العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20/1/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

مجزرة جامعة حلب.. من الفاعل..!!

بدرالدين حسن قربي

بإجابة مختصرة..، هو الذي ارتكب مجازر يصعب حصرها، ويرتكبها كل يوم، ولكل منها تبرير وتدبير، وعذر أقذر منه وحقير. فامتلاكه لماكنات فبركةٍ ناصبة، وطواحين كذبٍ خاطئة، وشبيحة في الإعلام عاملة على مدار الساعة، وخبرة لاتُضاهى بإدخال الخبر الصادق فيها، ليخرج خبراً جديداً يُسخّره للتغطية على جرائمه وفظائع توحشه. فالإعلام السوري من يوم يومه متميّز في الكذب والتضليل حداً وصل به منْع كل وسائل الإعلام العربية والعالمية من تغطية الخبر السوري إلا ماكان من جنسه، ليبقى الخبر صناعةً حصرية له كأقبح منتجاته.

فالطائرة الحربية التي قصفت الجامعة بصواريخها بشهادة شهود العيان وقتلت مباشرة 83 شخصاً، تصبح في رواية النظام سيارتين متفجرتين في الأرض أو بعض مضادات أرضية أطلقها بعض المعارضين المسلحين، وفشلت في إصابة الطائرة السورية القاذفة. وإنما هل تغطي هذه الرواية المهترئة مشهد الدمار الهائل والمريع والضخم والمذهل المبكي مما لايعقل معه القول بأنّ تفجيراً عابراً لسيارة مفخخة على الطريق العام، أوقع في قاعات امتحانات الطلاب كل هذا الحجم من الخسائر والإصابات. فأبسط العقول يدرك كم يبعد الطريق العام عن قاعات الامتحان، بحيث يستحيل وقوع مثل هالدمار إلا أن يكون بطائرة مفخخةٍ بأطنان الموت حمماً وصواريخ، تستهدف كعادتها عمران سوريا وتاريخها وإنسانها الذي تكفّلوا بتدميره وحرقه.

ولكن مابين حقيقة الجريمة ورواية المجرم المفبركة، يخرج علينا من يخرج بنية حسنة، أو بعض من موالي النظام مؤيدين أو منحبكجية، يتساءلون مشككين بالرواية الأصلية للجريمة عن معقولية الاتهام والجريمة وفائدة النظام منها، على طريقة ابحث في الجريمة عن المستفيد لتصل إلى المجرم، ليأخذنا في النهاية إلى براءة المجرم واتهام البريء، وينسون أو يتغافلون أن أي جريمة، أساس أمرها تثبيت الواقعة وصْفاً ومعلومة وبدقّة، لأنه الطريق الصحيح للوصول إلى المجرم، وإلا فالمسألة تدخل فيما لاجدوى منه من اللت والعجن. وعليه، يكون السؤال: هل كل مافعله النظام ويفعله من القتل والاعتقال والاغتصاب والتشريد والتهجير بمئات الألوف يقع في دائرة الفائدة له أو المصلحة العامة للناس، أم هو إجرام وتوحش، شعاره غباء وحماقة، وغطاؤه صَلَف وكِبْر وتجبّر وتألّه. ومن ثمّ فلِمَ لايكون قصف جامعة حلب وشبابها حماقةَ طيار قُتل أخوه، أو غضبَ ضابط فقد زملاء له في مواطن أخرى من مواطن الدفاع عن نظام فاشي متوحش، أو حقدَ حاقدٍ أفقده صوابه اثنان وعشرون شهراً من ثورة شعب لم يجد معها حلاً..أو...أو.. الى آخر هذه التساؤلات؟ وكيلا نذهب بعيداً، فشهودنا على تساؤلاتنا أحياء، وحلب مكان المجزرة السابقة والحالية، موجودة وباقية شجرة صبّار في حلق كل حاقد مجرم والتاريخ شاهد، فقد قام جنود الوحدات الخاصة في(11/8/1980) بأخذ عدد كبير من أهالي حي المشارقة، وهم خارجون من صلاة العيد، واقتادوهم إلى مقبرة هنانو، وفتحوا نار أسلحتهم الرشاشة عليهم، فقُتِل منهم( 83) مواطناً، وجُرِح عشرات آخرين، وتمّ دفن القتلى في خندقٍ حفرته جرافات السلطة في مقبرة هنانو. ورغم أن السبب كان فيما قيل انتقاماً لمقتل أحد الضبّاط قبل يوم في نفس الحي، فإن نظام الأسد الأب اعتبره بعد فترة بمثابة تصرف غير مسؤول وخاطيء من قبل قائد المجموعة، وأمر بصرف مبلغ 75 ألف ليرة سوري تعويضاً عن كل ضحية، وطياً لصفحة مجزرة لم يُعاقَب عليها أحد من مجرميها.

إن جريمة قصف جامعة حلب تحمل كل مواصفات الجريمة الارهابية وجرائم الإبادة بحسب القوانين والشرائع العالمية، وما حصل الثلاثاء الأسود الماضي، هو شاهد وشهادة وشهود على إجرام المجرمين وفظائع المتوحشين، مما يستدعي محاكمتهم أمام المحاكم الدولية. وإن السوريين يفهمون سكوت المجتمع الدولي عن جرائم النظام ومجازره، في مداورة التصريحات ومراوغاتها، بما يعني إطلاق يد النظام في القتل وسفك الدماء وتخريب البلد وفاءً بما وعد به، ولكن هل يتفهّم هذا المجتمع أن الطريقة التي يتعامل بها مع ثورة الشعب لسوف يجني منها الجميع ثماراً مرّة على صعيد سوريا والمنطقة والعالم. ويفهم السورييون أيضاً، مواقف بعض الدول الحليفة للنظام لسبب أو آخر، ولكن مالايتفهمونه مواقف العديد من الدول العربية الشقيقة من مواجهة الشعب السوري مع نظامه في حربه الكبرى على قيمه ودمائه وأعراضه ومدنه وبلداته وتاريخه وإنسانيته.

تبقى مجزرة جامعة حلب وصمة عار تضاف إلى سجل نظام متوحش دموي، وفاعلها معلوم،يسجل عليه أنه قصف أكثر من ثمانين مخبزاً وفي كل منها كانت مجزرة فكانت أخوة الخبز والدم، وقصف عشرات الجوامع والمآذن، ثم قصف اليوم جامعة حلب فكانت أخوة الجامع والجامعة، وأخوة العلم والدم. وهي مجازر تعبّر عن إفلاسه في قمع ثورة شعب لن يرضى بأقل من رحيله بالغاً مابلغت التكاليف، فقد قال كلمته وعرف طريقه. وهي مجزرة تدعو المجتمع الدولي للتحقيق بها وتطالبه بالإمساك بمرتكبها، الذي أراد أن يُغطي على أحد أكبر جرائمه بدعوته للحداد عليها وتعطيل الجامعات، مما لم يفعله على مجزرة من قبل رغم قتله عشرات الآلاف من السوريين. كاد المريب أن يقول: خذوني.

http://www.youtube.com/watch?v=alyonmGE13M&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=C79MY7EqrII&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=Bpbsj0d8MWg&feature=player_detailpage

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار الأسد يقيم على ظهر بارجة روسية

محمد فاروق الإمام

نشرت صحيفة الوطن السعودية عن مصادر استخباراتية أن بشار الأسد، "يقيم مؤخرا مع أسرته ومقربين محدودين منه على متن سفينة حربية في عرض البحر المتوسط، تحت حراسة روسية."

وأبلغت المصادر "الوطن" بمعلومات، تفيد بأن "الأسد يتنقل من السفينة إلى الداخل السوري بواسطة مروحية، إلا أن أغلب إقامته تكون في السفينة وفق المصادر التي أرجعت الأمر لتوفير أجواء آمنة للرئيس الذي فقد الثقة في الطوق الأمني القريب منه. إضافة إلى أن ذلك يسرع خروجه وأسرته من البلاد فيما لو تطورت الحالة الأمنية وحقق الثوار تقدما مفاجئا نحو دمشق أو داخلها، وحاصروا القصر الرئاسي".

كما ذكرت المصادر في تحليلها للأمر أن ذلك يعني أن الرئيس السوري بالفعل قد منح لجوءاً سياسياً من قبل موسكو، لكن بشكل غير معلن.

هذا الخبر قد يصدقه البعض أو ينفيه، ولكن هناك مؤشرات تدعم من يصدق مثل هذا الخبر من أوجه عدة.. أولها: إعلان وزارة الخارجية الروسية فور انتهاء خطاب الأسد الأخير وطرحه لما أسماه مبادرة سياسية في سورية، أنها تؤيد هذه المبادرة وتجد فيها حلاً مناسبا لوقف شلال الدم في سورية ومنع تقسيمها والحيلولة دون التدخل الخارجي، وأن على المعارضة السورية أن تقبل فوراً بهذه المبادرة لأنها فرصتها الأخيرة، وأن عليها أن تجلس مع بشار لمناقشة هذه المبادرة ووضع خطة طريق لتنفيذها، ولم ينتظر الروس ليستمعوا إلى ردات الفعل عند المعارضة والدول المعنية بالشأن السوري، وهذا يؤكد أن هذه المبادرة فبركت برعاية روسية على ظهر البارجة الحربية التي يقيم فيها الأسد.

ثانياً: مبادلة الأسرى الإيرانيين الثمانية والأربعين بأكثر من ألفين من المعتقلين السوريين عند نظام الأسد، في الوقت الذي يمتنع الأسد من مبادلة مئات الأسرى من الضباط الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية لدى الجيش السوري الحر التي ورطها بشار الأسد بدم السوريين، في مقابل إطلاق سراح عدد غير محدد من السوريين المعتقلين لديه، وقد تأكد هذا لدي من جهتين الأولى عندما اتصلت ببعض قادة الثوار للعمل على مبادلة أحد المعتقلين وهو وحيد أبويه ولم يتجاوز السابعة عشر من عمره مع بعض الأسرى من أعوان النظام لديهم، فجاءني الجواب لقد عرضنا هذا الأمر مرات ومرات على النظام عبر الصليب الأحمر والهلال الأحمر وكنا نجابه في كل مرة بالرفض، وكان آخر رفض يقول: لو كان كل ضباط الجبل (يقصد جبل العلويين) أسرى عندكم لن نبادلهم بمعتقل واحد، ويوم أمس شاهدت – كما شاهد العالم – فديو لأسيرين عند الجيش السوري الحر، أحدهما برتبة عميد والآخر برتبة عقيد ينتميان إلى الطائفة العلوية يتوسلان إلى بشار الأسد ليعمل على إطلاق سراحهما مقابل بعض المعتقلين السوريين كما فعل في حالة الإيرانيين، مؤكدين أنهما ليسا أقل قيمة من الإيرانيين الذين تمت مبادلتهم بمئات المعتقلين السوريين، وقد بكى الضابط وهو يتوسل رئيسه الذي باعه بثمن بخس بحسرة وهو يردد نحن لسنا أقل قيمة من الإيرانيين.

ثالثا قصف الطيران الحربي لآخر الأبنية في مطار تفتناز الذي تحصن به عدد كبير من الضباط والجنود والطيارين وجلهم من الطائفة العلوية، بعد اقتحام الثوار للمطار دون أن يفعل اي شيء للإبقاء على حياتهم، بل سعى للتخلص منهم واتهام الثوار بأنهم يقتلون الأسرى من الجنود الذين يقعون بأيديهم.

رابعاً: بشار أجبن من أن يبقى في قصره وقد بات في متناول نيران أسلحة الجيش السوري الحر المتواضعة.

كل هذه المؤشرات وغيرها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن بشار الأسد والدائرة الضيقة من حوله لم تعد تثق حتى في أبناء الطائفة العلوية الذين تورطوا بدماء السوريين، والذين تصل نعوشهم كل يوم بالعشرات والمئات إلى الساحل لتدفن في مراسيم كلاسيكية تحت عنوان (شهداء الإرهاب)!!!

الأسد ومن تبقى من أسرته بعد أن فر معظمها إلى خارج سورية حيث تكتنز أموال السوريين التي نهبتها، والحلقة الضيقة حوله ممن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، هم الآن في مأمن في البارجة الحربية الروسية من غضب وثورة الطائفة العلوية عليهم، وهذا سيكون مؤكداً وعاجلاً، كما فعلت الطائفة الدرزية الوطنية التي هبت اليوم بكل مكوناتها لتنضم إلى الثورة الشعبية في مواجهة هذا النظام الباغي، الذي ظل يدعي للأمس القريب أنه حامي الأقليات السورية، وهذا الأمر ثبت كذبه للأقليات السورية التي عاشت لمئات السنين في أخوة قل نظيرها وتعايش خلاق مع كل أبناء النسيج المجتمعي السوري، فلم يذكر لنا التاريخ السوري قديمه أو حديثه حالة تنم عن فعل مشين أو صراع مقيت ينم عن طائفية أو مذهبية أو دينية أو عرقية، فقد كان بشار بن برد لا يدخل على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان إلا والصليب مدلى على صدره، وهذا ابن العلقمي وزيراً عند المستنصر العباسي وهو شيعي، وحديثاً كان سلطان باشا الأطرش الدرزي قائداً للثورة السورية، والشيخ صالح العلي العلوي قائداً للثورة في الساحل السوري، وهذا بدوي الجبل شاعر الثورة السورية وأحد أركان الكتلة الوطنية كان علوياً، وفارس الخوري رئيساً للوزراء ورئيساً لمجلس النواب ووزيراً لأوقاف المسلمين بعد استقلال سورية مباشرة وهو مسيحي، وهذا أديب الشيشكلي رئيساً للجمهورية السورية وهو كردي، والشواهد أكثر من أن تحصى أو تذكر في هذه العجالة.

بهذه القيم وهذه الأخلاقيات وهذه الثقافة عاش الشعب السوري بكل مكوناته العرقية والدينية والمذهبية والطائفية بحب ووئام إلى أن أطل على سورية (غراب البين حافظ الأسد)، الذي عبث بهذا النسيج الرائع ومزقه إلى طوائف وأديان ونحل وأعراق، وصنفه بين موال وعميل وإرهابي وخائن، فقد عمل في بداية حكمه على التخلص من الضباط السنة في الجيش، ثم ألحق بهم الضباط المنتمون إلى الطائفة الدرزية، ومن بعدهم الضباط المنتمون إلى الطائفة الإسماعيلية، لتصفى له الأجواء مع حفنة من الضباط العلويين الذين باعوا الوطن بفتات موائد الأسد، ومجموعة من المرتزقة والفاسدين والوصوليين ممن يعبدون الدرهم والدينار ليتحكموا بسورية وثرواتها وإنسانها وأرضها ومائها وأجوائها لنحو ثلاثين سنة عجاف ذاق خلالها الشعب السوري من عذابات ومرارات وانكسارات ما لم يذقه أي شعب على وجه الأرض، وليجد صبي عائلة الأسد ومعوقها نفسه يرث كل هذا المال والجاه والسلطان وسط طغمة فاسدة أنشأها أبوه على عينه، فاغتر هذا المأفون وراح يتصرف تصرف أحمق الدولة العبيدية (الحاكم بأمر الله)، وكان الربيع العربي الذي عصف في المنطقة من تونس حتى اليمن، ولم يكن الشعب السوري وهو الذي عاش مرارة وبؤس وقسوة النظام الديكتاتوري لأكثر من أربعين سنة في منأى عن التفاعل مع هذا الربيع، فهب هبة رجل واحد يطالب بالحرية والكرامة عبر تظاهرات سلمية كان يرفع فيها الورود وأغصان الزيتون، وجوبه من أحمق قصر المهاجرين بالنار والبارود والقتل والتدمير، فلم يجد الشعب السوري بعد استقبال رصاص هذا المجرم بصدوره العارية لأكثر من ستة اشهر.. لم يجد من وسيلة إلا اللجوء إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسه وعرضه وشرفه ومقدساته، وقد دفع الثمن غالياً ولا يزال يدفع (مئة الف شهيد وضعفهم من الجرحى وأكثر من مئة ألف مفقود وأكثر من مئتي ألف معتقل وسجين وأكثر من نصف مليون مشرد خارج الوطن وأكثر من ثلاثة ملايين من النازحين داخل الوطن وتدمير العديد من المدن والبلدات والقرى)، وهو لا يزال موغل في إجرامه وبغيه، فكلنا سمعنا هتاف من كان يستمع لخطابه الأخير في الأوبرا بدمشق (شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد)، وكلنا قرأنا ما يكتبه هؤلاء الشبيحة على جدران الأبنية في المدن التي يدخلونها أو يسيطرون على بعض أحيائها (الأسد أو خراب البلد) وقد وصلت هذه الرسالة إلى الشعب السوري وهو ماض في ثورته حتى يحكم الله بينه وبين هذا الباغي مهما أقامت له موسكو وطهران من أماكن في ظنها آمنة ومهما بنت له من حصون في ظنها أنها ستحميه فالقصاص قادم لا محالة!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شبيحة الأبد وخطاب الأسد

بدرالدين حسن قربي

شبيحة للأبد، هو ذا النداء الذي طغى على كل المشهد فيما بُث على الفضائية السورية يوم الأحد الماضي 6 كانون الثاني 2013 في دار الأوبرا السورية المعدّة أصلاً لعرض الأعمال الإبداعية والإنسانية في الفن والثقافة محلياً وعالمياً. وإنما لسبب رئيس مرتبط بتركيبة النظام وبنيته، فلم يكن عجباً أن يُسجَّلَ على الدار للتاريخ، أنها قدمت عملاً أوبرالياً تشبيحياً بامتياز تعبيراً عن واقع الحال في عموم المشهد حضوراً وهتافاً وخطاباً.

فاختيار المكان يذكّر بأن أهم خطاب للزعيم النازي هتلر، وآخر خطبة له كانت في دار الأوبرا في برلين، حيث أعلن الحرب على الولايات المتحدة. وسماع الخطاب يستدعي إلى الذاكرة مباشرة الخطاب الأخير لملك ملوك أفريقيا القذافي الراحل في أول تموز/يوليو 2011 في الساحة الخضراء لتماثله معه تماماً، في كونه صادماً ومنفصلاً عن الوقع، وأشبه مايكون بطبخة بحص لافائدة مرجوة منها، ولم يكن بأكثر من تأكيد المؤكد، بأنه لم يتعلم شيئاً من ثورة الشعب السوري، بل ومصرٌ على طريقته الحوارية المفضّلة في قتل السوريين وتدمير البلد كطريقته في جوابه على طلبهم للحرية: بدكن حرية..؟ هاي منشان الحرية. ولئن حشد القذافي لخطابه تظاهرة مليونية، فإن حشد الحضور لخطاب الأسد لم يكن بأكثر من 1500 شخصاً مابين رجل وامرأة وشاب وصبية، كانوا بمثابة جوقة التصفيق المنتقاة بعناية لضرورات التمثيل والإخراج، ممن لايفوتك من الوهلة الأولى لرؤية أنوار وجوههم وسماع هتافاتهم أنهم ليسو غير شبيحة باعترافهم وبعظم لسانهم فيما شاهده الناس في صراخهم الصاخب والمتكرر: شبيحة للأبد، لاجل عيونك ياأسد.

 

وفي بعض المشهد، تلفتنا مع انتهاء خطاب بشار، وابتعاده عن المنصة في طريقه للخروج، هرولة الشبيحة باتجاهه وتدافعهم للوصول إليه مع نداءات التشبيح، فأصاب أحدهم برأسه وبقوة حنك بشار، قيل بعدها أنها نطْحَة تسببت في إصابة لسانه بجرح غير بسيط. كما تلفتنا رواية إعلامية مضحكة، لايعني إيرادها إلا التغطية على خلافها من الرعب والاحتياطات الأمنية الضخمة، نشرتها مواقع مقربة من النظام عن لسان أحد حراس مبنى الأوبرا تلهفه وانتظاره رؤية الأسد الذي كان يتوقعه مع كل موكب من مواكب السيارات الواصلة أن يكون أحدها موكب بشار الأسد ولكن ذلك لم يحصل، وبقي الأمر كذلك حتى وصلت سيارة سوداء بلا مرافقة ولا سيارات خاصة ولا مدرعة، كما يفعل حكام الخليج والأمريكان وغيرهم من العرب في هذه الأيام. نزل شباكها وإذا بالرئيس الشاب يمد رأسه ويرمي السلام على أهل المكان بتودد مطلق مع ضحكته المعروفة. وبنفس طريقة الدخول، خرج محاطاً بلفيف من الناس والحضور، وبسيارته الشخصية عاد لمكتبه.

لاشك أن النظام في كل رمزيات المشهد، تعمّد توجيه رسائل محلية وإقليمية ودولية لاتعدو العناد والمشاكسة، في وقتٍ يفتقد فيه السيطرة على معظم البلدات والمدن على الأرض بل وبعض المطارات، وفي وقت يأتيه فيه زائروه الرسميون عن طريق مطار بيروت بدل دمشق لافتقاد الأمن في كثير من مناطق دمشق وماحولها، وأن رمزية المكان الأوبراليه وما كان فيه، لن يُنْسيَ الناسَ مصير النازية وزعيمها، ولا القذافي في هربه وآخرته، وأن نظامهم لن يكون أحسن منهما عاقبةً ولا خير مآلاً.

http://www.youtube.com/watch?v=qMTsvS9dO_Q&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=_4M-_jMcDds&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=9RWy5wDFSss&feature=player_detailpage

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يفعل العرب لدعم التغيير في سوريا؟

رضوان السيد

الشرق الاوسط

11-1-2013

قال بشار الأسد إن الربيع العربي فقاعة قريبة الزوال. وليس من همي هنا مجادلة الأسد في تشبيهه، فسيرته مثل سيرة الحيات لا تنتهي، مثلما يقول المثل العربي. لكنْ على هذه «الفقاعة» جاء وزير الخارجية الإيراني إلى القاهرة للتفاوض! فرأي إيران الإسلامية وموقفها أن خطاب الأسد فرصة لا تفوت! وهو رأي أو سياسة لا يشاركها أحد فيها حتى روسيا والصين. بيد أن مصر مدت هذا الحبل لإيران منذ أشهر من خلال اقتراحها للرباعية المكونة من مصر وإيران وتركيا والسعودية، لتنتج مبادرة لحل الأزمة السورية. وجاء السعوديون مرة ثم اعتذروا فصارت اللجنة ثلاثية. ومنذ ذلك الحين جاء صالحي إلى مصر أربع مرات، وتحدث في الكثير والقليل إلا في الأزمة السورية.

والأدهى من ذلك أمر خطير عرفناه مؤخرا. فقد نشرت جريدة «القبس» الكويتية في 3/1/2013، وتبعتْها «التايمز» البريطانية في 8/1/2013 أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، زار القاهرة في شهر ديسمبر (كانون الأول) بدعوة من «الإخوان»، وليس من الدولة المصرية. وتختلف الصحيفتان في أهداف الزيارة، فتقول إحداهما إنه جاء ليطْلع أمْنيي «الإخوان» على تجربة الحرس الثوري ودوره في حماية الثورة بإيران، لأن «الإخوان» يفكرون بإنشاء جهاز مشابه. وتقول الصحيفة الأخرى: بل إن الزيارة كانت لشرح سياسات إيران تجاه بلدان «الثورات الإسلامية» باعتبار إيران ولاية الفقيه، ينبغي أن تكون نموذجا لها!

وأيا تكن أهداف زيارة سليماني - إن صحت – فهي داهية الدواهي. فالرجل مسؤول منذ قرابة عقدين عن التنظيمات الإيرانية العسكرية وشبه العسكرية في العالم العربي، وفيلقه يقاتل الآن في سوريا والعراق واليمن ضد الثورات وحقوق الشعوب. وكان قد اشتبك في جدال في الإعلام مع الرئيس أحمدي نجاد قبل قرابة العام، وتهدد بالمحاسبة أمام مجلس الشورى، فكان من ضمن ما دافع به عن نفسه قوله إنه تابع للمرشد الأعلى، وإنه من خلال تعاونه مع التنظيمات الإسلامية في العالم العربي صنع «عشر إيرانات» هي التي ستدافع عنه عند اللزوم! وعلى هذا القياس فإن الجنرال سليماني قد يلجأ لعند «الإخوان» بمصر إذا اضطر، وليس لعند حزب الله بلبنان أو لعند المالكي بالعراق، كما ظننا سابقا، ونعوذ بالله من سوء الظن!

إن هذا الاستطراد الطويل بعض الشيء في الحديث عن بعض سيرة سليماني، سببه الحركة المحمومة، والجهود المحمومة، التي تقوم بها إيران في سائر أنحاء المشرق والخليج في السنتين الماضيتين. فقد استقر المحور الإيراني وساد في أنحاء المشرق بعد عام 2007 - 2008 على أثر التفاوض مع الإدارة العسكرية الأميركية التي بدأت التفكير بالانسحاب من العراق، في مقابل عدم التعرض الإيراني للقوات المنسحبة، وعدم التعرض لإسرائيل. وهكذا حكم الإيرانيون بسلاسة وبمفردهم بعد الشراكة مع أميركا منذ عام 2003. حكم المالكي في العراق، وتمتع بشار في سوريا التي عاد إليها السفير الأميركي ودغدغته كل من تركيا وإيران. وهجم حسن نصر الله فاستولى على السلطة في لبنان وما يزال، مستخدما القوة من جهة، والتفسيرات التأويلية للخصوصية اللبنانية التي لم تجد غير إيران والأسد لصونها!

ما تغيرت السياسات الإيرانية تجاه المشرق العربي والخليج منذ مطالع القرن الواحد والعشرين على الأقل. وهي تقوم على الاستقواء والاختراق، تارة من أجل المساومة مع أميركا، وطورا من أجل الضغط على السعودية ودول الخليج الأخرى. وفي كلتا الحالتين، استخدمت إلى جانب التنظيمات الشيعية والخلايا المسلحة وغير المسلحة، حركات المعارضة الإسلامية ضد الأنظمة القائمة. ومن ضمن ذلك تنظيم الجهاد الإسلامي وحركة حماس في فلسطين. وقد أدارت كل تلك التحركات ثلاث جهات: فيلق القدس، واستخبارات النظام السوري، وأجهزة حزب الله. وفي المدة الأخيرة، وبعد الربيع العربي سيطرت على قسم من «الجهاديين» المرتبطين ب«القاعدة» أو غير المرتبطين. وهي تعتبر أنها ذات فضل على «الإخوان» بمصر لأنها هدأت أجواء غزة بعد أن أثارت هي الجهاديين هناك، والآتين من السودان عبر البحر الأحمر وسيناء، لكي تظهر مصر بمظهر المنتصر والضامن «لاستقلال» غزة، ولأمن إسرائيل في الوقت نفسه.

وما كان المالكي يميل لدعم نظام الأسد، لكن سليماني أرغمه على ذلك: بالسماح بإرسال متطوعين، وبالدعم المالي والبترولي، وبالسماح بنقل السلاح والعتاد للأسد في أجواء العراق وأرضه. والإيرانيون هم الذين طلبوا من نصر الله دعم الأسد عسكريا في بعض مناطق الحدود اللبنانية - السورية، وفي دمشق وعلى الحدود من جهتها، وهذا فضلا عن القطعات الإيرانية والخبرات الإيرانية مع قوات الأسد.

وعندما اشتدت الضغوط على المالكي من جهة الأكراد، ثم من جهة السنة، نصحته إيران بالتشدد بحيث تراجعت التهديدات بسحب الثقة منه في مجلس النواب، وهي ترى أنه إن صمد في وجه السنة فسوف يسكنون دونما تحقيق لمطالبهم، مهما ضؤلت. وإن لم يفعل فسيصيبه ما أصاب بشار الأسد. أما موقف مقتدى الصدر فستتمكن إيران من معالجته، كما عالجت مواقفه سابقا. وليس بعيدا أن تزيد التفجيرات ضد الشيعة في العراق، ليعودوا للالتفاف حول المالكي كما حصل قبل الانتخابات الأخيرة.

إن هناك تكتيكين جديدين/ قديمين لدى إيران تجاه العرب في المرحلة الجديدة. الأول الإصرار على الصمود في المناطق المخترقة مهما كلف ذلك من دماء وخراب. والثاني: الدفع باتجاه ظهور العنف والتوجهات المتطرفة ضمن الثورات والمتمردين في المناطق ذات الكثافة السنية، لتصوير الأكثرية السنية باعتبارها متطرفة في نظر أقليات المنطقة، وفي نظر المجتمع الدولي. وقد نجحت بشكل محدود في التكتيك الثاني كما يظهر من تردد الولايات المتحدة، وأوروبا، تجاه الثورة السورية. أما التكتيك الأول فقد انكشف تماما، لكن إيران لا تأبه وتعتبر أنه إن لم يخضع الثائرون على المالكي والأسد فلا بد من إبادتهم أو تستجيب الدول الداعمة للتفاوض معها وطبعا على انتصار المالكي وبقاء الأسد مهما تكن التكلفة والعواقب.

