العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-10-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لماذا تحارب واشنطن إرهابا وتتغاضى عن آخر؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

السبت 18/10/2014

جربت واشنطن أن تتخذ عملاء لها من طائفة السنة المنتشرة في المشرق العربي، فدعمت الانقلابيين ابتداء بحسني الزعيم إلى عبد الناصر إلى البعثيين في سوريا والبعثيين في العراق. لكنها في كل مرة كانت خطتها تفشل لسبب أو لآخر، فقد كانت تعتمد على رجال من المسلمين السنة ينتهي دورهم عندما يموتون ولا يرثهم طاغية آخر من أهل السنة، أو قل إنهم لم يكونوا فعالين بما يكفي لتطويع المجتمع السني.

مات عبد الناصر وخلفه السادات الذي اضطر –لإبعاد منافسيه من ورثة عبد الناصر- أن يفتح السجون ويفرج عن الإخوان المسلمين الذين استعادوا دورهم. بل زادت شعبيتهم أكثر في عهد حسني مبارك. أما البعثيون في سوريا كما في العراق،فانشغلوا بانقلابات ضد بعضهم البعض ، حتى رسى المزاد على العلوي حافظ أسد.

كما رسى المزاد في العراق على البعثي السني صدام حسين، الذي كان يستشعر بخطر إيران على العراق وعلى العرب. حاربها ثماني سنوات، وهو ما أثلج صدر واشنطن. عندما شعرت بانحيازه إلى أهل السنة حاربته حتى انتهت به إلى حبل المشنقة.

رغم أن زعماء إيران كانوا يسمون واشنطن الشيطان الأكبر، إلا أنهم كانوا يبيعون ويشترون معها، وأن آخر ما كانوا يفكرون به هو الإسلام، فقد كانت العلاقة معها تعطيهم تفوقا على أهل السنة منافسيهم في المنطقة. وقد وجدت واشنطن ضالتها عندهم.

في سوريا تبين لواشنطن أن حافظ أسد هو من تريد، وأنه الحاكم المثالي عندها. فكان ركن الزاوية الذي اعتمدته بالمنطقة. حكم سوريا 30 عاما بالحديد والنار. وقد أصدر، أمام سمع وبصر واشنطن، قانونا لم يصدر أفظع منه في تاريخ العالم – قديمه وحديثه- وهو القانون 49 لعام1980 الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء للإخوان المسلمين. لكن أهم عيب كان في حافظ أسد أنه بشر وأنه سيموت مهما طال عمره، فأوحت إليه واشنطن أنه لا مانع لديها من توريث أبنائه. فرتب الأمر على أن يتم توريث ابنه بشار من بعده بعد مقتل أخيه باسل.

بدأ حافظ أسد ترتيب أوضاع سوريا ولبنان،فكان لواشنطن ما أرادت. كان يتدخل بكل صغيرة وكبيرة في لبنان. وفي عهده مكّن للشيعة في لبنان، وكان حزب الله هو يده الطولى في لبنان. ومع أن إسرائيل تتأثر بكل بندقية توجد على حدودها، فقد أغمضت واشنطن عينها عن ترسانة هذا الحزب التي أصبحت أقوى من سلاح الجيش اللبناني، ليكون الحزب أقوى من أي ميليشيا سنية قد تنشأ في المنطقة، وهذا ما رأيناه عند تدخل حزب الله لدعم بشار في قتاله مع الفصائل السنية في سوريا.

كما أشرنا سابقا، فقد شعرت واشنطن بقوة جيش العراق بقيادة صدام حسين، وأنه صار خطرا على نفوذها في المنطقة، فاستدرجته إلى احتلال الكويت عام 1990، ثم شكلت تحالفا ضم 30 جيشا لإخراجه من الكويت. كانت نتيجة هذه الحرب أن واشنطن سلخت كردستان عن العراق. كما طبقت –بعيدا عن مجلس الأمن- حظرا جويا على المناطق الشيعية في الجنوب.

أما إيران فلم تكتف بهيمنتها على العراق وسوريا ولبنان، فقد أكملت مؤامرتها على أهل السنة عندما مكنت للأقلية الحوثية في اليمن، حتى أكملوا سيطرتهم على معظم الشمال اليمني بما فيه العاصمة صنعاء،تم ذلك تحت سمع وبصر واشنطن، فلم تحرك سكنا وكأنهم يعملون لحسابها.

في معضلة الوقت الحاضر، سكتت واشنطن عن تنامي تنظيم الدولة الذي لم يكن عدد مسلحيه يزيد عن بضع مئات في العراق حتى بداية عام 2013. بل إنها أغمضت عينيها عن اجتياح ميليشيا هذا التنظيم للموصل وما جاورها، حتى كاد التنظيم يسيطر على معظم المنطقة السنية في شمال غرب العراق. ولأمر ما سكتت واشنطن عن تنامي قوة تنظيم الدولة.

مؤخرا في مؤتمر جدة أعلنت واشنطن أن التحالف الذي تزمع تشكيله سوف ينهي تنظيم الدولة وينهي حكم بشار أسد. لكن طائراتها الحربية لم تخطئ مرة واحدة فتقصف جيش بشار، لكنها عند قصفها مواقع تنظيم الدولة، كانت تلقي قنابلها على فصائل سوريا لم يسبق أن مارست الإرهاب. فقد قصفت جبهة النصرة وأحرار الشام وصقور الشام. وحتى أنها قصفت حزم التي تعتبرها واشنطن من المعارضة المعتدلة.

لم يستطع أوباما أن يجيب عن عدم قصفه الميليشيات الشيعية التي عاثت في سوريا تدميرا وقتلا. وأجاب عن عدم استهدافه نظام بشار بأنه لا يريد أن يرى من بعده فصائل إرهابية مثل داعش والنصرة، وكأن حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى بريئة من من الإرهاب كبراءة يو سف عليه السلام. وهو يعلم أن هذه الميليشيات قتلت من السوريين أضعاف ما قتله تنظيم الدولة في العراق وسوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من مآسي السوريين .. د. محمود نديم نحاس

أشار كاتب عربي إلى أن النازحين السوريين لم يشكلوا عبئا على أحد، فأينما حلّوا يخلقون ازدهاراً اقتصادياً، بسبب خبراتهم المهنية العالية ومهاراتهم وعقولهم الاقتصادية. هذا إضافة إلى العقول العلمية والهندسية والطبية السورية التي انتشرت في أصقاع المعمورة وأسهمت في بناء الحضارة. واستغرب الكاتب بالتالي العنصرية التي تعاطت بها بعض الشعوب في تعاملهم مع السوريين الذين نزحوا إليهم. وتمنى الكاتب ألا تطول محنة السوريين الذين يحملون أقوى جينات العروبة والإسلام السمح.

