العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-09-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لن نصدق خامنئي .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 18-9-2014

على رغم قيادتهم التحالف الجديد ضد «داعش» واهتمامهم بترسيخه وتوزيع المهمات على أعضائه، يحافظ الاميركيون على الدوران في حلقة مفرغة بدأت قبل أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة هي عمر الانتفاضة السورية، متنقلين بين جملة من التناقضات التي تكشف عدم رغبتهم في حسم هذا الملف، طالما ان الروس والايرانيين متورطون فيه. وتبقى المعادلة التي يعملون بها هي نفسها: لا تسليح للمعارضة ولا إعادة للشرعية الى نظام دمشق، لا قبول بهزيمة المعارضين ولا إسقاط للأسد، بغض النظر عن المستجدات. فهم لا ينظرون الى مصالحهم في العالم بشكل مجتزأ وآني، بل في إطار واسع يستند الى ميزان القوى مع الدول العظمى والاقليمية. يقدمون هنا ويأخذون هناك، يتنازلون في هذه النقطة ويتعنتون في أخرى، يتشددون في أوكرانيا ويتساهلون في الشرق الأوسط...

ولا تشذ المساعدة التي قررها أوباما أخيراً للسوريين عن لعبة التحكم بالخيوط. نصف بليون دولار من المساعدات «غير الفتاكة» سيطير نصفها سلفاً مع الكلفة الإدارية واللوجستية لإيصالها، ويذهب نصفها الثاني، إذا وصل، الى الأيدي الخطأ.

تشمل المساعدة أيضاً «تدريب» مقاتلي المعارضة، لكن هؤلاء يرفعون الصوت: «لا نريد تدريباً ولا رجالاً، فقط اعطونا سلاحاً نوعياً وسنتكفل بإسقاط النظام». غير ان هذا تحديداً ما لا تريده واشنطن الحريصة على توازناتها. ولذا لن نصدق خامنئي عندما يقول انه رفض طلب الاميركيين تعاون بلاده عسكرياً معهم في محاربة «داعش»، فهذا التعاون قائم منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، بل منذ غزو أفغانستان قبل ذلك بعامين، ولا يحتاج الى تجديد مع كل تطور.

لكن الايرانيين ملتزمون دعم النظام السوري الذي ابتكر «داعش» ورعاه وسهل بطرق متعددة تزويده المال والسلاح والرجال، على أمل استخدامه، مثلما حصل، في تطويع السنّة، ابتداء بالعراق، لذا يصبح رفضهم الانضمام الى التحالف ضده تحصيل حاصل.

اما كلامهم عن رفض التعاون فهدفه التعمية على التنسيق الفعلي القائم، ولا علاقة له باستبعاد طهران عن مؤتمر باريس او باشتراط العرب على الاميركيين ألا يؤدي التحالف الى تعويم نظام الأسد، فهم لم يكونوا يتوقعون عكس ذلك.

قال خامنئي انه لا يريد تحويل سورية والعراق الى «باكستان أخرى»، حيث يلاحق الطيران الأميركي قياديي «طالبان» ومعسكراتها، لكنه سبق ان تعاون مع الاميركيين لدى استهدافهم نظام الملا عمر، عندما كان هذا الاخير يشكل تهديداً مباشراً لهم. فكيف لا يصح الآن ما صح آنذاك، علماً ان التهديد «الطالباني» عائد أواخر هذه السنة مع اكتمال الانسحاب الأميركي؟

تستخدم الولايات المتحدة الحرب على «داعش» لتؤكد انها لا تزال تقود العالم وتهندسه، لكنها ليست مستعدة للوصول بها الى النهايات التي لا تتماشى مع مصالحها، وخصوصاً رغبتها في اعادة ايران الى المجتمع الدولي، وهي حددت سلفاً سقف تحركها ضد التنظيم المتطرف من دون ان تعلنه رسمياً: فالضربات الجوية لن تسفر سوى عن إضعاف «داعش» وليس هزيمته، والمساعدات للمعارضة السورية لن تطيح الأسد، والدفاع عن الإقليم الكردي لن يوصله الى مصاف الدولة المستقلة، اما إنقاذ نظام بغداد فله الأولوية، على رغم ما يشاع عن انشغال واشنطن بتلطيف تركيبته الحكومية. اي تعاون اكثر يريد «المرشد»؟

===================

من يقطع رأس «الدولة»؟ .. مرح البقاعي

الحياة

الخميس 18-9-2014

رأى السفير الأميركي الأسبق، دنيس روس، أنّ وضع المملكة العربية السعودية في موقع القيادة من التحالف الدولي الجديد لاحتواء داعش الذي انطلق مؤتمره التأسيسي من مدينة جدة إثر إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجية بلاده لمحاربة تنظيم الدولة في العراق وسورية، «لا يمكنه إلا أن يدعم شرعية الحملة على داعش». وتوجّه السفير روس إلى الدول العربية داعياً إياها إلى توفير الدعمين العسكري واللوجستي اللازمين لتحقيق هذه المهمة الأممية، وكذلك لتعزيز الجهود الاستخباراتية والديبلوماسية وتشجيع العشائر للانضمام إلى القتال ضد تنظيم الدولة.

إنه من نافل القول إن المملكة العربية السعودية تمكّنت من اجتثاث تنظيم القاعدة بشكل ناجع داخل أراضيها، كما أنها قد تكون الوحيدة التي تملك امتيازاً في الصدقية الدينية والشرعية لمقاتلة فصيل سنّي متطرف كتنظيم الدولة ومشتقاته. لكن ما هو دور النظام «الخصم»، إن لم نقل «العدو»، الواقع على الخاصرة السعودية جغرافياً، وفي العمق السوري سياسياً وعسكرياً، من هذا التحالف، ونقصد إيران بطبيعة الحال - الدولة الشيعية الكبرى الأكثر انغماساً في المستنقع الحربي في سورية والعراق، في حين دعيت دولة سنية غير عربية إلى صفوف التحالف، ونقصد تركيا بالطبع؟

هذا على مستوى السعي الدولي المعلن والظاهري من أجل تشكيل نواة تحالف موسّع للقضاء على ظاهرة داعش الإرهابية. أما على المستويات المضمرة، فقد نفت إيران الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام أن اتفاقاً قد أبرم بين طهران وواشنطن، في وقت سابق، لمشاركة طهران في محاربة داعش في العراق... العراق فقط!

وعلى رغم أن النفي العلني في هذه الحالة قد يكون الأقرب إلى تأكيد ضمني لهكذا اتفاق، فإن تناغماً مباغتاً بين دولتين موغلتين في عدائهما السياسي، والعقائدي أيضاً، يثير العديد من الأسئلة، وأهمها:

1- إذا كانت إيران ستحارب داعش في العراق فماذا عن حرب داعش في سورية، وهل ستتحالف إيران في هذا الشأن مع الولايات المتحدة أم مع «النظام السوري»؟

2- ما موقف الولايات المتحدة من النظام السوري وهي تحسبه على رعاية ودعم الإرهاب المنظم، وهل ستدعم بالنتيجة هجوماً مضاعفاً للتحالف على الإرهابيَن النظامي والداعشي في آن، أم أنها ستطلق يد النظام ليهاجم داعش في مناطق انتشاره في الشمال الشرقي السوري، وينجز المهمة عنها، من دون أن تخوض غمار مواجهات غير محسوبة النتائج على الرمال السورية المتحركة؟

3- أين تقف إيران «بيضة القبان» في معادلة مكافحة الإرهاب الدولي مقابل التحالف من جهة، وعلاقاتها الإقليمية مع نظام دمشق والعراق وجزء من نظام لبنان من جهة أخرى؟ هل يمكن أن يُسأل من صنّع الوحش أن يضربه في مقتل؟!

مما لاشك فيه أن الخطة الاستراتيجية التي اقترحها رئيس الولايات المتحدة في اليوم السابق لحضور وزير خارجيته، جون كيري، مؤتمر جدة التأسيسي، قد خلت من رؤية واضحة ومحدّدة لمحاربة داعش في سورية، بينما كانت جلية الملامح بالنسبة إلى العراق. فبداية، لم يتحدث أوباما عن إسقاط النظام السوري، ولم يربط استبداد الأسد السياسي بولادة الاستبداد الديني الذي أقصى مظاهره تنظيم الدولة، بل قال بلغة مواربة وغامضة «إن النظام السوري لن يستعيد شرعيّته من خلال محاربته التنظيم»، وفي هذا إشارة سياسية واضحة أن أوباما إن كان لا يجد في النظام السوري أية مؤهلات لمحاربة الإرهاب والتطرّف الذي تمارسه «الدولة»، فإنه يعتقد بقوة أن احتواء «تمدّد» داعش يمكن أن ينجز بتعاون حلفاء النظام - وفي مقدّمتهم إيران وذراعها الميلشياوي «حزب الله» اللذان هما الأخبر والأعرف ميدانياً، على المستويين القتالي والاستخباراتي، بالأرض السورية وأحوالها منذ أن تحولت الثورة السورية السلمية إلى النضال المسلّح. وما المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، قبيل إطلاق الحملة الأميركية الدولية، وعرضه على الولايات المتحدة التعاون العسكري والاستخباراتي والتحالف العلني للقضاء على «العدو المشترك»، ما هو إلا صورة استباقية لمستقبل وأهداف هذه الحملة التي ستمتد لثلاث سنوات كما أعلن البيت الأبيض.

والأنكى من هذا كله أن الرئيس الأميركي أكّد في إعلانه أن «المعارضة المعتدلة هي القادرة على تحييد داعش» وكأن المهمة الأساس التي يوكلها الأميركيون للمعارضة السورية، باسم دول التحالف الجديد، هو الحلول مكان تنظيم الدولة بعد القضاء عليه، وليس تحييد نظام الأسد والحلول مكانه بعد إسقاطه. وفي اليوم التالي لإعلان أوباما لاستراتيجيته أحال القرار بتسليح وتدريب المعارضة السورية إلى الكونغرس، الذي يسيطر عليه خصومه الجمهوريون المشهورون بتعطيل جلّ مشاريعه، مع أنه سيذهب إلى حربه ضد داعش في العراق من دون العودة إليه، وهذا أصلاً من حقه الدستوري في حالة طوارئ وطنية يتعرض فيها الأمن القومي الأميركي للتهديد والخطر الإرهابي المباشر.

أما المعارضة السياسية السورية فتحوّلت برمّتها ورميمها إلى شيع موغلة في دوامات الفساد المالي والإداري، وأبواق تنعق هنا وهناك، وأخيرها وليس آخرها كان نعيق كمال اللبواني من اسرائيل مدّعياً «تمثيل الشعب السوري في إيصال صوته للعالم» من تل أبيب هذه المرة!

===================

لماذا تمتنع تركيا..وإيران عن مكافحة إرهاب داعش؟! .. يوسف الكويليت

الرياض

الخميس 18-9-2014

    لا يمكن لدولة أو بلد تحاصره الحرائق والحروب والتوترات أن يبقى محايداً، وقد وضِع في قلب المعركة، وهذا ما يجري لدول الخليج العربي ثم العراق منذ بداية ثورة الخميني، وتلبس إيران حالة من الكبرياء بأنها من يصوغ أمن وأهداف المنطقة العربية، وهي نفس الصورة التي تكونت عند الشاه حين نصّب نفسه شرطياً للمنطقة والخليج العربي، حتى إن مخاطبات ولقاءات زعماء إيران سواء مع هذه الدول المتلاصقة معها، أو الكبرى المتداخلة في مصالحها وأمنها، فرضت صورة لنفسها بأنها دولة عظمى هي من يخطط أو يفرض سياسة المنطقة وتوجهاتها..

وبدون غرور أو مبالغة فالمملكة هي القطب في محيطها وليست إيران، والدلائل كثيرة يراها محايدون يقيسون وزن البلدين من خلال معطيات الجغرافيا السياسية والمحيط بهما، وقد حاولت إيران أن تجعل من المملكة الحاضن للإرهاب، وأن السنة هم عناصر التفجير وتهديد الأمن العالمي، غير أن اكتشاف الإخوان المسلمين (السنة) في الظاهر، و«البراغماتية» في إدارة توجهاتهم للخارج كشفا عن الوجه الحقيقي لتحالف سني - شيعي - تقوده إيران وتركيا معاً، غير أن توالي الأحداث، وبروز داعش كمحور جديد خلقا من ذلك التحالف، كشْف موازين القوى في المنطقة، ومن تعتمد عليه القوى الخارجية كحليف وليس تابعاً حين رأت أن المملكة وحدها من يرتكز على واقعية اتخاذ قرارات الحرب والسلام داخل المنطقة، وتحديداً من داعش، ولعل الذين حاولوا التقليل من دورها أو تحجيمه كشفتهم المؤتمرات الجديدة، وخاصة في جدة وباريس بأن المملكة هي المرتكز الأساسي سواء في دعم هذه العملية والمساهمة بها بما في ذلك تدريب القوى المعتدلة السورية الأمر الذي لم يعجب تركيا والتي اتخذت موقفاً سلبياً بذرائع أنها لا تستطيع الإسهام في الحرب على داعش لوجود رهائن من شعبها عندهم، لكن بماذا نفسر تدريب وتسهيل عبور الإرهابيين منها لسورية والعراق معاً، أي أن من يعتقلون رهائنها هم صناعتها؟

إيران عرفت أن تناسيها حسمَ أمر سيادتها أو تصورها بأنها صانع سياسات العراق وسورية ولبنان، ولذلك تطابقت أفكارها مع الأسد وروسيا، والأخيرة أصلاً فاقدة لأي دور في المنطقة، ولم تعد بقدرة الاتحاد السوفياتي، ولا إعادة عقارب الساعة بتقاسم النفوذ مع الغرب، وهي مشكلة السياسة الروسية ذاتها، إلاّ ما بقي لها من حطام الأسد فقط..

المملكة تحارب على أكثر من جبهة، فهي كل أسبوع تصدر أحكاماً على معتقلين إرهابيين لديها، وتقبض على آخرين من خلايا أخرى، وتقوم بتطهير أرضها من داعمين وحاضنين ومفتين لمسوغات الإرهاب، ولديها سجناء في العراق وسورية وعناصر يحاربون في صفوف داعش، ومع ذلك لم تربط دورها بإنقاذ هذه العناصر؛ لأن رؤيتها أن الأمن الشامل والعام لها ولأشقائها وجيرانها يفرض ألا تقايض عدة أفراد سعوا للذهاب لتلك الدول مع الحفاظ على استقرارها..

صحيح أن الجدل حول التحالفات الدولية والإقليمية أمام داعش يثير العديد من الآراء التي تصل إلى حد التشكيك في أهداف القوى الكبرى، لكن هناك من يربط هذه الحرب بشروطه الخاصة والمملكة تحديداً بأن الموضوع لا يقف على عنصر وإنما مكافحة الإرهاب بأدواته وعناصره ومكوناته الأساسية بحيث لا يصبح العمل فرض كفاية «إذا قام به البعض سقط عن الآخرين»!!

===================

لا قضاء على «داعش» قبل إسقاط نظام الأسد! .. صالح القلاب

الشرق الاوسط

الخميس 18-9-2014

حتى بعد مؤتمر باريس، الذي يبدو أنه حسم أمورا رئيسة كثيرة بعضها كان موضع خلاف ووجهات نظر متضادة، فإن هناك مخاوف لدى الذين يخشون من أن كل هذا الاستنفار الهائل، الذي عنوانه ضرب تنظيم «داعش» والقضاء عليه، قد يكون مجرد فقاعة كبيرة وأن الأميركيين ربما يصوبون فوهات بنادقهم نحو هذا التنظيم الإرهابي بينما هم لا يريدون إلا خنق روسيا الاتحادية وتحجيمها.

وحقيقة، فإن كثيرين يرون أنه لو أن المسألة مسألة «داعش» لما كانت هناك حاجة لكل هذا التحشيد الكوني، فهذا التنظيم الإرهابي قد استغل ظروف العراق التي استجدت بعد انهيار حكم «البعث» وصدام حسين في عام 2003 وبعد سحب القوات الأميركية من بلاد الرافدين في عام 2011، فحقق وجودا عسكريا وسياسيا لا يمكن إنكاره ولا يجوز السكوت عنه، لكنه وفي كل الأحوال لا يستدعي كل هذا الاستنفار العالمي ولا كل هذه العاصفة السياسية.

وهنا، فإن السؤال - الذي لا شك في أن الذين شاركوا في اجتماع جدة وفي اجتماع باريس الأخير قد طرحوه على أنفسهم وعلى غيرهم هو: هل اقتصار استهداف تنظيم «داعش» على العمليات الجوية كفيل بالقضاء عليه، وهل الاستعانة بقوات برية، عربية وغير عربية، كفيل بمسح هذا التنظيم بصورة نهائية؟!

وبالطبع وبلا أدنى شك، فإن الذين شاركوا في الاجتماعين المذكورين آنفا يعرفون أن «داعش» ليست مجرد ثكنة عسكرية، بالإمكان تدميرها والقضاء عليها، وأنها في حقيقة الأمر حالة سياسية وثقافية وإفراز لتوترات مذهبية وطائفية، لا يمكن معالجتها ووضع حدٍّ لها بسلسلة من الغارات الجوية وبأرتالٍ «مجوقلة» من القوات البرية.. وها هي تجربة أفغانستان لا تزال شاخصة أمامنا ومعها تجربة باكستان وتجربة العراق الذي احتل بقوات أميركية، جوية وبرية وبحرية، تجاوزت المائة والخمسين ألفا وبقوات مساندة وحليفة تجاوز عددها هذا الرقم الآنف الذكر.

إن هذا الكلام ليس من أجل تثبيط الهمم والتشكيك في الفائدة المرجوة من كل هذا التحشيد الذي جعل المنطقة تبدو كأنها بانتظار حرب جديدة كالحرب العالمية الأولى وكالحرب العالمية الثانية.. إنه، أي هذا الكلام، من قبيل التذكير بضرورة عدم استسهال الأمور، فالمواجهة المقبلة بدأت تتحول، ومنذ الآن، من مواجهة مع «داعش» إلى مواجهة بين كتلتين دوليتين؛ كتلة الأربعين دولة المعروفة، وكتلة روسيا وإيران ومعهما نظام بشار الأسد، وحيث غير مستبعدٍ أن تنضم إليها كل من الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا - وإنْ بمجرد الأقوال وليس بالأفعال!

إنه لم يكن ممكنا - ولا يزال غير ممكن - ضم إيران إلى هذا التحالف الكوني المكون حتى الآن من أربعين دولة والذي قد يزداد ويتزايد، وخاصة إذا تحقق إنجاز عسكري ضد «داعش» خلال الأيام القليلة المقبلة، فدولة الولي الفقيه أرادت الانضمام إلى هذا الجهد الدولي بشعار «إن الأولوية هي لمواجهة الإرهاب»، الذي كان رفعه - ولا يزال - وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فطهران تعرف معرفة أكيدة أنها ستخسر مشروعها التمددي في هذه المنطقة الشرق أوسطية كلها إن هي خسرت نظام بشار الأسد وإن هي خسرت العراق وخسرت «حزب الله» اللبناني، ولذلك فإنها بالتأكيد لن تقف صامتة إزاء كل هذه التحولات المرتقبة، ولذلك أيضا فإنها ستحاول دفع روسيا بوتين إلى تصعيد هي أيضا بحاجة إليه لأنها بدورها تراودها مخاوف حقيقية إزاء هذا التحالف الدولي الجديد الذي تعتقد أنه سيستهدفها في النهاية، مستغلا الأزمة الأوكرانية، ومستغلا الأوضاع المتأزمة في الكثير من الدول والجمهوريات الإسلامية المنضوية في إطار ما يسمى الاتحاد الروسي.