إن الأمل ألا يستجيب المصريون للخنزوانات الإيرانية. فالرئيس مرسي دعا أخيرا إلى محاكمة بشار الأسد بدلا من تنحيته وحسْب. ويكون علينا نحن العرب جميعا أن نعرف أن طول الأمد على الأزمة السورية هو أمل النظام وأمل إيران، لأن العنف سيبلغ إلى أقصى المدى، وسينتشر بين الثوار أيضا. وبخاصة أنه بعد العجز عن التوحد، والافتقار إلى السلاح بدأ التصنيف إلى إسلاميين وغير إسلاميين، وإلى معتدلين وإرهابيين. وقد تفاوض العرب والأتراك مع كل أحد من دون نتيجة. فلا بد من دعم الثورة والثوار، وتسريع عمليات إسقاط الأسد من طريق الحكومة المؤقتة، ومن طريق التسليح الجيد، وإذا غضبت الولايات المتحدة، فسترضى فيما بعد. وإلا فليقل لنا الأميركيون وغيرهم ما هو السبيل لإنهاء سفك الدم في سوريا؟!

وإذا كانت إيران تضغط لصون محورها من خلال استعمال السلاح والجيوش غير آبهة بحدود الدول وسيادتها واستقرارها، وحقوق الجوار، فلماذا لا يجري الضغط بالسياسة على حلفاء إيران وأتباعها رغم إرادة الناس في العراق ولبنان؟ والضغط كما هو معروف يكون بالاتجاهين: الضغط على المالكي للتراجع عن مظالمه عن طريق التسريع في إسقاط الأسد، والضغط على الأسد من طريق الضغط على أصدقائه في لبنان والعراق: فلماذا يبقى مقتدى الصدر من دون مستجيب من العالم العربي والخليج لكي يستطيع الصمود في موقفه غير الطائفي، وغير المتطرف؟ ولماذا تبقى الحكومة القائمة في لبنان وهي تشكل سندا للأسد، وخطرا على استقرار لبنان وأمنه؟!

يعاني المحور الإيراني من استنزاف شديد. لكنه يأمل من طريق القتال والصمود أن يفوز كما فاز من قبل. فلماذا لا نجد الوسائل ليس للاعتداء على إيران، بل من طريق دعم الذين يقاومون السيطرة والتشرذم الإيرانيين! والأمل كل الأمل الآن أن لا ينجح صالحي في إقناع المصريين أنه لا بأس بالإبقاء على «فقاعة» الأسد:

ومن لا يذدْ عن حوضه بسلاحه

يهدمْ ومن لا يظلم الناس يظلم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تمريرةَ الأسد الى طهران

وليد شقير

الجمعة ١١ يناير ٢٠١٣

الحياة

منذ اندلاع الأزمة السورية والحلول في شأنها تتأرجح بين النموذج اليمني والنموذج الليبي. ومنذ البداية استبعد الجميع الحلول وفق النموذج المصري والتونسي، فوحشية النظام لا تقاس بقمعية النظامين اللذين حكما في القاهرة وتونس.

لم تمض شهور قليلة حتى أخذ الاقتناع يزداد بصعوبة النموذج اليمني لأن حسابات الدول النافذة والمؤثرة في النظام السوري، وخصوصاً روسيا وإيران، مختلفة تماماً عن حسابات الدول التي كانت وراء دفع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، أي دول الخليج العربي والغرب والولايات المتحدة الأميركية، الى القبول بتسليم السلطة لنائبه، فهذه لم يكن في حسابها إبقاء الأزمة مفتوحة على المقايضات الإقليمية والدولية، كما هي الحال بالنسبة الى موسكو وطهران في ما يتعلق بسورية، فهما تبحثان عن الثمن المسبق لتنحي الرئيس السوري بشار الأسد، ولا تقبلان بالثمن اللاحق، وهو ما أقحم الدولتين بالتورط المباشر والعملي والعسكري في أرض الميدان السوري، دفاعاً عن النظام كي لا يمر سقوطه من دون مقابل.

بقي النموذج اليمني أملاً عند المجتمع الدولي نظراً الى تعذر النموذج الليبي، ليس بسبب الفيتو الروسي – الصيني في مجلس الأمن فقط، بل بفعل الإحجام الغربي عن خوض مغامرة تدخل عسكري قد تقود الى مواجهة مع إيران، فالرغبة في إسقاط النظام السوري بالنسبة الى هذه الدول هي البديل عن المواجهة العسكرية مع الطموحات الإيرانية الإقليمية لأنه يقطع الطريق عليها في شكل تلقائي.

وحده الرئيس بشار الأسد ظل يذكّر بالنموذج الليبي، عبر خطبه، وما كان «جرذاناً» و «حشرات» و «صراصير» عند معمر القذافي، بات «جراثيم» و «جواسيس» و «تكفيريين» عند الأسد. كلاهما استخدم فزاعة «القاعدة» والإرهاب منذ البداية.

بل إن الأسد تفوق على نفسه بالانفصال عن واقع ما يجري على الأرض السورية، وعلى القذافي الذي استهزأ بالثوار فسأل: «من أنتم؟» فالأسد توقع سلفاً في خطابه الذي عرض خلاله مبادرة حل على 3 مراحل، أن يرفضه المعارضون ولم يكلف نفسه عناء انتظار نتيجة مناورته ليترك لهم الرفض. وهو تفوق على نفسه بأسلوب الإنكار الذي يطبع سياسته إزاء الأزمة منذ بدايتها، فكرر في مبادرته الأحد الماضي اقتراحات كان ادعى أنه أنجزها، في ظهوره الخطابي أو التلفزيوني (6 مرات) ومواقفه السابقة على مدى 22 شهراً، من تنظيم مؤتمر الحوار (برئاسة نائبه فاروق الشرع)، الى تعديل الدستور (الذي أجري استفتاء مسرحي عليه) والعفو العام وتشكيل حكومة تضم المعارضة والقوانين الجديدة للأحزاب والانتخاب... كلها خطوات يعيد الالتزام بها كأنها لم تحصل، معترفاً ضمناً بأن ما أخذ يمنن به الجميع لإقدامه عليه كان مجرد مسرحيات، وهو ما يعزز صدقية المعارضة التي اعتبرتها كذلك.

بل إن الأسد تفوق على الحالة «القذافية» في مواجهة معارضيه من زنقة الى زنقة، لأن القذافي لم يستخدم براميل المتفجرات في قصف المدنيين وتدمير المدن والبلدات، ولأنه يستخدم كمية من الأسلحة وقوة النيران في قصف المدنيين، من دون أن يكون في مواجهة مع «الناتو» ولا من يحزنون، كما حصل في ليبيا.

أسقط الأسد في خطابه الأخير ما تبقى من أوهام عند بعض الوسطاء ومنهم الممثل الخاص العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي وقادة دول كانوا ما زالوا يعتقدون بإمكان اعتماد النموذج اليمني أو ما يشبهه، وقدم ما سماه أفكاراً هي أقل مما تضمنته النقاط الست في ما سمي الخطة الإيرانية للخروج من الأزمة – ما أفسح المجال أمام الأخيرة لأن تقول «تعالوا لنناقش معكم خطتنا» فيتحرك وزير خارجيتها علي أكبر صالحي لهذا الغرض. فالأفكار الإيرانية تتضمن دوراً للأمم المتحدة في الإشراف على وقف العنف والعمليات العسكرية، بموازاة خطة الإبراهيمي للمرحلة الانتقالية والتي تشمل إصدار قرار في مجلس الأمن لإرسال قوات حفظ سلام تضمن الأمن والانتقال بينما الأسد رفض كل «ما يخرج على السيادة السورية».

لم يكن خطاب الأسد سوى تمريرة الى طهران كي تتيح لها عبارة «تحت إشراف الأمم المتحدة»، الواردة في خطتها تجديد محاولتها ربط أي حل في سورية بالتسليم بنفوذها في المنطقة ككل، بما فيها العراق ولبنان، وليس صدفة أن يكون مطروحاً في كل من دمشق وبغداد وبيروت نوع من المرحلة الانتقالية التي يقاومها الدور الإيراني في كل من العواصم الثلاث على طريقته. وإذا كان الانتقال في سورية قد رُسم في اجتماع جنيف في 30 حزيران (يونيو) العام الماضي، بغياب إيران، فإن الأخيرة لا تريده بالتأكيد سابقة ترسم الانتقال في دول أخرى من دون أخذ دورها في الحسبان. سيمر وقت قبل استنفاد المحاولة الإيرانية لينتقل البحث الى «النموذج السوري» للحل في سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف: الثورة بالمشروع .. لا نملك أرصدة نحولها بل لقمة نقتسمها ... مطلوب فريق إدارة هندسي .. زهير سالم*

(( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ...)).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الأشعريين إذا أرملوا في سفر جمعوا ما عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم فأولئك مني وأنا منهم ...

 

ننام ونصحو و أهلنا في الشام جائعون . ..

يقول لسان حالنا لا نملك أرصدة نحولها بل نملك لقمة نقتسمها . فنضّر الله رجالا للحق أعانوا ضعفنا ، وجبروا كسرنا ، وفتحوا أمامنا جميعا السبيل لنستضيف على موائدنا كل يوم أما وأختا وابنا وبنتا ...

 

وليس من الحكمة بعد اليوم أن نستمر في الشكوى من الممتنعين والمقصرين والمتخاذلين ؛ بل من الأكرم أن نقرأ على أنفسنا (( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) . نقول هذا وقد سمعناهم بالأمس ينضمون إلى المستضعفين بالشكوى فيختلط المشكوّ إليه بالشاكي !!! فهل ترونها طريقة من الاعتذار المقبول ؟!

 

ومن عادة الكرام أن يبادروا بالعطاء ... (( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ))

 

إلى خبراء علم الإدارة والتنظيم التعويل في مثل هذه المبادرة عليكم والحاجة إليكم . ضعوا الكل وراءكم . وقدموا حاجة أهليكم نصب أعينكم . كيف تساعدون صاحب القطرة الدائمة . واللقمة واللقمتين والتمرة والتمرتين أن يستضيف على مائدته كل يوما ضيفا .

 

هل يمكن أن تقترح علينا مجموعة من الإداريين السوريين منظومة ليس للتأهيل والتدريب ولا لليوم التالي واستحقاقاته وإنما لنشارك أهلنا المشردين بقوت يومنا . وقواعد عيشنا الأساسية طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الرهط ...

 

نبحث عن فريق هندسة إدارية ....

يتطوع خبراؤه لتقديم آليات تعين كلا منا على الوفاء لأصحاب العطاء الأول . فلا يكون فيهم جائع ولا مريض ولا عريان .

 

فريق عملي تطوعي يقتبس جدول عمله من واجب الوقت وليس مما يريد أن يضمنه لغدهم أصحاب الامتيازات وشركاؤهم الأبعدون والأقربون . بل يضعون خطة للجمع المنظم للقليل اليومي أو الشهري لترى بعدُ على مائدة عزيز كريم .

بدلا من الشكوى أنهم لم يقدموا شيئا ، ولم يفوا بوعد ...

مطلوب مبادرة من فريق ...

ينفي عن أبناء الشام الجوع ..

إدارة مشروع تخلط الموائد ، و توصل شيئا من الذي يكون يوميا على موائدنا إلى أهلنا الذين لم يعد لديهم موائد ...

لندن :6 / ربيع الأول / 1434

18 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انقذوا سوريا

عكاظ

11-1-2013

خيبة الأمل، التي أحدثها الخطاب الأخير لرئيس النظام السوري بشار الأسد في إيجاد حل سلمي للوضع المتأزم في سوريا، دفعت إلى الاستمرار في التحرك الدولي المتسارع لإيجاد حل للأزمة السورية المتفاقمة، حيث يجتمع اليوم الجمعة في جنيف نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف، ومساعد وزيرة الخارجية الأمريكية وليام بيرنز، مع مبعوث الأمم المتحدة لسوريا الأخضر الإبراهيمي لبحث وتبادل الأفكار في الشأن السوري.

ويأتي هذا الاجتماع بعد انتقادات كثيرة من الأوساط السياسية، وخيبة أمل الأمم المتحدة لخطاب ورؤية الأسد التي لم تأت بجديد ولم تسهم في التوصل لحل ينهي معاناة الشعب السوري المتصاعدة.

ولعل التطورات الأخيرة وشبه الإجماع الدولي على استبعاد الرئيس الأسد من الحل، واعتبار بيان جنيف والذي صدر في يونيو من العام الماضي كأساس للحل، ورأي رئيس الائتلاف السوري أحمد معاذ الخطيب بقبول حكومة انتقالية، والتواصل مع قادة في النظام السوري ممن لم تكن لهم صلة مباشرة في الحرب ضد الشعب السوري حتى لا يكون هناك فراغ سياسي وأمني يضر بالشعب السوري.. لعل كل هذه التطورات تكون جزءا من النقاش، وصولا للحل الشامل والمأمول.

إن التحرك الدولي السريع والجاد للتوصل إلى خطة شاملة لما بعد الأسد بات مطلبا ملحا لإنهاء هذه الأزمة، وإنقاذ سوريا وشعبها من المزيد من التدهور والتشريد والتدمير، وبخاصة بعد تنامي القوى المعارضة للنظام السوري، وتزايد قوة الائتلاف والتخطيط لحكومة انتقالية بعيدا عن الأسد ورفاقه.

«عكاظ»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار.. إرضاء إيران على حساب المؤيدين

التاريخ: 11 يناير 2013

الوطن السعودية

الشارع السوري غاضب من الرئيس الأسد والمؤسسة الأمنية، لكن هناك فرقا هذه المرة، فالغضب من النظام طال مؤيدي الرئيس السوري نفسه. والسبب: الصفقة التي تمت بين النظام وبين الجيش الحر، والتي تم من خلالها إطلاق سراح 48 إيرانيا كان الجيش الحر قد اعتقلهم قرب دمشق منذ شهور، مقابل إطلاق أمن النظام سراح 2130 معتقلا من الثوار السوريين، إضافة إلى إطلاق سراح أربعة طيارين أتراك، قال إعلام النظام أنهم اعتقلوا داخل الأراضي السورية.

غضب مؤيدي الأسد يستند إلى سببين رئيسيين، السبب الأول: هو أن اتفاق التبادل لم يشمل أي أسير من الجيش أو المواطنين السوريين المؤيدين للنظام، وهم بالآلاف، الذين وقعوا في قبضة الجيش الحر، ومن بينهم ضباط برتب رفيعة. هذه الحقيقة ستسبب بشكل خاص غضبا واسعا بين أهالي المخطوفين من الطائفة العلوية، الذين يشكلون عصب الجيش السوري الذين وقفوا إلى جانب النظام، هؤلاء كانوا يأملون أن يستغل النظام اعتقال الضباط الأتراك، ويساوم على إطلاق بعض الأسرى من أبناء البلد، الذين قضوا شهورا طويلة في قبضة الجيش الحر. ولذلك جاء خبر التبادل كالصاعقة على أهالي هؤلاء الأسرى، الذين بدؤوا يعيدون النظر في ولائهم لهذا النظام الذي لا يهتم حتى لأقرب مؤيديه.

السبب الثاني: الذي أغضب معسكر مؤيدي الرئيس السوري، كان عدم التوازن بين أعداد المعارضين الذين أطلق سراحهم والمعتقلين الإيرانيين. وإذا كان ثمن المواطنين رخيصا في نظر القيادة لدرجة مبادلة المئات منهم مقابل عشرات الإيرانيين، فلماذا لم تستغل الحكومة السورية وجود الضباط الأتراك ضمن الصفقة؟.

الحكومة التركية كانت حريصة على استعادة مواطنيها ولعبت دورا هاما في إتمام الصفقة، فلماذا كل هذا الخلل في التوازن من حيث العدد؟.

إن الشكل الذي تمت به هذه الصفقة يظهر بدون رتوش مدى حرص النظام السوري على إرضاء حليفه الإيراني، حتى لو كان ذلك على حساب مؤيديه الرئيسيين في الشارع السوري. وربما جاء حرص بشار على إرضاء النظام الإيراني لمساعدته على تبرير استمرار دعم دمشق أمام الشعب الإيراني، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية الإيرانية باتت على الأبواب.

تكلفة صفقة التبادل في الشارع السوري ربما لم تظهر بعد، والأيام القادمة قد تكشف حجم الثمن الذي سيتعين على النظام السوري دفعه لموافقته عليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبراهيمي الذي خدعه النظام السوري..

التاريخ: 11 يناير 2013

الرياض السعودية

من اكتشفَ خدعة الآخر، الإبراهيمي الذي طاف المدن وتحدث لوسائل الإعلام العالمية المقروءة والمرئية، وكيف حاول أن يقدم العديد من الأفكار والطروحات وهو الذي خاطب مختلف القوى بلغاته التي يجيدها، أم الأسد الذي راوغ ولبس ثوب الحملان والضواري، والذي عمل منذ بداية الصدام على الإبادة والتدمير، والاتكاء على كتفيْ إيران وروسيا، ونعومة التعامل من قبل الصين؟

ولعل الخطاب الأخير هو الذي أشعر الإبراهيمي بفشل مهمته ونهايتها غير السعيدة، بعد مغامرة كان الأوْلى أن لا يخوضها، وهو الخبير بساسة المنطقة العربية وأدوارهم المتقلبة والمعقدة..

لم يعد تدويل القضية السورية وارداً؛ لأن التدخل العسكري، وهو الحاسم في كسب النتيجة، أمر مستبعد لأسبابه المختلفة بين جبهات الصراع الداعمة بشكل سخي ومباشر للسلطة، ومن ينتظر النتائج بناء على تزايد قوة وضغط الجيش الحر والمعارضة، والأسد من جانبه أدرك أن المسافة بين الاستسلام والموت تحكمها ضغوط من حوله حيث قيل إن الإصرار على الاستمرار بالعمل العسكري تقوده أمه وبعض المتنفذين حولها من أبناءٍ وأصهار وموالين..

الحلول السياسية انتهت لأنها، في زعم الأسد، منحازة ولا تفي بشروطه، ويبدو أنه مغيّب عن الواقع الذي يجري بسبب ما يتلقاه من تقارير تعاكس الحالة الواقعية التي تجري عليها الأوضاع على الأرض، وهذه مشكلة من يُحكم بقوى لا تساعده على الفهم والاطلاع المباشر، أي أنه صار مجرد واجهة لنفوذ لا يقوى على مواجهته، وهذا لا يعني أنه حمامة السلام في قطيع الذئاب بل هو جزء من العصابة التي تحددت أهدافها بقتل الشعب وتدمير ثرواته..

قد كثرت التكهنات حول مصير النظام، فهناك من يعتقد أنه أعد لنفسه دولة في الشمال بحماية طائفته، وآخر يرشحه باللجوء إلى إحدى دول أمريكا الجنوبية، أو روسيا، وثالث يرى في مكابرته بالاستمرار بالحرب أن يكون مصيره كمصير القذافي، وحتى لو استمر فمطالب ما دمره من بنية اقتصادية شاملة لا تقوى على إعمار بلده بموارده ومعونات مؤيديه، طالما قدرت الخسائر بمئات البلايين، وهذا بحد ذاته عامل لا يقوى على مواجهته، وبالتالي فعقيدته هي تسليم البلد بشكل مدمر بحيث يشكّل مصيراً صعباً لأي وريث قادم..

سورية حكمت بعقلية الحرب الباردة، فقد سمى النظام نفسه أنه الواجهة أمام إسرائيل والامبريالية الأمريكية، بينما البلدان كانا أكثر حرصاً على بقائه لأنه نفذ ما عجزت عنه حكومات موالية لتلك الدول، وروسيا التي تتحالف معه لا تعيش على النظام السوفياتي، ولا تعادي إسرائيل، وتتفق مع أمريكا على العديد من المصالح المشتركة، وتبقى إيران المؤدلجة ظاهرياً بمذهبها، وواقعياً بقوميتها الشوفينية التي تعادي العرب بمنطق الإرث التاريخي، وبناء الامبراطورية الفارسية..

وفي كل الأحوال فالإبراهيمي خرج ولم يعد لسورية وهي طبيعة الأمور المعقدة التي كان من المفترض أن لا يجازف بدخولها..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا بعد خطاب الأسد والردود عليه...

حلّ سياسي أم انحلال للدولة السورية؟

اميل خوري

2013-01-10

ماذا بعد خطاب الرئيس بشار الاسد وردود الفعل عليه، هل يتم التوصل الى اتفاق اميركي – روسي على تسوية بعدما عزز هذا الخطاب الموقف الروسي الداعي الى اتفاق على حل قبل رحيل الاسد لئلا تسود الفوضى بعد تنحيه اذا لم يسبقه اتفاق كامل على البديل فيحصل ما يحصل حاليا في مصر وليبيا وتونس واليمن نظرا الى تعدد "الرؤوس" وفوضى المعارضات المتفقة على رحيل الاسد لكنها غير متفقة على البديل، الامر الذي يجعل الاسلاميين الاصوليين المنظمين يستولون على السلطة، وهو ما ترفضه روسيا وتخشاه الولايات المتحدة الاميركية واوروبا؟

والسؤال الذي أخذ يثير القلق في الدول المجاورة لسوريا ولاسيما لبنان هو: هل يؤدي استمرار الخلاف على الحل السياسي مع استبعاد الحل العسكري الخارجي الى استمرار الاقتتال الدخلي الى اجل غير معروف اذا لم يتمكن اي طرف من التغلب على الطرف الآخر فيصبح هذا الوضع شبيها بالوضع الذي ساد لبنان في حروبه التي دامت 15 سنة ولم تنتهِ إلا بالتوصل الى اتفاق عُرف باتفاق الطائف، لأن الولايات المتحدة الاميركية حاولت حل الازمة اللبنانية بمفردها لتنطلق الى حل ازمة الشرق الاوسط، لكن الاتحاد السوفياتي تصدى لها فكان العنف الذي ادى الى اخراج القوات المتعددة الجنسية التي اتت الى لبنان لوقف الحرب فيه، وبعدما استهدفت اعمال العنف مقري القوات الاميركية والقوات الفرنسية، وسقط منهما عدد كبير من القتلى والجرحى، وكان قد سبق ذلك تفجير مبنى السفارة الاميركية في بيروت، ولم تستطع المدمرة الاميركية "نيو جيرزي" بمدفعها العملاق حماية تلك القوات فانسحبت من لبنان؟

عندها ادركت الولايات المتحدة انها لا تستطيع بمفردها حل الازمة اللبنانية، وتاليا حل ازمة الشرق الاوسط ومن ضمنها القضية الفلسطينية، وما دام اي طرف مقاتل لم يستطع التغلب على الطرف الآخر خصوصا بعدما رسم الديبلوماسي الاميركي سيسكو خطوطا للمقاتلين ممنوع عليهم تجاوزها، وحظر على سوريا استخدام طيرانها الحربي لمصلحة الطرف الحليف لها والا تصدت لها الطائرات الحربية الاسرائيلية، وهو ما حصل فعلا.

وبما ان المعروف عن الولايات المتحدة انها تجيد السياسة البراغماتية عندما تفشل في تنفيذ مخططها، فإنها التفت على الدور السوفياتي يومئذ بعقدها صفقة مع الرئيس حافظ الاسد وكان حليف السوفيات. وقضت تلك الصفقة بأن يدخل الجيش السوري الى لبنان ويوقف الاقتتال فيه ويخرج الفلسطينيين المسلحين منه وعلى رأسهم ياسر عرفات الى تونس، وصدر في قمة الرياض العربية قرار بذلك مع تطعيم القوة العسكرية السورية بقوات رمزية من دول عربية لتبديد هواجس زعماء لبنانيين ولاسيما العميد ريمون اده الذي طالب بأن تكون ما سمي "قوة الردع العربية" متساوية بعددها لأن لسوريا مطامع في لبنان قد تحققها اذا كان عدد قوتها يفوق كثيرا عدد القوات العربية الاخرى. لكن الصفقة الاميركية – السورية المقرونة بموافقة عربية وبعدم ممانعة اسرائيلية قضت بغير ذلك فصحّ ما توقعه اده اذ خضع لبنان لوصاية سورية دامت 30 عاما وخلافا لما نص عليه اتفاق الطائف.

فهل تكرر الولايات المتحدة في سوريا ما فعلته في لبنان اذا لم تتوصل الى اتفاق على حل؟

ثمة من يقول إن تطور الوضع الميداني في سوريا هو الذي يتحكم بالمواقف العربية والدولية ويفرض الحلول، لكن انتظار هذا التطور قد يطول وتكون له تداعيات على دول الجوار يصعب تلافيها او احتواؤها.

وثمة من يقول ان الولايات المتحدة اذا لم تتوصل الى اتفاق مع روسيا، فإنها قد تلتفت الى ايران كما التفتت في الماضي الى سوريا لحل الازمة اللبنانية اذ كان عقد صفقة معها هو اقل كلفة من عقدها مع روسيا. وكما تخلت سوريا في الماضي عن تحالفها مع الاتحاد السوفياتي ثمنا لصفقة مغرية عقدتها مع اميركا، فإن ايران قد تفعل الشيء نفسه ثمنا لصفقة مع اميركا في سوريا وربما تكون هذه الصفقة اساسا لتقاسم مناطق النفوذ في المنطقة تكون بديلا من "سايكس – بيكو".

ثم ان التوصل الى عقد صفقة اميركية – ايرانية يحل مشكلة السلاح خارج الدولة في لبنان ويطور دستور الطائف على نحو يحقق مزيدا من التوازن في توزيع الصلاحيات بين السلطات، كما حققت الصفقة الاميركية – السورية في الماضي حلا لمشكلة الفلسطينيين المسلحين في لبنان ووضع دستور جديد عُرف باتفاق الطائف.

هل بعد خطاب الرئيس الاسد امل في حل اميركي – روسي للأزمة السورية، أو أميركي – ايراني وإلا فحرب طويلة يمدها كل طرف خارجي بالسلاح والمال وصولا الى "حل التعب"؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أربعة سيناريوهات أردنية لمصير الأسد * ماهر ابو طير

الدستور

10-1-2013

في المعلومات أن الاردن يشعر بقلق شديد جدا من الاتصالات الاسرائيلية مع دول عديدة لاقناعها بسيناريو القصف الاسرائيلي لمخازن السلاح الكيماوي السوري،وقد ابلغ الاردن عواصم نافذة في العالم ان هذا السيناريو خطير جدا على السوريين وعلى الاردن ايضا،وان هذا السيناريو مغامر ومجنون.

ذات المعلومات تقول ان اسرائيل مصرة على قصف المخازن الكيماوية السورية ولاتريد انتظار مآلات الوضع في سورية،وهذا السيناريو يراه الاردن خطيرا لان تفجير المخازن قد يؤدي الى انتشار السموم الكيماوية في الاجواء وانتقالها ايضا الى الاردن بسبب الرياح مما سيؤدي الى اضرار فادحة ستنال من حياة الاف الاردنيين.

رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو يتبنى هذا السيناريو،والاردن ابلغ الاسرائيليين ان هذا السيناريو خطير ولايمكن السماح به،ونتنياهو الذي زار الاردن قبل شهور،وقامت جهات اسرائيلية بتسريب خبر زيارته باعتباره تم قبل اسبوعين،يريد ادخال دول الجوار مع سورية كشريكة في هذا السيناريو.

الاردن رفض التدخل كليا،والاردن هنا،يحمي السوريين ايضا،من نتائج هكذا فعلة قد تؤدي الى مقتل الاف السوريين جراء السموم الكيماوية،وهو ايضا يعتقد ان لاتدخل عسكريا دوليا سيجري مالم يقم الاسد باستعمال الكيماوي ضد شعبه.

الاردن امام مخاطر كبيرة بسبب الملف السوري،ومركز صنع القرار في الاردن شعر بخيبة امل من خطاب الاسد الاخير،والذي كان يتوقع ان يحمل حلا جذريا يؤدي الى انهاء الازمة السورية بغير الطريقة التي اعلنها الاسد ،فالاردن يريد ان تتوقف الازمة السورية حتى لاتبقى نيرانها مفتوحة باتجاهه.

عمان ترى اليوم،ان لاحل للازمة السورية الا من الداخل السوري،فلا الحل العسكري وارد،ولا التسوية السياسية مؤهلة للتطبيق،والازمة السورية مؤهلة للبقاء حتى الصيف المقبل .