ومن المآسي التسول الذي يتم باسمهم. وقد أشارت كتابات السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن التسول الذي يتم باسم السوريين لا يقوم به سوريون في معظم الحالات، بل يقوم به متسولون آخرون يستغلون الفرص، وقد اكتُشفت حالات كثيرة تبين فيها أن المتسولين ليسوا سوريين.

ومن المآسي ما نشره موقع العربية نت الذي ذكر أن 41% من الأطفال في مخيمات اللجوء السورية حاولوا الانتحار نتيجة الضغوط والظروف النفسية السيئة التي يعانون منها، مثل الاكتئاب، وصعوبة النوم، والقلق، والعصبية، والإجهاد، وعلامات الحزن والتمرد، والسلوك العدواني، والخوف، وكلها أعراض مرتبطة بالصدمة، مما ينذر بمستقبل مظلم قد يستمر لأجيال.

وفي ظل الحرمان من التعليم لأعداد كبيرة من الأطفال السوريين فإن الألعاب التي يلعبونها مأخوذة من واقعهم، مثل لعبة الكر والفر، ولعبة الجيش والثوار، ولعبة جنازة الشهيد، حيث يسير الأطفال في موكب جنازة وهمية وهم يحملون أحدَهم على أنه قد استُشهد. وتقول إحدى الدراسات بأن الأطفال يكبرون بسرعة فائقة، فهم يحفظون أسماء الأسلحة وذخيرتها أكثر مما يحفظون المعلومات من كتبهم الدراسية.

ورغم وجود هيئات إغاثية إنسانية تقدم الدعم لآلاف الطلاب السوريين في عدد من الدول، لكن الخرق اتسع على الراقع، ومازال مئات الآلاف من الطلاب السوريين يفتقرون لأساسيات التعليم. وأقلهم حظاً هم النازحون في الداخل السوري الذين لا تطالهم المساعدات من أي جهة، وقد تعرضت نسبة كبيرة من مدارسهم إلى الدمار.

إن العالم المتحضر مدعو لتوفير الحماية للأطفال السوريين اللاجئين، لوقايتهم من العنف الجسدي والجنسي الذي يتعرضون له، ولتدريبهم على حماية أنفسهم. والتعليم هو من أهم الأمور التي يجب توفيرها لهم. وأرقام اليونيسيف حول أعداد الذين لا يتلقون التعليم أرقام تفوق التوقعات. هذا إضافة إلى ضرورة توفير المأوى والغذاء والرعاية الطبية والعلاج النفسي.

ومن المآسي التي قلما يُنتبه إليها موضوع تسجيل المواليد وحصولهم على الوثائق القانونية من شهادات ميلاد وهويات. وعدم حل مثل هذه المشكلات سيؤدي إلى نشوء أجيال ليست فاقدة للوطن فحسب، بل وفاقدة للهوية. وعندما يصبح الطفل في سن المدرسة فلن يجد مدرسة تقبله وهو لا يحمل وثائق تشير إلى شخصيته.

ومن المآسي التي يواجهها الأطفال اللاجئون فقدان الأب الحاني أو الأم الرؤوم أو كليهما، واضطرار كثير من الأطفال للعمل لإعالة أهليهم، وكذلك اضطرار بعض الأسر لتزويج بناتها في سن مبكر لأسباب لا تخفى على أحد. والأسوأ من هذا، تعرض بعض الأطفال لسرقة أعضائهم للاتجار بها، أو الاتجار بهم في سوق الرقيق الأبيض.

فهل يتحمل العالم المتحضر مسؤوليته تجاه هؤلاء الأطفال؟ أم سيتركهم لمصيرهم المجهول لتجتذبهم الجماعات الإرهابية؟ ثم نلوم أنفسنا على التقصير تجاههم بعد رميهم في أتون الحرب ؟

منذ عدة سنوات شاهدت تمثيلية لكوميدي سوري محورها شكاوى الشعب المتكررة من ظلم الوالي، وبعد فترة سأل السلطانُ الواليَ: هل غيّرت معاملتك للناس؟ إذ لم يعد يأتيني أي شكوى ضدك! فقال الوالي: لا! لكني غيّرت الشعب! فقد قام بإجبار الناس على النزوح، وأتى بآخرين يرضون بظلمه وأسكنهم مكانهم. وهذه أسوأ المآسي للشعب السوري حيث يتم الحديث عن إعادة تأهيل النظام! لاسيما وهناك شائعات بأنه أعطى الجنسية لأعداد كبيرة من المليشيات القادمة من الخارج والتي تقف معه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيّ داعش ـ غيت تشغل واشنطن وطهران هذه الأيام؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 18/10/2014

نعمنا، خلال الأسبوع المنصرم، بسلسلة تصريحات إيرانية وأمريكية، تشير إلى طبيعة أخرى للعلاقات بين واشنطن وطهران، مخالفة لحقائق المستوى الباطن، لكي لا يقول المرء: منافية، لما يتبدى على السطوح الظاهرة. بعضها صدر عن مسؤولين على رأس عملهم (مثل حسين أمير عبد اللهيان، مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والأفريقية)؛ وبعضها الآخر عن رجال شغلوا مناصب حساسة في إدارات أمريكية سابقة، وصوتهم بالتالي ما يزال مسموعاً (مثل هنري كيسنجر وجيمس بيكر، وكلاهما تولى وزارة الخارجية).

