العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21/7/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الأسد يحرق البلد

احمد العجيلي

القدس العربي

الخميس 18/7/2013

منذ اندلاع شرارة الثورة السورية في ربيع عام 2011 برز على الساحة السورية الكثير من الشعارات والهتافات التي وسمت هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سورية.

وقد تبادل طرفا الصراع هذه الشعارات والهتافات، وراح كل طرف يمتح من ذخيرته اللغوية والشعبوية ما يتلاءم مع موقفه من الثورة.

إلا أنّ شعار ‘الأسد أو نحرق البلد’ كان من أبرز الشعارات التي ظهرت على الساحة السورية، وقد تعامل الطرف المعارض لنظام الأسد في بداية الأمر مع هذا الشعار بنوع من الاستخفاف والاستهانة بمقدرة النظام على تنفيذ هذا الشعار، وربما أيضاً من باب الإيمان المطلق بمشروعية مطالب الشعب وعدالتها، وربما أيضاً من باب التعويل على وجود نوع من الإنسانية لدى المجتمع الدولي قد تمنع النظام من تحقيق هذا الشعار.

ولكن، لم يتنبه الثوار إلى خطورة ما يقصده النظام من ترديد هذا الشعار، ومدى جديته في الإمعان في التدمير والقتل، وربما الإصرار على تنفيذ تهديداته ووعيده. إذ لم يكتف الأسد وعصابته الإجرامية بتدمير المدن والقرى السورية على امتداد الخارطة الجغرافية، كما أنه لم يتوان عن تدمير الأوابد التاريخية والآثار التراثية لبلد يزخر بالحضارة، وتعجّ أرجاؤه بكثير من الشواهد على مدى عراقة وأصالة هذا البلد الذي سعى الأسد إلى تدميره ولايزال يمعن في التدمير والقتل والتشريد.

وبعيداً عن الحجر فالتدمير الأخطر الذي يحيق بسورية هو تدمير البشر، الذي يقوم به نظام الأسد بشكل ممنهج عقاباً لشعبٍ عريقٍ أراد تنفس الحرية والتخلص من نظامٍ مستبدٍ قاتلٍ.

ولا يخفى على أحدٍ مدى مرارة الواقع الذي يعيشه السوريون من ناحية غلاء الأسعار والارتفاع الهستيري للدولار وانخفاض قيمة الليرة السورية أمامه ووصولها إلى أدنى مستوياتها على مرّ التاريخ، ناهيك عن تعطل معظم مرافق الدولة، وانحسار الحياة الطبيعية في المناطق التي لا تزال تخضع لسيطرة النظام، في محاولة منه للظهور بصورة المخلص للشعب من وحش الموت والجوع.

وتتبادر الى الذهن أسئلة كثيرة لا بدّ من الإجابة عليها للإحاطة بجوانب معاناة الثورة السورية اليتيمة، ماذا كان يحدث لو لم تتحول الثورة من ثورة شعب طالب بحريته إلى ثورة سنّة ضدّ حكم العلويين؟

وماذا كان يحدث لو لم يتدفق السلاح إلى المعارضة بشكل عشوائي وغير منضبط؟

ناهـــيك عن تدفق المقاتلين الأجانب إلى داخل البلاد، وتصوير الواقع على أنه محـــاربة النظــــام لتنظيم ‘القاعــــدة’ الإرهابي، وشعور الأطراف الداعمة للثوار بهاجس من تحوّل سورية إلى ‘أفغانســـتان’ ثانية. فانحراف الثورة عن مساراتها لا يعني خطأ الثورة، أو أنها لم تكن على حق، ولكن لابدّ من مراجــــعة أخطائنا وتحديد نوع المشكلة كي نقوى على تجاوزها، والوصول إلى مبتغانا.

العالم أجمع يعرف أنّ نظام الأسد برع في تشكيل التنظيمات الجهادية الإرهابية وإرسالها إلى مناطق التوتر عالمياً واللعب بهذه الأوراق، والعراق خير شاهدٍ على هذه الممارسات. وكان الشعب واعياً لخطورة ودهاء النظام ومكره في تعامله مع هذه الملفات، لولا الأيادي الخارجية التي امتدت إلى الثورة السورية، فمنذ بداية الثورة ردّد السوريون ‘الشعب السوري واحد’، كما كان الشعب واعياً لخطورة تقسيم المجتمع السوري وتفتيته إلى طوائف وإثنيات متعددة سعى النظام إلى جعلها بديلاً له، فردد السوريون ‘لا سنة ولا علوية ثورتنا ثورة حرية’.

من المستفيد إذاً من تصوير مقاطع الفيديو التي تظهر وحشية النظام ودمويته؟ وما هي النتائج المترتبة على تلك المقاطع؟ فهي لا تفيد سوى في زيادة الاحتقان الطائفي، وازدياد انقسام المجتمع على ذاته، وإثارة المشاعر والنعرات التي تصنّف ضمن نطاق العنف والعنف المضاد.

من هنا نجد أن انتشار الملثمين من الثوار، وتوافد المجاهدين إلى سورية وانضواءهم تحت ألوية غامضة لا يُعرف قادتها ولا أهدافها أو أجنداتها أو حتى ممولوها من مثل ‘جبهة النصرة’ و ‘دولة العراق والشام الإسلامية’، كل هذه التنظيمات على اختلاف أهدافها وأجنداتها نرى أنها تعيق مسير الثورة السورية، وتحد من تقدمها نحو إزالة النظام. الأمر الذي يمكن اعتباره ضمن ممارسات حرق البلد التي توعدّ بها الأسد شعبه المطالب بحريته.

عطفاً على ما سبق من إثارة شعار’ الأسد أو نحرق البلد’ لابدّ للسوريين من مراجعة نقاط الضعف في الثورة، ومن بينها انتشار هذه التنظيمات الغامضة التي أسهمت في فقدان الحاضنة الشعبية للجيش الحر والكتائب الشريفة المقاتلة على الأرض.

فالثورة قامت ضدّ نظام الأسد الذي دمّر ووالده البلد، لذا يجب على السوريين منع تدمير البلد سواء بيد الأسد أو بيد حلفائه من التنظيمات الغامضة.

‘ كاتب وناشط سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*

غازات النظام وأقنعة الثوار

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 18/7/2013

إن كانت براغماتية الغرب تعادل حماية مصالحه، ولو اقتضت نفاقاً في مقاربة أوضاع العرب في حقبة «الربيع العربي» ومآسيه وارتداداته العنيفة على ضحايا الاستبداد، فإيران لا تتلكأ ايضاً في سباق المصالح، والاجتهاد في ديبلوماسية صياد الفرص والقضايا العربية، لإعلاء انتهازية لا تتبدَّل منذ إعلان «الجمهورية الإسلامية»، على أنقاض حكم شاه القمع.

وإذ يدشّن الرئيس الإيراني المنتخب حسن روحاني عهده بفتح ذراعيه للنظام السوري، ويؤازره لكي يواجها معاً «المؤامرات»، تصرّ طهران على أولوية إلقاء المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد، السلاح لفتح طريق الحل... تطلب إذاً استسلامهم قبل الحوار!

لا شيء يتبدّل في طهران البراغماتية، لا أصولية الممانعة ولا رعاية حلفها، ولا شيء تبدّل في أصولية المكيافيللية الغربية التي شجّعت المعارضين للأسد على خوض معركة إسقاطه حتى النهاية، ثم تركتهم تحت فضاء البراميل المتفجّرة. وقد يبقى سقوط خمسة آلاف قتيل سوري كل شهر، ثمناً أقل لدى الغرب من انتصارات «جبهة النصرة»، أو تحكّمها بالصراع في سورية وعليها، أو إعلان دويلة لـ «القاعدة»، وما على الأمم المتحدة سوى المثابرة على نداءات الاستغاثة باسم شعب ما زال تحت سيف الإبادة.

وإن واجهت «أصولية» المصالح لدى الغرب صفعةً ما، فهي مجرد صفعة عابرة ولو في ثوب فضيحة. خبِرها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون أمس، بعد ساعات على أوامر عاجلة بتأمين أقنعة للثوار في سورية، لتقيهم غازات النظام السامة. أما الصدمة المعيبة ففي تقرير للبرلمان البريطاني كشف بيع لندن دولاً بينها سورية خلال سنوات ماضية، مواد تصلح لتصنيع سلاح كيماوي.

وبين غازات النظام وبراميله المتفجرة، وشبح مخططات «النصرة» و «القاعدة» وأخواتهما، وإخلاص إيران في الاستماتة دفاعاً عن «الشرعية» في دمشق المتأبطة شر «المؤامرات»... يتفرّج العالم ومعهم العرب على محرقة العرب.

أي أصولية أبشع من إبادة شعب دفاعاً عن «نظام علماني»؟! وهل يمكن زواج الجمهورية الإسلامية في إيران وعلمانية «البعث» السوري، إلا أن يلد دولاً فاشلة ومعاقة، إن لم ينجِب دويلات، أبطالها قراصنة الإتجار بالدين، وإباحة القتل، بـ «فتاوى» كفر؟

يكتمل إذاً حلف الأصوليات والكفر بحرمة النفس والدم وبحقوق كل إنسان. لكنه ليس كل مشهد «الربيع»، ففي زوايا أخرى على خريطة الثورات العربية، ينهض استبداد جديد، برماح المنتفضين على عهود الديكتاتورية. يغلق رجال ميليشيات وزارة الداخلية الليبية كأنها دكان لأصحاب السطوة في حقبة ما بعد الزعيم الأوحد، يحتل مسلّحون حقلاً نفطياً ليبياً، يغدو ملكَهم حتى تلبية مطالبهم، وتتحول الحقوق إلى إتاوة.

ومن الديموقراطية على طريقة فلتان المسلحين حول أسوار الشرعية في طرابلس الغرب، إلى ديموقراطية ياسمين ذبُلت سريعاً بفضل «حكمة» حزب حركة النهضة، وترويع نصف المجتمع بتحجيم حقوق المرأة، وترويع صروح العلم باسم الشريعة.

بشرعية المنتصرين على الديكتاتورية في «ربيع» الاستئثار، نحن المستبدين الجدد، نعطي الحقوق ونحجبها، نوزّع الدول ومؤسساتها حصصاً، فتتحول الأوطان غنائم حرب. نفصّل الدساتير على مقاس الأحزاب، وعرّابها من كان سبّاقاً الى احتضان الثورة... فخطفها وسرق الدولة. من يقف ضدنا عميل، ولو كان شعباً.

شعب «عميل»؟ ليس في التاريخ مثل هذه الأعجوبة. إنها ثمرة زواج الأصولية و «العلمانية» الممانعة في منطقة العرب. وأما نحن، المستبدين الجدد، فلا بأس أن نكون «عملاء» طوعاً، كلما اقتضت حسابات حزبنا أو جماعتنا أن نكون في بيدر الأجنبي. حتى إذا افترقت مصالح الراعي عنا، احتمينا بشعار الشريعة.

ولنا في درس «الإخوان» عِبرة: «عودة مرسي الى القصر أولاً، وبعدها نرضي كل الأطراف»، قالها قيادي في الجماعة... فخطأها الذي اكتشفته أنها لم توزع «كعكة» مصر، ولو بالنزر اليسير على «جبهة الإنقاذ»، في الوقت المناسب، لإنقاذ «شرعية الرئيس»!