ولهذا، فإنه على هذا التحالف الجديد، الذي تقوده الولايات المتحدة، أن يدرك ومنذ الآن معنى أن يقول الروس والإيرانيون: «إنه سيُعتبر عملا عدوانيا وانتقاصا من سيادة سوريا أي استهداف لـ(داعش) على الأراضي السورية»، وكل هذا والمعروف أن دولة الولي الفقيه ودولة فلاديمير بوتين لم تعتبرا، لا تدمير الإسرائيليين للمشروع النووي السوري، ولا غاراتهم الجوية المتكررة على أهداف عسكرية سورية استراتيجية ولا اختراق طائراتهم جدار الصوت فوق قصر بشار الأسد في القرداحة - أعمالا عدوانية، ولذلك فإن الحكاية هنا هي أن موسكو وطهران تعتقدان حتى حدود اليقين أن الحديث هو عن «داعش»، وأن المستهدف الفعلي هو نظام دمشق، الذي إن هو لن يقبل بحل (جنيف 1) السياسي المعروف فإن انهياره والقضاء عليه سيصبح هو الخيار الذي لا خيار غيره.

وحقيقة، إنه إنْ لم يطرأ ما قد يغير المواقف والاتجاهات فإن نظام بشار الأسد زائل لا محالة حتى قبل زوال «داعش»، إنْ على الأراضي السورية وإنْ على الأراضي العراقية، وذلك لأن معظم الدول التي شاركت في اجتماع جدة وفي مؤتمر باريس - إنْ ليس كلها، ومعها منظومة الأربعين دولة المعروفة، غدت على قناعة بأنه لا بد من دعم المعارضة السورية المعتدلة، وأنه لا خلاص من «داعش» ولا قضاء على النفوذ الإيراني في بلاد النهرين وفي المنطقة كلها من دون التخلص من نظام بشار الأسد الذي حول سوريا إلى قاعدة متقدمة للروس وإلى منطلق للإيرانيين لتصبح حدودهم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط عبر الجنوب اللبناني.. كما قال وكرر القول أحد كبار مستشاري مرشد الثورة علي خامنئي.

إن كل المؤشرات تدل على أن باراك أوباما قد أدرك، مع اقتراب نهاية ولايته الثانية، أن تردده قد تسبب في بقاء بشار الأسد حتى الآن وأنه تسبب أيضا في كل هذا الخراب والدمار الذي حل بسوريا وفي كل هذه الأرقام الفلكية من القتلى والجرحى والمشردين من أبناء الشعب السوري، وأنه المسؤول فوق هذا كله عن تغلغل الإيرانيين في هذه المنطقة وعن محافظة الروس على نفوذ الاتحاد السوفياتي في هذه الدولة العربية، ولذلك ولهذا كله فإن الواضح حتى الآن أن هناك متغيرات أميركية استراتيجية إزاء الأزمة السورية، وأن «جرَّة» هذا النظام «لن تسلم» هذه المرة، وأن الأميركيين سيكتشفون أنهم إنْ لن يفعلوا شيئا حقيقيا وإنْ لن يسقطوا هذا النظام فإن «داعش» ستتجذر في هذه المنطقة وأنها ستتسرب حتما إلى الغرب الأوروبي والأميركي.. إنه لا بد من التخلص من نظام ثبت، وبكل الأدلة القاطعة، أنه هو حاضنة هذا التنظيم وحاضنة «القاعدة» وأنه سبب ظهور كل هذه التنظيمات الإرهابية المختفية وراء أسماء كثيرة متعددة، ولذلك فإنه لا بد من إسقاطه وإنه لا بد من أن يكون البديل نظاما ديمقراطيا تعدديا يحافظ على وحدة هذا البلد الذي أصيب بداء التفكك والتشرذم، والذي إنْ هو انتهى إلى التقسيم، لا سمح الله، فإن داء الانقسام سينتقل حتما إلى الكثير من دول هذه المنطقة، العربية وغير العربية.

ويبقى أنه لا بد من الإشارة إلى أن بثينة شعبان قد حذرت، وهي مذعورة وترتجف هلعا وخوفا، في تصريح لـ«سي إن إن»، من أن أي اختراق للمجال الجوي السوري لضرب «داعش» ستواجهه دمشق بإسقاط الطائرات الأميركية، لأنها أتت من دون إذن واعتدت على سيادة سوريا.. وهنا، يبدو أن مستشارة الرئيس بشار الأسد ومستشارة والده قبله قد نست أن الأجواء السورية بقيت مستباحة من قبل الطيران الإسرائيلي ولسنوات طويلة وأنها قصفت في أقصى شرق «القطر العربي السوري» وعادت سالمة وقصفت في قاسيون وفي عين الصاحب وعادت سالمة، وأنها اخترقت المجال الجوي فوق قصر «الرئيس»، القائد الأعلى للقوات العربية السورية، وعادت أيضا سالمة.

وبهذا، فإنه يظهر أن حال بثينة شعبان كحال مسافر الصحراء ليلا، الذي عندما يستبد به الخوف يبدأ بالغناء بأعلى صوته بدل أن يسكت، ويبدو أنها ستطوي صفحة التصريحات العنترية هذه نهائيا بعد قراءة تصريح باراك أوباما الذي قال فيه: إذا فكر الأسد في إطلاق النار على الطائرات الأميركية التي تدخل المجال الجوي السوري فسندمر الدفاعات الجوية السورية كافة.. وسيكون هذا أسهل لقواتنا من ضرب مواقع «داعش»، وهذا يعني أن الأمور، كما يبدو، أصبحت في غاية الجدية هذه المرة، وأن أيام نظام بشار الأسد باتت معدودات... إذا تواصل مسار الأحداث على هذا النحو وبهذه الطريقة!

===================

موقفنا : الموقف من التطرف والمتطرفين : تطور عقلي ونفسي وبدون تسييس .. زهير سالم

في الأيام الأولى للثورة كنا نؤيد كل من يقاوم بشار الأسد وننظر إلى الجميع كمجاهدين أبرار ...

عندما بدأت تصلنا بعض الأخبار التي لا تسرنا كنا نعيش حالة من الرفض و الإنكار والتسويغ والاعتذار ...

وعندما صنفت الولايات المتحدة ( جبهة النصرة ) على طريقتها كل قوى المعارضة السورية أنكرت ورفضت واحتجت وانتصرت للنصرة وشبابها

وعندما أعلنت النصرة بيعتها للظواهري فجعت المعارضة التي حمتها وانتصرت لها ، وكسرت ظهرا وقطعت ألسنة . ومع التفهم للباعث فقد خلا الإعلان من أي فقه سياسي..

ثم فجعنا مرة أخرى بالخلاف يستشري ويستعلن بين الجولاني والبغدادي ..

ومن هنا تكاثرت الممارسات الشاذة والغريبة التي لا تنتمي إلى الثورة كنا نحاول التنبيه بالعمومات ودون التخصيص وإثبات الانتقاد ..

وحين وصل الأمر إلى القتل والغدر وطعن الثورة في الظهر انتقدنا وأنكرنا وجهرنا بالإنكار وأمرنا بالصبر والاحتساب وأمرنا دائما بتحكيم الشرع والعقل ورفض التهور والاقتتال ..

في كل المراحل لم نقع في تكفير ولا تخوين جمعي ولا مطلق وما زلنا نرفضهما رغم أننا نرى أفعالا لا يفسرها إلا الخروج عن الشرع أو الحمق أو الاختراق ...

وما زلنا ننادي على أصحاب القلوب الطيبة والنوايا الحسنة وهم في هذه المجاميع غير قليل أن عودوا إلى الجادة والصواب والحق عودوا إلى دينكم وأمتكم وأهلكم .وكفوا عن هذه الشناعات والبشاعات ..

وحين بدأت المعارك بين الجيش الحر والمتطرفين كانت قلوبنا تتنزى ألما لهذا الاحتراب وظللنا ننادي بتجنبه ما وجدنا إلى ذلك سبيل ونبين أن حكمه هو حكم رد الصائل . وليس لمسلم أن يسعى ابتداء لقتال مسلم إلا دفعا لصيال ودرأ عن دم أو عن عرض أو عن ما يستحق ..

ثم بدأت تصلنا أخبار الوقائع السود والبيض فنألم للأولى ونرتاح على مضض لانتصار كتائب الجيش الحر على البغاة المتطرفين ..

واليوم ومع إقرارنا أنهم تجاوزوا في بغيهم وعلى كل المستويات ...

أي شعور سيتملكنا إذا انتصر عليهم الأمريكي أو انتصرت عليهم كتائب الولي الفقيه ..؟! بل أي نتيجة سنتوقع ونحن نرى منجل الولي الفقيه يحصد العقائد والشرائع والأعناق ..

قال : لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران ..

17/9/2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=================

روسيا وتركيا وإيران.. بين المصالح والطموحات .. سكينة المشيخص

الوطن السعودي

الخميس 18-9-2014

الثلاثي: الروسي التركي الإيراني، لا تجمعه إلا مصالح اقتصادية وسياسية متباينة، وفي العقل السياسي إرث توسعي يتم العمل له من تحت الطاولة الدبلوماسية والاستخباراتية، ولا يمكن أن تتفق هذه الدول بصورة استراتيجية

استعادة البرامج والمشروعات الإمبريالية أو الكولونيالية ليس سلوكا استراتيجيا يتمتع بالكياسة؛ لأن الزمن لا يعود إلى الوراء كما في الستينات الميلادية وقبلها، وما تفعله دول المحاور المكشوفة لن يصل بها إلى نهاية طريق تحقق فيه أي طموحات على حساب دول أو مجتمعات وشعوب أخرى وقيادتها مثل القطيع، فقد تطور العصر وأصبحت الشعوب أكثر وعيا بمطلوباتها وقادرة على المحافظة على إرادتها الوطنية، وعدم السماح بسلبها لصالح آخرين كما في السابق، وإنما هي مصالح مشتركة ومتوازنة ومتزنة، تستمر برغبة الأطراف الدولية المتصالحة مع نفسها وبعضها.

دول مثل روسيا وتركيا وإيران، ضيعت إمبراطوريات ولم يعد بإمكانها أن تعيد شيئا، ومن صالح العالم وخير البشرية أن تنكفئ على ذاتها الوطنية، وتطور نفسها دون أفكار توسعية، سواء كانت إقليمية أو دولية، ذلك حدث لبريطانيا التي أضاعت الإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس، ولكنها بحركة التاريخ غابت وتوارت، ولم يعد بإمكانها أن تفعل شيئا، وليس هناك من قاسم مشترك بين هذه الدول الثلاث سوى ماض قديم غرب كشمس الغروب ودخل متاحف التاريخ، وإن كان ثمة شيء بينها فهو أنه تجمعها المصالح وتفرقها الطموحات.

بين تركيا وروسيا رواسب تاريخية ليس متصورا القفز عليها، إذ يمكن تصور أن يحدث احتكاك في أي مرحلة تنافسية في أفكارهما التوسعية كما حدث بين الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية آل رومانوف، وحين يتأسس الواقع على جذور من الصراع التاريخي، فلا بد وأن تحمل الجينات الوطنية مرارات لا تحتمل الازدحام في طريق ضيق من التنافس، فتركيا الإسلامية لا تتفق بداهة مع روسيا المسيحية، ومنهجها السياسي الحالي هو الذي أوصلها إلى خلاف بائن في المسألة السورية، فكلاهما على طرفي نقيض تتفتت عنده المصالح ويتوقف قطار الطموحات.

وتركيا لا يمكن أن تتفق تماما مع روسيا لاعتبارات تتعلق بعضويتها في حلف الناتو، وارتباطها السياسي الكبير مع أميركا، ذلك يضعها فعليا في مواجهة وعدم تلاق إلا بالقدر الذي يمرر مصالح ظرفية، ولكل تطلعاته الإقليمية والدولية المتعارضة، رغم رجحان الميزان الوطني لصالح روسيا باعتبارها طرف دولي أقوى، وذلك يجعل تركيا باقية في الهامش الأوروبي والغربي، وبعيدة من أن تمثل ندا حقيقيا لروسيا.

ذات الأمر ينطبق على علاقة إيران بروسيا، وهي وإن اتفقت في سورية وقضايا عسكرية أخرى، إلا أنها متباعدة أيضا من واقع المشاحنات التاريخية بينهما في آسيا الوسطى والقوقاز وبحر قزوين، فإيران تتمدد ثقافيا وسياسيا ودينيا هناك وهي منطقة نفوذ روسيا، وذلك يؤسس لتعارض طموحات ومصالح لا تجدي معه مساحيق التجميل في سورية والمفاعلات النووية وصفقات السلاح، وإذا كانت روسيا جدية في تطوير علاقاتها مع إيران كان بإمكانها أن تضيفها الى مجموعة "بريكس" لفك خناقها السياسي والاقتصادي، وذلك لم ولن يحدث؛ لأن الأخيرة ستدخل بكل إشكالاتها التي تتعارض مع روسيا، ولذلك فعلاقتهما بمثابة بيت من زجاج مهدد بالتكسر إلى فسيفساء ما لم يحافظ الطرفان على الحد الأدنى لعلاقاتهما وإبقائها في دوائر ضيقة، وإضفاء مسحة ديكور سياسي واقتصادي تجعل المساحات الصغيرة تبدو كبيرة.

وبالنسبة لتركيا وإيران فهما على طرفي نقيض، فالأولى إسلامية سنية علمانية موالية للغرب ولاهثة بكل طاقتها السياسية لتبدو غربية في مظهرها الحضاري، وهي أيضا لها طموحاتها الإسلامية في لعب دور قوي كقوة إسلامية مؤثرة، وذلك يصطدم بإيران الشيعية المتفلتة من الغرب، التي تسخّر كل طاقتها من أجل نشر المذهب الشيعي في فضاء سنّي يقوّض أي طموحات لتركيا، وبالتالي فلا يتوقع أن يتفقا إلا في شريط اقتصادي ضيق يحقق مصالح متبادلة في إطار ظرفي أيضا.

إذن فإن الثلاثي: الروسي التركي الإيراني، لا تجمعه إلا مصالح اقتصادية وسياسية متباينة، وفي العقل السياسي إرث توسعي يتم العمل له من تحت الطاولة الدبلوماسية والاستخباراتية، ولا يمكن أن تتفق هذه الدول بصورة استراتيجية، فهي كموقعها كل في زاوية لا تسمح باستمرار أي اتفاقيات بينها؛ لأنها تصبح معطلة لها كلما طال بها الزمن، والمفارقة أنها تصبح غير مخيفة إلا فيما يتعلق بمساع لنشر الفوضى في غيرها من الدول حتى تستمتع بالتفرج ورصد المعادلات وتفكيكها لصالحها، حينها تصبح مصدر خطر وقلق إقليمي ودولي مزعج، كما هو الآن في كثير من الأحداث، ويتطلب الحذر منها لأنها تظل دولا مشبوهة ومجروحة تفضّل انهيار الآخرين.

===================

لن نصدق خامنئي .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 18-9-2014

على رغم قيادتهم التحالف الجديد ضد «داعش» واهتمامهم بترسيخه وتوزيع المهمات على أعضائه، يحافظ الاميركيون على الدوران في حلقة مفرغة بدأت قبل أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة هي عمر الانتفاضة السورية، متنقلين بين جملة من التناقضات التي تكشف عدم رغبتهم في حسم هذا الملف، طالما ان الروس والايرانيين متورطون فيه. وتبقى المعادلة التي يعملون بها هي نفسها: لا تسليح للمعارضة ولا إعادة للشرعية الى نظام دمشق، لا قبول بهزيمة المعارضين ولا إسقاط للأسد، بغض النظر عن المستجدات. فهم لا ينظرون الى مصالحهم في العالم بشكل مجتزأ وآني، بل في إطار واسع يستند الى ميزان القوى مع الدول العظمى والاقليمية. يقدمون هنا ويأخذون هناك، يتنازلون في هذه النقطة ويتعنتون في أخرى، يتشددون في أوكرانيا ويتساهلون في الشرق الأوسط...

ولا تشذ المساعدة التي قررها أوباما أخيراً للسوريين عن لعبة التحكم بالخيوط. نصف بليون دولار من المساعدات «غير الفتاكة» سيطير نصفها سلفاً مع الكلفة الإدارية واللوجستية لإيصالها، ويذهب نصفها الثاني، إذا وصل، الى الأيدي الخطأ.

تشمل المساعدة أيضاً «تدريب» مقاتلي المعارضة، لكن هؤلاء يرفعون الصوت: «لا نريد تدريباً ولا رجالاً، فقط اعطونا سلاحاً نوعياً وسنتكفل بإسقاط النظام». غير ان هذا تحديداً ما لا تريده واشنطن الحريصة على توازناتها. ولذا لن نصدق خامنئي عندما يقول انه رفض طلب الاميركيين تعاون بلاده عسكرياً معهم في محاربة «داعش»، فهذا التعاون قائم منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، بل منذ غزو أفغانستان قبل ذلك بعامين، ولا يحتاج الى تجديد مع كل تطور.

لكن الايرانيين ملتزمون دعم النظام السوري الذي ابتكر «داعش» ورعاه وسهل بطرق متعددة تزويده المال والسلاح والرجال، على أمل استخدامه، مثلما حصل، في تطويع السنّة، ابتداء بالعراق، لذا يصبح رفضهم الانضمام الى التحالف ضده تحصيل حاصل.

اما كلامهم عن رفض التعاون فهدفه التعمية على التنسيق الفعلي القائم، ولا علاقة له باستبعاد طهران عن مؤتمر باريس او باشتراط العرب على الاميركيين ألا يؤدي التحالف الى تعويم نظام الأسد، فهم لم يكونوا يتوقعون عكس ذلك.

قال خامنئي انه لا يريد تحويل سورية والعراق الى «باكستان أخرى»، حيث يلاحق الطيران الأميركي قياديي «طالبان» ومعسكراتها، لكنه سبق ان تعاون مع الاميركيين لدى استهدافهم نظام الملا عمر، عندما كان هذا الاخير يشكل تهديداً مباشراً لهم. فكيف لا يصح الآن ما صح آنذاك، علماً ان التهديد «الطالباني» عائد أواخر هذه السنة مع اكتمال الانسحاب الأميركي؟

تستخدم الولايات المتحدة الحرب على «داعش» لتؤكد انها لا تزال تقود العالم وتهندسه، لكنها ليست مستعدة للوصول بها الى النهايات التي لا تتماشى مع مصالحها، وخصوصاً رغبتها في اعادة ايران الى المجتمع الدولي، وهي حددت سلفاً سقف تحركها ضد التنظيم المتطرف من دون ان تعلنه رسمياً: فالضربات الجوية لن تسفر سوى عن إضعاف «داعش» وليس هزيمته، والمساعدات للمعارضة السورية لن تطيح الأسد، والدفاع عن الإقليم الكردي لن يوصله الى مصاف الدولة المستقلة، اما إنقاذ نظام بغداد فله الأولوية، على رغم ما يشاع عن انشغال واشنطن بتلطيف تركيبته الحكومية. اي تعاون اكثر يريد «المرشد»؟

===================

«داعش» إذ يضع إيران والأسد خارج الإقليم .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 18-9-2014

رأينا ذلك في اجتماع جدّة. عندما تكون هناك مشكلة في الإقليم لا تكون ايران في المشهد. ليس لأنها لا ترغب، بل هي تتلهّف للظهور في الصورة، وإنما لأنها المشكلة أو الجزء الأكبر منها. منذ 2001 لا همّ أمنياً لدول الاقليم سوى الارهاب المستشري، اذ اتهمت به واستثمرت الكثير من المال والجهد لمكافحته. أما ايران فلم يكن لها سوى اهتمام وحيد: كيف تستخدم هذا الوباء لتسميم محيطها، وكيف تستغلّه في خططها. الدولة التي حكمت على نفسها بأنها لن تكون يوماً دولة طبيعية لا يمكن العمل معها ولا الاعتماد عليها حتى لو اكتسبت كل مؤهلات القوة والنفوذ وكل وسائل العنف والتطرّف. وحدها اسرائيل تجاري ايران بكونها في الاقليم وضدّه، أي أنهما خارجه، والنظام السوري يلتحق بهما. أمّا العراق فباشر استعادة بعض من طبيعيته في اطار ديناميكية جديدة يُرجى ألا تخذلها ايرانية «حزب الدعوة»، وحتى لبنان الدولة المصادرة البلا رئيس لم يُستَلَب مكانه في الأسرة الدولية على رغم محاولات «حزب الله» لاجتذابه الى ايرانيته.