قال عبد اللهيان (وأنكرت سوزان رايس، مستشارة البيت الأبيض للأمن القومي) إنّ إيران تتراسل مع الإدارة الأمريكية حول «داعش»، الأمر الذي يعني اشتراك طهران في التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، رغم النفي. كما أضاف اللهيان، أو بالأحرى تقصد تسريب، تقدير إيراني تمّ إبلاغه إلى المحاوِر الأمريكي، حول الصلة بين إسقاط نظام بشار الأسد وأمن إسرائيل: «إذا أراد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة تغيير النظام السوري، فإن أمن إسرائيل سينتهي»، حسب وكالة فارس الإيرانية؛ و: «إيران حذرت أمريكا وسائر الدول المتحالفة معها من أنّ السعي لإسقاط نظام بشار الأسد، خلال المواجهة القائمة مع داعش، سيعرض أمن إسرائيل للخطر»، حسب أسوشيتد برس.

بيكر، خلال حوار مع قناة NBC الأمريكية، قال إنّ السبب الوحيد الذي يحرج واشنطن في ضمّ طهران إلى التحالف الدولي، هو مخاطر ظهور أمريكا بمظهر حليفة الشيعة ضدّ السنّة، مفترضاً بالطبع أنّ «داعش» هي ممثلة السنّة وإيران زعيمة الشيعة. «لن أُفاجأ بأنّ إيران تساعدنا بهدوء»، قال بيكر، مشدداً من جديد على يقينه بأنّ التحالف الراهن ينبغي أن يكون أعرض بكثير مما هو عليه: «نحتاج إلى استجماع كل دول المنطقة. نحتاج إلى الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، وأنفسنا بالطبع، لإطلاق نقاش ومؤتمر ومفاوضات حول كيفية تمكين القوى المعتدلة في المنطقة، وكيف نحدّ من المتطرفين في المنطقة، وكيف نقوم بذلك كله دون إلهاب النزاع السنّي ـ الشيعي»!

في ذهن بيكر، بالطبع، وكما ذكّر محاوره ومشاهديه، ذلك «التحالف الرائع» الذي استجمعه رئيسه جورج بوش الأب، ضدّ نظام صدام حسين، قبل وخلال «عاصفة الصحراء»، 1991: 50 بلداً، أرسلوا 200 ألف جندي، بالإضافة إلى 550 ألف جندي أمريكي. ولكن… هل قتال «داعش»، وخفض قدراتها العسكرية تمهيداً للقضاء عليها كما أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، يحتاج إلى مقارنة كهذه، حقاً؟ وبأيّ عقل يستخفّ بيكر حين يشترط هذا النطاق الدبلوماسي والعسكري الكوني الأوسع، ضدّ تنظيم يعدّ بعشرات الآلاف فقط؟ ومَنْ، سوى يعض الجهلة من مشاهديه، يستغفل حين يعيد المسألة إلى محتوى تقليدي، خاطىء ومضلل، هو «النزاع السنّي ـ الشيعي»؟

المرء، في هذا السياق العريض، ولكن ضمن تداعياته العراقية خاصة، يتذكر «مجموعة دراسة العراق»، التي قادها بيكر مناصفة مع السناتور الديمقراطي لي هاملتون، سنة 2006، وهدفت إلى «إيجاد حلّ للمشكلة العراقية»؛ أو، على وجه أدقّ، مأزق أمريكا في العراق. ذلك لأنّ الحال، يومها، كما الآن إلى حدّ كبير، لم تكن «مشكلة» فقط، بل مسألة، وقضية، ومستنقع؛ ولهذا فإنّ الحلول التي اقتُرحت لم تخدم عراقاً ديمقراطياً، بل عراقاً منقسماً إلى طوائف وإثنيات؛ وخدمت مصالح أمريكا أولاً، ثمّ إيران وتركيا ثانياً، قبل خدمة طموحات العراقيين.

وحين يُسأل بيكر، اليوم، عن الفارق بين ضمّ نظام حافظ الأسد إلى تحالف «درع الصحراء» سنة 1990، والامتناع عن ضمّ نظام الاسد الابن، وكذلك إيران، إلى التحالف الراهن ضدّ «داعش»؛ يجيب: لهذا الغرض تحديداً: مخافة خلق الانطباع بأنّ الولايات المتحدة «تنخرط إلى جانب الصفّ الشيعي»، وهذا هو التفسير الضحل الذي لا ينمّ عن الجهالة وحدها، بل التجهيل أيضاً. فضيلة السؤال تقود بيكر، مع ذلك، إلى إقرار لعلّه الأوّل من طرازه، خاصة إذْ يصدر عن وزير خارجية أمريكا خلال الحقبة المعنية: اشتراك نظام الأسد في تحالف «عاصفة الصحراء»، بل مشاركة قوّاته الفعلية في بعض العمليات العسكرية كما يسجّل بيكر نفسه، كان ثمناً لإطلاق يد النظام السوري في لبنان على امتداد 15 سنة لاحقة.

في الحوار ذاته، مع NBC، ذكّرنا كيسنجر بما لا نجهل: أنّ «إيران الدولة حليف طبيعي للولايات المتحدة»، ولا يقوم العداء بين البلدين إلا على مستويات دينية وإيديولوجية؛ وبالتالي، ليس عجيباً، ولا طارئاً، أن تتعاون طهران مع التحالف الدولي، سواء ضُمّت إليه علانية، أم انخرطت فيه سرّاً. ولن يكون هذا التصريح عجيباً، ولا طارئاً، إذا استعاد المرء حقيقة كبرى في تاريخ العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية: في عام 1975 وقّع وزير الخارجية آنذاك، كيسنجر نفسه، ما يُعرف باسم «مذكرة القرار الأمني 292»، التي أرست دعائم التعاون النووي الأمريكي ـ الإيراني، بقيمة استثمارية صافية تبلغ ستة مليارات. وبعد سنة فقط، وقّع الرئيس الأمريكي جيرالد فورد أمراً إدارياً بتمكين إيران من شراء وتشغيل منشأة تتيح فصل البلوتونيوم، أي المرحلة الأعلى في تصنيع القنبلة النووية!.

