العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21/08/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

النظام السوري يبرّر التدخل الأجنبي .. بدرالدين حسن قربي

في أول خطاباته عقب الثورة السورية قال بشار الأسد أمام مجلس الشعب:إن درعا في قلب كل مواطن سوريوأهل محافظة درعا أهل الوطنية الصادقة وأهل النخوة والشهامة والكرامة. وهو كلام ردّدته أيضاً السيدة بثينة شعبان تأكيداً على محبة النظام ومحبتها لأهل درعا. أما التأكيد على صدقية هذا الكلام وحقيقته فقد كان بدخول دبابات النظام وقواته الأمنية وحرسه الجمهوري الطائفي وشبيحته أيضاً، وفعلهم الأفاعيل في أهل الوطنية والنخوة والكرامة، فدمروا بيوتهم وقتلوا أطفالهم ونساءهم، وشردوا أهلهم، وكانت ضحاياهم بالمئات، ومعتقلوهم بالآلاف، ولعل مافعلوه من قتل المعتقل الطفل حمزة علي الخطيب ابن الثالثة عشرة ربيعاً بسبب مشاركته بالتظاهرات وقطع (بتاعه) زيادة في التوحش والتخويف، كان نموذجاً لما فعلته عصابات مافيوية وشبّيحة حاكمة بأهل درعا الذين ثاروا لحريتهم وكرامتهم. ما نريد قوله، أنه إذا كان مواطنون سورييون بكل هذه المواصفات العالية الجودة التي شهد بها الرئيس ومستشارتهأيضاً، ثم نالهم بعدها كل هذا التوحش من فظائع القتل والإجرام، فكيف لو أن مواصفاتهم والعياذ بالله كانت دون أو غير ذلك، من مثل ماتوزعه مافيات النظام من وصف مندسين وسلفيين وعصابات مسلحة ومخربين ومتآمرين على مئات الألوف والملايين من المواطنين الآخرين في عموم مدن سوريا وريفها.وعليه، فإن النظام بتركيبته الإجرامية وتوحشه لم يفرّق بين المواطنين، فالكل عنده في القمع والقتل سواء، طالما أنه يطالب بحريته وكرامته، التي استقرت عنده بعد سفك دماء آلاف المواطنين واعتقال عشرات الآلافبأنها لن تكون إلا بإسقاط النظام.

وبمثل ماقال بشار الأسد لمواطنيه،جاء ماقاله بشار الجعفري مندوب النظام في الأمم المتحدة قبل أيامفي دفاعه في وجه مندوبي دول العالم ولاسيما الكبرى منها، المنتقدين لممارسات القتل والتنكيل التي يرتكبها النظام السوري ممثلاً برئيسه، وهو يغمز من مشاعرهم ومواقفهم:إن الذين يزعمون الحرص على السوريين وأمنهم واستقرارهم لا ولن يكونوا بأحرص على سوريا من الرئيس الأسد نفسه وأرحم على شعبها منه. وعليه، فإننا نقول: يامغيث..!! إذا كان الرئيس بكل هذه الحنيّة والرقة على شعبه ومئات الدبابات تحاصر المدينة الواحدة تلو الأخرى وحتى القرى والأريافوعشرات الآلاف من قواته وشبيحته تقتل من تقتل بالآلاف، ومازالت تعيث في سورية قتلاً وإجراماً وفساداً، فكيف والعياذ بالله لو انتزعت من قلب الرئيس الرحمة وخلا من شيء اسمه إنسانية، فماذا كان هو فاعل بالسوريين؟

إن النظام السوري يمارس فاشية من طراز خاص بتوحشه في قتل شعبه ممّن يعترف بوطنيتهم ونخوتهم وممن لايعترف، وإنها حقيقة لا يماري بها إلا مؤيدوا النظام والمنتفعون منه وحلفاؤه الذين يرون فيما يفعله تأكيداً على نهجه المقاوم والممانع، وإنما نلفت عنايتهم بأن مايفعله النظام واستمراره فيه لخمسة أشهر سوياً وهم مؤيدوه، هو دعوة سافرة للتدخل الأجنبي بصورة من الصور، يتحمل كامل مسؤوليتها، لأن المجتمع الدولي الذي يتكلمونعن ازدواجيته وتآمره، لن يقف في النهاية مكتوف الأيدي ولن يسكت عن أعمال إجراميةلا إنسانية عمت البلاد والعباد في ظل تعتيمٍ ومنعٍ لكل وسائل الإعلام الصديقة وغيرها.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_

embedded&v=1RxRRnV3uno

http://www.youtube.com/watch?feature=player_

embedded&hl=ar&v=Uc0Ql6Qfn9k

---------***************---------

أربعون عاماً من المقاومة والممانعة ما بين تل الزعتر والرمل .. محمد فاروق الإمام

أربعون عاماً ونحن والعرب والعالم نسمع عن ممانعة النظام السوري ومقاومته لمخططات الدولة العبرية والصمود في وجهها، ودعمه لفصائل المقاومة الفلسطينية واحتضانها، ودعم المقاومة اللبنانية وتمرير السلاح الصفوي لها عبر الأراضي السورية، والسوريون بما فيهم الطبقة الحاكمة والدائرين في فلكها، دون البسطاء منهم والجهلة وأنصاف المتعلمين وهم الغالبية العظمى ممن ينتمون لهذا النظام، ومعظم الفلسطينيين والعرب يعرف بطلان هذه الدعاوي وكذب هذه الأقاويل التي لا تتجاوز الشعارات والأغاني والأفلام والمسلسلات والمسرحيات والاحتفالات والمؤتمرات والمسيرات المبرمجة، التي تحمل صور بشار وأعلام البعث والعلم السوري المنبطح على رؤؤس المسيّرين لمسافة أميال، إمعاناً في إذلال هذا العلم الذي لم ينبطح مثل هذا الانبطاح المذل المخجل إلا في عهد نظام المقاومة والممانعة بعد أن سهل وزير الدفاع، الرئيس الراحل فيما بعد (1970-2000)، اللواء حافظ الأسد للصهاينة أن يدوسوه بنعالهم في الخامس من حزيران عام 1967 بعد تسليمه القنيطرة لهم والانسحاب من مرتفعات الجولان دون دفع أو مدافعة.

كما قلت السوريون يعرفون حقيقة هذا النظام المقاوم والممانع، وما جعلهم يصمتون على تلك الأكاذيب كل هذه السنين تلويح النظام بمناسبة وبغير مناسبة بالعصا الأمنية الغليظة التي يمتلكها، وقد ذاق السورين فعلها على ظهورهم حتى تقوست في السجون والمعتقلات والمنافي، ونزفت دماؤهم أنهاراً في مجازر ومذابح وحشية راح ضحيتها ما بين عامي 1980-1982 أكثر من أربعين ألفاً، واختفى في السجون ما يزيد على عشرين ألفاً، لم يعرف لهم أثر هل هم في عالم الأحياء أم الأموات حتى اليوم ونحن في العام 2011.

السوريون يعرفون أين كانت الساحات التي كان النظام السوري يمانع فيها ويقاوم، إنها ساحات المخيمات الفلسطينية في لبنان وسورية، فقد حاصرت قوات حافظ الأسد، التي دخلت لبنان بحجة وقف الحرب الأهلية فيه، مخيم تل الزعتر الذي يضم ثلاثين ألفاً من الفلسطينيين حتى سقط في (12 /8 /1976 ) بعد حصار دام اثنين وخمسين يوماً من الحصار الوحشي، وقد مات فيه حوالي ثلاثة آلاف مدني معظمهم ذبحوا بعد سقوطه، كما يروي الكاتب البريطاني باتريك سل في كتابه (الأسد.. الصراع على الشرق الأوسط).

ونشرت وكالة الصحافة الفرنسية يوم (29/9/1976) تصريحاً لشمعون بيـريـز وزير دفاع العدو الصهيوني السابق يقول فيه: "إن هـدف إسرائيل هو نفس هدف دمشـق بالنسبة للمسألة اللبنانيـة"، وقال أيضاً: "يجب أن نمنع وقوع لبنان تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية".

وجاء في كتاب (وجاء دور المجوس) ص 418 عن إسحق رابين رئيس وزراء العدو الصهيوني السابق قوله: "إن إسرائيل لا تجد سبباً يدعوها لمنع الجيش السـوري من التوغـل في لبنـان، فهذا الجيـش يهاجم الفلسطينيين، وتدخلنا عندئذ سيكون بمثابة تقديم المساعدة للفلسطينيين، ويجب علينا أن لانزعج القـوات السـوريـة أثناء قتلها للفلسـطينيين، فهي تقوم بمهمـة لا تخفى نتائجها الحسنة !! بالنسبة لنا".

وهكذا كانت ساحات نظام المقاومة والممانعة في عهد الأسد الأب مخيمات الفلسطينيين في لبنان، واليوم ساحات المقاومة والممانعة في عهد الأسد الابن هي مخيمات الفلسطينيين في سورية حيث تحاصر قواته بكل آلتها العسكرية المدمرة التي أدارت ظهرها للجولان حيث تبني فيه قوات العدو الصهيوني جداراً فولاذياً، تحسباً للبديل الذي سيأتي بعد الإطاحة ببشار حليفها الذي لم تتمكن من الدفاع عنه، يعزل تلك الأرض الغالية عن الوطن مؤكداً ضمها إلى كيانه، تحاصر مخيم الرمل في اللاذقية وتدك منازل الصفيح المتهالكة على رؤوس الفلسطينيين العزل براً وبحراً عقاباً لهم على رفضهم أن يكونوا أداة قمع لأشقائهم السوريين خدمة للنظام الباغي، الذي يستبيح الدم السوري في طول البلاد وعرضها منذ أكثر من خمسة أشهر، فيموت في المخيم من جراء القصف من يموت ويفر من يتمكن من الفرار إلى المجهول في عملية تطهير عنصري ما شهدتها سورية منذ أن وجدت.

هذه هي ساحات قتال النظام المقاوم والممانع الذي تنافح عنه أبواق قم وحرسها الثوري والضاحية الجنوبية وميليشياتها، وبعض المغفلين من بقايا البعثيين، وبعض السذج من القوميين في بعض البلدان العربية، الذين لا يزالون يعتقدون أن نظام دمشق هو الذي يقود خط الممانعة والمقاومة في الوطن العربي، ويتباكون على سقوطه ورحيله، دون أن تحركهم مشاعرهم المتلبدة صيحات الألم التي تطلقها حرائر الشام على أبنائها وآبائها وإخوانها وأزواجها، والحزن على نزيف الدم الذي يجري أنهاراً من أجساد إخوانهم السوريين منذ أكثر من خمسة أشهر!!

---------***************---------

النظام السوري يمهّد في ممارساته للتدخل الدولي .. بدرالدين حسن قربي

لازم الثورة السورية صمت عربي مخجل، بدأ يتزحزح عن مواضعه وهي تكمل شهرها الخامس مع تأكد عزم حرائر سورية وأحرارها وثبات إرادتهم الماضية لإسقاط النظام. ولئن كان لكل بلد منها متراسه وتعذراته في السكوت، فإن الموقف الفلسطيني الشعبي والرسمي الساكت أيضاً وإن تحلحل قليلاً، فهو مع تعدد منظماته وفصائله وأحزابه ومناكفاته كان يلتقي بعمومه على الخوف على الفلسطينين السوريين من أن يمسهم السوء، أو بخصوصه مع من كان منهم من حلفاء النظام بعذر الحرص على المقاومة والممانعة، وخوفهم على مصيرها وتعطّل تحرير فلسطين برحيل النظام المقاول الذي يصرخ السورييون من استبداده ونهبه وظلمه وجرائمه. ورغم علم جميعهم أن مصيبة السوريين مع نظامهم هي في استبداده وطغيانه وإذلاله لهم واستعبادهم وليس مع ما يزعمه من مقاومة وممانعة، فإن طائفةً منهم أيضاً ليست قليلة تبدو مصرةً على دعمه ومساندته وإن قتل من السوريين آلافاً، واعتقل منهم عشرات الآلاف وهاجم مدنهم بمئات الدبابات والمدرعات، واستخدم كل الأساليب الفاشية في قمعهم واضطهادهم، ولاتأخذ على يديه حرصاً على استمرار المقاومة وخوفاً من المساس بالممانعة، فلاصوت يعلو على صوت المعركة.

جديد الحرب الحقيقية بداية الأسبوع الجاري التي عاشتها اللاذقية، والعمليات العسكرية التي استهدفت فيها على الخصوص مخيم اللاجئين الفلسطينيين في حي الرمل، والتي نتج عنها حسب متحدث (الأونروا): أن ما بين خمسة إلى عشرة آلاف من سكانه غادروه هربا من نيران المدفعية والدبابات والقطع الحربية والسفن البحرية المحاصرة للمنطقة أو بأوامر القوات السورية المحاربة إلى أمكنة غير معلومة. وهذا الجديد وليس ماقبله هو الذي أخرج السلطة الفلسلطينية الرسمية ومعها منظمة التحرير عن بعض صمتها والتعبير عن صدمتها وإدانتها الشديدة لاقتحام المخيم وتهجير سكانه واعتباره شكلاً من أشكال الجرائم ضد الإنسانية. أما عن الآخرين من الفصائل الحليفة على اختلاف مراتبها ومقاديرها وفي مقدمتهم حركة حماس، فقد عجز ماكان للمخيم على أن يفتنهم عن قناعاتهم فيتكلموا ولو بكلمة تخرجهم من ملة المقاومين وتبعدهم عن سكة الممانعين، بل ذهب أنكاهم بأنه لم يكن هناك قصف ولا قتل ضد المخيم بل ليست أكثر من إشاعات هي بعض المؤامرة ضد النظام المقاوم والممانع، وكأن ماكان هو في عالم آخر وليس في اللاذقية التي لاتبعد سوى سويعات عن مكاتب هذه الفصائل لو أرادوا معاينة ومشاهدة. وأما عن اتهام لسيدة بثينة شعبان بعض العناصر الفلسطينية المقيمة في مخيم الرمل بأنها كانت متورطة في بعض المظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت المدينة خلال الأشهر السابقة، فهو كلام مكرور كانت قد قالت بمثله أيضاً مع بداية الثورة السورية عن الفلسطينين في مدينة درعا.

دخول بعض المعارضين للنظام السوري على خط التحليلات والتعليقات على ماكان، واعتبارهم ماحصل خطة لتهجير الفلسطينين من منطقة الساحل السوري تمهيداً لإقامة الدولة الطائفية للنظام كحصن أخير في حال سقوط خطوطه الدفاعية المفترضة، فهو في تقديرنا أمر يدخل في خانة التخمينات والتوقعات التي يصعب إثباتها على الأقل حالياً.

وعليه، فمابين ماقاله الفلسطينيون من خصوم النظام صراحة، وما سكت عنه عموم الحلفاء منهم، وماقالته السلطات الرسمية السورية بمن فيهم السيدة شعبان وماقاله معارضو النظام وخصومه أيضاً، فإن مافعله النظام السوري والحق يقال، يؤكد أنه عامل فلسطيني مخيم الرمل معاملة السوريين أنفسهم في كافة أنحاء المدن والأرياف قتلاً وتشريداً واعتقالاً، وإن كان ميّزهم باستخدام السفن والقطع الحربية البحرية فهو أمر مرتبط بطبيعة مكان المخيم على البحر ليس أكثر. ومن ثم، فإذا كان النظام خلال سنوات حكمه التي تجاوزت الأربعين عاماً بين والد وولد قد قتل من مواطنيه السوريين عشرات الآلاف، وهجّر أضعافهم، فليس غريباً أن ينال إخواننا الفلسطينيين في مخيم الرمل وفي كافة أماكن تواجدهم على الأرض السورية في هذا الشهر الفضيل بعض إجرامه، ولاسيما أنهم يعيشون هذه الأيام ذكرى مجزرة تل الزعتر التي كانت في الثاني عشر من آب لعام 1976 والتي قارب عدد ضحاياها ثلاثة آلاف بين قتيل وذبيح.

إن النظام السوري يمارس فاشية من طراز خاص بتوحشه في قتل شعبه على امتداد خمسة أشهر كاملة، وهي تمتد اليوم لتطال مخيماً لإخواننا الفلسطينين هو في عهدة الأمم المتحدة. وعليه، فإن مايفعله في السوريين والفلسطينين وفي مخيم الرمل تحديداً، هو دعوة سافرة للتدخل الأجنبي بصورة من الصور، يتحمل كامل مسؤوليتها، لأن المجتمع الدولي الذي يُتكلم عن ازدواجيته وتآمره، فإنه في النهاية لن يقف مكتوف الأيدي ولن يسكت عن أعمال إجرامية لا إنسانية عمّت البلاد والعباد في ظل تعتيمٍ ومنعٍ لكل وسائل الإعلام الصديقة وغيرها.

---------***************---------

لا للطائفية حيثما كانت .. جلال / عقاب يحيى

 لم يعد مخبوء الطائفية والخوف منها جائزاً وبعض ملامحها تلعلع في أجوائنا، وبعض مركباتها وسحبها تعبر سماءنا محاولة خنق الوحدة الوطنية وجرجرة بلادنا إلى مهاويها : التقسيمية، التفتيتية، الاحترابية ..

 الطائفية المقصودة : لا تعني حذف، أو اجتثاث، أو جوهر التوزعات الدينية والمذهبية التاريخية التي تموضعت منذ قرون طويلة في بلادنا واتخذت مواصفاتها، واعتنقها المؤمنين بها، وإنما : الفعل الطائفي، واستخدام الطائفية في السياسة، واستغلال التوزع الطائفي لصالح مشروع خاص، ونظام، واستراتيجيات تفتيتية .

 الطائفية لا تخصّ طائفة بعينها دون بقية الطوائف، وكأنها موجّهة للعلويين وحسب، أو للأقليات الدنية : إسلامية كانت أم مسيحية، فقط، وإنما جميع دعاتها، وأشكالها، وأصحاب المصلحة في موضعتها، وتأجيجها، وتوظيفها .

 ولئن كان الشائع أن المقصود بالدرجة الأولى الطائفة العلوية، بالنظر إلى وجودها تحت الأضواء، وإلى موقعها في بنية وفعل نظام الطغمة، ومستوى التجييش فيها لصالحه، ودرجة الخوف فيها من آخر مفترض، وموقعها من الوحدة الوطنية، ومن مستقبل الثورة السورية، والدولة المدنية الديمقراطية ..

فإن محاربة الطائفية، على قاعدة صيانة الوحدة الوطنية، وضمان مساهمة كافة أطياف المكوّنات السورية : السياسية والفكرية والاجتماعية والدينية والقومية والمذهبية في ثورة الحرية، وفي بناء البديل التعددي..إنما تعني كل أشكالها ومظاهرها، وكل محاولات استبدال الصراعات السياسية بأخرى دونها تعيدنا إلى مرحلة ما قبل الدولة، والوطن .

 ****

 نعم .. برزت الطائفية بقوة في عهد النظام الأسدي مذ كان تكتلاً واضح العالم يحاول فرض وجوده بالقوة، حتى إذا ما نجح انقلاب التفحيح، وبات الأسد القوة الوحيدة التي تتحكّم بكل الصلاحيات والقرارات، وتفصّل الدولة، والمؤسسات على قياس نرجسيته وحجمه المنفوخ، والمكبّر آلاف المرات .. برزت الطائفية ظاهرة فاقعة في المؤسسة العسكرية، ومفاصلها الحساسة، وفي الأجهزة الأمنية وقياداتها، وفي صنع القرار.. ثم تطورت بتخطيط خبيث للانتقال من النخبة هؤلاء إلى الحالة الشعبية، ولتدخل الطبقة الوسطى عبر تقديم الرشى الكبيرة في مجالات عديدة(البعثات والوظائف المهمة، والجيش)، ثم محاولة تجييش الفئات الفقيرة والمحرومة من التعليم والدخل في صفوف الأمن والحراسات الخاصة، وسرايا الدفاع، والقطعات المنتخبة.. وإن كانت قصدية التلوين المظهري إحدى الوسائل الخبيثة للأسد المؤسس، ونظام توريثه.. حين اتسعت رقعة المشاركين الواجهة في الوزارة ومجلس التهريج، والحزب المطية، ووسائل الإعلام، وتجاوز ذلك إلى القوى السياسية التي وافقت على المسخ بدخول " الجبهة الوطنية التقدمية"، ناهيك عن كمّ الشعارات البيّاضة، الفائضة عن المقاومة، والتوازن الاستراتيجي، والصمود والتصدي، والممانعة، والتي من شأنها إحداث استقطابات واسعة في الشارع الداخلي والعربي، وتصوير الأمر على أن النظام من موصفات طبقية يقع في خندق" العلمانية"، والقومية، والتقدمية.. بينما كانت تسري في الأوساط الشعبية، ورغم الخوف، والحذر، والتحسّب همهمات، وأحاديث كثيرة عن الصفة الطائفية للنظام، وعمّا يجري في قاع المجتمع من تقسيم على هذا الأساس، ومن قصص وروايات تتناقلها الذاكرة الشفهية لتكوين ما يشبه الاتفاق العام على توصيف النظام بهذا الجانب، رغماً على أن الأمور لم تتجرأ على التعبير الفصيح بالنظر إلى عاملين متراكبين : شدة الخوف من بطش سطوة النظام من جهة، وموقع الوطنية السورية لدى الأغلبية الساحقة من الشعب، من جهة أخرى .

 في مناح الارتداد هذا، وعمليات الحقن والتعبئة، وإجهاض المشروع النهضوي، الحداثي(ناهيك عن التحرر والحرية والتحرير والتوحيد والعدالة الاجتماعية).. كان طبيعياً أن تعرف حركة المجتمع نوعاً من النكوص إلى ما قبل وطني، وأن تنتعش الأفكار والمكونات الدينية والمذهبية في حواضنها العلنية أو السرية، وكذا الجهوية والعشائرية والعائلية، وأن يبحث الناس عن أسيجة واطر للحماية بعد أن نفض كثيرهم يده من الأحزاب التي طالما رفعت شعارات أحلامهم وأمانيهم ومصالحهم وخانتها بطريقة مخزية، وكان نظام الطغمة الأسدي أكثرها ازدواجية، وأكثرها باطنية، وأكثرها نحراُ ونخراً وتقويضاً لذلك المشروع ولحوامل الوحدة الوطنية الطبيعية .

 في العودة إلى مرحلة الصراع بينه وبين " الحركة الدينية" صعد التجييش الطائفي إلى مستوى ظاهري لا يمكن إخفاؤه، وبات الفعل وردّ الفعل عنواناً مشتركاً للفريقين . ولأن النظام هو صاحب السطوة، والقرار، وهو المعني بحماية الوحدة الوطنية، وهو الرافع لشعارات خلبّية.. فإنه في نظرنا المسؤول الأول، وحاضنة تلك الأوضاع التي هددت الوحدة الوطنية في الصميم، والتي طالما تناولناها في حينها على صعيد " التجمع الوطني الديمقراطي"، أو على صعيد الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية، أم على صعيد الجهد الفردي .

 لقد استفاد النظام من أخطاء ممارسات " الطليعة المقاتلة" الراكبة على تغطيتها حركة الإخوان المسلمين تلك التي اتصفت بالطائفية الصريحة، وبخط سياسي استئصالي تماماً، فنجح في ركوب مطية حامي الحمى للطائفة العلوية من الذبح على الهوية، ومن نبش مخزون ذاكرة البيئة الشفهية عن صراع قديم منتقى مليء بالاضطهاد، والمذابح، والخوف من الآخر، وتضخيمه إلى درجة البعبع الذي يُستحضر عند اللزوم، كما هو الحال اليوم .

 لنقل، ورغم أن حركة الإخوان المسلمين قامت بنقد ممارستها تلك الفترة، وأدانت استخدام العنف، وأقرّت التداول السلمي على السلطة.. فإنها مطالبة على الدوام، وهي بالتحديد، بأن تفصح أكثر عن نقدها لذلك الأسلوب الذي سمح للنظام بالإيغال بعيداً في التعبئة الطائفية.. التي يتمّ إحياؤها اليوم كتواصل لتلك المرحلة من جهة، وعبر تضخيم والتقاط عديد المظاهر والتصريحات المحسوبة على أطراف دينية سنية تتقاطر بأشكال متخلفة، وملغومة هنا وهناك من جهة أخرى .

 *****

النظام، ومنذ بدء الانتفاضة، وبالنظر إلى تركيبته الأقلوية(الأقلوية الشاملة)، والأمنية، اتجه مباشرة إلى "جورة الحرامية" المخبّأة في خزينه متصوّراً أنه بالحديث عن الفتنة يستطيع أن يركّب غطاء مناسباً للقتل وإجهاض الانتفاضة من جهة، وتقريب ودفع الطائفة العلوية، وعموم الأقليات الدينية والمذهبية إلى خندقهمن جهة ثانية، جبناً إلى جنب الحديث عن المؤامرة التي تستهدفه كرمز للممانعة والمقاومة، وهو الخطاب الازدواجي الذي رافق هذا العهد منذ قيامه، وظهر أكثر سذاجة وترقيعاً في عهد الوريث وصحبه، من جهة ثالثة .

 النظام اليوم وعبر أزمته الفاضحة، وفشله في إجهاض الثورة يحقن الأوضاع بحقن مذهبية خبيثة من شأنها، كما يعتقد، أن تكون البديل عن الوحدة الوطنية، وربما يكون قد نجح الآن في تخويف الشارع الشعبي العريض من الطائفة العلوية، ومن بعض الأقليات الدينية والمذهبية من" مجهول" إسلامي يجري النفخ به وتصويره كغول، أو كسيف سيقطع رؤوس الآخرين.. الأمر الذي يفسّر ضعف حضور ومشاركة تلك الأقليات في الثورة، بينما تعاني نخبها(لنقل دوماً : المحسوبة عليها مجازاً) من عدة إشكاليات لجهة ضغوط بيئتها من جهة، وسقف تصوراتها للمخرج من جهة ثانية .

 النظام يدفع بقوة باتجاه الحرب الأهلية، وحتى بعض عمليات التطهير الديني والمذهبي، بينما تراود ذهن البعض حكايا مشاريع التقسيم، وإقامة دولة طوائفية إذا ما كانت هي المنحشر الأخير لنظام الطغمة، بواقع تماسك المؤسستين الأمنية والعسكرية، حتى الآن، وإبداء استعداد قياداتها لإهراق المزيد من الدماء، وقتل وتصفية الناشطين، وحتى استدراج الخارج للتدخل .

 *****

 بالمقابل ، فالطائفية ليست حصراً على النظام، أو طائفة معينة دون غيره ن قوى طائفية، وماضوية، ومشبوهة منتشرة في عموم الطوائف، وتظهر تجلياتها الفاقعة في مظاهر كثيرة تتجاوز ردود الفعل إلى ما يمكن اعتباره بنياناً له قواعده، ونواظمه ومصالحه.. الأمر الذي يجب توجيه الضواء إليه حتى لا تبدو المواقف حولاء، أو مزدوجة المعايير .

***

 إن الحديث عن تطمينات وتعهدات.. ومناشدات.. بقدر ما يضغط عليها الوضع السوري لجهة إحجام أغلبية بعض الأقليات عن المشاركة في صنع المستقبل المشترك : ثورة الحرية، والزجّ ببعض الفئات وقوداً لمحرقة الطغمة الحاكمة، وفتح أشداق الحرب الأهلية.. بهدف ترسيخ الوحدة الوطنية على قاعدة الإسهام في بناء البديل.. فإنها ظاهرة لرد فعل آني لا تتناول جذر المشاكل، ولا تتمحور حول القاسم العام .

 إن الدولة المدنية الديمقراطية ليست ملكاً لفئة دون أخرى. إنها دولة المواطنية المتساوية للجميع، وهي ضمانة للجميع، وتعني الجميع على قدم التكافؤ.. حيث لا أحد يطمئن أحداً سوى الدستور الذي يضعه نواب الشعب المختارين، والمنتخبين، والقوانين التي تقررها دولة المواطنة وليس فريقاً دون آخر .

 إن ألف باء الحرية ليس الاعتراف بالتعددية وحسب، وإنما تمثلها ووعي مفرداتها وماذا تعنيه نظرياً وفي التعامل، وماذا تستوجبه من "تنازلات" تخص الجميع إزاء الجميع .

إن مدخل الإقرار بالتعددية : الاعتراف بأن الحقيقة نسبية، وبأنها ليست حكراً على أحد دون الآخر، وأن معتقدات الآخر محترمة مهما كانت نظرتنا الخاصة إليها، كما هو واجب احترام معتقداتي .

 إن وعي التعددية. ونسبية الحقيقة تقودان إلى إقرار حق الآخر بالتعبير والمعتقد كما هو لا كما نريد ونشتهي، كما يجب أن يؤدّيا إلى فهم مكونات الآخر على قاعدة الحق، والاحترام، والتفاعل، وليس بالنفي ، والاستئصال والاحتقار، أو التكفير .

 التطمينات الحقيقية تكون بتفصيح طبيعة الدولة المدنية الديمقراطية لجهة : المدنية كحقوق المواطنة، ولجهة نزع الطابع الإديولوجي لها، وعدم إلحاقها بهذا المكوّن، أو ذاك المعتقد، وتحديداً : بالجهر المسبق لعلاقتها بالشريعة الإسلامية باعتبارها محط الجدل حول موقعها في التشريع(بين المصدر الرئيس، ومصدر من مصادر التشريع وبين علمانيتها(وليس إلحادها) الذي يعني رفض التخصيص لتكون مفتوحة، وغير متناقضة مع حرية الاعتقاد، والانتماء الفكري والسياسي وغيره , وحقوق القليات القومية(وليس الدينية) .

 على هذه القاعدة يكون الفعل الطائفي من أين جاء فعل منبوذ، مرفوض، إجرامي بحق الدولة الديمقراطية، وبحق الوحدة الوطنية ولا يحتاج إلى تجريم مسبق .

 وعلى ذلك أيضاً فإن إسهام الجميع بكوننة البديل، وفي يوميات الثورة، والانفضاض المعلن عن نظام الطغمة ومهاويه التي يريد دفع البلاد وبعض أبناء الطائفة العلوية إليه.. سيكون اللبنة القوية في إشادة دولة المواطنة . دولة العدل والقانون والحقوق .

---------***************---------

اللقاح الثلاثي .. د.خالص جلبي

الاتحاد

تاريخ النشر: الأربعاء 17 أغسطس 2011

فكرة اللقاح فلتة عبقرية يكافح فيها الجسم عدواً لم يطأ مملكة البدن بعد؛ فيفتك به وهو على الحدود، وكذلك الأفكار العضوية في الثورات. ويعتبر "باستور" الفرنسي أبو فكرة اللقاح ضد السعار، وكانت ملحمة من ملاحم الطب في إنقاذ الأطفال من عضات الكلاب المسعورة، وهي قصة تنفع مع السعار "البعثي" في سوريا، وهو ينقض نهشاً في المدن؛ فيهلك الرهط من الناس في عضة واحدة من الشبيحة.

واستطاع كل من "سالك" و"سابين" تطوير لقاح "البوليو" ضد شلل الأطفال، وهو مرض أعرفه جيدًا نجوت منه بالصدفة وأنا طفل، ووقع بين براثنه الرئيس الأميركي روزفلت ومعه أخي الأكبر فانشلت حياته، وكذلك قدر الثورات يمكن أن تصاب بالشلل، إذا لم تلقح ضد أمراض خطيرة يمكن أن تهلك روح الأمة.