حل الازمة السورية من الداخل يقوم على عدة احتمالات اولها انتصار الجيش الحر ،وهذا لن يكون الا بزيادة الامدادات العسكرية القطرية والتركية عبر شمال سورية الى الثوار،فيما الاردن يرفض حتى الان توسعة مداخلاته العسكرية عبر حدوده الى مناطق حوران ومنها الى دمشق،مما تسبب له بضغوطات عربية ودولية،لكون عمان البوابة الاقرب الى دمشق.

ثانيها الانقلاب من الداخل وتحديدا من الحلقة المحيطة بالاسد،وهذه الحلقة قد تميل الى سيناريو تغيير رأس النظام مع بقاء ذات النظام ضمن صفقة غير معلنة.

ثلالثها تدهور الاوضاع على كل الاصعدة وتحديدا تعثر وصول النفط والوقود الى سورية مما سيؤدي الى نتائج صعبة جدا على حياة الناس والنقل والكهرباء وغير ذلك.رابعها حدوث توافق دولي على سيناريو يقول ان الاسد انتصر في المواجهة وبالتالي رفع الدعم عن المعارضة،وهذا سيناريو سيلغي القرار الدولي بإنهاء الاسد والذي تم اتخاذه منتصف الصيف الماضي،والاردن من هذه الزاوية يحتاط ايضا حتى لايخسر مستقبلا امام هذا الاحتمال.

عمان تعتقد ان التدخل العسكري من الخارج،او التسوية السياسية،خياران باتا غير واردين حاليا،ولاحل سوى من الداخل عبر تواصل التفاعلات الداخلية حتى النهاية،وهذا يقول ان الاردن يجهز نفسه في الاغلب لسنة ثالثة صعبة مع الملف السوري.

هكذا تقرأ عمان المشهد السوري،وكل ماتخشاه السياسة الاردنية حدوث خرق لهذه الصورة يعيد بعثرة كل الاوراق،وهذا الخرق يتمثل بعدوان اسرائيلي مفاجئ،غير محسوب النتائج،يؤدي الى وضع الاردن والمنطقة امام كل الاحتمالات.

-*-*-*-*-*-*-*-*

خطاب مهزوم وليس منتصرا.. ووداع لدمشق لا لقاء بعده

صالح القلاب

الشرق الاوسط

10-1-2013

كان ضروريا جدا أن يظهر الرئيس السوري بشار الأسد بذلك المظهر الذي ظهر به يوم الأحد الماضي، بعد غياب مثير لتساؤلات كثيرة استمر لنحو ستة أشهر.. وأن تكون له تلك الإطلالة البائسة والمخيبة لآمال الذين راهنوا على إمكانية عقد صفقة «مرحلة انتقالية» معه على أساس: «أنْ لا يجوع الذئب ولا تفنى الأغنام».. فهو من خلال هذا الخطاب المرتبك البعيد عن التركيز المفترض في مثل هذه التحولات الخطيرة التي تمر بها سوريا، الذي اتخذ خلال إلقائه في قاعة «أوبرا» دمشق الجميلة، ليس وضعية رجل الدولة المسؤول عن أي حرف وعن أي كلمة يقولها وعن أي إشارة وحركة يقوم بها، وإنما وضعية الفيلسوف أو المحاضر المرتبك الذي يريد إنهاء محاضرته بسرعة لينصرف على عجل.

قبل هذه الإطلالة وقبل هذا الخطاب، الذي كان بمثابة حفلة شتائم وحملة اتهامات مكشوفة ورديئة، كان هناك - ومن بين هؤلاء المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي - من يظن أنه بالإمكان أن يتم التعامل مع بشار الأسد باعتباره رقما رئيسيا في معادلة «المرحلة الانتقالية»، التي كثر الحديث عنها والتي بقيت مطروحة منذ البدايات وإن بصيغ وأشكال متعددة، أما بعد إطلالة يوم الأحد الماضي فقد جرى قطع الشك باليقين وقد ثبت لمن كان يبحث عن الحقيقة ولغير المنحازين إلى هذا النظام الدموي المجرم والقاتل أنه من غير الممكن الوثوق بهذا الرجل وأن هناك استحالة لنقله من دائرة العنف إلى دائرة الحلول السياسية المطلوبة التي تجنب البلاد والعباد كل هذه الويلات التي بقيت تعيشها سوريا على مدى نحو عامين.

والمؤكد، وهذا على عكس بعض الآراء والتقديرات، أن روسيا، ممثلة في وزير خارجيتها سيرغي لافروف تحديدا، هي التي تقف وراء هذا الخطاب الاستعراضي، الذي حاول فيه بشار الأسد التذاكي على العالم كله والضحك على ذقون كل المتابعين للأزمة السورية التي تحولت إلى حرب مدمرة طاحنة، وذلك من أجل وضع العربة أمام حصان الحلول السياسية وليذهب الرئيس فلاديمير بوتين إلى الاجتماع الذي من المفترض أن يجمعه بالرئيس الأميركي باراك أوباما للبحث عن نهاية لما يجري في سوريا بورقة رابحة تظهر أن هذا النظام السوري لا يزال قويا ومتماسكا وأن لديه القدرة على أن يرفض أي إملاءات «جائرة»!! بل وأن يفرض بعض الشروط التي تضمنها خطاب يوم الأحد الماضي الغريب والعجيب الذي يدل على كم أن صاحبه منفصل كثيرا عن الواقع وكم أنه لا يدرك حقيقة ما يجري في بلد من المفترض أنه بلده.

إنه لا يمكن إلا أن تكون موسكو وراء هذا الخطاب وأن كل ما جاء فيه من عنتريات فارغة ومن تجاوز لكل حدود التبجح ومن ادعاءات وتقمص وضعية المنتصر بينما وصلت طلائع الجيش السوري الحر إلى بعد مئات الأمتار من القصر الجمهوري (قصر الشعب)!! لا بد من أن الاتفاق عليها قد تم خلال زيارة نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أولا إلى العاصمة الروسية وثانيا إلى العاصمة الإيرانية، والدليل على هذا أن إيران قد سارعت إلى تأييد ما اعتبرته «الخطة» التي اقترحها بشار الأسد، وأن وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي لم يخجل من أن يقول: «إن هذه الخطة ترفض العنف والإرهاب والتدخل الخارجي وتقترح عملية سياسية شاملة»!! وأنه لم يخجل أيضا من أن يوجه دعوة إلى «كل الفعاليات السورية.. والمجتمع الدولي» إلى اغتنام ما اعتبره الفرصة التي أتاحتها الخطة المشار إليها «لإعادة الأمن والاستقرار إلى سوريا وتجنب امتداد الأزمة إلى المنطقة».

كل هذا بينما بادرت كل الدول الفاعلة؛ الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وتركيا ودول عربية أخرى، بعد هذا الخطاب مباشرة، إلى مطالبة بشار الأسد بالتنحي واعتبار أن ما جاء في خطابه هو مجرد محاولة للاحتفاظ بالسلطة وأنه لن يخدع أحدا، وفوق هذا، فقد أعلنت واشنطن أنها ستسعى إلى مزيد من الضغط الدولي على الرئيس السوري ونظامه، وقد أعلنت عن وضع أسماء مائة من كبار المسؤولين السوريين العسكريين والأمنيين والسياسيين على اللائحة السوداء والمباشرة في ملاحقتهم على أساس أنهم مجرمو حرب لا بد من إلقاء القبض عليهم وتسليمهم إلى محكمة الجنايات الدولية وبالطريقة نفسها التي اتبعتها مع صدام حسين بعد احتلال العراق في عام 2003.

ولعل ما يؤكد أن خطاب بشار الأسد، هذا المشار إليه، بكل ما احتواه من تضارب ومفارقات وارتباك وانعدام التركيز هو مجرد محاولة للهروب إلى الأمام، هو أن صحيفة ال«غارديان» البريطانية قد قالت، في تقرير لمحلل شؤون الشرق الأوسط ريتشارد سبينسر، إن خطاب الرئيس السوري أعاد التذكير بالأيام الأخيرة للديكتاتور الليبي وإنه تضمن العبارات نفسها التي كان يستعين بها معمر القذافي قبل سقوطه بفترة وجيزة. وأشارت هذه الصحيفة البريطانية في تقرير محللها هذا إلى أن الأسد قد استخدم المفردات نفسها التي سبق أن استخدمها القذافي قبل سقوطه وقتله على أيدي الثوار. وانتهت هذه الصحيفة إلى القول: «لو كان الوضع على الأرض كما صوره بشار الأسد، لقبل المقاتلون بكل ما تضمنه خطابه من مطالبة لهم بتسليم أنفسهم وأسلحتهم والجلوس على مائدة الحوار، لكن الوضع على الأرض في سوريا ليس كذلك، مما يؤكد أن تفاؤل الرئيس السوري مبالغ فيه، وأن هزيمته باتت وشيكة، وأنه لا يوجد أي أمل في أن يكون هو الفائز، فهو خسر أجزاء واسعة من البلاد، وذلك بالإضافة إلى أن أعدادا كبيرة من رجاله المسلحين قد قتلوا على بوابات العاصمة دمشق. وقد ختمت ال«غارديان» تقريرها بالتساؤل: «ولذلك، فكيف يمكن للمقاتلين السوريين أن يقبلوا بالعرض الذي قدمه الأسد لهم ما دام أنهم أصبحوا متيقنين بأنه سيسقط لا محالة؟!».

والملاحظ أن بشار الأسد لم يأت على أي ذكر لا لتصريحات فاروق الشرع الذي من المفترض أنه نائبه ولا على بعض ما جاء فيها، خاصة القول إنه لا انتصار في هذه المواجهة؛ لا للجيش والأجهزة الأمنية ولا للمعارضة المسلحة، وإنه لا بد من أن تكون هناك حلول تاريخية ولا بد من تشكيل حكومة وحدة وطنية ب«صلاحيات كاملة». وهذا يعني أن هذا الخطاب هو «ضربة مغادر» وأنه خطاب هزيمة وليس خطاب انتصار، وكأنه قال فيه، رغم كل ما تضمنه من تهديدات وعنتريات ورفع لسقوف مطالبه: «وداعا يا دمشق.. وداعا لا لقاء بعده»!!

الآن وبعد إطلالة يوم الأحد الماضي، التي تشبه فعلا إطلالة «الأخ قائد الثورة».. وأي ثورة؟! من فوق أسوار العزيزية، فإن القناعة قد ترسخت لدى كل المعنيين بدعم المعارضة السورية بأن انتصار الجيش السوري الحر يجب أن يكون حتميا ويجب أن يكون سريعا وفي أقرب فرصة ممكنة، وأنه لم تعد هناك أي جدوى من الحديث عن «المرحلة الانتقالية» بالصيغ التي روج لها ولا يزال يروج الأخضر الإبراهيمي الذي من المؤكد أنه بعد هذه الإطلالة البائسة قد وصل إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها العالم كله، باستثناء روسيا وإيران.. والصين وربما فنزويلا أيضا، وهي أنه: «فالج لا تعالج» وأنه لا شك في أن من يصف ثورات «الربيع العربي»، التي أسقطت أربعة رؤساء والتي ستسقطه هو أيضا، بأنها مجرد فقاعات صابون، إما أنه منفصل عن واقعه وأنه لا يعي ما يجري في بلده، أو أنه قال ما قاله في خطاب يوم الأحد تحت تهديدات وضغط المحيطين به الذين شعروا أن أعناقهم اقتربت من حبال المشانق وأنه بات «لا بد مما ليس منه بد».

ولهذا، وحتى تكون هذه الإطلالة البائسة هي الإطلالة الأخيرة، فإنه لا بد من أن تبلور المعارضة وبسرعة الخطة التي كانت أعلنت عنها لتسلم الحكم، خاصة الجانب المتعلق منها بطمأنة الطائفة العلوية التي تعرف تمام المعرفة أن بشار الأسد يريدها مجرد كبش فداء له ولعائلته ولأخواله وأعمامه ولنظامه، والتي يجب تشجيعها على القفز من سفينة هذا النظام الذي هو نظام طائفي وليس نظام هذه الطائفة التي وقع عليها ما وقع على الشعب السوري وأكثر خلال الأربعين سنة الماضية.. إن الانتصار على هذا النظام غدا قريبا، وإنه على المعارضة أن لا تضيع دقيقة واحدة، خاصة لجهة توحيد قواها، وأن تكون اليد العليا في المجالات العسكرية للجيش السوري الحر الذي يجب أن يكون موحدا وتحت أمرة قيادة واحدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ادخلوا “أيها السوريون” من أبواب متفرقة..

نحن باختصار بحاجةٍ لأن نفقه دعوة (يعقوب) عليه السلام، ولأن ندرك طبيعة ومداخل تلك (الأبواب المتفرقة) التي لا يمكن قضاء الحاجة وتغيير الواقع إلا بالدخول منها جميعاً..

د. وائل مرزا

الأحد 13/01/2013

المدينة

بعد أن أظهر السوريون قدرتهم على تقديم التضحيات، وعلى الثبات والعزيمة والإصرار في مسيرة الثورة، آن الأوان لأن تخرج من الموروث الثقافي والحضاري السوري التاريخي قدرةٌ أخرى تتمثل بحصول نقلةٍ في التخطيط للتعامل مع الواقع الراهن بدرجةٍ عالية من الإبداع والابتكار.

لايجوز أن يكون مسار الثورة السورية بعد الخطاب الأخير لرأس النظام كما كان عليه الحال قبلها. وبكل المعاني، يجب أن يكون هذا الخطاب، بدلالاته المعبّرة، نقطةً تفصل بين مرحلتين.

وسواء تعلّق الأمر بالمسار السياسي أو المسار العسكري أو بطبيعة العلاقة مع النظام الدولي، لم يعد مقبولاً أن يتم التعاطي مع هذه المسائل بالطريقة السابقة.

فقد أجاب الخطاب المذكور على كل الأسئلة التي كانت لاتزال مطروحةً، عند البعض على الأقل، فيما يتعلق بموقف النظام ليس فقط من الثورة، وإنما أيضاً من سوريا دولةً وشعباً.

لاحاجة للدخول في التفاصيل فقد باتت معروفة، ويمكن اختصارها بأن هذا الشخص لايرى أصلاً في البلاد وأهلها سوى (ديكور) ضروري لموقعه السياسي ومايجره من منافع معنوية ومادية، وإذا جاءت لحظةٌ فقدَ فيها هذا الديكور دوره المحدد فلا مانع لديه من هدمه بأي طريقة. ومن هذا المنطلق، أوضح موقفه من كل مايدخل في إطار (المبادرات) و (الحل السياسي) بشكلٍ واضح وصريح،فألغى كل التأويلات التي كانت القوى الدولية تُلمّح إليها، وألغى معها كل احتمالات قبوله بالتنحي عن السلطة بأي شكلٍ من الأشكال.

هكذا، وصلنا إلى نتيجةٍ نهائية لم يعد ثمة مجالٌ للتساؤل عنها أو النقاش فيها بين السوريين: لامجال للحل السياسي في وجود رأس النظام، نقطة.

ماذا عن النظام الدولي؟ ليس مهماً الحوار فيما إذا كان النظام المذكور يعرف تلك النتيجة سابقاً أو أنه أدركها بعد الخطاب العتيد، وإنما المهم أنه أخذها، بشكلٍ مُعلن، بعين الاعتبار، كما أظهرت تصريحات الإبراهيمي وبعض الساسة في أوروبا وأمريكا. بناءً على هذا، هناك اتفاقٌ الآن على أن (الأسد لن يكون جزءاً من أي مرحلة انتقالية، والحل لايمكن أن ينتظر إلى العام 2014) كما يؤكد هؤلاء الساسة.

هل يعني هذا أن النظام الدولي قرر، أخيراً، أن يكون على مستوى مسؤولياته القانونية والسياسية والأخلاقية تجاه الثورة وأن يفي بتعهداته للائتلاف الوطني السوري؟ ثمة شكٌ كبير في هذا الموضوع. والمعطيات العملية توحي بأن المماطلة لاتزال سيدة الموقف.

هل يمكن تفسير هذا الواقع من مدخل أن النظام الدولي المذكور، أو أطرافه الرئيسة، تريد في الحقيقة استنزاف سوريا وإنهاكها إلى أقصى درجةٍ ممكنة؟ وأن هذا يتطلب عدم طرح حلٍ حقيقي، ثم يُنظر في كيفية التعامل مع الأمر الواقع حين تفرضه الثورة. أم أن هذا النظام محتارٌ حقيقةً فيما يتعلق بطبيعة القرار الذي يجب اتخاذه؟

واقعياً، لايوجد فرقٌ لدى السوريين بين التفسيرين لأن النتيجة العملية تبقى نفسها في الحالين؟

بهذه الرؤية، تُصبح الثورة وأهلها أمام خيارٍ وحيد لايكفي التعامل معه بالشعارات والنيات الطيبة: إكمالُ مسيرة الثورة بجهد السوريين وطاقاتهم. وكما قلنا في مقامٍ آخر: لقد كان الكثيرون يستقرئون هذه الحقيقة منذ زمن، لكن حداً أدنى من الواقعية كان يفرض، على السياسيين على الأقل، العمل مع الأطراف الدولية، خاصةً منها تلك التي تدّعي صداقة الشعب السوري وتأييد مطالبه العادلة بكل الشرائع والقوانين الدولية، لمحاولة معرفة الدلالات العملية لتلك (الصداقة) وحدودها..

أما اليوم، فإن الواقعية نفسها تفرض على السوريين إعادة حساباتهم ومعرفتهم بحقيقة الأوراق التي بأيديهم، وتجميع هذه الأوراق، وهي كثيرةٌ جداً إذا عرفنا كيف نستعملها، وصولاً إلى فرض أمرٍ واقع لايمكن للمجتمع الدولي أن يمنع ظهوره. لانتحدث عن مثاليات، ولاندعو لمقاطعة الدول، وسنبقى كسوريين نشكر من يساعدنا ونحفظ جميله، لكن هذا لايتضارب مع إيماننا بأن هناك معاني تاريخية وحضارية كبرى تكمن في قدوم الربيع العربي بشكلٍ عام، وفي ثورة الشعب السوري تحديداً.

وإذا كان هناك من زمنٍ يمكن للشعوب فيه أن تصنع حاضرها ومستقبلها وتفرض إرادتها فهو هذا الزمن بأدواته الفريدة والجديدة. وشواهد التاريخ البعيد والقريب تؤكد أن إرادة القوى الكبرى ليست قدَراً إلهياً نهائياً، وأن حساباتها يمكن أن تكون خاطئةً، وأن سنن التغيير والضعف والقوة تسري عليها كما تسري على غيرها. ثمة حِكَمٌ كثيرة تكمن وراء ماجرى ويجري في العامين الأخيرين، وقد يكون هذا بعض مايتكشّف لنا من تلك الحكم. وإذا كنا مؤمنين بالله ثم بقضيتنا، كما هو حال الشعب السوري، فليس كثيراً أن نكون أداةً لحصول تغييرات كبرى رغم كل التحديات الحالية.

من الضرورة بمكان الخروج، في هذه المرحلة من عمر الثورة،من بعض الأشكال التقليدية للعمل والحركة في خدمتها. ومن الواضح أننا بحاجة لكسر جملةٍ من الأغلال والقيود الوهمية التي تقيّد حراكها، ولرؤية الفسحة الموجودة في الوسائل والأساليب والمداخل لإيصالها إلى نصرها المُنتظر. نحن باختصار بحاجةٍ لأن نفقه دعوة (يعقوب) عليه السلام، ولأن ندرك طبيعة ومداخل تلك (الأبواب المتفرقة) التي لا يمكن قضاء الحاجة وتغيير الواقع إلا بالدخول منها جميعاً.. وتلك حكمةٌ تليق بالسوريين وثورتهم وتاريخهم المعروف..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسبوع المبادرات في القضية السورية

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

13-1-2013

ثلاثة احداث بارزة خلال الاسبوع المنصرم في مسار القضية السورية ، الاول - خطاب الاسد الذي قطع الأمل بانه سيكون طرفا في الحل ، لقد رسخ نفسه كجزء من المشكلة بل الجزء المعقد منها، ومشروع الحل الذي طرحه يتجاهل كل ما طرأ على ارض سوريا من وقائع منذ حوالي عامين. الحدث الثاني - لقاء جنيف الذي عقد امس الاول وجمع المبعوث العربي والاممي الاخضر الإبراهيمي مع كل من مساعد وزير الخارجية الامريكية ونائب وزير الخارجية الروسي الذي انتهي بغير اتفاق حول موقع الاسد في المرحلة الانتقالية. والحدث الثالث - اعلان الائتلاف السوري للمعارضة عن خطة عمل كاملة لتصوراته عن محتوى ودور الحكومة الانتقالية في سوريا وهو جاء لمناقضا لما ورد في مشروع الاسد .

فشل لقاء جنيف كان متوقعا لانه اذا كان الإبراهيمي قد أراد من اللقاء الوصول على موقف روسي امريكي موحد من خطاب الاسد الذي عقد مهمته وقادها الى الحائط ، فان المعلومات المنشورة والمتداولة أكدت بان الرئيس السوري قد استشار كل من موسكو وطهران حول ما ورد في خطابه وقبل ان يلقيه .

فحلفاء الاسد الروس والإيرانيون سيواصلان رفض اي حل يتضمن مرحلة انتقالية بدون الاسد ، لانهما عندئذ ( سيخرجان من المولد بلا حمص ) .

تستحق مبادرة الائتلاف الوطني عن المرحلة الانتقالية التأييد من المجتمع الدولي لانها لا تقصي مؤسسات الدولة من هذه المرحلة وتتحدث عن أشخاص من النظام ( ايديهم ليس ملطخة بالدماء ) يمكن ان يشاركوا في حكومة كاملة الصلاحيات ( صلاحيات دولة ) كما يرى الإبراهيمي . حكومة تشرف على انتخابات حرة ونزيهة مع نزع سلاح المدنيين وإعادة بناء الجيش بما يحافظ على وحدة سوريا .

قبل أسابيع عندما تحدث نائب الرئيس السوري عن استحالة اي طرف الانتصار عسكريا ، داعيا الى حكومة مدنية كاملة الصلاحيات توقع الكثيرون ان يكون خطاب الاسد مختلفا ومكملا لمبادرة الشرع لكنه لم يفعل غير التمسك بالأفكار والادعاءات التي رددها على مدى شهور الازمة ، وبهذا اظهر انه لا يزال يرزح تحت وهم حسم الامر بالحل الأمني والعسكري ، هذا الوهم الذي كلف الشعب السوري ٦٠ الف شهيد وحول اكثر من مليونين منه الى لاجئين في الداخل وفي الدول المجاورة ، وأظهرت الظروف المأساوية والقاسية التي يعيشها اللاجئون في مخيم الزعتري بسبب الاحوال الجوية الباردة جداً ان الرئيس المتشبث بالحكم ليس اهلا لحكم سوريا .

الرئيس الذي يرى الملايين من شعبه يفرون من بيوتهم ليعيشوا في المخيمات في الداخل و عبر الحدود في ظروف غير إنسانية فلا يبادر الى حلول إنقاذيه لا مكان له في مستقبل هذا الشعب .

مبادرة الائتلاف حول الحكومة الانتقالية عادلة ومحايدة، لا تنصب المعارضة حكاما وانما تقدم أجندة وطنية للسلام والانتقال بالبلد والدولة الى نظام جديد تتقرر هويته في صناديق الاقتراع ويجعل السلاح كله في يد الدولة.

اما مبادرة الاسد فهي تضع سوريا تحت رحمة فوضى السلاح وتجعلها نقطة استقطاب أفغانية جديدة للقاعدة . ...مبادرة الائتلاف تمثل المسؤلية الوطنية ومبادرة الاسد تقدم نموذجا كريها للتشبث بالسلطة .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يعرفون عن سوريا؟!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

13-1-2013

كلما قرأت مقالة في صحيفة أجنبية عن سوريا، طرح نفسه عليّ سؤال ملح: ماذا يعرف كاتبه عن بلادي ومشكلاتها؟! وهل قدم صورة عن واقعها تفيد قراء مقالته أو دراسته أو بحثه، وتضع يدهم كليا أو جزئيا على بعض حقائقها؟

عموما، يرسم عقل غربي سائد في الصحافة والإعلام صورة عن سوريا تجعل منها مجموعة طوائف وأقليات متنافسة متصارعة، تعيش في حال من توتر متفجر لا تبقيه كامنا غير يد السلطة المركزية القوية، التي تحفظ السلم الأهلي وتعمل لخلق مجتمع مندمج يجسد قيامه تقدما كبيرا بالنسبة إلى المجتمع الحالي؛ المجزأ والمفكك والقابل للتشظي في أي وقت، إن هي غابت عنه أو ضعفت.

هذه الصورة الخاطئة من ألفها إلى يائها، الآتية من تاريخ استعماري/ استشراقي قديم، تترتب عليها نتيجتان مهمتان في تحديد نظرة الصحافة إلى سوريا، هما:

ليس مجتمعنا مجتمعا واحدا متماسكا ومندمجا، وبالتالي لا تتوفر له سمات المجتمع الحقيقي، بل هو تراصف جماعات وجمعات بعضها قرب بعض، تتعايش، كما سبق القول، بأقل قدر ممكن من التفاهم، وتتباعد إحداها عن الأخريات بمرور الوقت بدل أن تتقارب معها وتنصهر فيها وتؤسس بالتضافر معها جماعة وطنية واحدة. هذا «المجتمع» الهش لا يستطيع أن يكون حامل حداثة وتقدم، إلا إذا تم تنظيم علاقاته على أسس تقر بحقوق ووجود أقلياته، وتجعل منه جسما لا بد أن تتقاطع روابطه عند مصالحه التي يجب أن تتنامى على أرضية تجعل منها مصالح متقاربة أو مشتركة. وبما أن هذه الأرضية ليست قائمة بعد، فإن إقامتها رهن بالنتيجة الثانية، التي تتجلى إما في:

وجود دولة مركزية قوية اليد ترغم هذا الشتات من الجماعات والمصالح المتنافرة على العيش المشترك أو على التظاهر بقبوله، التي تنميه بصورة متوازنة تمكنه من إقامة أرضيات عامة موحدة أو متقاربة تحكم حركته وتضبط أهواءه ورغباته، أو إقامة إدارة لا مركزية تتيح لمكوناته، أي لأقلياته، التفاعل بعضها مع بعض انطلاقا من أسس مشتركة، مهما كانت جزئية، يقود تقاطعها وتكاملها إلى تقاربها ودخولها في أشكال من الاندماج تحولها تدريجيا إلى وحدات متآلفة متناغمة، وإن لم تمثل بعد مجتمعا موحدا ومتناغما. في حال وجود الدولة من النمط الأول، لا بد من يد قوية وسلطة مركزية صارمة يرتبط بهما ليس فقط بقاء الأقليات متعايشة، بل كذلك مجمل سيرورة تطورها نحو التآلف والتناغم، وتاليا نحو مجتمعية متداخلة الحدود. أما في الحال الثانية، فتكون الأقليات نفسها لا السلطة التي تسوسها حامل تقدمها وتقاربها المتناغم، فلا ضرورة لأن تكون سلطتها القائمة قوية أو مركزية، ولا بد أن تكون علاقات الجماعات البينية أساسا وأرضية ما لا بد أن يقوم بينها وحدة في المصالح والروابط.

في عودة إلى ما تكتبه الصحافة عن مجتمعنا السوري، هناك إعجاب بالدولة قوية اليد، التي نسميها نحن «الاستبدادية»، والتي تعتبر ضامن وحدة وتقدم مجتمعنا، وبالتالي حامل الحداثة والسلام الأهلي والقيم الحديثة، بما في ذلك العلمانية. لكنه توجد اليوم دعوة دولية إلى إحلال النموذج الثاني محلها، بعد فشلها وسقوطها الذي يبدو وشيكا في سوريا؛ دعوة تعبر عن نفسها في سعي غربي إلى إقامة فيدرالية أقليات في سوريا تزيح نمط الدولة المركزية، بما في ذلك النموذج الديمقراطي والتشاركي، الذي لا تريد بعض دول الغرب إقامته في سوريا، على الرغم من علمها باستحالة وجود حل حقيقي لمشكلة الأقليات غير الديمقراطية، كنظام يقوم على أعلى قدر ممكن من الدولة وأعظم حضور ممكن للمجتمع، على دولة هي حاضنة مجتمع يشارك في تقرير شؤونها ويكون حاملها السياسي.