كذلك فإنّ البرنامج النووي الإيراني لم ينطلق في عهد الثورة الإسلامية الإيرانية (1979)، بل قبل اندلاعها بما يقارب ربع قرن، في أيام الشاه رضا بهلوي؛ وكان البرنامج جزءاً من ألعاب الشدّ والجذب بين واشنطن وموسكو، خلال عقود الحرب الباردة؛ ولهذا فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الجهة التي رعت وأشرفت على تنفيذ البرنامج. كذلك كانت واشنطن هي التي زوّدت طهران بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاواط، وأمّدت المفاعل بالوقود اللازم، أي اليورانيوم المخصّب (نعم: اليورانيوم المخصّب ذاته الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها اليوم!)، كما قبلت إقامة منشآت لتخصيب اليورانيوم في إيران.

صحيح أنّ إيران الشاهنشاهية ليست إيران الخمينية أو الخامنئية، ولكن على مستوى مقتضيات الدولة، تماماً كما يشير كيسنجر وتبرهن تصريحات عبد اللهيان، هل تغيّرت شبكات المصالح كثيراً، حقاً؟ وهل وقعت فضيحة «إيران ـ غيت» أيام الشاه، أم في حياة آية الله الخميني ورونالد ريغان، بمباركة إسرائيل؟ كلا، بالطبع، ولحمقى «الممانعة» أن يعمهوا في الحمق، الغريزي أو المصطنع، حين تواصل حشودهم هتاف «الموت لأمريكا»؛ وفي الآن ذاته تواصل طهران، راعية «الممانعين»، خدمة أمريكا وإسرائيل، في العراق وسوريا ولبنان واليمن…

وتبقى استعادة أخيرة، في مناسبة حديث كيسنجر اليوم عن الخلافات الإيديولوجية والدينية باعتبارها أدنى قيمة في علاقات الدول، من المصالح. ففي سنة 2006، كتب كيسنجر ما يلي عن العراق: «من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة في الصراع ضدّ الإسلام الجذري. لقد فُهم أنّ تحدّي الحرب الباردة هو البقاء السياسي للأمم ـ الدول المستقلة المتحالفة مع الولايات المتحدة والمحيطة بالاتحاد السوفييتي. لكنّ الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي بعيد النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزى العميق أكثر ممّا كان لفييتنام».

أين ذهب ذلك المغزى، اليوم؟ أهو في باطن كيسنجر، أم في ظاهر «الخليفة» البغدادي؟ و

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل حشدت أمريكا أربعين دولة لإنقاذ بشار الأسد؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18/10/2014

صحيح أن السياسة والاستراتيجيات عمليات معقدة ومتشعبة، إلا أن نظرة سريعة إلى التحالف الدولي الذي يستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا جواً تؤكد ببساطة أنه يصب، بطريقة أو بأخرى، في مصلحة النظام السوري وحلفائه تحديداً. دعكم من سخافات انتهاك السيادة السورية. فلا أخلاق في السياسة. صحيح أن طائرات التحالف تنتهك الأجواء السورية بمفهوم القانون الدولي، لكنها تقصف ألد أعداء النظام الذين اسقطوا العديد من مطاراته ومواقعه، ومرغوا أنوف جيشه بالتراب. ألا تتذكرون ما فعله تنظيم الدولة بجنود الأسد في الرقة والطبقة؟ ألم تروا طوابير الجنود العراة الذين استعرضهم التنظيم كنوع من الإهانة للأسد في الرقة، ثم أعدمهم جميعاً بطريقة وحشية؟ ألا تتذكرون مناظر قطع الرؤوس الرهيب لقوات الأسد في أكثر منطقة؟

هل كانت تلك المشاهد المريعة مجرد لعب عيال، أم إنها كانت ضربة نجلاء لكبرياء الجيش السوري ونظامه؟ ألم يثر جماعة النظام على القيادة وحمّلوها مسؤولية سقوط المطارات وإهانة الجنود والضباط على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية؟

فماذا ستكون ردة فعل النظام وجماعته إذن عندما يرون طائرات التحالف تدك مواقع وأرتال القوات التي أهانت الجيش السوري، وقطعت رؤوس العديد من جنوده؟ لا شك أنهم سيشعرون بالتشفي والفرحة، وسيقولون: عدو عدوي صديقي.

لقد نزلت ضربات التحالف الدولي على مواقع تنظيم الدولة في سوريا برداً وسلاماً على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين وحزب الله وروسيا. وبالرغم من التصريحات الروسية الخجولة حول عدم شرعية التحالف، فلا شك أن الروس والإيرانيين سعداء في قرارة انفسهم وهم يرون الطائرات الأمريكية والعربية تدك مواقع تنظيم الدولة في سوريا والعراق. ولا شك أنهم يرددون المثل الإيراني الشهير: «لا تقتل الأفعى بيدك، بل اقتلها بيد عدوك». وهذا ما يحصل فعلاً في سوريا والعراق.

دعكم من التحليلات الرغبوية. المهم ما يحصل على الأرض. ألم يستغل النظام السوري عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا لتكثيف عملياته العسكرية الرهيبة ضد المناطق الثائرة؟ ألم يلجأ في حي جوبر إلى استخدام أسلحة روسية لم يسبق لها مثيل في التدمير، بينما أعين العالم كلها منصبة على عمليات التحالف ضد تنظيم الدولة في شمال وشرق سوريا والعراق؟ ألم تزدد همجية الجيش السوري مرات ومرات؟ ألم يلجأ إلى سياسة الأرض المحروقة تماماً، حتى لو أزال مناطق بأكملها عن الخارطة؟ بعبارة أخرى، فإن القصف الدولي لتنظيم الدولة جاء بمثابة غطاء للنظام السوري كي يفعل ما يشاء في المناطق الخارجة عن سيطرته. ولا شك أنه ينجح. لاحظوا أن النظام استعاد الكثير من المناطق أثناء القصف الدولي لتنظيم الدولة. وهو يبلي بلاء حسناً في ريف دمشق وحتى حلب، بينما الكل مشغول بعمليات التحالف ضد تنظيم الدولة.

