العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-04-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تكلفة الثورة السورية

د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 12/4/2014

أعجب ما في النظام الرئاسي في سوريا أن الرئيس يحكم فيه سبع سنوات عجاف ما هو أطول من أي نظام رئاسي يرتكز على البرلمان في العالم. بل إن الأسد يفكر في حكم 16 سنة قادمة، وهذه إحدى المحطات التي يجب على الشعب السوري معالجتها، أن تكون فترة الرئيس أربع سنوات لولايتين، لا تزيد، ثم تنتهي ولاية رئيس الجمهورية، مثل النظام الأميركي الذي أبدعوا في صياغته مذكرين باليونان القديمة التي كانت تتخلص من روح الطغيان في كل صورة.

ولكن دون هذا التغيير ما يسميه البعض «بدائل الحائط المسدود» حيث لا يوجد ثمة أي هامش في وجه هذا النظام العاتي. وهذا البديل المريع هو «سيناريو يوم القيامة الإقليمي» في حرب لا تبقي ولا تذر.

وفي ظل العجز المصاب به مجلس الأمن الذي أصبح بتركيبه المتخلف عن تقدم الجنس البشري مكاناً لإعاقة ولادة العدل في العالم، ينقل عن هيلاري كلينتون قولها إنها وصفت «الفيتو» في مجلس الأمن بالمسخرة «الأضحوكة» وأن مجلس الأمن بات عقيماً غير منجب.

وعلينا أن نعلم أن حملة الأمم المتحدة في كوسوفو كانت تتكون من 1400 خبير يصلون إلى كل مكان، فلم تحل المشكلة فيها، حتى حلها القصف الجوي في وجه الصرب الذين لا يعرفون إلا لغة الضرب، مقابل إرسال 100 مراقب في سوريا يحجزون في 100 مكان.

لقد وصل عدد القتلى مع ديسمبر 2011 إلى 4000 مقابل 2000 قتيل من عناصر الأمن «الشبيحة»، وحسب الأمم المتحدة فقد ارتفع الرقم حتى مايو 2012 إلى 10000 قتيل و30000 لاجئ و200000 نازح. وعلينا الآن أن نقارن هذا الرقم وقد صعد الرقم من العشرات عدداً إلى مئات الآلاف. ويقدر كثيرون في ربيع عام 2014 أن رقم القتلى الفعلي ربما إلى 400 ألف، والمعطوبين والمعاقين والمشوهين 600 ألف، والمفقودين أكثر من ربع مليون (لا ننسى الميتات الشنيعة لـ11 ألفاً تم تصويرهم بشكل سادي في 55 ألف صورة توثيقية، لرفعها إلى قادة دولة المخابرات الأسدية).

هناك من أخبرني أنه من مدينة «الربيعة» الصغيرة بجنب حماة وهي علوية وقد خسرت 700 قتيل بما يشكل حالة ماحقة ساحقة أقرب للزلزال إن لم يكن أشد، فلم يبق بيت بدون حزن ودموع، فشربوا الكأس دهاقاً تلك التي أذاقوها لجيل المتظاهرين الأوائل وعائلاتهم.

وهناك من يتحدث عن 100 ألف ضحية من صفوف العلويين، وهو يعني بكلمة ثانية أن هذه الطائفة في طريقها للفناء! فهل من حماقة أكبر من هذه؟ أن يمضوا إلى الهاوية مع العائلة الأسدية؟ ولكن هذه هي سخرية التاريخ المتكررة.

وفي تقديري أنه لن يبقى حجر على حجر، وسيذكرنا الرقم في نهاية المحرقة الشامية بالحرب الأهلية الإسبانية التي كلفت أكثر من مليون قتيل؛ مع فارق النتيجة؛ فالشعوب لا تهزم، وفي النهاية ذهب «فرانكو» إلى لعنة التاريخ.

كثيراً ما يسبح بي الخيال عن ضيوف جهنم وأبوابها؟ لا أدري؟ أتذكر «جحيم دانتي» وماذا رأى فيها؟ أقول في ظني إن إحدى البوابات هي للطغاة حيث نرى ستالين وبول بوت وأتيلا وجنكيزخان وتيمورلنك وإيفان الرهيب وهتلر وتيتو والأسد أو هكذا أظن وأزعم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا: "ملاحقة الخلايا والبؤر النائمة".. الكلمة الأخطر في حديث بشار الأسد التي لا ينبغي لها أن تمر

17.04.2014

زهير سالم

في حديثه مع أساتذة وطلاب كلية العلوم السياسية انزلق بشار الأسد إلى كشف المخبوء من سريرته المريبة الحاقدة . فقد نقلت عنه وكالة سانا السورية الرسمية في نشرتها في 14 / 4 / 2014 أنه قال " موضحا أن الدولة تسعى إلى استعادة الأمن والاستقرار في المناطق التي ضربها الإرهابيون للتفرغ بعد ذلك لملاحقة الخلايا والبؤر النائمة .."

ليبقى السؤال الأخطر المطروح هو من هم ممثلو الخلايا والبؤر النائمة في مخيال بشار الأسد مجرم الحرب والمعتوه السياسي ؟! من هم هؤلاء الذين يهادنهم بشار الأسد اليوم ليكر عليهم بعد أن يحقق انتصاره على من يسميهم الإرهابيين من القوى والمواطنين الذين جهروا برفضهم لحكمه أو لظلمه بأي وسيلة من وسائل الرفض الثوري أو السياسي المادي أو المعنوي ؟! فكان منهم الثوار المقاومون ، وكان منهم الرافضون السياسيون ، وكان منهم 10 ملايين لاجئ آثروا أن يبتعدوا عن جحيم حرب يديرها عليهم الأشرار الثلاثة : بوتين وخمنئي وبشار ؟!

فهل يعتبر بشار الأسد هؤلاء الذين يحدثهم من أساتذة وطلاب كلية العلوم السياسية من الخلايا والبؤر السياسية النائمة نفسها ؟! وما قاله بشار الأسد هو رسالة تهديد مباشر بمعنى أنه يقول لهم : انتظروا حتى يدور الدور عليكم ؟!

 أم أن تفسير الخلايا والبؤر النائمة يأتي في سياق سياسي حزبي بحيث يضع بشار الأسد كلماته في خطابه الأول منذ الأيام الأولى للثورة ( لا يوجد حياد في الموقف الذي نحن فيه وكل من ليس معنا فهو ضدنا ) وعلى هذا الأساس سيعيد بشار الأسد دراسة ملفات المواطنين السوريين بعد إشاعة انتصاره الحالمة التي يطلقها ثم يجري وراءها فعل أشعب بقصته العربية الشهيرة ، ليقوم بتصفية هؤلاء المواطنين بكل وسائل التصفية التي شاركه المجتمع الدولي في تمكينه منها بما في ذلك القتل بالتجويع وتحت التعذيب وبالحرق والخنق بالغازات الكيماوية  ..

أو هل يجب أن نفسر الخلايا والبؤر النائمة تفسيرا مذهبيا طائفيا تفلت من لاوعي بشار الأسد فأفصح عنه بعد أن وسع دائرة عصبيته الطائفية الضيقة بمدد لبناني وعراقي وإيراني ، قوى داعمة بلا حدود كما يقول المراجع والقادة والساسة والعسكريون الإيرانيون ؟!

في خطابه الثاني منذ الأيام الأولى للثورة أعلن بشار الأسد أنه ( ليس رئيسا لجميع السوريين ) أي أنه رئيس فقط لمن يصفق ويمجد كان ذلك أولا ، ثم تقلصت دائرة الرسالة لتقتصر على الذين يقتلون ويعذبون وينتهكون . ومنذ ذلك التاريخ أعلن بشار الأسد أنه ذاهب إلى حرب كسر الإرادات كما أرادها ..

إن تصريح بشار الأسد أنه يستعد للتفرغ للخلايا والبؤر النائمة بعد انتصاره على الثورة والثوار الذين يسميهم بالإرهابيين يعتبر زلة اللسان التي تكشف عن السر الخطير المخبوء الذي يعده بشار الأسد للكثر من أبناء الشعب السوري ، الذين اختاروا الصمت حتى الآن على ما يجري في بلدهم وعلى شعبهم . حتى هذه الشريحة الصامتة أو المتفرجة لن تسلم من حساب بشار الأسد ووعيده ، إنها العبارة الزلة التي تكشف عما في الضمير كما يقول المحللون النفسيون...

يبقى أن نذكر كل هؤلاء الذين ما زالوا يقامرون بمستقبل الشعب السوري بالحديث عن حل سياسي يضم تحت جناحيه فريقا من القتلة ومجرمي الحرب كما تمثلت وتتمثل في شخص بشار الأسد وفريقه حالا واستقبالا أن التهديد اللامبالية يجب أن تؤخذ على محمل الجد على أعلى المستويات ، وفي كل الدوائر الدولية والإقليمية والمحلية . إذ لا يجوز الاستهانة بتهديدات المعتوهين من المجرمين الأفراد العاديين فليس بتهديد يصدر عن مجرم حرب قتل حتى الآن مئات الألوف من البشر المسالمين . ومن هنا فإننا نطالب بتحويل العبارة إلى مخابر تحليل علم نفس الجريمة والمجرمين لتحليل أبعادها وتوقع تداعياتها ..

إن الرسالة الأخطر في عبارة بشار الأسد يجب أن يقرؤها كل أولئك المتماهين مع أحاديث السحرة الذين يعملون على إهدار دماء الضحايا السوريين ومنح صكوك البراءة المسبقة للقتلة والمجرمين تحت عناوين منمقة ومموهة بأصبغة التسامح والعدل ..

إن تهديد بشار الأسد بالتفرغ للخلايا والبؤر النائمة بعد انتصاره على الثورة وقواها , هو بمثابة إعلان حرب على كل من يتبقى من أبناء الشعب السوري تحت ولايته بأي شكل من أشكال الولاية . إعلان حرب إبادة على أسس مذهبية وطائفية مقيتة وعلى أسس سياسية منغلقة يكرر  بشار الأسد من خلالها مقولة نمرود : " أنا أحيي وأميت .. "

إنه لا سلام بلا عدالة ولا عدالة بدون محاسبة المجرمين ، محاسبتهم وليس مكافأتهم كما يقول بعض السذج الغافلين

لندن 16 / جمادى الآخرة / 1435

16 / 4 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا قدّمتُ أنا؟

د. محمود نديم نحاس

هذه لفتة رائعة من الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – حيث يقول: قلت لرجل تعوّد شرب الخمر: ألا تتوب إلى الله؟ فنظر إليّ بانكسار، ودمعتْ عيناه، وقال: ادعُ الله لي. فتأملت في حال الرجل، ورقَّ قلبي. إن بكاءه شعور بمدى تفريطه في جنب الله، وحزنه على مخالفته، ورغبته في الاصطلاح معه، إنه مؤمن يقينا، ولكنه مبتلى! وهو ينشد العافية ويستعين بي على تقريبها. فقلت لنفسي: قد تكون حالي مثل حال هذا الرجل أو أسوأ! صحيح أنني لم أذق الخمر قط، فإن البيئة التي عشت فيها لا تعرفها، لكنّي ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلني أذهل عن ربي كثيراً وأنسى حقوقه. إنه يبكي لتقصيره، وأنا وأمثالي لا نبكي على تقصيرنا! قد نكون بأنفسنا مخدوعين! وأقبلت على الرجل الذي يطلب مني الدعاء ليترك الخمر، قلت له تعال ندع لأنفسنا معا: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).