نعمت طهران طوال الأعوام الأربعة الأخيرة بسكوتٍ وغض نظر اميركيين وغربيين عن دورها البشع والمشين في سورية، وعن أخطائها المميتة في العراق. تصرّفت موقنة بأنها «دولة عظمى اقليمية»، والدول «العظمى» عادةً ما تحتقر الشعوب، على ما تقول أدبياتها عن «الشيطان الأكبر»، غير أن هذا الشيطان هو مَن صَمَت على ممارساتها وكتَم ما يعرفه طالما أنها تساعد نظام بشار الأسد على تدمير سورية.

لكن اللحظة المناسبة جاءت لتذكير ايران بأنها، كدولة، كحرس ثوري، كأجهزة، ليست تحت الاشتباه فحسب، بل موضع الاتهام في تغذية الغول الارهابي. كل دول الاقليم، ولا سيما الجوار، تعلم ما هو دورها، تمقت تهورها وتجهد لإحباط تدخلاتها وتضبط النفس، الى أن طفح الكيل أخيراً بالرئيس اليمني الذي اتّهمها بـ «محاولة مقايضة صنعاء بدمشق». ذاك أن ايران ما انفكّت تشعل الحرائق تمهيداً لاستثمارها، وهو ما حاولت وستحاول أن تكرره باستغلال «الحرب على داعش». لا شك في أنها مؤهلة لدور، لكنها أساءت اليه بتجاهلها الحقائق الديموغرافية والاجتماعية والدينية لشعوب الاقليم، وذهبت بعيداً في الشحن المذهبي وفي عسكرة الطائفة الشيعية وتوظيفها في مشروع لا يمكن أن يكون مستقبله على الصورة التي تظهره بها حالياً.

لعل كل كلمة تقال اليوم في اطار ضبط عمل الحكومة العراقية الجديدة هي بمثابة نقد مباشر ليس فقط لنوري المالكي بل خصوصاً لإيران وسياساتها. نموذجان على سبيل المثال: الأول أن الحكومة السابقة حاولت في أيامها الأخيرة الإيحاء بأن فك الحصار عن آمرلي تم بجهد الجيش، وقصد المالكي البلدة الشيعية لإعلان بدايات النصر على «داعش»، ليتبيّن أن العملية تمّت بمؤازرة من «البشمركة» الكردية وبمشاركة عسكريين ايرانيين وميليشيات شيعية. وعندما اجتمع الوزير جون كيري للمرة الأولى مع حيدر العبادي، كانت «اعادة هيكلة» الجيش وتأهيله وتدريبه من أولى مطالبه، أي أن ما سمّي «جيش المالكي» أو «جيش ايران» لا يصلح بوضعه الراهن لخوض معركة يفترض أن أبرز أهدافها استعادة السنّة الى الدولة العراقية. أما المثال الآخر فكان قرار العبادي وقف قصف المناطق السنّية، اذ كان سلفه أجاز كل أنواع القصف (المدفعي والصاروخي العشوائي، والجوّي، وحتى إلقاء البراميل المتفجّرة على أهداف مدنية محدّدة)، ومنذ انسحاب الجيش من المحافظات السنّية لم يعد في مواجهة قتالية ذات مغزى ضدّ «داعش»، فأضحى القصف مجرد قتل للقتل. ولما كان دمج العشائر السنّية إحدى ركائز الاستراتيجية التي حدّدها البنتاغون للحرب على الارهاب، فإن العبادي يبدي التزاماً بها، على عكس سلفه.

هذا لا يعني طبعاً أن الصيغة الإجمالية لحكومة العبادي مثالية وواعدة، بالمعنى العراقي «الوطني». صحيح أن هناك تمثيلاً للمكوّنات الثلاثة، لكن هناك جرعةً ثقيلةً جداً من المؤدلجين الذين لا يخيطون خيطاً من دون موافقة طهران. ويكفي أن تتجدّد الصعوبات في اعتماد وزيرين للداخلية والدفاع، على رغم كل ما حصل، للتذكير بعهد سيئ الذكر والتنبيه الى أن المسألة لا تقتصر على انعدام الثقة بين الأطراف، بل تمتدّ الى رغبة في اعطاء لونٍ واحدٍ لنظام لا يمكن إلا أن يكون تعددياً، وكذلك الى رغبة في الاحتكار المذهبي لكل ما هو عسكري وأمني واستخباري. في أي حال، هذه حكومة أمام اختبار يجب أن تخوضه بهاجس معاودة توطيد الوحدة الوطنية، ولا خيار لها غير النجاح لئلا تكون الحكومة الأخيرة في عراق موحّد. ما الذي منع قيام حكومة كهذه مع المالكي؟ للأمر علاقة بشخص الأخير، وله علاقة أيضاً بالإرادة والمشروع الايرانيين. وما الذي منع قيام حكومة مماثلة في سورية تأسيساً على صيغة «جنيف 2»؟ للأمر علاقة بخيارات بشار الأسد ولغته الخشبية، لكن تبيّن أخيراً أن حليفه الايراني هو الذي أصرّ مشجعاً على تقديم مسألة «مكافحة الارهاب» على «الحل السياسي»، اذ اعتبر أن مثل هذا التوجّه يرشحه لمكانة دولية مميّزة على حساب خصومه الاقليميين ولا سيما السعودية. لكن منطق الحرب المزمعة على الارهاب ومسارها يبدوان بعيدين جداً من منح ايران أي ميزة، وإنْ كان الاميركيون يريدون مساهمتها في الاتجاه الذي يتبنّاه «التحالف الدولي».

لم يعد خافياً الآن أن تعنّت أنظمة طهران ودمشق وبغداد هو ما قاد عملياً الى بروز «داعش» وصعوده وبالتالي شيوع هذا الخطر الذي يتهدّد كل الاقليم، ولا يمكن أن يُصدَّ ويُوَاجَه بالعربدة الايرانية وحدها بل بتضامن اقليمي، فالاقليم لم يصبح ايرانياً بعد، ولن يكون ايرانياً. لم يستهجن أحد ألا يتمثّل للنظام السوري في اجتماع جدّة. قيل إن طهران اشترطت حضوره لتحضر، لكن هذه مجرد رواية غير مؤكدة، وإذا صحّت فالمستهجن ألا تتساءل ايران كيف صارت وحليفها منبوذين معاً في جدّة كما في باريس. لعل تغريدةً لوزير الخارجية البحريني تختصر الجواب: «مؤتمر باريس هو لمن يريد إنقاذ الشعبين السوري والعراقي. ولا مكان لمن ساهم في قتلهم و تشريدهم»... من هنا أن ثمن تصعيد «داعش» لا بدّ من أن يقع على من لعبوا ورقته لإنقاذ نظام الأسد وتثبيت نظام المالكي، والوقع يُظهر الآن أن هذه الورقة كانت خاسرة أصلاً: فالمالكي «رُفس» الى أعلى من دون مهمة محددة ولا مستقبل سياسياً له، والنظام السوري في أسوأ حال منذ بداية الثورة عليه، والاميركيون عادوا - كـ «منقذين» - الى العراق، والحرب على «داعش» ستكون لها تداعيات سياسية تتشكّل خلالها وبمساهمة المشاركين فيها.

الأكيد أن ايران لن تبقى خارج «التحالف» أو بعيداً منه، وسيكون لها دور في الحرب بشكل أو بآخر، لكن ستضطر الى التواضع في طموحاتها وللكفّ عن السعي المبكر لاستثمار نتائج هذه الحرب. الأكيد أيضاً أن العراق ونظامه سيتخذان وجهة مخالفة لما رسمته لهما ايران، فقد أتيحت لها فرصة كاملة لإدارة هذا البلد ففضّلت تخريبه والعبث بعناصر استقراره. والأكيد أخيراً أن ايران لن تستطيع (حتى بمؤازرة روسيا) التفرّد في تقرير مصير سورية، فـ «التحالف ضد الارهاب» لا يقوم فقط على استراتيجية حربية بل أيضاً على تفاهمات سياسية بشأن ما بعد الحرب، ومهما جرى التلاعب بهذه التفاهمات أو التنصّل منها، فإن أياً من القوى الدولية لا تتصوّر سورية وشعبها واقعين تحت النفوذ الايراني... هذه استنتاجات وليست تمنيات خيالية، فالسياسة الهائجة التي مارستها ايران لأعوام طويلة، وفي ظنّها أنها ستغيّر أحوال الاقليم وتهيمن على دوله وشعوبه، انتهت الى واقع يفيد بأن أي استراتيجية تبنى على الثأرية والاستقواء للتصالح مع رواسب التاريخ لا يمكن أن تكون مشروعاً للمستقبل.

===================

المحافظون الجدد و «داعش» .. رغيد الصلح

الحياة

الخميس 18-9-2014

مثل ما دعا المحافظون الجدد الحكومة الأميركية إلى تطبيق الحرب الاستباقية لحماية الولايات المتحدة من العدوان، فانهم يطبقون هم هذه السياسة لحماية أنفسهم من الذين يحملونهم مسؤولية حرب العراق ونتائجها التي وصلت إلى ظهور داعش واستفحال أمرها في المشرق العربي، فمن بديهيات تلك الحرب أن دورهم كان حاسماً في وقوعها، وأنه كان لهم الأثر الأكبر في حل الجيش العراقي، وبالتالي في فتح باب العراق أمام شتى أنواع الإرهاب. ومن يرجع إلى وقائع الحرب ومقدماتها يجد أنهم سعوا إلى لجم وتعطيل كل مناقشة جادة لأوضاع العراق والمنطقة بعد الحرب، واعتبروا هذا الجهد شكلاً من أشكال عرقلة الحرب، وسفهوا الآراء التي دعت إلى الإعداد الجيد لها بما في ذلك ضمان إرسال عدد كاف من القوات البرية يفوق ثلاثة أضعاف القوات التي شاركت في الحملة العراقية.

من يتذكر اليوم، من الأميركيين، هذه الوقائع ويبني عليها موقفاً تجاه المحافظين الجدد وتجاه ما يمثلونه من مصالح اقتصادية وخلفيات عقائدية ومشاريع سياسية، فإنه سوف يتحول إلى خصم لهم وناقد مر لمواقفهم وتأثيرهم على الحياة العامة الأميركية. لذلك كان لا بد أن يبادر هؤلاء إلى إبقاء باب التنصل منها مفتوحاً، وأن يعودوا إلى ولوجه مؤخراً، خاصة في لحظة الصعود الدراماتيكي لتنظيم داعش على مسرح الأحداث العربية، فهنا يبرز وجه آخر للأخطاء والسقوط الذي رافق الحرب على العراق في مراحلها المختلفة، خاصة عندما قررت سلطة الاحتلال حل الجيش العراقي وخلق الفراغ الأمني الذي أفاد منه داعش والتنظيمات الإرهابية المشابهة كافة.

وبغرض التنصل من هذه الأخطاء وإلقاء مسؤوليتها على الغير، ورغبة في إعادة إنتاج الدور الذي لعبه المحافظون الجدد والغلاة من أنصار إسرائيل ومؤيديها في الولايات المتحدة بصورة جديدة ومقبولة، أدلى ريتشارد بيرل، أبرز منظري واستراتيجيي المحافظين الجدد، بحديث صحفي إلى دورية بروسبيكت الإنجليزية (آب/ أغسطس 2014) وجه فيه نقداً شديداً إلى الإدارة الأميركية، بل وإلى دول الغرب بصورة عامة، إذ يحملها مسؤولية صعود داعش والظواهر المشابهة.

يرى بيرل أن الخطأ الرئيسي الذي يرتكبه الغرب في تعامله مع المنطقة هي المبالغة في تعليق الأهمية على الوحدة الترابية للدولة العربية. ومما يزيد في فداحة هذا الموقف، وفق رأيه، أنه يتبلور في وقت تجتاح فيه المنطقة الحركات الانفصالية كما تجتاح السيول والأعاصير الأراضي المفتوحة.

الآن تكرر الولايات المتحدة هذا الخطأ إذ تحاول إنقاذ الدولة العراقية من التفكك. في هذا السياق، يرتدي أمير الظلام، كما يدعون بيرل في واشنطن، ثياب المدافعين عن دعاة ابتعاد «الأطراف عن المركز» ودعاة تكريس استقلال الأقاليم عن العاصمة دون وضع سقف محدد لهذا الاستقلال. وفي هذا السياق، يقول إن الموفدين الأميركيين إلى بغداد كانوا يتوسلون إلى الزعماء الأكراد بالموافقة على وضع «البيشمركة» تحت إمرة القيادة العراقية وكجزء من الجيش العراقي في حربه ضد داعش، إلا أنه نصح الزعماء الأكراد خلال زيارته الأخيرة لأربيل ألا يرتكبوا «حماقة كبرى» لو وافقوا على النصيحة الأميركية. ينسجم بيرل مع نفسه ومع نظرة المحافظين الجدد إلى العراق وإلى الدولة العربية عندما يقول إن تأييده لمطالب زعماء العشائر السنية لا يقل عن تأييده التطلعات الكردية في الشمال.

يسعى بيرل وأقرانه من المحافظين الجدد اليوم إلى تعميم هذه النظرات وإلى إقناع أصحاب القرار في واشنطن وإلى الجسم السياسي فيها، بأن المبادئ التي تحكم السياسة الأميركية تجاه المناطق الأخرى في العالم لا تصلح بالضرورة لأن تكون أساساً لتعاطيها مع المنطقة العربية. لماذا؟ لأن «الشرق الأوسط هو جزء من منطقتنا». لا يقدم بيرل تفسيراً واضحاً لهذه الصلة المفترضة بين الشرق الأوسط وبين «المنطقة». لعلها تسمح لمواطني دول الشرق الأوسط المساهمة في الانتخابات الأميركية المقبلة، ولكن من المستبعد أن يذهب بيرل إلى هذا الحد في حماسه للصلات الخاصة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط ! الأرجح أن المحافظين الجدد يعتبرون أن علاقة واشنطن مع الشرق الأوسط هي مهمة بمقدار أهمية العلاقات الأميركية- الإسرائيلية. هذه العلاقة تضفي على التدخل الأميركي في قضايا المنطقة مشروعية خاصة وتسمح لها بأن تعمل على بناء شرق أوسط جديد مكون من دول صغيرة الحجم محدودة الإمكانات متواضعة التطلعات والأهداف سهلة الاختراق. هذه الشروط المرجعية تنطبق على الدول العربية ولكن ليس على إسرائيل. ففيما تقضي هذه الشروط بإعطاء مكونات المجتمعات العربية الحق في الاستقلال الذاتي أو الاستقلال الناجز عن الدول العربية مثل العراق وسوريا والسودان وغيرها من الدول والمجتمعات ذات الطابع التعددي إذا تطلب الأمر، فإنه لا توجد شروط مقابلة على إسرائيل. لقد تراجع النفوذ المعنوي والفكري للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة اليوم عما كان عليه خلال رئاسة جورج بوش وقبل غزو العراق. وابتعد عنهم الكثيرون من الناشطين والمفكرين الذين كانوا يعتقدون أن جورج بوش والمحافظين الجدد كانوا يرغبون حقاً في بناء الديموقراطية في العراق، فإذا بهم يكتشفون أنهم لم يكونوا في هذا الوارد. كما انفض عنهم البعض من الأميركيين عندما اكتشفوا حقائق الحرب العراقية، وعندما وضعت الولاءات الحقيقية لهؤلاء على المحك. لكن الذاكرة قد تخون الرأي العام في كثير من الأحيان، خاصة في غياب من ينبه إلى خطورة تكرار الأخطاء وإعطاء الفرص المتكررة لمن لا يستحقها. وحتى لو نهض من يقوم بهذه المهمة، فإن الأضرار التي سببها المحافظون الجدد للعرب وللولايات المتحدة مرشحة للتكرار.

===================

من يقطع رأس «الدولة»؟ .. مرح البقاعي

الحياة

الخميس 18-9-2014

رأى السفير الأميركي الأسبق، دنيس روس، أنّ وضع المملكة العربية السعودية في موقع القيادة من التحالف الدولي الجديد لاحتواء داعش الذي انطلق مؤتمره التأسيسي من مدينة جدة إثر إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجية بلاده لمحاربة تنظيم الدولة في العراق وسورية، «لا يمكنه إلا أن يدعم شرعية الحملة على داعش». وتوجّه السفير روس إلى الدول العربية داعياً إياها إلى توفير الدعمين العسكري واللوجستي اللازمين لتحقيق هذه المهمة الأممية، وكذلك لتعزيز الجهود الاستخباراتية والديبلوماسية وتشجيع العشائر للانضمام إلى القتال ضد تنظيم الدولة.

إنه من نافل القول إن المملكة العربية السعودية تمكّنت من اجتثاث تنظيم القاعدة بشكل ناجع داخل أراضيها، كما أنها قد تكون الوحيدة التي تملك امتيازاً في الصدقية الدينية والشرعية لمقاتلة فصيل سنّي متطرف كتنظيم الدولة ومشتقاته. لكن ما هو دور النظام «الخصم»، إن لم نقل «العدو»، الواقع على الخاصرة السعودية جغرافياً، وفي العمق السوري سياسياً وعسكرياً، من هذا التحالف، ونقصد إيران بطبيعة الحال - الدولة الشيعية الكبرى الأكثر انغماساً في المستنقع الحربي في سورية والعراق، في حين دعيت دولة سنية غير عربية إلى صفوف التحالف، ونقصد تركيا بالطبع؟

هذا على مستوى السعي الدولي المعلن والظاهري من أجل تشكيل نواة تحالف موسّع للقضاء على ظاهرة داعش الإرهابية. أما على المستويات المضمرة، فقد نفت إيران الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام أن اتفاقاً قد أبرم بين طهران وواشنطن، في وقت سابق، لمشاركة طهران في محاربة داعش في العراق... العراق فقط!

وعلى رغم أن النفي العلني في هذه الحالة قد يكون الأقرب إلى تأكيد ضمني لهكذا اتفاق، فإن تناغماً مباغتاً بين دولتين موغلتين في عدائهما السياسي، والعقائدي أيضاً، يثير العديد من الأسئلة، وأهمها:

1- إذا كانت إيران ستحارب داعش في العراق فماذا عن حرب داعش في سورية، وهل ستتحالف إيران في هذا الشأن مع الولايات المتحدة أم مع «النظام السوري»؟

2- ما موقف الولايات المتحدة من النظام السوري وهي تحسبه على رعاية ودعم الإرهاب المنظم، وهل ستدعم بالنتيجة هجوماً مضاعفاً للتحالف على الإرهابيَن النظامي والداعشي في آن، أم أنها ستطلق يد النظام ليهاجم داعش في مناطق انتشاره في الشمال الشرقي السوري، وينجز المهمة عنها، من دون أن تخوض غمار مواجهات غير محسوبة النتائج على الرمال السورية المتحركة؟

3- أين تقف إيران «بيضة القبان» في معادلة مكافحة الإرهاب الدولي مقابل التحالف من جهة، وعلاقاتها الإقليمية مع نظام دمشق والعراق وجزء من نظام لبنان من جهة أخرى؟ هل يمكن أن يُسأل من صنّع الوحش أن يضربه في مقتل؟!