هل صحيح أن مجتمع سوريا ليس موحدا، وأنه تجمع أقليات تتعايش في أجواء من التوتر القابل للانفجار في أي وقت، وأن ما يجري فيها اليوم هو النتاج الطبيعي والحتمي لهذا الواقع؟ وهل صحيح أنه لا يمكن قراءة أحداثها خارج هذا الإطار، لأنه هو الذي تسبب فيها؟ وهل من الصحيح أخيرا القول أو الاعتقاد بأنه لا توجد وطنية سورية جامعة تخترق سائر مكونات شعبها المجتمعية والسياسية، وأنها كانت مؤهلة للانفراط والتفكك ككيان موحد لولا يد الاستبداد التي حفظت وحدتها الإجبارية، ولا بد أن تسمح الثورة الحالية لها بالتخلص منها وبإعادة تأسيسها على الواقع الحقيقي الوحيد القائم فيها: واقع كونها بلد أقليات سترفض أن تتعايش، بعد اليوم، مع غياب اليد القوية عنها، إلا في إطار كونفدرالي رخو؟

لا أظن أنه يمكن الرد بالإيجاب على أي واحد من هذه الأسئلة. ليست سوريا تجمع طوائف. وليست أقلياتها متصارعة مع أغلبيتها أو ضد بعضها. وليست أزمتها الحالية ابنة تنافر وتصارع مكوناتها التي قررت أن لا تعيش في إطار وطني جامع. وليس حل مشكلتها مع الاستبداد كامنا في تفكيك دولتها وبناء نظام ينطلق من الأقليات ويعتبرها قوة تحمل دينامية تجديدية من طراز حداثي، أقله لأنها تفتقر تماما إلى هذه القدرة، ولم يسبق لها أن مارست أدوارا مستقلة، ولأنه سبق لها أن رفضت ممارسة أدوار كهذه خلال حقبة الانتداب الفرنسي، كما رفضت أن تؤلف دولة فيدرالية أو كونفدرالية تنهض على التحالف فيما بينها.

لا تتعارض اللامركزية مع نظام ديمقراطي محوره دولة تقوم على مشاركة تتخطى مشكلة الأقليات بالمواطنة، وبما تؤسسه من مساواة بين جميع مواطنيها بغض النظر عن جنسهم ولونهم ومذهبهم. ولن تكون دولة الأقليات ديمقراطية لأنها لن تكون دولة مواطنة ومساواة وعدالة بأي معنى وطني وجامع، ولن تنجو من التمييز بين أتباع الأقليات، الذي ينسف الديمقراطية من أساسها.

أما ما يقدمه كتاب مقالات الصحافة، فليس غالبا غير ترهات استشراقية يعممونها على مجتمعاتنا، يتوهمون أن فيها مفاتيح وأسرار وجودنا، وأنها تمدهم بمداخل علمية إلى معرفة واقعنا، على الرغم من أنها ليست غير جملة أحكام مسبقة تتسم بالسذاجة والتبسيط، تصلح لتقديم عينات عن جهل من يكتبون في ضوئها، ولا تصلح بأي حال لتفسير أو لمقاربة ما تعيشه مجتمعاتنا.

لا عجب أنني كلما قرأت مقالة عن سوريا، بما في ذلك تلك التي يكتبها مراسلون ميدانيون، تساءلت بحيرة: هل هذه هي حقا سوريا؟! ولماذا يتعب كاتبها نفسه ويعرض حياته للأخطار ويذهب إلى بلادنا، ما دام يستطيع كتابة مادته من مقهى رصيف أو مطعم في بلده؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصلحة الشعب السوري من أولويات المملكة

2013-01-14

الوطن السعودية

يندرج توجيه خادم الحرمين الشريفين لوزارة المالية بتقديم مساعدات بقيمة 10 ملايين دولار إلى اللاجئين السوريين في الأردن ضمن الأعمال الإنسانية التي دأبت المملكة عليها من غير منّة، لأنها تعلن دائماً أن ذلك واجبها تجاه المحتاجين في أي مكان. أما إن كان هؤلاء المحتاجون من الأشقاء العرب فالمملكة لم تقصّر من قبل، وطالما كانت سبّاقة لمد يد العون لهم منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

ولأن قول المملكة يقترن بفعلها، فقد بدأ أمس توزيع الدفعة الأولى من المساعدات للاجئين السوريين الذين يعيشون ظروفاً قاسية تحت الثلج والبرد في مخيم الزعتري في الأردن، تضاف إلى معاناتهم من التهجير وترك بيوتهم لإنقاذ أرواحهم وأرواح أبنائهم من الموت بنيران وقصف قوات النظام السوري.

إلى ذلك، فالمملكة في عام 2012 فقط قدمت كتبرعات رسمية وشعبية ما قيمته مليار ريال، وهي بذلك تؤكد أنها لن تتخلى عن الشعب السوري الذي أدركت قيادة السعودية وشعبها حجم ما ألحقه النظام به من ضرر، فاصطفت إلى جانب الشعب عن طريق مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية التي عقدت بالأمس الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في القاهرة والذي يأتي في وقت حرج تمر به الدول العربية، إلا أن الأزمة السورية، ونظرا لتطورات الأوضاع هناك، والمأساة الإنسانية التي يتعرض لها السوريون تبقى الأهم في هذه المرحلة الحرجة والصعبة التي تمر بها المنطقة، وهو ما أوضحه نائب الأمين العام للجامعة العربية من أن البند الأول لجدول أعمال الاجتماع يتضمن سبل المساعدة الضرورية للنازحين السوريين إلى الأردن ولبنان والعراق في ضوء تطورات الأزمة السورية وتداعياتها على دول الجوار، خاصة بعد التزايد الكبير في أعداد اللاجئين السوريين وعجز هذه الدول في الوفاء باحتياجاتهم.

إذاً لا مصالح للمملكة في سورية إلا إنقاذ شعبها ومساعدته لينهض من جديد ويعيد البناء شأن الدول الحضارية، والذين يسخرهم النظام السوري ليقولوا غير ذلك يعرفون قبل غيرهم أنهم يزيفون الحقيقة، ويدركون أن المملكة التي وصلت معوناتها لمختلف القارات؛ لن تبخل على الشعب السوري الشقيق، ف"الأقربون أولى بالمعروف".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد والإبراهيمي و«المنطقة المحظورة»

غسان شربل

الإثنين ١٤ يناير ٢٠١٣

الحياة

خرج الأخضر الإبراهيمي غير مرتاح من لقائه الثالث مع بشار الأسد. اللقاء الثاني كان أفضل. ولا غرابة في الأمر. السباحة في العموميات تعفي الطرفين من كشف ما يريدان تركه إلى اللحظة المناسبة. هذه المرة اقترب الأخضر مما تعتبره دمشق «المنطقة المحظورة». لقاءات المبعوث الدولي والعربي مع الحلقة المقربة من الرئيس رسخت قناعته بصعوبة مهمته. اللقاء الرابع يبدو بالغ الصعوبة، أو متعذراً.

في الفندق في دمشق، راح الإبراهيمي يقرأ في موقف الرئيس السوري. يعتقد الأسد أن مجلس الأمن لا يزال مقفلاً أمام أي محاولة لاستصدار قرار يغطي عملية خارجية لاقتلاع نظامه. لا شيء يوحي ان روسيا تستعد لتغيير موقفها. الأمر نفسه بالنسبة إلى الصين. ايران قصة أخرى، فهي تعترف أن سقوط النظام السوري يعني سقوط دورها في الإقليم. يعني فشل الهجوم الذي شنته وكلفها عشرات الأعوام وبلايين الدولارات. يعني انتقال المعركة لتقليص حضورها في العراق ولبنان. ثم إن إدارة باراك اوباما ليست في وارد القيام بتدخل عسكري في سورية. وإذا كان النزيف السوري يصيب المدنيين هناك، فإنه يصيب أيضاً النظام وحلفائه. تستطيع الانتظار تحت قبعة الإبراهيمي. تصرف الأسد في اللقاء الثالث مستنداً أيضاً إلى استمرار تماسك الوحدات الأساسية الضاربة في الجيش السوري. وخير دليل انتقال بعض الوحدات إلى الهجوم حول دمشق وتحقيقها بعض التقدم.

لم يتصرَّف الأسد تصرُّفَ من يبحث عمن يساعده على الخروج من المأزق. حين لامس الإبراهيمي موضوع «المرحلة الانتقالية» و «الحكومة الكاملة الصلاحيات» استناداً إلى إعلان جنيف، وألمح إلى «تغيير حقيقي»، كان رد الأسد واضحاً، بل قاطعاً. شرعية الرئيس جاءت من الانتخابات ولا تتغير إلا بانتخابات. المشكلة ليست في دمشق، بل في الاعتداء الذي تتعرض له سورية، وأول الحل «أن توقف الدول الراعية للإرهابيين مساعداتها لهم».

في موسكو لم يسمع الإبراهيمي ما يتيح له الحديث عن «اختراق» او «تقدم ملموس». قال لافروف إن موسكو لا تعتبر من مهمتها أن تدعو الأسد إلى التنحي، وإنها لا تعتقد أنه سيتجاوب إن فعلت، وإن هذا الجو ملموس أيضاً لدى المحيطين بالأسد. لكن لافروف أكد أن بلاده لم تتراجع عن إعلان جنيف. وأنها مهتمة بمصير البلد لا مصير الشخص. وأنها تعارض بشدة انهيار الدولة السورية ومؤسساتها ولا تريد قيام «ليبيا جديدة»، خصوصاً أن معلوماتها تؤكد تصاعد دور الجهاديين داخل المعارضة السورية. لكن لافروف أكد للإبراهيمي أن بلاده متمسكة بإعلان جنيف على رغم تباين التفسيرات.

تصاعَدَ تبادل الرسائل. قال الإبراهيمي إن الخيار في سورية هو بين الحل السلمي والجحيم، وحذّر من الصوملة. ورسم الأسد في خطابه برنامجاً للحل تحت سقف حكومته لا في ظل «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة». دخل الإبراهيمي مجدداً المنطقة المحظورة ونقل عن السوريين «اعتقادهم» أن حكم أسرة الأسد طال أكثر مما ينبغي، فاتهمه الإعلام السوري الرسمي بالانحياز.

في لقاء جنيف لم يتبلور تصور مشترك. بدت أميركا مرتبكة وهي تبلور أركان الولاية الثانية لأوباما. تمسك الجانب الأميركي بتنحية الأسد، لكنه بدا مهتماً بعدم انهيار بنية الدولة السورية، ولم يظهر واثقاً من هوية البديل. تحدث الجانبان الأميركي والروسي عن مخاطر الحل العسكري وكُلْفته الباهظة، وكررا تأييدهما إعلان جنيف. عبَّر كل من الطرفين عن قلقه من تصاعد التطرف. أكد الجانب الروسي ثقته بالإبراهيمي. تحدث عن تأييده التحرك من أجل مرحلة انتقالية وكأنه يدعو إلى إبقاء مسألة تنحي الأسد جانباً. بدت مواقف الطرفين غير ناضجة لتحقيق اختراق، لكنها سمحت بتعويم مهمة الإبراهيمي على رغم دخوله «المنطقة المحظورة».

لم يتوقف تبادل الرسائل. بعد جنيف تلقى الإبراهيمي رسالة جديدة، وهذه المرة عبر صحيفة «الوطن» السورية. قالت الصحيفة إن الإبراهيمي «تجرأ» وطرح مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وإن الأسد أجابه: «لست القبطان الذي يهرب من السفينة عندما يشعر أنها بدأت تهتز» وأنهى الاجتماع. هل نفهم من ذلك أن ميزان القوى لا يسمح بحل، بل بالمزيد من الاقتتال لمحاولة تغييره أو فرض وقائع جديدة؟ هل نفهم أن اللقاء الرابع بين الأسد والإبراهيمي بات مستحيلاً، وان دمشق ستحاول كسب الوقت بالمطالبة ب «وسيط غير منحاز»؟ وكم سيُقتل من السوريين بانتظار «نضوج» الظروف الداخلية والإقليمية والدولية؟

أعان الله السوريين المبدَّدين داخل بلادهم واللاجئين خارجها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبراهيمي إلى مجلس الأمن: الحل أو التنحي

جورج سمعان

الإثنين ١٤ يناير ٢٠١٣

الحياة

طال صبر الأخضر الإبراهيمي أكثر مما طال انتظار الحل. ناله من الانتقاد ما نال لتأخره في إطلاق المبادرة الموعودة. انتظر طويلاً وهو يحاول إقناع من يجب إقناعهم بما كشفه أخيراً صراحة وأثار عليه حفيظة النظام في دمشق بعد الحملات التي لم تتوقف عليه من أطراف كثيرة في صفوف المعارضة. المهم ألا يطول صبره على «الدعم» الذي يلقاه من واشنطن وموسكو وكرره قبل يومين وليم بيرنز وغينادي بوغدانوف في جنيف. فما لم يترجم هذا «الدعم» تأييداً لرؤيته أو خطته لوقف العنف وبناء المرحلة الانتقالية tستتعرض مهمته للتآكل، وتتحول مجرد غطاء للعجز أو التقاعس الدولي عن وقف جنون الحرب وفرض التسوية. فهل هذا ما يريده أم إنه سيطلب التنحي عندما يتقدم إلى مجلس الأمن قريباً... إلا إذا حصلت معجزة ما وتوافق الكبار على قرار ملزم لطرفي الصراع؟

لا يحتاج المبعوث الدولي - العربي إلى شرح ما بات يعرفه الأميركيون والروس وجميع اللاعبين الآخرين. وهو أن جلوس طرفي الصراع إلى طاولة الحوار من باب المستحيلات. فلا يجرؤ طرف سياسي واحد في معارضة الداخل والخارج على خوض مثل هذه التجربة مع النظام. ولا يمكن أن يقبل بدور للرئيس وأركانه في المرحلة الانتقالية. والنظام يرفض أصلاً الاعتراف بوجود المعارضة، مسبغاً عليها شتى النعوت والأوصاف. لكن الإبراهيمي الذي عبر صراحة عن وجوب قيام حكومة بصلاحيات كاملة ليس مقتنعاً بأن الحسم العسكري هو الحل، حتى وإن كانت الجماعات المسلحة على الأرض تحرز تقدماً. وليس وحده من يدرك أن نظام الرئيس بشار الأسد جزء من الأزمة أو هو أساسها، ولا يعقل تالياً أن يكون طرفاً في الحل.

اللاعبون الدوليون تلطوا حتى الآن وراء المبادرات السياسية والمبعوثين الأمميين والعرب لإخفاء عجزهم عن وقف آلة القتل المستمرة منذ 22 شهراً، أو لترددهم في الانخراط في صراع يعون تماماً أن ثمة لاعبين إقليميين آخرين ناشطين، وأن نتيجته ستحدد ميزان القوى الجديد ليس في سورية فحسب بل في المنطقة كلها. وهذا على الأقل ما عبرت وتعبر عنه مخاوفهم. وأولها تهديد الاستقرار الهش في بعض دول الجوار من تركيا إلى الأردن ومن لبنان إلى العراق، وتداعيات ذلك على دول الخليج... وحدود إسرائيل الشمالية أيضاً. وثانيها القلق على مآل الأسلحة الكيماوية، لئلا نتحدث عن مخزون من اليورانيوم إذا صدقت تقارير إعلامية غربية. وثالثها احتمال وقوع سورية في أيدي الجماعات الإسلامية المتشددة وما يطرح ذلك من تحديات لمصير الأقليات الدينية والعرقية في سورية ومستقبل دورها ووجودها. وهو الهاجس الكبير الذي تعبر عنه الولايات المتحدة وروسيا ودول أوروبية وعربية كثيرة.

هذا الهاجس بات سمة مشتركة أيضاً لا تغيب عن مواقف جميع اللاعبين الخارجيين وأطراف الصراع الداخلي. ولا مبالغة في القول إن التأخير في فرض حل يوقف القتال لا يعزز ثقل «جبهة النصرة» فحسب بل كثير من الجماعات المتشددة. ولعل الصور والتقارير الواردة من مطار تفتناز خير تعبير عن حجم عن هذه القوى، بخلاف ما يحاول بعضهم التقليل من أثرها وفاعليتها. وهي ليست طارئة. فعندما قابل وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول الرئيس الأسد، غداة الغزو العراقي حمل إليه جملة من المطالب المعروفة. وكانت دمشق تقيم على جزع وخوف كبيرين من وصول القوات الأميركية إلى حدودها. ولم يقفل الرئيس السوري باب البحث في هذه المطالب. بل عمد إلى إقفال أبواب ما سمته دمشق «المكاتب الإعلامية» لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي». في تلك الزيارة سأل الوزير الأميركي الرئيس السوري لماذا سهلت وتسهل حكومته انتقال مجموعات كبيرة من «المجاهدين» من شمال سورية إلى العراق لقتال القوات الأميركية. كان جواب الأسد يومها أن هذه المجموعات تشكل تحدياً ومخاوف لقواته وأجهزة أمنه، وليس المطلوب منه أن يقف في وجه انتقالها إلى «الشقيق الشرقي»، وما على القوات الأميركية سوى أن تتولى أمر قتال هؤلاء وتصفيتهم!

ولا حاجة بالطبع إلى التذكير بما قامت به أجهزة الأمن السورية لاحقاً من تنظيم انتقال معظم «المجاهدين» من المغرب العربي وشبه الجزيرة والمنطقة كلها إلى العراق لمقاتلة الأميركيين وتأجيج الحرب المذهبية هناك. حتى أن نوري المالكي نفسه شكا دمشق إلى مجلس الأمن وطالب بمحكمة خاصة للجرائم التي يرتكبها «الجهاديون» بدعم من سورية. واليوم يراقب السفير الأميركي روبرت فورد، المكلف متابعة الأزمة السورية، بلا شك تحول الشمال السوري قاعدة لهذه المجموعات المتشددة. ولا يحتاج إلى درس في طريقة عملها وتحركها. خبر ذلك في حرب الجزائر في التسعينات وكان سفيراً لبلاده هناك. وخبر ذلك في العراق حيث كان عنصراً فاعلاً في الماكينة الأميركية التي قاتلت «القاعدة» العقد الماضي في بلاد الرافدين.

لهذا لا يستعجل الأميركيون التدخل في سورية. بل لا يرغبون في ذلك. أوكلوا الأمر إلى بريطانيا، وإلى المبعوث الدولي - العربي. وحتى الدوائر المعنية في الخارجية البريطانية التي تتشاور يومياً مع نظيرتها الأميركية، لا تبدي استعداداً للقيام بأي مغامرة. بخلاف الحماسة التي يبديها أحياناً رئيس الوزراء ديفيد كامرون أو وزير خارجيته. في أي حال لا يبدو أن أحداً في واشنطن أو أي عاصمة أوروبية يملك الجرأة على اتخاذ قرار بالتدخل، سيكون مكلفاً عسكرياً واقتصادياً، وهم يلملمون شتات عسكرهم من أفغانستان وغيرها. ألا يكفي عجزهم عن إنقاذ بعض الدول الأوروبية التي تعاني أوضاعاً اقتصادية هشّة تنذر بقلاقل ومشاكل اجتماعية تجد لها انعكاساً على القارة كلها ومستقبل اتحادها؟

في ظل غياب أي تحرك فاعل لوقف الحرب في سورية، لا يتوقع أحد من اللاعبين الدوليين والإقليميين، فضلاً عن المتصارعين في الداخل، أن تنتهي الأزمة بغالب أو مغلوب. فالمدقق في الأسئلة الأميركية عن «اليوم التالي» لسقوط الأسد يجدها مطابقة تماماً للأسئلة الروسية. ولا تجد الدولتان جواباً سوى بإلقاء الكرة في ملعب المعارضة. كأن المطلوب أن تخوض جماعات المعارضة المسلحة صراعاً جانبياً مبكراً مع «جماعة النصرة» والجهاديين الذين يساهمون في قتال النظام. وهو صراع بدأت بوادره تصفيات متبادلة بين «النصرة» والفرق المحسوبة على «الإخوان». فهل يعقل ألا تدرك الدول الكبرى أن العزوف عن التدخل الفاعل يزيد في تعقيد الأزمة السورية ويعزز دور هذه الجماعات؟ إلا إذا كان المطلوب أن تفتح لها الساحات السورية للتناحر كما كانت الحال في العراق الذي تحول بعد الغزو الأميركي قبلة ل «القاعدة» وشقيقاتها!

حتى إيران التي لا تتوانى عن دعم نظام الأسد بكل ما يحتاج إليه، تلمس ضعف هذا النظام. وتحتاط لاحتمال هزيمته في النهاية. وإلا ما معنى أن تتمسك باقتراح الرئيس محمد مرسي تولي المجموعة الرباعية (مصر وتركيا والسعودية وإيران) تسوية الأزمة، وهي تعرف رفض «الأطراف» الثلاثة بقاء الأسد؟ صحيح أنها تدرك حجم التحديات والمتاعب التي تسببها لها الأزمة في سورية واحتمال خسارة موقعها في هذا البلد، واهتزاز مواقعها في كل من العراق ولبنان أيضاً، بعدما أقفلت في وجهها ساحة البحرين وخرجت القضية الفلسطينية من تحت عباءتها. ولكن، قد لا تصح المبالغة في توقع خسارتها الكاملة لهذه المواقع أو المراهنة على ذلك، إذا انتهت الحرب بتحويل سورية إلى صومال أو أفغانستان، على ما يحذر الإبراهيمي.

وإذا قيض للمعارضة أن تدحر النظام في دمشق وحلب، فإنه سيجد ملاذاً في الساحل الغربي. وإذا لم تتوافر الظروف الإقليمية والدولية لتقسيم سورية، فسيظل الأسد يحتفظ ب «الشرعية» ما لم يبدل أصحاب «الفيتو» مواقفهم. فيما تغرق فرق المعارضة في التناحر على السلطة. وقد بدأت بوادر الصراع الدموي بين بعض مجموعاتها. فضلاً عن القتال الذي سيندلع بين هذه المجموعات وأهل الشريط الساحلي العلوي إلى ما شاء الله. هذا من دون الإشارة إلى عبء إدارة مدن ودساكر تحولت أنقاضاً، وإلى اقتصاد يحتاج إلى بلايين الدولارات لينهض من الحضيض. فهل سيكون في طاقة هؤلاء المتناحرين الانشغال بقضايا إقليمية من مثل المساهمة في خنق «حزب الله» أو نصرة أهل السنّة في العراق؟ إلا إذا كان قدر اللبنانيين والعراقيين أن يغامروا مرة أخرى في خوض حروب أهلية جديدة!

وتركيا التي وقفت باكراً مع المعارضة تخشى على استقرار مناطقها الجنوبية في ظل الحدود المفتوحة أمام اللاجئين والمقاتلين الذين يثيرون حفيظة طائفة كبيرة في أنطاكيا. فيما عودة نشاط المجموعات الكردية يضاعف قلقها ومخاوفها، مثلما يثيرها الحديث عن «دويلة علوية» أو تقسيم سورية والعراق وما قد ينتهي إليه الوضع من قيام دولة كردية. وإذا كانت الأزمة وضعتها في مواجهة صريحة مع طهران وبغداد، فإنها تحاول هي الأخرى الحد من خسائرها وتعويض ما تخسر بعلاقات مميزة مع كردستان والسعي إلى تسوية مع حزب العمال الكردي. ولا حاجة إلى التذكير بمخاوف الأردن مما يجري اليوم في سورية ومن التغييرات المحتملة أيضاً!

في ظل هذه المعطيات هل يواصل الإبراهيمي تقديم غطاء لعجز جميع المتصارعين في سورية وعلى سورية، أم إن خسائر كل هؤلاء لم تتساوَ بعد أو لم تبلغ حدودها القصوى بتهديد مصالحهم المباشرة؟ وماذا عن سورية، هل بقي فيها شيء لم تخسره؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواسم الطائفية تليها مواسم «الشعب السوري واحد»

عمر قدور *

الإثنين ١٤ يناير ٢٠١٣

الحياة

يُظهر الفيديو المسرّب عن عناصر من الجيش أو الأمن أو الشبيحة، إذ لم يعد من فرق بين الثلاثة، مجموعة من العناصر يتناوبون على استخدام السكاكين في جسد معتقل، ومن ثم يقومون برميه بالحجارة حتى الموت.

هذا الفيديو الذي استهل به السوريون سنتهم الجديدة لم يكن الأول، فقد ودعوا السنة السابقة بفيديو يظهر عناصر آخرين وهم ينكلون بالجرحى الذين يفترشون الأرض في مستشفى ميداني، وقد اضطرت المحطات التلفزيونية التي عرضته إلى تشفير بعض المشاهد لهولها، وإلى كتم الشتائم البذيئة التي استخدمها الجلادون. على العموم لم تعد الفيديوات المسربة بين الحين والآخر دلالة على الوحشية غير المسبوقة للنظام، والتي يتفنن شبيحته بابتكار أساليب جديدة لها، بل بات يُنظر إلى تسريبها كوسيلة يتعمدها النظام لمزيد من الإرهاب، وبخاصة لمزيد من شحن الغرائز الطائفية.

بعد اثنين وعشرين شهراً قاسى السوريون مختلف أصناف القتل والتنكيل، إلا أن لبعض المجازر طعماً خاصاً، وتحديداً المجازر التي استخدمت فيها السكاكين وأشكال من التمثيل بالأحياء قبل قتلهم أو بعده، فهذا النوع لا يسفر عن وحشية النظام وحسب، بل يسفر عن الوحشية الفظيعة لشبيحته فرداً فرداً، ومن المؤكد أنها تكتسب مغزى خاصاً لجهة تباهيهم وتشفيهم الواضح بالضحايا، وهم يتحدثون بلهجة تدل على لون طائفي محدد. وسيكون من الصعب بعد مشاهدة أحد الفيديوات المجادلة بأن الشبيحة ينتمون إلى مختلف الطوائف، أو بأن قادة النظام هم المسؤولون الحصريون عن المجازر، بغياب تسجيلات لمجازر يمكن نسبها إلى شبيحة من انتماءات الطائفية أخرى. ما يُفهم عن حقّ، وهذه هي إحدى الرسائل المتوخاة من النظام، أن الشبيحة العلويين يقومون بالمجازر البشعة دفاعاً عن النظام، مضافاً إلى ذلك حقد طائفي بغيض هو وحده الكفيل بإيصال وحشيتهم إلى هذا الحد.

ليس مستغرباً أو مستبعداً إذاً، أن تحرّك هذه المجازر ردود أفعال طائفية أيضاً من طرف بعض الثوار أو الناشطين، وليس مستبعداً أن يتنادى بعضهم إلى دعوات الانتقام من الطائفة العلوية ككل، من دون تمييز بين الأبرياء والشبيحة. هذا بطبيعة الحال لا يعني تبريراً لردود أفعال يستدرجها النظام أصلاً، ولا تخدم سوى أجنداته في تصوير الثورة كثورة سنّية طائفية، ومن المعلوم أن أبواق النظام تستثمر ردود الأفعال هذه بمعزل عن مسبباتها وتُصورها على أنها جوهر الثورة. لكن المسألة لا تتوقف عند النتائج السياسية المباشرة، إذ يمكن القول إن المسألة الطائفية بدأت تهدد جدياً «الشخصية السورية»، والتي لم تُمتحن على هذا النحو منذ بداية عهد الاستقلال على الأقل.

وعندما نقول إن «الشخصية السورية» لم تُمتحن على هذا النحو، فذلك لا يعني إنكار وجود الطائفيين في المجتمع السوري عموماً، ولا يعني أيضاً عدم التفريق بين طائفية مقيمة وطائفية موسمية. مثلاً لقد اتخذت المواجهات بين «الإخوان المسلمين» والنظام قبل ثلاثة عقود منحى طائفياً، ولكن يمكن وصف طائفية جزء معتبر من أنصار «الإخوان» آنذاك بالطائفية الموسمية لأنها كانت نوعاً من الاستثمار السياسي الموقت، وانتهت تقريباً مع خسارة المواجهة. أما طائفية النظام التي بنيت على تلك الأحداث فكانت أكثر عمقاً، فلم يتوقف استثماره إياها منذ ذلك الوقت، أي استثماره إياها في أوساط الأقليات وعلى نحو خاص في أوساط الطائفة العلوية. ذلك لا يعني أيضاً غياب الملمح الطائفي عن الخطاب «الإخواني»، بل يعني انحسار شعبيتهم التي كانت موقتة بدورها، والتي يبدو أن انتعاشها رهن بأوقات الأزمات.

على هذا الصعيد ليس إنكار النظام الطائفية، على رغم تغذيتها منه، هو الوحيد. فقد شاركته في هذا النخب الثقافية والسياسية التي تعالت دائماً على الخوض في المسألة الطائفية، ويجوز القول إن النظام أحسن استغلال صمت النخب عن المسألة الطائفية ليشتغل من دون رادع أو رقيب على استثمارها. بهذا المعنى قدمت النخب، بتعففها الطائفي المزعوم، خدمة كبيرة للنظام الذي استفرد بالمسألة الطائفية بوسائله القذرة.