قرأت هذه اللفتة البديعة بعد أن قرأت عن الأوضاع المأساوية للمشردين واللاجئين السوريين، حيث زخرت الشابكة بمقالات ومدونات كما امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الموضوع، وكلها تلقي باللوم على الآخرين فيما وصل إليه وضع السوريين، وكل من كتب يتساءل: ماذا قدّمت الدولة الفلانية؟ وماذا فعلت المنظمة العلانية؟ وماذا قدّم الأغنياء؟ وماذا فعلتَ أنت أيها القارئ؟... لكني لم أجد أحداً يتساءل: ماذا قدّمتُ أنا لإخواني هؤلاء؟ وحتى لو قدّمتُ فهل هو فعلا كل ما أستطيعه؟ وهل هو المتوقع مني؟

جاء في الحديث الذي رواه جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (كنَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ في صدرِ النَّهارِ، فجاءَ قومٌ عراةً حفاةً متقلِّدي السُّيوفِ، عامَّتُهم من مضرَ، بل كلُّهم من مضرَ، فتغيَّرَ وجْهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ لِما رأى بِهم منَ الفاقةِ، فدخلَ ثمَّ خرجَ، فأمرَ بلالاً فأذَّنَ ثمَّ أقامَ الصَّلاةَ فصلَّى، ثمَّ خطبَ فقالَ: (يا أيُّها النَّاسُ اتَّقوا ربَّكمُ الَّذي خلقَكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منْها زوجَها وبثَّ منْهما رجالاً كثيرًا ونساءً، واتَّقوا اللَّهَ الَّذي تساءلونَ بِهِ والأرحامَ. إنَّ اللَّهَ كانَ عليْكم رقيبًا) وَ (اتَّقوا اللَّهَ ولتنظر نفسٌ ما قدَّمت لغدٍ). تصدَّقَ رجلٌ من دينارِهِ، من دراهمِهِ، من ثوبِهِ، من صاعِ برِّهِ، من صاعِ تمرِهِ، حتَّى قالَ: ولو بشقِّ تمرةٍ. فجاءَ رجلٌ منَ الأنصارِ بِصُرَّةٍ كادت كفُّهُ تعجزُ عنْها، بل قد عجزتْ. ثمَّ تتابعَ النَّاسُ حتَّى رأيتُ كَومينِ من طعامٍ وثيابٍ، حتَّى رأيتُ وجْهَ رسولِ اللهِ يتَهلَّلُ كأنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ: من سنَّ في الإسلامِ سنَّةً حسنةً فلَهُ أجرُها وأجرُ من عملَ بِها من غيرِ أن ينتقصَ من أجورِهم شيئًا، ومن سنَّ في الإسلامِ سنَّةً سيِّئةً فعليْهِ وزرُها ووزرُ من يعملُ بِها من غيرِ أن ينتقصَ من أوزارِهم شيئًا).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الحرّيّة»

حازم صاغية

الحياة

السبت 12/4/2014

رأى مثقّفون كبار أنّ الفكر السياسيّ برمّته يقبل التقسيم، وإن بشيء من التعميم، إلى عائلتين كبريين: عائلة تقول بالخلاص وأخرى تقول بالحرّيّة. أمّا الأولى فمفاد دعوتها أنّ انتصار قضيّة ما (دينيّة، قوميّة، اشتراكيّة، محافظة...) يحلّ المشكلة التي تعانيها جماعة بعينها ويقيم لها ما يشبه الجنّة على الأرض. وأمّا العائلة الثانية فتذهب إلى أنّ حلاًّ خلاصيّاً كهذا لا وجود له أصلاً، لأنّ الحياة نفسها مشكلة تتفرّع إلى مشاكل. فالذين حُلّت مشاكلهم هم الجدران والطاولات والحيوانات، لكنّ ما يستطيعه البشر، عبر امتلاكهم حرّيّاتهم، هو تحسين الشروط التي بموجبها يواجهون مشكلتهم الملازمة لوجودهم.

بتطبيق هذا التعريف على العقود العربيّة الأخيرة، يتبيّن أنّ الصراعات الحاسمة والبارزة لم تكن بين دعاة العائلتين الفكريّتين، بل داخل العائلة الخلاصيّة الأولى، أي بين القوميّين والإسلاميّين، والبعثيّين والشيوعيّين، والناصريّين والبعثيّين والشيوعيّين...

ذاك أنّ أبناء العائلة الثانية، عائلة الحرّيّة، لم يكونوا مرّة على القوّة التي تجعلهم طرفاً أساسيّاً في الصراعات الكبرى. فهم ليسوا محرّكي الجماهير «ضدّ» عدوّ ما، كما أنّهم، بفعل أفكارهم، لم يكونوا من المتسلّلين إلى المؤسّسات العسكريّة لتنفيذ انقلابات تطيح عهوداً قديمة.

فأبرز هؤلاء «الحرّيّين» العرب كان المصريّ أحمد لطفي السيّد الذي، وإن سُمّي تكريماً «أستاذ الجيل»، لم يفز بمقعد انتخابيّ فيما ظلّ حزبه، «حزب الأمّة»، طرفاً أقليّاً في الحياة السياسيّة المصريّة. أمّا العراقيّان، كامل الجادرجي ومحمّد حديد، فانزلقا إلى التعاون مع النظامين العسكريّين لبكر صدقي في الثلاثينات وعبدالكريم قاسم في الخمسينات. ولئن جعل «حزب البعث العربيّ» من «الحرّيّة» أقنومه الثاني، بعد «الوحدة» وقبل «الاشتراكيّة»، إلاّ أنّه أزال كلّ التباس بتوضيحه أنّها حريّة «الأمّة» قبل أن تكون حرّيّة الأفراد.

في 2003، حين أطيح صدّام حسين الذي احتُفل قبل أيّام بالذكرى الحادية عشرة لإطاحته، دلّل العراقيّون على أنّ طلبهم المؤكّد على الحرّيّة مشوب بطلب مؤكّد، هو الآخر، على الخلاص. كان هذا إيذاناً بأنّ الواقع العربيّ لا يحتمل التقسيم الكلاسيكيّ بين العائلتين: فالسنّيّ والشيعيّ والكرديّ تجمعهم الحرّيّة ويفرّقهم افتراض واحدهم أنّ الآخر شيطانه.

بطبيعة الحال انحطّت خلاصيّة السرديّات الكبرى التي وعدت، ما بين الخمسينات والسبعينات، بنصرة الله أو الوحدة العربيّة أو ديكتاتوريّة البروليتاريا. هكذا بتنا أمام خلاصات لا تتكتّم على تجزيئيّتها ورثاثتها وخروجها من وضاعة التاريخ، نُصُبها العبوات والسيّارات المفخّخة في طول العراق وعرضه.

ثمّ انفجرت «الحرّيّة» والطلب عليها، بعيداً عن الصيغ الحزبيّة والنخبويّة، انفجارها الكبير مع ثورات «الربيع العربيّ». وبدا مؤكّداً أنّهم أرادوا الحرّيّة ويريدونها، لكنْ بدا أيضاً أنّهم يسعون إلى الخلاصيّة البائسة إيّاها. وفي سوريّة تحديداً، كان لعنف النظام واستجابته بالعسكرة أن زوّدا نزعة الخلاص مزيداً من الأنياب تعضّ بها الحرّيّة.

غنيّ عن القول إنّ هذا التجاور، المتناقض ذاتيّاً، بين الحرّيّة والخلاص حدّ من قدرة الأولى على التحوّل إلى ديموقراطيّة، بقدر ما ساعد الثانية على التحوّل موتاً معمّماً. وفيما يُحسم الصراع بينهما اليوم، وتُنكّس رايات الأمل، لا بدّ من أن تتقدّم مراجعة الأسباب التي تجعل مطلب الحرّيّة عندنا مطلباً خلاصيّاً، أو متداخلاً فيه. وهذا ما يحضّ على التناول الجذريّ لكلّ شيء، لا سيّما خرائط الأوطان التي شكّلت حواضن ذاك التجاور القاتل. فالمهمّ، في آخر المطاف، أن نعيد اختراع الحرّيّة واختراع الشروط التي تلائمها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران تخصّب اليورانيوم ونحن نخصّب معسّل الشيشة!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12/4/2014

لم يعد لبعض العرب شغل سوى الشكوى من تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة بعد التقارب الأخير بين أمريكا وإيران بعد الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. لا ندري لماذا استفاق البعض فجأة على الخطر الإيراني، مع العلم أن إيران تبني تحالفاتها ونفوذها في المنطقة منذ عشرات السنين. ألم يبدأ التغلغل الإيراني في لبنان منذ الستينات ليتم تتويجه في بداية الثمانينات بإنشاء ‘حزب الله’ الذي أصبح منذ ذلك الوقت ذراعاً إيرانياً قوياً؟ ألم يتشكل التحالف السوري الإيراني منذ أيام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أمام أعين العرب أجمعين، إن لم يكن بمباركتهم؟ ألم يكن الرئيس الأسد على علاقات ممتازة مع العرب ومع إيران على مدى عقود؟ لماذا لم يشتك البعض من ذلك التحالف السوري الإيراني وقتها؟ ألم يكن نظام الرئيس حافظ الأسد بمثابة بيضة القبان في العلاقات الإيرانية العربية؟

ألم يبدأ النفوذ الإيراني في التصاعد داخل العراق بعد الغزو العراقي للكويت مباشرة، أي منذ بداية تسعينات القرن الماضي؟ ألم يتنام أمام أعين الجميع؟ ألا يتباهى الإيرانيون هذه الأيام بأن العرب يدفعون المليارات لإسقاط هذا النظام العربي أو ذاك، ثم تأتي إيران لتستلم البلد الذي سقط فيه النظام على طبق من ذهب؟ ألم ينفق العرب مبالغ طائلة لإسقاط صدام حسين دون أن يستفيدوا من موطئ قدم في العراق، فجاءت إيران لتهيمن على العراق، ولتحوله إلى منطقة نفوذ حيوي لها؟

هل كان التمدد الإيراني في اليمن غائباً عن أذهان العرب، أم إنه كان يجري على قدم وساق أمام أعينهم دون أن يكون بمقدورهم مواجهته بالطرق الاستراتيجية المطلوبة؟

لا تلوموا إيران، فإيران لديها مشروع، اتفقنا معها أم اختلفنا. والمشروع الإيراني مبني على دعائم استراتيجية قوية، وليس مجرد نزعة توسعية مرحلية. فحين بدأت إيران تفكر ببناء مشروعها راحت تبني قوة عسكرية ونووية التفت إليها العالم أجمع. وقد ظل العالم يفاوضها على مشروعها النووي لسنوات وسنوات. وعلى الصعيد العسكري لم تعد تعتمد إيران على التسليح الغربي أو الشرقي، بل أخذت تبني ترسانة عسكرية بسواعد وعقول إيرانية. وهذا ليس جديراً بالإدانة بقدر ما هو جدير بالاحترام، حتى لو اختلف البعض معها سياسياً. وبينما ظل العرب يعتمدون على الحماية الأمريكية المتآكلة، راح الإيرانيون يعتمدون على قواهم الذاتية في التصنيع المدني والعسكري، مما جعل العالم يتعامل معهم كند وليس كتابع.

لماذا نلوم إيران بدل أن نواجهها بنفس الاستراتيجيات المبنية على القوة والتخطيط؟ لاحظوا الفرق بين الاستثمار العربي والإيراني في لبنان، فبينما استثمر العرب في بناء الفنادق والملاهي، استثمرت إيران في بناء ذراع عسكري استراتيجي رهيب داخل لبنان، بحيث أصبح ذلك الذراع الحاكم الفعلي للبنان، فلا مكان لغير القوة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً في العلاقات الدولية والمحلية. كم كان البعض محقاً عندما قارن بسخرية بين النفوذ العربي والنفوذ الإيراني في لبنان.

قال أحدهم ذات يوم، لو وقع صراع بين أتباع المشروع العربي في لبنان وأتباع المشروع الإيراني، فإن أتباع العرب سيقاتلون بالشيشة، بينما سيقاتل أتباع إيران بأعتى الأسلحة والقوات المدربة تدريباً عظيماً.

ليس حلاً ولا استراتيجية أبداً أن يحاول البعض مواجهة إيران باستئجار مجموعات مقاتلة تتصدى لها هنا وهناك، فهذه حيلة العاجزين. الحل يكمن في وضع الأسس لبناء مشروع تنموي حقيقي على كل الأصعدة العلمية والصناعية والتكنولوجية كما فعلت إيران نفسها منذ انتصار ثورتها عام 1979.

الفرق بين العرب وإيران كالفرق بين شخصين، الأول استأجر بيتاً، وظل يدفع الإيجار لمالك البيت (أمريكا) لسنوات وسنوات، فخسر ماله، بينما الثاني أخذ قرضاً، واشترى البيت، وبعد سنوات أصبح البيت ملكه.

لاحظوا كيف أن الحنكة الإيرانية استخدمت مواردها وثرواتها لبناء قوة ذاتية على المدة الطويل، بحيث أصبحت الآن قوة يٌحسب حسابها، وتحمي نفسها كالذي اشترى البيت بدل استئجاره، بينما العرب لم يفكروا بالاستثمار على المدى البعيد في بناء قوة ذاتية، فأنفقوا أموالهم على القوى الخارجية كي توفر لهم الحماية، والآن يجدون أنفسهم على صفيح ساخن، لأنهم لم يفكروا، ولم يستثمروا على المدى الطويل كإيران.