مما لاشك فيه أن الخطة الاستراتيجية التي اقترحها رئيس الولايات المتحدة في اليوم السابق لحضور وزير خارجيته، جون كيري، مؤتمر جدة التأسيسي، قد خلت من رؤية واضحة ومحدّدة لمحاربة داعش في سورية، بينما كانت جلية الملامح بالنسبة إلى العراق. فبداية، لم يتحدث أوباما عن إسقاط النظام السوري، ولم يربط استبداد الأسد السياسي بولادة الاستبداد الديني الذي أقصى مظاهره تنظيم الدولة، بل قال بلغة مواربة وغامضة «إن النظام السوري لن يستعيد شرعيّته من خلال محاربته التنظيم»، وفي هذا إشارة سياسية واضحة أن أوباما إن كان لا يجد في النظام السوري أية مؤهلات لمحاربة الإرهاب والتطرّف الذي تمارسه «الدولة»، فإنه يعتقد بقوة أن احتواء «تمدّد» داعش يمكن أن ينجز بتعاون حلفاء النظام - وفي مقدّمتهم إيران وذراعها الميلشياوي «حزب الله» اللذان هما الأخبر والأعرف ميدانياً، على المستويين القتالي والاستخباراتي، بالأرض السورية وأحوالها منذ أن تحولت الثورة السورية السلمية إلى النضال المسلّح. وما المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، قبيل إطلاق الحملة الأميركية الدولية، وعرضه على الولايات المتحدة التعاون العسكري والاستخباراتي والتحالف العلني للقضاء على «العدو المشترك»، ما هو إلا صورة استباقية لمستقبل وأهداف هذه الحملة التي ستمتد لثلاث سنوات كما أعلن البيت الأبيض.

والأنكى من هذا كله أن الرئيس الأميركي أكّد في إعلانه أن «المعارضة المعتدلة هي القادرة على تحييد داعش» وكأن المهمة الأساس التي يوكلها الأميركيون للمعارضة السورية، باسم دول التحالف الجديد، هو الحلول مكان تنظيم الدولة بعد القضاء عليه، وليس تحييد نظام الأسد والحلول مكانه بعد إسقاطه. وفي اليوم التالي لإعلان أوباما لاستراتيجيته أحال القرار بتسليح وتدريب المعارضة السورية إلى الكونغرس، الذي يسيطر عليه خصومه الجمهوريون المشهورون بتعطيل جلّ مشاريعه، مع أنه سيذهب إلى حربه ضد داعش في العراق من دون العودة إليه، وهذا أصلاً من حقه الدستوري في حالة طوارئ وطنية يتعرض فيها الأمن القومي الأميركي للتهديد والخطر الإرهابي المباشر.

أما المعارضة السياسية السورية فتحوّلت برمّتها ورميمها إلى شيع موغلة في دوامات الفساد المالي والإداري، وأبواق تنعق هنا وهناك، وأخيرها وليس آخرها كان نعيق كمال اللبواني من اسرائيل مدّعياً «تمثيل الشعب السوري في إيصال صوته للعالم» من تل أبيب هذه المرة!

===================

أميركا ومنزلق حرب جديدة .. صحيفة «إندبندنت» البريطانية

البيان

الخميس 18-9-2014  

شنّ متشددون، قبل ثلاثة عشر عاماً، هجمات 11 سبتمبر ضد أميركا، وأصبحت السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط غير متزنة منذئذ. فقد حض المحافظون الجدد الرئيس جورج بوش الابن، على غزو العراق الذي لم تكن له علاقة بأحداث ذلك اليوم المؤلم. وأثبت ذلك القرار أنه أحد أعظم الأخطاء الجيوسياسية في تاريخ أميركا.

ولقد كرس خلفه، الرئيس الحالي باراك أوباما، الفترة الأولى من رئاسته ليتحرك في الاتجاه المعاكس، من خلال إخراج بلاده من حروب لا نهاية لها في أفغانستان والعراق. غير أن أوباما يجد نفسه حالياً منزلقاً مرة أخرى في المستنقع، لشن حملة محدودة نظرياً، ولكنها عملياً مفتوحة للعمل على «تدهور ودمار داعش في نهاية المطاف». و«داعش» هو التنظيم المتطرف الوحشي، الذي يسيطر حالياً على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، ويطمح للخلافة في أنحاء المنطقة بأكملها.

وصرح أوباما في خطاب متلفز، بأنه سعى لتبرير قرار لم يكن لديه أي خيار حياله. وبذهول، جراء قطع رأسي اثنين من الرهائن الأميركيين، تحول الرأي العام الأميركي، مؤقتا على الأقل، من السأم من الحرب إلى جلبة «يجب القيام بشيء ما». ومع ذلك، فإن ما سبق لم يغير شيئا في المعضلة الأبدية التي تواجه الرئيس أوباما. غير أنه لا يمكن تجنب تورط أميركا في الشرق الأوسط. وللأسف، فإن كثيرا مما تم القيام به هناك يبدو أنه يفاقم المشكلة فقط، بل إن تدخلاته تعمل لتكون بمثابة وكلاء لتجنيد المتشددين.

ورغم ذلك فإن الرئيس أوباما يبدو أنه الشخص الوحيد الذي تعد البلاد على استعداد لاستجماع قواها حوله، مهما كانت مشاعرها إزاء الرئيس نفسه.. ولكن حتى متى؟ إن المآزق المحتملة أكثر من أن يتم إحصاؤها.. فهل سيواصل الرأي العام المحلي السير على المسار، خاصة إذا كان هناك ضحايا أميركيون؟

وهل لا يزال هنالك ثوار سوريون «معتدلون» يمكن لأميركا تسليحهم؟ وهل ستكون الحكومة العراقية الجديدة، التي قالت واشنطن إن تشكيلها كان شرطاً أساسياً لاتخاذ سياسة جديدة، شاملة حقاً بما فيه الكفاية، لإقناع السنة المعتدلين بمحاربة «داعش»؟ إذا كانت التجربة الأخيرة معياراً للحكم، فإن قانون العواقب غير المقصودة سيسود. ويا لها من سخرية فظيعة، أن رئيساً سعى لإنهاء حروب بلاده مع الإسلام، مضطر لشن حرب جديدة، بل حرب لا يمكن التنبؤ بها، بشكل أكبر من سابقاتها.

===================

«داعش» والمرحلة.. وبومة منيرفا .. نعوم تشومسكي

الاتحاد

الخميس 18-9-2014

من غير السار تأمل الأفكار التي تجول في خاطر بومة منيرفا مع حلول الغسق وتوليها مهمة تفسير حقبة الحضارة البشرية، التي قد توشك على نهايتها الشائنة.

أبصرت الحقبة النور منذ 10 آلاف سنة تقريباً في الهلال الخصيب، الممتد من بلاد الرافدين إلى وادي النيل مروراً بفينيقيا على ساحل المتوسط الشرقي، ومن هناك إلى اليونان وما بعد اليونان. وتعطي مجريات الأحداث في هذه المنطقة دروساً مؤلمة حول الأصول التي قد تتحدر منها مختلف الأجناس.

كانت بلاد الرافدين مسرحاً لفظائع لا توصف في السنوات الأخيرة. إلا أن عدوان جورج بوش الابن وتوني بلير عام 2003، الذي شبهه عراقيون كثر باجتياح المغول في القرن الثالث عشر، أتى بمثابة ضربة قاضية أخرى. إذ دمر الكثير مما بقي صامداً على خلفية العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق تحت إدارة بيل كلينتون. وقد دان تلك العقوبات الدبلوماسيان المرموقان دينس هاليداي وهـانـز فـون سبونيـك، اللذان أشرفا على تطبيقها قبل تنحيهما عن منصبيهما احتجاجاً على ما وصفاه بـ«الإبادة الجماعية». وحظي التقريران المروعان لهاليداي وسبونيـك بردة الفعل المعهودة التي تنالها الوقائع غير المرغوب بها.

وقد برزت إحدى العواقب الوخيمة للغزو الأميركي البريطاني في «دليل نظري حول الأزمة في العراق وسوريا»، صدر في صحيفة «نيويورك تايمز»: تغير بغداد الجذري من أحياء مختلطة عام 2003 إلى جيوب طائفية عالقة في حقد مرير اليوم. وانتشرت النزاعات التي اندلعت جراء العدوان، وباتت الآن تمزق المنطقة برمتها إلى أشلاء.

ويخضع جزء كبير من بلاد الرافدين لسيطرة تنظيم «داعش» ودولته المعلنة ذاتياً، وهي رسم كاريكاتوري قاتم يجسد الشكل المتطرف للإسلام المتعصب الذي تعود جذوره إلى مصادر إقليمية. وفي هذا السياق، يصف باتريك كوكبرن، مراسل صحيفة «ذي إندبندنت» في الشرق الأوسط وأحد أكثر المحللين اطلاعاً على تنظيم «داعش»، هذا الأخير بكونه «منظمة فظيعة وطائفية للغاية وفاشية بطرق عدة، تقضي على كل من لا يؤمن بالإسلام المتشدد الذي تعتنقه على وجه التحديد».

ويسلط كوكبرن الضوء على التناقض الملموس في ردة فعل الغرب إزاء بروز «داعش»، والمتمثل في جهود رامية إلى إحباط تقدمه في العراق بالتوازي مع جهود أخرى رامية إلى التقليل من شأن أهم أعداء التنظيم في سوريا، ألا وهو نظام بشار الأسد الاستبدادي. وفي الوقت ذاته، يشكل «حزب الله» أحد الأعداء المبغوضين للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، حاجزاً أساسياً أمام انتقال وباء «داعش» إلى لبنان. ولزيادة الطين بلةً، تتشارك الولايات المتحدة وإيران الآن قلقاً مبرراً إزاء «داعش»، تماماً مثل جهات أخرى في المنطقة التي تسودها نزاعات حادة.

وبعد تجدد الفظائع في الأسابيع القليلة الماضية، يمسي من غير الضروري التعليق على ما ينبعث من القدس، التي كانت تُعتبر مركز أخلاق في العصور القديمة.

وقبل ثمانين سنة من اليوم، أشاد مارتن هايدغر بألمانيا النازية، مشيراً إلى أنها تمثل خشبة خلاص الحضارة الإغريقية المجيدة من برابرة الشرق والغرب. أما اليوم، فتسحق المصارف الألمانية اليونان تحت ثقل نظام اقتصادي صُمم للحفاظ على ثروات تلك المصارف وسلطتها.

هذا، وقد حذّر مشروع تقرير جديد وضعته «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ»، وهي المدقق المحافظ عموماً في ما يطال العالم المادي، من النهاية المرجحة لحقبة الحضارة. ويختتم التقرير بالقول، إن ازدياد انبعاثات الغازات الدفيئة قد يؤدي إلى «تداعيات خطيرة، ومنتشرة ونهائية، بالنسبة للبشر والنظم البيئية» خلال العقود المقبلة. وتوشك حرارة العالم على بلوغ درجات يستحيل معها توقيف خسارة الغطاء الجليدي في غرينلند. وقد يخلف ذلك، بالتوازي مع ذوبان الصحيفة الجليدية في أنتاركتيكا، ارتفاع مستوى سطح البحر ليغمر المدن الرئيسية، بالإضافة إلى السهول الساحلية.

وتكاد حقبة الحضارة تصادف عصر الهولوسين الجيولوجي، الذي بدأ منذ أكثر من 11 ألف سنة. وقد دام عصر البليستوسين السابق له مليونين ونصف مليون سنة. ويفيد العلماء اليوم بأن عصراً جديداً بدأ منذ 250 سنة تقريباً، وهو عصر الأنثروبوسين، حيث كان لنشاط الإنسان أثراً مذهلاً على العالم المادي. هذا ويصعب تجاهل معدل تغير العصور الجيولوجية.

ومن ضمن مؤشرات التأثير البشري انقراض الأنواع، الذي يبلغ معدله اليوم مستويات تناهز تلك التي سجلها منذ 65 مليون سنة عندما ضرب كويكب الأرض، الأمر الذي يشكل السبب المفترض لانتهاء عصر الديناصورات، ما أفسح المجال أمام تكاثر الثدييات الصغيرة، والجنس البشري المعاصر في نهاية المطاف. واليوم، بات البشر هم الكويكب، بحكمهم على الكثير من تلك الأجناس الحية بالانقراض.

يعيد تقرير «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» التأكيد على ضرورة إبقاء «الأغلبية العظمى» من احتياطات الوقود المعروفة تحت الأرض منعاً لظهور مخاطر لا يمكن لأجيال الغد تحمّلها. وفي الوقت عينه، لا تخفي أهم شركات الطاقة هدفها المتمثل في استغلال تلك الاحتياطات واستكشاف أخرى جديدة.

وعشية تلخيصها لاستنتاجات «الهيئة»، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأنه يُسمح لمخزونات ضخمة من الحبوب في وسط غرب الولايات المتحدة بالفساد، إفساحاً للمجال أمام نقل منتجات الطفرة النفطية في داكوتا الشمالية إلى دول آسيا وأوروبا عبر القطارات.

ومن أكثر تداعيات الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية إثارةً للخوف، ذوبان الأراضي دائمة التجمد. وفي هذا السياق، تحذر دراسة صادرة في مجلة «ساينس» العلمية قائلة: «حتى درجات حرارة أعلى بقليل (وأدنى من تلك التي يتوقع بلوغها في السنوات القادمة) قد تبدأ بتذويب التربة الصقيعية، الأمر الذي يهدد بدوره بالتسبب في انبعاث كميات هائلة من الغازات الدفيئة المحصورة في الجليد»، بالتوازي مع احتمال وقوع «عواقب فتاكة» قد تنعكس على المناخ العالمي.

وتشير أرونداتي روي إلى أن «الاستعارة الأنسب لوصف جنون زمننا هذا» تكمن في كتلة سياشن الجليدية، حيث تقاتل جنود من القوات الهندية والباكستانية على أعلى قمم ساحات المعارك في العالم. وتشهد هذه الكتلة اليوم ذوباناً لتكشف عن «آلاف القذائف المدفعية الفارغة، وخزانات الوقود الخالية، وفؤوس الجليد، والجزم القديمة، والخيم وغيرها من أنواع المخلفات التي يتركها آلاف البشر المتحاربين» في نزاع لا معنى له. ومع ذوبان الكتل الجليدية، تواجه الهند وباكستان كارثة تفوق الوصف. حزينة هي تلك الأجناس. مسكينة هي تلك البومة.

-------------------

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

===================

سورية.. من الدولة إلى مملكة النهر .. محمد صبرا

العربي الجديد

الثلاثاء 16-9-2014

يتحدث السوريون عن سورية ويتغنون بها، لكنك لو سألت سورياً عن حدود وطنه ودولته التي يعيش بها، لفاجأتك الإجابات، ولسمعت حديثاً متواصلاً عن سورية، بحدودها التي تصل إلى تخوم الحجاز جنوباً والمتوسط غرباً وجبال طوروس شمالاً، بينما الشرق مدى مفتوح، لا يمكن لسوري تحديده بدقة. وقد تسمع حديثاً عن المحيط والخليج وعاصمتهما، وعن دمشق عاصمة الدولة الأموية.

كانت سورية أشبه بفضاء حضاري وإنساني وثقافي، أكثر منها كياناً محدداً يؤطر الهوية الوطنية. لقد أسس إعلان الاستقلال الصادر في 8 مارس/آذار عام 1920 للمملكة السورية العربية، ووضع حدوداً لها تضم الأردن وفلسطين ولبنان وسورية الحالية، وعلى الرغم من انتهاء المملكة خلال بضعة أشهر، بعد دخول الجيش الفرنسي إلى سورية، إلا أن هذا الإعلان بقي في اللاشعور الجمعي السوري، ما ساهم في انفصال الهوية السورية عن واقع الكيان السياسي.

زرعت مناهج التعليم التي فرضها نظام البعث، منذ منتصف القرن الماضي، فكرة أساسية لدى عموم السوريين، أن وطنهم ودولتهم ثمرة مؤامرة استعمارية بريطانية فرنسية مشتركة، رسمها شخصان، سايكس وبيكو. وقد أفرزت هذه المناهج فكرة رفض الكيان السوري بحدوده الحالية، وجعلت السوري يعيش شعوراً هوياتياً، غير مطابق للكيان الذي يعيش فيه، إذ كان قلق الهوية والكيان واضحاً في تصرفات السوريين وفي خطابهم، حتى النخب السياسية المفكرة كانت تتحدث عن كل شيء، إلا الهوية الوطنية السورية، بل حمل خطابها عن بناء دولة نوعاً من التبرير، وبأن هذه الدولة مؤقتة، وهي الخطوة الأولى للحديث عن بناء الأمة العربية، وهذا كان موقف التيار القومي، بكل تفاصيله البعثية والناصرية وسواها.

وكان التيار الإسلامي يتحدث عن أخوة الإيمان والإسلام، وعن دولة حالة إسلامية عائمة لا حدود لها، مواطنوها فقط هم المؤمنون. ولذلك، يمكن تمييز الاتجاهات الثلاثة التي سادت في الوسط السياسي السوري، القومي واليساري والإسلامي، وجميعها تحدثت عن هوياتٍ مفترضة ما فوق تاريخية، ثابتة منذ الأزل، وهي عابرة للكيان، ولا تتطابق موضوعياً معه، وأنتجت هذه الحالة غياباً كاملاً لمفهوم المواطن المنتمي إلى كيان سياسي محدد، يمارس حقوقه ضمن هذه الحدود، وسمحت لنظام "البعث" مثلاً بأن يغيب في الدساتير التي أنتجها مصطلح الشعب السوري تغييباً كاملاً، فدستور حافظ الأسد لعام 1973، ومن بعده دستور بشار الأسد لعام 2012، لا يستخدمان تعبير الشعب السوري، بل يستخدمان مصطلحاً رديفاً هو "الشعب العربي في سورية". وعند حديثه عن المجتمع، يستخدم مصطلح "المجتمع في القطر العربي السوري" (المادتان 1 و134 من دستور 1973)، وهما المادتان اللتان ذكرتا في دستور عام 2012 في المادة الأولى التي تقول "الشعب في سورية جزء من الأمة العربية"، إذ جاء مصطلح الشعب، من دون إضافة كلمة السوري، بل هو بالتعريف الشعب الذي يقطن سورية، وليس شعباً سورياً.

تتناول هذه المقدمة أحد عوامل عدم تشكل الهوية الوطنية، لكنها تسمح لنا بفهم تعقيداتٍ كثيرة تعتري المشهد السوري اليوم. كانت الثورة السورية الفرصة الأولى التي تتاح فيها لهذا الشعب بلورة هوية وطنية متعينة في الواقع، ففي البداية، اكتشف الشعب السوري ذاته، واكتشف هويته الوطنية، ولم يكن شعار مظاهرة الحريقة في فبراير/شباط 2011 عبثاً "الشعب السوري ما بينذل"، ثم تدحرجت الشعارات من مكان إلى آخر، وهي تزداد عمقاً في تأكيد أن الشعب السوري واحد. كانت الثورة مناسبة ليتعرف السوري على نفسه أولاً، وليكتشف أبناء سورية الآخرين، محطماً الصور النمطية المخزنة عنهم. كان هذا في العام الأول، ثم تغير المشهد كلياً، ففي العام الثاني، تمت إعاقة عملية تشكل هوية وطنية سورية، بشكل رئيس، بسبب وحشية النظام وسياساته التي تنفي وجود الشعب، وبعده الحقوقي، وإصراره على الحديث عن طوائف مهددة، إلى جانب دور الخطاب البائس والعقيم للمعارضة.