ومن المؤكد أن فتح الملف الطائفي في زمن الثورة يزيد من أعبائها الثقيلة أصلاً، لكن تجاهله من قبل بعض النخب لم يخدمها إطلاقاً. ولم يستطع على نحو خاص أن يحجب وجود النزعات الطائفية والطائفية المضادة لها ضمن الصراع الحالي المرير؛ لا ينفع في دحضها تلك الإشارات إلى تعدد الانتماءات الطائفية للمؤيدين وللثوار، لأن أعمال العنف الطائفي، وردود الأفعال الطائفية التي تليها، هي ما يستبطن الواقع أكثر من الادعاءات الثقافية. المعيار الذي لا تخطئه الحساسية العامة هنا هو أن مجازر النظام بعامة تُحسب عليه كمجرد نظام، أما في حالات محددة كمجزرة الحولة والقبير وسواهما فهي تُحسب على النظام بصفته طائفياً أيضاً، ما يجعل التعبير عن النقمة يمتد ليطاول طائفة بأكملها. ومن المؤسف عدم فهم هذه الفوارق حتى من قبل بعض الناشطين الذين سعوا في كل مرة إلى مواجهة ردود الأفعال الناقمة بنفي وجود الطائفية إطلاقاً والإصرار على وجود انقسام واحد فقط ضمن المجتمع السوري، هو بين النظام كمجرد نظام والثورة كمجرد ثورة.

بالطبع ليس هناك ما يمكن تسميته «شخصية سورية» إلا على سبيل النَسَب الجغرافي، وما دون ذلك يتقلقل المجتمع السوري بين انتماءات وولاءات لا يعدو الانتماء والولاء الوطني كونه واحداً منها، وربما يكون الأضعف بينها بحكم تغييبه لنصف قرن من الحكم البعثي. ففي غياب السياسة عن المجتمع السوري بقي الحديث في المسألة الوطنية نوعاً من التمرين الذهني لا أكثر، ولم تساعد الأيديولوجيات البعثية أو اليسارية أو الشيوعية التي سادت في أوساط النخب على طرح النقاش في موضوع الاجتماع الوطني السوري، وفي المحصلة بقي الاجتماع السوري أسير تجاذبين، فمن جهة هناك روابط ما قبل الدولة التي دامت بسبب غياب الروابط المدنية والسياسية الحديثة، ومن الجهة المقابلة هناك الأيديولوجيات العابرة للحدود والتي لا ترى في السوريين إلا جزءاً من كلّ أو وطناً موقتاً في أحسن الأحوال.

لقد نشأت أجيال سورية على تلك الأيديولوجيات المتعالية، ولم يُتح لها الاصطدام بالواقع إلا بفعل الثورة الحالية، ولن يكون متوقعاً أن يطابق الواقعُ المثلَ المنشودة التي اقترحتها الثورة. بالتالي لا يبدو الواقع مستقراً أو ثابتاً، بما في ذلك المسألة الطائفية التي تتمدد وتنحسر على إيقاع المجازر. لكن ما ينبغي الاعتراف به هو أن المشاركين في ارتكاب بعض مجازر النظام هم طائفيون، يقابلهم نظراء لهم في الطوائف الأخرى يمارسون حتى الآن أفعالاً أدنى من العنف الطائفي، بما في ذلك العنف اللفظي المتبادل. وثمة نسبة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إن كان لهذا من دلالة، متأرجحة فهي تكشف عن طائفية موسمية إثر كل مجزرة، ثم تعود لتكفّر عنها بالقول إن الشعب السوري واحد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا فعلت «أولغا» بالسوريين؟

الشرق الاوسط

سوسن الابطح

14-1-2013

لا أحد يعرف عدد النازحين السوريين الذين يقضون، هذه الأيام، بردا وصقيعا، بفعل العواصف والثلوج والسيول. والمرجح أن أحدا لا يريد أن يعرف.. فالحقيقة مؤلمة، ودفن الرؤوس في الرمال أسهل، ألف مرة، من مواجهة العار ووخز الضمير. الدول المضيفة تستبسل لحفظ ماء الوجه، وتبييض صفحتها في مرآة الدول الغربية. لكن الهوة فادحة بين الحاجات المتزايدة للنازحين والإمكانات المتواضعة للمستضيفين بمعية جمعياتهم والهيئات الإنسانية، وردمها يبدو عصيا إن لم يكن مستحيلا. النزوح السوري بات أشبه بفيضان بشري يغرق الدول المحيطة ويزلزلها. وما تتستر عليه المصادر الرسمية من كوارث، يبوح به النازحون أنفسهم. في مخيم «الزعتري» الأردني الذي أصبح عنوانا للذل الإنساني، تقول النازحة إسراء لأحد الصحافيين: «في كل ليلة تهب الرياح العاتية، تمزق مجموعات كبيرة من الخيام، دون أن يكترث بنا أحد. في هذا المخيم يموت الناس ويصرخون ويتوسلون ولا مجيب.. كل يوم يموت طفل وطفلان من شدة البرد». وعلى ذلك قس، ففي لبنان والعراق وتركيا الوضع ليس أفضل حالا. لا يتمتع لاجئو مخيم «القاع» و«باب الهوى» ونازحو عرسال ووادي خالد بنعمة ال«فيس بوك» أو «تويتر» ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها بتغريداتهم والترويج لرحيل فلذات أكبادهم، فهم بالكاد يكافحون من أجل علبة حليب أو قطعة ثياب ترد غائلة الصقيع عمن بقي من أطفالهم.

ما حدث بسبب العاصفة منذ الأسبوع الماضي - وما زال الشتاء في أوله - أكثر من جريمة بحق من بات يقدر عددهم بثلاثة ملايين آدمي، حياتهم أقرب إلى التشرد منها إلى الاستقرار الذي يليق ببني البشر. نصف هؤلاء في الداخل السوري المعذب، يبحثون عن أمن مستحيل. آلاف منهم، لا سيما في إدلب، لجأوا إلى مبان بيزنطية قديمة وكهوف منسية هربا من المطر وعصف الريح. «اليونيسيف» تتحدث عن مليون سوري صاروا مهددين بالموت جوعا في بلادهم ولا تملك أي منظمة إنسانية إغاثتهم بسبب المعارك الدائرة هناك. ليس من فر هاربا أفضل حالا ممن بقي، فثمة لازمة بتنا نسمعها من أفواه النازحين بعد أن حاصرتهم السيول الهوجاء واقتلعت خيامهم وتركتهم في العراء: «الموت أهون علينا من هذه الحياة».

مر خبر وفاة مواطن سوري جرفته المياه في لبنان منذ عدة أيام عابرا، لم تذهب كاميرات التلفزة لتصوير المكان والبحث عمن يعرف الرجل، ويتحدث عن مآثره، كما تفعل، عادة، حين يتضرر أحد المواطنين.. فالإنسان السوري صار أرخص حتى من الفلسطيني، وأقل شأنا. لا عجب، فبورصة الكرامة العربية إلى تهاو مريع!

1500 نازح سوري يدخلون لبنان يوميا، تركيا تشكو تزايد أعداد الهاربين من جحيم الحرب، ومثلها الأردن. سكان الجوار السوري يتزايد بالتالي ذعرهم. ثمة في لبنان من نادى بإغلاق الحدود، في وجه النازحين، فاتهمه البعض الآخر بالعنصرية. لم يلحظ هؤلاء المنافحون عن حقوق الإنسان، أن الأمر لا يتوقف على حزب سياسي بعينه، فما تتناقله ألسن العامة، يفوق ما يسمع على المنابر السياسية. يتداول لبنانيون بقوا حتى وقت قريب جدا يتعاطفون مع الثورة أن «السوريين خرجوا من الباب وعادوا من الشباك»، وأن «الجناية السورية المقبلة ستكون أسوأ على لبنان مما فعله النظام الأسدي». ثمة من بات يتساءل عن عدد الإرهابيين الذين يتسللون تحت ستار النزوح، وما الذي يخططون له. قلق لا يأتي من فراغ، فالمخاوف نفسها هي التي تدفع بدول أخرى لجعل مخيمات النزوح سجونا محاطة بأسلاك شائكة، بينما توقفت دول غيرها عن استقبال السوريين بالكامل.

ليست الطبيعة وحدها هي التي تتآمر على نازحي سوريا، ف«حاميها حراميها»، والعديد من الهيئات التي يفترض أنها تقدم الإغاثة، تسطو وتنهب، وثمة هيئات غيرها تدس الاستغلال السياسي في السكر والأرز. وتقول دراسة أجريت مؤخرا إن قسما لا يستهان به من المساعدات الإنسانية بات مربوطا بأهداف سياسية أو دينية وأحيانا مجرد مآرب انتهازية رخيصة.

خرجت مئات المظاهرات في سوريا منذ أيام تحت شعار «جمعة مخيمات الموت» تحية للنازحين الذين يدفعون أعمارهم من أجل حرية سوريا. لكن هذا التضامن الرمزي لن يجدي كثيرا، أمام واقع تتعاظم مأساوياته، ودرجات حرارة تتدنى إلى الصفر.

إن صح ما يقوله المبعوث العربي والأممي الأخضر الإبراهيمي من أنه لا نهاية لهذا الجحيم إلا بحل سياسي، بينما لا تلوح في الأفق أي بادرة لاتفاق أميركي - روسي تسعف في إنهاء الأزمة، فإن كارثة إنسانية، لم تشهد المنطقة مثيلا لها، تلوح في الأفق.

المسؤولية تطال النظام أولا بطبيعة الحال الذي يمعن تقتيلا وتذبيحا وعنادا، لكنه لا يعفي الآخرين من مسؤولياتهم. الجميع يشارك في المذبحة السورية، الذين دعموا الثورة كما الذين وقفوا ضدها. الاقتتال الأممي على أرض سوريا دمر مقومات العيش. هذه لم تعد ثورة بعد أن صارت المفاوضات عليها تجري بين قطبين عالميين متنازعين، بينما يموت الآلاف بردا وجوعا ومرضا وقصفا، بينما المعارضة السورية تنتظر عاجزة، أمام أبواب قاعات الاجتماعات السرية. هذه لم تعد ثورة بعد أن تحولت إلى مجزرة قد تغرق دماؤها كل المحيطين بها إن استمرت على وتيرتها، ولا مبالاة للمستفيدين منها. لم تعد ثورة بعد أن فقد النظام كل مقومات الحكم، من أرض ومطارات واقتصاد، ولم يعد له إلا شبيحته ومخابراته ومخازن الأسلحة، بينما المعارضة تقتتل وتتناحر من أجل زقاق هنا وشارع هناك. ما يحدث في سوريا تراجيديا عبثية سوداء، لن تتوقف إلا بعد أن ينهك الدمار كل اللاعبين.

ثمة مسلسل لبناني شهير عنوانه «العاصفة لا تهب مرتين». وهو عنوان مخادع لأن عواصف الشتاء لا تتوقف عن الهبوب. فإن كانت العاصفة «أولغا» قد أطاحت بمئات الخيام وحولت مخيمات اللجوء إلى مستنقعات من الوحل والبلاء، وحصدت القتلى، فإن العواصف المقبلة، رغم كل التبرعات والاحتياطات، لن تكون أكثر رحمة على من خرجوا من بيوتهم. لقد فاق عدد النازحين السوريين، من مسجلين وغير مسجلين، عدد سكان لبنان، ومات 60 ألف سوري، ولا تزال شهوة الخراب مفتوحة. لهذا ليس من مصلحة أحد أن يتحدث عن حفنة من المئات أو الآلاف يموتون بردا وصقيعا.. فليس بالدفء وحده تتحقق المآرب السياسية الوضيعة، وإنما بالتشريد والتدمير وتحويل حياة الناس إلى جحيم مقيم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف: من المؤسسة العسكرية المانعة للديمقراطية إلى المؤسسة العسكرية الخاضعة لها .... زهير سالم*

عندما بدأت بتسطير عنوان هذا المقال كنت سأكتب ( من المؤسسة العسكرية المانعة للديمقراطية إلى المؤسسة العسكرية الضامنة لها . ) ثم تنبهت أن أي دولة حديثة أو أي نظام ديمقراطي تضمنه مؤسسة منفصلة عنه لن يكون ديمقراطيا بالمعنى المنشود . هذا تداخل بين مستويين من مستويات التفكير : ما قبل وما بعد الديمقراطي .

 

أتصور أنه يجب أن نسقط من خلفيتنا الذهنية قواعد علوم الستاتيك التقليدية . إن اعتقاد الإنسان طويلا أن الكرة الأرضية يجب أن ترتكز على شيء ما قد ثبت بطلانه. وإن ما تعلمناه من علوم الفلك يؤكد أن انسجام النجوم والكواكب في مداراتها وأفلاكها بين قوى الجذب والنبذ هو الذي يمنحها هذا النظام والاستقرار . وأن نظرية الثور الذي يضع كرة الأرض بين قرنيه كانت نوعا من الخيال العلمي الذي حل مشاكل عصر الستاتيك في عصوره .

 

بناؤنا المستقبلي للدولة الحديثة التي نحلم بها لا تحتاج إلى ما تعودنا أن نطلق عليها الضامن للسلطة أو نقطة الارتكاز للنظام . إذا انطلقنا من حقائق العلم الحديث ولبناء الدولة الديمقراطية سنتجرأ لندعو إلى إسقاط كل المؤسسات والبنى ( المانعة للديمقراطية ) . وبغير هذا لن ننعم أبدا بما تنعم به شعوب العالم من حرية تفكير وتدبير وإبداع .

 

لن نكون بعد اليوم شعبا قابلا للاستبداد – مع استمطار الرحمة لروح مالك بن نبي – صاحب مصطلح القابلية للاستعمار . لقد اكتشفنا أن أثر الاستبداد في تدمير إنسانيتنا وأوطاننا أكبر بكثير من أثر الاستعمار . وأن جرأة الاستبداد على قيمنا ودمائنا وأعراضنا أبعد مدى مما فعله بنا الاستعمار . قد ينقض عليّ قولي هذا من يستطيع أن يذهب إلى أن هذا الاستبداد بكل فساده وقسوته وعفنه هو ناتج مباشر من نتائج سياسات الاستعمار . وأن هؤلاء الجلاوزة الملتفعين بعباءات المستبدين ما هم إلا أدوات صغيرة بأيدي المستعمرين ...

 

إن الحقيقة التي يجب أن تقطع قول كل خطيب هي أن شعبنا الذي خاض ثورة قد ينجلي غبارها عن مليون ضحية يجب أن يحصل على كل ما يريد . ولاسيما حين يكون ما يريده يقع في إطار الحقوق الكونية العامة التي تضمنها كل الوثائق الدولية وتتمتع بها كل شعوب الأرض . ومن هنا ندعو صراحة إلى التوقف عن جميع محاولات الالتفاف على إرادة شعبنا .

 

وإن القوى – كل القوى – التي رفضت حتى الآن أن تقدم لهذا الشعب أي شكل من أشكال الحماية بما فيها حمايته من الثلج والبرد والمطر والجوع ، ودع عنك حمايته من الذبح والاغتصاب ستكون آخر من يحق لها السمسرة على حساب هذا الشعب ، أو فرض الوصاية على إرادته ، أو رهن أمن أجياله لإرادة أي قوة لا تنبع من تكوينه وبنيته. لن تقبل هذه الثورة أن ترهن أمن الإنسان السوري لمن لم نعرف عنهم إلا القسوة والشر والغدر . لقد دفع هذا الشعب غاليا ثمن الكلام المطاط الذي تشدق به في مرحلة خلت مثاليو السياسة الفراغية والذين نراهم اليوم يطلون علينا بأفكار تبث الفزع والرعب والقبول .

 

لا نريد لجيل سوري مستقبلي أن يتعرض لمجزرة أخرى وأن يواجه حمام دم أخرى . لا نريد لامرأة سورية أخرى أن تغتصب ، ولا لطفل سوري آخر أن يذبح ، ولا لحر سوري آخر أن يقضي حياته في المنافي أو في الزنازين ...

 

ولن نأمن بعد اليوم بأي حال لأي مؤسسة أو هيئة أو شخص كان جزء من معادلة اغتصاب نسائنا وذبح أطفالنا ونفينا وتشريدنا . إن إضفاء صفة ( الوطني ) و ( الوطنية ) على الجريمة لن يبررها . الجريمة الوطنية . والمجرم الوطني لن يكون أكرم حالا عند العقلاء من المجرم الأجنبي . عند العقلاء يكون هؤلاء شر حالا وأسوأ مقيلا . كل الفطر السليمة تستقذر الزنى ولكن زنى المحارم هو الأكثر إثارة للنفور والاشمئزاز ..

 

زنى المحارم هذا هو ما ارتكبته هذه المؤسسة المرتكسة التي يسميها البعض ( المؤسسة العسكرية ) والتي نرفض بأي شكل أن تمنح لقب الجيش السوري أو أن يوضأ مجرموها بلفظ الوطنية ...

 

إن هؤلاء الذي لم يحققوا خلال تاريخهم الطويل لوطننا وشعبنا نصرا واحدا إلا عندما كانوا ينفلتون عليه ؛ لن يكونوا أبدا جزء من المعادلة الوطنية المستقبلية . ولن تأمن في وطننا امرأة ولا طفل ولا رجل ولا مفكر ولا مصل ولا عالم ولا متعلم مادام في يد واحد من هؤلاء الأراذل عصا ولو أخفاها تحت الثياب ...

 

لقد عانى شعبنا بما يكفي وولى زمن المجاملة في الحق . ولن نقبل كفالة كفيل ولا ضمانة ضمين ونحن نتابع المجتمع المتحضر يتفرج على مآساتنا ليس فقط خلال عامين بل خلال نصف قرن .

 

لن نتوقف عند النشأة المشبوهة لهذه المؤسسة في إطار جيش الشرق لركام الإنسانية هؤلاء ، لن نستحضر مغامراتهم بانقلاباتهم الرعناء التي كدرت علينا عهد استقلالنا ، لن نتوقف عند هزائمهم الكبرى في الثامنة والأربعين والسابعة والستين والثالثة والسبعين التي أذلت ضمائرنا ، لن نحاسبهم على تخاذلهم على مدى خمسين عاما عن تحرير أرضنا المحتلة ، لن نسائلهم عن تسخيرهم لأبنائنا ومجندينا على العمل في مزارعهم وورشهم وأحيانا شغالين عند نسائهم وفي مطابخهم ، لن نتوقف عند مضارباتهم التجارية في أموالنا وصفقات تسليحهم المشبوهة من مصيص دمائنا ،لن نطرح عليهم : من أين لك هذا ؟ ونحن نعلم مصدرهم ومخرجهم ، لن نتوقف عند كراتهم مرارا بمذابحهم المشهودة في اقتحام مدننا وقرانا ومساجدنا وكنائسنا كرة بعد كرة بعد كرة بعد كرة ...سنذكر فقط دعمهم أو صمتهم خلال عامين على مشروع استباحتنا وذبحنا وقنصنا وتشريدنا ..

 

لقد لفظ الخيرون من رجال وطننا من ضباط وضباط صف وجنود ومجندين مؤسسة الشر والسوء هذه. نبذوها وخلفوها وراء ظهورهم وفاءوا إلى أخلاقهم وإلى أوطانهم وإلى أهليهم . وكل الأخيار هؤلاء هم اليوم في فصائل الجيش الحر في قواده وأفراده وهؤلاء الذين سيغدو ويروح شعبنا في ظلالهم آمنا مطمئنا . أما الآخرون فإن هذه الثورة ما قامت إلا لتكف شرهم وإثمهم وإجرامهم وإن وجد فيهم صاحب عذر حال بينه وبين الانحياز لشعبه فيجب أن يسل منهم كما تسل الشعرة من الوحل والطين ...

 

كتائب الجيش الحر وقادته وأفراده هم نواة الجيش الوطني المستقبلي وعلى الذين يهرفون بما لا يعرفون أن يتوقفوا عن المراهنة بمستقبل أجيال أضاعها من قبل المسترسلون ...

لندن : 1 / ربيع الأول / 1434

13 / 1 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الموقف في سورية

أنور بن ماجد عشفي

عكاظ

14-1-2013

في الأسبوع الماضي وصلتنا تقارير عن المركبة الفضائية الأمريكية مسباركبلر حيث اكتشف 17 مليار كوكب في حجم كوكبنا في مجرتنا درب التبانة التي تعتبر واحدة من مليارات المجرات، تذكرت وأنا أقرأ هذا التقرير ماذا قاله الأسد في خطابه الأسبوع الماضي وهو مفعم بالغرور وكأنه لا يعلم ما يدور على الأرض، وتساءلت كم يوم بقي له في الحياة ثم يواريه الثرى؟

لقد تابعت عبر التلفاز الأسد وهو يلقي خطابه ،وكنت جازما أنه مغيب عن الواقع لا يرى ما يحدث في سورية، ولا يشاهد إلا التلفاز السوري، ولا يستمع إلا لمن هم حوله، وثبتت قناعتي من ثباته وعدم ارتباكه، ويتكلم بثقة، وعزز من اقتناعي تلك المسرحية الهزلية في القاعة من الحشد الكبير، والهتاف الذي استفز كل من شاهده.

لكن قناعاتي ما لبثت أن تبددت عندما تابعت المقابلة التي أجراها أحد المذيعين البريطانيين مع رئيس الوزراء السوري رياض حجاب الذي انضم إلى الثورة، عندما قال: بأن القرارات تصدر من بشار وممن حوله من العائلة، وأن إيران هي التي أصبحت تتحكم في مفاصل القرار، وتمده بالسلاح والعتاد، وروسيا تدعمه سياسيا وتسليحيا، أدركت وقتها أن بشار لا يملك حتى الانسحاب وتسليم السلطة، لأنه إذا فكر في ذلك فإن روسيا وإيران لن توفرا له الملاذ الآمن.

لقد شغل الأسد بخطابه المحللين السياسيين، فهذه المتحدثة باسم مفوضية الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، تقول: بأن الاتحاد يدقق في خطاب الأسد ليرى إذا كان يتضمن شيئا جديدا، لكن موقفنا واضح يتمثل في تنحي الأسد، ليتيح المجال لعملية الانتقال السياسي.

فلماذا يتباطأ التحالف الوطني المعارض في تشكيل الحكومة الانتقالية في الخارج ليتم الاعتراف الدولي بها، وتتمكن من استلام السلطة حالما يهرب الأسد أو يقتل، لكن الفرصة متاحة لانقلاب في مجلس الرئاسة وإلا وصل الأمر في سورية إلى درجة من الفوضى لا يمكن السيطرة عليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية ملعب الصراعات المختلفة..

يوسف الكويليت

الرياض

14-1-2013

لقاء الأعداء تبرره سياسات المصالح، فقد اتفق الشرق والغرب، أو السوفيات ودول الأطلسي على الحرب ضد النازية والفاشية والقضاء عليهما، لكنهما تحاربتا في فيتنام وأفغانستان فهُزمتا في البلدين، ولعل ما تخفيه الاتفاقات السرية لن يظهر بسهولة حتى إن خدعة حرب ١٩٦٧م بين العرب وإسرائيل، وانتصار الأخيرة لم تكشف بشكل نفهم منه مثل هذا الاتفاق بين الأعداء..

سورية دخلت اللعبة في صراع مع مختلف القوى، إقليمية تظهر وجهها بين تركيا وإيران، وانقسام عربي يدعم البعض نظام الأسد، والآخر يدعم المعارضة وجيشها الحر، لكن القوى الكبرى تتعارك وفق مقومات مصالحها، غير أن هناك اتفاقاً تاماً بأن سورية مرشحة لأن يخلف الأسد نظام إسلامي متشدد سوف يقلب المسيرة الأمنية والسياسية في أكثر من بلد، لكن إذا كانت مخاوف أمريكا من إحداث مشكل أمني لإسرائيل، فروسيا تخشى أيضاً من شريط إسلامي يبدأ من سورية فالعراق فآسيا الوسطى، أي محيطها الجغرافي، وهذه الأفكار مخاوف أكثر منها حقائق لأن إهمال الوضع السوري وتركه يتفاعل، وعدم فتح نوافذ مع قوى المجتمع المعارض وفهم توجهه واحتوائه، ساهمت بشكل مباشر بأن تبرز تيارات وقوى تذهب إلى الدين كملاذ يجمع الفرقاء المحرومين والمظلومين من النظام..

ومثلما ساعد الأمريكان الأفغان في حربهم ضد السوفيات فقد بنوا بذرة التطرف التي أدت إلى أحداث (١١) سبتمبر، والروس سوف يدفعون فاتورة تأييد الأسد بفشل سياسي وقطيعة عربية وربما إسلامية، وقد شهدنا كيف بدأت حوارات سرية بين الأمريكان والعديد من حكومات الربيع العربي ذات الوجه الإسلامي، وكلاهما يخادع الآخر بعدم إظهار حقيقة موقفه، وإن كان الأمريكان يريدون فرض شروط وإملاءات تخدم توجه تلك الحكومات حتى لا تدخل في عداء طويل مثلما حدث بأفغانستان مع طالبان، أو إيران الخميني بأن عجلت بدعم بعض التوجهات بأمل أن تفرز نظماً أقرب للديموقراطية، وأرقى من الدكتاتورية، ومع ذلك فكل المعالم لا تبدو أنها تتوجه نحو خط واضح تُبنى عليه صورة المستقبل..

روسيا تصر على مقايضة شخص ونظامه الفئوي أمام حشد جماهيري شعبي يقاتل من أجل حريته التي يريد انتزاعها بالتضحيات غير المسبوقة، وكان عدد الشهداء خمسة وستين ألف قتيل فاق هذا العدد قتلى الكثير من الحروب العربية الأهلية وغيرها، بينما روسيا التي تدعم النظام تنسى كيف قدمت التضحيات في هزيمة النازية ومن أجل حرية شعبها زمن السوفيات لكنها تتصرف بعقلية الدولة الاستعمارية، والهدف يبقى ضبابياً لأن رهانها على خاسر هو سياسة عمياء، بتصرفاتها التي كشفت عن وجه جديد في عداء أمة كاملة وليس لديها، حتى الآن المرونة التي تخرجها من الحرج في إيقاف شلال الدم السوري، وهي مكاسب تمنحها للغرب بغباء من دولة تملك المفكرين والسياسيين والعلماء، لكن لأنها تفكر بما هو راهن ولا تفكر بقادم الأيام، وتدار بعقلية بقايا الفكر السوفياتي في صراع الشرق والغرب فذلك جعلها لا تفهم النتائج، ولكنها تقيم سياستها على الاحتمالات لا حقائق الواقع، وما ستفرزه من خسائر لها سياسياً واقتصادياً..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا حل بلا حوار

أنس زاهد

الإثنين 14/01/2013

المدينة

رغم استحالة الوصول إلى الحسم العسكري، فإن كلاً من النظام السوري والمعارضة المسلحة ممثلة في الجيش الحر، ما زالا يضعان الشروط لإطلاق عملية الحوار التي ينتظر أن توفر حلاً سياسياً وسطاً للأزمة المستفحلة والحرب المدمرة التي تدور بين الطرفين منذ ما يقارب العامين.

الحرب في سوريا لن تنتهي بانتصار طرف على طرف آخر، فموازين القوى أصبحت متعادلة منذ وقت ليس بالقصير، وعناصر النظام والمعارضة المسلحة بما فيها العناصر الصغرى، يخوضون حرب حياة أو موت لأنهم يعرفون النتائج التي ستترتب على انتصار الطرف الآخر.. أما السلاح فإنه سيظل يتدفق على الطرفين ما دامت الحرب مستمرة. وهذا لا يعني إلا استحالة تحقيق النصر العسكري من قبل طرف على طرف آخر حتى لو استمرت الحرب لعشر سنوات أخرى.

في ظل هذه المعطيات التي يعرفها جميع المتابعين والمهتمين بالشأن السوري، يظل الحوار هو الخيار الوحيد لإيجاد حل للأزمة. وهو ما أكد عليه مبعوث الأمم المتحدة وصاحب الاطلاع الميداني الأوسع على الساحة السورية، الأخضر الإبراهيمي، الذي قال ما معناه إن البحث عن حل للأزمة خارج الإطار السياسي سيؤدي إلى صوملة سوريا وظهور أمراء حرب يقتسمون النفوذ على المناطق السورية المختلفة.

المشكلة أن المعطيات في سوريا شهدت تعقيدات إضافية في الأشهر الأخيرة، فدخول جبهة النصرة ولواء التوحيد وباقي الفصائل التي تتبنى فكر منظمة القاعدة، وسيطرتها على بعض المناطق الحيوية في الشمال كإدلب وحلب، هو مؤشر خطير على دخول طرف ثالث في المعادلة له أجندة مختلفة عن أجندة الجيش الحر الذي يعتبر الذراع العسكرية للائتلاف الوطني. وهذا ليس مجرد تحليل أو استنتاج، فرفض جبهة النصرة ولواء التوحيد الاعتراف بأحقية الائتلاف الوطني في تمثيل الشعب السوري عبر بيانات صريحة أصدرتها هذه التنظيمات، هو واقع ترتب عليه إعادة حسابات الأمريكيين من الأزمة، ولكن ليس بالصورة التي تكفل فرض حل سياسي لا يمكن التوصل إليه دون الاتفاق مع الروس.

