العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20/05/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الثورات تُعطي لمن يعطيها .. نزار عيسى

مع دخول الثورة السورية شهرها الخامس عشر وفي ظل هذا النفس الطويل والزخم الكبير للثورة السورية رغم استمرار عمليات القمع الشديد والقتل المُمنهج والتي ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية وتواصل عمليات قصف التجمعات والأحياء السكنية بالمدفعية الثقيلة وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها وتهجير الناس من بيوتها إلى البلدان المجاورة

فرغم كل تلك الممارسات الهمجية من النظام ، استمرت ثورة الحرية والكرامة في عموم سوريا من درعا مهد الثورة السورية إلى قامشلوا وفي كل جمعة يتجمع عشرات الألوف إمام المساجد إيذاناً ببدأ تظاهرات عارمة وتطلق عليها في كل جمعة تسمية جديدة تحفز الثوار وتشحذ الهمم على المضي في ثورتها وبروح معنوية عالية وإيمان عميق بالنصر القريب

لكن بعض الأقلام والأصوات من هنا وهناك بدأت تأخذ على الثورة السورية تسمياتها ذات الطابع الديني الإسلامي من جمعة الله أكبر إلى جمعة نصرٌ من الله وفتح قريب وما بينهما من عشرات الجُمع وبتسميات مختلفة

وحجة هؤلاء ان في سوريا طوائف و إثنيات دينية أخرى كالأخوة المسيحيين(اشوريين- أرمن- كلدانيين ) والاخوة اليزيديين والدروز والعلويين والإسماعيليين والتركمان والشركس وأن توجه البعض الآخر في سوريا هو ليبرالي وعلماني

ونسي أوتناسى أصحاب تلك التحفظات وما يسوقونه من مبررات ومن حجج أن الكثير من تسميات الجمع في سوريا تطرقت إلى تلك الطوائف وحُددت بالإسم كالجمعة العظيمة في إشارة إلى الطائفة المسيحية وجمعة سلطان باشا الأطرش للطائفة الدرزية وجمعة الشيخ صالح العلي للإخوة العلويين وأخرى ترمز للشعب للكوردي في سوريا كجمعة آزادي وجمعة الانتفاضة الكوردية (انتفاضة قامشلو) وذلك تقديراً للتضحيات التي قدموها ولازالوا في نضالهم ضد نظام القهر والاستبداد

إذاً يمكننا ان نقطع الشك باليقين من أن الثورة السورية هي لكل السوريين ويجب أن تكون كذلك وليست مصبوغة بصبغة معينة وأن غلبة الشعارات الاسلامية مردها أن غالبية الشعب السوري من المسلمين وأن الإنسان خُلق ضعيفاً وهو بالفطرة وبطبيعته عندما يصيبه أي كرب أو تحل به أية مصيبة فإن إلتجائه يكون لله وحده القاهر الجبار الذي يستجيب لدعوة المسلم في أصعب الأوقات وأحلك الايام

ولذلك علينا ألا نبالغ في توجسنا من طًغي الطابع الاسلامي لتسميات أيام الجمع أو بعض الشعارات التي تردد أو الكتابات التي ترفع في التظاهرات هنا وهناك

أما ما يردده البعض عن التوجس والخشية من جماعة الإخوان المسلمين فما هومعروف و معلن من قبل هذه الجماعة والذي كررته وتؤكد عليه في كل تصريحاتها وبياناتها من أنها تسعى للعمل مع باقي التيارات والمكونات والأطياف الأخرى في سوريا على إقامة دولة مدنية عصرية أساسها العدل والمساواة واحترام وإقرار حقوق الجميع في إطار الدولة السورية

وزبدة القول ومن خلال سبرأغوار تاريخ ثورات الأمم السابقة فإنه لا مكان في كل هذه الثورات للمنظرين والمشككين والمترددين والثورة تعطي لمن يعطيها الغالي والنفيس ويساهم في إنجاحها بدلاً من التناطح والتصارع على المكاسب الشخصية والحزبية بينما النظام يوغل في القتل ويريق يومياً دماء العشرات من خيرة أبناء سوريا ويدمرالبنى التحية لسوريا الوطن ؟؟؟؟ .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طرابلس بين الأسد الكبير والأسد الصغير .. محمد فاروق الإمام

الحديث عن طرابلس الشام ذو شجون.. فالحديث عن طرابلس ينكأ الجروح ويستعيد الذكريات الأليمة التي حفرتها يد الأسد الكبير في جسدها الطاهر الندي، عندما اجتاح هذا الأسد الجبان هذه المدينة بعشرات الدبابات وعشرات قطع المدفعية ومئات الآليات المجنزرة وآلاف الجند، الذين غابوا عن سوح الوغى عندما تعرضت لبنان إلى الغزو الإسرائيلي عام 1982 وتركت الفدائيين الفلسطينيين والمقاومين اللبنانيين إلى قدرهم في مواجهة الجيوش الصهيونية وآلتهم الحربية المدمرة، في مواجهة مجموعة من الشباب المؤمن بالحرية والكرامة الذين أبوا أن يكونوا عبيداً للأسد أو خدماً في مزرعته، وهم على معرفة مسبقة أن لا مقارنة ما بأيديهم من سلاح فردي خفيف وما تملكه جيوش الأسد من أسلحة ثقيلة وكثافة نيرانية هائلة، كان قد ادخرها لمثل هذا اليوم في مواجهة اللبنانيين الذين يأبون الخنوع والاستزلام له دون الصهاينة، وكانت معركة غير متكافئة قاتل إلى جانبه الطابور الخامس الذي كان يقوده محسن عيد من جبل محسن من داخل طرابلس لتنهي صمود هؤلاء الفتية، وتدخل قوات الأسد مزهوة إلى وسط طرابلس معلنة انتصارها الساحق على الإرهابيين والعصابات المسلحة، كما فعلت بالأمس عندما دخلت هذه القوات بابا عمرو مزهوة ترفع علامات النصر، بعد دكه بعشرات الآلاف من القنابل والصواريخ لنحو شهر، والتي سوت بنيان هذا الحي مع الأرض على رؤوس ساكنيه، وما كان للأسد أن يدخل طرابلس الصامدة إلا بعد أن استطاع شق صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وراح يشدد الضغط عليها في بيروت والمخيمات ويدفعهم إلى خارج المناطق التي يسيطر عليها، ليتوجهوا بدءاً من شهر آب 1983 إلى شمال لبنان وتحديداً إلى مدينة طرابلس ومخيمي اللاجئين المجاورين وهما نهر البارد والبداوي، وللتاريخ نذكر موقفاً بطولياً للسيد ياسر عرفات الذي تمكن الجيش الإسرائيلي وجنود الأسد من إخراجه من بيروت قبل ذلك:

حين اشتد قصف قوات الأسد والمنشقون عن عرفات على طرابلس والمخيمات الفلسطينية، هب عرفات لمساعدة مقاتليه وشد أزرهم، فأقدم على خطوة وصفها الشاعر محمود درويش، بأنها "فعل الشجاعة الأكثر تألقا في حياته الصاخبة": ارتدى ثياباً مدنية، وحلق لحيته، ووضع نظارة سوداء ليخفي معالم شخصيته، وحمل حقيبة صغيرة، وطار إلى مطار لارنكا في قبرص بجواز سفر مزور.. ومن هناك وصل إلى لبنان عبر البحر. لم يتوقع جنود الأسد الذين يحاصرون طرابلس ولا الإسرائيليون الذين كانوا يفرضون حصاراً بحرياً عليها مجيئه. وصل عرفات متخفيا في أجرأ عملية اختراق إلى طرابلس في 20/9/1983 ليمنع فرض المنشقين أنفسهم ممثلين شرعيين للمقاومة، وهذا ما كان.

انضم عرفات إلى خليل الوزير "أبو جهاد" الذي كان في طرابلس يقود القوات الموالية للشرعية الفلسطينية، كان على رجال عرفات الخمسة آلاف أن يخوضوا قتالا ضد أكثر من عشرة آلاف من الجنود السوريين والمنشقين بقيادة أبو موسى، ومقاتلي الجبهة الشعبية القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، تدعمهم نحو مئة دبابة. ظل أبو عمار يقود العمليات العسكرية من مقره في زقاق في طرابلس يبعد نحو 200 متر عن البحر.

وفي تشرين الثاني، سقط مخيم نهر البارد ثم مخيم البداوي في أيدي المنشقين بعد معارك سقط فيها نحو 1000 شهيد من الفلسطينيين.

وعمت الفرحة قلوب الصهاينة، وسرت شائعات عن مقتل عرفات وانتشرت بينهم ظاهرة "التبشير" بموته. وكان ياسر عرفات قد نجح خلال حصاره في طرابلس بمبادلة 6 أسرى إسرائيليين ب 4500 معتقل فلسطيني، مقاتلين ومدنيين، محتجزين في جنوب لبنان وفي إسرائيل.

وبدعم وغطاء من قوات الأسد قامت حركة أمل التي يتزعمها نبيه بري – رئيس مجلس النواب الحالي - بفرض حصار طويل وقاتل على المخيمات الفلسطينية استمر 18 شهرا قصفت خلالها المخيمات بوحشية بمدفعية وهاونات ودبابات الجيش السوري، ومنع عن قاطنيها الماء والغذاء فترات طويلة. وخلفت هذه" الحرب " نحو 3000 شهيد، وآلاف الجرحى ودماراً واسعاً. وأعلن في 11/9/1987 انتهاء " الحرب".

ولابد من التذكير بالفرحة التي عمت القوات الصهيونية عندما طرد عرفات من بيروت على يد قوات الأسد، فقد نشرت صحيفة (ليفيجارو) الفرنسية صورة تظهر جنود صهاينة يرفعون صورة لحافظ الأسد خلال اجتياح جنوب لبنان والقضاء على منظمة التحرير وطرد ياسر عرفات في عملية أطلق عليها اسم ''سلامة الجليل'' في حزيران 1982.

 

 

واليوم يجدد الأسد الابن مساعيه لذبح هذه المدينة الصامدة التي أبت إلا وأن تقف إلى جانب أشقائها السوريين الذين يذبحون على يد الأسد الصغير منذ أكثر من أربعة عشر شهراً، ويحاول جاهداً منعها من استقبال المهجرين والفارين من آلة قتله، وتخويف أبنائها وترويع سكانها بفعل اختراق جنودها للأراضي اللبنانية وهم يلاحقون الأطفال والنساء الفارين منهم طلباً للنجاة من رصاصهم الغادر، مستفيداً من الجوقة الحاكمة في لبنان المؤيدة له والتي تعمل على دعمه في المحافل الدولية ونقل الأموال المنهوبة وتسهيل مرورها عبر لبنان إلى خارج سورية، إضافة لتقديم الدعم بكل أشكاله لهذا النظام المتهالك بالرجال والسلاح والعتاد والشبيحة، وقد كشفت العديد من وكالات الأنباء أعداد القتلى من ميليشيات حسن نصر اللات على يد الجيش السوري الحر، وكان آخرها ما نقلته وكالة نيوز من أنه قد وصل إلى لبنان 82 قتيل من حزب الله على متن براد لنقل الخضار.

طرابلس الأبية الصامدة ستظل وفية لعروبتها ولدماء أشقائها التي تنزف على يد السفاح بشار الأسد، ولن يتمكن هذا الأسد الصغير من النيل منها ومن أهلها مهما فبرك من ألاعيب وحيل وساق من اتهامات وأباطيل وألصقها بشبابها الأباة، تارة بالإرهاب وأخرى بالأصولية وتهريب السلاح إلى الجيش السوري الحر، ولن يتمكن مهما جيش من عصابات مسلحة من طابوره الخامس الذي رباه على عينه يوم كان يحتل لبنان، أن يثني أهلها عن فتح بيوتهم لاستقبال المهجرين والجرحى والمنشقين السوريين الفارين من آلة حرب سفاح الشام وقاتل أبنائها ومدمر مدنها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السورييون من جمال السفّاح إلى بشار الجزّار .. بدرالدين حسن قربي

شهدت ساحتا الشهداء في دمشق وبيروت،إعدام مامجموعه اثنين وثلاثين رجلاً من أحرار الرأي والكلمة في عام 1915 وفي 6 أيار من عام 1916. ومن ثم بات هذا التاريخ يوماً للشهداء جميعاً احتفاءً بهم كل عام، وأُطلق بمناسبته لقب السفّاح على جمال باشا والي الشام، فكان له لقب، وعلى اسمه غلب.

وتتجدد قصة السوريين الثائرين لحريتهم وكرامتهم من أيام جمال السفّاح حيث كانوا بعشرات الشهداء، إلى عهد الأسد الأب وسنينه الثلاثين حيث زاد عددهم على عشرات الآلاف قتلاً وتصفية، ومثلهم منفييون في الأرض، وأمثال أمثالهم من الأبناء والأحفاد. ومنه إلى عهدالابن وريث الجمهورية والعهد، وقد دخلت انتفاضة السوريين شهرها الرابع عشر حيث تجاوز ماهو موثّق الأربعة عشر ألف شهيد، وعشرات الآلاف من المعتقلين، ومثلهم من المفقودين وقرابة مئة ألف من المشردين في سوريا وفي دول الجوار.

ورغم أن المظاهرات والاحتجاجات بدأت بالآحاد، فإن النظام بغبائه وحقده وغروره وتألهه زاد في عددها. ومن ثم فهي في زيادة أسبوعية، حتى أصبحت بالمئات على عكس ظنونه الخائبة، ولا أدل على ذلك من أن الجمعة الماضية بلغ عدد نقاط التظاهر قرابة سبعمائة مظاهرة. والأهم، هو أن السورييون وهم يواجهون بصدورعارية القمع والقتل وسفك الدماء على مدار الساعة من قبل قوات الأمن والحرس الجمهوري وشبيحة النظام تحت مبررات كثيرة واهية ومفبركة تتغير من يوم إلى يوم في ظل نارٍ لحكم متأله فاشي ودموي، باتوا معه يذكرون بالخير أيام جمال باشا السفّاح الذي يبدو صعلوكاً لايستحق الذكر أمام الجزّار القاتل لشعبه بالآلاف، والمحاصر لمدنه وأحيائه ومانع الطعام عنها والماء والدواء.

وعليه، فلئن جعل الواليالسفاح من ساحتين في دمشق وبيروت مسرحاً لتصفية اثنين وثلاثين سورياً، فإن النظام السوري أراد للوطن بكل مدنه وقراه بما فيها مدينة دمشق العاصمة وريفهاأن يكون ساحةً لتصفية معارضيه المطالبين بالحرية والكرامة،وقتل المتظاهرين المسالمين منهم، مما جعلهم يهتفون برحيله وسقوطه وعدم القبول باستمراره على أية حال.ولئن كان السادس من أيار يوماً أسود في تاريخ الوالي الباشا العثماني، فهو في عصر الأسد الأب والابن عهد أسود ملطخ بالعار والجريمة، وموسوم بكل ماهو ضد الإنسانية من جرائم، وهو يسفك دماء شعبه أحراراً وحرائر وأطفالاً، ويرتكب من المجازر مئات أضعاف ما فعله السفّاح الباشا.

إن تضحيات السوريين واستمرار ثورتهم ستُنطق من به خرس، وستُسمع من به صمم ، وسيراها حتى العمي وإن متأخرين . ولسوف تُشهد العالمين أن بشار الأسد بما ارتكب من جرائم ضد الإنسانية بحق السوريين، هو هولاكو العصر وسفّاحه وجزّاره.

الرحمة والرضوان لمن قدّموا ويقدمون أرواحهم قرابين من أجل حرية سليبة، وكرامة مستباحة على امتداد سورية الوطن،في كل مدنها وبلداتها وريفها وقراها، والمجد والعزّ لكل سوري شريف يحمل بين خافقيه شعلة الحرية والكرامة تتوقّد من دمه ودم أهله وأحبائه ناراً تُلهب قلوب المستبدين والجلادين واللصوص والنهابين، وتحرق كراسيهم وتهز الأرض من تحت أرجلهم،ونداء الجميع رفضاً للذل والخنوع ولقيم القمع والقهر والفساد من السفّاكين والمجرمين من المقامرين بأرواح الناس وسرّاق لقمة عيشهم:اللي بيقتل شعبه خاين، والشعب السوري مابينذل، وأنه يريد إسقاط النظام. وعقيدة الجميع أن صبح السوريين قريب، وفجرهم آت، وشمسهم حارقة، وأن الطغاة والجزارين مصيرهم إلى زوال، وما أمر القذافي عن بشار الأسد وشبيحته ومؤيدوه ببعيد.

6 أيار/مايو 2012

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=P28KMqxeBj8

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=mXrCCKvSJ1Y

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=UjetFCLHE0I

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نقلة نوعية في الديمقراطية لم تعرفها سورية من قبل .. محمد فاروق الإمام

من المفارقات أن تجري الانتخابات الرئاسية في فرنسا مع الانتخابات التشريعية المسرحية في سورية، ففي الانتخابات الفرنسية كانت الصورة وردية، حيث هزم الرئيس الفرنسي اليميني نيكولا ساركوزي أمام متحديه الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي حصل على 51،8% من أصوات الناخبين، وخاطب الرئيس المهزوم ساركوزي أنصاره في باريس قائلا: "بات لفرنسا رئيس جمهورية جديد، إنه خيار ديمقراطي وجمهوري. فرنسوا هولاند هو الرئيس الجديد لفرنسا ويجب احترامه". وأضاف "تحدثت إليه لتوي عبر الهاتف، أتمنى له التوفيق في ظل التحديات". وتابع ساركوزي "أتحمل كامل المسؤولية عن هذه الهزيمة لست شخصاً لا يتحمل مسؤولياته".

ومن السخريات المضحكة أن الإعلام السوري المقروء والمسموع والمرئي احتفل مع أنصار الفائز فرانسوا هولاند معتبراً فوزه نصر للنظام في سورية، فقد أشادت جريدة الوطن شبه الرسمية لتفتتاحيتها بفوز هولاند بعد أن ألقى الفرنسيون بساركوزي ووزير خارجيته الان جوبيه إلى "مزبله التاريخ" على حد تعبيرها المخزي!!

أما الانتخابات التشريعية في سورية فهي تجري في أجواء رعيبة مصحوبة بشلالات من الدماء وبحار من الدموع، تذرفها عيون الأرامل والثكالى.. تذرفها مآقي الأيتام والمشردين والنازحين والمهجرين، تبكي من فقدوهم أو من فارقوهم أو من اعتقلوا من أقربائهم وأبنائهم وآبائهم وإخوانهم.. تجري هذه الانتخابات المسرحية على وقع دوي القنابل وهي تدمر المدن والبلدات والقرى.. تجري هذه الانتخابات وعلى وقع أزيز الرصاص الذي يحصد الناس على غير هدى ودون تمييز بين شيخ وامرأة وطفل وصبية ورجل، وتستهدف كل ما يدب على الأرض من وسائل نقل أو حيوانات أو طيور، فكلها أهداف مباحة للنظام السادي الذي يحكم دمشق.

عام 1998 كتبت مقالاً بمناسبة الاستفتاء على ولاية السيد الرئيس الراحل حافظ الأسد تحت عنوان (أما آن لهذه المسرحية أن تنتهي؟!)، لأنها بالفعل كانت مسرحية ممجوجة مكررة ملّها الناس وسئم تكرارها، وكان الناس يساقون مكرهين للعب فصولها الباهتة بعد كل أربع سنوات، ليجددوا للرئيس العهد بالولاء له مرددين (حافظ الأسد إلى الأبد)، وكم كانت مثل هذه التمثيليات تضيف من أعباء باهظة على ميزانية الدولة المنهكة أصلاً، في الوقت الذي كان فيه الناس أحوج ما يكونون إلى هذه الأموال المهدرة في مثل هذه المسرحيات لتحسين أوضاعهم المعيشية والتخفيف من الضرائب التي كانت تزيد من فاقتهم وفقرهم، أو في تحسين بنيتهم التحتية أو رعايتهم الصحية أو مستويات أبنائهم التعليمية.

وفي عام 2011 وبعد بدء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية، والقمع الهمجي الذي قابلت به الأجهزة الأمنية هؤلاء المحتجين السلميين، واستماع الناس لخطاب السيد الرئيس بشار الأسد التهريجي الذي ألقاه فيما يسميه النظام ب(مجلس الشعب) وصم آذان مستمعيه بهتافات وتصفيق أعضاء هذا المجلس التي قاطعت خطابه أكثر من أربعين مرة، والضحكة البلهاء التي أخرجت السيد الرئيس عن هيبته وجعلته يصفق زهواً بما قيل فيه حينها من أعضاء المجلس، الذين كان جلهم قد تجاوز الستين من العمر وهو لا يصدق أن في شخصه تتجمع كل هذه الصفات التي قيلت فيه، وراح كالطاووس يتطاول ويقصر ويرجع ويتقدم ونواجزه تكاد تخرج من فمه وهو يضحك، في حينها كتبت مقالاً تحت عنوان (مجلس شعب أم مجلس تهريج) قلت فيه: "أعتذر للقارئ إن قلت أن مجلس الشعب في سورية ما هو إلا مجلس تهريج يعين أعضاؤه من قبل أجهزة الأمن، في مسرحية انتخابية هزلية، بحسب درجة الخنوع والولاء وطول الانحناء، ولعل ما قاله أحدهم بحق الرئيس في ذلك اليوم (الوطن العربي قليل عليك فأنت تستحق قيادة العالم) يؤكد على أن أعضاء هذا المجلس الذين تجاوزوا سن الكهولة إلى حالة من الخرف وفقدان التوازن وعدم التمييز، لدرجة أنك لا تجد من بينهم رجل رشيد يختلف مع كل هؤلاء الذين تجاوزهم الدهر وصاروا دماً شمعية تستحق أن تقام لهم قاعة عرض أراجوزي تحكي عصر الحكواتي التي باتت جزءاً من تراث الشام المندثر!!".

واليوم تتحقق مقولة السيد وليد المعلم بأن سورية ستشهد نقلة ديمقراطية نوعية فريدة من نوعها لا توجد في أي بلد آخر، وكانت هذه النقلة النوعية التي بشرنا بها السيد المعلم هي الانتقال من انتخاب مجلس شعب تهريجي إلى انتخاب مجلس شعب تشبيحي في غياب 70% من المواطنين بين مضربين ومهجرين ومفقودين وجرحى ومستشهدين، وكل هذا لا يهم في نظر أهل الحكم في دمشق.. المهم أن تجري الانتخابات وهي من ضمن الإصلاحات التي وعد بها السيد الرئيس وحدد زمانها ومكانها وأعداد المصوتين عليها وشخوص الفائزين بها، والنموذج الشبيح شريف شحادة الذي قد يُختار ليكون رئيساً لهذا المجلس وهو الأجدر والأحق في رئاسته، فمن غيره كان يجرؤ على الخروج على القنوات الفضائية ليسوّق كذب وافتراءات وفبركات وجرائم النظام، ويبرئه من دم الآلاف من الشهداء الذين سقطوا على يد أمن النظام وجيشه وشبيحته.

سورية ستستقبل بعد أيام 250 عضو شبيح يجلسون على مقاعد مجلس الشعب ينبحون بصوت واحد رافعين بأيديهم السكاكين والسواطير والعصي الكهربائية والكلاشنكوف عند استقبالهم السيد الرئيس، الذي سيحضر ولا شك مراسيم الاحتفال بافتتاح الجلسة الأولى لهذا المجلس، يصدحون بصوت واحد: (شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التفجيرات في سورية: القاعدة أم النظام؟  .. أحمد أبو مطر

ايلاف

16-5-2012

يحتاج هذا الموضوع إلى مناقشة موضوعية ذات خلفية ملمة بتركيبة النظام الأسدي القابع على قلوب وظهور الشعب السوري منذ 42 عاما فقط. وأقصد التركيبة والبنية الأمنية ولا يعرف تفاصيلها المخيفة والمرعبة إلا من عاش في سوريا، وكان محل ثقة من أصدقاء سوريين متنفذين مما أعطاهم الطمأنينة للبوح بأسرار لا يمكن لأي مراقب في الخارج أن يعرفها.

طبيعة البنية الأمنية والعسكرية للنظام

من المعروف والمؤكد أنّه منذ الانقلاب العسكري الدموي للأسد الأب عام 1970 على رفاقه البعثيين، بأنه بدأ يضع تدريجيا كافة المراكز الحساسة والمهمة والآمرة في الجيش وقوات الأمن بيد عائلته وأصهارها وأخوالها والقريبين منهم خاصة عن طريق السلب والنهب الاقتصادي الذي جعل غالبيتهم من ذوي الملايين والمليارات، وبالتالي ارتبط مصيرهم ومستوى الحياة الذي وصلوا إليه بوجود هذا النظام القمعي الفاسد واستمراريته مهما كان الثمن، وهم الذين جاءوا عام 1970 من قرية القرداحة إلى دمشق وهم لا يملكون إلا القمصان البالية التي تسترّ أكتافهم. لذلك فالثمن الذي يعيشه الشعب السوري منذ مارس 2011 هو ما لا يقل عن 15 ألف قتيل في غالبية المدن والقرى والأرياف السورية، بالإضافة إلى ألاف من المفقودين الذين لا يعرف مصيرهم أحياءا أم أمواتا. أمّا سجناء الرأي فلا داعي للتذكير بهم، فالكل يعرف مدى تكميم الأفواه وعدد هؤلاء السجناء وخطف أولادهم وأفراد عائلاتهم.

وتعتمد البنية الأمنية المخابراتية على توزيع كافة مناحي الحياة السورية على فروع متخصصة، مما جعل من الصعب تسميتها دوما، فلجأ النظام المتوحش لإطلاق الأرقام كتسمية لها وللحفاظ على سريتها أيضا. كان يقال الفرع 290 ، الفرع 291، الفرع 297 ..وهكذا. أمّا التسميات فمن الصعب تعدادها أيضا: المخابرات العسكرية، المخابرات الجوية، فرع فلسطين المتخصص في شؤون المدنيين الفلسطينيين، فرع الضابطة الفدائية المتخصص في شؤون المنظمات الفلسطينية، فرع أمن القامشلي المتخصص في شؤون السوريين من القومية الكردية، حيث يعمل منذ سنوات على ما يمكن تسميته تطهيرا عرقيا، من خلال تهجير ألاف الأكراد للعيش الاجباري في مناطق غالبيتها عرب سوريون، وإجبار ألاف من هؤلاء العرب السوريين على العيش في المناطق الكردية. وفي حي ركن الدين بدمشق حيث تعيش نسبة من السوريين الكرد، لا يمكن معرفة عدد المخبرين الذين يتجولون بملابس مدنية ليلا ونهارا لرصد أية تحركات أو نشاطات كردية. هذا بالإضافة لحصر غالبية المراكز الأمنية والمخابراتية في مناطق مغلقة مثل ما هو موجود منها في منطقة ( كفر سوسة ) وبالتالي من المستحيل الوصول إليها أو تفجيرها إلا بقصف جوي، وهذا غير موجود عند أية جهة حزبية معادية للنظام. القصف الجوي موجود لدى الاحتلال الإسرائيلي فقط، ولكن هذا الاحتلال ليس غبيا في أن يقصف المراكز الأمنية والمخابراتية المتخصصة في قصف الشعب السوري، ومنع أي فلسطيني أو سوري من إطلاق أية رصاصة على الاحتلال من الحدود السورية، بينما الاحتلال الإسرائيلي قصف في الخامس من سبتمبر 2007 ما اشتبه في أنه موقع نووي في منطقة دير الزور، وأعقب ذلك في أغسطس 2008 باغتيال العميد السوري محمد سليمان لأنّه حسب ما تسرب من معلومات إسرائيلية، أنّه كان المسؤول عن متابعة هذا الملف النووي مع الخبراء الكوريين الشماليين والممولين الإيرانيين.

توقيت التفجيرات

هل يستطيع أي فرد أو جهة أو تنظيم إدخال هذه الكميات من المتفجرات التي استعملت في التفجيرات على ضوء هذه القبضة الأمنية التي لا مثيل لها، ويصاحبها أيضا رصد كامل ودائم للاتصالات الهاتفية ، مما كان وما يزال يجعل أي مواطن سوري أو مقيم يخاف من الحديث في أمر سياسي أو له علاقة بالنظام من أية ناحية عبر الهاتف. وهناك مئات المواطنين والمقيمين تمّ استدعاؤهم للفروع الأمنية ليسألوهم ( ماذا كنت تقصد بالجملة الفلانية في مكالمتك مع فلان ليلة كذا..). ولي صديق كان يسكن في بناية من بنايات ما تسمّى ( الإدارات ) في حي ركن الدين نفسه، تم استدعاؤه عام 1981 إلى فرع فلسطين ليسألوه: لماذا تتصل دوما بفلان في مكتب ياسر عرفات بتونس؟.

أما التوقيت الذي تمّ تحديده لوقوع هذه التفجيرات فلا يمكن لأي غبي من المعارضة أو القاعدة كما يدّعي النظام أن يختار هذا التوقيت. فأهم التفجيرات استقبل بها النظام المراقبين العرب ثم المراقبين الدوليين، واستبق بواحد منها انتخاباته المسخرة سواء لتجديد رئاسة الأسد الوريث أو ما يسميه زورا مجلس الشعب. وبالطبع اعتقد هذا النظام ومعه إعلامه الغبي وفبركات فيديوات معلمه وليد، أنّ هذه المسرحيات ستمرّ على المراقبين العرب والدوليين. لم تمرّ بدليل أنّ بعض المراقبين العرب انسحب بعد أيام من مراقبته لهذه المساخر، ثم انتهت مهمة المراقبين كاملة بدون أية نتيجة لصالح الشعب السوري بل كانت مجرد فرصة تمديد للقتل بموافقة ومراقبة الجامعة الموصوفة زورا ب ( العربية ). أما رئيس بعثة المراقبين الدوليين الجنرال النرويجي( روبرت مود) فمن المهم قراءة ما بين سطور تصريحه، عندما قال بعد أيام قليلة من وصوله ( أن الطرف القوي هو الذي يجب أن يوقف إطلاق النار أولا ). وأعتقد أنّ الجاهل يفهم أنّه يقصد النظام الأسدي المتوحش على الشعب السوري فقط.

وشهادة من مالكي العراق

والكل يتذكر اتهامات نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي المتكررة بأن نظام ألأسد هو من يرسل المخربين والإرهابيين للعراق، وبالتالي فالنظام الأسدي هو المسؤول عن القتل والتفجيرات في العراق. وهذه التصريحات يستنتج منها أنّ الإرهابيين من أية جهة أو تنظيم جاءوا فهم من إعداد وتدريب وتسليح نظام ألأسد مما يعني أنهم معروفون له ومرصودون من أجهزته، وهم في الأساس مأجورون طالما مهمتهم قصف وتدمير وقتل الشعب العراقي، فليس من الممكن خروجهم عن طاعة سيدهم القاتل الأسد. هذا رغم لحس المالكي لاتهاماته هذه ووقوفه المخزي داعما لهذا النظام الأسدي المتوحش، ولا يمكن فهمها إلا أنّها أوامر طائفية إيرانية. والمالكي لا يمكن أن يخرج عن طاعة أوامر سيده في قم أو طهران.

لذلك فكل المعطيات والدلائل،

تؤشر بوضوح صارم أنّ كل هذه التفجيرات من صنع النظام، كي يبدو أنّه ضحية الإرهاب مثل غيره من البلدان. وأيضا فإنّ نظاما يقتل خلال عام ونصف قرابة 15 ألف مواطن سوري لن يتأسف أو يهتز ضميره إن وجد على قتل مئات من جراء هذه التفجيرات المفبركة، لعلّ هذه التفجيرات تحسن صورته التي لن تتحسن إلا برحيله، وإن كان هذا الرحيل على طريقة القذافي فستكون صورته بشعة..لذلك علّ الأسد الوريث يصحو ويقول للشعب السوري: نعم تستحقون الحرية والكرامة والديمقراطية ويكفيكم 42 عاما من قمع والدي وقمعي..فهل يفعلها؟ أشكّ في ذلك فشعار الأسد ونظامه العائلي الطائفي ( أنا أو الشعب السوري).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عنان على خطى الدابي؟  .. د. عوض السليمان - باريس

2012-05-15

القدس العربي

مع أننا رأينا، ولا نزال، أن خطة عنان تحمل بعض الإيجابيات في طياتها، إلا أننا ربطنا ذلك بتطبيقها على الأرض. فإذ لم تطبق فلا حاجة لها، ولا معنى، إلا أن تكون في إطار مهلة جديدة للنظام لعله يستطيع القضاء على الثورة، ويتحالف من جديد مع أصدقائه الذين أشادوا يوماً بانتقال سلمي للسلطة بين الأسد الأب وابنه وفرشوا له السجاجيد الحمراء في عواصم بلادهم.

لا نعرف على وجه التحديد، لماذا قدم عنان إحاطته لمجلس الأمن من خلال دائرة تلفزية مغلقة. ولا نعرف أيضاً لماذا تأخر السيد عنان لتقديم إحاطته يومين كاملين، إذ كان المقرر أن يخاطب مجلس الأمن يوم الخامس من أيار/ مايو وليس يوم الثامن منه.

ولكننا نتوقع أن الموفد العربي - الأممي فعل ما فعل، نزولاً عند رغبة أعضاء مجلس الأمن، فهم يريدون أن يسمعوا وحدهم دون الرأي العام المحلي والعالمي، كي يبرروا تقاعسهم عن مساعدة الشعب السوري حسب القوانين الدولية. وإلا فلماذا لم يلق عنان مؤتمره الصحافي قبل الإدلاء بشهادته على ما يجري في سورية.

تحدث السيد عنان عن انخفاض في مستوى العنف في سورية وذكر أن جيش النظام، خفف من استخدام الأسلحة الثقيلة. وهذا يعني أن الأسد يستخدم بالفعل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، وهذا يعني أنه لا يزال يقتل وينكل بالشعب السوري. فما الفائدة إذاً من استمرر هذه الخطة إلا إعطاء النظام مزيداً من الوقت للفتك بالثوار والناشطين.

الأنكى من ذلك أن السيد عنان، اعتبر أن مبادرته هي الفرصة الأخيرة أمام دمشق، وعندما تلفظ بهذه العبارة، ظننا أن الرجل سيقول الفرصة الأخيرة قبل التدخل المباشر أو تأمين مناطق عازلة لحماية المدنيين. ولكنه قال، قبل أن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية. ولعلكم تلاحظون أن هذا التصريح يفتقر حتى إلى المعايير الأخلاقية. فعنان يعلم أن خطته فشلت منذ اليوم الأول. وهو يعرف بالتالي أن البلاد قد تنزلق إلى الحرب الأهلية، ويعلم أنه ذهب إلى سورية لإجبار الأسد على إيقاف القتل. فالرجل غير آبه بالذين يقتلون يومياً بل هو يدعي الخوف من الحرب الأهلية بدل العمل على حماية المدنيين والإفراج عن المعتقلين.

منذ أن وقّعت الأمم المتحدة البروتوكول المشؤوم مع نظام الأسد، ارتقى ما يقارب ألف شهيد في سورية، واعتقل الآلاف من الناشطين السلميين. فكيف يقول كوفي عنان أن العنف تراجع في البلاد.

الجواب واضح، عنان موظف لدى القوى الغربية، التي لم تعقد العزم حتى اليوم على إسقاط نظام الأسد، فهم يخافون على الكيان الصهيوني وأمنه واستقراره، وهم لا يريدون أن يخسروا موظفاً مطيعاً كبشار الأسد، حافظ على كرسيه من خلال الصمت على جرائم هذا الكيان في فلسطين ولبنان والجولان.

الصادم خاصة في موقف عنان، أنه يزعم بشكل أو بآخر أن خطته لم تفشل بعد، فهو يكرر عبارة: إذا فشلت الخطة، ويتجاهل الحديث عن المعتقلين، ولم يعلق على الصور التي تظهر مراقبيه وهم يعتلون الدبابات بأنفسهم، فكيف يتكلم الرجل عن سحب جزئي للقوات من المدن وعن تحسن مستوى الأمن في البلاد. وهذا أمر خطير فعدم اعتراف عنان بفشل خطته، وهذه رغبة الغرب وأمريكا، سيروج لمجلس الأمن النكوص في وعوده بمساعدة الشعب السوري واللجوء إلى وسائل أخرى لحماية هذا الشعب، ولهذا فإننا نعتقد أن هذه العبارات كانت مقصودة تماماً وهي من باب الالتفاف على واجبات مجلس الامن تجاه سورية.

مسؤولو البلاد الأوروبية وأمريكا يكررون عبارات عنان، فهم يهددون الأسد في حال فشل الخطة، ولا ندري إن كانوا سينتظرون تسعين يوماً حتى يعرفوا أن الخطة فشلت أم لا. وكأنهم لا يرون القتل الطائفي ولا يرون أسلحة النظام تقصف المناطق السكنية الآمنة وتدمرها على رؤوس ساكنيها. ولم تبلغهم أخبار عمار الأبرش الذي قتل مع زوجته وأطفاله الخمس لأنه تلاسن مع حاجز أمني في حي الإنشاءات ولأن اسم ولده أبو بكر.

المسؤولون الذين يرون الأطفال مسلوخي الجلد ومنزوعي الرؤوس، ثم يتكلمون عن احتمال نجاح خطة عنان، هم مشاركون في القتل وفي الجريمة، وهم لا أخلاق لهم، حالهم حال الأسد وشبيحته.

إننا نعتقد اليوم، أن خطة عنان ما هي إلا تكملة لخطة الدابي، فبينما قامت الجامعة العربية وخاصة أمينها العام، بإرسال المراقبين العرب إلى سورية ليمعن النظام في قتل السوريين قامت الأمم المتحدة بإرسال عنان وفق نفس المنهج بالضبط. لن نتوقع من عنان اليوم غير ما رأيناه من الدابي، وبكل حال فلن يأتي النصر من خطته ولا من تصريحات سوزان رايس ورئيسها، إنما يأتي فقط بحول الله من استمرار الثورة حتى إسقاط النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطبيب الفرنسي العائد من حمص وإدلب  .. سارة دانييل *

الأربعاء ١٦ مايو ٢٠١٢

الحياة

نافد الصبر كالعائدين من الجحيم. يبدو جاك بيريس كأب غضوب بعرف ولحية بيضاوين، ينزعج من اضطراره الى اتخاذ مواقف والحديث عما فعل او عن هذه الانتخابات (الرئاسية) التي تجيّش الفرنسيين. وبيريس البالغ من العمر 71 عاماً هو الطبيب الغربي الوحيد الذي دخل سراً الى سورية والى مدينة حمص ثم إلى منطقة ادلب في اطار ثاني رحلة له كاد ألا يعود منها.

جالساً في مقهى في لوكسمبورغ التي تهطل عليها امطار تذكّر بالامطار الموسمية في فيتنام، البلد الذي شهد «معمودية» بيريس كجرّاح لإصابات الحرب اثناء هجوم «التيت» في شباط (فبراير) 1968، يستحضر، وهو المتعب حتى الآن من سفره، الرؤى التي تطارده. وجه ذلك الطفل البالغ من العمر عشر سنوات، ذي الشعر الأشقر الذي «قطعته قذيفة الى نصفين تقريباً. خرجت الاحشاء من بطنه. لا استطيع نسيانه».

اجتاز بيريس في شباط الماضي الحدود اللبنانية - السورية على متن دراجة نارية ثم على صهوة جواد. ووصل الى ضاحية حمص، عاصمة المقاومة، التي كانت تتعرض للقصف من قوات بشار الأسد، وكان عليه أن يعبر منحنياً قناة للصرف الصحي بطول كيلومترين تمتد ملتوية تحت الأرض، ونجح في نقل بعض الأدوية على متن الدراجة النارية وجهاز «ديرماتوم» (يستخدم في الجراحة لترميم الجلد المحروق) أهداه الى أطباء المدينة الشهيدة. وطوال خمسة عشر يوماً في حمص، أجرى عمليات لتسعة وثمانين مصاباً مات تسعة منهم على طاولة الجراحة، وأسلم آخرون الروح قبل ان تبدأ عملياتهم بسبب طول الانتظار. «لم نعد نعرف ماذا نصنع. كانت حمالات المصابين منتشرة في كل مكان. ثم كان عليّ ان ارحل منهكاً من تلك الليالي التي لم اعرف فيها النوم».

يقطع بيريس حديثه عندما تنضم زوجته إليه. أراد حمايتها، والتخفيف من وطأة الجو الثقيل، وهي التي كانت تشجعه دائماً على السفر. تقول دانيل ذات الشعر الأبيض الذي يليق بشعر زوجها، بعد أن تنظر إليه بحنان: «لدينا حياة واحدة فقط، لذا اريده ان يحياها كما يريد. وهو ليس «رأساً حامياً» بل يبدي حذراً استثنائياً».

ولا يخفى على الزوجة ان الطبيب العائد ليس تماماً هنا. فهو يتنقل بين المسارح والندوات ليعلن ما كان شاهداً عليه. «الامر لا يتعلق بأداء دور رعاة البقر ورفع مستوى الأدرينالين. فبعد ذلك، ينبغي التقدم بالشهادة: هذه هي قاعدة عملنا الطبي الإنساني كما صغناها مع كوشنير (المؤسس الآخر لجمعية «أطباء بلا حدود» وزير الخارجية الفرنسي السابق).

ويشكك بيريس في الاعلانات الطنانة ولا يبدي اتفاقاً دائماً مع مواقف برنار- هنري ليفي على رغم ان هذا دفع نصف كلفة السفر تقريباً. ويقول: «ما من منظمة غير حكومية تريد ان ترسل ناشطيها الى سورية. فالأمر مكلف جداً وخطير جداً بالنسبة الى التأمين. لكن مؤسسة ليفي «فرنسا- سورية الديموقراطية»، وافقت في نهاية الامر على دفع نصف كلفة مغامرتي». النصف الثاني وفرته جمعية اسلامية في سين سان دوني هي «او آ أم 93». ولا يتبنى بيريس أي موقف، لا لناحية التدخل الخارجي ولا لضرورة تسليح المعارضة. ولا يعلم حتى ما اذا كان على المنظمات غير الحكومية تحمل مجازفة إرسال الأطباء الى سورية. وخياره هو ان يروي فحسب.

رأى بيريس اثناء سفره الأخير قبل شهر تقريباً، طبيباً وصيادلة يُقتلون. يضيف: «في سورية اليوم يعادل خطر التعرض للاعتقال اثناء علاج مصاب، خطر الاعتقال وأنت تحمل السلاح». لم ير الجراح سابقاً ديكتاتورية فالتة من عقالها كهذه تمارس هذا المقدار من العنف ضد مهنة الطب.

يقول: «كل الصيدليات التي مررت بها في الشمال (السوري) تعرضت للنهب والحرق. ومن المحال العثور في منطقة إدلب على حبة اسبرين. وتتزايد الأمراض المزمنة والسرطانات التي لا يستطيع المصابون بها علاجها. وفي سورية، المستشفيات هي الأهداف ذات الاولوية لدى الدبابات. الحظر على العلاج هذا، تجديد في الممارسات البربرية».

* صحافية،عن«لونوفيلاوبسرفاتور»الفرنسية، 3/5/2012،إعداد حسام عيتاني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا التي تريدها إيران  .. أمل عبد العزيز الهزاني

الشرق الاوسط

16-5-2012

الكل يشعر بأن فوق رأسه علامة استفهام؛ هل تفجيرات دمشق من صناعة النظام السوري المتصدع أم هي أفعال تنظيم القاعدة؟ وهل هناك فرق بين الإرهاب الذي تنفذه الأنظمة المعترف بها دوليا والتي تمتلك سفارات منتشرة حول العالم وعلما يرفرف أمام مبنى الأمم المتحدة، وإرهاب المنظمات السرية المختبئة في الكهوف والغابات والملاحقة دوليا؟

نظريا الإرهاب هو الإرهاب حتى لو ارتكبه بان كي مون.

إذا لم يسقط النظام السوري عاجلا لن يكون إرهاب تنظيم القاعدة أسوأ مما سيحصل للسوريين، «القاعدة» في الأساس لم تكن غريبة على سوريا التي كانت محطة لعبور أفواج من التنظيم من وإلى العراق، ولن يكون من المستغرب أن يستعين بها النظام لتخويف الغرب وابتزازه. سيكون تنظيم القاعدة واحدا من الضيوف المدعوين، ستتحول سوريا كلها إلى منظمة إرهابية، ستصبح نقطة تجمع وانتشار للإرهاب، وسيستوطنها أهل الجريمة والعصابات الهاربة من العدالة فتصير كالصومال واليمن وأفغانستان.

النظام السوري وحلفاؤه يعرفون أن الوضع في سوريا لن يعود كما كان، لن ترجع الشرعية للأسد، ولا يستطيع أحد أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولن يجد بشار الأسد دولة عربية أو إقليمية تحترم القانون وحقوق الإنسان تعامله كرئيس. عمليا انتهى دور بشار الأسد كرئيس دولة، هو الآن رئيس فصيل يكسب يوما ويخسر آخر أمام خصومه. هذا الوضع الضبابي ليس سيئا بالنسبة لحليفته الأكبر إيران كما تبدو الصورة، والتي تطمع في أن تحقق من سوريا العليلة أكثر مما حققته من سوريا المتعافية. الواقع أن إيران ما دخلت قرية إلا وأفسدتها، وحولتها إلى كائن مريض، فتخلخل قواها، وتتسلل إلى عمقها الاجتماعي فتضعفها وتمزقها، وهنا تحيا وتنتعش وتؤثر، ويصبح لها بالنهاية اليد العليا على أبناء الدولة نفسها.

إيران تريد من سوريا أن تكون شوكة أخرى في الخاصرة العربية، منقوصة السيادة كما فعلت بلبنان، ومعقلا لتسمين الإرهابيين كما في اليمن، وغرفة توليد لخلايا نائمة لاستخدامها وقت الحاجة كما في البحرين، وورقة لابتزاز أميركا والغرب كما هو حال العراق. سيكون من دواعي سرور النظام الإيراني أن يضيف سوريا إلى قائمته.

الغرب مشغول بمراقبة خطوات طهران في رحلتها نحو بوابة التسلح النووي، وهو يراها في كل خطوة تخطيها في هذا الاتجاه تزرع ألغاما في كل مكان. فما قيمة بوابة النووي إن تحولت كل المنطقة إلى مواقع قابلة للانفجار؟ لن يكون هناك خط رجعة لأحد، لا لإيران ولا لغيرها.

إيران تخادع العالم بملفها النووي وتمارس المراوغة منذ عام 2005 وقت اكتشاف بنائها لمفاعلات نووية. كلما حاصرها الغرب بسبب مستوى تخصيب اليورانيوم أشعلت بغداد بالعنف، كلما صرح الأميركيون بأن إيران بعيدة عن امتلاك القوة النووية سارعت بإعلان تركيبها لمزيد من أجهزة الطرد المركزي، كلما أذيع خبر صفقات تسليح لدول الخليج مع أميركا أو أوروبا عمدت إيران إلى إطلاق صاروخ روسي الصنع إيراني الاسم قادر على حمل رؤوس نووية. لقد خسرت المنطقة من التفاوض مع إيران في ملفها النووي أكثر من خسارتها لو أصبح لكل دولة في المنطقة درعها النووية الخاصة.

ظنت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أن إيران تشاغب في المنطقة العربية لتقوي موقفها على طاولة المفاوضات بشأن نشاطها النووي، في حين أن العكس هو الصحيح، أي أنها تساوم على ملفها النووي من أجل فرض مشاريعها التوسعية في الدول العربية.

السوريون يذبحون كل يوم أمام المجتمع الدولي على يد شبيحة النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، والولايات المتحدة الأميركية - الملوم الأول - تلاحق البنوك الإيرانية ورجال الأعمال السوريين المحسوبين على النظام بالتضييق عليهم وتجميد أرصدتهم! منذ اندلاع الثورة السورية، دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما، بشار الأسد للتنحي أكثر من عشر مرات، وكذلك فعلت وزيرة خارجيته، ومندوبته في الأمم المتحدة. الأميركيون يتعاملون مع شخصية إرهابية مثل الأسد بالنداءات والمناشدة. أميركا بسياستها الناعمة وانحيازها للرغبة الإسرائيلية بالإبقاء على نظام الأسد ستدفع الثمن غاليا. والديمقراطيون الذين يعايرون الجمهوريين بالعراق وأفغانستان ارتكبوا إثما أكبر بتراخيهم في القضية السورية. كل دول الجوار لن يأمنوا بالنوم بجانب سوريا التي تريدها إيران. حتى العراق الذي يعيش اليوم فترة نقاهة من عنف دام عشر سنوات عليه أن يتذكر أنه كان يحذر سوريا آنذاك بأن لا تكون محطة عبور لفلول «القاعدة» التي كانت تستهدف حياة العراقيين.