 في خطاب القسم، حدد بشار الأسد أن في سورية نوعين من البشر، وطنيين شرفاء هم الذين معه، وخونة عملاء نظفت البلاد نفسها منهم. واستخدم مصطلح "العيش المشترك" بين السوريين، استعاره من السياسة اللبنانية، وهو مصطلح غريب عن القاموس السياسي السوري. كان خطاب القسم واضحاً في دلالاته، عندما حدد أن هناك أزمة أخلاقية وثقافية بين جزأي الشعب المعارض والموالي. لم يعد الصراع من وجهة نظره خلافاً سياسياً، بل صار يحمل بعداً حضارياً، ما يمنع من الاستمرار في وطن واحد. كان الخطاب تأسيساً لـ"سورية المفيدة" التي تحدثت عنها مراكز أبحاث غربية منذ شهر فبراير/شباط الماضي، والتي تضم حوضي العاصي وبردى، مقابل سورية الكبيرة التي تترامى على ضفاف حوض الفرات. كان خطاب القسم تماهياً كاملاً مع هذه الطروحات الجديدة في السياسة الدولية، ليحكم بشار سورية المفيدة، ولتترك سورية الكبيرة للفوضى.

كان خطاب القسم لاوطنياً بامتياز، من حيث نفيه فكرة الوطنية السورية. وفي الطرف الآخر، ساهمت المعارضة في هذا الأمر بالتأكيد على نفي الوطنية السورية، وتدمير رموزها الجامعة. في اجتماع الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في يوليو/تموز الماضي، اعترض عضو على قراءة النشيد الوطني في افتتاح الاجتماع، وعلى الرغم من أن النظام الأساسي للائتلاف ينص بأن تبدأ اجتماعات الائتلاف بالنشيد الوطني، إلا أن اعتراض هذا العضو وتأييد بعضهم له أدى إلى افتتاح الاجتماع من دون قراءة النشيد. وتقول هذه الرمزية الأخيرة إننا شعب تدمره، أيضاً، المعارضة السياسية، ووصل الأمر إلى حد أن جبهة النصرة اتهمت عناصر أحرار الشام والجبهة الإسلامية بالكفر، لأنهم استخدموا مصطلح الوطنية السورية في ميثاق العمل الثوري الذي أصدرته الجبهة الإسلامية في أيار/مايو الماضي، والسجال الذي دار بين الطرفين يوضح، بشكل جلي، رفض فكرة وجود وطنية سورية عند أغلبية الفصائل الإسلامية المقاتلة.

وهذا، بالضبط، ما سمح لتنظيم الدولة الإسلامية بتعيين ولاة وأمراء على المناطق السورية من غير السوريين. وهذا مشهد لم نر مثيلاً له في أفغانستان التي رفضت تعيين أي أمير من المجاهدين العرب على مناطقها، في غضون الجهاد الأفغاني. ويدل قبول سوريين بهؤلاء دلالةً واضحة على تشظي مفهوم الوطنية السورية، ما سمح لتنظيم الدولة الإسلامية بالتمدد شعبياً وبمبايعة بعضهم له، وهو، أيضاً، ما سمح بقبول وجود مقاتلين لبنانيين وعراقيين وإيرانيين يقاتلون في صفوف النظام، ويقيمون حواجز لهم في بعض شوارع دمشق.

باتت سورية اليوم مقسمة إلى مملكتين، مملكة نهر الفرات التي تحكمها داعش، ومملكة العاصي وبردى التي يحكمها بشار، والحد الفاصل بينهما خط (الرقة -السلمية –تدمر- طريق دمشق دير الزور) الذي باتت ترتسم معالمه تدريجًا، وبقية المناطق تفصيل على هامش هاتين المملكتين، وهي مهددة بالسقوط بين يدي إحداهما.

إنها اللعنة الآرامية الجديدة، ممالك الآراميين التي تقاتلت ألفي عام، ولم تتوحد إلا في ظل محتل أجنبي، ولم تستطع عبر تاريخها الطويل بناء دولة مركزيةٍ، تعبر عن حضارة الآراميين، ونحن، اليوم، نشهد هذا التشظي القاتل والدامي. والجميع مطالبون، اليوم، مفكرين وسياسيين وأحزاباً وجمعيات مدنية، بالعمل من أجل إعادة إنتاج الذات السورية وبناء الوطنية السورية الجامعة، فهذه المهمة لا تقل أهمية عن التخلص من نظام الاستبداد، وربما كانت الشرط الأولي للتخلص منه.

============================

حول خرافة عدم التدخل الأميركي في الصراع السوري .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 16-9-2014

لم يتوقف الأميركيون عن التدخل في الصراع السوري منذ البداية، وإن تغايرت أشكاله. ومنذ نهاية 2011، غلب أن كان هذا التدخل لغير مصلحة الثائرين على النظام، وليس ضد النظام، خلافاً لما يفضل أن يروجه النظام والممانعون، وخلافاً لما يظنه طيف واسع في الغرب، ممانع بطريقته، يُعرّف نفسه بدلالة الموقف من إمبريالية مجردة لا يقاومها فعلياً، وذلك بدرجة تتناسب مع فقدانه زمام المبادرة الفكرية والسياسية، وارتداده إلى طائفة خاصة بين طوائف الغرب الكثيرة.

بداية، وفي مناخات «الربيع العربي» عمل الأميركيون على ملاقاة مطلب السوريين في تغيير نظامهم السياسي، وخلال بضعة الأشهر الأولى تواترت تصريحات من قمة الهرم الأميركي تقول إن النظام فقد شرعيته، وتقدر اقتراب نهايته. كان هذا مشجعاً للسوريين في كفاحهم ومُرجِّحاً إثماراً غير متأخر له.

واستناداً إلى هذا الموقف الإيجابي مبدئياً من الثورة السورية، تصدر الأميركيون مجموعة «أصدقاء الشعب السوري»، وقادوها، ضد إرادة أعضاء آخرين فيها (فرنسا، تركيا، قطر...)، إلى شلل مشهود، وعدم مساعدة الشعب المنكود بشيء.

في البداية تذرع الأميركيون بافتقار المعارضة السورية إلى إطار سياسي موحد، حتى إذا تشكل هذا الإطار في خريف 2011 بدأوا يتذمرون منه، ولم تكن عيوبه هي ما أزعجتهم، بل خاصة التزامه الشعار المعرّف للثورة: إسقاط النظام. وهذا لأن عينهم كانت على حل تفاوضي، لا يفسح له ذلك الشعار هامش مناورة. ولم يكن تفضيل الحل التفاوضي مشكلة بحال، لكن الأميركيين لم يفعلوا أي شيء لدفع النظام نحوه. وفي 2012 ضغطوا على دول إقليمية، تركيا وقطر بخاصة، لمنع تقديم عون عسكري فعال لمقاتلي الجيش الحر، بما في ذلك مضادات دروع بمقادير مؤثرة، وهذا من دون أن يكون لهم في أي وقت تأثير في روسيا لوقف تسليح النظام، أو في إيران لوقف إمداداتها البشرية أو المالية إليه. وفي أواخر عام 2012 نفسه، تدخل الأميركيون عند دول إقليمية لتضغط على تشكيلات مقاتلة سورية كي لا تحاول دخول العاصمة دمشق.

وفي نهاية 2012، عمل الأميركيون على تشكيل إطار بديل للمعارضة السورية، الائتلاف الوطني، لم يساعدوه بشيء على الإطلاق، حتى بعد أن كانت وزيرة خارجيتهم وضعت كل ثقلها لإضعاف الإطار السابق، المجلس الوطني. لم يكن قد تشكل الائتلاف حتى كان مسؤولون أميركيون صغار وأصغر يتصلون من وراء ظهره بنشطاء سوريين وينالون من شرعية الإطار الجديد ومرجعيته.

ثم جاءت المذبحة الكيماوية في آب (أغسطس) 2013، وكان ظاهراً بعد أيام من وقوعها أن أوباما مستعد لابتلاع خطه الأحمر، وهو ما وفرته له المبادرة الروسية بسحب السلاح الكيماوي للنظام. كان هذا عملياً إجازة للنظام بأن يستخدم جميع أسلحته الأخرى في قتل السوريين، وهو ما لم يقصر فيه فعلاً.

وفي مطلع ها العام ضغط الأميركيون على الائتلاف للمشاركة في مؤتمر جنيف الذي بدا ظاهراً أنه سيكون لا - حدثاً، وقد عكس بالفعل حقيقة أنه لا سياسة للأميركيين حيال سورية غير هندسة سير البلد إلى الهاوية.

وفي الأثناء، درب الأميركيون مقاتلين سوريين في الأردن، مئات منهم، بما يكفي للقول إنهم متدخلون في الصراع السوري، لكن بما ينضبط بمنهج «إدارة الأزمة»، ولا يفضي إلى تعديل في موازين القوى عل الأرض. وليس ظاهراً على كل حال أن أياً من هؤلاء المقاتلين شارك فعلياً في الصراع ضد النظام السوري. يبدون، بالأحرى، ورقة أميركية احتياطية أكثر مما هم قوة سورية مقاومة للنظام.

ليس كل ذلك وجهاً لسياسة لا - تدخل أميركية جديدة، فالجماعة بصدد تشكيل ائتلاف دولي وإقليمي كبير اليوم لمواجهة نظام «داعش». وهذا بعد وقت قصير من استيلائه على الموصل في العراق واستكمال سيطرته على الرقة السورية وإعلان نفسه دولة خلافة. زعم اللاتدخل خرافة. والولايات المتحدة اليوم لا تنوي التحول من لا تدخل إلى تدخل، بل من شكل للتدخل يحول عملياً دون تسجيل الثائرين على النظام نصراً، إلى شكل يستهدف «داعش» أساساً، ويلحق الصراع السوري ككل بهذه المواجهة. ليس هناك ما يسوغ توقع خير من خفض صراعنا إلى مرتبة ثانوية بعد الصراع مع كيان إرهابي.

ما يبنى على ذلك ليس أن الأميركيين لا يتدخلون في سورية، بل إنهم مارسوا طوال الوقت شكل التدخل المناسب لهم، والمتسبب بضرر عظيم لسورية، مجتمعاً وكياناً وعمراناً مادياً. قد تكون عوامل ذلك إسرائيلية أو غيرها، لكن الكلام على عدم تدخل أميركي هو خرافة. وأكثر من يعرف ذلك ويبني تقديراته عليه هو النظام الأسدي.

ويجب ألا ننسى أننا نتكلم على الدولة الأعظم، المتدخلة بنيوياً بعمق في تكوين المنطقة منذ حوالى ثلاثة أرباع القرن. الولايات المتحدة جزء لا يتجزأ من النظام الشرق الأسطي الذي تتوجه دوله كله نحو الخارج بفعل وجوده هو في الداخل. الاقتصار في محاولة فهم المنطقة على اعتبار دول الأقليم وحدات سياسية ضمن نظام تنافسي عالمي مضلل إلى أقصى حد هنا. الشرق الأوسط هو النظام الذي تشكل الولايات المتحدة موقع المرجع في تفاعلاته، وأمن إسرائيل وحريتها أولوية عليا فيه، وسلامة السلسلة النفطية والدول الحارسة لها أولوية عليا أخرى.

لذلك، فإن الكلام على عدم تدخل أميركي في الصراع السوري لا معنى له بالنظر إلى هذا الواقع البنيوي المديد الذي تتشكل سياسات الدولة وأنظمة حكمها باستبطانه ومراعاة منطقه. النظام الأسدي ليس بحال نتاجاً حصرياً لديناميات داخلية سورية، ولا أي من نظم المنطقة الأخرى، ولا أيضاً سيادة إسرائيل الإقليمية. وعلى خلفية الدخول الأميركي البنيوي في نظام المنطقة، تغدو الإعلانات الأميركية والأطلسية المتكررة طوال 2012 عن عدم النية في أي تدخل في سورية رسالة تطمين للنظام الأسدي، ومؤشراً إلى إرادة إبقاء الوضع الذي يستطيع النظام فيه الاستمرار في قتل محكوميه.

لا نقول إن الأميركيين سعداء بقتل السوريين وتدمير بلدهم، ولكن لا يجدون في هذا ما يتعارض مع أولوياتهم: إسرائيل، البترول، الاستقرار. كان من شأن انتصار الثورة السورية في عامها الأول أن يكون مصدر عدوى أوسع في الإقليم الحيوي. اللاستقرار السوري، ولو بلغ حد جعل البلد غير قابل للحياة، يحمي الاستقرار في نطاق أوسع.

وما يبنى على هذه الاعتبارات أن التدخل الأميركي الوحيد المرفوض من ممانعين محليين ودوليين هو التدخل الفعال ضد النظام الأسدي. ليس حتى أن الجماعة ضد الحرب، فهم لم يخرجوا يوماً ضد حرب النظام على محكوميه، وبعد أيام من المذبحة الكيماوية، كانوا يتظاهرون ضد احتمال معاقبة النظام على جريمته، وليس ضد المذبحة الكمياوية ذاتها. بعد أيام قليلة تكشّف أن معاقبة نظام فاشي على جرائمه شيء أكثر تقدمية وعدالة من أن يقوم به الأميركيون. شيء Too good to be true، كما يمكن أن يقال بالإنكليزية.

لكن، ليس ما يهتم به هذا التناول موقف هذه التشكيلات الممانعة العاطلة، بل فهم واقع الحال. الواقع أن الأميركيين يهندسون الوضع، يديرون الأزمة بالصورة التي تناسبهم. يعدون لتدخل حربي ضد «داعش» لأن هذا يناسبهم، ولا يتدخلون حربياً ولا يساعدون مقاومي النظام على إسقاطه أو الضغط الجدي عليهم لأن هذا لا يناسبهم. وفي ما يناسبهم وما لا يناسبهم لا تشغل حقوق السوريين وحياتهم، وحاجتهم إلى التغيير السياسي في بلدهم وبناء نظام سياسي جديد أكثر استيعابية، مكانة تذكر.

ولا نقول إن هذا خطأ أخلاقي لا يليق بالقوة العظمى، الدولة كائنات أنانية تتصرف كلها هكذا. لكنه فقط محاولة لوصف الواقع بوضوح كي يراه أي مشتغلين سوريين بالشأن العام، ويبنوا على ذلك مقتضاه. وكذلك كي لا نُمكِّن الأميركيين من أن يعطونا دروساً في القيم والسياسة.

============================

«داعش».. توحيد للعالم الآن فقط! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 16-9-2014

انطلقت عواصم الغرب منذ بعض الوقت تعلن بصوت لاهث، دعوتها للوقوف في وجه "التسونامي" الإجرامي الجديد "داعش"، الذي يمثل ظاهرة خطيرة في الحقل الأكثر حساسية، أي في حقل الأديان والعقائد والأيديولوجيات، فهذه جميعاً تبرز هنا بصفتها حقولاً مغلقة بإطلاق لا تحتمل قراءة متحركة أو قراءات متعددة ممكنة، فإما أن تأخذ بها جزءاً وكلاً، وإما أن تأخذ مكانك بمثابة حالة مطلقة ومغلقة وغير قابلة للاحتمالية ولا للتأويل، بصيغة ما وبوجهة ما، فإن موقفاً من هذا النمط يُعرّف بذاته من دون غيره.

إن قيام المسلم ببذل جهد صادق في قراءته وتأويله النص القرآني المقدس، يعتبر مدخلاً مقبولاً، مع حثّه على الاجتهاد وتدخل هنا كذلك الفكرة المستنبطة من الحديث النبوي القائل أن «القرآن ذو وجوه متعددة، فخذوا بوجهه الحسن»، لتعمق أبعاد القراءة القرآنية (الحسنة).

ذلك جميعاً يجعل أمثال "داعش" حالة أو قراءة أو أمراً مستعصياً على البشرية وخارجاً عن القراءة الحسنة وما عليها، وهذا بدوره يضع الناس المؤمنين في آخر فسحة من عنق الزجاجة، مما يُخرج الموقف من المنظومة الدينية الإسلامية والمنظومة الأخرى الإنسانية النبيلة.

ما وصل إليه "داعش"، وما يطالب به يُمثل حالة تعجيزية بحد أقصى، وهذا يعني أن (داعش) نفسه يمثل ضحية الفساد والإفساد والظلم والاستبداد والإفقار، الذي عمّ العالم واخترقه، والملاحظ الطريف أن هذا الواقع الهائل في ظلاميته ومأساويته هو الذي يُراد له الآن أن يوحّد العالم تحت راية (مكافحة الإرهاب)، لماذا يعيش هذا العالم في ذعر مريع؟ لأن الموس وصل إلى ذقونهم جميعاً! والحق، إذا ما تتبعنا تاريخ الإرهاب بدقة، وجدنا إحدى مراحله ماثلة في مداخل ومظاهر متعددة، منها الدولة الطبيعية الطائفية بسلطة استبدادية تلتهم ثروة المجتمع وحق العمل وعدالة العمل ومصداقية المدرسة وشفافيتها، معاً مع تكريس إعلام الوطن والشعب والبناء لخدمة رؤوس أو رأس الدولة والمجتمع، ومع قضاء فاسد يلتهم الحق والحقيقة ويزج في السجون عشرات ألوف الشرفاء والمهمشين… الخ، إن مجتمعاً يقوم على الحرية والعدالة والمدنية والديمقراطية والمساواة هو الذي يحول دون نشوء الفساد والإفساد والاستبداد والإفقار والإذلال والتهميش والتجهيل المعرفي والثقافي، ومن ثم الإرهاب وهذا ما هيمن على المجتمعات الرأسمالية الاستعمارية والأخرى المتخلفة والمخلَّفة والمحكومة من قبل آليات النظام الأمني الاستبدادي واستئثار بالثروة والسلطة والإعلام والمرجعية المجتمعية.

هكذا نضع يدنا على قاع الإرهاب وجذره، إنه مجتمع القلّة الفاسدة المجرمة التي أثْرت وتُثري على حساب الأكثرية الكادحة. هذه القلة التي قد توظف الهوية الطائفية أو الدينية أو الإثنية في خدمة التأسيس لتفكيك مجتمعها وإفقاره وإذلاله وتهميشه من طرف أول، إضافة إلى أنها قد تستفز هذا المجتمع وتورّد له أنماطاً من المشكلات والاستفزازات ذات الديمومة الزمنية من طرف آخر، تلك التي تبرز منها مثلاً مأساة الشعب الفلسطيني، ومن ضمنه أطفال ونساء، وكذلك مأساة الشعب السوري الذي يعيش مأساة إجرامية غير مسبوقة، ومن ضمنها صورة تهز الأعماق لطفل بعمر ستة أو سبعة أعوام، وهو نائم بين قبرين لأمه وأبيه.