ومن أروع ما طوَّر الطب اللقاح الثلاثي والرباعي، وهو مزيج من عدة لقاحات في ضربة واحدة؛ فينجو الطفل من ألعن الأمراض من شهيق الديكة وذباح الصدر وشلل الأطراف والحلق فيموت مختنقاً وافتراس الرئة بالسل الآكل للنسج والعظام.

ولعل أخطر ما يواجه الثورة السورية من أمراض اجتماعية ثلاثة فوجب التلقيح، وهذا المرض الثلاثي هو مزيج (العنف) و(الطائفية) و(تورط الأجنبي)، قد تنزلق إلى واحدة، وقد تتراكب الثلاث، فتهلك سوريا، ولا تصل إلى خلاص الأمة من سرطان مستفحل، يجب أن ترتفع فيه قوة الجهاز المناعي، فيتخلص من السرطان البعثي.

لقد رأينا ضربة الصدمة والدهشة من رامسفيلد في العراق؛ فهلك صدام، ولكن نبت من لحمه ألف صدام، وتحول المرض الطاغوتي "البعثي" إلى طاغوت مختلف، فركب نفس العرش ولم تتغير الصورة إلا قليلًا.

إذا تورطت الثورة في سوريا بتدخل الأجنبي، فقد انتهت؛ ويكون النظام "البعثي" قد نجا برأسه، وقد ينهض الكثير من السوريين لمحاربة الأجنبي.

علينا اتباع الأرقام دوماً بضرب الرسمي بثلاثة أضعاف كما في حسابات المهندسين في كلفة البناء قبل أن يأكل المقلب. وإذا تورطت الثورة بالطائفية، فتودع منها لأنها ستجر إلى حرب لا تبق ولا تذر، يموت فيها الأبرياء قبل الظالمين. ونفق الطائفية بغيض قذر وصفها نبي الرحمة أنها نتنة. لو تحول قسم من النظام السوري إلى هذا المرض من سعار الطائفية، فقتلوا الناس فعلينا بالصبر حتى يأذن الله بالفرج.

وإذا تورطت الثورة بتبني السلاح والقوة، فقد ارتهنت للقوة وخسرت خسراناً مبيناً على الطرفين؛ إن خسرت ذبحت من الوريد للوريد، وإنْ نجحت ارتهنت للسلاح كما في قصص الانقلابيين الذين أهلكوا الحرث والنسل بالانقلابات العسكرية.

كيف ترسم إذن أسطورة الخلاص من نفق الاستبداد إلى فضاء الحرية؟ والجواب هو الإسراع بتعاطي هذا اللقاح الثلاثي، كما في انتشار الأوبئة، فيلقح الناس في الحج ضد الحمى الشوكية التي تضرب الدماغ فيهذي المصاب ويسخن مثل مرجل.

كذلك وجب تعميم اللقاحات حتى لا يتورط الناس بطائفية، ليحترب العلوي مع السني، والعشائري مع الكردي، ثم ليقتل الكل الكل، كما في حرب لبنان التي دامت عشرين عاماً.

قصص الحروب الأهلية مروعة، ويروي لنا التاريخ فظاعات يقشعر لها البدن، وتكاليف تستهلك جهد الأجيال؛ فقد هلك في حرب الثلاثين عاماً على الأرض الألمانية ستة ملايين ونصف المليون من الشباب، في حرب طائفية من أصل عشرين مليوناً هم السكان، واحتاجت ألمانيا إلى ثمانين عاماً لترمم المصاب الجلل.

حذار من الأمراض والمراهنة على وعي الثورة أن لا تدخل هذا الوحل، وأن لا تجر إلى هذا المساق، كما فعل العقيد الليبي فصمد حتى اليوم. ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد.

---------***************---------

نعم هناك مؤامرة على سوريا .. خيرالله خيرالله

المستقبل

17-8-2011

ليس في الامكان تجاهل وجود مؤامرة كبيرة على سوريا. ولكن من وراء المؤامرة؟ الجواب ان هناك بالفعل مؤامرة على البلد وشعبه. مؤامرة ضخمة الى درجة يمكن ان تؤدي الى تفتيت هذا البلد العربي المهم نتيجة الاحداث التي يشهدها حاليا. في اساس الاحداث الراهنة، التي هي في الواقع ثورة شعبية، بل امّ الثورات الشعبية العربية، نظام مريض يعتقد ان في استطاعته معالجة المشاكل التي يعاني منها عن طريق الهرب المستمر منها من جهة والغاء من يعتبرهم خصومه داخل البلد وخارجه من جهة اخرى.

نعم هناك مؤامرة على سوريا. عمر هذه المؤامرة ثمانية واربعون عاما واكثر. واذا كان على المرء ان يكون دقيقا، بدأت المؤامرة في الثامن من آذار 1963، تاريخ وصول حزب البعث العربي الاشتراكي الى السلطة عن طريق انقلاب عسكري. جاء هذا الانقلاب ليعيد التذكير بان سوريا تعاني منذ العام 1949 من الانقلابات العسكرية التي ادت الى انهيار الديموقراطية والحياة الحزبية فيها.

لكن نقطة التحوّل الاساسية نحو الاسوأ جاءت مع تولي البعث السلطة معتمدا على تنظيمه العسكري الذي ما لبث ان تخلّص من الواجهة المدنية وصولا الى تصفيات بين العسكر انفسهم انتهت بتولي حافظ الاسد مقاليد السلطة من دون اي منازع في السادس عشر من تشرين الثاني من العام 1970. عرف ذلك ب"الحركة التصحيحية" التي اوقفت مسلسل الانقلابات العسكرية، لكنها ادخلت سوريا في غياهب مزيد من الديكتاتورية والتسلط والقمع على الطريقة الستالينية...

في سوريا، منذ العام 1970، نظام لا يؤمن سوى بالهرب الى امام من مشاكل الداخل، بما في ذلك المشاكل التي ورثها عن العهود السابقة. فالعلاقة بين النظام البعثي، الذي تحول تدريجا الى نظام عائلي، والمدن الكبرى وبعض المناطق السورية متوترة منذ ما قبل تولي حافظ الاسد السلطة. احداث حماة بدأت في العام 1964، بعد سنة من وصول البعث الى السلطة. وكان في الواجهة وقتذاك ضابط سنّي من حلب هو امين الحافظ عُيّن رئيسا للدولة. لم يتردد امين الحافظ الذي لم يكن سوى واجهة لضباط آخرين كانوا يتحكمون بالبلد، على رأسهم صلاح جديد وحافظ الاسد، في اللجوء الى القمع الوحشي.

ما شهدته حماة في العام 1964 تكرر في العام 1982 عندما انتفضت مجددا. انه وضع شبيه بما تشهده المدينة اليوم مع فارق ان اهل حماة يدركون في السنة 2011 ان اسوأ ما يمكن ان يلجأوا اليه هو السلاح والعنف...

تكفي نظرة الى العدد الرقم 5528 من جريدة "الحياة" الصادر بتاريخ الواحد والعشرين من نيسان 1964 للتأكد ان الثورة في سوريا ليست بنت البارحة وان الشعب السوري لا يزال يقاوم المؤامرة منذ العام 1964. في الصفحة الثالثة من الصحيفة التي كانت وقتذاك لا تزال ملكا لصاحبها ومؤسسها الشهيد كامل مروه سلسلة من العناوين تصلح لاي عدد في اي صحيفة محترمة تصدر اليوم او غدا او بعد غد. هناك خمسة عناوين في الصفحة الثالثة من العدد المذكور من الصحيفة. العنوان الاوّل لمقال كتبه كامل مروه هو: "يا لها من مأساة". الى جانب المقال قطعة على ستة اعمدة عنوانها: "46 جثة تحت انقاض جامع السلطان ومئذنته وتفاصيل رهيبة عن المجازر والقمع الدموي". اما العناوين الثلاثة الاخرى فهي الآتية: "تأميم شركة الاخشاب باللاذقية بعد تأميم شركتي نسيج كبيرتين" و"اضراب دمشق مستمر في يومه الثاني تضامنا مع حماه" و"اضرب محامو دمشق تضامنا مع حماه وطلبوا الغاء حالة الطوارئ واجراء انتخابات".

منذ 1963، المؤامرة على سوريا مستمرة. حصل تهجير لكل العقول السورية وحصل تأميم لكل المصانع التي كانت منتجة بالفعل، كما اممت الاراضي الزراعية وفق خطة عشوائية حولتها من ارض غنية الى ارض بور. كان الهدف إفقار سوريا تحت شعار "الاصلاح الزراعي". والاهم من ذلك كله، انه لم تعد في سوريا حياة حزبية او سياسية في وقت فقد المواطن حريته وكرامته...

لا تزال سوريا تقاوم. تقاوم المؤامرة وتقاوم نظاما الغى الانسان وهو مستعد لإلغاء كل من يعترض على تصرفاته داخل البلد وخارجه.

من هذا المنطلق، يمكن فهم كم ثورة الشعب السوري عظيمة وكم هذا الشعب عظيم. انه يقاوم مؤامرة عمرها نصف قرن تقريبا. مؤامرة استهدفت عمليا شعب سوريا بحجة ان لسوريا دورا اقليميا وانها تمسك بكل الاوراق في المنطقة. يا لها من مؤامرة ادت الى تمكين إسرائيل من احتلال الجولان، مؤامرة امتدت الى لبنان بهدف وضع اليد عليه عن طريق اثارة كل انواع الغرائز الطائفية والمذهبية في الوطن الصغير واغراقه بكل انواع الاسلحة والمسلّحين.

لدى سوريا شعب عظيم. هل يتغلب على المؤامرة التي يتعرض لها منذ سنوات فيعيد سوريا الى السوريين ام تقضي المؤامرة على البلد بمن فيه؟ هل ينتصر الشعب السوري على المؤامرة؟

---------***************---------

الحجج الساقطة للديبلوماسية السورية .. رندة تقي الدين

الاربعاء, 17 أغسطس 2011

الحياة

رسالة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون في ٨ آب (اغسطس) الماضي، تعليقاً على البيان الاول لمجلس الامن الذي دان قمع النظام السوري لشعبه، مضحكةٌ مبكية بمضمونها. يقول رئيس الديبلوماسية السورية في هذه الرسالة إنه «توجد مبالغات كثيرة في تصوير الأحداث السورية الراهنة، وإنه يتم تضخيم حقيقة ما يجري على الأرض بهدف التحريض والتهويل، مع إغفال واضح لحجم الأضرار والخسائر بسبب ما تقوم به المجموعات المسلحة...»، وكأن الديبلوماسية السورية الرسمية ترتكز على حجج من العصور الماضية، متجاهلة عولمة المشاهد المريعة التي تأتي للجميع عبر الوسائل الحديثة، من هواتف جوالة الى شبكات الإنترنت و «الفايسبوك».

إن مشهد محاصرة اللاذقية بحراً وبراً، والهجوم العسكري والمخابراتي على أبناء المدن السورية الباسلة، من اللاذقية الى دير الزور الى درعا وحماة وغيرها، يذكر للأسف بمحاصرة وضرب غزة من قبل الجيش الإسرائيلي، وحصار المناطق الشرقية في بيروت في ١٩٧٨. إنها مشاهد لا تُحتمل، خصوصاً أنها من جيش من ابناء الشعب يستخدمه النظام في وجه شعبه. فما هو مستقبل مثل هذا النظام حتى لو استطاع ان يخمد الثورة بالقتل والقمع؟ الكراهية والشعور بالانتقام نتيجة هذا القتل والقمع سيزيدان، والنظام لن يرى يوماً الاستقرار. إن إستراتيجية النظام السوري في تكثيف القمع لعبور شهر رمضان بسلامة، هي أيضاً من ضمن نهج العصور الماضية وعلى الطريقة الاسرائيلية، فهي لن تنجح يوماً في الحصول على الاستقرار والامن في البلد. النظام السوري يقتل اولاده بسلاح جيشه، والنظام السوري يعذِّب معارضيه الشجعان، كما تؤكد شهادات الناشطة سمر يزبك والمعارض هيثم المالح والكثيرين، الذين بشجاعة لا مثيل لها ومن دون اي مساعدة خارجية، يخرجون من بيوتهم رغم خطر القتل ليصرخوا ويعبِّروا امام العالم عن ألمهم لما يقوم به النظام الذي يحاصرهم، فالنظام السوري الذي غذّى وشيّد وساهم في إنشاء المقاومة اللبنانية بوجه العدو الاسرائيلي، هو نفسه، ولكن بنهج قمعي مختلف، يساهم في خلق مقاومة شعبية شجاعة لا تحتاج الى احد لصمودها، من اجل الحرية والحياة الكريمة بعيداً عن القتل والتعذيب.

ان زيارة وزير الخارجية التركي الاخيرة الى دمشق أثبتت ان صمود الشعب السوري في وجه نهج نظام يدّعي نية اصلاحية وهو يصفي شعبه، أصدق من أي ديبلوماسية تعطي مهلة ايام معدودة وفرصاً لنظام كان مناسباً لها، فما ان غادر الوزير التركي حتى كثف الجيش السوري العمليات على شعبه. واذا كان الرهان السوري على الاستمرار في القمع في الوقت الذي تعقد الامم المتحدة الجلسات حول الدولة الفلسطينية وينسى العالم ما تقوم به سورية، فهذا ايضاً من ضمن قصر نظر ديبلوماسية سورية المليئة بالحجج الساقطة، فصحيح كما يرى البعض انه لا الثوار انتصروا بعد ولا النظام والجيش انقسما، ولكن عاجلاً او آجلاً لا يمكن للنظام ان يخرج من مثل هذه المعركة إلاّ مهزوماً امام عزم شعب باسل يطالب بأدنى حقوق الانسان الكريم، فإن تمكن النظام السوري من اللعب على تناقضات الشعب اللبناني وتوظيف وكلاء له على الساحة اللبنانية، لن ينجح في المسلك نفسه بوجه شعبه، الذي كان شاهداً لما حصل في لبنان من قتل وتصفيات وتحريض واستخدام للمجموعات المسلحة، التي يزعم عنها معلم الديبلوماسية السورية ما يزعم. واليوم، وأهم دولتين عربيتين، هما السعودية ومصر، عبَّرتا عن ضرورة وقف قمع النظام السوري لشعبه، والمسؤولون السوريون غائبون عن السمع، يجب السؤال: كم من الضحايا من ابناء المدن السورية الباسلة سيسقطون قبل ايقاف سفك الدماء ومحاسبة نظام يريد إغفال مشهد محاكمة حسني مبارك، لاعتقاده أنه بمنأى عن مثل هذا الاحتمال، ولأنه اعتقد أنه نجح في لبنان وأنه سينجح في سورية.

---------***************---------

خطة مزدوجة! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

17-8-2011

يلزم النظام السوري نفسه بخطة من شعبتين غير متساويتين أو متوازنتين ينفذها على جبهتين: شعبة عسكرية غالبة، تشكل قرابة تسعين في المائة من جهوده الرامية إلى دحر التمرد الشعبي العاصف الذي يجتاح البلاد. وشعبة فرعية لها في المعركة الراهنة فعل الدخان الذي يطلقه جيش مهاجم ليحول بين عدوه ومعرفة حجمه واتجاهات هجومه، وهي تعتبر في العلم العسكري جهدا تضليليا غرضه صرف أنظار الخصم عن حقيقة نوايا الصديق.

بكلام آخر: هناك خطة عسكرية، مدروسة ومدبرة حتى تفاصيل التفاصيل، أعدت كما تؤكد قرائن كثيرة منذ أشهر ربما تكون تلت مباشرة قيام الثورة في تونس، تمثل محور الجهد الرئيسي للسلطة القائمة، التي يبدو من قرائن كثيرة أخرى أنها قررت حسم صراعها مع المتظاهرين المحتملين بالقوة وحدها، واعتمدت بالتالي ما نسميه هنا «الحل الأمني»، فلا عجب أنه بدأ منذ الأيام الأولى للمظاهرات التي عاشتها حوران عامة ودرعا خاصة ردا على تصرفات العميد في الأمن السياسي عاطف نجيب، الذي كان قد اعتقل وعذب أطفالهما وأهان شيوخهما، ثم أمر بإطلاق النيران على مواطنيهما، وليست نظرية المؤامرة التي اعتمدتها السلطة غير تبرير سياسي يسوغ هذا الحل، الذي ما كان يجب أن يكون له دور، لو كانت السلطة عازمة بالفعل على تلبية مطالب الشعب وحراكه السلمي، التي أقرت أعلى جهاتها بشرعيتها وأحقيتها.

في ظل الخيار الأمني المقرر سلفا، من المفهوم وغير المقبول طبعا، أن يكون النظام قد استخدم قوة مفرطة منذ لحظات الاحتجاج الأولى، وأنه ما زال يراهن على العنف لحل مشكلة يستحيل حلها بالقوة، تتعلق بمطالبة الشعب بالحرية واحترام حقه في العمل والعدالة والمساواة أمام القانون وفي الواقع، وبمكافحة الفساد ووضع حد لنظام رئاسي وراثي يراد له أن يستمر مدى الحياة... إلخ. إلا أن النظام يسوغ الحل العنيف برؤية مفادها أنه يكافح عصابات إرهابية مسلحة، لا يسمح قتالها بالتنازل أمامها، مهما كان عدد القتلى والجرحى والمختطفين والمعتقلين والملاحقين من الشعب العادي، وكانت هائلة جموع المتظاهرين، علما بأنه لم يقدم بعد أي أدلة مقنعة على صحة ما يقوله حول حشود المسلحين والإرهابيين، التي كان الأمن ينفي نفيا قاطعا إلى الأمس القريب وجودها في سوريا، وهو المشهود له بالقدرة على معرفة كل ما يدور داخلها وإحصاء أنفاس كل فرد فيها، فلا عجب أن يتساءل السوريون باستغراب: إذا كان قادة الأمن قد قصروا كل هذا التقصير في رصد ومتابعة الآلاف المؤلفة من عصابات الإرهاب المسلحة، لماذا إذن تم إيكال مكافحة هؤلاء إليهم، ولماذا لم يحاسبوا على تقصيرهم في حماية الدولة والشعب والنظام!

هذه السياسة الأمنية الصرفة، وهي محور جهد رئيسي يعتمده النظام لمكافحة التمرد واحتجاز أي تغيير في بنيته ومؤسساته، غطتها «تدابير إصلاحية» لم يكن لها أي مردود غير إقناع السوريين بأن الخيار الأمني هو وحده الحل الذي قرره النظام، وأن إصلاحاته غير جدية، وإلا لما كان تبنى قانون أحزاب قدمت مسودته الأولى إلى مجلس الشعب عام 2005، وها هو يصدر اليوم، في عام 2011، كأن شيئا لم يحدث خلال هذه الفترة الطويلة، أو كأن ما كان يصلح لتلك الأيام يصلح الآن أيضا، علما بأن الشعب كان صامتا خائفا آنذاك، ولم يعد كذلك اليوم، حيث ينزل إلى الشوارع مطالبا بحقوقه وفي مقدمها حقه في بناء أحزاب حرة، أي غير تابعة للبعث، وفي أن يقيم نظاما من اختياره يتفق مع إرادته. بدوره، يثبت قانون الانتخاب الجديد أنه لم يكن خطوة إصلاحية، ما دام يعطي 50% على الأقل من مقاعد مجلس الشعب إلى العمال والفلاحين، أي إلى أتباع النظام القائم، كأن الشعب لا يعترض على تركيبته وبنيته أو يقبل أن يتمثل شكليا وصوريا بأقل من نصف النواب.

أخيرا، فإن من شاركوا في صياغة قانون الإعلام من صحافيين وإعلاميين يقولون إن القانون الذي قد يصدر قريبا ليس هو الذي اقترحوه، وأنه حذفت منه فقرات مهمة تقر بحرية الصحافة، وتوصي بإلغاء وزارة الإعلام وتأسيس مجلس أعلى يشرف على شؤونه يتألف من شخصيات مستقلة وقضاة ومثقفين... إلخ.

باختصار: هذه التدابير لا وظيفة لها غير أن تكون وجها «سياسيا» للحل الأمني وأن تحجب بالأحرى حقيقة عدم وجود حل سياسي، لأنه لو كان هذا الحل هدف السلطة، لما قال الرئيس في آخر خطبة له إنه لا يستطيع مواجهة العصابات المسلحة، ولما كان تم استخدام العنف المفرط ضد المدنيين العزل، ولوضع الأمن في خدمة السياسة بدل أن توضع السياسة في خدمة الأمن، ولما صار الحقل السياسي مجرد فرع منه يراد به حجب الحقيقة ونشر الأوهام حول وجود إصلاح سياسي أصيل يطبق في موازاة حل أمني عابر ومؤقت، تمليه المؤامرة الخارجية وامتداداتها الداخلية، وتحتمه حماية المواطنين من المسلحين، حسب أقوال النظام، فهو ليس إذن خياره الحقيقي، كما يزعم المغرضون من المعارضة والشعب!

يتمسك النظام بسياسته حيال الأزمة الراهنة، ويرفض تغيير نظرته إلى ما يجري والتخلي عن أطروحاته حوله، على الرغم من نزول نيف ومليون شخص في مدينتين فقط هما حماه ودير الزور إلى الشارع طيلة أسبوعين، للمطالبة سلميا ومدنيا بالحرية، ودون أن يقع أي حادث يكدر صفو الناس أو يهدد حياة وسلامة وأمن المواطنين. هذا الإصرار على حل أمني دائم بتغطية «إصلاحية» شكلية لا تهدد طابع النظام وإنما تكرسه وترسخه، هو اليوم أخطر جزء في الأزمة التي تعصف بسوريا وتهدد كيانها، ويرجح أن تستمر وتتفاقم ما دام أهل القرار لم يعترفوا بعد بأن معالجتهم للأحداث لم تكن صائبة، ولم يقروا أصلا بأنها نتجت عن أزمة مستعصية، وبأن مطالب الشعب، التي وصفوها ذات مرة بالمشروعة والمحقة (الرئيس في أول خطبة له أمام مجلس الشعب) لا تلبى بالدبابات، بل بحل يقوم على خطة مزدوجة معاكسة: تسعون في المائة منها سياسي يقوم على إصلاح يبدل أبنية النظام، يبطل الحاجة إلى العنف، ويستخدمه بحساب وحذر، فيحاصر المسلحين، إن كانوا موجودين حقا هنا أو هناك، بحرية الشعب وكرامته ووحدته، وفي نهاية الأمر بالشرطة والقضاء!

---------***************---------

هل دخلت سوريا «مرحلة ما بعد الأسد» ؟! .. عريب الرنتاوي

 الدستور

17-8-2011

لم تبق دولة في العالم – باستثناء إيران – إلا ونصحت النظام السوري أو ضغطت عليه، لتنفيذ إصلاحات جوهرية، والإصغاء لنبض الشارع وهدير حناجر السوريين...الآن وقبل فوات الأوان...الآن وقبل أن تبلغ التطورات نقطة «اللاعودة»...الآن وقبل أن يتكامل بنيان المجتمع الدولي، وينعقد إجماعه حول الحاجة متعدد الأشكال والمسارات والجبهات والجنسيات.

وما كان للأردن (الرسمي) بالطبع، أن ينأى بنفسه بعيداً عن «مربعات سياسته الخارجية» و»دوائر تحالفاته وصداقاته»...فكان ما كان من «تطور» في الموقف، بلغ ذروته في الاتصال الهاتفي بين رئيسي الحكومتين، والذي ينذر – ربما – بخطوات تصعيدية إضافية، تزامناً مع تصاعد نشاط آلة القمع الدموية السورية، التي تتنقل من مدينة إلى بلدة، ومن قرية إلى مخيم، غير آبهة بشلال الدماء التي تنزف غزيرة.

مدفوعاً بشبكة واسعة من المصالح والروابط، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعوائلية...ومتحسباً لاعتبارات أمنه الوطني الذي طالما تأثر بهبوب رياح التهديد «الشمالية»...لزم الأردن (الرسمي)، جانب الحياد في الأزمة السورية...وأبقى تعبيراته عن مواقفه من مجريات الأحداث، في أدنى مستوياتها...عرض النصح وعبر عن القلق ولوّح بنفاذ الصبر وعدم القبول باستمرار عمل ونشاط آلة القتل الوحشية...والأرجح أن قادمات الأيام، ستشهد خطوات إضافية على هذا الطريق.

وفي ظني أن «تصعيد» لغة الخطاب الرسمي حيال النظام في سوريا، لن تجد مقاومة أو رفضاً شعبياً أردنياً...غالبية الأردنيين تكره ما يفعله النظام السوري بشعبه، والذين ذهبوا إلى دمشق، يعبرون عن آراء شريحة ضيقة من الأردنيين...والمستمسكون بنظرية «عنزة ولو طارت» ويصرون على تقديم فروض الولاء والطاعة لنظام دمشق، حتى بعد دخول سلاح البحرية على خط الحرب على اللاذقية، مدينة ومخيماً، هؤلاء لا يجدون من يصغي لترهاتهم...فنحن نسمع في كل محفل ومجلس، ضيق الناس و»قرفهم» مما يجري على حدودنا الشمالية.

التيارات الرئيسة في المعارضة، وبالأخص الإسلاميين على اختلاف توجهاتهم، سبقت الحكومة في التعبير عن الرفض والإدانة والتنديد بسياسات النظام السوري وممارسته...والأرجح أن الحال سيستمر على هذا المنوال، طالما ظلت «كرة اللهب» تتنقل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، ومن مخيم للاجئين إلى مخيم آخر لهم.

ثم، أن الأردن، الذي يقيس مواقفه هذه الأيام، بميزان خليجي حساس بامتياز، ما كان له أن يتأخر طويلاً أو أن يقف بعيداً عن الموقف السعودي، الذي استدرج مواقف بحرينية وكويتية، فضلا عن مواقف قطرية وإماراتية، سبّاقة في إدانتها للنظام السوري...علماً بأن البحرين والكويت، مدينتان لنظام الأسد، الأب والابن، بالشيء الكثير...فالأسد الأب، بعث بقواته إلى حفر الباطن، في حرب تحرير الكويت، والأسد الابن بارك دخول السعودية وقوات درع الجزيرة على البحرين لاستئصال دوّار اللؤلوء الذي كاد يتحول إلى «ميدان تحرير» بالمقاييس والمعايير البحرينية.

أما على المستوى الدولي، فلم يعد بالإمكان بعد التصاعد والتصعيد في المواقف الأوروبية والأمريكية، وبعد التبدّل الذي طرأ على مواقف الصين وروسيا، وبعد التصريحات التي صدرت عن زيارة ترويكا مجموعة «الإيبا» التي تضم كلا من الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، لم يعد ممكناً بعد كل هذا الانزياح في المواقف الدولية، أن يظل الأردن ملتزماً الصمت حيال ما يجري في سوريا، فكانت الانتقالة، مؤلمة وطبيعية ومحفوفة بالمجازفة كذلك.

إن صحت القراءة الأردنية لمجريات الأحداث السورية، فإن عمّان كغيرها من العواصم، بدأت تتعامل مع مرحلة ما بعد الأسد في سوريا...وعمّا قريب جداً، سيدأ المجتمع الدولي بمطالبة الرئيس بالتنحي، وسنسمع عن عروض بملاذات آمنة بدأت بأسبانيا، ولن تكون جدة من بينها، لا سيما بعد أن بدأ الإجماع الدولي ينعقد على الإقرار بفقدان النظام لشرعيته، و»أن سوريا من دون الأسد، ستكون أفضل حالاً».

والحقيقة أن أحداً غير النظام السوري نفسه، لا ينبغي أن يُلام على الأوضاع الصعبة التي انتهت إليها الأزمة...والحال المؤلم الذي آلت إليه الأوضاع في سوريا...لقد أدار النظام أذنا من طين وأخرى من عجين لكل النداءات المخلصة والمغرضة على حد سواء...وفقد أصدقاءه وحلفاءه تباعاً، الواحد تلو الآخر...عربياً فقدت دمشق الحليف القطري النشط، الذي تحوّل إلى خصم شرس...إقليمياً فقدت «ذخراً استراتيجياً» تمثل في تركيا / أردوغان وليس من المستبعد أن تتحول أنقرة عمّا قريب إلى «عبء استراتيجي» على النظام...ودولياً، فقد النظام حليفاً قوياً في الإليزيه، لطالما لعب أدواراً ريادية في فكفكة عزلة دمشق الدولية...والآن يبدو أنه لم يبق للأسد سوى أحمدي نجاد وحسن نصرالله و»اللجنة الشعبية الأردنية لمساندة سوريا».

---------***************---------

المعارضة السورية و الفريضة الغائبة ..(حكومة المنفى) .. ابو عمر دراق السباعي

مضى على الثورة السورية منذ اندلاعها خمسة اشهر كاملة سطر فيها شباب الثورة ومازال يسطر ملحمة رائعة بكل انواع التضحية والوطنية والترفع عن كل انواع السقوط الطائفي البغيض الذي حاول النظام ان يجر اليه الشعب الثائر من اجل كرامته وحريته.

امتدت الثورة وبسرعة مذهلة من اقصى الجنوب في درعا الى اقصى الشمال في ادلب وجسر الشغور , ومن اللاذقية وبانياس وجبلة غربا الى دير الزور والبوكمال والقامشلي شرقا, مرورا بمدن الداخل دمشق وريفها العظيم وحمص وريفها الرائع وحماة وريفها الثائرة دائما في وجه الظلم والطغيان . فالثورة انتشرت افقيا في كل ارجاء القطر, المدن , والارياف ,والبوادي , وعاموديا ضمت كل الشرائح الاجتماعية والاقتصادية قاطبة .

اجتازت الثورة السورية خلال الاشهر الخمسة الاولى من عمرها الكثير من المخاطر والتحديات بجرأة ابنائها ووعيهم واصرارهم على بلوغ الغاية وتحقيق الاهداف كاملة غير منقوصة .

بنفس الوقت وبشكل مواز قامت قوى المعارضة في الخارج بالكثير من الانشطة والحراك لدعم الثورة , حراك سياسي تجلى بعقد عدد من المؤتمرات منها مؤتمر انطاليا ,وبروكسل , واستنبول على سبيل المثال وحراك اعلامي لشرح القضية السورية ومطالبها العادلة وشرح معاناة ابنائها وفضح فساد واكاذيب واجرام النظام وما يقترفه من جرائم ضد الانسانية .وكذلك قام شباب الثورة بمواجهة شبيحة النظام الالكترونيين على صفحات الفسبوك ,تويتر , ويوتيوب .

مع هذا الصمود الاسطوري لشعبنا السوري الاعزل من اي سلاح الا سلاح الايمان بالله وعدالة قضيته في الداخل والحراك السياسي والاعلامي لشعبنا وقواه المعارضة في الخارج ,ومع استمرار المجازر الوحشية والقمع اللامعقول من قبل النظام للشعب الاعزل, تطور الموقف الدولي والاقليمي من القضية السورية وثورته ومطالبه العادلة بالحرية والكرامة واقامة دولته المدنية الديمقراطية بشكل لافت ,سريع,وواضح ,تجلى ببيان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز, والتنسيق السعودي التركي المدعوم امريكيا حتى صرح اكثر من مسؤول اجنبي ان النظام السوري اصبح فاقدا للشرعية وان سوريا سوف تكون احسن حالا بدون الاسد.