هكذا يبدو القصر إدارة لتعاونيات حزبية لا لإدارة أكبر دولة عربية. وفيما يحوّل رجال الميليشيات في ليبيا المحررة، الوزارات دكاكين يمسكون بمفاتيحها، تصر تيارات الإسلام السياسي في تونس على دستور يؤسس لمشروع ثورة.

نحن المستبدين الجدد، لن نقمَع إلا بسيف الحرية، فهي لكي تكون كذلك لا بد أن تعوّضنا ما تكبدته شعوب على مدى عقود القمع. وأما أن نتفرّج على المحرقة بأيدي «الأصولية العلمانية»، فلا بأس أن ينهمك كل «منتصرٍ» بساحته، وأن يصدق البسطاء خرافة النزاع السنّي- الشيعي، والسنّي- العلوي، والإسلامي- المسيحي. هي مجرد أداة تتقلب أدوارها، في فصول المحرقة الكبرى.

أما زلنا نجهل أبطال الاستبداد والإبادة؟... لكلٍّ جماعته.

-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب البعث السوري.. إعدام ميت ؟

داود البصري

الشرق القطرية

الاربعاء 17/7/2013

مع قيام رئيس النظام السوري، وأمين سر القيادتين القومية والقُطرية لحزب البعث! والقائد العام للجبهة الوطنية والتقدمية!! والقائد العام للقوات السورية المسلحة الرفيق الفريق الدكتور المناضل بشار بن حافظ أسد بتسريح كامل أعضاء ما يسمى بالقيادة القُطرية لما يسمى تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي السوري تكتمل فصول المهزلة السلطوية الدائرة في بلاد الشام منذ ثلاثة أعوام!! وتكتمل بكل جدارة حقائق الانعزال عن الواقع السياسي والحقيقي الذي يعيشه أركان ذلك النظام الإرهابي العدواني المخابراتي البشع وهو يواجه ثورة شعبية عارمة أفقدته كل مصادر الشرعية المزيفة، وعرته بالكامل، بعد أن سقطت على ميدان معارك الثورة الشعبية كل الدعايات والخرافات والرؤى التي كانت تسوق لقومية النظام ولإيمانه الوهمي بطاقات شعبه وقومه وأمته، فتسريح قيادة حزبية بعثية كاملة بجرة قلم هو مهزلة حقيقية تضاف لمهازل عديدة رافقت نشوء وارتقاء ومن ثَمَّ انهيار حزب البعث الذي كان بنسختيه السورية والعراقية عنوانا فظا لصراعات دموية ساخنة وطويلة تركت آثارها على مجمل الحياة السياسية في الشرق القديم منذ أكثر من نصف قرن من الصراعات العبثية والشخصية والطائفية التي تم تسويقها تحت أغطية وشعارات أيديولوجية لا حقيقة ميدانية لها، فحزب البعث السوري بأسلوبه العقائدي وبنظريته الثورية والاجتماعية كان قد مات وشبع موت منذ يوم 23 فبراير عام 1966 حينما قامت اللجنة العسكرية البعثية بانقلابها الدموي الشهير ضد قيادة الحزب القومية وبروز الصيغة القُطرية والقيادية الخاصة لتنظيم حزبي أفرغه العسكر من محتواه ودخلوا في نوبات صرع وصراع عنيفة فيما بينهم انتهت لاحقا بسيطرة عصابة حافظ الأسد على السلطة نهائيا عام 1970 بعد تصفيات دموية شرسة بدأت بتصفية من قام بالانقلاب الدموي وهم جماعة (المقدم حاطوم) ثم بعد هزيمة 5 يونيو وتسليم هضبة الجولان كمكافأة لإسرائيل من دون قتال ولا ضرب وتحت قيادة وزير الدفاع حافظ الأسد ومن ثَمَّ تصفية العناصر القلقة والخطرة في انقلاب اللجنة العسكرية وعلى رأسهم العقيد الجندي جاء الدور على صلاح جديد والأتاسي لتتم تصفيتهما ويخلو الجو لحافظ الأسد ورفاقه الذين حولوا سوريا لمستوطنة ومزرعة عائلية مغلقة، لذلك كان قول الشاعر الفلسطيني الشهير والشهيد كمال ناصر متميزا بحق حزب البعث وهو يصف لحظات انسلاخه عنه وتوديعه له بالقول:

لم يبق للبعث عندي ما أغنيه ودعته وسأبقى العمر أبكيه

لقد انتهى حزب البعث نظريا وواقعيا منذ ذلك التاريخ وتحول على يد آل الأسد لخرقة بالية ولممسحة سلطوية بائسة وأضحى بقيادتيه القومية والقُطرية مجرد فرع آخر من فروع المخابرات العديدة والمرقمة والمشفرة وأضحى مجرد تكتل إداري سلطوي ورقما من الأرقام لا يعني شيئا بالمرة، وظل عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد السابق وطيلة سنوات طويلة مجرد نكتة سمجة أو (ناطور خضره) لا أكثر ولا أقل، فبعد موت حافظ الأسد عام 2000 وتحويل الرئاسة لوراثة عائلية كان حزب البعث من ضمن التركة التي تقاسمها الوارثون الجدد وحيث تم في عام 2005 عقد مؤتمر قطري كديكور سلطوي تقلد فيه نائب الرئيس المغيب فاروق الشرع منصبا قياديا فيه فيما غابت أسماء مهمة صنعت تاريخ البعث السوري من أمثال عبد الحليم خدام ومشارقة وغيرهم، المهم إن قرار بشار بعزل القيادة وبتنصيب قيادة قطرية جديدة بأسماء وعناصر واهية وفي زمن الثورة والتغيير لا يعني شيئا بالمرة، فالسلطة في دمشق لم تعد معنية كثيرا بالصورة القومية بعد أن باع النظام سوريا بأسرها لحليفه النظام الصفوي في طهران، وبعد أن أضحى للعصابات الطائفية المريضة دورها الفاعل في حماية النظام وهي عصابات حزب حسن نصر الله العميل وأحزاب العراق الطائفية من صدريين وعصائب وجيوش المختار وأبو الفضل وغيرهم من التسميات والعناوين الخرافية!!، لقد تخلى بشار حتى عن ورقة التوت الشفافة والرقيقة التي كانت تستر عورات نظامه الفضائحية وباشر على الفور في إعلان وفاة الحزب سريريا عبر إطلاق رصاصة الرحمة عليه.. تصفية تركة حزب البعث هي بمثابة إعدام ميت تقيحت جثته منذ عام 1966 ولم يدفن بعد!! ويبدو أن الرفاق علي خامنئي وقاسم سليماني والوطواط البطاط ونوري المالكي وحسن نصر الله... قد تحولوا اليوم ليكونوا أعضاء للقيادتين القومية والقُطرية لحزب كان مجرد دمعة في تاريخ سوريا الطويل والعريق وحيث يصنع أحرار الشام اليوم ملحمة الصمود والثورة لإرسال بقايا ذلك النظام لمكانه الطبيعي في مزبلة التاريخ...

-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريون في سياسة مصر

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 15/7/2013

تبدو الإجراءات المصرية بطلب الفيزا المسبقة للسوريين نقطة تحول في العلاقات بين السوريين ومصر، إذ هي تعكس تغييرا في سلوك الدولة المصرية في تعاملها مع عموم العرب، ومع السوريين بصفة خاصة.

وخصوصية تعامل الدولة المصرية مع السوريين لا تستمد من وضعهم الراهن، إذ هم بحاجة إلى بلد مثل مصر يلوذون به في ظل حرب النظام الحاكم في دمشق عليهم، إنما تعود الخصوصية أيضا إلى العلاقة التاريخية التي ربطت مصر وسوريا، والتي في تفاصيلها أن البلدين والشعبين تشاركا في صنع أول تجربة عربية وحدوية جمعتهما في الفترة ما بين (1958 - 1961)، وكله يضاف إلى عامل ثالث أساسه أن مصر هي أكبر الدول العربية ومسؤوليتها إزاء العرب قائمة مهما شهدت من تبدلات وتطورات تتعلق بأوضاعها الداخلية وعلاقاتها الخارجية.

وبالاستناد إلى العوامل الثلاثة السابقة يمكن فهم الموقف الذي اتخذته مصر في الموقف من دخول السوريين إليها، إذ هي استمرت في فتح أبواب مصر أمام تدفق السوريين ومنحهم تسهيلات في الدخول والإقامة والمغادرة، والعمل والاستثمار، إضافة إلى مزايا أخرى تتعلق باستفادة السوريين من خدمات الدولة المصرية، ومنها التعليم والصحة، مما جعل المزايا الممنوحة للسوريين تفوق ما يحصل عليه غيرهم، ولم تقتصر تلك الإجراءات على السوريين الهاربين من بطش النظام، وإنما شملت الآخرين بمن فيهم مؤيدو النظام الذين كان لهم دور سلبي لجهة المساهمة في الفوضى القائمة والاستفادة منها للإساءة للسوريين في مصر ولمصر ذاتها.

ولم يقتصر الدور السلبي على مؤيدي النظام في تأثيرهم على الوجود السوري في مصر، بل شمل أشخاصا زجوا بأنفسهم في غمرة الصراعات المصرية بين النظام ومعارضيه.

ورغم محدودية عدد هؤلاء، فقد استغلوا في الأزمة الأخيرة ليكونوا في حيثيات الموقف المعادي لوجود وعيش السوريين في مصر، والذي أثارته مجموعات من الفلول وشاركت في إذكائه بعض مراكز في النظام للقول إن ثمة «عوامل خارجية» تدفع إلى تصعيد الأزمة القائمة في مصر، رغم أنه لا يمكن رؤية هذا التطور في الموقف المصري من السوريين معزولا عن مواقف وسياسات النظام الحاكم في دمشق، وقد سعى باستمرار إلى إرباك تلك العلاقة، كما عمل على تفجيرها مستغلا كل الظروف والإمكانات، ومن بينها وجود أعداد كبيرة من مؤيديه المقيمين في مصر، وهو أمر كان ظاهرا ومكشوفا باستمرار.

لقد تفاعلت عوامل مختلفة في تطوير موقف ملتبس حيال الوجود السوري في مصر، كان من بين تعبيراته قرار السلطات المصرية بضرورة حصول السوريين على فيزا مسبقة للدخول إلى مصر، ومن التعبيرات الأخرى حملة في بعض وسائل الإعلام ضد السوريين، ومثلها تعميم إشاعات من قبل بعض الجماعات السياسية في الوسط الشعبي عن دور للسوريين في الأحداث الأخيرة، رغم أن الوقائع الظاهرة لم تقدم أي دلائل مادية عن دور خطر للسوريين في الأحداث.

وإذا كانت حيثيات الموقف السابق تسيء للسوريين في مصر وتجعل إقامتهم في مصر وحركتهم أصعب في اتجاهها وإليها، وتسمم أجواء العلاقات المصرية مع السوريين، فإنها في الوقت نفسه تترك آثارها السلبية على مصر وعلى المصريين أيضا، إذ تضرب في الصميم علاقات مصر ودورها العربي، والتي كانت فيها على مدار العهود حاضنة العرب في أشواط حياتهم المختلفة، كما تترك آثارا اقتصادية على الاستثمار في مصر، ذلك أن بعض الوافدين السوريين في العامين الأخيرين شكلوا الكتلة الأهم من أصحاب الاستثمارات الخارجية في الاقتصاد المصري.