الإعلان عن تشكيل قوات عسكرية عالمية لمواجهة "داعش" أمر مشروع وفي غاية الأهمية، ولكن من دون غض الطرف عن كون الإرهاب الذي يهز العقل والضمير والإنسانية والذي يعيشه العالم، لم يأت من "داعش" فحسب، بل هو ذو تاريخ أسود أنتجته وكرّسته وعمّمته مرجعيات العصابات الدولية خصوصاً في البلدان التي تقوم على جهود عصابات متخصصة بالقتل والذبح، الذين يبرزان بمثابة استراتيجية دولة أو بعض دولة، إن "داعش" تعبر عن أكثر الجرائم خِسّة وشناعة، ولكن الفريق الآخر الذي يحصر الإرهاب في حقل الغرب الراهن ويبرر بلداناً من الشرق ليست بعيدة عن المشاركة في الحرب ضد الشعب السوري وفي سبيل تكريس نمط من الإرهاب الدولي.

ليس ثمة ما يسمح بتسويغ أعمال الطرف الآخر من المعادلة، أو ما يُخفي أعمال هذا الطرف الآخر، كلاهما، الغرب والشرق متورط بأعمال إرهابية موجهة إلى الشعب المظلوم، وعلى أرضه، ويبقى القول حاسماً بأن الدعوة إلى تأسيس قوة دولية مضادة لداعش، إنما كان على من يُطلقها ألا يسوغها، لأن الأيام والسنين السابقة عليها لم تكن تخلو من أعمال إجرامية قام بها الغرب وألحق عبرها الأذى الهائل بحياة وحقوق شعوب عربية مكافحة، في فلسطين وفي العراق وفي سوريا ولبنان وغيرهما، إذن، لنقل دعوة لتوحيد العالم عبر إسقاط قوى الشر والإجرام والإرهاب في كل العالم، ومن أجل تحقيق شعار العصر: الحرية والعدالة والكرامة والمساواة في مجتمعات وأوطان من نمط وموطن حر وشعب سعيد!

============================

القنوات الفضائية «الإسلامية» .. حسين العودات

البيان

الاثنين 15-9-2014

تتواجد في جميع بلدان العالم قنوات تلفزيونية فضائية تختص بشؤون الدين، وأحياناً تقتصر برامجها كلها على هذا النشاط الذي تمارسه على مدار الساعة، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تسطيح هذه البرامج وفقدانها لأهميتها، واضطرارها للحديث عن أي شيء، وأحياناً اختراع هذا الشيء لملء وقت البرنامج.

واستضافة من يعرف ومن لا يعرف، وإفساح المجال له ليقول ما يشاء و«يفتي» بما يشاء، واضطراره أحياناً للجوء إلى كلام مبعثر وقصص خيالية، وعدم احترام عقل المتلقي أو الانتباه لما إذا كان حديثه يسيء للدين ويحوله.

وتسكت القنوات الفضائية عن مثل هذه السلبيات المحتملة، وتحرص على الأمور الثانوية التي يمكن الخوض فيها بحكايا لا تختلف كثيراً عن حكايا «الدواوين» أو «المقاهي»، ما يؤدي لتزييف الوعي وتشويه الثقافة، بل وتشويه الدين.

كان لدى البلدان العربية قبل عقد، ما يقارب خمسين قناة فضائية تهتم بالشؤون الدينية، وقد وصل هذا العدد الآن إلى 150 قناة، أي تضاعف العدد ثلاث مرات خلال بضع سنوات.

ولعل هذه الزيادة غير العادية، تعود لعدة أسباب، منها تفجر الاتصالات والتقنية وسهولة تأسيس القنوات وتشغيلها وقلة تكاليفها نسبياً، ولحماس بعض الأثرياء للدين واستثارة عواطفهم الدينية، وبعضها يعود لزيادة عدد تنظيمات الإسلام السياسي في البلدان العربية، أحزاباً وتيارات، ولجوئها لتأسيس قنوات فضائية تعبر عن آرائها وتقوم مقام الدعاة. وفي الخلاصة أصبحت هذه القنوات شريكاً في تأسيس وعي هش، وثقافة خاصة تراكمت مع الزمن تحت خيمة الدين.

من المفروض أن تكرس القنوات الفضائية المهتمة بالشؤون الدينية، برامجها لشرح صحيح الدين وأصوله وأساسياته وتاريخ انتشاره، وتطور تطبيق أحكامه مع مرور الزمن وتغير الظروف والأحوال، وتهتم بتفسير الآيات المحكمات وأسباب النزول، وبكيفية استيعاب تعاليم الدين لمستجدات الحياة وتطور العلوم والمجتمعات، وللحداثة وما بعد الحداثة وغيرها، وتكون بذلك، وبما يشبهه، قد أدت دورها العظيم في خدمة الدين وتعاليمه.

لكن هذه القنوات، وبسبب عجزها وجهل القائمين عليها، توجهت إلى القضايا الثانوية سهلة التداول والشرح، ومع الزمن سفّت في شرحها وتفسيرها، وكثيراً ما يقودها هذا إلى «الهذر» الذي لا تحمد عقباه، خصوصاً وأنها تأخذ أقوال بعض الفقهاء دون تدقيق أو تمحيص، لمعرفة مدى مطابقتها ليس لمصالح الناس وواقعهم فقط، بل لصحيح الإسلام نفسه.

لقد أدى الجهل والعجز وضحالة البرامج والاهتمام بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل، على حساب الجوهري والأصول والرئيسي، لهروب هذه القنوات إلى أهداف وسبل أخرى، أهمها رفض الآخر وإقصاؤه والابتعاد عن فهمه والتفاهم معه.

وتجاهل معظم قيم الإسلام العظيمة، كالتسامح والحرية والعدالة والمساواة والالتزام بالواجبات وبحقوق الآخرين، سواء كان هؤلاء من أتباع دين آخر أو مذهب إسلامي آخر، أو حتى من أتباع اجتهاد آخر في المذهب الواحد، ورميهم بالزندقة والكفر والخروج على الإسلام.

وإباحة دمائهم وأموالهم، والإصرار على إسقاط شروط الماضي وظروفه على الحاضر، وكأن الزمن توقف منذ العصر الأول للإسلام، وتستوي في ذلك القنوات الناطقة باسم مختلف الطوائف ومختلف الأديان أيضاً، وإلباس هذه المفاهيم بأحاديث نبوية، بل إعطاء الأحاديث (صحيحها وضعيفها) قوة تساوي ما جاء في الذكر الحكيم، وأحياناً تهميش الآيات القرآنية لحساب أحاديث بعينها، دون أن يجمع الفقهاء على صحتها.

وفي الخلاصة، بدلاً من أن تهتم القنوات الفضائية الدينية بتخليص صحيح الإسلام مما علق به من أقوال وحكايا ومواقف فقهية وفتاوى ضعيفة أو مبنية على مرجعيات ضعيفة، أخذت أكداس الفقه كما هي، وبدأت تغرف منها (غثها وثمينها) دون تبصر، وكأنه لا يكفي الإسلام ما واجهه من تحريف وتشويه من أهله ومن غيرهم، حتى أخذت هذه القنوات تكمل المهمة بفخر وبلا مسؤولية.

وبسبب بؤسها وقصورها عن أداء مهمتها وعدم فهمها لصحيح الدين ولخطورة تشكيل وعي مزيف هش، وبسبب إصرار تيارات الإسلام السياسي على كسب الأنصار بواسطتها، تحول بعضها إلى قنوات دعاية سياسية، بدلاً من أن تكون قنوات دعوة وتعميق للمفاهيم الدينية، وإحياء لأصول الدين.. وهكذا وضعت الدين تحت أكداس الصغائر والتفاصيل والفقه العامي والحكايا و(الحواديت).

============================

معادلة الإخلاص والصواب: «أحرار الشام» مثالًا .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 14-9-2014

معادلة الإخلاص والصواب: «أحرار الشام» مثالًا"إن من شيوخي مَنْ أستنزلُ بهم المطر ولكن لا أقبل شهادتهم".. بهذه الجملة القصيرة والمُعبّرة التي صدرت عن أحد علماء المسلمين منذ قرون، يمكن وضع قاعدة ذهبية لتجاوز المأزق الناتج عن الخلط بين مسألتي الإخلاص والصواب، خاصة عند الحكم على الأفكار والمواقف الصادرة عن البشر، أيًا كانوا وأيًا كانت مواقعهم في المجتمع.

كانت تلك المقولة محاولة عبقرية مبكرة لإدراك خطورة ذلك الخلط، ليس فقط على محاولات المسلمين لتنزيل قيم الإسلام ومبادئه على واقعهم المعيّن بالشكل المطلوب، وإنما أيضًا على أصل التصورات الإسلامية في العقول والقلوب. إذ إن من المستحيل فهم آفاق وأبعاد ومقاصد تلك التصورات، من خلال التركيز القوي والمستمر على معاني الإخلاص لها، والرغبة الصادقة لتحقيقها وحمايتها، في غياب الأدوات العقلية والعلمية التي تساعد عمليًا على تحقيق ذلك الحفظ وتلك الحماية.

ثمة ضغط نفسي وعملي شديد على السوريين بشكل عام، وعلى الإسلاميين منهم تحديدًا، يجعل مجرد الحديث في مثل هذه القضايا مدخلًا للاتهام والشكوك وسوء الظن، خاصة إذا تجاوز الكلام الطروحات النظرية المجردة، ودخل في تفاصيل الأمثلة الواقعية. وما من شك أن مجرد قراءة عنوان المقال ستكون، لدى بعضهم مدعاة للغضب والتبرم، والإعراض عن متابعة القراءة في أقل الأحوال. سيما حين يأتي الكلام بعد أيام من استشهاد قادة "أحرار الشام" بشكلٍ أثار مشاعر الحزن والأسى لدى شريحة واسعة من السوريين.

وحتى نختصر التقديم للموضوع، نؤكد اعتقادنا أن إنشاء الحركة وتاريخها وممارساتها ومآلاتها الراهنة تشكل جميعًا مثالًا تطبيقيًا صارخًا على ملابسات الخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب.

كان تشكيل الحركة من البداية متميزًا عن غيرها، وذلك بعامل أساسي يتمثل في اجتماع شريحة من الثوار السوريين المشهود لهم بين معارفهم بالإخلاص. ومع الفوضى العارمة التي صاحبت إنشاء كثير من الفصائل الأخرى، وما رافق ذلك من أحداث ومعلومات وممارسات تتعارضُ، من قِبل أهلها، مع مقتضيات الإخلاص بشكلٍ أو بآخر.. استقطبت الحركة مزيدًا من الكوادر التي كانت أقرب إلى معاني الإخلاص ومقتضياته. ولئن كان الإخلاص في جوهره أمرًا قلبيًا بين المرء وربه، إلا أن تلك المقتضيات تظهر في معاني التجرد والتواضع وإرادة الخير للناس، ودرجةٍ تستطيع الشعور بها من صلة المرء بخالقه، والالتزام بما يؤمن به من مباديء.. وغير ذلك من الظواهر التي كانت شائعةً في أوساط الحركة، وخاصةً في صفها القيادي. هذا ما اتفق عليه كثيرون ممن يثق المرء برأيهم، وهو ما ظهر لي شخصيًا في لقاءات قليلة مع بعض القيادات أيام العمل في أوساط المعارضة، ومع بدايات تشكيل الحركة.

بالمقابل، كانت الحركة مقتنعة تمامًا بفكرة إقامة (الدولة الإسلامية) في سوريا منذ البدايات. ورغم كل الحوارات المتعلقة بافتقاد تلك الفكرة إلى الواقعية من منطلقاتٍ إسلامية وسياسية وعملية، بقيت الحركة متمسكة بالفكرة فترةً طويلة. وصاحبَ هذا التفكير زهدٌ كبير في أي تعاون مع القوى المختلفة للثورة السورية السياسية أو العسكرية، ولو في بعض المجالات، أو إنشاء قنواتٍ للتواصل معها، بلغة الخطاب الوطني ومفرداته. فقد كان الرفض واضحًا لكل ما له علاقة بالخطاب الوطني المذكور في أي مجالٍ من المجالات، وكان التمسك شديدًا بـ(إسلامية) الثورة، والتحرجُ ظاهرًا من كل فكرةٍ أو تجمعٍ أو حتى شعارٍ لا يؤكد على تلك الإسلامية.

كانت الحركة إذًا منسجمةً جدًا مع نفسها فيما يتعلق بمبلغ علمها من فهم الإسلام وفهم الواقع المحلي والدولي، لكنها كانت تحاصر الإسلام في فهمٍ طهوري جهادي يُبسِّط دوره في الأرض، ويضعه بين احتمالين: فإما إقامة دولةٍ على صورة دولة الخلافة الأولى، أو تقديم الروح رخيصةً دون ذلك.

وكان كثيرٌ من أفرادها نماذج في الرقي عند التعامل الشخصي مع آخرين ينتمون لمدارس مغايرة في التفكير، لكنها لم تكن قادرةً، كحركة، على تصور إمكانيةٍ للتعامل التنظيمي مع مؤسسات خارج إطار منظومتها الفكرية.

ورغم استحالة وضع المسؤولية عليها وحدها فيما يتعلق بعدم قدرة الفصائل الجهادية على الوحدة، إلا أن ثمة معلومات متواترة تؤكد أن موقفها المتردد كثيرًا ما أخَّر أو ألغى مشروعات للوحدة على مدى قرابة عامين. الأمر الذي يطرح تساؤلًا آخر حول صوابية مثل هذا الموقف من منطلقات إسلامية وواقعية على حدٍ سواء.

أما موقفها من (داعش) فقد كان أيضًا، في البدايات، من أسباب تمكين ذلك التنظيم من التمدد والتمكُّن. هنا مثلًا، ظهر تأثيرُ الإخلاص في مجانبة الصواب. فرغم تكرار الحوادث والأمثلة والوقائع، وتصاعد دلالاتها على خطورة داعش، ليس فقط على سوريا وثورتها، بل على الإسلام والمسلمين، ظلت مقولات (حُسن الظن) و(تجنب اقتتال الإخوة) تُعلنُ مرةً بعد أخرى لتبرير التردد الطويل في التعامل الحاسم مع التنظيم، حتى جاء اليوم الذي انقلب فيه الوضع بشكلٍ كامل، ولكن تحت ضغط الواقع العملي، وبعد فوات الأوان.

ثمة تفصيل في الموضوع لا يحتمله المقامُ هنا، ورغم احتمال مسارعة البعض إلى الطعن في الكلام أعلاه إلا أن المرء مطمئنٌ إلى صدوره من متابعة ومعرفة بواقع الحال، بعيدًا عن (التفكير الرغائبي) الذي يمكن أن يُلبسَ من تُحبهُ بسبب (إخلاصه) لَبوسَ الصواب الكامل.

أكثر تعبيرًا من هذا، تأتي الوقائع العملية، خاصةً خلال الشهور الأخيرة، ومعها (المراجعات) التي ظهرت في نفس الفترة بشكلٍ متفرق، دليلًا على صحة الطرح الوارد هنا، ولو بدرجةٍ من الدرجات. ربما يكون القبول بـ"ميثاق الشرف الثوري"، بعد جهود مكثفة وطويلة، وبخطابه الوطني الواضح، أكبر دليلٍ عملي على ذلك.

===================

وقائع بدل الأوهام .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 14-9-2014

لم يعد جائزاً أن نتعلق بالأوهام، فترة أخرى من زمان يعاني شعبنا السوري فيه الأمرّين، داخل بلادنا وخارجها. ولعل أشد أشكال التعلق بالأوهام خطراً يكمن في الإصرار على تجاهل الواقع وحقائقه، وإحلال الرغبات والأمنيات الذاتية محلهما.

واليوم، تتطلب الوقائع تحقيق كل ما هو مطلوب منا، لجعل العالم يعتمد عندنا نهجاً يشبه الذي اعتمده حيال العراق، بما أن قادة "حلفائنا "يقولون لنا بلغة لا لبس فيها: هاتوا إجماعاً سياسياً وعسكرياً وشعبياً على ما تريدون قيامنا به من خطوات، وسنفعل كل ما أنتم بحاجة إليه: الدعم السريع والشامل، وضرب "داعش"، وتقويض النظام القائم واستبداله بنظام يحظى بقبولكم ويحقق مطالبكم.

عندما كنا في واشنطن، قال أوباما لنا هذا الكلام أو بعضاً منه. واليوم، يكرره أكثر من مسؤول غربي، وهو يتحدث عن خصوصية سورية، وهي تعبر عن نفسها في ضعف ما يسمى "الائتلاف الوطني" وانقسامه، وتناقض خياراته مع واقع الأرض والخيارات الدولية، وتهافت علاقات مكوناته الداخلية، وتراجعها المضطرد، ووجود هوة تفصله عن مصالح شعب سورية وثورته، وارتباط سياساته بمصالح شخصية ضيقة، لا صلة لها بمصالح السوريات والسوريين، ومزاجية وكيفية قراراته، واستهتاره بإرادة ومواقف الآخرين، الذين يعتبرهم أعداء إذا لم يكونوا على "القياس المطلوب والمواصفات الملائمة"، وانقطاع علاقاته المتزايد مع الأرض: شعباً ومقاومةً، وسيطرة المال السياسي والمطابخ السرية على عمله، وانقطاع صلات قيادته مع أعضائه، وأخيراً، نقل ما فيه من انقسام سياسي وخلافات إلى المجال العسكري.. إلخ.

ما المطلوب منا في هذه الحال؟ يقول ممثلو "الائتلاف": منطقة حظر جوي يقيمها الأميركيون بعمق عشرين كيلومتراً على طول الحدود السورية مع الدول المجاورة. ويقول الواقع والمنطق: إصلاح أحوال "الائتلاف" كي يكون قادراً على الإفادة من منطقة كهذه، في حال تقرر قيامها، وقادراً كذلك على الاستغناء عنها، ما دام إصلاح أحواله سيجعل قيامها غير ضرري، لأن العمل السياسي والعسكري سينتقل عندئذ إلى وضعٍ سيمكنه من الضرب بفاعلية حيث يريد في بلادنا، وسيجعل النظام عاجزاً عن إرسال طائراته إلى المناطق الحدودية، وأنه سيكون مضطراً لإرسالها إلى أجواء عاصمته وضواحيها، ولأن الجيش الحر لن يبقى في المناطق الحدودية، وسيخرج من تحت مقص النظام /داعش المزدوج، ومن الابتزاز الذي تعرض له خلال العام الماضي، وأخضعه لإشراف شخصٍ لا دراية له بالحرب وفنونها، أقال الأركان لأسباب سياسية وشخصية، لا علاقة لها بالإصلاح الضروري للجيش الحر، فلا غرابة أن اجراءه التعسفي انتهى إلى إلغاء أركان هذا الجيش، كما أقرّ رئيسها الحالي، العميد عبد الإله البشير، في شهادةٍ، قدمها أمام اجتماع هيئة الائتلاف العامة قبل الأخيرة.

بدلاً عن الإصلاح، يهرول قادة الائتلاف إلى أوهامهم، ويفرّون مما يطلبه العالم كي يكرر عندنا ما فعله في العراق. فهل يصرون، بعد اليوم، على طلب ما يرفضه العالم: المنطقة العازلة المزعومة، ورفض ما يطلبه: وحدة الائتلاف والمعارضة والشعب وقوى المقاومة الديمقراطية الإسلامية؟ لنخدم شعبنا وثورته، ولنقم مظلة وطنية شاملة تجعلنا ممثلي شعبنا حقاً، وتمكننا من التحرك بقوة إلى الأمام، ما دام العالم قد قرر تطوير مواقفه، ولنتمسك بالسانحة المفصلية، كي لا نبدو كبلهاء لشد ما طالبوه بدعمهم، وحين قرر ذلك ضيّعوا فرصتهم، وتعلقوا بأوهام يعلمون أن أحداً لا يشاطرهم إياها!