أبدا، لن تسلم اليد التي تعبث بنار الإرهاب.

إن التعجيل بإسقاط نظام الأسد ليس فقط انتصارا إنسانيا للشعب السوري المغلوب والمقهور الذي يستصرخ كل يوم، ولا تحقيقا لمبادئ القانون الدولي الذي يسعى للعدالة والسلام، بل هو ضرورة استراتيجية لاستقرار وأمن المنطقة والعالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. ومخاوف الحرب الأهلية! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

16-5-2012

ثمة وجهتا نظر تتبلوران في الأوساط الثقافية والسياسية السورية تجاه تواتر المخاوف والتحذيرات من اندفاع الأمور إلى حرب أهلية في حال فشل خطة كوفي أنان.

وجهة النظر الأولى لا تعطي أهمية لهذه التخوفات وتعتبر أن عناصر الحرب الأهلية وحوافز اندلاعها غير متوافرة في البلاد. وإذ يعترف أصحابها بتصاعد بعض وجوه العنف المضاد وما يخلفه من أذى اجتماعي وإنساني في بعض مناطق التوتر والاحتقان، فإن الأمور لن تصل، في رأيهم، إلى صورة الحرب الأهلية، مستندين عموما إلى أن انفلات الوضع وحصول فوضى أمنية شاملة في سوريا، أمر مرفوض عند غالبية الأطراف العربية والدولية لأنه سيكون مكلفا ومؤثرا على الاستقرار السياسي في المنطقة وفي دول الجوار، ومستندين خصوصا إلى وعي متأصل لدى السوريين بمخاطر ذلك على وطنهم ومستقبلهم، وإلى ذاكرتهم المشبعة بصور المآسي والآلام التي تكبدها الشعبان اللبناني والعراقي وأخيرا الليبي جراء الاقتتال الأهلي، وإلى أن المجتمع السوري لا يملك رصيدا تاريخيا من الأحقاد والمواجهات الحادة بين مكوناته يستحق التوظيف والاستثمار، وأن البنية النفسية للشعب السوري تميل عموما نحو التوافق والتسامح والتعايش، في ظل تداخل جغرافي مذهل بين مكوناته المختلفة؛ العرقية والدينية والمذهبية، وندرة وجود معازل أو أماكن تحسب على طرف دون آخر.. ومستندين أيضا إلى حساسية السوريين المتميزة تجاه المسألة الوطنية واشتراكهم تاريخيا في بناء دولة عمومية جامعة نأت، على الرغم مما شاب سلطتها من تشوهات، عن المحاصصة الفئوية المتخلفة، وإلى أن القوى السياسية السورية على اختلاف آيديولوجياتها واجتهاداتها، ذات منابت متنوعة، وأن النظام ذاته لا يعتمد فقط على جماعة منفردة تعضده وتدعمه، وكذلك المتظاهرون والمحتجون لا ينتمون إلى جماعة واحدة، والدليل أن الثورة السورية تنطوي على تنوع وتعددية لافتين؛ فإلى جانب العرب والأكراد، هناك مشاركات متفاوتة تبعا لكل منطقة من مختلف الطوائف والمذاهب، والأهم أنه تغلب على هتافات المحتجين الشعارات المناهضة للطائفية وإعلاء قيم المواطنة وأسس العيش المشترك.

وجهة النظر الثانية، تتفهم هذه التحذيرات والتخوفات، لكنها تضع كامل المسؤولية على عاتق أهل الحكم، وتتهمهم بأنهم يسعون بصورة إرادية ومخططة لتوفير شروط اندلاع حرب أهلية، بصفتها الخيار الأخير الذي يمكن الرهان عليه لإخراجهم من دوامة ما هم فيه. فالنظام الذي يطلق آلته الأمنية والعسكرية على مداها لتعمل قهرا وتنكيلا، ويرفض الحلول السياسية ويصر على إنكار مطالب الناس وإظهارهم أدوات تآمرية، ويشحن الغرائز والانفعالات وردود الفعل الثأرية، هو الذي يخلق فرصة نشوب الحرب الأهلية، بل إن هذا النوع من الأنظمة لن يتوانى عن جر البلاد كلها إلى الخراب من أجل استمرار امتيازاته وبقائه في السلطة، يعزز ذلك شخصيات فاسدة لا مخرج لها سوى التعويل على فوضى الاقتتال الأهلي كي تخلط الأوراق وتضيع الحدود لتنجح في الإفلات من المحاسبة! ثمة مستجدات حصلت في المشهد السوري استند إليها كل من حذر وتخوف من احتمال ذهاب البلاد إلى نزاع أهلي، أهمها تواتر الانشقاقات داخل القوى العسكرية، ولجوء بعض الجماعات الأهلية إلى السلاح بداية لحماية المتظاهرين ثم للرد على محاولات اقتحام المناطق والأحياء، وما رشح إلى الآن، أن ثمة عمليات عنف مضاد قد حدثت، لا يخفف من وطأتها أن تأتي ردا على شدة القمع والتنكيل أو لاضطرار بعض المنشقين من الجيش إلى استخدام سلاحهم دفاعا عن أنفسهم وهربا من موت شبه محقق في حال اعتقالهم، أو أن تبقى محلية الطابع وتقتصر على أماكن محددة ردا على ما تعرضت له من ترويع، أو لأنها لا تساوي نقطة في بحر مشهد العنف الدامي الذي تقوم به أجهزة السلطة وترك وراءه عشرات الآلاف من الضحايا والمعتقلين والمشردين، حيث إن هذه المستجدات تنذر وللأسف، في حال استمرارها واتساعها، بتقدم منطق الرد على العنف بمزيد من العنف وتحويل لغة القوة إلى وسيلة وحيدة تجب ما قبلها لتفلت الأمور تدريجيا وتذهب نحو اقتتال أهلي سيأخذ على الأرجح في الخصوصية السورية طابعا متخلفا ودون المستوى السياسي!

ويضيف أصحاب هذا الرأي أن هذه المخاوف ما كانت لتظهر وتتنامى لولا ضعف وتباطؤ ردود فعل الدول العربية والغربية في معالجة ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، التي منحت النظام المهلة تلو المهلة وتأخرت كثيرا في إعلان موقف حاسم منه! وأيضا لولا استمرار الموقف السلبي أو المتردد لقطاعات مهمة من المجتمع السوري، لا تزال خائفة لأسباب عديدة ومحجمة عن الانخراط في عملية التغيير وتستسلم لتشويش ومبالغات مغرضة في قراءة أحوال الثورة الناهضة ومآلها!

لم يخل تاريخ المجتمعات البشرية من الحروب الأهلية بما فيها أرقاها اليوم وأكثرها ديمقراطية قبل أن تكتشف أن طريق الاقتتال والإقصاء ورفض الآخر هي طريق لا أفق لها، مليئة بالآلام ومدمرة، فالحرب الأهلية تعني، وببساطة، اقتتالا يصل إلى حد الاستئصال والإفناء بين جماعات مختلفة من الناس في البلد الواحد، ودوافعها متنوعة؛ منها القومية ومنها الطائفية أو المذهبية ومنها القبلية، وغالبا مزيج من كل ذلك.. وتنشب ما إن تعجز الوسائل السياسية والسلمية عن معالجة أسباب الخلافات ربطا بإصرار أطرافها أو أحدهم على الأقل على منطق القوة والعنف والغلبة طلبا للحسم.. وطبعا كلما اشتد أوار الحرب الأهلية، اتضحت التخندقات وجر المجتمع جرا نحو مسار خطير جوهره العمل على التفكيك التدريجي لمقومات الحياة المشتركة وتحطيم معايير المصلحة الوطنية الجامعة، لتصل بفظاعتها وبما تكرسه من البغضاء وباستباحتها أبسط القوانين والأعراف الإنسانية، إلى تدمير المجتمع ومستقبل أطفال أبرياء كانوا ينتظرون من آبائهم المتقاتلين وعدا وأملا بغد أفضل!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتخابات تحت المدافع! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

16-5-2012

في تبرير فشل انتخابات مجالس الإدارة المحلية، التي جرت قبل أكثر من أربعة أشهر، قال الرئيس بشار الأسد إن الوضع الأمني الذي فرضته «العصابات المسلحة» على البلاد منع المواطنين من القدوم إلى مراكز الاستفتاء. في وصفه لواقع الحال آنذاك، تحدث مهندس الحل الأمني عن طرق دولية مقطوعة ومدارس منسوفة، وخطوط توتر عال مدمرة، ومراكز حزبية مخربة... إلخ. واليوم، وبعد مرور هذه الفترة غير القصيرة على تلك الأيام، وبعد تزايد انتشار السلاح وأعداد المسلحين، وازدياد جسم الجيش السوري الحر صلابة ومناعة، بعد أن نجح على مدار أكثر من شهرين في احتواء هجمة ضارية شنتها بمختلف صنوف الأسلحة قوات متفوقة كثيرا عليه، هل يعقل أن تتم انتخابات تشريعية في سوريا، التي خرج قسم لا بأس بمساحته من أرضها، وعدد لا بأس بضخامته من شعبها، على السلطة، وصار عمليا خارج قبضتها أو سيطرتها؟ أطرح هذا السؤال على صعيد إجرائي صرف: أين مثلا ستتم الانتخابات في مدينة حمص، التي دمر ثلثاها، وهجرها معظم شعبها، وتحولت إلى مدينة خراب وأشباح وقتل؟ أم أن الانتخابات لا تحتاج إلى الهدوء والأمان، وقبل كل شيء الحرية المفقودة تماما اليوم في سوريا بدلالة المعارك اليومية التي تتم في مراكز مدينة دمشق، التي لطالما تغنى النظام بخلوها من المظاهرات، لكنه يجد نفسه الآن مجبرا على الإقرار بامتلائها بالسلاح والانفجارات والمسلحين! وأين سيتم في بلاد يبلغ عدد الملاحقين من خيرة شبابها وشاباتها قرابة مائة ألف، وعدد قتلاها وجرحاها عشرات الآلاف، ومفقوديها نحو سبعين ألفا، ومن دخلوا السجون وخرجوا منها قرابة نصف مليون مواطن؟ ثم من هم الذين سينتخبون، إن كان عدد من تطولهم يد الأمن وبنادقه على هذا القدر المخيف من الضخامة، وكان استهدافهم يعني استهداف أفراد أسرهم وأقاربهم، الذين يؤخذون رهائن إلى أن يسلم الملاحقون والمطلوبون أنفسهم، وهم بدورهم عشرات آلاف النساء والرجال والأطفال، الموزعين إلى أركان الأرض السورية الأربعة، التي يتسع فيها حجم التمرد والثورة، وينتشر الجيش والأمن في كل مكان منها؟ وهل توجد بعد في إدلب وريفها، ودير الزور وريفها، وحمص وريفها، وحماه وريفها، ودرعا وريفها، ودمشق وريفها، والرقة وريفها، والحسكة وريفها، وحلب المنتفضة وريفها، مبان تصلح لأن تستخدم مراكز انتخاب أو اقتراع أو استفتاء؟ ومن الذي سيخاطر بحياته ويذهب لانتخاب شخص يعلم علم اليقين أنه سيكون «رجل كرسي»، كما يسميه السوريون بسخرية، «لا خير فيه، لا يقدم ولا يؤخر، وليس له رأي ولا يستشار في شيء»، بل هو «كمالة عدد»، كما يقال، لذلك لن ينال ذرة احترام أو تعاطف في الشارع، لمجرد أنه رشح نفسه في الظروف الحالية، التي لم يعد أحد يجادل في أنها ظروف نشأت عن عقلية «أحكمكم أو أقتلكم»، التي ليست بحاجة إليه أو إلى أمثاله لستر حقيقة نواياها ومواقفها من الشعب، بعد أربعة عشر شهرا من سفك الدماء في كل مكان!

هل يخاطر السوري بحياته كي ينتخب شخصا يكن له الاحتقار، يخدم نظاما يكرهه، ويعلم أنه سيؤدي دورا معاديا له يسهم في اضطهاده وإذلاله وإفقاره، رسمته أجهزة أمنية تطلق النار عليه؟ يقتصر دوره كمواطن على منحه صوته لا لكي ينتخبه، بل ليثبت تعيينه الأمني في مجلس هتافين شتامين لم يقل إلى اللحظة حرفا واحدا ولم يفعل أي شيء خلال نيف وأربعين عاما لصالح الشعب، ولم يدافع، ولو مرة واحدة عنه، مجلس لم يكن له بل عليه، ولم يشعر غير عدد قليل جدا من أعضائه بالإحراج، ولم يقولوا شيئا ضد ما يتعرضون له من تهميش، ويرتكب باسمهم من مجازر صارخة تستمر منذ أربعة عشر شهرا دون توقف أو هدنة! ثم، ما الخدمات التي قدمها هؤلاء للشعب خلال السنوات الأربعين الماضية، ومن شأنها أن تجعل المواطن يخاطر بحياته كي ينتخبهم من جديد، علما بأنه قد يقتل على حاجز أمني، أو يعتقل وهو خارج من قريته أو مدينته المحاصرة أو داخل إليها، وأنه سيخضع لمختلف صنوف الإذلال في طريقي الذهاب والإياب؟ وهل ينتخب مواطن يموت من أجل حريته شخصا يعاديها ويقف إلى جانب من سلبوه إياها، ويتصدون له بالسلاح كي لا ينجح في استعادتها منهم بالذات؟

يريد السوريون برلمانا يقوم على أنقاض ما يسمونه «مجلس الشعب»، والشعب منه براء. يريد الشعب برلمانا يدخله أناس ينتمون إليه، يدافعون عن مصالحه ضد السلطة ولا يقفون مع السلطة ضده، يستطيع تغييرهم بإرادته الحرة ولا يُفرضون عليه من الأجهزة الأمنية لأنه بلا إرادة. ويريد السوريون برلمانا يكون جزءا من نسيج وطني وليس مجلس شعب هو فرع من فروع السلطة التي تعين أعضاءه وتوجهه وتشرف عليه وتعاقب من يشق عصا الطاعة من أعضائه أو ينتقدها، مثلما فعلت في الماضي مع نائبين معروفين.

إلى أن يقوم هذا البرلمان بعد انتصار الثورة التي ستأتي به، لن ينتخب أحد أو يخاطر بنفسه وبسمعته من أجل ممثلي أجهزة سيمضون أربعة أعوام في مكان لا يستحقون الدخول إليه، ارتبط في وعي السوريين بالحرية ومقاومة الطغاة، هو مبنى البرلمان، الذي وقف إلى جانب الشعب، وأرغمت مواقفه الفرنسيين على قصفه وقتل حراسه الثلاثين، مثل مفخرة من مفاخر الشعب السوري قبل أن يصير قبة يتجمع تحتها هتافون باعوا ضمائرهم، لا هدف لهم في هذه الحياة الدنيا غير كسب رضا من اشتراهم بأبخس الأثمان!

ليس لانتخابات مجلس الشعب غير معنى وحيد يحاول النظام التستر عليه: هو تصميمه على أن لا يغير أي شيء، وعلى رفض تطبيق أي إصلاح، بما في ذلك ما أعلنه هو نفسه. هنا، وليس في أي شيء آخر، تكمن دلالة الانتخابات البائسة، التي ستبين مرة أخرى حقيقة موقف الشعب من النظام، وحقيقة النظام التي لم يعد بمستطاع أي ورقة توت ستر عوراته المفضوحة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السياسة الدولية :وموقع الازمة السورية في الخريطة الدولية الجديدة ...!!! .. د.خالد ممدوح العزي*

الصراع الدولي والتغير المنتظر :

الصراع الاقتصادي يتصاعد في كل الدول الكبرى ، وخاصة الاقتصادية منها، والسبب يعود لعدم وجود خطة اقتصادية إنقاذيه شاملة لدى هذه الدول ، بالطبع الشرق الاوسط مكان مفعول به في سياسة هذه الدول ، ومرحلة انتقالية للمعارك الجديدة القادمة في خريطة العالم الدولي الجديد التي تراهن على بناءه بعض الدول ، وبالتالي الروس والصينين شأ من شأ وابا من ابا ، فانهم خرجوا من الشرق الاوسط، وساهموا بدخول امريكا واوروبا على المنطقة ، بسبب تقاعس هذه الدول وعدم تعاملها الجدي مع شعوب دول هذه المنطقة، ووضعهم لعدو وهمي ومجهول لهم ، هو صعود الاسلام السياسي الى السلطة .

فاليوم المعركة القادمة للسيطرة هي معركة اسيا الوسطى وافريقيا...وليست منطقة الدول العربية التي يتم تغير انظمة الحكم فيها تدرجيا . المشكلة العربية وقعت اذا اسيرة لمصالح دولية ، لم تحل ولم تخرج نتائجها بعد، ولن تحل اليوم وخاصة السورية منها . الجميع يحاول انتاج نظام دولي جديد يحاول ان يكون له دور اكبر واكثر فعلية من خلال التمسك بملفات وايجاد تحالفات جديدة ،لطرح او اطلاق دبلوماسية اوسع واكبر، ومن نوع جديد يكون فيها تعدد الاقطاب هو السائد والحاكم . فاوروبا اليوم تعاقب زعمائها واحزابها ،الذين وافقوا على سياسة التقشف، علهم يسيطرون على زمام الازمة الاقتصادية، لكن الشعب قرر معاقبتهم واستبدالهم باليسار . ان نمو اليسار في اوروبا اليوم ، لا خوف منه لأنه ليس هذا اليسار القديم ولا الجديد الجدي والقوي، ولا يتمتع ببرنامج واديولوجية جديدة مميزة ،ولكن سيطرت اليسار اليوم في اوروبا سوف ينمي اليمين المتطرف، وهذا هو الجوع الحقيقي لأوروبا والخطر القاتل لها ،ويذكرنا هذا الوضع بالعام 1930 عندما وصلت النازية في المانيا الى سدة الحكم بواسطة الانتخابات الشعبية وبالطريقة الديمقراطية ، طبعا هذا حال اليمين المتطرف في فرنسا الذي ساهم باسقاط حزب سركوزي مما ساهم بفوز الحزب الاشتراكي ،لكي يتمكن حزب اليمين المتطرف ،من ان يكون هو الحزب المعارض ، الوحيد والقوي والذي يضمن له مستقبل زاهر في فرنسا بظل تأزم الحياة الاقتصادية والاجتماعية ،وهذا وضع اليونان وايطاليا و صربيا الخ . فالانتخابات في الغرب لم تدل عن استقرار في القارة الاروبية او في الغرب بشكل عام ،وانما تدل على ازمة وليدة ولا تحمل اي حلول حقيقية للازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهم، فالغرب سيغرق في المزيد من المشاكل في المرحلة المقبلة.

روسيا والورقة السورية :

تتحمل روسيا ، جزء ليس بسيطا من الكارثة ،فقد تمادت كثيرا في تازمها، ولم يعملوا على ضبط الازمة بل اطلقوا لها العنان، لقد ساهمت بالكارثة الفعلية ،واطلقت زئيرالاسد ،ومدته بالسلاح والمال والمعلومات والحصانة الدولية فرفعت الفيتو ضد العرب لحماية ايران وليس سورية، روسيا عينها على ايران، ولكن التقدير الروسي يمتاز بالغباء وضعف الرؤية فروسيا لازالت حبيسة اوهام قديمه بانها الدولة الثانية الكبرى في العالم . طبعا ان مسرحية تدور السلطة الروسية ، هي مهزلة للشعب الروسي واليوم التداول يتم في حلقة ضيقة ولكن اضحينا امام القيصر الحقيقي في ادارة الملافات الدولية العالقة، وخطابه السياسي هو خارطة طريق من قبله للتعامل مع الملفات السياسية والتي بدأها باشارة واضح للتقارب مع امريكا بلهجة تصعيدية. لروسيا وامريكا مصالح مشتركة في ترتيب وتهدئة العلاقات بينهما من خلال ادارة العلاقات بطريقة جيدة تخدم البلدين ،وايضا كل الملفات العالقة هي محصورة اذا بين موسكو وواشنطن. هناك ملفات كبيرة ومتازمة بين البلدين وهي بحاجة للحل الجيد وبادارة حكيمة ،:"ومنها ملف جورجيا الدرع الصاروخية العلاقات في القوقاز الانسحاب الامريكي من افغانستان في عام 2014 ، مصير ومستقبل حركة طالبان القادمة للسلطة ومدى تاثيرها على دول اسيا السوفياتية ،ملف سوريا ،ملف ايران ،منظمة التجارة العالمية ،الانتخابات الداخلية الروسية والسكوت عن حكم بوتين وعدم دعم المعارضة الروسية بالاضافة الى مشاكل اخرى مفتاح الحل موجود مع واشنطن"، وبالتالي موسكو تعلم بانها لاتستطيع الدخول في حرب "اعلامية او سياسة او عسكرية او دبلوماسية مع واشنطن فالحرب الناعمة ليست لصالح روسيا.

المشهد السياسي العالمي :

فالانتخابات في روسيا ،اسبانيا ،فرنسا ،اليونان واميركا عقدت المشهد السياسي العام .لذلك سوف يينتج تقارب بعد الانتخابات الامريكية القادمة من خلال اعطاء روسيا بعض الامتيازات البسيطة التي تعلنها روسيا نصرا دوليا. ففي فرنسا -المانيا المشكلة الاوروبية الاجتماعية الاقتصاية ومشكل النمو هي مشاكل ذات ابعاد ذاتيه داخلية الى حد ما وكذلك المشكل في روسيا صعود الطبقة المتوسطة وصعوبة تجاهلها وفي اميركا البطالة والتضخم الاقتصادي .فاخر تقرير للتنمية البشرية لايبشر بخير. ان هذا الصراع الدولي لايزال ينظر الى المنطقة العربية على انها مفتعل او مفعول به وليس فاعل .

الربيع العربي لاشك عقد المشهد الدولي الى حد كبير وزاد من اعباء كافة القوى الدولية في البداية كانت المشكلة مع اميركا والان نتيجة قلة الخبرة الدبلومسية روسيا لم تستفد من التغيرات، وجعلت من نفسها طرفا وهي رؤية بنيت على تصور خاطئ اي ان ارتكاب الاخطاء سمة من سمات النظام الروسي.وبالتالي الازمة الاقتصادية العالمية التي يدفع ثمنها الزعماء القدامة في العالم الغربي ،لا يعني ابتعاد دور روسيا عن هذه الازمة، و هي ليست بعيدة عن مدار هذه الازمة العالمية.لكن ذلك لم يحل مشاكل الطرفين لان المشاكل عميقة جدا من الجانب الاقتصادي والسياسي اجتماعي ،بظل صعود واضح لتيارات يمينية ويسارية اكثر تطرفا.المشكلة السياسية لم تحل والجميع يحاول ويعمل على انتاج نظام دولي جديد ، يكون له دور اكبر واكثر فعلية من خلال التمسك بملفات عالقة ،وايجاد تحالفات دولية جديدة ،لطرح او اطلاق دبلوماسية واسعة كما اشارة اليه وكالة وكيكليكس في العام 2010 .

الازمة السورية و الانتخابية العالمية:

الازمة السورية تتراوح اليوم ما بين انتخابات في الصين، ورئيس جديد في ألمانيا، ودخول القيصر بوتين إلى الكرملين مرة أخرى، وخروج ساركوزي من الإليزيه ودخول أولاند والحزب الاشتراكي إلى كرسي الحكم لأول مرة منذ عام 1994، يبدو العالم كله كأنه يتقلب على صفيح ساخن! واليوم هناك حيرة في واشنطن حول الرئيس المقبل، وسخونة في إيران حول الانتخابات التشريعية، وغموض وقلق وخوف في مصر حول شخص الرئيس الآتي من ضمن 13 منافسا. كل ذلك له معنى سواء كنت معه أو ضده، سواء كنت جمهوريا أو ديمقراطيا، سواء كنت مع ساركوزي أو ضده، سواء كنت إسلاميا أو محافظا أو ليبراليا في الحالة المصرية، لكن الانتخابات الوحيدة التي لا معنى لها، هي الانتخابات البرلمانية في سوريا التي جرت على وقع قنابل المدفعية الثقيلة وطلقات الهاون والنشاط الدموي لشبيحة النظام.وهنا لبد من التوافق مع مقالة ل "رجا طلب في جريدة الرأي الاردنية بتريخ 7 مايو "ايار"2012 تحت عنوان :" مهمة عنان.. إلى متى؟ والتي تتحدث على ذمة كاتبها وذمة الجريدة :" بان المعلومات الاكثر خطورة تتحدث عن صفقة تمت عبر وسيط اميركي - لبناني الاصل بين دمشق وواشنطن واسرائيل وحزب الله بشان تقاسم حصص وكميات من الغاز اللبناني المكتشف مقابل بقاء النظام واطلاق يده في انهاء الثورة الشعبية في سوريا. من ابرز المؤشرات على احتمالية تلك الصفقة هو الفتور الواضح الذي طرأ فجأة على التعاطي الدولي مع الملف السوري وكأنه اصبح ملفا منسيا او في طريقه الى الدخول في حالة النسيان".

مهمة عنان رصاصة الرحمة للسياسة العالمية :

العالم اليوم كله يؤكد على ضرورة نجاح مهمة كوفي عنان ،والسبب الاساسي الذي جمع بين مختلف السياسات العالمية والتوجهات المختلة هو الغيب العلي لعدم الاتفاق على مبادرة سياسية قبلة للتنفيذ من قبل مجلس الامن والشكوت الامريكي على كل جرائم الاسد التي تؤشر على روائح صفقة خاصة بين الغرب والروس ونظام الاسد من خلال ضغط اسرائيلي على حساب استسلام الثورة السورية .هذا الذي يجعل خطة عنان المتق عليها دوليا دون تحديد مهمة التنفيذ وربطها بالية محددة ،اضافة الى غياب اي ضغوط على الاسد عسكريا .

ومن هنا فان فشل المهمة يعني فشل مجلس الامن كليا في ايجاد حل سلمي للازمة السورية وبالتالي العالم ترك سورية ورفع يد المجتمع الدولي عنها وتركها للنظام ليكي يسكت صوتها بقوة القتل والذبح كالخراف .وخاصة ان الازمة السورية التي فقدت اي حل سلمي وعربي ودولي لها بسبب استخدام النظام لقبضة الحديدية الامنية والعسكرية ،وبالتالي هذا الملف الذي استخدمه في فرض مصالحه الخاصة لتحسن شروطه في التفاوض شلت ايضا ي تحسين شروط تفاوضها ،وبالتالي سوف يعمل الشعب السوري في تحصين حاله في مواجهة النظام للدفاع عن نفسه،من خلال الاتجاه نحو التطرف الشعبي السلفي ،وبالتالي امام عجز المجتمع الدولي ي حل الازمة سوف يسمح في تدفق القاتلين الاجانب التي سوف تجتدبهم قضية جديدة لمقاتلين مجهولين وباحتضان الشعب السوري الذين باتوا بامس الحاجة للمساعدة دون النظر من اين هذه المساعدة .وهنا يعيدنا التاريخ الى العام 1993 عندما ترك العالم اهل البوسنة عرضة للقتل والتنكيل الى حيث قدوم المجاهدين العرب والمسلين الى سراييفوا والدفاع عن اهلها وفرض توازن رعب حقيقية ،ادت بالشعب البوسني بالالتفاف نحو هذه الشريحة المدافعة عن الشعب .عندها قرر الغرب الدخول في معركة ضد الصرب والوقوف الى جانب الشعب الاعزل بعد الخوف الفعلي من تدفق المجاهدين الى دولة في جنوب اوروبا .

مابين البوسنة وسورية امن اسرائيل :

واليوم هل سورية سوف تكون البوسنة في الشرق الاوسط بعد 20 عاما من الماساة التي عاشها الشعب البوشناقي ،واليوم يعيشها الشعب السوري بكافة فئته بكل مدنه ونواحيه .

فالعالم بوادي والربيع العربي بوادي اخر ،فلماذا يكون التغير في بلاد العرب غير طبيعي ،فالاسلام ليس بجديد على بلاد العرب لان عمره اكثر من 1400 سنة ،ولكن اسرائيل هي الجديدة ،العالم هو القلق عليها والعدو الوهمي ليس بجديد،لكن الحرية والديقراطية والعدالة الاجتماعية سوف تفرض انظمة جديدة في الدول العربية ، بعيدة عن حماية امن اسرائيل ،فالانظمة العربية الفاشلة الحالية هي شريكة في جريمة اغتصاب دولة فلسطين العربية ،واسرائيل لن تجد افضل من هذه الانظمة الحاكمة في حماية امنها لكونها انظمة دكتاتورية وقمعية .

*كاتب إعلامي، ومختص بالإعلام السياسي والدعاية.

dr_izzi2007@hotmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا ثوار سورية اتحدوا!.. (4) .. فرض واجب قبل فوات الأوان  .. نبيل شبيب

لا يعبر عن الوفاء للشهداء والجرحى والمشردين والمعتقلين والمفقودين.. عن الوفاء لليتامى والثكالى والمصابين والمكلومين والمحرومين أحدٌ مهما بلغ موقعه التنظيمي في الثورة الشعبية في سورية إلا بقدر ما يسبق سواه إلى وضع نفسه وفصيله على طريق وحدة الكلمة والمنهج

بين يدي الثورة الشعبية في سورية من يقول:

تعدّدت الأسماء فيما يوصف بالمعارضة السياسية بلا نهاية.. فأصبح يوجد المجلس.. والهيئة.. والحزب.. والتيار.. والتجمع.. والكتلة.. والجبهة.. والجماعة.. والاتحاد.. وكل فريق صغير أو كبير يجتهد ليميّز نفسه بتسمية جديدة..

وأمام واقع الإنجاز السياسي الضعيف ينطلق السؤال بمرارة: حتى متى هذه التفرقة وثورة شعب سورية ثورة شعب واحد، لهدف واحد، ومستقبل مشترك؟..

لو كان حجم الإنجاز بقدر هذا التعدّد لما مضى شهور وشهور.. دون أن توجد الطاقة السياسية القيادية القادرة على صناعة الحدث..

ولكن.. نعلم أيضا أنّ بين يدي هذه الثورة الشعبية البطولية التاريخية في سورية من الأسماء في الساحة الثورية ما لم يعد يسمح بمزيد.. فلدينا التنسيقيات في كل حي وبلدة، ولا غنى عنها في العمل الميداني المباشر.. ولدينا أيضا اتحادات التنسيقيات.. ولجان التنسيقيات.. والمجالس الثورية.. المحلية والعليا.. والهيئة العامة والكتائب الحرة.. فهل يستطيع أحد تعدادها وحصرها؟..

هل نستغرب إذن أن يتردّد في صفوف الثوار.. والثوار هم الشعب الواحد: حتى متى هذه التفرقة ولثورة شعب سورية هدف واحد، ومستقبل مشترك؟..

لو كان حجم إنجاز إدارة الثورة وقياداتها، بقدر هذا التعدّد الكبير من التشكيلات الثورية لما مضى شهور وشهور.. دون أن يستقر مسار الثورة على طريق النصر الحاسم.

بين يدي الثورة من يقول:

لم يطرح من تصدّى من السياسيين للتكلم باسم الثورة منهجا مشتركا فعالا، ولم يتمكّن من فرض إرادة الثورة في المحافل العربية والدولية..

هل نستغرب قول من يقول أيضا: أين طرح القيادات الثورية للمنهج الثوري السياسي، برؤى قريبة وبعيدة، ومخطط عمليّ مدروس، وآليات تنسيق وتكامل كافية، ليتحقّق من موقع قيادة الثورة، وعلى وجه الدقة من موقع قياداتها الميدانية المتعددة.. ما لم يتحقق عبر موقع المعارضة السياسية التقليدية.. أو المعارضات المتعدّدة؟..

بين يدي الثورة من يقول مفسرا ومنظرا:

تعدّد التنظيمات السياسية المعارضة أمر فرضته معطيات واقع تاريخي، ونسمع من يجيب: هذه مبررات مرفوضة فقد آن الأوان أن يتجاوز الساسة أنفسهم ويرتفعوا إلى مستوى الثورة الشعبية البطولية التاريخية.

ألا يوجد من يقول أيضا بين يدي الثورة: إن تعدّد التنظيمات الثورية أمر فرضته معطيات واقع تاريخي، وهل نستغرب أن نسمع هنا أيضا من يجيب: هذه مبررات مرفوضة فقد آن الأوان أن تتجاوز هذه القيادات نفسها وأن ترتفع إلى مستوى الثورة الشعبية البطولية التاريخية؟..

إنّ وحدة المنهج والكلمة وانعكاسَها في مواقف وخطوات وإجراءات سياسية، وإن لم تتحقق الوحدة التنظيمية، مسؤولية كبرى على عاتق السياسيين.. ومن يتحوّل إلى عقبة في طريق ذلك لن يدخل في سجل التاريخ بصفة قائد سياسي مهما بلغ حجم الفصيل السياسي الذي يقف على رأسه، فالعبرة في الإنجاز.. وليس في العدد ولا الكلام..

ولكن.. أيها القادة الثوار في التشكيلات الميدانية:

إنّ وحدة المنهج والكلمة وانعكاسها في مواقف وخطوات وإجراءات ثورية ميدانية وسياسية مدروسة، وإن لم تتحقق الوحدة التنظيمية، مسؤولية كبرى على عاتقكم أنتم في مواقع قيادة التنسيقيات والمجالس والهيئات واللجان.. ومن يتحوّل إلى عقبة في طريق ذلك لن يدخل في سجل التاريخ بصفة قائد ثوري ميداني مهما بلغ حجم الفصيل الثوري الذي يقف على رأسه، فالعبرة في الإنجاز.. وليس في العدد ولا الكلام..

يا أيها القادة الثوار.. اتحدوا.. قبل فوات الأوان، فالثورة ماضية إلى النصر الحاسم بإذن الله، وسيصنع الشعب الثائر قادته السياسيين وقادته الميدانيين على السواء، وستشهد سورية جيلا جديدا من القادة مثلما شهدت جيلا جديدا من الثوار صنع نفسه بنفسه.. وفي هذا الوطن الثائر لا يعبر عن الوفاء للشهداء والجرحى والمشردين والمعتقلين والمفقودين.. عن الوفاء لليتامى والثكالى والمصابين والمكلومين والمحرومين أحدٌ مهما بلغ موقعه التنظيمي إلا بقدر ما يسبق سواه إلى وضع نفسه وفصيله على طريق وحدة الكلمة والمنهج، وتنسيق الفعاليات المحلية والشاملة، ليكون مع الشعب الثائر يوم نصره المؤزر بإذن الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: أطول مما نعتقد وأقصر مما يعتقد! .. خير الله خير الله

الرأي العام

15-5-2012

من الواضح ان النظام السوري يحاول تصوير ان معركته مع «القاعدة» في حين انها مع الشعب السوري. لا يدرك ان ما يقوم به من مناورات بائسة لم يعد ينطلي على احد. من هذا المنطلق، نرى محاولات يبذلها من اجل الاستفادة من التفجيرين الاخيرين في دمشق وهما، اضافة الى تفجير حلب، عمل ارهابي ذهب ضحيته عدد كبير من المواطنين.

يشكل تفجيرا دمشق ثم تفجير حلب، نقطة تحوّل في الازمة التي يمرّ بها هذا البلد العربي المهمّ منذ نحو اربعة عشر شهرا. لماذا تشكل هذه الانفجارات، وهي ليست الاولى من نوعها في سورية نقطة تحوّل؟

الجواب انه اذا تبيّن ان النظام وراء التفجيرين، يكون فقد مبرّر وجوده، نظرا الى ان مهمّة اي نظام حكم في العالم حماية الشعب اوّلا وخدمة مصالحه. اللهمّ الا اذا كان هذا النظام، الذي هو نتاج انقلاب عسكري، نفّذ قبل تسعة واربعين عاما، يستمّد شرعيته من قدرته على قمع الشعب وإذلاله الى ما لا نهاية.

لنفترض ان لا علاقة للنظام بالتفجيرات الاخيرة. اذا تبيّن ان تنظيم «القاعدة» الارهابي قادر فعلا على اختراق دمشق والوصول الى مكان قريب من موقع امني مهمّ وحسّاس، فهذا يعني في اقلّ تقدير ان هناك ما يشير الى ان العمود الفقري للنظام، المتمثل في السيطرة الامنية على البلد، لم يعد موجودا. ما قيمة النظام السوري، الذي ليس لديه ما يصدّره للدول المجاورة سوى الامن، بالمعنى السلبي للكلمة، عندما لا يعود قادرا على التحكّم بالشوارع القريبة من المواقع الامنية داخل دمشق نفسها او في حلب؟

في الحالين، هناك حال افلاس ليس بعده افلاس. ما يؤكّد هذا الافلاس، الرسالتان الموجهتان من النظام الى مجلس الامن التابع للامم المتحدة والى بان كي مون الامين العام للمنظمة الدولية. ترفض الرسالتان الاعتراف بالواقع المتمثّل في انّ هناك ثورة شعبية في سورية وان النظام الذي يواجه هذه الثورة انتهى في اللحظة التي اعتقد فيها كبار المسؤولين ان لا حل سوى الحلّ الامني. لو كان الحلّ الامني يشكّل مخرجا للنظام، لكان استطاع استعادة السيطرة على حمص وحماة والرستن ودرعا ودوما وادلب ودير الزور وعشرات المدن والبلدات والقرى منذ اشهر عدّة.

لو كان الحل الامني حلاّ لما كان النظام مضطرا الى الاستعانة بمجلس الامن والامين العام للامم المتحدة الذي لم يتوقف عن دعوة كبار المسؤولين السوريين، على رأسهم الرئيس بشّار الاسد الى اعتماد لغة العقل ووقف المجازر التي يذهب ضحيتها الابرياء الذين لا ذنب لهم سوى المطالبة بالحرية والعدالة وحد ادنى من الكرامة الانسانية.

لعلّ أخطر ما في الحدث السوري اعتقاد النظام انه قادر على الاستمرار الى ما لا نهاية في الحلّ الامني. تبيّن مع مرور الوقت ان رقعة الثورة تتسع اكثر فاكثر بشكل يومي. الدليل على ذلك ما يجري في دمشق وحلب اكبر مدينتين سوريتين. صارت دمشق وحلب في قلب الثورة وباتتا تشكّلان دليلا واضحا على ان الشعب السوري باكثريته الساحقة يرفض نظاما لا يؤمن سوى باستعباده.

متى يقتنع النظام السوري بانّ لا خيار آخر امامه سوى الرحيل؟ الخوف كلّ الخوف من ان النظام بات يراهن على انه قادر على متابعة عملية الهروب الى الأمام عن طريق القاء اللوم على قوى خارجية واتهامها بانها وراء تأجيج الثورة والعمليات الارهابية.

قبل كلّ شيء، ينسى النظام السوري ان القوى الخارجية هي التي تدعمه بالمال والسلاح والمواقف السياسية. هناك تورط ايراني وروسي وصيني، الى حدّ ما، في عملية التصدي للشعب السوري والسعي الى قهره. اما بالنسبة الى الشكوى من تهريب السلاح، ليس سرّا ان كلّ السلاح الذي دخل لبنان منذ ما قبل الحرب الاهلية في العام 1975 جاء من سورية. ما دام النظام السوري يشكو من ان الاراضي اللبنانية تستخدم لتهريب اسلحة الى الداخل السوري، لماذا يصرّ على رفض ترسيم الحدود بين البلدين كي تسهل مراقبتها؟ لماذا يصرّ على اقامة قواعد لمنظمات فلسطينية تابعة له داخل الاراضي اللبنانية وتزويدها بالسلاح الموجه الى اللبنانيين؟

اضافة الى ذلك كلّه، لا يمكن تجاهل ان قسما لا بأس به من العمليات الارهابية التي استهدفت دولا عربية معيّنة في الخليج، انما خطّط له في دمشق وفي اماكن قريبة منها. اكثر من ذلك، حتى الامس القريب كانت الحكومة العراقية الحالية تتهم النظام السوري، بكل وضوح، بانّه وراء العمليات الارهابية التي تنفّذها «القاعدة» في بغداد ومناطق عراقية اخرى.

كيف يمكن لنظام لم يتقن يوما سوى لعبة ممارسة الارهاب القاء اللوم على الاخرين عندما يعجز عن الاعتراف بانه في مواجهة ثورة حقيقية تعبّر عن طموحات الشعب السوري وتطلعاته. انه الافلاس بعينه بالنسبة الى نظام لا يريد الاقرار بانه انتهى وان ليس امامه سوى الرحيل اليوم قبل غد.

بدل توجيه رسالتين الى مجلس الامن والامين العام للامم المتحدة، يفترض بالنظام السوري، في حال كان حريصا على سورية والسوريين، مباشرة التفاوض في شأن كيفية التنحي. انه الخيار الوحيد الذي يمكن التفاوض في شأنه قبل فوات الاوان وذلك من منطلق ان الثورة السورية قد تحتاج من الوقت كي تنتصر الى اكثر بقليل مما نعتقد... ولكنّ اقلّ بكثير مما يظن الرئيس السوري والمحيطون به!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل بدأت الحرب في سورية  .. محمد مجاهد الزيات

عكاظ

15-5-2012

حذر المبعوث الدولي كوفي عنان من احتمال اشتعال حرب أهلية في سورية، وهو ما أثار التساؤل حول ما إذا كان تحذير عنان يستشعر الخطر، أم أن الخطر قد بدأ بالفعل، ودخلت سورية في حرب أهلية فعلية. لقد جاء هذا التحذير متزامنا مع تصريحات ممثل الصليب الأحمر الذي زار سورية والذي أوضح فيها أن بعض المعارك التى جرت في حمص وإدلب يمكن وصفها بأنها جرائم حرب، واتهم النظام وقوى المعارضة المسلحة بممارسة ذلك، هذا بالإضافة إلى تدفق السلاح عبر لبنان وتركيا ومن إيران لطرفي النزاع، وهو ما يشير إلى أن الأمر بدأ يدخل منعطفا خطيرا. فالمجلس الوطني الذي تم الاعتراف به من جانب أصدقاء سورية لايزال يواصل سعيه لحرب التدخل العسكري الدولي، والبحث عن تسليح ثقيل .يواجه به القدرات العسكرية للنظام، وتركيا الطرف الإقليمى الرئيسي لاتزال تتخوف من تصاعد الحرب الأهلية وانعكاساتها على الداخل التركى، بينما لايزال الموقف الدولي يراهن على خطة كوفي عنان لتهدئة الأوضاع لتمرير الوقت، حيث لا تتوافر خطة بديلة لذلك حتى الأن، خاصة أن الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية المعنية لديها استحقاقات داخلية تمنعها من التورط في خطط بديلة في سورية التوقيت الحالى.

وفي ظل هذه البيئة الإقليمية والدولية العاجزة يشتعل الموقف الداخلى في سورية في الوقت الذى لاتزال فيه قوى المعارضة على اختلافها تشهد انقسامات واضحة، وفشلت الكثير من الجهود لتوحيدها، والدليل على ذلك التشتت الذى تعانيه المعارضة السياسية ، وإعلان اللجنة التحضيرية لإعادة هيكلة المجلس الوطني فشلها، والخلافات المتصاعدة بين جيش سورية الحر وقوات التحرير، ويتصاعد بالتزامن مع ذلك الحديث عن عمليات تهجير من مناطق في ريف حمص وحماة تنذر بحرب طائفية، وإلى جانب ذلك تصاعد الحديث أيضا عن نشاط لتنظيم القاعدة حيث أكد خبراء عسكريون وأمنيون أمريكيون وأوربيون حضورا متزايدا للتنظيم فى سورية ، الذي وفرت بعض خلايا له وفدت من العراق وليبيا فضلا عن إفراج النظام السوري عن بعض العناصر التابعة لهذا التنظيم، والتى كانت مسجونة لديه مناخا إيجابيا لنشاطه، الأمر الذى يطرح الكثير من المخاطر على مستقبل الثورة السورية والوطن السوري في النهاية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شبيحة بلا حدود!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

15-5-2012

ما جرى ويجري في مدينة طرابلس اللبنانية من قتال بين بعض أبناء السنَّة هناك وبين العلويين يؤكد أن حرب النظام السوري ضد الثورة لا تنحصر في الداخل السوري، بل تتجاوزه إلى ساحات خارجية، يبدو أن لبنان من أهمها، وإن لم يكن ساحتها الوحيدة.

دعك من التشبيح الإعلامي الذي يدهمك صباح مساء في المقالات والتعليقات والتصريحات والمقابلات الفضائية في سائر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، والأهم عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

هذا اللون من التشبيح لا ينحصر كما يرى كثيرون في أطر حزبية يسارية وقومية تبرر موقفها بالحرص على المقاومة والممانعة، بل يتجاوزها إلى أطر مذهبية أكثر قوة واتساعا جعلت من الحرب في سوريا عنوانا للحفاظ على مكاسبها خلال المرحلة الماضية، وهي ترى في سقوط بشار الأسد إيذانا بتراجع تلك المكاسب على مختلف الأصعدة.

ما يجري في طرابلس يشير إلى عنوان آخر للتشبيح يتمثل في مطاردة كل ما من شأنه دعم الثورة السورية، وفي لبنان تحديدا بات البلد محرما عمليا على أي نشاط يمكن أن يمسَّ النظام في سوريا.

ولأن البلد عمليا يخضع للسيطرة العملية لحزب الله، بدءًا من مطار بيروت وليس انتهاءً بمعظم المعابر والحدود، فقد بات المؤيدون للنظام السوري مطاردون على كل صعيد، وقصص الذين اختطفوا في لبنان وسلموا إلى السلطات السورية تكاد لا تحصى. وفيما تجاهد الحكومة اللبنانية، برأسها السني الضعيف والمستلب في تأكيد سياسة “النأي بالنفس” عما يجري داخل سوريا، فإن الذين يتحركون بقوة على الأرض من عناصر حزب الله وشبكته الأمنية الهائلة لا ينفذون هذه السياسة، بل يعملون ليل نهار على الحيلولة دون أي شكل من أشكال التضامن مع الثورة السورية في الساحة اللبنانية، ويطاردون كل من تسول له نفسه التورط في أمر كهذا.

كل تأكيدات الحكومة اللبنانية بنفي ذلك تبدو نوعا من الهراء أمام الوقائع التي يعلنها الطرف الآخر، مع أن أحدا لم يعد يجرؤ من الناحية العملية على الدخول إلى لبنان وهو يحمل فكرا مناهضا للنظام السوري، فضلا عن أن يكون متورطا في دعم الثورة بهذا الشكل أو ذاك. أما الأسوأ فيتمثل في تورط مباشر من قبل حزب الله في دعم النظام بوسائل شتى كجزء من منظومة الدعم الإيراني.

من أهم عناصر التشبيح العابر للحدود هو ذلك المتمثل في مطاردة واختراق أطر المعارضة خارج الحدود السورية، سواءً في تركيا أم لبنان أم سواهما من دول الجوار، الأمر الذي يجعل من غير اليسير الوثوق بأي من الذين يعلنون الخروج من الداخل السوري فرارا من بطش النظام بسبب حجم الاختراقات بين صفوفهم.

بل إن رسائل واضحة من طرف النظام يجري تسريبها تهدد وتتوعد الدول التي تسمح بنشاط للمعارضة السورية بأنها ستكون في مرمى الاستهداف إذا لم تكفَّ عن ذلك، فيما يعلم الجميع مدى قدرة النظام على ممارسة الاغتيالات والتفجيرات بحق المعارضين ومن يدعمونهم.

الساحات الأوروبية والدولية لا تبدو بعيدة عن هذا النشاط اليومي لشبيحة النظام، وكم من معارض في الخارج، أو شاب ينشط ضد النظام جرى تهديد أهله في الداخل، بل استهدافهم بهذا الشكل أو ذاك، ويتم ذلك من خلال التقارير التي يرسلها شبيحة النظام في الخارج عن سائر أشكال النشاطات المعارضة في العواصم الدولية والعالمية وأسماء المشاركين فيها.

هي معركة عابرة للحدود يديرها النظام، ومن ورائه إيران والمتحالفين معها؛ على أساس مذهبي مع الأسف الشديد، لاسيما أن الغالبية الساحقة من هؤلاء لا زالت تتحرك بروحية أن المعركة في سوريا هي المعركة المصيرية التي لا ينبغي التفكير في خسارتها كما ذهب غير مسؤول إيراني.

