خالد الدخيل *

الأحد ١٤ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

من الواضح أن السعودية نفضت يدها من القيادة الحالية للنظام السوري، ومن الواضح أيضاً أنها تجاوزت في ذلك خط الرجعة. لكن من الواضح، وللمرة الثالثة، أن الرياض لا تفعل ما يتناسب مع حجم موقفها وطبيعته من هذه المسألة، فمع كل ما يقال عن دعم السعودية، مع قطر وتركيا، المعارضة السورية بالسلاح، إلا أن استمرار تفوق النظام على الأرض وفي الجو يشير إلى أن أغلب ما يقال عن هذا الموضوع هو من مبالغات النظام وحلفائه. السعودية في واقع الأمر لا تختلف كثيراً عن مصر في الموضوع السوري، والاختلاف الأبرز بينها وبين كل من تركيا ومصر، هو أن الرياض تعتبر إيران جزءاً أساسياً من المشكلة في سورية، وأنها لا يمكن أن تكون جزءاً من الحل، والقاهرة وأنقرة تريان عكس ذلك. هل السعودية مع بقاء النظام من دون بشار الأسد؟ هذا سؤال بسيط ومباشر، لكن إجابته لا يمكن أن تكون كذلك. قبل الإجابة لا بد من معرفة ماذا تعني عبارة «بقاء النظام»؟ ومن سيبقى في هذا النظام ومن سيكون عليه المغادرة؟ وعلى أي أساس سيتم ذلك؟ ما هو موقف المعارضة (المعارضات) من هذا الموضوع؟ وأين سيكون موقعها في مثل هذا النظام؟ ثم فيما لو تمّ تبني مخرج كهذا، فكيف سيؤثر على التحالفات الإقليمية؟ وماذا عن علاقة سورية بلبنان بعد حل الأزمة على هذا الأساس؟ وماذا عن «حزب الله» وترسانة أسلحته الضخمة؟ كيف سيكون موقف روسيا وإيران من مثل هذا الطرح؟ ولا يمكن بطبيعة الحال تجاهل رأي تركيا ولا مصر في الموضوع.

كثيراً ما يقال إن تغير موقف السعودية من النظام السوري حصل لأنها فشلت في وضع حدّ لتحالف سورية مع إيران، وهذا رأي يتناقض مع التجربة التي عرفتها العلاقات السعودية السورية. لم تكن فكرة التحالف هذه بحد ذاتها هي أساس المشكلة التي انزلقت إليها العلاقات، وأول من وضع أسس التحالف السوري الإيراني كان الرئيس حافظ الأسد، وعلى الرغم من ذلك بقيت علاقته ثابتة ومتينة مع الرياض على مدى ثلاثين عاماً. مرت هذه العلاقة باختبارات كبيرة وقاسية: زيارة السادات للقدس، واتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، والحرب العراقية الإيرانية. في هذه الحرب الأخيرة، كانت السعودية في جانب العراق وكانت سورية في جانب إيران. ثم كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982، فحرب الناقلات في الخليج العربي، أضف إلى ذلك الاجتياح العراقي للكويت، وحرب عاصفة الصحراء، ثم انطلاق ما عرف حينها بعملية السلام في مدريد في 1991، بكل مطباتها ومتعرجاتها. ومع كل تلك الأحداث الجسام صمدت العلاقات السعودية السورية، بل وترسخ التنسيق السعودي السوري في لبنان.

لا يمكن القول إنه لم تكن هناك اختلافات بين الرياض ودمشق في مقاربة تلك الأحداث الجسام. كانت هناك اختلافات في الرؤية، بل يمكن القول إنه أمام بعض هذه الأحداث كان هناك اختلاف في المصلحة أيضاً. كان من الممكن لاختلاف الرؤية وتباين المصلحة أن يرقى إلى مستوى الصدام، وأبرز -بل ربما أخطر- مثال على هذه الاختلافات كان الموقف من الحرب العراقية الإيرانية. كانت السعودية وسورية على طرفي نقيض من هذه الحرب. وفي السياسة العربية آنذاك كان مثل هذا الاختلاف كفيلاً بتفجير العلاقات بين البلدين، لكن على رغم ذلك صمدت العلاقات إلى درجة أن الأمر بدا وكأنه على العكس من حقيقته. هذا يشير إلى أن القيادة في البلدين في تلك المرحلة كانت تعتبر العلاقة بينهما من الأهمية الاستراتيجية لكليهما، وأنه لا بد من التعايش مع اختلافات لا يمكن تفاديها في السياسة في سبيل الهدف الاستراتيجي لكل منهما، وهذا تحديداً ما يبدو أنه اختلف في السنوات الأخيرة، ويشير إلى أن تحولاً في العلاقة بين الرياض ودمشق قد حصل.

كل ذلك يشير بوضوح إلى أن علاقات دمشق مع طهران لم تقف طوال حقبة الأسد الأب حجر عثرة أمام علاقات السعودية مع سورية، وتحديداً ما بين 1979، العام الذي حصلت فيه الثورة الإيرانية، و2000، العام الذي توفي فيه حافظ الأسد، وهو ما يعني أنه كان بإمكان الأسد الابن أن يحتفظ بالعلاقة ذاتها مع إيران بعد أن ورث الحكم عن أبيه من دون أن تتأثر علاقته مع السعودية، وهذا ما لم يحدث. الذي حدث كان على العكس من ذلك. بدأت العلاقات تتدهور في شكل تدريجي بعد مجيء بشار الأسد إلى الحكم. ما الذي تغير في دمشق بعد حافظ الأسد؟ هل الأسد الابن أكثر ممانعة وأكثر تمسكاً بالمقاومة من أبيه؟ كيف انقلبت علاقاته مع الرياض إلى عكس ما كانت عليه؟

ينسى أو يتناسى كثيرون أن السعودية هي من وفر الغطاء العربي لدخول القوات السورية إلى لبنان، وذلك في قمة الرياض السداسية في 1976، وهي القمة التي ضمت إلى جانب الملك خالد بن عبدالعزيز الرئيس أنور السادات والشيخ جابر الأحمد والرئيس حافظ الأسد والرئيس إلياس سركيس والزعيم ياسر عرفات. كل هؤلاء رحلوا عن هذه الدنيا. ولا ننسى طبعاً الملك فهد بن عبدالعزيز الذي كان حينها ولياً للعهد، ولعب دوراً نشطاً قبل القمة وبعدها إلى جانب الملك خالد، وهو الآخر رحل أيضاً. كان هذا قبل الثورة الإيرانية. بعد هذه الثورة رعت السعودية مع سورية اتفاق الطائف عام 1989، وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية، وكان من متطلبات التوصل إلى الاتفاق نزع أسلحة ميليشيات الحرب، باستثناء سلاح «حزب الله». كانت الموافقة السعودية آنذاك على هذا الاستثناء بمثابة غطاء عربي إضافي، بجانب الغطاء السوري لهذا السلاح. قدمت السعودية غطاءها على رغم معرفتها بأن إيران هي التي أنشأت الحزب، وهي التي تموله وتمده بالسلاح، والأرجح أن السعودية فعلت ذلك نزولاً عند رغبة سورية، مرفقة ربما بضمانات معينة. مهما يكن، اتضح أن الخطوة السعودية، وقبلها خطوات اللبنانيين أنفسهم، كانت في غير محلها، لأن القضية التي ربما ساهمت في استكمال إنهاء الحرب الأهلية، خلقت مشكلة سياسية ظلت تكبر وتتضخم مع الوقت، وتلاحق الاستقرار اللبناني على مدى أكثر من عشرين عاماً، وهذه المشكلة هي المعروفة حالياً بمشكلة «سلاح حزب الله»، والأسوأ من ذلك أنه مع الثورة السورية حالياً، تأكد للجميع بأن سلاح الحزب هو قبل أي شيء آخر مخزون استراتيجي لإيران في منطقة الشام، تهدد به الثوار السوريين على لسان الأمين العام للحزب حسن نصرالله، بل وتهدد به وبالطريقة نفسها الاستقرار الإقليمي إذا كان هذا يحمي نظام الأسد من السقوط.

كانت بداية الانحدار في العلاقات مع التجديد للرئيس اللبناني السابق إميل لحود عام 2004، وهو التجديد الذي فرضه الرئيس السوري على اللبنانيين بالقسر والتهديد. بدا الإصرار على بقاء لحود مؤشراً على أن دمشق كانت مصابة بالذعر، وتفتقد إلى الحكمة، ولا تثق بأحد لم تختبر ولاءه لها. لنتذكر أن التجديد جاء بعد الاجتياح الأميركي للعراق وسقوط النظام هناك، كما جاء بعد حوالى أربع سنوات من تسلم بشار الحكم، وكأن التمديد كان جزءاً من تصفية الفريق السوري الذي كان يمسك بالملف اللبناني. كان هذا الفريق من الحرس القديم، وقد سحب منه الملف اللبناني، لكنه كان معارضاً لعملية التوريث التي حصلت في دمشق. بعد ذلك تم اغتيال رفيق الحريري، وأعقبته سلسة اغتيالات متتالية لعدد من القيادات اللبنانية المعارضة للسياسة السورية في لبنان، وهذه تبدو بدورها عملية تصفية للفريق اللبناني الذي كان مقرباً من الحرس القديم. كان من الطبيعي أن يبدأ منحنى العلاقات السعودية السورية في الانحدار، وكان من الواضح أن دمشق غيرت قواعد التفاهم مع الرياض.

لم يكن الرئيس السوري معنياً بمعرفة من الذي اغتال الحريري. كانت كل تحركاته تهدف لطيّ ملف الموضوع، كما كان يحدث لكل الاغتيالات التي سبقته. وكان همّ حسن نصرالله الأمين العام لـ «حزب الله»، وحليف بشار الأهم في بيروت، الدفاع عن الرئيس السوري. ثم وجهت المحكمة الدولية رسمياً الاتهام لعناصر من «حزب الله»، فصارت دمشق تدافع عن الحزب. بدا الأمر وكأنه جزء من لعبة سياسية، وليس عملية قضائية جادة: الحزب يدافع عن دمشق، ودمشق تدافع عن الحزب، في تداول للأدوار بشكل لافت.

السؤال في هذه الحالة: ما علاقة التوريث بتدهور العلاقات السعودية السورية؟ ليس لأن السعودية، كنظام ملكي، لديها مشكلة مع التوريث بحد ذاته، وإنما لأن التوريث حصل في نظام جمهوري، وخلف الكواليس بطريقة غامضة ومبهمة. هل تغيرت أولويات دمشق بعد التوريث؟ ما علاقة إيران بذلك؟ لماذا صعد نجم حسن نصرالله في عهد بشار؟ وصار من المقربين إلى قصر المهاجرين، على عكس ما كان عليه الحال أيام الأسد الأب؟ كان بشار يخشى من الأميركيين وقد أضحوا إلى جواره في الشرق، وكان يخشى من الحرس القديم وحلفائه في لبنان، ثم وجد نفسه في قبضة خوف أكبر من ذلك وأخطر: ثورة شعبية تطالب بإسقاط نظامه. في تلك اللحظة وجد أن الجميع، ما عدا طهران وموسكو، قد انفضوا من حوله. كيف كانت علاقات السعودية مع سورية في الأيام الأولى للثورة؟ ولماذا انتهت إلى قطيعة كاملة؟ هل كانت السعودية مع الثورة؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا أرسل حزب الله الطائرة من دون طيار؟!

بينة الملحم

الرياض

14-10-2012

أخذت الثورة السورية مساراتٍ مختلفة. روسيا تدخل بقوة على خطوط الدفاع عن النظام السوري، آخر الأحداث تلك الطائرة السورية التي تنقل أسلحة روسية الصنع. النظام السوري يحاول أن يشعل فتيل الحرب الأهلية بأقوى ما يمكنه، غير أن هذه الرغبة بإشعال الفتيل لم تنجح كلياً حتى الآن، نعم هناك حروب جزئية بين السنة والعلويين، هناك حالات استئصال أو انقضاض أو انتقام بين الطائفتين، غير أن المحركات الأساسية للثورة السورية لم تدخل فيها الأبعاد الطائفية تماماً. والنظام السوري يحاول أن يقنع العالم عبر الأحداث والصحف والمؤتمرات والكلمات أن الذين يحاربهم هو ليسوا سوى "تنظيم القاعدة". حسناً تنظيم القاعدة موجود في سوريا حتى قبل أن تشتعل الثورة بل كان النظام السوري يدعمها ويدخلها للعراق ويمنحها مراكز تدريب في أماكن سورية.

تنظيم القاعدة موجود في إيران هناك قيادات من التنظيم تسكن إيران وفي عهدة الإيرانيين، وإذا كانت القاعدة تحارب النظام السوري ولدى إيران قيادات من القاعدة وإيران تدعم النظام السوري فلماذا لا تسلّم إيران قيادات القاعدة للنظام السوري إن كانوا فعلاً من الصادقين؟! المشكلة الكبرى أن هذه الأكاذيب انطلت على بعض المجتمعات وبخاصةٍ تلك التي يحركها حزب الله في لبنان أو بعض الموالين لإيران. الشكر الدائم من نصر الله لإيران أو من قياداتٍ أخرى شيعية أخرى في الخليج وغيره لإيران كل ذلك الشكر غير مبرر وغير مفهوم وغير منطقي أصلاً.

حزب الله أطلق طائرةً من دون طيار نفى أن تكون روسية الصنع وحين أسقطتها إسرائيل قال إن الطائرة إيرانية الصنع ومن تجميع فريق حزب الله الذي يصنع الأسلحة. هذه الطائرة من حزب الله استعراض عسكري لإخافة الداخل اللبناني أولاً قبل إسرائيل، وإلا لو كان يريد أن يخيف إسرائيل فسيقوم بعمليات عسكرية، أو يضع طائرةً من دون طيار عصية على أن تلتقطها الرادارات. لكن أن يرسل طائرة من دون طيار يعلم أنها سترصد ثم ستسقط فهذه رسالة للداخل اللبناني، وخلاصتها: أن انتبهوا فأنا قادر على الانفراد بحكم لبنان لوحدي، وأن ما أمنحه لكم من مساحة للمشاركة في الحكم يجب أن لا تزيد.

رسالة حزب الله الأهم أنه يريد طمأنة أنصاره بأن زوال النظام السوري ليس مصيرياً بالنسبة لحزب الله، بل يمكن للحزب أن يبقى لأن لديه الطائرات والصواريخ، والدولة أصلاً ليست ضرورية فأنا الدولة وأنا أقوى من الدولة، وأنا أسيّر الدولة. يرى الحزب أن الدولة مجرد هيكل لمجاملة المسيحيين وأن الحقيقة الفعلية أن حزب الله هو الدولة، وهو الذي يسيطر على المطار وعلى مفاصل الحكم والوزارات الرئيسية ويستطيع أن يغزو بيروت وأن يفوز بالانتخابات بالقوة.

هكذا هي الحالة السورية أوضحت أن هناك أكثر من بركان قد ينفجر في المنطقة، لكنها براكين صغيرة، سيحاول حزب الله مس استقرار الخليج وأن يضرب الداخل اللبناني وأن يخوض معاركه ضد العالم بدءاً من خصومه في لبنان. والتقارير الأخيرة تشير إلى تسهيل حزب الله لاغتيالات سياسية من بينها اغتيال جبران تويني وهذا ما ذكر في الوثائق السرية. الخلاصة أن حزب الله لن يهدأ له جفن إلا بعد أن يخيف الداخل اللبناني ويطمئن الأنصار ويزرع الخوف في وسط بيروت وأحداث مايو 2008 ليست بعيدة وليست خافية، وهم يقولون دائماً اننا سنكررها.

أحداث مايو 2008 كانت واضحة الدولة تريد أن تسيطر على أمن المطار والحزب يرفض يريد الحزب أن يكون هو الدولة لهذا قلت ان ما تبقّى من الدولة في لبنان هو هيكل لإرضاء المسيحيين فقط والأحداث القادمة ستثبت على الأقل بعض الذي أقول.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تركيا.. وإيران.. وحربهما في الداخل السوري..