لكن هذا التطور في الموقف الدولي والاقليمي بما فيه الروسي لم يرافقه تطور في وضع المعارضة السورية في لم شملها وتأسيس مجلس انتقالي او حكومة وطنية في المنفى تستوعب كل القوى الوطنية (التنسيقيات والقوى الشابة ,اضافة للقوى المعارضة التقليدية ) وهذه المهمة لا يستطيع القيام بها احد ولا يقبل من احد ان يقوم بها نيابة عنا نحن السوريون.

ان كل يوم يمر دون تحقيق هذا الهدف يعني مزيدا من الدماء ومزيدا من الألام , ومزيدا من التضحيات , فقط لأننا لم نقم بالواجب الذي لا يتم الواجب الا به الا وهو تشكيل حكومة المنفى .

ان دول العالم والقوى الاقليمية لا يمكن ان تقبل بفراغ سياسي او اي صورة ضبابية للمرحلة الانتقالية بسوريا , لما لسوريا بموقعها الجيوسياسي الهام والخطير من تأثير على السلم الاقليمي خاصة ولما لها من تشابك مع العديد من الملفات والقضايا الاقليمية الحساسة التي تهم الغرب تحديدا ودول الجوار . فالغرب لن يتخذ قراره النهائي برفع الغطاء السياسي ويعطي الضوء الاخضر للقوى الاقليمية للانتقال الى مرحلة ما بعد سقوط النظام الا اذا اطمأن الى المرحلة القادمة والا اذا شعر وامن انه يتحاور مع معارضة مسؤولة تفي بالتزاماتها , موحدة وجادة بالانتقال والتأسيس لسوريا ديمقراطية , مدنية , يسود فيها القانون ويتساوى فيها الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية .

العالم يريد ان يطمئن انه لن تكون في سوريا حرب اهلية ولا ثارات ولا انتقامات , ويريد ان يطمئن الى مكانة ومستقبل الاقليات وحقوقها ودورها , كما يريد ان يطمئن ان سوريا المستقبل لن تكون مقرا ولا مأوى ولا داعما للارهاب . العالم يريد جهة مسؤولة يحاورها ويسمع منها تمثل الشعب السوري الثائر والمطالب بحقوقه .

أعتقد ان المعارضة السورية (بكل مكوناتها) تأخرت كثيرا عن اهم مهماتها واخطرها وعليها ان ترقى الى مستوى المسؤولية الوطنية والأخلاقية المناطة بها, والى امال الشعب السوري الذي قدم وضحى بكل ما يملك وان تلتقي على الأهداف العريضة التي يطالب بها السوريون على اختلاف مشاربهم, وان تشكل حكومة المنفى التي تقود النضال الوطني في المرحلة القادمة وتؤسس لمستقبل سوري زاهر باذن الله .

---------***************---------

الفوضى في بقاء النظام السوري.. وليس في رحيله! .. الطاهر إبراهيم*

يسرب بعض اللبنانيين المستفيدون من بقاء نظام الرئيس السوري بشار أسد في حكم سورية، سيناريوهات تزعم أن رحيل هذا النظام سيخلف فوضى عارمة، لا تؤثر على سورية وحدها فحسب، بل على معظم دول المنطقة. إذا كانت هذه السيناريوهات تبث من لبنان، فهي تفبرك في مصانع إعلام النظام في دمشق، ثم تبث إلى محطات الاستقبال في واشنطن حيث يعتقد الرئيس السوري أن هذه ستحاول وقف معاول الهدم في أساسات حكمه، خوفا على دول في المنطقة، لا يسر واشنطن أن ترى التصدع يلحق ببعض تلك الأنظمة في المنطقة.

هذه التسريبات تتجاهل قضية أساسية يتعامى النظام عن رؤيتها، وإن كانت أصبحت المؤثرَ الأهم في ما يجري في سورية الآن، وهي أن أكثرية الشعب السوري الساحقة متضررة من بقاء النظام في السلطة، ينتظر قسم كبير من هؤلاء المتضررين إعادة بناء دولتهم على نفس الأسس التي كانت مبنية عليها قبل استيلاء حزب البعث على السلطة في عام1963. وإن أي فوضى قد تنتج عن رحيل هذا النظام عن الحكم، إن كان شيء من ذلك سيتم، فإنها هامشية، أسقطتها التجربة الحية التي حصلت في تونس وفي مصر، عندما رحل النظامان من دون أن يتخلف عن رحيلهما أي فوضى كما هو واضح للعيان.

قد يقول قائل إن هذا قياس مع الفارق، بعد أن وصل الاستقطاب إلى حدود قصوى في النظام الذي هيمن على كل شيء في سورية، بينما نظام "بن علي" ونظام "مبارك" ما كان رموزهما متجذرين في تونس ومصر في مؤسسات الحكم كما هو الحال في سورية. يرد المتظاهرون أن سورية عاشت تجربة مشابهة للحالة اليوم، عندما أسقط انقلاب الانفصال دولة الوحدة في أيلول عام1961. ففي أقل من شهرين تم انتخاب مجلس نيابي ورئيس جمهورية هو الدكتور "ناظم القدسي" وتشكلت حكومة أعادت العمل في كل وزارات الدولة ومؤسساتها، كما كانت قبل قيام الوحدة ، رغم الشغب الإعلامي الذي كانت تثيره أجهزة إعلام عبد الناصر.

لو تحولنا من التأثير العاطفي الذي يشعر به الشعب السوري عندما يزول الكابوس الذي جثم على مقدرات الوطن وعلى قلوب المواطنين على مدى خمسة عقود، إلى الثورة التي أصبح الشعب السوري يتعايش معها كأنها دماء تجري في عروقه، وما عاد ينفك عنها، كما حصل عندما انسحبت بعض الدبابات من بعض شوارع مدينة حماة، حيث هب الشباب متظاهرا في تلك الشوارع تحت سمع وبصر ما تبقى من قادة الجيش وأجهزة الأمن والشبيحة في المدينة، لا يهزه الخوف، فقد زال الخوف من قلوب المتظاهرين.

استطرادا، فإن الشباب السوري الثائر، ليس في وارده التوقف عن الثورة والتظاهر كل يوم جمعة، ويوميا بعد صلاة التراويح، ثم يقبل وعود النظام بإصلاحات لم يكشف عن عمقها حتى الآن، أو أن يتوقف بسبب القمع الشديد، كما حصل عندما قصفت زوارق حربية حي الرمل في اللاذقية، وربما يؤدي الأمر بالنظام مستقبلا، إلى استخدام الطيران في سبيل إنهاء الانتفاضة، لأن النكوص سينهي، -ولعدة عقود- الأمل بالحرية والديمقراطية ورحيل النظام الذي ما عاد يطاق البقاء تحت حكمه.

فيما يتعلق بدخول قوى دولية وإقليمية على خط الإعصار الذي يجتاح سورية، فقد تأكد لدى هذه القوى صلابة الشعب السوري وتصميمه بالذهاب إلى آخر الخط في معركته مع النظام، وأنها ليست موجة ستتكسر على صخرة النظام الذي يريد، هو الآخر، أن يوحي للجميع بأنه مستعد للسير في القمع والقتل إلى آخر المشوار.

مع أن هذا المقال هو لدحض المزاعم التي يريد النظام ترويجها بأن رحيله سيأتي بالفوضى، وأن هذه الفوضى سوف تمتد خارج حدود سورية. كما أن مواقف بعض القوى المؤثرة في القضية السورية، توضح الاستماتة التي يبديها كل من نظام طهران وحزب الله في لبنان، حيث أصيب الطرفان بالهلع بعد أن أحرق علم طهران وعلم حزب الله في كل الشوارع أثناء المظاهرات. وتبدت الاستماتة بضخ طهران المليارات في اقتصاد النظام السوري لتوظيفها في دعم هذا الاقتصاد المتداعي, وأن حزب الله ما برح إعلامه يفبرك إشاعات تزعم أن هناك تهريب أسلحة إلى المتظاهرين في سورية للإساءة إلى الثورة السورية السلمية، التي كان أهم شعاراتها منذ اليوم الأول هو سلمية هذه الثورة.

ما هو واضح أن واشنطن لم تعد متمسكة بالرئيس بشار أسد. وعدم تمسكها بالرئيس بشار، قد يعني أنها ترحب بشخصية معتدلة قريبة،من النظام بشكل أو بآخر، لم يتم حرق أوراقها بعد. هذه الرغبة تصطدم بالمزاج الشعبي السوري الذي يريد أن يطوي صفحة النظام كله، لا فرق عنده بين معتدل ومتطرف. ما هو مؤكد أيضا أن واشنطن لا تأخذ على محمل الجد بأن البديل من الرئيس بشار هو حكم الإسلاميين كما يحاول النظام أن يوحي بذلك.

أنقرة من جهتها، تحاول أن يفهم الآخرون عنها أنها ليست مع رحيل الرئيس بشار أسد، وإن كانت تعتقد أن بقاءه سوف يبقي الأحداث مشتعلة. حتى الآن ليس واضحا ما هي الأوراق التي تلوح بها أنقرة في وجه النظام ليوقف إطلاق النار على المتظاهرين. هذا الرغبة، على ما يظهر أنها مشتركة مع واشنطن. باقي دول الجوار تحاول أن تنأى بنفسها عن أن تنخرط عمليا بما يجري. وكل ما توده هذه الدول هو أن لا تصيب عدوى الثورة جماهيرها.

الثوار في سورية –على ما يعتقد- يرحبون بالمواقف الإيجابية، إقليميا ودوليا، كما يظهر من اللافتات التي ترفع أثناء التظاهر. كما يرفضون أن "يجيروا" لصالح أي من القوى الخارجية ، شعارهم في ذلك: "وكل يدعي وصلا بسلمى وسلمى لا تقر لهم بذاكا".

*كاتب سوري

---------***************---------

في شعارات النظام عن المقاومة والممانعة .. جلال / عقاب يحيى*

مدخل تمهيدي :

هناك حقائق ثابتة يدركها كل سوري لأنه يعيشها ويعتنقها، والخاصة بالموقف من فلسطين .

لقد رضع الشعب السوري، جيلاً بعد جيل، حليب عشق فلسطين والإيمان بها عربية من النهر للبحر من أمهاتهم، وآبائهم، وثقافة المحيط والمجتمع، فتشرّبوها واستوطنتهم كجزء من هويتهم ومعتقداتهم وانتمائهم العربي، والسوري، والإسلامي .

 فلسطين هنا وفي المخيال، والقناعة لدى الأغلبية الساحقة من الشعب السوري على مختلف مكوناته واتجاهاته السياسية وغيرها، هي جزء من بلاد الشام افتكها التآمر الغربي(اتفاقية سايكس بيكو) بالقوة والتآمر لصالح مشروع صهيوني خاص، وإمبريالي، شكّل قاعدة متقدمة للغرب، ومنطلقاً للتآمر والاستنزاف، والتفتيت. ولذلك يؤمن الكثير بأن الصراع مع الصهيونية وكيانها الاغتصابي صراع وجود لن تحلّه أية اتفاقات تصالحية، لأنها اتفاقات إذعان، ونتيجة اختلال ميزان القوى الذي انهار بفعل النظام العربي وممارساته وعجزه عن القيام بأعباء التحرير، ولذلك فكل الحلول المرحلية، بما فيها سقفها( الأعلى) : الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع لا يمكنها حسم وإنهاء الصراع الذي سيبقى مفتوحاً حتى نهاياته المنطقية : هزيمة المشروع الصهيوني وفقاً لصيغ سيفرضها ميزان قوى قادم حين يمتلك الشعب قراره ومقدراته .

 *****

الأسد وموقعه من فلسطين :

 كانت تلك المقدمة، المدخل، ضرورية لفهم توجهات الشعب السوري التي لا يقدر أي حاكم على تجاوزها، أو معارضتها علنياً، وموقعها وحضورها في الخطاب الرسمي للنظم المتعاقبة، وتلاعب نظام الأسد بها واستثمارها لصالح مشروعه الخاص، الأمر الذي أدّى بكثير الانقلابات العسكرية التي توالت على سورية بعد نكبة ال1948 ، إلى رفع شعار تحرير فلسطين كمبرر لها، وكمدخل إلى منحها شيئاً من الشرعية الشعبية، أو التحايل عليه عبر تفريغه من مضامينه، وقتله تحت رايته كما فعل الأسد (الأب) بخبث، وتكتيك مكشوفين .

 في عام 1967، أي عام حرب حزيران / جوان وهزيمتها الصارخة، كان /اللواء حافظ الأسد/ وزيراً للدفاع وقائداً للطيران، أي المسؤول العسكري الأول عن مجرياتها، فما الذي حدث؟، وأين دوره ومسؤوليته بالتحديد ؟؟..

 وبعيداً عن منطق المؤامرة المسبقة، والاتفاق، والعمالة، والأحاديث غير المسؤولة عن " تسليم الجولان"، والذي لا يمنح أصحابه سوى الخوض في هلوسة دهاليز مظلمة تمنع التحليل الموضوعي الدقيق للأحداث على ضوء وقائعها وسيروراتها..فقد تبدّت مسؤولية وزير الدفاع المباشرة فيما يلي :

1 عدم الثبات المطلوب في القطاع الشمالي من الجبهة السورية التي تمّ الخرق الإسرائيلي فيه، عبر قائد اللواء الاحتياط الذي هرب وترك بقية الضباط والجنود للفوضى، والحالة المعنوية الهابطة، ثم إيقاف الهجوم المعاكس الذي كان مقرراً قيامه في التاسع من حزيران لسدّ الخرق، وصد التوغل الإسرائيلي تحت حجة عدم القدرة على مواجهة القوة الإسرائيلية، وبالتالي : انفتاح الطريق للقوات الإسرائيلية لتوسيع هجومها طولاً وعرضاً واحتلال كامل الجولان .

2 إذاعة بيان احتلال القنيطرة(عاصمة الجولان)، وتقديم شكوى للأمم المتحدة بذلك قبل وصول القوات الإسرائيلية الغازية إليها بنحو /17/ ساعة، الأمر الذي يدلل بالقطع على مدى دقة البيانات العسكرية، ومدى إشراف وزير الدفاع على العمليات في الأرض وليس في مبنى آمرية الطيران حيث اعتاد المكوث هناك .

3 في علم الحرب والجيوش هناك خط ثاني وثالث، بعد الأول، لانتقال الجيش إليه عند الضغط من العدو، أو الهزيمة.. لكن الذي حدث، ووسط تلك الفوضى الصارخة أن وزير الدفاع أصدر أمره الغريب ب " الانسحاب الكيفي" للجيش، على طريقة " دبر رأسك".. مما أدّى إلى فوضى عارمة، وبعثرة القطعات وضياع كثيرها .

4 وفي حين كان الواجب محاسبة المقصرين والمتخاذلين من كبار الضباط، كما كانت تطالب القيادة السياسية، قام الأسد بحماية هؤلاء ومنع الاقتراب من أيّ منهم، لذلك لا غرو إن وجدناهم جميعاً عناوين بارزة في تكتل الأسد العسكري منذ بروزه/1968/، وفي انقلابه التصحيحي المعروف .

5 وبدلاً من محاسبة القيادة العسكرية، وعلى الأقل تغييرها، كما هي عادة الجيوش في كل أنحاء العالم في حالتي النصر والهزيمة، فكيف بهزيمة من ذلك العيار الثقيل، فشلت القيادة السياسية(عبر الاجتماع المشترك للقيادتين القومية والقطرية للبعث) من اتخاذ القرار الذي سقط بأرجحية صوت واحد، وسادت روح العشيرة، والتضامن، وبوس اللحى.. في حين شكلت هذه الحادثة مفصلاً في انعطاف الأسد نحو الحشد للقيام بانقلابه، وتنصيبه زعيماً أوحداً، وإدخال سورية حقبة جديدة في مملكة الرعب الاستثناء .

 ولئن كنت من أصحاب من يقول أن حب الأسد للسلطة والتحكم والتفرّد طاغ يصل حدود النرجسية، أي أنه كان يعدّ العدّة بباطنية متلونة للانقضاض على رفاقه، حيث نرى بصماته في عديد الانشقاقات ومحاولات الانقلاب التي لم تنجح.. فإنه اعتبر محاولة إخراجه من وزارة الدفاع والطيران تصفية له، وتقديمه كبش فداء الهزيمة، وربما تصويره كخائن للوطن وفلسطين، فراح يجمّع عسكره، بما فيهم عديد الضباط الذين ينتمون للطائفة العلوية، وكل متضرر من إجراءات السلطة، وكل معارض لشعاراتها النارية، وخطها السياسي الوطني الرافض للتسوية، والمصرّ على" الكفاح المسلح"، و"حرب الشعب طويلة الأمد"، ورفض القرار الأممي / 242/ الصادر بعد الهزيمة كترجمة وتجسيد لها ، والعمل على تقويض ذلك الخط ثم الانقضاض عليه في 13 تشرين الثاني 1970، تاريخ الحركة التصحيحية الذي اعتمد السادس عشر منه تاريخاً رسمياً .

 2

 كانت فلسطين حاضرة بقوة في الصراع الذي برز بين القيادة السياسية ووزير الدفاع وقائد الطيران.. فكيف تجلّى، وعلى ماذا تمحور ؟؟..

 بغض النظر عن عوامل الهزيمة وأسبابها القريبة والبعيدة، ومسؤولية القيادة السياسية مجتمعة فيها، وكشفها للفجوات الكبيرة بين الشعارات والواقع، وسلبيات مصادرة الحريات الديمقراطية واستئصال، أو تغييب الآخر، وثقوب " الديمقراطية الشعبية" ومعلباتها، وكمّ الشعارية المجوفة، والذهن الهروبي إلى الأمام الذي بدلاً من مواجهة الواقع والاعتراف بالخطأ يكثر من الشعارات النارية والمهام الكلية التي تخلط بين الاستراتيجة والتكتيك، بين ما هو آني وما هو مستقبلي، وعدم اعتراف الذهن الذاتي بالهزيمة، بل ومغالاة البعض بشعارت " فشل العدوان في تحقيق أهدافه" ضمن مقولة عدم سقوط النظام الوطني.. بمداليل تغييب أهمية الأرض التي احتلت.. والكثير من القضايا التي طالما تناولتها بمنهج نقدي صارم، والتي لا يسمح المجال للإسهاب فيها هنا ..

 فإن أهم نتاج رسمي للهزيمة كان القرار الأممي رقم /242/ بصياغته البريطانية الخبيثة المملوءة بالألغام(حول أل التعريف عندما تناول موضوع انسحاب، أو الانسحاب من أراض احتلت..)، والذي يعتبر نقطة فارقة في الصراع العربي الصهيوني، وفي موقع فلسطين كقضية مركزية(قضية العرب الأولى، كما تغنينا طويلاً بذلك)، وذلك بتكريس الاعتراف بشرعية اغتصاب إسرائيل لمعظم فلسطين التاريخية(نحو 73 بالمائة منها)، والطلب إلى الدول العربية بالاعتراف العلني بالحدود الآمنة، والتطبيع، ثم فتح كوّة مبهمة لفسلطين وكلاجئين، بحدود ما قبل الرابع من حزيران، أي الضفة والقطاع .

 عملياً : بات شعار " إزالة آثار العدوان" هو السقف الأعلى للنظام العربي الموافق على القرار، وبما يعنيه صراحة طي صفحة فلسطين(التي كانت) في عالم المستقبل ..

 ولئن قبل عبد الناصر بالقرار، ضمن ظروف الانهيار(رغم لاءات مؤتمر قمة الخرطوم المظهرية التي قاطعتها القيادة السورية) وترتيب أوضاع الجيش المصري، وإعادة بنائه، وما عرفه الحكم من صراعات في أعلى الهرم(المشير عامر وجماعته).. فإنه كان يستحيل على أي حكم سوري القبول به، أو إعلان ذلك على الملأ، فكيف بقيادة تنسب نفسها للبعث الذي كانت فلسطين أهم شعاراته، وأسباب انتشاره، والتي ترفع شعارات نارية في هذا الميدان وغيره ؟؟..

 رفض القيادة السياسية للقرار وضعها تحت ضغوط كثيفة من الاتحاد السوفييتي ومنظومته، ومن الغرب وتحدياته وتهديداته، خاصة وأن التشدد وردود الفعل كانت تدفع نحو تصعيد دعم العمل الفدائي، ومحاولة تحويل معظم حزب البعث إليه، ناهيك عن الدعم القوي لفتح الصاعدة، وتشكيلّ الصاعقة"، وذلك الاندفاع القوي باتجاه تشديد اللهجة ضد" التحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي".. بينما أخذت تتسرّب طروحات أخرى مغايرة يبثها وزير الدفاع بخبث عبر عديد المحسوبين عليه، وبأشكال ملتبسة، ومغطاة بستائر أخرى : تنويع مصادر السلاح رفض سياسة التقشف التضامن العربي التوجهات الفكرية والسياسية .. إلخ ..إلى أن أفصحت تلك الطروحات عن نفسها بشيء من جلاء آخر عام 1968 في" المؤتمر القطري التاسع للبعث"، وبروز تكتل عسكري بقيادة الأسد يقف بالتعارض لمواقف القيادة الحزبية السياسية .

 ولئن كان المجال لا يتسع لفيض متابعة تلك الظاهرة، والتباساتها التي صارت مرادفة لها، فيكفي هنا الإشارة إلى مفصل هام، ومنعطف خطير، ألا وهو التدخل السوري لإنقاذ الثورة الفلسطينية من مذابح " أيلول الأسود" في الأردن .

 فنتيجة استغاثات ملحة من قادة فصائل الثورة الفلسطينية وهي تتعرض لعمليات الذبح بغية إضعافها وترحيلها من أهم جبهة مواجهة مع كيان الاغتصاب، وعبر التكشّف الفاضح للجميع لطبيعة تلك المؤامرة التي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل على خطها، وعديد الدول العربية المغتاظة من تنامي المقاومة، وعبر استغلال أخطائها وتجاوزاتها الكثيرة، الكبيرة.. بدأت العمليات العسكرية المنظمة ضد الوجود الفلسطيني.. مما دفع القيادة السورية لاتخاذ أجرأ وأخطر القرارات بالتدخل العسكري الفوري، والقوي لنجدة المقاومة، ولما لا إسقاط نظام الملك ..إذا ما قررت قيادة الفصائل ذلك ، وهنا يظهر معدن الأسد، أو تواطؤه حينما تلكأ أياماً بتجهيز الدبابات، وحينما رفض تزويدها بغطاء جوي.. مستخدماً دوماً، كعادته، مجموعة أكاذيب تبدو عادية .

 سنقف للحظات عند موقفه الأصرح، وقد بات الحاكم الأوحد، حينما واصل الملك الأردني حربه على بقايا المقاومة التي انتقلت إلى الشمال في جرش وعجلون وإربد، وكيف أغلق عليها السد الحدود، بالاتفاق مع الملك، وكان شهر العسل قوياً بينهما، لمنع لجوئها إلى سورية، وتعرضها للذبح، أو فرار عديدها إلى الأرض المحتلة وتسليم أنفسهم لعدوهم الإسرائيلي الذي بدا أرحم لهم من الحكام العرب .

 3

ستكون هذه الحادثة مدخلاً وعنواناً لسياسة الأسد الحقيقية فيما يتعلق بفلسطين، وبكل أكوام شعارات التحرير، والمقاومة، وصولاً إلى الممانعة .

 عملياً وافق الأسد بعد زمن قصير من نجاح انقلابه على القرار/242/ بشكل مغمغم، وسري، لكنه مفضوح عبر تحالفاته القوية مع السادات، وفتح علاقات علنية مع أمريكا، وعبر شبكة علاقات أخطبوطية مع دول الخليج التي راحت تسوقه للعالم الغربي، ثم في عديد اللقاءات السرية مع قادة العدو الصهيوني التي كشفت بعض الوثائق جزءاً منها .

 وعملياً أيضاً، ومنذ العام 1970 وما تلا والنظام العربي يسرّب" مشاريع التسوية" تحت مسميات " الأرض مقابل السلام"، ودخول الصهيوني الشهير كيسنجر على الخط لتحريك حالتى" اللا سلم واللا حرب" والتي ترجمتها قيادة النظامين في سورية ومصر بحرب تشرين/ أكتوبر التحريكية.. التي كانت العبور" الشرعي" لعقد اتفاقات الفصل الرسمية مع الكيان الصهيوني . (عقدت اتفاقية الفصل بين إسرائيل والنظام السوري وقبول وجود قوات دولية فاصلة منذ أوائل العام 1974، ومن تاريخها كانت الجبهة السورية هي الأكثر هدوءاً على الإطلاق من جميع الجبهات العربية الأخرى، بما فيها الجبهة المصرية التي وقع السادات فيها اتفاقية كامب ديفيد الشاملة) .

 ومع ذلك، ومع تناغم النظام السوري مع الخطاب الرسمي العربي، ومشاركته بفعالية بجميع مؤتمرات القمة، ومشاريع التسوية(الخصبة) التي كانت تتوالى فيها، وعبر غيرها، وانخراطه التام في مقولة" الأرض مقابل السلام"، و" السلام الكامل والشامل"، وغيره من الشعارات البرقعية، إلا أنه كان يرفقها دوماً بصخب شعاري من لون آخر، وكأنه مزدوج، وبشخصيتين.. حتى إذا ما انفرد السادات بزيارة القدس المحتلة(تصريحه في مطار دمشق عن اتفاقه مع الأسد في الأساسيات، وخلافهما في التكتيك).. جنّ جنون الشعارات فتقاطرت ثم تكثّفت فيما يعرف ب" الصمود والتصدي" وجبهتها التي أقيمت، والتي قوّضها النظام السوري عملياً بدخوله لبنان ضمن صفقة مريعة، مشبوهة مع أمريكا عبر كيسنجر، وموافقة إسرائيلية صريحة .

 ولأن الحكم قدس الأقداس، ولأن الذات المتورمة تنتفخ حتى الانفلاق، ولأن الذهن الأقلوي يخشى حكم التاريخ الذي لا يرحم، ولأن فعل هزيمة حزيران، وأعقابها هزائم أكتوبر / تشرين.. هي التي تشكل العالم الداخلي للأسد، اتسمت سياساته بالمفارقات الفاضحة بين الواقع والشعار، وبنهم فاضح لتحويش الأوراق واستغلالها وتوظيفها في مناوراته ومقايضاته، خاصة الورقتين الفلسطينية واللبنانية، وما(ملكت يداه) .

 هكذا نلاحظ الضغط المحموم على الفصائل الفلسطينية لاحتوائها ووضعها في كيسه الخاص، واستغلال الموقع الجيوسياسي لسورية إلى المدى الأقصى، وحاجة المقاومة لسورية، وكونها الممر الطبيعي الوحيد للساحة الوحيدة التي بقيت لها(لبنان) وفرض سياساته وتكتيكاته عليها، والمساومة بها، وعرضها على طاولة الابتزاز والمفاوضات مع الغير لصالح نظامه ودوره، وإذا ما حاولت التمرد والعصيان كانت الحروب الشاملة المتنوعة : حروب الحصار، والتشويه، والمنع، والشقّ، والحرب المباشرة التي شكل الدخول السوري إلى لبنان عنوانها الفظ، وكاشفها الفاضح .

 الدخول إلى لبنان يحتاج فيضاً من الدراسات بمقدماته، وأفعال النظام ونتائجه، ولنا أن نتذكر والنظام يسحق الفلسطينيين بدباباته ومدفعيته، ويدمر مخيم تل الزعتر وغيره، ويقضي على التحالف الفلسطيني مع الحركة الوطنية اللبنانية، كان يرفع شعار فلسطين والحرص عليها بنفس القوة السابقة واللاحقة، وبأنه يهدف حماية فلسطين والعمل الفدائي من الانزلاقات والأخطار، وكانت أبواقه الكثيرة المجنّدة تذكّرنا تماماً بما يحدث في سورية منذ انفجار انتفاضتها الشعبية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وهو يعيده بذات الذهنية، والمنهج، بله والأدوات .

 من نتائج الدخول السوري الخطيرة(والنتائج كثيرة) تحويل الجنوب اللبناني من خزان كبير للقوى والأحزاب القومية واليسارية والوطنية، ومن منطلق للمقاومة الوطنية إلى احتكار طائفي للون واحد، وحزب واحد، واستراتيجية واحدة تصبّ في شبكة استراتيجته، واستراتيجية إيران .

 طبعاً لا نحتاج التذكير بحروبه الكثيرة المتلاحقة للثورة الفلسطينية، وعمليات الشق، ومواقفه المتخاذلة، والصوتية أثناء الحرب الإسرائيلية الطاحنة على لبنان لإخراج الثورة الفلسطينية1982، حين وقفت تقاتل مع حليفها الحركة الوطنية اللبنانية لأشهر ثلاث وحيدة، وحين رفض دخول المساعدات العربية(والجزائرية بالتحديد، والروسية إليها)، ثم شقّها، واغتيال بعض قادتها العسكريين، وملاحقتها في طرابلس والبقاع وإخراجها من هناك.. بينما ظلت الشعارات ترفرف رغم الانفضاح والاهتراء .

 4

 نعم برع النظام السوري في اشتقاق الشعارات وإدمان الجعجعة فيها، وتسويقها عبر شبكة واسعة من أزلامه وتابعيه وعملائه ومؤيديه، حتى اختلط الأمر على كثير من الأوساط العربية، بما فيها أوساط مثقفة، وحزبية، ووجد القومجيون العرب، وكثير الانتهازيين خبزهم ومادة تعيّشهم، وسدّ فراغات دورهم فراحوا يقصفون بها العقل العربي، والشعب السوري إلى درجة الدوخان ..

 فمن شعارات الصمود والتصدي التي ترجمها في الدخول إلى لبنان.. إلى قصة " التوازن الاستراتيجي" وما استهلكه من حذلقات وفلسفات وندوات .. والذي ظهر فاقعاً في حفر الباطن حين ألغى (بطل القومية العربية) صفاته، وخلع عباءة البعث لإرسال جيشه تحت القيادة الأمريكية مباشرة بحجة " تحرير الكويت" وبذهنه أن يقبض الثمن، كعادته، مجزياً ..فتمرّغ التوازن الاستراتيجي بتلك الفضيحة ونام زمناً حتى ابتداع شعار" المقاومة" ..

 في مدريد الثمن، ومدريد اللقاءات المباشرة مع قادة العدو الصهيوني، وتواصل اللقاءات سرّياً، فعلنياً.. وصولاً إلى ما يعرف ب" وديعة رابين" التي تعني التوصل إلى اتفاق شبه كامل مع قادة الكيان برعاية أمريكية مباشرة.. تهلهلت، وترامت جميع الشعارات، ومع ذلك لم يخجل النظام، ولم يتوقف عن رفع شعارات المقاومة، وكأنه يخوض فعلاً حرب تحرير الجولان، وكأنه منخرط حقيقة في عمليات المقاومة.. بينما كان يتصنّع عامداً، جاهراً دعمه اللا محدود للمقاومة الإسلامية، ممثلة ب"حزب الله" وما حققه من انتصارات وإنجازات حاول النظام السوري قطافها وكأنها من صنعه، وأقلها : استخدامها في مناوراته ولعبة الطميمة التي يمارسها، وقي مقايضاته التي تشكل ركيزة أساس في سياساته وتكوين ذهنه ونهجه . (هنا والحديث طويل، يجب قراءة الاستراتيجية الإيرانية بإمعان ونجاحها في الركوب على أهم قضايا العرب والمسلمين : فلسطين، بواقع استسىلام النظام العربي، وانهيار مشروعه، وغياب أي أفق، وأي قوة فعل وتأثير له، والحنكة الإيرانية في الدمج بين مشروعها القومي بالديني، والمذهبي بالإسلامي، وإنهاض حلف قوي مع قوى المقاومة وحملة شعارات الممانعة، ودعم حزب الله ليصبح قوة مؤثرة تحسب لها " إسرائيل" ألف حساب، وانعطافه نحو الداخل اللبناني والسيطرة عليه بتعاون كل من إيران والنظام السوري، وآثار هذه الوضعية على الذهن الديماغوجي السائد من جهة، وعلى خط التفتيت المذهبي من جهة أخرى .