===================

أي مستقبل ينتظر اللاجئين الفلسطينيين في سورية؟ .. نبيل السهلي

العربي الجديد

الاحد 14-9-2014

حذّرت وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين (أونروا)، مرات، من خطورة الوضع اللاإنساني الخطير الذي يواجهه اللاجئون الفلسطينيون في سورية، وذكرت في تقارير لها أن المجاعة والأوبئة تحاصرهم، وتحديداً في مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق. وفي هذا السياق، ونتيجة القصف العشوائي للمخيمات، اضطرت نسبة كبيرة من سكان المخيمات الفلسطينية في سورية للنزوح عنها، إلى مناطق أكثر أمناً في دمشق، أو إلى خارج سورية. حيث لم تفلح خطابات النأي بالنفس لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، منذ بداية الاحتجاجات في سورية، من منع دخول اللاجئين في أتون المعادلة السورية.

قدر اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في سورية في نهاية عام 2012 بنحو 525 ألفاً، بحسب مصادر "أونروا". كان يتركز 69% في العاصمة دمشق والمخيمات في ضواحيها، مثل اليرموك، سبينة، جرمانا، خان الشيح، السيدة زينب، ذانون، الرمدان، الحسينية، بحسب الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في سورية، ويتوزع الباقون (31%) على المحافظات الأخرى، اللاذقية، حلب، حماه، حمص، درعا، والمخيمات فيها، مثل حندرات والنيرب في حلب، والرمل في اللاذقية، والعائدين في محافظتي حمص وحماة في وسط سورية.

بشكل عام، كان يتركز في عشرة مخيمات تعترف بها الوكالة في سورية نحو 30% من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين في سورية حتى نهاية عام 2012، وترتفع النسبة إلى 60% إذا أخذنا في الاعتبار سكان مخيم اليرموك من اللاجئين الفلسطينيين، والذي وصل مجموع سكانه إلى 152 ألف فلسطيني قبل ضربة جامع عبد القادر الحسيني بطيران الميغ يوم 16-12-2012، حيث فرّ غالبية سكان المخيم، ولم يبق سوى 15 ألفاً حتى بداية سبتمبر /أيلول الحالي، يتركزون بشكل رئيس في جنوب المخيم ووسطه، حيث استشهد نتيجة الحصار220 لاجئاً، غالبيتهم أطفال وشيوخ.

وتبعاً لاستمرار المعاناة في سورية بشكل عام، حذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين (أونروا) من الوضع الإنساني الخطير للاجئين الفلسطينيين، وقالت إن المجاعة والأوبئة تحاصرهم في مخيم اليرموك. وقال مدير عمليات الوكالة في سورية، مايكل كنجزلي، مراتٍ، إن ما بين 15 ألفا و20 ألف لاجئ فلسطيني محاصرون في ظروف إنسانية خطيرة في المخيم. وأوضح أن وضعهم خطير للغاية، وتحاصرهم مجاعة وأوبئة، ودعا الحكومة السورية لتوفير الحماية اللازمة للاجئين الفلسطينيين، وأفاد بأن ثمانية من موظفي الوكالة قُتلوا أثناء تأديتهم عملهم، ويعتبر 19 موظفاً مفقودين. وتذكر تقديرات عديدة أن نحو 65% من إجمالي عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية، المقدر بنحو 540 ألفاً في صيف العام الحالي 2014، باتوا في عداد المهجرين داخل سورية وخارجها. وتؤكد إحصاءات أن أكثر من أربعين ألفا من اللاجئين لجأوا إلى لبنان التي يوجد فيها أصلاً أكثر من 300 ألف لاجئ فلسطيني منذ1948 ، في حين لجأ إلى مصر نحو ستة آلاف لاجئ فلسطيني لا تستطيع "أونروا" تقديم أي مساعدات لهم، لعدم وجود أي تمثيل لها هناك، ولاحقت رحلة الموت نحو مائتي لاجىء فلسطيني، فروا من سورية، وغرقوا في البحر المتوسط قبالة الشواطئ المصرية والليبية.

ويشار إلى أن مئات من فلسطينيي سورية الذين نزحوا عنها، تمّ وصولهم بزوارق إلى إيطاليا، ثم إلى السويد وغيرها من الدول الأوروبية التي منحتهم حق الإقامة ولم الشمل مباشرة، بعد رحلات الموت من شواطئ مصر وليبيا وتركيا في الشهور الماضية، فيما اغلقت الحدود الأردنية بوجه اللاجئين الفلسطينيين بشكل شبه كامل، ما استدعى مطالبة "أونروا" الدول كافة إبقاء حدودها مفتوحة في وجه الفلسطينيين الفارين من سورية.

وقد أعطى المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين صورة قاتمة عن وضع الفلسطينيين في فلسطين وفي دول الشتات. والخطير في قوله تغيير ما وصفها خارطة الشتات الفلسطيني في ظل التغييرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، ما يدفع إلى الاعتقاد أن حالة النزوح والتهجير ستطال مزيداً من اللاجئين الفلسطينيين في سورية ، وغيرها من الدول العربية. وعلى رغم رفع شعار النأي بالنفس، فإن الوضع الخطير والمتشعب في سورية أدى، في نهاية المطاف، إلى زج المخيمات في المعادلة السورية التي باتت أبعد من الجغرافية السياسية لحدود الدولة السورية. ولهذا، يبدو الحديث عن قرب التوصل إلى أي اتفاق لتحييد المخيمات عن المعادلة السورية، على رغم الزيارات المكوكية لقياديين من منطمة التحرير وحركة فتح لسورية، أمراً غير واقعي، لأسباب عديدة، في مقدمتها الانتشار الجغرافي للمخيمات الفلسطينية في المدن السورية، ناهيك من انحياز بعض الفصائل إلى أحد طرفي المعادلة السورية.

وتبعاً لاستمرار المشهد الدموي، واستهداف المخيمات وحصارها، وملاحقة الشباب الفلسطيني واعتقاله، يشهد المتابع عمليات فرار الى منافي قريبة وبعيدة، بعد أن ساهم اللاجئون الفلسطينيون في سورية منذ عام 1948 في ميادين الحياة كافة، في عملية الإعمار، وفي الرياضة، وفي التعلم والتعليم، والمسرح والتمثيل، والتعليم العالي أيضاً. والشواهد كثيرة. وفي هذا المعنى، كان اللاجىء الفلسطيني ذخراً لسورية، وليس عبئاً عليها، وساعدته في ذلك تركيبة الشعب السوري السمحة، في ظل تعدد الطوائف والقوميات.

===================

لئلا تكون الحرب على الإرهاب مناسبة لتعميمه .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 14-9-2014

على الرغم من الصدى الكبير الذي لاقته، لم تثر استراتيجية الرئيس الأميركي، باراك أوباما، التي أعلن عنها في خطابه، (الخميس 11 /9) لوقف تدهور الوضع في الشرق الأوسط المتفجر، حماساً كثيراً، حتى لا أقول التفاؤل، على الأقل في المرحلة الراهنة التي لم تتبلور فيها بعد خطة عمل التحالف الدولي، ومستوى أدائه. لكن، ترى جميع الأطراف المعنية بالأمر أن علينا أن نبني على ما حصل، حتى لو لم يكن على حجم التهديدات والمخاطر التي تواجه شعوب المنطقة، لأنه أفضل من لا شيء، وأقرب إلى المنطق من سياسة النأي بالنفس التي مارستها الولايات المتحدة، وجرّت معها العالم، منذ نحو أربع سنوات. ولأن لهذا الإعلان، رغماً عن ضعفه وتردده، بعض الإيجابيات، في مقدمها، تأكيد مسؤولية نظام الأسد عن إطلاق الإرهاب، بسبب سياسته الوحشية تجاه السوريين، ورفض أي تنسيق معه على الأرض، واعتباره جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل، وهو، بالتالي، خارج التحالف، ما يعني نهاية دوره السياسي.

ومن هذه الإيجابيات، أيضاً، الإعلان عن عدم التعاون مع إيران التي كانت، ولا تزال، الراعية الأكبر لميليشيات مذهبية متطرفة، وهي التي فتحت الباب أمام تعميم الإرهاب والقتل، من حزب الله إلى عصائب أهل الحق وأبو الفضل العباس والحوثيين، وغيرهم من الميليشيات التي زعزعت استقرار منطقة بكاملها.

ومن هذه الإيجابيات، أيضاً، التمسك بدعم المعارضة السورية، حتى لو جاء ذلك تحت مسمى المعارضة المعتدلة الذي يحتاج إلى تفكير وتدقيق كثيريْن. لكن، المثير للقلق أكثر في كل هذه العملية، والاستراتيجية التي يعدنا بها الرئيس الأميركي، هو أولاً اختصار التحالف مشكلة المنطقة بتحدي الإرهاب. وثانياً اختصار الإرهاب بتنظيم داعش، وثالثاً اقتصار الحرب ضد الإرهاب على الأعمال العسكرية، بصرف النظر عن القوى التي ستقوم بها، وتوزيع المهمات المختلفة في الجو وعلى الأرض. ما يعني أن باراك أوباما اختار أن يقصر تدخل الولايات المتحدة على الحد الأدنى، وبوسائل محدودة، تهدف إلى إضعاف قوة داعش، والحد من مخاطر توسعها، من دون معالجة الأوضاع السياسية والاستراتيجية للمنطقة، والتي قادت إلى تعميم الإرهاب ودخول داعش. في هذه الحالة، يُخشى أن تكون النتائج، أيضاً، محدودة، وربما سلبية، تكرر ما حصل في أفغانستان، والتي لم تقض على الإرهاب، وإنما حدّت من انتشاره، من دون أن تنجح في إعادة بناء الدولة التي كانت ضحية الإرهاب وسياسة مكافحته في الوقت نفسه.

"

يُخشى أن تكون النتائج، أيضاً، محدودة، وربما سلبية، تكرر ما حصل في أفغانستان، والتي لم تقض على الإرهاب، وإنما حدّت من انتشاره، من دون أن تنجح في إعادة بناء الدولة التي كانت ضحية الإرهاب وسياسة مكافحته في الوقت نفسه

"

مثل هذه الاستراتيجية ستكون كارثة إضافية في منطقةٍ، لم تعد تحتمل مزيداً من الكوارث. وقد تتحمل سورية العبء الأكبر فيها، فوق ما تعانيه من الإرهاب الأسدي والإيراني واللبناني. وهذا ما يظهر من الخطة الأميركية التي تركز، بوضوح، على تأمين استقرار العراق ودعم حكومة حيدر العبادي، وحماية آبار النفط والمنطقة الكردية، وذلك كله مصالح أميركية واضحة، كما أنها تأتي متأخرة بمرحلة كاملة، ذلك أن ما نواجهه، اليوم، في المنطقة لم يعد مشكلة الإرهاب الذي لعبت به الدبلوماسية الدولية، منذ أكثر من عقدين، فحسب، وإنما الحرب بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. وليست داعش التنظيم الوحيد المنخرط فيها، وليست هي التي أطلقتها، بمقدار ما كانت المستفيدة الرئيسية من الفراغ والدمار النفسي والسياسي والفكري والمادي الذي تتسبب به في منطقةٍ، تكاد تغطي المشرق العربي بأكمله.

من دون توسيع رؤية مكافحة الإرهاب، لتشمل الأبعاد السياسية والاستراتيجية، وتفتح الباب واسعاً، بالتالي، أمام مراجعة شاملة من جميع الأطراف لسياساتها التي قادت إلى الكارثة: الولايات المتحدة والقوى الغربية التي تلاعبت بالمنطقة، حتى فجّرت كل توازناتها، والنظم العربية التي لا تزال تقاوم أي محاولة لتوسيع هامش الحريات والحقوق الأساسية، وتتمسك بأشكال الحكم الإقطاعية البالية، والمعارضات العربية، والسورية منها خصوصاً، التي لم تنجح في تجاوز خلافاتها وحساسياتها الشخصية، ولم ترتق إلى مستوى المسؤولية الوطنية، يخشى أن تفضي، بشكل مقصود أو غير مقصود، إلى دفع السوريين من مختلف التيارات إلى مزيد من الاقتتال في ما بينهم، خصوصاً مع استقطاب داعش شباباً عديدين وكتائب عدة تركتها السياسات الدولية على قارعة الطريق، من دون موارد ولا خيار سوى الموت على يد داعش والنظام، أو الانضمام إلى أحدهما، ومع غياب أي قيادة سياسية سورية معارضة قادرة على أن تفرض نفسها، وتدافع عن المصالح الوطنية السورية. وبالتأكيد، ستكون الحرب ضد الإرهاب أكثر إيلاماً وإيذاءً من الإرهاب، ومناسبة لتوسيع نطاقه، وتعميق الانقسام والتمزق في صفوف الشعب السوري، إذا كان الهدف منها تحويل الكتائب السورية المقاتلة إلى صحوات جديدة، وتفجير مزيد من الألغام في قلب المجتمع السوري، بدل العمل على إخراج البلاد من أتون الحرب المشتعلة منذ سنوات.

والنتيجة أنه لن يكون للحرب ضد الإرهاب في الشرق الأوسط أي أمل في النجاح، ما لم يرافقها العمل مع السوريين والدول الإقليمية على إنهاء الحرب السورية التي أصبحت المنتج الأول للتطرف، والجاذب الأول لقوى التشدد والإرهاب.

===================

هل تتفاوض أمريكا مع «داعش» بعد خمس سنوات؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 13-9-2014

متى أعلنت أمريكا عن تحالف دولي ضد هذه الجهة أو تلك، ونجح التحالف في تحقيق أهدافه؟ هل تذكرون التحالف الدولي ضد العراق، وقبله ضد أفغانستان والصومال وما نتج عنه؟ ألم تحشد أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001 قوات من الشرق والغرب لغزو أفغانستان كي تعاقب تنظيم القاعدة ورديفه المحلي حركة «طالبان» على تفجير برجي التجارة في نيويورك.

لا شك أن الأمريكيين تمكنوا من إلقاء القبض على عدد من عناصر القاعدة، وشحنوهم إلى معسكر غوانتنامو. وصحيح أيضاً أنهم بعد سنوات طوال استطاعوا القبض على رئيس التنظيم أسامة بن لادن، ثم رموا جثته في البحر. لكن هل تمكنوا من القضاء على التنظيم أو على طالبان؟ بالطبع لا. فبعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على الغزو ها هي دول الناتو تنسحب من أفغانستان الواحدة تلو الأخرى.

والأنكى من ذلك أن أمريكا زعيمة الحلف لم تجد أمامها بعد كل هذه الفترة إلا الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع حركة طالبان. والمضحك في الأمر أن أمريكا متحمسة جداً للتوصل إلى اتفاق مع الحركة، بينما طالبان ليست متحمسة، لا بل إنها تماطل، وتلعب بأعصاب الأمريكيين. ويقال إنه في أحد الاجتماعات خرج ممثل طالبان غاضباً من غرفة التفاوض مع الأمريكيين، مما جعلهم يلاطفونه كي يعود إلى الطاولة. وفي الوقت الذي تحضّر فيه أمريكا لمواجهة داعش في سوريا والعراق، فهي تفاوض طالبان. يا للمفارقة.

وبعد أفغانستان دخلت أمريكا في صراع مع تنظيم القاعدة فرع العراق الذي سبب صداعاً شديداً للأمريكيين هناك. ولا ننسى أن القوات الأمريكية لم تنجح في التصدي لجماعة الزرقاوي على مدى خمس سنوات، فما كان منها إلا حشد مجموعات كبيرة من العراقيين السُنة، وأطلقت عليهم لقب «الصحوات» كي تتصدى للزرقاوي وجماعته، لكن مع ذلك لم تنجح، وخرجت أمريكا من هناك، بينما بقي التنظيم ليزداد قوة، ويمتد إلى سوريا تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أولاً ومن ثم إلى مسمى «الدولة الإسلامية».

 وحدث ولا حرج عن الفشل الأمريكي في الصومال واليمن. منذ متى والطائرات الأمريكية تقصف مواقع القاعدة في اليمن والصومال؟ منذ سنوات وسنوات. مع ذلك يزداد التنظيم هناك تمدداً وقوة. لقد فشلت أمريكا في اجتثاث «الجهاديين» في العراق بوجود أكثر من مائة وأربعين ألف جندي لها على الأرض العراقية، فكيف لها أن تجتث داعش في سوريا والعراق عن طريق الجو؟ ألم يحتج الأمريكان لشهور وشهور لتحرير مدينة الفلوجة في العراق؟ ألم يلجأ «المارينز» الأمريكي إلى استخدام الأسلحة المحرمة دولياً مع غطاء جوي لا مثيل له حتى تمكن بالكاد من السيطرة على الفلوجة الصغيرة؟ فكيف تريد أمريكا الآن القضاء على تنظيم داعش بضربات جوية، علماً أن الأخير يسيطر على ربع العراق وثلث سوريا؟ وفي العلم العسكري لا يمكن للضربات الجوية أن تحسم حرباً. أضف إلى ذلك أن التنظيم يمتلك عُدة وعتاداً واكتفاء مالياً ذاتياً. والأهم من هذا وذاك أن عقيدة المقاتلين ومعنوياتهم داخل التنظيم مرتفعة. فهم يطلقون على أنفسهم لقب «رجال موت» كما فعل من قبلهم جماعة طالبان.

لا شك أن لدى البعض تصوراً أو اعتقاداً أن كل هذه الجماعات في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والصومال وغيرها هي مجرد فزّاعات أو مسمار جحا أمريكي لتحقيق مشاريع واستراتيجيات أمريكية. وقد رسم الفنان السوري هاني عباس كاريكاتيراً من ثلاثة مشاهد. المشهد الاول يصور أمريكا وهي تحمل بعبعاً مخيفاً ثم تضعه في منطقة ما. وفي المشهد الثاني تبدأ أمريكا بإطلاق النار على البعبع المخيف في المنطقة التي وضعته فيها. وفي المشهد الثالث والأخير نجد المنطقة مدمرة تماماً، فتدخل أمريكا المنطقة، وتأخذ البعبع إلى مكان آخر. وهناك فيلم كرتون قصير رائع يصور سيدة تصرخ بأعلى صوتها أن في بيتها فأراً، فيأتي شخص ليساعدها في إخراج الفأر من البيت، فيقوم بإدخال قط إلى البيت، على اعتبار أن الفئران تهرب من القطط، وبعد قليل يسأل السيدة إذا خرج الفأر، فتجيب:» نعم، لكن القط كّسر الصحون»، فيقوم بإدخال كلب إلى البيت، على اعتبار أن القطط تهرب من الكلاب، وبعد قليل يسأل السيدة: «هل هرب القط»، فتجيب: «نعم، لكن الكلب مزق الأثاث»، فيقوم بإدخال فيل إلى البيت، على اعتبار أن الكلاب تهرب من الفيلة. وبعد قليل يسأل السيدة: «هل هرب الكلب»، فتقول: «نعم»، فيقوم بإدخال فأر إلى البيت، على اعتبار أن الفيلة تخاف من الفئران. وفي نهاية الفيلم نجد البيت وقد تحول إلى أنقاض، فيقول الشخص الذي أدخل الحيوانات إلى البيت: «في المرة القادمة ربما نستخدم مصيدة الفئران». فإذا كان الأمر مجرد لعبة أمريكية لتدمير المنطقة تحت ذرائع واهية لتحقيق أهداف أمريكيةً، فلا قيمة لكل ما قلناه أعلاها. أما إذا كان العكس صحيحاً، وأن التجربة الأمريكية الفاشلة في أفغانستان والعراق ستتكرر مع داعش في المنطقة، يجب ألا نتفاجأ عندئذ إذا وجدنا أمريكا تفاوض داعش بعد خمس سنوات أو أكثر، لكن هذه المرة على أنقاض سوريا والعراق وربما دول أخرى.