يوسف الكويليت

الرياض

14-10-2012

موقف العراق من تفتيش الطائرة الإيرانية العابرة أجواءه إلى سوريا، جاء بضغط أمريكي، لكن بدون مراقبة منها، إذ تركت العملية للسلطات العراقية والتي لم تدون محتويات الطائرة أو حمولتها، لأن إيران أصلاً، هي التي تستطيع أن تضغط، وتبادر في لي ذراع سلطة بغداد ولذلك انتقدت الموقف العراقي، والأخير حتى لو وجد أسلحة ومعدات وحتى جنوداً إيرانيين لمساعدة سلطة الأسد فإنها مرغمة على السكوت عنها تبعاً لموقف إيراني يفرض ولا يحاسب..

الموقف المختلف إصرار تركيا على تفتيش طائرة سورية قادمة من موسكو وعابرة أجواءها ما دفعها إلى إنزال الطائرة وتفتيشها والعثور على أسلحة موردة لسوريا، ومع أن موسكو غضبت وأنكرت وجود أسلحة فقد اعترفت بوجود معدات رادار وكأنه لا يدخل في التسلح أو أنه مجرد سلعة خارج دائرة الاستخدام العسكري..

الفارق أن تركيا ترفض مبدأ الاعتداء على سيادتها، عبور طائرة لأجوائها تحمل عتاداً عسكرياً لبلد يعتدي على حدودها ويحاول رفع الأزمة إلى حالة حرب، ومسألة قانونية هذه الإجراءات من عدمها، تلغيها فرضيات التوتر على حدود البلدين..

فتركيا لديها مصالح هائلة مع روسيا، فهي تزودها بالغاز وتعبر أنابيب غازها عبر تركيا إلى أوروبا، وهناك علاقات اقتصادية تشمل العديد من المجالات، لكن هناك مبدأ السيادة الذي ربما تدرك روسيا معناه حتى لا يؤثر على مسار المصالح المشتركة، بما فيها التعاون بينهما في بناء مفاعل نووي روسي في تركيا..

سوريا صارت توسع دائرة النزاعات بين العديد من الدول، فإذا كانت إيران الداعم الأساسي وقد رمت ثقلها العسكري والمادي والسياسي وراءها، فهي لا تخفي صراعاً مع تركيا عبر سوريا، وتدرك أنها قوة إقليمية مهمة، ومسألة الخلاف المذهبي حاضرة بقوة بينهما، إلى جانب أن إيران في حالة حرب اقتصادية وسياسية مع دول حلف الأطلسي والتي تعتبر تركيا عضواً فاعلاً ومهماً فيه، وهذا يفسر أن العضوية تدخل في صلب التعاون مع أعداء إيران..

هناك لقاء مصالح استراتيجية ربطت العراق وإيران وروسيا بما يشبه حلقة العمل في مواجهة من يتقاطعون معهم من الدول الغربية وأمريكا، وحضور سوريا في مجلس الأمن، ثم الإصرار على مواجهة من يعتبرونهم على خط النار مع سوريا، جعل المواجهة تدخل واقعاً ساخناً، فكل طرف يريد إسقاط مؤيديه في الداخل السوري وهزيمته لكن يبدو أن المعادلة صعبة ومعقدة، فرغم أن الجيش الحر لا يجد الدعم العسكري والمادي الذي يحصل عليه النظام، فتوسع الجيش الحر وتحريره عدة مناطق، وسيطرته على ما يقارب ثلث سوريا يذهب إلى أن السلطة، حتى بوصول الدعم السخي، بدأت تشعر بوطأة المعارك وأنها تسير بالاتجاه الذي يؤكد تضررها، وأن عامل الوقت الذي طالما راهنت عليه يتجه إلى معاكسة وضعها، لكن وجود قوتين إقليميتين وخلفهما قوى كبرى في الداخل السوري قد يزيد التعقيدات على النظام ويضيف مكاسب جديدة للمعارضة بجناحيها العسكري والمدني..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

اختلاف معايير القوى يستدعي إصلاح الأمم المتحدة

2012-10-14 12:00 AM

الوطن السعودية

كثرت الدعوات في الآونة الأخيرة، لإجراء تعديلات جذرية في منظمة الأمم المتحدة، وتأسيس نظام عالمي جديد، لا تنحصر قراراته الكبرى بدول محددة، ومن ذلك ما جاء أمس في كلمة رئيس الوزراء التركي في منتدى إسطنبول العالمي.

فالمتغيرات الدولية بعد قرابة سبعة عقود على تأسيس الأمم المتحدة كثيرة، ولم تعد مراكز القوى العالمية موجودة فقط لدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. إلى ذلك، فإن معايير أخرى يفترض أن تندرج لتحديد الأصوات الأكثر أهمية – إن تطلب الأمر ذلك - مثل القوة الاقتصادية والأعداد البشرية والتجمعات الإقليمية المرتبطة ببعضها تاريخيا وجغرافيا وحتى عرقيا، بدل الاعتماد على أنظمة وضعها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وألزموا العالم بها، كونهم الأقوى آنذاك، على الرغم من أن مصطلح "الأقوى" قابل للنقاش مثل هيكلية الدول حينها، فالاتحاد السوفييتي "القوي" هُزم في أفغانستان، والولايات المتحدة "القوية" خسرت حربها في فيتنام، كما أن الاتحاد السوفييتي تفكك إلى دول، واعتبرت روسيا نفسها مجلس الأمن، وساندتها بعض الدول لتحقق هذه الغاية.

الخلل في التركيبة الحالية للأمم المتحدة بدا واضحا في الأزمة السورية، فـ"الفيتو" الروسي مدعوما بالصيني استخدم ثلاث مرات؛ لحماية النظام السوري من قرار دولي يدينه أو يهدده باستخدام القوة إن لم يتوقف عن قتل الشعب. مما يعني أن "الفيتو" في الحالة السورية استخدم لمصالح الأنظمة من غير اكتراث لمعاناة الشعب، وهذا يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة التي تُعد مصالح الشعوب من أولوياتها.

ما سبق يؤكد الحاجة إلى إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كي لا تبقى القرارات الهامة المصيرية حكرا على خمس دول تتحكم عن طريق "الفيتو" بمصائر الشعوب، فيما بقية دول عالم الكرة الأرضية بلا حول أو قوة، على الرغم من أن بعضها نما وصار يشكل مركز ثقل. ويبقى المخرج الأول المقبول كامناً في إعطاء الجمعية العامة للأمم المتحدة صلاحيات نافذة أقوى من الممنوحة لمجلس الأمن، فالجمعية تضم كل الدول، وأي قرار صادر عنها بالتصويت يشكل حالة ديموقراطية عالمية يفترض أن ترقى على ديكتاتورية "الفيتو".

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المعارضة السورية والهزلُ في مقام الجدّ

إذا لم ترتق المعارضة إلى مستوى اللحظة الراهنة فستكون فعلاً كمن يهزل في مقام الجدّ، وسيكون صعباً عليها أن تواجه حكم الشعب والتاريخ

د. وائل مرزا

الأحد 14/10/2012

المدينة

ذكرنا سابقاً أن الثورة وأهلها لايملكان رفاهية الخيار بتأجيل ممارسة المراجعات إلى (مابعد) انتهاء الثورة. وأن من غير الممكن تجاوز دلالات التجارب بما فيها من صواب وخطأ. ذلك أن الأمر يتعلق بمصير شعبٍ يقدم مالايوصف من التضحيات. ومن حقّه على كل من يمارس فِعلاً ثورياً معيناً أن يرتقي بفعله إلى مقام تلك التضحيات، ويستفرغ الوسع في الوصول إلى الصواب.

لسنا في مقام الدخول في مهاترات مع أي جهة، لكن المرحلة تتطلب درجةً عالية من الشفافية والصراحة. والاستحقاقات القادمة تتطلب الارتقاء إلى مستوى شعارات تمثيل الثورة التي ترفعها المعارضة. لامشاحة في الاعتراف بأن المعارضة السياسية السورية بجميع أطيافها ومكوناتها لم تكن مستعدةً لأداء مهمةٍ بحجم المهمة التي باتت، فجأةً، مسؤولةً عن أدائها. فكلنا يعلم طبيعة الظروف التي كانت تعمل فيها على مدى العقود الماضية. وثمة فارقٌ كبير بين القيام بدور (المعارض) على الطريقة التي كانت سائدةً في سوريا ماقبل الثورة، وبين دور القيادة السياسية لثورةٍ فرضت نفسها كواحدةٍ من أعظم ثورات التاريخ.

ولانبالغ إذا قلنا أن الدور الذي نتحدث عنه من أصعب الأدوار التي يُطلب أداؤها على مستوى العمل العام.

وكما قلنا في مقامٍ آخر: ثمة تراكمٌ نظري وعلمي يتعلق بالثورات يمكن الاستفادة من معطياته، وهذا مطلوبٌ وواجب، لكن الثورة ليست عمليةً هندسيةً محسوبةَ المقاييس. ولاهي مشروعٌ تجاريٌ أو اقتصادي يمكن تصميمه وتنفيذه وفق خطةٍ موضوعةٍ بإحكام.. والثورة لاتشبه أي ظاهرةٍ أخرى في حياة الناس. إذ لاتسري عليها العادات والأعراف والقوانين التي يتآلفون عليها في أيامهم العادية. وحين نتحدث عن الثورة السورية تحديداً فإننا نحاول ملامسة ظاهرةٍ جديدةٍ كلياً، خاصةً إذا أخذنا بالاعتبار كل مافيها من خصوصيات سياسية وثقافية واجتماعية وجغرافية.. من هنا، لايكون معيباً إذا تواضعت المعارضة السورية واعترفت بصعوبة المهمة الملقاة على عاتقها. فهذا الاعتراف علامةٌ صحيةٌ يمكن أن تكون أول خطوةٍ فعلية في تشكيل قدرتها على أداء دورها المطلوب. ولاحاجة للمكابرة والادّعاء في مقامٍ لايحتاج إلى مثل هذه الممارسات. وسيكون الشعب السوري أول من يتفهّم هذه الحقيقة، ويحترم القائلين بها، ويعود لإعطائهم المشروعية المطلوبة.. ثمة حاجةٌ ملحةٌ لأن يغادر جميع الساسة المعارضين السوريين اليوم إقطاعياتهم و(كانتوناتهم) التنظيمية والأيديولوجية. فالسياسة بالتعريف السائد هي فنّ الممكن. والممكنُ في الواقع السياسي السوري المعاصر يفرض عليهم جميعاً الخروج من نفق المماحكات القاتلة المتعلقة بتمثيل السوريين وثورتهم، والتي تكاد تغرقهم وتُغرق الثورة إلى الأبد.

لاتوجد اليوم جهةٌ يمكن أن تدّعي احتكار التمثيل المذكور بأي درجةٍ من الدرجات.

انتهى الأمر ياسادة، وباتت الحقيقة السابقة واضحةً لايماري فيها إلا مُكابر. والمماراة المذكورة لاتؤدي إلى شئ بقدرٍ ماتؤذي الثورة، وتوسّع دوائر الأسئلة والاستفسارات حول المعارضة نفسها.. لم يعد مهماً اليوم الحديث في النيّات والبحث ما إذا كانت عمليات المماطلة والتأجيل تحت عناوين الحوار تأتي عن حُسن نية أو سوء طويّة. يكفي أن هذا الانتظار، الذي يبدو أشبه بانتظار (غودو) لن يأتي أبداً، أصبح فِعلاً سلبياً مرفوضاً يُساهم في تأخير وصول الثورة إلى أهدافها. بل إنه صار أداةً من الأدوات التي يستخدمها النظام لاستمراره وبقائه جنباً إلى جنب مع حملته الوحشية ضد شعب سورية الأعزل.ليس من طبيعة الدنيا الكمال، ولم يقل أحدٌ أن مشروع التمثيل السياسي للثورة السورية سيكون مشروعاً كامل الأوصاف. لكن الموقف الطبيعي من مثل هذا الوضع يتمثل بالمساهمة الفعالة والعملية في استكمال المشروع، لكي يصبح قادراً على تحقيق مطلب الثوار في توحيد المعارضة وخدمة الثورة داخلياً وخارجياً.. لهذا، لم يعد مفهوماً أن تُصبح المفاوضات لتوحيد المعارضة هدفاً بحدّ ذاتها سواء قصد البعض ذلك أو لم يقصدوه، وإذا كانت المفاوضات وسيلةً كما يجب أن تكون فلا معنى للوقوف مرةً تلو أخرى عند جملةٍ هنا ومصطلحٍ هناك في خضمّها. فثوابت الثورة واضحة، والعمل بتناغم مع تلك الثوابت ينضبطُ كلما انخرط فيه ممثلون لقوى المعارضة الفعّالة والمؤثرة.

الكل مسؤولون بلا استثناء. المجلس الوطني السوري ولجنة المتابعة والمنبر الديمقراطي والقوى الكردية وتكتلات العشائر السورية والشخصيات (الوطنية) وعشرات التيارات والتكتلات والأحزاب التي ظهرت كالفطر في ساحة الثورة في الأشهر القليلة الماضية.

ثمة وعدٌ من مجموعة أصدقاء سوريا بالاعتراف الكامل بأي مشروعٍ جامعٍ للمعارضة السياسية السورية في اجتماعها المقبل مطلع الشهر القادم، وبالقيام بكل المقتضيات السياسية والدبلوماسية العملية التي تترتّبُ على ذلك الاعتراف. الأهم من هذا هو الحاجة الاستراتيجية العملية لمثل هذا المشروع في هذه المرحلة الحساسة من الثورة، لأنه سيكون بنتائجه المسمار الأخير في نعش النظام.

لانتحدث هنا عن المجالس المحلية والجيش الحرّ في الداخل السوري، فالأمل في هؤلاء أن يكونوا أكثر جديةً وحسماً في التجاوب مع المشروع حين يظهر إلى النور.

لكل هذا، لم يبق مجالٌ للوقوف أو النظر إلى الوراء أو البداية من نقطة الصفر. وإذا لم ترتق المعارضة إلى مستوى اللحظة الراهنة فستكون فعلاً كمن يهزل في مقام الجدّ، وسيكون صعباً عليها أن تواجه حكم الشعب والتاريخ.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حرب بشار واضطرابات المنطقة

الأهرام المصرية

التاريخ: 14 أكتوبر 2012

الحرب الشرسة التي يخوضها بشار الأسد ضد الشعب ا لسوري منذ اندلاع الثورة السورية في منتصف مارس‏2011‏ ضد نظامه تثير اضطرابات خطيرة في منطقة الشرق الأوسط‏.‏

وذلك أن حرب بشار من أجل الحفاظ علي حكم عائلته ومصالح أجهزته الأمنية والمستفيدين من نظامه قد أدي إلي سفك دماء الشعب السوري, فقد استخدم بشار الأسلحة الثقيلة والطائرات في قصف مواقع المعارضة وتدمير المدن والقري, في محاولة بائسة لقمع الثورة.

وقد تمخضت حرب بشار عن فرار الآلاف من المدنيين السوريين إلي الدول المجاورة وهي: الأردن والعراق ولبنان وتركيا, وأشارت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلي أن عدد اللاجئين السوريين سيرتفع إلي أكثر من700 ألف شخص بحلول نهاية العام الحالي.2012

ولا يخفي أن تدفق اللاجئين السوريين علي الدول المجاورة ينطوي علي مشكلات لهذه الدول فيما يتعلق بسبل استيعابهم وتدبير احتياجاتهم اليومية, فضلا عن المشكلات الإنسانية التي يتعرض لها اللاجئون.

ولعل أخطر تداعيات حرب بشار احتمال تفاقم التوتر بين تركيا وسوريا بسبب القصف السوري للمناطق الحدودية التركية ـ وثمة مخاوف من تفجر اشتباكات بين تركيا وسوريا.. مما يؤدي إلي تزايد الاضطرابات في منطقة الشرط الأوسط بأسرها.

غير أن بشار, فيما تشير الدلائل, وهو يتجه بنظامه العائلي نحو النهاية التاريخية المحتومة, يريد علي نحو انتحاري إشعال الحرائق في المنطقة.

وقد يسعي من وراء ذلك إلي محاولة مد أجل نهايته وانهيار نظامه أو هكذا يتصور.