 وبنصائح أحمد جبريل(كما يدّعي نسب الفضل إليه)، وغيره من السماسرة والمسوقين، فتح قناة مع"حماس" الجناح العسكري لحركة الإخوان المسلمين الفلسطينية، ونجح في التحالف معها، ثم في استقدام بعض قياداتها إلى دمشق في مفارقة عجيبة لا تنطلي إلا على المصابين بعمى الألوان، فهو يحارب الإسلاميين في سورية، ووصل به الأمر إلى سنّ قانون(من طبيعته) يقضي بإعدام كل من ينتسب لحركة الإخوان المسلمين في سورية وبالوقت نفسه، لا يشبع تقبيلاً، وعرضاً لعلاقته " المتينة" بحماس فلسطين، واستخدام هذه الورقة في توسيع الخندقة والانقسام الفلسطينيين، وفي المقايضة مع إسرائيل والولايات المتحدة ..

 5

حينما فرض التوريث بقوة نفوذ العائلة وأصحاب المصالح الفئوية.. كان شعار المقاومة قد تآكل، وبرزت ثقوبه عبر خلّبية النظام الذي لم يطلق رصاصة واحدة في الجولان، ولم يعدّ العدّة لوضع أكوام الشعارات في ميادين التطبيق.. فكان " الإبداع" الشعاري باختراع " الممانعة" التي تختلط مداليلها باللغة العربية .. لكنها صارت عنواناً للنظام، وسلعته التسويقية الرائجة، وغمامته التي يخفي فيها وخلفها طبيعته .

 لقد ركزنا معظم مقالنا على مرحلة الأسد الأب لتأكيدنا على أنها مرحلة التأسيس، وأن الوريث الذي وصل الحكم بتلك الطريقة الفاحشة وجد نظاماً متكاملاً، وشبكة علاقات أخطبوطية في جميع المجالات، فواصل على منوال الأب، وإن كانت بصماته لا ترقى إلى إبداع المؤسس، وتصطدم بقدراته من جهة، وبالظروف التي رافقت مجيئه من جهة أخرى، وإن لم يُظهر ذلك المستوى من الحنكة المبطنة بالمراوغة، وتماسك الشعارات، واستثمار الآخرين واللعب على الحبال، وليس الوقوع في أسرهم .

 ولئن كانت قدراته الهشّة واضحة في سلسلة هزائمه المتوالية، وفي تعاطيه الغبي مع أحداث المنطقة، ومع انتفاضة الشعب السوري، وبروزه كأسير مقزّم لنهج والده.. فإن الظروف التي لاحقته كانت تلزمه، ومستشاريه، وعتاولة النظام، على ابتداع شعارات طاقية إخفاء ممارساته..

 لقد كانت أحداث أيلول 2001 امتحاناً للتعاون الوطيد بينه وبين أجهزة الإدارة الأمريكية، خاصة (السي آي إي) تحت عنوان" مكافحة الإرهاب"، وبشهادة موثقة من المختصين الأمريكيين تشيد بتعاون الأجهزة الأمنية السورية مع الطلبات الأمريكية نعرف أن تلك الأجهزة قدّمت أكثر من /70/ ألف ملف كامل المعلومات عن سوريين وعرب"فيّشتهم" الأجهزة، ووضعتهم تحت تصرف الإدارة الأمريكية، بينما المخفي أعظم عن تسليم بعض الخطرين، وعمليات التحقيق والتعذيب لحساب أمريكا .

 ورغم أن النظام السوري كان أكثر المرحبين بسقوط النظام العراقي، وهو الذي آوى ودعّم معظم قوى المعارضة : الشيعية منها والكردية وغيرها، وكان مساهماً نشيطاً في كل عمليات التحضير على الأقل عبرها وعبر عملائه فيها لغزو واحتلال العراق، واحتضان كثير المؤتمرات واللقاءات لتلك المعارضة.. إلا أن احتلال العراق بتلك الطريقة، وتدمير الدولة العراقية، وإطلاق إدارة بوش المجرم لعديد التهديدات المنذرة التي يُفهم منها أنها تعني النظام السوري، وقد تجتاحه، فرضت على النظام السير بمزدوجته الانفصامية، وإن بطريقة ساذجة : إدانة الغزو وعمليات تفتيت الدولة العراقية بتلك الطريقة البائسة التي يمكن أن تنتقل عدواها إلى سورية، وفتح الحدود لزمن لدخول المتطوعين العرب، ثم محاولة المقايضة بهم، وبالوقت نفسه التنسيق مع إيران على تسويق الغزو عبر واجهات الحكم التي نصّبها الاحتلال والتي ترتبط بحبل السرة مع إيران، وبعلاقات وطيدة مع النظام السوري، وهنا نلمس الحبلين اللذين يسير عليهما النظام : حبل الاعتراف بواقع الاحتلال ومفرزاته السياسية، وحبل الشعارات الطويل، ومحاولة استثمار كليهما لصالح بقائه، وتحسين مواقعه لدى الآخر الأمريكي وغيره .

 وبالوقت الذي يعلو فيه ضجيج الممانعة، والإشادة الخارقة بحزب الله وما يقوم به، وتبنّيه، وكذا إظهار الدعم له ولحركة حماس، يستمر صمت النظام عن القيام بأي عمل على صعيد الجولان المحتل إلى إشعار آخر، حتى إذا ما تبجّح الطيران الإسرائيلي فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، وإذا ما قصف موقع عين الصاحب القريب من دمشق، ودمر موقع الكبر قرب دير الزور.. التصق بشعار الممانعة تعبير طريف : الردّ في المكان والزمان المناسبين.... وما زال الشعب لسوري ينتظر تحديد الزمان، وإذ بالمكان : المدن السورية، وإذ بالجيش السوري الذي صدئت معنوياته وأسلحته يزجّ في حرب المدن ضد المطالبين بالحرية .

 نقول بالوقت الذي كانت شعارات الممانعة تثير الغبار الكثيف كانت الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مستمرة مع قادة الكيان الصهيوني بحثاً عن التوصل لاتفاق شامل معه، بما في ذلك تلك المناشدات المهينة بالعودة إلى " وديعة رابين"، ثم توسط الأتراك ليكونوا العراب، وما قيل عن تقدّم المفاوضات ووصولها إلى ما يشبه الاتفاق الشامل لولا سقوط أولمرت وصعود المتشدد نتانياهو .

 النظام الممانع لفظاً يدرك بالملوس أن جوهر الضغوط التي تمارس عليه في أقصى مراحلها شدّة (مرحلة بوش المجرم) لم تصل يوماً إلى عتبة تغييره، أو العمل على إسقاطه، وإنما، ووفق تصريحات رسمية كثيرة معلنة، ووفق الواقع، ظلت تتراوح بين صيغ : تعديل السلوك، والتأهيل، وفك تحالفه مع إيران، أو تخفيف دعمه وعلاقاته بحزب الله وحماس.. وقد تراخت تلك الحملات حتى التلاشي في عهد إدارة أوباما، وعاد السفير الأمريكي إلى دمشق، بينما أثبتت المنعطفات، والأحداث، خاصة بعد اغتيال الحريري، أن الصهيونية ترفض إسقاط النظام، ليس لأنه عميل لها(بمعنى العمالة كما يستهوي البعض)، وإنما لعاملين متضافرين :

آ موقعه من عملية التفتيت العمودي الجارية في المنطقة على أسس مذهبية، والتي تشكل صلب الاستراتيجية الصهيونية بعيدة المدى .

ب التزامه الكبير بتعهداته على جبهة الجولان لبقائها هادئة .

وعلى ذلك فإن إضعاف النظام، و"تأهيله" على الطريقة الغربية ليكون أضعف، وأكثر قابلية للتعاطي معهم.. هو الهدف وليس غيره،وعلى ذلك يلعب النظام بشعارات الممانعة التي تشبه هنا حالة عهرية أكثر منها سياسية، وهي ممانعة مظهرية قابلة لكل أنواع المقايضات (الأمثلة كثيرة) .

 وعلى فرض أن الممانعة إفراز طبيعي لخط سياسي وفكري واقتصادي واجتماعي، وحصيلة واقع للرد على ما تعرفه المنطقة من تحدّيات، والتي تجوب فيها المشاريع الخارجية بقوة، وفيها كيان سرطاني خبيث يستهدف الأمة في جميع أطوار نظمها.. فهل يمكن لأي خط في الدنيا أن يسبح في فضاء القمع، وأن يكون مناقضاً لألف باءاته في وجود شعب حر مؤمن به، ومقتنع رضائياً، وليس بالقمع والجبرّ..

أي شعب يعامل كالعبد سيمارس ممانعة جدّية عندما تحزّ الحزّة وينتقل للتجسيد؟.. والذي لن يغدو أكثر من مفارقة صارخة للهوّة السحيقة بين السياسة الخارجية والداخلية، في حين يعلم الجميع أن السياسة الخارجية هي ، بالتأكيد، تجسيد ومرآة للسياسة الداخلية وليس العكس، ولا يمكن أن تكون منفصلة عنها، ومعادية لها على طول مساحة الوطن والزمن، والخط .

 لقد نجح النظام، أمام تهاوي النظام العربي وتهالكه، وتقويض مشاريع النهوض والاستقلالية، وأمام التنازلات المتتالية للأعداء، وللمشاريع الإقليمية التي تصول وتجول في المنطقة بكل حرية.. نجح في تسويق تصوير نفسه كنظام متمايز عن الآخرين، وكداعم للمقاومة، وكممانع للمشاريع الخارجية.. في حين ينسى، ويتجاهل هو وجميع أبواقه، وحلفائه، وسماسرته أنه من أكثر المتحمسين لشعار النظام العربي : " السلام خيار استراتيجي" للعرب، كل العرب، وموافقته الحماسية على مشروع(مبادرة) الأمير الملك عبد الله السعودي التي تبنتها قمة بيروت بالإجماع /2002/ لتصبح مبادرة عربية، وخيمة التحركات، ومنفذ المفاوضات والتنازلات..والتي لا رائحة فيها لا لممانعة، ولا أثر لمقاومة .

فكيف لنظام عربي يعتبر السلام هو الاستراتيجية ويرفع شعارات أخرى؟، وأين موقعها بالضبط من تلك الاستراتيجية، ولا نقول من الواقع.. لأننا تناولنا بعض عينات تجسيدها ؟؟؟..

 وفي الأخير لعلنا نشكر الدماء الغالية، وتضحيات شعبنا العظيمة، وآلام معتقليه، وعذابات المهجرين، وصراخ اليتامى والثكالى، والمروّعين، وأصوات الدبابات والمدافع والطائرات وهي تقصف الشعب، وتحتل المدن، وتقطّعها، وتقطع الماء والكهرباء والدواء والطعام عن المواطنين.... وكل الموبقات والجرائم الفاضحة التي ترتكب بحق شعبنا المسالم وثورة الحرية.. أنها كشفت كل أغطية النظام، وأزالت الغشاوة عن أعين من كان مغشوشاً ، وحطّمت صورة النظام المفتعلة لتظهر للملأ جوهره كأعتى نظم الطغم الدموية، وأشرسها فتكاً وقتلاً للآدمية ولحقوق البشر ..

---------***************---------

مفاجأة زمن العرب الجديد! .. ميشيل كيلو

2011-08-15

القدس العربي

 لو انك سألت أي رجل سلطة عربي قبل عام عن الأوضاع في بلاده، لأكد أنها على خير ما يرام، فالشعب نائم أو غافل عن ما يجري حوله وله، وشبه ميت، وأجهزة الأمن في كل مكان، وليس بوسع ذبابة أن تطير في الشارع أو غراب أن ينعق على غصن جاف دون إذن منه، وإلا هلكا.

ولو سألته عن أحوال الشعب، لأدار نظره في قصره المنيف وأجابك: أحواله جيدة، ألا ترى ذلك بأم عينك؟ الناس بخير، وهم أحرار وسعداء ولا يطلبون شيئا غير البقاء طوع بناني وتحت إمرتي. كأنني سمعتك تقول الشعب، أو كأنني سمعت هذه الكلمة من قبل، قبل زمن بعيد، فهل أنت من الذين يؤمنون أنه ما زال هناك شعب، وأن له إرادة وحقوقا، وأن على حاكمه، الذي هو سيده ومولاه، تلبية مطالبه والاستجابة لنوازعه وتقلبات مزاجه؟ أنا، ليس لدي في بلادي شيء اسمه الشعب، وبالتالي لا أعرف أية إرادة مستقلة أو منفصلة عن إرادتي، خاصة كانت أم عامة.

بسؤاله عن أحوال نظامه، كان رجل السلطة إياه سيجيبك: هو رقم صعب وقوة قاهرة تستطيع تطويع إرادة الكبار ولي ذراعهم، فلا خوف عليها من أحد، والخوف كل الخوف منها على من يعاديها أو يتحداها أو يخرج عن خطها أو يهدد ولو من بعيد مصالحها.

أخيرا، إن أنت سألته عن حقوق الإنسان لأبلغك أن حقوقه في نظامه كاملة غير منقوصة، وأنه يعيش في كنف أعظم قانون هو إرادة سيده الخيّرة، وأنه يستطيع هو نفسه، كإنسان أعلى، أن يفعل ما يشاء دون أن يقيد حريته أي قيد أو يكون مجبرا على مراعاة أي شيء.

هذا الحوار الكاريكاتيري لا أعتقد أنه كان يمكن أن يحدث بحرفيته في أي مكان، لكنني أؤمن اشد الإيمان أنه كان يمكن أن يكون على لسان كل حاكم عربي: من المحيط إلى الخليج، وأن الأجوبة المفترضة فيه كانت ستسمع بالتأكيد، وإن بصيغة غير حرفية ربما، لو قيض لأحد أن يحاور الحكام العرب بصراحة حول الموضوعات التي سبق ذكرها. ومن يراجع أحاديث صحافية رسمية سيجده مذكورا بالتأكيد، لأن الحاكم العربي كان وما زال يعتقد بالفعل أن أتباعه بخير وسعداء، وأن نظامه قوي وأجهزة أمنه حرة، وفقراء بلاده يعيشون في سبات ونبات ويخلفون صبيانا وبنات، كما يقول إخوتنا في أرض الكنانة حين يسخرون من ظروف حياتهم أو يتمنون السعادة لأحد !.

هذه الصورة الرسمية، التي كنا نظن إلى ما قبل أشهر قليلة أنها تنطبق على حالنا نحن بنات وأبناء شعوبنا، التي بدت وكأنها دخلت بالقول والفعل في نوم شتوي طويل، تبين أنها خاطئة من ألفها إلى يائها، فالشعب الخانع كان على ما بينت الأحداث يترصد حركات وسكنات حكامه بروح ناقمة واعية وصلت خلال الأحداث الأخيرة إلى حد الاستهانة بالموت، الفردي والجماعي، إن كان الموت يحرره من طغاته. تلك كانت، في رأيي، أعظم وأهم مفاجآت زمن العرب الجديد.

لقد فاجأ الشعب قتلته وطغاته بأنه موجود ولى طريقته الخاصة، وكان هؤلاء يعتقدون أنه اختفى أو انقرض أو زال من الوجود، وأنهم يستطيعون تجاهله تماما أو معاملته كجثة هامدة، أو كتلة غائمة لا روح فيها ولا إرادة لها، بشهادة تقارير أجهزة مخابراتهم، التي تنقل إليهم لحظة بلحظة تفاصيل وافية تؤكد صحة ما يقولونه، وهو أن الشعب مات وشبع موتا، وأن حقبة الاستبداد العربي الرابض على قلب المواطنين حققت هذا الإنجاز، الذي يعتبر فريدا في تاريخ العالم، حيث لم يسبق لغير نظمنا أن شطبت الشعب إلى هذا الحد من خانة الموجودات الحية، وكانت العادة في كل مكان أن يشطب الشعب حكامه، فانعكست الآية عندنا وتحققت معجزة زوال الشعب وبقاء سلاطينه وحدهم باعتبارهم حكاما وشعبا في آن معا.

بينت الأحداث أن الشعب بقي ما كان عليه دوما: روح التاريخ والواقع وقاطرتهما ومحركهما، وأكدت أن قوته ما زالت عاتية ولا تقاوم، وأنه يختزن طاقات وقدرات لم تزدها المظالم إلا تبلورا ورهافة وتكورا على الذات، وأنها بدل أن تقتلها شحنتها بغضب لا يشبهه شيء غير غضب الطبيعة العاصف المدمر، الذي يقوض الجبال ويهد الأسوار ويأخذ كل شيء في طريقه، حتى أنه لتصدق فيه كلمات شاعر اليمن العظيم عبد الله البردوني، حين يقول في قصيدة تنتقد انقلابا عسكريا تجلبب برداء الشعب:

لا يركب الشعب إلى فجره

دبابة لا يمتطي قاذفة الشعب

يأتي عاصفا هادرا وجارفا كالموجة الجارفة

أخرج الشعب المظلوم المكلوم طاقاته الروحية الهائلة، التي تبين أنها لم تستهلك كما توهم الحكام، وإنما كانت تصقل وتتراكم وترتقي إلى مستوى التحديات الخارقة التي تعرض لها في وجوده وحريته وكرامته، وبدأ يرد عليها بقوة خارقة لا تقف في وجهها أي شيء، وواظب على تمرده حتى عندما أخذت دماؤه تتدفق من جميع مسامات روحه، وواصل سيره نحو الحرية مرفوع الرأس ثابت الجنان، بينما دموع الألم تنسكب من عينيه وابتسامة الحرية على شفتيه، لأنه يرى خلاصه في نهاية طريق الجلجلة الذي قرر السير عليه: طريق الموت والعذاب.

هذه المفاجأة هي أعظم ما نعيشه في حاضرنا وستعيشه الأجيال الجديدة في مستقبلها، وهي العامل الذي سيغير كل شيء من الآن فصاعدا، لأنه سيجعل من المحال استمرار الاستبداد أو الرضوخ له، وسيغير العلاقات بين فوق وتحت، لصالح من هم تحت هذه المرة، سواء بقي هذا الحاكم أو ذاك في كرسيه أو لم يبق. كما أنه هو الذي يضع منذ الآن حدا لعصر اشتط وتمادى وظلم وبطش، تعملقت رموزه إلى أن تألهت، لكنه يعيدها اليوم إلى حجمها الحقيقي، ويفضح أمرها ويثبت بدمائه أن من كان يقال إنهم عباقرة الزمن العربي الرسمي لم يكونوا غير تافهين قساة وجهلة، وأن العمالقة ليسوا في الحقيقة غير أقزام نفختهم إلى درجة الانفجار آلة دعائية تخصصت في الكذب ولم تعد تتقن شيئا سواه، وأن الزمن الجديد لن يكنس هؤلاء عن وجه السياسة ومن عالمها فقط، وإنما سيحول دون ظهور من يماثلهم في الغباء والغرور والإجرام، لأنه سيكون عصر حرية وشعوب وإرادات جامعة، عصرا يكون الإنسان فيه موضوع السياسة الوحيد، ومنطلقها وغايتها، ولن يكون لها بالتالي أي هدف أسمى من تنمية حريته وترقية وجوده.

كشفت عودة الشعب إلى التاريخ حقائق الواقع العربي وهويته، فإذا بنا أمام حكام هم مجرد لصوص وكذابين ومجرمين، وإلا كيف نفسر واقعة أنه لم يوجد رسمي مصري أو تونسي واحد لم يسرق المال العام، ويمارس الكذب، ويرتكب الجرائم؟ ومن أين حصل هؤلاء على الثروات التي يملكها كل واحد منهم، لو لم يهبوا الغاز بأسعار بخسة إلى العدو الإسرائيلي ويبيعوا أرض الهرم وتوشكا وساحل مرسي مطروح؟

ومن يستطيع الدفاع عن رئيس وصل إلى السلطة ضابطا عاديا وخرج منها بمليارات الدولارات، في حين تحول أبناؤه وأقرباؤه إلى أصحاب ملايين، مع أن أيا منهم لم يمارس أي عمل غير استغلال النفوذ وابتزاز الشعب؟ ثم تجد من يعيب على الثورة خير ما فيها: حلف المتعلم مع الفقير، صاحب العقل مع طالب العدالة، فكأن التاريخ الحديث لم يصنعه هذا الحلف، أو كأن من انخرطوا فيه لم يكونوا هم من صنع الحرية: أفضل ثروة تملكها البشرية اليوم روحيا وماديا !.

لا حاجة إلى القول: إن وجه المفاجأة الآخر هو أنه سيكون من الصعب بعد اليوم شطب الشعب من معادلات السياسة والشأن العام، وأن من سيقوم بمحاولة كهذه سيلاقي مصير من يلقى بهم اليوم إلى مزبلة التاريخ من مستبدي العرب.

لا حاجة إلى القول أيضا: إن مفاجأة الشعب ليست مجرد حدث، بل هي بداية تاريخ ستحمله بنية إنسانية وعقلية مغايرة لكل ما عرفناه خلال عصرنا الظالم الحالي، لذلك، لن تقتصر على الإطاحة بأشخاص، وإنما ستطيح أيضا بزمن وعقلية ورؤية للعالم، لتفتح أمامنا أبواب مستقبل سيكون من صنعنا، سنجعله، كمجتمعات وكأفراد، لنا ولمن سيخلفنا من أجيال قد لا تصدق ما سيروى لها حول فظاعة ما كنا فيه، لكنها ستعيش وسط شعب حر، اجترع مفاجأة معجزة، عندما خرج من رماده واندفع طالبا الحياة: له ولجميع بني الإنسان!

---------***************---------

عن جديد المشهد السوري... أكرم البني *

الخميس, 11 أغسطس 2011

الحياة

لولا التطورات الأخيرة في سورية ما كان المواطن ليتجرأ ويغامر في كشف مشاعره والتعبير الصريح عن مواقفه، وقد اكتوى بنار سنين طويلة من القمع ومحاربة الرأي الآخر. وتسمع ممن كانوا خائفين ومترددين أن انضمامهم الى جموع المتظاهرين أعطاهم، بعد المرة الأولى، الكثير من الشجاعة! بينما كان للثورات العربية دور محرض لآخرين، فهم كأبناء تلك الثورات، ليس لديهم ما يخسرونه، في إشارة إلى تشابه مشكلات الشباب العربي ومحفزات تمردهم جراء انسداد الأفق أمامهم وتعاظم شعورهم بالظلم وغياب العدالة.

نعم، استمد الكثيرون الحماسة والعزيمة من الثورات العربية، كما الثقة والأمل بعد نجاحها في تونس ومصر، لكن معاناة هذه الثورات وغموض أفقها في مقابل وضوح مطامع بعض تيارات الإسلام السياسي ورغبتها في الاستحواذ بثمار التغيير، شكلت ذريعة عند بعض المترددين، كي يبرروا ترددهم وأحياناً دفاعهم عن الوضع القائم، وشجعتهم على المجاهرة بخشيتهم من بديل أسوأ أو من انجرار البلاد إلى أحد النموذجين، الليبي أو اليمني.

إن رفض المعالجات السياسية وإصرار أهل الحكم على الحسم بالقوة العسكرية العارية وبلا حساب للعواقب، طبع الأسابيع الأخيرة من عمر الانتفاضة السورية بطابعه وخلق لغة جديدة، إن صح التعبير، بين المواطنين مفرداتها أخبار التظاهرات والاعتقالات وأعداد الضحايا التي سقطت. ومع تحية الصباح، يمكنك أن تستشف من العيون، ماهية الجديد الحاصل وتكتشف من طبيعة الحزن المرتسم على الوجوه، الحصيلة المؤلمة التي خلفتها شدة القمع والتنكيل.

لقد هزت الأحداث الأخيرة الصورة المرسخة عن نموذج حكم كان يفاخر بأنه خالق الأمن والاستقرار وحامل لواء التصدي والتحرير، ما شكل نقلة مهمة لتحرير الوعي الشعبي من تشوهات عدة حول جدوى هذه الطريقة في الحكم، وتحديداً قدرتها وصدقيتها على إنجاز المهمات التاريخية الوطنية والتنموية التي يتطلع الناس لتحقيقها. واستدراكاً تلمس اختلاط الأحاسيس الوطنية التي تميز الشعب السوري بشعور عميق بمرارة المهانة والخديعة، وعند السؤال عن أحوال المسألة الوطنية اليوم، يأتيك جواب بأن ما حصل أطلق رصاصة الرحمة على ادعاءات الممانعة والمقاومة، وأفقد الناس الثقة بالشعارات الوطنية الطنانة التي ولدوا وترعرعوا عليها والتي ظهر أنها ليست أكثر من جوز فارغ أو رايات خادعة استخدمتها النخبة الحاكمة لتعزيز سلطانها وتبرير قمعها وحماية امتيازاتها.

المعروف أن للسوريين حساسية خاصة من التدخل الأجنبي مهما كان الرداء الذي يرتديه، لكن حين يطرح السؤال اليوم عن الوضع السوري ربطاً بمعاناته الشديدة وبانسداد الأفق أمام أي تحول يمكن أن يوقف آلة القمع والعنف ويكف يدها، تبدو إجابات البعض غامضة وتسمع تمتمات أو عبارات غير مفهومة يصعب عليها أن تعترف بأن البلاد تحتاج اليوم الى نوع من الضغوط الخارجية لردع الأساليب الأمنية، وهي إشارة ربما تفسر حالة الترقب والاهتمام التي رافقت صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن يدين العنف المفرط ضد المدنيين.

يفيق الناس في سورية اليوم من خدر أوهام الوصاية والوعي الزائف عن أنهم بشر قاصرون وغير قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وتحضرنا مشاهد عشرات الألوف من المحتجين في غير مدينة وهم يتقاطرون، من دون تدافع أو أحداث شغب، إلى ساحات التظاهر والاحتجاج، التي يعاد تنظيفها وتهيئتها لاستقبال يوم جديد، ما يشير إلى نضج ملموس وشعور عالٍ بالمسؤولية، والأهم شيوع توافق ورغبة عفويين لدى هذه الجموع في أن تثبت للعالم نزوعها الحضاري السلمي وتضرب مثلاً مسلكياً حول أصول المعارضة الديموقراطية.

إن شعارات الدعم والمساندة حتى الموت التي يطلقها المتظاهرون لنصرة المدن والمناطق المحاصرة والمنكوبة، إنما تدل على وحدة وطنية من طراز جديد، تقوم على اتحاد هموم البشر وإيمانهم المشترك بالحق في الحياة والحرية وعلى رفضهم التفرقة والتمييز في مجتمع عرف تاريخاً طويلاً من التعايش بين الإثنيات والأديان والمذاهب، ما أفشل الجهود الحثيثة التي بذلت لجر الاحتجاجات إلى الفتنة وحرفها عن جوهرها السياسي، وقطع الطريق على محاولة إثارة الحساسيات القومية بين العرب والأكراد السوريين، الذين لم يتأخروا في الاستجابة لنداء الانتفاضة، ولعبت مشاركتهم المستمرة في التظاهرات دوراً كبيراً في بناء أواصر ضرورية من الثقة والاطمئنان بين الطرفين! وما إطلاق اسم «جمعة آزادي» وتناوب الهتافات للحرية والكرامة باللغتين العربية والكردية في غير حشد وتظاهرة، سوى أمثلة عن عمق التضامن بين العرب والأكراد ووحدة همومهم وتطلعاتهم.

واللافت مع تفشي خيبة أمل من الدعوات للحوار والإصلاح وإدراك الجميع أنها مجرد مناورات سياسية لتمرير مزيد من الفرص للقمع والتنكيل، لا يزال الكثيرون يراهنون على مبادرة السلطة للإصلاح والتغيير كخيار ناجع لمعالجة الأزمة، ولا يمر يوم إلا وتسمع نداء يدعو لوقف الحل الأمني والاستجابة لمطالب الناس وإزالة أسباب معاناتها، مرفقاً بتحذير من الاستمرار في إدارة الأمور بعقلية الماضي الذي يزيد الأزمة عمقاً ويفضي الى نتائج مدمرة.

أخيراً، وعلى رغم تنامي حدة اصطفاف الناس ووضوح مواقفها، لا يزال المزاج الشعبي يتميز باختلاط المشاعر وتنوعها، مرة برفض تصديق هذا الإفراط في التنكيل الدموي، ومرة بحنق وغضب شديدين من أساليب القمع الظالمة، ومرة بأحاسيس حماسية لا تهدأ تصر على التظاهر السلمي لوأد العنف، ومفعمة أملاً وتفاؤلاً بالخلاص وإزاحة منطق القوة والغلبة مرة وإلى الأبد، وأيضاً بتوجس وخوف من راهن غامض ومن مستقبل يبدو أن صياغته تتطلب تكلفة باهظة، وتالياً مما يحتمل أن يحل بالبلاد جراء استمرار الخيار الأمني والعسكري، كاستنزاف قوى المجتمع واستجرار العزلة والتدخلات الخارجية وحصول اقتتال أهلي بغيض، ما قد يعيد البلاد إلى الوراء عشرات السنين ويكمل دورة الخراب التي بدأها الاستبداد.

---------***************---------

الهروب إلى الأمام.. على الطريقة السورية! .. اياد ابو شقرا

الشرق الاوسط

15-8-2011

(فريدريك دوغلاس)

«أسوأ من الثورة.. ما يسبب الثورة»

إذا كنا من المقتنعين بأن النظام السوري ما زال ممسكا بزمام المبادرة في تسيير سياسته الخارجية، فإن هذا الوضع يفرض عليه من حيث المبدأ أن يعي إلى أين يقود سوريا في هذه الأيام العصيبة. ولكن إذا ما كان قد غدا لاعبا ثانويا في صراع إقليمي أكبر منه، وهو ما يتبدى أكثر فأكثر للمتابع المدقق، فعليه أن يتحلى بالحد الأدنى من شجاعة مصارحة الشارع، ومحاولة احتواء ما يمكن احتواؤه من تفجر يستحيل ألا يفضي إلى التفتيت والفوضى.

هنا أتذكر مجددا سؤالا طرحه علي صديق بريطاني، إبان أسوأ مراحل العنف في الحرب اللبنانية، وهو «إذا كنتم كشعب لبناني تبغضون بعضكم بعضا إلى هذا الحد.. فكيف تمكنتم من التعايش بنفاق طيلة العقود السابقة؟ أما إذا كنتم ما زلتم تؤمنون بأنكم شعب واحد وستعودون في يوم ما للعيش معا.. فكيف ترتكبون هذه المجازر البشعة أحدكم بحق الآخر؟».