ليس صحيحاً أن تنظيم الدولة يواجه فقط حرباً جوية غير مجدية، وأن لا أحد مستعدا أن يواجهه على الأرض. ألا تقوم قوات النظام السوري وحزب الله وإيران بمواجهة تنظيم الدولة براً، بينما تقصفه طائرات التحالف جواً. والنتيجة أن الجيش السوري يسيطر على كل المناطق التي يتركها تنظيم الدولة. بعبارة أخرى، فإن الطائرات الأمريكية والعربية تقوم بإضعاف التنظيم جواً تاركة المجال للقوات السورية كي تنهكه براً، ومن ثم تسيطر على المناطق التي تركها، خاصة وأنه ليس هناك أي قوات للجيش الحر تستطيع أن تملأ الفراغ الذي تركه انسحاب تنظيم الدولة من هذه المنطقة أو تلك. فقوات الجيش الحر التي تزعم أمريكا أنها ستدربها لن تكون جاهزة قبل أشهر. وفي هذه الأثناء يكون الذي ضرب، ضرب، والذي هرب، هرب كما يقول المثل الشعبي. بعبارة أخرى، يكون الجيش السوري قد استعاد المناطق التي فقدها بدعم جوي أمريكي وعربي. باختصار، فإن الحملة الدولية على تنظيم الدولة تتم عملياً بالتعاون بين أمريكا جواً ونظام الأسد وإيران براً، ينما يدفع العرب كلفة الحملة العسكرية لصالح تعزيز نظام الأسد .تلك هي نتيجة التحليلات الغربية الواقعية.

ويؤكد روبرت فيسك في صحيفة «الاندبندنت» أنه «في اللحظة التي تحركت فيها الولايات المتحدة، ووسعت حملتها ضد تنظيم الدولة لتشمل سوريا، حصل بشار الأسد على دعم عسكري وسياسي أكثر من أي قائد آخر، فبانفجار القنابل في مناطق شمال وشرق سوريا يمكن للأسد الاعتماد الآن على دعم روسيا والصين وإيران وأمريكا، وحزب الله والأردن ودول الخليج للحفاظ على نظامه. ويشير الكاتب إلى أن الأسد يمكنه الآن الجلوس في بيته في دمشق ليفكر كيف تقوم أقوى دولة في العالم، التي حاولت ضربه العام الماضي باستهداف أعدائه.و يضيف فريديريك بيشون الكاتب والمحلل السياسي «لوكالة فرانس برس» في تقرير نشره موقع «شؤون خليجية» أنه بالنسبة إلى بشار الأسد، فإن وضعه ممتاز من الناحية السياسية والجيوسياسية، لأن واشنطن ولندن ستجدان نفسيهما في الخط نفسه إلى جانب دمشق. ويعتبر الباحث في معهد بروكينغز «تشارلز ليستر» أن النظام السوري سيخرج أكثر قوة.

وينتهي موقع «شؤون خليجية» إلى نتيجة مفادها أن دول الخليج تتحمل فاتورة التحالف الدولي ليس من أجل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن من أجل القضاء على المعارضة السورية وإعطاء قبلة الحياة لنظام بشار الأسد، الذي نجح حتى الآن في السيطرة على الأماكن التي انسحب منها تنظيم الدولة.

البعض يأمل أن تطال ضربات التحالف لاحقاً مواقع النظام السوري، مما سيقلب الطاولة رأساً على عقب. لكن ذلك يبقى في إطار التكهنات والتمنيات الرغبوية حتى الآن على الأقل.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطط فاشلة بشأن السوريين الأكراد .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 18/10/2014

في زيارةٍ قمت بها بمعية أعضاء من "اللجنة الوطنية لحماية السلم الأهلي"، التي شكلها لفيف من الأصدقاء، وشرّفوني بعضويتها، رافقنا لفيف من مقاتلي "غرباء الشام" إلى مقر إخوتنا الكرد في المدينة، لبدء محادثاتٍ أردنا لها أن تنهي الاقتتال فيها، وهو ما تحقق بالفعل على أيدي ممثلين من الطرفين "المتقاتلين". حين وصلنا إلى المقر، استقبلنا قرابة مائتي مواطن كردي بهتاف "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد". وبعد قليل، تعانق كثيرون منهم مع مقاتلي الغرباء، الذين جاؤوا معنا من دون موافقتنا، خشية أن يثير حضورهم المشاعر، ويسبب مشكلة تقوض فرص نجاحنا. طفرت عندئذ الدموع من عيني وأعين كثيرين، لأن بعض من تعانقوا كانوا يتحاربون قبل ساعات قليلة. أقنعتني الحادثة بصحة شعار الثورة المجيدة "الشعب السوري واحد".

تقاطع رأيان في الوسط السياسي المعارض، وخصوصاً منه المحسوبة على الديمقراطية، حول العلاقات التي ستقوم بعد الثورة، بين مكونات ما أسماه برهان غليون "الجماعة الوطنية السورية"، تفرع عنهما خلاف مفصلي، وترتبت عليهما نتائج جد متعارضة، قال أولهما بأولوية مشاركة جميع مكونات هذه الجماعة، وبكل ما تمتلكه من قوى في معركة إسقاط الاستبداد، على أن تنظم بعده علاقات الداخل السوري، في إطار الفكرة الديمقراطية والروح التكاملية، وعلى أرضية منجز وطني، شارك فيه الجميع، وضحوا من أجله، مع بقاء باب الحل مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بما فيها احتمال الفيدرالية. كنت شخصياً مع هذا الرأي.

لذلك، وافقت على أية اتصالات، الهدف منها رسم صورة سورية المستقبل، بتوافق يلزم الجميع، يرتكب من يخرقه جرم الخروج على إجماع وطني. في المقابل، كان هناك تيار آخر، عبر عنه الأستاذ صالح مسلم أكثر من أي شخص آخر، رأى في الأمر الواقع ضمان حقوق الكرد في سورية وما وراءها، وآمن بقدرته على تمرير ما يريد، وسط تطاحن واسع، لا يعرف أحد إلى أين سيصل، وطور خطاً سياسياً لإنجاح مشروعه، جمع فيه أضداداً تتحدى قدرات كرد الجزيرة، وعربها وسريانها وكلدانها وآشورييها وشركسها وشيشانها وتركمانها وأرمنها مجتمعين، كالمحافظة على علاقاته مع النظام، وفي الوقت نفسه، على عضويته في هيئة التنسيق، وإعلانه أن كرد الجزيرة هم شعب غرب كردستان، وأن مناطقهم يجب أن تخضع لما أسماها إدارة ذاتية ديمقراطية، سيقيمها حزبه، ما لبث أن حكم سكانها من مختلف القوميات، بطرقٍ، لا تتفق مع أبسط متطلبات الديمقراطية وقيمها،  بينما منع الجيش الحر من دخولها، أو المرابطة فيها، بحجة أنها أرض محررة، واستلم بعضها من مخابرات النظام بكامل أسلحتها.