ما أحوجنا نحن العرب إلى النفس الإيراني الطويل في الاستثمار والبناء والتخطيط والصبر والمثابرة. وما أشبه الاستراتيجية الإيرانية باستراتيجية حائك السجاد العجمي الذي تشتهر به إيران عالمياً، فالحائك مستعد أن يمضي سنوات وسنوات كي يحيك سجادة عجمية رائعة بتفاصيلها البديعة دون كلل أو ملل، بينما السياسيون العرب أصحاب نفس قصير جداً، يملون بسرعة ولا يستمرون ويثابرون حتى إنجاز مشاريعهم. لهذا اعتمدوا على الأجنبي في كل شيء، بما في ذلك حماية بلدانهم من الأخطار الخارجية، دون أن يعلموا أن ذلك الأجنبي المتمثل بالولايات المتحدة لن يبقى قوياً على مر الزمان، بل سيضعف يوماً ما، وسيتركهم يرتعدون خوفاً، كما هو الحال الآن، بعد أن بدأت واشنطن تتملص من حماية حلفائها العرب، وتعقد الصفقات مع خصومهم الإيرانيين.

هل كانت إيران تحلم قبل خمسين عاماً بأن تهيمن على الكثير من البلدان العربية كالعراق وسوريا ولبنان وقريباً اليمن والكويت ودول أخرى؟ لقد كان ذلك بالنسبة للكثيرين مستحيلاً، لكنه أصبح الآن حقيقة تفقأ العيون، لأن إيران كانت تعمل على بناء مشروع على المدى الطويل، وهذا لا شك يزعج الكثير من العرب، ويجعلهم يحقدون على إيران وتصاعد نفوذها في المنطقة. لكن بدل وضع اللوم على إيران وتجييش الشعوب العربية ضدها على أساس مذهبي، لماذا لا تبنون مشاريعكم العربية الخاصة لتواجهوا بها إيران وتركيا وغيرهما من القوى الصاعدة؟ إيران تخصّب اليورانيوم، ونحن العرب نخصّب معسّل الشيشة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بعد ثلاثة أعوام: عن المتشابه والفريد في المسألة السورية والحل المطلوب

أحمد فيصل خطاب

القدس العربي

السبت 12/4/2014

لم يحدث في مسلسل الصراع بين الأنظمة والشعوب، وعبر التاريخ كله، ما حصل في سوريا في الأعوام الثلاثة الأخيرة. إنه الهول والرعب. شيء فريد في بابه على مستوى العالم .شيء ما شبيه به، إنما على مستوى أقل بكثير، حدث إبان الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت في الثلاثينيات من القرن الفائت، حين قام الجنرال فرانسيسكو فرانكو بقصف مدينة ‘غرينكا ‘ الإسبانية بالطيران مما أدى إلى مقتل نحو ثلاثة آلاف مدني، وتدمير أجزاء واسعة من المدينة .

لقد بقيت هذه الحادثة علامة فارقة في الحرب الأهلية الإسبانية حتى أن الرسام الإسباني المعروف ‘بابلو بيكاسو’خلدها في لوحة شهيرة تحمل اسم المدينة ‘غرينكا’.

وخلال الحرب الإسبانية التي دامت نحو أربع سنوات، وكانت بين الجمهوريين واليمينيين الفاشست، تداعت على إسبانيا جموع المتطوعين نحو المعسكرين المتصارعين، تماما كما حدث ويحدث في سوريا هذه الأيام: جموع غفيرة من المتطوعين من كل أنحاء أوروبا توجهت لدعم الجمهوريين، كان بينهم أسماء لامعة في الفكر والأدب العالمي: الروائي الأمريكي ‘آرنست همنغواي’، الروائي الإنكليزي’ جورج أورويل ‘والكاتب الفرنسي ‘أندريه مالرو’ والذي أصبح بعدها وزيرا للثقافة في حكومة الجنرال دوغول .

وعلى الضفة الأخرى في معسكر فرانكو والفالانج، كان هناك متطوعون كثر لكن من نوع آخر: أعداد تقدر مابين ثلاثين إلى خمسين ألفا من المحاربين المغاربة بقيادة عسكري يدعى ‘المارشال مزيان’.

كان أولئك محاربون أشداء، نشر الاعلام الفرانكوي بينهم أساطير كثيرة لدفعهم إلى القتال: مثل أن فرانكو رجل مسلم وان اليساريين والشيوعيين يريدون قتله لهذا السبب، حتى أن شاهدا ‘شاهد زور طبعا’ قال إنه رآه بأم عينه وهو يطوف حول الكعبة.

وكان ‘ الكوديو ‘ أو القائد ‘فرانكو’ لا يثق بأبناء جلدته من الإسبان، فكان حرسه الخاص كله من أولئك المغاربة، وبقي الأمر كذلك حتى وفاته عام 1975 .

ألا ترون معي هنا أوجه شبه كثيرة بين ‘ الكوديو ‘ الاسباني و’الكوديو السوري’ الذي لم يعد يثق بأبناء بلده، فأصبح معظم حراسه من الإيرانيين؟ وألا يذكركم ‘ المارشال مزيان ‘ بـ’المارشال نصر الله’ والأساطير لا بل الخرافات التي ينشرها بين أتباعه ليحثهم على القتال الى جانب النظام الأسدي الفاشي؟

لكن رغم بعض أوجه التشابه هذه بين الحالتين الإسبانية والسورية، إلا أن فارقا رئيسيا يفصل بين الحالتين: في إسبانيا كان الجنرال فرانكو هو الذي قام بانقلاب عسكري ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا عام ستة وثلاثين، في حين أن الأمر في سوريا هو تقريبا على النقيض: ثورة شعب ضــد نظام بوليسي، ودكتاتورية عسكرية مسلطة منذ أكثر من أربعة عقود على رقاب الشعب، وإذا كان ما حصل في إسبانيا تم توصيفه على أنه حرب أهلية فإن ما حدث في سوريا هو انتفاضة شعبية تحولت إلى ثورة من أجل الحرية، حاول ويحاول بعض الأطراف، وفي مقدمتهم النظام الأسدي، تحويلها إلى حرب أهلية ولكنهم لم ينجحوا في ذلك حتى الآن، والأمل أن يكون مسعاهم البائس هذا على موعد دائم مع الفشل.

وفي النهاية ، وهذا هو الأهم ، رغم المتشابه والفريد نحن جميعا شهود اليوم على اندحار الفاشست الإسبان، رغم فوزهم المؤقت في الحرب آنذاك. لقد رحل الجنرالات، وعلى رأسهم فرانكو، إلى مزبلة التاريخ وبقيت خالدة أسماء مثل بيكاسو وبابلو نيرودا، الشاعر الاسباني الذي اغتاله الفرانكويون وانتصرت في النهاية قوى التقدم .

وإذا كانت تلك ومضات من التاريخ البشري هامة فتبقى من الماضي، لكن الأهم اليوم يبقى قراءة المشهد السوري قراءة صحيحة أي العكوف على الحاضر لاستشعار المستقبل .

الأبعاد الأربعة للمشهد السوري

البعد الأول يتمثل بالشعب: بعد أربعين سنة من التزييف والتضليل، من الفساد والاستبداد والارتداد، انطلق المارد السوري فجأة كبركان ثائر، في اندفاعة حيوية زجت بمئات الآلاف من السوريين في الشوارع على شكل انتفاضة شعبية مطالبة بالحرية والعدالة، انتفاضة تحولت إلى ثورة سلمية، ثم إلى ثورة ‘نصف سلمية نصف مسلحة’.

وكان الجواب من قبل النظام منذ البداية وحتى اليوم : محاولة إخماد هذه الثورة بالبطش الجماعي والحديد والنار .

ولكن رغم كل المآسي والتضحيات ورغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام، ما يزال الشعب السوري يرفض الإذعان، يرفع راية العصيان، مصمما على أخذها، باللطف أو بالعنف، هكذا فعل أجداده الثوار .

لم يرفع أحد الراية البيضاء في سوريا، ولا يزال التصميم الأسطوري للشعب هناك على نيل الحرية، رغم كل التضحيات والدماء، يثير دهشة العالم، ما يمكن أن نطلق عليه، ودون مبالغة: المعجزة السورية .

البعد الثاني يتعلق بالنظام : يتميز هذا النظام الاسدي بأنه فريد في بابه بين كل الأنظمة العربية وحتى بين أنظمة العالم الثالث .

لسنا هنا أمام ديكتاتورية تقليدية مثل الديكتاتورية في تونس بن علي، وأختها في مصر مبارك ويمن صالح، إن الأمر يتعلق بشيء أبعد من ذلك وأخطر بكثير .

تلك الدكتاتوريات، حين انهارت بقيت وراءها، رغم الجروح والخسائر، الدولة والوطن والشعب. أما في سوريا فإن النظام الحالي، أدى ليس إلى تشويه ومسخ لماضي البلاد، وإنما عمليا يحاول أن يقوم بعملية ذبح من الوريد إلى الوريد للحاضر، والأخطر للمستقبل السوري .

وفي معرض الحديث عن المستقبل كانت المعادلة القاتلة لهذا النظام وخاصة في السنوات الأخيرة تقوم على ثلاثية مدمرة :

أ_ الاعتماد على العصبية في الداخل وتحطيم الوحدة الوطنية.

ب_على السياسة السورية في الخارج حفظ الأمن الاسرائيلي طيلة أربعين عاما.

ج_ دعم النفوذ والهيمنة والنزعة التوسعية الايرانية على حساب العالم العربي .

هذه الثلاثية التدميرية سوف تحول سوريا، اذا ما استمرت الى أطلال .

منذ أكثر من مئة عام قام مفكر سوري معروف بتشخيص دقيق له في كتاب له شهير: ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’.

يقول عبد الرحمن الكواكبي، وكأنه يعاين رأي العين الأوضاع الحالية في سوريا ومصير النظام الحالي: ‘ فنـــــاء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم، بل يشمل الدمار الأرض والناس والديار. لأن دولة الإستبداد في مراحلها الأخيرة، تضرب ضرب عشواء كثور هائج، أو مثل فيل ثائر في مصنع فخار، وتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل أن تستسلم للزوال. وإنها لا ريب إلى زوال .

البعد الثالث يتعلق بالمعارضة التقليدية والمحدثة والحراك الثوري : لقد انتقلت الثورة السورية بالشعب وقوى الحراك الثوري من الأحادية إلى ما يمكن وصفه ‘بالتذررية’ بدل التعددية المتوازنة التي تقوم عليها الديموقراطيات الحديثة ولا نزال نحن في هذه المرحلة . أما بالنسبة لهياكل المعارضة الجديدة التي نشأت بعد اندلاع الثورة، يمكن القول دون خوض في التفاصيل أن أداءها الإعلامي والسياسي لم يكن على مستوى بطولات الشعب وتضحياته، ولم يشكل الرد المناسب على جرائم النظام مع بعض الاستثناءات . لقد كان أداء متواضعا، مبلبلا مرتبكا، وحتى متناقضا. ولا يزال يسود فيه شيء من الشرذمة. الصورة ذاتها في قوى الحراك الثوري والمقاومة المسلحة.

اما البعد الرابع فهو البعد الاقليمي والدولي : لم تكن المفاجأة هنا من خصوم الشعب السوري: لا أحد عاقل ينتظر أن تقف إسرائيل أو روسيا أو إيران مع ثورة هذا الشعب . المفاجأة أتت وما تزال مما سمي كناية وتورية: ‘بأصدقاء سوريا’وفي مقدمتهم طبعا الولايات المتحدة . واضح هنا ، لكل مبتدئ في السياسة أن أمريكا وفي تناغم ضمني مع إسرائيل لا تريد أبدا أن تتوج الثورة الوطنية الديمقراطية في سوريا بالنصر لأنها بكل بساطة ستغير وجه الشرق وكل التصريحات والمواقف اللفظية الامريكية لم تكن الا لذر الرماد في العيون .

نحن إذا أمام أوضاع استثنائية في سوريا، وأمام مثل هذه الأوضاع لا بد من رجال استثنائيين يتصدون لحلها، أو على الأقل يقومون بجهود استثنائية، تتوفر فيهم شروط، المناقبية العالية والكفاءة والعمل بصدق وإخلاص وتفان مع الاستعداد لبذل كل التضحيات حتى الموت في سبيل خلاص الشعب من محنته .

لا بد من العودة إلى النبع، إلى النهر الثوري العظيم المتمثل بقوى الحرية، وتوحيد الساحات الرئيسية: الساحة السياسية، الساحة المسلحة أو العسكرية، الساحة الإغاثية، والساحة الدبلوماسية الدولية، والعمل على توحيد طاقات الشعب السوري في الوطن والمهجر، وهي طاقات هائلة مادية وفكرية وسياسية وبشرية .