وتمثل العوامل السابقة كلها دوافع حقيقية من أجل موقف مصري أكثر إيجابية من وجود السوريين في مصر وعلاقتهم معها، وهو أمر صدرت فيه تصريحات مصرية عن حلحلة قريبة في موضوع فيزا دخول السوريين، وتوجها للعمل على وقف حملات بعض وسائل الاعلام والاشاعات حيال السوريين، غير أنه وبالتوازي مع التوجهات المصرية، ينبغي تعزيز التوجهات السورية في الابتعاد عن أية تدخلات في الأمور السياسية المحلية والصراعات الجارية فيها وحولها، حتى يكون السوريين، كما كانوا دائماً عنصراً مساعداً في استقرار مصر وداعماً لمساعيها في الخروج من اشكالات وضعها الحالي.

إن مصر اليوم في الموقف من الوضع السوري، تقف أمام تحدي عمقها ودورها العربي، وهي امام واحد من محتويات ثورة شعبها من أجل الحرية والكرامة، وهي تقف امام مصالح مصر وشعب مصر. وواجب السوريين والعرب عامة، أن يساعدوا مصر في اتخاذ موقف حقيقي وجدي يعزز علاقات مصر مع محيطها العربي، انطلاقاً من تعاملها الإيجابي مع حضور ودخول السوريين إلى مصر ورفع كل القيود في هذا المجال.

-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني السوري معارضة بلا قاعدة

حسين العودات

البيان

الاثنين 15/7/2013

خلال شهر واحد، عقد الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، دورتي اجتماعات، وسع نفسه في الأولى فرفع عدد أعضائه من 74 عضواً إلى 114 عضواً.

على أمل أن تغيَر هذه التوسعة البنية العامة للائتلاف، وتجنيبه أن تسيطر عليه فئة بعينها، وأصبح مؤلفاً من تيارات سياسية سورية متعددة، وانتخب الائتلاف في دورة الاجتماعات الثانية أعضاء قيادة مكتبه الخمسة (الرئيس ونوابه الثلاثة والأمين العام) وأعضاء الهيئة السياسية الإثنى عشر، وأكمل الائتلاف بذلك إعادة هيكلته وتنظيمه وأعد الشروط الموضوعية للانطلاق، حسب ما قال معظم أعضائه في نهاية دورة الاجتماعات.

ولد الائتلاف الوطني السوري الذي تشكل قبل عدة أشهر من رحم (المجلس الوطني السوري) وهو بالتالي وريث هذا المجلس، الذي تأسس في الشهر التاسع من عام 2011، وطرح نفسه منذ اليوم الأول ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري، دون أن يفوضه الشعب السوري بذلك، وقد عقدت دول ما سمي (أصدقاء سوريا) عدة اجتماعات بعد عدة أشهر (شارك في بعضها 114 دولة) وقررت أنه ممثل شرعي للشعب السوري، دون أن تعتبره ممثلاً وحيداً.

وبعد أسابيع من آخر اجتماع لهذه الدول، رأت أن المجلس فاشل ومتهافت وغير جدير بقيادة المعارضة، وتوصلت إلى تأسيس الائتلاف الوطني بدلاً منه في اجتماع عقد في الدوحة قبل بضعة أشهر، وبدا أن المعارضة السورية الخارجية، من خلال الهيئتين (المجلس الوطني والائتلاف الوطني) لا تملك في الواقع أن تقرر مصيرها أو مصير الشعب السوري. أي لا تملك من الأمر شيئاً، لأن الأمر برمته بيد الدول الراعية، وقد كان تأسيس هذه الهيئات وحلها بقرارات من الدول الراعية دليلاً على ذلك.

تشكل المجلس الوطني كما تشكل الائتلاف من شخصيات سورية مقيمة في الخارج، وقد وجدت بالانضمام إلى المجلس أو الائتلاف فرصة مجانية تدخلها في العمل السياسي (والنضال السياسي) دون أي ثمن تدفعه، وقد بدأت هذه المعارضة السورية منذ يومها الأول طرح شعارات متشددة وبعيدة عن الواقع وعن إمكانية التحقيق في ذلك الوقت، كما أنها (لظروف أعضائها الذاتية) تعاونت مع دول عربية وغير عربية وأخذت منها مساعدات مالية من دون حدود، وفي النهاية ارتهنت لها، وتجاهلت أموراً جوهرية عدة: أولها ضرورة وضع استراتيجية واضحة ومحددة وواقعية تأخذ الإمكانيات ومصالح الشعب السوري وواقع سوريا ومستقبلها بعين الاعتبار.

وثانيها أنها تجاهلت المعارضة الداخلية واعتقدت أنه يمكنها إقناع الحراك الشعبي في الداخل بتنحيتها واعتمادها هي ممثلاً وحيداً له، وارتكبت خطأ يشبه الخطيئة وهو أنها أخذت تعتبر المعارضة الداخلية عدوها الرئيس، وأطلقت عشرات التهم الكاذبة ضدها لتبقى وحدها في الميدان وبذرت بذلك بذور العداء والشك والريبة بالمعارضة الداخلية وبفصائل المعارضة عامة، وثالثها أنها طرحت شعارات إسقاط النظام والاستعانة بالتدخل العسكري الخارجي وأهملت قوة وسطوة الحراك الجماهيري فأضعفت هذا الحراك ولم تفلح في جلب التدخل العسكري الخارجي، ورابعها أنها لم تجد غضاضة في الخضوع لاقتراحات الدول الأخرى والكيل بمكاييلها.

وفقدت بذلك خصوصيتها واستقلالها، وأخيراً أهملت التنسيق الجدي والتلاحم النضالي مع الحراك الشعبي ومع الداخل السوري وحصل انقطاع كبير مع هذا الحراك وصار كل منهما في واد.

ساعدت الدول الحليفة والإعلام الخارجي بتعويم المعارضة السورية الخارجية وتمجيدها، وازدادت أخطاؤها وسقطت في مناخ بيروقراطي، واستمرت في قلب الأولويات وغرقت في المؤتمرات والندوات والتصريحات الإعلامية، وفي ضوء ذلك القصور كان لابد من تغيير المجلس الوطني وتأسيس الائتلاف، ثم وقع الائتلاف بالأخطاء نفسها وأوشك الحلفاء أن يغيروه، وخلاصة القول إن ارتهان المعارضة الخارجية السورية ومحاربتها (هي وحلفاؤها) للمعارضة الداخلية وعدم إيمانها بالنضال الشعبي والحراك المجتمعي، إضافة إلى وحشية النظام وعنفه وقمعه وتدميره للبلدات والمدن، أدى إلى نمو المعارضة المسلحة وكسبها تأييد الجماهير التي صارت ترى في المعارضة الخارجية عالة على نضالها، وكان الشعب السوري دائماً يدفع الثمن غالياً.

يقول أعضاء الائتلاف الوطني الآن أنه أعاد هيكلة نفسه، وأنه سيضع استراتيجية جديدة شاملة وسيقضي على انقساماته الداخلية، وتسربت بعض التصريحات من حلفاء الائتلاف في الخارج توحي ببعض التفاؤل.

ويعتقد العارفون إن إعادة هيكلة الائتلاف التي تمت قبل أسبوع أدت إلى نقل الهيمنة عليه من يد دولة إلى يد دولة أخرى، وأن هذه الهيكلة لا تنفع وحدها في مواجهة النظام إن لم تتوافق مع استكمال النواقص والأخطاء الهائلة التي وقعت فيها المعارضة السورية في السابق. وخاصة التنسيق مع الحراك الشعبي الفعلي وإتباع أساليب شعبية حقيقية لمقاومة النظام (وتجربة مصر ماثلة أمامها) وإلا ستتجه الدول ذات العلاقة من أصدقاء وحلفاء، إلى تشكيل حكومة نصفها من العسكر (الجيش الحر) ونصفها مدنيون والاعتماد عليها في المراحل المقبلة، بدلاً من المعارضة السياسية التي مازالت ممزقة مترنحة لا تعرف ماذا تريد أو ماذا لا تريد.

-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقويم الموقف : حضور الحضور وغياب الغياب لمن كان له قلب

18.07.2013

زهير سالم

حين يفرح أصحاب المقاعد بمقاعدهم ، ويظنون أن الإنجاز الأهم في المرحلة الدقيقة من عمر هذه الثورة المباركة هو التسند عليها فإنه لا بد من تذكرة تعيد الحق إلى نصابه ، وتضع أصحاب المسئوليات أمام مسئولياتهم .

 

يدرك السواد العام من السوريين أن ما يظن البعض أنه مقعد مسئولية أو صدارة أو إنجاز أو فعل ما هو في الحقيقة إلا مقعد إشغال وإلهاء وعبث ، يحمل أصحابه مسئولية تاريخية ، ويشغلهم عن حقيقة ما يجري خلفهم ، ويتعب خيلهم في باطل ، ويصرف جهدهم وأبصارهم إليه في الوقت الذي يجدّ فيه الآخرون على الأرض زرعا أو قطعا !!

 

ودعوى ( الحضور خير من الغياب ) دعوى عريضة يظل البعض يكررها على مسامعنا بلا رأي ولا روية . نعم الحضور في مجلس الدعوة إلى الخير ، والانشغال بالبر ، وإحراز التقدم في ميادين الإنجاز هو ليس فقط خيرا من الغياب بل هو فريضة وقت لمن هو معني بالعطاء . ولكن حضور مجالس اللغو والخوض في الباطل والجري وراء الوهم هو من الحضور الذي أشارت إليه آيات كثيرات : ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ..)) (( فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ..)) (( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا )) (( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ )) ..

 

ثم أن يلجأ المرء في لحظات من وهم الذات إلى شراء كرسيه بدماء الصامتين من بني قومه ، بعيدا عن رأيهم وقرارهم والمراهنة في كل مرة على صمتهم وتعقلهم وحكمتهم وأناتهم لا يمكن أن يمر في كل مرة كما يحب مشتهيه . ..

 

الحقيقة الصارخة التي يتصامم الكثيرون عنها أنه بينما ينشغل البعض بتمويه وتزيين مقعده ويعتبره غاية الانجاز وهدف الثورة ويختصر فيه أمل وألم شعب وفريق من الناس عانى على مدى أربعة عقود فإن هناك من يسبق بجد لنفسه وصدق مع مشروعه ليضع بصماته على أرضنا ورقابنا ونحن غافلون أو متشاغلون ...

 

لماذا لا يقفون وقفة صدق وجد مع المشروع الذي يتقدم بصدق أهله مع أنفسهم في الشمال الشرقي لوطننا الحبيب ؟! مشروع يعمل عليه عاملون وجنود مجندون وتدعمه دول بكل ما يشتهي ويريد ..؟! أليس الحضور لمواجهة هذا المشروع خير من الغياب عنه ؟

 

لماذا لا يتساءلون عن الخطر القادم من قريب وبعيد تحت رايات وعناوين يحمل أجندته بكل ما فيها من خير وشر ونعمى وبؤسى : كيف نتعامل معه ؟ كيف نحتويه ؟ كيف نحمي مشروعنا وشعبنا من تداعياته ؟ والحديث عن هذا المشروع لم يعد حديث عمات وخالات بل هو مشروع قائم على أرض الحقيقة ، يتهربون من الحضور للوفاء باستحقاقات احتوائه إلى مقاعد القيل والقال وهدر الجهد وإضاعة المال ..