ان رحيل بشار الأسد ضرورة لإنقاذ الشعب السوري, ومنطقة الشرق الأوسط.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مستقبل سوريا ومسؤولية المجتمع الدولي

فايز سارة

الشرق الاوسط

14-10-2012

تتواصل اليوم أكثر من أي يوم مضى الأسئلة عن مستقبل سوريا، خاصة في ظل أمرين اثنين؛ أولهما داخلي أساسه استمرار وتصعيد الصراع العسكري والسياسي بين النظام ومعارضيه، وسعي كل منهما إلى مراكمة جهوده في مواجهة الآخر، والثاني وصول الجهود الدولية إلى نقطة عطالة في مساعيها من أجل إيجاد حل للوضع في سوريا، وهو الأمر الذي يختصره التوافق الدولي على المهمة المستحيلة التي يقوم بها المبعوث الدولي/ العربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي والمحكومة حسب أغلب التقديرات بالفشل على نحو ما آلت إليه جهود المبعوث السابق كوفي أنان.

وفي ظل المعطيات القائمة، فإن مستقبل سوريا مفتوح على مزيد من الصراع الداخلي، وهو صراع إذا استمر سيفاقم الأوضاع بطريقة مأساوية؛ إذ سيذهب باتجاهات جديدة ويعتمد أساليب وآليات مختلفة، إضافة إلى أنه سيتضاعف مرات كثيرة حجم الدمار والبالغة كلفته حاليا نحو 200 مليار دولار، وسيجعل حجم الضحايا البشرية البالغة حاليا أكثر من ثلاثة ملايين شخص موزعين بين قتلى وجرحى ومعتقلين ولاجئين أضعافا في فترة تماثل الفترة الماضية من عمر الأزمة، وهي تقديرات تستند إلى محصلة الأشهر الستة الأخيرة، مقارنة بما كانت عليه محصلة السنة الأولى من عمر الأزمة.

غير أن الأهم في تداعيات استمرار صراع الداخل السوري، لا يكمن فيما سبقت الإشارة إليه فقط، إنما أيضا فيما سيؤول إليه الوضع السياسي السوري من تجذر الأزمة وتعميقها، الأمر الذي سيؤدي إلى توطين الأزمة لسنوات وربما عقود، وهو ما سيجعل معالجتها أكثر صعوبة بمرات مما هي عليه الصعوبات الحالية. وإذا أضيفت هذه الصعوبات إلى الخسائر المادية والبشرية، فإن الوضع سيكون بحجم كارثة إنسانية كبيرة، سوف تلقي بعبئها وأثقالها على العالم في المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

ولأن الوضع على هذا النحو من التطور الكارثي، فإن التقدم نحو معالجة الأزمة السورية، يكتسب أهمية كبيرة لأنه سيوفر خسائر مادية وبشرية كبيرة ومعاناة إنسانية تسببها استمرارية الأزمة، إضافة إلى توفيره جهودا سياسية ستبذل لحل الأزمة ومعالجة تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتخفيف من فاتورة تكاليفها المادية الكبيرة، والأساس في التقدم نحو معالجة الأزمة يكمن في تغيير زوايا الرؤية التي تتطلع من خلالها الأطراف كل إلى الأزمة السورية، وللدور الذي تقوم به القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في ظل غياب أي دور للقوى الداخلية في الأزمة السورية، التي إما أنها تعاني من عدم القدرة على التعامل مع خيارات متعددة، إضافة إلى فقدانها الحواس على نحو ما هو عليه وضع النظام، أو هي تعاني من حالة عجز عن إدارة الصراع ومراكمة نتائجه للوصول به إلى نهاياته كما في وضع المعارضة.

وإذا كان وضع الداخل السوري على نحو ما سبق، فإن على القوى الإقليمية والدولية ومؤسساتها تحمل عبء السعي نحو معالجة الأزمة، ولعل الخطوة الأولى في هذا المسار، تكمن في إقناع (أو إجبار) الأطراف الداخلية على الموافقة المسبقة على فكرة الحل، وإعلان رغبتها في الاستجابة لحل متوافق عليه، وتتضمن الخطوة الثانية وصول الأطراف الإقليمية والدولية إلى توافق على إطار للحل سواء كان التوافق عبر الأمم المتحدة ومن خلال مجلس الأمن الدولي أو من خارجهما، إذا تم ذلك على أساس قرار الأكثرية الإقليمية والدولية نتيجة عجز مجلس الأمن الوصول إلى قرار في مواجهة الفيتو الروسي - الصيني كما جرت العادة في الفترة الماضية.

إن مسارات الحل تبدو في واحد من ثلاثة؛ أولها حل سياسي. وعلى الرغم من أن فرصه تكاد تكون معدومة بفعل عوامل أغلبها داخلي سوري، فإنه ينبغي أن يظل بين الحلول المطروحة على نحو ما هي عليه جهود الأخضر الإبراهيمي، التي إن حازت موافقة سورية جدية وعلى دعم دولي حقيقي، يمكنها فتح باب لحل سياسي عبر مرحلة انتقالية لمدة تتراوح ما بين ستة أشهر وعام، يمكن من خلالها تحقيق انتقال سلمي للسلطة والبدء في عملية تغيير شامل للنظام السياسي الحالي واستبداله بنظام جديد.

المسار الثاني في حلول الأزمة السورية، هو حل ممكن باحتمال أكثر من سابقه، يخلط بين محتويين عسكري - سياسي مستندا إلى قرارات لحل الأزمة، تصدر تحت البند السابع في مجلس الأمني الدولي، أو من جانب تجمع دولي قوي خارجها، بحيث يدفع مع أو من دون عمليات عسكرية محدودة الأطراف الداخلية إلى الانخراط في مسار تسوية سياسية، هي أقرب ما تكون إلى مسار الحل السياسي عبر مرحلة انتقالية، تنتهي بانتقال السلطة وتغيير النظام.

أما المسار الثالث في الحل فهو مسار الحل بالقوة العسكرية سواء عبر قرار من مجلس الأمن أو من خارجه، وهو الحل الأكثر احتمالا في ضوء معطيات أكدتها تطورات الأزمة، وقد تضمنت فشل كل المبادرات السياسية الهادفة لإيجاد حل لها. ويمثل هذا المسار خيارا صعبا للسوريين على وجه الخصوص بسبب ما يمكن أن يتركه من أكلاف بشرية ومادية ومن آثار وتداعيات على البلاد وسكانها وعلى طبيعة النظام السياسي ومؤسساته في المرحلة المقبلة، وكلها تجعله مسارا من الصعب تقبله.

إن مسارات حل الأزمة في سوريا، مرتبطة بما يمكن أن تقوم به الأطراف المعنية في المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وما يمكن أن تبذله من جهود لتجنب الأسوأ والأكثر تكلفة في الأزمة السورية وتداعياتها الإقليمية والدولية، وهي تكلفة ونتائج، لن يتحمل الشعب السوري وحده فاتورتها، إنما سيتحملها المجتمع الدولي، لأن الفاتورة ستكون أكبر بكثير من قدرات السوريين.

_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا.. «الرجل المريض» في عهدة «أطباء مرضى»

فؤاد مطر

الشرق الاوسط

14-10-2012

من تركيا التي استطاع الرئيس بشار الأسد تسديد إحراج جديد لها عندما أطلقت قواته بضع قذائف قاتلة ومن دون أن يتعامل رجلها القوي أردوغان مع هذا التسديد بحجم تصريحاته وتهديداته ومنها قوله «إن اختبار قدرتنا على الردع خطأ فادح ولا نريد حربا لكننا لسنا بعيدين عنها» يطلق المنظِّر الأردوغاني وزير الخارجية أحمد داود أوغلو فكرة أن يتنحى الرئيس بشار لنائبه فاروق الشرع لأن يديه «غير ملوثتين بالدم». ثم يرفع أردوغان منسوب التهشيم لشخص صديقه القديم بشار الأسد الذي أهداه مضطرا أو مختارا في زمن الوفاق بينهما ورقة لواء الاسكندرون منزوعة من كتاب القضايا القومية العالقة في الوجدان السوري، فيقول عنه «إنه يقف على عكازات» مضيفا القول: «إننا نصحناه لكنه تجاهل نصائحنا. والده قتل في حماه 30 ألف إنسان، والآن يحاول نجله (أي بشار) كسر رقمه القياسي»، مضيفا أيضا «إن الشعب السوري أمانة أجدادنا في أعناقنا...».

كلام أردوغان من جهة وكلام وزير خارجيته من جهة أخرى يوضحان بعض نوايا تركيا تجاه المحنة السورية، حيث إن الزعامة الأردوغانية التي ما زالت تراوح مكانها لجهة الدور الطموح تنظر إلى سوريا على أنها «الرجل المريض» الجديد في المنطقة حالها مثل حال تركيا عندما كان يتم توصيفها بأنها «الرجل المريض» وأن مساندتها لشخص مثل فاروق الشرع ستحقق لها التعامل مع سوريا مثل تعامل إيران مع رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي الذي دفعته دفعا في اتجاه إبرام علاقة متطورة مع روسيا وتحليمه بأن يكون لاحقا زعيما قويا للعراق وسوريا معا باعتبار أن النظام البشاري لا بد سينصرف لأن مستلزمات البقاء تتناقص ولن يكون في الإمكان بعد الذي جرى التفاهم مع الناس. وعندما سيزور الرئيس محمود أحمدي نجاد قريبا دمشق فإن زيارته ليست بهدف التدعيم وإنما للتفاهم مع صديقه الرئيس السوري المثخن بالأهوال والخيبات على المرحلة المقبلة وكيف يتم قطع الطريق على فكرة أن يكون فاروق الشرع هو البديل.

ولعبة «الرجل المريض» في المنطقة ليست جديدة ولكنها لعبة فاشلة لم تحقق للاعبين أحلامهم. فعندما دخلت مصر مرحلة «الرجل المريض» نتيجة الهزيمة التي مُني بها زعيمها القوي داخليا وعلى مستوى المنطقة جمال عبد الناصر، بدأ العقيد معمر القذافي من جهة والرئيس صدَّام حسين من جهة أخرى يمنيان النفس ببناء زعامة قوية للعراق الصدَّامي ولليبيا القذافية على أنقاض زعامة عبد الناصر التي تضمُر شيئا فشيئا، لكن في نهاية الأمر دفع كل منهما ثمن هذا الطموح الذي له صفة الطمع. ونقول ذلك على أساس أنهما ما داما حريصين على مصر على نحو ما أبديا من كلام طيب من نوع قول أردوغان «إن الشعب السوري أمانة أجدادنا في أعناقنا» كان من الواجب الأخلاقي والوطني عليهما الوقوف مع مصر إلى حين استرداد عافيتها بالكامل.

هنالك وقائع كثيرة تؤكد ما نشير إليه. لكن الحالة السورية هي أكثر الحالات مأساوية ذلك أن المنازلة التي تجري فيها غير مسبوقة من حيث ابتهاج الطرفين المتبارزين بما يقومان به. ومن هنا ونحن نتأمل فيما يقترحه «الطبيب التركي» وما يخطط له «الطبيب الإيراني» وغيرهما من «أطباء مرضى» بشراهة الهيمنة على غيرهم، من أجل الانقضاض على «سوريا المريضة» نجيز لأنفسنا القول إنه إذا كانت هنالك نية حقيقية للانتقال بـ«المريض السوري» من ساحة الاقتتال الذي لا جدوى منه إلى غرفة العناية الفائقة التي قد يجد فيها بعض الشفاء، أن يتم تفاهم الذين يساعدون عربا وتركا وعجما ومعهم أميركا وروسيا والصين والدول الأوروبية على أن يتنحى الرئيس بشار وبالتفهم والتفاهم إلى مجلس انتقالي مدني عسكري يؤسس لعهد جديد وبحيث يقرر السوريون بأنفسهم مصيرهم لا أن يكون الحل وفق الاقتراح التركي الذي جدد إحياء الحديث حوله وزير الخارجية أوغلو. ونقول ذلك على أساس أن هذه الصيغة هي مثل حطب يرمى على نار مشتعلة في حين أن المطلوب بعض الماء يطفئ اللهب. فالمناداة بترئيس فاروق الشرع تعني إسقاط الرئيس العلوي أي بشار الأسد متنحيا لنائبه السني وهذا ما لا ينهي الأزمة على الإطلاق في حين أن المجلس الانتقالي الذي يضم شخصيات مدنية - عسكرية - بعثية - إخوانية - اشتراكية - مستقلة، سُنية وعلوية ودرزية وكردية ومسيحية، كفيل بطمأنة الطائفة العلوية الممسكة بسوريا منذ أربعة عقود. وفي هذه الحال لن تبقى الطائفة على سكونها إزاء ما يحدث تحت وطأة الخشية من أن يكون تنحي ابن الطائفة الرئيس بشَّار الأسد مقدمة للقضاء عليها. وإلا فما معنى قول أردوغان «إن الرئيس حافظ الأسد قتل في حماه 30 ألف شخص وإن الابن الرئيس بشار سيضرب الرقم القياسي».

في ضوء ذلك يبدو من المستحسن لإبداء حسن النية سحب الاقتراح التركي من التداول رحمة بسوريا التي من الواجب علاجها بغير وصفات «الأطباء المرضى بشراهة التهام الجيران» بعدما غدت حاضرا بالفعل «الرجل المريض» الثاني مثل حالة تركيا ماضيا، والتركيز على حل يطمئن الجميع بمن فيهم دولة الإمارات التي استوقفتنا دعوة وزير خارجيتها الشيخ عبد الله بن زايد يوم الاثنين 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2012، إلى التنبيه وذلك بقوله «إن فكر الإخوان المسلمين لا يؤمن بالدولة الوطنية ولا يؤمن بسيادة الدول ولهذا السبب ليس غريبا أن يقوم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بالتواصل والعمل على اختراق هيبة الدول وسيادتها وقوانينها...».

وكأننا بالشيخ عبد الله يستحضر الحالة السورية وهو يقول كلامه هذا. ومثل هذه النظرة من شأنها تغليب صيغة المجلس الوطني المدني - العسكري الموسع المستوعب كل الطوائف على صيغة ترئيس فاروق الشرع بحيث يكون كما يريده أردوغان بضعف حالة الرئيس المنصف المرزوقي في تونس: كثرة في التصريحات وقلة في الفعل.

_*_*_*_*_*_*_*_*

الصراع الجديد على سوريا

منذر عيد الزملكاني

الشرق الاوسط

14-10-2012

لم يكن يخطر على بال أهم خبير سياسي وأعرق مراقب ومنظر لمنطقة الشرق الأوسط؛ فضلا عن السوريين أنفسهم، أن مطالبتهم بالحرية والكرامة ستقودهم إلى هذا الطريق المليء بالدمار وبالأشلاء والدماء. لقد ظن السوريون، حسب ما قاله الأستاذ عدنان الشغري (رئيس بلدية بانياس سابقا)، أن القوى الكبرى ستبارك الربيع العربي أينما حل في وطننا الكبير. وساد الاعتقاد بأن النظام السوري لا يمكن أن يكرر حماقة الثمانينات ليس بسبب تحسن أخلاق النظام وانضباطه بالقيم الإنسانية؛ لا، بل على اعتبار أن تطور أنظمة الاتصالات والإعلام بما توفره من سرعة نقل الحدث سوف تضعه وتضع داعميه في ورطة أخلاقية يصعب تبريرها شعبيا، ناهيك بالاعتقاد بأن عصر الإبادات البشرية والمجازر الجماعية قد ولى إلى غير رجعة، خصوصا بعد اللطخة السوداء التي أحدثتها مجزرة سريبرينيتشا على جبين الإنسانية حيث تعهد العالم بأجمعه بعدم السماح بتكرارها.

لكن بشار الأسد لم يكرر حماقة أبيه فحسب؛ بل تعداها بمئات المرات، فإذا كان حافظ الأسد يسجن المعارض أو يعذبه ثم يقتله، فإن بشار الأسد يقتل مشيعيه أيضا ويحرمهم من إكرامه ويجبر من بقي منهم على دفنه سرا في حديقة بيته أو الحدائق العامة.

لقد سارت الركبان بأخبار السوريين حتى وصلت إلى أصقاع الأرض في دقائق قليلة، وفعلا لقد أدى التطور الهائل في وسائل الاتصالات والإعلام دوره الكبير في إيصال آلام السوريين ورسالتهم إلى العالم، خصوصا إلى القوى الكبرى المتنفذة في شؤون الشرق الأوسط وبالتحديد الولايات المتحدة. وإذا كانت هذه القوى لا تهتم بدماء السوريين كما لم تهتم بدماء غيرهم من شعوب الأرض المظلومة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، فإن عليها أن تهتم كثيرا برسالة السوريين وتفهمها جيدا، فهي رسالة لها ما بعدها. والرسالة بسيطة، لكنها غير مطمئنة لهم أبدا، وهي تتجلى في فلسفة جديدة تبناها الشعب السوري منذ بداية ثورته اختصرت بكلمات عظيمة هي «الموت ولا المذلة». إنها فلسفة من أحرق مراكبه ولم يعد أمامه إلا مواصلة المسير حتى تحقيق الهدف أو أن يهلك دونه. وما دام هلاك الشعب مستحيلا، فإن الهدف سيتحقق.