كل ذلك لن يغني عن ذلك النظام المجرم شيئا، وإن أطال عمره بعض الشيء، فقد ثبت للجميع أن إصرار الشعب السوري لا يزال أكبر بكثير من إجرام النظام وبطشه، وهو إصرار لا يفت في عضده تخاذل العرب والمجتمع الدولي. وحين يصرخ شبيحة النظام منددين بالمؤامرة الخارجية يضحك العقلاء ملء أفواههم، لأن الموقف الأمريكي والغربي لا يبيع السوريين غير الكلام، بينما يعلم الجميع أن السوريين يديرون معركتهم باللحم الحي والدم الزكي واثقين من أن الانتصار سيكون قدرهم طال الزمان أم قصر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار أو الدمار  .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

15-50212

تصريحات زعيم حزب الله بلبنان حول الأوضاع في سوريا، وقوله إنه ليس أمام السوريين إلا خياران هما إما الإصلاح الذي يقوده الأسد، أو الخيار التدميري، أي الثورة، يعني أن حسن نصر الله يريد القول للسوريين بكل بساطة، إنه بشار أو الدمار.

فعندما يقول نصر الله بأن «ما يجري في سوريا ليس مطالبة بإصلاح»، وإن الشعب السوري أمام خيارين، «منهج جدي في الإصلاح» تقوده السلطات، أو «عقل تدميري، ويد تدميرية، وجهات حاضرة تقدم السلاح والمال والانتحاريين» - فهذا يعني أن نصر الله بات مثله مثل دبابات الأسد التي تجوب الشوارع السورية مكتوبا عليها «الأسد أو لا أحد»، فتلك الدبابات تجوب الشوارع وهو يجوب الفضاء الإعلامي لنقل نفس الرسالة المكتوبة على الدبابات التي تقتل السوريين، وكم قتل الإعلام من عربنا مثل ما قتلت الدبابات! فنصر الله يتبنى نفس وجهة نظر النظام الأسدي بأن كل ما يحدث في سوريا اليوم هو بسبب تمويل خارجي، وإرهاب «القاعدة»، بل إن ما يفعله نصر الله مثله مثل ما فعله بشار الجعفري، مندوب الأسد في نيويورك، الذي جاء بفرية غير مسبوقة وهي أن «القاعدة» نتاج تحالف غربي - عربي ضد الأسد!

حديث نصر الله الأخير هو في حقيقته موجه لجهتين، الأولى هي القوات الأمنية في سوريا، التي تشهد انشقاقات متواصلة، حيث يعلم المطلعون على الشأن السوري جيدا أن قطاع الجيش السوري يشاهد قنوات «المنار»، و«العالم»، أكثر مما يشاهد أي قنوات تلفزيونية أخرى، وبالتالي فإن نصر الله يحاول إقناعهم بضرورة الثبات، وأن الإصلاح هو ما يقوم به الأسد، وعدا عن ذلك فهو عمل تخريبي من الخارج. والطرف الآخر الذي يريد نصر الله مخاطبته بذلك الخطاب هو الداخل اللبناني، حيث يريد نصر الله القول بأن رحيل الأسد سيعني أن الحزب لن يتوانى عن تكرار ما فعله في مايو (أيار) 2008 عندما احتل الشق السني في بيروت، وها هي طرابلس اللبنانية مشتعلة أصلا تأكيدا للتهديد الأسدي بأنه سيحرق المنطقة، وقبلها سوريا، لو أجبر الطاغية على الرحيل من سوريا!

هذا ما أراد نصر الله قوله ببساطة للقوات الأسدية، وللبنانيين، أي بشار أو الدمار، فنصر الله جزء من ماكينة سياسية وإعلامية تتحرك اليوم بكل نشاط دفاعا عن الأسد، ومثل نصر الله أشخاص آخرون بالعراق وأماكن أخرى، وجميعهم يتحركون تحت المظلة الإيرانية، والهدف من هذا التحرك الآن هو اعتقاد الأسد أن الفرصة باتت متاحة أمامه للهروب للأمام اعتمادا على التغييرات السياسية في فرنسا والتي تتطلب وقتا، وكذلك التغييرات في روسيا والتي تتطلب وقتا أيضا، واستغلالا للانشغال الأميركي بالاستحقاقات الانتخابية. لكن الأمر الجيد، وهو بالطبع سيئ للأسد ونصر الله، وغيرهما، أن شعلة الثورة السورية ما زالت مشتعلة وتتنقل من يد إلى يد في سوريا، وهذا الأهم، إلى أن يتنبه المجتمع الدولي إلى خطورة معادلة بشار أو الدمار، فسقوط طاغية دمشق بشكل سريع سيحمي سوريا والمنطقة كلها من ثمن فادح، وهذا ما قلناه مرارا وتكرارا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين مفاتيح الاستعصاء الشامي؟ .. مطاع صفدي

القدس العربي 13/5/2012

ليست الأزمة السورية مستعصية على الحلول إلا إذا نقلنا النظر من ظروفها الذاتية إلى ما هو خارج مجالها الإنساني والواقعي المباشر.

فحين انطلق شباب الانتفاضات الأولى ضد الاذلال المستديم، لم يكونوا دارين بأية قوة أخرى خارجة عن غضبهم. لم تكن الهبة الجماعية نتيجة تخطيط من قبل أحد. هذه البداية هي الخاصية الفريدة التي سوف تميز الربيع العربي مادام طقساً طبيعياً نابعاً من لحم أصحابه. فليس ثمة ربيع حقيقي مستفاد من أرض ومنبت غير تربته الأصلية فحسب.

لقد تطورت الانتفاضات والصدامات الأولى بين الشبيبة وزبانية السلطة حتى تحولت إلى تيار عارم، لم يلبث أن أصبح ثورة شعبية جذرية وشاملة. كان تطورها ذاك كفيلاً حقاً بتنمية طاقات متنوعة كمياً وكيفياً، تمنحها شراييَن حياةٍ وصمود وتفاعل، تؤهلها لأن تكون هي عقلها المنظم، وجسدها المقاوم. كانت الثورة تبني بسرعة فائقة كلَّ الأسس المطلوبة لسيادتها على مصيرها. ومن أهمها أساسان، هما الصمود والاستقلال، فكان النظام القاتل متخماً بصلف لا حد له، يجعله واثقاً كل الثقة بقدرته على القمع، مادام لا يضع له حدوداً قانونية أو أخلاقية، بالمقابل لم تكن تنطفئ مساحةُ تفجير حتى تنطلق ساحاتٌ أخرى، فالصمود ليس فعالية سلبية فقط. إنه لا يستنفذ طاقة محددة، إلا ليولّد طاقة أخرى أقوى. على العكس من القمع الذي لا يزيده فشلهُ إلا وحشيةً أشد وأقسى، لكنها تنكشف على اللاجدوى والعبث المتجدد من محاولاتها الدموية المجنونة، فهل نقول أن النظام والثورة، قد أصابهما معاً الإنهاك، وأن أحدهما ينتظر أن يسبقه الآخر كيما ينسحب بعده من الحلبة.

غير أن المشكلة أنهما لم يعودا وحدهما اللاعبين علي مسرح الحدث السوري، وبالتالي يكاد يخرج مصير الصراع من بين أيديهما معاً، سوف تتغير دلالات النصر أو الهزيمة'C إلي درجة يتغير معها وضعُ حدّ لسفك الدم، إذ يغدو منطق القتال في حد ذاته متخطياً أحياناً لقرارات المتورطين في وعثائه؛ هذا إن لم تصبح ساحاتُ المواجهة غاصةً بمختلف المتدخلين، مجهولين أو معروفين. وفي هذه الحالة من تصاعد الاشتبكات الملتبسة بين أصحاب القضية والمتطفلين على هوامشها إلى درجة الوصول حتى متونها، لن تكون الثورة هي المتضررة وحدها من تزاحم الأضداد حولها معها، أو رغماً عنها، بل إنه الشعب نفسه، صاحب القضية وحارسها الأول، من هو سيكون عليه أن يفصل بين قضيته تلك، وبين (إنجازاتٍ) باسم الثورة عن حق أو بهتان. وهذه الإنجازات هي ما تكون غالباً الأقرب إلى الانكسارات لفترة تطول أو تقصر، وأنها بالغة التكاليف بشرياً ومدنياً؛ لكن وحدة الشعب والثورة هي المسؤولة في شتى الأحوال ، عن تبرير التكاليف بمدى التقريب بين نتائجها الآتية، والمحصلة الأخيرة المنتظرة لكلية الثورة، إنها الثقة المطلقة بصلاحة أهداف الثورة، ومشروعية أسبابها، تلك التي تُرخص كلّ غال بدءاً من حياة المناضل وسلامه الوظيفي والاجتماعي من أجل حرية الأمة وكرامتها.

قد يكون التدخل الأخطر وليس الأهم فقط، هو فرض المجتمع الدولي أبوَّته الزائفة على ثورة الفتوة السورية، أغرب ما في السلوك الدولي هذا هو أن انحيازه الظاهري إلى جانب الثورة لا يحرج أو يزعج النظام بقدر ما ينأى بأصحابه عن أي إجراء حاسم يهدد بقاءه. وفي الوقت عينه تعمل هذه المبادرات الدولية، وآخرها خطة أنان، عن قصد أو بدونه، على تبريد حمية الفعل الثوري، وانتزاع وكالة الثورة عن ذاتها وتسليمها إلى عالم الإدارات البعيدة المشغولة أولاً بمصالحها؛ فليس ضعف المعارضة لأنها بدون مؤسسات أو قيادات تاريخية حتى الآن، ليست مشتتة بسبب من ماضي نشأتها في ظل القمع، ومن حاضر المنافسات الشخصانية والقيادية بين أركانها وكل هذا وارد، لكن هذا الانزلاق الكبير إلى ما تحت الاستقطابات الدولية جعل قراراتها متضاربة فيما بينها. وواقعة في المستويات الثانية والثالثة، وحتى الأخيرة، من استراتيجيات حكام العالم.

والحقيقة الأصلية في كل هذا الذي يحدث لأوطاننا العربية منذ تفجر باكورة الربيع، هو أن الانتفاضات لم تصارع عروشاً مهترئة، من سلالة مركّب الاستبداد/الفساد المحلي وحده، إنه الربيع العربي الذي يقاتل شتاءً كونياً، مدلهماً بظلاماته الرهيبة المتجذرة، وينجح بإسقاط بعض العروش، لكنه أخيراً يصاب بأعراض الاستعصاء في منازلة العرش الدمشقي، كأنما ليست هذه الظواهر سوى مداخل محلية لمناوشة أصحاب العروش الكبرى ماوراء الحدود.

يُخطئ من يعتقد، من بعض معلّقي الصحافة العربية، أن تمهل الغرب إزاء المافيا السورية الحاكمة، كان تردداً أو نأياً بالذات عن مستنقعات الدم التي يراد لها أن تزدحم بكل وحوش الفوضى والإرهاب والمقتلات الأهلوية، ليس تقاعس المجتمع الدولي عن الحسم مربوطاً فقط بالبحث عن البديل السلطوي المقبول، خيفةً من الاستئثار السلفي ومشتقاته بمستقبل الشام، هذا البلد الفسيح العريق الذي هو بمثابة جوهرة العقد الشرق الأوسطي، لذاته ولقارة العرب والإسلام والهندوس حتى سور الصين. هنالك ثلاث خارطات جيوسياسية متزاحمة على استيعاب مشرق العرب والفرس والترك. كأنما لم يعد هذا المشرق عربياً خالصاً، بل عائداً إلى تراثه التاريخي، كجغرافية للأديان السماوية الثلاثة، وللإسلام خاصة. فالمشرق إسلامياً حضارياً تكاتفت على بناته أمم ثلاث، العرب والفرس والترك، هؤلاء جميعاً، مضافاً إليهم الكرد، يتقاسمون مجالاً حيوياً واحداً، ويكاد يكون متجانساً في كثير من ملامحه الجغرافية ومكوناته البشرية ومزاياه الحضارية ونواقص كل هذه الخانات كذلك. وأيضاً، هم جميعاً يودون إعادة كتابة حاضرهم ومستقبلهم بأفضل ما كان لهم في ماضيهم المشترك، وبأبعد ما يمكن عن أسوأ انحرافاته السابقة.

هذه هي الخارطة الأولى والتي يمكن اعتبارها ذات أصول عائدة إلى مرتبة أنطولوجية تأسيسية، لكن الخارطة الثانية والثالثة لن تكونا من مستوى هذه المرتبة، وإن كانت لكل منهما فعالية الحراك السياسي المنعكس عن أيديولوجيات نهضة شاملة، أو مجردة، غير متفق على تحديد شخصيتها المفهومية إلا من خلال صراع هائل مع منهجيات دولتية طامحة إلى زرع زعامات إقليمية ذات سرعة أحادية، منطلقة من الواحد أحد في القمة نحو الآخرين (الشعوب) في القاع، وليس العكس أبداً، ويمكن القول أن هاتين الخارطتين الثانية والثالثة، إنما تخصّان امتزاج السياسي بالعقائدي ضمن الإقليم الجيوسياسي المباشر، وضواحيه القارية الأخرى. فالأمم الثلاث، العرب والفرس والترك، عائدة إلى المسرح العالمي، وكل منها حامل لمشروعها النهضوي المختلف، وإن تغطت جميعها تحت عباءة الإسلام، ما يسمح بالقول أن لكل أمة فهْمَها الخاص للدين الواحد الذي تتعدّد مذاهبُه، ومن ثمَ تتنوّع تأويلاته بحسب التوجهات السياسية السائدة في محيطه الاجتماعي والثقافي.

غير أن الإشكالية المركزية التي تعصف بتيارات الفكر والسياسة معاً في جو هذا المشرق المتسع لأمم متعددة متنافسة على زعامة حضارة واحدة، هو أن هذه المشاريع النهضوية الثلاثة لا تزال فاقدة للحظة المواجهة الصريحة مع الحقيقة، لما يمكن أن يسمّى بثورة التنوير؛ بحيث يتم التمييز المفهومي في الإسلام بين طقوس العبادات في تراثه، وآفاق المعرفة والحق في حضارته. في المجال الأول ذاك تصول وتجول الِملل والنِحل، وفي المجال الآخر ترتقي الجماعة إلى مستوى عقل العصر الذي تعيش تحت أحكامه، شاءت أم أبت.

أين موقع الربيع العربي من لحظة التنوير هذه. فالثورة من أجل الحرية لم تعد شعاراً مجرداً. أثبتت قدرتها على تحريك الجماهير العظمى، أخرجتها من قوقعة الكتل المهملة، جعلتها تُمسك بإرادة التغيير في كل ساحة، وبعد أن أنجزت مهمات شبه مستحيلة، قوّضت عروشاً فرعونية وطغيانية فريدةَ نوعها، ها هي تعاني حصاراً رهيباً من ازدحام نقائضها الأهلوية والأجنبية معاً، في الميادين الشامية، حيثما يكاد يتقرر هناك مصير 'الربيع العربي' كطقس كوني جديد في ثقافة التنوير، وليس كحدث سياسوي لهذا الشعب أو لسواه فحسب. من هنا ينبغي البحث عن علة هذه الاستعصاءات، وتزاحمها الخبيث على سد منافذ الحياة أمامها، تمهيداً إلى الشروع في الانقضاض على براعمها، وتشويه طبيعتها. وذلك مثلاً بتسليط أعدى أعدائها عليها، ما بعد النظام، وهو المتمثل في الإرهاب الدخيل الطاعن في ظهرها.

هنالك، في غياهب التخطيط الغربي من يعتقد أن إنجاز تحرير الشام سوف يقلب ركائز تلك الخرائط الثلاث المستقرة من دهور. ما يعني أن إنجازات ربيع الأطراف سوف يغدو ربيعَ المحور الأنطولوجي للمشرق وضواحيه الإسلامية. فأنْ يحكم شعبُ الشام نفسَه بنفسه لأول مرة منذ الفتح العربي، لا يريد أحد الاعتراف بدلالة ذلك الحدث؛ إذ في حال تحققه، لا بد لأهم عباقرة الاستراتيجيا العالمية أن يعمدوا إلى إعادة ترتيب أولويات أساسية في أحد أخطر قطاعاتها العملية.

ثورة الشام إما أن تكون حقيقية وجذرية، نظيفة من التحريف والاستغلال، وإما أن تطوي صفحاتِها الراهنة، لتأمل في فتح صفحات أخرى بيضاء أنقى وأبقى في تاريخ مستقبلي آخر. فهي اليوم لم تعد تنازل مجرد عصابة مافوية محتلة لمفاصل الدولة. إنها تكشف نظاماً دولياً متهالكاً يخترق لاشعوره المرضي نوعٌ من فَزَعٍ طاغٍ، من لحظة تحول الربيع العربي إلى ربيع عالمي. فالصهيونية تقرع أجراس الإنذار في كل مكان من عواصم الغرب. إنها تنعق بنُذُر عواصف هائلة إن تمّ نَسْفُ الخرائط البالية الجاثمة على صدور العرب والإسلام.

تحرّر الشام لن يُسقط جولةً أخيرة لمشروع الشرق الأوسط الأمريكي العتيد فحسب، بل لعله سينسف كل الأصول العميقة والقديمة، المتكفّلة بتصدير سلالة من أمثاله السابقة واللاحقة. لذلك لن ينهي الغرب 'الأزمة' السورية إلا عندما تتقهقر الثورة، بعد أن تنكسر أعلى أجنحتها البيضاء، لتنحدر هكذا دون أضعف منطلقاتها الأولى، حين تسهل في هذه الحالة إعادةُ إنتاج دورة جديدة من أنظمة قمع متخفية وراء أعلام ثورة منقضية من دون آثر إلا بقايا لون الدماء. هل هذا هو المصير المحتوم، أم أن الربيع له مواسم أخرى؟

*مفكر عربي مقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذه هي الثورة السورية وهؤلاء هم شبابها  .. بدرالدين حسن قربي

هذه هي الثورة السورية، وهؤلاء هم شبابها وصباياها أحراراً وحرائر، وشهداؤها مشاعل نور،وعلامات نجوم على طريق الحرية والكرامة.كتب أحدهم على صفحته في الفيس بوك، وعليها صورة مدينة حمص عاصمة الثورة السورية، وهي تقصف من قبل قوات النظام وشبيحته، كلماتٍ غايةً في الجمال والمعنى رغم بساطتها وعفويتها لأنها تؤكد واقع حال، فلم يكن يعلم كاتبها وهو طالب طب في جامعتها أن هذا هو آخر عهده بالكتابة:

عام بألف عام، ظهر فيه طفل بألف طفل، رجل بألف رجل، شعب بألف شعب، أرض بألف أر، مدينة بألف مدينة، فتاة بألف فتاة، أمّ بألف أمّ، جندي بألف جندي.وثورة بألف ثورة، ثورة بألف ثورة. سوريا حبيبتي..! كل عام وأنت حرة.

هذه هي ثورتنا وهؤلاء هم شهداؤها،فاسماعيل حيدر (أبوكفاح) ابن مدينة مصياف وابن الواحد والعشرين ربيعاً أحد كرامهم. شاب فيها بألف شاب انتصر لناسه الثائرين على امتداد الوطن وأهله المطالبين بحريتهم وكرامتهم. ومن ثمّ فلم يكن غريباً أن يشارك مراراً وتكراراً في مظاهرات حمص، ولم يكن غريباً أن يلقي في مظاهراتها كلمة شباب مدينة مصياف التي تتميّز ببعض ألوان قوس قُزح في فسيفساء الوطن السوري تأكيداً على أن الثورة سورية بامتياز، ولم يكن غريباً أن يعمل مع زملائه وأصدقائه الشباب على إيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة، وتأمين احتياجات المشافي الميدانية للجرحى والمصابين، ولم يكن غريباً أن يتعرض لمحاولة اعتقال قبيل شهرٍ من مقتله أثناء الاعتصام أمام مجلس الشعب عندما رفع لافتةً كتبها بخط يده: الرحمة لشهدائنا والحرية للمعتقلين، كما لم يكن غريباً أن يسافر إلى دمشق قبيل استشهاده بيومين ليحضر تشييع جنازة ضخمة ومشهودة لشاب ناشط من مثله هوالشهيد نور حاتم زهرة أحد أبطال دمشق، الذي اشتهر على مدار أشهر الثورة كلها بالرجل البخاخ، كما لم يكن غريباً أيضاً نشاطه الدؤوب على صفحته في الفيس بوك، ونشره الدائم لأخبار الثورة مرفقةً بآراائه ومنقولاته ومشاركاته ونشاطاته في ثورة شعبه ضد نظامٍ سفّاح.

أيا اسماعيل...!! كنت شاهداً وشهيداً على ماكتبتَ قبل الشهادة، ووفّيتَ بما وصفتَ ونلتَ الشهادة، في بلد بات شباب جامعاته في أي صفّ أو كليةٍ وقبل تخرجهم يحصلون على الشهادة ، بفعل عصابات الإجرام والشبيحة قتلاً أو حرقاً أو رمياً من النوافذ كما فعلوا في جامعة حلب. وكنتَشاهداً بألف شاهد، شاباً ثائراً متظاهراً خطيباً ناشطاً معتصماً مساعداً مشاركاً، وصفحتك على الفيس بوك بما فيها بألف صفحة. وكنت شاهداً أيضاً بألف ألف شاهد على أن الثورة السورية ليست ثورة طائفية أو دينية أو عرقية، بل هي ثورة شعب هُدرت كرامة ناسه، ووطن سُلبت حرية مواطنيه. شهادتك تفضحتهم وتُعرّيهم من بعض أوراق توت يتسترون بها، ومن أجل ذلك استهدفتك عصابات شبيحتهم بالقتل قبيل عشرة أيامفي طريقك إلى مسقط رأسك مصياف، يريدون فتنة بين شعب خرجت كل مكوناته تطالب بسقوط النظام ورحليه. ولو ترى إذ المجرمون عقب جريمتهم، يسارع إعلامهم إلى اتهام المعارضة بجريمة تصفية اسماعيل وصاحبه، واستدعيت ماسبق من كلام عن الشهيد وماهو معروف عنه من مناقب، وأضفت إليه نعي تنسيقية مصياف للشهيدين،لكان تكذيباً جليّاً لكل شائعات السلطة وافتراءاتها.

أيا اسماعيل..!! إن دمك ودم غيرك من الأحرار والحرائر سيكون لعنةً على قاتليك وقاتليهم . إن تضحيات السوريين واستمرار ثورتهم ستُنطق من به خَرَس ، وستُسمع من به صمم ، وسيراها حتى العمي.

يا أهل مصياف..، ويا أيها السوريون أينما كنتم ..!! النظام ساقط ساقط ، وصبحنا قريب وفجرنا آتٍ وحريتنا قادمة ، فلا نامت أعين الجبناء القتلة، أعداء سوريا وقامعيها وسارقيها.

https://www.facebook.com/ismaeel.haidar

http://www.scn-sy.com/ar/news/view/6093.html

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=QcQ_GEVZUnU

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=AGoPvF4o0js

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري وصناعة النموذج العراقي  .. جرير خلف

كان الجواب حاضرا وقبل الإعلان عن التفجيرات الأخيرة في سوريا.. وسيبقى حاضرا أيضا كجواب لما نتوقعه ولا نتمناه من إنفجارات لاحقة.. ويبدو أن النظام السوري قد تناسى بان العالم أصبح يعرف أن تنظيم (القاعدة) قد انتهت أسطورته وانتهى العمل بكوده وأصبح استغلاله (موضة) قديمة بعد أن عرف الجميع أن هذا التنظيم قد انتهى بعد أحداث 11 سبتمبر أو ربما صنع لهذا السبب وما يترتب عليه فقط..،حيث تم استنزاف المصطلح (القاعدة) حتى أضحى الصغير يعرف قبل الكبير بأن ( القاعدة) هي مبرر المغفلين وحاضنة المستغفلين.

وعلى قاعدة من المستفيد ومن الخاسر ندرك أن هذه الانفجارات نقلت المشهد السوري من نموذج الثورات التقليدي الى النموذج العراقي الدائم الفوضى، حيث قدمت هذه الانفجارات تأشيرة عبور للنظام لينتقل من الأنظمة الديكتاتورية الى مصاف المافيا.. حيث فشل في المحافظة على شكل النظام السياسي (البالغ العاقل)، وما تصريحات بثينة شعبان إلا مؤشرا على سقوط النظام، حيث أشارت في هذه التصريحات الى إمكانية فضح بعض الشخصيات العربية من خلال نشر مقاطع لا أخلاقية لهم..!

مما سبق من أحداث على الساحة السورية وحين تتبع مسار النظام في قيادته لأركان حكمة ضمن الدائرة الضيقة وتحليل طريقة إدارته لصراعه للبقاء على عرش سوريا نجد أن النظام انتقل رغما عنه للمرتبة الأدنى للحكم والتحكم (ولا البلاش)، وكان ذلك حين فشلت خططه في الحفاظ على عرش السلطة كنظام له امتداده المفترض وسلطاته المغتصبة أساسا، مما دفع صناع القرار في (العائلة) لقبول الانتقال من لاعب أساسي في المؤامرة الماكرة على الوطن العربي ومشاريعه الى (صبي) بمرتبة مشابهه لمرتبة (المالكي) و(مقتدى الصدر) في العراق، ليعود النظام السوري بالتالي الى رسم شكل آخر للصراع مع الشعب لا يمكن مداراته أو محاكاته وبالتالي لا يمكن الانتقال من حالة الديكتاتورية الى الديمقراطية المنشودة.

فأمام استمرار الثورة السورية بالوتيرة المتسارعة والمتطورة والسلمية الصبغة بالتأكيد وأمام مبادرة عنان.. كان النظام السوري يعد أيامه الأخيرة.. فكل المعطيات كانت تشير الى إسقاط الحكم تحت إصرار الثورة السلمية إذا استمر بمقارعتها ( الثورة) بالطرق التقليدية بما فيها القمع المفضوح..، وستنتقل (العائلة) من عرش سوريا الى إحدى دول المنفى في أحسن الأحوال تاركين وراؤهم الآلاف من خدم وصبيان النظام تحت رحمة يوم الحساب، وتاركين وراؤهم ملفات فضائحهم وأرشيف تآمرهم أمام الجميع.. وهذا لن يعجب الكثير من دول محور الشر على عالمنا العربي ومشغلين هذا النظام بدءا (بإسرائيل) وانتهاء بإيران، حيث أثبتت كل الوقائع بان النظام السوري عمل صبيا مزدوجا لإطراف هذا المحور.

فلا عجب أن يكون النظام أو إحدى أجهزته الأمنية التسعة قد وزع ادوار الانتقال للنموذج العراقي (المعقد والمضمون لهم البقاء ضمنه) وذلك من خلال ترتيب أدوات وعناصر التفجيرات (المكان والزمان والطريقة) بما يشمل ذلك التهيئة المستمرة لوجود تهديد عالمي عليه وهو بعبع الشرق والغرب (القاعدة)، فالأمكنة المختارة هي أمكنة تجمع المطلوبين والمراجعين لأجهزة المخابرات السورية ( وليس عناصر السلطة) والزمان هو الزمن الصعب الذي يحتاج فيه النظام حتى لثواني لإبعاد شبح السقوط عنه وتغيير قواعد الاشتباك مع الثورة السلمية المنشأ.. والضحايا لن يضيروه لو رفعوا عدد ضحايا النظام من ثلاثمائة ألف ضحية الى ثلاثمائة ألف وخمسون شخصا خلال فترة الأربعة عقود التي عاشها النظام على صدر الشعب السوري..

وهنا لا نستطيع أن نجزم بان السلطة بشخوصها النظاميين هم من صاغوا سيناريو الانفجارات السابقة واللاحقة، بل نخمن أن معظم شخوص السلطة الديكورية لا تعرف الكيفية التي تدار فيها الأزمة ودرجات الشر المسموح بها في صراع البقاء للنظام، والمتمعن في هيكل السلطة الضيق في سوريا يدرك أن المطبخ السوري الرسمي الفعلي يديره العرّاب الإيراني والإيحاء الصهيوني من خلال رؤوس العائلة الذين يملكون قرار تحريك مراكز القوة في الأجهزة الأمنية واستخدام أذرعه المشروع الحاضن لهم من فرق الموت القذرة المقدمة من حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

وعلى الصعيد المقابل فالمعارضة السورية بما فيها الجيش السوري الحر أحوج لكل نقطة دم بان تبقى في شريان أبناء شعبها نابضة وبحاجة لكل فسحة سلام وأمان لترفع أغصان الزيتون بدل البنادق التي تحملها رغما عنها لحماية أبناؤها وأعراضها، وبحاجة لإقناع العالم برمته بحضارة الشعب السوري الحقيقية التي اغتصبت بفعل (العائلة).

وأمام طلائع الزلزال الموعود من هذا النظام فعلينا أن ننتظر المزيد من التفجيرات المفبركة المصدر وعلينا أن نتوقع تشتيت أهداف الصراع والتناقض وتوسيع رقعة الصراع لهذا النظام لتتطور الى الاغتيالات الممنهجة والعمليات الخارجية كخطوة لاحقة إن لم يتمكن العالم من لجم الشيطان القابع في المزة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نيرون سورية يقرر أن يكون الأخير  .. عمر الزبيدي

الوطن السعودية

14-5-2012

لم ينجح نظام الأسد في خلق فتنة طائفية في سورية أو صراع بين الأقليات والقوميات فقد كان وعي الشعب السوري أكبر من محاولاته التي بدأت باغتيال مشعل تمو السياسي الكردي في القامشلي شرق سورية، ثم اغتيال عدد من الشخصيات العلوية والشيعية ومنهم إمام وخطيب الحوزة الزينبية ناصر العلوي، وبث اعترافات لبعض الأشخاص بأنهم من الأقلية العلوية ويعملون على خطف واغتصاب الفتيات السنيات.

نظام لم يحترم القبائل في سورية وسجن شيوخها، وقتل رموز الفسيفساء السورية ليخلق حرباً بين الأقليات والغالبية السنية وبين العرب والأكراد، لا يستحق قيادة شعب لأنه يفتقر إلى آليات معالجة الأزمة.

حينما كنت في مقهى الثوار في إسطنبول كان هذا السؤال في ذهني فسألت القائد الثوري منهل باريش فعرفني على فريقه الذي اشتمل على كل مذهب وإقليم في سورية لأجد نفسي واقفاً أمام كل تفاصيل اللوحة السورية وبكل مكوناتها بما فيها العلوية التي حاول النظام استغلالها لخلق حرب تشتت الثورة ليفاجأ بأن الجميع تبرؤوا منه بمن فيهم طائفته التي وجدته قاتل أطفال لا ينتمي إلى الجنس البشري.

وحينما فشل النظام النيروني في مؤامرته على السلم الوطني والوحدة في البلاد قرر أن يجعلها معركة الأرض المحروقة التي يخسر فيها الجميع كل شيء مقابل حماية شخص واحد. في الواقع هو لا يقود في سورية شيئا لكنه يسمح للعشرات من القتلة والمجرمين والعصابات بالعمل، ويسمح للعشرات من الجواسيس والقتلة المحسوبين على الدول الأخرى بالعمل من خلال بلده ليصبح بذلك خائنا وليس قائدا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السورنة بعد اللبننة والعرقنة  .. نايلة تويني

2012-05-14

النهار

بدا واضحا في الايام الاخيرة ان المجتمع الدولي تخلى عن النظام السوري على رغم "نقاط القوة" التي كان يتباهى بها هذا النظام. لم يعد في قدرته سوى تفجير الوضع في لبنان جزئياً بارتكاب جرائم وتفجيرات واغتيالات ليست غريبة عنه، وقد ارتكب منها الكثير في اوقات سابقة. واذا ما فعل فستكون الامور مفضوحة وستورط حلفاءه بما لا قدرة لهم على احتماله، اللهم إلا اذا كان هدفهم هدم سقف الوطن على من فيه، مطبقين القول الشهير"عليّ وعلى اعدائي" ليدخلوا لبنان أتون الحرب السورية.

الامين العام للامم المتحدة بان كي - مون قال الاسبوع الماضي إن مهمة المراقبين الدوليين تبقى الفرصة الوحيدة لاحلال الاستقرار في سوريا، "وانا على ثقة انني لا اذيع سراً اذا قلت إن هناك قلقا عميقا من امكان انزلاق البلاد الى حرب اهلية كاملة، وان عواقب ذلك مرعبة". لكن بان نفسه يدرك جيداً ان مسار الحروب الصغيرة ليس في متناول المراقبين الدوليين ولا قدرة لهؤلاء على ضبط الأمور التي تفلتت من عقالها، وان لا اتفاق دولياً على التدخل العسكري لضبط الوضع، والرفض يأتي من سوريا اولا ومن حلفائها ثانياً.

وبمراقبة مسار "حروب الآخرين" ربما على ارض سوريا (وقد يتبنى حلفاء سوريا وصف غسان تويني في حروب لبنان بعدما كانوا رفضوه بالأمس)، أو حرب النظام السوري على مواطنيه، والتفجيرات المتنقلة والتي تصيب المواطنين، من مجموعات كانت حتى الامس القريب نظامية، وتستخدمها السلطة في دمشق لاعمال ارهابية إن في لبنان او في العراق، يتأكد لاي مراقب ان سوريا دخلت نفقاً أسود مظلماً، كذلك الذي كنا ورطنا انفسنا فيه عام 1975، وكنا ننتظر كل يوم نهايته، فاذا بنا ننتظر 15 سنة ليتدخل المجتمع الدولي والدول العربية الصديقة، فتضغط على سوريا تحديداً للقبول بالحل للبنان.

ما نشاهده اليوم في سوريا نوع من اللبننة، شاهدنا فصولا منه في العراق، واليوم تتوالى الفصول في المدن السورية. وما دام الرهان على ايران، لا على المحيط الطبيعي لسوريا، فإن الازمة لن تجد لها حلولا، وسيتفرج العالم، ولو متأسفاً، على المزيد من الدم المسفوك، وسيتحدث العالم عن "السورنة".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اليهود المحافظون ومعاداة الثورة  .. صبحي حديدي

2012-05-13

القدس العربي

ليست جديدة تلك المواقف التي تصدر عن كتّاب ومعلّقين وساسة يهود، وتعلن على نحو صريح تارة، ومبطّن خافٍ طوراً مناصرة نظام بشار الأسد، ومعاداة الانتفاضة الشعبية، خشية على دولة إسرائيل إذا سقط النظام الذي كفل صمت السلاح في هضاب وبطاح الجولان طيلة 40 سنة، وقدّم خدمات ثمينة لأمن إسرائيل في لبنان وفلسطين والأردن، ولأمن راعيتها الكبرى الولايات المتحدة، لا سيما في تحالف 'حفر الباطن'. بيد أنّ المرء يعثر، في مناسبات نادرة، على آراء فارقة تماماً في مقدار صراحتها، وأحياناً مذهلة في مدى تفضيل البُعد الستراتيجي على أي حسابات تكتيكية؛ وصاعقة، بالقياس إلى ما تهزّه من 'ثوابت' تبدو مكينة وراسخة ولا تقبل الجدل أو التشكيك، أو حتى تقليب الرأي والرأي الآخر.

أحدث نماذج هذا الطراز من المكاشفة، حول ضرورة مناصرة يهود العالم لنظام الأسد، سلسلة الأقوال التي أدلى بها مؤخراً ألكسندر آدلر، المؤرّخ والصحافي الفرنسي اليهودي، في مناسبة صدور كتابه 'شعب هو العالم: مصائر إسرائيل'، وذلك خلال حوار مع 'المركز الملّي العلماني اليهودي' في باريس، متلفز ومتوفر على موقع المركز، لمن شاء الرجوع إليه كاملاً. وآدلر، لمَنْ لا يعرفه جيداً، بدأ شبابه يسارياً ماويّ الهوى، ثمّ انضمّ إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، قبل أن ينتقل كليّاً إلى صفّ اليمين أواخر السبعينيات، ويلتحق بعدئذ بمدرسة المحافظين الجدد في أمريكا، ثمّ ينتهي مستشاراً لرئيس 'المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا'، الCRIF، حيث واصل انحيازه المطلق لدولة إسرائيل.

مهنياً، على المستوى الصحفي، عمل آدلر في مطبوعات فرنسية كثيرة، وترأس تحرير 'لو كورييه إنترناسيونال' خلال سنوات 1992 2002، حين استقال إثر خلاف مع إدارة المجلة حول عمود إشكالي كتبه دفاعاً عن يهود ألمانيا. هو اليوم كاتب أعمدة في صحيفة ال'فيغارو'، ومساهم دائم في مطبوعات ومواقع أخرى يمينية غالباً، محافظة، وشديدة الانحياز لإسرائيل. خلاصة رأيه في النظام السوري، كما عبّر عنها خلال حوار مع الإذاعة الثقافية في فرنسا، هي التالية: إذا لم يكن النظام ديمقراطياً، فإنه ليس دكتاتورية إرهابية أيضاً! بيد أنّ هذا القول كان معتدلاً تماماً، بالقياس إلى ما سيقوله آدلر في حديثه مع 'المركز الملّي العلماني اليهودي'، والذي سنتوقف عند محورَين فقط من محاوره المتشعبة.

في المحور الأوّل، بصدد العلاقات الإسرائيلية الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني، يقول آدلر: 'لا أعتقد أنّ الإيرانيين أرادوا في أي يوم امتلاك القنبلة النووية لتهديدنا، نحن اليهود؛ وأنّ الهدف في الحقيقة كان بلوغ التفوّق على العالم العربي، والعالم العربي السنّي، في موازاة تجربة الباكستان النووية التي تمّ تمويلها بالكامل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج'. ثمّ يربط هذا التقدير بواقع انتفاضات العرب، ومصر تحديداً، فيقول: 'إذا سألتني عن جوهر موقفي، أرى أنّ الشعب الإيراني هو الأقرب إلى الشعب اليهودي، وإذا كان ثمة بلد محصّن ضدّ العداء للسامية، فهو إيران (...) واليوم أعتقد أنّ العدو الرئيسي هو تجمّع المتشددين المسلمين السنّة، العرب، القائم على خليط من الناصرية وعقيدة الإخوان المسلمين، والذين انطلاقاً من مصر، التي كانت على الدوام البلد الجدّي الوحيد في المنطقة يوشك على ترتيب محاصرة إسرائيل، والتحضير للهجوم عليها بين يوم وآخر'.

عن المحور الثاني، الذي يخصّ النظام السوري، يتابع آدلر: 'بالطبع، فإنّ حلفاءنا في وجه هؤلاء، السنّة والإخوان المسلمين، هم الشيعة أسوة بكلّ الأقليات الدينية في الشرق الأوسط؛ وحلفاؤنا هم الإيرانيون بالطبع. ومن غير أن أذهب بعيداً فأصفه بالحليف، اقول إنّ بشار الأسد ينبعي أن يصمد اليوم في سورية، على الأقلّ لأنه أحد مكوّنات حلّ تفاوضي. لستُ مع انتصار على غرار ما جرى للقذافي، وسورية ليست ليبيا، وسنشهد على الفور مذبحة معممة ضدّ العلويين والمسيحيين في الواقع، ترتكبها هذه الأغلبية السنّية المركّبة من الإخوان المسلمين، والمموّلة من قطر والسعودية'.

هذه تقديرات قابلة للأخذ والردّ، غنيّ عن القول، خاصة وأنها تنسف ثابتاً كبيراً اسمه 'الممانعة الإيرانية'، وتمثيلها الأهمّ في العالم العربي، أي 'حزب الله'؛ كما تُلقي بظلال شكّ قصوى على حقيقة مواقف القيادات الإيرانية، الروحية والسياسية والأمنية، بصدد معاداة إسرائيل، أو معاداة السامية عموماً (والمرء يتذكر، دون إبطاء، الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي أعلن العزم على محو إسرائيل من الخريطة، واستقبل كبار 'مراجعي' تاريخ المحرقة اليهودية). وقد يكون هدف آدلر هو دسّ السمّ في الدسم، والاشتغال بطرائق أكثر خبثاً ودهاء، وأبعد أثراً بالتالي على إذكاء نيران الفتنة بين الشيعة والسنّة، في إطارات شعبية وعقائدية أوسع نطاقاً.

ومع ذلك، فإنّ 'فضيلة' أقوال آدلر تكمن في أنها تضعنا أمام مسوّغات ملموسة، ذات منطق يبدو متماسكاً للوهلة الأولى على الأقلّ، وحيثيات ترجيحية تتوخى الواقعية السياسية، وتهتدي بالذرائعية الصرفة، تفسّر غايات اليهود المحافظين في مناصرة نظام الأسد. وهذه خلاصات تبرّر، من جانب آخر، مقولة جوهرية بدورها: فتّشوا عن إسرائيل، إذاً، كلما ضاق ذرع البعض بتأخر الحسم في سورية، وتساءل عن أسباب إطالة عمر النظام!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صعود اللاعب السياسي الجديد في دمشق وهبوطه  .. وائل السواح *

Mon, 14 مايو 2012

الحياة

حينما فاجأ الحراك الثوري السوري السوريين والعالم أجمع، كانت المعارضة السورية تتسكع في الفناء الخلفي للفعل السياسي وتعيش واقعاً مزرياً. وكانت تنقسم ما بين إعلان دمشق الذي كان يعاني صعوبات حقيقية بسبب ملاحقة السلطة المستمرة أعضاءه وقياداته، وبسبب الانشقاقات المستمرة التي تجرى بين صفوفه من جانب، وبين القوى والتنظيمات القومية والماركسية التي خرجت من إعلان دمشق بعد خسارتها في الانتخابات الداخلية في مؤتمره الوطني عام 2007. وبالتالي لم يكن من دون معنى أن تفشل هذه المعارضة في قيادة الحراك الثوري السوري. بيد أن تلكؤ المعارضة أدى إلى فراغ سياسي كان لا بد لقوى سياسية جديدة من أن تملأه. هكذا، ولد في سورية، ومن دون سابق قصد أو تخطيط، لاعب سياسي جديد قيض له أن يلعب دوراً كبيراً في الأشهر الستة الأولى، ثم قيض لهذا الدور أن ينحسر بعد ذلك تدريجاً.

تميز اللاعب السياسي الجديد بكل المواصفات التي تجعله قادراً على لعب دور قيادي في الحراك السوري، فهو مرن ونزيه ومتحسس لقضايا السوريين عموماً. ولعل أهم مواصفات هذا اللاعب الجديد أنه لاعب شاب، الأمر الذي كان سلاحاً ذا حدين. فمن جانب كانت الخبرة والحنكة السياسية تنقصه، ومن جانب آخر، لم يكن ملوثاً بأمراض المعارضة المزمنة: الشخصنة والانقسام والعصبية وضيق الصدر وضحالة الثقافة. وبعكس المعارضة التاريخية، لم يشعر الجيل الجديد من شباب الحراك السلمي السوري بأنه مدين لأحد: لا لقيادة ولا لسلطة ولا لأيديولوجية، فكان تحرره من الدَين سبباً في انعتاقه السياسي وقدرته على الحركة والمناورة.

بدأ تشكل اللاعب السياسي الجديد في سورية مع ضرورة ملء الفراغ الذي خلفه قرار الحكومة السورية مع بداية الأحداث في آذار (مارس) الماضي بطرد الصحافيين الأجانب والتضييق على المراسلين المحليين، بحيث صار الوصول إلى المعلومة صعباً للغاية. فبدأت شبكات من الشباب المنتشرين على الميدان في كل المحافظات بالحصول على المعلومات من طريق المصادر الأولية، وتصوير الأعمال الاحتجاجية، وتبادل الأخبار فيما بينها، ومن ثم إيصالها إلى وسائل الإعلام العربية والأجنبية. ثم تم تأسيس غرفة أخبار على سكايب وعلى عددٍ متنام من صفحات على الإنترنت، بخاصة على فايسبوك.

ولكن الناشطين السوريين وجدوا أنفسهم من دون آباء شرعيين لنشاطهم السياسي، ومن دون تنظيم أو تحالف أو برنامج سياسي يستندون إليه. وقد كان ذلك مبرراً قوياً لهم للبدء بتطوير موقف سياسي يدعم التحركات الثورية للسوريين ويؤسس سنداً سياسياً لمطالبهم.

ولسوف تدخل الحركة الثورية السورية منعطفاً جديداً مع صدور أول بيان من لجان التنسيق المحلية يحدد المطالب الأساسية لحراك السوريين. لقد حدد البيان الشروط السياسية التي يعمل الجيل الجديد من الناشطين من أجل تحقيقها: وقف استخدام القتل والاعتقال والتعذيب والعنف ضد المتظاهرين السلميين؛ وتحمل الدولة السورية مسؤوليتها، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة المجتمع المدني؛ والإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين في سورية؛ وإنجاز التعديلات الدستورية التي تفسح في المجال أمام التحول الديموقراطي وتكريس سورية كدولة مدنية وبما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد واحترام التنوع الثقافي والعرقي في سورية؛ وتأسيس هيئة وطنية سورية للإنصاف والمصالحة وفقاً لمعايير العدالة في المرحلة الانتقالية بهدف طي صفحة الماضي إلى الأبد.

هذه المطالب ستغدو المطالب الرئيسة التي ستتبناها بعد هذا التاريخ جهات سياسية عدة تقليدية وجديدة. وسنعثر على هذه المطالب نفسها في معظم البيانات التي سيصدرها السياسيون التقليديون، ليس فقط في المعارضة التقليدية من مثل إعلان دمشق والتجمع الوطني الديموقراطي والقوى السياسية الكردية، بل وأيضاً في الاتجاهات السياسية شبه الموالية للنظام من مثل بعض القوى الشيوعية والقوميين السوريين.

الشرط الثاني الذي حدد دور وحدود اللاعب السياسي الجديد كان فكرة الحوار بين السلطة والمعارضة التي بدأت السلطة بالترويج لها في أيار (مايو) وحزيران (يونيو) من العام الماضي. وقد انقسم المعارضون السوريون حيالها إلى فريقين متباينين، راحا يتبادلان الاتهامات حول مسألة الحوار. ومن جديد وجدت لجان التنسيق نفسها مضطرة لأن تتخذ موقفاً سياسياً محدداً. فأصدرت بياناً حول قضية الحوار، عبّر عن نضج سياسي عندما ركز على ضرورة وقف المسار الأمني والانتقال الفوري للمسار السياسي، وفق شروط محددة، أهمها: ضمان استمرار التظاهرات السلمية والاحتجاجات المدنية؛ وقف أشكال القتل كافة والعنف المستخدم ضد المتظاهرين السلميين وعودة الوحدات العسكرية كافة إلى ثكناتها وإطلاق سراح المتظاهرين السلميين والمعتقلين السياسيين كافة والسماح بدخول وكالات الأنباء العربية والعالمية لتغطية ما يحدث في الشارع.

وقد كان اللاعب السياسي الجديد في حاجة إلى الكثير من الشجاعة لكي يصر حتى اللحظة الأخيرة على سلمية الثورة كشعار وكمضمون. وسنرى أن اللجان ستأخذ شعاراً أساسياً لها آية من القرآن تقول: «لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك». وكان أول موقف رسمي تتخذه اللجان بياناً رداً على ما يبدو على الدعوات التي انتشرت لتسليح الثورة، يرفض هذه الدعوات بوضوح ويعتبرها «غير مقبولة سياسياً ووطنياً وأخلاقياً». والحال أن من شأن العسكرة أن تقلص المشاركة الشعبية في الثورة، وتضيق قاعدتها الاجتماعية، وتنال من «مضامينها الإنسانية والتحررية»، فضلاً عن خسارة التفوق الأخلاقي الذي تميزت به منذ البداية.

وسوف تدفع اللجان ثمن هذا الموقف جزءاً من شعبيتها بين المتظاهرين، وتتلقى انتقادات من بعض الناشطين على الأرض أو في هيئات التنسيقيات الأخرى. ولسوف تساهم السلطة في ذلك أيضاً. فبالإصرار على الحل الأمني الذي يعتمد رفض السماح بالتظاهر السلمي ومواجهة المدنيين العزل بالسلاح الحي والاعتقال التعسفي، كانت السلطة تعمل على إضعاف هذا اللاعب الجديد وإنعاش المعارضة التقليدية من جانب، وإنعاش المعارضة المسلحة وتلك التي تدور في فلكها وبخاصة من خارج البلاد من جانب آخر.