لا بد من نفخ روح جديدة في الثورة السورية . والبداية هي توحيد كل القوى الوطنية الديمقراطية ضمن صبغة جبهة وطنية ديمقراطية تحت راية ‘الاتحاد ضد الاستبداد’، ضد الاستبداد الرئيسي المتمثل بالنظام الأسدي وكذلك ضد أشكال الاستبداد الأخرى التي برزت على هامش الثورة .

يعرف القائد النقابي واليساري الايطالي أنطونيو غرامشي الأزمة بأنها ‘بالتحديد تتمثل في أن العالم القديم يموت وأن العالم الجديد لا يتمكن بعد من الولادة، وفي هذا الفاصل الزمني الرمادي ، نشهد نشوء ظواهر مرضية عديدة ومتنوعة’.

فأي رجل أو رجال في سوريا سيتمكنون أخيرا من إطلاق رصاصة الرحمة على العـــــالم القديم ‘النظام القديم’ وانجــاز ولادة العالم الجديد القائم على الحرية والكرامة والعدالة والإنسانية !

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل خسر الديمقراطيون قوتهم في الائتلاف السوري؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

13/4/2014

تمخضت الانتخابات الأخيرة في الائتلاف السوري عن خروج عدد من ممثلي الاتجاه الديمقراطي من الهيئة السياسية للائتلاف، وهي الهيئة القيادية التي ينتظر أن تلعب دورا كبيرا في المرحلة المقبلة من عمر الائتلاف على نحو ما جرى التأكيد عليه في الاجتماعات الأخيرة.

وترك خروج بعض ممثلي الاتجاه الديمقراطي انطباعات متفاوتة في الوسط السوري، حيث نظر إليه بوصفه تراجعا للاتجاه الديمقراطي ودوره في الائتلاف، وتقدما للمختلفين مع هذا الاتجاه وزيادة لدورهم فيه بالمرحلة المقبلة، وهذا يعني أن الائتلاف أمام مرحلة جديدة، سيكون خلالها، وفي المرحلة التي تليها، حالة مختلفة عما كان عليه الوضع في الأشهر التسعة الماضية.

لقد اعتاد السوريون على قياس الربح والخسارة في العمل العام بمقدار عدد المقاعد التي يحتلونها في الحياة العامة وداخل مؤسساتها السياسية والاجتماعية، ورغم أن ذلك بين مؤشرات قياس القوة والضعف، فإنه ليس القياس الوحيد، بل إنه قد يكون قياسا شكليا ومخادعا بالمقارنة مع طرائق أخرى لقياس الحجم والنفوذ والدلالة عليهما عبر التعبيرات الأعمق على نحو ما تظهر في الأفكار والسياسات.

وانتقالا لرؤية الوضع في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، يمكن القول إن الائتلاف رغم كل ما فيه من مشكلات وإشكالات، فإنه شهد تطورا سياسيا وتنظيميا في المستويين الداخلي والخارجي منذ توسعة الائتلاف في صيف العام الماضي وزيادة عدد ممثلي التيار الديمقراطي فيه، وكان بين مؤشرات تطور الائتلاف حراك سياسي على المستويين الخارجي والداخلي، وسعي إلى تحسين الوضع التنظيمي بالتوجه نحو المأسسة وتعزيز العلاقة مع الجيش الحر وتشكيلاته، إضافة إلى ضم المجلس الوطني الكردي وتشكيل الحكومة المؤقتة.

ورغم أن هذه الخطوات عانت وتعاني من مشكلات وإشكالات، تجعلها غير مرضية، فإن التقدم فيها هو أحد طموحات الائتلاف للتقدم نحو مهماته الوطنية إزاء الشعب السوري والثورة السورية، وكلاهما بات بحاجة إلى إنجازات استثنائية وجبارة، وليس إلى خطوات بسيطة ومتواضعة، تصب في مسار على طريق، ينبغي السير فيه بسرعة كبرى نحو أهداف السوريين في السلام والحرية والعدالة والمساواة.

وترافق مع التقدم المحدود للائتلاف الوطني انقسام في صفوفه، اختلطت فيه الأسباب وتداخلت أشكال التعبير عنه، وهذه بعض أمراض المعارضة السورية، التي لم تتخلص منها رغم التحديات التي تواجه السوريين وسوريا، التي تفرض وحدة المعارضة أو توافق جماعاتها على النقاط الأساسية في الحد الأدنى، وقد دفعت ظروف الائتلاف الداخلية والخارجية إلى تقدم فكرة الخروج من الانقسامات إلى قائمة الأولويات في اهتمامات كثير من كتل وأعضاء الائتلاف على أعتاب الاجتماعات الأخيرة وانتخاب هيئة سياسية للائتلاف بوصفها فرصة لتوافقات وتقاربات داخلية، وبدا ذلك مطلبا لكثيرين ولو من زوايا مختلفة وربما متصارعة، مما جعل من النقاش في نبذ الانقسام وإقامة توافق أمرا صعبا وحساسا، ويحمل كل احتمالات تكريس الاختلافات، وربما الذهاب نحو التفجير.

إن يومين من النقاشات الصعبة وسط إرادة مقبولة في سويتها ومحتواها، أوصلا أغلبية كتل وأعضاء الائتلاف إلى توافق في معالجة الانقسام والذهاب إلى هيئة سياسية تمثل الأغلبية، سوف يناط بها (وبمشاركة الهيئة الرئاسية) استكمال فكرة التوافق التي تتجاوز ما تم القيام به إلى توافق أكبر يتصل بالبرنامج السياسي للائتلاف، وهو ما زال غائبا على أبواب عامين من عمره، وخلق بنية تنظيمية ومؤسسية قادرة على التجاوب مع الأهداف والغايات التي يسعى إليها الائتلاف، وإطلاق روح إيجابية تستطيع جعل الائتلاف قوة إنجاز عملي رغم الاختلافات والتباينات القائمة فيه.

لقد اعترى الخطوة الأولى من التقدم على طريق التوافق إشكالات ومشكلات، تم تجاوز معظمها، وبعضها خلف آثارا ينبغي معالجتها، لكن الأمر في النهاية يمكن اعتباره مؤشرات على طريق صحيح، ينبغي الذهاب فيه إلى نهاياته، فمصالح الشعب السوري الذي يصف الائتلاف نفسه بأنه ممثله، ومصلحة المعارضة التي يشكل الائتلاف قوتها الرئيسة، ومصلحة الائتلاف، تتطلب التقدم وبناء تشاركية وتوافقية تقود السوريين إلى أهدافهم.

إن المسار الذي بدأ مع التوافق على قائمة واحدة للهيئة السياسية للائتلاف منسجم مع جوهر الديمقراطية في الفكرة والممارسة، والمضي نحو استكمال مسيرة التشارك والتوافق داخل الائتلاف وفي عموم المعارضة، يمثل الأمر الأهم في مساعي الديمقراطيين السوريين الذين بادروا في بدايات العقد الماضي إلى محاولة إنهاض المجتمع ونخبته السياسية من أجل إحداث تغيير عميق في الحياة السورية، والخروج من مسار العيش تحت سلطة نظام الأسد. ولأن الأمر على هذا النحو من الأهمية، فإن خسارة مقاعد وأصوات في الهيئة السياسية، لا تعني خسارة للديمقراطيين الذي ربحوا روح توافق مع شركائهم في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ووضعوا لبنة أولى في طريق نحو تقدم سوري علينا أن نتمم السير فيه إلى نهاياته المأمولة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : سورية من سيفوز بالسفينة الغارقة ..؟!

15.04.2014

زهير سالم

يوما بعد يوم يفقد السوريون الأمل في دولة مدنية ديمقراطية حديثة طالما أملوا أن تخرجهم من حكم المستبد الفاسد إلى فضاء العصر إن لم يكن بكل معطياته فببعضها ..

 يتحدث الحقوقيون يوميا عن تسرب المزيد من المواطنين السوريين إن من الحياة إلى الموت ، أو من الوطن إلى مخيمات اللجوء ، حيث يعتقد أن 65 % من اللاجئين أن ( لا عود ..) كما كان يكررها غراب ( بو ) وهو يحدث صاحبه عن الجميلة لينيور التي طواها الموت ..

 ويتحدث من يقال له رئيس الحكومة السورية الحلقي عن صمود الليرة السورية في وجه ( المؤامرة الكونية ) التي تشن عليها كما تشن على بشار الأسد . ويعد بالمزيد من الاجراءات للتصدي لإرهابيي الليرة لحمايتها من الاغتيال ، وذلك بعد أن فقدت ما يزيد 75 % من قيمتها. يضم إلى ذلك عام من القحط والجفاف يضرب حبة القمح ( أم السوريين الحقيقية ) في رغيف خبزهم أو في صحن عيشهم ( البرغل ) كما تعودوا في ريفهم أن يسموه ...

ويقف شيمون بيريز بدوره على مرتفعات الجولان الغنيمة الباردة أو مكافأة الصفقة الباردة التي قدمها حافظ الأسد مقابل عرش سورية ليقول : لقد كان حافظ الأسد طاغية حقا ولكنه حمى حدودنا في إشارة إلى عجز الطاغية الوريث أن يقوم بالدور الوظيفي الذي قام به والده . ومؤكدا بنوع من الشماتة أن الاستقرار لن يعود إلى سورية في مدى منظور ..

ومع استئناف بشار الأسد لاستخدام الغازات الكيماوية السامة ضد المواطنين السوريين ، ومع إصراره على استراتيجية تدمير المستشفيات والمدارس وخزانات المياه ومع اعتماده الاستراتيجية الجديدة في تدمير شبكة الطرق والمواصلات ، ومع استشعاره أن المعركة بدأت تدخل منحى جديدا لمصلحته مما يشجعه على تقديم نفسه لخوض الانتخابات ليكون رئيسا مرة أخرى لا ندري على من ؟ ومع إصرار المجتمع الدولي ومنظماته المسئولة على الاستقالة ومع النجاح الكبير الذي حققه الائتلاف الوطني في إعادة انتخاب ( هيئته السياسية ) وإضافة ( وزيرين ) للحكومة المؤقتة العتيدة ..

يبقى السؤال الأهم عن جدوى أي انتصار يحققه أحد الطرفين بالفوز بالسفينة الغارقة والمحترقة والمحطمة ؟!

لندن : 14 / جمادى الآخرة / 1435

14 / 4 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: السياسة ورجل الدين.. علاقة تحتاج لتحرير

د. وائل مرزا

المدينة

13/4/2014

سوريا: السياسة ورجل الدين.. علاقة تحتاج لتحريرمرّةً أخرى، حدّثني أحدُ الأصدقاء بالأصالة عن نفسه، وبالنيابة عن آخرين كما فهمتُ من الحديث، مُشفقًا، ومحذّرًا بأن الحديث عن افتقار كثيرٍ من الإسلاميين للفكر السياسي المنهجي، يمكن أن يعني وُلوجًا في ساحة المحظورات السائدة في بعض أوساط المجتمعات العربية بشكلٍ عام، والسوري الراهن تحديدًا.. خاصةً، كما قال الصديق: "وإنك تشمل أحيانًا رجال دين في إطار الإسلاميين الذين تتحدث عنهم بشكل عام"، وتابع الصديق: إن هذا يمكن أن يُفهم لدى البعض بأنه مطالبةٌ بحظر تدخّل رجال الدين في السياسة، بل إن البعض الآخر يمكن أن يُفسّره، ودائمًا حسب نقل الصديق، على أنه دعوةٌ إلى فصل الدين عن السياسة!.

ورغم تفهّمي لمشاعر الصديق وشكري لاهتمامه، فقد سارعتُ وأسارعُ هنا إلى إعادة رأيي في هذا الموضوع كما ذكرتهُ سابقًا، لأنه لم يتغير في قليلٍ أو كثير.

بدأتُ بالتأكيد بأن هناك طريقةً في فهم الدين يجب حتمًا أن تُفصل عن السياسة.. وبأن هناك أفرادًا في المجتمع ربما يحملون بعض الشهادات الشرعية، وربما ينطلقون في أطروحاتهم وحركتهم من منطلق إخلاصٍ ينسجم مع حدود فهمهم، لكن من الواجب قطعًا أن يتمّ رفض مشاركتُهم في صناعة القرار السياسي بأي شكلٍ من الأشكال.. على الأقل في رأيي الذي لا أستطيع إصدار قرارات عملية من خلاله وإنما يبقى مجرد رأي،

أُكرر في كتاباتي أن هناك فرقًا دقيقًا وحاسمًا آن الأوان لإدراكه فيما يختص بعلاقة الإسلاميين، ومنهم رجال الدين، بالفكر السياسي وبصناعة السياسة، ولقد كان المقصود من الحديث سابقًا في الموضوع، ومن العرضِ هنا، الإشارة إلى أننا بحاجة إلى السياسي الذي يحمل همّ وطنه وشعبه والبشرية جمعاء من منطلقات حضارية إسلامية، ويفهم هذا العالم بتوازن وواقعية، ويمارس السياسة تنظيرًا أو تطبيقًا من خلال تلك المنطلقات،

وإلى أننا لسنا في حاجة إلى رجل الدين الذي يحاول أن يتعامل مع السياسة بناءً على مبلغ علمه من الرصيد الشرعي (النقلي البحت في أغلب الحالات)، وعلى مبلغ علمه عن الدنيا الذي يتأتى من مقتطفاتٍ من الأخبار والنقولات والقراءات.