في الحقيقة، أن رسالة السوريين قد وصلت وفهمت تماما، وفلسفتها الجديدة قد أركعت الشرق والغرب قبل أن تركع النظام، ولذلك كان الالتفاف على هذه الثورة ومن ثم التآمر عليها أملا في إجهاضها وإن لم يستطيعوا ففي سرقتها. لقد كثرت المؤامرات على الثورة السورية من جميع الأطراف؛ عربية وأجنبية، شرقية وغربية. فمنذ البداية، لم يعطوها صورتها الصحيحة بأنها ثورة شعبية من أجل الكرامة والحرية على الظلم والطغيان وأنها قوبلت بالحديد والنار، بل تم تصويرها على أنها تمرد مسلح على النظام وذلك من خلال التنسيق معه في دفعها نحو التسلح. ثم كان رميها بتهمة الدعم الخارجي بما يوحي بأنها حرب بالوكالة، أي إن سوريا قد تحولت إلى ساحة من جديد للصراع الدولي والإقليمي. وليت شعري لو أن الشعب السوري يقاتل وكالة عن أضعف دولة في العالم لانتصر منذ زمن. والحقيقة أن النظام هو الذي يقاتل الشعب السوري وكالة عن الشرق والغرب وعن بعض العرب أيضا.

والحرب بالوكالة التي يلمحون إليها قد انقضى عهدها بعد انهيار جدار برلين وانقضاء عهد القطبين وتفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم.. ثم إن الذي يدعم هذه المزاعم، وهم للأسف من أدعياء الفهم والعلم بالسياسة الدولية والإقليمية، يتجاهلون أن كل الأطراف المتنازعة في سوريا اليوم مرتبطة كليا بالقبعة الأميركية من إيران إلى روسيا وتركيا ودول عربية عديدة، ويستغفلون أيضا ذلك الفيتو الأميركي على إدخال السلاح النوعي إلى سوريا، ويجهلون تماما حقيقة أن عدم إدخال السلاح النوعي للثوار غايته الأولى هو ضمان استمرارية الحرب وليس حسمها. لكن الغريب في هذه المزاعم هو الجمع بين الادعاء بوجود تنظيم القاعدة في سوريا ومن ثم الزعم بأن النزاع في سوريا هو حرب بالوكالة. وحقيقة الأمر في سوريا هو أن الدول المتنفذة في منطقتنا وعلى رأسها الولايات المتحدة دعمت إدخال السلاح غير النوعي إلى الثوار إثباتا لمزاعم النظام وافتراءاته بوجود الجماعات المسلحة المدعومة من الخارج، وبالتالي إعطاؤه ذريعة للقتل والتدمير، فهم يريدون أن يتسلموا من بشار الأسد أطلالا وليس بلدا.

ثم جاءت محاولة اختراق الثورة وبث النزاع الداخلي فيها عن طريق ما يشبه مجالس الصحوة في العراق؛ ذلك المشروع البريطاني المنشأ. ومجالس الصحوة في سوريا الآن هي تلك التجمعات التي تريد الهيمنة على العمل الثوري وتخضعه لمآربها المريبة سواء أكانت مجالس عسكرية أم سياسية، وليست تلك التي تريد أن تدعمه وترفده بخبرتها دون قيد أو شرط. فالجناح العسكري مكمل، بل وخاضع للجناح الثوري وليس بديلا عنه، لأن الثوار لا العسكريين هم أصل الثورة وهم حاضنتها، وهذا ما أكده السيد العقيد عبد الجبار العكيدي رئيس المجلس الثوري العسكري في حلب.

والحقيقة أن اللاعبين الدوليين الأساسيين المتنفذين في سوريا الآن هما الولايات المتحدة وفرنسا، وهذا طبيعي لأن فرنسا هي صاحبة النفوذ التاريخي في سوريا وهي التي هندست ما آلت إليه الأمور في ما بعد الاستقلال المزعوم. أما الولايات المتحدة، فهي القوة التي ملأت الفراغ في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، وهي صاحبة النفوذ الأقوى إن لم يكن الأوحد في المنطقة في الوقت الراهن. وكلتاهما يتأبط شرا بالثورة أكثر من أي طرف آخر من خلال عملائهما ورجالاتهما من عرب ومن عجم. وآخر تلك المؤامرات المريبة هو المقترح الفرنسي - الأميركي حول تشكيل حكومة مؤقتة الآن من المعارضة السورية وتعهدهما بالاعتراف بها عند تشكيلها، طبعا إن شُكلت. لأنه ما ظنكم بمعارضة تتنازع على المجالس أن تفعل عندما يكون الأمر متعلقا بحكومة؟ الولايات المتحدة وفرنسا تعملان حالة التنازع هذه وهما تريدان أن تزيدا فيها. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لم تعترف فرنسا والولايات المتحدة بالمجلس الوطني السوري عندما كان في أوج شعبيته الثورية مع العلم بأنهما ممن شجع على إنشائه؟ ثم ماذا قدمت هاتين القوتين من دعم حقيقي للثورة السورية؟

وبغض الطرف عن تنازع المعارضة السياسية وعن هدف الدعوة الأميركية - الفرنسية في إيقاع المزيد من الشقاق بينها، فإن الحكومة المؤقتة هي مطلب مهم للثورة السورية في المستقبل القريب ولكن بدماء جديدة، لأنه ليس من مصلحة السوريين ولو بعد حين الانتقال بعد إسقاط النظام إلى الفوضى العارمة، بل إلى التئام الجراح وإعادة الإعمار.

إن ما يجري الآن في سوريا هو صراع جديد عليها بالتأكيد، لكن ليس بين أطراف دولية وإقليمية وعربية تتنازع النفوذ فيها والهيمنة عليها، بل هو في الحقيقة صراع بين السوريين الجدد حاملي فلسفة «الموت ولا المذلة» وبين تلك الأطراف مجتمعة. وهذا النوع من الصراع أخطر بكثير من ذلك الصراع الذي عانت منه سوريا في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي؛ حيث ابتليت سوريا وقتها بأسوأ سياسيين وقياديين عرفهم التاريخ، فهم من سلم أمنها وأمن شعبها وخيراتها إلى أعدائها تحت راية القومية والاشتراكية. إن القوى الإقليمية والدولية المتناحرة يمكن أن تتلاقى بعد صراع مديد على كلمة سواء فيما بينها حول الغنيمة والنفوذ. لكن هذا الصراع الجديد لا تسوية فيه ولا مساومة، ولا ينفع معه إلا كسر العظم، خصوصا أن الشعوب قد تغيرت واعتبرت، ولم تعد تنطلي عليها المؤامرات ولا مكر الماكرين. في هذه الظروف، علم الشعب السوري بأن مشكلته لم تكن أبدا إعلامية وإنما هي سياسية. وسواء أوَصل صوت ألمه ومشهد تدفق دمه أم لم يصل، فالاستجابة الدولية واحدة.

*أكاديمي في «مركز الدراسات السورية» بجامعة سانت آندروز البريطانية

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

البوسنة تتكرر في سوريا

فهمي هويدي

صحيفة الشرق القطريه

الأحد 27 ذو القعدة 1433 -14 أكتوبر 2012

تحدث بعض المحللين الغربيين هذه الأيام عن أوجه الشبه بين مأساة البوسنة في تسعينيات القرن الماضي وبين الحاصل في سوريا منذ العام الماضي.

أحدث التقارير في هذا الصدد ما نشرته صحيفة لوموند في 30/9 التي أوردت شهادة مفصلة حول الموضوع، كتبتها ناتالي نوجيريد،

ذكرت فيها أن حرب البوسنة كانت دينية (الصرب الأرثوذكس ضد الكروات الكاثوليك والبوسنيين المسلمين) وقومية (الصرب ضد البوسنيين والكروات) ودمرت سراييفو لأنها الحاضنة والرمز للتعدد الإثني.

وفي سوريا اندلعت الانتفاضة ضد الأسد في أوساط الأغلبية السنية، في حين وقف بعض رموز الأقلية العلوية مع الأسد، رغم أن العلويين ليسوا كلهم مع النظام.

كما قصفت حلب بذات القدر من القسوة والوحشية، وهي الحاضنة للتاريخ والتعدد، تماما كما قصفت سراييفو.

وما تقوم به شبيحة الأسد من فظائع واغتصابات للنساء لا يختلف كثيرا عن عمليات القمع والقتل الوحشي والاغتصاب التي قام بها شبيحة راتكو ميلاديتش وكاراجيتش في البوسنة.

وكما قسمت البوسنة في اتفاقات دايتون تقسيما يراعي الخطوط الطائفية فإن سوريا مهددة بذلك التقسيم بين السنة والعلويين والأكراد.

كذلك فإن عمليات التطهير العرقي التي قام بها الصرب بحق البوسنيين تكررت في سوريا بين القرى العلوية والسنية.

يجمع بين الأزمتين السورية والبوسنية أيضا مشهد وقوف المجتمع الدولي موقف المتفرج مما يجري، فتدعيم روسيا للنظام الصربي في السابق، شبيه بموقفها الداعم للنظام السوري الآن.

وإذ يبدو أن العامل الحاسم في استمرار فصول الأزمة السورية هو موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما المشغول بانتخاباته الرئاسية وبمسألة الملف النووي الإيراني الذي يحرص أوباما على التعاون مع موسكو بصدده، فإن ذلك تكرر أيضا بين عامي 1992 و1994.

ذلك أن الولايات المتحدة آنذاك لم تر في ولاية جورج بوش المنتهية ومطلع ولاية خلفه بيل كلينتون أن لها مصلحة إستراتيجية في التدخل في موضوع البوسنة، واعتبرت أن البلقان مسألة أوروبية.

سوريا اليوم كما البوسنة بالأمس اعتبرت امتحانا أثبت مجددا عجز الأوروبيين عن التحرك بمعزل عن الأمريكيين. فبين سنتي 91 و1994 دعمت ألمانيا الكروات وانحاز الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران للصرب.

لكن فرنسا الراهنة تقف إلى جوار ثوار سوريا، وأبدت استعدادها للاعتراف بحكومة انتقالية في دمشق، كما تجرى اتصالات لبحث إمكانية التدخل في المناطق «المحررة» بسوريا، بما لا ينتهك سيادة الدولة السورية.

ويدور في الأوساط الأوروبية نقاش حول تسليح المعارضة وهل ينتهك الخطر (الدولي في البوسنة والأوروبي في سوريا).

وقد مالت إدارة كلينتون إلى تسليح البوسنيين وعارضت ذلك باريس ولندن.

واليوم تلتزم الدول الغربية سياسة غير حربية إزاء النظام السوري.

وتخشى تلك الدول في حالة تسليح الثوار السوريين بأسلحة ثقيلة أن يقع السلاح المضاد للطيران بأيدي مجموعات جهادية متطرفة معادية للمصالح الغربية، خصوصا في ظل المعلومات المتواترة عن تسرب بعض تلك المجموعات إلى داخل سوريا.

من المتشابهات أيضا أن الدبلوماسية الدولية ظلت تبذل جهودا مستمرة لحل المشكلتين دون جدوى، في موضوع البوسنة ظل المبعوثون الدوليون يتحركون: لورد كارينجيتون ولورد أوين وسيروس فانس، واليوم يكرر الجهود ذاتها كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي.

بشكل مواز فقد كان لقناة سي إن إن دورها الذي لا ينكر في استنفار الرأي العام الغربي وإيصال صورة الحاصل في البوسنة إليه.

وهو ما تقوم به الفضائيات العربية منذ تفجرت الثورة في ربوع سوريا.

لا تزال الأسئلة مثارة حول مشهد النهاية. لأن العالم صدمته المذبحة الكبيرة التي وقعت في سربرينيتسا وأباد الصرب فيها ثمانية آلاف بوسني، الأمر الذي أحدث تحولا في الموقف الأوروبي الحذر وانتهى بتدخل حلف الأطلسي عن طريق توجيه ضربة عسكرية جوية مكثفة وقوية أرغمت الرئيس الصربي على التراجع والقبول بتوقيع الاتفاق مع علي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة والهرسك.

في حملتهم العسكرية فإن القادة الأوروبيين التفوا على الفيتو الروسي، ولم يحاولوا الحصول على تفويض دولي بالتدخل العسكري.

وهذا الشق الأخير يمثل نقطة خلاف جوهرية بين مشهد النهاية في البوسنة واحتمالات الموقف في سوريا.

ويتعين هنا أن نلاحظ أن التدخل الغربي ضد القوات الصربية في البوسنة. تم في إطار القارة الأوروبية ولم تكن هناك مغامرة في استخدام الأسلحة الثقيلة كما لم يفكر أحد في احتمال وقوعها في أيدي الجماعات الجهادية،

لهذا السبب فإن مشهد النهاية يظل غامضا في الحالة السورية، التي تظل مفتوحة على كافة الاحتمالات باستثناء التدخل العسكري الدولي الذي لا مصلحة للدول الغربية فيه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

العلاقات اللبنانية ـ السورية سيرة تدخّل دائم في شؤون لبنان وضرب سيادته (2)

جورج أبو صعب ()

المستقبل

13-9-2012

ثامناً: تآمر الحكم في سوريا

على لبنان وثورة 1958:

على إثر إعلان الوحدة السورية المصرية وقيام الجمهورية العربية المتحدة انقسم الشارع اللبناني حيال الموضوع بين مؤيد ورافض. وبطبيعة الحال فإن المؤيدين كانوا من حلفاء النظام السوري المصري أمثال الأحزاب الوطنية كالبعث والاشتراكي والقوميين العرب وسواهم، فيما وقفت الدولة اللبنانية والحكم اللبناني ومؤيدوهما ضد الوحدة وقلقوا بشأنها لأنهم رأوا فيها خطراً على الاستقلال والكيان والسيادة والاستقرار اللبناني الداخلي (انظر صحيفة البيرق في 22 شباط 1958). وإذا بمجلس الأوقاف في طرابلس يعلن انفصاله عن المراجع المختصة في بيروت والتحاقه بأوقاف دمشق، والنائب رشيد كرامي يعلن تأييده للوحدة، وفي الوقت عينه قررت السلطات السورية في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة اتخاذ تدابير أمنية مشددة على الحدود مع لبنان بسبب اتهام الحكم والحكومة في لبنان بأنه يلعب دوراً خطيراً في تهديد أمن واستقرار سوريا (التهمة نفسها كلما تميز لبنان في سياسته الخارجية عن السياسة السورية).

وراحت سوريا تتدخل أكثر فأكثر في تهيئة الأجواء للثورة ضد الحكم اللبناني، وقد تدخلت مباشرة عبر تسليح وتمويل ودعم الطرف العروبي اللبناني. فالرئيس صائب سلام أقر في حينه بأن سوريا أرسلت 120 شاباً من المغاوير ومبلغ مليون وثلاثمئة ألف ليرة لبنانية (مجلة "المجلة" العدد 176- ص. 30-31). كما أن قائد المقاومة الشعبية في بيروت رشيد شهاب الدين يقرّ بأنه استقبل مغاوير سوريين وبأنه يوم إعلان العصيان المدني كان في دمشق يبحث مع العقيد برهان أدهم في إرسال كميات أخرى من السلاح، ويقر بأنه تسلم السلاح بعد قيام الثورة على الحدود السورية اللبنانية وكانت أسلحة سورية (انظر رشيد شهاب الدين أرشيف المقاومة الشعبية المغاوير السوريون ص 78 حتى 80). فقامت السلطات اللبنانية بطرد 12 ألف عامل سوري من لبنان خلال شهر أيار 1958 وتقدم الحكم اللبناني بشكوى ضد سوريا بتدخلها الى جامعة الدول العربية في 21 الشهر نفسه تضمنت اتهام سوريا وخاصة وزير داخليتها العقيد عبد الحميد السراج وبتأثير من الرئيس جمال عبد الناصر بالتدخل في القضية اللبنانية (انظر زهير ابراهيم الاتجاهات السياسية - وبالفرنسية FICHES DU MONDE ARABE RELATIONS AVEC LA SYRIE ROLE DE LA SYRIE DANS LES EVENEMENTS DE 1958 VOL. 1 P3- LIBRAIRIE ORIENTALE)).