خال السيد مسلم أنه قفز من فوق الجميع، وانتقل، ونقل الكرد إلى المستقبل، أي إلى ما بعد الأوضاع الراهنة. وظن أن منطقته صارت، بالفعل، نواة دولةٍ، لن يتمكن أحد من تغيير واقعها، لأنها غدت أمراً واقعاً، عبر عنه بأسماء، تشاع، أول مرة، في لغة السياسة السورية، كتسمية منطقة الجزيرة "روج آفا" التي ستكون، في الحد الأدنى، جزءاً مستقلاً نسبياً من فيدرالية سورية، وفي الحد الأعلى، جزءاً من دولة كردية شاملة، ستقوم في سورية والعراق وتركيا، كما كان مقرراً لها في اتفاقية سان ريمو.

أخطأ السيد مسلم في أولوياته السياسية، وحساباته السورية والإقليمية، وحمّل أكراد الجزيرة فوق ما يطيقون ويستطيعون، وزجّ بهم في مغامرة أساء توقيتها، وها هم يتبينون  في خضم معركة "عين العرب – كوباني" ومضاعفاتها فداحة أخطائه، والعبء الثقيل الذي ألقاه على عاتقهم، في ظرفٍ لن يتمكنوا من القفز فوقه، في الوضع، الداخلي والعربي والإقليمي، وسيكون فوق قدراتهم تحديد صورتهم النهائية مكوناً وطنياً سورياً، في معزل عن غيرهم أو ضد إرادته، كأن انتماءهم السوري لا يرتب عليهم أية التزامات وطنية، أو أي تضامن مع بقية مواطنيهم، أو كأن اللعب على حبال التناقضات يمكن أن يكون سياسة تخدم مصالحهم، أو كأن نجاح مشروع قومي يمكن عزله عن الظرفين، الدولي والإقليمي، وإرادة بقية مكونات الجماعة الوطنية السورية، التي إن فشلت ثورتها أخفق، وإن نجحت استطاعت أن تعيد النظر فيه، هذا إذا سمحت تركيا وإيران وسورية بتمريره.

يقال إن رئيس وزراء تركيا أعلم السيد مسلم بشروط إنقاذ "كوباني- عين العرب"، وهي تتصل جميعها بالخطوط الحمر، التي ظن أنه تخطاها، وانتهى الأمر، وهي، قطع علاقاته مع النظام السوري، والتعاون مع الجيش الحر، وحماية حدود تركيا وأمنها. بكلام آخر، إلغاء مشروعه عن الإدارة الذاتية، لأنها أكثر من ذلك بكثير.

بالمناسبة، منع السيد صالح مسلم دخول الجيش الحر إلى منطقة الإدارة الذاتية، واليوم، يقدم هذا الجيش 40% من المدافعين عن عين العرب، وأعلن، قبل يومين، عزمه على إرسال ألف من مقاتليه لرد "داعش" عنها، بينما عزا مسلم سقوط بعض مناطق المدينة إلى وحدات من هذا الجيش، في سياق إيجاد أجواء مسمومة مع بقية مواطني سورية. وتكشف هذه الوقائع، على خير وجه، عن أفظع خطأ ارتكبه السيد مسلم: اعتقد أن الشعب السوري لم يعد واحداً، وعليه المسارعة إلى الإفادة من انقساماته وزوال وحدته، لاقتطاع أكبر قسم ممكن من كعكته كشعب سابق، لم يعد له وجود، ومن أرضه أيضاً باعتبارها أرضاً كردستانية، مع أن ما يجري في "كوباني – عين العرب" يؤكد الاستراتيجية البديلة، استراتيجية وحدة السوريين شعباً في الصرع ضد الأسد ونظامه، رفضها صالح مسلم، وقادته إلى سياسة كارثية النتائج على الشعب الكردي، سيحول قيامها دون بناء دولةٍ ديمقراطيةٍ لجميع السوريين، جماعات وأفراداً، يمكن للسيد صالح أن يقيم فيها نظاماً فيدرالياً أو لا مركزياً هو رئيسه، باختيار شعب وطننا الحر وتأييده.

تحدت مجريات معركة "عين العرب – كوباني" خيار الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي طاردت الكرد بصورة منظمة، بل أسقطته. لذلك، من الأهمية بمكان أن يخلي مسلم مكانه لقيادةٍ أولويتها إسقاط الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية، لا تنكر حقوق مكونات الجماعة الوطنية السورية، بما في ذلك حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الهوية السورية الآن .. غسان المفلح

الحياة

الخميس 16-10-2014

من سنن اجتماع المجتمعات البحث الدائم عن ذاتها الجمعية، مـن أجـل تـأكيـد حضورها في ضمائر افــرادها، وإعادة انتــاج انتـمائهم. من جهة أخـــرى، المجموعـــات البشريـة تقـونـن هذا الحضور بالانتماء إلى مشتركات الإنسانية في ما بينها، وتسمي هذا الانتماء بما يدل على الهوية كمضمون المواطنة، ومفهوم الهوية الوطنية المستند على مفـهوم المواطنـة والمرتبط به محوري في المفاهيم السياسية الحديثة.

اللغة والجغرافيا، والتاريخ والمصالح المشتركة، من الروابط الأساسية، وفي بعض الأحيان تعبر الهوية إلى أوسع من ذلك أو تتمحور على نطاق أضيق، واحياناً على ما فوق اللغة الواحدة، كالمجتمع السوري، حيث فيه مكونات تتكلم اللغات الكردية والآشورية والارمنية والآرامية التي هي لغة المسيح.