 

لا أحد ينشغل بما يقال عن مشروع أطلق عليه إعادة تأسيس ( جيش وطني ) جامع ومستقبلي . لمن ترك هذا الحضور وبماذا يعلل هذا الغياب ؟! ومن الذي سيسبق إليه ؟ وما الذي سيحمي مشروع شعبنا الثوري من تجربة جيش الشرق القديم ، أو تجربة عبد الفتاح السيسي الجديدة ..

 

ومشروع بشار الأسد وحزب الله وإيران الذي لا يزال حقيقة قائمة على الأرض ، في الوقت الذي يظن البعض أنه قادر على حربهم بما يمطرنا به من سيل البلاغات والتصاريح ..

 

ومشروع .. ومشروع .. ومشروع ...

 

نختصر حضورنا إزائها بمقعد معلق بحبال الوهم . وبوعد سبقته من قبل وعلى مدى عامين وعود ..

 

حين تصبح الأرض السورية نهبى لأصحاب التطلعات والمشروعات والمخططات الذين يعملون ويجدون ويخططون ويبرمجون سيكون الحضور الحقيقي هناك حيث تسيل الدماء وتسفح العبرات ..

لندن : 8 / رمضان / 1434

17 / 7 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية الثورة لن تكون مصيدة لتحالف الاستبداديين واعدائهم

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 15/7/2013

اضطرابات الساحات العربية والمشرقية منها خصوصا، قد تدفع ببعض أنظمتها الحاكمة، المتهيبة من حتميات المصير إلى تشكيلات التجمعات الرسمية والشعبية معا كجبهات متساندة ضد الاخطار المتصورة.

اول هذه التشكيلات ما نسمعه عن مبادرة لتنظيم الاستبداد بين القائمين من دول واتباع شعبيين في احلاف عسكرية سياسية معا؛ قد تغطي فراغا أيديولوجيا مخيما على المنطقة. هذا الفراغ موجود حقاً ومتفاقم في مظاهره اليومية السلبية منها تحدياً، لكن هل هو الاستبداد عينه، المأزوم والموشك على الهزيمة المطلقة، هو عينه الذي عليه أن يشكو من الفراغ الايديولوجي، وان يسعى بالتالي الى اعادة تنظيم قواه، أو ما تبقى منها، واشادة جبهة تلك المقاومة المنسية ضد أعداء العرب التقليديين من استعمار وصهيونية عالمية ورجعية اقليمية ومحلية.

على الأرض يستمر حلفٌ قائم ومتكون عملياً؛ حتى بات له شبه تاريخ معاصر يغطي سنوات عديدة. انه حلف النظام السوري الأسدي مع المؤسسة الدينية الحاكمة لإيران، وقد تبعهما آلياً حزب الله اللبناني، والعراق المحكوم بجناح المالكي المتزعم للنفوذ الايراني في كيان دولته ومجتمعه معا. هذا الحلف الذي يكاد يغطي مشرق العرب ممتدا الى ما وراء حدوده الآسيوية نحو بلاد فارس التاريخية، لا يقدم نفسه حتى الآن كهيئة رسمية متمتعة بكيان تنظيمي، وان كان يمارس نشاطا فعالا كأمر واقع. بل يمكن القول ان الحلف لم يكن له وجود لولا ان انطلاقته الحاسمة تشكلت عمليا في التقاء أطرافه كقوى قتالية في جبهة واحدة مدافعة عن النظام السوري.

انه حلف حربي يدعي انه يعيد تأسيس المقاومة ضد الامبريالية. لكنه في واقع الحال يشهر حربا ضروسا على شعب الثورة في الشام. والحلف هذا غير مكتف بقواه الاقليمية، فان له قنوات التعاون الجدية مع كل من روسيا والصين.

وتتصدر دولة الرئيس الروسي بوتين جبهة الحماية الدبلوماسية في الاروقة الدولية لما تبقى من معالم المشروعية الدولية لنظام دمشق المترنح. هذا غير التغذية الروسية المستديمة بأطنان السلاح المتميز بفوارقه التدميرية الفائقة.

كان يمكن لهذا الحلف ان يدعي انه الحامل على اكتافه لاعباء ما كان يدعى محور الممانعة والمقاومة، وكان يمكن للرأي العام الوطني في المنطقة التعامل مع رموز هذا المحور ويراقب مسالكه السياسية، بما يشبه موقف التقبل النسبي والاجمالي لتصرفات رموزه ازاء قضايا الساحة. لكن اهم ما يقلق هذا الحس الوطني العام هو السؤال المصيري الكبير الذي طرحه أحد نشطاء الزعامات السياسية في لبنان، وذلك عشية انتصار المقاومة الجنوبية على عدوان إسرائيل تموز 2006، وجاء نص التساؤل على الشكل الآتي: كيف سيكون استثمار هذا النصر؟ بالطبع لم يكن التساؤل يخص المقاومة وشعبها فحسب، بل قد يذهب المخيال العربي العام، الفرح بالانجاز العسكري الفريد في تاريخ الحروب العربية الاسرائيلية، الى حد التصور بامكان ان يتحقق الاختلاف المنشود في مستقبل الصراع مع الصهيونية انطلاقا من حدث ذلك النصر الفريد.

لكن الآتي بعد الحدث العظيم لم يكن تكريسا لعصر المقاومة المنظمة والمتجددة شموليا. لم يعش عرب المقاومة عهدا مختلفا حقا عما الفوه ما قبل النصر التموزي، عدا انفصامُ مريع بين ما ترفعه صحف تلك الانظمة العربية من شعارات المقاومة وبين واقعه السياسي والاجتماعي اليومي.

نعم فلقد وضع النصر التموزي قيد الاستثمار لكنه هو الاستثمار الأسوأ الذي فسرته الأنظمة كما لو كان كسبا سياسيا يصب فقط في صالح أصحابه الحاكمين أو القياديين. بلغ هذا الاستثمار اوج الخرافة عندما تم تعقيمه عن اي منتوج تغييري في صيغة الحكم والعلاقة مع الغالبية المجتميعة، بل تحول النصر المقاوم الى مجرد بضاعة اعلام فوقي يجري توظيفه كتغطية وطنية أو قومية، أو اسلاموية لمركب الاستبداد/الفساد إياه عينه الذي وقعت تحت نيره خاصة دولة المقاومة الأولى التي هي سورية.

كانت انتفاضة فتيان درعا وما تبعها مباشرة عند قيام معظم أرياف الشام ومدنها الطرفية، كانت طلائع تلك الثورة الشبابية البريئة مشغولة بابتداع ثورة شعبية سلمية محددة الهدف بابتعاث ذاكرة العلاقة القمعية المنسية القائمة بين النظام وشعبه، وكانت المطالبة بالاصلاح الجذري على أساس استعادة أولوية الهم الوجودي ما قبل السياسي لمبدأ الحق الفردي والجماعي بالحرية.

كل المؤونة الفكرية لانطلاقة الثورة الشابية في أشهرها الأولى تركزت حول دافعين هما أقرب الى الانفعال العاطفي منه الى اية عقائد تنظيرية جاهزة أو متداولة في الفضاء المجتمعي العمومي؛ هما رفض الظلم ومعه رفض الخوف. ولم يكن الانفعال الأول رفض الظلم لينتج، ليكسر شيئا من جمود الواقع الجماهيري وصمته المحزون؛ لو لم يصاحبه تمزيق كابوس الخوف المسيطر على النفوس، منذ ان جعلها ارهاب الدولة المنظم مسلوبة الارادة، طائعة مطواعة لجلاديها الحاكمين. انه كابوس الخوف المزمن الذي كادت تتوارث تقاليده البائسة ثلاثة أجيال متتابعة من الجدود الى الآباء وصولا الى الاحفاد الراهنين، هؤلاء الذين استيقظوا فجأة على فداحة كمية الظلم الهائلة المتراكمة في النفوس، الى درجة أن أصبح هذا الخوف طاغوتا مستبدا بضحاياه بما هو أشد من استبداد الظالمين الكبار أنفسهم.

من هنا جاءت لحظة المفاجأة الكبرى باندلاع الثورة، بتحطيمها لسدود طاغوت الرعب واحدا تلو الآخر، خلال أقل من بضعة أيام اشتعلت أرياف سورية كلها من أقصاها الى أقصاها. تحولت ثورة/ نزوة فتيان في قرية الى مشروع الثورة الجماهيرية الكبرى والأولى في نوعها في نهضة بلاد الشام، ليس في تكويناتها الشعبية المتعددة، ولا في أهوال القمع والفظاعة التي تعرضت لها، لكن فرادتها انها أعادت وضع ثقافة النهضة العربية بكل مكوناتها المعرفية والتاريخية، وضعتها تحت طائلة رهان واحد هو أن مستقبل المشرق لن يكون هو عينه ما بعد ثورة الحرية في الشام كما كان قبلها. فقد شغل العالم السياسي عربيا ودوليا بأحداث هذه الثورة كما لم ينشغل بواقعة شعبية أخرى مماثلة لها. كأنها أطلقت نفيرا عاما موجها نحو أعتى أنظمة الاستبداد السياسي والبنيوي والعقائدي كيما تأخذ حذرها من انتشار وباء الحرية، بافتتاح رؤوس جسور أو جبهات تتسابق و تتنافس فيما بينها على من يمتلك الادوات الحاسمة سواء في التغلغل ما بين صفوفها أو اللعب ما وراء خطوطها، او بالتمكن المباشر من بعض قواها. وأخيرا وليس آخرا يقفز أرباب الصنف الاخير من مستبدي العصر الايديولوجي وبقاياه، الى مقدمة الشوط المصيري في مقاتلة/مكافحة الثورة جهارا وعلنا. مثلما لم يجد نظام الاستبداد المركزي في دمشق من سبيل للتعامل مع الثورة سوى في زج جيوشه العقائدية من عسكريين وأمنيين ومرتزقة من كل فصائل الشرور وحتى الجرائم المبتذلة، كذلك فإن الاستبداديين الخارجيين لا يتورعون عن ضخ جيوش لهم مكشوفة أو مستورة تحت عناوين جهادية او ما يشبهها.

اما الغرب فكان له ان يضحك في سره بل في علنه، سعيدا بما انتهى اليه دهاؤه الدبلوماسي او بالاحرى نفاقه اللااخلاقي. لم يسمح أركان الغرب للنظام الاسدي ان يبلغ حالة الضربة القاضية سواء كان الامر بيده أو كان بيد أعدائه ضد دولته. أسقطوا الفريقين المتقاتلين معا في طاحونة قتال عبثي لا نهاية له، وفي الوقت عينه جعلوا من ساحات سورية مجموعة مصائد جاذبة لكتائب الجهاديين وشراذمهم، يتقاطرون على البلد الجريح من شتى أنحاء العالم. ولم يسمحوا فقط لحزب الله، ومن قبله للحرس الثوري الايراني بمشاركة نظام دمشق في كل شيء بالمال والسلاح والخبرات وأخيرا بجيوش حقيقية لهؤلاء. لم يفعل الغرب (أمريكا وأوروبا) كل هذا دعما لبقاء النظام وقد أوشك على التهاوي أيام حصار دمشق الأخير، بل كان له هدفه الأعظم من كل هذا، وما ينسجم جوهريا مع استراتيجية محاربة الارهاب الاسلاموي، فالغرب يتأمل بانفلات أفظع أشكال التقاتل والتفاني المتبادل بين قبائل هؤلاء الملتحين تحت شعارات مزايداتهم اللفظوية على بعضهم.