الخلاصة أن استمرار الحرب لن يضعف أي طرف من الأطراف بالشكل الذي يتيح للطرف الآخر تحقيق النصر النهائي وفرض رؤيته وأجندته لسوريا المستقبل.

الحوار غير المشروط هو المخرج الوحيد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لقاء جنيف: خطاب الأسد كأنه لم يكن

والجنائية الدولية تلغي أي دور مستقبلي له

روزانا بومنصف

النهار

2013-01-14

في اللقاء الجديد الذي عقده في جنيف نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف ونظيره الاميركي وليام بيرنز مع الموفد العربي الدولي الى سوريا الاخضر الابرهيمي، اعادت الخارجية الروسية تأكيد دعمها امرين اساسيين احدهما هو اتفاق جنيف بين مجموعة العمل من اجل سوريا الذي تم التوصل اليه في 30 حزيران من العام الماضي وما تضمنه من مرحلة انتقالية ضرورية للعملية السلمية في سوريا، والآخر هو دعم الابرهيمي في مساعيه من اجل التوصل الى حل للازمة السورية. وبدا الموقف الروسي لافتا ومهما في مغازيه وفقا لمصادر ديبلوماسية متابعة، رغم استمرار الخلافات الاميركية الروسية على الموضوع السوري، وتحديدا على مصير الرئيس السوري بشار الاسد. واهمية هذا الموقف في انه شكل ردا مباشرا على موقف الرئيس السوري بعد اطلاقه ما سماه مبادرة في خطاب السادس من الشهر الجاري، والذي رفض خلاله المرحلة الانتقالية وفق ما جاء في اتفاق جنيف. كما انه اعاد تثبيت الدعم للابرهيمي بالتزامن مع حملات قادتها الصحف السورية على الموفد العربي الدولي الذي كان كشف قبيل توجهه الى لقاء جنيف الجمعة المنصرم في 11 الجاري ان المرحلة الانتقالية لا تتضمن دورا للاسد، وانه لن يكون جزءا منها. وفي حين يبقى الموقف الروسي ملتبسا في شأن تفسير المرحلة الانتقالية واي دور للاسد فيها، فان اللافت بالتزامن مع اعادة وزارة الخارجية الروسية تأكيد دعمها للابرهيمي ودوره، تشديد الاخير على مواقفه الاخيرة المعلنة، ومن جنيف بالذات على اثر اللقاء الذي جمعه ببوغدانوف وبيرنز بضرورة “تأليف حكومة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة”، مفسرا للاعلام انها تعني “كل صلاحيات الدولة”، الامر الذي يترك المجال واسعا امام تساؤلات محورها هل ان الابرهيمي يؤكد وصفه للمرحلة الانتقالية وتأليف حكومة بصلاحيات كاملة قبل لقاء جنيف كما بعده من دون تأييد من روسيا لهذا الوصف. وتاليا كيف يمكن ان تعيد تأكيد دعمها للابرهيمي في حال عدم توافقها معه علما ان مواقف الابرهيمي كانت صريحة بقوله انه اتفق مع الروس والاميركيين على ان العملية الانتقالية تعني تولي حكومة انتقالية كل صلاحيات الدولة؟

ومع ان لقاء جنيف الاخير لم ينته الى نتائج جديدة وفقا لما اعلن الابرهيمي من عدم اتفاق الطرفين الروسي والاميركي وان الحل للازمة السورية ليس في متناول اليد، فان رمزية التمسك الدولي باتفاق جنيف قبل اكثر من ستة اشهر اظهر الخطاب الاخير للرئيس السوري كأنه لم يكن او انه لم يحصل ولم يتم الاخذ بما قاله او بما حدده بمواصفات للحل الذي يراه. وهذا الامر في ذاته لا يعد مكسبا للرئيس السوري بل على النقيض رغم استمرار الخلاف على مصيره على رغم بروز ردود دولية قوية عليه من حيث رمزيتها ودلالاتها. اذ انه في مقابل محاولته تحديد شروط تعيد التفاوض على دوره في سوريا المستقبلية، فان توقيع 52 دولة عريضة تطالب مجلس الامن باحالة ملف الجرائم التي ارتكبت وترتكب في سوريا الى المحكمة الجنائية الدولية تعتبره المصادر المعنية وبصرف النظر عن قابلية مجلس الامن او عدم قابليته للبحث في هذا الموضوع راهنا ردا مباشرا وضغطا اضافيا على النظام السوري.

وفي مقابل رفضه المبادرات لتنحيه سلميا واتاحة المجال امام مرحلة انتقالية سلمية تزداد المطالبات الغربية بمحاسبته وصولا الى محاكمته. ففي هذا العامل الاخير مجموعة امور من بينها ان المسؤولية الاساسية عن الجرائم تحملها الدول الغربية المعنية - خصوصا سويسرا التي تولت اعلان العريضة الى مجلس الامن - الى الرئيس السوري ومحيطه المباشر، مما يعني طلب احالته مع هؤلاء الى المحكمة الجنائية الدولية وان لم تحدد العريضة ذلك صراحة.

يضاف الى ذلك ان الدول الغربية التي رفضت التهديد بمحاسبة الرئيس السوري حتى اليوم تاركة المجال امامه للتفاوض على خروجه السليم والآمن قد تجد نفسها مضطرة رغم مراعاتها روسيا في هذا الاطار، وعدم رغبتها في الوصول في سوريا الى مصير معمر القذافي في ليبيا الذي يعتقد انه لجأ الى تصعيد اخير نتيجة اقفال السبل امامه واحالته على المحكمة الجنائية الدولية، الى التلويح بهذا الخيار متى نفدت منها السبل للضغط على الاسد. بمعنى ان هذه الدول تضغط على الاقل ان لم يكن في اتجاه احالة الاسد على المحكمة الجنائية الدولية في ضوء دراسات وآراء تقول بعدم توافر الحظوظ لهذه الامكانية لكون سوريا غير موقعة على اتفاقية المحكمة، ففي اتجاه توجيه رسالة الى الاسد ان المجتمع الدولي لن يكون على استعداد للتعامل مع اي حل يبقيه في السلطة وفق ما جاء في مبادرته للحل، باعتباره مسؤولا وفقا لهذه الدول عن جرائم كثيرة في سوريا.

عود الى البدء اذاً، اي ما قبل خطاب الرئيس السوري، اقله على الصعيد الدولي مع توقع صعوبات في امكان الرئيس السوري التعامل مع هذه المعطيات التي اعادت تحديد موقف المجتمع الدولي من الازمة او مع الابرهيمي بناء على المواقف الاخيرة التي اطلقها الموفد الدولي، مما يعني تعقد الازمة اكثر فاكثر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأساة النازحين: ماذا فعل الائتلاف الوطني؟

أنس زاهد

الثلاثاء 15/01/2013

المدينة

بغض عن النظر عن مطالبات المعارضة السورية المسلحة وواجهتها السياسية المتمثلة في الائتلاف الوطني، بضرورة تكثيف تسليح الجيش الحر وفرض مناطق حظر جوي على الجيش السوري، فإن الائتلاف مطالب بوضع خطة عمل ميدانية لتحسين ظروف النازحين السوريين في كل من لبنان والأردن وتركيا.

معظم النازحين السوريين يفتقرون إلى كثير من مقومات المعيشة التي تلبي احتياجاتهم الأولية. وفي فصل الشتاء شديد البرودة الذي يجتاح جميع البلاد التي تؤوي النازحين السوريين في المخيمات، وقعت حالات وفيات ليست بالقليلة من جراء الأمطار الغزيرة وانخفاض درجات الحرارة بصورة قاسية. ولعل الكارثة الإنسانية التي وقعت في مخيم الزعتري للاجئين السوريين بالأردن - يضم مخيم الزعتري أربعة وستين ألف نازح سوري - هي أبلغ دليل على الظروف المأساوية التي يعيش في ظلها هؤلاء النازحون.

إننا لم نر حتى الآن أحد أعضاء الائتلاف الوطني وهو يزور أحد مخيمات اللاجئين، كما أن خطاب الائتلاف يكاد يكون خالياً من استنهاض ضمير الأمة العربية وما يسمى بالمجتمع الدولي، لوضع حد لهذه الكارثة الإنسانية التي تتفاقم يوما بعد يوم. أما التبرعات الكبيرة التي وصلت للائتلاف من الكثير من الدول، فلم يصدر بشأنها بيان يوضح أوجه إنفاقها، ويوضح نصيب النازحين منها. وهو شيء لا يبشر بخير ولا يدعو للتفاؤل، إضافة إلى أنه يرسم عشرات علامات الاستفهام الخطيرة والمحيرة في آن.

إنني إذ أسلم مع الائتلاف الوطني وباقي قوى المعارضة سواء المؤيدة أم الرافضة لخيار العسكرة، بأن النظام هو المسؤول الأول عن اندلاع أعمال العنف التي سرعان ما تحولت إلى حرب شاملة، بإصراره على فرض الحل الأمني وتجاهل المطالب المشروعة التي رفعها الشعب السوري في بداية الانتفاضة، فإنني أرى بأن الائتلاف الوطني هو المسؤول الأول عن الظروف المأساوية التي يعيش النازحون في ظلها.

إن قضية النازحين كانت وستظل الاختبار العملي الأهم لمدى مصداقية الائتلاف الذي حصل على اعتراف معظم الدول العربية، إضافة إلى القوى الأكثر هيمنة وتأثيراً على ما يسمى بالمجتمع الدولي. مما ترتب عليه حصول الائتلاف على الحق في تمثيل الشعب السوري وفي تعيين سفراء له في فرنسا وبريطانيا وأمريكا. والأهم مما سبق أن الائتلاف الوطني حصل بعد الاعتراف السياسي والدبلوماسي على تبرعات سخية ستساعده لو وظف جزءاً صغيراً منها، على صنع انقلاب جذري فيما يختص بالأوضاع المعيشية للنازحين الذين يواجهون الجوع والبرد ونقص الخدمات الصحية وانعدام الخدمات التعليمية، إضافة إلى الحالة المزرية التي تتميز بها حياتهم من جميع الأوجه الأخرى.

الائتلاف الوطني مطالب بالقيام بدور حقيقي في هذا المجال، وإلا فإنه سيفتقر إلى أي مبرر شعبي لوجوده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا خارج اللعبة السورية!

غازي دحمان *

الثلاثاء ١٥ يناير ٢٠١٣

الحياة

لم تعد روسيا اللاعب الأساسي في الأزمة السورية. يمكن القول إن قدرتها على التأثير تراجعت إلى درجة ثانوية، وهي درجة يمكن معها وصف التأثير الروسي بالرمزي أو الاستشاري.

كيف حصل ذلك وما هي أسبابه؟ وكيف قبلت روسيا بهذه المكانة المتدنية في التأثير بالأزمة؟ لا شك أن المتابعين للسياسة الخارجية الروسية لاحظوا حدوث بعض الاختراقات المهمة في الموقف الروسي من الأزمة السورية، كشفت عنها الديبلوماسية الروسية إن من خلال التلميح، كتصريحات نائب وزير الخارجية الروسي غينادي زيغانوف في جلسة خاصة حول الوضع الميداني للحرب السورية ورجحان كفة المعارضة، أو عبر التصريح العلني للرئيس فلاديمير بوتين: أن روسيا تدرك أن عائلة الأسد تحكم منذ أربعة عقود وأن روسيا تتفهم مطالب التغيير لدى السوريين. لقد كان واضحاً أن هذه التصريحات كانت تمهد الأرضية لنقلة سياسية تتقارب فيها المواقف الروسية من مواقف المجتمع الدولي إزاء الأزمة. إذاً الموقف الروسي وصل إلى منعطف لكنه لم ينعطف!

ثمة حمولات كثيرة تضمنتها تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن روسيا لو أرادت فلن تستطيع إقناع بشار الأسد بالتنحي والرحيل. أول المعاني أن موسكو فقدت، أو ربما هي في طريقها لذلك، مراكز القوى التي كانت تعتقد أنها تحت سيطرتها أو على تنسيق معها، داخل بنى النظام الأمنية والعسكرية، أو أنه جرى تحييدها وعزلها وصارت بلا تأثير، ومنها أيضاً أن النظام صار بنية مغلقة وصلبة وخرج من كونه نظاماً سياسياً لديه مرونة التفاوض أو يعمل بوظائف النظام السياسي عموماً، وهو ما يفسر حقيقة أن الجماعة الحاكمة في دمشق تكرست كنخبة طائفية وأنها تخوض حرباً مصيرية، ولم يعد يهمها غير الحفاظ على وضعيتها كجماعة حاكمة أو الحصول على حصة من سورية المستقبل، ووفق هذا السياق فإن التنحي يصبح لا معنى له سوى إعلان الجماعة الحاكمة الهزيمة في المعركة وليس محاولة علاج الأزمة أو البحث عن مخارج لها.

يحيلنا هذا المعطى إلى البحث عن الدائرة البديلة التي بات النظام ينضوي في إطارها ويصدر عنها ويتغذى من خلالها لمواصلة حربه المكلفة التي يخوضها ضد السوريين، الأمر الذي قد يسلط الضوء على آفاق الأزمة ومآلاتها.

تشير أغلب المعطيات التي تتيحها الوقائع الميدانية والسياسية إلى بروز مؤشرات خطيرة حول تشكّل دائرة عمل متكاملة بما يشبه خلية إدارة الأزمة لمتابعة الحالة السورية تتكون من قيادات إيران والعراق و «حزب الله»، وتوزيع للأدوار بين مالي وعسكري ودعم لوجستي وإعلامي، يترافق مع حالة استنفار وتعبئة للموارد اللازمة لإنجاز المهمة المطلوبة وهي كسر الثورة السورية، أو أقله تعويم النظام وتثبيته لمرحلة التفاوض على سورية، وهو ما عبر عنه أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله بوصف كل من يعتقد بانتصار المعارضة السورية بأنه واهم، وليبشر بعد ذلك، بنبرة تهديدية واضحة، بتقسيم الدول العربية في حال استمرار الثورة السورية!

لقد كان واضحاً أن ثمة أمر عمليات صدر من طهران، بالتزامن مع انتصارات المعارضة السورية ومع بدء الزحف على دمشق، بضرورة شد الأزر والنزول إلى أرض المعركة وتطوير المواقف من عملية دعم غير منظمة إلى تنسيق وإشراف ومتابعة وتخطيط وتنفيذ، وتنذر الأيام المقبلة بالكثير من هذا النمط العسكري المفتوح على أقصى مدى من العنف والدمار، غير أنها تنذر أيضاً بصراع مفتوح يشمل المنطقة كلها في ظل حالة الانقسام الطائفية الواضحة التي بات يفرزها هذا النمط التحالفي وهو ما بدأت إرهاصاته تظهر بوضوح في العراق.

روسيا خرجت من المولد السوري من دون حمص، وقريباً من دون طرطوس، لأن المطلوب منها كان يفوق قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية كقوة مسؤولة عن السلم والأمن العالمي، فقد كان المطلوب منها يتمثل بتأييدها الدائم لسياسات الجماعة الحاكمة وليس أن تكون مفاوضاً بديلاً. خرجت روسيا بتحية شكر على لسان الرئيس الأسد على ما قدمته لحمايته، ولم يبقَ أمام موسكو سوى خطوة واحدة قبل إغلاق هذا الملف، وهو الامتناع عن التصويت في مواجهة أي قرار دولي في مجلس الأمن يخص الأزمة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

علقم التسويات السلمية في سورية

بكر صدقي *

الثلاثاء ١٥ يناير ٢٠١٣

الحياة

لم يكد يتغير أي شيء في ما خص طريقة استجابة النظام الإرهابية مع الثورة، على رغم تغير كل شيء تقريباً خلال اثنين وعشرين شهراً منذ بدايتها. هذا إذا صرفنا النظر عن تصاعد وتيرة القتل والتدمير وصولاً إلى استخدام صواريخ السكود والسلاح الكيماوي في حربه المفتوحة على سورية.

تصريحات نائب الرئيس فاروق الشرع شكلت اختراقاً طفيفاً لجهة الاعتراف بعجز النظام عن حسم المعركة لصالحه بالمعنى العسكري. بل إن الرجل تمادى فأشار إلى أفق سياسي لتسوية «تاريخية» على حد تعبيره. لكن النظام سرعان ما تنصل من تلك التصريحات على لسان كل من دَبَّ من ممثليه وأبواقه. لا يعنينا ما إذا كان الهدف من كل ذلك هو إطلاق بالونات اختبار بهدف استدراج عروض دولية لتسويات قد تنقذ ما يمكن إنقاذه من السفينة الغارقة، فالأقوال والأعمال يقاسان بنتائجهما، وقد تكفلت مجزرة حلفايا وحدها بنسيان الرأي العام لشخص يدعى فاروق الشرع. أما الجديد في مسالك النظام فهو استعادة الإباحية الطائفية في شرائط فيديو ذكرتنا بالسنة الأولى للثورة حين كان يسرب شرائط مماثلة يدوس فيها شبيحة علويون على رؤوس مواطنين سُنَّة عقاباً لهم على طلب الحرية، ويهتفون بألوهية بشار وهم يقومون بذلك.

لكن لما يسمى بالمجتمع الدولي رأيٌ آخر. الصمت الذي تلا اجتماعات دبلن وجنيف بين الأميركيين والروس والأخضر الإبراهيمي، قد يشير، بخلاف الظاهر، إلى نضوج طبخة ما تناسب المساحة المشتركة لذائقات مختلف الفاعلين الدوليين في المسألة السورية. تصريحات الإبراهيمي التي تشبه إلى حد بعيد شعار الشبيحة القائل «الأسد أو نحرق البلد» لا تبشر بالخير، وتعطينا طرف خيط لفهم نوع الطبخة المسمومة التي يعمل عليها الطاهي الأميركي – الروسي.

يراهن الأميركيون على استسلام الشعب بفعل ما أصابه من إنهاك فظيع على يد النظام الذي فقد بدوره كل مبررات البقاء، حتى لو كان يملك المزيد من وسائل التدمير. الطرفان في مأزق من زاوية نظر المجتمع الدولي. الحل هو في «الحوار» بينهما وصولاً إلى تسوية، كما يريد الإيرانيون والروس، في حين أن الأميركيين يضعون نتائج الحوار الافتراضي هذا مباشرةً من عندهم: رحيل العائلة وبقاء النظام. من يقبل بحل يضرب صفحاً عن الثمن الباهظ الذي دفعه السوريون من دمهم لاستعادة حقهم في تقرير مصيرهم؟ ليس هناك أي طرف سياسي في المعارضة السورية يمكنه المجازفة بذلك. لكن الأميركي يملك وسائل إضافية لفرض التسوية التي تلائمه، وهي معطيات مجانية لم يبذل أي جهد للحصول عليها: «البديل عن التسوية هو الجحيم» قالها الإبراهيمي بوضوح الشبيحة ووقاحتهم. أو: البديل هو تقسيم سورية إلى دويلات تشكل ضمانة للأقليات الكريمة وغير الكريمة. أو حروب أهلية مفتوحة بين «المكونات» تستمر لسنوات حتى يأتي الجميع صاغرين ليطالبوا المجتمع الدولي إياه بإيجاد أي حل يراه مناسباً. ذلك أن الوجود المحض يأتي قبل الحرية في سلم أولويات أي فرد وأي جماعة. فإذا كان النظام نجح نجاحاً باهراً في تحويل مطلب الحرية إلى مطلب الوجود، يكون بذلك قد سلم مصير سورية والسوريين للطباخ الدولي وأراحه من كل الصعوبات.

المعارضة الممثلة في الائتلاف والمجلس الوطنيين، هي في موقف لعله الأقسى منذ بداية الثورة. ما الذي يمكنها عمله للتصدي للضغوط الهائلة من خارج دولي وداخل وطني يحشرانها في الزاوية الأضيق؟ الخارج الذي يمسك بسكاكينه لتقطيع ما تبقى من أشلاء الوطن، والداخل الذي أنهكه القتل والتدمير وأعاداه إلى عصر الظلام والمجاعة والحطب.

قبول المعارضة بالتسويات المفروضة من المجتمع الدولي يعني إلغاءها لذاتها ومبرر وجودها. أما رفضها لهذه التسويات فهو يحمِّلُها مسؤولية المزيد من الدمار القادم، وهي مسؤولية لا طاقة لأحد على تحملها باستثناء آلة القتل العمياء المسماة بالنظام.

هل هناك مخرج من هذا الوضع؟ هل يمكن للمعارضة أن تمارس دوراً فعالاً في تعديل التسويات الدولية المقترحة؟ أم أن عليها المراهنة على مواصلة الحرب حتى إسقاط النظام عسكرياً أو إضعافه إلى حدٍ يتيح لها التفاوض مع القوى الدولية على شروط أفضل؟

قد يكون من باب التنظير «على المستريح» أن نقول للمعارضة: بقدر ما تدركين قوتك المستمدة من قوة الثورة وروحها العظيمة، بقدر ما تستطيعين فرض شروطك على البازار الدولي المفتوح. لا بد من مواجهة الضغوط الهائلة من خارج ومن داخل.

لا بد من الابتعاد عن ردود الفعل والإمساك بزمام المبادرة. هذا يعني عدم انتظار ما قد يطرحه الفاعلون الدوليون، لتحشر المعارضة في زاوية القبول الذليل أو الرفض العدمي غير المسؤول. هذا يعني طرح تصورك الخاص لحل سياسي يكون أقل إجحافاً بحق ثورة عظيمة لشعب عظيم. اجعلي المجتمع الدولي هو المتلقي المرغم على التعاطي بطريقة ما مع مبادرتك. بهذه الطريقة تحافظين على مبرر تمثيلك للثورة. لعلك تخشين انقسام الرأي داخل المعارضة حول أي مبادرة سياسية قد تطرحينها، وهي المعروفة بهشاشة تماسكها؟ نعم، هو كذلك. لكن السياسة مجازفة، كما كانت ثورة الشعب السوري برمتها مجازفة كبيرة: الحرية أو الموت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أصوات لبنانيّة حيال الثورة السوريّة

حازم صاغيّة

الثلاثاء ١٥ يناير ٢٠١٣

الحياة

أطلقت الثورة السوريّة أصواتاً لبنانيّة كثيرة، كلّ واحد منها ينطوي على رسم ضمنيّ لصورة لبنان وأسئلته ومستقبله.

كان هناك، ولا يزال، صوت التبعيّة والالتحاق بالنظام السوريّ. وهذا، كما بيّنت تجربة ميشال سماحة بوضوح، صوت جهازيّ لا يستحقّ أن يُناقش أو أن يُحمل على محمل الجدّ.

وكان هناك، ولا يزال، صوت الخوف، وهو غالباً مسيحيّ، وتالياً شيعيّ. وإذا كانت بعض الأطراف الناتئة في هذه الفئة تتقاطع مع الفئة الجهازيّة، فهذا لا يلغي وجود هموم فعليّة في متنها العريض تفاقمها الظاهرة السلفيّة التي لا تحول كاريكاتوريّتها دون تفشّيها. لكنّ المشكلة هنا أنّ اصحاب هذا الصوت لا ينجحون في الارتقاء إلى صوغ تصوّر عصريّ وديموقراطيّ لمجتمع متعدّد تستطيع جماعاته أن تتعايش من دون خوف أو تبادل عنصريّ. هكذا نراهم يغرقون في شبر ماء فيقعون في «القانون الأرثوذكسيّ» للانتخابات، أو، وهذا أشنع، في مواقف سياسيّة وعمليّة مناهضة للشعب السوريّ وإرادة غالبيّته، على ما يفعل «حزب الله».

وهذه الأصوات سبق أن تعرّضت، وما زالت تتعرّض، لنقد صائب ومستحقّ. إلاّ أنّ صوتاً لبنانيّاً آخر مؤيّداً للثورة السوريّة يستدعي بدوره وقفة نقديّة. والصوت هذا، وهو غالباً سنّيّ من دون أن يقتصر على السنّة، إذ يمتدّ إلى بيئة ثقافيّة ضيّقة، يذهب إلى أنّ التاريخ يبدأ من الثورة السوريّة، لا قبل قبلها ولا بعد بعدها. لكنْ على رغم الأهميّة الفائقة والاستثنائيّة لتلك الثورة، وضخامة تأثيرها على مجمل منطقتها، فإنّ وعياً قياميّاً كهذا لا يمكن الركون إليه. فالنزعة هذه في إعدامها أجزاء أساسيّة من التاريخ كثيراً ما تهجس باستئصال أجزاء أساسيّة من الواقع. وهذا درس يُستعاد المرّة بعد المرّة منذ الثورة الفرنسيّة التي أرّخت من صفر، على أقلّ تقدير.

وفعلاً تذهب وجهة النظر هذه إلى نفي المعنى عن كلّ النقاشات والهموم اللبنانيّة، بما في ذلك مشاكل الأقليّات، إمّا لأنّ الثورة السوريّة تجبّ ما قبلها أو لأنّ المناقشين اللبنانيّين سخفاء. لكنْ إذا كان الأخيرون كذلك فإنّ سخافة المناقشين لا تعني سخافة الموضوع المناقَش. والحال أنّ مسألة الأقليّات في المشرق لم تتظهّر ولم تتبدّ تعقيداتها كما حصل مع الثورة السوريّة وفي المناخ الذي أطلقته. وفي آخر المطاف سيكون من معايير محاكمة تلك الثورة على المدى الأبعد تعاطيها مع مسألة الأقليّات في بلدها وفي عموم المشرق استطراداً. فالاضطرار الذي جعل الثورة المذكورة، لسوء حظّها، تصطدم بتلك الأقليّات، ينبغي ألاّ يقود إلى التغافل عن مشكلة معقّدة لا يُفهم تاريخ المشرق من دونها، ولا يستقيم من دون تذليلها، هي هذه المشكلة تحديداً. وهذا ناهيك عن مدى جدارة أصحاب الصفة الديموقراطيّة بصفتهم هذه في حال التنكّر لها أو اعتبارها لزوم ما لا يلزم.

وفي تصفية حساب مداورة مع الفكرة اللبنانيّة، تؤخذ على الصيغة اللبنانيّة «تفاهتها»، علماً بأنّ هذه الصيغة، على رغم الكثير من «التفاهة» التي تعتريها وتعتري رموزها، قد تكون الأقلّ سوءاً بين الصيغ المعتمدة لتنظيم العلاقات بين جماعات المشرق العربيّ. ويُخشى أن يكون هذا المأخذ، بعد تضخيمه، شكلاً التفافيّاً من طلب الاستبداد والواحديّة، خصوصاً أنّه ينسب العيوب الكبرى للصيغ، بدل أن ينسبها إلى قدرة الجماعات المتناحرة على الصعود إلى سويّة الصيغ تلك. لكنْ يُخشى أيضاً أن تقيم في هذه النظرة التي تختزل الذات الوطنيّة، ميول ورغبات في إعادة إنتاج الالتحاق إنّما حيال نظام آخر!

أغلب الظنّ أنّ لبنان المهلهل أقوى ممّا يُظنّ لسبب بسيط هو اللبننة المعمّمة على منطقة بأسرها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبراهيمي الذي تجرأ على الأسد

طارق الحميد

الشرق الاوسط

15-1-2013

ها نحن أمام حفلة مستمرة من الشتائم والاتهامات تكال ضد السيد الأخضر الإبراهيمي من قبل إعلام بشار الأسد، ولثالث يوم على التوالي، والسبب، بحسب الصحف الأسدية، أن الإبراهيمي تجرأ على الأسد في الاجتماع الأخير حين سأله عن مسألة الترشح في الانتخابات السورية القادمة في عام 2014.

الصحف الأسدية وصفت الإبراهيمي ب«السائح المعمر»، ذي اليدين المصفرتين من أي إنجاز، وكل ذلك لأن الإبراهيمي تجرأ وسأل الأسد في اجتماعه الأخير عن «مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو السؤال الأهم بالنسبة للإبراهيمي وللدول التي تقف خلفه»، بحسب صحيفة «الوطن» الأسدية التي قالت إن رد الأسد كان «أن آخر ما يهمه المناصب، لكن أول شيء يهمه هو رغبة الشعب ومصلحة البلد»، وإن الأسد أضاف قائلا: «لست قبطان السفينة التي عندما يشعر بأنها بدأت تهتز يهرب منها». وعلى أثر ذلك أنهى الأسد الاجتماع الثنائي، بحسب الصحيفة الأسدية التي قالت أيضا إن «الرجل بات مكشوفا لدى الرئيس الأسد وتصرفاته متوقعة»، وإن السيد الإبراهيمي قد «كذب خلال زيارته إلى موسكو» بعد دمشق، وفي اجتماع جنيف الأميركي - الروسي مع الإبراهيمي، «مما استدعى ردا روسيا صارما وقاسيا»!