لهذا نجد أن الهوية القومية أو الدينية أو العرقية أو الطائفية، نماذج للهوية الضيقة، ولكن هناك نموذجاً أوسع من ذلك عندما تكون الهوية جامعة لأكثر من قومية أو دين أو عرق أو طائفة، وبهذا تتجاوز الهوية إطارها الضيق لتعبر عن المشترك الأوسع في الانتماء، وهو الهوية الوطنية التي تنتمي الى جغرافيا وتاريخ ومصالح مشتركة. هنا موقع بحثنا في الهوية السورية الجديدة.

«إن الهوية الوطنية مقوما له دلالته في مذهب إنساني جديد، ليست جوهراً ميتاً فيزيقياً أبدياً قبلياً، ليست «معطى» محدداً مسبقاً ليست تراثاً محتوماً لا حول عنه مقذوفاً به من الماضي ومنيعا لا يؤثر فيه البعد الزمني، ولا المتغيرات التاريخية، بل هو واقع. دينامي تاريخي زمني لجسد تعاد صياغته وتشكيله وتنميته. الهوية الوطنية لا تكتسب مقدرتها على البقاء فضلاً عن صدقيتها إلا بمقدرتها على التطور والتفاعل مع المعطيات الاجتماعية السياسية والثقافية والتاريخية، وبوعيها لهذه الخصوصية المرنة والانفتاح والاستجابة النقدية»، بحسب حبيب صالح مهدي.

الهوية السورية بعد انطلاق الثورة غيرها عما قبل، وهي الآن بعد الظروف التي مرت وتمر بها سورية وثورة شعبها وشتاته الدموي على يد الاسد تحتاج لكي تعرف نفسها من جديد انطلاقاً من تلك المعطيات الجديدة. وهنالك ثلاثة حقول تواجه فيها الهوية السورية نفسها، بحيث يمكن لها أن تمتنع عن التجدد، والتفاعل النقدي في رموزها ومعها، وهي:

الحقل الأول كتلة الاسد او نحرق البلد. وهي تمثل الاشكالية الاساسية في المانع من تشكيل هوية جديدة لسورية. فكل رموزها تقلصت وقلصت البلد لتنظر إليه فقط من ثقب العائلة الاسدية. رموزه صور العائلة الاسدية كنظام ديكتاتوري، واستباحة البلاد لأن هذا حق منحه الاسد لهم. يمكن الحديث في هذا الحقل عن كل الرموز التي تريد تأبيد عائلة الاسد رغم كل ما اقترفته من جرائم، فكيف يمكن أن ينضوي هؤلاء ضمن هوية سورية جامعة، من دون آل الاسد؟ هذه العقبة كأداء في وجه سورية جديدة. فهذه الكتلة تمتلك كل اجهزة الدولة واسلحتها، وتستخدمها كلها لقتل الشعب السوري ومنعه من الحرية.

الحقل الثاني حقل الكتلة الاسلامية المسيسة التي ظهرت بعد الثورة، ولولا الثورة لربما كانت أكثريتها منضوية تحت اسلام الاسد! اقصد مشايخه ومُفتيه. هذه الكتلة التي يشكل جماعة الإخوان المسلمين تنظيمها الأكثر تنظيماً، تمايزت عن طرحهم في ما يخص سورية والدولة التي تريدها الثورة، وبالتالي الهوية الجديدة لسورية. وهي وجدت ضالتها في راية تنظيم القاعدة السوداء حتى لو لم تكن هي نفسها قاعدة. رموزها راية سوداء ودولة الخلافة ومعزوفة الاسلام الجهادي الدولي المصنوع استخباراتياً. هذه الكتلة مسلحة وتمتلك قوى عسكرية أكثريتها الساحقة من الذين جذبتهم هذه الراية السوداء من جنسيات مختلفة، هؤلاء اجندتهم غير سورية. رايتهم السوداء لم تكن جزءاً من تاريخ سورية وستكون عقبة في انتاج سورية جديدة.

الحقل الثالث حقل التيار القومي الذي يضم بقايا يسار و»علمنجيين» احتموا بالبسطار من أجل حقوق فردية بخسة، غالبية هؤلاء لا ينظرون الى سورية إلا من زاوية حقوقهم الفردية التي لا تحوي الكرامة السياسية. هذه الحقوق تتعلق بالمأكل والملبس والتنظير من دون التفسير والسياسة. هذا التيار غير المتجانس عموماً، ينظر، مثل الاسلاميين الذين تحدثت عنهم، عن خلافة» علمنجية» على مقاسهم يضمنها الاسد في النهاية أو أي بسطار عسكري، اهم مقولاتهم انهم مع «الجيش العربي السوري» وليس مع الاسد!. هؤلاء لا يمكن أن تكون رموزهم خارج مطلق بسطار.

يبقى حقل اشكالي رابع، هو الذي يتعلق بالاقليات غير الناطقة بالعربية كالكرد والأشوريين. واشكالياً بالمعنى النسبي للعبارة لسورية الجديدة، فانه ما لم يتم الاعتراف بهم وبحقوقهم داخل سورية الجديدة فان هوية السوريين لا يمكن أن تبنى، وهي لا تبنى إلا على الحرية وفي ظلها. هي الرمز الهووي الرئيسي والاساسي الذي يفتقده السوريون في انتاج هويتهم الجديدة. الحرية العامة والفردية في ظل دولة القانون، هي تكثيف لمذهب انساني عام من جهة، وهي الاساس الجوهري لبناء هوية سورية جديدة. ولا يزال الاسد ومافياته الحاكمة يشكلون العائق الاساس والرئيسي تجاه حرية السوريين. أما عن التنظيمات الاسلامية فعائق عارض لأنه سيكون عارضاً على الحياة السورية برمتها بعد إزالة الاسد.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران تساوم على «داعش» بالحوثي .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 16-10-2014

تتساقط مدن عربية، واحدة تلو الأخرى، تتهاوى مناطق على تخوم خطوط التماس المعلنة والخفية، على أيدي «داعش» في العراق وسورية، والحوثيين في اليمن... أي مدينة عربية أو عاصمة على اللائحة؟ فكما لـ «داعش» خلايا وأنصار، لإيران جيوش صغيرة تتحرك على مساحات متباعدة في المنطقة العربية.