في المقابل، عادت المعارضة السورية التقليدية لتلعب الدور الرئيس في العملية السياسية. وبدأ العالم يركز على دعم القوى السياسية المعروفة: قديمها وجديدها، وعلى القوى المسلحة سواء منها المنشقة عن الجيش أم التي بادرت بالتسلح لحماية نفسها. وتم نسيان المجموعات المدنية التي كانت أول من ساهم في الحراك الثوري السوري، وأول من رفع شعارات الوحدة الوطنية والسلمية والتغيير الديموقراطي. وبينما يحتفي العالم بمؤتمرات المعارضة السورية في الخارج، تفقد حركة الشباب السلمية في الداخل يومياً عشرات الكوادر، قتلاً وسجناً وتهجيراً. لقد كانت الظروف برمتها مساعدة على ولادة لاعب سياسي جديد كان يمكن أن يقدر له النجاح في المرحلة الانتقالية من تاريخ سورية الجديد، بيد أن عنف السلطة وضيق أفق المعارضة ساهما في إضعافه.

* كاتبسوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جيران سورية يبدّلون قواعد اللعبة الدولية ؟  .. جورج سمعان

Mon, 14 مايو 2012

الحياة

لا يبدو في الأفق أن الصراع في سورية بات قريباً من الحسم. بل إن تجديد الدعم الإقليمي والدولي لمهمة كوفي أنان على رغم كل ما يحدث على الأرض يؤكد أن المطلوب هو الحفاظ على حد أدنى من توازن القوى وإن أدى ذلك إلى إطالة أمد المواجهات التي لم تتوقف، وإن تدنت أعداد الضحايا في مناطق انتشار المراقبين الدوليين. مهمة المبعوث الدولي - العربي لا تستهدف إيجاد حل، أو هي في أحسن الأحوال لن تقود إلى تسوية، لأن هذه تفترض شروطاً أولها تقديم تنازلات من الطرفين، ولا يبدو أنهما قادران على الاقتراب أحدهما من الآخر. تركيبة النظام القائمة أساساً على الطائفة لا تسمح بتداول للسلطة ولا بتعددية. بل إن أي تغيير يفترض بالضرورة حرباً وصراعاً مريراً كما نشاهد اليوم وليس الحوار الذي تتضمنه خطة أنان. هذه هي العقدة التي تطبع الأزمة.

بالطبع لا يمكن وصف الانتخابات الأخيرة بأنها خطوة نحو التعددية والتغيير الديموقراطي. هي جزء من مسار اعتمده النظام منذ اندلاع الحراك ليرد على خصومه الغربيين، خصوصاً أنه يتقدم نحو الإصلاح. بالطبع لا قيمة لهذه الانتخابات التي تجرى في ظل مقاطعة واسعة وفي ظل أعمال القتل والتشريد. وبالطبع لا قيمة لفكرة أنها تجرى للمرة الأولى في ظل دستور جديد لم تعد للبعث فيه قيادة الدولة والمجتمع، فالدستور راكم في يد الرئيس كل ما كان له و... للحزب «القائد». لذلك لن ينجح النظام في الاستناد إلى نتائجها لتعزيز شرعيته أو تجديدها. بل لعل نتائجها تقطع الطريق على أي حوار يفترض أن يدعو إليه أنان بعد استكمال نشر المراقبين. أي أنها خطوة أخرى لتفريغ خطة المبعوث الدولي - العربي من أي محتوى.

الهدف من مهمة أنان إذاً توفير الوقت اللازم لأطراف الأزمة، إقليميين ودوليين، للانصراف إلى قضايا أخرى أكثر إلحاحاً. فالولايات المتحدة لا تستعجل تبديل سياستها أو تعديلها حيال ما يجري في سورية. تقف خلف مهمة الأمين العام السابق للأمم المتحدة لتظل في المكان القصي من الصورة. فإلى همّ الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، يتركز اهتمام إدارة الرئيس باراك أوباما على الأوضاع في أفغانستان التي يمكن أن تخرج عن مسارها المألوف والمتوقع إذا استعجل الرئيس الفرنسي الجديد فرنسوا هولاند سحب قواته من هذا البلد. إضافة إلى انشغال الإدارة بالمستجدات المتفجرة في العراق، وما طرأ ويطرأ على صعيد الملف النووي الإيراني.

ولا يضير واشنطن وهي تختبئ خلف مهمة أنان أن تغرق سورية في مزيد من الضعف والتفكك والتشرذم، لما في ذلك من ضرب لموقعها الاستراتيجي ودورها في إطار «حلف الممانعة» الذي تنادي به إيران. لا يضيرها، اياً كان مآل الأحداث، أن تتحول سورية إلى ما انتهى إليه الوضع في العراق الذي قد لا يعرف استقراراً يسمح له بالعودة إلى مناهضة الرغبات الأميركية والغربية في المنطقة مهما بدت عليه علامات التعافي، وأياً كان اصطفافه. فهو أقرب إلى التشرذم والتقسيم منه إلى كيان متماسك يمكن أن يشكل سداً أو قلعة عصية على التطويع. أما روسيا التي تحتل مقدم الصورة السورية فلها حسابات أخرى، وتحتاج هي الأخرى إلى فترة هدوء، لذلك تبقي ديبلوماسيتها مستنفرة للتحكم بقواعد اللعبة الدولية حيال سورية. منطلقها تهديدات الرئيس فلاديمير بوتين المتكررة في أكثر من مناسبة بأنه لن يسمح بخطوات انفرادية على الساحة العالمية لا تراعي رأي بلاده ومصالحها. فهو يدرك أن مبدأ التدخل الدولي لحماية المدنيين لم يعد يقيم وزناً كبيراً لسيادة الدول، بل بدأ يحظى بالتفهم والقبول منذ انهيار الحرب الباردة، إلى أن شرّعته الجمعية العمومية للأمم المتحدة العام 2009. وإذا كان يتمسك بسلاح «الفيتو» لمنع أي تدخل في سورية، فإنه يعرف أيضاً أن «أصدقاء سورية» لم يعبّروا عن رغبة في خطوة انفرادية في هذا المجال.

المهم هنا أن كلا الطرفين الأميركي والروسي لا يبديان استعداداً للحوار تمهيداً لصفقة، ما دامت العناصر الإقليمية ليست جاهزة أو أن ظروفها لم تنضج بعد لمثل هذه الصفقة. ولعل هذا ما حدا بالرئيس العائد إلى الكرملين إلى الاعتذار عن عدم حضور قمة الثمانية في واشنطن.

أما الصراع الإقليمي بين كتلتي تركيا ومجلس التعاون من جهة، وإيران والعراق من جهة ثانية، فليس أقل ضراوة في الميدان السياسي من الصراع الدموي الدائر بين طرفي الأزمة في سورية. وهو يجد متنفسه على الأرض في أكثر من ساحة على امتداد المنطقة، من اليمن إلى لبنان مروراً بالبحرين وبعض «الجيوب» هنا وهناك. فضلاً عن تغذية التوترات المتفاوتة داخل هذين المعسكرين، خصوصاً صراع الأجنحة في الجمهورية الإسلامية، ومثله صراع المكونات العراقية، والتوتر المتصاعد الذي يشلّ مفاصل الحياة في لبنان... والارتباك الذي تتخبط فيه أنقرة في حساباتها الداخلية.

والخطير في صراع اللاعبين الإقليميين أنه قد يجر إلى تغيير قواعد الصراع الدولي، وربما إلى توريط الكبار في ما لا يرغبون فيه حتى الآن. فالتفجيرات المتنقلة في المدن السورية باتت لغة شبه يومية. وتنذر ليس بنسف آخر مقومات مهمة أنان، بل بتحويل سورية إلى حالة أو «نموذج أفغاني». من هنا العناد الروسي في الدفاع عن دمشق بصرف النظر عن أعداد الضحايا ومآسي اللاجئين والمعتقلين. فموسكو تدرك جيداً أن مناداة بعضهم بتكرار تجربة أفغانستان تستهدفها هي أيضاً مثلما تستهدف النظام في سورية، إذ إن إسقاط هذا النظام سيعني هزيمة مدوية لها كما كان حالها بعد سقوط كابول وخروج السوفيات.

هذا النموذج يقلق واشنطن أيضاً. من هنا ترددها في رفض عسكرة الاحتجاجات أو تسليح المعارضة وإن للدفاع عن المدنيين العزّل. ولعل هذا ما يشرح تفسيرها بأن ثمة أيادي لتنظيم «القاعدة» وراء كل انفجار في دمشق وغيرها. لعلها في ذلك توجه رسالة تحذير إلى روسيا، بقدر ما تفيد في تبرير تخلّفها عن الدفع في اتجاه تدخل خارجي ينهي معاناة السوريين. فهل يعقل مثلاً أنها تمهد الطريق لتدخل تركي أو أطلسي في إطار الحرب على الإرهاب، من وراء مثل هذه القراءة للتفجيرات؟

الولايات المتحدة تعرف حق المعرفة أن نظام دمشق لن يتخلى عن الخيار الأمني. وأن هذا الخيار لم ينجح ولن ينجح في إخماد الحراك، وأن لا حل لإنهاء الأزمة إلا بتدخل خارجي قد تكون تداعياته أخطر بكثير مما تشهده سورية اليوم. وتعرف حق المعرفة أن تكرار تجربة أفغانستان ستكون له انعكاسات مدمرة في المنطقة. ف «قاعدة» بيشاور ونظام «طالبان» زلزلا النظام في الشرق الأوسط الكبير برمته... وحتى واشنطن ونيويورك وموسكو ولندن ومدريد وغيرها. ولم تتعاف دول كثيرة حتى اليوم من شظايا أفغانستان، من باكستان إلى اليمن فالصومال وأخيراً مالي. وإذا كانت واشنطن حتى الآن، تدفع شركاءها وأصدقاءها إلى التروي في مقاربة الأزمة السورية، فهل تبقى على موقفها هذا إذا تطور الصراع إلى ما كان عليه الوضع في أفغانستان ولا يزال، أو إلى ما كان ولا يزال في العراق؟

تعرف واشنطن مثلما تعرف موسكو أن مهمة أنان ستبقى عنواناً لمرحلة طالت أم قصرت، وسواء كانت التفجيرات من صنع «القاعدة» أو المعارضة أو النظام، فإن حل الأزمة بات مستحيلاً، والباب سيبقى مشرعاً لحروب الجيران يستعيضون به عن حروبهم المباشرة. وكذلك الكبار... حتى وإن لم يبق شيء من سورية التي نعرف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشرط الحاسم لانتصار الثورة الشعبية في سورية .. كونوا يدا واحدة في متابعة الطريق فلا غنى عن ذلك لمتابعة الطريق  .. نبيل شبيب

يا قادة الثوار.. إن مصداقية قياداتكم جميعا رهن بوحدة الصف.. عندما تطالبون السياسيين بالانقياد إلى "كلمة الثورة"..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية إذا حصلت الكتائب المتحررة من قبضة القمع الأسدية على دعم خارجي..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية إذا حصل الثائرون المدنيون السلميون على حقهم في حماية دولية..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية إذا تجاوزت المعارضات السياسية التقليدية نفسها وخلافاتها وأنانياتها..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية باستمرارها رغم التضحيات، حتى تنهار العصابات المتسلطة داخليا..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية إذا بدلّت الدول المجاورة ممارساتها وفتحت الحدود أمام الأحرار وأنصارهم..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية إذا تم تنفيذ مبادرة عنان ولم تبق ذريعة لمواصلة القمع الهمجي..

تنتصر الثورة الشعبية في سورية إذا استمر كشف الإجرام القمعي بالتفجيرات وسواها..

ماذا بقي من شروط للانتصار أيها الثوار؟..

أو ليس أوّل شروط النصر الأخذ بأسبابه وأوّل الأسباب أن يكون الثوار كالجسد الواحد ويكون الثوار كالصف المرصوص وتكون وحدة الثوار راسخة عبر مسار الثورة حتى إسقاط العصابات المتسلّطة، فلا يشوبها شائبة من خلاف علني أو غير علني، وإن تعدّدت وجهات النظر، وتكون في ألاّ تتناقض الوسائل مع بعضها بعضا بدلا من تكاملها، وفي ألا تتعدّد الهياكل إلا بقدر ما تتطلّبه مصلحة الثورة ويفرضه هدف انتصارها؟..

إنّ أوّل شرط لانتصار الثوار لا يتحقق إلا عن طريق من حملوا على عاتقهم -أعانهم الله على ثقل المسؤولية وأعبائها- همّ توجيه هذه الثورة على طريق الانتصار الموعود..

لا يتحقّق هذا الشرط الحاسم -وبكل وضوح- إلاّ عن طريق تلاقي التشكيلات التنظيمية الحالية تحت مسميات متعددة، من هيئات ولجان ومجالس وتنسيقيات وكتائب على أرضية مشتركة، وقواسم مشتركة، وأعمال ميدانية مشتركة، ورؤى سياسية مشتركة، ومواقف علنية مشتركة، وأهداف وثوابت وخطوط حمراء مشتركة.

لقد ترك الثوار الساحة السياسية للسياسيين شهورا عديدة.. وتكاد تصبح الثورة بعد 14 شهرا من العطاء البطولي ضحية للسياسة والسياسيين.. على مختلف المستويات، وبمشاركة مختلف الجهات والقوى الإقليمية والدولية. أما آن الأوان إذن أن تضع الثورة أقدام الأحرار وما يقدّمون من تضحيات بطولية تاريخية غير مسبوقة، على طريق الانتصار، وأن يؤمّن قادة الثوار الأحرار شرط الانتصار الأول:

- بالتلاقي دون شروط، على مبدأ: الثورة شعبية والشعب قائدها..

- وتثبيت حقيقة أن التنظيمات الثورية جميعها وسائل خاضعة للإرادة الشعبية..

- وصياغة مشتركة لميثاق الثورة انطلاقا من الرؤى السياسية المتماثلة والمتشابهة والمتقاربة، المثبتة في وثائق التنظيمات الثورية نفسها..

- ووضع مخطط مشترك بفعاليات متكاملة ومرتبطة زمنيا ببعضها بعضا، لاستمرارية الثورة الشعبية حتى إسقاط أوّل رأس وآخر بيدق من العصابات المتسلّطة..

- والتوافق على المبادئ المشتركة وقواعد التعامل المتوافقة مع ما هو حق معروف في تطلّعات جميع المكوّنات الشعبية، والملزمة لجميع المكوّنات الثورية والسياسية في الفترة الانتقالية..

- وتحديد المعالم الكبرى لترسيخ دعائم الدولة وبناء الوطن وصناعة المستقبل وفق أهداف الثورة القريبة والبعيدة..

لم يعد مسار الثورة، ولم تعد الأخطار المحيقة بالثورة، ولم تعد التضحيات المتوالية على درب الثورة، تحتمل مزيد من الكلام.. ولا أيّ صنف من الأعذار.. ولا أيّ تباطؤ في تأمين شروط الانتصار..

يا قادة الثوار.. إن مصداقية قياداتكم جميعا رهن بوحدة الصف.. عندما تطالبون السياسيين بالانقياد إلى "كلمة الثورة".. وليس إلى "كلمات" متعددة من جانب جهات متعددة باسم الثورة!.

يا قادة الثوار.. لقد عبّرتم عن إخلاصكم بتقدّم الصفوف.. فوحّدوا صفوفكم!.

يا قادة الثوار.. لقد عبّرتم عن طاقاتكم باستمرارية الثورة.. فلا تفلتوا حبل الاستمرارية في هذه المرحلة المصيرية!.

يا قادة الثوار.. لقد عبّرتم عن طاقات الإبداع لديكم بمواجهة أعتى إجرام همجي وعدم الانصياع لأيّ مخطط لاختطاف الثورة من بين أيدي الثوار.. فلتكونوا يدا واحدة في متابعة الطريق فقد أصبح ذلك شرطا لا غنى عنه لمتابعة الطريق!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الميزان .. مهزلة الانتخابات التشريعية في سوريا  .. المحامي مصطفى أوسو*

لعلها لم تكن غريبة أو مفاجئة ، دعوة النظام السوري إجراء انتخابات تشريعية لدورة جديدة ، في السابع من شهر آيار 2012 في ظل الظروف الاستثنائية جداً التي تمر بها البلاد ، منذ اندلاع الثورة الشعبية المطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة وإسقاط النظام الاستبدادي الشمولي القائم بجميع أسسه ومرتكزاته وبنيانه التنظيمي والسياسي والفكري..

فهذا النظام وخلال أكثر من أربعة عشر شهراً من عمر الثورة السورية ، أثبت للقاصي والداني ، عدم جديته في التعاطي مع مطالب الشعب السوري المنتفض وتلبية أهداف الثورة واستحقاقاتها ، وحاول بجميع الوسائل والأساليب ، الالتفاف عليها وإجهاضها ، من خلال إدعائه بإجراء إصلاحات ، دستورية وتشريعية وإدارية... ، والتي لم تتجاوز سقفها المسائل والنواحي الشكلية ، من جهة ، واستخدامه سياسة القمع واستعمال العنف والقوة المفرطة وارتكاب المجازر وجرائم القتل والتعذيب... ، بحق المواطنين السوريين الثائرين ضده ، من جهة أخرى ، في محاولة مستميتة لاستمرار بقائه وديمومته... ، مهما كانت النتائج كارثية ودموية.

وبإصراره على إجراء هذه الانتخابات ، ضمن الظروف والمناخات القائمة في البلاد ، حيث دباباته ومدافعه وآلياته العسكرية وأجهزته الأمنية وعناصر شبيحته ... ، تقتحم المدن والبلدات السورية المختلفة ، الواحدة تلو الأخرى ، وتعيث فيها فساداً وقتلاً وتعذيباً وترهيباً وتشريداً وتدميراً... ، يبرهن النظام مجدداً على مدى ما وصل إليه من طريق مسدود ، ومن دموية وسادية واستهتار ولا مبالاة لا مثيل لها ، بمصير الشعب السوري وبمصير الوطن السوري ككل.

وكما لم تكن دعوة النظام إجراء الانتخابات المذكورة غريبة ومفاجئة ، كذلك وبنفس القدر ، لم تكن غريبة أو مفاجئة ، تسابق المئات من المرشحين الذين فقدوا الحس الإنساني والوطني ، والمعروفين أصلاً بارتباطاتهم الأمنية وارتزاقهم وتسلقهم... ، لكسب ود النظام ورضاه ، على حساب دماء ولحوم أخوتهم في التراب التي غطت شوارع وأزقة وساحات المدن والبلدات... السورية على اختلافها ، في انتخابات هزلية قاطعها المعارضة السورية بجميع فصائلها وتياراتها وأطرها... ، علهم بذلك يظفرون برضى السلطان ، ويتم إدراج أسمائهم ضمن قوائم الظل ، المكملة لقوائم حزب الإجرام – البعث - وشركائه ، من أحزاب – الجبهة الوطنية التقدمية - المعروفة الآن وبعد إصلاحات النظام ب قوائم - الوحدة الوطنية - والتي تعد وتجهز في مطابخ فروع الأجهزة الأمنية المختلفة ، ولا يظفر بها إلا المنافقين والفاسدين ، والذين لا يجيدون إلا لغة التصفيق ، هؤلاء الذين جردوا من كرامتهم ومن إنسانيتهم وآدميتهم ، لكي يصبحوا في النهاية أعضاء في مجلس لا يمت للشعب ومصالحه وحقوقه... بصلة لا من قريب ولا من بعيد ، ولا هم لهم إلا أن يقيضوا رواتبهم في نهاية الشهر وأن يكونوا أبواقاً للنظام ومبررين لجرائمه ومجازره البشعة بحق الشعب السوري.

وعدم الغرابة والمفاجئة من تصرف هؤلاء الأشخاص ، أن هذا النظام وخلال السنوات الطويلة من حكمه وسيطرته المطلقة والشمولية على مقاليد الأمور في البلاد ، استطاع أن يؤمن عدد هائل من الأشخاص المنتفعين منه والمرتبط وجودهم ومصيرهم مع وجود النظام ومصيره ، وكذلك فإن هؤلاء الأشخاص يعرفون تماماً ، أن النظام ورغم إدعائه وتبجحه بالإصلاح والديمقراطية والتعددية والتغيير... ، لم يخرج أبداً من عباءته القديمة وتسلطه المطلق ، ولا يزال يتصرف ويتعامل كما كان يتصرف ويتعامل قبل تاريخ الخامس عشر من أذار 2011 وبالتالي فأن الانتخابات التي يجريها ، لا تخرج عن كونها انتخابات صورية تماماً ولا تتعدى عن كونها مجرد ديكور وعملية شكلية لتجميل وجهه البشع.

أن الشعب السوري ، وبإعلانه لثورته المباركة ، مصمم على المضي في نضاله المشروع حتى تحقيق كامل أهدافه في الحرية والكرامة... وإسقاط النظام ، وبناء دولة ديمقراطية تعددية برلمانية... ، تصان فيها حقوق جميع القوميات والأديان والطوائف المتعايشة تاريخيا في البلاد ، وفق ما نصت عليه المواثيق والقوانين الدولية ومبادىء حقوق الإنسان ، وأن جميع محاولات النظام وأساليبه ووسائله... ، للتشبث بالسلطة وإرجاع عقارب الساعة للوراء ، بما في ذلك اللجوء إلى إجراء ما يسمى ( بالانتخابات ) ، لن تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة ، وهي الانهيار والسقوط المحتوم ، وانتصار إرادة الشعب السوري الثائر في الحرية والعدالة والمساواة والعيش بكرامة وسلام وآمان.

* المحامي مصطفى أوسو ، سكرتير حزب آزادي الكردي في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العدّ العكسي للخلاص من العصابات المتسلّطة في سورية .. خرجت المبادرة من أيدي باقيا النظام وأصبحت في أيدي الثوار  .. نبيل شبيب

بدأت المرحلة الأخيرة من انتحار مجموعة العصابات المتسلّطة على الوطن والشعب والدولة في سورية، وأصبحت المواجهة الجارية عبر الثورة منذ 14 شهرا مواجهة واضحة للعيان أكثر من أيّ وقت مضى، بين الإجرام والتضحيات، وبين التخبط الجنوني والثبات، وبين السقوط الأخلاقي والإنساني وأسمى درجات البطولة والعطاء.. أصبحت من وراء جميع المشاهد وتفاصيلها مواجهة بين الحق والباطل؛ والحق منتصر لا محالة، والباطل زاهق لا محالة.

محطات الانتحار

إلى وقت قريب، ورغم العطاء الثوري المتواصل، بقي التساؤل يتردّد عمّا يمكّن العصابات المتسلّطة على الثورة من التصرّف داخليا ودوليا، وبتعبير آخر: متى تمسك الثورة -وحدها- بزمام المبادرة ليتحقق التغيير؟.. وقد يغيب عن الأذهان وراء أثقال الإحساس بالألم إزاء مسلسل رهيب من الضحايا، أنّ قدرة العصابات المتسلّطة على "التصرّف" كان -في ظلّ المعطيات العربية والدولية المعروفة- أحد المصادر الحاسمة لتزويد الثورة بوقود يضاعف اشتعالها وانتشارها، فكانت التصرّفات التي "تبادر" إليها تلك العصابات المتسلّطة تصرفات انتحارية بكلّ معنى الكلمة.

كانت مجموعة المحطات الأولى في فترة مقدمات الثورة خلال الشهرين الأول والثاني من عام 2011م، ومنها: اعتقالات للناشطين بعد مظاهرات محدودة العدد، ومجزرة في سجن صيدنايا، ورفض ما يسمّى مجلس الشعب إلغاء حالة الطوارئ، ورفض ما لا يزال يحمل اسم حزب البعث التخلّي عن الموقع الاحتكاري عبر تزييف الدستور، وأبرزها للعيان "محطة" الحديث الصحفي لرئيس العصابات المتسلّطة أنّ "الإصلاح في سورية يحتاج إلى جيل أو جيلين".. وانتشر الاقتناع بأنّ هذه العصابات لا تزول إذن إلا بطريق الثورة.

ثمّ كانت مجموعة المحطات الثانية في أذار/ مارس 2011م عندما تتابعت الأحداث في درعا ودمشق وحلب ودير الزور، وغالبها في شكل مظاهرات بالمئات فقط، تطالب بالحرية وبالإفراج عن المعتقلين، مع التزام مطلق بالسلمية، فكان الرد المباشر باعتقال عدد أكبر من الناشطين المعروفين، واقتحام عدد من المساجد في درعا ودمشق وبانياس، وبإطلاق النار على كبرى المظاهرات في درعا، وارتكاب المجزرة الأكبر في المسجد العمري، وكان من المحطات الانتحارية آنذاك دفع الجيش للمشاركة في ارتكاب المذابح.. وآنذاك تحديدا بدأت ظاهرة التحرّر من القبضة الاستبدادية من جانب عدد من الجنود والضباط.

ثم كانت مجموعة المحطات الثالثة عندما انتشرت المظاهرات الاحتجاجية نصرة لدرعا، فشملت دمشق وريفها وحمص وريفها والقامشلي وإدلب وبانياس واللاذقية وحلب، وكان أكبر تلك المظاهرات في جمعتي الكرامة والعزة، واحتاجت الثورة إلى مزيد من الوقود فجاء المزيد عبر ما اعتبر "الخطاب الرئاسي الأول" أمام ما يسمى المجلس النيابي، وقد حفل بالقهقهة والسخرية علاوة على التضليل.. وآنذاك تحديدا ثبت يقينا أن الثورة تجاوزت نقطة اللاعودة.

وبدأ الشهر التالي بجمعة الشهداء وإذا بمجموعة أخرى من المحطات الانتحارية، تثبت أن العصابات المتسلّطة مصرّة على حفر قبرها بنفسها، وكان منها أقصى درجات التضليل المفضوح فيما سمّي "الخطاب الرئاسي" الثاني عبر الجمع بين "عبارات" عن إصلاحات مزعومة و"عبارات" تطلق على الشعب الثائر شتى الأوصاف "التآمرية"، تقوّض أي احتمال بقي للتوبة والإصلاح، علما بأن إصلاح "العصابات" لتصبح "نظاما" مستحيل على كل حال، كما كان في تلك الفترة أبرز مسمار انتحاري في نعش بقايا النظام، أظهره للعيان مشهد جثمان الطفل الشهيد حمزة علي الخطيب.. آنذاك تحديدا لم يتحقّق هدف العصابات الهمجية المتسلّطة بنشر "الترهيب والتخويف" شعبيا، بل انكسر حاجز الخوف نهائيا في شتّى أنحاء سورية، وعبّرت عن ذلك الأمّهات في داريا بريف الشام بخروجهنّ مع أطفالهنّ في مظاهرة نسائية في اليوم التالي.

مع أواخر أيار/ مايو 2011م أصبح انتصار الثورة أمر زمن وثمن، زمن النزع الأخير بعد زهاء نصف قرن من الاستبداد الإجرامي، والثمن الغالي الذي يسدّده شعب سورية من دمائه لينال حريته وكرامته ويفرض إرادته في وطنه ودولته وصناعة مستقبله بنفسه. ولم تنقطع المحطات الانتحارية ولا داعي لمزيد من الأمثلة، وأبرزها أنّ مجموعة الدول العربية قدّمت للعصابات المتسلّطة "قشّة النجاة" فاغتالتها، وهاهي تقدّم مع المجوعة الدولية مرة أخرى "قشّة النجاة"، ويأبى من اعتاد على الإجرام الهمجي إلا أن يغتالها أيضا، ليعطي الثورة الشعبية البطولية مزيدا من الوقود راغما، وهذا ما يعنيه المزيد من الجرائم، وومنها هذه الأيام الجريمة التي ارتكبها عشية جمعة "إخلاصنا خلاصنا" في جامعة حلب الشهباء.

الثورة الشاملة

لقد تصدّرت حلب بثورتها عشية جمعة "إخلاصنا خلاصنا" المشهد فأسقطت آخر ما في جعبة العصابات المسلّحة من مزاعم عن اقتصار الثورة على "فئات دون فئات" و"مدن دون مدن" و"قلّة دون كثرة" من شعب سورية.. مثلما أسقطت مدينة دمشق في الميدان وركن الدين وكفرسوسة والمزة والقابون وجوبر وغيرها من الأحياء، مزاعم مشابهة من قبل، وعلى من يريد أن يرى بأمّ عينيه ما بلغته الثورة من الامتداد والقوة، وما يستحيل معه أن تصمد العصابات المتسلّطة طويلا، فلينظر إلى فعاليات الثورة في كل مكان، ولينظر في الوقت نفسه إلى انتماءات الشهداء والجرحى والمختطفين والمعتقلين، جغرافيا، ودينيا، وقوميا، وفئويا، بدءا بالأجنّة في بطون الحوامل من الضحايا، مرورا بذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين، انتهاء بالكرام من الجدّات والأجداد من هذه الشعب الكريم.

ولجأت العصابات الإجرامية المتسلّطة في هذه الأثناء إلى "مسلسل التفجيرات"، فاستهدفت مواقع أجهزتها القمعية لتشير بأصابع الاتهام إلى الثوار، وأخفقت في إقناع أحد بذلك، فتحوّلت إلى استهداف الأماكن المزدحمة بالسكان كما كان في دمشق وحلب يوم السبت 5/5/2012م، وستخفق أيضا في إقناع أحد بأنّ "الثوار" وهم الشعب، يمكن أن يستهدفوا "الشعب" وهم يعملون على مضاعفة تعبئته ليقدم المزيد من البطولات التاريخية في صناعة ثورته.

ليس "مسلسل التفجيرات" إلا خطوة انتحارية أخرى، بعد أمثالها همجية وإجراما كما كان في مسلسل اقتحام عدد من الأحياء والبلدات والمدن وارتكاب مزيد من المجازر ما بين (بابا عمرو) حتى (جامعة حلب) تحت مظلة مبادرة دولية وعربية، بعد مبادرة عربية، وسيزيد من لهيب ثورة تحرق أركان العصابات المسلّحة المتسلّطة، مع سائر ما تملكه وتوظفه من سلاح مسروق من لقمة الشعب، وقمع همجي لا ينتمي إلى البشرية.

رغم كلّ ما عُرف عن شبيحة إعلام العصابات المتسلّطة من أساليب الكذب والإنكار والتزوير والإسفاف، لم يعد يمكنهم ادّعاء اقتصار الثورة على مدينة دون مدينة ومحافظة دون محافظة، لا سيّما وقد أصبح لغوهم المنحطّ عن "عصابات إرهابية" شهادة مباشرة على أنّ شعب سورية كلّه ثائر، من إدلب إلى درعا ومن دير الزور إلى اللاذقية ومن حماة إلى حمص ومن حلب إلى دمشق، من المدنيين.. ومن أحرار الجيش ضباطا وجنودا، ومن الرجال شبابا وشيوخا، ومن النساء الخنساوات وأطفالهنّ الأبطال، ومن مكوّنات شعب سورية بمختلف المعايير، بل ومن قلب "النواة المتصلّبة المتوحّشة" التي قامت عليها العصابات المسلّحة، كما تشهد أولى عمليات انفصال عدد من الأحرار عنها، وهو ما وصل إلى قطاعات الإعلام.. والمخابرات.. والفنون.. والرياضة، والمزيد على الطريق.

وبقدر إفلاس العصابات المسلّحة أخلاقيا وقمعا، أفلست أيضا على صعيد مراوغاتها السياسية الخارجية التي كانت من اللحظة الأولى ضعيفة متهالكة، لولا أن وجدت عربيا وإقليميا ودوليا، ما يمكّن من تسويقها تزويرا، ولكن حتى هذا الدعم المباشر أو غير المباشر بات مستحيلا، فمن يستمرّ على ربط نفسه بالعصابات المتسلّطة -كما تفعل روسيا وإيران ومن لفّ لفّهما- يقوّض بنفسه البقية الباقية من ارتباطه ولو كلاما بالقيم الإنسانية والاعتبارات السياسية والقانونية الدولية، ومن يستمرّ على مجاراة المراوغة والقتل وهو يعلم، وعلى التهديد والوعيد وهو لا ينفّذ، وعلى المشاركة في رعاية "مبادرات ملغومة" -كما يصنع جلّ الدول العربية والإسلامية والدولية حتى الآن- يقوّض بنفسه مصداقيته أمام الشعوب، ويتحوّل في سجلّ التاريخ إلى شريك للمجرم، فالصمت مع القدرة على الكلام جريمة، والمماطلة رغم وجوب السرعة جريمة أكبر، والقعود مع القدرة على التصرّف الفعال جريمة أشدّ وأنكى.

إخلاصنا خلاصنا

لهذا.. وجب التأكيد أن "إخلاصنا خلاصنا" كما أعلنه شعار الثوار يوم الجمعة 4/5/2012م، ومعيار الإخلاص الواجب على كل "معارض سوري" في أي موقع، أن يعلم علم اليقين ويتصرّف تبعا لذلك، أنّ هذه الثورة ثورة شعب، وليست ثورة أي فرد بعينه أو اتجاه أو تنظيم، وأنّها ثورة تغيير وليست ثورة مراوغات سياسية وحلول وسطية ومواقف عائمة، وأنّها ثورة تحرير الإرادة الشعبية وتحكيمها في جميع شؤون الوطن والدولة والمستقبل، وفي جميع شؤون الشعب بمختلف مكوّناته دون استثناء، وفي جميع علاقات سورية المستقبل مع أي طرف خارجي، عربي أو إسلامي أو دولي، وعلى صعيد أيّ قضية وطنية أو سياسية أو إنسانية.

وآن الأوان لقوى الثورة الشعبية في سورية، بقيادات فعالياتها في مختلف المحافظات، وبقيادات كتائبها الحرّة في مختلف "الأحياء والجبال والوديان"، أن تضاعف جهودها، للوصول بالتنسيق فيما بينها إلى مستوى مناسب للمرحلة الأخيرة التي بات سقوط بقايا النظام فيها قاب قوسين أو أدنى.

لقد بدأ العدّ العكسي للتحوّل الأكبر في تاريخ سورية الحديث، ولم يعد القرار بتحديد سرعته من صنع مبادرات العصابات المتسلّطة عبر "خطواتها الانتحارية" وهي تعطي مزيدا من الوقود للثورة الشعبية، بل هو الآن في أيدي الثوار أنفسهم، فهم المسؤولون عن سرعة العدّ العكسي حتى "ساعة الصفر" كما بدأ كثيرون يردّدون الحديث عنها.

هذا ما يتحقق بإذن الله عبر كل خطوة تنسيق، وكل خطوة لتثبيت معالم واضحة قاطعة للرؤية السياسية للثورة، وكل خطوة عملية مباشرة لمضاعفة الارتباط بين مكوّنات شعب سورية وانتشار اليقين بأنّ هذه الثورة هي ثورة كل السوريين وأن المستقبل الذي تصنعه إرادة الشعب المتحررة هو مستقبل كلّ السوريين.

وهذا هو معيار الإخلاص، وهو ما يجعل في الممارسات المرئية تعبيرا عن هذا الإخلاص، بابا ليوم الخلاص القريب.. وما ذلك على الله بعزيز.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تفجيرات سورية ..لماذا؟ وماذا بعد؟  .. أسامة عثمان

ايلاف

13-5-2012

بين يدي هذا المقال قد يكون من الضروري تأكيد بعض الأمور.

أولا: من حق الشعب السوري، كغيره من الشعوب، أن يقرر حكامَه، وليس نظام البعث في دمشق، بالنظام المُجْمَع عليه، ولا هو بالنظام الذي لا يَقْبَل المفاضلة، أو سنة التغيير والتطوير.

ومثل هذا النوع من النظم ليس من السهل أن يتطور، إلا في حدود ضيقة، غير جوهرية، فهو من نوع الأنظمة البوليسية الأمنية الدموية، وتاريخه، في بلده، يشهد.

ثانيا: الطريق الأسلم للتغيير هو التغيير السلمي، المعتمد على حشد التأييد الداخلي.

ثالثا: أسلوب التفجيرات الذي يطال الأبرياء، ويهدد بفتن داخلية، ويعكر المياه، ويفتح الأبواب على مصاريعها لكل متدخل شرير المآرب، والأهداف، هذا النوع من الأساليب مدان ومستنكر، ولا يخدم لا النظام ولا المعارضة، ولا الثورة، واللاجىء إليه يائس، وضيق الأفق.

ولا يخفى أن انزلاق سورية إلى هذا النوع من التفجيرات يُدخل البلاد والنظام والثورة في نفق مظلم، ويعلن عن فشل جميع الأطراف، بما فيها الإقليمية والدولية، كلها في تحقيق أهدافها، على اختلاف تلك الأهداف، وتناقضها.

وقد نكون أمام احتمالين: إما أن الأمور قد انفلتت فعلا من السيطرة، وأن عناصر، أو جماعات دموية، ليست في صميم الثوار، قد نجحت في استغلال الحالة المنفلتة؛ لتصنع البيئة التي تراها مناسبة لنشاطاتها.

وإما أنَّ طرفا من الأطراف المتصارعة، أو فروع من تلك الأطراف، بتوافق، مع قادتها، أو دون توافق، قررت الدفع، نحو السلاح الأخير، وهو التصعيد المفضي إلى تغيير المعادلة التي لا تبدو قريبة الحسم.

فمن جهة قد يستفيد النظام من هذا الحالة الجديدة التي قد يؤمِّل منها التغطيةَ على الاحتجاجات السلمية التي لا يفلح في القضاء عليها، بعد ما يزيد عن العام، على اندلاعها، برغم كل الوسائل البالغة العنف والاتساع التي استخدمها.

وهذه التفجيرات في الأماكن السكنية والتي حرصت وسائل الإعلام الرسمية على تكرار عرضها بصور شديدة القسوة، تلقي بالرعب في نفوس السوريين من أن يؤول مصير وطنهم إلى ما آل إليه العراق، على مدى سنوات...

ثم قد يؤمِّل النظام في أن تؤدي تلك التفجيرات إلى التلويح بحرب أهلية كَثُر التحذير منها، إذا استمرت الثورة، أو النزاع، على هذا النحو غير الحاسم.

وهذه الحرب آخرُ ما يتمناه السوريون، ولا سيما في دمشق، وحلب اللتين تأخرتا في الانخراط في الثورة، ولمَّا تدخل كل مناطقها فيها، بعد.

وقد يكون للنظام دافع آخر للقيام بمثل هذه التفجيرات، وهو إفشال خطة أنان، تلك الخطة التي يلتقي عليها «المجتمع الدولي» والجامعة العربية، وهي تفضي، في حال التزم النظام بها، إلى نقل السلطة، بعد حوار مع المعارضة، وبعد سحب الأسلحة الثقيلة من المناطق المتمردة، وبعد السماح بالتظاهر السلمي، وإطلاق سراح المعتقلين، والسماح للإعلام الدولي، بالتغطية.

ولو أن هذه الخطة، في الوقت الحاضر، لا تشكل تهديدا جِدِّيا، للنظام؛ لأنه لا يلتزم بها، بشهادة أنان، نفسه، ومع ذلك، لا يُستتبع، ذلك، بمواقف دولية ردعية، بل يُسارَع إلى التلميح بعدم وجود وسيلة أخرى بعدها، إلا الانزلاق إلى حرب طائفية، أو أهلية، مع أنه من المفترض، أن تُترجَم هذه الإرادة الدولية التي تمثلت في هذه الخطة، إلى قرارات تصعيدية أخرى، تحمل النظام، على الانصياع لمطالبها، ووقف القتل.

ولكن هذا التراجع، أو التعجُّل، في نفض اليد، لا يؤشر على إرادة دولية، أو أمريكية،( في الوقت الراهن، على الأقل، وفي الوقت القريب، حتى الانتخابات الرئاسية، في نوفمبر/ تشرين الثاني، المقبل) تتجه نحو إنهاء هذه الأزمة، وإنما إدارتها، كما بات معلوما للكثيرين من المهتمين.

ومن الاستراتيجيات التي تنتهجها أمريكا، في إدارة الأزمات، أنها تترك الأطرافَ المتنازعة، في مناطق الأزمات، يُنهك بعضُها بعضا؛ حتى تَخْفِضَ سقف مطالبهم، وحتى تُلجئهم إلى الحلول التي تريد، بعد دفع أثمان باهظة، تكون هي في معزل عنها.

لكن ارتفاع وتيرة العنف، والقتل، في سورية، إلى هذا الحد، أمر خطر، ولا يبدو أنه يصب في سياسة الإدارة الديمقراطية، في البيت الأبيض التي ترى في التهدئة، في منطقة الشرق الأوسط، علامة مهمة على نجاح الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

صحيح أن ما يهم واشنطن، بالدرجة الأولى، هو أن لا تخرج الأزمة من سورية إلى الجوار، ومنه لبنان، والعراق، ولكن ارتفاع وتيرة العنف إلى هذا الحد ليس من السهل تقبله، فضلا، عن كون احتمالات خروجه إلى خارج نطاقه، سيكون أكبر.

ولو كانت واشنطن ترغب في الوقت الحاضر بتصعيد، لغضت الطرف، على الأقل، عن رغبة بعض الدول العربية، في تسليح المعارضة، وهذا الخيار، على محاذيره، فإنه يأتي قبل التفجيرات، فظاعة، ولا سيما، إذا تكررت، وتكرَّست.

وأخيرا، فإن التفجيرات الرهيبة، تضر بجميع الأطراف، في سورية، وحتى غيرها، لكن المسئولية الأكبر تقع على عاتق الدولة، والخطورة الأكبر، سياسيا، عليها؛ فهي لا تقوى على أداء وظيفتها، وعلى إثبات مسوِّغات بقائها، في هذا الوقت الذي يُشكَّك فيه بشرعيتها...والضحية هو الناس في سورية..نسأل الله أن لا يكون هذا بداية تعويم للأزمة، أو خلطا للأوراق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حيث كان عيد الشهداء مجرد بروفة .. عمر قدور

المستقبل

13-5-2012

في النهاية التصق اللقب باسمه، وعرف باسم جمال باشا السفاح بعد أن أصدرت المحكمة التي شكّلها في عاليه حكمها بالإعدام شنقاً على العديد من المواطنين اللبنانيين والسوريين. كان عدد الذين أعدموا حوالي خمسين شخصاً بين عامي 1915 و1917، وكما هو معلوم اشتهر من بينهم أولئك الذين أُعدموا في السادس من أيار في ساحتي البرج في بيروت والمرجة في دمشق. كان جمال باشا يحاول الحفاظ على سلطة إمبراطوريته العثمانية الآخذة بالأفول، وكما في كل استبداد طغى همّ البقاء على القيم الإنسانية والأخلاقية، ولكن على الرغم من ذلك أقام "السفاح" محكمة، وإن تكن صورية، وأُتيحت للمحكومين تلاوة كلماتهم أو قصائدهم الأخيرة على منصة الإعدام؛ بالطبع هذه الشكليات لم تنقص من سمعته كسفاح.

لم يكونوا الشهداء الأوائل الذين سقطوا على أيدي العثمانيين أنفسهم، ولكنهم كانوا طليعة الأحرار بالمفهوم الحديث لكلمة الحرية، فكانوا أيضاً طليعة الشهداء بالمفهوم الوطني الحديث لكلمة الشهادة، وربما كانوا يأملون بأن يكونوا آخر من يُضطر إلى افتداء الحرية بهذا الثمن الباهظ. كان يا ما كان في سالف العصر والأزمان، كان هناك والٍ على بلاد الشام اسمه جمال باشا، ولشدة جوره وبطشه لُقّب بالسفاح، وقد بلغ به البأس أن أعدم واحداً وعشرين ثائراً في يوم واحد. ولم توجد آنذاك قبعات زرقاء لتراقب مجازره ولا قانون دولي إنساني يدعو إلى التدخل لحماية أولئك الذين دعوا الدول الغربية لمناصرتهم!.

حدث ذلك قبل أقل بقليل من قرن، وهي مدة كافية لينسى الكثيرون الأصل في عيد الشهداء. وفضلاً عن بُعد ذلك العهد، فإن ذاكرة السوريين واللبنانيين اكتظت بسير الشهداء. في الواقع راح العيد يفقد زخمه المعنوي بقدر ما تراكم عليه من شهداء، تضاءلت حصة الشهداء الأولين من العيد، بعد أن زاحمتهم كثرة الوافدين الجدد وطزاجة دمهم، وبعد أن طغت نسبة الذين قضوا على أيدي أبناء جلدتهم، فتاه نَسَبُ العيد بين أطراف متصارعة عليه. كل ذلك من دون أن نأخذ بالحسبان أولئك الذين جعلوا الشهادة تجارة سياسية رابحة، وسعوا إلى احتكارها ليتربعوا أسياداً فوق طهرانية الدم، أولئك الذين جعلوا من شهدائهم سوطاً على أفكارنا فحرمونا من الحزن اللائق وحرموهم من كرم التضحية.

كأن ما فعله جمال باشا كان مجرد تمرين بدائي على مسيرة طويلة من القتل. صحيح أن المشانق لم تُعلّق فيما بعد على هذا النحو في ساحتي البرج والمرجة، إلا أن تلك البداية تتواضع أمام ما أنجزه زعيم صغير لميليشيا صغيرة؛ زعيم لم ينل لقباً حتى، أقله في هذا الميدان. لقد كان جمال باشا يمثّل سلطة احتلال، وليس بالزعيم "الوطني" ليبني مجده على سحق خصومه السياسيين، وكلما أوغل في التنكيل والقتل ازداد إصراراً على اكتساب المزيد من الألقاب النبيلة، وتبارى أنصاره في ابتداعها كلما ازدادوا تصاغراً أمام بأسه.

ثمة افتراض نظري بأننا كلما مضينا قدماً في الزمن اكتسبنا تقديراً أكبر للذات الإنسانية، فالقرن الفائت شهد على المستوى العالمي تطورات فكرية متوالية فيما يتعلق بالحقوق الأساسية للفرد، تلتها تطورات قانونية لا تقل شأناً. على صعيد مواز لتلك التطورات شهد العالم ارتفاعاً كبيراً في عدد الحروب الخارجية والداخلية، وعرف تطوراً متسارعاً في الأدوات المستخدمة للقتل، بالإضافة إلى القدرة الرهيبة على القتل بلا رحمة، وتسويغ هذه الأفعال بشتى القيم النبيلة. ولعل المفارقة الأكبر هي أن الحروب الأهلية شهدت ضراوة أكبر من حيث توافر النية بالقتل، ووضعها موضع التنفيذ على نحو معمم، من دون أن يأخذ الضحايا حقهم من التقدير، إذ غالباً ما سعت الذاكرة إلى تناسي تلك الحقبة المؤلمة بتجاهل مآسيها ووفرة قتلاها.

لكن الأقل حظاً من الإعلام هم ضحايا الأنظمة الاستبدادية، فهؤلاء وقعوا ضحية حرب غير معلنة، حرب قامت بها الأنظمة على شعوبها بصمت رهيب مستخدمة أفظع أنواع الإرهاب الفكري والجسدي، حرب لم يكترث بها العالم إلا ببيانات قليلة خجولة تذكّر بحقوق أولئك الأفراد وتستجدي من الأنظمة القاتلة ذاتها رحمة لم يثبت وجودها يوماً. متسلحة بحقها بالسيادة، راحت الأنظمة المستبدة تنقل هذا المفهوم من السيادة على الأرض إلى السيادة على كل قاطن فيها، وإلى الوصاية المطلقة على كل فكرة تلوح في فضائها، وفي المحصلة إلى السيادة على حق الحياة برمته وحجبه تحت دعاوى الوطنية. لم تعد الأوطان تُفتدى بحرية، بل بات الناس يُساقون كقرابين مجهولة الهوية ومعدومة المصير.

في السادس من أيار عام 1916 كانت حصة ساحة المرجة في دمشق ثمانية شهداء، ووفق الرواية البعثية (وهي الرواية الرسمية المعتمدة حتى الآن) بطش جمال باشا السفاح بهؤلاء بظلم لا نظير له، وإذا مضينا بالزمن مع الرواية ذاتها سنرى الانتداب الفرنسي يرتكب الفظائع أيضاً، ويقصف مبنيين في دمشق أيضاً!. تصمت الرواية عند الوصول إلى عهد الوحدة بين سوريا ومصر، فلا تشوبها أية إشارة عن الذين قضوا في المعتقلات إبان الوحدة، وبالطبع لا يرد أي ذكر عن استخدام الأسيد لتذويب بعض الجثث. من يقرأ الرواية الرسمية لن يجد في ثنايا الاحتفال بثورة البعث أي إشارة إلى المحاكم الثورية التي شهدتْها تلك المرحلة، لا ذكر إطلاقاً لقتلى تلك المحاكم ولو بوصفهم أعداء خطرين للثورة؛ لكن تلك المحاكم أيضاً لا تعدو كونها تمارين بدائية على القتل.