إنه تساؤل منطقي تماما يثير قضيتي النفاق من ناحية، وقطع خط الرجعة من ناحية أخرى. تساؤل يأتي من صاحب ذهن عملي يقرأ مسيرة التاريخ، ويقدر تبعات الحرب، ويفهم «الأساطير» التي تبني الهوية والذاكرة القوميتين.

لكن ما نشاهده في «سوريا البلد» ونسمعه من «سوريا النظام» يؤشر إلى أن من اعتاد الهروب إلى الأمام من العيوب البنيوية في مؤسسة حكمه يجد صعوبة في تغيير عادته. وأيضا على أن من استمرأ إيهام نفسه وشعبه بالقدرة على لعب أدوار أكبر من حجمه، وفي وجه خصوم يستطيعون التأثير على دول أكبر من سوريا، بات سجين ذهنية ترسخت وتيبست.. ما عاد معها متيسرا له الانطلاق ببداية جديدة.

وهنا نلحظ عبثية «محاولات» جهات غربية العمل على فصل دمشق عن طهران. والأهم من هذا، التنبه إلى استمرار «محور طهران - دمشق» في الطريقة التي يدير بها «ممانعته» الظاهرية لإسرائيل والنفوذ الغربي في الشرق الأوسط.. يسهل لإسرائيل، ومن هم وراء إسرائيل – من حيث يدري أو لا يدري – تنفيذ مخطط الفرز الديني والمذهبي الكبير في معظم أنحاء المنطقة.

وسائل الإعلام السورية، والتوابع الذيلية لإعلام دمشق في لبنان، ماضية قدما في التعتيم على الانتفاضة الشعبية التي تنتشر في مختلف أرجاء سوريا، على الرغم من القمع العنيف واستفراد مدن البلاد وأريافه مدينة مدينة وقرية قرية. غير أنها في تضليلها – بأسبابه المفهومة – تتجاهل الكراهية العميقة التي تولدها «القبضة الحديدية» بمرور كل يوم، كما أنها تتجاهل علامات الاستفهام التي تطرح الآن، داخل سوريا وخارجها، عن الاستراتيجية الحقيقية للنظام. ثم علينا ألا ننسى أن أشد المدافعين في لبنان عن ممارسات دمشق بحق مواطني سوريا يحملون مشروعا مذهبيا واضحا. فهل ما زال النظام يريد حقا مواصلة حكم «سوريا واحدة موحدة»؟ أم تراه أقنع نفسه بأن عليه استنهاض بدائل «جيوسياسية» سواء لابتزاز خصومه.. أو التوجه لتنفيذها على الأرض عبر اعتماد سياسة «الأرض المحروقة» والفرز السكاني؟

من اللافت تحليل الاختلاف النسبي في زخم الانتفاضة الشعبية على امتداد الأراضي السورية، وكيف حقق النظام نجاحا نسبيا في بث الخوف في بيئات طبقية وفئوية معينة – بعضها في مناطق جغرافية ذات حساسية خاصة – رابطا احترام مصالحها الوجودية والاقتصادية ببقائه حيث هو. وفي المقابل، رصد ما نشهده من ردود فعل متفاوتة القوة من قبل النظام على مناطق معينة من سوريا، مما يشي بأن ثمة جهات داخل هرم السلطة ربما كانت تتحسب ل«السيناريوهات» الأسوأ منذ الآن.

واشنطن تدعو الآن إلى تضييق الخناق على نظام دمشق، وهي تلتزم اليوم عبارات هي الأكثر مباشرة وقطعا منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية.

لأول مرة سمعنا بالأمس من كبار المسؤولين الأميركيين أن نظام الرئيس «فقد شرعيته» - بصيغة الماضي - بعد خمسة أشهر تقريبا من إبقاء واشنطن باب التسامح مفتوحا أمامه. وهذا الالتزام يستحق هذه المرة أن يؤخذ على محمل الجد على الرغم من تدني صدقية المواقف الأميركية في تعاطيها مع أول انتفاضة شعبية عرفها الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين، ألا وهي «انتفاضة 14 مارس (آذار)» 2005 في لبنان.

يومذاك أوحت واشنطن للبنانيين بأنها بمجرد تجاوز اللبنانيين حاجز الخوف، وكسرهم هيمنة «الجهاز الأمني السوري - اللبناني»، ستحمي إنجازهم من رد الفعل الشرس ضدهم. غير أن المعطيات اختلفت بعد «الانقلاب» الفرنسي على المنتفضين اللبنانيين بقيادة الرئيس نيكولا ساركوزي، والتراخي الذي أظهرته دبلوماسية البيت الأبيض في عهد باراك أوباما إزاء استعادة «محور طهران – دمشق» نفوذه بقوة السلاح.

أما اليوم، فالصورة ما عادت تحتاج إلى «رتوش». وما تفعله «القبضة الحديدية» مع «شبيحتها»، وما يبدو أنها تخطط له في اللاذقية وغيرها من مدن الساحل بعدما فعلته في جسر الشغور وجبل الزاوية وأرياف حماه وحمص، تطورات مقلقة جدا.

مقلقة جدا جدا على وحدة سوريا ونسيجها الاجتماعي.

---------***************---------

سوريا والحلول المفقودة .. حسين علي الحمداني

الشرق الاوسط

15-8-2011

بين القلق على مستقبل سوريا، وتوجيه النصح، ومحاولة تفادي ما يمكن تفاديه من منزلقات قد تحصل ليس في سوريا وحدها بل في عموم المنطقة التي تتأرجح ما بين أزمات سياسية وأخرى اقتصادية قادت إلى تغييرات جيوسياسية كبيرة في الأشهر الماضية.

بين كل هذا وذاك وجدنا العاهل السعودي الملك عبد الله يوجه خطابا لسوريا في وقت أشد حرجا ليس لسوريا فقط بل لعموم المنطقة، وأيضا يأتي في ظل فقدان الحكمة لقادة سوريا الذين اتخذوا من البطش والقمع الحلول التي تكلف الشعب السوري ثمنا باهظا. من خلال الأحداث اليومية ليس داخل سوريا وحدها بل في خارجها أيضا، والتي تمثلت في حراك المعارضة السورية التي تبدو نشطة جدا، يضاف إلى ذلك تحركات دولية وإقليمية لوضع حد للمجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري، نجد أن بيان مجلس التعاون الخليجي الذي صدر مؤخرا والذي أبدى فيه قادته قلقهم إزاء الوضع المتردي في سوريا، يقابله في نفس الوقت البيان الصادر من مجلس الأمن الدولي الذي يبدي هو الآخر ذات القلق، يضاف إلى هذا كله المواقف الأميركية والفرنسية والبريطانية من نظام الرئيس بشار الأسد.

ما يمكن أن نستخرجه من خطاب الملك أنه لم يقل كل ما يريد أن يوصله للحكومة السورية، لكنه ضمنه ما بين الأسطر ما يمكن أن يتفهمه أي لبيب من أن المجتمع الدولي، وبخاصة الناتو وبرعاية من مجلس الأمن الدولي، سيتدخل في الشأن السوري آجلا أم عاجلا، وبالتالي فإن المنطقة ستكون مهددة أكثر مما هي الآن، وربما هذا ما يبحث عنه النظام السوري الذي يحاول قدر الإمكان قتل الثورة ومحاولة جرها للتدويل وصناعة حرب بأي طريقة كانت ومهما كان الثمن.

فهل وصل المجتمع الدولي لحالة فقدان الحلول؟ هل من الصعب أن يقيم النظام السوري جملة إصلاحات مقنعة من شأنها أن تقوض أي تحالفات دولية للتدخل في سوريا عسكريا كما حصل في ليبيا، ومن قبل في العراق عام 2003، ولكن على ما يبدو أن النظم الشمولية حين تواجه شعوبها تحاول جهد الإمكان استنزاف الوقت من أجل تذويب هوية الثورة أولا، وثانيا محاولة جر المجتمع الدولي لمتاهات كبيرة وخطيرة.

في ليبيا كان القذافي يخطط لتدويل ثورة الشعب الليبي، لأن هذا النظام لا يمكن له أن يتصور أن الشعب قادر على إسقاطه، ورغم هذا فإنه مستعد للسقوط بتدخل عسكري أجنبي، هذا السيناريو كان حاضرا في العراق عام 2003 عندما رفض صدام كل الحلول التي تجنب العراق ويلات الحرب والاحتلال، ورفض كل المبادرات التي طرحت في حينها، كما رفض كل الحلول التي طرحت عليه بعد غزو الكويت عام 1990، وفضل خيارات الحرب على خيارات السلام، وجر المنطقة لويلات كبيرة ما زالت آثارها موجودة، وسبب الرفض يكمن في أن هذه الأنظمة غير قادرة على أن تتعايش إلا مع الكرسي، ومن دونه فإنها تفضل تدمير البلد وإحراقه ما دامت ستكون خارج السلطة وهالتها وبهرجها.

وبالتأكيد فإن ما دفع الملك عبد الله لأن يخاطب السوريين سواء الشعب أو النظام ليس من مبدأ الوصاية عليهم بقدر ما أن المملكة العربية السعودية وما تمثله من ثقل سياسي في المنطقة وخبرتها في شؤونها وقراءتها المسبقة للأحداث تكون قد كونت رأيا مفاده أن ثمة عملية عسكرية قادمة من شأنها أن تطيح بالنظام السوري أو على أقل تقدير تدمر الماكينة العسكرية التي تبطش بالشعب منذ أشهر كثيرة. هذا السيناريو محتمل جدا في ظل الانتهاكات الخطيرة التي تقوم بها القوات الأمنية في هذا البلد، وهذا السيناريو وارد بشكل كبير جدا في ظل تنامي موجات السخط والاحتجاج على النظام السوري في عموم العالم، خاصة أن الجرائم اليومية التي ترتكب لا يمكن السكوت عنها.

فهل المنطقة على شفا حرب جديدة؟ أم أن ثمة عقلاء قادرين على تجاوز هذا؟ واللجوء للحلول السلمية عبر الحوارات والإصلاحات، خاصة بعد أن أثبت الحل الأمني والبوليسي فشله، وهل النظام السوري يمتلك القدرة والاستعداد للإصلاحات الحقيقية وليست الوهمية كما اعتاد عليها؟ وهنالك فرق كبير بين الإصلاح والوعود الإصلاحية.

---------***************---------

الإصلاح السوري بين «البيضة» وكرة «البونغ بونغ»؟! .. رجا طلب

rajatalab@hotmail.com

الرأي الاردنية

15-8-2011

من الواضح تماما ان الرئيس السوري ونظامه مصممان على الاستمرار في اتباع الحل الامني الى النهاية، وكلمة النهاية هنا تحمل معنيين، فاما الاجهاز على الثورة الشعبية المستعرة منذ اكثر من اربعة شهور او انهيار النظام بالكامل، ومن شبه المؤكد انه ليس في وارد النظام التوقف في منتصف الطريق او في اخره بعد ان اقدم على ما اقدم عليه من قتل وتنكيل وقصف للقرى والمدن بالدبابات وخاض حربا حقيقية ضد شعبه الاعزل مسجلا سابقة تاريخية اخرى تضاف الى سابقة توريث الحكم في نظام من المفترض انه «جمهوري - حزبي» انها سابقة خوض دولة مٌحتلٌ جزء من ارضها حربا ضد شعبها لمطالبته بالحرية في الوقت الذي تعللت وعلى مدى اربعين عاما بألف علة وعلة للتهرب من خوض حرب ضد عدوها ومحتل ارضها لتحرير تلك الارض.

هذا الاصرار رغم كل الاضرار السياسية والاقتصادية التي الحقها بالدولة السورية، يدلل على ان النظام يراهن على ما يلي:

اولا: الموقف الإيراني المستنفر حد الحرب في توفير كل سبل الدعم للنظام امنيا واقتصاديا ولوجستيا، ووجود قناعة لدى النظام من ان سقوطه او ضعفه هو بالضرورة ضعف مباشر لايران ولحزب الله ولمشروعهما بالمنطقة.

ثانيا: الرهان على النظرية القائلة بان المجتمع الدولي وتحديدا مجلس الامن وبسبب موقف كل من روسيا والصين لن يكرر تجربة الموقف المتخذ ضد العقيد القذافي، والرهان على ان الوضع الجيوسياسي لسوريا لا يسمح بتدخل دولي عسكري على غرار الحالة الليبية.

ثالثا: ايمان النظام المطلق بالحل الامني وبان فائض القوة والعنف المتوفرين لدى اجهزته الامنية والعسكرية قادران على تكسير ارادة الجماهير بل وانهائها، وقناعة راس النظام وقادة الاجهزة الامنية بان الجماهير لن تستطيع الاستمرار في «لعبة الموت المجاني».

وبالمقابل يدرك النظام ان البنية التاريخية له هي بنية شمولية تأسست على حكم مطلق غطاؤه الخارجي حزبي وجوهره عائلي - طائفي والية حمايته 12 جهازا امنيا تمارس اقسى انواع القمع، فهي غير قابلة للاصلاح وبالتالي فان دعوات الاصلاح تعد عمليا دعوات صريحة من اجل ان يقدم النظام على نحر ذاته، لذا كانت كل وعود الاصلاح في الخطب والبيانات الرسمية تأخذ بعدا عمليا على الارض يتمثل في زيادة منسوب الموت للجماهير المطالبة بالحرية.

يقول المفكر العربي فؤاد زكريا في كتابه «مقامرة التاريخ الكبرى: على ماذا يراهن غورباتشوف؟» الصادر عام 1990 والذي كرسه لدراسة مستقبل المعسكر الاشتراكي بعد بروز ظاهرة غورباتشوف واتباعه ما سمى بسياسة «البيريسترويكا» اي اعادة البناء يقول ان غورباتشوف لن ينجح في تجديد خلايا جسم الاتحاد السوفياتي لان هذا الجسد حتما سوف يموت، ويشبه الفرق بين وضع الدول الرأسمالية وامكانية تجديد نفسها والدول الاشتراكية والشمولية تماما مثل الفارق بين البيضة وكرة «البنج بونج» (... وفي وسعنا ان نوضح الفارق بين الحالتين بالمقارنة بين كرة الطاولة «البونج بونج» والبيضة، فالاولى تقفز وترتد سليمة اذا اسقطت او ضربت، والثانية تنكسر وتسيل بمجرد ان تصطدم قشرتها باي جسم صلب».

ان اي اصلاح للنظام في سوريا سوف يكسره ويحطمه تماما كما هي البيضة وهي حقيقة يدركها النظام جيدا لذلك يراهن على الدم بديلا عن الاصلاح.

---------***************---------

سورية بين أبجديات الثورة وأبجديات المعارضة .. الإقصاء وباء مزمن؟.. نبيل شبيب

لا توجد بقية وقت للتقاعس والتقصير من جانب المعارضين والناشطين والحقوقيين وأمثالهم بحق شعب سورية الثائر، لا سيما وأنّ كل ما تمّ تقديمه من تضحيات بما في ذلك التضحيات الكبرى خلال العشر الأوائل من رمضان، وأنّ كلّ ما تحقق من إنجازات، بما فيها ازدياد معالم التحرّك الإقليمي والدولي بتأثيرها، إنما هو من عطاء الشعب الثائر مباشرة وليس بتأثير المعارضين والناشطين وأمثالهم، دون استثناء.

ضوابط.. في الردّ على الإقصاء

ظهرت في بعض المؤتمرات والمبادرات الأولى ممارسات إقصائية ومواقف إقصائية، كان يؤمل أن تتلاشى وتضمحلّ مع مشاهد الالتحام الشعبي في الثورة الشعبية البطولية.. وبقي بعض الأطراف على الأقل مصرّا على نهجه الإقصائي القديم، بل مضى إلى "توثيقه" في مقالات ومقابلات إعلامية، يستبيح لنفسه فيها توجيه السهام علنا للآخر، مثلما يوجّهها (وأحيانا دون ذلك) لاستبدادٍ قمعي فاسد لم يميّز فيما صنع ويصنع، وأجرم ويجرم، بين "الآخر" و"الآخر"، ممّن عارضوا ويعارضون نهجه وممارساته ووجوده.

يكفي التنويه هنا بقواعد أساسية للتعامل مع هذا "الإقصاء المزمن":

1- تفرض مصلحة الثورة ومصلحة سورية تجنّب ردود الفعل.. وتفرض أيضا عدم الاستهانة بالانحراف الإقصائي بحدّ ذاته..

2- يجب التشبّث بعدم الخوض مع الخائضين في المحرّمات ومنها الإقصاء.. ويجب أيضا تجنّب التقصير بحقّ الثورة ومستقبل سورية، ومن ذلك سكوتٌ متواصل يفضي إلى غلبة أطروحات الإقصاء ظاهريا على المشهد.

وبالمقابل يظهر على هذه الخلفية للعيان أنّ:

1- الإقصائيون مسؤولون عن استفزازاتهم أولا، ومسؤولون ثانيا عمّا يُحتمل أن تسبّبه من معارك جانبية..

2- الإقصائيون -حتى أثناء الثورة- ينزعون "هم" عن أنفسهم صلاحية العمل من أجل الثورة ومن أجل مستقبل سورية.

وندعوهم إلى الارتقاء بأنفسهم إلى مستوى الثورة التي لم يصنعوها، وإلى مستوى سورية المستقبل التي لا ينقطعون عن "الحديث" عنها.

ولم يكن بعض ما ظهر مؤخرا قائما بذاته، بل جاء ضمن نسيج متكامل، شمل:

1- "حملة" مباشرة مضادّة لِما صدر مؤخّراً عن جهات رسمية عربية وتحديدا: الدول الخليجية.. وهذه حملة لا تنسجم مع التنديد من قبلُ بما عبّرت عنه جمعة "صمتكم يقتلنا".. تلتقي مضمونا مع ردود الاستبداد القائم في سورية على تلك الجهات.

2- التشكيك في مواقف تركيا المتقدّمة على سواها، وهي -رغم كثيرٍ من العوائق والإشكاليات والتساؤلات- الدولة الأقرب إلى أداء دور يمنع تدخلا أجنبيا منفلتا على غرار ما كان في ليبيا..

3- تعليل هذا التشكيك هو القول عن تركيا (في صيغة اتّهام!) إنّها تسعى لقيام حكم في سورية قوامه "حزب إسلامي" (لو كان حزبا علمانيا.. لغابت صيغة الاتهام وحلّت صيغة التكريم!)..

4- الأهمّ من ذلك هو تحديد الإقصائيين لمواقفهم هذه من منظور رؤيتهم الإقصائية الذاتية للآخر "الإسلامي".. وليس من منظور الثورة الشامل ومصلحة سورية العليا، ومتطلبات المرحلة الآنية بصورة مباشرة!..

5- إنكار حق الإسلاميين في الوجود السياسي الآن وفي أي وقت، في سورية الثورة وفي سورية ما بعد الثورة.. هكذا بأسلوب "قائد الدولة والمجتمع".. وعلى الأقلّ بأسلوبٍ "تشكيكي" كالقول مثلا بضرورة أن يقدّم الإسلاميون (أو المعارضون الدينيون!.. حسب آخر المصطلحات المبتكرة) الدليل المسبق على "مصداقية ديمقراطيتهم"!.. والواقع هو أنّ هذا الموقف الإقصائي دليل مباشر على انعدام "مصداقية الديمقراطية" لدى من يمارسه!..

من هنا وجب السؤال: أي مصلحة تكمن وراء هذه الحملات.. الآن؟.. ومن هنا وجب الجواب أيضا: إنّها حملات تخدم رؤى أصحابها الذاتية الإقصائية فقط، ولا تخدم الثورة بواقعها وما يمكن أن تصنعه في مستقبل سورية.

المطلوب.. تجاه "الآخر" دوليا

تشهد المرحلة الراهنة ما يشبه "السباق" على إيجاد منطلقٍ ما لمرحلة انتقالية قريبة، وتسعى جهات عديدة لرسم معالمها، ولن تستقر الحصيلة في الاتجاه الصحيح حتّى تحتضنها الثورة احتضانا واضحا للعيان، تؤكّده القوى الميدانية، بحيث يظهر للقاصي والداني أنّ هذا ما يمثل ثورة شعب سورية تحديدا.

ويوجد الكثير المطلوب طرحه بصدد التعامل مع الآخر الخارجي، إنّما يقتصر الحديث هنا على نقطتين أصبحتا ملحّتين حاليا:

1- يؤكّد الثوار رفضَ التدخل الخارجي العسكري.. ويطالبون بأداء الواجب المفروض إقليميا ودوليا، أي: تصعيد التنديد بالاستبداد القمعي الفاسد وممارساته، وتصعيد الضغوط بمختلف أشكالها، دون الوصول إلى مستوى التدخل العسكري..

لا ينبغي هنا لأي طرف من المعارضين والناشطين في أي مكان، أن يغفل عن الفارق الدقيق بين هذا وذاك، وهو ما لا يغفل عنه شعب الثوار أثناء تقديم ما يقدّم من تضحيات جسام في أشد الظروف صعوبة.

2- ينبغي التلاقي على أرضية مشتركة شاملة للجميع في التعامل مع تركيا تعاملا محفّزا وناقدا، ولكن لا يستثير انحيازها لطرف دون آخر، وقد فتحت أبوابها لاستقبال الجميع، على اختلاف توجّهاتهم وانتماءاتهم، ولا يكاد يوجد سواها في الساحة الإقليمية والدولية من القوى الرسمية الأخرى مَن يمكن أن يلعب دورا إيجابيا للتأثير في اتجاه تحقيق أهداف الثورة الشعبية، وترك مستقبل ما بعد الثورة لإرادة الشعب المتحرّرة.

المطلوب.. تجاه "الآخر" وطنيا

أهمّ ما تفرضه المرحلة الراهنة في التعامل مع "الآخر" في نطاق الذات الوطنية المشتركة هو:

1- سورية هي جميع السوريين

ليست سورية أو ليس الانتساب إلى الوطن مجرّد انتماء، بل ممارسة مقتضيات هذا الانتماء أيضا، فيستحيل إلغاء فعالية وجود "الآخر" في صناعة مستقبل سورية، ناهيك أن يبدأ العمل لذلك "استباقيا" قبل تحقيق الهدف الأول: إسقاط النظام الاستبدادي القمعي الفاسد جملة وتفصيلا..

2- الشعب سيد نفسه

إنّ إرادة الشعب المتحررة، وحدها، هي التي تقرّر الموازين والمعايير التي تقوم عليها سورية المستقبل، بدءا بمرجعية الحكم والحياة فيها، انتهاء باختيار من يخدم الشعب وإرادته عبر السلطة..

3- سدّ مداخل الاستبداد واجب كإسقاط الاستبداد

لا ينشأ الاستبداد في الأعمّ الأغلب دفعة واحدة بل تدريجيا، فمع إسقاط ما وصل إليه الاستبداد الفاسد خلال بضعة عقود، لا بدّ من منع بذر بذور استبدادٍ وريث.

إنّ من يتجاوز شمولية الإرادة الشعبية أو يحاول تحييدها وإقصاء مفعولها في قضايا أساسية كتثبيت المرجعية للدولة والمجتمع، بأيّ ذريعة، إنّما يعني ذلك محاولة تثبيت إرادته هو وتصوراته هو، كي "يقود هو الدولة والمجتمع"، ولا يمكن تمييزه -سلوكيا- عمّا صنعه الحكم الاستبدادي الفاسد منذ اللحظة الأولى لتسلّطه، فهو الذي بدأ وجوده بممارسة الإقصاء (للإسلاميين وسواهم) وأوصل عبر تصوّراته هذه إلى الأوضاع التي ثار عليها شعب سورية.

4- التعددية المستقرة

لتعددية من ضمانات أن تكون حقوق الأفراد وحقوق الأقليات مكفولة فلا تتعرّض للانتهاك بقرارات الغالبية، إنّما لا تستقر التعددية أيضا دون تثبيت حقوق الغالبية وعدم الانتقاص منها.

5- توحيد المعارضة يناقض التعددية

ليس مطلوباً ولا ممكناً من أجل "سورية التعددية" توحيدُ المعارضة الآن على طرح واحد مشترك يحدّد مستقبل سورية ما بعد الثورة، فهذا ما تصنعه إرادة الشعب المتحررة، ولكن المطلوب والممكن، التواصل للتلاقي على طرح مشترك، يثبّت قواعد التعامل بين أطياف المعارضة، بما يحقّق ما تفرضه الثورة الشعبية عليها وليس العكس.

6- سورية وانتماؤها الأكبر

الانتماء إلى سورية انتماء وطني يشمل مكوّناتها، والانتماء إلى الوطن العربي انتماء قومي يشمل مكوّناته، والانتماء إلى العالم الإسلامي انتماء ديني يشمل مكوّناته، ولا يستقرّ الانتماء الحضاري لسورية، المتشكّل عبر ذلك كلّه، من خلال أي طرح أو نهج يحدّ من هذه الانتماءات أو بعضها، أو يوهم بوجود تناقضات بينها.

. . .

أثبت شعب سورية البطولي بثورته أنّه في القمة من الوعي بأبجديات ثورته، ولن يمكن لأحد الالتفاف عليها، ويجب أن يعلم الإقصائيون الذين لم ينجحوا من قبل في تحقيق التغيير، أنّ الثورة تمنّ عليهم بإعطائهم الآن فرصة جديدة، مقيّدة بالثورة.. وبأبجديات الثورة، فإن خرجوا عنها ضيّعوا الفرصة على أنفسهم، ويستحيل أن تكون لهم هم صلاحية فرض قيود وإملاءات على الثورة وأبجدياتها، أو على "الآخر" في التعددية التي تفرضها.

هذا سلوك ينتسب إلى "القيود والإملاءات" الاستبدادية التي أسقطتها الثورة، وأسقطت معها من فرضها من قبلُ وقد كان "أقوى من هؤلاء شأنا وعتادا وتسلّطا"!..

لا بدّ إذن في هذه المرحلة الحاسمة من تأكيد "أبجديات" أخرى لقوى المعارضين والناشطين، وعلى وجه التحديد في نطاق ما هو معروف حاليا بصدد العلاقات بين قوى إسلامية وعلمانية، على ضوء ما سبق ذكره:

1- العلمانيون يتحرّكون علنا تحت راياتهم العلمانية المتعددة، وبمسمياتهم الصريحة المعروفة، وهذا ما لا ينبغي لأحد أن يشكّك في حقهم فيه.. ما دام في حدود امتناعهم عن إقصاء سواهم أو إنكار وجوده وحقوقه.

2- الإسلاميون المتردّدون يجب أن يتحركوا علنا تحت راياتهم الإسلامية، بمسمّياتهم الصريحة المعروفة، وهذا ما لا ينبغي لأحد أن يشكّك في حقهم فيه.. ما دام في حدود امتناعهم عن إقصاء سواهم أو إنكار وجوده وحقوقه.

3- الشعب الثائر قادر على رصد من يمارس الإقصاء من هؤلاء وهؤلاء على السواء.. وهو سيّد قراره، فكل طرح "إملائي" مسبق من جانب جهة معارضة أو ناشطة، حول مرجعية مستقبل سورية ما بعد الثورة ونهج الحياة والحكم فيها، طرح مرفوض، ولكل فريق أن يطرح -دون إملاء- ما يراه، بل ينبغي أن يطرح، بكل وضوح ما يراه، وفق ما يريد، شريطة الاستعداد المطلق أن يخضع لما تقرّره الإرادة الشعبية المتحررة.

4- كل طرح من جانب طرف معارض أو ناشط، ينطوي على التشكيك بالآخر، هو المسؤول عن تفتيت جهود المعارضة التقليدية، والمسؤول عن شَغلها بما لا ينبغي أن تشتغل فيه، لا سيما في المرحلة الحاسمة الراهنة من مسار الثورة، وهو مصدر إساءة للثورة، سواء سبّبت استفزازاته ردودا عليه أم لم تسبّب.

الإقصائيون يقصون أنفسهم

لقد ثبّتت الشهور الماضية أمورا أساسية هي المنطلق لسواها، منها:

1- لا وصاية على ثورة شعب سورية!..

2- لا إقصاء باسم شعب سورية وثورته!..

3- لا مكان لمن يخرج على التعدّدية الشاملة!..

4- الاستقواء بالأجنبي مرفوض بمختلف أشكاله!..

وأخطر أشكال ممارسات الإقصاء ما يقترن منها بالاستقواء بالأجنبي، وغالب ما يقع من ذلك ما ينطلق من خلفيّة تقاربٍ في "أيديولوجية علمانية" يغفل تناقضا أهمّ وأكبرر على صعيد "الهيمنة الإمبريالية"!..

لن يعلّم المعارضون والناشطون الثورة وإن أفادوها، ولكن يمكن القول إنّ كل من يحرص على ألاّ يفوته أوان اللحاق بالثورة وبمستقبل الثورة، أن يتعلّم الكثير من جيل الثورة، وأطفال الثورة، وأبطال الثورة، وصانعي الثورة، وأطروحات الثورة:

1- هذه ثورة شعبية.. وليست ثورة أي فئة من الفئات، لا سيما من المعارضة التقليدية تخصيصا.

2- هذه ثورة شاملة.. وليس فيها ولا في مستقبل سورية مكان لمن يمارس الإقصاء لسواه مسبقا أو لاحقا.

3- هذه ثورة تغيير جذري.. ولن يفلح من يعملون على حلول وسطية بينهم هم وبين من قرّرت الثورة زواله.

4- هذه ثورة تحرير الإرادة.. ولا وصاية لأحد على الإرادة الشعبية وما تختار من مرجعية ومناهج تطبيقية.

5- هذه ثورة سوريّة.. ولن تنحرف بحصيلتها عن انتماءات سورية، التاريخية والحضارية، العربية والإسلامية.

6- هذه ثورة الكرامة والحرية والعدالة والحقوق الأصيلة على كل صعيد سياسي وغير سياسي.. فلا مكان لأطروحات تخصّ بهذه القيم الكبرى، اتجاها دون اتجاه، وتصوّرا دون تصوّر، وفئة دون فئة، وطائفة دون طائفة، ونهجا سياسيا دون نهج.

هذا ما يقوله كاتب هذه السطور من منطلقه الإسلامي، القادر على استيعاب الآخر، بقدر ما يتخلّى الآخر عن نهجه الإقصائي للإسلاميين.. أو لأي اتجاه من الاتجاهات الموجودة في الساحة السورية.

---------***************---------

نحن والبعث.. من دفاتري الشخصية .. جلال عقاب يحيى

 ونحن وقوفاً أمام السفارة السورية احتجاجاً على جرائم نظام الطغمة، وتضامناً مع شعبنا وثورته السلمية، وقد صارت أغاني القاشوش، أقنومتنا الصادحة، كما هي نواعير حماة مدينتي الصامدة الصابرة الخالدة.. والمحتجّون يرددون من قلب كليم مفعم بالغضب، والتصميم تلك المقاطع الرائعة التي تجوب الآفاق معلنة : أن القاشوش حيّ فينا، وأنهم وإن نزعوا حنجرته بطريقتهم الإجرامية المعهودة.. فإنها تظلل سماواتنا السبع، وتطلّ علينا بفطريتها، وابتسامتها، وعذوبتها...وفيها مقاطع واضحة عن رحيل بشار وحزب البعثية : ارحل .. ارحل يا بشار أنت وحزب البعثية ...جاء بعض الصحاب يحاولون الاعتذار مني، طالبين أن أتحمل ما يحمله الكلام من دلالات، وكأني بذهنهم الممثل" الشرعي، الوحيد" للبعث، وكأني أقبل ما يًفعل باسم البعث، أو ما يفعله شبيحة البعث، أو التمريغ الذي هو فيه البعث، أو طروحات البعث الأحادية، الشمولية عندما كان على شبه اصوله، ومشروع حزب، ومشروع محاولة للحكم وليس مطية، ومشروع تثوير وتنوير وتوحيد وتحرر وتقدّم، وليس عباءة للفئوية، والانتهاز، ونفي الآخر، واغتيال الحريات الديمقراطية، وتغليف الديكتاتورية، وتعهير الشعارات وذبحها برفعها وامتطائها وتمريغها بالجس والرذائل والجريمة، وفعل الخيانة العظمى : قتل الشعب، واغتيال الأماني ..وكثير كثير مما فعله نظام الأسد وهو يتمرجح بالبعث على حبال الأنا المستبد، وهو يأكل كل حيّ فيه ويلقيه جيفة نتنة لا مكان لها سوى مزابل النفايات ..