٭ كاتب واعلامي سوري

falkasim@gmail.com

===================

الولايات المتحدة وسياقات التدخل الجديد .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 12-9-2014

 قال لي برنارد لويس عام 2006، عندما كنتُ أُناقشه في بدايات فشل الولايات المتحدة بالعراق، إن الأميركيين ينجحون أخيرا، لكن بعد أن يكونوا قد جرَّبوا كل شيء! لقد كان تقديره أن الولايات المتحدة ستخرج من العراق بعد هذا الفشل المغطَّى بعناية، لكنها سوف تعود إليه في الأمد المنظور. وقد قاس ذلك على ما حدث بأفغانستان. فقد خرجت الولايات المتحدة من قضيتها بعد خروج السوفيات أواخر الثمانينات، وعهدت بها إلى المخابرات الباكستانية التي أنتجت طالبان للتمكن من السيطرة بواسطتها. ثم عادت إليها بعد هجوم «القاعدة» عليها من هناك. وستستخلف أميركا إيران بالعراق، وستحاول إيران السيطرة على العراق بواسطة ميليشياتها والتابعين لها من رجال السلطة الجديدة. وسيُسيءُ هؤلاء إلى العرب السنة؛ لكنّ الولايات المتحدة لا تأبه لغير الأكراد وتركيا. فإذا جرى المساسُ بالأكراد فإن أميركا عائدةٌ حتى لو كان الذين يحكمون فيها عند ذلك الديمقراطيين الذين يطالبون بوش الآن بالخروج من العراق!

عادت أميركا إلى العراق في خريف عام 2014، كما تنبأ برنارد لويس. وللسبب ذاته الذي استظهر أنه سيكونُ عِلّة العودة. لكنّ إدارة أوباما تحاول إقناع شعبها وإقناع العالم بأن عودتها كانت بسبب أهوال «داعش»، كما كانت عودتها إلى أفغانستان بسبب أهوال «القاعدة»! ولذلك سببان: أنها تريد إقناع الأميركيين والأوروبيين بضرورات التدخل، بعد أن أنفق أوباما والأوروبيون ست أو سبع سنوات في إقناع الجمهور الغربي بمساوئ التدخل! والسبب الثاني مزدوج العلة والنتيجة: تجنيد العرب معهم واستجلاب مشاركتهم باعتبار أن «داعش» خطرها الأكبر عليهم قبل الأميركيين والأوروبيين - والأمر الآخر عدم إثارة إيران وإزعاج العلاقات المتطورة معها، بالقول دائما إن الأَولوية لخطر «داعش» وليس خطر إيران. وهذا المسلك يبرِّر التعاوُن معها في «مكافحة الإرهاب».

المهمّ أن أوباما أعلن الحرب على «داعش»، وانتظمت معه أربعون دولة، وأتى وزيراه للخارجية والدفاع إلى المنطقة للتشاور مع العرب في طرائق المشاركة. ولهذا «التحالف» المستجد جانباه العسكري والسياسي. وينفي أوباما أن يكون مثل التحالف الذي بناه بوش لغزوي أفغانستان والعراق من عدة جوانب. ومن تلك الجوانب أنه استعان في حالة أفغانستان بالميليشيات المعارضة لطالبان وصدام، والتي رافقت القوات الأميركية في الغزو في حالتي أفغانستان والعراق، وحكمت في البلدين بعد الغزو، ومن تلك الجوانب المختلفة أن إيران كانت أبرز بلدان المنطقة في مساعدة الغزوين، وبخاصة في حالة العراق، وأن إيران امتلكت نفوذا قويا بأفغانستان، وسادت تماما في العراق، واستطرادا في سوريا ولبنان.

لكنْ من حق إدارة أوباما بالفعل أن تقول إن العودة الغربية إلى المنطقة مختلفةٌ عن غزو بوش الابن للعراق. فالحقيقة أن الكثرة الساحقة من الناس تريد إيقافا للقتل والرعب الذي يُمارسهُ «داعش»، وإيقافا أيضا لانهيار البلدان والعمران في المنطقة العربية. والأمر الآخَرُ المختلف أن الأميركيين كانوا غاضبين يومها على العرب بسبب «القاعدة»، فما تشاوروا معهم، ولا قبلوا ترددهم في دعم الغزو للعراق، لكنهم هذه المرة يؤكّدون هم وحلفاؤهم (البريطانيون والفرنسيون) أنه لا تدخل ولا مكافحة لـ«داعش» إلا بالتعاون مع «الدول السنية»، وهم يقصدون العربية، لأن إردوغان سني، وقد كان مُغامرا إلى جانب الأصوليات السنية والشيعية في العراق وسوريا ولبنان! وهكذا فهناك حتى الآن اختلافٌ مع سياسة بوش وغزواته في الجوانب العسكرية والسياسية.

لكنّ مبعوثي أوباما، رغم هذه التوافقات بينهم وبين العرب هذه المرة، سيجدون أن محادثيهم وحلفاءهم العرب لديهم تحفظاتٌ وآراء مختلفة في ما يتعلق بمصائر العراق وسوريا ولبنان.

قال أوباما إن دور العشائر السنية بالعراق وسوريا مطلوب. لكنّ الواقع حتى الآن أن العشائر السنية بدأت القتال ضد «داعش» في المحافظات السنية وعند سد حديثة. أما ما يأتي من جانب بغداد إلى تكريت «لتحريرها» فنصفه من الميليشيات الشيعية مثل قوات بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب أبي الفضل العباس. وقد ارتكبوا مذبحةً في قرية الشيخ أُويس بديالى ضد مصلّين. وكان ذلك نذيرا بما ينتظر أهل الأنبار والفلوجة وصلاح الدين، بعد أن يكون الأميركيون قد طردوا «داعش» من هذه المدينة أو تلك. ومع أن الجيش العراقي مخترقٌ من القمة للقاعدة؛ فالمطلوب أن ينفرد بالدخول إلى المحافظات السنية إلى جانب قوات العشائر على أن تسود الشرطة المحلية بعد ذلك. وهذا الانضباط في العملية العسكرية لا يمكن أن يتم إن لم يكن هناك انضباطٌ في العملية السياسية. والأمر صعبٌ ما دام الإيرانيون وحلفاؤهم لا يزالون موجودين في كل مفاصل السلطة: نوابا لرئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ووزراء في الحكومة. وتصوروا الإصرار على أن يكون هادي العامري وزيرا للداخلية أو الدفاع، وعنده ميليشيا عددُها مائتا ألف من تدريب سليماني وتنظيمه منذ ما قبل سقوط صدام! وبذلك فإنّ مشكلة السياسة العراقية أفظع من مشكلة الدولة اللبنانية مع «حزب الله». ففي العراق تزيد أعداد الميليشيات الشيعية على المليون، وقد أرهقت النواحي الشيعية، فكيف إذا صارت لها كلمةٌ ومواقع في المناطق السنية؟!

ولكي لا نسقط في تفاصيل العراق، لنمضِ إلى سوريا. وقد أعلنت الأطراف الغربية الكبرى أنها لن تتعاون مع حكومة الأسد. وأن المناطق التي تُزالُ منها «داعش» - وصولا إلى حلب - يحلُّ محلَّها فيها الجيش الحر والإدارات المحلية. والمفروض أن يتقدم الجيش الحر في نواحي درعا والقنيطرة. والمأمول أن يفرض ذلك على الأسد وحلفائه القبول بالحلّ السياسي أو «جنيف 1»، والذي يعني دخولا في مرحلة انتقالية تكون فيها السلطة التنفيذية بيد الحكومة الائتلافية. وإذا كان الروس والإيرانيون لا يستطيعون منع الحلف الأطلسي من ضرب «داعش»، بل وفرض منطقة حظر جوي فوق سوريا الشمالية، فما هي الصفقة التي تُقنع الأسد وروسيا وإيران بالدخول في مرحلة انتقالية تنتهي بزوال الأسد؟!

لدى العرب (والأميركيين) تحديات كبيرة مع إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فنحن العرب إيرانُ هي داعشنا قبل ظهور «داعش». وهكذا فقد اجتمع علينا داعشان، إضافة لطغيان الأسد والمالكي ومذابحهما. والحضور الأميركي إيجابي رغم كل شيء، لأنه يزيل «داعش» واحدا من الدواعش الثلاثة: الطغيان وإيران وأبو بكر البغدادي! وقبل الأميركيين وبعدهم تبقى لدينا مشكلاتٌ سياسيةٌ واستراتيجيةٌ مع إيران إن لم يحصل تغييرٌ جذري في سياساتها تجاه العرب.

كان هنري كيسنجر الشهير قد أصدر قبل شهرين كتابا ضخما بعنوان «نظام العالم». وفي مقابلة أجراها أخيرا دعايةً لكتابه الجديد، علّق على قول أوباما إنّ الأَولوية لخطر «داعش» وليس إيران؛ قال كيسنجر: «الدواعش أعراض، وإيران عندها مشروع إمبراطوري»! فالله المستعان.

============================

أوباما والحرب على الإرهاب: الحلقة المفرغة .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 12-9-2014

حين شاء الردّ على نقّاده الكثر، حول إقراره السابق بأنّ إدارته لا تملك، بعد، ستراتيجية لمواجهة «داعش»، فقرّر أخيراً الإفراج عن الركائز الأربع التي سينهض عليها معمار تلك الستراتيجية الوليدة؛ طاب للرئيس الأمريكي باراك أوباما أن يضع المشروع ضمن سياقين، ومناسبتين: الذكرى الثالثة عشرة للهجمات الإرهابية الأشهر في تاريخ أمريكا، يوم 11/9/2001، في نيويورك أساساً؛ والذكرى السادسة لأسوأ «انتكاسة» اقتصادية شهدتها الولايات المتحدة منذ «الركود الكبير»، أواخر عشرينيات القرن الماضي.

اقتصاد وأمن إذاً، وأمثولة أوباما من وراء السياقين، مجتمعين أو منفردين، هي أنّ القوّة الكونية العظمى سوف تنتهي إلى الظفر، طال الزمان أم قصر: كما نجحنا في قتل أسامة بن لادن، ثمّ تفكيك قواعده وقياداته في أفغانستان والباكستان، وكذلك في اليمن والصومال، يقول أوباما؛ فإنّ أمريكا سوف تنجح في «الحطّ» من قوّة «داعش»، ثم الانتقال إلى تدميرها. ذلك لأنّ «أمريكا هي التي تمتلك القدرة والإرادة لتعبئة العالم ضدّ الإرهابيين. وأمريكا هي التي حشدت العالم ضدّ العدوان الروسي، وفي دعم حقّ الشعب الأوكراني في تقرير مصيره بنفسه. وأمريكا ـ بفضل علمائنا، وأطبائنا، وخبرتنا ـ هي التي تستطيع احتواء وعلاج انتشار مرض إيبولا. وأمريكا هي التي ساعدت في إزالة وتدمير أسلحة سوريا الكيماوية المعلنة بحيث لا تشكّل مجدداً مصدر خطر على الشعب السوري والعالم».

.. هكذا تكلم أوباما!

لا عتب على امرىء إذا خال أنه لا يصغي إلى الرئيس الأمريكي الرابع والأربعين، بل إلى الرئيس الأمريكي الأوّل، أو بالأحرى كلّ وأيّ رئيس أمريكي حين ينجرف إلى غنائيات امتداح الولايات المتحدة، خصوصاً في هذا الجانب الأثير تحديداً: قيادة العالم. أم لعله ذلك المحلل السياسي الأمريكي الظريف، أرنولد ستيل، الذي لم يتوانَ ذات يوم عن الشكوى من «عبء مقدّس»، حملته أمريكا حين صارت «إمبراطورية بالصدفة العمياء»، حسب تعبيره: «على النقيض من روما، إمبراطوريتنا لم تلجأ إلى استغلال أطرافها وشعوبها. على العكس تماماً… نحن الذين استغلتنا الشعوب واستنزفت مواردنا وطاقاتنا وخبراتنا»!

أو فلنعدْ إلى سلف أوباما، جورج بوش الابن، حين جرّد الحملة تلو الحملة ضدّ أنماط من الإرهاب كانت «القاعدة» اختزالها «الهمجي» و»البربري» الأقصى؛ قبل أن تتأسس «داعش»، وتكبر وتستفحل وتستشري، تحت سمع وبصر القوّة الكونية العظمى، فتضع «القاعدة» خلفها، وتستأثر بالصفات البغيضة جمعاء. ولنعدْ إليه في واحد من سياقَيْ أوباما، أي 11/9 وعواقبها، أسوة بجذورها؛ وكذلك، غنيّ عن القول، تنظيراتها التي راجت، ثمّ سادت، ثمّ بادت بفعل اشتراطات الحياة ذاتها: حين انتقل الجهاد من مفهوم غائم، منفكّ عن الواقع أصلاً، قريب أكثر من الخُلُق وجهاد النفس؛ إلى «صناعة» على يد الاستخبارات الأمريكية، في غمرة تهليل زبغنيو برجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي في رئاسة جيمي كارتر؛ فإلى سحر منقلب على الساحر، في أفغانستان والعراق والصومال واليمن وكينيا ونيجيريا؛ وأخيراً… إلى «خلافة» و»دولة إسلامية» و»داعش»، تتنادى للقضاء عليها قوى عظمى، وأمم، وأحلاف أطلسية!

بوش، قبل عقد من الزمان، كان يتمسح بتلك النظرية، الثابتة واليقينية والراسخة التي لا تتزحزح قيد أنملة عن معادلتها البسيطة، والتبسيطية بالأحرى: 11/9 كانت جولة للشرّ؛ ضدّ الخير (الذي ينبغي أن يبدأ من هاهنا: من واشنطن، والقِيَم الأمريكية، وطرائقنا في العيش، وديمقراطيتنا، وفلسفات سياستنا واجتماعنا واقتصادنا…)؛ ولا وسيلة لانتصار الخير على الشرّ إلا بما فعلنا ونفعل في أفغانستان والعراق (ثمّ في فلسطين ولبنان بالإنابة، أو بالتفويض، ضمن الشراكة مع إسرائيل، بوصفها الحليف والشريك)؛ وهذه الحرب على الإرهاب، بقيادة أمريكية دائماً، هي سمة القرن الحادي والعشرين.

الأرجح أنّ ذلك الترحيل نحو الإيديولوجيا لم يكن يستهدف التغطية على سوءات الإدارة الأمريكية وما يستشري سلباً ويتفاقم كابوسياً في جبهات حرب القرن هذه؛ إذْ كيف يمكن حجب الشمس بغربال: في العراق الذي كان يقف كلّ يوم على شفير التفكك الوطني والحرب الأهلية المذهبية، وفي أفغانستان حيث كان الطالبان يعودون صحبة والخشخاش وأمراء الحرب؛ ثمّ اليوم، في سوريا المعاصرة، والعراق المعاصر، وليبيا، واليمن، والصومال…؟ كان غرض بوش آنذاك، على غرار غرض أوباما اليوم، هو ردّ نقاش الإرهاب إلى المربّع البدئي الأوّل في المعادلة العتيقة إياها، عن الخير والشرّ، والأسود والأبيض، والذي ضدّنا لأنه ليس معنا. ذلك غرض لا يغطّي على إرهاب حلفاء الولايات المتحدة، وإسرائيل في المقام الأوّل، فحسب؛ بل يكفل تسعير المزيد من النيران التي تشدّد رهاب الأمريكي في الداخل، وتعصب عينيه عن حقائق ما جرى ويجري.

متغيّرات 11/9، التي طالت الحياة اليومية الأمريكية، أتاحت سنّ قوانين الحدّ من الحريات، واستيلاد مكارثية جديدة، وتجميل الغزو العسكري، وتسويغ أخلاقيات غوانتانامو وأبو غريب، وتطبيع المعتقلات الطائرة، واعتماد السجون السرّية، وشَرْعَنة التنويع في أفانين التعذيب، والتعاقد مع أنظمة الاستبداد والفساد لإنجاز مهامّ التحقيق القذرة… أمّا المظهر الأبرز لهذا الانجراف، فقد كان مصطلح «محور الشرّ» الشهير، الذي اجترحه بوش في أعقاب 11/9، ولم يتوقف عن إعادة إنتاج تجلياته حتى الساعة: «ما نزال نواجه تهديداً إرهابياً. ولا نستطيع اجتثاث كلّ أثر للشرّ في العالم، كانت هذه هي الحال قبل 11/9، وهي تظلّ صحيحة اليوم»، قال أوباما في خطبته الأخيرة.

المظهر الثاني، الذي يكمل الاشتغال المتغاير على مصطلح «محور الشرّ» ويتناغم مع مفرداته العملياتية إذا جاز القول، هو تصنيف الإرهاب الكوني. البيت الأبيض، بالأمس كما اليوم، سواء أكان الرئيس جمهورياً أم ديمقراطياً؛ ما فتئ يعيد الأمريكي، ومعه العالم بأسره في الواقع، إلى ذلك المربع البدئي الذي يصنّف أنساق الإرهاب، وأنساق الخير والشرّ استطراداً، من خلال التقرير السنوي الشهير الذي اعتادت وزارة الخارجية الأمريكية إصداره. والحال أنّ هذه التقارير، وما بعد 11/9 تحديداً، صارت لا تصف موصوفاً قائماً، بقدر ما تخترع وحشاً متخيَلاً؛ فبات من نافل القول إنّ الأخصائيين الأمريكيين في شؤون الإرهاب والإرهابيين لم يتعلّموا شيئاً من الدروس الدامية لهزّة 11/9، سواء على نطاق الولايات المتحدة نفسها، أم في مختلف بقاع العالم.

رؤساء أمريكا لا يطرحون سؤال الإرهاب بوصفه ـ غالباً، وليس بين حين وآخر ـ مخلوق الفقر والفاقة والبؤس والمهانة، والعداء لسياسات الولايات المتحدة هنا وهناك في العالم، خاصة النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، أو ردّ الفعل على حرب أمريكا ضدّ الإرهاب… لهذا سوف تظلّ العناصر العليا، التي تتشكّل منها فلسفة الولايات المتحدة في «الحملة ضدّ الإرهاب»، قائمة على هذا الميزان: أغلقوا هنا ثغراً (أي: حاضنة!) للتشدد الإسلامي، الذي يهيىء المناخات ويصنع ويصنّع موضوعياً ظواهر التطرّف والإرهاب؛ ولكن لا بأس أن تفتحوا هناك ثغراً جديداً لتشدّد مماثل، أو أدهى، بهوية مختلفة وأجندات ملتهبة. وفي صياغة عملية، وأمثلة من التاريخ المعاصر: أغلقوا ثغور الطالبان في أفغانستان، وافتحوا ثغور «المحاكم الشرعية» في الصومال؛ وأغلقوها هنا، ومهدوا الأرض لانطلاقها في العراق؛ ثمّ بعد العراق، هنالك الزرقاوي و»الدولة» الأولى؛ و»الدولة» الثانية في العراق، التي ستصبح «داعش» في العراق وسوريا، معاً؛ ثمّ «الخلافة»، والـISIL كما يفضّل أوباما، للإشارة إلى المشرق برمّته!

أيّ عجب، إذاً، أن تفشل الحملات، فرادى وجماعات؟ وأنّ يواصل الأبرياء، عن فطرة او عمد، طرح السؤال الساذج: كيف، ومن أيّ سماء سوداء مدلهمة، يهبط الإرهاب، إذاً؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

============================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com