إن كان ثمة حصيلة رسمية دقيقة للقتلى السوريين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي فهي ليست معممة على نطاق واسع، لكن من المؤكد أن عدد القتلى في كافة الحروب مع إسرائيل لا يناهز سوى نسبة بسيطة من قتلى مدينة حماة وحدها على أيدي قوات النظام قبل ثلاثة عقود، أما حجم الدمار الذي لحق بالمدينة فيدلنا عليه الآن ما عرضته الشاشات من دمار لحق بأحياء الإنشاءات وبابا عمرو في حمص على سبيل المثال لا الحصر. لم تُتح لضحايا ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن نعمةُ أن يُعرف عددهم بدقة، إذ لم يُكشف حتى الآن عن مصير الآلاف من المعتقلين، والذين يُعتقد على نطاق واسع أنهم تعرضوا للتصفية المنهجية، فضلاً عن المجازر الكبرى المعروفة التي وقعت في المعتقلات. مرة أخرى بوسع الحاضر أن يدلنا على الماضي القريب، إذ تشير تقارير المنظمات الحقوقية إلى أنها تنشر فقط ما أمكن توثيقه من ضحايا الثورة السورية الآن، مع التنويه بوجود قتلى لم يتم التأكد منهم، وبوجود مفقودين ومعتقلين لا يُعرف مصيرهم، وبوجود قتلى لا يفصح أهاليهم عنهم خوفاً من الانتقام.

في العام الماضي، وعلى مقربة من ذكرى عيد الشهداء، سُلّمت جثة الطفل حمزة الخطيب إلى ذويه بعد قتله تحت التعذيب وبترعضوه التناسلي!. منذ ذلك التاريخ إلى الآن ارتفع عدد شهداء الثورة ليناهز الخمسة عشر ألف شهيد، وبالتأكيد من دون وجود حصيلة نهائية. في الواقع لقد أصبحنا على مسافة كبيرة من تلك التمرينات الأولى على القتل، ولم يعد من اعتبار للضحايا يمكّنهم من الحصول على محاكمة صورية، أو يحترم الحد الأدنى من حرمتهم كموتى.

لقد تسرع أسلافنا بإطلاق لقب "السفاح"، كان عليهم أن يتحسبوا لزمن قد تعوزنا فيه الأوصاف!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القوانين وتطبيقاتها! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

13-5-2012

وصلتني قبل أيام نسخة الدستور السوري الجديد، الذي بقي محل أخذ ورد بين قيادة السلطة السورية وأطراف حزبية وسياسية متنوعة، وسمي دستور الإصلاح أو التغيير. ومع أن بعضا من خيرة كتاب سوريا ناقشوا الوثيقة الرسمية الجديدة، التي قيل إنها نتجت عن حوار شاركت فيه أطراف سياسية متنوعة، فإنني أود التوقف هنا عند نقطة محددة تتصل بالفارق بين نص الدستور والواقع الذي ينصب عليه: نصه الملتبس في معظم صياغاته والواقع البشع الذي نجم عنه أو المفارق تماما له، مع العلم بأن هذا النص متهافت تؤكد جمله أن «الخبراء الدستوريين» الذين أسهموا في كتابته «مش ولا بد»، وأنهم كتبوه بقليل من الجدية، حتى إن المرء يجد نفسه مدفوعا إلى أن يصرخ بأعلى صوته: ما هكذا يكتب الدستور.

تقول المادة الثامنة من الدستور الجديد: «يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطيا عبر الاقتراع». لو كانت هذه المادة مطابقة للواقع القائم اليوم في سوريا، لميزت بالتأكيد بين التعددية السياسية والتعددية الحزبية، فالجمهورية العربية السورية لا تعرف التعددية السياسية، وإن كانت قد عرفت دوما تعددية حزبية تحولت بعد حكم البعث إلى تعددية الواحد، بعد أن تبنت جميع الأحزاب الموجودة في الساحة مقررات مؤتمرات السلطة القطرية، وألزمت نفسها بالامتناع عن العمل في المجالين الطلابي والعسكري «حفاظا على الوحدة الوطنية»، كما يقول نص مادة من ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية. يتحدث الدستور عن التعددية السياسية ويقصد الحزبية، التي ليست تعددية سياسية بأي حال، كما يتبين من طابع الأحزاب القائمة وموالاتها للنظام، ومن منع أحزاب المعارضة جميعها من العمل السياسي، تطبيقا لاستراتيجية تقوم على إغلاق المجال السياسي أو احتلاله بالكامل من قبل السلطة، التي حولته إلى مجال سلطوي تماما، وأفقدته تعدديته وجعلته مجالا حزبيا مغلقا وعنفيا. وكان أحد قادة المعارضة قد زار ذات يوم الأستاذ عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية آنذاك. خلال الحوار سأله المسؤول الرسمي عن مطالبه، فقال إن حزبه يريد المشاركة في الحياة السياسية. أجاب الأستاذ خدام بعصبية: السياسية أم الحزبية. المشاركة في الحياة السياسية ممنوعة، أما الحزبية فهي قابلة للنقاش والحوار. لماذا يتحدث الدستور عن «نظام سياسي يقوم على مبدأ التعددية السياسية»، إن كانت التعددية المقصودة كمية وليست نوعية، تعددية تماثل وليست تعددية اختلاف، تعددية رقمية تتباهى بالأعداد وتزعم أن لدينا عشرة أحزاب أو ربما عشرات الأحزاب، بينما التعددية السياسية لا تكون غير تعددية المتنوع والمختلف، ولا يمكن أن تتفق مع تعددية الدستور الجديد، النافية للتنوع والاختلاف، والتي لا تنهض ديمقراطية ولا تكون حرية دونها. وجد منذ عام 1972، تنوع حزبي في سوريا، لكنه لم يوجد أي تنوع سياسي. وكان عليك أن تبحث عن عضو في الحزب الشيوعي أو حزب قومي جبهوي، إن أردت الاستماع إلى من يدافع عن البعث والنظام، لأن هذا العضو كان يعطيك الانطباع بأنه ضل طريقه إلى البعث ودخل خطأ في الحزب الشيوعي أو القومي الجبهوي، حتى إنني سألت ذات مرة «قائدا قوميا» لماذا لا يدخل في البعث إن كان يراه على ذلك القدر من العظمة، الذي يتحدث دائما في خطبه عنه، فقال لي أحد مرافقيه مداعبا: شو ما بتعرف يا أستاذ إنو البعث فرزه لعنا وكلفه بقيادتنا.

تقول المادة 15 في الفقرة ب: «لا تنزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون». ويقول الواقع: إن ملكية 92 في المائة من أراضي بلدة المعضمية القريبة من دمشق نزعت من قبل سرايا الدفاع، التي كانت بقيادة رفعت الأسد، وإن هذا بنى عليها ثكنات وضاحية سكنية لمنفعة جنوده وضباطه، وإن أصحاب الأرض لم يعوضوا عنها إلا بعد ثلاثة عقود، وإن التعويض كان عادلا جدا، فقد قبض صاحب الأرض ليرة ونصف الليرة ثمن المتر من أرضه، بينما قبض سكان السومرية - اسم الضاحية -، الذين يقطنون مدينة مخالفة للقانون، فتحوا فيها حوانيت بلا رخصة وتاجروا خلال ثلاثة عقود بمواد مهربة من لبنان، ثمن متر أرض ليست لهم عشرين ألف ليرة سورية. هذه هي المنفعة العامة، وهذا هو التعويض العادل، وهذا هو القانون. عندما روى أصحاب الأرض للرئيس بشار الأسد مأساتهم ضحك وأخبرهم أنه لا يعرف شيئا عن القضية، وانتهى الأمر. واليوم يقال إن المعضمية خارجة عن القانون، وإن شعبها مجرد عصابات مسلحة، ولا يقال إن المنفعة الخاصة لم تترك لهم أي شبر أرض يستخدمونه في زراعة أو بناء، وإنهم لا يطالبون بالحرية إلا لاعتقادهم أنها وسيلتهم الوحيدة والأخيرة لاسترداد حقوقهم الضائعة، التي لا يكفلها دستور ولا يصونها قانون، ما دامت هناك إرادات كثيرة فوقهما، وما دام الشعب صامتا ومشتتا ومذعورا. تقول الفقرة التي بعدها (16): «تجوز المصادرة الخاصة لضرورات الحرب والكوارث العامة بقانون لقاء تعويض عادل». من الذي يحدد ما هي ضرورات الحرب؟ إذا قال قائد لواء لصاحب أرض إنه يريد نشر دباباته في حقله لضرورات الحرب، وأظهر له أمرا مكتوبا يسهل الحصول عليه من الأركان العامة، ماذا يستطيع هذا المسكين أن يفعل؟ أعرف رجلا فعل هذا. عندما عاد بعد أسبوع من دمشق إلى مزرعته وجد الدبابات في حفر كبيرة تحت أشجارها، والجنود في كل مكان، لضرورات حرب لا ولن تقع، ولا يثق عاقل في سوريا بأنها قد تقع في يوم من الأيام. ما الفاصل بين حالة الحرب والكوارث العامة، التي تحدث الدستور عنها؟ هناك فاصل بالتأكيد، سأشرحه على النحو التالي: إذا لم تقتنع بأن ضرورات الحرب تحتم عليك قبول التخلي عن ملكيتك وحقوقك، حلت بك كارثة شخصية تفوق في هولها أي كارثة عامة قد تحل بأي وطن!

يحفل الدستور بمثل هذه الخزعبلات، التي اكتوى السوريون بنارها طيلة نيف وأربعين عاما، وها هو النظام يعيد إنتاجها وتسويقها باعتبارها حلولا لأزمة مستعصية، متجاهلا أنها هي التي دفعت السوريين إلى القيام بثورة يرون فيها فرصة وحيدة لنجاتهم، رغم ما تتطلبه من تضحيات جسيمة ويومية يقدمونها بحماسة تثير دهشة العالم الذي لا يعرف خلفياتها، لكنها لا تثير دهشة من يعرف سوريا والمفارقات التي تفصل نصوص نظامها المزركشة بالكذب عن واقع شعبها الشديد القتامة والبؤس.

لا يصلح الدستور الجديد لسوريا الحرة، ولا يقبل السوريون أن يضحك عليهم بالنصوص الدستورية المنمقة، بعد أن خرجوا على نص الاستبداد متنا وهامشا، وشرعوا يسيرون بالملايين تحت راية نص نقيض هو نص الحرية المضرج بدمائهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خميس دمشق الأسود: هل هو إنذار أخير! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

13-5-2012

كان خميس دمشق الأخير دمويا. عشرات القتلى ومئات الجرحى، عشرات السيارات المحطمة والمحروقة منتشرة على مساحة كبيرة من الطريق السريع في قلب دمشق، واجهات بيوت ومحلات قريبة من مركز الانفجار إضافة إلى واجهتي فرعين للمخابرات العسكرية السورية ظهرت منهارة أو مدمرة. كان مشهدا مأساويا بكل معنى الكلمة، كان في أحد وجوهه يلخص خمسة عشر شهرا من مسارات القتل والدمار السوري الذي رسمه الحل الأمني العسكري الذي اختاره النظام مسارا لمعالجة أزمة سياسية اقتصادية اجتماعية وثقافية، بدل أن يختار حلا ومعالجة سياسية للأزمة كما هو مفترض.

بعيد الانفجار المزدوج، اتهم النظام جماعات إرهابية بارتكاب التفجير المدمر في إشارة لمعارضيه، فيما كانت المعارضة توجه أصابع الاتهام مباشرة للنظام بارتكاب الجريمة.

ورغم أن كل طرف ساق مبرراته لاتهام الآخر، فإن المعارضة، بدت أكثر قدرة على نفي إمكانية قيامها بمثل هذا العمل سياسيا وتقنيا، وشددت على أن المستفيد الرئيس من هكذا عمل هو النظام سواء لسعيه إثبات وجود جماعات إرهابية في البلاد أو من أجل تعميم الخوف في صفوف السوريين أو للاثنين معا.

وبغض النظر عن مرتكب هذا العمل، فإنه ينبغي العمل في كل المستويات المحلية والخارجية على كشف المرتكبين، وتقديمهم للقضاء ليقول بحقهم قراره جراء ما قاموا به من عمل إجرامي، يلحق الأذى بمدنيين عزل وأبرياء، ويساعد في انزلاق سوريا نحو عنف أوسع ستكون له تداعيات إقليمية ودولية أكثر بكثير من المتوقع.

وخطورة حدث الخميس الأسود، لا تعود إلى تفاصيله فقط، فقد شهدت سوريا ما هو أخطر منه في إطار الخطة الأمنية العسكرية في معالجة الأزمة كما حدث في حمص ودرعا وريف إدلب، إنما تعود أيضا إلى ظرفه، إذ جاء الحدث بمحتوياته وتفاصيله في ظرف تواجه خطة أنان انسدادات جدية في تطبيقها ولا سيما بصدد البند الأول الخاص بوقف العنف وسحب الأسلحة الثقيلة من الأماكن السكنية ومحيطها، والذي صار بمثابة أحجية يصعب حلها، الأمر الذي اعتبره كثيرون بمثابة نهاية لخطة أنان أو مؤشر بهذا الاتجاه على الأقل، ووسط هذا الاعتقاد جاء حدث الخميس بكل محتوياته دافعا نحو احتمالات تفجر عنف أعمى أوسع نطاقا في سوريا.

والصحيح أن التخوفات من انزلاق الوضع السوري في ضوء ما تواجهه خطة أنان من انسدادات في تطبيقها، لها ما يبررها في ظل أمرين اثنين؛ الأمر الأول ما تسوقه السلطات من مبررات تمنع تنفيذ ما يخصها في وقف العنف وسحب الأسلحة نتيجة خرق ما تسميه بالجماعات المسلحة لوقف النار، والأمر الثاني عدم تقدم الموفد الدولي وفريق مراقبيه لتنفيذ بقية بنود الخطة، والبقاء في حالة دوران حول البند الأول، ونسيان أو تجاهل بقية بنود الخطة الأخرى وفيها خمسة بنود منها ثلاثة يمكن تنفيذها دون أي إرباكات وهي المتصلة بإطلاق سراح المعتقلين، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية، وحق الوجود الحر للإعلام، إضافة إلى بند السماح بالتظاهر للسوريين والذي يجد رفضا من جانب السلطات السورية.

إن بدء تنفيذ هذه البنود، إذا كانت هناك إرادة سياسية وعملية للتنفيذ من شأنه أن يدخل تعديلا جوهريا في مسار الخطة كلها، لأنه يوفر بيئة إيجابية للخروج من نفق بند وقف العنف وسحب الأسلحة الثقيلة، والمضي في حل سياسي يكون بديلا للحل الأمني العسكري للأزمة، مما يجنب البلاد انزلاقات الدخول في حرب داخلية وتداعياتها الإقليمية.

وبالخلاصة، فإن خميس دمشق الأسود بما حمله من تفاصيل، وما يحيط به من ظروف، يمكن اعتباره بمثابة إنذار نهائي، يؤشر إلى الأخطار التي يمكن أن تكون بعده في أخذ سوريا ومحيطها الإقليمي إلى أخطار، لا يمكن العودة منها في مدى منظور، وهذا يعني، أن على المعنيين فعلا بمعالجة الأزمة في المستويات المحلية وخاصة النظام، وفي المستويات الإقليمية والدولية، أن يعملوا بجد وبمسؤولية للخروج من الأزمة، ولعل أقرب الطرق، وأيسرها البدء الفوري بتنفيذ النقاط التالية من خطة أنان، التي وافق عليها الجميع، بدل التوقف عند النقطة الأولى ومشكلاتها سواء كانت هذه المشكلات جدية كما تقول السلطات السورية، أو أنها حسبما يقول الآخرون مجرد ذريعة لتهرب سلطات دمشق من مسؤولياتها وموافقتها غير المشروطة على خطة أنان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتخابات على جثث السوريين! .. خير الله خير الله

الرأي العام

12-5-2012

لا يمكن اجراء انتخابات على جثث ما يزيد على عشرين ألف سوري، في أقلّ تقدير، سحقتهم آلة القمع التي يمتلكها النظام منذ اندلاع الثورة قبل اربعة عشر شهرا تقريبا. لو كانت الانتخابات على الطريقة البعثية تقدّم او تؤخّر، لما كانت الثورة مستمرة ولكان اهل سورية اقتنعوا بان ثمة مجالا لإصلاح النظام الذي هو في حقيقة الأمر غير قابل للإصلاح بأيّ شكل.

متى يقتنع النظام السوري بأنّه انتهى وان الانتخابات ليست سوى محاولة أخرى للهروب إلى امام في وقت لم تعد هناك اي جدوى من مثل هذا الهروب؟

باستثناء رهان النظام على انه سيكون قادرا على حكم جزء من سورية وان مستقبله مرتبط بهذا الجزء، ليس ما يشير إلى ان هناك ما يمكن ان يفسّر اللجوء المستمر إلى العنف. فالعنف لا يمكن ان يوفّر مخرجا من الازمة العميقة التي يعاني منها هذا البلد العربي المهمّ، اللهم الا اذا كان هناك بين اركان النظام من يظن انّ الحرب الاهلية هدف في حد ذاته وان مثل هذه الحرب ستؤدي إلى تهجير قسم من السوريين من مناطق معيّنة، في مقدمها حمص.

مثل هذا التفكير العقيم يفتح المجال واسعا امام تفتيت سورية وامام سلسلة من الحروب الاهلية معروف كيف تبدأ وليس معروفا كيف تنتهي... او حتى متى يمكن ان تنتهي.

لعلّ أخطر ما تشهده سورية حاليا يتمثّل في الاعتقاد بأنّ عملية الهروب إلى امام يمكن ان تستمرّ إلى ما لا نهاية. كلّ ما فعله النظام السوري الحالي، وحتى الانظمة التي سبقته، هو ممارسة عملية هروب إلى امام خشية مواجهة الاستحقاقات الداخلية التي تفرضها ازمة الكيان السوري. كان الانقلاب العسكري الاوّل الذي قاده حسني الزعيم تعبيرا عن الهروب إلى امام. تلاه انقلاب الشيشكلي الذي لم يدم حكمه طويلا. جاء بعد ذلك دستور العام 1950 الذي كان يمكن ان يساعد في حلّ ازمة الكيان السوري عن طريق الديموقراطية.

بدل اعتماد الديموقراطية، اختارت الاحزاب «القومية» وبينها البعث الذهاب إلى وحدة غير طبيعية مع مصر جمال عبدالناصر. لم تكن تلك الوحدة سوى محاولة اخرى للهرب من الواقع. ما هو اخطر من الوحدة التي انهارت في العام 1961، انطلاقا من حلب وليس من اي مكان آخر، انها كرّست سيطرة الاجهزة الامنية على السلطة. بعد الوحدة، صار المسؤول عن الأمن، وكان اسمه عبدالحميد السرّاج، الحاكم الفعلي لسورية. رحل السرّاج بكلّ ما مثّله من تخلّف وبقي الحكم في يد الأمن.

لم يستطع الحكم الذي نشأ عن الانفصال ايجاد اي حلّ للمعضلة السورية المتمثلة في ازمتي النظام والكيان، فكان اللجوء مجددا إلى البعث الذي نفّذ انقلاب الثامن من آذار- مارس 1963 بغطاء مدني. قاد العسكر الانقلاب وما لبثوا ان تخلصوا من المدنيين، لينتهي النظام ابتداء من العام 1970 نظام الرجل الواحد ثم الطائفة الواحدة ثم العائلة الواحدة.

تغيّرت طبيعة النظام السوري. ما لم يتغيّر هو الحاجة الدائمة إلى الهروب إلى امام. ذهب لبنان ضحية عملية الهروب هذه التي استهدفت تدميره حجرا حجرا. لم تتوقف يوما عملية تدمير لبنان طائفة طائفة ومنطقة منطقة ومدينة مدينة وقرية قرية وشخصية مهمة خلف شخصية اخرى مهمّة. ومتى وجد النظام السوري ان عليه الانسحاب من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير 2005، سعى إلى ايجاد بديل يتولّى ملء الفراغ الامني الناجم عن خروج قواته العسكرية من الوطن الصغير الصامد. كان هذا البديل ميليشيا مسلحة تابعة لإيران اسمها «حزب الله» بادواتها المختلفة بينها ميشال عون.

تسعى هذه الميليشيا حاليا إلى اقناع اللبنانيين بقوة السلاح ان شيئا لم يتغيّر في لبنان وان بيروت لا تزال تحت الوصاية وان الفارق الوحيد بين ما كانت عليه قبل العام 2005 وما هي عليه الان انها صارت تحت وصاية مشتركة ايرانية - سورية. افرزت هذه الوصاية «غزوة بيروت» بهدف اذلال اهلها في السابع من ايّار- مايو 2008. ولمّا تبيّن ان اهل بيروت خصوصا واللبنانيين عموما يرفضون الوصاية المشتركة، تماما مثلما رفضوا الوصاية السورية، فرضت عليهم بقوة السلاح الحكومة الحالية التي يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي. هذه الحكومة التي لا هدف لها سوى اذلال المسيحيين واهل السنّة والدروز، بين حين وآخر، ليست سوى تعبير مختلف عن الازمة السورية المزدوجة، اي ازمة النظام والكيان في الوقت ذاته.

بغض النظر عن اللهجة المعتدلة حيال «حزب الله» التي استخدمها الرئيس سعد الحريري في الخطاب الذي القاه قبل ايام في بيروت عبر شاشة كبيرة، يظلّ ان اهمّ ما في هذا الخطاب تصويبه على النظام السوري. لا مستقبل لسورية ولبنان ما دام هذا النظام يقتل. انه نظام يجري انتخابات نيابية من اجل تغطية مزيد من الجرائم ترتكب في حق السوريين. انه نظام يعتقد ان في امكانه الاستفادة من حرب طائفية ومذهبية في سورية لعلّها تساعده في ايجاد مخرج يسمح له بمتابعة عملية الهروب إلى امام.

من هنا، ليس لدى اللبنانيين من خيار سوى التصويب، بالكلام الحقيقي الدقيق والصريح وليس بايّ شيء آخر طبعا، إلى الهدف العالي، اي إلى النظام السوري. لقد قاوموا هذا النظام منذ ما يزيد على اربعين عاما. تلك هي المقاومة الحقيقية التي عليهم الاستمرار فيها من دون ان ينسوا في اي وقت من الاوقات من وراء قتل زعمائهم من كمال جنبلاط وصولا إلى رفيق الحريري مرورا بالشيخ حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والرئيسين بشير الجميّل ورينيه معوض. ان هذه السلسلة من العرب الشرفاء المؤمنين بلبنان الحر والتي تشمل ايضا سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار امين الجميّل وانطوان غانم ووسام عيد وآخرين، من بينهم الشهداء الاحياء مروان حمادة والياس المر ومي شدياق، خير دليل على انّ المطلوب تدمير لبنان.

لم تكن «غزوة بيروت» التي شنها «حزب الله» على اهل العاصمة والجبل في ايّار - مايو من العام 2008 سوى فصل آخر من عملية الهروب السورية إلى امام ولكن بمساعدة ايرانية هذه المرّة. هذا ما يفترض ان يكون واضحا لدى اللبنانيين الذين باتوا يدركون أن لا خلاص لهم ولوطنهم ولسورية والسوريين من دون التخلص من نظام مستعد لاجراء انتخابات على جثث أبناء شعبه وأشلائهم... كي يتمكّن من متابعة الهروب إلى امام!

* كاتب لبناني مقيم في لندن

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وصية طفل سوري  .. د. حسن حنفي

تاريخ النشر: السبت 12 مايو 2012

الاتحاد

"الله.. الحرية.. سوريا وبس" آخر صرخة أطلقها طفل سوري قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن نادى على أمه وأبيه فلا من مجيب. هذا الثلاثي: الله والحرية وسوريا، آخر ما تبقى له من هذا العالم، وأول ما يأخذه معه إلى العالم الآخر. أطلقها تحت التعذيب من الجيش السوري النظامي أو من الشبيحة وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه إلا بهذه الصيحة التي تعبر عن تجربته الصغيرة في الحياة. لا نفاق فيها ولا لف ولا دوران بطريقة المثقفين. يعبر عن فطرته التي تسبق الأيديولوجيات السياسية أو تتجاوزها.

لم يستنجد بالمثقفين العرب أصحاب الأقلام والالتزام السياسي، الوطنيين منهم والقوميين. لم يقل "يا عرب"، خاصة وعامة، نخبة وجماهير. ولم يستنجد بالحكومات العربية وبالأشقاء في النضال وعلى رأسهم مصر. لم يستنجد بالجامعة العربية التي تمثل الحكومات العربية وتمثل السياسات الرسمية العربية التي كثيراً ما تضحي بالشعوب في سبيل النظم. لم يستصرخ المنظمات الدولية، الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو المنظمة الدولية لحقوق الإنسان أو المنظمة الدولية لحقوق الطفل أو محكمة الجنايات الدولية للنظر في جرائم الحرب.

الله هو العادل الذي لا يظلم. هو الذي يأخذ حق الضعيف من القوي، والأعزل من المسلح، والمسالم من المحارب. هو الملاذ الأخير بعد أن يعجز المضطهد عن الدفاع عن حقوقه في الحرية والكرامة بل عن وجود ذاته. هو الذي يستصرخه جميع المضطهدين "حسبنا الله ونعم الوكيل"، و"الله عليك يا ظالم"، و"الله أكبر على كل من طغى وتكبر". وهو الذي وعد بالنصر. هو المنتقم الجبار، ذو الطول، المعز المذل، الرافع الخافض، المحيي والمميت. هو أقوى من النظم السياسية مهما أوتيت من جبروت القوة، وقساوة القلب، وعنف العدوان. وهو ما تثبته تجربة التاريخ في قصص الأنبياء، الصراع بين الحق والباطل، نوح وقومه، لوط وقومه، موسى وفرعون. وكل قصص الأنبياء يقوي الروح المعنوية للمناضلين من أجل حرية الأفراد والشعوب لأنها هي التي تنتصر في النهاية. والإيمان بالله هو الرصيد الأخير للمقاومة ولاستمرار النضال. هو الإيمان بالحق والعدل والحرية. وهو الذي يؤدي إلى التضحية عن طيب خاطر. وهو الذي وراء هتاف السوريين "الموت ولا المذلة"، "لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله".

وبداية الشهادة الأولى "لا إله" صيغة نافية، تنفي الإيمان أو التسليم بكل آلهة العصر المزيفة: المال، السلطة، الجاه، الشهرة من أجل تحرير الشعور الإنساني منها حتى يؤمن بالإله الواحد القهار وهو معنى الشهادة الثانية في صيغة الاستثناء "إلا الله".

ثم كانت الحرية أول هدف من أهداف الثورة العربية قبل العدالة الاجتماعية. فالكرامة تسبق الخبز. والضمير يأتي قبل الفم. والقلب يتقدم على المعدة.

ثم تأتي "سوريا" المبدأ الثالث في هذا الثلاثي الذي أطلقه الطفل الصغير تحت آلام التعذيب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. وسوريا هي الوطن، مكان الولادة، وذكريات الطفولة. الحنين إليه مهما طال البعد بحثاً عن الرزق. سوريا التي غنى لها في مدرسته والتي عشقها في خياله. هي الوطن الأصلي وليس الوطن البديل مهما هاجر إلى تركيا أو لبنان أو الأردن. فالحنين إلى الأوطان عاطفة طبيعية. وسوريا هي الريف والنهر والجبل والصحراء وليست النظام السياسي أو "الأسد إلى الأبد". الولاء للوطن. والحياة والممات في الوطن. والوطن لا يتغير.

في العهد القومي في الخمسينيات والستينيات ظهر ثلاثي آخر "حرية، اشتراكية، وحدة" بصرف النظر عن ترتيبه بين مصر وسوريا، سوريا تبدأ بالوحدة ومصر تبدأ بالحرية.

ويدل هذا الثلاثي الذي أطلقه الطفل السوري قبل أن يفارق الحياة على أن الوحدة الطبيعية القادمة هي وحدة تتجاوز القومية التقليدية إلى نوع من الوحدة. هي وحدة أو تكتل ثقافي تاريخي، عانى من الاستعمار، وحرر نفسه بنفسه. وهو تكتل حر وطني. يعطي الحرية للشعوب ويقوم على حب الأوطان. فلا تعارض بين التوحيد والحرية والوطنية.

ثم يأتي اللفظ الرابع "وبس" أي يكفي الإيمان والحرية والوطن كمبادئ ثلاثة مثل المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة. فقد أسهبت الأيديولوجيات في عرض برامجها. وأطالت في صياغة نظرياتها. لم تفهمها الجماهير وإن فهمتها النخبة. تتطلب درجة عالية من التعليم ومن الوعي السياسي الذي لم يكتمل عند الطفل. الإيمان والحرية والوطن تكفي. ثم توضع الأصابع في الآذان، "أفلح إن صدق". كل شيء يُؤجل إلى ما بعد، بعد التوحيد بين البشر "كلكم لآدم، وآدم من تراب" ضد الطائفية والعرقية، وتحرير الشعوب، والولاء للأوطان.

ولا يمكن القضاء على هذه المبادئ الثلاثة مهما تمت مواجهتها بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً. ومهما طالت مدة العدوان. المبدأ باق. وسلاح القمع يغلبه سلاح الجيش الحر في مقابل الجيش النظامي أو يُدمر وتغلبه الإرادة الشعبية.

وعلى هذا النحو يتحقق النجاح في بلدان الثورات العربية الخمسة. وتنتهي أسطورة المؤامرات الخارجية وكأن الشعب العربي غير قادر على أن يثور ضد الاستبداد من أجل حريته وكرامته. وهل من الضروري التلازم بين القومية والاستبداد، بين الممانعة والقهر؟ وهل وسيلة مقاومة التآمر الخارجي على وحدة الوطن هي إسالة دماء الشعوب أم التكاتف معها ضد الخطر الخارجي؟

إن صرخة الطفل السوري وهو يفارق الحياة جعلت الأطفال في سوريا والشباب في مصر وليبيا، والنساء في اليمن وغيرها وقود الثورة. وبالتالي تنتهي صورة المجتمع العربي الذكوري بفضل الثورة. وإذا كان صمتنا قد قتل الأطفال في سوريا فلعل صرخة هذا الطفل توقظ ضمائرنا، ولعل سوريا تعود محوراً للنضال العربي بدلاً من الصراع على السلطة بين الأحزاب في الأوطان التي انتصرت فيها الثورة، وتكاد تضيع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وهذه هي... "السورنة" ! .. راجح الخوري

2012-05-12

النهار

كانت الاحاطة التي قدمها كوفي انان يوم الثلثاء الماضي الى مجلس الامن عن مهمته المتعسرة في سوريا بمثابة اعلان واضح عن اليأس والمراوحة في الفشل، ثم جاء الانفجاران في دمشق صباح اول من امس انذاراً صاخباً عن حرب اهلية تسابق كل الحلول لا بل تسبقها، بما يعني ان مهمة المراقبين الدوليين لا ولن تفيد بشيء سوى توفير الذرائع لمجلس الامن وللجامعة العربية من خلال القول ان هناك مبادرة للحل تسعى لإخراج سوريا من الازمة الدموية التي تتخبط فيها منذ 13 شهراً .

عندما يقول انان ان مهمة المراقبين الدوليين هي الفرصة الوحيدة المتبقية لاحلال الاستقرار في البلاد "وانني واثق من انني لا اذيع سراً اذا قلت لكم ان هناك قلقاً عميقاً من امكان انزلاق البلاد الى حرب اهلية كاملة وان عواقب ذلك مفزعة جداً "، فإنه لا يضيف شيئاً الى الواقع المأسوي المتفجر في سوريا، والدليل على ذلك ان كلامه كان من الاشلاء التي انتشرت في ساحة التفجيرين الدمويين!

اما عندما يقول ليست هناك فرصة مفتوحة الى ما لا نهاية امام مبادرته، فإن الامر يدعو الى التساؤل عما اذا كان قد وجد فعلاً منذ شهرين تقريباً، اي فرصة تساعده على التقدم، ذلك انه يراوح في مكانه الى درجة الاجماع على ان مبادرته تحولت بدورها مثل مبادرات الجامعة العربية مجرد "فرصة اضافية للقتل" كما يقول المعارضون.

لم يعد مهماً بالطبع ما اذا كان المراقبون سيستكملون عددهم، وخصوصاً بعد إقرار انان بأن الانخفاض في النشاطات العسكرية لا يلغي حقيقة انه لا تزال هناك "انتهاكات خطيرة لوقف اعمال العنف غير المقبولة التي تمارسها الحكومة، اضافة الى الهجمات التي تتعرض لها هذه القوات والى سلسلة التفجيرات المقلقة". ويشكل تصريح احمد فوزي في هذا السياق، افضل تصوير لما آلت اليه مبادرة انان، فهو يقول بالحرف: "الحكومة السورية سحبت بعض الاسلحة الثقيلة ولم تسحب بعض الاسلحة الثقيلة، وقلّ بعض العنف ويستمر بعض العنف... هذا ليس كافياً "، لا يا سيدي هذا مؤسف ومؤلم!

لم يكتف انان بتكرار معزوفة الجميع الدائمة: "يجب ان يتوقف القتل"، بل قطع الطريق على اي اعتراف خارجي بالانتخابات التي اجراها النظام، معتبراً ان العملية السياسية يفترض ان تكون نتيجة حوار بين الحكومة والسوريين يمكن عندها ان تؤدي الى الانتخابات وهذا ما يسقط اي قبول دولي او عربي بهذه الانتخابات.

لم تعد مهمة انان الفرصة الوحيدة المتبقية لمنع انزلاق سوريا الى الحرب الاهلية كما يقول، لأنها في الواقع القناع الوحيد المتبقي للجميع اي اميركا واوروبا وروسيا والصين ومجلس الامن والجامعة العربية للايحاء بأن ثمة اهتماماً بما يجري من المآسي وبالسعي لايجاد حل ينهي الازمة، لكن الوضع يخرج عن سيطرة الجميع وأشباح الحرب الاهلية البغيضة نزلت الى الساحة بكل ما عرفته من صيغ، فبعد اللبننة والعرقنة والصوملة هذه هي... السورنة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هوية التفجيرات في سوريا .. ياسر الزعاترة

الدستور

12-5-2012

نتفهم من دون شك حرض المتحدثين باسم المجلس الوطني السوري وكثير من السوريين على ربط التفجيرات التي وقعت الخميس، وسائر التفجيرات المماثلة قبلها بالنظام الحاكم في دمشق. نتفهم ذلك، ليس فقط لأننا إزاء أناس يحرصون على صورة ثورتهم من أن توصم بالإرهاب، هي التي بدأت سلمية بالكامل، ولا تزال معظم فعالياتها كذلك، بل أيضا لأننا إزاء أناس يدركون قدرات نظامهم الأمنية الرهيبة، والتي يزيدها رعبا استنادها إلى عقلية طائفية يمكنها تبرير أي جرائم بحق الآخرين، فكيف حين تشعر بأن وجودها مهدد إلى حد كبير؟!

من تابعوا سيرة النظام الأسدي في لبنان، وعشرات الاغتيالات والتفجيرات التي نفذها وسُجلت ضد “مجهول”، فضلا عن الدموية التي رد بها على بعض الحراك المسلح مطلع الثمانينات (حماة وتدمر)، من تابعوا ذلك كله سيدركون أنهم إزاء نظام لا يرقب في المؤمنين إلاً ولا ذمة، وأن بوسعه من أجل البقاء أن يحرق البلاد على رؤوس أهلها، وحين يصل عدد الشهداء إلى 12 ألف شهيد إلى الآن من دون أن يرفَّ لرموزه جفن فإن ذلك تأكيد جديد على بطشه ودمويته.

منذ الأسابيع الأولى للثورة تحدثنا مرارا عن حرص النظام على عسكرة الثورة ووصمها بالإرهاب، ولم نجد حرجا في التأكيد على أن التفجيرات الأولى التي وقعت هي من إنتاج النظام، لكن الموقف لم يبق على حاله من دون شك.

ليس لدينا شك في أن الخبرة التي حصل عليها النظام من تعاطيه مع مجموعات السلفية الجهادية بعد احتلال العراق لا زالت تؤهله لإنتاج عمليات تفجيرية واسعة النطاق، أكان بشكل مباشر عبر أدوات وآليات يجيدها، أم عبر اختراقات يحدثها داخل المجموعات الجهادية، وهي اختراقات سيكون هدفها استدراج الذين يفكرون في الجهاد إلى أهداف تشوه صورة الثورة السورية، مع أن استهداف مقر أمني رغم إمكانية سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين لا يبدو مبررا بحال.

في البعد الأخير نعثر في وثائق “وست بوينت” التي وجدت في البيت الذي اغتيل فيه أسامة بن لادن على إدانة واضحة لهذه اللون من العمليات التي بالغت في استخدام نظرية “التترس” التقليدية، أكان في باكستان أم العراق، وفي الأخيرة رفض بن لادن استهداف طوابير المكتتبين للجيش والأجهزة الأمنية حتى لو جاز قتالهم في حال المواجهة مع العدو وعملهم ضمن صفوفه.

يؤكد ذلك أن هناك من يتقبل هذا اللون من العمليات التي تستهدف العدو رغم إمكانية سقوط قتلى من الأبرياء، لكن وجود اختراق ما من طرف النظام سيؤدي إلى استدراج البعض لتنفيذ عمليات أكثر قدرة على تشويه صورة الثورة. وعموما ليس هناك ما يخدم الاختراق أكثر من البوصلة الخاطئة للتنظيمات والمجموعات المسلحة وغير المسلحة.

لقد تحدثنا غير مرة عن السيناريو العراقي في سوريا تبعا ليأس بعض الشبان من إمكانية الانتصار على النظام بالثورة السلمية، أو من خلال الجيش الحر ضعيف التسليح في مواجهة نظام يحظى بدعم إيراني منقطع النظير، وهو يأس عكسته بعض التقارير الصحفية القادمة من الداخل عبر صحافيين أجانب، وهذا الأمر سيؤدي إلى انتشار فكر التفخيخ والتفجير، لاسيما إذا تدفق بعض الجهاديين بخبراتهم من العراق ولبنان، وربما سواهما أيضا، الأمر الذي حدث بالفعل، وإن بقدر محدود إلى الآن.

هنا ينبغي للعقلاء أن يتدخلوا، ليس من خلال إنكار وجود هذا النوع من التفكير الذي سيتحول بالضرورة إلى عمل على الأرض (بعضه تحول بالفعل)، بل من خلال دعوة الشبان إلى رفض هذا اللون من العمليات الذي يصيب المدنيين الأبرياء ويمكن أن يفض الناس من حول الثورة، لأن استهداف النظام لا يبرر إصابة الأبرياء دون حساب.

العمل الجماهيري هو الأهم، لأنه عنوان الثورة وضميرها والدليل الأكبر على رفض السوريين لاستمرار النظام، من دون أن ينفي ذلك الحاجة إلى بعض أشكال العمل العسكري الذي يحمي الثوار ويضرب بعض عناوين الإجرام في بنيته الأمنية، على ألا يؤدي ذلك إلى إصابة المدنيين الأبرياء الذين اندلعت الثورة من أجل تحريرهم من قيد الطاغية.

التاريخ : 12-05-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظرة إلى الحراك في جامعة حلب  .. براء موسى *

الجمعة, 11 مايو 2012

الحياة

لم يكن للحيطان آذان يوماً ما، لكنّ المعلومة «عشعشت في قلوبنا، كما لو رضعناها مع حليب أمّهاتنا نحن الّذين وُلِدنا وترعرعنا في هذه المدينة الّتي ذاقت المرارة على طول العقود الكارثيّة لحقبة البعث ثم الأسدين»، فكان أن تزعزعت ثقتها حتى بهويّتها السوريّة، فوق ما حملته من جريرة إرثها «العثماني»، وحسد الريف، كل الريف، السوري على ريادتها للصناعة والتجارة يوماً ما.

ولأنّ التعليم في سوريّة في شكلٍ عام تحوّل بفضل البعث ولواحقه إلى مجرّد عمليّة تحفيظٍ وتبصيمٍ، فقد انزاحت الجامعات السورية عن أي ذكرٍ لها في تصنيفٍ تقويميّ عالميٍّ للجامعات، أللهم إلّا إذا اعتبرنا أنّ رقماً ك4475 لجامعة دمشق و6730 لجامعة حلب هو ذو قيمة بين 193 دولة في العالم. هذا غيضٌ من فيضٍ في توصيف الجامعات السوريّة قد لا يكون مناسبةً لمقدمةٍ عن مشاركتها الرياديّة في الثورة السوريّة على رغم كلّ ما قد تراكم من كوارث البعث والأب والابن. ولكنّ «الحيطان وآذانها» ليست سوى إشارة لما كان قد تغلغل في الثقافة السوريّة عموماً وحلب على وجه الخصوص، حيث العلمانيّة المزعومة للنظام نجحت تماماً بفصل «الجوامع» والجامعات أيضاً على حد سواء عن دائرة السياسة «العائليّة». هكذا، غدا التظاهر كفعلٍ سياسيٍّ مباشر في حاجةٍ إلى مخاضٍ عسيرٍ في مدينةٍ آذان حيطانها مُشنّفةُ لكلّ همسات أبنائها، لتترك بذلك أثراً مهيمناً حتى على مستوى التقانة الحديثة في الاتصالات.

ولعلّ من الإنصاف بمكان أنّ أبناء الريف المحيط والقريب لحلب قد لعبوا دوراً مهمّاً في تخفيف وطأة الخوف والحذر المتراكم في بنية الوعي الحلبي شيئاً فشيئاً، وتجسّد ذلك بانطلاق التظاهرات في السكن الجامعي بدايةً بالتوازي مع غضبة شبابها لمناطقهم الثائرة، وبين هؤلاء تسلّل في البدايات الطلاب الحلبيون بانضمامهم إلى زملائهم في المدينة الجامعيّة مغادرين بذلك حرص ذويهم على سلامتهم من شرور السياسة التي لم يعرفوا منها سوى البطش القابع في ذاكرةٍ جهدوا طويلاً في إغفالها تحت الوعي الباطن وملؤها الألم والشجون.

بالعودة إلى الوراء في تاريخ جامعة الثورة سنجد لها تاريخاً حافلاً بالمشاركة في أعباء الوطن السياسيّة والثقافيّة، فحقبة الثمانينات الكارثيّة في عهد الراحل تذخر بالشهداء والمعتقلين من أبنائها المتفوقين والمميزين قبل أن تصير برعاية البعث والأسد مجرّد مفرخةٍ لأرقامٍ هائلةٍ ترفد سوق العطالة لتزيد في مآسي السوريين المتراكمة في كلّ المناحي.

على أنّه وليس ببعيدٍ كثيراً، وتحديداً سنة 2003 إبّان المسألة العراقية، شهدت جامعة حلب خروجاً عن ثباتها الطويل من خلال تسجيل موقفٍ سياسيٍ قام به نشطاء كسروا حاجز الصمت بالاحتجاج على السياسات الدولية بقواها المهيمنة، وكان أن احتارت السلطات آنذاك في التعامل مع ظاهرةٍ فاجأتهم بطبيعة الحال إذ كان ظاهرها يشبه كثيراً الخطّ الذي انتهجته الحكومة السياسيّة في موقفها من الحرب على العراق البعثي. ولكنّ احتكار السياسة في الدائرة العائليّة الضيّقة ومحيطها من المتنفذين لم يسمح بطبيعة الحال بمشاركتها في أي موقف إذ لربّما يمهد الطريق لتمدمد الظاهرة إلى خطوط حمر، «على نحو ما يحصل الآن في بعض الدول الخليجية من تعاطف أهلها مع المأساة السورية»، فكان أن أزهقت «قوى الممانعة» الحراك في مهده قاطعةً الطريق على من تُسوّل له نفسه في التدخل في ما لا يعنيه سواء كانوا من الطلاب أو غيرهم.

والحاصل حينها أن عُوقبت تلك الحركة الطالبية آنذاك بمفصولين من هبة التعليم المجانيّ، كما باعتقالاتٍ تأديبيّة للبعض، وترويعيّةٍ (لتربية الآخرين).

راهناً، وقبيل انطلاق الثورة ببضعة أيام، وزّع شبّانٌ جامعيون جريئون قصاصاتٍ ورقيّةٍ حوت عباراتٍ تذكّر فقط بكرامة الإنسان، وتعرّف فقط ببعض سيّئات قانون الطوارئ، في مدينة تحتاج ورقة نعي للموتى فيها إلى موافقةٍ أمنيّة، لكنّ الرقابة المتحفزة ألقت القبض على هؤلاء الشبّان في 14 آذار (مارس)، قبل أن يغدو اليوم التالي تاريخاً لانطلاق الثورة، في دلالةٍ واضحةٍ على احتراز السلطة الأمنية لإجهاض أي محاولة للتفكير بما حلمت به شعوب الأمة العربية بعيد إزاحة صنمين من أصنامها العتيدة في تونس ومصر، ويزداد إحكام الرقابة تشدّداً على أي «نفسٍ» قد تكون محفّزة لاشتعال الاحتجاج، وما لبثت بعد حين، أن انزاحت عيون التوقعات عن البؤرة المرشّحة لإشعال فتيل الثورة بمقاربةٍ مع بنغازي ليبيا، ولا سيّما بعد أن تصدّرت درعا قائمة المآسي، وتلتها تباعاً إدلب فحماة وبقيّة المدن والمناطق قبل أن تتوج حمص عاصمةً للثورة، كلّ ذلك الشحن والغضب الطالبيّ يزداد تحفزاً إلى أن انتقل الحراك الاحتجاجي من المساكن الجامعية إلى الحاضن الجامعي الأكبر قبيل انتهاء الفصل الدراسي الثاني للسنة الفائتة 2011 في تحضيراتٍ جهدت طويلاً لتجميع قواها في كليّة الآداب.

لعلّ من الجدير هنا التوقف عند نقطة الانطلاق للتظاهرات بدافع الإنصاف للروح التنافسيّة للطلاب، ومنها أقوال تشير إلى أن الفضل يعود لغير الطلاب الحلبيين في الحراك الجامعي، ولا يعدو ذلك بجذوره سوى إشارة لمخزون مناطقي نما في بعض الأحيان طاغياً على الشعور الوطني. ولكنه أبداً لم يعدُ روح التنافسية المرحة والدعابة بين هممٍ واعدةٍ تبحث عن وجودها وحرّيّتها وكرامتها من دون التلوّث أو الاكتراث لتقاسيم «شعبويّة» الطابع وهزيلة المعنى، وذلك لأن الأيام جرت لتوضّح أن الفضل للتكامل بين أبناء المدينة وساكنيها وطلّابها، بعد تدحرج الكرة «الاحتجاجيّة» التي كانت تكبر يوماً بعد يوم في انتصارٍ على الخوف والصمت المزمنين. أما البطولة الحقيقية التي قلّما ينصفها المتابع فهي من دون شكّ للجنس الأنثوي الذي تجاوز كلّ حدود المتوقع في بيئة موصوفة ب «المحافظة»، ولعلّ الدافع المحفز الذي تميّز به حراك جامعة الثورة كما لقِّبت هو غيرة الشبّان على زميلاتهم، وكذلك غيرة الصبايا على أبناء بلدهن، وبصرف كل النظر عن عصبوية الانتماء الضيّقة، في مثالٍ حيٍّ ومكثّفٍ عن تفجّر الوعي الكامن في السوريّين على اختلاف مشاربهم.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الخيار الروسي في مواجهة الثورة السورية .. علي العبدالله *

السبت, 12 مايو 2012

الحياة

بعد عام ونيف على انطلاق الثورة السورية، ووقوف روسيا إلى جانب النظام، واستخدامها لحق النقض (الفيتو) مرتين في غضون أشهر، ناهيك عن عمليات الدعم اللوجستي الواسعة للنظام (تسليح، وخبرات ميدانية في مواجهة الاحتجاجات بما فيها تقنيات اتصال وتعقب الاتصالات بواسطة طائرات من دون طيارين) وتقديم النصح السياسي في مجال التعاطي مع المبادرات العربية والدولية، غدا التساؤل عن هدف روسيا وخطتها لتحقيق ذلك ملحّاً وضاغطاً. فما هو هذا الهدف، وكيف تسعى موسكو لتحقيقه؟

في مواجهة الثورة الشعبية التي تريد تغيير النظام القائم في دمشق تبنت موسكو خيار بقاء هذا النظام، والدفاع عنه، وحمايته، ليس من خصومه فقط بل من تصرفاته الرعناء التي ستنعكس سلباً عليه وعلى حلفائه في الوقت نفسه، ولتحقيق هذا الهدف تبنت سياسة متعددة المستويات ركائزها:

1- تبني رواية النظام للأحداث، وإنكاره وجود معارضة سياسية، بل «جماعات إرهابية»، والعمل على تسويق مقولته عن «عصابات مسلحة» تهاجم قوى حفظ النظام ودوائر الدولة، وتصوير الثورة الشعبية كتمرد مسلح، وبطش النظام كعمل مسؤول يهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار وحماية المواطنين.