 قد يهتزّ البعثي المؤمن به، من أولئك الذين دفعوا حياتهم، أو أمضوا عمرهم في السجون والمطاردة، والحصار، والغربة القسرية ثمناً لمواقفهم، ولما يعتبرونه المبادئ الأصيلة للبعث قبل التلويث، وللبعث قبل التمريغ، وللبعث قبل الامتطاء، وللبعث قبل الفجوات البنيوية والنظرية والفكرية والسياسية والممارساتية، وللبعث قبل الهزيمة الحزيرانية.. ناهيك عن بعث الأسد الذي أعلنوا مراراً وتكراراً تبرئتهم منه، ومما يُمارس باسمه، وتحت راياته ..

 والحقيقة، والبعث في أوج محاولات بنائه كمشروع ثوري، أو كقائد لثورة ناقصة، أو مسؤول ، ولو بالواجهة، عن انقلاب يرغب التحول لثورة(ولو بالقسر، والرغبة الذاتية، وليّ الوقائع) كان يعاني أزمة الانتقال من حزب يؤمن بالعملية الديمقراطية أيام العهد الديمقراطي، بإيجابه وسلبه إلى حزب واحد، قائد، شمولي، متأثر بالموجة القوية لفلسفة الثورة الروسية ببصماتها اللينينية عن العامل الذاتي، وحرق المراحل، وموقع التخطيط الشمولي، والديمقراطية الشعبية.. وغيرها من المقولات التي شكّلت بنية وإطار عمل معظم قوى حركات التحرر الوطني والقومي التي وصلت إلى السلطة(بكيفيات مختلفة)، وما عرفته تلك المقولات من تحولات لصالح الحزب الذي اقتحم الذاتي كله وفرض السيطرة عليه، ثم صارت الهياكل الفوقية هي البديل، فجنين البيرقراطية المتضخم، فرأسمالية الدولة، والبرجوازية الطفيلية المتولدة من رحم التحولات الاجتماعية وعلى هوامشها..والتي غالباً ما انتهت إلى الانحراف، والفوات، والارتداد.. حتى إذا ما سقطت المنظومة الاشتراكية بتلك الكيفية، لم يبق من حقيبتها سوى الصدى تردده نظم الاستبداد بطريقة ببغائية لا تقنع حتى أصحابها، والتي لم يبرز منها سوى القمع المنهّج للمجتمع، اغتيال الحريات الديمقراطية، ونفي كل آخر سوى أهل النظام وكومة المستفيدين والمرتزقة والشبيحة متعددي المناصب، والخلفيات .

 

 عندما سيطر الأسد بانقلاب عسكري مصفّى، ولم يكن معه من الحزب سوى أفراد قلائل من المغضوب عليهم، وأغلبيتهم كانوا مهمّشين، أو في مناصب حكومية، أو ممن زرعتهم المخابرات العسكرية في جسم الحزب.. كان يستحيل عليه أن يعلن هوية انقلابه المشفّى كحالة عسكرية فكان لا بدّ من لباس بعثي ما فأقحم البعث غطاء، وراح يقدّم" سخاءه" عطاءات مفتوحة لمن يقبل، وإغواءات متعددة الأشكال، خصوصاً وأن حزباً في السلطة اعتاد عليها وعلى مكاسبها ستركبه الانتهازية التي طفت قوية على سطحه، وسيبحث الكثير عن "مبررات" للبقاء في نعيم الحكم.. فانساق معظم ذلك التنظيم مع المنتصر، بينما أبت قلة(بالقياس إلى العدد الكبير للتنظيم) إلا الانسجام مع قناعاتها، والوفاء لمبادئها، وأخلاقها، وشرف الانتماء .

 كانت الإشكالية كبيرة، وتأسيسية حول الذي جرى وخلفياته ونتائجه، وحول المخرج.. ولئن كانت تلك قضايا واسعة تستلزم الغوص البعيد فيها بما لا يستوعبه مقال، فإن قصة الحزب والشرعية، والإرث، وحتى الثأر، والموقف.. جميعها شكّلت، ولسنوات طويلة، محطّ تفاعل وتباين بين أولئك البعثيين الذين تصدّوا منفردين لنظام الأسد، ولسنوات، وقدّموا قوافل متتالية من المعتقلين، والملاحقين . الإشكالية يمكن تلخيصها بسؤال كبير يتمحّور حول مصير ومستقبل البعث : اسماً ومبنى، وهنا يلاحظ التمايز بين من اعتبر ما جرى من الأسد المنقلب سرقة، واختطافاً، أو مؤامرة خارجية وجدت في الأسد بيدقها ورأس حربتها لنسف(تلك التجربة الثورية)، والقضاء على خط الحزب السياسي الرافض للتسوية السياسية، والقرار /242/ الذي ينصّ صراحة على الاعتراف بالكيان الصهيوني، ويحصر الصراع العربي الصهيوني بما احتل في الخامس من حزيران ..

وبين من كان يعتبر أن الذي جرى، في وجهه الرئيس، وبغض النظر عن موقع المؤامرة الخارجية في حوامله، أو دعمه، التعبير عن أزمة شاملة، كانت حزيران الهزيمة كاشفها التي أماطت عنها اللثام، كما كان التكتل العسكري الذي قاده الأسد بطبيعته الفئوية، والبنيوية برهاناً على قوة العسكر وسيطرتهم، وعلى شكلانية دور الحزب : حقيقة، والذي لم يتجاوز، في أقصى حالات الإيجاب : مشروع محاولة ليكون هو قائد السلطة، وليس مركوبها، وستارها .

 ضمن، وفي أساس هذا التوجّه الذي كان يمثل الزخم الأقوى بين إطارات الحزب المتقدّمة الذين وضعت على عاتقهم التصدي لمرحلة الانقلاب، والسقوط، وبناء التنظيم، في أصعب الظروف وأقساها، ومع تطور بنيانهم المعرفي، نجحوا في انتزاع مقولات المشروعية، والثأر، والاختطاف من عقولهم ومواقفهم، انطلاقاً من اعتبار أن البعث الحاكم الذي ركبه، ومرّغه الأسد، وعجنه، وكوّنه، ولونّه، وصيّره وفق ما يريد، وبالاستجابة إلى شهيته المفتوحة للسلطة، ونرجسيته الذاتية المتضخمة، فالمنفلتة من كل توصيف.. وصولاً إلى التفرد الشامل، هو أحد تلاوين وإفرازات البعث، كما هو حال البعث الحاكم في العراق(بغض النظر أيضاً عن القرب والبعد عن البعث الذي كان)، واللذان يتشاركان بالأحادية، والشمولية، والقمع المنظم، ورفض الآخر..

وأن البعث الطموح، برأي هؤلاء، هو القادر على التجاوز، وفقاً لصيغة : استمرارية تحول تجاوز، وأن التجاوز يشمل كافة الجوانب : الفكرية، والسياسية، والممارساتية، وحتى الاسم .

 وعلى ذكر الاسم، فإن الأغلبية من هؤلاء، ورغم الذكريات والانشداد العاطفي، ووجود معظم قيادات الحزب في المعتقلات، أولئك الذي مثلوا بصمودهم، وثباتهم على المبدأ، ورفضهم المساومة على مواقفهم، راياته الأكبر، وعامل ضغط نفسي وأخلاقي على عملية التغيير بغيابهم، ناهيك عن قوافل المعتقلين المتتالية التي دخلت السجون تحت راية البعث(بغض النظر عن محاولات التمايز لما قبل التغيير الجزئي بالاسم، كشباطيين، أو غير ذلك من توصيفات التمايز) ..

 رغم ذلك، وأثره على عملية التغيير الشامل للاسم، وتبعاتها اللاحقة.. فإن الأغلبية من المناضلين البعثيين هؤلاء لم تكن لديهم مشكلة بتغيير الاسم إلى آخر يعبّر بصدق عن تطورهم، وطموحهم، وأفكارهم، وخطهم الفكري، السياسي.. رغم أنهم تربّوا وعاشوا، وتكوّنوا في مدرسة البعث الذي تشدّهم إليه كثير الذكريات، والمشتركات ..

 ومن جديد.. فإن ظروف البعثرة في الخارج، وشدّة القمع، وغيرها.. حالت دون الوصول إلى موقف موحّد من الاسم.. وحين حدث الافتراق في " البعث الديمقراطي" و(الأسباب كثيرة)، حاول كل طرف التمسّك بالاسم، والتمايز بالصيغ(مكتب سياسي لجنة مركزية).. وحين نامت السنوات على قعاد البيات، وبعد خروج الرفاق المعتقلين من السجون(القدماء والأجدّ) تحرر كثير ممن أرغمته الظروف على الهجرة القسرية إلى وضع(الكرة) بين أيدي هؤلاء، وعلى أساس أن يقرروا هم، وبالتفاعل الممكن مع الخارج، ما يرونه مناسبا.. وهو الأمر الذي لم تساعد عليه عديد الأسباب، ومنها الأوضاع الأمنية المشددة، وجملة التباينات والتفاعلات بين الرفاق..

 ومن منطلق الخروج من الأطر الضيّقة، والمركزية الديمقراطية المعهودة، وبروحية الانفتاح على الآخر البعثي، والوطني الديمقراطي، وباتجاه عمل تياري عريض.. كان " تجمع البعثيين الديمقراطيين الوحدويين" محاولة مفتوحة للتطور في كافة المناحي، ومحطة انتظارية على طريق إنهاض أشكال تستجيب للتطورات ..

 ******

البعث " الحاكم" وبغض النظر عن مكانته من التوصيف لا يعنينا بشيء حتى وإن داعب الاسم العواطف والذكريات، ولذلك فكمّ النقمة عليه، وكمّ المطالبة بإسقاطه، وكمّ المسؤولية فيه عن تغطية النظام الطغمة، والنظام الشبيّح، وما يفرّخه من كتاب تقارير وانتهازيين لصوص، وما تقوم به هياكله المنصّبة من دعم لنهج الفتك، والسحق، والوباء، والإبادة.. إنما تعنيه، وتعني الملتزمين بهم وليس غيرهم ..

 ولئن كنا نتوجّه أحياناً ببعض الخطاب لمن نعتبرهم بقايا بعثيين شرفاء فيه، وبقايا مهمّشين مؤمنين بالمبادئ، وبقيم البعث التي نشأ عليها ولأجلها.. فليس ذلك من منطلق بعثيوي، أو بغية توحيد البعث.. كما يحلم البعض من أصحاب النوايا الطيبة، والأحلام الكبيرة الحالمة، وإنما لتقدير وطني بضرورة انفكاك هؤلاء، وتحديد موقفهم وخندقهم، وواجبهم في رفض الذي يجري، وفي الإسهام بثورة الحرية ضمن الأشكال والصيغ التي يقررونها هم وليس غيرهم ..

 البعث الحاكم ممسحة القذارة، وعنوان الاستبداد الاستثناء، وغطاء كل الآثام التي حصلت، وهو المسؤول بهيئاته وأعضائه عما آل إليه.. أما مستقبله فتقرره تطورات الثورة السورية بعيداً عن منطق الثأر، والاستئصال والاجتثاث الذي لا يمكن أن يكون نهج الثوار، أو نتاج الحرية. فالحرية تسمح لجميع الأفكار بالتعايش والتنافس على أرضية التعددية حين يكون الشعب هو الذي يقرر الأفكار والأحزاب الجديرة بالحياة وتمثيله، والتعبير عن مصالحه وأهدافه ..

أما ملاحقة ومتابعة ومحاكمة القتلة الذين تلوّثت أيديهم بدماء الشعب ، واللصوص الذين أثروا على حسابه، ونهبوا المال العام.. فإن الدولة المدنية الديمقراطية هي التي تحاكمهم في محاكم عادية نزيهة لإنزال العقاب الذي يستحقون بعيداً عن التشفي، والحقد، وتصفية الحسابات .

(( ملاحظة : هذا المقال وغيره مما أكتب لا يلزم أحداً غير صاحبه))

---------***************---------

نوال السباعي: أسلحة الشعب السوري الاستثنائية (2)

موقع أخبار الشرق - الثلاثاء، 16 آب/أغسطس 2011 13:25 بتوقيت دمشق

"لا…للعنف"

إذا كان أحد أهم الأسلحة التي يتوفر عليها الشعب السوري وهو يمضي اليوم في ثورته، تَوافُقَه في الداخل والخارج على عدم طلب التدخل العسكري الخارجي، فإن أهم هذه الأسلحة على الإطلاق هو سلاح "الثورة السلمية" التي لاتستخدم أساليب العنف للتعبير عن مطالب الجماهير، وهو سلاح فتّاك، لم يكن مشهورا قبل الثورات البيضاء التي دكّت جسد الاتحاد السوفييتي في الربع الأخير من القرن العشرين، وأتت عليه، وذلك على الرغم مما اشتهر عن "غاندي" من سلميته وأساليبه الاستثنائية لإحداث التغيير في الهند قبل ذلك بثلاثين عاما.

تعتبر فكرة "الجهاد اللاعنفي"، ومقولة "العمل السلمي" جديدة على الفكر العربي الاسلامي، وذلك على الرغم من كونها جزءا لايتجزأ من مفاهيمنا الحضارية الراسخة في نصوصنا الدينية وتاريخ نبينا، وليس إلا استذكار سيرة الرسول الأعظم، الذي مُنع من استخدام القوة ضد أعدائه ثلاثة عشر عاما، عانى فيها والمؤمنون معه جميع أنواع العسف والعذاب، حتى يتأكد لدينا هذا المعنى. ويعود الفضل في إحياء هذه الفكرة في سورية والمنطقة العربية– من وجهة نظري المتواضعة- إلى المفكر الإسلامي السوري الكبير "جودت سعيد" صاحب كتاب "حتى يغيروا مابأنفسهم"، وإلى صهره الطبيب المفكر "خالص جلبي"، والذي اشتغل على نشر هذه الفكرة بين صفوف الشباب المثقف في المنطقة العربية عن طريق كتاباته الصحفية واسعة الانتشار، ونشر العديد من الكتب الهامة،ومنها " سيكولوجية العنف واستراتيجية العمل السلمي "، حتى صارت لهذا الفكر مدارس، تأسست خاصة في مغرب المنطقة العربية، وقد انتشر بين الشباب– من إسلاميين وغير إسلاميين- والمثقفين منهم على وجه الخصوص انتشار النار في الهشيم، فماإن انطلقت الثورة من تونس في المغرب بشكلها السلمي، حتى آتت أكلها في مصر، ولاقت القبول من الشعب السوري واليمني، وإن تعثرت في ليبيا بسبب من اختراق صفوف الثوار من قبل الغرب الذي ارتمى على قافلة الثورة طمعا في بترول ليبيا، وموقعها منه بالنسبة للهجرة الإفريقية، ناهيك عن طبيعة ليبيا الصحراوية، ومساحتها المترامية، وقلة عدد سكانها، وتوحش وتغول "الأسرة" التي اختطفتها أربعين عاما.

من المجانبة للحق أن نقول أن الثورة الإنسانية السلمية الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية اليوم، قد قامت بفضل "آحاد" من الناس، فهذا الفكر التجديدي ليس إلا أحد دعائم كثيرة للمنظومة الفكرية التي قامت على أساسها الثورة في المنطقة العربية، والتي ساهم في صياغتها كثيرون وكثيرات، قد أدلى كل منهم بخلاصة ماوصل إليه في الفكر والمجتمع، وقضى كثيرون زهرة شبابهم في مسيرات طويلة من المراجعات والتنقيب عن اسباب الكبوّة التي وقعت فيها الأمة.

لكن الثغرة الكبيرة التي واجهت فكرة "الكفاح السلمي" بالذات، وبدت واضحة أيام اليمن وسورية الدامية الأليمة هذه، هي عدم تصاحب هذا الفكر مع خطة موازية واضحة للإعداد والاستعداد !، إعداد الكوادر البشرية القادرة على قيادة هكذا حراك، والاستعداد لمواجهات طويلة المدى مع مستبدين متغولين على شاكلة هذه "العصابات" المجرمة التي تحكمنا منذ نصف قرن!.

لقد انشغل الناس بالرد على هذا الفكر، والنيل من صاحبيه، بالتهكم والاتهام والتهجم والتكفير والشتائم، ولكن أحدا من هؤلاء لم يتناول هذا الفكر بالدرس الوافي الذي يفيد منه ويطوره ويزيد عليه ماينقصه، إذْ كان ينبغي لفكر "التغيير السلمي" هذا، أن يكون مشفوعا بتصور جليّ عن الأوضاع في أقطار المنطقة العربية، التي تجتمع في عمومية القهر، وتتمايز بخصوصية الجغرافيا والتراكيب السكانية وطبيعة الأنظمة، وهذا من أخطر التحديات التي تواجه الثوار على الأرض، فثورتهم السلمية أسقطت الحاكم فعلا أو أخلاقيا،إلا أنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة أنظمة امتدت في جسد المجتمع أفقيا وعموديا كمشبك نحاسي في صوف مبلول، مُسَخِرة للحفاظ على وجودها قطعانا من الأغوال تدب على خارطة الوطن، تنهش كل مااستطاعت منه، بهدف تركيع الناس وبقائهم في حالة العبودية التي تطبق على كل شيء، فتجبى لهم خيرات البلاد وتنقاد لهم أعناق العباد.

كان لابد مع هذا الفكر المتألق التجديدي، من تبصير الشباب والشعب باحتمالات ذهاب الأنظمة بعيدا، وبعيدا جدا في طريق إرهاب الحاكم، بسبب "ظنه" امتلاك أدوات البطش، وافتقاره إلى أدنى درجات السلوك الإنساني الأخلاقي الحضاري.

فعندما نقول "لا للعنف" فهذا لايعني أن يستسلم الناس لأغوالهم، وأن يكونوا بين براثنهم كالميت بين يدي المغسل!!، ولكنه يعني أن لاتبدأهم بالعنف، وإن اعتدوا عليك أن تدفع عن نفسك بما تستطيع من أساليب سلمية، والتي منها، الاجتماع على القتلة، ودفعهم بالأيدي والأقدام، والفرّ والكرّ والمراوغة، واستعمال أساليب وفنون المصارعات، دون اللجوء إلى سفك الدماء، ولئن بسطوا إليك أياديهم بالقتل فلا تبسط يدك بمثل ذلك!، كما يعني الحرص على قيام تنظيمات شعبية سياسية تستبق الثورة وتتمكن من قيادتها، وضبط مسارها، وحماية اهدافها وتوجهاتها، إلى درجة تشل قدرة النظم المجرمة على الإحاطة بالثورة.

كنا بحاجة إلى "الخطة البديلة"، "خطة تغيير الأساليب"، أو "خطة الانسحاب" من معركة سلمية،يتعامل فيها الظلمة مع الصورة والكلمة تعاملهم مع أسلحة الدمار الشامل، كما يتعاملون مع الجسد الإنساني والكرامة البشرية بكل أنواع الاستهانة بقدسية الحياة وآلام الناس وعذاباتهم وجراحهم، أضف إلى ذلك كفرهم بكل المقدسات التي يمكنها أن تشكل رادعا عن مثل هذا الإجرام، الذي لايماثله في عصرنا الحديث إلا إجرام العدو الإسرائيلي في مواجهته صمود الفلسطينيين، وإجرام الصرب أثناء حرب الإبادة التي شنوها على مسلمي البلقان.. ناهيك عن حروب التوتسي والهوتوس في رواندا الإفريقية.

في خضم هذه الهجمة المتغولة من النظام،-والذي يضطرنا إلى البحث عن مرادفات لغوية لنتمكن من وصف توحشه وتغوله- وصل به الحال إعدام الناس على.."الخازوق"!!..نعم.."الخازوق"..فقد تم إعدام الشهيد "صالح محمد صالح الرحيبي" من دير الزور، والذي كان قد اعتقل أثناء اجتياح "مغول" النظام السوري دير الزور عشية رمضان الثورة، وأعيد الى أهله وقد أعدم بهذه الطريقة –حسب تقرير نشرته في 6.8.2011 اللجنة السورية لحقوق الإنسان -.

إعدام المعتقلين بهذه الأساليب الوحشية غير الإنسانية، وتسليم أجساد الشهداء الأطهار إلى ذويهم بهذه الملابسات، له دلالتان واضحتان، أولاهما تتعلق بتأكيد الاستعلاء، وتثبيت فكرة تملك "الفئة الحاكمة" للشعب "المُستَعْبَد"الذي تفعل به ماشاءت كيفما شاءت، وثانيهما تأجيج الأحقاد، لدفع الناس إلى التفكير في حمل السلاح، لكي يبرر النظام بذلك توحشه وقذاراته، فالطريق التي سلكها في التعامل مع شعبه، لاتخرج عن أساليب القرون الوسطى الأوربية، في هذا الزمن الذي بلغت فيه شعوب المنطقة سن الرشد، زمن الإعلام الناطق بالعربية، المرئي منه والانترنيتي، زمن الصورة التي تبلغ آفاق الأرض، فتصنع مالايصنع السيف، وزمن الكلمة التي أثبتت كذب نظرية "المتنبي"!!.

لعله..من غير الطبيعي أن يصبر شعبٌ على مايصبر عليه الشعب السوري اليوم!! لكن ثورة الشعب السوري جملة وتفصيلا لم تكن طبيعية لافي مبدئها ولامسيرتها ولا استمرارها بهذا الزخم المعجز، على الرغم من اصطفاف العالم كله مع الطاغية، ومنحه الفرصة إثر الفرصة للقضاء عليها، وعلى الرغم من أوضاع المعارضة في الخارج وعجزها عن اتخاذ خطوات تمنحها مصداقية تجعل دول العالم تثق بها كبديل!!

اللجوء إلى حمل السلاح اليوم في سورية واليمن، يعني الهزيمة، يعني التراجع، يعني السقوط في الحفرة التي حفرها النظام، يعني انحطام مركب الثورة في عين عالم لم يحترمنا إلا عندما عرف أننا نراهن على قوتنا الإنسانية أكثر من رهاننا على أضيق مفاهيم "الجهاد"، التي حشرتنا فيها نظرات المستشرقين، واستكبار المستعمرين، وتمادي كبار المجرمين العالميين ضد أمتنا وتاريخنا وشعوبنا، وإلى هؤلاء وأولئك،أضف، ضيق أفق بعض المجتهدين منا، ممن أدخلوا مفهوم "الجهاد" في ثقب إبرة توفزهم للدفاع عن الحق، فآذوا الحق والأمة من حيث لم يحتسبوا!!

إن ثبات الثوار على الخيار السلمي، وخاصة في سورية، حيث ذهب النظام كل مذهب في تعذيب الناس، وتفنن في أساليب تركيعهم وإذلالهم، لهو من أكبر وأعظم أنواع الجهاد، وإن الاستشهاد في هذه الثورة السلمية وقد صحت النية والعزم، لهي سيادة الشهداء الذين يقفون في وجه الظلم بكلمة العدل.

حمل السلاح.. هو الأمرالطبيعي في مثل هذه الحالات - ولن يلوم أحد بعد اليوم ثوار سورية إن فعلوه -، لكن الصبر على العذاب المر هو الغير الطبيعي، إنه فعل الأبطال وكبار الأحرار وصفوة الأنبياء والقادة الإنسانيين، الذين يعرفون أن حمل السلاح يعني الاستكانة لرغبة "العدو" في الدفع باتجاه تفجير المنطقة بمن فيها وما فيها، في زمن أصبح فيه "عدم حمل السلاح" سلاحاً فتّاكاً، يقارع الدبابة والرشاش، وحقد الأنظمة الاعمى على الشعوب إذ رفعت الرأس تطالب بالحرية.

الثورة السورية بدأت وما زالت.. حركة رومانسية اخترقت تقاليد حياتنا القاسية الجافة! إنها فعل إلهي في زمنٍ كفر الناس فيه بالحرية والكرامة وقدرتهم على التغيير! إنها ظاهرة غير طبيعية تمددت في طبيعة جمود الأشياء في حياتنا التي كانت كئيبة عصيبة.. وقد آن الاوان لتغيير هذا الجمود، وكسر كل هذه القوالب التي طالما كبلتنا، فارتكسنا وانحطمنا.. حتى تنفس صبح التغيير في تونس، وأذّن الفجر في مصر، وهاهي أشعة الشمس تداعب اجفان المقهورين في كل ارجاء منطقتنا مؤذنة بغد مفعم بالحرية والكرامة والحياة.

---------***************---------

انكسار الصمت العربي «الرسمي» مؤشر لتحرك دولي أكبر .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 11 أغسطس 2011

الحياة

الذهاب إلى منطق المجازر لم يعد ممكناً من دون تكلفة. ويفترض أن النظام السوري يدرك ذلك جيداً. ما عدا أنه ينمّ عن يأس وقلة خيارات وإدارة بائسة للأزمة، فهو يشي خصوصاً بأن النظام لم يعد قادراً على طمأنة أنصاره مثلما أنه بات عاجزاً عن ضبط معارضيه وجذبهم إلى حوار أو إلى قبول «إصلاحات» يعلن عنها تباعاً لتأكيد أنه باقٍ، وسيستمر. غير أن ممارساته نفسها هي التي زرعت الشكوك في إمكان بقائه، فللبقاء مقومات لا ينفك يقوّضها.

في منتصف الشهر الخامس للانتفاضة الشعبية استطاع مجلس الأمن أخيراً أن يضع الأزمة السورية تحت مجهره. فقدت الدول «الممانعة» فيه، روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، القدرة على تجاهل نهج ستاليني لم يعد هذا أوانه. ذاك أن تسكير المدن وعزلها وإرسال دبابات الجيش لقصف عمرانها وقتل كل من يتحرك فيها باتت فعلاً من التراث الأسود لعالم آخر وعصور غابرة. لم يبقَ لسورية نصير في مجلس الأمن سوى لبنان، ولا يعني ذلك أي امتياز لبيروت بل يبلغ العالم أن حكومتها متماهية مع السطوة السورية وبالتالي فلا رأي لها إلا ما تراه دمشق.

الأهم، أخيراً، أن الصمت العربي بدأ ينكسر. فالأنظمة والحكومات التي صرفت النظر طوال الأسابيع السابقة، وعلى رغم سماعها نداء «صمتكم يقتلنا»، استشعرت المأزق ولو متأخرة. فهي صمتت دعماً لنظام دمشق، علّه يفلح في تبديد الأزمة، لكنها مضطرة الآن للتعامل من الإدانة الدولية لهذا النظام. وهي انتظرت دعوات أميركية وأوروبية ملحّة لتشرع في التخلي عن سكوتها. كانت الاتصالات معها ناشطة منذ فترة بعيداً من الأضواء ولم تفلح. غير أن القاهرة استشعرت أولاً أن الريح الدولية بدأت تتغيّر باتجاه التدخل، لذا سجّل وزير الخارجية المصري الجديد، محمد كامل عمرو، في الأول من آب (أغسطس) موقفاً متقدماً لكنه ضاع يومذاك في دوي القذائف المنهالة على حماه. دعا إلى الإسراع بحلٍّ سياسي للأزمة تجنباً لتدويلها، مشيراً إلى أمرين: أولهما أن الحلول الأمنية «لم تعد مجدية»، والآخر أن المنطقة العربية «لا تحتمل تدويلاً جديداً» (بعد ليبيا). بعد ذلك جاء الموقف الكويتي الذي حضّ على حوار وحل سياسي حقناً للدماء. ثم بيان مجلس التعاون الخليجي الذي استوحى بيان مجلس الأمن من دون أن يذهب إلى «إدانة» النظام السوري، وحاولت تعابيره القوية الموازنة بين النظام ومعارضيه، كما في دعوته إلى «وضع حدٍّ لإراقة الدماء، وإجراء الإصلاحات الجادة». لكن عدم إدانة النظام وتزكية دوره في الإصلاح لم يمنعا صدور «أسف» سوري ليس فقط لمجرد صدور البيان الخليجي وإنما خصوصاً ل «تجاهله» الرواية الرسمية عن «جماعات مسلحة تقوم بأعمال قتل وتخريب». وعنى ذلك أن دمشق لم تشأ فهمَ مغزى البيان الخليجي، بل طالبت دول المجلس بإعادة النظر في موقفها، ولعلها تفهم أكثر بعد تصريحات الملك عبدالله بن عبدالعزيز واستدعاء الرياض سفيرها، إذ كان العاهل السعودي بالغ الوضوح في أن ما يرتكبه النظام ليس مقبولاً، وأنه هو من يتحمل مسؤولية دفع سورية في أحد التوجهين: الحكمة أو الفوضى.

قد يكون بيان الأمين العام للجامعة العربية أكمل كسر حلقة الصمت، على رغم أنه لم يخرج عن الحد الأدنى الذي تلتزمه الجامعة في حدود ميثاقها المهترئ، فليس متوقعاً من أمينها أن يفكر مثلاً في الاتصال بالرئيس السوري - كما فعل بان كي مون - ليلفته الى أن الكيل قد طفح وأن الحكومات العربية تعاني تململ الرأي العام لديها وغليانه. لكن، ماذا بعد هذا التغيير في الموقف العربي؟ إذا اعتبرته دمشق مجرد كلام لرفع العتب الدولي أكثر منه إيذاناً بالتحرك، وواصلت صمّ آذانها إزاء كل ما تسمعه من الخارج، على رغم أنها توشك أن تخسر آخر «الممانعين» في مجلس الأمن وآخر الصامتين العرب، فلا تغيير يرتجى، بدليل أن النظام تابع اقتحاماته المدن بغية إخضاعها. لكنه مضطر الآن لمراجعة حساباته، فالموقف العربي مؤشر لتحرك دولي أكبر وأوسع ل «نبذ النظام» وقد يكون سحب السفراء عنوانه الأوّل. من شأنه أن يصرّ على معالجة أزمته بنفسه بل «الخروج منها أقوى»، لكنها واقعياً في صدد أن لا تعود «أزمته» وحده، فالمجتمع الدولي تريث كثيراً ومنحه كل الفرص التي يحتاجها لبلورة إصلاحات جادة، ولما تأكد أن المجازر هي الهدف بات يتعجّل التدخل بأي شكل وأي صيغة. فالسكوت يعني انتظار «المجزرة الكبرى» بل إتاحتها، وهي قد تعني ما هو أخطر: أزمة مفتوحة لا يبقى فيها من خيار أمام الشعب سوى اللجوء إلى السلاح والانخراط في حرب أهلية يتمناها النظام لاعتقاده بأنه سينتصر فيها وأنها ستعطيه «المشروعية» التي فقدها لمحاربة «الخارجين على القانون».