أما إذا امتلك رجل الدين خبرةً وإمكانيات ومعرفة تمكّنه من الحركة في ساحة السياسة بما يُحقِّق مصالح بلاده، وبما يُظهر لأبناء شعبه درجة أهليته لتلك الحركة، فإن أحدًا لا يستطيع أن يضع عليه (فيتو) فقط لأن من صفاته أنه رجل دين، ثمة أمثلة، ولو كانت قليلةً، لكنها موجودة.

من هنا، قلت للصديق، هاتوا لنا رجل دين في مجتمعنا يدافع عن الحريات ويثق بقوة الإسلام الكامنة، ولا يخاف عليه بكل جلاله وعظمته من مقالٍ كُتب هنا أو كتابٍ صدر هناك أو قصيدةٍ أُلقيت هنالك، هاتوا لنا رجلًا يمثل الفكر الوسطي المنفتح الذي يرى التعاليم الإسلامية في صورتها الحقيقية: رحمةً ونعمةً ورفقًا بالناس، وتحريرًا لهم من القيود، وإطلاقًا لطاقاتهم نحو الابتكار والإبداع، حتى في المجالات التي يرى آخرون أنها قد انتهى فيها الكلام إلى قولٍ فصلٍ لا رادّ له ولا مُعقّب عليه".

هاتوا لنا رجلًا لا يستحي من إظهار عواطفه الإنسانية، يتصرفُ علنًا بطريقةٍ يراه فيها الناس بكل وضوحٍ وصراحة "متحفظًا من كل ثقل، طليقًا إلا من طراوته، حرًا إلا من قلبه.. متجاوزًا العمارات الفلسفية والفقهية.. وديعًا لا تأخذه عزّة ولا تفتنه غواية سلطة أو مال"، رجلًا يظهر بهذه القامة مقابل كثيرٍ من السادة "الناطقين باسم الله كثيرًا، الصارخين باسم الله كثيرًا، والعابسين باسم الله كثيرًا"!..

وفي الختام قلت للصديق، هاتوا لنا رجلًا يتحدث عن ملابسات تنوع التركيبة السكانية للبلاد، وعن قضايا الثقافة والتعليم والأمية والفن والأدب، وعن مصادر ووسائل تحريك عجلة الاقتصاد الداخلية والخارجية، وعن مسألة اسمها التضخم وأخرى اسمها البطالة، وعن النظام الضريبي، ونظام الضمان الاجتماعي، وعن توازنات وطبيعة العلاقات الخارجية والقواعد الناظمة لها، ويتحدث عن ضرورة توجيه الجهود والطاقات للتعامل مع هذه القضايا، بالتعاون بين قطاعات الشعب والحكومة، بشعور كاملٍ بالمسؤولية تجاه حاضر ومستقبل البلاد والعباد، دون همزٍ، ولا لمزٍ، ولا شتيمةٍ، ولا تكفير، ودون إلقاءٍ لكامل التبعة فيما يتعلق بالمشكلات على الاستعمار وعلى المؤامرات الدولية، يتجنب استسهال الاتهام بالخروج عن الملة والخيانة، وتحريك غرائز الشباب وحماسهم وتوجيههم في الاتجاه الخاطئ.

باختصار، هاتوا لنا رجلًا هذه صفاته، وصل رصيده من العلم الشرعي مداهُ، لكنه يفقه الواقع ويُعرف متغيراته ويُدرك حساسية عملية تنزيل الدين عليه.. هاتوا لنا مثل هذا الرجل، ونحن لا نقول أنه سيكون ملاكًا لا يُخطئ، أو معجزةً وكأنها هبةٌ من السماء لا تحتاج لمزيد.. وإنما فقط، ابحثوا عنه، واعملوا على إيجاده، ثم قدّموه في الصفوف، وانظروا ساعتها إذا كان أحدٌ سيمنعهُ، أو سيستطيع أن يمنعه من التفكير بالسياسة أو العمل بها بأي طريقٍ من الطرق وبأي أسلوبٍ من الأساليب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

منذ البداية لاحقهم النظام وقصف مشافيهم وأحرق عياداتهم..الأطباء وملائكة الرحمة يموتون تحت التعذيب

عارف حمزة

المستقبل

13/4/2014

حتى قبل أن يتم تحويل الثورة السلميّة في سوريّا إلى ثورة مسلحّة، كان لا بدّ من وجود أطباء، للعناية بالمتظاهرين السلمييّن، الذين تعرّضوا لاعتداءات الشبّيحة عليهم بالضرب المبرّح، قبل أن تأتي المرحلة التي يتدخّل الأمن جهاراً للاعتداء عليهم بالرصاص الحيّ. ففي التظاهرات الأولى، كان يتمّ الاعتداء على المتظاهرين من شبّيحة مأجورين من قبل النظام، ومن قبل رجال الأعمال، الذين أثروا من خلال عمليات تبييّض أموال رموز معيّنة في السلطة، أو بسبب الفساد المتراكم من قبلها. فكانوا يُحيطون بأولئك المتظاهرين ويقومون بتفريقهم بالهراوات والسكاكين. وكان على رفاقهم أخذهم إلى البيوت ليتمّ علاجهم على يد أصدقائهم طلاب الطب والتمريض، أو بواسطة رفاقهم المنخصّصين في الإسعافات الجراحيّة. ومهما كانت إصابة ذلك المتظاهر خطيرة، لم يكن من الممكن إسعافه في المشافي الحكوميّة أو الخاصة؛ التي تحوّلت إداراتها لمؤسّسات تتبع لفروع الأمن، إذ سرعان ما كانت تتصل بالأمن، ليأتوا ويعتقلوا ذلك المصاب، ثم يكملون حفلة التعذيب تلك، رغم جراحه ودمائه، في أقبية لا رحمة فيها.

في حلب، مثلاً، كان يتطوّع الملاكمون، المتدرّبون في المركز التدريبيّ الخاص بالملاكم الآسيويّ محمد غياث طيفور، للاعتداء على المتظاهرين في الشوارع، وحتى في داخل مدرّجات الدراسة في كليّات جامعة حلب، كي يخنقوا الحراك الثوريّ هناك. وتمّ اغتيال ذاك الملاكم في حادثة مشهورة من قبل الجيش الحرّ، كتهديد مباشر لطلابه في المركز التدريبي، ولآل «بري» الذين أسرفوا في الاعتداءات على المتظاهرين وأهاليهم، ليلاقوا فيما بعد مصيراً دمويّاً في حادثة شهيرة أيضاً ومرعبة. وهذا بالضبط ما حصل في التظاهرات الأولى التي خرجت في كافّة المدن السوريّة، كي يبدو الأمر وكأنّ الأهالي هم التي يعتدون على أبنائهم طواعية، كي يُعيدوهم إلى جادة الصواب، وإلى حظيرة النظام، وبأنّ رجال الأمن وقوى الأمن الداخليّ كانت تفضّ تلك المشاجرات بين الأهالي ليس إلا.

الكثير من الأطباء، وهذا الكلام ينطبق على مساعديهم، في التخدير وطلاب الطب وطلاب التمريض والمتطوّعين معهم، كانوا شجعاناً في اتخاذ موقفهم الإنسانيّ الطبيعيّ، إلى جانب جرحى التظاهرات، فقدّموا خدماتهم للجميع، بشكل احترافيّ ومجّاني، سواء في عياداتهم الشخصيّة، أو في المشافي التي يملكونها أو يعملون فيها، أو حتى في بيوتهم، أو في الشوارع الجانبيّة، التي كان يهرب إليها المتظاهرون. ثمّ اضطروا إلى إنشاء مشافٍ ميدانيّة بسيطة، قد لا تتوافر فيها أدنى المعايير المتفق عليها للقيام بعملهم الطبيّ، عندما بدأ النظام باجتياح المدن والقرى بحجة القضاء على الإرهابييّن، كوصف حكوميّ للمطالبين بالحريّة والعدالة.

تلك المشافي الميدانيّة عاشت جدرانها أصعب الأوقات، وأصعب الأنفاس، وأصعب العمليّات أيضاً... فما بالك بالجرحى والأطباء والممرضين، الذين كانوا يعملون في بعض الأحيان لأيام متواصلة، من دون راحة أو نوم، وبالاعتماد على طعام وشراب بسيطين. وكثير من الأطباء كانوا يجرون عملياتهم داخل المشفى الميدانيّ، ثم يُكملون العمليّات في البيوت والشوارع، عندما كان يتمّ قصف تلك المشافي الميدانيّة فجأة بالمدفعيّة والطائرات. وهناك حالات عدة لمسناها شخصيّاً، تمّ فيها إخراج رصاصات وزرع الأسياخ في القدمين أو اليدين، أكملها الأطباء في أماكن أخرى، بعد نقل الجرحى بسرعة من داخل غرف العمليّات البسيطة، بسبب القصف المفاجئ. وكانت نتيجة العمل الجراحيّ ممتازة. ولكن هناك الكثير من الأطباء الذين لاقوا حتفهم، بانهيار مبنى المشفى الميدانيّ فوق رؤوسهم وجرحاهم ومساعديهم وأهاليهم، بسبب القصف المفاجئ على ذلك المشفى.

الطبيب الذي يتخذ قراره بمساعدة الجرحى، وتقديم خدماته لمن تعرّض لذلك العنف الهائل من آلة القمع الوحشيّة، كان يعلم بأنّه ما عاد بإمكانه أن يعمل في عيادته الشخصيّة لمدة طويلة مقبلة، أو حتى أن تبقى عائلته بأمان في المدينة التي يعمل فيها؛ فبمجرّد أن تصل المعلومات إلى أجهزة الأمن حول طبيب قدّم خدماته لجرحى التظاهرات، ثمّ جرحى العمليّات العسكريّة، كان يؤدّي ذلك إلى هجوم الأمن على عيادته وسحله أمام الجميع وقذفه إلى السيّارة التي ستأخذه إلى المجهول الدمويّ. وإذا لم يكن موجوداً في وقت المداهمة، لحسن حظّه بالطبع، لم تكن الدوريّة تعود خالية الوفاض؛ بل كانت تقوم بنهب المعدّات الطبيّة الموجودة في العيادة، وكذلك الأثاث، وتقوم بالدعس على شهادات الطبيب بعد تكسير إطاراتها على الأرض. وكانوا في بعض الحالات يقومون بحرق العيادة نفسها، كتفريغ لشحناتهم الوحشيّة، التي نمت وزادت طوال الطريق الواصلة بين فرع الأمن وعيادة الطبيب «الخائن والإرهابيّ»!

في حالات كثيرة كان يقوم رجال الأمن بالبحث عن زوجة الطبيب وأولاده لاعتقالهم، كوسيلة ضغط عليه كي يقوم بتسليم نفسه للفرع الأمنيّ المذكور. فكان على الطبيب وضع عائلته في مكان آمن، وغير معروف للجهات الأمنيّة، إذا كان يُريد أن يمارس واجبه، من دون أن تتعرّض عائلته للخطر المحدق. ففروع الأمن لا تكترث لا لزوجته ولا لأولاده، مهما كانت أعمارهم، عندما تطلب من ذئابها المجيء بفريسة معيّنة!

الأطباء العازبون كانت حالتهم سيئة أيضاً؛ فقد تمّ الاعتداء على الكثير من آبائهم وأمهاتهم، وفصل إخوتهم وأخواتهم من الوظائف، بسبب عملهم الإنسانيّ، بتقديم الاسعافات لمواطن من مواطنيّ بلده، وليس لأحد أفراد الجيش الإسرائيليّ على سبيل المثال. ليس بسبب قسمهم في تقديم المساعدة الطبيّة لكلّ من يحتاج إليها وحسب، بل كذلك بسبب ضميرهم الحيّ في الوقوف إلى جانب الجريح والمقبل على الموت بسبب مناداته بالحريّة والعدالة.