2- عرقلة صدور قرار في مجلس الأمن يدين النظام لانتهاكاته لحقوق الإنسان وقتله المواطنين العزل، واستخدامه الأسلحة الثقيلة في قصف المدن والبلدات والقرى، كي تمنع صدور قرارات لاحقة تحت الفصل السابع تجيز استخدام وسائل الإكراه بما فيها القوة العسكرية، وتمنع إحالة المسؤولين عن هذه الجرائم ضد الإنسانية إلى المحكمة الجنائية الدولية.

3- الضغط على الدول، العربية وغير العربية، لثنيها عن التعاطف مع الشعب السوري، وتخويفها من حرب أهلية، أو من تقسيم سورية، وامتداد ذلك إلى دول الجوار، ومطالبتها بوقف كل دعم مقدم أو يمكن أن يقدم للمعارضة بدعوى أن ذلك يشجع الأخيرة على التشدد ورفض الحوار مع النظام.

لقد نجحت روسيا، ومعها الصين، في شل مجلس الأمن الدولي لكنها لم تستطع منع التحركات العربية والدولية عبر جامعة الدول العربية، والجمعية العامة للأمم المتحدة، وتجمع» أصدقاء سورية» حيث بقيت قضية الشعب السوري ومطالبه في الحرية والكرامة حاضرة على جدول أعمال المجتمع الدولي. وهذا أجبر روسيا على القبول بمبادرة المبعوث الدولي العربي السيد كوفي أنان على رغم انطوائها على إدانة ضمنية للنظام، ووضعه تحت رقابة دولية، وتقليص سيادته بنشر المراقبين الدوليين، والحد من تمثيله للشعب السوري.

غير أن التغير الذي حصل في موقف روسيا، بما في ذلك الاعتراف بوجود معارضة سياسية، لم يغّير هدفها وإنما غيّر تكتيكها بتبني مقاربة مختلفة جزئياً عن موقفها السابق، ترتكز إلى عدة محاور وهي:

أ- التركيز على وقف العنف وتجاهل أسبابه، وتحميل المعارضة مسؤولية استمراره «المعارضة هي المسؤول الأول عن المعارك» (لاحظ كلمة معارك وإيحاءاتها)، كما قال الناطق باسم الخارجية الروسية، واتهام «جماعات إسلامية» بالسعي لإفشال خطة أنان، كما قال وزير خارجية روسيا، ومطالبة الدول التي تؤيد المعارضة بوقف دعمها، والضغط عليها للقبول بمبادرة السيد أنان قبولاً صريحاً، والالتزام بوقف إطلاق النار.

ب- تبرير عنف النظام ووحشيته بذريعة «حق سورية (لم يقل النظام، قال سورية، ما يعني المطابقة بين النظام والدولة) في التصدي للإرهابيين بحزم»، كما قالت الخارجية الروسية.

ج- التركيز على نشر المراقبين وعدم التشديد على تنفيذ وقف إطلاق النار أولاً، وتنفيذ بقية بنود خطة السيد أنان الأخرى: سحب الجيش، السماح بدخول الإعلام، السماح بالتظاهر السلمي، كوسيلة لشراء الوقت للنظام، عبر إشغال المراقبين في تفاصيل خرق وقف إطلاق النار والغرق في تحديد المسؤولية عن ذلك، عل النظام يستطيع القضاء على الاحتجاجات بالقتل والاعتقال وغيره من الأساليب.

د- التلاعب في تنفيذ خطة السيد أنان وعدم احترام أولوياتها والعمل على تجاوز تسلسلها بالقفز من البند الأول إلى البند الأخير بالمطالبة بالدخول في العملية السياسية قبل إنجاز البنود التي تهيئ المناخ لعملية كهذه. فقد قال نائب وزير الخارجية الروسية: «إن مسائل وقف إطلاق النار وسحب القوات مهمة بالتأكيد مبدئياً، ولكن يجب أن تترافق عملياً مع مسائل على علاقة بالعملية السياسية».

ه- اللعب على خلافات المعارضة السورية، والعمل على تكريس الشرخ داخلها على خلفية معارضة داخل ومعارضة خارج مرتبطة بأجندات عربية ودولية معادية للنظام، كي لا يتحقق شرط السيد أنان وحدة المعارضة كمقدمة لتنفيذ البند الخاص بالحوار بين النظام وكل أطياف المعارضة، أو إعطاء النظام فرصة اختيار معارضة «وطنية» و «شريفة» (معارضة وطنية وشريفة من وجهة نظر النظام تعني انها تقبل ببقائه في السلطة) تقبل بإصلاحاته وببقائه في السلطة أو تقبل المشاركة معه في حكومة «وحدة وطنية» تبقي على سيطرته وهيمنته على الدولة والمجتمع.

تريد روسيا من استخدام النظام للقوة العسكرية سحق الاحتجاجات، لكن مأزقها أن النظام غير قادر على الحسم العسكري، وغير قابل بالحل السياسي، ما يضعها في مواجهة مع العالم، وبخاصة الشعوب العربية والإسلامية، وهذا يهدد مصالحها على المدى البعيد.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد: رجال الأعمال انشقوا .. حسين شبكشي

الشرق الأوسط 10/5/2012

تسربت أنباء متواترة عن الاجتماع الذي عقد بالقصر الرئاسي بدمشق وترأسه الرئيس السوري بشار الأسد، بحضور صهره نائب وزير الدفاع، آصف شوكت، وثلة منتقاة من أهم تجار العاصمة السورية. كان الاجتماع حادا وعاصفا ومهينا للتجار، استمعوا فيه إلى تهديدات فجة وصريحة لا تقبل التفسير ولا التأويل إلا بمعنى واضح: إما دعم واضح وصريح جدا للنظام ومنع تام لتمويل وتأييد الثورة من التجار والصناع، أو المصير الأسود لهم جميعا.

تهديد بتدمير تام لدمشق بحيث لا يبقى منها أثر، تهديد بهدم كامل لدمشق وحي الحميدية التجاري التاريخي العريق وتسويته، هو وباقي أحياء أبواب دمشق المعروفة، بالأرض تماما، كما فعلوا بحي بابا عمرو العريق في حمص وأحياء أخرى بها أيضا، وكما فعلوا بحي الكيلانية الشهير بمدينة حماه خلال المجزرة الدموية البشعة التي حصلت في الثمانينات الميلادية من القرن الماضي.

النظام الأسدي بنى علاقة قوية وحساسة ودقيقة واستراتيجية وطويلة مع قطاع رجال الأعمال والصناعة، حرص على «إفادتهم» لكي يستفيد منهم.

عرف النظام تركيبة الشخصية السورية «المعجونة» و«المنغمسة» في التجارة منذ قديم الأزل وبدايات الأزمان؛ فالتجار جزء من الشخصية والهوية والتاريخ السوري بامتياز، وعليه عرف من السوري في الحل والترحال، في الموطن والمهجر، قدرته على التعامل ببراغماتية قاتلة في بعض الأحيان طالما قدرت المصلحة وتم وزن الأمور على هذا الأساس، وبالتالي استغل الأسد وابنه هذه الفكرة ولعبا عليها، وكانا دوما ما يقربان رجال الاقتصاد منهما ويحثانهم على الاستفادة من السوق المغلقة جدا، وتحقيق أرباح خيالية في ظل انعدام المنافسة الحقيقية، وتوظيف الشروط والقيود بحسب المطلوب، ولكن الثمن كان دوما مكلفا جدا، منها ما هو معروف وواضح من دعم وتمويل أسلوب حياة للكثير من المسؤولين النافذين والمؤثرين، أو دعم لمشاريع خاصة لمسؤولين لأهداف أمنية أو استخباراتية مجهولة الأسباب.

معروف أن هناك واجهات معروفة هم تجار مرموقون ومعروفون يعملون لصالح مسؤولين أيضا معروفين، وهو زواج مصالح بامتياز خال من الأعراف والقوانين والنظم؛ فالغاية تبرر كل وسيلة، ولذلك يرى النظام الآن الانشقاقات الاقتصادية من مجموعة رجال الأعمال في تزايد شديد جدا، وهي ظاهرة لا تلقى نفس التغطية الإخبارية الإعلامية كتلك التي تلقاها ظاهرة الانشقاقات الهائلة التي تحصل في القطاع العسكري لجيش النظام.

رجال الأعمال والتجار والمصنعون باتوا يدعمون الثورة ويقدمون العون المادي والمعنوي، ومنهم من هرب وخرج من البلاد وتحول لعنصر ضغط في وسائل الإعلام أو مع الحكومات المؤيدة للثورة السورية الكبيرة، ومنهم من آثر العمل بسرية من الخارج واستمر داعما مؤثرا للثورة بشتى الوسائل.

رأس المال بطبعه يبحث عن الشريك الحكومي الذي يتيح له الأمان، مع عدم إغفال أن لكل وضع فئات تجني الفائدة منه وتحقق الكثير من المكاسب الكبرى بسببه، ولكن الخطر والمهانة والمذلة والتكلفة الهائلة التي أصابت قطاع رجال الأعمال السورية، وهو الذي تعود أن «يحسبها» جيدا واكتشف أن الموضوع لم يعد مجديا، وبالتالي بات الموضوع بحاجة لإعادة نظر في الموقف بالكامل، وهو سبب وجيه وجديد «لهسترة» النظام السوري؛ لأنه بات يتلقى الضربات من كل القطاعات في الداخل والخارج - حلب ودمشق أهم قاعدتين اقتصاديتين في سوريا بعد أن انقلب على النظام من قبل القاعدة الفلاحية الزراعية في حمص وحماه ودرعا ودير الزور.

الانشقاق الاقتصادي سيكون أداة خنق جديدة في وجه النظام، وستقيد قدرته على تصريف الأمور وتدبير الاقتصاد، كما كان يحصل من قبل، وهذه هي المعضلة الأهم بالنسبة للنظام السوري الذي تختفي خياراته وتتقلص قاعدة مؤيديه بالتدريج.

حاول النظام جادا في الشهور الأولى للثورة «طمأنة» قاعدة الاقتصاديين بإعطائهم تسهيلات غير مسبوقة، وتجاوز الحكومة عن كل الغرامات والعقوبات؛ لأجل تسيير الأمور، ولكن عمال المتاجر والمصانع باتوا متضررين شخصيا من النظام؛ فهم كانوا وقودا للثورة، ومنهم من قتل وجرح واعتقل، وبات بالتالي من المستحيل على رجال الأعمال مواصلة مسيرة دعم النظام واختاروا الآن الثورة. إنه مسمار جديد في نعش نظام آن أوان دفنه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا ثوار سورية اتحدوا ... خطاب مفتوح من مواطن سوري إلى التشكيلات والكتائب الثورية جميعا .. نبيل شبيب

اللهم قد بلغت.. ولا أملك من الأمر على سادتي من قادة الثوار شيئا.. اللهم فاشهد

يا ثوار سورية اتحدوا.. فقد جمعت بينكم كلمة "ثورة" ولا ينبغي أن تفرّق صفوفكم كلمات هيئات ولجان وتنسيقيات ومجالس.. وحّدتكم الدماء فلا يجوز أن تفرّق بينكم الأسماء.. صهرتكم التضحيات فلا تدعوا الفرقة تتسرّب إليكم وتنعكس في أصوات الناطقين باسم هياكلكم المتعددة وقياداتكم الميدانية.. رعاكم الله جميعا ووفقكم إلى كل خير، ورأسُ الخير في هذه المرحلة من مسار ثورة شعب سورية هو وحدة صفوف الثوار..

يا ثوار سورية اتحدوا.. فكل يوم يمضي.. وكل روح شهيد ترتفع إلى بارئها.. وكل دعوة تشقّ عنان السماء.. وكلّ أنّة جريح وصرخة مكلوم ودمعة ثكلى، في رقابكم أنتم قبل سواكم، وتهيب بكم أنتم أن تجمعوا صفوفكم قبل سواكم، وتفرض عليكم أنتم أن تكونوا يدا واحدة في خدمة هذه الثورة.. مهما فعل سواكم..

يا ثوار سورية اتحدوا.. فهذه الثورة ثورة الشعب، هو الشعب الأبيّ الثائر، هو الذي يدفع ثمن حريته من دمائه الغالية وآلامه اليومية وعبر بطولاته المذهلة، وإنّ كلّ من يتصدّى لموقع من مواقع قيادة الثورة –وليس من يتصدّون لمواقع سياسية فحسب- يحمل المسؤولية عن أن يخضع هو لإرادة الشعب وثورته، وهيهات هيهات أن يعبّر عن إرادة هذا الشعب فريق دون فريق، وقيادة دون قيادة، وفصيل دون فصيل، فالقيادة في الثورة الشعبية للشعب وإرادة الشعب، وكل ما سوى ذلك لا يكتسب مشروعية الثورة والتعبير عن الثورة إلا من خلال ارتباطه بالشعب وإرادة الشعب..

يا ثوار سورية اتحدوا.. واعلموا أنّه لن يعبّر منكم أي فريق عن إرادة الشعب كله، ولكنّكم مع بعضكم بعضا تمثلون إرادة الشعب المتحرّرة عبر الثورة، وشعبُ سورية شعب واحد، لا يحتمل الفرقة بين الثوار وإن أصبح لا يعبأ بالفرقة بين كثير من السياسيين بغض النظر عن النوايا.. وحذار حذار أن تصل الأمور إلى مستوى ألاّ يعبأ بالقيادات الثورية أيضا.. مهما بلغ إخلاصها أفرادا وفصائل..

يا ثوار سورية اتحدوا.. فقد وصل مسار الثورة إلى منعطف خطير واجتمعت الأمم على هذه "القصعة"، ولا يردّ كيد الكائدين ومكر الماكرين ومطامع المتربّصين، إلا من حمل على عاتقه أن يردّ عن هذا الشعب إجرام المجرمين المستبدين الهمجيين، وأنتم في مقدمة الصفوف، فلا يكوننّ في فرقة صفوفكم وتعدّد مسميّاتكم ما يفتح الثغرات أمام تنفيذ ما يُحبك من مخططات لاختطاف ثورة الشعب البطولية التاريخية من بين أيديكم..

يا ثوار سورية اتحدوا.. فالخطر كبير كبير، والمسؤولية جسيمة عظيمة، ولا يتحقق انتصار على عدوّ فاجر ما لم يسبقه الانتصار في الأعماق على كلّ ما يمنع من وحدة صفوف الأحرار المخلصين، والثوار الميدانيين، والقادة الصادقين، فالشعب كسر حاجز الخوف إلى الأبد بإذن الله.. ولا يجوز أن تقام في وجه مدّه الثوري حواجز الفرقة بين تشكيلات الثوار، مهما بلغ شأن كل منها على حدة، ومهما توهّمت جميعا أن الاختلافات فيما بينها أكبر من القواسم المشتركة التي صنعتها الثورة.. وقد صنعتها لها جميعا وليس لفريق منها دون فريق..

يا ثوار سورية اتحدوا.. واعلموا أن وحدة الثورة شعبيا قد تحققت عبر حناجر أهل سورية وهم ينتصرون لبعضهم بعضاً في مدينة بعد مدينة وبلدة بعد بلدة وحيّ بعد حيّ وشهيد يحمله شهيد، ولا يحتاج أهل سورية الأبطال الثائرون في ذلك إلى تخطيط وتوجيه، ولا إلى هياكل تنظيمية وأنظمة إدارية، إنّما تحتاج تطلعاتهم إلى الكرامة والحرية والعدالة، أن يتناصر ويتعاون ويتكامل من يتكلّمون باسمهم، وأن يدرك هؤلاء أنّه لا فرق بين هيئة ومجلس إلا عند من يفرّق بين الدماء في حماة ودرعا ودير الزور ودمشق وحلب وحمص، ولا فرق بين لجان وكتائب بعد أن تلاشت الفروق بين المعتقلين والمعذبين من اللاذقية والقامشلي وإدلب ودوما، ولا يمكن القبول بتعزيز الفروق والحواجز والاختلاف والانقطاع ما بين تنسيقية وتنسيقية وقيادة وقيادة وناطق وناطق، إلاّ إذا أصبحنا نميّز بين شهيد وشهيد وثكلى وثكلى ومعتقل ومعتقل وجريح وجريح وشريد وشريد..

يا ثوار سورية اتحدوا.. فلغة الحلول الوسطية -المحرّمة بمنطق الثورة ومعيار المصلحة العليا على السياسيين- هي فرض من فروض الثورة والمصلحة العليا ما بين الثوار لمضاعفة الجهود على طريق الهدف الواحد المشترك بينهم..

يا ثوار سورية اتحدوا.. واعلموا أنّ الوحدة المطلوبة في قيادة الثورة لا تتحقق عبر إقامة هيكل تنظيمي، ومساومة على المحاصصة في تشكيلة جديدة وأصوات من تضمّهم تحت مظلتها، ولا تعني ذوبان فريق وبروز فريق، ولا تحويل الخلافات من العلن إلى لقاءات تنعقد وراء أبواب مغلقة وتنفض دون حصيلة مرئية على أرض الواقع..

الشعب البطولي الثائر يفتقد وحدة السياسيين على نهج مشترك، وقواسم مشتركة، وتنسيق مشترك، والتزام مشترك، وفعاليات مشتركة، ومواقف مشتركة، وبيانات مشتركة، وسياسات مشتركة، وخطوات مشتركة وإعداد مشترك لمستقبل سورية.. فلا تجعلوه يفتقد وحدتكم أنتم أيضا، ويفتقد قدرتكم أنتم على تعويض ذلك كلّه، وهو كثير جليل، ولا يمكن تحقيقه إلى بتلاقيكم مجتمعين، وتحديد القواسم المشتركة بينكم معا وهي كثيرة، وعدم السماح لمواطن الخلاف أن تكون عقبة دون التنسيق والتعاون ناهيك أن تكون سبب تعرّض بعضكم لبعض بقذائف الكلام وشعبكم الثائر يتعرّض للقذائف القاتلة.

يا ثوّار سورية اتحدوا.. واعلموا أنّكم لا ترتفعون إلى مستوى هذه الثورة البطولية التاريخية أبدا، ولا إلى مستوى شعبها وإرادته وعطائه إطلاقا، دون أن تتحدوا كما ينبغي عاجلا غير آجل.

يا ثوار سورية اتحدوا.. واعلموا أن الخطوة الأولى هي الخطوة الأصعب لأنها الحاسمة في صياغة ما يأتي من بعدها، وصناعة "المعجزات" المترتبة عليها، ولكن لا يجوز أن تكون الخطوة الأولى أصعب عليكم في شؤون تنظيمية وتمثيلية وإدارية وحوارية وتنسيقية، من الخطوة الأولى لكلّ ثائر -وكلّ ثائرة- من الثوار خرج من بيته.. وهو يعلم أنّه قد يلقى وجه ربّه قبل أن يعود إلى بيته..

واعلموا أنّكم جميعا ستلقون وجه ربّكم أيضا.

اللهم قد بلغت.. ولا أملك من الأمر على سادتي من قادة الثوار شيئا إلا أن أدعو مخلصا وأضع نفسي تحت تصرفهم صادقا.. اللهم فاشهد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإنتخابات السورية..مناورة سياسية من أجل الإستمرار! .. محمد الياسين

Moh.alyassin@yahoo.ca

انطلقت في سوريا، الاثنين 7 /5/2012 ، أول انتخابات برلمانية بعد صدور قانون سمح بتشكيل الأحزاب السياسية، ضمن إصلاحات سياسية أقرها نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، في محاولة لتهدئة انتفاضة شعبية متواصلة منذ مطلع العام الماضي." انتهى إقتباس الخبر".

يبدوا أن أنصار الأسد من منتفعين وإنتهازيين لم يستفيقوا إلى الأن من " صدمة " الأحداث ، وأنه لم يعد يتمتع بشرعية الدستور السوري الذي يؤهله في الإستمرار حاكما لسوريا ، لم تفلح المبادرات العربية و الاممية على حد سواء في حل الازمة وتهدئة الاوضاع الملتهبة على كافة الصعد والميادين وإيقاف نزيف الدم المراق على أرض سوريا ، بسبب عدم إلتزام النظام السوري بوعوده التي قطعها بوقف أعمال العنف التي مارسها ولا يزال إتجاه شعبه ، فقد تحولت مدن سوريا خلال عام لساحات حرب مفتوحة إفترشت طرقاتها جثث واشلاء الضحايا .

حديث وزير الأعلام السوري عدنان محمود مضحك لدرجة تدعوا للسخرية حينما قال : الانتخابات تجري على أساس التعددية السياسية والحزبية وبناء على قانون الانتخابات الجديد الذي أناط الإشراف على الانتخابات بالقضاء المستقل عبر الهيئة العليا للانتخابات "!. لم يخجل الوزير السوري حينما أستشهد بالقضاء واصفا إياه " بالمستقل" فلم يتساءل عن حكم القضاء " العادل" والتوصيف القانوني للجرائم التي أرتكبها نظامه الحاكم على مدى أكثر من عام ضد الشعب السوري ! .

تأتي أكذوبة الانتخابات السورية في ظل إستمرار أعمال عنف وبطش لا تزال السلطة تمارسها إتجاه شعب سوريا ، ونزوح الالاف خارج البلاد هرباً من جحيم الاحداث الامنية والموت الذي عصف بالمدن والقرى فحولها لخرائب ومقابر جماعية تفوح منها روائح الموت والدمار ، بحصد الالاف بين شهيداً وجريح ، ناهيك عن المعتقلين الذين تعج بهم سجون نظام " الممانعة "! ، الذي لم يُعرف عنه الممانعة سوى بالاعلام ، فالجولان المحتل من قبل إسرائيل يعد أهدأ منطقة عربية مُحتلة! .لا تتعدى مسرحية الانتخابات في سوريا كونها مناورة سياسية أخرى يحاول الاسد من خلالها كسب مزيداً من الوقت لقمعه الثوار والاستمرار حاكماً على سوريا بشتى الطرق الملتوية والاساليب القذرة .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يختار الأوهام .. د. ضرغام الدباغ

تنزلق التطورات في ميدان المواجهة بين الشعب والنظام إلى مستويات لا يمكن التحكم فيها. فالنظام الذي يصم أذنيه عن سماع أي بدائل سوى لغة الرصاص التي لم يعد يملك غيها، بل هو فقد تدريجياً المرونة التي كان يتمتع بها، بفعل خسارته البطيئة ولكن المتواصلة، لعناصر داخل السجال وعلى محيطه وأطرافه، فقد بنتيجة سياساته القصيرة النظر المشيدة على أسس خاطئة، خسر قوى داخلية مهمة، ثم خسر قوى عربية كانت مساندة لحكم الرئيس الأسد الوالد، ثم بدأ يخسر ثقة قوى دولية كانت تلتزم الصمت عن سياسته في لبنان وغيرها، وبدا لها (لتلك القوى)نظاماً قد رهن وجوده بتحالفات خارجية فقد من جرائها استقلال قراره السياسي.

في سياق القرارات الخاطئة المتكررة، تتمثل واحدة منها في قراره المدهش بإجراء الانتخابات النيابية، وسط دهشة القوى المتدخلة في الشأن السوري أو المراقبة التي كانت تتجنب الخوض في الملف السوري، فالنظام بفضل رؤيته الأحادية الجانب(One Side Vision) (أنا أو الطوفان) خلق ملفاً سورياً دولياً سيكون له استحقاقاته الكثيرة وسوف لن يغلق بسهولة، وسوف يتأكد النظام نتائج انغماسه في الخطأ دون وقفة تراجع بحق أنفسهم كأفراد، وبحق الوطن السوري، ثم بحق مستويات عديدة في سورية التي سوف لن يعيد اللحمة إليها إلا نظاماً ديمقراطياً على قاعدة صندوق الانتخابات. ومن ذلك نسوق مثال واحد فقط: هو مصير حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أسيئ لتاريخه وأفكاره الوطنية والقومية والاجتماعية الاشتراكية ونضاله الوطني التحرري.

النظام يعتقد واهماً، أو يوهم نفسه، وليس سعيداً من يوهم نفسه، بأن الانتخابات كما الدستور المهلهل يمكن أن يعيد ما تمزق من ثقة ومصداقية، ويعيده كما كان يجري في تلك السنوات العجاف، من تمثيليات مضحكة مبكية، في ختامها تصدر وزارة الداخلية بياناً بأسماء السادة الذين تقررت أسمائهم في دوائر الأمن والمخابرات، فتشيع أفراح الزفة والتصفيق والتهليل وكل ما لا علاقة له باحترام الشعب وإرادته.

اليوم تصف وكالة الأنباء الألمانية وهي من الجهات التي تتحفظ كثيراً في إطلاق الاوصاف تكتب: الأنتخابات الوهمية وطريق السلام القاتل التي لا يعول عليها حتى المتفائلون في الآمال، فالنظام يعمل وكأن لا وجود للمراقبين لذلك فلا يتأمل أحد وقف العنف حتى لو بلغ عدد المراقبين ال300 مراقب. ومثل هذه القناعات ترغم الثورة السورية الاعتماد على نفسها في حماية نفسها في ظل تفوق القوات الحكومية والنظام يأبى تطبيق البند الأول في المبادرة الدولية بأنسحاب القوات العسكرية لثكناتها، لأنه ببساطة لا يقدر على التوقف عن قتل الشعب، وهذا موقف يغري بالمقابل الثورة بالتسلح، ويرى خبير في جامعة ألمانية: أن النظام يتفوق عليها من ناحية العدة والعتاد، ولكن بجانب خطر الانزلاق إلى معارك داخل المدن، وهذا النوع من المعارك لا يمكن لأفضل جيش في العالم أن يكسبها .

المتغيرات الدولية بدورها محدقة بالوضع السوري، ويخطأ النظام في رهن نفسه وقراره السياسي في مزيد من زج لأوراق الأزمة فبأيدي من يعتقد أنهم حلفاؤه، فكل موقف قابل للشراء هو قابل للبيع أيضاً وهذه حقيقة معروفة في العلاقات الدولية المعاصرة، والتغيرات المهمة التي شهدتها فرنسا والأقل أهمية في روسيا لا ينبغي التعويل عليها بالنسبة لجميع الأطراف، فهناك مصالح سياسية عليا، وبالتالي فإن حليفاً يعادي شعبه لدرجة القتل اليومي ويستخدم القوات المسلحة لمنع التحول صوب الديمقراطية لا يمكن الدفاع عنه، نعم يمكن السكوت عن خروقاته، ولكن لأمد محدد، ثم يبدأ كل شيئ بالأنهيار. القوى الدولية إلى جانب مصالحها، ومواقفها البراغماتية، فهناك الرأي العام الي يعول بدرجة هامة على موقفه وبالتالي صوته في الانتخابات الديمقراطية، بعبارة أخرى كالقائل: يمكنني أن أساعدك ولكن ليس إلى الأبد.

الغرب يقدر ويثمن موقف النظام السوري العملي والفعلي حيال لإسرائيل، ولكنهم يفضلون التعامل مع نظام مقبول من الشعب، يصلون معه إلى اتفاقات معلنة لا سرية، وأمامنا تجربة النظام المصري السابق الذي كانت سياسته حيال إسرائيل مقبولة،

وبالفشل المتوقع والمرتقب من الجميع دون استثناء لمهمة المبعوث الدولي عنان، وأخيراً النعي الرسمي من النظام السوري (1/ أيار) بكيل الاتهامات للمنظمة الدولية، ستدخل سورية نفقاً جديداً لا يمكن التنبؤ بمفرداته وبالتالي عما ستسفر عنه من نتائج نهائية. ولكن في كافة الظروف فإن أي قراءة لمسار الأحداث تنبأ بأن النظام سيتهاوى لا محالة وسيسقط في نهاية المطاف مهما بالغ في إظهار القسوة والعنف، ولكن بالطبع مع تصاعد في تكاليف الفاتورة في الأرواح والمعدات وفي الاقتصاد الوطني بصفة عامة.

كل من يهتم بالشأن السوري (المعارضون والحلفاء والمراقبون) يدركون دون أدنى شك، أن مصداقية النظام هزيلة للغاية تقارب الصفر، وأن انه بعيد كل البعد عن الصدق ويمارس الغش على أوسع نطاق ويتلاعب بالألفاظ والكلمات والمواقف، ومن أجل أن يواصل بقاؤه في الحكم، فعدا أنه يشن حرباً ضروس كأي جيش احتلال ضد الشعب، فهو يضع البلاد دون تردد على شفير مهاوي خطيرة دون أدنى شعور بالمسؤولية، وهذا يعكس في الوقت ذاته عن طبيعة نظام تحمله الشعب السوري الصابر طيلة عقود طويلة، فالنظام يرهن مستقبل الوطن السوري، بل وحتى سيادته واستقلاله وكل مكتسباته من أجل أن يتواصل حكمه، تارة يزعم أنها قومية وتارة يصفها بالممانعة، وكل هذا لم يكن سوى تمويه، والحقيقة أن النظام ليس سوى كياناً ذو طبيعة طغيانية مافيوية يرهن الوطن السوري بعلاقات سرية ومشبوهة، سواء كانت مع قوى محلية كانت أو دولية.

فهم النظام للتطور التاريخي يتقدم ولكن ببطء السلحفاة، ففي آخر المؤشرات أن النظام تخلى عن نظرية: الأزمة صارت ورائنا، ولكن بعد أن تمسك بها لأكثر من عام ولكنه ما زال يتشبث بنظرية المؤامرة رغم أنها معيبة بحقه، فهل يعقل أن تتسلل قوى أجنبية إلى قلعة مخابراتية / أمنية حصينة أنفقوا عليها الأموال الطائلة، واكتسبوا تجارب وخبرات يشهد لها الأصدقاء والأعداء، ومدرسة في غسل الادمغة والتوجيه الإعلامي والتعليمي والمدرسي، ثم أين ذهبت مدرسة الحزب القائد والرئيس الضرورة وقائد المسيرة، فالنظام في سورية أسس بلا منازع مدرسة عريقة في الفتشية (Fetishism) وعبادة الأفراد كيف نصدق اليوم أنه سيتحول من عبادة الفرد إلى الديمقراطية في ليلة وضحاها سيما وأن هذا التحول لم يأت عن قناعته بحتمية التطور التاريخي، بل تحت ضغط ثورة شعبية كاسحة حاول النظام إبادتها بكل فنون القمع.

النظام يفلسف القمع بلا ذكاء، عندما يزعم أن عدد المتآمرين هم اثنان وخمسون ألف رجل تحديداً، قتل منهم اثنا عشر ألف، وهجر منهم ستون ألف، وأعتقل منهم ما يقارب هذا الرقم، خلال ثلاثة عشر شهر من الثورة، فهذا يعني أنه سيحتاج لثلاثة سنوات أخرى ليقضي على الثورة، والاسترسال بتحليل أطروحات النظام يحيل الأمر إلى مسخرة ومهزلة.

النظام بوصفه لمعارضيه بالمتآمرين، مؤشر أخر إلى أن النظام يفهم الأمر هكذا: إنها معركة حياة أو موت، أنا في كفة والشعب كله في كفة أخرى، فكيف إذن سيقبل في مرحلة ما أن يجلس إلى هؤلاء المتآمرين من أجل بحث الأمور كما نصت عليها المبادرة الدولية / العربية بإدارة كوفي عنان، فالنظام لا يفهم الأمور إلا بصورة قاتل أو مقتول، هكذا تصرف طيله عهده، وهو كذلك الآن، وهكذا يريد الاستمرار كنهج في المستقبل الدموي الذي يريد مواصلة حكمه.

بتقديري أن النظام يرهن حاضر ومستقبل سوريا، ويضحي بتاريخها ومكتسباتها أيضاً، نظام صار ورقة في مهب المؤامرات الدولية على سورية، فلا أحد في عالم اليوم يقدم دعمه مجاناً. وفي الوقت الذي تثبت الثورة كل يوم أنها سورية خالصة بلحمتها وسداها بالخط العام والتفاصيل، يستجدي النظام علناً دعم الصهاينة والغرب بأنه ضروري لمعادلات السلم في الشرق الأوسط، وكل أعداء الأمة بادعائه أنها سلفية وأخوان وقاعدة ويلقي بالتهم شمالاً ويميناً يناقض نفسه بنفسه، والأطراف الدولية والمحلية اليوم تحسب تكاليف الربح والخسارة: ماذا إذا سقط النظام، ماذا إذا أستمر، وماذا لو أجرينا إصلاح جزئي، كل القوى تريد تحقيق مصالحها بصرف النظر عن التكاليف .

حسابات الشعب السوري بكافة أطيافه وشرائحه ومكوناته هي الأكثر دقة، والرابح الأكبر على المدى البعيد، في زحفه الدامي نحو نظام يقيمه بنفسه، هي من المعارك الحاسمة في تاريخ سورية الحديث والقديم، فاليوم صار تأسيس نظام جديد ضرورة تاريخية أكثر مما كان عليه يوم اندلعت الثورة.

* المقال جزء من مقابلة مع أحدى القنوات التلفازية العربية بتاريخ 7/ أيار / 2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمة اللا مهمة ومراوغة النظام  .. عكاظ

11-5-2012

ما زال النظام السوري يراوغ ويماطل المجتمع الدولي غير عابئ بأية عواقب محتملة، كان الحديث عن تدويل الأزمة السورية مثار قلق لنظام دمشق، ولكنه الآن لا يشكل هاجسا لأحد هناك على ما يبدو.

في الزيارة الأولى للمبعوث الدولي والعربي كوفي عنان لدمشق، كانت خطته تقضي بوقف كافة أعمال العنف تحت إشراف الأمم المتحدة، وقيام السلطات السورية بسحب القوات من المدن، بالإضافة إلى السماح بنقل المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة والإفراج عن جميع الذين تم اعتقالهم بصورة غير شرعية.

وقبل تلك الزيارة رحبت آليات القتل السورية بعنان على طريقتها الخاصة، بإراقة المزيد من الدماء في رسالة واضحة للمجتمع الدولي، بأن القتل لن يتوقف والنظام السوري ماض في تحقيق أجندته ولو كلفها ذلك إراقة دم آخر سوري من غير أتباع النظام ومؤيديه.

وبالرغم إشارة عنان إلى أن النظام في دمشق سيحترم خطته وسيوقف القتل وسيحترم وقف إطلاق النار، إلا أن رصاصة واحدة لم تستكن في بندقية جيش النظام من يومها وحتى الآن.

ما الذي يحدث في سوريا؟، وما الذي يمكن أن تحققه للسوريين زيارة ثانية لكوفي عنان أو غيره؟، هل ما تزال الخيارات الدبلوماسية قائمة؟.

وما الذي يمكن أن تحمله زيارة المبعوث الأممي لدمشق من جديد غير استمرار النظام السوري في التصعيد وفي القتل وهدم البيوت على رؤوس أصحابها، وغير المزيد من التجاهل والاستخفاف والمماطلة والمراوغة للمراقبين الدوليين، ورفع وتيرة إراقة الدماء قبل وصولهم إلى دمشق وأثناء تجولهم في حمص وحماة وإدلب وبابا عمرو وريف دمشق وغيرها من المدن السورية؟.

هي مهمة اللا مهمة إذن، ولا جدوى من زيارة دبلوماسية تمارس اللباقة واللياقة من طرف واحد، يعلم هذا الطرف جيدا أن نظام دمشق يراوغه ويماطله ليكسب المزيد من الوقت لتنفيذ مشروعه في إذلال وإهانة كرامة السوريين وإزهاق أرواح الشرفاء الباحثين عن الحرية، والأهم إشعار المجتمع الدولي بأن النظام السوري غير قابل للردع راقبوا أو لا تراقبوا، عاقبوا تحت البند السابع أو لا تعاقبوا، نظام دمشق يستخف بالعالم تدعمه قوى إقليمية وتشجعه على الاستمرار في طيش سياسي لا يقود عادة إلا إلى حتف رموزه، ولا بد من أن يغير المجتمع الدولي آلية تفكيره تجاه دمشق، ولا بد أن يرتفع مستوى التدخل لما هو أبعد وأكبر من المراقبين الدوليين وكوفي عنان، طالما أن خطته لم توقف إراقة قطرة دم واحدة حتى الآن، وأريق على أوراقها الكثير من الدم السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*

الأولوية لوقف القتل .. الراية القطرية

التاريخ: 11 مايو 2012

التفجيران الإرهابيان اللذان وقعا في دمشق وأوقعا عشرات القتلى والجرحى يكشفان عن حجم المأزق الذي باتت تعيشه سوريا بسبب تواصل العنف واستمرار انتهاك وقف إطلاق النار وعدم احترام تطبيق مبادرة كوفي عنان التي وفرت مخرجا حقيقيا للأزمة في سوريا.

لا أحد يمكن أن يؤيد القتل والعنف الذي يضرب المدنيين في المدن والبلدات السورية التي يتواصل فيها نزيف الدم بسبب إصرار النظام على الخيار العسكري في مواجهة الثورة السورية المطالبة بالحرية والديمقراطية والتغيير.

لقد أدانت دولة قطر التفجيرين اللذين وقعا في العاصمة السورية دمشق وأوقعا عشرات القتلى والجرحى ودعت على لسان مصدر مسؤول بوزارة الخارجية جميع الأطراف في سوريا إلى الالتزام بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2042 من أجل وقف نزيف الدم في سوريا مجددة الموقف الرافض للإرهاب بكل أشكاله وصوره.

إن الأعمال الإرهابية التي شهدتها دمشق تستهدف كما هو واضح إفشال جهود المجتمع الدولي الساعية لوقف العنف والقتل في المدن والبلدات السورية وتستهدف أيضا إفشال مبادرة المبعوث الدولي ومبعوث الجامعة العربية خاصة أن تفجيري دمشق يأتيان بعد يوم واحد من التفجير الذي استهدف قافلة للمراقبين الدوليين بالقرب من مدينة درعا.

توجيه الاتهامات حول الجهة أو الجهات المتورطة في تدبير وتنفيذ التفجيرين الإرهابيين لا يكفي لوضع حد لمثل هذه الأعمال الإرهابية وهي ليست الأولى من نوعها وتتكرر كلما ظهرت بارقة أمل في إمكانية وقف نزيف الدم السوري المتواصل كما أن ضخامة الانفجارين وكمية المتفجرات المستخدمة فيهما يلقيان بظلال من الشك حول الجهة أو الجهات التي لها مصلحة في مثل هذه المأساة والجريمة التي لا يقبلها عقل أو يرضاها ضمير إنساني.

إن الأولوية في سوريا يجب أن تكون لوقف القتل والعنف مهما كان مصدره وطريقته، وتفجيرا دمشق الإرهابيان يجب أن يدفعا بمجلس الأمن الدولي إلى السعي لتشكيل فريق من الخبراء الدوليين للتحقيق في ملابسات وحقيقة التفجيرين والكشف عن مدبريهما والمتورطين فيهما وطبيعة المتفجرات المستخدمة لأن ذلك من شأنه أن يساهم في جهود حماية المدنيين السوريين التي هي إحدى المهام الأساسية في مهمة المراقبين الدوليين.

إن تطبيق القرار 2042 الذي ينص على التنفيذ العاجل والشامل والفوري لمبادرة كوفي عنان بهدف الإنهاء الفوري لكل أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان وتأمين وصول المساعدات الإنسانية وتيسير عملية انتقال سياسي بقيادة سورية تفضي إلى إقامة نظام سياسي تعددي ديمقراطي هو الضمانة الحقيقية والمتاحة الآن لإنقاذ سوريا والشعب السوري من حمام الدم المتواصل منذ أكثر من عام.

-*-*-*-*-*-*-*-*

"مسرح لرقصة الموت"؟ .. الياس الديري

2012-05-11

النهار

تيري رود – لارسن ليس غريباً عن المنطقة العربية، وشؤونها كما شجونها. ولا يستغرب بعض كبار المسؤولين في المنطقة أن يصدر عن هذا الخبير في الخفايا قبل الظاهر من الأحداث كلام كالذي أدلى به قبل ساعات من الانفجارين المدمِّرين قرب دمشق.

بل توقّف كثيرون عند قول لارسن إن لديه من المعلومات والتحاليل ما يجعله يعتقد ان الشرق الأوسط سيتحوّل "مسرحاً لرقصة الموت"، إن لم يكن مجلس الأمن مستعداً للتحرّك بسرعة قصوى في اتجاه التطورات السوريّة.

أما الهاجس الكبير الذي يقلقه فيستند الى عمليات تدفّق الأسلحة.. وفي غياب شبه تام لأية رقابة، عَبْر الحدود السورية والدول المحيطة بها.

وكخطوة أولى حثّ لارسن جميع الدول المعنية على تكثيف الرقابة، وطالب الشرعيّة الدولية بتغيير أسلوبها في التعامل مع ما سمّاه "الجحيم السوري" الذي قد لا تبقى نيرانه محصورة ضمن الحدود السوريّة، وخصوصاً بالنسبة الى لبنان الذي لا تحتاج تناقضاته البالغة الحساسية الى أية اضاءات أو ايضاحات.

إذاً، ليست سوريا وحدها في الدقّ. وليس لبنان وحده المهدد بانتقال "العدوى" الى أراضيه. بل المنطقة والدول المحيطة بسوريا، كما الدول الحليفة والمؤيّدة وان تكن بعيدة جغرافياً عن حدود النار، والانفجارات، والمواجهات.

ف"رقصة الموت" إذا بدأت على المسرح السوري، فلا تستطيع المنطقة أن تسدّ أذنيها وتضع نظارتين غامقتي السواد على عينيها. "لم رأينا لم سمعنا لم حكينا"، وليس في هذه الرقصة ما يعنينا أو يخصّنا.

وفي رؤية تيري رود – لارسن، أن الوضع المتأجج والمزنّر بالسلاح والحرائق والقتلى والمواجهات قد أفسح في المجال للسيارات المفخخة والتفجيرات التي تحصد العشرات من الضحايا وتدمّر العشرات من المنازل والمتاجر والمؤسسات.

باختصار، لم يعد الوضع يحتمل التأجيل.

إنما ماذا يقترح لارسن أو سواه على مجلس الأمن من اجراءات وتدابير، حين يعلن كوفي أنان أن مبادرته اقتربت من الفشل، فيما "مسرح رقصة الموت" يقترب من الحرب الأهليّة؟

الى أن تتوافر عناصر اجراءات دولية، جديدة وجدية، يترتّب على الحكومة اللبنانيّة، شبه المشلولة وشبه المعطلة وشبه الغائبة عن الوعي، المسارعة الى تحصين البيت اللبناني انطلاقاً من الحدود المتداخلة في أكثر من موقع ومنطقة. والفالتة عملانياً وسياسياً وواقعياً من أية رقابة في أكثر من منطقة ومحافظة.

وقبل أن يبدأ قرع طبول رقصة الموت.

-*-*-*-*-*-*-*-*

أضحوكة لا تُضحك أهلها: 'مجلس شعب' النظام السوري .. صبحي حديدي

2012-05-10

القدس العربي

لأن النظام السوري لم يعد يخجل من اتخاذ أي إجراء، زائف أو مضحك أو فاضح وفضاح، ربما لأن طراز الاستبداد الوحشي الذي يواصل اعتماده ضد الشعب السوري لم يعد قابلاً لإنتاج أي صنف من الحياء؛ فإن ما أسمته السلطة 'انتخابات مجلس الشعب' كان أحدث جولات استغفال الذات ذات النظام، وذوات حفنة من رجالاته، وليس غالبيتهم العظمى والحقّ يُقال ولكنه كان بين أشدّ تلك الجولات إثارة لضحك المواطنين، علانية أو في العبّ، بدل الضحك على لحاهم، كما استهدف بشار الأسد والعباقرة من مستشاريه.

كان طريفاً، في المقابل، أن تكشف قوائم بعض المحافظات مقدار تفكك خطط النظام وتخطيطاته الأمنية، ليس بصدد الحراك الشعبي والنشطاء والمتظاهرين والمعارضين، بل في القدرة على حشد الموالين والانتهازيين والمطبلين ضمن نسق، أو أنساق، متجانسة في صفة الخداع والدجل. شذّ بعض هؤلاء عن الترتيبات المسبقة التي أعدّتها الأجهزة لبعض القوائم، أو اتخذت قوائم أخرى مسارات 'انشقاقية'، إذا جاز هذا الوصف هنا، أثارت البلبلة أو الحيرة أو التيه لدى الخاسرين: إخفاقات مرشحي قدري جميل (ولكن ليس الرجل نفسه!)، واختراقات مرشحي رجل الأعمال وشريك النظام محمد حمشو، وحصيلة مرشحي 'الأحزاب' الجديدة التي رأت النور بموجب ما يُسمّى 'قانون الأحزاب'، هي أمثلة معبّرة في هذا المضمار.

وحين ألقى الأسد خطابه الأوّل، أواخر آذار (مارس) 2011، أي بعد أيام قليلة أعقبت انطلاقة الانتفاضة، توفّرت شرائح شعبية سورية، وكذلك لدى قطاعات واسعة في الرأي العام العربي والدولي،

علّقت الآمال على ما سيقوله؛ قبل أن يخيّب الأسد الآمال، واحدة تلو الأخرى، تباعاً، دون خجل أو حدّ أدنى في اللباقة، بكثير من الاستغفال، والتضليل، والضلال. لا مفردة، واحدة، أوحت أنّ الأسد استمع إلى رسالة الشعب، أو ينوي الاستماع إليها في أجل قريب؛ ولا كلمة عزاء، واحدة، لأهالي الشهداء الذين سقطوا، وكانوا يسقطون حتى أثناء إلقاء الخطاب. والذين كانوا قد تفاءلوا بعهده، منذ أن تمّ توريثه في حزيران (يونيو) 2000، بعد ساعات من وفاة أبيه، وراهنوا على شبابه وانفتاحه ومزاجه المعلوماتي وسنوات إقامته في بريطانيا... خاب فألهم أكثر ممّا خاب طيلة 11 سنة من عهده.

ولم يكن محزناً أن لا يمحض المرء المراهنين أولئك فضيلة اكتشاف لا يبدو متأخراً، فحسب؛ بل كانت الحال تلك تقتضي أن يشرع أهل الرهان في تقديم نقد ذاتي شجاع، وانخراط في معسكر التفاؤل الآخر، الصحيح والمشروع والتاريخي: صفّ الشعب، حيث كانت الانتفاضة تتعاظم، وطرائقها النضالية ترتقي، وقاعدتها الجماهيرية تتسع وتتنوّع. ذلك لأنّ خطاب الأسد، أمام ما يسمّيه النظام 'مجلس الشعب'، الذي يستعد جهابذته 'المنتخبون' مجدداً لشغل منابره الببغائية، كان أبعد أثراً من حكاية الآمال الخائبة والتفاؤل المنكسر، فانطوى على سلسلة أضاليل سيقت عن عمد وتصميم، وعن استخفاف بجراح الشعب وأحزانه. ولعلّ التضليل الأوّل كان إصرار الأسد على مخادعة نفسه بنفسه، والالتفاف على تصريحات كان قد أدلى بها قبل أسابيع قليلة لصحيفة 'وول ستريت جورنال'، حول أولويات الإصلاح، وجداوله الزمنية التي قد لا يقطف ثمارها إلا أبناء جيل لاحق؛ فضلاً، بالطبع، عن حصانة نظامه ضدّ ايّ تحرّك شعبي، هو 'المقاوِم' و'الممانِع'.

فهو، في ذلك الحوار كما في خطابه الأوّل بعد انطلاقة الانتفاضة، اعتبر أنك إذا لم تكن قد بدأتَ بالإصلاحات منذ زمن سابق على انتفاضات العرب، فإنك قد تأخرتَ الآن، وستبدو إصلاحاتك بمثابة خضوع للضغط الشعبي؛ والدولة التي تخضع لضغوط الداخل، يمكن أن تخضع أيضاً لضغوط الخارج. الأسد اعترف في خطابه أنّ الدولة قد تأخرت، ولكن الشعب يقول اليوم إنها لم تتأخر عن عام 2005، حين أوصى المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم، بسلسلة إجراءات، فحسب؛ بل تأخرت عن سنة 2000، حين تولى الوريث السلطة من أبيه؛ وعن 41 سنة من حكم 'الحركة التصحيحية'، بالنظر إلى أنّ حكم الابن ليس سوى مواصلة لحكم الأب. ثمّ ما الذي يعيب نظام حكم، لا يكفّ عن ادعاء الانفتاح على الشعب والتمتع بحبّ الجماهير، إذا خضع لضغط شعبي يدور حول حاجات ومطالب وحقوق مشروعة شتى؟ بيد أنّ الزمن لن يطول حتى 'يخضع' الأسد بالفعل، ولكن على طريقته في اعتماد 'خضوع' فارغ من المحتوى، مراوغ، مناور، متأخر وقليل وزائف... على غرار رفع قوانين الطوارىء، وسنّ قوانين الأحزاب والإعلام، والتصويت على 'دستور' جديد، و'انتخابات' جديدة ل'مجلس الشعب'...