مشكلة الموقف العربي الرسمي أنه يُظهر متأخراً ما لم يعلن سابقاً أنه يؤمن به ويريده في شأن وقف العنف وإراقة الدماء، إذ حاذر آنذاك المسّ بحساسية النظام. مشكلته الأخرى أنه، بذهنيته ال «ما قبل ربيع - عربية»، لا يزال مستنكفاً عن تقبّل ما «يريده» الشعب، ولا يزال متلبساً بما «يريده» النظام. مشكلته أيضاً أنه، حتى بعد كسره صمته، غير قادر على مباشرة مسؤولياته في إيجاد نهاية لهذه المقتلة وغير مهيّأ لمشاركة المجتمع الدولي في ضغوطه وعقوباته على النظام، كما أنه لا يملك «خلية أزمة» أو «لجنة للتوسط» أو حتى «لجنة حكماء»، وليس لديه تصور أو رؤية أو خطة أو نفوذ لوضع نظام دمشق أمام الحقيقة التي باتت بعيدة من تمنياته... في ذلك درس مؤلم ينبغي الأخذ به إذا كان للنظام العربي أن يخضع لاحقاً لجراحة إصلاحية مطلوبة وضرورية كي يتعصرن ويواجه أزماته ويعالجها من دون أي تدخل خارجي

---------***************---------

د. إبراهيم حمّامي: الرواية الرسمية السورية للأحداث

موقع أخبار الشرق - الإثنين، 15 آب/أغسطس 2011 16:46 بتوقيت دمشق

سأقبل هنا أن أُلغي العقل والبصر والسمع وكل الحواس التي وهبنا اياها المولى عز وجل، وسأقبل أن أُصبح متلقٍ للأخبار والأحداث دون وعي ولا تفكير ولا تمحيص، وسأقبل الرواية الرسمية السورية للأحداث كما تبثها القناة السورية الرسمية وفضائية الدنيا، والاعلام المكتوب، إضافة لمجموعة من المدافعين باستماتة عما يقترفه هذا النظام بحجة المقاومة والممانعة ومنهم السوريون وغير السوريين.

لكن في مقابل هذا الالغاء، سأطرح عشرة تساؤلات، عشرة فقط لا غير، لكل من يتبنى تلك الرواية، ولا أدري حقيقة وبكل صدق ان كنت أنتظر عليها إجابة، أو أن الأسئلة ستغير من حقيقة الخطاب البائس الذي يتبناه النظام والتابعين له، لكني سأطرحها على أي حال!

1) سنصدق الرواية الرسمية حول العصابات المسلحة والمندسين ونسأل لماذا فشل النظام السوري وبعد خمسة أشهر بالتمام والكمال من نشر شريط مصور واحد يظهر الاشتباكات مع تلك العصابات المزعومة؟ لماذا نشاهد آلاف الأشرطة والمقاطع عن فظائع جيش البعث – ولا نقول الجيش العربي السوري – ولا يتحفنا النظام بمعركة واحدة مصورة مع العصابات والمندسين؟ وحتى لا نظلمكم نقول أننا شاهدنا مقطع أو اثنين ... لكن لحظة، لم تكن من تصويركم بل مقاطع أخذت من الانترنت لشخص هنا أو هناك ببندقية صيد أو عصا في يده، تدللون بها على وجود المسلحين لتبرروا مواجهتهم بالجيش العتيد، ولا نعلم حقيقة هل هي صور من يتظاهرون أم شبيحتكم الذين يمشون كتفاً بكتف مع جنودكم الأشاوس؟ حتى ما نشره المدافعون عنكم من أشرطة كان بلا صوت ولجنود مصابون بطلقات بالرأس مما يؤكد فرضية اعدامهم ميدانياً لرفضهم أوامر القتل ضد شعبهم، أي أن ما تنشرونه هو دليل ضدكم لا معكم.

2) سنصدق الرواية الرسمية حول العصابات والمأجورين وغيرهم، ونسأل هل تواجه العصابات بالدبابات والمروحيات - وأخيراً بالزوارق الحربية التي لم نسمع يوماً أنها أطلقت طلقة واحدة على محتل او غاصب وها هي الزوارق والبوارج تستخدم لأول مرة في تاريخ الجيش ابعثي – ولا نقول الجيش العربي السوري؟ بمعنى منذ متى تكون مواجهة العصابات بالجيش والقصف العشوائي على الأحياء والآمنين وأخيراً على مخيمات اللاجئين والمساجد ومآذنها!

3) وما دمنا نتحدث عن مواجهة العصابات المزعومة، نسأل كيف يمكن للنظام تبرير العقاب الجماعي على المدن والبلدات السورية التي تطالب بحريتها من نظام البطش الدموي وذلك بقطع الاتصالات والكهرباء ومنع ايصال المؤن وعلاج الجرحى؟ أهكذا يواجه النظام عصابات مندسة استنجد الأهالي به لتخليصهم منها كما يدعون؟ ألا تظنون أن روايتكم بحاجة للمراجعة؟

4) وفي نفس الاطار ومع تصديق الرواية الرسمية البائسة، نسأل لماذا عاشت حماة ودير الزور شهراً كاملاً دون حادثة واحدة من قتل أو نهب أو تدمير وهم يخرجون بمئات الالاف، ومع وصول جيش العار البعثي عشية شهر رمضان المبارك فجأة أصبح الحديث عن عصابات ومسلحين؟ لماذا لا يكون الدمار إلا مع وصول جحافلكم التي تقودها الفرقة الرابعة اياها؟ كيف لنا أن نصدق أن مئات الآلاف كانوا بأمن وأمان ثم تقتلونهم وتعيثون الخراب بحجة ارساء الأمن والأمان؟

5) وسؤال آخر في ذات الموضوع، لماذا لا يُطلق المندسون المتآمرون النار على مظاهرات التأييد المسيّرة دعماً للنظام؟ لماذا لم يسقط ولا حتى جريح واحد ممن يهتفون الله سوريا بشار وبس؟ طبعاً عندما كانت تخرج مثل تلك المسيرات المسيّرة – عصابات مندسة تتآمر على النظام ولا تطلق الرصاص إلا على من يتظاهرون ضد النظام؟ أليست غريبة تلك المعادلة؟

6) سنصدق أنكم ضحايا حملة اعلامية مركزة ومؤامرة خارجية، وبأن كل ما يقال هو افتراء لا أساس له، وهنا نسأل لماذا ما زلتم ترتعبون من دخول صحفي واحد أو مؤسسة مستقلة واحدة أو أي شخصية مستقلة لتتحدث وتشاهد وتؤكد روايتكم ما دمتم واثقين منها كل تلك الثقة؟ مما الخوف والرعب؟ هل كل البشر والدول والمؤسسات متآمرة هي أيضاً على نظام المقاومة والممانعة؟

7) سنصدق روايتكم مرة أخرى ونسأل، ألم تلقوا القبض على بعض المندسين والمأجورين بحسب توصيفكم ونشرتم اعترافاتهم على الشاشات – لماذا لم تتم محاكمة أي منهم؟ ولماذا يتم تصفيتهم ورميهم في الشوارع بعد اعترافاتهم المفترضة؟ أهذا قانون عدلكم؟ أم أن هناك ما تودون اخفاؤه بموت هؤلاء العملاء المفترضين؟ ثم كم "مندس" من العصابات كان في جسر الشغور ليقتل 120 من الشبيحة الذين كانوا برفقة آلاف الجنود؟ أين هم هؤلاء؟

8) ثم وبعد تصديق كلام رئيسكم الذي قاله خارج سياق الورقة المكتوبة في خطابه الأخير بأن سيارات رباعية الدفع عليها أسلحة مضادة للحوامات ( الاسم المعتمد للمروحيات في سوريا) نسأل ونتساءل يا سيادة الرئيس: من أين وكيف دخلت تلك السيارات رباعية الدفع لتصل إلى المدن مروراً بكل أجهزتكم الأمنية العتيدة التي تراقب المواطن السوري، وتحصي عليه حتى أنفاسه بقانون طواريء عمره فقط نصف قرن؟ كيف تفسرون دخولها ومرورها ووصولها؟ أين كنتم أيها اليقظون المتيقظون للعصابات المندسة؟

9) سنصدق روايتكم بأن الجزيرة وقطر هم فقط من يفتعلون الأفاعيل وينسجون القصص والروايات، ونسأل ألا تشاهدون باقي وسائل الاعلام حول العالم وما تنشره من فظائع وجرائم ومآسي بحق الشعب السوري من قِبل زبانيتكم؟ بمعنى هل الجزيرة وحدها من يغطي أحداث سوريا حتى تصبحوا أنتم الضحايا؟ هل العالم بأسره ظالم وأنتم فقط المظلمون؟

10) سؤالنا الأخير وبعد تصديق روايتكم، نسأل هل تعتقدون أن العالم والبشر بتلك السذاجة والبلاهة ليصدق أكاذيبكم وترهاتكم؟

وعلى هامش كل تلك التساؤلات تحيرني معادلة لم استطع فك رموزها، المعادلة تقول: بعد أسبوع من مسيرات الشعب المصري واعتصاماته طالب العالم حسني مبارك المرتمي تماماً في أحضان أعداء الشعب المصري، طالبوه بالرحيل وهو من هو في تقديم الخدمات، أما اليوم وبعد مرور خمسة أشهر على مجازر النظام السوري لم يطالبه أحد بالرحيل، بل أن البيت الأبيض تنصل من تصريحات كلينتون يوم قالت أن الرئيس السوري فقد شرعيته، طرف المعادلة الذي ما زال مستعصياً علي: من يخدم الغرب واسرائيل أكثر، من طالبوه بالرحيل بعد أسبوع أم من يسكتون عنه بعد خمسة أشهر من الجرائم؟ لماذا يمنحون النظام السوري الفرصة تلو الأخرى للقيام باصلاحات لن تأتي يوماً؟ معادلة ما زالت تحيرني!

مهما كذبتم، ومهما اخترعتم من أسباب ومبررات لجريمتكم، ومهما تمسّحتم بشعارات المقاومة والممانعة، ومهما جندتم من أناس باعت ضمائرها لتقف معكم مبررة الدماء والضحايا، ومهما أجرمتم وارتكبتم من مجازر، لن تستطيعوا أن تحجبوا ضوء الشمس ولا نور الحقيقة

لا نامت أعين الجبناء

---------***************---------

هل يمكن إنهاء الطغمة بعمل جراحي صغير ؟؟ ..عقاب يحيى*

من زمااااان قبل أربعين عاماً وعاماً..كانت حكايا الانقلابات تملأ فضاءاتنا الخاصة : رداً، وثأراً، وتعويضاً عن المفقود الذي تسرّب من بين الأصابع في وضح النهار، وربما حقناً لذهن انتظاري نشأ وتعضدى ووقف، وعاش علة حلم القادم .. واستمر الحكي عن الانقلاب الموعود النابت في رحم المولود فتهاطلت علينا (الأخبار الموثوقة) عمّ دقّ كأس فلان القائد المسجون، ومن غنّى موالاً (قوياً) بحضور ذوي" هيبة ونفوذ ونجوم كثيرة"، ثم مسلسلات عن مواعيد قادمة، وكلمات سرّ أعطيت، وساعة صفر حددت.. واسماء أعلنت، ووزراء نصّبت، وتحالفات نهضت، ونياشين وأوسمة علّقت، وبذلات جديدة فصّلت ..........

 كنا قيادة العمل السري للبعث المغدور الذي أطاح به الأسد عنوة، وبقوة السلاح والكيد والفئوية التي كانت بجحة وفاقعة.. وكنا نمتلئ بأفكار الثورة الشعبية، والنظيرية الثورية، ورفض الانقلابية التي تعيدنا إلى (المربع الأول التي لا تشبه بالتأكيد مربّعات البوق خالد العبود) بتعزيز دور المؤسسة العسكرية التي نرفض، وركوبها على الحزب من جديد.. فرفضنا هذا (العمل الاستباقي) الذي لم نجد مرتسماته على الأرض ..

 ولمن لا يعرف فقد قطع الأسد : العسكري، المتمسك بالسلطة التي لم يحلم بأنه صار سيدها الوحيد، كل طرق الانقلابات التقليدية عبر تصفية وإبعاد جميع الضباط، ومن مستويات مختلفة، الذين يشكّ بولائهم المطلق له، أو بشبهة وجود نوايا لديهم، وقد لعبت المخابرات الجوية، والعسكرية بقيادة الثنائي : محمد الخولي، ومحمد ناصيف (إياه)، وعلي دوبا لاحقاً دوراً مهمة في غربلة الجيش وكبت أنفاسه، وزرع الرهبة والشك والحذر بين الجميع وكأنّ الجميع من كبار الضباط يكتبون تقاريراً بالجميع،وعيونهم على بعضهم، بينما كانت سرايا دفاع رفعت الأسد ومعه عدنان مخلوف، وكومة من المقرّبين، والوحدات الخاصة برسم علي حيدر تطوق العاصمة من جميع الجهات، وتحرس التلفزة والإذاعة(المكان الطبيعي للبيان رقم واحد) ووزارة الدفاع، وآمرية الطيران وكافة المواقع الاستراتيجية.. حيث بدا أي مشروع انقلابي مستحيلاً..خصوصاً والأسد في صعود، ويلقي الوعود والعطايا والشعارات في كل الاتجاهات.. وبعض الناس (تأملت خيراً به) في أن ينهي حكم البعث، ولو كان وجوده شكلياً لاقتران الاسم بالأحادية، والتشدد، وبالهزيمة الحزيرانية، ونفي الآخر، وإعدام الحريات الديمقراطية ......

 وعلى ذلك عمل على تسريح، وإبعاد جميع الضباط ( المحسوبين) على القيادة، ثم قام بحملات اعتقال متتالية لهم.. بينما لم تتقوف حكايا مشاريع الانقلابات الموعودة ..

 وفي واحدة من الدردشات مع أحد الأصدقاء، وكان ضابطاً في الجيش يروي حنقه على الأسد.. وأنه كاد ينفجر عندما رآه يمر أمامه أمام الجامع الأموي، وكانالصديق ضمن الحرس الذي يفترض أنه يحمي الأسد وهو في طريقه للصلاة بالجامع الأموي.. وأن صديقنا المزوّد بروسية فيها أربعين طلقة.... كاد أن يفور دمه و"يفرّغ المخزن بالمجرم"..

وتنهّد عميقاً، وأعرف أن كلامه يصدر عن صدق، وعن قلب محقون بالحقد على الطاغية.. لكنه لم يكن ينتظر ردّي وأنا أجيبه : ولم لم تفعلها؟؟...

 ارتبك لأنه فعلاً لم يكن يعرف جواباً، فقال بعفوية : وحدي ؟؟..قلت : نعم وحدك إن كنت مقتنعاً..

 قال : هذا كلام خطير يؤدي إلى حبل المشنقة ..

 قلت : وهل الحديث بالانقلابات وإسقاط النظم للتسلية؟، أم أنه من نفس العيار..؟، فارتبك.. ثم غمغم موافقاً ..

***

 وعلى ذكر الانقلابات وفشلها، وحكاويها.. يعرف من عاش تلك المرحلة أن القيادة الحزبية اتخذت أواخر العام 1968، وقد أسفر الأسد عن تكتله،وراح يطحش بقواه ويضغط، اتخذت قراراً بالمواجهة، وسلّحت الحزب واستنفرته لتنفيذ القرار..

 وعندما كنا ننتناقش نحن الشباب أيامها بالهدف من هذا الحشد الحزبي، وبوسائل تنفيذ القرار لم يكن يخطر على البال سوى أن القيادة تحضّر الأجواء لتحرك(ضباط الحزب) وتصفية التكتل بالقوة العسكرية التي يمكن أن يساندها الحزب المدني، وليس غيره وليس العكس.. وكنا نعرف أن الشهيد عبد الكريم الجندي : عضو القيادة القطرية، ورئيس مكتب الأمن القومي، وفارس فرسان القيادة.. يطرح تصفية حافط مباشرة، وأن ذلك ممكن وعبره..

 وعبر اختلاطات وتداخلات كثيرة.. وحكايا أكثر..قُتل، أو انتحر(كما هي الرواية الرسمية) عبد الكريم الجندي وجه الصبح..وبقي الأسد وزيراً للدفاع.. ثم قائد انقلاب التفحيح ..

 مراراً طرحت مع عشاق، أو دعاة الانقلاب العسكري .. فكرة تغيير الأسلوب.. باستهداف الرأس، لأن الوصول إليه قد يحقق المراد.. وكان الجميع يجمع أن النظام هو حافظ الأسد، وأن غيابه يعني فرط السبحة وتفتتها، ويعني مرحلة جديدة.. واستغربت أكثر من مرة لماذا لا يتجه هؤلاء نحو هذا الهدف بدل تلك الخسائر الكبيرة التي نجمت عن التفكير بانقلاب غسكري، عبر التسريح، والاعتقال وحتى اغتيال البعض تحت التعذيب، أو في السجون ؟؟..

 اليوم والحكايا كثيرة، والعيون تتطلع إلى يوم الخلاص من الطاغية، وشعار إسقاط النظام، بل إسقاط الرئيس.. يجوب الآفاق، والكل يعلم أن المتحكمين بالقرار، والجيش، والأجهزة كمشة من العائلة والحواشي..فلماذا لا يكون الخلاص بعملية جراحية صغيرة تريح البلد من الطغمة، وتفتح الطريق لمرحلة انتقالية محددة لتأسيس بنيان الدولة المدنية الديمقراطية ؟؟... سؤال برسم الذهن، والمعنيين جميعاً بهذا الشأن ..

---------***************---------

رمضان والثورة في سورية (6) موقعة عمورية.. نبيل شبيب

مداد القلم

الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله..

السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات.. في سورية وفي كل مكان.. مع يوم آخر من أيام رمضان من عام 1432ه.

لم تعد تعابير الاعتقالات التعسفية، والتعذيب الهمجي، والاختفاء القسري، والتقتيل على أيدي الشبيحة وسواهم من العناصر القمعية، والرصاص الحي، وقطع الماء والكهرباء ووسائل الاتصال وأسباب الحياة في المعيشة اليومية.. لم تعد هذه المفردات وحدها ما يتردّد ليل نهار في متابعة ما يجري على أرض سورية، على أرض مواجهة الثورة الشعبية البطولية، بل أضيفت إليها الدبابة.. تلك الآلة العسكرية الثقيلة.

أصبح من هذه المفردات وعصابات مسلّحة توصف بالنظام، النظامِ المستبد القمعي الفاسد.. بل أصبح من هذه المفردات أيضا كلمة دبابات.

وقد تبيّن لي أثناء مراجعة أحداث موقعة عمورية في التاريخ، أن كلمة دبابات ليست كلمة مستحدثة لوصف هذا السلاح الحديث نسبيا، المخصص عادة للحروب العسكرية بين جيش وجيش، وقد ازدادت أهميته في العلوم العسكرية منذ موقعة العلمين في الحرب العالمية الثانية، بل عرفت القواميس العسكرية قديما كلمة دبابات.. وكانت ممّا استخدمه المسلمون في موقعة عمورية، عندما كانت الدبابة هيكلا خشبيا متينا مسلّحا بالحديد، يختبئ في جوفه الجنود، ويُدفع بقوة باتجاه الأسوار المحيطة بحصون العدو، فيُحدث ثغرةً فيها، فيخرج الجنود ويقاتلون العدو وجها لوجه.

الدبابات التي تستخدمها اليوم فرقٌ تشكلت خصيصا للقمع وإن نُسبت إلى الجيش العربي السوري، لا تُحدث الثغرات في حصون العدو.. وإنما في جدران بيوت الآمنين في المدن، بل في المساجد أيضا، منذ بدأ استخدامها استبدادا وقمعا في هجوم القوات العسكرية لنظام الحكم القائم منذ 1963م، على مسجد السلطان في حماة والمسجد الأـموي في دمشق، بعد سنة واحدة من وصوله إلى التسلّط على سورية وشعبها.

...

موقعة عمورية التي نتحدث عنها اليوم موقعة جرت عام 838م أي قبل ألف ومائة وثلاث وسبعين سنة ميلادية.. أو في عام 223ه، وبدأت بحصار مدينة عمورية في مثل هذه الأيام من رمضان في ذلك العام، فهي من المواقع الشهيرة في التاريخ التي حققت الانتصارات في رمضان، كما كان في بدر والفتح والقادسية وعين جالوت وغيرها.

تقول كتب التاريخ إنها من أبرز المعارك بين المسلمين والبيزنطيين، وقعت في عهد المعتصم بالله، وكان سببَها اعتداءُ الإمبراطور البيزنطي، تيوفيل بن ميخائيل، على بعض الثغور والحصون على حدود الدولة الإسلامية، وحين بلغ المعتصم ما وقع للمسلمين في هذه المدن، وصيحةُ امرأة مسلمة وقعت في أسر الروم: وامعتصماه، أجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك، وجهز جيشاً ضخماً أرسله على وجه السرعة لإنقاذ المسلمين، ثم خرج بنفسه على رأس جيش كبير وفتح مدينة عمورية، وكانت من أعظم المدن البيزنطية آنذاك، بعد حصار استمرّ من السادس من رمضان حتى أواخر شوال عام 223ه.

...

وامعتصماه.. صرخة استغاثة لا تنطلق اليوم من فم امرأة مسلمة يتجرّأ عليها عدوّ أجنبي.. بل تنطلق من أفواه نساء سورية، في شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها، وهنّ يتعرّض للفتك الوحشي من نظام همجي، لا يعرف دينا ولا نسبا، ولا يراعي في الإنسان، جنس الإنسان، إلاّ ولا ذمّة..

وامعتصماه.. صرخات مدوّية من قلب سورية، قلب العروبة النابض، فتتجه الأنظار والأسماع إلى ما يمكن أن يقوله أو يصنعه في مجلس الأمن، الأمريكيون والروس، والفرنسيون والبريطانيون، والألمان والإيطاليون، وقد غاب عن الوجود مَن يعتبرون أنفسهم ملوكاً ورؤساء وأمراء وسلاطين، في اثنتين وعشرين دولة عربية وبضعة وخمسين دولة إسلامية.. فلا يصدر عنهم سوى بعض التصريحات المتفرقة في تركيا.. وتصريح يتيم في مصر مؤخرا، بينما يسود صمت القبور في كل مكان.

وامعتصماه.. تتردّد في درعا فيثور أهل دير الزور والبوكمال واللاذقية، تتردّد في بانياس فيثور أهل إدلب وحمص ودمشق، تتردّد في جسر الشغور، فيثور أهل دوما والمعضمية وداريا.. تنطلق في أنحاء سورية جميعا، ولا نكاد نرصد لها أصداء، حتى على مستوى الشعوب لا الحكام فقط، في شوارع المدن العربية ما بين الرباط والدوحة، أو شوارع المدن الإسلامية بين الدار البيضاء وجاكرتا..

وامعتصماه في سورية اليوم.. لا تذكّرنا بموقعة عمورية عندما كان لدولة العرب والمسلمين شأن في عالمهم وعصرهم، بل تذكرنا بأصحاب الأخدود.. وبصرخة أحدٌ أحد.. يتحدّى بها بلال الحبشي في الأغلال أدوات التعذيب في عصره، والصخرة الصماء على بطنه فوق لهيب رمال الرمضاء، ولقد تحوّل نداؤه هذا إلى شعار المسلمين يوم انتصارهم في بدر بعد سنوات معدودات.

وامعتصماه في سورية اليوم.. إعلانٌ لبداية جديدة، لمولد جديد، لأمة جديدة، لعصر جديد.. فلا ينبغي انتظار حاكم يدعى المعتصم، تتحرّك فيه النخوة والشهامة، فيتحرك وتتحرك الجيوش، ليقول فيه أبو تمام:

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ....... في حَدهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِد واللَّعِبِ

ويقول:

إنَّ الأُسُودَ أسودَ الغيلِ همَّتُها....... يَومَ الكَرِيهَةِ في المَسْلوب لا السَّلبِ

لا تنتظروا أيها الأبطال الأحرار الثائرون في سورية نصرة المعتصم، والنصرُ حليفكم رغم غياب المعتصم..

لا تنتظروا حتى ما يٌنشر من أنباء.. في الكتب أو الصحف أو عبر وسائل الإعلام الحديثة، ففي بعض الأقلام ما يسيل بالزور والتزوير خيانة لضحايا العدوان المتواصل على شعب سورية داخل أرضه، وليس نصرة لمن ينادي وامعتصماه..

لا تنتظروا إلا أسودكم أنتم في المساجد والساحات والشوارع والبيوت.. تكشف عورة الحاكم وهوانه، وتواجه بالصدور والحناجر العدوان الهمجي على إنسانية الإنسان في بلدكم.. وفي عالمكم وعصركم..

وامعتصماه.. في سورية.. تدين صمت الصامتين وتزويرَ الحق على بعض الألسنة وعبر بعض الأقلام.. وتعلن في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، أنّها إيذان بانتصار الحق على الباطل، والعدالة على الظلم، والإنسان على همجية حاكم خرج من التاريخ، ولا بدّ أن يمضي إلى حيث مضى فرعون والنمرود.. وقد يكون مصيره قريبا، أسوأ وأقبح من مصير بعض معاصريه، كمن أصبح اليوم في قفص المحاكمة على ما ارتكب بحق شعبه في مصر.

...

ليس نداء وامعتصماه في سورية اليوم نداء استغاثة بحاكم من حكام العرب والمسلمين، بل هو الدعاء الموجّه إلى رب العالمين، ربّ هؤلاء الحكام جميعاً..

ومن توجه إلى الله فاللهُ حسبه..

اللهم يا من تكرمت على عبادك فجعلت دعوة الصائم لا تردّ..

اللهم يا من تكرّمت على عبادك فجعلت دعوة المظلوم لا تردّ..

نسألك لأهل سورية ولسائر الشعوب والأمم نصرة الحق على الباطل.. إن الباطل كان زهوقاَ..

والسلام عليكم ورحمة الله.

---------***************---------

نحن أيضاً... صمتنا يقتلنا .. د. حسن حنفي

تاريخ النشر: السبت 13 أغسطس 2011

الاتحاد

كان الشعار في إحدى الجُمعات الماضية في سوريا "صمتكم يقتلنا". وهي وخزة ضمير أيقظت فينا ما نشعر به وما لا نعبر عنه. ونستطيع أن نقول "ونحن أيضاً، صمتنا يقتلنا". وفي الوقت نفسه "صمتنا يقتلكم" لأنه يعني استمرار المذبحة في سوريا قلب العروبة النابض، وكأننا لم نعد شعباً عربيّاً واحداً. وقد وصل سوريا الربيع العربي من تونس إلى مصر، إلى ليبيا إلى اليمن إلى سوريا بعد أن ظن الناس أن النظام الحديدي السوري شبه المقدس لا يمكن تحديه أو تغييره أو الثورة عليه. ولما عُرف الشعب العربي بالكلام وبفن الخطاب وبأساليب البلاغة، حكاماً ومحكومين إلا أنه توقف هذه المرة وتحول إلى صمت مطبق. فالمقدس مقدس! وما لا يمكن لمسه أو حتى النظر إليه يظل كذلك أمام الصوت العربي. وأصبح الدم العربي السوري يسيل كل يوم واللسان العربي صامت، مقطوع من جذوره. لا تكفي مؤتمرات المعارضة في الخارج أو حتى في الداخل بل السؤال: أين "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة"؟ أين الربيع العربي على مستوى الكلام بعد أن ظهر على مستوى الفعل؟ أصبحت سوريا ذبيحة وضحية أمامنا كل يوم ولا تحرك الدماء فينا اللسان، وقد تدخل الله سبحانه وتعالى لإنقاذ إسماعيل من الذبح (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).

هل لأن سوريا قد تلحفت بأسطورة الممانعة واحتلال الجولان قائم منذ 1967 لم يتحرك إلا بزحزحته عن القنيطرة لتمرير كامب ديفيد؟ والجبهة السورية الإسرائيلية هادئة، والعائلات تتكلم عبر الأسلاك الشائكة. ولم تنتفض إلا أخيراً بعد الربيع العربي مما دفع إسرائيل إلى بناء سور إسمنتي شبيه بالسور بينها وبين الضفة الغربية. والمستوطنات الإسرائيلية تزيد في الجولان يوماً وراء يوم، والشعب السوري فيها ما زال متمسكاً بالوطن الأم. هل لأن سوريا قد تلحفت بأسطورة مناهضة أميركا وخططها في المنطقة وهي تحاورها وتدعوها للتوسط بينها وبين إسرائيل وتعمل على عودة العلاقات الطبيعية معها بتبادل الزيارات حتى تبادل السفراء؟ هل لأنها تدعم خيار المقاومة، وتفتح ذراعيها ل"حماس" في مقابل فتح مصر ذراعيها ل"فتح"؟ كان صوت المقاومة عاليّاً في دمشق. وإسرائيل مطمئنة على مدى أربعة عقود على هدوء الجبهة السورية على عكس الجبهات اللبنانية والأردنية والفلسطينية. هل لأنها الطريق لمد "حزب الله" بالسلاح من إيران؟ ولكن "حزب الله" يأتيه السلاح أيضاً عن طريق البحر وليس المنفذ السوري هو الطريق الوحيد. والنتيجة مناصرة إيران للنظام على حساب الشعب، دفاعاً عن مصالحها وآثارها في المنطقة العربية أكثر من دفاعها عن الشعب العربي وحريته. ربما لأننا لم نتصور ولم نتعود على نقد سوريا. فسوريا هي المحراب. نشأت فيها القومية العربية، وبها قامت الثورات العربية. ولدمشق أنشد شوقي "وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ".

وينتظر العرب ماذا يفعل الغرب؟ وينقد الاتحاد الأوروبي لماذا تأخر عن إدانة المذبحة ولماذا لم يأخذ مواقف عملية لوقفها في حين فعل ذلك بليبيا وأطلق عليها طائرات حلف شمال الأطلسي؟ وينقدون الولايات المتحدة الأميركية على تباطئها في إدانة النظام السوري وصمتها أولًا ثم تحركها بالكلام ثانيّاً دون أن تفعل شيئاً لإيقاف المذبحة. ويعاتبون الأمم المتحدة لأنها لم تجتمع حتى الآن لأخذ موقف من جرائم النظام السوري التي تصل إلى حد جرائم ضد الإنسانية، والتي تقع تحت قانون العقوبات وجرائم الحرب ومحكمة الجنايات الدولية. وهل تكفي المقاطعة الاقتصادية أو منع كبار المسؤولين من السفر أو من التصرف في أموالهم المهربة إلى الخارج؟ وهل يكفي رفع الصوت والإدانة والتهديد باللجوء إلى الأمم المتحدة والنساء والأطفال والشيوخ والشباب يذبحون كل يوم، تدكهم الدبابات والمدافع وتطلق عليهم النار، وتهدم المنازل، وتعتقل الناشطين، والمظاهرات سلمية تواجه السلاح بالهتاف، وطلقات الرصاص بصوت الحناجر؟

وظهر أبشع ما في الإنسان منذ أن قتل أخاه الإنسان. وتكونت فرق "الشبيحة" المسلحة للعدوان على المدنيين بإطلاق الرصاص وبالسلاح الأبيض وبالضرب والتكتيف والاعتقال والتعذيب، وجر المواطنين بالحبال من الأعناق، وسحلهم فوق الأرض، والرقص فوقهم وهم مقيدو الأيدي وراء الظهر. فماذا يفعل المواطن بأخيه المواطن؟ ويستيقظ ضمير البعض فينشق على فرقته وقادته. ويكون جزاؤه القتل من الرفاق لعصيانه الأوامر. والنداء إلى الجيش السوري أن يتقدم كما فعل منذ أواخر الأربعينيات وبدأ ثورات الجيوش العربية منذ 1949 وقبل يوليو 1952 في مصر. وكيف يصبح المواطن السوري الشاعر الفنان، خليفة أبي العلاء المعري في معرة النعمان، قاتلًا أو مقتولاً؟ هل الطائفية هي السبب في ذلك؟ والمظاهرات وطنية وليست طائفية، تضم كل الطوائف والأجناس مطالبة بالحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والمجتمع المدني. هل حكم العائلة هو السبب؟ فما زالت عائلة واحدة هي التي تحكم سوريا منذ أربعة عقود. وتحول الحكم الجمهوري إلى وراثية ملكية وتغير الدستور لهذا الغرض، ولا فرق بين الأب والابن. هل هو حكم رجال الأعمال الذين يدافعون عن الثروة وأساليب الفساد وتهريب الأموال؟ وهم معروفون بالاسم وبحجم الثروات. أم هو هذا كله معاً، العائلة والطائفة والقبيلة والشلة ورجال الأعمال، يدافعون عن مصالحهم؟ وبالتالي فالثورة ضد نظام قديم من أجل تأسيس نظام جديد.