طلاب الطب تعرّضوا للاعتقال والضرب المهين في الشوارع وساحات الجامعة وفي داخل كلّياتهم. وكثير منهم تمّ فصله بناء على توجيهات أمنيّة بحتة؛ من دون التحقيق معهم وسماع أقوالهم، ومن دون مخالفتهم لقوانين الجامعة، ومن دون أن يكون لهم الحق في الطعن بذلك القرار التعسفيّ، أمام الجهة التي حدّدها القانون. ذلك القرار الذي قضى على آمالهم في أن يكونوا أطباء في المستقبل، كنهاية مأمولة لجهدهم ودراستهم طوال سنوات الدراسة الطويلة. ولكن ذلك الفصل لا يُقارن بالقرار الذي اتخذه في قرارة نفسه، بأن يكون إنساناً قبل كلّ شيء، ويقدّم المساعدة لمن قد لا يستطيع متابعة العيش من دون مساعدته. ذلك القرار الشخصيّ الشجاع، الذي قد يودي بحياته في أيّة لحظة، خلال عمله الإنسانيّ الاعتياديّ.

هؤلاء هم الشرفاء. سيقول الكثير من الناس، ومعهم حق. وسيقولون عن الأطباء الذين هربوا من البلاد، آخذين معهم عائلاتهم وأموالهم، وصفاً غير لائق أبداً، وهذا ما يحتاج لتفصيل كبير لا يسع المجال لشرحه هنا. ولكن، كي نكون إنسانييّن أيضاً، وغير ظالمين ومتسرّعين في إطلاق الأحكام، علينا أن نلمّ بكل حالة من حالات هروب طبيب ما إلى خارج البلاد، إلماماً كاملاً. فالناس ليست متساوية لا في الشجاعة، ولا في القرارات الصحيحة، ولا في المواقف، ولا في رباطة الجأش، ولا في فهم معنى قسم أبيقراط، ولا في تحمّل أساليب الآلة القمعيّة والوحشيّة لهذا النظام الديكتاتوريّ.

أطباء كثيرون لا بدّ أن يُعاد لهم اعتبارهم مهما طال الزمن. رغم أنّهم لم يهتمّوا بذلك أولاً كي يهتمّوا بذلك في النهاية. ولا بدّ أن نعرف أماكن دفنهم الغامضة، بعد قتلهم تحت التعذيب، في أقبية الأمن. كي تذهب عائلاتهم إلى هناك وتروي ظمأه بالنظرات الجديدة للحياة الجديدة.

أطباء كثيرون ما عادوا بيننا كي يعرفوا كم عاش من بعدهم جرحى، قاموا هم بعلاجهم تحت الخطر، وعلى حساب حياتهم هم بالذات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حاجة الثائرين السوريين إلى التربية الإسلامية

د. محمود نديم نحاس

أهداني الصديق العميد المتقاعد الدكتور علي الحميد نسخة من كتابه (التربية الإسلامية وأثرها في الأمن والأداء الوظيفي). والكتاب في أصله رسالته للدكتوراه وقد تم تطبيقه على رجال الأمن، لكنه يقول في مقدمة طبعته الثانية أن الهدف الأساس منه هو إفادة جميع الموظفين في زيادة أدائهم الوظيفي ورفع إنتاجيتهم من خلال الاستغلال الأمثل للتربية الإسلامية كعامل إيجابي مؤثر. وقد أثبتت دراسته وجود علاقة طردية بين التربية الإسلامية لرجل الأمن وأدائه الأمني ودوره في مكافحة الجريمة والحد منها.

وليس في وسع هذه المقالة المختصرة أن توفّي الكتاب حقه، لكني عندما تصفحت الكتاب وجدته مادة خصبة يحتاجها كل موظف فعلاً وليس فقط رجل الأمن، وقفز إلى ذهني فوراً إلى أن هذه التربية الإسلامية يحتاجها الثائرون السوريون. فكم أزعجنا ما رأيناه على اليوتيوب من بعض التصرفات السيئة المنسوبة إلى فئة قليلة منهم، رغم أننا لا نعرف إن كان أبطال هذه التصرفات منهم فعلاً أم من الشبيحة الذين يقومون بتمثيلها لتشويه صورة المطالِبين بحقوقهم وحريتهم.

وبغض النظر عن ذلك فإن الثائرين السوريين المطالِبين بحقوقهم يحتاجون للتربية الإسلامية كي يثبتوا للعالم كله أنهم ما قاموا إلا لاستعادة حريتهم وحقوقهم المسلوبة كالعدل والمساواة.

وقد عدّد الكتاب اثنتي عشرة وسيلة من وسائل التربية، والتي ورد بعضها في أحد مراجع الكتاب، وهو كتاب العالم السوري الرباني الشيخ أبوغدة – رحمه الله - والمعنون (الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم وأساليبه في التعليم). أما وسائل التربية فيراها خمسة وهي: الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والمجتمع، ووسائل الإعلام. ومن أمثلته حول أثر التربية الإسلامية يذكر كيف أسرع المسلمون وقاموا بإحراق الخمور في طرقات المدينة عندما علموا بتحريمها، رغم صعوبة الإقلاع عن شربها لمن أدمن عليها، في حين أخفقت أكبر دولة في العصر الحديث في تطبيق قانون أصدرته سنة 1919 منعت فيه الخمر، رغم الحملة الإعلامية التي رافقت ذلك.

ويركز الكتاب على تدريس مفردات التربية الإسلامية لرجال الأمن، وهي: القرآن الكريم، الثقافة الإسلامية، التشريع الجنائي الإسلامي، الفقه الإسلامي، الأحوال الشخصية، أصول الفقه، حقوق الإنسان في الإسلام، السياسة الأمنية والوقاية من الجريمة، علم القضاء وأصول الإجراءات الجنائية. ويوضح أن القَسَم الذي يؤديه رجل الأمن عند تخرجه يؤكد ثلاثة نقاط مهمة، وهي: تقديم الإخلاص لله تعالى على كل شيء آخر، التأكيد على القيام بالواجب في إحقاق الحق ورعاية العدل بأمانة وإخلاص، وتعليق الأوامر الصادرة عن الرؤساء على شرط مهم، ألا وهو أن تكون في غير معصية الله.

إن هذه التربية التي يشير إليها الكتاب هي التربية التي يحتاجها الثائرون السوريون كي يقوموا بعملهم إخلاصاً لوجه الله تعالى، لا يريدون في ذلك علواً في الأرض ولا فسادا، ليكونوا من المتقين ولينطبق عليهم قول الله تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا. وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في العام الرابع للثورة: وقفة لاستنهاض ما هو غائب

بشار عبود

المستقبل

13/4/2014

كتب المخرج السينمائي السوري أسامة محمد، على صفحته في الفيس بوك: «الحريّة.. لمحمّد مَلَصْ»، وذلك عندما اعتقلت السلطات السورية المخرج ملص عند الحدود اللبنانية.

ليس وحده أسامة من يكتب على صفحته الحرية لأي من زملاء المهنة، عندما تُنتَقص حريته على أيدي أجهزة الأمن السورية، إذ يتسابق في إعلان هكذا موقف كل صناع الدراما والسينما السوريون، الذين أعلنوا موقفاً مؤيداً للحراك الثوري السوري، ضد النظام الديكتاتوري. فكلما وقع كاتب أو شاعر أو رسام أو فنان، في قبضة الأمن يندفع هيثم حقي، وهالة العبدالله، وهالة محمد، وثائر موسى، وعبدالحكيم قطيفان، وفارس الحلو، ونبيل المالح، ومحمد ملص، وغيرهم الكثير من المخرجين والفنانين للتنديد بالحادثة، بكلام بليغ مؤثر في الإنسانية.

لا شك أن هذا مهم، لكن السؤال الذي، بات أكثر أهمية وإلحاحاً.. هل تكفي صفحات الفيس بوك عند من يُفترض أنهم يُشكلون «ضمير الأمة»، ليعبروا من خلالها عن انحيازهم للناس؟ أين فن الثورة وأدبها من حراك ثوري شعبي استطاع أن يشعل العالم بأسره؟ أين شعر الثورة، وفكر الثورة، أين سينما الثورة، ومسرح الثورة، وأغاني الثورة، أين فكر الثورة؟

هل يكفي لهذا الضمير أن يقف عند حدود الإنتماء لوجع الناس ووجع البلد، من دون الشهادة التاريخية والعطاء الفني، القادر على حمل رسالة هذا الدم الذي يذهب كل يوم مع الريح؟ هل يمكن اعتبار فيلم «رئيس ونساء» اليوتيوبي، لفؤاد حميرة فيلماً للثورة؟ّ! وهل تقبل الثورة بفيلمي «الدم الحر» و»باب شرقي» كأفلام ناطقة باسمها، بكل ما فيهما من هزالة في الرؤية، وضعف في القيمة الفنية؟!.

وباستثناء «يا حيف» سميح شقير، وبعض مقطوعات مالك جندلي، هل نستطيع أن نتحدث عن موسيقى وأغاني لهذه الثورة اليتيمة؟ هل يكفي ما تم إنجازه حتى الآن، لرصد هذا الكم اللامتناهي من الألم والوجع لأكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث؟

في سوريا المشهد كارثي. كل وسائل الحياة تتضاءل، لا بل كل ما فيها يدعو إلى الموت والفناء. مضت ثلاث سنوات من عمر الجحيم، وإلى اليوم لا يوجد عمل سينمائي أو درامي أو مسرحي، استطاع أن يحاكي هذا الوجع.. فهل نستسلم لما روّجه النظام عند كل وسائل الإعلام الغربية بأن الثورة ليست سوى همجية الصّقّار آكل قلوب البشر؟ وهل نقف مكتوفي الأيدي أمام فرض الجزية على مسيحيي سوريا؟ هل نتفرّج على محاكم داعش والنصرة اللاشرعية بحق أبناء الثورة؟ وهل نقبل بأغاني الحماسة التي يضخها حزب الله بعقول جنوده عندما غزوا يبرود؟

هل فعلاً لا يستطيع أسامة محمد أن يخرج فيلماً خالداً كفيلم «نجوم النهار» الذي أخرجه أيام سوريا الأسد؟ وهل توقف إبداع هيثم حقي عن إخراج مسلسل يرتقي لمستوى «خان الحرير» الذي أخرجه في سوريا الأسد؟ أين هالة العبدلله التي كانت تنتج أقوى الأفلام بالاشتراك مع المؤسسة العامة للسينما أيام سوريا الأسد؟ هل يعقل أنه، وبعد هذه الثورة من الحرية على الطغيان والفساد، لم ولن يتمكن أيٌّ من هؤلاء أن يضاهوا بعمل واحد مما كانوا ينجزونه أيام سوريا الأسد؟

ثلاثة أعوام مضت ولا توجد قناة تلفزيونية واحدة استطاعت أن تكون ناطقة باسم الثورة والشعب السوري، ثلاثة أعوام وأهم وسائل التنوير الإعلامي متروكة بيد هواة لا رؤية وطنية لعملهم، ولا تمتلك حتى الحد الأدنى من الأخلاق والمصداقية، ثلاثة أعوام ولم تكلف نفسها المعارضة بأن تؤسس لوسيلة إعلامية حقيقية، وطنية، تتحدث باسم الثورة، فيما الملايين تُهدر هنا وهناك بلا أي جدوى؟..

ثلاثة أعوام، من العمل الإرتجالي العفوي، ثلاثة أعوام ولا توجد مؤسسة واحدة نستطيع أن نعوّل عليها حتى في أبسط تفاصيل إعانة الناس.. ثلاثة أعوام ولا توجد أية معطيات حقيقية كافية عن اللاجئين السوريين، الذين انتثروا كالبذار على خرائط العالم، ولا توجد هيئة سورية ثورية اهتمت بأمرهم في بلدان الشتات، أو تعمل لحمايتهم.

ثلاثة أعوام، لم تنجز معارضة الأشاوس دراسة جدية، أو خريطة جدية، عن أوضاع الناس داخل وخارج سوريا، وكيف يعيشون. كل أعداد ضحايانا مجرّد تخمينات، مسافات كبيرة تفصل بين أدنى وأعلى رقم، حتى الذين ابتلعتهم بحار الهجرة ـ غير الشرعية - لا إحصائية حقيقية لهم.