الثورة السورية وحدها قادرة على مكافحة (المؤامرة) الاخطر على ذاتها وعلى بلدها. فان هدف تدمير سورية وحضارتها، يقوم عليه كل يوم ألف دليل وبرهان واقعي مجسم. لكن الامر الافظع هو في التصميم على تدمير المجتمع السوري نفسه، في تبديد تكويناته البشرية ومؤسساته المدنية وسط خرائب حروب المصيدة الكبرى المعقودة لشراذم الاستبداديين الشعبويين من جهة، وجيوش الاستبداديين الكبار وحلفهم النظامي والدولاني من جهة أخرى. فهو المسؤول الحقيقي عن قلب واحد من أروع مواسم الربيع العربي الى واحد من أظلم عصرٍ قروسطي بائد.

-*-*-*-*-*-*-*-*

رمضان السوري!

اكرم البني

الشرق الاوسط

الاحد 14/7/2013

مفارقة مؤلمة، بين رمضان، شهر الورع والتقوى، وإعلاء قيم التسامح والرحمة، وبين رمضان في المشهد السوري، المكتظ بالضحايا والخراب والتشرد والعوز الشديد، جراء عنف منفلت أمعن فتكا وتدميرا في حيوات الناس وممتلكاتهم، مكبدا، حتى الآن، أكثر من نصف السوريين خسائر وأضرارا مختلفة الدرجات.

ومع إطلالة الشهر الفضيل، تتحدث الأرقام، عن عشرات الألوف من القتلى ومثلهم من الجرحى والمشوهين، وتفوقهم أعداد المفقودين والمعتقلين ثم أضعافا مضاعفة من الهاربين نزوحا داخليا إلى أماكن أقل عنفا أو لجوءا إلى بلدان الجوار، ناهيكم عن مئات الألوف باتوا اليوم بلا مأوى والملايين في حالة قهر وعوز شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، وتكتمل الصورة المأساوية بوضع اجتماعي واقتصادي لم يعد يحتمل، إنْ لجهة انهيار كثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية وتهتك الشبكات التعليمية والصحية، أو لجهة صعوبة الحصول على السلع الأساسية وتردي المعيشة مع تراجع شديد في القدرة الشرائية وتفشي غلاء فاحش لا ضابط له، ربطا بتدهور غير مسبوق لقيمة الليرة السورية أمام الدولار وغيره من العملات الأجنبية!

دأب النظام، ومنذ انطلاق الثورة، على توسيع وتشديد عملياته الأمنية والعسكرية في شهر رمضان، كمحاولة استباقية، لقطع الطريق على الحراك المعارض من استثمار ما يوفره هذا الشهر الفضيل من تقاليد جمعية وعبادات وشعائر تعزز التعاضد وتقوي الروح المعنوية للناس وتمكنها من الصمود.

من هذه القناة يمكن النظر إلى الهجمة الشرسة التي تعرضت لها مدينة حماه في رمضان، عام 2011 لتدمير صورة لا تنسى عن الجموع الهائلة المحتشدة سلميا في ساحة العاصي، الأمر الذي شحن الغرائز والانفعالات وأجج ردود فعل عنيفة حرفت الاحتجاجات عن مسارها السلمي نحو تغليب لغة السلاح، وفي السياق ذاته شهدت درعا وبلدات ريف دمشق في رمضان، عام 2012 تصعيدا غير مسبوق للعنف والقصف والاعتقالات العشوائية، مما عزز اندفاع الحراك الشعبي نحو العسكرة ونحو خيار الرد المسلح وسيلة رئيسة للدفاع عن النفس ومواجهة عنف السلطة.

ومن هذه القناة يمكن النظر إلى العمليات الحربية التي تتصاعد بشكل لافت اليوم، على مدن ومناطق تعرضت للحصار طويلا ولم ينجح العنف الهائل في تحطيم روحها ووأد تمردها، إشارة لما تتعرض له، في هذه الآونة، مدينة حمص والريف الدمشقي، في محاولة من قبل السلطة وحلفائها لاستعادة بعض النقاط المفصلية التي تؤهلهم للتعاطي من موقع القوة مع المبادرات السياسية، وتاليا لإظهار عجز المعارضة عن إحداث تبدل نوعي في موازين القوى، أمام نظام يمتلك القدرة العسكرية ولا شيء يجبره على تقديم تنازلات أمام الحلول السلمية.

والحال، لا نضيف جديدا عند تأكيد مسؤولية النظام عما حصل ويحصل، أو إرجاع الأمر إلى سلبية المجتمع الدولي وتقصيره في حماية المدنيين وإغاثة المنكوبين، ولا يخفف عمق المأساة، التذكير بأن كوارث أصابت بلدانا كثيرة وكبدتها خسائر أكثر هولا، أو أن الشعوب المبتلية بالاستبداد لا بد أن تدفع أثمانا باهظة لقاء تحررها، لكن الجديد والمدهش في الوقت نفسه، أن تلمس لدى غالبية السوريين ورغم أحوالهم السيئة وشدة ما يكابدونه، إصرارا لافتا على التغيير وحماسا للتخلص من الاستبداد أيا تكن الآلام والتضحيات، والمدهش أيضا صور التكافل الاجتماعي والإنساني وتقاسم شح الإمكانيات على موائد الإفطار، وكأن كل محتاج ومهجر يتعرف حيث يحل على أهله وناسه من جديد، ويكتشف جرأتهم في إظهار تضامنهم وتعاضدهم معه مهما تكن التبعات.

هي أشبه بصرخة في واد، الدعوة الخجولة للأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بوقف العنف وعقد هدنة خلال الشهر الفضيل، مثلها مثل دعوة رئيس الائتلاف الوطني، ليس فقط لأنها تفتقد إلى الدعم والسند، بل لأنها لا تعني نظاما تعززت أوهامه بالقدرة على الحسم بعد استعادة السيطرة على بعض المناطق.

إن حرص الائتلاف المعارض على وقف العنف وحقن الدماء، يدل بلا شك على مسؤوليته الوطنية، ولكنه يدل أيضا على عجز في فرض أي حل أو مبادرة سياسية، طالما لا يستند إلى قوة الناس، موضوع التغيير وهدفه، ويسارع لبذل جهود خاصة لتخفيف ما يتكبدونه لقاء مساندتهم للثورة واحتضانهم لها، ولإعادة النظر في الممارسات التي تجبر السكان على ترك بيوتهم خوفا من تدميرها على رؤوسهم، والأهم معالجة مختلف التعديات للجماعات المتطرفة أو التجاوزات التي تحصل وتشوه معنى الثورة ومبناها.

«أما آن لهذه المأساة أن تنتهي» هو رجاء البشر في هذا الشهر الفضيل، ربما كرفض صريح للعنف المفرط ولأية دوافع تسوِّغ استمراره، وربما كتوجس من تنامي الوجع الإنساني والخراب الذي قد يحل بالبلاد قبل أن تطوى صفحة الاستبداد.

-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية:طريق طويل ومنهجٌ مختلف

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 14/7/2013

الثورة السورية:طريق طويل ومنهجٌ مختلفمع نهاية العام الماضي، أطلق السوريون على إحدى الجُمع اسم جُمعة (حرب التحرير الشعبية).

ويبدو أن هذه التسمية كانت تُعبر في حقيقتها عن إدراكٍ داخلي، ولو لم يكن واضحاً ومُفصلاً، للطبيعة الاستراتيجية التي تُميز واقع الثورة السورية ومسيرتها.

قلائلُ جداً الذين يمكنهم أن يزعموا معرفتهم، منذ البداية، بأن هذه المسيرة ستكون طويلة، وأنها ستواجه كل هذه التحديات، وتقدم مانراه من تضحيات.

لكن الغالبية العظمى من السوريين باتوا يُدركون هذه الحقيقة الآن.

فكل المؤشرات والمعطيات الداخلية والإقليمية والدولية توحي بأن مسار الثورة السورية طويلٌ ومُعقد، ويحتاج إلى نقلةٍ في كل أساليب التفكير والعمل والتخطيط الموجودة لدى الثوار حتى الآن.

ونحن حين نتحدث عن الثوار فإننا لانحصر المعنى فيمن يحمل السلاح فقط، وإنما بات الأمر يتعلق بكل شريحة آمنت بأهداف الثورة وعملت على تحقيقها في كل المجالات.

من هنا، نُعيد التأكيد على ماذكرناه سابقاً من أن التسمية المذكورة تُجيب اليوم بعفويةٍ عبقرية على جملة أسئلةٍ يطرحها الواقع، وتتعلق بـ (الوسيلة) و(الهدف) و(الفاعل الأساسي).

ثلاثةُ مفاهيم رئيسة تتعلق بالثورة السورية، وتتمحور حولَها جميعُ الأسئلة التي يطرحها الفرقاء على اختلاف أدوارهم وغاياتهم المُعلنة أو المُضمرة.

فابتداءً، يُذكّر الثوارُ أنفسهُم، وكلَّ من له علاقةٌ بالموضوع بأي شكلٍ من الأشكال، أن هدف الثورة بات الآن أكثر وضوحاً وتحديداً، وأنه يتمثل في كل المعاني والدلالات التي تندرج تحت كلمة (التحرير).

فالتحرير بمعناه الشامل هو هدف الثورة السورية الآن. لايقتصر الأمر على الأسد، ولا على عائلته، ولا على نظامه، وإنما يتعدى ذلك بكثير. بل إنه لايقف حتى عند هدف تحرير سوريا من احتلال إيران الراهن، ومن ورائها روسيا، للبلد عسكرياً وسياسياً.

فالتحرير المطلوب الآن يهدفُ للقيام بعملية تطهيرٍ كاملة تشمل القيم والعادات وطرق التفكير والحياة السابقة، وترمي، مع كنسِ النظام السياسي الراهن، إلى كنسِ ثقافةٍ باليةٍ عمل هذا النظام لترسيخها على مدى عقود.

أكثر من هذا، لامشاحة من الاعتراف بأن ظروف الثورة نفسها خلقت مظاهرَ وممارساتٍ وأفكاراً، تدّعي نَسَباً إلى الثورة وأهدافها، ولكن بعضها باتَ لا يمتُ لتلك الأهداف بِصِلة، في حين يمكن وصفُ بعضها الآخر بأنه يتناقض مع الأهداف المذكورة بكل وضوح. حدثَ هذا خاصةً مع المُداخلات الخارجية، ومنها تلك التي كانت ولاتزال تؤكدُ أنها تعمل للثورة.

فالتحرير الآن بات يشمل التعامل مع كل الظواهر الشاذة التي تتناقض مع أهداف الثورة السورية الأصيلة المعروفة، والتي يُثبت الواقع أنها لاتموت في ضمير الشعب السوري بغض النظر عن المظاهر العابرة.

وإذا كان (التحريرُ) مطلوباً بذلك المعنى، فإن الوسيلة لتحقيق أهدافه هي (الحرب). والحربُ هنا لاتنحصر في معناها العسكري على الإطلاق، بل تشمل إضافةً إليه العمل الجادّ والحثيث على الجبهات الاجتماعية والإعلامية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

نعم. نحن في حربٍ مع النظام، وهذه حقيقةٌ لايُجادل فيها أحد. لكن الحرب على مدى التاريخ لاتنحصر في معناها العسكري على الإطلاق، حتى في الاستراتيجيات التي تُوضعُ للجيوش النظامية في جميع أنحاء العالم.