إن ثورة الجماهير العربية السورية تعلن عن نهاية النظام الأمني وبداية النظام المدني، ونهاية دولة الاستخبارات وبداية دولة الوطن والمواطنة، ونهاية نظام الفرد الواحد، والوراثة في جمهورية من الأب إلى الابن، والعائلة، الأخ والصديق، وبداية نظام الشعوب الحرة التي تختار نظامها السياسي الديمقراطي. لقد تأخر العرب في فترة النصف قرن الأخيرة وتحرروا من الاستعمار في الخارج كي يبدأ القهر في الداخل، وتتحول الدولة الوطنية إلى الدولة الأمنية، ودولة الزعيم الأوحد إلى دولة الشعب المتعدد الطوائف والأعراق.

والتاريخ لا يسير إلى الوراء. وما بدأ يستمر. والشعب قد اكتسب مناعته، وكسر حاجز الخوف. وتعلم كيف يثور، وكيف يسقط الشهداء كل يوم. لقد امتدت الثورة الشعبية العربية من تونس ومصر، ومن ليبيا واليمن إلى الجمهورية العربية السورية.

صحيح أن كلًا منا مشغول بهمه، وأن ما فيه يكفيه، ومع ذلك سوريا في قلب كل مواطن عربي ليس كنظام سياسي أو دولة بل كصورة أو خيال. هي من بلاد الشام التي بها سرى النبي، صلى الله عليه وسلم، ومراقد الصحابة والشعراء. إن سوريا في القلب وإن صمت اللسان، وعجزت اليد. وهي قادرة وحدها على تحقيق الانتصار. ساعتها ترتفع الحناجر، وتكثر الخطب دونما حاجة إليها. فالخطاب العربي ما زال يأتي بعد الحدث وليس قبله صانعاً له. يأتي مهنئاً وليس مبادراً. واللسان العربي يصمت حين يجب الكلام. ويتكلم حين يجب الصمت. ونحن العرب يقتلنا صمتنا كما يقتل الآخرين. بل إن المثقفين العرب الذين طالما زاروا سوريا في مهرجاناتها الثقافية والفنية أيضاً صامتون. وربما من هول الصدمة يصمت آخرون. فماذا يقولون؟ فعذراً شعب سوريا على صمتنا الذي يقتلكم فأفعالكم تحييكم. ولا عذر لنا في صمتنا الذي يقتلنا ويقتل غيرنا، ولكن أفعالنا تحركنا في الشوارع والميادين. اصمدي يا سوريا سواء عم الصمت أو علا الصراخ.

---------***************---------

السياسة الروسية والسلطة السورية .. حسين العودات

التاريخ: 13 أغسطس 2011

البيان

يبدو أن السياسة الروسية تشبه الدب الروسي الذي يتصف بأنه بطيء رد الفعل وصبور ويحتمل الاستفزازات لكنه عندما يبدأ رد فعله يحطم الأخضر واليابس ولا يستثني شيئاً، ويكاد المشاهد يندهش من وضعيته قبل رد الفعل البليدة المتخاذلة وبعدها تلك السريعة النارية.

لعل هذا هو موقف السياسة الروسية تجاه الأحداث في سورية طوال الأشهر الخمسة الماضية. حيث استمرت هذه السياسة في مهادنتها للسلطة السورية منذ بدء الأحداث، وكانت تصر على تبني السياسة السورية وخاصة القول بوجود عصابات مسلحة ومندسين وسلفيين وعملاء للخارج، وتقول إن الرئيس الأسد بدأ الإصلاحات وفي نفس الوقت منعت السياسة الروسية مجلس الأمن الدولي من اتخاذ أي قرار إدانة أو شجب أو حتى لوم للسلطة السورية أو مطالبتها بعدم استعمال القوة المفرطة ضد المحتجين والمتظاهرين رغم المحاولات الأميركية والأوروبية الحثيثة والكثيفة والمتكررة.

وفي الأسبوع الماضي ودفعة واحدة وافقت السياسة الروسية على صدور بيان من رئيس مجلس الأمن يستنكر سياسة السلطة السورية تجاه مظاهرات الاحتجاج وتجاه شعبها، ويطالبها بوقف العنف، ويكلف الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تقرير خلال أسبوع من تاريخ صدور القرار إلى مجلس الأمن عن مدى استجابة الحكومة السورية لمعطيات البيان، وبعد يوم واحد من قرار مجلس الأمن صرح الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف (أن الأسد يحتاج إلى تنفيذ إصلاحات بصورة عاجلة والتصالح مع المعارضة واستعادة السلام وإقامة دولة حديثة وإذا لم يفعل ذلك فسيواجه مصيراً حزيناً).

من الملاحظ أن هذا الموقف بعيد نسبياً عن تقاليد التخاطب بين رؤساء الدول، بل وبين الدبلوماسيين، ولا يختلف عن موقف سياسة الإدارة الأميركية إلا بأن الأخيرة اعتبرت الرئيس الأسد لم تعد له الشرعية اللازمة ويمكن الاستغناء عنه وأن وضع المنطقة سيكون أفضل بدونه، وقد تسرب أن اتفاقاً أميركياً روسياً عُقد حول موقف مجلس الأمن من السلطة السورية تضمن أن تقوم روسيا بإنذار الرئيس الأسد خلال أسبوع كي يوقف العنف ويبدأ إصلاحات حقيقية مقابل أن لا يتخذ مجلس الأمن قراراً بهذا الشأن ويكتفي ببيان رئاسي، ولذلك كانت الفقرة الأخيرة من البيان تنص على مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير إلى مجلس الأمن خلال سبعة أيام يبين مدى استجابة الحكومة السورية إلى مطالب المجلس، وقد رشح أن روسيا أنذرت السلطة السورية فعلاً بهذا الموقف الجديد.

ترى أوساط دبلوماسية في دمشق أن الموقف الروسي الداعم لممارسات السلطة السورية وسياساتها يعود لأسباب (براغماتية)، منها وعد إيران لروسيا بشراء أسلحة روسية لصالح سورية بملياري دولار، فضلاً عن الضغوط الإيرانية الدبلوماسية والاقتصادية إضافة إلى أن السياسة الروسية كانت تتطلع إلى تطور العلاقات الاقتصادية مع سورية وتأخذ في اعتبارها خاصة الخدمات البحرية التي تقدمها سورية لأسطولها العسكري وتسهيل تواجدها في المياه الدافئة وغير ذلك. ويرون أن هذه هي الأسباب التي جعلت الموقف الروسي متواضعاً بشدته تجاه الممارسات السورية، أما أسباب موقفها في الأسبوع الأخير وموافقتها على قرار مجلس الأمن وتصريحات الرئيس الروسي ميدفيديف المتشددة واحتمال موافقتها على أن يُقر المجلس في جلساته المقبلة عقوبات ضد السلطة السورية فإن هذا يعود لأسباب عديدة منها أسباب داخلية .

حيث تعاظم نقد الصحف الروسية لسياسة بلادها في هذا الأمر وتكررت إشاراتها إلى الصداقة التاريخية بين الشعبين الروسي والسوري ومطالبتها حكومتها باتخاذ موقف آخر أكثر تصلباً وردعاً، فضلاً عن مواقف أوساط المجتمع المدني الروسي والأحزاب السياسية المماثل لموقف الصحف، وعلى النطاق الدولي يقال إنه قد تم التوصل إلى اتفاق أميركي روسي تساعد فيه الإدارة الأميركية السياسة الروسية جزئياً في جورجيا وأوكرانيا مقابل تغيير الموقف الروسي من الأحداث السورية.

يتوقع المراقبون أن يكون للموقف الروسي تجاه السياسة السورية الداخلية تأثيراً كبيراً، ذلك أن روسيا هي المورّد الوحيد للأسلحة وقطع التبديل إلى سورية، ومازال الجيش السوري يتبنى العقيدة الروسية في القتال، إضافة إلى تسلحه الكامل بالسلاح الروسي، وقد زودت روسيا سورية في السنوات الأخيرة بصواريخ أرض-أرض دفاعية قصيرة المدى قادرة على ردع إسرائيل، ويقال إنها زودتها بصواريخ بعيدة المدى. وطالما كانت سورية دائماً، وحتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تستقوي عسكرياً بروسيا، مما كان يعمّق الحذر لدى إسرائيل.

هذا إضافة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين فروسيا هي التي بنت المشاريع الكبرى في سورية كسد الفرات والسكك الحديدية والعديد من المشاريع. ومن هنا يأخذ الموقف الروسي أهميته، إلا إذا كانت السلطة السورية قد أحرقت سفنها وسافرت في طريق اللاعودة داخلياً وخارجياً، وهذا ما يتوقعه قسم كبير من المراقبين، منطلقين من أن السياسة السورية لم تتراجع قيد أنملة عن ممارساتها خلال الأشهر الخمسة الماضية، ولم تهتم لا بالرأي العام الدولي ولا بالعقوبات الدولية.

يغلق الموقف الروسي الجديد الطوق حول سياسة السلطة السورية الذي رسمته المواقف الأميركية والأوروبية والتركية وموقف دول مجلس التعاون الخليجي، وأخيراً موقف الجامعة العربية، ولا شك أن السلطة السورية لم تكن سعيدة بهذا الموقف ولا بالمواقف الأخرى، إلا أنها كما يبدو تؤمن بقدرتها على مواجهة هذه المواقف كلها والتغلب عليها.

---------***************---------

تكلم السوريون فرآهم العالم .. غالية قباني *

الجمعة, 12 أغسطس 2011

الحياة

صار للشعب السوري حضور عندما تكلم، وباتت له أسماء واضحة بعد أن كانت بعيدة مرمية خلف غلالة اسم الحاكم وأسماء بطانته. كل يوم ومنذ قرابة الشهور الخمسة تبرز أسماء السوريين، أفراداً، شهداء ومعتقلين، شهود عيان ومعلقين، لا تنتهي الأسماء وهي تولد بروح جديدة منذ الانطلاقة الأولى للتغيير، وباتت مسموعة مقروءة مرئية مع أصحابها.

لقد حكى الشعب السوري بعد صمت عقود، فرآه العالم، أخيراً. نعم، الشعب السوري كان غائباً مغيّباً، تم تحويله إلى كتلة مسمطة ألهاها التكاثر فما عادت تظهر إلا كرقم تعداد سكاني في بيانات الإحصاء، علها في التكاثر تعوّض القتلى والمفقودين في سجون القهر، تنسى همّها أو تنسى خوفها من تكرار مجازر أخرى وتكميم أفواه الأجيال اللاحقة.

يتعلم الفرد قمع نفسه بعد أن يتم تدريبه في المجتمع على ذلك، في البيت والمدرسة والإعلام، وفي سورية كان الحزب يلقم الكلام البديل الجاهز المعلّب من شعارات وخطابات وهتافات ورأي في القضايا والأحداث الداخلية والإقليمية والعالمية، لا يجوز للأفراد تجاوزها، فرأي الحزب وكلام القائد يحلان محل التفكير الحرّ. لذا، رأينا السوريين في عامتهم في بداية هذا الحراك متلعثمين لا يدرون ما يجب أن يقال في مواقف نقد السلطة، لقد نسوا خلال أربعة عقود ونيف كيف يجادلون ويتجادلون، كيف يرتبون أفكارهم وهم يتحدثون عن قضاياهم وكيف يعترضون أمام الحاكم.

لن تندهش إن رأيتهم الآن في بعض مؤتمراتهم وملتقياتهم يتصارخون لا يسمعون إلا أصواتهم، كانوا مخطوفين في قبو افتراضي معتم تمرر لهم فيه المصطلحات والعبارات والمعاني، والخطاب الذي لا يجب أن يخرجوا عنه، والقاموس الذي يجب أن يغرفوا من مصطلحاته.

أي قبو لم يتحرر منه الأغلبية فحملوه في دواخلهم إلى المهاجر والمنافي، فإن تجمعوا رددوا ما تم تلقينهم إياه من بنية ذهنية، يفرغونها من المفردات ليضعوا بدلاً منها مفردات أخرى من غير أن يغيروا منطقها. وإن اختلفوا استعاروا من ذلك القاموس ليعبروا عن تناقضاهم. لغو هو وليس كلاماً كاشفاً مانحاً الهوية الحقيقية، أو الهوية التي يمكن أن يكونوا عليها لو تحرروا من عتمة ذلك القبو.

حتى الغناء السياسي لم ينتعش في سورية لأنه قول لا يتماشى مع خطاب الأخ الأكبر، ولم تنتعش في سورية ظاهرة مثل ظاهرة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم والمجموعات التي ازدهرت في مصر والمغرب مثلاً، لأن السلطة احتقرت العامية لغة الوجدان والتواصل الحقيقي الصادق بين البشر، كما احتقرت اللغات الأخرى في سورية من خارج العربية الفصحى التي يدبج فيها القائد خطاباته والبعث أدبياته.

وتربى الأفراد على هذا الاحتقار في لاوعيهم، وربما يفسر هذا ضعف إنتاج الأغنية السورية أيضاً، ولم تحمل السلطة إلى اللغة الفصحى أي إبداع، بل قهرتها هي الأخرى لتصبح لغة مفرغة إنشائية لا تقول شيئاً مهماً غير التكرار الذي يحيل إلى الولاء المطلق.

«تكلم لكي أراك»... عبارة عميقة المعنى استفز فيها الفيلسوف الإغريقي سقراط قبل أكثر من ألفي سنة واحداً صامتاً وخجولاً من تلامذته في الدرس، قالها له لكي يعرف بما يفكر. التعبير عن الرأي يحدد هوية الإنسان ويجعله منظوراً ملفتاً للانتباه في وسطه. لولا الكلام الذي يترجم ما يدور في النفس، لن يحدث حوار بين البشر ولن تزدهر المجتمعات ولن يتقدم الأفراد. تقدم البشر عندما حولوا أصواتهم المبهمة إلى مفردات ثم إلى جمل كاملة منطوقة، وحققوا قفزة أكبر عندما توصلوا إلى اختراع الحرف الذي سيكتبون فيه ويتواصلون ويمررون من خلاله أفكارهم. بذلك يكون الكلام منطوقاً أو مكتوباً صورة من صور الحضور في هذا العالم.

غاب السوريون عن العالم، إلا عن بضعة مبدعين في المهن والكتابة. صمتوا مثل ذلك التلميذ الخجول المتردد في الحكي، غير أن تلعثمهم في الكلام الحرّ لسبب أن ألسنتهم ربطت منذ الولادة، فكان القول قول السلطان، لا يضاف إليه ولا ينتقص منه. غيّبوا الكلام الحقيقي لمصلحة كلام ناجز، لم يتكلموا لكي يراهم أحد، فلا أبدعوا حواراً رأسياً مع السلطة ولا تبادلوا كلاماً أفقياً مع بعضهم بعضاً. من تجرأ وتكلم من نخبة مثقفة مسيّسة ذاق من العقاب ما لا تقبله مدنية أو حتى إنسانية بسيطة.

ثم حضر الشعب منذ منتصف آذار (مارس) الماضي عندما انتفض على الظلم، دفع ثمناً باهظاً مقابل أن يراه العالم، ومثال مغني الثورة إبرهيم القاشوش مثال غير أوحد يُبنى عليه ما لا يعد من أمثلة، المغني الذي اقتلعت حنجرته لأنه كتب ولحن أغنية كسر فيها كل التابوات دفعة واحدة، تكلم فرآه الناس، قال كلاماً كسر المحرمات كلها، بلهجة بسيطة يحكيها الناس يومياً حتى صارت الأغنية الأكثر ترديداً في كل التظاهرات داخل البلاد وخارجها.

تكلم السوريون، ابتدعوا الشعارات والهتافات والأغاني، صارت لهم أسماء كثيرة تعرّف بهم كشعب في مقابل سيطرة الاسم الأوحد والمطلق للحاكم، ظهرت أسماء المعتقلين، المتظاهرين، الجرحى، الشهداء، المغنين، قادة تظاهرات والموقعين على بيانات. ظهرت أسماء قراهم وبلداتهم وحواريهم ومدنهم المغيبة لمصلحة العاصمة الحاكمة. لم يعد السوريون مجرد رقم وكتلة مجهولة تحسب على بلد مختطف منذ أكثر من أربعة عقود.

ذهبت عبارة سقراط لتلميذه مثلاً في التاريخ عن سلبية الصمت وأهمية الكلام بعلنية، كي يكون للمرء حضور يراه الآخرون من خلاله. الغريب أن التلاميذ في الحالة السورية، المراهقين الصغار والشباب، هم الذين طلبوا من المعلمين، الجيل الذي هرم روحاً وذهنية، أن يتكلموا، حرضوهم بأن كتبوها بالخط العريض الواضح والمباشر على الجدران، ليراهم الوطن بأكمله، بل ليراهم العالم.

* كاتبة سورية

---------***************---------

نحو قيادة إبداعية للثورة السورية .. ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

نشر : 12/08/2011

تفجرت الثورة في سورية عفوا، بدون سابق تخطيط وتنظيم وإن اعتمدت على تراكم من التضحيات. واستفادت من ثورة الاتصالات في إبداع قيادات ميدانية تتواصل بشكل "شبكي" لا هرمي، يحكمها مزاج عام لا قرارات واحدة. ومن حسن حظ الثورة أنها بلا خميني يفرض عليها تصوراته ويطبعها بطابعه، بل هي ثورة الشعب بكل ألوانه.

بعد كل هذه التضحيات، على المعارضة السورية في الداخل والخارج أن تبدع مؤسسة قيادة جديدة تليق بحجم تضحيات الشعب السوري البطل، تكون مؤهلة لقيادة البلاد في مرحلة انتقالية. في سورية اليوم آلاف من القادة الشباب، أطفال درعا الذين فجروا الثورة قادة فضلا عن وقودها اليومي من خيرة شباب سورية. وفي الخارج مثلهم ممن شردوا خارج وطنهم، سواء من شابوا في الخارج أو ولدوا بعيدا عن ديارهم.

على المعارضة في الخارج أن تكون بمستوى تضحيات الشعب السوري. وهي ليست بحاجة إلى قيادة تاريخية ملهمة، تحتاج قيادة عادية مؤقتة تعبر المرحلة الانتقالية بأمان، وبعدها يختار الشعب السوري ككل شعوب العالم من يحكمه أربع سنوات، لا يحكمه إلى الأبد.

ليست مناسبة للتنافس على مكاسب ضيقة، بل لحظة التنافس في التضحية، وفي شباب سورية الذين يتسابقون على الشهادة أسوة حسنة. النصر قريب، وباختيار قيادة إبداعية يكون أقرب.

لا نعدم رموزا محترمة يختار واحد منها. ولا يستثنى هنا غير من كان له سجل فساد أو إجرام مثل عبدالحليم خدام ورفعت الأسد. هنا نحتاج شيبة يوازن مع كفة الشباب الراجحة، مثل هيثم المالح أو برهان غليون أو عصام العطار. وإن غاب الأخير عن وسائل الإعلام فهو تجسيد لقيم التضحية والتسامح في آن؛ كتبت عنه قبل سنوات عندما عفا عن قاتل زوجته بعد انتهاء مدة السجن للحق العام: "عفا عن قاتل زوجته بنان الطنطاوي بعد أن اعتقلته السلطات الألمانية. عفا وهو المبعد من بلاده منذ عقود. كانت فرصة ذهبية للانتقام. فالقاتل، وهو من المخابرات السورية، جاء ليصفي العائلة المقيمة في "آخن" كاملة، فلم يجد إلا الزوجة العزلاء فقتلها بدم بارد. وبنان هي ابنة أديب الشام العلامة علي الطنطاوي الذي توفي ودفن في مكة غريبا عن وطنه الذي أبعد عنه أيضا". سورية أحوج ما تكون إلى قيادة تتحلى بمثل هذا السمو الروحي وسط هذا الجو الوحشي البدائي. ومن يذهب ليقتل امرأة وأطفالها في ألمانيا ماذا سيفعل بمن تحت يده؟

وشخصية العطار لا تحتاج برهانا على ديمقراطيتها فكرا وممارسة. خطب العطار بعد انقلاب البعث في جامعة دمشق العام 1963، في نبوءة تصف اللحظة الراهنة "إنّني أُعلن لكم، ولشعبنا كله، بغاية الصراحة والوضوح، رفضيَ لهذا الانقلاب، ولأيّ حكم ديكتاتوريّ عسكريّ أو مدنيّ ينشأ عنه، واستمساكي بالحكم الديمقراطي الدستوري. وأقول لأصحاب الانقلاب القائم ومَنْ وراءهم، ولكل مواطن عاقل شريف: إنّ الذين يسلبون شعوبهم حريّتها وإرادتَها وقرارَها يسلبونَها روحَها وحياتَها وكرامَتها وقدرتَها على التحرّر والتقدّم وبناء أيّ مستقبلٍ كريم، ويقتلونَها، ويقتلون حاضرَها ومستقبلها، وإن ادّعَوْا -واهمين أو كاذبين مخادعين- أنهم يُريدون لها الحياة".

أي واحد من الثلاثة أو غيرهم، سيكون أفضل بما لا يقاس من حكم بشار. المهم أن لا يترك فراغ قيادي تملؤه الفوضى.

---------***************---------

حزب الله يريدنا أن نتجاهل مشاعرنا الإنسانية تجاه أهلنا في سوريا .. حسان القطب

الجمعة 12 آب 2011

المصدر: موقع بيروت أوبزرفر

منذ أن بدا تحرك الأقلية الشيعية في دولة البحرين ضد الدولة البحرينية وإعلام حزب الله يمارس حملة تحريض واسعة ضد دولة البحرين، واستنفر جمهوره للقيام بتظاهرة مؤيدة لشيعة البحرين، وطبعاً كان لا بد من تزيين التظاهرة ببعض العمائم السنية التي تتلقى رواتبها من حزب الله ومؤسساته الرديفة في لبنان، وذلك حين نشر الإعلام اللبناني ما يلي:( "حزب الله" ولقاء الأحزاب يدعوان لاعتصام أمام الاسكوا نصرة للبحرينيين )...كما دأب هذا الإعلام على نشر مقالات وتحليلات ومعلومات ودعوات مناهضة لنظام البحرين وهي دولة شقيقة وتحتضن العديد من العائلات اللبنانية العاملة في مملكة البحرين الشقيقة، ولم يعتبر حزب الله أن ما يجري في البحرين هو شأن داخلي وأن لا علاقة لنا نحن في لبنان بهذا الأمر بل اعتبر إعلامه وسياسيه وقادته أن المعركة معركتهم وتدخل نصرالله مباشرةً في الشأن البحريني مما استدعى وقف الرحلات الجوية من البحرين وإليها.. فقد خصص إعلام حزب الله جزءاً من منظومته الإعلامية لخدمة الأقلية الشيعية في البحرين، ولم يعتبر قادة هذا الحزب أن هذه الحملة هي لخدمة مشروع مذهبي طائفي يمتد من لبنان إلى العراق والبحرين انطلاقا من إيران.. أما أن يتظاهر جمهور لبناني واسع الانتماء ومتعدد المذاهب والطوائف في ساحة الشهداء تأييداً لشعب سوريا المظلوم الذي يشاهد العالم أجمع حجم الإجرام الرسمي الذي يمارسه النظام السوري بحق شعبه، فهو تحرك مذهبي وعندما يتحدث حزب الله عن هذا الأمر فإنما يقصد الطائفة الإسلامية السنية في لبنان باعتبارها حجر العثرة الأساسي أمام استكمال مشروعه في السيطرة على لبنان ومقدراته وأجهزته الرسمية.. بشار الأسد يعترف بارتكاب الأخطاء في معالجة المشكلة الداخلية ومندوب البرازيل الذي جاء إلى سوريا موفداً من الأمم المتحدة قال: «هناك تناقض بين الإصلاحات التي وعد بها الرئيس والعنف الممارس في الشارع. الحكومة تقول: إنها قوى غير نظامية مسلحة، ولكن انتشار الدبابات في المدن وإطلاق النار عشوائيا أمور ليست مقبولة».مع ذلك لا زال إعلام حزب الله وحركة أمل الشيعيين يتحدثان عن عصابات ومسلحين وتهريب سلاح ومندسين، وصراع طائفي ومذهبي وسوى ذلك من العبارات والشعارات غير الواقعية، وعندما يتهم قادة حزب الله المعممين والمرتبطين بمشروع ولاية الفقيه في إيران القوى اللبنانية والسورية وغيرها بالفكر الديني والتحريض المذهبي، يظن المرء أن حزب الله هو حزب علماني لا ديني..؟؟

فقد نشر موقع إعلامي قريب من حزب الله مقالاً تحت عنوان: تظاهرات صلاة التراويح في طرابلس: (بداية التصعيد المذهبي ل" المستقبل").. فقد أصبح تيار المستقبل الذي يضم في صفوفه علمانيين كثر، حزباً مذهبياً يحرض على الفتنة، وأصبح التحرك الشعبي المؤيد لمطالب الشعب السوري في الحرية الكرامة وتداول السلطة مطلباً فئوياً مذهبياً، في حين أن التظاهر تأييداً للأقلية البحرينية الشيعية قمة الممارسة الديمقراطية غير المذهبية وغير الطائفية.. تناقض ما بعده تناقض، ربما افترض حزب الله انه في حال استصرح بعض المعممين من السنة المرتبطين بمشروعه وبتمويله وبالتالي بسياساته يعطيه الحرية والحق في إضفاء الألقاب والتوصيفات التي يريد على هذه الثورة أو تلك..وبعيداً عن هذا التوصيف ألا يرى قادة حزب الله في المشاهد المروعة التي تنشر عن الجرائم التي يرتكبها جيش الأسد في سوريا بحق المتظاهرين ما يستحق الإدانة والاستنكار أو على الأقل توجيه النصيحة لهذا الديكتاتور بأن يكون أكثر رحمةً بشعبه..؟؟ وأكثر شدةً وبأساً مع من يحتل أرضه منذ ما يقرب من 50 عاماً دون أن يحرك ساكناً..؟؟ فقد ورد في مقال تم نشره ما يلي: (منذ انطلاق الاضطرابات في سوريا، والساحة اللبنانية تحفل بفعاليات ونشاطات مشبوهة لتزكية هذه الاضطرابات وتحويلها إلى انفجار كبير يحرق سوريا ولبنان والمنطقة، فكان تهريب الأسلحة، وكانت الخطب التحريضية، وكان افتعال أزمة النازحين، واليوم صلاة التراويح)..فالتظاهر السلمي في سوريا اضطرابات وليس تظاهر أو على الأقل تعبير عن رفض واقع معين والمطالبة بتغييره..؟ أما في البحرين فهي ثورة وانتفاضة..؟؟ أما قضية تهريب الأسلحة من لبنان إلى سوريا التي يتحدث عنها حزب الله، فهي معكوسة تماماً كان أجدى بحزب الله أن يحدثنا عن كيفية تهريبه الأسلحة، أو بالأحرى نقلها من سوريا إلى لبنان بكميات وافرة ولمختلف أنواع الأسلحة، برعاية سورية رسمية وبغض طرف محلي.؟؟ الحديث عن تهريب الأسلحة من لبنان إلى سوريا هو بهدف تبرير القتل العشوائي الذي يمارس ضد المتظاهرين السوريين ولتبرير تصرف ما يتم التحضير له في لبنان على غرار ما جرى في السابع من أيار/مايو من عام 2008، على يد ميليشيات حزب الله وأتباعه وحلفائه وبشكل خاص حركة أمل والحزب السوري القومي..

2600، شهيد سوري سقطوا على يد الأمن والجيش السوري ومع ذلك يطلب منا حزب الله ونبيه بري أن لا نعبر عن رفضنا واستنكارنا لهذا الإجرام تحت طائلة التهديد بالمذهبية والطائفية..؟؟ ترى لماذا لا يكون تأييدهم للنظام السوري هو تصرف وممارسة مذهبية وطائفية بامتياز، وأن هذا هو واقع التحالف الحقيقي بينهما والترابط الواقعي بين مشروع النظام السوري وحزب الله وحلفائه في لبنان وفي سوريا على حد سواء ومن الذي لا يدأب يكتب ويروج عبر إعلامه عن خوف الأقليات في المنطقة من قادم الأيام في حال سقط النظام السوري الحالي الذي لم يراع يوماً بل لم يحترم أقلية أو أكثرية..؟؟ وإلا لماذا هذه الاستماتة في الدفاع عن نظام سوريا رغم التنديد الدولي والعربي فيما يشبه الإجماع، والتغاضي عن كافة ما يرتكبه هذا النظام بحق شعبه وشعوب الدول المجاورة ومنها فلسطين ولبنان والعراق..؟؟

نحن لسنا دون أحاسيس ومشاعر، وكما وقفنا إلى جانب كل مظلوم ومقهور ومضطهد في هذا العالم، وكما انتفضنا على الوصاية السورية على لبنان التي استمرت زهاء 30 عاماً ولم ترحم حينها حجراً ولا بشراً، لذلك نرى أن معظم المواطنين اللبنانيين من مختلف الطوائف والمذاهب يؤيدون ويساندون الشعب السوري في مطالبه المحقة، ويرفضون اتخاذ العصبيات المذهبية والدينية ستاراً لإخفاء أطماع سياسية أو للتهديد بخطرها وتداعياتها لإبقاء هذا النظام على رأس السلطة في سوريا.. إن سوريا الآمنة المستقرة سياسياً واقتصادياً وأمنياً هي حاجة لكل العرب وليس للبنان فقط، وإذا كان هذا النظام المتسلط فاشلاً حتى الساعة في تحقيق طموحات الشعب السوري وتطلعاته فمن حق هذا الشعب الانتفاض لتغييره واستبداله، ولا يحق لأي فريق لبناني أو غيره أن يتدخل لينعت الانتفاضة الشعبية بالعصابات أو المندسين أو أن يعطل قرار مجلس الأمن خدمةً لديكتاتور ورث السلطة بقوة السلاح ..

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com