والحقيقة أننا لم نسمع ردا روسيا صارما وقاسيا، بل إنه رغم تصريحات وزير الخارجية الروسي الأخيرة عن استحالة رحيل الأسد، فإنها تصريحات تفاوضية بين واشنطن وموسكو أكثر من كونها دعما للأسد.. فلافروف يتحدث عن صعوبة التنفيذ، أي إخراج الأسد، ويرد على تفسير واشنطن لاتفاق جنيف الذي لا ينص على رحيل الأسد، ولا بقائه. والحقيقة أن تفسير اتفاق جنيف يعني أن لا مكان للأسد، وهذا ما قاله أيضا وزير خارجية فرنسا، ليس اليوم وإنما لحظة التوقيع على اتفاق جنيف.

وعليه، فنحن الآن أمام سؤال مكرر، وقد طرحناه الأسبوع الماضي، وهو: هل يصار إلى استبدال السيد الإبراهيمي، وهذا أمر لن يقبل به أحد، ويعني أننا أمام محاولة جديدة لتضييع الوقت في سوريا، أم أننا أمام مفاوضات روسية - أميركية شاقة على مستقبل سوريا؟ فالجميع، عربيا ودوليا، لا يزال يدعم السيد الإبراهيمي، حتى أن وزير الخارجية الروسي، والذي يقول الإعلام الأسدي إنه لقّن الإبراهيمي درسا صارما قاسيا، كان قد وصف خطاب الأسد الأخير، ومبادرته التي قدمها، بالقول: «نعم، مما لا شك فيه أن هذه المبادرات لا تذهب بعيدا، وهي لا تبدو جدية بنظر البعض»! ولذا، فإن الهجوم الأسدي على الإبراهيمي الآن ما هو إلا رسالة للدوائر المقربة من الأسد نفسه بأن ما يحدث ليس موقفا روسيا، وأن موسكو لا تبيع وتشتري برأس الأسد، وإنما هذه هي خطة الإبراهيمي نفسه الذي وصفته الصحافة الأسدية بالعمالة لأطراف خارجية.

ملخص القول، إن الهجوم الأسدي على الإبراهيمي يوحي بأننا أمام مفاوضات روسية - أميركية شاقة على سوريا، ومستقبلها، وهذا ما وتّر الإعلام الأسدي بشكل واضح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تنتهي دراما مخيم الزعتري؟! * ياسر الزعاترة

الدستور

15-1-2013

لم يحظ الأردن بهذا الكمٌ من التركيز الإعلامي السلبي في الخارج كما حصل خلال الأسبوع الماضي إثر المنخفض الجوي والعاصفة الثلجية، وبالطبع على خلفية المعاناة التي خلفها في مخيم الزعتري لما يقرب من 60 ألف إنسان ألجأتهم الظروف إلى هذا المكان إثر معركة شرسة يشنها نظام مجرم وجبان ضد شعبه لأنه طالب بالحرية والتعددية.

من تابع مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات والصحف خلال الأسبوع الماضي شهد كمّا من الهجاء الذي حظي به الأردن مع الأسف الشديد، الأمر الذي كان قد بدأ منذ أسابيع طويلة بسبب المعاناة التي يشهدها المخيم.

لم نجد أحدا يلتمس العذر للحكومة الأردنية، فالجميع يتحدث عنها بوصفها المسؤولة عما يجري، الأمر الذي يبدو طبيعيا إلى حد كبير، لأن الحكومة هي من اختار ذلك المكان البائس، وهي التي تشرف على كل شيء فيه، وهي تبعا لذلك المسؤولة أمام الرأي العام المحلي (فضلا عن العربي والإسلامي) الذي أصابه الحزن والقهر على هؤلاء اللاجئين، ربما باستثناء بعض الأبواق التابعة بشار الأسد، والتي يسرُّها ما يجري هناك، بل تجد فيه فرصة بالغة الأهمية لتبشير السوريين بمصيرهم الأسود إذا تواصلت ثورتهم ضد بشار الأسد.

والحال أن الأردنيين لم يقصروا أبدا مع إخوانهم من اللاجئين السوريين، فمقابل 60 ألف لاجئ في مخيم الزعتري، هناك أكثر من 200 ألف دخلوا البلاد، وأقاموا في مناطق شتى، وهم يعيشون وبعضهم يعملون، بينما يتلقون مساعدات جيدة يقوم عليها رجال خيرون من الفعاليات الاجتماعية والسياسية والدينية في البلاد.

الشعب الأردني شعب مضياف، وهو يؤثر على نفسه، ولو كانت به خصاصة، لكن حكاية الزعتري قصة أخرى ليس للناس صلة بها، إذ تشرف عليها الحكومة من الألف إلى الياء، وهنا تحديدا تبدأ الحكايات التي تثير القهر. حكايات تنطوي على شُبه فساد يرددها كثير من العرب الرسميين منهم وغير الرسميين.

يوميا نقرأ عن شاحنات المساعدات التي يجري تعطيلها في الجمرك، وقبلها وبعدها شروط التعامل مع الوضع في المخيم بالنسبة للجان الإغاثية التي تأتي إليه. كما نسمع أيضا عن المساعدات التي تتعطل وتلغى بسبب شروط معينة.

إنهم يقولون يوميا إن الحكومة تمارس التسول على المخيم، ولا يظهر ذلك على طبيعة الخدمات فيه، مشيرين في السياق إلى مبالغ كثيرة جرى التبرع بها من عدد من دول الخليج؛ ولم تنعكس تحسنا في وضع المخيم وطبيعة خدماته.

دعك قبل ذلك وبعده عن سوء اختيار المكان الذي لم يكن موقفا بحال من الأحوال، وهو ما دفع البعض إلى المطالبة بنقل جميع اللاجئين إلى مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز الفارغة في الزرقاء، أو نقلهم إلى مكان آخر بعد توفير كرفانات مناسبة من المتبرعين.

في أي حال، نحن أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة باتت أشبه بالفضيحة، ولا بد من تجاوز الأمر سريعا، ولا قيمة لما يقال إن الأردن لا يتحمل هذا العدد، لأن المساعدات كثيرة، ولأن العدد أصلا ليس كبيرا، ويمكن استيعابه بسهولة إذا توفرت الإرادة وتم تجاوز حكايات الفساد وسوء الإدارة.

بالإمكان ترك الأمر للجيش الذي يمكنه بسهولة التعامل مع وضع المخيم، كما يمكن تحويل مهمة الإشراف عليه لائتلاف من جمعيات خيرية تملك الاستعداد لذلك، أما وقد قررت الحكومة استحداث إدارة شؤون مخيمات اللاجئين، فنتمنى أن تنجح تلك الإدارة في حل هذه المشكلة.

نعم، آن يضع المسؤولون حدا لهذه القضية التي تثير الأردنيين قبل غيرهم، وتترك مرارات في نفوس عرب ومسلمين يراقبون ما يجري بكثير من الحنق.

التاريخ : 15-01-2013

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حل سوري للحروب العربية!

غسان الامام

الشرق الاوسط

15-1-2013

الروس والإيرانيون الذين قالوا إن «الحل سوري» لم يصدقوا أنفسهم. استمروا في التدخل من ثقب الباب. واصلوا تسليح «جناب» الرئيس بشار. وواصل الإبراهيميون الخضر مفاوضة الروس للعثور على حل غير سوري!

الإيرانيون الذين يبدو أنهم نفضوا أيديهم وأنفسهم أخيرا، من عميلهم السوري، آثروا الذهاب إلى الرئيس محمد مرسي، لإقناعه بأن «الحل السوري» هو حل إقليمي سني/ شيعي، يجب أن يقدمه مكتب إرشاد إخواني، ومرجعية الفقيه خامنئي.

صدق «الإخوان» المصريون «الإلهام» الإيراني. فلم تكد بعض وسائل الإعلام المصرية شبه الرسمية تنتهي من الإشادة بالحل الخليجي لتمصير خمسة مليارات دولار، حتى دعت إلى «تفعيل» الدورين المصري والإيراني معا، في ما يتعلق بالقضية السورية! وأضافت بحماسة أن مصر تتعامل مع إيران بصفتها «قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها» وأخطأ مبارك في معاداتها.

ثم عددت الأسباب «الوجيهة» لسياسة مصر الجديدة، فقالت إن مصر تود «انتهاج سياسة خارجية تنأى عن الاستقطاب (العربي/ الإيراني)»، لأن إيران من الدول القليلة التي ترتبط بعلاقات «ودية» مع نظام بشار الأسد. ثم أحالت المفلس على المفلس، كما يقول المثل، فوجدت في إيران المفلسة مصدر «استثمارات خارجية» تريد مصر أن تجتذبها!

بعد استضافة مصر لقاسم سليماني القائد الإيراني ل«فيلق القدس» استضافت نده المدني وزير الخارجية علي أكبر صالحي. تحمس صالحي للانحياز الإخواني، فدعا دول المنطقة إلى البحث عن حل للأزمة، من خلال «منطق سوري/ سوري». والمعنى أن يكون للأسد والشبيحة دور في هذا الحل!

ورفض صالحي الاعتراض العربي على التدخل الإيراني في الدراما السورية، بحجة وجود شيعة في العراق. ولبنان. وسوريا.

شبيحة صحافة الأسد لاحقت الوسيط الأخضر الإبراهيمي، بحجة «انحيازه» ضد الحل السوري الذي قدمه بشار. مع ذلك ما زال الأخضر متمسكا بالحكاية. ويتكلم عنها بالروسية. أخفق لافروف في استحضار الحل المفقود. فاستحضر الأخضر أميركا أوباما وضمها إلى فريق البحث عن البديل السوري الضائع.

حكمت هيلاري العالم طيلة وجود أوباما الأول في البيت الأبيض. «اخترعت» هيلاري الربيع العربي الإخواني. مرضت. فاعتزلت. انتهز أوباما الفرصة. فشكل إدارته الجديدة من أنصار بشار (بزعامة جون كيري) ومن أعداء نتنياهو (بزعامة تشاك هاغل).

وهكذا، بدأ أوباما بدوره رحلة البحث عن حل أميركي/ روسي، لحل سوري: حكومة انتقالية بمعرفة الدولي الأخضر الإبراهيمي. الإشكال الوحيد اشتراط القوميسار بوتين تطعيم الحل ب«نفس علوي». واشتراط العم أوباما حرمان «جبهة النصرة» من الجنة السورية.

كيف تبدو سوريا بعد استئصال قاعدة «تفتناز» الجوية؟

بشار ب«سبعة أرواح». يستخدم الصواريخ والطائرات لتدمير عشرين هيليكوبتر نسي الشبيحة تدميرها قبل الفرار. وهناك قوة شبيحة تبذل جهدها للمحافظة على عشرين مروحية أخرى، لتدمير ضواحي دمشق وقرى سهل حوران التي لجأ أهلها إلى مخيم الزعتري في الجنة الأردنية.

عموما، الحالة السورية أشبه ب«طوز خرماتو» عراقية. خليط من مالكي. طالباني. صدري. أنباري. بارزاني. قطعت سنة الأنبار طريق المالكي إلى دمشق. فقطع المالكي طريق السنة إلى عمان. بانتظار وصول دولة الإبراهيمي من جنيف الأميركية/ الروسية، وعودة طالباني من غرفة الإنعاش الألمانية، بعضهم تقدم بحل للأزمة الناشبة في طوز خرماتو السورية: قوات «حفظ سلام» بين داحس والغبراء، على أمل انتهاء حروبها عندما يشيب الغراب. ويفنى التراب.

لست هازلا إذا قلت إن هناك حالة «طوز خرماتو» في كل بلد عربي. في لبنان، طوز خرماتو طائفي يدعو إلى انتخاب كل طائفة نوابها. في الضفة وغزة «طوز» يحول دون المصالحة. في العراق، طوز خرماتو مالكي يعتبر كل عربي سني أو كردي مدانا، إلى أن تثبت إيران براءته. في الأردن، طوز إخواني يطالب بأكثر من صوت انتخابي. في مصر، طوز إخواني ينادي بأقل من صوت لكل معارض ساكن في «حتة» التحرير. في تونس، طوز نهضوي ضد خرماتو علماني...

السحر العجيب ربما قادر على جمع هذه المجموعة من «الطوزات» العربية، في «خرماتو» عسكري يبدد طوز بشار، بقيادة الإبراهيمي أو نبيل العربي، وبإذن دولي. أو أميركي. لكن ماذا بعد؟ هل يضمن الضامنون سلاما بين الطوزات العربية المعسكرة في الداخل السوري؟ هل هذه الطوزات قادرة على الصبر، على مشاكلها الخاصة بها، وهي معسكرة في سوريا؟

أعود إلى حكاية «الحل السوري» الذي شغلت روسيا وإيران العرب والعالم بخرافته، لتغطية رغبتهما في الاحتفاظ بالطوز العلوي، جاثما على صدر 23 مليون سوري. ثم أسأل: هل سوريا في وضع يؤهلها للبحث عن حل سوري لحروب عربية تنشب داخلها؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبرهيمي نهاية وساطة أم وسيط؟

راجح الخوري

2013-01-16

النهار

اذا كان الاخضر الابرهيمي قد أصبح كما يقول النظام السوري بعد ستة اشهر على مهمته اليائسة: "مجرد سائح يحمل ملامح معمّر هرم، ووسيط مزيف يقوم بمهمة فاشلة، وطرف وليس وسيطاً بات في كل الاحوال خارج الحل السوري"، فلا ندري ما الجدوى من صمت هذا الديبلوماسي الجزائري المخضرم، الذي يعض على جروحه منذ ستة اشهر فلا يستقيل من "المهمة المستحيلة" كما وصفها منذ البداية؟

ولا ندري ما الجدوى من تقديمه تقريراً في 29 من الجاري الى الامم المتحدة ومن ورائها طبعاً اميركا وروسيا، اللتان تعاملتا معه منذ ايلول الماضي على انه مجرد ممسحة يستعملانها لإخفاء عجزهما او بالأحرى تآمرهما على سوريا والسوريين؟

ما يفرضه المنطق على الابرهيمي هو تقديم استقالة غاضبة ومعللة، لا تتوقف عند كشف انخراط النظام في حمّامات الدم التي أودت حتى الآن بأكثر من ستين الف قتيل، في وقت يستمر دك المنازل بالقنابل الروسية تلقيها مقاتلات الرفيق سيرغي لافروف المبتسم حتى آخر قطرة دم في سوريا، بل تكشف ايضاً سخافة جامعة نبيل العربي العاجزة إلا عن استطلاع اوضاع اللاجئين السوريين بعد الصراخ اللبناني اخيراً، كما تكشف تفاهة مجلس الامن وقد تركته واشنطن رهينة "الفيتو" الروسي الذي يخفي في الواقع نوعاً من انخراط البلدين الوقح في رقص "التانغو" على قبور السوريين!

يجب الا ينهي الابرهيمي حياته الديبلوماسية بالصمت عن الحقائق التي افشلت مهمته، فهو لم يفشل بل كان اكثر جرأة وصراحة من سلفه كوفي انان الذي توارى مع نقاطه الست من دون ان يقول كلمة، في حين وضع الابرهيمي نقاطاً على حروف مهمة وكثيرة تتصل بعمق الازمة السورية، وذلك عندما "تجرأ" وطرح مسألة الانتقال السياسي وفاتح الاسد بموضوع ترشحه للإنتخابات وهو ما اعتبره النظام "وقاحة" فأنهى اللقاء معه كما أعلن النظام، الذي يريد تحميله مسؤولية الفشل لأنه يرفض بالمطلق الانتقال السياسي، معتمداً على الدعم الروسي والايراني والصيني وعلى التغاضي الاميركي وعلى التقصير العربي الفاضح.

يجب الا ينتهي الابرهيمي كما انتهى انان، شبح واختفى من دون ان يقول شيئاً، وخصوصاً ان الاسد اطلق رصاصة الرحمة على مهمته قبل ان يصل الى دمشق في رحلته الثالثة عندما تركه ينتظر ثمانية ايام في القاهرة ليحدد له موعداً ثم اكثر من ساعة في البهو ليطل عليه، فما كاد يطرح موضوع الانتقال السياسي والانتخابات حتى وقف الاسد منهياً المقابلة والوساطة ايضاً!

ولكن هل من العدل والمنطق ان تنتهي حياة الابرهيمي الديبلوماسية مع انتهاء تلك المقابلة التعيسة؟ واذا كان "حكم اسرة لمدة 40 عاماً اطول مما يجب" كما قال، فلقد صمت هو اكثر مما يجب!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما سر هذا السكوت على المجازر اليومية في سورية ؟!

سيستمر هذا السكوت حتى وإن استخدم السلاح الكيماوي عيانًا، بل سيستمر حتى تصبح سورية كلها أرضًا خرابا لا تقوم لها قائمة

المدينة

أ. د. محمد خضر عريف

الأربعاء 16/01/2013

عامان تقريبًا مضيا على اندلاع الثورة المباركة في سورية، وخلال هذين العامين لم يتوقف ولو ليوم واحد القتل والترويع والتشريد والتدمير الذي تمارسه آلة الفتك الحكومية بحق شعب أعزل، أعزل من كل شيء من السلاح أولًا، ومن لقمة الخبز ثانيًا، حتى أن آخر ما درجت عليه قوات البغي والعدوان هو قصف صفوف المواطنين عند المخابز عن عمد، كما حدث قبل أسبوعين أو يزيد من قتل ما يزيد عن مائتين من الأبرياء عند المخبز الوحيد في حلفايا، لكي لا يبقى لهم مورد للقمة الخبز، وحصل بعده مباشرة قصف مخبزًا آخر أدى إلى قتل العشرات، وأمام المجزرتين المروعتين، لم يكن من الحكومة الأمريكية إلا أن استنكرت كالعادة بأخف وألطف عبارات الاستنكار، وجاء على لسان أحد مسؤوليها: (لأن نظامًا يقوم بهذه الممارسات، لا يمكن أن يكتب له البقاء). هكذا..وكأن هذا النظام إن لم يقصف المخابز يمكن أن يكتب له البقاء، وبعد أن تهدد الرئيس الأمريكي وتوعد بالثبور وعظائم الأمور إن أقدم من يسمى بالأسد على استخدام الأسلحة الكيميائية، بحيث إن أمريكا ستتدخل في تلك الحالة، ها نحن نرى النظام المجرم يقدم على استخدام بعض الغازات السامة ضد المدنيين، دون أن تحرك أمريكا ساكنًا، بل على العكس من ذلك، تزامن استخدام الغازات السامة مع تصريح إسرائيلي رسمي بأنه (لا خطر من الأسلحة السورية الكيميائية)، خلاف ما كان يقال سابقًا، ولعل المقصود: أن لا خطر على إسرائيل بالطبع، ولا ضير في أن يستخدم نظام الحكم السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه وأن يرشه كما ترش الحشرات، وهذا الموقف الأمريكي والإسرائيلي مفهوم، فالمسمى بالأسد كان ولا يزال الحليف الأول لإسرائيل في المنطقة، وكان يحقق لها الأمان سابقًا بحراسة حدودها على مدى أربعين عامًا، وها هو يحقق لها الأمان مجددًا بتصفية أكبر عدد ممكن من السوريين الشرفاء من أهل السنة فقط بالطبع، من الذين يمكن أن ينتفضوا على إسرائيل بعد سقوط النظام الآثم، ولكي يترسخ هذا الأمان لإسرائيل بعد رحيل هذا النظام أكثر فأكثر، لابد من أن تدمر كل مقومات الحياة في سورية، بحيث لا يبقى حجر على حجر في أي مدينة أو قرية سورية، وهيهات أن يتمكن الثوار بعد انتصارهم من أن يعلنوا الحرب على إسرائيل ولو بعد خمسين عامًا، والأمر الآخر أن النظام الحاكم يعني أن يبدد كل الأسلحة التي لديه باستخدامها ضد الشعب الأعزل، بحيث لا يجد الثوار بعد انتصارهم المحقق أي شيء متبقٍ منها يمكن أن يغنموه ليكون نواة لجيش قوي جديد يمكن أن يحارب إسرائيل أو أن يصفي حسابات مع حزب الله في لبنان، وإعادة بناء جيش قوي بعتاد عصري فعال يحتاج إلى أكثر من خمسين عامًا أيضًا تكون كافية لترسيخ أقدام إسرائيل أكثر فأكثر في المنطقة، وتضمن الأمان لفئة باغية من غير أهل السنة في المنطقة من العلويين وأشياعهم، وبوضع كل تلك الاعتبارات في الحسبان يصبح واضحًا سر هذا السكوت المشين من قبل القوى العالمية المختلفة على جرائم النظام الآثم في سورية، وسيستمر هذا السكوت حتى وإن استخدم السلاح الكيماوي عيانًا بيانًا، بل سيستمر حتى تصبح سورية كلها أرضًا خرابًا يبابًا لا تقوم لها قائمة، وبدل أن تجفف منابع التسلح المتاحة لنظام مجرم سفاح قاتل، نجد المزيد من التسليح له في كل يوم، كما أعلن قبل فترة قصيرة من تدعيم روسيا للدفاعات الجوية السورية، بحيث تكون جاهزة للتصدي لأي هجوم خارجي، مع أن هذا الهجوم لا يمكن أن يأتي من أي مكان، وليس هناك أي تلميح به قبل أن يكون هناك تصريح، وعليه فإن مهمة الإبراهيمي التي وصفت بأنها لم تكن إلا لتأمين نظام الأسد لم تنجح، ولأن المسمى بالأسد ضامن لأمنه وأمانه من قوى بالشرق والغرب، وعامل آخر قد يكون سببًا في هذا السكوت المريب على هذه المجازر اليومية أن القوى الشرقية والغربية تعلم حق العلم أن البديل القادم للحكم في سورية لن يكون إلا إسلاميًا، وإسلاميًا سنيًا على وجه التحديد، وهو ما لا تريده هذه القوى، كما صرح بذلك أحد المسؤولين الروس حين قال: (لن نسمح بقيام دولة سنية في سورية)، وقال في مناسبة أخرى: (لا مانع من قيام دولة علوية بديلة في سورية)، فليست مواقفهم خفية أو غير معلنة، بل هي ماثلة للعيان دون أي شك أو ريب أو احتمالات أخرى.

ولكن ما يغيب عن هؤلاء جميعًا أن الله قادر على نصر هؤلاء الصامدين الصادقين، حتى لو تخلى عنهم العالم كله، وقد تخطئ حسابات هذه القوى جميعًا أمام إرادة الشعوب التي انتصرت في دول أخرى مجاورة، وإلى أن يتحقق هذا النصر لا نملك إلا أن ندعو لإخوتنا في سورية بأن يفرج الله كربتهم، ويعجل بنصره لهم، ويعيد لشامنا الحبيب عزته ومنعته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليسوا نملا.. إنهم بشر!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

16-1-2013

أفقت صباح أحد الأيام الماضية على بكاء زوجتي. كانت تنظر إلى ال«آي باد» وتبكي. سألت عن السبب فوضعت الجهاز أمام عيني، فإذا برجل يدفن حيا لأنه يرفض أن يقول: «بشار الأسد ربي». كان الرجل غارقا في التراب إلى عنقه، وكان من الجلي أنه دفن واقفا، بينما تحلق حوله نفر من عناصر الأمن وفي يد كل منهم رفش. فجأة، ظهر ضابط في المشهد، وسأل إن كان «ابن الكلب» قد شهد أن لا إله إلا بشار الأسد، فقال الرجل بصوت مخنوق: «لا إله إلا الله». عندئذ، وضع فوهة بندقية على صدغه وأمرهم بطمره، فشرعوا يهيلون التراب على رأسه وهو يكرر أن «لا إله إلا الله»، إلى أن غاب ولم يعد يظهر منه أي شيء.

بعد ظهر يوم آخر، قبل ساعات من مشهد دفن الرجل حيا، كانت طائرة تقصف مخبزا في بلدة صغيرة قرب حماه اسمها حلفايا، تجمع أهلها طلبا للخبز. أما حصيلة الغارة، فكانت 300 قتيل هشمتهم القنابل التي ألقيت عليهم.

ذكرتني هذه الجريمة بأمرين: جريمة نازية وقعت ضد قرية بوهيمية ذبح خلالها قرابة 300 شخص، بقيت إلى اليوم في ذاكرة عالمنا المنافق، الذي لا يرى ما يرتكب من جرائم يومية مماثلة ضد سوريا والسوريين من جميع الأعمار والفئات. وذكرتني كذلك بقصيدة للحطيئة (إن كانت الذاكرة تسعف) تصف صيادا يترصد ظبية ترد الماء، وكيف أمهلها حتى «ارتوت من عطاشها» قبل أن «يرسل فيها من كنانته سهما».

هذه الواقعة اعتبرت دوما خير تجسيد لأخلاق الشهامة والكرم العربية، التي لا تجيز قتل ظبية تطلب الماء وهي عطشى. قارنت أخلاق العرب بأخلاق نظام لم يتوقف يوما عن التشدق بالعروبة وقيمها، لكنه ما إن طالبه شعبه بحقوقه أو بشيء منها، حتى سارع إلى دفن بناته وأبنائه أحياء أو قصفهم وهم ينتظرون رغيف خبز لهم ولأحبابهم.

قبل أيام من قصف فرن حلفايا، قصف فرن في حلب، واليوم يقصف حي البياضة في حمص بثماني عشرة قنبلة محملة بغاز السارين السام، وغدا ستقصف سوريا الثائرة بكل ما يملكه النظام من أسلحة دمار شامل، بعد أن قصف قبلها داريا بغاز السارين القاتل إياه، دون أن يكون هناك أي رد فعل من أي جهة دولية، وخاصة الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي وضع قبل قرابة شهر خطين أحمرين شجعا السلطة الأسدية على تصعيد القتل، عندما «حذرها» من تجاوز أي منهما، فإذا هما: إسرائيل والحفاظ على الأسلحة الكيماوية كي لا تقع في يد متطرفين أو ترسل إلى حزب الله. قال أوباما إن تدخلا فوريا سيحدث إن وقع واحد من هذين المحظورين، ففهمنا يومها أنه يطلق يد الأسد في شعبه، ويسمح له بقصفه بكل ما يملك من طائرات ومدافع ودبابات وراجمات صواريخ وصواريخ ثقيلة.

وكان المدافعون الدوليون عن الإنسان وحقوقه قد أخبرونا في فترة مبكرة من الصراع أنهم قرروا أن لا يحيلوا أحدا من أرباب نظامنا وأتباعه إلى محكمة الجنايات الدولية، لسبب لا يعلمه إلا الله، رغم أن هؤلاء لم يتركوا بيتنا أو قرية أو بلدة أو مدينة سورية من شرهم، وفتكوا بالبشر كأنهم نمل ليست لهم حياة وحقوق يجب أن تحترم.

للتذكير بمعنى مأساتنا: شنت إسرائيل حربا دامت عشرة أيام ضد غزة التي كانت تقصف مدنها المختلفة بالصواريخ، قتل خلالها 108 أشخاص، وهو عدد يوازي عدد من قتلوا في حلب وحدها خلال يوم واحد، مع أن حلب لم تكن تقصف أحدا بالصواريخ، بل كانت تطالب بالحرية والإصلاح.

واليوم، والشهادات الميدانية المباشرة تقول إن عدد القتلى من السوريات والسوريين تجاوز عتبة المائة ألف، وعدد من تشردوا وهاموا على وجوههم وهجروا واعتقلوا ولوحقوا وعذبوا وجرحوا واختفوا بالملايين، يبدو العالم وكأنه مرتاح لما يجري، أو كأنه يشارك النظام في إدارة مجزرته المنظمة ضد شعب يتعرض منذ قرابة عامين للقتل، بعد أن تعرض قرابة نصف قرن للإذلال والاضطهاد والإهانة والنهب والإفساد، تحت سمع العالم المؤيد للنظام الأسدي وبصره.