المستوى الآخر من التضليل كان تغنّي الأسد بعلاقة النظام مع الشعب: 'في الوضع الداخلي بُنيت سياستنا على التطوير وعلى الانفتاح، على التواصل المباشر بيني وبين الشعب والمواطنين، وبغض النظر عما إذا كان هناك من سلبيات وإيجابيات'، قال الأسد. ولكن، أيّ انفتاح ذاك الذي لم يقبل 'الضغط' من شارع شعبي عريض، غرضه إصلاح البلد؛ فقارنه بضغوط خارجية، ومؤامرات تستهدف تركيع البلد؟ وكيف يصحّ الحديث عن انفتاح على الشعب، إذا كان الأسد اعترف بنفسه أنه 'ينقصنا دائماً التواصل'، و'الدولة طرحت وعوداً بالإصلاح ولم تنفّذها'، و'لدينا دائما مشكلة في التواصل'؟ ثمّ كيف توجّب أن يفهم الشارع السوري، والعالم قاطبة في الواقع، تأخّر الأسد في الحديث إلى الشعب، وإنابة أمثال فاروق الشرع وبثينة شعبان ورستم غزالي... للنطق بالنيابة عنه؟ وهل هذا عذر، أم ذنب أقبح، أن يقول: 'هذه الكلمة ينتظرها الشعب السوري منذ الأسبوع الماضي، وأنا تأخرت بإلقائها بشكل مقصود ريثما تكتمل الصورة في ذهني'؟ وأيّ خلاصات عجاف تلك التي اكتملت، في نهاية المطاف!

ليست أقلّ تضليلاً، حتى إذا بدت الأشدّ افتضاحاً في الأذهان، وعلى امتداد أربعة عقود، تلك الأكذوبة التي تزعم محاسبة المسؤولين: 'من الضروري أن نبحث عن الأسباب والمسببين، ونحقق ونحاسب'؛ يزعم الأسد، فلا يبصر المرء طفلاً سورياً، فكيف بنساء ورجال وشيوخ هذا البلد العظيم المنتفض، ينتظر من الزاعم أن يحاسب أهل بيته، أوّلاً... أو حتى أخيراً! متى حاسب الأسد، أو سيحاسب، العميد عاطف نجيب، ابن خالته، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا ساعة انطلاقة الانتفاضة هناك، وصاحب الأمر باستخدام الذخيرة الحيّة ضدّ المتظاهرين، وقبله الأمر باعتقال 16 طفلاً والإبقاء عليهم قيد الاحتجاز طيلة شهر ونيف؟ ولو لم يكن هذا العميد على صلة قرابة مباشرة برأس النظام، هل كان سيتجاسر على فتح النار دون الرجوع إلى آمريه وداعميه وسادته؟ أم يصحّ، أيضاً، الافتراض بأنه لم يتجاسر على اتخاذ قرار خطير كهذا، وأنّ الإذن ب'وأد الفتنة' جاء من الأعلى بالفعل؟

ورغم ما قيل مراراً، وما أشاعته الأجهزة وأبواق النظام، من أنّ نجيب (ومحافظ درعا آنذاك، فيصل كلثوم، وآخرين) أحيلوا إلى القضاء، وسوف تتمّ محاكمتهم؛ فإنّ محاسبات مثل هذه ممتنعة وجوباً في ناظر رأس النظام، لأنها لا تفقد ضباطه المخلصين حسّ الحصانة القصوى فحسب، وهذا ما يحتاجون على امتلاكه دائماً؛ بل تُضعف في نفوسهم حسّ المبادرة إلى البطش دون احتساب العوائق، والقمع بلا رادع أو رقيب أو حسيب. وليست عشرات الأسماء التي فازت بثقة النظام وعادت إلى منابر الببغاءات في 'مجلس الشعب'، وكانت مباذلها في الفساد والإفساد والنهب والتشبيح قد تكشفت وافتُضحت طيلة أشهر الانتفاضة، إلا المعيار المقارن الأحدث على أنّ النظام لم يتعلّم أيّ درس، ولا يريد أصلاً أن يتعلّم، وليس في وسعه أن يتعلّم! وإلى جانب هذا الصفّ/ النصير العضوي للنظام، ثمة ما تبقى من كاريكاتورات 'الجبهة الوطنية التقدمية' من المخضرمين المحترفين، وكذلك محدثي النعمة من الساسة الموالين الذين فرّخهم 'قانون الأحزاب'، فأتوا مسوخاً على شاكلته تماماً!

لهذا فإنّ راهن النظام يقترن سريعاً بماضيه القريب، في خطاب الأسد الأوّل إياه، حين ألمح على نحو عارض، لم تكن نيّة التعمّد خافية عنه إلى أنّ الذين يعارضون الإصلاح والمحاسبة هم 'أصحاب المصالح والفساد وأنتم تعرفونهم. قلّة كانت موجودة ولم تعد موجودة الآن. قلّة محدودة جداً تعرفونها بالاسم'. والحال أنّ السوريين كانوا يعرفونهم بالاسم، حقاً، ولكن ما كان السوريون يعرفونه أيضاً، وتقصّد الأسد التعمية عليه، هو أنّ هؤلاء ليسوا 'قلّة محدودة جداً'، وهم موجودون على رأس مناصبهم ومواقعهم ومشاريعهم واستثماراتهم؛ ابتداء من تمساح المال والأشغال رامي مخلوف، ابن خال الرئاسة الذي هتفت جماهير درعا ضدّه؛ وليس انتهاء بشريكه طريف الأخرس، ابن عمّ والد أسماء الأخرس، زوجة الأسد، وثاني أكبر مصدّر على نطاق سورية.

أمّا التضليل/ النكتة، أو العكس أيضاً، فهو سيكتمل حين يصدر الأسد مرسوم دعوة المجلس الجديد العتيد إلى الاجتماع، حيث سيلقي كلمة لن تختلف البتة من حيث استئناف لعبة عتيقة مكرورة مكشوفة، تستهدف ذرّ الرماد في عيون مواطنين ملّوا التهريج الركيك السمج، على هذا المنبر بالذات. منبر سيكون غداً مثلما كان بالأمس، وعلى امتداد 40 سنة من تنصيبه مجلس دمى متحرّكة بائسة، لم تعد تُضحك طفلاً، ولا تشبه أشدّ الكرنفالات ابتذالاً وسماجة. وهو، رغم تغيّر بعض أعضائه اسماً، وليس وظيفة أو صوتاً، المجلس ذاته الذي أسبغ 'الشرعية' على توريث بشار الأسد سنة 2000، وعدّل الدستور على النحو الأكثر كاريكاتورية في تاريخ أية أمّة، لكي ينحشر الفتى في الثوب الفضفاض الذي خلّفه الأسد الأب، ساعة رحيله.

ولو كان الأسد ينتمي إلى زمانه، في الحدود الدنيا لمنطق العصر واشتراطات الأوان، لأوحى إلى معاونيه الأمنيين أن يأمروا هؤلاء المهرّجين بالإقلال من تهريجهم، ساعة خطاب أواخر آذار 2011، لأنّ العالم بأسره كان ينتظر ما سيُقال؛ وللمرء أن ينتظر تكرار الأضحوكة ذاتها، بعد أيام، كأنّ شيئاً لم يتبدّل، او ينبغي أن يتحوّل. ولو كانت نرجسية الأسد العُظامية أقلّ تفشياً في مزاجه الشخصي (إذْ من الحكمة للمرء أن لا يتحدّث عن خصاله كرجل سياسة!)، لكان أوصى بأن لا يخرج عليه عضو يهتف له إنّ سورية والعالم العربي قليلة عليه، وموقعه الحقّ هو قيادة العالم؛ هذا بمعزل عن أبيات الشعر السقيم، وهتافات النفاق الجوفاء.

وبينما تعاقبت مشاهد تلك 'الانتخابات'، في منزلة بين المهزلة ومسرح العبث، كانت المأساة تتجلى في سقوط الشهداء برصاص جيش النظام وأجهزته الأمنية وشبيحته، واستهداف مواكب المراقبين الدوليين على النحو الأكثر ابتذالاً في التمثيل والإخراج؛ مثلما تتبدّى في اشتداد عمليات استهداف المواطنين في الشوارع والمحالّ والهواء الطلق، من خلال افتعال عمليات التفجير هنا وهناك، وإلصاق التهمة ب'القاعدة' او 'الجيش السوري الحرّ' أو 'العصابات المسلحة'، أو هذه كلها متكافلة متضامنة!

أضحوكة لم تعد تُضحك حتى صانعيها، إذاً؛ ما خلا أنّ آخر الضاحكين ليسوا على منبر الببغاءات، بل في درس تاريخي يقول: يا سلطة ضحكت من زيفها الأمم!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*

التهديدات الامريكية للاسد.. مجرد كلام  .. جيفري غولدبرغ

معاريف 10/5/2012

صحف عبرية

2012-05-10

القدس العربي

الحرب التي يخوضها الدكتاتور السوري بشار الاسد ضد مواطنيه هي أحد أفعال القمع السياسي المضرجة بالدماء في الشرق الاوسط منذ أن شن والده، حافظ الاسد، هجوما شديدا على النشطاء ضد النظام قبل ثلاثة عقود. نحو عشرة الاف شخص قتلوا في الانتفاضة الحالية في سوريا، وفي كل يوم يقتل ويعذب المزيد من المواطنين، بينهم الكثير من الاطفال. بعض من الناقدين يقولون ان الولايات المتحدة أخجلت نفسها في أنها لم تتدخل بكثافة في صالح معارضي النظام في سوريا.

هم مخطئون. ادارة اوباما لم تساعد في تسليح الثوار، وهي أيضا لم توفر ملاجىء لمعارضي النظام المطاردين. ولكنها فعلت شيئا أهم بكثير: زودت المعارضة السورية بالكلمات الاكثر حدة لوصف الفظائع. الغارات اللفظية غير المسبوقة ضد نظام الاسد تضمنت عدة أوصاف في غاية القوة لم يسبق أن وجهت الى عدو للولايات المتحدة. هذه الحملة ساعدت السوريين على الفهم بانه في اللغة الانكليزية توجد الكثير من الكلمات المرادفة لكلمة 'الصدمة'.

عندما بدأت الازمة في السنة الماضية، كان واضحا أن ادارة اوباما تأمل بان تقنع اللغة المعتدلة الاسد بالكف عن قتل السوريين. وقد استخدمت الصياغات الدبلوماسية الدارجة في الاعراب عن التحفظ ودعت سوريا 'الى التصرف بضبط للنفس'، و 'احترام حقوق مواطنيها'. وعندما بدأ يكون واضحا بان الانتقاد المعتدل لن يقنع الاسد، بدأت الادارة بقصف دمشق بشكل مكثف بالجمل، بل واحيانا بفقرات كاملة. في نيسان 2011، بعد وقت قصير من قتل قوات الامن 80 متظاهرا غير مسلح، اتهم الرئيس اوباما الحكم السوري باستخدام تكتيكات 'وحشية' ضد المواطنين. ولسبب ما، فان هذه الكلمات العدوانية لم تقنع الاسد بتغيير مساره. وسرعان ما اضطر الناطق بلسان الرئيس جي كارني الى أن يذكر الاسد والعالم ما هي القدرة الهجومية اللفظية للرئيس: 'أنا واثق انكم سمعتم التصريح الحازم جدا للرئيس، حين شجب بالكلمات الاكثر حدة استخدام القوة من جانب حكومة سوريا تجاه المتظاهرين وقال ان هذا استخدام مخيف للقوة لقمع الاحتجاج'، قال كارني.

يبدو أن البيت الابيض متفاجىء في ضوء حقيقة أن الاسد مع ذلك اختار الا يهرب من دمشق. وعندها صعدت الادارة الهجوم. في الاشهر التي مرت منذئذ قال كارني ان الحرب التي أعلنت على الشعب السوري هي 'شريرة' و 'لا تغتفر'. سوزان رايس، سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة، أصبحت المرأة الأساس في انتشار كل قوة الترسانة اللفظية لامريكا. فقد اتهمت رايس الاسد بارتكاب 'فظائع موثقة جيدا' واشارت الى ان 'صبر' الاسرة الدولية 'نفد'. كما قالت انها تتوقع من الحكومة السورية أن توافق على وقف النار بوساطة الامم المتحدة 'دون شروط مسبقة ودون ابطاء' (معروف أن كلمة 'ابطاء' تخيف الدكتاتوريين). من الصعب التصور بان حكم الاسد يمكنه أن يصمد في وجه مثل هذا النوع من الهجوم لزمن طويل آخر.

المتفائل الذي داخلي يؤمن بان البيت الابيض لن يحتاج الى تعزيزات لفترة زمنية طويلة. لماذا؟ لانه بعد بضعة اشهر من قولهم ان صبر الاسرة الدولية 'نفد'، كتبت رايس في تويترها ان صبرنا 'وهن'. الان، بعد أن نفد صبرنا و وهن أيضا، حتى الاسد يفهم ان بالتأكيد زمنه كاد ينتهي. أقدر أنه في غضون ثلاثة أربعة اسابيع، سنكتشف بان صبر الولايات المتحدة 'نفد تماما'. وعندها فان على الاسد حقا أن يكون حذرا.

-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة انان مهددة بالفشل والكل يتهرب من «الخطة باء»  .. راغدة درغام – نيويورك

الجمعة, 11 مايو 2012

الحياة

يرافق ازدياد التحذير من اندلاع حرب أهلية في سورية مزيج من «الهروب الى الأمام»، وتجنب البحث في «الخطة باء»، ودفن الرؤوس في الرمال إزاء ما ستسفر عنه حرب أهلية لو وقعت. البرنامج الزمني الذي يجول في خاطر الدول الأعضاء في مجلس الأمن يدور في فلك خطة المبعوث الأممي والعربي كوفي أنان وولاية بعثة المراقبين الدوليين التي أقرها مجلس الأمن وتنتهي في 21 تموز (يوليو) المقبل. الجميع في ورطة من نوع أو آخر. أعضاء مجلس الأمن في ورطة لأنهم اختبأوا وراء خطة أنان ووراء لمّ شملهم في «إجماع» بات المحرك الفاصل بعدما كان الانقسام ساد وأسفر عن فيتو مزدوجة لروسيا والصين مرتين. انهم في ورطة لأنهم يخشون التفكير في «خطة باء» على رغم أن نصف أعضاء المجلس، على الأقل، مقتنعون تماماً بأن النظام في دمشق لن ينفذ تعهداته ولن يدخل في عملية سياسية تؤدي الى التعددية بدلاً من استفراد البعث بالسلطة. السلطة السورية بدورها في ورطة لأنها تعي – مهما كابرت وتركت الانطباع بأنها مقتنعة باستمرارها في السلطة كما هي عليه – تعي ان حرباً أهلية سورية ستزيلها من السلطة في نهاية المطاف. المعارضة السورية في ورطة لأنها في حال تشتت وانقسامات، لا سيما عندما يأتي الحديث على سيرة الحرب الأهلية ولا تبدو جاهزة «بخطة باء» في حال استمرار الوضع الراهن أو انهيار خطة كوفي أنان. وعندما يلتقي قادة المعارضة تحت رعاية جامعة الدول العربية الأسبوع المقبل، لن تلاقي تماسكاً في مواقف جامعة الدول العربية التي بدورها في ورطة لأنها لا تريد أن تتحمل المسؤولية في حال اندلاع حرب أهلية ولا تريد التفكير في «خطة باء» لأنها بطاطا ساخنة تفضل قذفها الى كوفي أنان والأسرة الدولية. أما كبار قادة الأسرة الدولية فإنهم سيهربون الى الأمام، أو سيحاولون على أية حال، عند اجتماعاتهم المهمة خلال الأسبوعين المقبلين في الولايات المتحدة – قمة الثمانية وقمة حلف شمال الأطلسي – يطاردهم الوضع الراهن في سورية الذي تترتب عليه أبعاد إقليمية لن يفيد دفن الرؤوس في الرمال في تفاديها.

أقصى أحاديث سيناريوات «خطة باء» يدور في فلك تفكير تركيا بطرح المادة الخامسة أمام تجمع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في شيكاغو في 20 و21 الشهر الجاري لتحصل على دعم ما أو «لممرات آمنة» أو لعمليات عسكرية على أساس أن أمنها مهدد على حدودها مع سورية.

قد لا تحصل تركيا على دعم صريح من حلفائها في الناتو لكنها ستشق الطريق في شيكاغو الى ذلك الاحتمال. هذا لا يعني ان دول حلف شمال الأطلسي ستشن حرباً، جوية أو برية عبر تركيا، في سورية. انه يعني ان تركيا قد تحصل على الغطاء الذي تريده من حلف شمال الأطلسي بعدما استنتجت أن لا مجال على الإطلاق لاستصدار قرار عن مجلس الأمن الدولي يعطي صلاحية إنشاء تلك الممرات. فروسيا والصين أوضحتا ان علاقتهما الثنائية استراتيجية حتى النهاية، وأنهما في خندق واحد إزاء الوضع في سورية مهما حدث تعديل هنا أو ثار غضب هناك. فلقد عقدتا العزم على دعم النظام في دمشق وعلى اعتبار خطة كوفي أنان خريطة الطريق الى معالجة الوضع في سورية على أساس تفسيرهما لتلك الخطة بما في ذلك انها لا تعني إطلاقاً تغيير النظام.

أنقرة تدرك تماماً ان أولوية الإجماع في مجلس الأمن أطاحت بأية إمكانية لاستصدار أي قرار «ذي أسنان» – ان كان لجهة فرض عقوبات على النظام في سورية أو لجهة إنشاء ممرات آمنة حتى للغايات الإنسانية. انها حالياً في شبه حال عداء رسمي مع دمشق... ما يضعف موقفها هو زعامة الحزب الحاكم – بقيادة رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان لتنظيم وأحزاب «الإخوان المسلمين». فلقد نجحت أنقرة، مرحلياًَ في إقناع الغرب بأن لا خوف من صعود «الإخوان المسلمين» الى السلطة، ثم جاءت تجربة مصر ومعها تجارب الدول العربية الأخرى حيث مرّ «الربيع العربي» لتسكب الماء البارد على حماسة الغرب والعالم. تلك التجربة ساهمت جذرياً في مساعدة النظام الحاكم في سورية كما جاءت لتدعم مخاوف روسيا من صعود الإسلاميين الى السلطة.

ما يستحق المراقبة خلال الأسبوعين المقبلين هو «سحر» Charm رجب طيب أردوغان مقابل «سحر» فلاديمير بوتين المسمى «القيصر بوتين» في أعقاب تتويجه رئيس روسيا الأرجح لفترة 12 سنة مقبلة. كلاهما ليس مشهوراً بالجاذبية بل ان كلاً منهما عنيف في تشبثه وإصراره على الفوز والانتصار.

المعركة بينهما في ما يتعلق بسورية لافتة ليس فقط من ناحية شخصية كل منهما وانما أيضاً من ناحية التضارب والتفاوت والتداخل في مواقف روسيا وتركيا من إيران. إضافة، ان لمواقف كل منهما من إيران بعداً مهماً لجهة علاقات كل منهما مع الدول الخليجية العربية وبالذات المملكة العربية السعودية التي أوضحت انها تنظر الى الوضع في سورية بأنه مسمار العجلة Linchpin في إطار علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية في طهران.

ما سينجزه، أو سيتجنبه فلاديمير بوتين في قمة الثمانية في كامب ديفيد في 18-19 الشهر سيسابق ما في ذهن طيب رجب أردوغان انجازه في شيكاغو أثناء قمة الناتو في اليوم التالي. دمشق تراهن على الصديق – الحليف وعلى جبروته في زمن احتياج الرئيس الأميركي باراك أوباما الى «استراحة قصيرة» أو «توقف عن اللعب» الى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية. فهي تصنف تركيا أردوغان «عدواً» لها وتتمنى له كل إخفاق في شيكاغو. انها تقرأ الدلالات في العلاقات الدولية بأنها تصب في إعطاء الأولوية للاقتصاد ولصياغة علاقات ثنائية ما بعد – وقبيل – انتخابات شتى. وهي ترى ان كوفي أنان بات سيد القرار لجهة إما المضي بإعطاء الأولوية للإجماع الدولي أو لجهة إحباط أي تفكير في «خطة باء».

كوفي أنان بات سيد القرار داخل مجلس الأمن، وليس خارجه. ولذلك بدأ التحرك والتفكير في «خطة باء» عبر ائتلاف لا يرضخ الى معادلة «الإجماع» التي تتطلب قطعاً موافقة روسيا والصين على الخطوة التالية.

كوفي أنان يبذل قصارى جهده لضمان تنفيذ خطته ذات النقاط الست والتي تشكل خريطة طريق جيدة الى الحؤول دون اندلاع حرب أهلية في سورية، شرط أن يتم تنفيذها. العيب ليس في الخطة ذاتها. العيب في القفز على رفض السلطات السورية تنفيذها كما تصوّر كوفي أنان في خطته. السؤال يجب ألاّ يصب في فشل الخطة أو في فشل كوفي أنان. ان السؤال الحقيقي يجب أن يصب في خانة مَن الذي يقوم بإفشالها، بمحاسبة، وليس بالقفز على التجاوزات حرصاً على استمرارية الخطة ذاتها. فمثل هذا النمط سيؤدي بالتأكيد الى تقويض الخطة ذات النقاط الست، بما في ذلك محطة وقف العنف ومحطة العملية السياسية الانتقالية – كما نص عليها قرار تعيين كوفي أنان مبعوثاً للأمم المتحدة ولجامعة الدول العربية.

مفهوم الدول الغربية لتلك العملية السياسية هو انها ستؤدي الى عملية انتقالية من تفرد الحزب الحاكم بالسلطة الى تعددية ديموقراطية تسفر منطقياً عن رحيل الأسد وتغيير النظام في دمشق. مفهوم روسيا والصين ان العملية السياسية بين الحكومة السورية والمعارضة السورية ليست ابداً عبارة عن وسيلة لتنحي الرئيس بشار الأسد وتغيير النظام، وإنما هي «عملية» قد تؤدي الى بعض إصلاحات تقبل بها، أو ترضخ لها الحكومة السورية الشرعية صاحبة السلطة والسيادة في سورية. أما كوفي أنان، فإنه يسير في سحابة الغموض المتعمد لأنه ينظر الى نفسه بأنه الوسيط بين الحكومة والمعارضة ولا يرى نفسه منفذاً لقرار جامعة الدول العربية بإطلاق عملية انتقالية في الحكم في سورية.

ما يجدر بكوفي أنان وفريقه التفكير به هو ضرورة التمييز بين فشل الخطة وفشل الرجل وبين إفشال الست نقاط الواردة في خطة الرجل. لا داعي للتصرف بأسلوب الدفاع التلقائي عن النفس ولا داعي للظهور بمظهر الرافض لأي انتقاد لدرجة مفرطة تنطلق من العداء مع من يطلق الآراء الناقدة. مثل هذا التصرف انما يقوّض من هيبة الولاية الموكلة الى المبعوث الأممي والعربي. وللتأكيد، ان هذه الولاية ليست إصلاح العلاقات الدولية وإعطاء الإجماع في مجلس الأمن الأولوية. ان الولاية هي أولاً لسورية ومصيرها.

لا أحد يطالب كوفي أنان بالتقدم «بخطة باء»، فهو صاحب «خطة أ» ومن حقه الدفاع عنها والتحذير من ان إفشالها سيؤدي الى حرب أهلية وإفرازات «مروعة» في المنطقة بأكملها. ما يجدر التنبه اليه هو ان كوفي أنان سيكون زند البندقية trigger لتفكير في صفوف أعضاء مجلس الأمن حول «الخطة باء». أحد سفراء دولة عربية دائمة العضوية في مجلس الأمن قالها بصراحة: إذا لم يقل كوفي أنان ان خطته لم تسفر عن نتيجة وحان وقت إيقافها، لن نتمكن من جهتنا من ان ندخل في مواجهة مع كوفي أنان سوى إن قررنا إخراج المسألة من مجلس الأمن الدولي.

المشكلة، كما أقر السفير نفسه ان الجميع يتهرب من «الخطة باء» مع أن الأكثرية مقتنعة بأن خطة أنان باتت «نكتة سيئة» وأن الأفضل «إيقافها». والسبب ان «الأسد لا يريد التفاوض، ولا يريد عملية سياسية»، وهو مقتنع بأن «في وسعه التغلب والبقاء في السلطة بوسائل عسكرية، ولا حاجة به الى إجراء المفاوضات» مع المعارضة.

لا بد من ان قادة دول مجموعة الثماني يدركون هذا الأمر وكذلك قيادات الدول المنتمية الى حلف شمال الأطلسي. قد لا يكون في ذهنهم اليوم الإقرار بأن فشل خطة كوفي أنان لن يكون بسبب الرجل وخطته وإنما نتيجة طبيعة النظام في دمشق. إنما سيكون عليهم بالتأكيد محاكاة «لحظة الحقيقة» مع اقتراب موعد التفكير «بالخطة باء» في 21 تموز (يوليو) المقبل. فهي لحظة مواجهة الذات والإقرار بأن الخيار بات بين الجرأة على التفكير في «خطة باء» لإنقاذ سورية من حرب أهلية وبين الاستمرار في دفن الرؤوس في الرمال فيما سحابة الغيم توعد بأمطار عاصية.

-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة عنان .. أصبحت تبريراً للعجز..!! .. بقلم / أنور صالح الخطيب

الراية

10-5-2012

بات منظر الدم السوري المسفوح في شوارع المدن والبلدات السورية عادياً أو يكاد وباتت أخبار الموت على الشريط المتحرك للفضائيات معتادة لا تحرك ضمير أحد فالعالم كما يبدو اعتاد على مشهد الموت في سوريا فأصبح مشهدا يوميا عاديا في ظل عجز دولي وفضيحة أخلاقية مدوية فالعالم المتحضر -أو هكذا يفترض- لم يستطع وضع حد لعنف النظام والخيار الذي لجأ إليه لوأد ثورة الشعب السوري ومطالبه العادلة بالحرية والديمقراطية والتغيير فدفن كالنعامة رأسه في الحفرة..واكتفى بالتعبير عن القلق والتحذير من حرب أهلية ثم خرج علينا بخطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان التي وافق عليها الجميع واتفق الجميع كل لأسبابه على عدم تطبيقها.

المأساة أن "المجتمع الدولي" بات يختبئ خلف خطة عنان ليخفي فشله وعجزه وليبعد الحرج عن مؤسساته الدولية ومنظماته الإنسانية أما الأكثر إيلاما على النفس فهو من اعتبر "انخفاض أعداد الضحايا المدنين اليومي إلى النصف انجازا " بعد دخول خطة المبعوث الدولي والعربي حيز التنفيذ منتصف الشهر الماضي وبدء انتشار المراقبين .

من المفترض أن يكون كوفي عنان قد خاطب مجلس الأمن الدولي عبر دائرة تلفزيونية مغلقة ليلة أمس للحديث عن الشوط الذي قطع في تنفيذ مبادرته ومدى التزام النظام السوري والمعارضة بها.. ومن المفترض بل والمتوقع ان يمنح مجلس الأمن الدولي عنان فرصة أخرى لتطبيق مبادرته رغم انه يعلم ان النظام السوري استمر في القتل وقصف المدن وحصارها واستهداف المدنين وانه فرغ المبادرة من مضمونها خاصة مع عدم قدرتها على تحقيق مطلب وقف العنف وحماية المدنين الذي هو الأساس في هذه المبادرة التي أيدها النظام ووافق على بنودها إلا انه لم يطبقها ولا يريد أن يطبقها كما هو ظاهر.

لقد شهدت المدن السورية ارتفاعا كبيرا في أعداد الضحايا المدنين الذين سقطوا على أيدي الجيش وأجهزة الأمن وما يعرف بالشبيحة كما وثقت منظمات حقوق الإنسان السورية والدولية آلاف الخروقات لمبادرة كوفي كما كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عدد القتلى الذين سقطوا جراء أعمال العنف في سوريا وصل إلى 11925 من بينهم 831 سقطوا بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في الثاني عشر من ابريل من بينهم 589 مدنيا.

كما تواصل سقوط الأطفال صرعى لرصاصات النظام وشبيحته حيث بلغ تعداد من قتل منهم في مختلف المدن والبلدات السورية منذ بدء تطبيق خطة عنان حوالي "34" طفلا.

الامر الذي يؤكد الطبيعة الدموية للنظام السوري الذي لم يعد يأبه بالمجتمع الدولي ومطالباته بوقف العنف وسحب أسلحته الثقيلة من المدن لأنه يعرف جيدا أن نجاح خطة عنان يعني بداية النهاية لعصر الديكتاتورية والتسلط الذي يمثله.

إن تنديد الامين العام للامم المتحدة بان كي ب"وحشية" قوات النظام واشارته الى ان الهجمات التي تنفذها المعارضة المسلحة قد تكثفت ردا على هذه الوحشية لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته في وضع حد لإراقة الدماء في سوريا كما ان تحذيره من وقوع حرب اهلية حقيقية وسقوط ضحايا بأعداد كبيرة لا يكفي ليطمئن الشعب السوري ان المنظمة الدولية تقوم بالدور المطلوب منها كجهة تحمي الأمن والسلم الدوليين.

من حق الشعب السوري الذي يقتل أبناؤه يوميا أن يصرخ يا وحدنا بعد أن خذله الأقربون وصار دمه المسفوح محلا لتنافس المصالح الدولية والحسابات السياسية وبعد أن فشل المجتمع الدولي في إجبار النظام السوري على وقف العنف والقتل بعد أن بلغت أعمال العنف حدا لا يمكن معه الاقتناع بجدية النظام السوري في تطبيق خطة المبعوث الدولي والعربي ورغبته في الإصلاح والاستجابة لمطالب الشعب السوري .

لقد استمر سقوط القتلى في مختلف المدن السورية على أيدي قوات النظام وجرى إطلاق النار على المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية والتغيير واستمر حصار المدن الثائرة على النظام واقتحامها واعتقال المواطنين في يوم الانتخابات التشريعية التي أرادها النظام دليلا على مصداقيته ورغبته في الإصلاح والديمقراطية وهو دليل لا يستقيم مع العقل فدعوات الديمقراطية والتعددية والإصلاح لا تتوافق مع جرائم القتل والخطف والاعتقال وحصار المدن وقصفها كما أن الانتخابات تكسب شرعيتها ومصداقيتها من مشاركة الشعب بكل أطيافه وفئاته فيها بكل حرية وشفافية وهو ما لا يتوفر في هذه الانتخابات التي أرادها النظام وسعى إليها لإطالة عمره.

كاتب وصحفي أردني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا يجب أن يكون هناك شك في نهاية هذا النظام .. د. بشير موسى نافع

2012-05-09

القدس العربي

ثمة شعور متزايد بأن الأوضاع في سورية تتجه نحو الاستقرار على ميزان القوى الراهن، وأن نظام الحكم يعمل على التعايش مع هذه الاوضاع. وليس النظام وحسب، بل حتى القوى الإقليمية والغربية، المتحالفة مع النظام أو التي تقف منه موقف الخصومة، باتت تتعامل مع الملف السوري ليس كأزمة ملحة ولكن باعتباره حالة مزمنة. في أوساط المعارضة السورية، بدأ ما يمكن وصفه باللوم المتبادل على ضعف الأداء وعدم إحسان التصرف، والهروب من جديد إلى أسطورة وحدة المعارضة، التي أصبحت مشجباً لعجز الجميع عن الفعل، سوريين وغير سوريين. تكمل الثورة في سورية هذا الأسبوع شهرها الرابع عشر، مما يجعلها أطول الثورات العربية عمراً، وربما أكثرها دموية. وليس هناك ثورة شعبية في القرن الماضي، بما في ذلك الثورة الروسية والإيرانية، يمكن مقارنتها بالثورة السورية. الأسباب الرئيسية خلف المدى الزمني المتطاول للثورة في سورية ليس من الصعب حصرها وتعدادها.

يسيطر على الحكم في سورية نظام أمني من صنف فريد، لم تعرفه لا روسيا القيصرية أو إيران الشاه، ولا حتى مصر وتونس وليبيا واليمن. وتنبع قوة ووحشية النظام الأمني السوري ليس من تعداد الأجهزة الأمنية فوق المعتاد وحسب، ولكن أيضاً من البنية الأقلوية لهذه الأجهزة، التي تجعلها مجتمعاً يتصرف وكأنه ينتمي إلى شعب مختلف عن الشعب السوري. والمدهش أنه حتى أثناء ما سمي بربيع دمشق، خلال الشهور الأولى التالية لتولي الرئيس الأسد الإبن الحكم، عندما جرت المحاولة الأولى لصناعة وجه إصلاحي للنظام، لم تمس الأجهزة الأمنية على أي نحو أو آخر، لا قلص عددها ولا حددت صلاحيتها، ولا أعيد النظر في اشتغال الأجهزة العسكرية البحتة منها في الشأن السوري العام. وهذه الأخيرة هي خاصية سورية قلما وجد لها نظير. الأكثر مدعاة للدهشة، أن النظام لم يتعرض لوضع ودور ونشاطات هذه الأجهزة طوال شهور الثورة الماضية، بالرغم من محاولته، للمرة الثانية، إقناع السوريين والعالم بعزمه على الإصلاح. وقد أوغلت أجهزة النظام الأمنية في دم السوريين وأعراضهم وممتلكاتهم وحياتهم طوال عقود، بحيث سيطر على كوادرها شعور لا مهرب منه بأن مصيرها مرتبط بمصير النظام، وأن سقوط النظام سيودي بها إلى الجحيم. وليس ثمة شك أن أجهزة النظام الأمنية خاضت، وتخوض، منذ اندلاع الثورة معركة لا مثيل لها ضد الشعب السوري، وضعت منظمات العمل المدني السورية في موقف العاجز عن متابعة مصير عشرات الآلاف من السوريين الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب، أو القتل والاغتيال.

وأقام النظام مؤسسة عسكرية فريدة في بنيتها وعقيدتها، يصعب حتى وصفها بالمؤسسة العسكرية. وكما أن هناك عدداً فادحاً من الأجهزة الأمنية، التي تتنافس على الولاء للنظام والتمادي في انتهاك حياة السوريين، ليس هناك من قيادة عسكرية مركزية. تنتمي القيادات الرئيسية للجيش السوري إلى لون طائفي واحد، وتتوزع مراكز القرار والنفوذ والسيطرة على العديد من القيادات العسكرية، بمن في ذلك أقارب الرئيس من الدرجة الأولى والثانية، التي ترتبط مباشرة برأس النظام. ما لا يذكر دائماً، حرصاً على الحساسيات الطائفية، أن كل المنشقين من الجيش هم من الضباط والجنود السنة. ولكن الملاحظ، إضافة إلى ذلك، أن أعلى الضباط المنشقين كان من رتبة عميد؛ لأن عدد الضباط السنة الذين يمكن أن يصل إلى رتبة لواء ويحتفظ بموقعه القيادي في الجيش لا يكاد يذكر. كل الجيوش الحديثة بنيت على الطاعة والانضباط والاستجابة لأوامر قيادتها. ولكن بنية الجيش السوري تجعله أكثر استجابة لأوامر قيادته، حتى عندما تتعلق هذه الأوامر بإطلاق النار على جموع المحتجين المسالمين من أبناء الشعب. ومن العبث انتظار انقلاب عسكري ما؛ ففي جيش كبير، يفتقد للقيادة المركزية، يصبح توافق الضباط الكبار على تغيير النظام مستحيلاً.

وفرت البنية الطائفية المضمرة للنظام، والمضمرة دائماً، وما قدمته الثورات العربية من فرصة لصعود القوى الإسلامية السياسية، في دول مثل تونس ومصر وليبيا واليمن، مناخاً مواتياً لسياسة الابتزاز الطائفي التي يوظفها النظام. عملت السياسة الطائفية في السابق على إحكام سيطرة النظام على أبناء الطائفة العلوية واستخدامهم أداة لخدمة بقائه واستمراره؛ ويعمل النظام اليوم على إثارة خوف أبناء الطائفة، وأبناء الأقليات الأخرى، من الصعود السني الموهوم، الذي سيهدد وجود الطوائف السورية غير السنية وامتيازات بعضها. في مثل هذا المناخ، وبالرغم من محاولات قوى المعارضة الجاهدة لتطمين كافة فئات الشعب السوري، فإن كتلة أقلوية من الشعب لم تزل تنظر إلى الثورة بقلق كبير، وتساهم في الحفاظ على الأمر الواقع، ليس تأييداً للنظام وإيماناً بسياساته وتوجهاته، بل خشية من المستقبل التي تعد به الثورة. ولكن هناك شرائح اجتماعية أخرى، تقف إلى جانب النظام وتحرص على استمراره، بفعل ارتباطاتها بشبكة علاقات القوة والثروة التي يستند إليها، أو احتلالها مواقع ومراتب مختلفة في هيكل نظام الحكم ومؤسسات الدولة التي يسيطر عليها، أو حتى الخوف من أداة البطش التي اعتاد النظام توظيفها للإضرار بمن يخرجون عليه.

إضافة إلى ذلك كله، أسست مقدرات سورية الجيوسياسية، وطبيعة النظام وسياساته الإقليمية الناجعة خلال العقود القليلة الماضية، لعدد من التحالفات الإقليمية الفعالة، التي وفرت له الدعم والحماية خلال العقد الماضي. خسر النظام في شهور الثورة الماضية تحالفه مع تركيا، بعد أن كان خسر تحالفه مع السعودية، ولكنه لم يزل يتمتع بدعم إيراني مطلق، دعم سياسي واقتصادي وبكل الوسائل الأخرى. وبالرغم من صعوبة تقدير حجم وطبيعة الدعم العراقي لسورية، فإن عدداً من المؤشرات يدل على أن العراق عمل، ويعمل، من أجل تعزيز مقدرات النظام السوري، سواء استجابة من الحكم العراقي لضغوط إيرانية، أو بفعل المخاوف الطائفية التي تتخلل الفضاء السياسي المشرقي منذ احتلال العراق قبل زهاء العقد. ويضاف إلى الدعم الإقليمي للنظام، الذي تؤمنه العلاقات التحالفية عميقة الجذور مع إيران، دعم دولي لا يقل أهمية، تؤمنه روسيا. اندلعت الثورات العربية، والثورة السورية على وجه الخصوص، في لحظة تصاعد المساعي الروسية الحثيثة لتوكيد الموقع والدور، وشعور روسيا المتزايد بفقدان معظم أوراق الضغط التي تؤهل دولة نووية كبرى للعب دور فعال على الساحة الدولية. وليس ثمة شك في أن موسكو نظرت بعين الريبة لكل الثورات العربية، بما في ذلك الثورة المصرية، التي أطاحت بنظام حكم موال للولايات المتحدة. باندلاع الثورة السورية، وجدت القيادة الروسية في سورية فرصة لتذكير جميع الأطراف المعنية بأن لروسيا دوراً رئيساً على الساحة الدولية، وأن مصالح روسيا الاستراتيجية في أوروبا والبلقان والقوقاز لا يمكن أن يطاح بها بدون عواقب.

في جوهره، لا يختلف النظام السوري عن أنظمة الاستبداد العربية الجمهورية، التي تطورت أدواتها واكتسبت سماتها الرئيسية في حقبة ما بعد حزيران/ يونيو 1967. ولكن جملة عوامل وقوى وظروف داخلية وخارجية خاصة هي التي ساعدت النظام السوري على الصمود في مواجهة الثورة الشعبية لفترة أطول من تلك التي استطاعها نظراؤه في تونس ومصر واليمن. هذا لا يعني بالضرورة أن النظام السوري قد نجا. ومن المبكر، المبكر جداً، لأنصاره وحلفائه الاحتفال بنجاته. في مواجهة العوامل التي ساهمت في إطالة عمر النظام، ووفرت له حرية ممارسة القمع الوحشي للشعب السوري، هناك عوامل أخرى تشير إلى أن مصير هذا النظام لن يختلف في النهاية عن مصير أنظمة الاستبداد العربية الأخرى.

أول هذه العوامل أن النظام السوري، وفي ظل كل الظروف المواتية لاستمراره، داخلياً خارجياً، عاجز عن قهر إرادة الثورة والتغيير لدى جموع الشعب السوري. خلال أشهر القمع الوحشي البالغ منذ أغسطس/ آب الماضي وحتى قدوم بعثة المراقبين الدوليين، اتسع نطاق حركة الاحتجاج الشعبية لتصل عدة أحياء من العاصمة دمشق، ومدينتي حلب والرقة، التي قيل في السابق أنها لم تلتحق بالثورة. يخرج السوريون كل أيام الأسبوع، وفي أيام الجمعة على وجه الخصوص، في مئات التظاهرات الشعبية، التي تضم مئات الألوف من أبناء الشعب، توحدهم رغبة جارفة، وعزم لا يلين على بناء سورية حرة. ربما لم يعرف السوريون هذا النظام كما يجب، ولكنهم يعرفون على الأقل أن تراجعهم عن مطلب إسقاط النظام والتغيير السياسي في بلادهم يعني أن النظام سيعود إليهم بنزعة انتقامية كبرى، وأن فرصة أخرى للثورة والتغيير قد لا تتاح لهم بعد عدة عقود أخرى. وبالرغم من أن الجيوش الحديثة لا تنشق عادة على نفسها، وحتى الثورات التي عرفت بأمدها الطويل، مثل الثورة الإيرانية في 1979، لم تشهد انشقاقاً عسكرياً ملموساً، فإن آلاف الجنود والضباط السوريين اختاروا خلال الشهور القليلة الماضية الانحياز لشعبهم. وفي مقابل الدعم الإيراني الكبير للنظام، تجد الثورة السورية تعاطفاً واسع النطاق من الشعوب العربية، ودعماً متزايداً من عدد من الدول العربية، وتوكيداً تركياً قاطعاً على ضرورة الاستجابة لإرادة الشعب السوري، وإدراكاً دولياً لوحشية النظام وخروجه على الأعراف الدولية. في النهاية، ستصل آلة النظام العسكرية والأمنية إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه، وتصل قدرة حلفاء النظام على تحمل اعبائه إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه. وعندها سنرى من جديد كيف تتشابه نهايات المستبدين.

هذا نظام فقد شرعيته، فقدها كلية، بما في ذلك تلك المستمدة من وقوفه إلى جانب قوى المقاومة في لبنان وفلسطين. وكلما طال أمد المواجهة بين النظام وشعبه، كلما تزايدت أعداد ضحايا قمع النظام ووحشيته، كلما أصبح من المستحيل استمرار النظام في حكم سورية، مهما بلغ الدعم الإقليمي والدولي الذي يتلقاه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سلمية الثورة وادعاءات الآخرين! .. فايز سارة *

الخميس, 10 مايو 2012

الحياة

لعل من نافل القول ان ثورة السوريين في آذار (مارس) 2011، بدأت سلمية في انطلاقتها، وفي حراكها وفي شعاراتها، بل إن المناداة بالسلمية كانت أكثر وأعلى الشعارات، التي رددتها تظاهرات السوريين من درعا في الجنوب الى حلب في الشمال ومن اللاذقية في الغرب الى دير الزور والقامشلي في شرق البلاد.

وعلى رغم مضي نحو خمسة عشر شهراً على الثورة، وحصول تطورات عنفية في مناطق سورية عدة، فإن الطابع العام لثورة السوريين ما زال سلمياً، وهو ما تؤكده استمرارية التظاهرات في المدن والقرى، حيث استطاع الناس الخروج للتظاهر والاعتصامات على نحو ما تكرر مرات في دمشق في الآونة الاخيرة في حملة «اوقفوا القتل» وهي حملة لا يمكن ان يقوم بها اشخاص غير سلميين، وغير مؤمنين بالسلم نهجاً في حياتهم.

وبخلاف هذا الدفق السلمي في ثورة السوريين، فإن احداً لا ينكر ان مظاهر للعنف أو انخراطاً فيه قد ظهر في مدن وقرى سورية قليلة، ربما كان ما حدث في حمص وبعض قرى الريف مثالها، وفيها حدثت اعمال عنف كان من اطرافها مسلحون ومنتمون الى الجيش الحر ومنشقون عن المؤسسة العسكرية – الامنية في مواجهة قوات الامن والجيش والشبيحة وأنصار النظام.

وأعمال العنف هذه، كانت محكومة بسمات وخصوصيات منها انها محصورة في اماكن محددة، وأن هذه الاماكن شهدت اوسع وأشد فصول المعالجة الامنية العسكرية للأزمة، تم فيها قتل وجرح واعتقال وتهجير وتدمير ممتلكات خارج التصور، اذكت غضباً في اوساط السكان ورفضاً لأوامر قادة في الاجهزة الامنية – والعسكرية، وغالباً فإن ذلك ترافق مع تصعيد في لهجات الخطابات التخوينية والدينية - الطائفية. وبصورة عامة، فإن الطابع العام لهذه التطورات محلي من جهه ومرتبط بظروف محددة، من جهة اخرى، مما ينفي عما حدث صفة الظاهرة، بل ان كثيراً من اعمال العنف خارج عنف النظام كان فردياً او لجماعات غير منظمة، وليس لها امتدادات تنظيمية، ولا تصورات فكرية وأيديولوجية ناظمة.

غير ان واقع الاختلاط بين عمومية السلمية ومحدودية العنف في صورة ثورة السوريين على نحو ما بدا في الداخل السوري، لم ينظر اليه على هذا النحو من جانب الآخرين، وهو امر لم يقتصر على خصوم الثورة انطلاقاً من النظام واعلامه الى انصاره القلائل في المحيطين الإقليمي والدولي، بل امتدت تلك النظرة الى انصار اقليميين ودوليين للثورة، وأطراف هي محسوبة على ثورة السوريين وأشخاص منهم. والامر في كل الاحوال كان محكوماً بخلفيات فكرية وسياسية وعملية، استند اليها الذين نظروا الى الثورة باعتبارها تحولت الى العنف، او انها عنيفة في الاساس، وما تبع ذلك من اقوال تتصل بمسلحين وأسلحة وأعمال مسلحة، تصل حد «الجرائم» على نحو ما بينت اقوال صدرت هنا وهناك.

لقد اشارت تصريحات سورية رسمية الى مسلحين وجماعات ارهابية مسلحة في الثورة منذ بداية الاحداث، واستمرت تلك التصريحات متصاعدة لتصير السمة العامة للحراك الشعبي المناهض للنظام، بخاصة مع ربط الحراك بمؤامرة تشارك فيها اطراف خارجية، ونحت اطراف مؤيدة وداعمة للسلطات السورية في الاتجاه ذاته، حيث قرنت الثورة بممارسة العنف وبالارتباط بالخارج وهو ارتباط لا يقتصر على الروابط السياسية والامنية فقط، بل ان الاتهام يشمل السلاح والعمليات المسلحة بما فيها عمليات التخريب والاغتيال، وفي وقت مبكر تحدث الروس عن «معارضة سورية مسلحة»، فيما ربط الايرانيون بين الحراك السوري والاهداف الاسرائيلية – الاميركية.

لقد تحدث المنضوون في الفريق السابق عن مسلحين وإرهابيين وأعضاء في القاعدة من سوريين وآخرين وفدوا الى سورية، وعن مصانع اسلحة وذخائر، وأخرى يتم تهريبها من دول الجوار، وعن عمليات عسكرية وتفجيرات واغتيالات، تكاد تتماثل مع ما كان يحدث في افغانستان والعراق في اسوأ ما مر بها البلدان في ايام الانفلات الامني، والهدف الرئيس لكل ما تقدم، هو تبرير تواصل العمليات الامنية العسكرية ضد عشرات المدن والقرى وما يقع فيها من قمع عنيف وعقوبات هدفهما وقف استمرار التظاهر والاحتجاج ضد النظام، وقد تعدى الهدف ما سبق الى هدف آخر، لا يقل اهمية، وهو اقناع العالم بأن ما يتم القيام به في سورية، لا يندرج في سياق مواجهة النظام لمتظاهرين ومحتجين ضده، انما هو مواجهة مع الجماعات الارهابية المسلحة وأبرزها تنظيم القاعدة، والتي تمثل خطراً على امن العالم وسلامه. ولأن النظام في سورية يقوم بهذه المهمة نيابة عن العالم، فإنه يستحق دعمه ومساندته وقبل ذلك كله الإبقاء عليه قائماً في سورية بغض النظر عن اية تفاصيل اخرى.