تاسعاً: التدخل الأممي عام 1958 لكبح جماح التدخل السوري (ج.ع.م) في لبنان:

مع تصاعد التوتر بين البلدين عام 1958 إثر اتهام لبنان للسوريين بالتدخل في الصراع السياسي الدائر بين الرئيس كميل شمعون والمعارضة اللبنانية على خلفية مبدأ ايزنهاور الشهير وحلف بغداد، اتخذ مجلس الأمن بتاريخ 11 حزيران 1958 قراراً بإرسال لجنة من المراقبين الدوليين الى لبنان للتأكد من عدم حصول تسلل أشخاص وإدخال أسلحة ومعدات حربية الى الأراضي اللبنانية من سوريا أو ما كان يسمى الإقليم الشمالي من ج.ع.م)، ووصل المراقبون الى بيروت بتاريخ 12 حزيران 1958 في وقت كانت المعارضة اللبنانية للنظام قد سيطرت فعلياً على المناطق المحاذية للحدود اللبنانية السورية وجبل عامل وجزء من العاصمة بيروت. ومع وصول اللجنة الأممية لمراقبة الحدود اللبنانية السورية أخفت المعارضة كافة المظاهر التي يمكن أن توحي بوجود تدخل أجنبي (سوري) لإثبات أن الأحداث الدائرة في لبنان أزمة داخلية فقط (صحيفة لوموند الفرنسية تاريخ 17 حزيران 1958 ص. 5- للكاتب الصحافي الفرنسي ادوارد سابلييه).

يقول الصحافي سيرج مانييه في صحيفة le Parisien liberé بتاريخ 28-29-30 حزيران 1958 ما حرفيته: "... إن سوريا لن تترك لبنان مستقلاً..." (ص.3)، فيما الرئيس كميل شمعون يؤكد وجود بين ثلاثة الى أربعة آلاف متسلل من سوريا الى لبنان بدعم من (ج.ع.م (Camille Chamoun Crise au moyen Orient Gallimard Paris France 1963 P.47 et suiv.) ) وفي الوقت عينه يؤكد المراقبون الأمميون أن التسلل السوري حصل ولو بحسبهم على نطاق ضيق، بينما تؤكد صحيفة (Le Parisien Liberé) ومعها صحيفة لوموند (Le Monde) بأن وجود تدخل سوري شمال لبنان من خلال المساعدات العسكرية والتدخل المباشر من قبل الجيش السوري، والبعثة الأممية لم تتمكن من التأكد من وجود أو عدم وجود تدخل أجنبي بسبب قلة عدد المراقبين ورقعة انتشارهم الجغرافي الواسعة، فضلاً عن عدم إمكان تمييزهم عملياً بين اللبنانيين والسوريين (لو باريزيان ليبيريه ولوموند أعداد 5 و6 تموز 1958 ص. 1-3-5).

عاشراً: التدخل السوري التحريضي المباشر في الشأن اللبناني في مواجهة الإنزال الأميركي في بيروت (15 تموز 1958):

بتاريخ 15 تموز 1958 بدأ الإنزال الأميركي في بيروت، واستكمل في 16 منه في الوقت نفسه نزول قوات بريطانية شرق الأردن بطلب الملك حسين، يومها وجه الرئيس كميل شمعون خطاباً الى الأمة شارحاً خلفيات طلبه التدخل العسكري الأميركي، متهماً (ج.ع.م) بالتدخل في الشؤون اللبنانية مبرراً طلبه التدخل بفشل جامعة الدول العربية والأمم المتحدة في اتخاذ قرار يرد عن لبنان تدخل جيرانه في شؤونه، طالباً تنفيذ المادة (51) من شرعة الأمم المتحدة لحفظ سيادة لبنان (جريدة نداء الوطن وجريدة الأحرار وجريدة الديار تاريخ 16 تموز 1958).

فاتصل عبد الحميد السراج من دمشق في منتصف الليل بالرئيس صائب سلام طالباً منه مواجهة القوات الأميركية وعدم السكوت على الإنزال (صائب سلام "وقائع سرية عن أحداث 1958" مجلة المجلة العدد 175- حزيران 18-24 حزيران 1958 ص. 30).

كذلك اتصل العقيد برهان أدهم بقائد المقاومة الشعبية رشيد شهاب الدين في بيروت لسؤاله عن سبب عدم تحرك المقاومة ضد الأميركيين، وقد أبلغ أدهم القائد شهاب الدين بأن الجيش السوري يقف بجميع قواته على الحدود اللبنانية السورية لدعم المقاومة... (رشيد شهاب الدين ارشيف المقاومة الشعبية وقائع سرية عن ثورة 1958 ص. 28 29).

حادي عشر: معارضة دمشق انتخاب الرئيس شهاب وتهديدها لبنان عسكرياً:

من أوجه التدخل السوري في الشأن اللبناني أيضاً معارضة دمشق انتخاب الرئيس فؤاد شهاب، وقد كانت تفضل الرئيس بشاره الخوري. وقد تلقى قائد المقاومة الشعبية في لبنان آنذاك رشيد شهاب الدين أمراً من رئيس المكتب الثاني السوري العقيد برهان أدهم بقصف المجلس النيابي اللبناني بمدفعية الهاون إذا تأكد انتخاب فؤاد شهاب رئيساً بغية تعطيل جلسة الانتخابات قبل حصولها (يوميات وثائق الوحدة - الوثيقة 17 ص 409 دمشق تأمر بضرب البرلمان بمدافع الهاون في حال انتخاب فؤاد شهاب رئيساً)، لكن تفاهماً سورياً مصرياً في اللحظة الأخيرة حمل دمشق على الموافقة على انتخاب فؤاد شهاب رئيساً.

وقد رسمت خطط عدة للإطاحة بالرئيس شمعون وإنهاء أزمة 1958، ومنها خطة كشفها رشيد شهاب الدين نفسه بإقراره بأن اتفاقاً كان قد حصل مع الزعيم كمال جنبلاط وشوكت شقير على تنفيذ خطة لإنهاء الأزمة تعتمد على المقاومة الشعبية في بيروت والمغاوير السوريين والقوى المدرعة للجيش اللبناني بإمرة العقيد جميل عيد لترحيل الرئيس شمعون الى الخارج بعد تطويقه في محلة القنطاري (حيث كان مقر القصر الجمهوري آنذاك)، لكن صائب سلام سرب التفاصيل الى قائد الجيش فؤاد شهاب آنذاك ففشلت الخطة.

وبتاريخ 15- 17 آب 1958 ، فشلت محاولة ثانية للإطاحة بالرئيس شمعون بتدخل سوري مباشر، بحيث كان قائد الخطة الثانية آنذاك العقيد فؤاد لحود قائد منطقة الجنوب العسكرية في الجيش اللبناني، وقد نسق الخطة مع المقاومة الشعبية والسوريين لإنهاء ولاية شمعون، وأيضاً كشف الرئيس صائب سلام الخطة للواء شهاب وفشلت الخطة وانتهى لحود بالإقالة من الجيش بتهمة التآمر على الدولة (رشيد شهاب الدين ارشيف المقاومة الشعبية وقائع سرية عن ثورة 1958 ص. 47 الى 54) وأيضاً (جريدة العمل 25 أيار و24 حزيران 1958).

وبتاريخ 4 تشرين الثاني 1958 اتهم الرئيس سامي الصلح من باريس ج.ع.م. بعدم التوقف يوماً عن التدخل في الشأن اللبناني واتهم المكتب الثاني السوري بتجنيد عملاء له من السوريين العاملين في لبنان واللاجئين الفلسطينيين للمشاركة في أعمال الثورة (جريدة بيروت المساء وجريدة الجريدة وجريدة الحياة في 5 و7 تشرين الثاني 1958).

وعلى إثر حصول الانتخابات النيابية في 12 حزيران 1960 (عهد الرئيس شهاب وبعد تعهدات الرئيس عبد الناصر الشهيرة في لقاء الخيمة الحدودي باحترام استقلال لبنان وعدم التدخل في شؤونه) شنت الأجهزة السورية حملة ضد الانتخابات، فاتخذت السلطات اللبنانية آنذاك تدابير أمنية طارئة في البقاع مخافة افتعال حوادث يوم الانتخاب (البقاع من مناطق لبنان الواقعة دائماً تحت التأثير السوري). وقد تم ضبط متسللين سوريين الى داخل الأراضي اللبنانية للقيام بأعمال شغب وأعيدوا الى سوريا (انطوان الناشف وخليل الهندي العلاقات اللبنانية السورية 1943-1985 ج 1 ص 188).

وبتاريخ 22 كانون الثاني 1961 اعتقلت السلطات اللبنانية ضابطاً في الجيش السوري يدعى أحمد عردوس و25 من مرافقيه اعترفوا في ما بعد بأنهم جاءوا الى لبنان بمهمة من المكتب الثاني السوري لاغتيال مسؤولين في الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري ("النهار" 20 و 23 كانون الثاني 1961).

الثاني عشر : التدخل السوري في الانتخابات البلدية اللبنانية عام 1963:

على خلفية الصراع بين أنصار الناصرية وأنصار الانفصال السوري عن الوحدة العربية في لبنان أصدر وزير الداخلية اللبنانية آنذاك الزعيم كمال جنبلاط قانوناً جديداً للانتخابات البلدية والاختيارية في شهر أيلول 1963، وقد كتب الوزير جنبلاط يومها مقالاً في جريدة الأنباء نُشر بتاريخ 25 أيلول 1963 يكشف فيه الى حد بعيد التدخلات السورية والتمويل الخارجي ضد لائحة الرئيس رشيد كرامي التي نجحت في طرابلس في مقابل اللائحة المدعومة سورياً والمؤلفة من مرشحي حزب البعث الحاكم في سوريا (كمال جنبلاط ربع قرن من النضال الدار التقدمية بيروت لبنان 1978- ص 236).

وفي خلال شهر أيلول من العام 1964 هاجم الزعيم النائب آنذاك كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي نظام البعث في سوريا متهماً إياه بالتدخل في شؤون لبنان من خلال تخطيط وتنفيذ عمليات تهدد أمن لبنان. وفي 25 أيلول من العام نفسه أصدرت السلطات اللبنانية مرسوماً منعت بموجبه حزب البعث من ممارسة نشاطه السياسي بعد ثبوت تدخل سوريا من خلاله في الحياة العامة اللبنانية (جريدة النهار تاريخ 11 19 26 أيلول 1964).

الخاتمة:

إنها محطات أساسية وليست كل المحطات التي سجلها تاريخ العلاقات اللبنانية - السورية الحديث. إذ تعمدنا عدم العودة كثيراً الى الوراء في عمق التاريخ القديم ابتداء من عام 1800 وما يليها... محطات تثبت بالوقائع والحقائق والوثائق أمرين أساسيين يجب أن لا يغيبا عن بال أي مسؤول لبناني اليوم:

- الأمر الأول: وجود فلسفة وجودية سورية لا تقر باستقلال وسيادة لبنان لا بل تعتبره الصدى الطبيعي لمصالحها، لا بل الحديقة الخلفية لسوريا في سياساتها وعلاقاتها المحلية والخارجية.

- الأمر الثاني: الدور السياسي البارز الذي لطالما لعبته دمشق في تحريك وتقسيم وتشتيت الحياة العامة في لبنان، من خلال اعتماد مبدأ الاصطفاف بين موالين لها من اللبنانيين ومعارضين لها من اللبنانيين، ما يكفي للإمساك بالصاعق المفجر للوضع اللبناني في أي وقت.

من هنا فإن المحطات السياسية التاريخية التي أردنا إبرازها في هذه الدراسة المختصرة، هي التي أسست عبر تراكم زمني وفكري وعقائدي معين المسألة اللبنانية لدى حكام الشام، وهي التي طبعت بشكل راسخ في مختلف مراحل الأحزاب والأنظمة السورية، هذه النظرة الى لبنان على أنه إما أن يكون جزءاً من أرض سوريا وسيادة سوريا وسياسة سوريا وإما أن يكون ساحة تصفية سورية لحساباتها على أرضه مع الآخرين، وقد رأينا كيف أن سوريا كانت تستخدم لبنان عندما ناوأت حلف بغداد، وكيف استخدمت لبنان عندما أرادت تسويق نفسها لدى الرئيس عبد الناصر إبان الوحدة السورية المصرية، وكيف استخدمت لبنان عندما أرادت مناهضة عبد الناصر، وكيف استخدمت لبنان عندما أرادت أن تكون انفصالية، وصولاً الى أيامنا هذه كيف استخدمت لبنان عندما أرادت ضرب نفوذ عرفات والمسلمين في لبنان، وكيف عادت وضربت المسيحيين اللبنانيين عندما خسرت ورقة المواجهة العربية الإسرائيلية مع اتفاقات كامب دايفيد، واستخدمت لبنان للمقايضة مع الأميركيين إبان حرب الخليج الأولى، واستخدمت لبنان إبان حرب الخليج الثانية لتنتزع من واشنطن التوكيل الشامل والمطلق في لبنان الذي سمح لها بالتحكم بلبنان حتى اغتيال الرئيس الحريري .

من هنا أهمية فهم الماضي والتاريخ لبناء المستقبل القوي والصادق بين البلدين.

قال السياسي اللبناني الكبير المرحوم العميد ريمون اده في حديث له مع جريدة "الجريدة " بتاريخ الأول من شباط 1962 بما يشبه الوصف العلمي الدقيق لحقيقة تكوين لبنان السياسي لم يخلُ من حس تنبوئي: "... في لبنان عدة تيارات وعدة قوميات، هناك قومية لبنانية، وهناك قومية عربية، وهناك قومية سورية، وفي لبنان اعتقاد إجماعي بل إيمان ثابت لدى جميع اللبنانيين بأن لبنان وطن نهائي له شخصية مميزة والتي لا يمكنها أن تذوب في أي شخصية أخرى.. ولكن في لبنان فئات متعددة من حيث الإعلان عن تحديد هذا الكيان والإعراب عن صيغة الإيمان بالكيان اللبناني...".

فليس في لبنان عروبة واحدة ذات منبع فكري وسياسي واحد، وليس في لبنان قومية واحدة ذات مرجع واحد وعقيدة واحدة ونمط سياسي واحد ورؤية واحدة للمستقبل، لكن في الوقت عينه في لبنان إيمان فطري بنهائية الوطن اللبناني وإقرار جماعي ضمني بخصوصية لهذا الوطن لا يمكن أن تبنى معه العلاقات على قاعدة الابتلاع أو التبعية أو الضم أو الفرز العقاري أو الجيو-سياسي .

إننا نريد مستقبلاً زاهراً وناجحاً للعلاقات اللبنانية السورية، ولكن نريد أيضاً ولو لمرة واحدة أن يفهم السوريون بأن لبنان إما أن تُحترم في علاقات الآخرين معه خصوصياته، وإما أن لا يكون هناك علاقات إلا في حدها الأدنى البروتوكولي. فيجب ألا نحول الواقع الجيو-سياسي الى لعنة تصيب لبنان فقط، بل فلتكن تلك اللعنة نعمة إذا ما استوعب الجار السوري ضرورة معاملته بكل احترام واستقلال وحرية على أساس المصالح المشتركة وليس المصالح المتفوقة لطرف على مصالح الطرف الآخر .

أردناها دراسة تحليلية لواقع وحقيقة أصبح السياسيون الذين يحبون الدخول في تفاصيله قلة مخافة إيقاظ عفاريت الماضي وتعكير صفو تحولاتهم السياسية، تكتيكية كانت أم استراتيجية، عسانا قد وفقنا في ما أردنا إيصاله من رسائل واضحة لمن يهمه الأمر.

() محامٍ وخبير قانوني

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حزب الله في قلب المعركة السورية * ياسر الزعاترة

الدستور

13-10-2012

هناك الكثير من القضايا التي يمكن التقاطها بالتحليل دون الحاجة لمعلومات. من بين هذه القضايا تلك التي نحن بصددها في هذه السطور ممثلة بصلة حزب الله اللبناني بالمعركة الدائرة في سوريا.