حان الوقت.. لا بل تأخرنا كثيراً، في إظهار الوجه الحقيقي الضامر للثورة، حان الوقت لكم أيها الكتاب والمخرجون والفنانون والرسامون والنحاتون والمغنون والملحنون. حان الوقت لكم أيها الشعراء والروائيون والمفكرون والمثقفون. حان الوقت لكل النخب السورية، التي تعتز بتاريخ وطن مُتجذّر في الحضارة والريادة الإنسانية. حان لكم أن تعيدوا رسم خارطة الثورة السورية بما يرتقي إلى مستوى كارثيتها وبما يليق بدمائها.. وبنبل أهدافها.

حان الوقت لكم يا من تصدّرتم مشهد المعارضة، أن تدعموا الثورة التي تكاد تفتتها العصابات الأسدية بملحقاتها الإيرانية (حزب الله)، حان الوقت كي تستعيدوا ألق الثورة من حرامية عصابات داعش والنصرة وملحقاتهما المتطرفة، حان الوقت كي يحصل الشعب السوري على أخبار ثورته من قناة وطنية!

آن للثورة أن تعود للشعب، الذي نهض ذات يوم مثل عنقاء الرماد، ورددت حناجره: الشعب يريد الحرية.. الشعب يريد الكرامة.. الشعب يريد وطناً يتسع للجميع. حان لكم أن تعلموا أن الشعب لا يريد فقط إسقاط النظام.

كاتب وإعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون بين «المحلية» و«العالمية»

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 14/4/2014

بثت محطات فضائية منذ أسبوعين تقريباً خبراً يحمل طابع المأساة الملهاة أو الملهاة المأساة، ذلك هو «إن 65 في المئة من اللاجئين السوريين يخشون ألا يروا وطنهم سوريا ثانيةً»، فإن يخرج المرء من بيته ومدينته وبلده، أمر قد يكون محبباً، حين يتم برغبته وبحوافز منه. لكن أن يتم ذلك قسراً منه وتحت ظروف مفعمة بالمخاطر والمخاوف والإذلال، فذلك شأن آخر، وهذا ما يحدث الآن في سوريا، التي تئن تحت قبضة قطعان من الوحوش البشرية وبوسائل جهنمية في القتل، مثل البراميل المتفجرة والمواد السامة والسلاح الكيميائي، الذي عاد لحلبة الفعل الإجرامي، حسب أخبار بثتها قنوات تلفازية مجدداً.

لقد أصبح المشهد اليومي في سوريا قائماً على التالي: اقتحام المنازل والمحال التجارية والمدارس وغيرها وفتحها بأعقاب البنادق والتعامل مع من يكون موجوداً:الرجال يُشبحون أو أن يُخضعوا لما هو قريب من ذلك، وإعطاء الأطفال «مُخدراً» يحول دون إزعاج الضيوف المجرمين في أثناء تعاملهم مع النساء خاصة.

ولعل أمثال أولئك الشبيحة راحوا يندمون على بعض أفعالهم المألوفة، من مثل التشبيح، في وسط النساء تحديداً وخصوصاً، على عدم تهجير إلى بلدان الجوار «لأمر في نفس يقعوب»، نعم، كان هذا المشهد اليومي شاهداً على حالة ربما لم يرَ العالم مثيلاً لها، وبعد أن تكون تلك الخطوات قد أنجزت، تأتي الخطوة الأخيرة من ذلك المشهد اليومي، وهي تلك التي تمثلت في شِقيها الأول، وهو الذي أخذ دور نهب كل ما غلى وخف في البيت، أما اللحظة النهائية من المكوث في البيت فتتمثل في إشعال نار في أرجائه ومن ثم الخروج منه.

تلك النهاية التي هي مسك الختام الذي يُلهب قلوب أبطال «المشهد إياه» على ذلك النحو وضمن ذلك الترتيب، راحت ضحاياه تتلمس الطريق المناسبة بكيفية وأخرى، حتى لو اختلف المسار، ومن أجل بعض التفصيل هاهنا، قد يصح الاستشهاد بـ«المثل الشهير» الذي يصبح ذا حضور كثيف، خصوصاً في أثناء الحروب واختراق منظومة «القيم السائدة»، أما المثل إياه فهو: «الحرة تموت ولا تأكل من ثديها»، ومع التغيير الذي يمكن أن يُضاف إلى ذلك المثل يصبح هذا الأخير بالصيغة الأخرى التالية: مع حضور البراميل المتفجرة والصواريخ والطائرات وتجويع الناس حتى الموت وحرق الأجساد إلخ، تعيش الحرة ولا تأكل من ثديها في واحدة من حالتين خصوصاً، تقوم الأولى على قدرتها على الهروب من أعين الشبيحة، أما الحالة الثانية فتتجسد في الانتحار وفي حرق الذات، وها هنا، يتماهى حرق الشبيح بفريسته المرأة، التي أقدمت على حرق نفسها، أو التي أقدمت على الهروب والهجرة إلى بلدان الجوار، لتلقى هناك، مثلاً في لبنان والأردن، الحال نفسه تحت ضغط الجوع الماحق والمرض الذي لا دواء له إلخ.

وقد نقارن هذه الحال المركبة بالنسبة إلى المرء بحال الرجال والنساء وكل من يلوذ بهما من الأبناء الآخرين، وذلك حين ينتظر الواحد ساعات طويلة أمام «سفارات الغرب المنفتح والثري والذي يحترم حقوق الإنسان»، كي يتاح له السفر إليه من أجل «الهجرة» من «وطنه السوري المدمر». أما الطريق الثاني للخلاص فيكمن في الهجرة إلى الداخل الديني العاطفي بطريقة ما، ويظهر طريق الخلاص الثالث ليفصح عن نفسه في «الهجرة» إلى السماء، حيث «تلملمه» وتمنحه السكينة والخبز.

ونلاحظ أن تلك الطرق الثلاث التي تظهر للمهاجر خلاصاً من «عالم الاستبداد والفساد والإفساد» الذي هو «عالمه - وطنه»، أي، بتعبير موارب، عن «وطنه السوري والعربي» المستباح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العشائرية والسلطة والدولة

حسين العودات

البيان

الاثنين 14/4/2014 

شكلت العشائر العراقية جيشاً لمواجهة السلطة وما زالت الحرب مستعرة بين الطرفين، كما أسست العشائر الليبية جيوشاً لمواجهة السلطة وهي تسيطر على مدن ومنشآت حيوية في ليبيا، وأنهكت عشائر دارفور الحكومة السودانية بخلافاتها منذ سنوات طويلة.

وشاركت عشائر اليمن السلطة سلطتها وما زالت تشاركها بنسبة تتزايد مع ضعف الدولة، وأخيراً اشتعلت حرب عشائرية في مصر الأسبوع الماضي راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى.. وبالإجمال لا يخلو بلد عربي من الوجود العشائري الذي يشارك السلطة سلطتها.

لم تكن للعرب قبل الإسلام دولة مركزية، وكانت الجزيرة العربية وجنوب سوريا وجنوب العراق تحت حكم العشائر، فقد كانت العشيرة تقوم بمهمات سياسية واجتماعية وثقافية وخدمية عديدة هي في الأصل من مهمات الدولة، فتمنح هويتها للمنتسبين إليها وتحميهم وتقدم لهم ضماناً اجتماعياً وتساعد الفقراء منهم وتدافع عن أراضيهم ومراعيهم، وكأنها في الواقع هي الدولة أو السلطة المركزية. كما كان التوزان العشائري راسخاَ، وهو الذي أوصل للاستقرار والأمن ومنع طغيان عشيرة على أخرى.

جاءت الرسالة الإسلامية للناس جميعاً، فنادت بالمساواة بين المؤمنين كأفراد، متجاوزة العشائرية والإثنية واللغة واللون، وأي شيء يمكن أن يشكل شبهة في تساوي البشر، وبنى سلطة مركزية قوية تولت القيام بمهام العشائر، فهمشت العشائر وحولتها إلى مؤسسة خدمات اجتماعية وتضامن اجتماعي وانتساب حميد لأبنائها، وأصبحت العقيدة الإسلامية هي الرابط الجديد بين أبناء العشائر جميعاً.

وكلما قويت السلطة المركزية كلما ضعفت العشائرية في المقابل، إلا أنه عند ضعف هذه السلطة وعدم تقديمها الخدمات يعود الناس للعشائرية لتسد ما نقص. ولأسباب عديدة ومتداخلة، حصلت العشائرية على سلطات استثنائية في الدولة الأموية وفي صدر الدولة العباسية،..

وانتعشت وقدمت خدمات جلى لأبنائها، وبقي الأمر كذلك طوال العصرين المملوكي والعثماني، اللذين اهتما بالسلطة القمعية فقط وتركا أو تناسيا وظائف الدولة الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وغيرها، واهتما بالجانب الأمني دون غيره من وظائف الدولة.

لم تستطع حركة النهضة العربية إقامة دولة أو دول في البلاد العربية بمعايير الدولة الحديثة، وخاصة منها مرجعية المواطنة ومعايير الديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص وفصل السلطات. وبدلاً من إقامة الدولة الحديثة أُقيمت سلطة فقط، مما ترك هامشاً واسعاً من وظائف الدولة للعشائرية، فلم تكتمل مرجعية المواطنة ولم تصبح موئلاً للمواطنين جميعاً..

ولم تلغ مرجعيات ما قبل الدولة، حتى أنها تركت للعشائرية سلطتها القضائية وسلطاتها التنفيذية، فبقيت العشائر مرجعية، مثلها مثل الطائفية والإثنية، تملأ الفراغ الناتج عن تقصير الدولة، وتعزز الولاء لها على حساب الولاء للدولة...

وتقدم الخدمات التي تراجعت الدولة عنها، وذلك كله على حساب مرجعية المواطنة وحساب السلطة المركزية. وقد وجدت الأنظمة الشمولية في العشائرية تنظيمات مجتمعية يمكن الاستفادة منها لإلهاء الناس، من خلال إثارة الصراعات بين العشائر، وجعلها وسيلة تشغلها عن أخطاء السلطة المركزية وآثامها، وتجلب للسلطة بعض الاستقرار.

أعتقد أنه لا ينبغي الزعم أن وجود العشائر والقبائل شر يجب تجنبه، فقد قدمت الكثير لأبنائها وربما لأبناء غيرها، ولنتذكر أن تكتيك خالد بن الوليد في معركة اليرموك، كان الاعتماد على إبقاء أبناء العشيرة الواحدة كتلة واحدة، وكانت هذه الخطة من الأسباب الرئيسية للصمود العربي أمام الجيوش البيزنطية، والأمر نفسه اتبعه سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية ضد الجيوش الفارسية، فضلاَ عن أن دور العشائر كان بارزاً في العصرين الأموي والعباسي، في الحفاظ على الإمبراطورية العربية الإسلامية.

لقد تولت العشائر خلال التاريخ وطوال مئات السنين، دور الدولة المركزية كلما ضعفت سلطة هذه الدولة، ولعبت دور السلطة المحلية، بل الدولة المحلية، إلا أن هذه الأعمال الهامة للعشائرية كانت في مرحلة ما قبل الدولة، ولا ينبغي أن تستمر، ولا بد من العمل الدؤوب لتحويل السلطة إلى دولة حديثة عصرية، تؤكد وتعزز وتعتمد مرجعية المواطنة، وتتيح للعشائرية، في الوقت نفسه، المشاركة في مؤسسات المجتمع الأهلي، ولعب دورها الاجتماعي المطلوب المساعد والرديف لدور الدولة.

إن تحقيق هذا الهدف يتطلب التدريب على قيم المواطنة، من خلال أمور ثلاثة رئيسية هي: الديمقراطية والمساواة والحرية، فهذه الأقانيم الثلاثة هي التي تبني المجتمع الذي يعتبر الدولة (وليس السلطة) مرجعيته الأساس، والحضن الدافئ الذي يحميه ويمده بنسغ الحياة ويعطيه هويته وافتخاره بدولته، على أن لا "تشيّطن" العشائرية، كما وقع عديد من السياسات العربية (المتطرفة) في هكذا خطأ، دون أن تدرس بواقعية وبنظرة عميقة ونقدية، تاريخ العشائر والمهمات التي قامت بها عندما قصّرت الدولة في ذلك.

ولنتذكر دائماً أن إقدام العشائرية أو إحجامها يتعلقان موضوعياَ بقوة السلطة المركزية أو ضعفها، وبإقامة الدولة الحديثة من عدمه، ولا يكون بالتعامل مع العشائرية بالعنف ولا برفع الصوت ولا بالقمع، إنما بالتربية على الديمقراطية، وعلى سيادة مرجعية المواطنة، بهدف أن تتحول العشائرية إلى مؤسسة اجتماعية خيرية، كغيرها من مؤسسات المجتمع الأهلي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا له من جيش حقا!