ان سلمية الثورة والحراك السوري، هي مسألة مبدأ من الناحيتين السياسية والاخلاقية، وفي هذا تتشارك قوة الحراك مع توجهات جماعات المعارضة وعموم الشارع السوري الموصوف بعامة بسلميته وميله الى التسويات والتوافقات في سياق حياته العامة وفي علاجه للمشاكل القائمة.

وعملية إلحاق صفات ومتممات القوة والعنف، وما يتصل بهما من ممارسات تتصل بالسلاح والذخيرة والمسلحين، انما هي عملية قسرية، ذات اهداف سياسية، تستجيب مصالح اصحابها، لكن ذلك لا يمنع من قول، انه وتحت ضغط ظروف استثنائية ومحدودة، فإن بعض مظاهر وأعمال عنف حدثت، ويمكن ان تحدث لاحقاً في بعض المناطق السورية، من دون ان تنزع عن السوريين سلميتهم في انطلاق ثورتهم، وفي حراكها وفي شعاراتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاختراق في المفاوضات النووية مرادف لإنعاش النظام السوري .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 10 مايو 2012

الحياة

كان اصرار النظام السوري على اجراء «انتخابات»، بالاساليب والبضاعة السياسية والنتائج المعلّبة ذاتها، مؤشراً آخر الى الاستهزاء ب «الحل السياسي» الذي تسعى اليه «خطة انان» التي يفاخر صاحبها بأن أكبر «نجاح» حققته يتمثّل ب «الدعم الدولي» لها، وما فائدة دعم كهذا طالما أنها لم تتوصل الى وقف القتل أو الى الضغط على النظام كي يكف عن استخدام آلياته الحربية لقصف المناطق السكنية والإغارة على المدنيين. والأهم أنه كان ليكون منطقياً تفعيل الدعم الروسي للمبعوث الدولي - العربي لتأجيل «انتخابات» أرادها النظام استعراضاً لسيطرته لا اقتراعاً شعبياً من أجل برلمان يحمل شيئاً من ملامح الاصلاح والتغيير.

لم يكن اعتيادياً أن يقول ناطق اميركي إنه قد يكون على المجتمع الدولي «الاعتراف بالهزيمة»، أي بفشل مهمة كوفي انان ليدرس الخيارات التالية. وكان الأخير بدأ، قبل أن يقدّم تقويمه الى مجلس الأمن، يروّج أن ثمة «مؤشرات بسيطة» الى بدء احترام خطته، بل باشر الاعتراف بواقع أن مهمته ستستغرق وقتاً. وفي أحد الأيام مرّ في شريط تلفزيوني مشهد لأحد المراقبين وهو يحاول طمأنة المواطنين في حماة، غداة مجزرة استهدف فيها «الشبيحة» عائلات بعينها، قائلاً: نحن موجودون هنا «لوقت طويل». ومنذ وصل الجنرال النروجي قائد المراقبين كرر أكثر من مرة أن منسوب العنف يتضاءل تدريجاً مع زيادة انتشار المراقبين. أي أن «خفض المنسوب» هو كل ما يستطيعه المجتمع الدولي، وليس فيه ما يطمئن السوريين، لا المطالبين بإسقاط النظام ولا حتى المصنّفين موالين له بدليل أن هؤلاء يسعون الى تنظيم هجرتهم القسرية التي يأملون بأن تكون قصيرة وموقتة، تماماً كما كان اللبنانيون يعتقدون ويقولون في مستهل هجراتهم خلال العامين 1976 و1977 أي بعد وصول «قوات الردع العربية»، وهي القوات التي استوعبها النظام السوري بعدئذ وعمد الى «تطفيش» العرب منها.

لا، ليس هذا كل ما يستطيعه العالم وانما ما أراده «تفاهم» روسي - ايراني يفترض أن تبدأ مفاعيله بالظهور. فهاتان الدولتان وجدتا نفسيهما في «تحالف» ضمني لم تسعيا اليه سابقاً، إلا أن أزمة النظام السوري وتشابك مصالحهما في سورية وخشيتهما عليها فضلاً عن تقاطع رغبتيهما في تحدي الغرب شحذت التقارب بينهما. كانت التوقعات بإمكان حدوث تغيير في الموقف الروسي جعلت دمشق وطهران أمام احتمال صعب يتركهما في عزلة وتحت وطأة عقوبات مرهقة، لذلك تبلور خيار زيادة الرهان على الموقف الروسي لإعطائه ما يمكن أن يواجه به ضغوط الغرب أو اغراءاته. وقبل أن تدخل موسكو أي مساومة مع الغرب، الذي لم يبدِ استعداداً لتقديم التنازلات اللازمة لاستمالتها الى خيار تغيير النظام في سورية، بحثت عن أي معطى جديد لتوسيع اطار تلك المساومة. ولعلها وجدتها في المفاوضات النووية بين ايران ومجموعة الدول ال 5+1 التي تكثر للمرة الأولى التكهنات الايجابية في شأنها، وإن كان الطريق طويلاً قبل القول بنجاحها.

تجمّعت لدى طهران أسباب كثيرة لتغيير منهجها في التفاوض، وأهمها ثلاثة: 1 - اقتراب العقوبات من القطاع النفطي واشتدادها على التعاملات المالية. 2 - حاجتها الماسة الى الحفاظ على الحليف السوري وحماية «حزب الله» وسلاحه في لبنان وعجزها عن ذلك بمفردها. 3- احتدام التجاذب الدولي حول سورية وبشأن برنامجها النووي وبروز فرصة للاستفادة من المواجهة الروسية - الغربية، وكذلك اتضاح الاصطفاف الغربي الرافض خيار الحرب الاسرائيلي... لكل ذلك، ومن دون إغفال النقاش الداخلي حول البرنامج النووي وآفاقه بعد بلوغ تخصيب اليورانيوم نسبة ال 5 في المئة، وجدت ايران أن لديها الآن مصلحة في دخول مساومة كبرى مع الغرب، بل السعي الى مفاوضات مثمرة، وبناء على «اقتراحات روسية».

يجرى تقديم «النجاح» أو الاختراق المرتقب في المفاوضات على أنه مرادف لإنعاش النظام السوري وطمأنته الى أن بقاءه من أهم القطع في المقايضة. وحتى قضية الجزر الاماراتية المحتلة أُخرجت من التداول إثر معاودة ايران طرح موافقة مبدئية على التفاوض الثنائي في شأنها. واذا لم تحصل مفاجآت، وهي مستبعدة منذ احتكرت دائرة المرشد علي خامنئي الإشراف على الملف، فإن المؤشرات الأولى ل «الاختراق» يفترض أن تظهر الاسبوع المقبل في المحادثات بين ايران وإدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا بمشاركة مندوبي الدول الكبرى. وفي حال توصلت الى ما هو متوخّى بالنسبة الى لجم مستوى تخصيب اليورانيوم وأنظمة الرقابة الدائمة، فإنه سيشكل خلفية قوية لحدثين متوقعين في الثلث الأخير من الشهر: الأول مشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة الثماني في كامب ديفيد، وهو ظهوره الدولي الأول بعد انتخابه وفرصة أولى لاستمزاجه بشأن ملفات أبرزها سورية وإيران. أما الثاني فهو استئناف المفاوضات النووية في بغداد هذه المرة. وينطوي اختيار العاصمة العراقية على رمزيات تحقق لإيران أهدافاً عدة لعل أهمها - عدا استبعاد انقرة أو اسطنبول - استغلال مكانة العراق في الرئاسة الحالية للقمة العربية، وكذلك تأكيد المكانة الايرانية فيه، فضلاً عن تلميع وضعية بغداد كصلة الوصل وعاصمة «التفاهم الاميركي - الايراني» غير المعلن وغير المعترف به على رغم أنه فاعل بحيوية وواقعية.

ثمة هدف أكثر أهمية لاختيار بغداد، وهو احاطة الدول ال 5+1 بأن التفاوض فيها يعني التفاوض في مجال «النفوذ الاقليمي» لإيران الذي سيكون الملف الآخر المقترن بأي اتفاق على الملف النووي. ولم تكن الحركة التي دبّت لتوقيع اتفاقات مع الحكومتين العراقية واللبنانية، وكذلك تسريع اتفاقات بين العراق والكويت، سوى عينة من رسائل لتوكيد ذلك «النفوذ» الذي باتت طهران ترضى بأن يكون مستظلاً بالنفوذ الروسي الأوسع نظراً الى الضرورة التي فرضتها أزمة سورية والحاجة الى انقاذ نظامها. غير أن روسيا وإيران مدركتان أن «الانقاذ» بات يتطلّب نوعاً من الجراحة للنظام قد يحين وقتها بعد استنفاد كل الأغراض المرتجاة من «خطة انان» التي أمكن موسكو ودمشق أن تصادراها، ذاك أن تنفيس الاحتقان الناجم عن أزمة الملف النووي الايراني قد يفيد في شراء الوقت للنظام السوري، لكنه لن يكفي لإبقائه كما هو ولضمان مصالح الدولتين ذواتي النفوذ داخل سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهزلة البعث السوري إزاء الديموقراطية الفرنسية .. رندة تقي الدين

الاربعاء, 09 مايو 2012

الحياة

في اليوم الذي كان الشعب السوري يشاهد مهزلة انتخابية أعدها له نظام مستمر في قتله، كانت فرنسا تعرض على شعبها مظهراً ديموقراطياً ممتعاً وثميناً مع الرئيس نيكولا ساركوزي والرئيس المنتخب فرانسوا هولاند جنباً الى جنب يضعان اكليلاً على ضريح الجندي المجهول احتفالاً بذكرى الانتصار على النازية. فهو درس في الديموقراطية. وقد أحسن الرئيس ساركوزي في دعوة خلفه المنتخب للمشاركة في الاحتفال. فخطابه بإعلانه الهزيمة كان شجاعاً ومشرفاً للديموقراطية. ولا شك في أن مشهد الخصمين السابقين في حملة انتخابية شديدة ومتوترة يبعث بالحلم للشعب السوري بمثل هذا المستقبل الديموقراطي القيم بدل المهزلة المنظمة من نظام يعتقد انه اقوى من المجرى الطبيعي للتاريخ. ان تعليقات الصحافة السورية المقربة من النظام التي هللت لخروج ساركوزي ووزير خارجيته البارع آلان جوبيه تظهر مرة اخرى جهل النظام لاستمرارية السياسة الخارجية الفرنسية التي لا يمكن الا ان ترتكز على قيم حقوق الانسان. فهولاند وفريقه الحاكم لن يتساهلوا مع النظام السوري. حتى انهم لن يحاولوا معه مثلما اخطأ ساركوزي في بداية ولايته واستقبل الرئيس السوري في فرنسا معتقداً انه قد يقنعه بتغيير نهجه. هولاند محاط بفريق من ديبلوماسيين فرنسيين يعرفون جيداً النظام السوري وممارساته. حتى ان هولاند كان تعجب في حديث ل «الحياة» قبل انتخابات الحزب الاشتراكي الأولية كيف أن بعض اصدقائه في لبنان الذين غيروا موقفهم الآن كانوا يؤيدون هذا النظام القمعي. فاستمرارية السياسة إزاء سورية لا تعتمد على ذهاب هذا او ذاك بل هي مرتبطة بقيم جمهورية فرنسا وفي طليعتها حقوق الانسان التى لطخها النظام البعثي بقمعه وقتله وتعذيبه المستمر لمن لا يسير على خطواته بمن فيهم الاطفال الابرياء.

ان فرنسا هولاند آتية الى السلطة في ١٥ ايار (مايو) وفريقه الديبلوماسي سيتسلم الملفات الخارجية من ديبلوماسيين من المؤسسة نفسها وهي الخارجية الفرنسية التي فيها ديبلوماسيون بارعون من تيارات سياسية مختلفة من اليسار واليمين. والجدير ذكره ان اليمين الحاكم كان عين بعض افضل الديبلوماسيين المعروفين باتجاهاتهم اليسارية في مناصب عليا لكفاءتهم وتميزهم، فساركوزي كان عين السفير ديني بييتون في لبنان ثم الآن على رأس ادارة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، والأمين العام للخارجية بيار سلال الرجل الثاني في الخارجية ومدير الشؤون السياسية في الخارجية جاك اوديبير وهو مهتم بالملف الايراني والسفراء في لبنان باتريس باولي وفي ليبيا سابقاً فرانسوا غوييت وفي مصر جان فليكس باغانون، كلهم ديبلوماسيون يساريون تم تعيينهم في عهد ساركوزي ومن المتوقع ان تستخدم ادارة هولاند كفاءاتهم الكبرى في المنطقة. فلا شك في ان لا قلق من ان يكون هولاند اكثر تساهلاً مع نظام الاسد. ولا شك في ان محادثات هولاند وأوباما في البيت الابيض ستتطرق الى هذا الموضوع الاسبوع المقبل. ففرنسا تعد لعقد مؤتمر لاصدقاء سورية كان قرره الوزير الحالي آلان جوبيه وقد يستمر في الإعداد له الوزير او الوزيرة المقبلة. فمن الافضل للاعلام السوري الرسمي ان يقلق لمصيره ومصير نظام مستمر في قتل شعب باسل كل ما يطلبه هو الحرية والكرامة بدلاً من توجيه شتائم للمسؤولين الفرنسيين المنتخبين من شعبهم. فمن يستحق ليكون في سلة مهملات التاريخ هو نظام يقتل ويقمع ويعذب شعبه وليست له اي شرعية شعبية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطريق المسدود .. د.خالص جلبي

تاريخ النشر: الأربعاء 09 مايو 2012

الاتحاد

الآن وبعد وقوع أكثر من 11 ألف ضحية، ونزوح أكثر من مليون داخل البلد وخارجه، وكأن المجتمع الدولي يتآمر على الشعب السوري، يواجه السوريون حلفاً غير مقدس هو أشبه بسور يأجوج ومأجوج... فهل ينجحون في جعله دكاً، "وكان وعد ربي حقاً"؟

مع كل هذا العنف في احتواء الثورة وسحقها، فإن الثورة تزداد اشتعالاً، والانشقاقات لا تتوقف من الجيش لتكوين جيش سوريا الوطني المستقبلي. إن انتخابات 7 مايو 2012 لا تزيد عن كذبة كبيرة لا يصدقها حتى أتباع النظام، لكن لابد منها من أجل الديكور المعمول عليه منذ أربعين عاماً.

إن الوضع في سوريا أشبه ما يكون بمزرعة لعائلة الأسد، فكل الأرزاق وكل الصفقات، المشبوهة والمعلنة، يلزم أن تمر عن طريق العائلة.

والمعلومات الواردة عن قصص العرّابين فواز ومنذر، من عائلة الأسد، تعطي تصوراً عما يدور في البلد، فالأول أوقفه شرطي لارتكابه مخالفة مرورية فأهانه وأمره أن يستمر في مسح سيارته أمداً من الزمن. أما الثاني فكان في مطعم فاخر للسمك في اللاذقية، وإذ لم تعجبه نظافة قدح أمامه قام برش المكان بالرشاش فتناثرت الطلقات فوق الزبائن المرعوبين.

ووفقاً لتقرير نشرته مؤخراً مجلة "ديرشبيجل"، فإن سوريا تحلب حالياً وتنهب ليس فقط من الشبيحة، بل من عناصر المخابرات. إنها فرصة الإثراء السهل والسريع لرجال المخابرات، فهم لا يعتقلون الناشطين فقط، بل كل من يعتبرونه سميناً يمكن تحصيل الأموال منه بأي تهديد ووعيد.

وحسب تقرير منشور مؤخراً، فإن معظم مراكز المخابرات تدار بأيدي ضباط علويين، يشعرون أن نهاية النظام هي نهاية العصر العلوي، وبداية انكسار العمود الفقري للتمدد الصفوي. أما الشبيحة فمنهم العلويون، ومنهم أخلاط شتى من أقليات تحتشد بها البلاد، وضمنهم سنّة طامحين للكسب السريع.

إنها أيام يموت فيها العقل والضمير وتفوح رائحة العفن الطائفي. ويختم التقرير كلامه بأفظع ما يمكن تصوره على لسان عبد الباري الحمصي، حين يسألوه وهو يعالج في مستشفى بطرابلس في لبنان عن المستقبل: إنها نظرية الكثرة والقلة. نحن السنة 18 مليون، وسوف نقضي على بشار ومن معه، ولن يكون ذلك الوقت بعيداً. فهل نحن إذن على أبواب "حرب الثلاثين عاماً" في الشرق الأوسط؟

إن الوضع خطير للغاية، وقد حار فيه المناضل اللاعنفي "جين شارب" حين سئل فقال: أمام سوريا طريقان، الحرب الأهلية أو الحلول العقلانية الوسط. ثم يضيف: أما أي تصور آخر فأنا جاهز لسماعه من أي طرف.

لكن من بدأ بحفلة الدم، خطط للمضي نحو الهاوية، ومن هنا يقول تقرير "دير شبيجل" إن كلا الفريقين ليس عنده ثمة عودة: النظام بعد شلال الدم وجبال الجماجم سوف ينهار إذا أظهر ليونةً أو تراجعاً أو خوفاً، والثوار سوف تطحن عظامهم في صوامع غلال الحبوب لو تراجعوا عن خيارهم الثوري.

ومع ذلك فالتاريخ يضحك علينا دوماً بخروج أشياء من جعبة مكره ربما تفاجئ الكثيرين.

والسؤال مرة أخرى: ألم يكن بالإمكان تجنب حمام الدم هذا والخروج بحلول عقلانية؟

يبدو أن بيننا وبين العقلانية مسافة سنة ضوئية كاملة... فنحن نعيش عام 1433ميلادية في العصور الوسطى حيث كانت الحروب المذهبية على أشدها في أوروبا، مترافقة بانتشار الطاعون، وحرق الساحرات في الساحات العامة، ومعالجة السعال الديكي بلبن الحمير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مقاربة الأزمة السورية وفق المنظور الغربي .. غازي دحمان

دمشق

المستقبل

9-5-2012

تأتي مهمة المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، كوفي أنان، في إطار السياق الغربي الذي يتعاطى مع الأزمة السورية بوصفها قضية معقدة ومركبة ومن شأن تفجرها أن تكون له ارتدادات واسعة وخطيرة على الإقليم، وتزاوج هذه الرؤية بين حساسيات الدول الإقليمية وحسابات القوى الغربية من جهة، وكذلك الالتزامات الغربية مع كل من روسيا والصين .

ولعل حالة التشابك، في الأزمة السورية، بين داخل تطيف إلى أبعد الحدود، وكتلة عسكرية كبيرة ومنحازة لطرف بعينه، إضافة لوجود جوار إقليمي يقف على عتبة الإنفجار، هي عناصر في رأي الغرب تحتاج إلى عملية هندسية لتفكيكها، والواضح هنا أن استراتجية الغرب في ذلك تقوم باتجاهين متزامنين ومتوازين:

- الاتجاه الأول: يبدأ ببناء مسار قانوني تراكمه قرارات مجلس الأمن، ومن خلاله يصار إلى انخراط الطرف الروسي في جملة هذه القرارات والمبادرات، وجعلها شريكاً في الحل، لغاية الوصول إلى عزل نظام الأسد عن شبكة الحماية الدولية، والواضح أن مهمة أنان تشكل بداية هذا المسار الذي يبدو أنه سيكون طويلاً ومؤلماً بالنسبة للشعب السوري، ولكنه من وجهة نظر الغرب أقل الخيارات المتاحة سوءاً .

- الاتجاه الثاني: محاولة اختراق الكتلة العسكرية، وتهيئة خيارات أخرى أمامها، غير خيار الالتصاق بالأسد في حال استمرار الأخير رفض إيجاد حل سياسي للأزمة، ومن ضمن هذه الخيارات، ضمان حصول الجيش على دور في التغيير المقبل، مع إمكانية إيجاد نوافذ للتخلص من الاتهامات، ويمكن في هذا السياق اعتبار العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على بعض الضباط الكبار في الجيش كنوع من ممارسة الضغوط عليهم لتفكيك ولائهم للأسد .

يدرك الغرب تماماً أنه ببقاء هاتين العقدتين، فإنه من الصعب إيجاد مخارج عملية للأزمة السورية، خصوصاً وأن الجوار الإقليمي تكرس كعامل غير مساعد لإنجاح أي توجه دولي في المسألة السورية، فقد توضح تماماً بأن تركيا تواجه حزمة من التعقيدات الداخلية والإقليمية المعقدة، كما أن الأردن الذي يتداخل مع سوريا في المجالين الجغرافي والديمغرافي يتعامل بحذر كبير مع الأزمة لخوفه من انتشار السلاح واحتمال انتقال جزء منه إلى أراضيه مما يهدد النظام الموجود الذي يعاني مما يكفي من التعقيدات، في حين أن لبنان يبدو وكأنه ينام ويصحو ويده على الزناد، حيث ترك المسؤولون فيه الأزمة السورية تتفاعل داخل مجتمعهم إلى حدها الأقصى .

في سياق آخر، وفي ظل وجود هذه الكتلة العسكرية الكبيرة وإمكانية رفدها من بعض الحلفاء الإقليميين، وكمية ونوعية الذخيرة التي تمتلكها، فإن الأزمة مرشحة لأن تطول زمناً أكبر ويكون لها جولات دموية وجنونية في مراحل معينة، وبخاصة بعد أن تكشف أن الجسم العسكري الأفعل قد جرى بناؤه بطريقة يصعب إحداث أي خرق في داخله، باعتباره كتلة متراصة ومنسجمة في المصلحة والفعل، كما أن هذه الكتلة لا تشكل قاطرة النظام وحسب، بل جسمه الأساسي، ولا توجد فيها مفاصل متمايزة ومرنة بما يسمح لها الانفصال عن النظام والاستمرار كمؤسسة عسكرية مستقلة، وبالتالي فإن مقولة إسقاط النظام بالقوة تعنيها تماماً .

ولكن كيف يمكن لمهمة أنان تفكيك هذه الحالة المتشابكة وتحقيق اختراق ما في الأزمة السورية. لا شك بأن هذه المهمة ترتكز على استراتيجية غربية تقوم على فتح نوافذ معينة لأطراف الأزمة، وتأمين خطوط التراجع لها، وذلك انطلاقاً من إدراك أصحاب هذه الاستراتيجية بأن الأزمة وصلت إلى حدودها القصوى وأنها بعد ذلك ستكون مفتوحة على مشارف ومآلات يصبح التراجع معها غير ممكن وتكون بذلك قد تجاوزت مجال العمل السياسي، إضافة للاعتقاد بأن الأطراف قد استنفذت جزءاً كبيراً من رصيدها السياسي والديبلوماسي، وهي بحاجة إلى مبادرة معينة تساعدها على إعادة تموضع جديد من الأزمة بشروط جديدة .

وفق هذا التحليل، المبني أساساً على زاوية النظر الغربية للأزمة واستراتيجية حلها، تبدو الأزمة السورية تتجه صوب التفكيك، وبخاصة في مفاصلها الأساسية، وهي مرحلة أولى وضرورية للخروج الآمن لكل أطراف الأزمة عبر إيجاد مخرج متفق على حدوده الدنيا، غير أن ذلك لا يضمن بالضرورة نجاح مهمة أنان بخاصة وأن البيئة التي تتغذى منها الأزمة، بمكوناتها الداخلية والخارجية، تتسم بطابع متوتر إلى أبعد الحدود وتمتلك القدرة على تأمين الشحن الفائض للأزمة بما يضمن استمرارها وبلوغها درجاتها القصوى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صناديق الأصوات... والجثث! .. راجح الخوري

2012-05-09

النهار

إنها ايام الصناديق، صناديق هنا تحتوي على قطاف الديموقراطية ورغبة الشعب، وصناديق هناك تحتوي على الاقنعة وتعمية الديموقراطية، وصناديق هنالك تحتوي على الدمى او على الجثث!

اولا: في فرنسا كان قطاف مشرف للديموقراطية، لأن الانتخابات الرئاسية لم تكن تأكيدا متكررا لعمق احترام ارادة الشعب، حيث خرج رئيس للجمهورية ودخل رئيس جديد بفارق اقل من 2%، بل كانت بمثابة ادانة غير مباشرة لعمليات انتخابية جرت على سبيل المثال في روسيا وسوريا. ثم ان الرئيسين، المنتصر والمنهزم، اشادا بارادة الشعب وانحنيا امامها وتعهدا خدمة "فرنسا السعيدة التي لا تحني رأسها"!

ثانيا: في سوريا لم يكن الاهتمام منصبا على صناديق الاقتراع بل على الصناديق التي توصل القتلى الذين سقطوا الى مثواهم الاخير، لكن النظام لم يتردد في القول ان الانتخابات كانت ناجحة وانها تشكل بداية للعملية الاصلاحية، في حين رأت المعارضة انها "انتخابات مهزلة"، لأن من الواضح انه من المستحيل اجراء انتخابات في بلد غارق في النار وحمامات الدم منذ اكثر من 13 شهرا.

كان من المثير ان تعلّق صحافة دمشق على الانتخابات الفرنسية بالقول: "نيكولا ساركوزي وألان جوبيه الى مزبلة التاريخ"، في حين كان وصف باريس للانتخابات السورية من ضمن الاجماع الدولي تقريبا، على انها "مهزلة شنيعة... ومزحة سمجة".

واذا كان من المعتاد ان يرسل العالم فرق المراقبين الى الدول الحديثة الديموقراطية لمراقبة نزاهة الانتخابات وحياد السلطة، فإن المراقبين الدوليين في سوريا يسعون عبثا على ما يبدو لوقف نشاط الصناديق الاخرى التي تحمل القتلى الى المقابر، فقد سقط في يوم الانتخاب 30 قتيلا واعتبر الامر تراجعا مشجعا في عدد الضحايا!

وعندما تجري الانتخابات في سوريا وسط النار ومع دعوة السعودية المتكررة رعاياها الى المغادرة خوفا من الوضع الامني، ويقول رجب طيب اردوغان للاجئين السوريين داخل تركيا: "ان انتصاركم ليس بعيدا وقوى الرئيس بشار الاسد تنهار يوما بعد يوم" فمن الطبيعي ان يكون الاهتمام في سوريا وخارجها منصبا على صناديق القتلى لا على صناديق الاصوات في الانتخابات التي ينتقدها الجميع!

ثالثا: في روسيا شاهد العالم صورة صارخة عن الصناديق التي احتوت على تعمية سافرة لروح الديموقراطية التي باتت اسيرة "القيصرية البوتينية" التي تشكل مزيجا من طغيان ممارسات تحالف اغراء المال مع سطوة الامن على ارادة المواطنين.

وهكذا عاد فلاديمير بوتين مرة ثالثة وعبر التفاف ممجوج على الدستور، الى الرئاسة وانسحب شريكه دميتري ميدفيديف الى رئاسة الحكومة مرة جديدة في حين يبقى المعارضون في الشوارع وكأنهم كما سبق لبوتين ان وصفهم، مجرد "كوندوم" اي واقيات ذكرية. فبينما كان "القيصر" يعتلي العرش في ابهة امبراطورية كان رجال الامن ينهالون بالهراوات على هؤلاء المتظاهرين الذين وقفوا في ساحة بولوتنايا صارخين: "توقف عن الكذب والسرقة"!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السياسي والأخلاقي في الثورة السورية .. نزار حموي

2012-05-08

القدس العربي

لا ألوم بعض الأصدقاء على قلقهم المشروع من الخطاب الديني المتطرف الذي يظهر على بعض شاشات التلفزيون بعض الجهات التي تتبنى وتدعم الثورة السورية وربما أشاركهم في بعض قلقهم هذا، لكني كنت أرغب بوجود ولو قناة واحدة تعبر حقيقة عن الثورة وفكرها كما هو في الواقع لا كما يرغب الممولون ولا حتى كما نرغب نحن.

أريد بداية أن أقرأ تجليات الثورة من زاوية مختلفة قليلا عن تلك القراءة المعروفة لأسباب تتعلق بطبيعته الخاصة. قد لا يكون مفيدا أن نقيم الحراك في الحالة السورية من خلال ما يطفو من هتافات أو شعارات كما نفعل عادة في تقييم مظاهرة تخرج في مدينة غربية مثلا حيث يخرج الناس في ظروف قانونية ومعروفة وبحماية الشرطة فلا شيء يعكر سير المتظاهرين ويقولون ما يريدون قوله بحرية كاملة، فهم أفراد يتمتعون بجميع حقوقهم الأساسية. من هنا، فإن الهوية الفكرية للناشطين تبرز بوضوح والخطاب الذي يخرج يعبر عن موقف سياسي غالبا والرسالة تكون واضحة من دون التباس. بالمقابل، يمكننا تقييم الرسالة وتأييدها أو معارضتها أو حتى تجاهلها. إن الحكم على مظاهرة من خلال ما تطرحه من أيديولوجية أو من مواقف سياسية أمر ممكن وطبيعي، لكن ذلك لا يصح تماما في الحالة السورية فالوضع مختلف كليا.

لم يكن المواطن السوري يملك أيا من حقوقه الأساسية، بما فيها حق الحياة. قال الديكتاتور بعدما ارتكب مجزرة بحق ثلاثين ألف سوري في حماة عام 1982 لندع ما جرى في الخلف. قال ذلك وأشار بيده إلى الخلف. وقد وصلت رسالته إلى السوريين بأن حقوقهم ضاعت كلها وليس لأحد الحق حتى في السؤال عن أخيه المفقود. وكم من أمثلة على أشخاص اختفوا في أقبية المخابرات لمجرد السؤال عن أقاربهم. كان بذلك يعلن حربا كانت مستمرة على الشعب منذ أن استلم حزب البعث السلطة وإن كانت بحدة أقل، حربا لا هوادة فيها مغلقا أي باب للمصالحة أو التفاوض وقد أصدر قانونا يقضي بالإعدام لمجرد الانتماء إلى حزب الأخوان المسلمين.

بمعنى أن الإنسان ليس لديه حتى حق التفكير مع ذاته للإختيار بين أشياء متعددة، إن فكَّرَ فهو ميت حتما. ولا يخص هذا القانون المواطنين المسلمين فقط فأي سوري هو متهم وحكم الإعدام بحقه جاهز حتى يثبت العكس بالولاء المطلق. ولكم اختفى أناس من طوائف أخرى في غياهب سجون النظام. هذا ولم توفر السلطة أيا من الأساليب القذرة لتجزيء المجتمع وتفتيته سواء في إثارة النعرات الطائفية أو في التخريب المنظم للحياة والاقتصاد والثقافة وانتشر الفساد بصورة لم تعد محتملة.

عندما قامت الثورة في 2011، تجاوز الشعب هذه الحرب القائمة ضد انسانيته طيلة 48 سنة وقال 'الشعب السوري واحد' خرجت المظاهرات كصرخة من أعمق أعماق الشعور بالذل. 'الموت ولا المذلة' إنه الشعار الأبرز الذي جعل من الثورة ثورة أخلاقية بامتياز.

المظاهرة ليست في حال مظاهرة عادية فالمتظاهر يخرج إلى الشارع وهو يدرك تماما أنه قد يكون هدفا لرصاص الجيش أو الأمن والشبيحة. إن اجتماع مجموعة أفراد على إرادة واحدة للتحرر وإعلان التضامن المطلق مع باقي أفراد الوطن ايا كانت انتماءاتهم في هكذا ظروف لهو موقف قد يؤدي إلى خسارة لا يمكن تعويضها، موقف وجودي وأخلاقي أما الجانب السياسي فأقل ما فيه.

من حقي كفرد أن أؤيد اتجاها سياسيا يصب بالمحصلة في موقفي الأيديلوجي، من حقي أن أبني تحالفات مع أبناء وطني ممن يحملون فكري أو مع أي تكتل أو مجموعة أينما كانت على الأرض. ومن حقي أن أحارب اتجاها أو تيارا سياسيا بوسائل سلمية. السياسة والايديولوجية والفكر عموما موضوعات نسبية وقابلة للأخذ والرد وتختلف من شخص إلى آخر. أما الأخلاق فموضوع مطلق. قضية حمزة الخطيب قضية مطلقة لا تحتمل التأويل ولا مجال للنقاش، من واجبي أن أدافع عن حق حمزة بل من واجب كل إنسان، من واجبي أن أدافع عن الأخلاق، عن الطفولة، عن الخير والحب والحرية، من واجبي أن أتضامن مع إنسان حقوقه الأساسية مسلوبة وحقه في الحياة مسلوب. قد أختلف مع شخص في اتجاهه السياسي أو الفكري وقد أتصارع معه في هذا المجال وأخاصمه، لكن من واجبي أن أدافع عن حريته في الاعتقاد وحريته التعبير.

لنفكر معا في شخص ينزل إلى الشارع لا يملك إلا صوته ويصرخ في واحد من هتافاته هتافا متطرفا لنقل هتافا إسلاميا مغلقا يعبر عن موقف سلفي متشدد. أقول واحدا من الهتافات كون حقيقة معظم المظاهرات على هذا النحو قد نجد واحدا من بين عشرة على هذا النحو. وإذا كان هذا المتظاهر سلفيا متشددا فعلا وهو يتظاهر وقد يتعرض للموت فقد اختار فعلا أسوأ الأساليب التي استخدمها السلفيون قبله على الإطلاق في أن يخرج في مظاهرة سلمية. يستطيع إن كان سلفيا متشددا فعلا وفاهما دروس أساتذته أن يقوم بعملية انتحارية.

إننا بقراءتنا للثورة السورية على أنها مجرد موقف سياسي أو أيديولوجي إنما نتجاهل أمرين؛ الأمر الأول أن مجتمعاتنا مجتمعات متدينة وأن ما يخرج على ألسنة هؤلاء من شعارات وهتافات دينية أمر ممكن ولا يعكس بحال الرؤية السائدة عن الإسلام ولا يغير بالتالي من طبيعة الحراك السلمي حتى الآن، الأمر الثاني الذي نتجاهله أن المضمون الإسلامي هو أحد مضامين الثورة الأساسية على ألا ننظر إلى الإسلام النظرة نفسها التي روج لها الغرب بل باعتبار أن المسلمين أفراد ومتنوعون، لهم عقول وأرادات مختلفة وبشر مثل غيرهم من البشر، يحق لهم أن يعيشوا مثلما يريدون ويحق لهم تقرير مصيرهم.

كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استحالة الحل السياسي  .. خالد غزال *

الثلاثاء, 08 مايو 2012

الحياة

تقدم المبادرة الأخيرة لمجلس الأمن نفسها مدخلاً لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية المندلعة منذ اكثر من ثلاثة عشر شهراً. على رغم ان النظام السوري ومعه المعارضة أعلنا عن قبول وقف اطلاق النار والاستعداد للاستجابة الى مبادرة الموفد الدولي كوفي انان، إلا ان الشك يبقى هو السائد خصوصاً ان مسلك النظام لا يوحي مطلقاً بالصدق في التزام وقف اطلاق النار، وهو ما يتأكد كل يوم من خلال شلال الدم المتواصل وأعداد الضحايا المسجلة. هناك ألف سبب وسبب يدفع الى القول باستحالة التوصل الى حل سياسي للأزمة السورية، وهو شك تقوم عليه معطيات كثيرة تتصل بالعقل السياسي والأمني للحاكم السوري، وعدم رغبته في التوصل الى حلول من ناحية، بل وعجزه عن الدخول في حل من ناحية اخرى.

لا يمكن التقليل من أهمية إرسال مراقبين دوليين الى سورية، حتى ولو كان العدد محدوداً. فمجرد قبول النظام بعملهم يعني ان قبضة التدويل تمسك بعناقه، وتضعه مباشرة أمام أعين المجتمع الدولي، حيث لن يصعب على المراقبين تعيين الطرف الذي يخرق وقف إطلاق النار الذي لم يجر الالتزام به أصلاً من جانب جيش النظام... ما يعني ان مجلس الأمن ستكون لديه الحجج لمحاولة فرض عقوبات او تشديد الحصار على النظام، حتى ولو كان ذلك بعيداً من قدرة المجلس او رغبته في التدخل العسكري. يتعاطى النظام مع التدويل الجاري المحدود الفاعلية بصفته فرصة لاستكمال عملية القمع سعياً الى إنهاء الانتفاضة، وهو ما يقول عنه معارضو النظام انه تمديد المهلة الزمنية لمزيد من القتل والتدمير.

يمتاز النظام السوري بخبرة واسعة في التعامل مع اللجان الدولية، والقدرة على إفراغها من محتوى مهمتها، وهي خبرة سبق له ان اكتسبها من إدارته الحرب الأهلية اللبنانية على امتداد خمسة عشر عاماً. يقبل بعمل اللجان وهو يضمر الالتفاف عليها وإغراقها في التفاصيل والتشكيك في موضوعية المراقبين، او تهديدهم أمنياً، على غرار ما حصل مع المراقبين العرب قبل أشهر. يدرك اهل النظام ان الذهاب مع البنود الستة لمبادرة كوفي انان قد تصل في خواتيمها، اذا ما جرى الالتزام بها، الى انهاء سيطرة العائلة الحاكمة على السلطة، والى تجييش الملايين من الشعب السوري ضد النظام في حال توقف القمع الدموي للمتظاهرين وتركت لهم حرية الحراك في مجمل المناطق السورية. ان النظام يدرك اكثر من غيره معنى بنود المبادرة وجوهر الأهداف الذاهبة اليها.

فوق كل ذلك وقبله، حسم النظام السوري منذ الأشهر الأولى للانتفاضة بجملة أمور بات من الصعب عليه التراجع عنها، في رأسها عدم الاستجابة الى مطالب الانتفاضة بالإصلاح وإدخال تعديلات على بنية النظام بما يتيح التخفيف من القبضة الأمنية، وإعطاء حيز من الحريات. جرى الحسم في هذا الخيار قبل ان تستفحل الانتفاضة وتشمل كل المناطق السورية، وقبل ان تتحول في قسم كبير منها الى العمل المسلح. اما اليوم، وبعد ان أحرق النظام كل الجسور والمراكب مع الشعب السوري، فيبدو من الاستحالة الوصول الى تسوية. وما يجعل هذه التسوية في حكم المستحيل هو القرار الواضح الذي اتخذه النظام بإدخال سورية في أتون الحرب الأهلية، واستثارة النزاعات الطائفية والإثنية، وممارسة أبشع انواع القتل الهمجي التي تستثير ردود فعل غرائزية من القوى المقابلة، وهو امر يعرفه اللبنانيون جيداً من خلال حربهم الأهلية والقتل المتبادل على الهوية. بات قرار الحرب الأهلية هو الخيار الوحيد الذي يرى النظام فيه الوسيلة لإدامة سلطته، على رغم إدراكه ان هذا الخيار سيذهب بسورية الى الجحيم. وعندما يكون قرار الحاكم تدمير البلد على أهله من أجل الحفاظ على السلطة، يصبح من الخيال الحلم بالخضوع الى تسرية.

يدرك النظام ان التدويل الحاصل سيبقى محدود الفاعلية، وأن أحداً من المجتمع الدولي لا يرغب في استخدام القوة العسكرية لإسقاطه، وأن قوى المعارضة مهما بلغ تسليحها لن تكون قادرة على قلب موازين القوى لمصلحتها وإنزال هزيمة بالجيش الرسمي. كل ذلك يجري ضمن شكوك واضحة من القوى الغربية بموقف يهدف الى انهاء الموقع السياسي والاستراتيجي لسورية، وتركها في حال من النزف والتدمير الداخلي بما يلغي اي قوة مقبلة لنظام قد يكون له موقف مناهض للاستراتيجية الغربية ولإسرائيل عندما يزول نظام الأسد. هذه العوامل مجتمعة، الداخلية منها والخارجية، لا توحي بقرب حل سياسي للأزمة السورية، بل ترجّح احتمال ديمومة الأزمة الى فترة طويلة، بما يؤدي الى انهاك سورية وإنهاء موقعها وتفتيت مجتمعها وتشرذمه تحت وطأة الاحتراب الاهلي.

* كاتب لبناني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بدائل الحل السياسي! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

9-5-2012

باختصار شديد، ثمة بديلان لوضع سوريا السياسي الحالي ولأزمتها القائمة، إذا ما استمر الاحتجاز الراهن، الذي يحول دون بلوغ حل سياسي تقبله أطرافها المتصارعة. هذان البديلان هما: حرب داخلية ثم إقليمية ضارية ومديدة، أو صدام دولي بين القوى العظمى، يبدو أنه لن يقع إلا بعد أن تكون الحرب الداخلية والإقليمية قد دمرت الزرع والضرع، وقضت على نصف الشعب، وعلى دولة سوريا ومجتمعها، إلا إذا تلطف الله بنا وحدث ما لا نتوقعه، ووجد حل أو فرط النظام.

أما احتمال الاقتتال الداخلي، فهو كبير إلى درجة يصعب تجاهلها، لأسباب كثيرة، منها رهانات القوى العربية والإقليمية المتناقضة في سوريا، ورفض قسم من الدول المنخرطة في المسألة السورية قيام نظام ديمقراطي فيها، وتصميم الشعب على عدم الاستسلام للوضع الراهن وعزمه على التحرر منه بأي ثمن، وصعوبة دخول القوى الكبرى المباشر إلى الصراع وانخراطها غير المباشر والمتزايد فيه، في ظل تحوله إلى صراع بينها تشارك فيه قوى إقليمية كبيرة كتركيا وإيران والسعودية، الأمر الذي يقلب صراع الكبار إلى صراع بين السوريين، من مستلزماته استمرار نظامهم في ممارسة قتلهم الأعمى، وتكفله بتعزيز انقسامهم إلى معسكرات متناحرة مقتتلة، يصعب أو يستحيل رأب الصدوع التي تحدثها حلوله الأمنية بينها، فكيف إن تمت تغذيتها بتناقضات وأحقاد طائفية ومذهبية منفلتة من عقالها، تترجم إلى عمليات قتل مفتوح ومتبادل، يأخذ أكثر فأكثر صورة إبادة تطاول البشر وما يملكون، ويجعل السلاح مطلب الجميع، بما يفتح أبواب البلاد أمام كل راغب في التدخل وممارسة العنف والقتل، شريطة أن يكون هدفه قتل المزيد فالمزيد من المواطنات والمواطنين: من الجنسين وعلى الهوية. بكلام آخر: بعد أن حولت سياسات النظام بلادنا إلى ساحة مفتوحة بالعنف أمام كل من هب ودب، لم يعد هناك ما يمنع أي طرف خارجي مهما كان صغيرا وتافها من الدخول إليها وفعل ما تزين له مصالحه فعله فيها. والحال، إن سوريا ليست اليوم بلدا مستقلا، بل هي ساحة تتناطح وتتصارع فيها إرادات الأقربين والأبعدين، مع أن صراعاتهم تتخطى سوريا وأزمتها الذاتية، وإن تعينت نتائجها بالصراع الداخلي السوري، صراع شعب يريد الحرية والديمقراطية، لم يجد نظامه ردا عليه غير توريطه في مسائل لم تكن بين أهدافه، فرضها عليه حل أمني اعتمده أهل السلطة قمعا وكبحا لمطالبه المحقة، ولجره إلى ظلمات صراع إقليمي ودولي ليست له علاقة به ولا يرغب فيه، سيتم من الآن فصاعدا شعلى حسابه، وسيجعله يدفع ثمنا هو في غنى عنه، سيضاف إلى ثمن جد مرتفع يرغمه نظام يرفضه بشدة على دفعه بالمدافع والصواريخ والدبابات والطائرات - وبعشرات آلاف الشهداء وملايين المهجّرين والمشردين ومئات ألوف المعتقلين والملاحقين والجرحى والمخفيين.

من المعروف أن السياسة التي تحول بلادها إلى ساحة تعجز عن إخراجها منها، وأن نجاحها الوحيد يقتصر عندئذ على فتح أبوابها أمام كل من يريد الدخول إليها علانية أو خلسة وتسللا، بل إن السياسة التي تفعل ذلك تستدعي المزيد فالمزيد من التدخل، لأن مصلحتها تكمن في بث أعظم قدر من الفوضى في بلادها، اعتقادا منها أن الفوضى تخيف الكبار أو تبلبل أدوارهم، وبالمقابل، فإنها، بتقويضها سلام بلادها الاجتماعي وتدمير مشتركات الشعب، تزيد دورهم في أية تسوية محتملة للصراع، لذلك لا يشغل بالها شيء قدر تعقيد أزمات وطنها وشحن العلاقات بين مواطنيها بالأحقاد، بقوة أجهزتها التي تكرس نفسها لهذا الغرض، وتتولى شحن القاع الاجتماعي بعناصر التفجر والخراب.

لم تعد سوريا منذ بداية الحراك الشعبي ضد النظام ساحة صراع بين السلطة والمعارضة وحدهما. إنها كذلك ميدان صراع بين قوى إقليمية ودولية متنوعة، تحجم اليوم عن التدخل المباشر، بقواها العسكرية الخاصة، في أزمتها، لكنها تركز أنظارها وجهدها على إطالة صراعها واستنزاف وتدمير دولتها ومجتمعها، وتحطيم ما فيها من أواصر طبيعية ومعطيات ثقافية وتاريخية. لبلوغ هذا، نراها ترسم حدودا يدور الصراع داخلها، فيها خطوط حمراء يمنع تجاوزها، نراها اليوم في علاقات إيران بتركيا والخليج، وروسيا بأميركا، ونلمس نتائجها في الصراع الدائر بين هذه القوى وفي ما بين مناصريها. لذلك، يمكننا القول: إن القتال السوري - السوري سيدوم للفترة الضرورية لإنضاج ظروف اتخاذ قرار خارجي حول ما يجب أن يؤول إليه مصير بلادنا، وإن السلاح سيتدفق عليها دون هوادة، لإقامة توازن قوى يحول دون حسم الصراع لصالح طرف من أطرافها، على أن يشبه التوازن الذي قام بين العراق وإيران طيلة سبعة أعوام من الحرب، قبل أن يتقرر حسمه في عامها الثامن.

متى تبلغ سوريا درجة تصير معها مؤهلة لتدخل خارجي مباشر؟ سيحدث هذا في حالات منها:

أن يتجه الصراع الداخلي نحو الحسم لصالح طرف دولي على حساب طرف آخر، دون أن يتمكن الحليف الداخلي للطرف الخاسر منع ذلك.

أن يبلغ الصراع درجة من الإشباع تقنع الأطراف الدولية بضرورة إنهائه، لأنه بدأ يدخل في طور يضر بمصالحها ويناقض حساباتها.

أن يتصاعد الوضع إلى حد تصعب معه السيطرة عليه، يهدد بتوريط الأطراف الخارجية جميعها أو بعضها في مأزق لا تريده.

أن يقتنع طرف دولي بأن الصراع بلغ حدوده القصوى، دون أن توافق بقية الأطراف على وقفه.

هذا يعني أن الصراع سيدور من حيث المبدأ، وفي معظمه، على يد وبواسطة القوى الداخلية، وأن سوريا هي التي ستدفع ثمنه المخيف، وأن أطرافه المحلية ليست هي الجهات التي ستتمكن من إيقافه، وأنه سيشهد تحولات كثيرة يصعب التنبؤ بها، وسيدوم لفترة غير قصيرة على الأرجح، كي لا تبقى سوريا بعده ما كانت عليه قبله، ومن يرد دليلا على ذلك فليراقب ما حدث لمدينة حمص خلال الشهرين الأخيرين، اللذين زالت المدينة أو كادت خلالهما من الوجود.

هل هناك مبالغة في ما أقول؟ أرجو ألا تكون فيه كلمة واحدة صحيحة، لكنني أرجح - لأسفي الشديد - أنه يصف الوضع الذي نذهب إليه منذ بعض الوقت، بعد أن تراكمت بصورة متزايدة المقومات الدولية والإقليمية والداخلية لذهابه إلى حيث أخشى أن يصل، وأصرخ هنا محذرا منه، قبل أن نبلغ حد الهاوية الأخير ويأخذنا النظام إلى أقلمة صراعه من أجل البقاء رغما عن شعبه عسكريا، بعد أن دوّله سياسيا، ولا يستبعد إطلاقا أن يتسبب في تدويله عسكريا أيضا.

لا بديل لحل سياسي في سوريا، إذا كنا لا نريد أن يتم تدمير مجتمعها وزوالها كدولة من الوجود. ولا بديل لنظام انتقالي يأخذنا إلى ما فيه إنقاذنا: دولة ديمقراطية، وحقوق إنسان ومواطن، ومجتمع موحد لا تمزق الخلافات في الرأي والمعتقد بناته وأبناءه، وشعب حر، عامل ومبدع!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com