حين يعتقد الحزب -بحسب أمينه العام وسائر قيادييه- أن المعركة في سوريا هي محض مؤامرة غربية ضد المقاومة والممانعة التي يمثلها النظام السوري إلى جانب إيران والحزب (أخرجت حماس من الحلف بعد انحيازها للثورة السورية)، حين يعتقد ذلك، فمن الطبيعي أن يبادر إلى تقديم سائر أشكال الدعم للنظام السوري في المعركة.

وحين ترى إيران التي تمول الحزب أن نتيجة المعركة في سوريا ستحدد مصير مشروعها للتمدد والهيمنة الذي اشتغلت عليه عقودا، فمن الطبيعي أن تطلب من الحزب أن يلقي بثقله إلى جانب النظام، لاسيما أن قاسم سليماني (قائد فيلق القدس في الحرس الثوري) الذي يدير المعركة في سوريا، هو ذاته الذي يشرف على العلاقة بين طهران والحزب.

سليماني الذي يعاني هذه الأيام بحسب تقارير عديدة من صراع مع المرشد خامنئي بسبب فشله في إدارة المعركة التي دفعت فيها طهران إلى الآن (10 مليارات دولار) رغم متاعبها الاقتصادية التي بدأت تنتج حراكا شعبيا ضد النظام يمكن أن يودي به إذا تطور بمرور الوقت.

والحال أن التقارير التي تتحدث عن تدخلات الحزب في الساحة السورية ودعمه متعدد الأشكال لنظام بشار لم تتوقف منذ شهور طويلة، الأمر الذي دأب قادة الحزب على إنكاره، لكن التطورات الأخيرة لم تترك له فرصة للإنكار، وإن لم يتوقف عن ممارسته، أقله إلى الآن، من دون أن نستبعد أن يتطور الأمر إلى مستوىً من الجرأة (أو الوقاحة بتعبير أدق)، بحيث يعلن انخراطه المباشر في المعركة ضد “عملاء الغرب الاستعماري، لاسيما التكفيريين” الذين يريدون تقويض نظام المقاومة في دمشق.

لم يحدث ذلك إلى الآن، بينما كانت التقارير المتوالية عن تدخلات الحزب قد قفزت قفزة كبيرة إثر التشييع المهيب لأحد قادة الحزب الذي قيل إنه قضى “في مهمة جهادية”، بينما أدرك الجميع دون كثير عناء أنه قتل أثناء مباشرته العمل إلى جانب النظام في مواجهته مع الثورة السورية.

التقارير قبل ذلك من داخل لبنان، بل من دوائر شيعية وذات صلة بالحزب (دعك من خصومه) كانت تتحدث عن عشرات من عناصر الحزب يدفنون في مناطق متعددة من لبنان، بينما يطلب من ذويهم عدم البوح بخلفية مقتلهم، لكن أهمية علي حسن ناصيف المعروف بأبي العباس كانت أكبر من قدرة الحزب على تشييعه بسرية، فكان التشييع المهيب الذي جرت تغطيته بحكاية “المهمة الجهادية” التي قتل فيها، أو “استشهد” بحسب إعلام الحزب، تماما كما “استشهد” عناصر خلية الأزمة في مبنى الأمن القومي الذي نعاهم الأمين العام في كلمة متلفزة!! وحين حاول عضو مجلس شورى حزب الله تبرير الأمر خلال تأبين “الفقيد” يوم الأحد، لم يجد غير القول إنه “كان يحاول حماية لبنانيين”، محملا الدولة مسؤولية “إهمال اللبنانيين المقيمين على الأراضي السورية”!! وهو وهو الموال الذي عزف عليه الأمين العام في إطلالته عبر “المنار” مساء الخميس، حيث حرص على القول إن حزبه لم يتدخل إلى الآن لصالح النظام، مبررا مقتل “أبو العباس” بنفس الطريقة التي تحدث بها يزبك.

في تقرير بعث به من بيروت مراسلها نيكولاس بلانفورد، تحدثت صحيفة التايمز البريطانية مؤخرا عن المساعدات التي يقدمها حزب الله للنظام السوري. ونقلت عن ضابط منشق عن القوات الجوية السورية فرَّ إلى لبنان (لم ينضم للجيش الحر) قوله إنه “يوجد نحو 1500 من مقاتلي حزب الله ومثلهم من إيران في سوريا حاليا”.

أما الأهم فهو قوله “إنهم يعملون مع المخابرات ويدربون الشبيحة والجنود على التصويب على الأهداف البشرية-القنص-”.

وكانت تقارير عديدة اعتمدت على تسريبات من داخل أوساط الحزب قد تحدثت عن إشراف إيراني على تشكيل وتدريب فرقة كبيرة من الشبيحة تعوض الوضع البائس للجيش، الأمر الذي سارع النظام إلى نفيه. وعموما لم تعد القصة من باب الأسرار بعد أن تحدث عنها القاصي والداني، لاسيما نشاط الحزب العسكري في القرى السورية القريبة من الحدود اللبنانية (قرى حوض العاصي)، والتي تقطن بعضها غالبية شيعية، حيث يقوم بقصف مواقع الجيش الحر منها، بخاصة في منطقة القصير. وعموما لم ينكر نصر الله ذلك، لكنه برر الموقف بأن تلك القرى يسكنها لبنانيون (وسوريون في الآن نفسه).

سيقول بعض (شبيحة الخارج العرب) إن صحة التقارير إياها لا تعني الكثير، إذ من حق حزب الله أن يساعد حليفه (النظام السوري) ويرد له الجميل، تماما كما أن هناك إرهابيين تكفيريين من شتى أنحاء الأرض يساعدون الثورة، لكن ما ينساه هؤلاء هو أن الفئة التي يتحدثون عنها ليست حزبا يشارك بل يهيمن على حكومة في دولة ذات سيادة، بل هي مجموعات مطاردة من قبل الكثير من الدول والأنظمة، أما المقاتلون العاديون، فقد جاءوا ينصرون ثورة شعبية، وليس نظاما يقتل شعبه الذي خرج يطلب الحرية كما يفعل الحزب.

بانخراطه المباشر، وقبل ذلك دفاعه عن النظام السوري يمكن القول إن حزب الله قد أصبح عدوا في نظر غالبية العرب والمسلمين (باستثناء الغالبية الساحقة من الشيعة)، تماما كما هو حال سيدته إيران، وهي خسارة لن يجبرها بقاء النظام، فكيف وهو سيسقط لا محالة، طال الزمان أم قصر؟!

التاريخ : 13-10-2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

محنة السوريين في الأردن * ماهر ابو طير

الدستور

13-10-2012

اقبل فصل الشتاء، وواقع مخيم الزعتري سيء للغاية، وعشرات الاف اللاجئين ينامون في خيم لاتحتمل الصيف ولا الشتاء، والعائلات التي تبيت في كرفانات عددها محدود للغاية، والسؤال يقول ماالذي سيواجهه هؤلاء عند بدء سقوط المطر وحلول البرد؟!.

الرسميون يتحدثون في الاردن عن مخيم جديد وبديل عن هذا المخيم،اذ يجري الكلام عن مخيم بديل في منطقة الرويشد، والواضح ان ماوراء القرار ابعاد للاجئين عن المناطق المأهولة بعد تقييمات امنية تنصح بهذا لاعتبارات كثيرة.

اقامة مخيم جديد في الرويشد له كلف مالية مرتفعة جداً، ومؤسسات التمويل قد لاتمول هذا المخيم،امام ضخامة المصاريف التي يطلبها الاردن، بالاضافة الى ان الوقت المتبقي لن يكفي لاقامة مخيم جديد بكل بناه التحتية، وخدماته ومرافقه.

منطقة الزعتري التي فيها المخيم الحالي معروفة بقلة امطارها،لكن هناك وادي الزعتري الذي تتجمع فيه مياه الامطار وقد تهدد المخيم الحالي، وفوق ذلك فإن البرد الشديد سيكون قاتلا في منطقة شبه صحراوية،وسيؤدي الى شيوع الامراض وغير ذلك.

لابد من حل جذري لهذه الازمة بما يحفظ كرامة الناس الذين قبلنا دخولهم الينا،والسلطات الرسمية ترفض فكرة التكفيل، خوفا من تزايد اعداد اللاجئين،وتحوطا من مشاكل معينة اجتماعيا وامنيا.

كل هذا يعني ان هناك مشكلة كبيرة تواجه الاردن في قصة مخيم الزعتري،اذ بعد قليل قد تصيح مؤسسات دولية وتتهم الاردن بأنه يسيء معاملة اللاجئين،ولن تتفهم هذه المؤسسات ابدا الكلف والاحمال التي على ظهر الاردن،الذي بالكاد يسقي شعبه الماء، فما بالنا بموجات اللاجئين الهاربين من الذبح والدم؟؟وهم اخوتنا مهما قيل في التحريض ضدهم،بسبب اي فعل يرتكبه نفر محدود منهم.

هذا يفرض على الجهات الرسمية ايجاد حل سريع لهؤلاء وهذا التباطؤ وجدولة الوقت،والتعامل بأعتبار ان كل شيء سوف يمر،امر مؤسف،لاننا قد نرى غدا تداعيات كثيرة لدخول الشتاء على هؤلاء وهم في منطقة لاترحم صيفا ولاشتاء.

هي دعوة ايضا الى العالم العربي الذي يندد ليل نهار ببشار الاسد ونظامه المجرم،ألا يترك السوريين فرادى في هذه المحنة، وكأن المطلوب هتك دم السوري مرتين،الاولى على يد النظام،والثانية بسبب مصاعب اللجوء، وهذا يقول ان على هذه الدول مساعدة الاردن في ملف اللاجئين، عبر حلول كثيرة،خصوصا،ان الوقت ينفذ،وغدا قد نراهم يغوصون في الطين، ويعانون من الامراض.

لابد من حل سريع جدا،حتى لايتحول اللجوء الى فخ وقعوا فيه لاعتبارات عدة،فما بالنا حين يكونون من امتنا واهلنا، ومحسوبين علينا بخيرهم وشرهم،لان الدم لايصير ماء،في نهاية المطاف،حتى لو اغرقهم الشتاء بمائه المدرار.

التاريخ : 13-10-2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

جنون السلطة وهامشية التنحي في سورية

طلال المَيْهَني *

السبت ١٣ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

تُشَكّل السلطة السورية القائمة حالةً فريدةً في دمويّتها في التاريخ الحديث للأمم والشعوب. فقد رفضتْ، تمشّياً مع عادة الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط، كل المطالب بتسليم السلطة طوْعاً حفاظاً على بنية الدولة السورية. لكن هَوَسَها بكرسي الحكم دفع بها إلى التمسك به بطريقةٍ مَرَضِيّةٍ تعكس اضطراباً صارخاً على مستوى المحاكمة، ومقاربةً مشوهةً يبدو فيها الشعب كقطيعٍ من العبيد، والجمهورية كإقطاعيةٍ يتم توريثها. ومنذ اللحظات الأولى اتّبَعَتْ هذه السلطة أكثر الخيارات تطرفاً وعنفاً، وزجّت بالجيش، الذي يفترض به أن يدافع عن حدود الوطن، في حربٍ مدمرةٍ في مواجهة شعبها المنتفض. وكان من نتيجة ذلك أن تحوّل قطاعٌ من السوريين، بعد أن فقدوا كل ما يمكن أن يفقدوه، وبعد أن خسروا العزيز والمأوى والمستقبل، إلى شرائح مكلومةٍ تقودها الغرائز، ومشاعر الألم، والرغبة في الانتقام. كما أيقظتْ هذه السلطة، وبساديّةٍ قلّ نظيرها، ثقافة العنف وضخّمتها بطريقةٍ ممنهجة لتتقاطع مع عناصر مناطقية أو طائفية أو غيرها.

وهكذا غدا الصراع صراعاً وجودياً مسلحاً، لتتحوّل البلاد في سياقه إلى ساحةٍ مفتوحةٍ على كل التدخلات الخارجية السافرة، وتتم فيها استباحة الإنسان السوري، وذاكرة الإنسان السوري، ومستقبل الإنسان السوري من خلال التدمير الممنهج للبنى التحتية، والمرافق الاقتصادية، والتجمعات السكنية، ولم تسلم حتى الأوابد الأثرية. وها هم «المتطرفون» يتنادون من كل حدبٍ وصوبٍ إلى دخول البلاد، للمشاركة في حربٍ مقدّسةٍ ساهموا هم، والسلطة السورية، في خلقها ورسم أبعادها في ذهنيتهم المحدودة المغرقة بالدماء، والمشبعة بثقافة الموت.

وتكثر وسط هذا المشهد السوري المؤلم دعواتٌ باهتةٌ من هنا أو هناك لتنحي رئيس الجمهورية، وتسليم السلطة إلى حكومةٍ انتقالية. والسؤال المطروح: هل سينهي تنحي بشار الأسد الصراع الدائر في البلاد؟ ربما كان الجواب «نعم» لو تم ذلك بطريقةٍ هادئةٍ منذ بدايات الحراك الشعبي. أما الآن فكل التحليلات تشير إلى أن التنحي لن يؤثر عملياً في المسار المؤلم للأحداث. فقد أوصل هذا الشخص، ومعه سلطته فاقدة الأهلية ونظامه المستبد، البلاد إلى مرحلةٍ تجاوزنا فيها، وبكل أسى، احتمالات الانتقال السلس والآمن للسلطة، والمحافظة على بنية الدولة السورية، وضمان التعايش الأهلي بين السوريين. فحالة البغض والحقد بين مختلف الشرائح الاجتماعية، وحالة الاستقطاب السياسي والعنفي، وحالة الدمار والخراب، تكتسح البلاد طولاً وعرضاً. ويعطي ما سبق لدوامة العنف مقوّماتها الذاتية والمستقلة التي تضمن ديمومتها حتى لو حدثتْ تغييراتٌ جذريةٌ وكاملةٌ في بنية السلطة القائمة.

والسؤال الأهم: هل هذه الدعوات للتنحي منطقيةٌ وقابلةٌ للتحقيق؟ في الحقيقة يبدو أن مُطْلِقي هذه الدعوات إما جاهلون لطبيعة النظام السوري، أو أنهم متجاهلون لهذه الطبيعة. وعليه تصبُّ هذه الدعوات، في أحسن الأحوال، في خانة التسويق والتلميع الإعلامي، ولا تعدو كونها كلاماً لذرّ الرماد في العيون في الوقت المستقطع.

وسواء بقيت السلطة الحالية أم لا، فإن ذلك لن يمنع التحوّل والتفكك التدريجي للنظام (كما يحدث الآن) إلى ميليشياتٍ جانحةٍ تقاتل وجودياً وفي شكلٍ مستقل حفاظاً على بقائها، وعلى مصالحها الفاسدة. وفي الطرف المقابل سنجد تكاثراً لميليشيات المعارضة مع ولاءاتها العابرة للحدود بناءً على التمويل أو التسليح أو الإيديولوجيا. وفي ظل عدم وضوح أعداد وبنية وقيادات هذه الميليشيات من كل الأطراف، وفي ظل حالة التخبّط وغياب الإجماع الإقليمي والدولي، يصبح الحديث عن حلولٍ قريبةٍ ضرباً من الخيال، مما يعني استمرار معاناة الشعب السوري، واستمرار استنزاف الدولة السورية.

وبكل أسى، ومع استمرار الصراع العنفي، باتَتْ سورية تُذْكر إلى جانب أسوأ النماذج التي مرّت على البشرية خلال العقود القليلة الماضية، حيث بدأنا بالحديث عن أَفْغَنَة سورية، وصَوْمَلَة سورية، وبَلْقَنَة سورية. تبقى حقيقةٌ واحدةٌ مؤكدة وسط هذا الألم، هي أن أطراف الصراع المسلح، وفي مقدمها النظام المستبد، وعلى رأسه السلطة القائمة، ستدخل التاريخ من أكثر أبوابه المظلمة، لتكون نقطة علامٍ مغرقةٍ في بشاعتها في ذاكرة المنطقة والعالم، ومثالاً صارخاً، في القرن الواحد والعشرين، على وحشيّة وهمجيّة الإنسان حين يتجرد من أخلاق الإنسان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لعبة الأمم في دمشق

عبدالعزيز التويجري *

السبت ١٣ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

هل تريد القوى الكبرى أن تستمر الأوضاع في سورية على ما هي عليه، فلا النظام يفلح في قمع الثورة، ولا الثوار ينجحون في إسقاط النظام، لأن مصلحتها المتوهّمة تتطلب ذلك. ثمة مؤشرات كثيرة تؤكد للمراقبين أن اتفاقاً على نحو ما، قد تم بين واشنطن وموسكو، يقضي بعدم الحسم في حل الأزمة التي يعاني منها الشعب السوري، حرصاً منهما على قطع الطريق على القوى التي يزعمان أنها يمكن أن تخلط الأوراق وتنتهز الفرصة، للوثوب إلى السلطة في حال سقوط النظام، على اعتبار أن هذه القوى المزعومة لن تضمن المصالح الأميركية والروسية، وقبل ذلك المصالح الإســرائيلية إذا ما أسقطت النظام واستولت على الحكم.