فدور العسكري محددٌ ومعروف. ومالم يستند العسكري إلى منظومةٍ متكاملةٍ من الوظائف والخدمات الاجتماعية والإعلامية والنفسية واللوجستية والاقتصادية، فإن من شبه المستحيل عليه أن يقوم بإنجاز المطلوب منه وحده. بل يُصبح هذا نوعاً من التعجيز الذي نُوقع فيه أبطال الجيش الحر والكتائب، ونوقع فيه أنفسنا.

لاندعو هنا أبداً للتقصير في دعم الجهد العسكري، فهذا أمرٌ لايجب أن يتوقف على الإطلاق، خاصةً في مواجهة نظامٍ مجرمٍ لايردعه خلقٌ ولادينٌ ولامعنىً من معاني الإنسانية. لكن من غير الجائز أيضاً أن نختزل كل جهدٍ معنويٍ ومادي وفكري في العمل العسكري المباشر، لأن هذا بحدّ ذاته يؤدي إلى ماهو أقرب لخيانة الثورة، بغضّ النظر عن النيات الطيبة.

لهذا، سيكون مطلوباً أكثر من أي يومٍ مضى أن تتصاعد ألوان الحراك المدني ونشاطاته وفعالياته بشكلٍ موازٍ لتصاعد أعمال المقاومة الشعبية. وأن يزداد الابتكارُ في إيجاد شبكات التكافل الاجتماعي والحياتي اليومي. وألا يتوقف الإبداعُ في المشاريع المتعلقة بالإعلام والمعلومات والاتصالات. وأن يكون هناك إصرارٌ على تأكيد قواعد ثقافية واجتماعية جديدة تحكمُ العلاقة بين أبناء شعب سوريا في مناطقها المختلفة،بحيث يمكن العمل لتكون هذه القواعد حاضنةً لتأسيس عقدٍ اجتماعي جديد بين أبناء الشعب بكل شرائحهم، ووفق شبكة علاقات مضبوطة بالالتزام بأهداف الثورة من جهة، وبالقيم الأصيلة للرؤية الإسلامية من جهةٍ أخرى.

أما الفاعل الأساسي في الثورة السورية فإنما يتمثل في (الشعب). ولن تكون ثمة إمكانية لخوض (الحرب) وصولاً إلى (التحرير) في معزلٍ عن إشراك أكبر شريحةٍ ممكنة في فعاليات هذه الحرب من أبناء الشعب بأسره. صغاره وكباره، نسائه ورجاله، فقرائه وأغنيائه، وممن يقطنون في المدن أو القرى أو الضواحي أو الأرياف أينما كانوا في مساحة الوطن التي باتت تحتضن الجميع ويحتضنها الجميع.

المفارقة هنا أن المشاركة الشعبية الشاملة لاتعني فقط تعبئة الطاقات الموجودة لدى أبناء الشعب لمحاربة النظام، وهذا مطلوب، وإنما الترتيبَ لتكون الرقابةُ الشعبية الشاملة أيضاً هي الضمان الأكبر والأقوى للحفاظ على إيقاع الثورة المتوازن والمعتدل في جميع المسارات وعلى كل المستويات. خاصةً في مجال ضبط ومحاصرة الظواهر الشاذة، والضغطَ لتأكيد المواقف والسياسات والممارسات التي تنبع من الرؤية الوسطية المُعتدلة، التي كانت ولاتزال وستبقى تُشكل جوهر الهوية الحضارية للشعب السوري.

ثمة حاجةٌ ماسةٌ أولاً لتعميق مفهوم حرب التحرير الشاملة في أوساط الثورة السورية اليوم، ثم إننا بحاجةٍ لتعميم دلالات هذا الفهم على جميع المجموعات والشرائح التي تحاول خدمة الثورة في كل مجال، ونحن بحاجةٍ أخيراً لنُحدّد بشكلٍ محترف كل الوظائف الأخرى المطلوبة للانتصار، وأن نوزع الأدوار بشكلٍ مدروسٍ للقيام بتلك الوظائف.

أهم مافي الموضوع أن يكون لدى أصحاب العلاقة استعدادٌ لنقلةٍ نفسيةٍ وفكريةٍ واجتماعية وعملية تنبثق من إدراكهم لطول المسيرة القادمة، واستعدادٌ للعمل بمقتضياتها بأساليب ووسائل مغايرة بدرجةٍ كبيرة لما كان سائداً حتى الآن.

حربُ التحرير الشعبية. حربٌ (شاملة)، للتحرير (الشامل)، يقوم بها الشعب بشكلٍ (شامل).

هذه هي إجابة الثورة السورية على كل المناورات المطروحة في ساحة السياسة الدولية.

-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ينجو الربيع العربي من مخالب القوى العظمى؟

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 14/7/2013

لو كانت الثورات العربية قد حدثت في بلدان خارج منطقة الشرق الأوسط لربما نجحت، وانتهت، واستقرت أوضاع بلدانها بسرعة أكبر بكثير مما هي عليه في منطقتنا المنكوبة بموقعها الإستراتيجي منقطع النظير، ووجود إسرائيل، وطبعاً المادة الأكثر إسالة للعاب العالم وهي النفط. إن العوامل الثلاثة تلك تجعل أي تغيير في المنطقة العربية ليس مستحيلاً طبعاً، بل في أحسن الأحوال محفوفاً بالقلاقل والمد والجزر وفي أسوأ الأحوال ربما الإفشال وإعادة الأمور إلى أسوأ ما كانت عليه، لأن مصالح القوى الكبرى في منطقتنا أكبر بكثير من أن تترك شعوبها تقرر مصيرها بنفسها، وتختار الحكومات التي تريدها، بعد أن كان الكبار يختارون لها أنظمتها ويقررون سياساتها منذ عشرات السنين.

لا أبالغ إذا قلت إن أي شعب عربي يريد أن يثور من الآن فصاعداً يجب أن يجمع تواقيع الدول الكبرى والإقليمية والمجاورة قبل أن يبدأ ثورته، وإلا حولوها وبالاً عليه، فالثورات لم تعد شأناً داخلياً كما كانت. في الماضي لم يكن هناك عولمة سياسية وإعلامية واقتصادية وثقافية، فكانت الثورات تمر دون أن يسمع بها بقية العالم. هذا إذا كانت في بلاد لا تحظى بأهمية إستراتيجية واقتصادية كبرى كبلداننا. أما اليوم فلا يمكن لثورة أن تمر إلا إذا حصلت على مباركة القاصي والداني. وإلا استخدموا ضدها كل وسائل العولمة الخطيرة ليحولوها نقمة على الشعوب التي قامت بها.

لا نقول هذا الكلام انطلاقاً من نظرية المؤامرة، بل بناء على ما نراه من محاولات دولية مفضوحة للعبث بالثورات العربية وحرفها عن مسارها وتجييرها لمصالح القوى الكبرى. هل كانت الثورة السورية لتتعثر، وتتسبب في تدمير معظم البلاد وإزهاق مئات الألوف من الأرواح لو لم تتدخل روسيا لعرقلتها من أجل الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية في سوريا؟ بالطبع لا. لم يأت الدعم الروسي للنظام السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً إلا من أجل ضرب مسار الثورة كي لا تتأثر المصالح الروسية في سوريا في حال جاء نظام آخر. فقد تعلمت روسيا الدرس من مصر، حيث فقدت نفوذها هناك بعد وصول نظام الرئيس أنور السادات.

وحتى في مصر، لا يمكن أبداً عزل المخططات الغربية عما يحدث هناك. لا شك أن من حق الشعب المصري أن يقوم بعشرات الثورات كي يصحح مسار ثورته الأولى، لكن هل تسير الأمور في مصر بعيداً عن التدخلات والضغوط الخارجية؟ نرجو ذلك، مع العلم أن الأمور ليست بحاجة لتوضيح. لقد اعتبرت صحيفة الجارديان البريطانية الرصينة أن "الثورات العربية المتصاعدة تشكل تهديداً فعلياً للنظام الإستراتيجي العالمي، وأن الغرب لا يكل، ولا يمل أبداً في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات، ومعيدة إلى الذاكرة سنوات الاستعمار الغربي للبلدان العربية بعد تقسيمها".

وتشير الجارديان إلى أنه ومنذ يوم سقوط حسني مبارك في مصر، ظهر اتجاه مضاد متعنت بقيادة القوى الغربية وحلفائها "لرشوة أو تحطيم أو السيطرة على الثورات العربية". وتربط الصحيفة بين ثورات الربيع العربي والثورات التي حدثت في العالم العربي في بداية ومنتصف القرن الماضي. ومن المدهش أن بعض المصادر الغربية توقعت قبل أكثر من سنة أن يكون مصير الإسلاميين فيما لو وصلوا إلى السلطة مشابهاً لمصير القوميين العرب الذين وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان العربية في منتصف القرن الماضي، حيث هددوا المصالح الغربية، فما كان من القوى الاستعمارية إلا أن عملت على إزاحتهم بطرق شتى كما حدث في مصر جمال عبد الناصر وعراق صدام حسين. فقد درج الغرب كما ترى الجارديان مثلاً أن يوصم العرب الذين "يصرون على إدارة شؤونهم الخاصة دون تدخل خارجي بأنهم ثلة من المتعصبين الإرهابيين بقطع النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية والحزبية". وترى الصحيفة أنه حتى لو سمح الغرب بوصول الإسلاميين إلى السلطة فإن "أمريكا وحلفاءها يحاولون ترويضهم - على السياسة الاقتصادية الغربية بدلاً من تفسيرات الشريعة. والذين يخضعون لذلك سوف يتم اعتبارهم "معتدلين، أما الباقي فيسمونهم متعصبين، متطرين".

باختصار شديد يرى كثيرون على ضوء تعثر حركة الربيع العربي في أكثر من بلد بأن الغرب "منهمك بالفعل في إجهاض مقاصد الثورات العربية من الانعتاق من سيطرة الغرب على البلدان العربية مؤكدين أن الغرب لن يسمح بأن تخرج المنطقة العربية عن سيطرته، لأنها تعيش فوق بحيرة من النفط لا غنى للغرب عنها"، ناهيك عن وجود إسرائيل فيها. وهناك طبعاً الكثير من الشواهد التاريخية على تدخل الغرب "لإجهاض كل الثورات والانتفاضات العربية ضد سيطرته عبر دعم أنظمة صديقة له. بدءاً بثورة يوليو في العراق بقيادة مجموعة عبد السلام عارف القومية المتأثرة بالرئيس جمال عبد الناصر على الملكية الموالية للغرب. خذ المرة الأولى التي حاول فيها العرب أن يقذفوا بأنفسهم بعيداً خارج المدار الغربي في خمسينيات القرن الماضي تحت تأثير قومية ناصر العربية. ما ذا حدث؟ لقد قام الغرب بدعم انقلاب البعث عليها. ذلك الانقلاب الذي مكن صدام حسين من الوصول إلى السلطة عام 1963. ولم تتوقف جهود أمريكا وبريطانيا عن مسعاها في استرداد العراق الغني بالنفط منذ ذلك الوقت حتى تحقق لها ذلك في عام،2003 حيث تمكنتا من إعادة احتلال العراق بالكامل والسيطرة التامة على ثرواته النفطية".