ماذا يمكننا أن نقول عن عالم يسكت على هذه المأساة الإنسانية المرعبة؟ وهل نصدق بعد اليوم أن هناك مؤمنين بالإنسان ومدافعين عن حياته وحقوقه، إذا كان ذبح البشر يتم بأكثر الصور علنية وأكثر الأسلحة الحديثة فتكا، دون أن يثير أدنى شعور بالشفقة، ناهيك عن الاعتراض لدى المتفرجين، الذين ينقسمون إلى مؤيدين مصفقين وآخرين صامتين، وفي الحالتين إلى شهود لا يرون شيئا مما يجري، كأن موت السوريين بالجملة لا يعني شيئا، أو كأنهم نمل وليسوا بشرا؟

أليس العالم متواطئا بصمته وموافقته وشريكا في القتل، وهو الذي عطل الحمايات القانونية والإنسانية لشعب يباد كالذباب، وبدأ قتله البارحة بالغازات السامة في كل من حمص وداريا، دون أن يصدر ولو رد فعل كلامي على ما وقع، أو يتحرك أصحاب الخطوط الحمراء، التي يبدو أنها لم تبطل ما أعطوه للنظام خلال نصف قرن من خطوط خضراء وبيضاء، تمكنه أن يفعل ما يريد؟ وهل سيعيد العالم السوريات والسوريين إلى الحياة من خلال تصريحات طافحة بالكذب والرياء تتحدث عن التقصير، مثلما حدث في حالات مماثلة سابقة، وقع تجاوزها دوما بواسطة تعهدات لفظية تنم عن انعدام الإنسانية والضمير لدى من أطلقوها، تدعي أنهم لن يسمحوا بتكرارها، لكن هذا لم يمنعهم من الوقوف مكتوفي الأيدي طيلة قرابة عامين على مذبحة منظمة بإتقان ضد شعب سوريا: أحد أقدم الشعوب المتحضرة، الذي يعصف القتل بكل شيء لديه، بما في ذلك أوابده التاريخية التي تتعرض لقصف منهجي يدمرها ويمحوها من الوجود، أو يجعلها عرضة للسرقة والتشويه، مع أنها إرث إنساني يلزم القانون الدولي جميع البلدان بالمحافظة عليه وحمايته؟

ليس الموقف الدولي مما يجري في سوريا مقبولا بأي معيار، ولا شك في أنه ستكون له نتائج خطيرة على حقوق وحياة البشر والشعوب في كل زمان ومكان، وعلى أمن وسلام عالم أثبت أنه لا يقيم وزنا للإنسان، فلا عاصم له عن دفع ثمن فادح سيترتب على امتناعه المقصود عن صيانة أمنه الخاص عبر امتناعه عن احترام ما يمليه القانون الدولي والتضامن الإنساني من احترام حق السوريين في الحياة والحرية والأمان.

ثم لا يخجلون من أنفسهم، ويحدثونك عن جنوح ضحايا الإبادة الشاملة إلى التطرف!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا يجوع السوريون؟

السفير

فايز سارة

16-1-2013

ربما لم يتوقع احد ممن يعرفون سوريا والسوريين، مجيء يوم يقال فيه ان ثمة سوريين يطحنهم الجوع. بل وفي اغلب الظن، لم يتوقع احد، ان يتجاوز الامر ما سبق، وان يتضمن تقرير للامم المتحدة تأكيداً، على ان هناك مليون سوري، صاروا فريسة للجوع. وقد صدر التقرير قبل ايام، بعد تقارير اممية، لم يأخذها كثيرون على محمل الجد، تحدثت في الاشهر الماضية عن جوع، يهدد ثلاثة ملايين سوري في مدى قريب.

غريب أن يتهدد الجوع السوريين. تاريخ هذا البلد معروف، كان يعرف ب«اهراءات روما». تغيرت معطيات كثيرة منذ ذلك الزمان. لكن الغرابة، تستند الى معطيات داخلية، بعضها يتعلق بالارض، وآخر يتصل بالسكان. فسوريا التي تصل مساحتها الى مائة وخمسة وثمانين الف كيلو متر مربع، وفيها نحو ثلاثة وعشرين مليون نسمة، تملك قدرات زراعية كبيرة، وخاصة في ميدان الزراعات الغذائية والانتاج الحيواني، حيث هناك اراض ومياه وتنوع بيئات، نجدها مكثفة في سهول الجزيرة السورية، التي تنتج الحبوب، ولاسيما القمح، وفي سهول الشمال في حلب وادلب، التي تشارك الساحل السوري الاشجار المثمرة والخضار، وهي السمة العامة للزراعة في وادي العاصي، فيما تتعدد انواع الانتاج الزراعي في سهول ومرتفعات الجنوب، لتشمل الخضار والاشجار المثمرة والحبوب، وخلاصة حالة الانتاج الزراعي الغذائي في سوريا، انها بين بلدان قليلة في المنطقة، حققت اكتفاءً غذائياً، واحتياطاً استراتيجياً في القمح ومحاصيل اخرى على مدار عقود مضت، بالتزامن مع انتاج حيواني كبير، فيه نحو خمس عشرة مليون رأس من الاغنام، وعدد هائل من انتاج البيض ولحوم الدواجن، وكان يصدر فائضه الى دول الجوار على نحو ما هي عليه حالة الانتاج الزراعي من الغذاء.

ولم يكن الانتاج الغذائي خارج اطار الاهتمام الكبير الذي يبذله الفلاحون السوريون المعروفون بجدهم واجتهادهم، فقد غرسوا في العقود الثلاثة الماضية خمسة وسبعين مليون شجرة زيتون في اراض دخلتها زراعة الزيتون لاول مرة، كما هو حال سهول حوران والجولان، وزرع الفلاحون مساحات واسعة من اشجار التفاح والحمضيات والفستق الحلبي في جنوب وشمال البلاد والساحل، واغلبها لم تكن زراعات رائجة ومنتشرة في السابق، وهذه مجرد امثلة على جدية الفلاحين وعلى قدرتهم في تجديد انتاجهم استناداً الى الظروف المحيطة، ومنها قلة المياه، وحاجة سوق الاستهلاك، والعائد الاقتصادي للزراعة.

ان نجاح الزراعة السورية في احد وجوهه، كان يمثل تحدياً جدياً من جانب الفلاحين للبيروقراطية الحكومية وفسادها، التي كان يمكن ان تدمر الزراعة كلها، وليس الانتاج الغذائي وحده بفعل تحكمها بالقروض التي تقدمها الحكومة، فيأخذ الفاسدون والمقربون من النظام أكثرها، ومن خلال التحكم بالبذار والاسمدة اللذين توزعهما الحكومة عن طريق الجمعيات الفلاحية ويحصل عليهما اصحاب الحظوة، ومن خلال سياسات الفرض الزراعي على الفلاحين لنوعية وحجم الانتاج لبعض المحاصيل مثل القمح والقطن والتبغ، وقد استطاع الفلاحون بفعل جدهم وصبرهم، تجاوز تلك السياسات والالتفاف عليها من اجل الاستمرار في دورهم الانتاجي.

غير ان قدرات الفلاحين وبيئة الزراعة السورية في العامين الاخيرين، اختلت بعد ان تعرضت لانتهاك وتدمير، تجاوزا حدود سياسات البيروقراطية والفساد المعروفة، الى سياسات امنية انتقامية، شاعت في اغلب مناطق الريف السوري من دير الزور شرقاً الى ارياف حمص وصولا الى ريف اللاذقية، ومن سهول حلب في الشمال الى سهول درعا مروراً بادلب وريف دمشق، وكلها مناطق شهدت حركات احتجاج وتظاهر، قبل ان يتحول اغلبها الى مسرح للاعمال العسكرية، في الصدام بين القوات الحكومية وقوى المعارضة المسلحة، وهو تحول سبقته وتمت في اطاره عمليات دمار للاراضي الزراعية ومنشآت الانتاج الحيواني نتيجة لاسباب امنية، وغالباً لانتقام او لالقاء الرعب في قلوب الفلاحين ومنعهم من الاحتجاج والمشاركة في اعمال المعارضة المسلحة. وترافقت تلك الاعمال مع تدمير لمناطق سكنية في كثير من الارياف، والامثلة في ذلك لا تحصى، من قرى درعا وريف دمشق، وقرى حمص وادلب وريف حلب، وترتب على دمار البنى التحتية للزراعة، وصيرورة الريف ميداناً للصدامات العسكرية، ان هجر اغلب السكان قراهم.

لقد فاقمت ظروف اخرى في تدهور الزراعة السورية وخاصة الغذائية، كان ابرزها تدهور وضع الطاقة ومنه فقدان المازوت وارتفاع اسعاره لأكثر من ثلاثة اضعاف، وتقنين او انقطاع الكهرباء، وفقدان البذور والاسمدة ونقص السيولة المالية، وارتفاع تكاليف النقل من اماكن الانتاج الى اسواق الاستهلاك، ثم صعوبات الانتقال ليس بين المحافظات، انما داخل المحافظة الواحدة وسط اجواء امنية شديدة الصعوبة والخطر، ما ادى الى تدهور في الناتج الزراعي ومنه الزراعة الغذائية، واذا استمر الوضع على ما هو عليه، فان الزراعة السورية ستموت في قسمها الاكبر، ويزداد عدد الجائعين في سوريا بصورة كبيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجتمع الدولي والخروج من ورطة سورية

2013-01-16

الوطن السعودية

بعد أن أكدت "الخارجية الروسية" أمس على موقفها الرافض لإحالة ملف جرائم الحرب المرتكبة في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية، قائلة إن ذلك ستكون له "نتائج عكسية"، وذلك في مواجهة اقتراح بذلك تقدمت به 57 دولة على رأسها سويسرا، تأكد المعروف، وهو أن روسيا، بوصفها طرفا دوليا مهما، مصرة على الوقوف في وجه المجتمع الدولي من أجل الإبقاء على نظام الأسد، أو من أجل الإبقاء على مصالحها على حساب الشعب السوري الذي تعلم روسيا أنه لن يفرط بسهولة في مطالبه، لكنها تسير مع بشار الأسد ونظامه حتى النقطة الأخيرة في آخر سطر.

روسيا لديها القاعدة العسكرية الوحيدة في المنطقة وتقع في طرطوس، كما أن سقوط نظام بشار يعني تحجيم مبيعات السلاح الروسي، أيضا فإن انتشار الدرع الصاروخية للناتو في أوروبا يعني قطع الطريق مستقبلا على روسيا باتجاه الشرق الأوسط، وهو ما ينفي أي تواجد استراتيجي روسي في المنطقة.

يبدو أن هناك انسدادا سياسيا فيما يخص الأزمة السورية، فالقوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، لا تفضل الحلول الأحادية للأزمة، أو هي لا تستطيع حتى وإن أرادت ذلك، فإنهاء الأزمة في سورية يتطلب حل إشكالات معقدة ومركبة بين عدد من الدول، تتقاطع مصالحها الاستراتيجية والأمنية في سورية، ابتداء بروسيا ومرورا بتركيا وإسرائيل، وصولا إلى الولايات المتحدة، هذا إذا نحينا مصالح دول إقليمية في دمشق، كإيران، وذراعها في الشام حزب الله، وجارتها العراق، لانتفاء قدرتها على المبادرة ومواجهة المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة.

هناك رغبة دولية في إنهاء الملف السوري، بيد أنها تصطدم بعقبات كثيرة، وتتوقف عند أسئلة محورية تتعلق ببدائل النظام السوري، في ظل وجود أطياف متعددة، عسكرية ومدنية داخل سورية، ومحاولة كل الأطراف إيجاد صيغ معقولة ترضي الجميع لإنهاء هذا الملف، وتمهد السبيل للخروج من ورطة سورية.. هذه الورطة التي يبدو أنها أصعب امتحان تعرض له المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليت سورية كانت مالي

رندة تقي الدين

الأربعاء ١٦ يناير ٢٠١٣

الحياة

كان فرنسوا هولاند على الطائرة التي نقلته من باريس إلى أبوظبي واثقاً من أن قرار التدخل العسكري الذي اتخذه في مالي يوم الجمعة الماضي ضروري ولا بد منه. فالقوات الفرنسية وعددها كان في البداية حوالى ١٥٠٠ جندي منعت مالي من السقوط في أيدي إرهابيي منطقة الساحل الذين يريدون تحويل هذا البلد الحليف لفرنسا إلى معقل إرهاب تعد منه عمليات إرهابية ضد فرنسا في أفريقيا وفي فرنسا. وأكد الرئيس الفرنسي للصحافيين الذين رافقوه في الطائرة إلى أبو ظبي، و»الحياة» كانت من بينهم، انه اتخذ القرار يوم الجمعة وليس قبل ذلك. وقال انه اتصل بالرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي اكد له انه اغلق الحدود وأعطى الإذن بمرور الطيران فوق الأجواء الجزائرية. وأجرى اتصالاً بالعاهل المغربي محمد السادس وتناول الموضوع في لقاءاته مع قادة الإمارات في كل من أبو ظبي ودبي. وأيدته المعارضة الفرنسية والإعلام الفرنسي في هذا التدخل رغم أن هنالك ٨ رهائن فرنسيين لدى الجهاديين في الساحل. وشرعية التدخل الفرنسي أتت من طلب السلطات المالية من فرنسا هذا التدخل الذي حصل أيضاً على ضوء اخضر من مجلس الأمن. وهولاند يدرك مخاطر هذه الحرب واحتمال سقوط الضحايا وأيضاً احتمال مقتل الرهائن. إلا أن العملية فرضت نفسها لأن تقدم الجهاديين في الساحل كاد يسقط باماكو وهناك جالية فرنسية من 6 آلاف شخص في مالي كانت مهددة. إن العملية العسكرية معقدة وصعبة لأن الجهاديين يستخدمون طرقاً غير تقليدية في حربهم وهي طرق إرهابية وهذا مريع. ولكن هولاند يدرك ذلك وانتهج خياراً شجاعاً رغم أن خطورة تدهور الأوضاع ليست لمصلحة فرنسا، ولكنه خياره الأفضل من أن يبقى في جوار فرنسا معقل لإرهابيين جهاديين يسيطرون على بلد ضعيف مثل مالي. وقراره بالتدخل أعطاه زخماً على صعيد الرأي العام الذي منذ بداية عهده كان ينتقده ويلومه على عدم الحسم في القرارات الحكومية. فقد اظهر في هذا القرار حسماً في اتخاذ القرار فاجأ الكثيرين من منتقديه. ولا شك في أن هولاند يدرك أيضاً أن جزءاً من الرأي العام العربي والإسلامي سيرى في هذا التدخل في أفريقيا استعماراً فرنسياً، وهذا خصوصاً في صفوف مجموعات سلفية جهادية في المغرب العربي تنتمي إلى «القاعدة» وجزء كبير منهم جهاديون جزائريون قاتلوا النظام في الجزائر ثم أبعدتهم الجزائر إلى مالي، والقسم الآخر جهاديون تمكنوا من الحصول على الأسلحة من ليبيا. ففرنسا وحيدة في هذه الحرب رغم أن البريطانيين والولايات المتحدة أعطتا مساعدات رمزية للحليفة الفرنسية كما أن رئيس الأركان النيجيري للقوات الأفريقية تمركز في باماكو ولكن هي حرب فرنسية بوضوح وهي مصيرية في مقاومة الإرهاب. ولكن مما لا شك فيه هو خيبة الأمل من أن هذه الحرب في أفريقيا تبعد أي احتمال بتدخل عسكري آخر لتخليص الشعب السوري من نظامه. فمجلس الأمن معطل في هذه المسألة والإدارة الأميركية لا تتحرك. فالمعلومات لدى الأوساط التي تعمل على الملف السوري أن إيران هي عقدة اكبر من روسيا أمام رحيل بشار الأسد. فالتدخل العسكري غير وارد في سورية ولو أن الوضع في هذا البلد يهدد منطقة الشرق الأوسط والعالم. وبالطبع سورية ليست مالي والأوضاع والمصالح تختلف ولكن الإرهاب السلطوي في سورية اسقط اكثر من ٦٠ ألف ضحية وإدي إلى نزوح نصف مليون سوري ولم يتحرك احد لإيقاف هذه الكارثة. فحجة أن الوضع في مالي ليس مماثلاً للوضع السوري لا تكفي. إن سفك الدماء المستمر وتدمير البلد من دون أن يتصدى احد لذلك أمران غير مقبولين مهما كانت الحجج. فالوضع في سورية يجعل المراقب يثور على تدخلات سريعة في أماكن لوقف الإرهاب وفي أماكن أخرى يترك القتل والقمع من نظام تؤيده إيران وروسيا، وذلك بحجة أن لا قدرة للعالم وللدول القوية الفاعلة على إنهاء هذا الوضع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سنة جديدة ومآسٍ كثيرة

عبدالعزيز التويجري *

الأربعاء ١٦ يناير ٢٠١٣

الحياة

أطل العام الميلادي الجديد والأحداث الدامية المتفجرة في سورية تتفاقم، والحلول الناجعة لها تتباطأ، وإيقاف هذه الحرب الضروس التي يشنّها النظام السوري الاستبدادي الطائفي لا يلوح في الأفق، فلا يزال الطاغية السفاح ممعناً في إجرامه ويهذي بكلام يدل على أنه يعيش في الأوهام بعيداً من الواقع المتأزم المتردي المنهار، وأنه أشدّ ما يكون إصراراً على المضيّ قدماً في قتل الشعب وتخريب البلد وجعلها خاوية على عروشها.

ويبدو أن انهيار سورية إلى هذا الحدّ المروع، أو انسداد آفاق الحل السياسي للأزمة المدمرة، لم يكن كافياً لإغراق المنطقة برمتها في مستنقعات الفوضى الهدامة، فنشبت الأزمة في العراق بسبب تعنت المهيمنين على الحكم وطائفيتهم وأصبحت تهدد بحرب أهلية قد تنتهي إذا اندلعت، إلى تقسيم العراق وانفراط عقد الدولة العراقية، بكل ما ينجم عن ذلك من كوارث ستزيد من معاناة الشعب العراقي وتضاعف من بؤسه.

وهكذا أصبحنا، نحن العرب، أمام كارثتين اثنتين مدمرتين؛ الأولى في سورية النازفة الرازحة تحت النظام الديكتاتوري الطائفي، والثانية في العراق المنكوب بالطائفية وبالتبعية لإيران التي بسطت نفوذها عليه. وكلتا الكارثتين تلقي بكلكلها على العرب والمسلمين عموماً، وليس على المنطقة فحسب، وتؤثر تأثيراً قوياً مدمراً في الحياة الاقتصادية والجهود الإنمائية والأوضاع السياسية والاجتماعية، كما تؤثر بالقدر نفسه، في الفكر السياسي السائد، وفي الثقافة العامة، وفي الإبداع العقلي والأدبي والفني، وفي الأداء الإعلامي، وقبل هذا وذاك، تؤثر تداعيات هاتين الكارثتين، في السياسات التعليمية والتربوية والعلمية والتقانية، التي هي المدخل الرئيسُ للإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي، وللتطوير والتحديث في مرافق الحياة بصورة عامة. وكأن هناك مخططاً لإبقاء حال العرب والمسلمين على ما هي عليه، بل للتراجع عن المكاسب المحققة وللتفريط في الحقوق وفي المصالح الوطنية والقومية. ولا ضير في أن نقر بوجود هذا المخطط ضد العرب والمسلمين، فليس في هذا الإقرار ما يُعدُّ تخلياً عن تحمّل المسؤولية الجماعية، أو استسلاماً للأمر الواقع بدافع من العجز، أو هروباً من ساحة المواجهة والعمل الجدّي من أجل الإنقاذ. ولكنّ في هذا الإقرار توصيفاً للحالة، واعترافاً بوجود اختراقٍ تسرَّب إلى الجسم العربي من منافذ ظلت مشرّعة غير مأمونة الجوانب.

لا سبيل إلى إنكار ضلوع قوى عظمى وإقليمية في إطالة أمد النظام الطائفي الاستبدادي في سورية، وتمكين النظام الطائفي الاستبدادي في العراق. فهذا هو الوضع الذي يحقق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وها هي المؤشرات والدلائل تؤكد صحة ما نراه.

لقد وقعت الواقعة، وزُجَّ بالمنطقة في أتون الصراعات والأزمات والكوارث الطائفية والسياسية والأمنية، فانصرفت الأذهان عن التفكير في تجديد البناء على أسس قوية، وفي إقامة الجسور للانتقال إلى المجتمع الجديد الذي يكفل الحريات العامة، وتقام فيه المؤسسات النزيهة التي تمثل إرادة الشعوب، وتتمهد السبل لتحقيق المشروع الحضاري العربي الإسلامي للنهضة القائم على قواعد راسخة من التربية البانية، والتعليم المنتج، والعلوم التي تصنع التنمية وتصوغ الحضارة، وتبني الدولة القوية القادرة التي تمتلك شروط التفوق المعرفي لتذليل العقبات ومواجهة التحديات.

لقد صرفتنا المأساة الناشبة في سورية والأزمة المتفجرة في العراق والأزمات والمآسي الأخرى في مناطق عدة من العالم الإسلامي، عن الانشغال بقضايانا الحيوية، وحالت بيننا، كمجموعة عربية إسلامية، وبين العمل باستغراق وتفرغ، من أجل تعميق الانتماء وتكامل الجهود وتجديد البناء الحضاري للعالم الإسلامي.

فماذا نحن فاعلون والحالة أن الكوارث تتفاقم والأزمات تتعاظم للخروج من هذا النفق الذي زُجَّ بنا فيه؟ إن التحليل المنطقي للأوضاع السائدة في المنطقة، يجعلنا نميل إلى توقع ازدياد خطورة الحالة في المدى القريب، في كل من سورية والعراق، وفي مناطق أخرى من العالم الإسلامي، أمام هذا الغموض المريب الذي يلف التحركات السياسية الإقليمية والدولية في المنطقة، مما يبعث على الشك في نيات القوى العظمى التي تتصدر هذه التحركات، وبخاصة الولايات المتحدة وروسيا اللتين تبيَّن أنهما متفقتان على أمر خفي لن يكون ملبياً مطالب الشعب السوري النازفة دماؤه ولا مطالب الشعب العراقي الجريح الذي يواجه انقسامات خطيرة، ولا مستجيباً معايير العدالة الإنسانية والقوانين الدولية.

تلك هي المشكلة التي لا تزداد إلا تفاقماً مع كل يوم يمرّ من دون حل، والتي يحار العقل السليم في فهم تعقيداتها وما يراد منها وما ترمي إليه من أهداف مريبة تخدم مصالح إسرائيل والقوى العظمى ولا تهتم بمصالح الشعب السوري ولا العالم الاسلامي برمته. ولعل مؤتمر القمة الإسلامي المقرر عقده في شباط (فبراير) المقبل في جمهورية مصر العربية، أن يكون بداية لوضع نهاية لهذه المآسي المروعة والأزمات الطاحنة إذا ما توافرت الإرادة وصدقها العمل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا بعد خطاب الأسد؟

حسين عبد العزيز *

الأربعاء ١٦ يناير ٢٠١٣

الحياة

في الثالث عشر من الشهر الماضي خرج تصريح روسي مفاجئ شغل الأوساط الإعلامية العالمية، قال فيه نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف إن المعارضة السورية المسلحة تحرز انتصارات على الأرض. تصريح يدل على إعادة موسكو قراءتها للأحداث في سورية على رغم نفيها للخبر.

بعد أيام قليلة من هذا التصريح التقى بوغدانوف مساعد وزيرة الخارجية الأميركية وليام بيرنز في جنيف وخرجت تسريبات عن مبادرة روسية أميركية لإنهاء الأزمة في سورية، ولم تمض أيام أخرى حتى خرج موقف مفاجئ من دمشق لا يقل أهمية عن تصريحات بوغدانوف، إذ قال نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في مقابلة صحافية بتاريخ الحادي والعشرين من الشهر الماضي إن النظام والمعارضة عاجزان عن حسم المعركة والمطلوب تسوية تاريخية. تصريح نشرته وكالة «سانا» الرسمية ما يؤكد قبول القيادة السياسية بما جاء فيه، ومؤشر على قبول دمشق بتسوية سياسية.

بعد ستة أيام، في السابع والعشرين من الشهر الماضي أعلن الإبراهيمي عن بوادر اتفاق دولي أساسه اتفاق جنيف الذي فيه ما يكفي للوصول إلى تسوية بحسب الإبراهيمي نفسه، مع إجراء بعض التعديلات لم يعلن عنها، لكن تسريبات سياسية وإعلامية كشفت أنها تعديلات متعلقة بصلاحيات الأسد، ثم ما لبث أن أعلنها الإبراهيمي في مؤتمر صحافي حين أكد أن الحل يبدأ بتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة تناط بها مسؤولية المرحلة الانتقالية.

بعد هذه المقدمات أعلن التلفزيون السوري أن الرئيس بشار الأسد سيلقي خطاباً يقدم فيه رؤية للحل السياسي، وسرعان ما تولت وسائل الإعلام المؤيدة للنظام الإسراف في تحليل ما سينبئ به الخطاب. ترقب السوريون: بعضهم متفائل وبعضهم الآخر يائس من نظام غير قادر بعد على فهم حقيقة الأزمة.

ألقى الأسد خطابه في السادس من الشهر الجاري. قدم حلاً أقل ما يقال فيه إنه إغلاق تام لأبواب الحوار وإعلان رسمي لاستمرار القتال، حل يبقي على النظام بكل مؤسساته السياسية والعسكرية والأمنية والحزبية، حل أحادي الجانب غير قابل للمساومة والمناقشة وما على المعارضة إلا القبول به من دون أي تغيير في تفاصيله.

على ماذا يعتمد النظام السوري في تقديم هذا الحل السياسي؟ هل يمكن الذهاب مع بعض المراقبين إلى أن سقف الحل المرتفع الذي قدمه الأسد هو تكتيك لأجل التفاوض؟

ليس هكذا تورد الإبل، فالحل السياسي الجاد مهما كان سقفه مرتفعاً لا بد أن يحمل في ثناياه معطيات ومسائل قابلة للمساومة والحوار، وهو ما كان غائباً عن مبادرة الأسد، التي تجاهلت، ليس مبادرة الإبراهيمي (جنيف 2) فحسب، بل اتفاق جنيف الأساسي الذي لم يتطرق أصلاً لرحيل الأسد، كما أن المبادرة لم تأخذ في الاعتبار الموقفين الروسي والصيني المؤيدين لخطة الإبراهيمي، فالصين أعلنت بعد الخطاب مباشرة تمسكها وتأييدها لخطة الإبراهيمي في إشارة واضحة لرفضها مضمون الخطاب الرئاسي، أما موسكو فقد طالبت المجتمع الدولي بدراسة بعض الأفكار التي قدمها الأسد، لكن تصريح الخارجية الروسية هذا يجب أن يقرأ في سياقه الطبيعي. فقد جاء الموقف الروسي بعد ثلاثة أيام من خطاب الأسد وهذا فيه ما يكفي من الدلالة على عدم رضاها عما جاء في الخطاب، حيث كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تأخرت في إعلان موقفها، ثم أن تصريح الخارجية يتحدث عن بعض الأفكار وليس النقاط أو البنود، فالنقاط في المبادرات أو الحلول السياسية تكون محددة وواضحة أما الأفكار فتكون عامة فضفاضة.

لم ترغب موسكو في إحراج حليفها الوحيد في الشرق الأوسط علناً لكن موقفها فيه من الرسائل السياسية ما يكفي لمن يستطيع القراءة.

نعود ونسأل: على ماذا بنى الأسد مبادرته السياسية؟ هل بناها على إنجازات عسكرية حصلت مؤخراً كما يرى بعض المراقبين؟ واقع الحال لا ينبئ بذلك، فالمعارضة تحرز تقدماً واضحاً في المعارك وإن لم تستطع بعد حسم الصراع، والنظام في تقهقر وإن كان قادراً على البقاء والاحتفاظ بتماسكه العسكري في بعض المناطق.

ريف العاصمة دمشق تحول إلى قاعدة خلفية لعمليات المعارضة المسلحة، بحيث تحولت معضمية الشام غرباً وداريا في الجنوب الغربي ومخيم اليرموك جنوباً وحرستا ودوما وسقبا وعربين وكفربطنا وغيرها في الشرق إلى ساحات للمعارك العسكرية، استطاعت المعارضة من خلالها إحداث جيوب مسلحة في بعض أحياء دمشق ذاتها.

أما المناطق الشرقية والشمالية من سورية، فقد أضحى معظمها بيد المعارضة، وفي حلب يستمر القتال الضاري مع انتصارات لا يستهان بها للمعارضة التي استطاعت قطع طرق الإمداد التي يعتمد عليها النظام، فضلاً عن سيطرتها على معظم المعابر الحدودية في الشمال والشرق.

وإذا افترضنا أن مبادرة الأسد جاءت نتيجة إنجازات عسكرية للنظام خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، فهو نوع من المخاطرة السياسية التي قد تأتي نتائجها بعكس ما أُريد لها، لأنها مبنية على وقائع ميدانية سرعان ما تتغير وتجعل التشدد في الخطاب من نصيب الطرف الآخر، وتكون النتيجة إضاعة النظام لجهد دولي للوصول إلى تسوية ستكلف البلاد أكثر مما تكلفت.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com