ويرى بعض المراقبين، ورأيهم هذا له وجاهته وتعززه قرائن كثيرة، أن طهران التي أصبحت صاحبة القرار في النظام السوري الاستبدادي، تؤيد، من وراء الستار أو من أمامه، هذا الاتفاق السري، أو لنقل الاتفاق الضمني، بين واشنطن وموسكو، بالإبقاء على النظام الاستبدادي الإجرامي في سورية إلى أمد قد يطول، بحكم أن المصالح الإيرانية ستبقى محفوظة ما بقي هذا النظام قائماً، وأن تغييره سيكون كارثة بالنسبة الى إيران التي تسعى جاهدة من أجل إبعادها عن مجرد الاحتمال. وهي لن تتردد في التعاون مع أعدائها بمن فيهم (الشيطان الأكبر)، من أجل الحفاظ على مصالحها الحيوية في هذا البلد.

ويذهب مراقبون آخرون، إلى أبعد من ذلك، فيرون أن الاقتراح الذي طرحه وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، باستلام فاروق الشرع نائب الرئيس السوري، زمام الحكم في حال تنحي بشار الأسد، ربما يدخل ضمن هذا الإطار الافتراضي؛ لأن حلول فاروق الشرع محل بشار الأسد لا يعني سقوط النظام، وإنما هو استبدال مسؤول يقال إنّ يديه لم تتلطخا بدماء الأبرياء من الشعب السوري، بحاكم مجرم سفـــاح قاتــل، مع بقاء منظومة الحكم البعثي الاستبدادي من دون تغيير. وهذا ما يحقق أحد الأهداف المتوخاة من الاتفاق الضمني بين القوتين الكبيرتين على عدم الحسم في المرحلة الحالية، بما يسقط النظام بجميع أركانه ومتعلقاته.

وفي كل الأحوال، فإن الخاسر الأكبر، سيكون الشعب السوري الذي طالت معاناته في الداخل والخارج، بعدما بلغ عدد القتلى أكثر من أربعين ألف مواطن سوري، وعدد اللاجئين السوريين (وهذا مصطلح جديد يدخل أدبيات السياسة في العالم العربي) نصف مليون مواطن سوري، ووصل عدد النازحين الذين فروا من المعارك الإجرامية التي حاصرتهم في مدنهم وبلداتهم وقراهم، إلى مناطق أخرى داخل الوطن، إلى ثلاثة ملايين مواطن سوري.

إن هذا التردد المريب الذي يطبع السياسة التي تنهجها القوى الكبرى تجاه الأزمة السورية المتفاقمة المطردة في الانفجار، وهذا التخاذل المشبوه منها في حق الشعب السوري المغلوب على أمره والمتآمر عليه من أكثر من جهة، يؤكدان بالوضوح الكامل، أن المجتمع الدولي يعيش أزمة سياسية وقانونية وأخلاقية خانقة تؤرق الضمير الإنساني، مما أصبح العالم معه مهدداً في أمنه وسلامه، هذا إذا كان هنالك أمن وسلام حقيقيان على الأرض.

التفكير في القضية على هذا النحو، وبهذا المنطق الواقعي الصادم، يذهب بنا إلى ما يتردد في محافل كثيرة، من أن الولايات المتحدة الأميركية تنظر بعين الارتياح إلى الموقف الذي تتخذه جمهورية روسيا الاتحادية في مجلس الأمن، تجاه الأزمة باستخدامها حق النقض (الفيتو)، لأنها بذلك تعفي غريمتها من الانجرار إلى اتخاذ موقف حاسم إزاء الأزمة هي لا تريده، لأنه سيلحق ضرراً بمصالحها الداخلية والخارجية.

فهل نحن بإزاء «خداع دولي» تمارسه القوتان الكبيرتان على المسرح العالمي أمام مرأى المجتمع الدولي ومسمعه؟ وهل بات الشعب السوري ورقة للمساومة في سوق السياسة الدولية (كدت أقول سوق النخاسة الدولية) يباع ويشترى في غياب أي التزام بالقوانين الدولية، بهذه الطريقة التي تتناقض مع المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية؟ ولكن متى كانت السياسة الدولية تعرف الأخلاق؟

لقد اتضح أن الكبار لا يريدون إنهاء الأزمة في سورية، على النحو الذي يحقق أهداف الشعب السوري المنتفض في وجه الظلم والجور والعدوان والقمع والاستبداد. إنهم يخشون أوهاماً تسيطر عليهم، إذ يزعمون أن النظام الحالي سيرعى مصالحهم في حين أن أي نظام آخر مجهول لن يحفظ لهم تلك المصالح. إنهم يلعبون «لعبة الأمم» التي يبدو أنها إحدى الحقائق الثابتة في السياسة الدولية التي تهيمن عليها القوى الكبرى المتحكمة في إدارة شؤون العالم.

ولكن الحقائق الدامغة هي تلك التي تنبثق من إصرار الشعب السوري على المضي قدماً في انتفاضته، فارضاً إرادته القوية الحرة، ومفسداً على الكبار لعبتهم القذرة. فهل يعي العرب هذه الحقيقة الصادمة، ويتحركون لإنقاذ سورية وإنقاذ أنفسهم من خطر كبير محدق بهم؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

طائرة من دون طيار تغطية لقتل السوريين!

علي حماده

2012-10-13

النهار

عندما خرج الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله معلنا ان الطائرة بدون طيار التي حلقت في اجواء اسرائيل اطلقها الحزب، وهي من صنع ايراني، وقد حلقت وصولا الى مسافة ليست ببعيدة عن مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب، فهم المراقبون ان الامر لا يتصل بحملة علاقات عامة يقوم بها الحزب بضعة ايام بعدما اضطر الى الكشف عن تورطه في سفك دماء السوريين من خلال تشييع احد قادة الحزب العسكريين الذي قتل في معارك في محيط مدينة قصير السورية. ثم اتى انفجار احد مخازن الذخيرة والاسلحة في بلدة النبي شيت البقاعية حيث سرت رواية سربتها جهات امنية لبنانية مفادها ان الانفجار ناجم عن عملية تخريبية يحتمل ان تكون من صنع الاسرائيليين!

تتمة الرواية ان "حزب الله" رد بتطيير الطائرة من دون طيار في اجواء اسرائيل والاعلان عن ذلك بلسان نصرالله شخصيا لاصابة هدفين في وقت واحد : الاول الرد على العملية الاسرائيلية بخرق خط "تفاهم" ضمني قضى بعدم الاستفزاز المتبادل وعدم خرق قواعد الاشتباك التي رست في اعقاب حرب تموز ٢٠٠٦. الثاني وربما الاهم، حرف الانظار اللبنانية والعربية عن تورط الحزب في القتال على الساحة السورية، والتذكير بأن الحزب هو مقاومة ضد اسرائيل، وخصوصا ان الكلفة المعنوية كبيرة جدا ان في الداخل السوري، او في الشارع العربي الذي خدع بحرب تموز الى حد علقت صور السيد حسن نصرالله في البيوت والاماكن العامة، ثم هبطت شعبيته لتصل جراء انكشاف تورط "حزب الله" وانغماسه في سفك دماء السوريين نصرة للنظام الى الحضيض. وليس من قبيل المبالغة الزعم أن ملايين العرب من المحيط الى الخليج يضعون اليوم "حزب الله" وايران ونظام بشار الاسد بالمرتبة نفسها لاسرائيل. هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها. ومن يشك في ذلك فلينزل الى الشارع في القاهرة او طرابلس الغرب او تونس او الجزائر او الرباط او الرياض او عمان او صنعاء وصولا الى الشارع السوري بسواده الاعظم.

في مطلق الاحوال، لا نعرف درجة تطور الطائرة من دون طيار. ولكننا نعرف انها ايرانية تتحكم فيها طهران قرارا وهدفا. ومن هنا قد يكون رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي احس أن الطائرة، وكلام نصرالله، هما في مكان ما صفعة له، وازدراء بمواقفه، وبطاولة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، فاصدر موقفا تضمن ردا سريعا ومباشرا حول الموضوع.

ايا يكن. الامر، فإن المراقب لا يسعه سوى ان يلحظ من دون كبير عناء كيف ان "حزب الله" صار اشبه بالقلعة المحاصرة، ان بسبب مخاض ولادة سوريا جديدة معادية له ولراعيه الايراني، او بسبب سقوط قناع ما يسمى "المقاومة" عن وجهه وطبيعته ودوره ووظيفته في اذهان ملايين العرب والمسلمين من الفيليبين شرقا الى ضفاف الاطلسي غربا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما سرّ الصمت الدولي عن حادث الطائرة؟

تضخّم إقليمي لا يرقى إلى حرب

روزانا بومنصف

2012-10-13

النهار

لفت مراقبين سياسيين انه بعد اسبوع كامل على حادثة اختراق طائرة استطلاع الاجواء الاسرائيلية وتدميرها من اسرائيل باعتبار انها حصلت يوم السبت الماضي في السادس من شهر تشرين الاول الجاري، لم يصدر اي تعليق من اي نوع كان من اي دولة غربية ولا من الولايات المتحدة الغارقة في شأنها الانتخابي لكن المهتمة بشؤون المنطقة والتوتر التركي السوري، ولا من اوروبا الدائمة القلقة على امن جنودها المشاركين في القوة الدولية العاملة في الجنوب على الحدود بين لبنان واسرائيل والمتخوفة من اي تصعيد محتمل قد يذر بقرنه في اي لحظة. ففي حال مماثلة كانت تنهال التعليقات الغربية الرافضة اولا انتهاك القرار 1701 ما دام ارسال طائرة من لبنان الى اسرائيل يخرق بنود هذا القرار والرافضة ثانيا اي احتمال قد يشتمّ منه اثارة عوامل قد تفتح الباب على تصعيد امني او عسكري بين البلدين، خصوصا ان الاوضاع في المنطقة تبقي المجتمع الدولي يقظا ومتحفزا بازاء اي تحريك للوضع قد يؤدي الى اهتزاز الاستقرار في المنطقة. ولا يعتقد هؤلاء ان الانشغال الدولي بالمستجدات على الحدود بين تركيا وسوريا شكل عائقا امام ابراز الرأي في الشأن الحدودي اللبناني الاسرائيلي بل كان ليشكل حافزا اضافيا نظرا الى عدم وجود اي رغبة دولية بالمزيد من التشتت والتدهور في المنطقة. وهو الامر الذي دفع بهؤلاء المراقبين الى التساؤل عما اذا كان الحادث ككل خضع للتضخيم والتوظيف من الجانبين المعنيين اي من جانب كل من اسرائيل و" حزب الله" نظرا الى وجود مصلحة مباشرة لكل منهما في التضخيم لاسباب داخلية وخارجية على حد سواء كما في التوظيف للاعتبارات نفسها. فاسرائيل تجد مصلحتها في تكبير حجم المخاطر التي تتهددها عبر حدودها مع لبنان والحزب يكسب شعبيا لدى جمهوره وربما يحاول استعادة شعبية عربية ما في استهداف اسرائيل ايا كان نوع هذا الاستهداف. كما ان هناك مصلحة لايران ايضا واساسا في استغلال الحادثة خصوصا ان ايران كانت اول من قفز على المناسبة من خلال اعلان احد المسؤولين الايرانيين ان خرق طائرة استطلاع من دون طيار الاجواء الاسرائيلية هو ابرز دليل على فشل المنظومة الدفاعية الاسرائيلية المعروفة بالقبة الحديدية ولها اعتباراتها ايضا في تأكيد استمرار وجود يد طويلة لها تصل الى اسرائيل على رغم الضغوط التي تواجهها من جهة والحرب السورية التي تهدد نفوذها في المنطقة من جهة اخرى. في حين تضع الدول الغربية ثقتها في القوة الدولية العاملة في الجنوب التي كانت اعلنت نفي "علمها او رصدها عبور اي طائرة استطلاع من الاجواء اللبنانية باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة". اذ قال الناطق الرسمي باسم هذه القوة بعد ثلاثة ايام على حادث اسقاط طائرة الاستطلاع ان "اليونيفيل التي تراقب الاجواء في اطار عملها ومهماتها ووجودها برا وبحرا لا يوجد لديها اي معلومات عن هذا الامر". وتاليا فان المسألة تحتاج الى رصد ابعد من المواقف المعلنة من جانب اسرائيل او من جانب الحزب في هذا الاطار باعتبار ان التقارير التي ترفعها اليونيفيل هي ما يعتمد في نهاية الامر امام الامم المتحدة والدول الاعضاء. وهو الامر الذي يثير تساؤلات من نوع ما مقدار الصحة في التقارير التي تحدثت عن اسقاط اسرائيل طائرة استطلاع "متطورة" في الدرجة الاولى وهل ثمة معلومات لا تزال غامضة وغير واضحة في شأنها ومن يملك الاجوبة الدقيقة على ذلك أهي القوة الدولية العاملة في الجنوب ام غيرها من الافرقاء؟ ما هو الهدف من توقيت ارسال طائرة استطلاع فوق الاجواء الاسرائيلية وما الذي كانت تنوي استدراجه في هذا الاطار اي: هل هو تكبير حجم المخاطر الاقليمية الناتجة عن الحرب في سوريا او اظهار عدم التأثر با نعكاساتها في معرض التأكيد ان لا شيء قد تغير في حيثيات ما يسمى محور الممانعة او ايضا استكمال حلقة الاهتزازات في الدول المجاورة لسوريا على قاعدة ما كان اعلنه الرئيس السوري بعد اشهر قليلة على بدئه الحرب على معارضيه من ان اهتزاز سوريا سيهز المنطقة كلها.

كما توقف المراقبون المعنيون امام اعلان قائد القوات الدولية باولو سييرا على اثر الانباء عن اسقاط طائرة الاستطلاع فوق اسرائيل ان السنوات الست الاخيرة كانت الاكثر هدوءا في جنوب لبنان على نحو يدحض الحادث بطريقة غير مباشرة كما يدحض وجود نية من اي من الافرقاء في اسقاط هذا الهدوء. وهو امر تبدو كل الاوساط السياسية في لبنان مؤمنة به اكثر من اي وقت نظرا الى وجود اقتناع متزايد بان لا مصلحة لدى "حزب الله" في شكل اساسي، حتى مع تبني امينه العام السيد حسن نصرالله ارسال طائرة الاستطلاع الى الاجواء الاسرائيلية التورط في حرب مع اسرائيل راهنا نظرا الى المخاطر التي تنطوي عليها لجهة احتمال ان تكون اي حرب مقبلة بين اسرائيل والحزب أخر الحروب بالنسبة الى الحزب في ظل المؤشرات الراهنة التي تتجه اليها المنطقة في حين ان لديه الكثير لكي يخسره على مستويات متعددة في حال نشوب حرب جديدة في الجنوب علما ان اي حرب مقبلة لن تقتصر على الحزب وحده وتطاول لبنان ككل على نحو مدمر.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

العراق عاد إلى روسيا

سميح صعب

2012-10-13

النهار

كانت صفقة الاسلحة التشيكية التي عقدها عبد الناصر اواسط الخمسينات بداية انتقال مصر من المعسكر الغربي الى المعسكر السوفياتي. فهل تكون صفقة الاسلحة الروسية التي عقدها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مع موسكو بداية لانتقال العراق من المعسكر الاميركي الى المعسكر الروسي الذي بدأ يتبلور مع حضور الاستقطاب الاقليمي والدولي حول الأزمة السورية؟

كل المؤشرات تدل على ان المالكي يسعى الى اعادة بعث الحياة في العلاقات التاريخية التي كانت تربط موسكو وبغداد في فترة الستينات والسبعينات وصولاً الى الثمانينات وانهيار الاتحاد السوفياتي ودخول الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في مغامرة اجتياح الكويت. وثمة ظروف اقليمية ودولية تساعد على احياء العلاقات العراقية - الروسية، من الازمة السورية والمضاعفات المترتبة على دول الجوار من جرائها. ومن الواضح ان الموقفين الروسي والعراقي منسجمان الى ابعد الحدود في ما يتعلق بتوصيف الازمة ومن ثم بالحلول المقترحة للمعالجة.