هل سينجو الربيع العربي من مخالب القوى الكبرى هذه المرة، أم أنه سيكون في أحسن الأحوال مجرد "تحسين لشروط التبعية" كما تساءل أحدهم قبل مدة؟ الجواب عند الشعوب العربية الحية التي كبرت كثيراً على الألاعيب الاستعمارية المفضوحة. نتمنى أن لا نكون مخطئين.

-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: حان وقت تغيير قواعد الاشتباك

غازي دحمان

المستقبل

الاحد 14/7/2013

تتمثل الإشكالية الكبرى في الأزمة السورية، أن ألأطراف الأساسية الداعمة لبشار الأسد وفريقه، والنظام نفسه، يشتغلون في ظل مناخ وإشتراطات دولية مريحة، تتسم بمستوى عال من التبسيط وعدم التعقيد، وهو ما يشكل عاملاً مساعداً لتلك الأطراف على تطوير إستراتيجياتها وطبيعة عملها، الذي يتسم بالتصعيد المستمر.

في المقابل يتسم أداء وسلوكيات الأطراف المقابلة بطبيعتها الأزموية، فهي صادرة عن طيف واسع من الأطراف المختلفة، التي تملك رؤى تحليلية متقاربة للحالة، ولكنها تفتقر لتفعيل تلك الرؤى وتحويلها إلى إستراتيجيات موحدة، وإلى آليات تنفيذ واضحة ومحددة. فمثلاً، تجتمع فرنسا والمانيا ضمن هذا الطيف، لكنهما تختلفان حول طبيعة الإجراءات المطلوب إتخاذها لمساعدة الشعب السوري، إذ بينما بدت فرنسا متحمسة لتقديم السلاح للثوار، عارضت المانيا مثل هذا الإقتراح بشدة، داعية إلى إتباع أساليب أخرى.

كذلك، فإن مواقف هذه الأطراف تتميز بمحدودية الخيارات، على عكس مواقف الأطراف الداعمة لفريق بشار الأسد التي تتمتع بمروحة واسعة من الخيارات: من الدعم السياسي إلى الدعم المادي إلى الدعم العسكري والتقني بكل أنواعه، وهو دعم مفتوح يمتد من التدريب القتالي إلى تسييل كل أنواع الأسلحة. فيما تكاد تقتصر مساعدات الطرف الآخر على نوعيات محددة من الأسلحة وبطريقة حذرة جداً، ما يجعل أهدافها محصورة تحت سقف تحقيق التوازن الميداني، إن أمكن، طمعاً بجلب الفريق الثاني إلى طاولة التفاوض.

وفق هذه الآلية، ليس ثمة أمل بأن يصار إلى تحقيق أي إختراق مهم، في سياق الحدث السوري. وثمة حاجة، باتت ملحة اليوم أكثر من غد، لأن يعمل العالم على تعديل رؤيته للحدث السوري بإعتباره قضية تهدد الأمن والسلم العالميين، وإعادة توصيف الحالة على أنها قضية إستراتيجية بإمتياز، تهم العالم كله، وتقع في قلب مصالحه، وهي قضية لا تخص روسيا وإيران وحدهما، بل تعني مصالح العالم وأمنه.

في هذا الإطار يمكن التوافق على جملة من المبادئ والمصالح، التي يتوجب حفظها ومراعاتها لمختلف الأطراف. لكن، أيضاً ثمة قضايا صارت من البديهيات، وصار يتوجب عدم إخضاعها لمزيد من النقاش والفحص والتحليل، ليس لما تستهلكه من وقت ما عاد أحد يمتلك ترفه، ولكن لما تخلقه من مناخ إستفزازي من شأنه إلغاء الثوابت والتأثير بها، فليس من المنطقي إستمرار الخضوع لابتزاز الروس، ورفضهم أي حديث عن "مصير الأسد"، لأنه ومصيره محور كل المناورة، التي يلعبونها تحت عنوان "دعوا الشعب السوري يقرر". وهم يعرفون طبعاً أن هذا مجرد شعار صحيح سياسياً لكنه معدوم المعنى واقعياً، إذا كان سيخضع لموازين القوى العسكرية. كما آن الأوان لتسمية الأشياء بمسمياتها، وإفهام الروس بأن كل شعوب العالم لا ترى أن "بوتين" يقدِّم السلاح - بالأحرى يبيعه - إلى الجهة الصالحة، فثمة مقاتل صار مجرماً إذ أكل قلب ضحيته، لكن ثمة نظاماً تصنفه تقارير محققي لجنة حقوق الإنسان مجرم حرب، إذ لا يتوقف عن القتل والتدمير، وصار الآن يستخدم السلاح الكيماوي ضد شعب سوريا بأكمله.

لم يعد كافياً أن تكتفي الدول التي تدعي دعم الشعب السوري بالتنديد والرجاء. تلك أساليب ناعمة جداً ولا أشواك لها. على هذه الدول التلويح بإجراءات رادعة، والبدء بالتمهيد اللوجستي لها في الميدان. ولاشك أن مثل هذا الإجراءات سيثير عدداً من المخاوف بالنسبة لجميع الأطراف، ولاسيما الأسد الذي يعرف جيداً أنه لن يستطيع الانتصار، حتى في ظل المساعدات العسكرية الروسية والإيرانية، لو قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها الانخراط فعلياً في الحرب. وهذا الإدراك قد يقنع الأطراف جميعاً ببذل جهد دبلوماسي أكبر لبلوغ الحل. لاشك أن ديكتاتوراً مثل الأسد لا مجال لدفعه للتفاوض حول الخروج، إلا بتأكده أنه منهزم لا محالة.

هذه واحدة من قواعد الاشتباك الجديدة الواجب إتباعها، وثمة قواعد وخيارات أخرى بديلة يتوجب أن تكون جاهزة، ذات طبيعة سياسية وإقتصادية، من نوع عزل روسيا سياسياً في مختلف المحافل، كما على الدول العربية أن تفعّل قراراتها، فهي إذ لا تملك قوات عسكرية، فهي تستطيع أن تقاطع روسيا اقتصادياً.

البقاء في إطار قواعد الاشتباك القديمة بات أمراً غير مجدٍ، ما لم تطور الدول سياسات تعاطيها مع الحدث، فإن الأزمة مقدر لها أن تتفاقم وتتطور في سياقات لن ينجو أحد من تبعاتها. ثمة مؤشرات عديدة على أن الأمور تتجه صوب الأسوأ. النظام وحلفاؤه، باتوا يعبثون بالتركيبة الديمغرافية وبالجغرافيا السياسية السورية. الإتكال على بوتين وروحاني في تغيير سياستهما مثل المراهنة على صعود الماء، لا يستطيع أحد أن يتهمهما بتبني قيم معينة، الرجلان من رحم أنظمة لا قيم لها إلا قيم التسلط والقهر.

-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 40)

الطليعة المقاتلة تُصعّد من عملياتها النوعية

التفجيرات تهز العاصمة السورية دمشق

محمد فاروق الإمام

قامت القيادة الميدانية للطليعة المقاتلة باتباع إستراتيجية المواجهة الحامية مع السلطة، إستراتيجية لم يسبق أن حدثت في تاريخ سورية، وهي إستراتيجية التفجيرات وحرب السيارات المفخخة التي استهدفت بعض المباني الحكومية والعسكرية المهمة مثل: (رئاسة مجلس الوزراء) بدمشق في آب عام 1981م، و(آمرية القوى الجوية) بدمشق في تشرين الأول عام 1981م، وكانت العملية الأكثر دموية ورعباً هي الانفجار الذي سببته سيارة مفخخة أسفل قيادة المخابرات الجوية العسكرية في الأزبكية بدمشق في كانون الأول عام 1981م، التي هزت دمشق هزاً عنيفاً، حتى ظن الناس أن زلزالاً قوياً ضرب المدينة. وقد رفضت جماعة الإخوان المسلمين هذه الأعمال واستنكرتها وأعلنت براءتها منها، ونفت أي علاقة للإخوان المسلمين بهذه التفجيرات المجنونة.

تفجير مبنى رئاسة مجلس الوزراء بدمشق

في شهر آب وبتاريخ 25/8/1981 قامت الطليعة المقاتلة بتحريك سيارة مفخّخة باتجاه مبنى رئاسة مجلس الوزراء الكائن في ساحة السبع بحرات، حيث كان من المفترض أن يكون هناك اجتماع مشترك للحكومة بكامل أعضائها من الوزراء واللجنة المركزية لحزب البعث، وكان من المتوقع أن يكون حافظ أسد وأخيه رفعت على رأس المجتمعين، ولقدرٍ يريده الله تم إلغاء الاجتماع بأقل من ساعة في الوقت الذي تمكن فيه عناصر الطليعة من إدخال السيارة إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء وانفجرت في الوقت المحدد لها بعد بدء الاجتماع بحوالي نصف ساعة وأوقعت خسائرَ وأضراراً بالغةً في المبنى وتمكن المنفذين من الانسحاب بسلام.

وكانت هذه العملية من الأهمية بمكان حيث كانت ثاني عملية من نوعها في سورية يتمكن فيه عناصر الطليعة المقاتلة من اختراق الأماكن الحساسة للنظام بعد عملية القصر الجمهوري، وأول عملية تفجير على هذا المستوى تقوم بها الطليعة المقاتلة.

تفجير مبنى قيادة القوى الجوية بدمشق

في شهر أيلول 9/1981 تحركت سيارةٌ مفخّخة باتجاه مقر قيادة القوى الجوية الكائن في منطقة المالكي بدمشق، وهو كذلك مقر قيادة المخابرات الجوية برئاسة العميد محمد الخولي والمكلفة بحماية تحركات حافظ أسد، وتمكّنَ المهاجم من اختراق البوابة الرئيسية لمبنى القيادة والدخول بسيارته المفخخة إلى تحت المبنى تماماً، وحين تجمّعَ الحرس والضباط عند السيارة ليروا ما الخبر انفجرت السيارة ذلك الانفجار الهائل الذي هزّ مبنى القيادة، وأوقعت العملية الجريئة خسائر فادحة في صفوف الضباط الذين يتحمّلون قسطاً كبيراً من مسؤولية المجازر والجرائم والخيانات التي يتعرض لها الشعب، وكانت الصدمة كبيرة للنظام فقد كانت هذه العملية أول اختراق للطليعة المقاتلة لمراكز النظام الطائفي العسكرية وقواعده الأمنية الرئيسية، وقد أوقعت العملية ما يزيد عن مائة وخمسين إصابة بين قتيل وجريح كانت إصابات معظمهم خطيرة .

تفجير مبنى لإقامة الخبراء الروس

في شهر تشرين أول/1981 وفي إطار معركتها الطويلة مع النظام وأعوانه وجّهت الطليعة المقاتلة ضربة جديدة للخبراء الروس العاملين في سورية يُضافُ لسلسلة الضربات الموجعة التي وجَهتها من قبل، وتعملُ نسبة كبيرة من هؤلاء الخبراء كمستشارين أمنيين للنظام الطائفي ومسؤولين مسؤولية مباشرة عن خطط المواجهة وتطويرها بشكل دموي عنيف مع جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها من أبناء الشعب المسلم في سورية، وقد كان الخبراء الروس قد تلقوا في السابق ضربات موجعة بشكل جماعي وفردي على امتداد سورية كلها، فقد تلقوا ضربات قويّة ومؤثرة في حلب وحماة وحمص ودمشق حيث تم توجيه ضربات أقوى فيها، وقد انفجرت السيارة المفخخة في وسط مجمع سكني يخص الخبراء والمستشارين الروس وأوقعت إصابات كبيرة في صفوفهم مع إلحاق التدمير البالغ بأبنية المجمع .