مشييل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 16/4/2014

وقف كالديك وقد تدلت الأوسمة على دفتي صدره. كان يرتدي بزة عسكرية خضراء اللون، بينما غطت أعلام النظام الجدار وراءه، فبدا المشهد لائقا بما وصفه «الانتصار الكبير»، الذي حققه في اليوم السابق ضد يبرود، البلدة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نيفا وعشرين ألف نسمة، ولها كيلومتران من الطول وقرابة كيلومتر واحد من العرض، وتبتعد أقل بقليل من عشرة كيلومترات عن طريق دمشق/ حمص السريع، لكن الجيش، الذي استخدم قسما كبيرا من قواته ضدها، عجز عن كسر مقاومتها، وحارب شهرا كاملا قبل أن يتمكن من دخولها، ويحق للديك الذي تلا بيان انتصاره على البلدة أن ينفش ريشه، ويتفاخر بالهزيمة التي أنزلها بمن سماهم «المرتزقة».

أين حصل هذا الضابط على أوسمته، ومتى نال الاعتراف ببطولاته، إذا كان لم يخض أي معركة على الإطلاق ضد من يفترض به محاربته: جيش إسرائيل الذي يحتل جزءا من وطنه، لكنه لم يحاربه، لأن نظامه يعيش معه بسلام لم تكدر صفوه ولو رصاصة طائشة أفلتت من بندقيته، خلال نيف وأربعين عاما من الاحتلال، هي في الوقت نفسه عمره كله، فبأي مسوغ يتباهى في بيانه بانتصار جيشه على شعب يفترض أنه فرد منه وينتمي إليه؟ وعن أي انتصار يتحدث؟ هل هناك كارثة تفوق في فظاعتها انتصار جيش ما على شعبه، وإعلان هذا الانتصار من دون أن يرف لمعلنه جفن، أو يشعر بالخجل من نفسه؟ وعن أي جيش بطل كان يتحدث؟ وهل يكون الجيش بطلا إذا كان قد فر ثلاث مرات خلال خمسة عشر عاما أمام الجيش الإسرائيلي، وأحجم خلال قرابة نصف قرن عن فعل أي شيء يكدر صفو عيشه في الجولان المحتل، وكانت قدراته القتالية قد تراجعت من حرب لأخرى، بدل أن تتعاظم خلال هذه الفترة الطويلة، علما بأنه لم ينجح حتى في دخول حرب يونيو (حزيران) عام 1967، وفقد 1216 دبابة خلال 24 ساعة في الحرب الثانية (حرب تشرين التحريرية)، باعتراف حافظ الأسد في حديث مع الصحافي الأميركي ارنو دو بورشغريف، وفر في الثالثة من لبنان، بعد أن ملأ شاحناته بأغنام وأبقار وبرادات وغسالات وسجاجيد وأسلحة صيد مسروقة، من دون أن ينسى ترك أسلحته للعدو، كما فعل في الحربين الأولى والثانية، أو يكون في وضع يمكنه من القتال، لأن ضباطه تخلوا عن جنوده جريا على مألوفهم في كل معركة، ولأن هؤلاء الجنود لم يجدوا من يقاتلون إلى جانبه غير منظمة التحرير الفلسطينية، التي لو لم تطعمهم لماتوا جوعا. أخيرا، عن أي مرتزقة يتحدث وعلى من يدعي؟ هل الذين دافعوا عن يبرود مرتزقة، ومن داسوا استقلال وكرامة سوريا من مرتزقة حزب الله وأبي الفضل العباس، وعصائب أهل الحق وطنيون وأبرار؟ وأي معايير وطنية أو إنسانية تسوغ استعانة جيش محلي بغزاة أغراب لمقاتلة مواطنيه.

لو كان ديك الأوسمة سوريا وعسكريا حقيقيا لخجل من قراءة «بيان الانتصار»، ولطلب من يبرود أن تسامحه بسبب ما ارتكبه مرتزقة حزب الله وحلفاؤهم السوريون والأجانب من جرائم ضدها. لكن هذا الذي يتمرجل على شعبه الأعزل ويتفاخر بالانتصار عليه، ليس وطنيا، ولو كان كذلك لآثر الانتحار كي لا يضغط على زناد بندقيته ويقتل مواطنيه، ولوجه رصاصه إلى من أصدر إليه الأوامر باجتياح يبرود وغيرها، بينما يتمدد ضباط وجنود الاحتلال تحت شمس الجولان، ويرون بعين خيالهم قادته وهم يفرون كالأرانب خلال ثلاث حروب، تاركين جنودهم فريسة للموت والأسر، وأسلحتهم غنائم لمن يسمونه كذبا «العدو».

سقطت يبرود لأن شرف الجندية انعدم لدى الذين هاجموها باسم الجيش. هذا هو السقوط المخيف الذي دمر سوريا وحول جيشها إلى قوة تكرس نفسها لإحراق بلادها، وللفتك بكل من لا ينتمي إليها أو إلى المرتزقة الذين استقدمتهم لمساعدتها على قتل عدوها الوحيد: شعب سوريا بأطفاله ونسائه، وشيبه وشبانه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتصارات الديكتاتور…

سهيل كيوان

القدس العربي

الخميس 17/4/2014

عملت ماكينة إعلام النظام السوري على تصوير حربها في مواجهة انتفاضة الشعب السوري على أنها مواجهة ضد قوى عالمية شريرة (أمريكا-الناتو-إسرائيل-أنظمة عربية- والإرهاب العالمي)، هؤلاء يدعمون قلة قليلة من ‘الخونة’ المحليين الذين باعوا بلادهم وشعبهم بثلاثين من اليورو! وبما أن جيش النظام يحقق انتصارات عسكرية في الآونة الأخيرة على كل هذه القوى العاتية وها هو يهزم إسرائيل والناتو والإرهاب العالمي والأنظمة العربية الداعمة له فهذا يعني انتصار نهجه، ويؤكد شرعيته، وليس على الشعب السوري الآن سوى أن يبتهج ويخرج للتظاهر استقبالا لجيشه المنتصر الذي لا مثيل لنصره سوى النصر على النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وحسب إعلام النظام فالإنتــــفاضة قامت أصــلا بهدف محاربة الجيش وتدمير الإقتصاد وتشريد ملايين السوريين وقتل وجرح مئات الآلاف منهم،ولإحتلال سوريا، بينما ينتفض جيش النظام ويضحي بكل هذه الأرواح كي يحرر الوطن، بل وراح يتصرف وكأنه يقاوم محتلا بالفعل، وردّ على غارات إسرئيل المحتلة لأرضه منذ عقود بأن أغار على دمشق وحمص وحلب وغيرها.

أكثر ما يحز في النفس في هذا الواقع المشوّه هو عندما تعلن أبواق النظام عن قيام الطائرات السورية بدكّ مدن وقرى سورية، الخجل هو الشعور الذي يجب أن يشعر به الطيار الذي يقوم بمثل هذه المهمات، هذا الطيار العربي الذي لم يتح له أن يقصف قوات تحتل بلاده منذ عشرات السنين، هذا الطيار الذي لم يشتبك مع طيران العدو الذي يُغير على بلده بين فينة وأخرى ولا مرة واحدة، لا شك أن طيارًا في الخمسين من العمر لا يستطيع أن يذكر اشتباكًا واحدًا مع طيران العدو، ولكنه يرمي حمولته من الموت والدمار فوق أحياء محاصرة يعيش فيها أبناء شعبه الجوعى في أحيان كثيرة دون شعور بالخزي والخجل، وكي نكون واقعيين ربما أن هناك من يخجل ولكنه عاجز على التعبير عن خجله، لأن عقوبة الخجل قد تكون الإعدام، وقد يمضي بعض الطيارين بالوهم بأنهم يحاربون العدو من خلال قصف بلدهم، على الأقل من أجل توازنهم النفسي، وربما أنهم يهنئون بعضهم البعض بالنجاح بعد كل غارة على أحياء سوريا المدمرة!

ربما هناك بعض التقدم لقوات النظام على الأرض، لكن الإنتصارات العسكرية المدعومة مباشرة بمقاتلي حزب الله وإيران وبتظهير من دولة عظمى هي روسيا لا تعني شرعية النظام واستمراره، ولو كانت الإنتصارات العسكرية تشرعن الباطل لكانت القضية الفلسطينية انتهت منذ عام النكبة، هزيمة العرب العسكرية تكررت مرات كثيرة على يد إسرائيل، ولكن هذا لم يجعل الإحتلال وتشريد شعب فلسطين أمرًا مشروعًا، دخول المستوطنين كل أسبوع إلى حرم أولى القبلتين وثالث الحرمين وآخرها يوم أمس الإربعاء بقوة السلاح لا يعني أن احتلال القدس والأقصى بات مشروعًا، إعلان المزيد من بناء المستوطنات على أرض فلسطين لا يجعلها شرعية، لكنه يعني وجود خلل في توازن القوى لصالح الباطل، إن للباطل جولات وليس جولة واحدة فقط.

ما صرح به السيد حسن نصر الله قبل أسبوعين بأن بشار الأسد سيرشح نفسه وسوف يفوز بالانتخابات الرئاسية هو استفزاز لمئات آلاف الشهداء والجرحى، ولملايين المشردين ولمشاعر الشعب السوري.

السيد نصر الله لم يبد مزهوًا بانتصارات حليفه فهو يعرف أنها ليست انتصارات، وهي أفعال لا يفتتخر بها، وطاقات هدرت وتهدر خدمة للباطل. وهو يعرف ويتناسى بشكل مقصود (فهو ذكي بما فيه الكفاية) أن الإنتفاضة السورية لم تقم أصلا لتحقيق نصر عسكري على الجيش السوري أو لتدميره، ولم تقم لمحاربة إيران أو حزب الله، والشعب السوري الذي احتضن المقاومة عندما كانت بالاتجاه الصحيح لم يتسلل ولم يندس إلى طهران لاحتلالها وليس لدى المنتفضين السوريين صواريخ تصل الضاحية ولا طيران (إف 15) لقصفها، العكس هو الصحيح، النظام استغل قيادة الجيش الموالية وعبودية حزب الله لإيران ودعم روسيا غير المحدود في مواجهة الشعب السوري.

منذ البداية حاول إعلام النظام فرض ثنائية تقول إن المعارضين للنظام هم المسلحون وأما غير المسلحين فهم مع النظام، وهذه معادلة مضلِّلة.

غالبية الشعب السوري انتفضت ولكن لم يلجأ كل المنتفضين للسلاح لأسباب كثيرة، أكثرية المنتفضين عادت لتصمت على مضض بعد تحول الإنتفاضة إلى حرب أهلية، وشعروا بخطورة ما يحاك للشعب السوري من قبل النظام نفسه ومن أعداء الربيع العربي الذين قصدوا تخريبه بمجموعاتهم الإرهابية على الأرض السورية قبل أن ينتقل إليهم، كذلك فإن الفرصة لم تتح لكل معارض استعمال السلاح.

الجيش السوري وطيرانه وكل أسلحته وكل رصاصة من المفروض أنها ملك للشعب السوري وليس ملكًا للنظام، فهي بنيت من أموال الشعب كل الشعب، ربما باستثناء الطغمة الحاكمة الفاسدة إياها التي ربحت وسمسرت من تسليح الجيش، لم يكن بحساب النظام أن قمعه للإنتفاضة السلمية بالسلاح سيؤدي إلى حرب طويلة الأمد، لقد ظن النظام أن يقمع الناس بحرب ـ البرق- ويحسم الأمر على الطريقة الهتلرية، ولكن جرت الأمور بشكل مختلف تمامًا عن تصور النظام، كذلك المنتفضون الذين أبدعوا بشتى ألوان الفنون في بداية انتفاضتهم، لم يتخيلوا أن تصل وحشية النظام وأعداء الربيع العربي إلى هذا المدى من الدموية.

أقل ما يمكن قوله بترشيح الأسد لنفسه أنه إيغال الديكتاتور في دمويته، الديكتاتور الذي استلم الحكم بتوصية من الوالد تصرّف كما لو كانت البلاد ملكًا خاصًا له ولبطانته وأسرته والمقربين، ثم وبسادية مفرطة وبعد نهر من الدماء يعلن أنه سيعيد ترشيح نفسه، وسواء وصل مرحلة الترشح أو لم يصل، وسواء نجح بفبركة انتخابات شكلية أم لم ينجح، فالسلاح لن يجعل من الباطل حقًا وهذا ينطبق أكثر ما ينطبق على نظام شيطن شعبه ودمر بلاده تمسّكا بكرسي الحكم والفساد والامتيازات الفئوية البعيدة كل البعد عن الرغبة الحقيقية للشعب السوري العظيم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com