ولعل التروي العراقي حيال الازمة السورية وعدم الانسجام في المواقف مع بقية الدول العربية وتركيا، عمّق الهوة التي تفصل اصلاً بين بغداد من جهة والولايات المتحدة ومصر ودول مجلس التعاون وتركيا من جهة أخرى. فالعراق يشعر بوطأة الازمة عليه ويحاول تدارك قيام دولة سنية متشددة في جواره قد تعيد احياء الصراع المذهبي في الداخل العراقي. ولا تبتعد موسكو كثيراً عن هاجس تشكيل سوريا منطلقاً لموجة من التطرف الديني ستتردد اصداؤها في القوقاز وداخل روسيا. وهذا ما يتجاوز كثيراً قضية الحفاظ على قاعدة عسكرية شبه مهجورة في طرطوس.

فالهم الاصولي يؤرق موسكو بالقدر الذي يؤرق بغداد. ولا يبدو ان الهجوم الذي شنه المالكي على تركيا ووصفه تصرفاتها بـ"الوقحة" من قلب موسكو، الا دليلاً على الاستياء العارم الذي يشعر به رئيس الوزراء العراقي من السياسة التركية حيال بلاده اولاً وحيال الازمة السورية. وقبل موسكو استرعى الانتباه ان الحكومة العراقية طلبت من تركيا انهاء وجودها العسكري في شمال العراق الذي تستغله انقرة من اجل شن هجمات على مقاتلي "حزب العمال الكردستاني". ولم يتأخر الجواب الاميركي - التركي على زيارة المالكي ومؤشرات الانسجام الروسي - العراقي، فكان اعتراض طائرة الركاب المدنية السورية الآتية من موسكو، بمثابة رسالة احتجاج مزدوجة الى بغداد وموسكو.

وبالتزامن مع الموقف التركي، كان وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا يؤكد من مقر حلف شمال الاطلسي في بروكسيل انباء صحافية عن وجود جنود اميركيين في الاردن بالقرب من الحدود السورية تحت غطاء مساعدة اللاجئين السورين الهاربين من القتال ولمراقبة الاسلحة الكيميائية السورية. وكأن بانيتا أراد بهذا الاعلان افهام المالكي ان الولايات المتحدة تملك بدائل من العراق في احتضان وجودها العسكري.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خيرالله خيرالله / ميزة الأداة التي اسمها ميشال عون...

الرأي العام

13-10-2012

يصعب التأريخ للاحداث التي مر بها لبنان منذ توقيع اتفاق الطائف في خريف العام 1989 من دون التوقف عند الذي حصل يوم الثالث عشر من اكتوبر 1990.

يومذاك سمحت الولايات المتحدة للنظام السوري بالانتهاء من تمرّد العماد ميشال عون الذي جاء به الرئيس امين الجميّل الى قصر بعبدا ليكون رئيسا موقتا لحكومة هدفها الاعداد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. كان ذلك خطأ من الاخطاء التي ارتكبها امين الجميّل الذي اعتقد ان عون سيعمل على انتخاب رئيس للجمهورية بعدما تعذّر ذلك قبل انتهاء الولاية الدستورية للرئيس اللبناني. احترم امين الجميّل الدستور وخرج من قصر بعبدا يوم انتهاء ولايته وترك لعون، الذي كان قائدا للجيش، العمل كرئيس موقت لحكومة مهمّتها انتخاب رئيس جديد.

ما دفع الولايات المتحدة الى السماح للنظام السوري باستخدام سلاح الجوّ في لبنان انضمام الاسد الاب الى التحالف الدولي الذي سيتولى لاحقا اخراج صدّام حسين من الكويت التي احتلّها جيشه في الثاني من اغسطس 1990.

من الناحية النظرية، لم يكن ميشال عون في تلك المرحلة سوى اداة من ادوات صدّام حسين، الذي وفّر له كلّ الدعم في سياق سياسة عراقية تتميّز اول ما تتميز بالغباء وقصر النظر وجهل بالتوازنات الاقليمية والدولية.

كان عون في واقع الامر اداة سورية تؤدي الدور المطلوب منها في كلّ وقت من الاوقات ومتى تطلّبت المصلحة السورية ذلك. هل من خدمة للنظام السوري، في العامين 1989 و1990، اكبر من خدمة ادخال الجيش اللبناني، الذي كان على رأسه ميشال عون، في مواجهة مع «القوات اللبنانية» التي لم تكن، وقتذاك، سوى ميليشيا من الميليشيات اللبنانية، وذلك بهدف اخضاع المناطق المسيحية كلّها للنظام السوري لا اكثر ولا أقلّ؟

دخل ميشال عون قصر بعبدا بطريقة شرعية وخرج منه بشكل مذلّ اذ فرّ الى منزل السفير الفرنسي بعدما عمل كلّ ما يستطيع من اجل خدمة النظام السوري الذي استطاع يوم 13 اكتوبر 1990 الدخول للمرّة الاولى منذ استقلال لبنان الى مقر رئاسة الجمهورية في بعبدا والى وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة.

ادّى ميشال عون المطلوب منه في مرحلة معيّنة ثم لجأ الى فرنسا بعدما امضى فترة في حماية السفير الفرنسي في لبنان وكان اسمه رينيه آلا. تلك باختصار قصة ميشال عون الذي حال دون دخول الرئيس رينيه معوّض، المنتخب شرعيا رئيسا للبنان بعد اقرار اتفاق الطائف، الى قصر بعبدا. احتلّ «الجنرال» قصر بعبدا حتى اكتوبر 1990. حال دون وصول رينيه معوّض اليه كي يسهل اغتياله على يد النظام السوري الذي رفض في العمق اتفاق الطائف وسعى الى تطبيقه بالطريقة التي يريدها. كان رينيه معوّض عقبة في وجه تطبيق اتفاق الطائف على الطريقة السورية. ولذلك كان لابدّ من التخلّص منه يوم الثاني والعشرين من نوفمبر 1989. لم يكن مطلوبا التخلّص من رينيه معوض فحسب، كان مطلوبا ايضا ان تكون المناطق ذات الاكثرية المسيحية في لبنان تحت سيطرة الجيش السوري. هذا ما استطاع ميشال عون تأمينه في الثالث عشر من اكتوبر 1990 عندما مكّن الجيش السوري من دخول قصر بعبدا ووزارة الدفاع.

الى الآن، لم يتغيّر شيء في لبنان. لا يزال ميشال عون اداة سورية. ربّما كانت ميزته الوحيدة مقارنة مع الادوات الاخرى انه قابل لإعادة التأهيل من جهة وللتنقل بسهولة لا توصف بين الحضنين السوري والايراني من جهة اخرى. انه يصلح لكلّ المناسبات والفصول ما دام الهدف تهجير اكبر عدد من اللبنانيين من لبنان.

تشير الارقام الى ان اكبر هجرة للبنانيين في العصر الحديث، وللمسيحيين خصوصا، حصلت في مرحلة وجود ميشال عون في قصر بعبدا بين العامين 1988 و1990. تلت ذلك هجرة اخرى في 2006 و2007 عندما افتعل «حزب الله» حربا مع اسرائيل ثمّ انطلق من هناك للاعتصام في الوسط التجاري لبيروت استكمالا للحرب الاسرائيلية على لبنان. كان ميشال عون، ولا يزال الى اليوم، الحليف الاوّل لـ«حزب الله» الايراني في عملية تدمير لبنان وافقار اللبنانيين وتهجيرهم ونشر البؤس وتدمير مؤسسات الدولة. لا استعمال يذكر له الاّ في هذا الحقل الذي برع فيه على نحو استثنائي.

كلّما مر يوم يتبين مدى الاذى الذي الحقه ميشال عون بلبنان واللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم. يكفي انّه سمح للجيش السوري في مرحلة ما بعد 1990 بوضع يده على كلّ الاراضي اللبنانية كي لا يعود هناك ملجأ لمعارض، او حتى لمعترض مسيحي او مسلم على الوصاية السورية.

في السنة 2012، يتابع هذا الشخص مسيرته الهادفة الى تفتيت الوطن الصغير. لا شكّ انه مؤذ لبلده ومواطنيه. لكنّ ما يدفع الى بعض التفاؤل ان كلّ رهاناته كانت خاطئة. راهن على صدّام حسين وهو يراهن الآن على بشّار الاسد وعلى «حزب الله». رهانات ميشال عون تشير الى ان الرجل مريض، لكنّ المشكلة في ان لبنانيين مسيحيين ما زالوا يؤمنون به. هل هذا ذنبهم ام ذنبه... ام ذنب انعدام الثقافة السياسية لدى كثيرين اعمتهم الطائفية والمذهبية والغرائز البدائية لا اكثر ولا اقلّ؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التصاعد التدريجي للمأزق السياسي الروسي

2012-10-13 12:00 AM

الوطن السعودية

أن تتعرض بحسب ادعاءات الخارجية الروسية حياة 17 روسيا للخطر من ركاب الطائرة السورية التي أنزلتها تركيا وفتشتها قبل أيام، ثم تستنفر القيادة الروسية كل طاقاتها وتشن حملة إعلامية ضد تركيا، فإن التساؤل ينطلق عن غياب "إنسانية" روسيا عند استخدامها"الفيتو" في مجلس الأمن لحماية النظام السوري مما ساعده على قتل عشرات الألوف من المدنيين، وكأن حياتهم لا تساوي شيئا مقابل "لحظة خوف" اعترت ركاب الطائرة الروس.

ومن الغرابة أيضا أن يتحدث بيان الخارجية الروسية عن عدم تزويد الركاب الروس بالطعام، وكأن روسيا "الحنونة" لم تتسبب بحمايتها للنظام السوري واستخدامه لأسلحتها المدمرة في تشريد وتجويع ملايين السوريين.

إلى ذلك، كثيرة هي الأسئلة التي تستدعيها حادثة تفتيش الطائرة والموقف الروسي من الحدث، لعل في مقدمتها السؤال عن مهمة الروس المسافرين إلى دمشق، فهل رحلتهم كانت سياحية إلى بلد مضطرب لا يأمن أهله فيه على أنفسهم، أم لتقديم خبرات عسكرية للقيادة السورية للاستمرار في قمع الثورة، أم مهمتهم استخباراتية، أو تجارية، وإن كانت كذلك، فما الذي سوف يتاجرون به في بلد أضاعت قيادته اقتصادياته، وصار وقف القتل أول ما يحتاجه مواطنوه؟

أياً كان تبرير روسيا لأسباب سفر مواطنيها إلى سورية، فالمسألة مشبوهة في هذه الظروف. ويزيد من هذا الاحتمال الاتفاق الروسي السوري على التصريح بأنه لا توجد أسلحة أو أجهزة عسكرية على متن الطائرة، فيما أكد رئيس الوزراء التركي أن الطائرة تحمل ذخائر روسية الصنع تخص وزارة الدفاع السورية. فهل النفي تصرف استباقي لمنع تركيا من التكرار، أم أن هناك شيئا خطيرا، وروسيا تضغط على تركيا كي تتكتم، ولا تكشف الأوراق؟

كل المؤشرات تقول إن روسيا في مأزق سياسي يتصاعد تدريجيا بسبب حمايتها للنظام السوري، فإذا كانت روسيا تريد الخروج من الورطة فما عليها سوى الضغط أولا لمنع القتل في سورية ثم مساعدة المجتمع الدولي لدعم إنشاء حكومة انتقالية تعيد الاستقرار إلى البلاد، ليبدأ مشوار إعادة بناء ما دمره النظام، وهو كثير جدا بسبب إصراره على البقاء في الحكم بمساندة روسيا في مجلس الأمن وخارجه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الديمقراطية والحريّـات

شتيوي الغيثي

عكاظ

13-10-2012

بعد اندلاع الثورات الشعبية في أكثر من دولة عربية بعضها نجح في إسقاط الحكم وبعضها الآخر كما هو معروف مازال يكافح بالدم لإنهاء أنظمة الاستبداد. كان التحدي الذي يواجه تلك الشعوب والأحزاب التي نافست على الحكم بالطريقة الديمقراطية ليس هو إسقاط الأنظمة كونها سقطت بأسرع مما كنا نتوقع بل هو في ما بعد العمل الديمقراطي أي بعد الاستقرار السياسي الذي لابد أن ينبني الحكم الجديد عليه لبناء الوطن والإنسان أو الثورة من جديد إذا لم تيأس الشعوب.

من المعروف والمتوقع أن الأحزاب ذات التوجه الإسلامي هي التي سوف تفوز أو فازت في أنظمة الحكم الجديدة وليس في ذلك من ضير في المفهوم الديمقراطي الذي يؤمن بإرادة الشعوب. هناك من يشترط أولية الوعي السياسي على الديمقراطية بحيث يعتبر أن وصول بعض الأحزاب ذات التوجهات اليمينية يمكن أن يتحقق في ظل الديمقراطية مما يمكن أن يسيء لها وهذا صحيح من جانب، وقد حصل مثلا في الديمقراطية الألمانية التي أوصلت هتلر.. لكن السؤال: هل بقي الوضع كما هو عليه؟، برأيي أن الديمقراطية يمكن لها أن تعلمنا مبادئها حيث الممارسة السياسية التي لابد منها وحيث الوعي الشعبي الذي سوف ينتج من خلالها وإلا فإنها سوف تكون تجربة سيئة سوف تستفيد منها الشعوب لا محالة على الأقل في تبيان حقيقة تلك الأحزاب اليمينية لكن هذا لا يمنعنا من قبول النتائج الديمقراطية مادام أنها جاءت بالإرادة الشعبية.

إنضاج التجربة (أي تجربة) لا يعني انتظار اكتمالها بعد اكتمال التنظير الفكري فيها؛ بل يعني ممارستها وتصحيحها من الداخل في كل مرة. العمل الديمقراطي يدور في نفس عجلة تلك التجارب. هناك الكثير مما يمكن عمله في الديمقراطية خاصة من جانب العمل على مبادئها، ولعل أهم مبدأ هو مفهوم الحريات الذي هو السؤال الحقيقي داخل العمل الديمقراطي، فسؤال: (كيف هو مصير الحريات؟) كان لابد أن يكون هو السؤال المحفز كثيرا على العمل والنقاش والجدل الفكري والعملي المتداول.

وكما قلت في مقال سابق فإن الخطاب الإسلامي يهتم بإبراز الحريات السياسية دون الحديث عن الحريات الأخرى التعبيرية أو حقوق الأقليات أو الدينية أو الفردية أو غيرها، وهذا الصمت يجعل علامات الاستفهام تلوح كل مرة في الحديث عن وصول الإسلاميين إلى الحكم. فالعبرة ليست فيمن يأتي بل العبرة في طريقة الحكم التي سوف تدار. القانون الذي تصوت عليه جميع الأحزاب الإسلامية والقومية والليبرالية هو الحامي في المجال الديمقراطي حيث لن يخضع مطلقا إلى تحكم حزب دون حزب آخر.

الحريات التي ذكرناها راجعة إلى سيادة القانون، وليس إلى سيادة خطاب سياسي أو آخر لكن تطبيق تلك السيادة القانونية هو المحك الحقيقي. فكيف سوف يتم ؟.. هذا مالا نستطيع الإجابة عليه لأنه سؤال مستقبلي، لكن أعتقد أنه ليس من السهولة تجاوز القانون في هذه المرحلة. خاصة أنها مرحلة ترقب أكثر منها مرحلة ثبات سياسي بسبب اكتمال التجربة..

إن الاعتماد على الأكثرية في العمل الديمقراطي لا يخص القانون بل يخص إدارة الحكم.. القانون خاضع إلى التوافق الكلي من قبل الجميع ولذلك فإنه يصعب التحكم فيه من قبل الأحزاب الحاكمة وسؤال الحريات راجع إلى سيادة القانون. لكن كيف صيغة مفردات الحريات التعبيرية أو الدينية أو الأقلية أو الفردية.. هذا ما يحتاج فيه إلى سؤال أو حتى مساءلة فكرية لذات القانون، حتى لا يتم الالتفاف عليه بشكل غير مباشر بحيث يكون استبدادا من خلال القانون نفسه.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com