عملية حيّ الأزبكية بدمشق

بتاريخ 29/10/1981 وقع انفجار ضخم في شارع بغداد في حيّ الأزبكية وهو أحد شوارع دمشق المزدحمة بالسُكّان، وقد نجم الانفجار عن سيّارة مفخخة قالت الأنباء أن مدبر العملية لم يتمكن من إيقاف السيارة أمام المبنى المقصود وطارده حرس المبنى فهرب بها وتركها بعد المبنى وانفجرت، وكان الانفجار يستهدف في الظاهر مجمّع الأمن في مبنى شعبة التجنيد في المنطقة وهو مبنى مؤلف من ثلاث طوابق، غير أن موقع السيارة المفخخة والذي كان بعيداً عن المجمع بحوالي مائة وخمسين متراً يشيرُ إلى أن للمنفذين أهدافاً أخرى غير مجمع الأمن هذا، وجاءت أضرار الانفجار كبيرة جداً نتيجة عبوة من المتفجرات قُدِّرت بأكثر من خمسمائة كيلو غرام تسببت بحفرة عمقها في الأرض أكثر من أربعة أمتار وقطرها بحوالي خمسة أمتار، كما وشملت الأضرار البالغة من تدمير وتهديمِ أجزاءَ أعدادٍ كبيرةٍ من البنايات على طرفي الشارع، ووصلت آثار الانفجار إلى الشوارع الخلفية من الجانبين والتي تطاير زجاج نوافذها، ولم تقتصرُ الخسائر على الأضرار المادية بل تسببت العملية في قتل وجرح المئات من المواطنين الأبرياء مع عدد بسيط جداً من جنود السلطة حيث كان الانفجار بعيداً أصلاً عن مجمعهم كما ذكرنا .

وللأمانة التاريخية فقد راجعت واستفسرت عمّا إذا كان للإخوان المسلمين بشقيهم الطليعة المقاتلة والتنظيم العام أي صلةٍ بهذه العملية فلم أتمكن من وضع يدي على أي شيء توثيقي يشير إلى قيامهم بهذه العملية ومسؤوليتهم عنها، في حين تضاربت الأنباء في حينها أن وراء هذه العملية جهات أجنبية خارجية ومن غير المستبعد أن تكون الكتائب اللبنانية "وأنا لست متأكداً من هذا الطرح"، إلا أنني وصلتُ لأخبارٍ فيما بعد أن رفعت الأسد هو من قام بتنفيذ هذه العملية عن طريق تجنيد بعض الأشخاص للقيام بهذه المهمة القذرة التي كانت في الدرجة الأولى موجهةً ضد المواطنين الأبرياء وجعلهم مادة دعائية وإعلامية له وكغطاء لما سيُقدِم عليه ضد جماعة الإخوان المسلمين، حيث أراد رفعت أن تكون هذه العملية بمثابة القطرة التي ستأتي بالطوفان .

وقد جاء بالخبر ما يلي : (أن منفذ العملية وآخرون معه رتبوا لهذه العملية وبعد التنفيذ اختفى الرجال عن الوجود لأكثر من أحد عشرَ عاماً، حيث أمضوا كل الفترة السابقة في سجن تدمر وهم يرفضون الإفصاح عن سبب سجنهم الحقيقي طوال هذه الفترة).

هذا الخبر وجدته مقبولاً عندي بعد مقارنته بممارسات سابقة للسلطة حصلت في عام 1972، عندما أرسل حافظ الأسد عن طريق ناجي جميل يوم أن كان مسؤولاً عن المخابرات العامة ومن فرع حمص الذي كان مسؤولاً عنه نزيه زرير، حيث أرسلوا مجموعة من عناصر أمن الدولة من فرع حمص لاغتيال اللواء محمد عمران شريك حافظ الأسد السابق في اللجنة العسكرية وانقلاب عام 1963 في طرابلس في لبنان، وبعد تنفيذ العملية تم اعتقال منفذي العملية ومحاكمتهم صورياً وإيداعهم سجن المزّة العسكري بدمشق بعد أن تخلت عنهم السلطات التي أرسلتهم وأنكرت صلتها بما أقدموا عليه.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 39)

الفرار الكبير

محمد فاروق الإمام

بعد أن استحر القتل في سورية بمراسيم طبقاً للقانون (49) الصادر عام 1980م، الذي يجرم كل منتم لجماعة الإخوان المسلمين ويحكم عليه بالإعدام، وإنشاء المحاكم الميدانية العسكرية التي خُولت بإصدار عقوبة الإعدام بحق عناصر الإخوان المسلمين وتنفيذها، الأمر الذي دفع الآلاف من جماعة الإخوان المسلمين وأقربائهم وأصدقائهم على الفرار إلى دول الجوار القريبة أو البلاد البعيدة.

فقد استقبلت تركيا والعراق ولبنان والأردن والسعودية ودول الخليج الآلاف ممن تمكنوا من الفرار، وكان نصيب الأردن الحظ الأوفر من هؤلاء الفارين والنازحين لسهولة الانتقال إليه، إذ لم يكن السوري بحاجة إلى تأشيرة دخول من جهة، ولطول الحدود بين البلدين وسهولة عبورها، فتجمع في الأردن أعداد كبيرة جداً طلباً للنجاة من الموت والقتل على الهوية.

ورحب الأردن بالإخوان ملكاً وحكومة وشعباً، وعوملوا كما يعامل أبناء الأردن سواء بسواء، وسهلت الحكومة، بأوامر من جلالة الملك الحسين، الإقامة للوافدين السوريين، فوجدوا كل رعاية كريمة وحسن ضيافة، ومُكنوا من مزاولة الأعمال الحرة في البلاد، حتى غدا العديد من السوريين يملكون محلات تجارية مميزة ومؤسسات تجارية وعقارية، ومكاتب هندسية، وورشات حرفية، وعيادات طبية، وأكثر ما ميزهم محلات الحلويات والمعجنات الشامية المشهورة، التي لا يخلوا منها مكان سواء في العاصمة أو المدن الأردنية الأخرى. إضافة إلى اشتهار العديد منهم بتبني الإنشاد الديني، وظهورهم في الإذاعة والتلفزيون والمهرجانات العامة والحفلات الخاصة. وعلى سبيل المثال (أبو محمود الترمذي، وأبو راتب، وأبو الهدى).. وحتى بعد وفاة الملك الحسين رحمه الله فإن جلالة الملك عبد الله سار على نفس خطى والده، حيث شمل الإخوان السوريين بمزيد من الرعاية وحسن الضيافة، وكان الإخوان الأردنيين على قدر كبير من المسؤولية تجاه إخوانهم السوريين، فقد كانوا لهم كما كان الأنصار في المدينة للمهاجرين إليهم من مكة.

ولم يكن العراق أقل ترحيباً من الأردن بالإخوان السوريين، فقد فتحت لهم بغداد ذراعيها واستقبلتهم أحسن استقبال، وأقامت لهم معسكرات التدريب، والتحق العديد بالجامعات في مختلف المحافظات العراقية، وسهلت لهم الحركة داخل البلاد، وخارجها ومنحت العديد منهم الجوازات العراقية لاستخدامها في أسفارهم سواء من أجل عمل تنظيمي أو من أجل استكمال الدراسات العليا، وتخرج من الجامعات العراقية الآلاف من الطلبة السوريين في جميع الاختصاصات العلمية والإنسانية.

كذلك استقبلت السعودية ودول الخليج واليمن الآلاف من السوريين الفارين ومكنتهم من الإقامة والعمل ويسرت لهم سبل العيش حتى غدا العديد منهم من أصحاب اليسار والغنى.

وتمكن العديد من الإخوان السوريين أن يعبروا البحار ويقيموا في دول أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، وأن يعملوا في مختلف الأعمال المهنية والعلمية، وكان منهم من وصل إلى أن يكون عالماً متخصصاً يشار إليه بالبنان، أو أستاذاً في أرقى جامعات أمريكا وكندا وأستراليا والغرب بشكل عام. أيضاً فإن الآلاف منهم شاركوا في الجهاد في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك، وكان منهم قادة ومدربين وموجهين. كذلك استقبلت باكستان وماليزيا وأندونيسيا المئات منهم.

جماعة الإخوان المسلمين وحزب البعث

يجهل العديد من الناس أن الإخوان – رغم اختلافهم مع إيديولوجية حزب البعث – قد تعاونا في بعض الفترات في المجال السياسي الوطني، حيث التقت وجهات نظر الطرفين في التصدي لمشروع (سورية الكبرى) والأحلاف الغربية في المنطقة وقضية فلسطين والإصلاح الزراعي.

ولعل أبرز تعاون قام بين الطرفين كان في 12 أيلول عام 1947م حين نظمت الجماعة مؤتمراً شعبياً في المسجد الأموي الكبير بدمشق تنديداً بقرار تقسيم فلسطين الذي اتخذه مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد أصدر المؤتمر (ميثاقاً) تشكلت بنتيجته (اللجنة المؤقتة للدفاع عن فلسطين). وكان صلاح البيطار ممثل البعث في هذه اللجنة. كذلك في خلال صدام الجماعة الأم في مصر مع ضباط انقلاب23 يوليو/تموز عام 1952م، حيث وقف البعث إلى جانب الجماعة في محنتهم، وندد بما أقدم عليه عبد الناصر من إعدام ثلة من قادة الجماعة في مصر، إضافة إلى التحالف غير المعلن في التصدي للشيوعية.  

الطليعة المقاتلة تُصاب بانتكاسة ميدانية

وجه عدنان عقلة رسالة داخلية بصوته في تموز عام 1980م، عبر فيها عن انتكاسة أصابت الطليعة في ميدان عملها، إذ اعترف بـ(الخسائر الفادحة) و(المحنة الثقيلة) إلا أنه هوّن منها واعتبرها (محنة عابرة) ودعا أولئك الذين وقفوا (مع الثورة في أوج صعودها) - على حد تعبيره - إلى تجديد التفافهم حولها، و(إلا فإنهم كانوا يخدعون أنفسهم) وتوعد عقلة كل أعوان السلطة الذين حددهم (بالمهيمنين والحزبيين والشيوعيين البكداشيين والمخبرين والجواسيس) بالانتقام والتصفية.

وراحت الطليعة توجه رصاصها إلى أهداف اعتبرتها معادية لها. وهذا تحول في إيديولوجية الطليعة، فراحت تغتال عناصر عادية وبسيطة وسهلة، بحجة أن هذه الأهداف هي عيون السلطة مدسوسة في صفوف الجماهير وتمثل خطراً على الطليعة، مما أثار سخط الناس عليها، وجعل حلفاء الأمس يبتعدون عنها.

وعلق الشيخ سعيد حوى (رحمه الله) على الحال التي وصلت إليه الطليعة قائلاً: (وكثر في ضوء ملاحظاتنا الميدانية لهذه الفترة معدل الأهداف البسيطة والسهلة مما دفع إلى تقلص مد الثورة والشعور بذبولها، وهذا دفع فصائل الإخوان المسلمين إلى الوفاق).

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com