ولكن، ألا تعلن طهران ليل نهار أنها لا تعمل ولا تتدخل ولا تتحرك إلا بنيّات طيبة، ولمصلحة المسلمين أينما كانوا؟ مع تنظيم «داعش» لا مشكلة في تصنيفه، وهو لا يخفي نيّاته مهما بلغ زيف ادعائه احتكار تطبيق الشريعة، أياً تكن هوية ضحاياه، ومَنْ يذبحهم ويشرّدهم وينكّل بهم، ويسبيهم.

لدى الإيرانيين، وبعد نحو 35 سنة على الثورة الخمينية، المرحلة الآن لاستكمال قطف ثمار «تصديرها»... صحيح أن احتواء القرار العراقي، ونفوذ طهران في بلاد الرافدين تلقّيا ضربة كبرى بعد فضيحة سقوط الموصل، وأن سورية الحليفة الطيّعة لم تعد الباحة الآمنة ولا نظامها قادراً على الدفاع عن نفسه، ولكن لمشروع طهران زوايا أخرى وخرائط لم تعد أسراراً.

هي تثير الملل كلما ادَّعت دفاعاً عن شيعة العراق أو شيعة البحرين، وتحت مسمّيات مختلفة، لكنها دائماً تحت سقف التشيّع السياسي. أنكرت مرات تدخّلها في شؤون الدول العربية، في حين ما زالت تفكك النسيج الاجتماعي المذهبي في المنطقة، وما على الجميع سوى أن يصدّق ان «الجمهورية الإسلامية في إيران» لا تسعى إلا لإخماد الفتنة. تحذّرنا منها وتحرّك أصابعها، فيصحو العرب على سقوط إحدى مدنهم، تكبر الهزائم والفضائح، لكن إيران مع العرب بنيّاتها «الطيّبة».

تدّعي ايضاً أن سياستها ليست طائفية ولا مذهبية، فلا حليفها في سورية يميّز ببراميله المتفجّرة بين مسلم ومسيحي، ولا دعمها لـ «حماس» السنّية بُني على حسابات غير مصير الفلسطينيين، والدليل تشجيع على الحرب وتمويل، انتهيا بتدمير غزة مرات، وبآلاف الشهداء.

بعد سقوط الموصل بيد «داعش»، وتخلي الجيش العراقي عنها بلا مقاومة، سقطت صنعاء بلا مقاومة في أيدي الحوثيين، ثم مدينة الحديدة على البحر الأحمر... بات اليمن على حافة الانهيار، والتشرذم ثلاث دويلات. هل من الأسرار علاقة الحوثيين بطهران، او احتضانها قضية علي سالم البيض، أحد رموز «الحراك الجنوبي» الساعي إلى سلخ جنوب اليمن في دولة «ديموقراطية»؟

تخلى الجيش العراقي عن الموصل في ليلة ظلماء، ترك قادة في الجيش اليمني صنعاء لمصيرها، بل منعوا قتال الحوثيين، كررت الجماعة التجربة في الحُديدة وفازت بموطئ على البحر الأحمر... مأرب على اللائحة؟ النفط خزانة تمويل.

لكن الفارق كبير بين جماعة الحوثي وجماعة أبو بكر البغدادي، الأول يريد «تطهيراً» من الفساد، والثاني يطمع بدولة «خلافة» يطهّرها من «الكفار». وإن كان من ناقة لإيران في ما يفعله عبدالملك الحوثي- وهذا أكيد- فالمفارقة هي تزامُن الزحف، تهاوي المدن والحواضر والمرافئ... لا قوة تصدّ الحوثي، ولا التحالف يمنع تقدم «داعش».

يَمَنٌ مفكّك ومشرذم، هل يكون الرد الإيراني على «الصفعة» العراقية التي مكّنت واشنطن من حرمان طهران من نوري المالكي، ومن احتكار تحريك المؤسسات في بغداد؟ ما بعد «داعش» ليس كما قبله، لذلك تتكيف إيران مع قواعد لعبة جديدة، على هوامش المفاوضات النووية. تعرض بلا لبس مقايضة بين تسهيل الغرب اتفاقاً على تخصيب اليورانيوم، في مقابل تسهيل مهمة التحالف في مواجهة «داعش». ولكن، ألا يثير الشق الثاني من مشروع الصفقة مزيداً من الارتياب بالدوافع، فيما محاربة التنظيم في العراق، يُفترض نظرياً أن تخدم أمن إيران في المواجهة مع التكفيريين؟

ذروة الأزمة مع إيران قد يكون أبرز تجلياتها طغيان التأزم السعودي- الإيراني، نتيجة خلافات تراكمت حول الكوارث التي تشهدها المنطقة، وفي كل منها لطهران أصابع، لونها لا يتطابق مع «النيّات الطيبة» ولا الصفحة الجديدة التي ادّعت انها تريدها، خصوصاً مع الرياض. وكلما أثارت المملكة مطلب سحب العناصر الإيرانية من سورية، كبادرة حسن نيّة، ولتسهيل مخرج للسوريين من نكباتهم، ردت إيران باتهامات للمملكة متناسية ان القوة السعودية في البحرين موجودة هناك بطلب من المنامة، وفي إطار قوة «درع الجزيرة».

بعد يومين من «النيّات الطيبة» التي حملها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى نظيره السعودي الأمير سعود الفيصل، خلال لقائهما في نيويورك، سقطت صنعاء في قبضة الحوثيين. وبين جولة وأخرى في ماراثون المفاوضات النووية، تفتح طهران أبواباً جديدة لمساومة الغرب على عواصم أخرى عربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التدخل السوري المفقود .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الخميس 16-10-2014

تقوم الدنيا ولا تقعد منذ أسابيع، بسبب أخبار كوباني، وهي التي ما زالت تشهد اجتياحاً متواصلاً من داعش، ترافق مع تهجيرٍ جديد، طاول عشرات آلاف السوريين، ذوي الأصول الكردية.

كوباني الكردية، أوعين العرب، أو عين الإسلام الداعشية، تثير سوقاً مفتوحة لكل أنواع التدخل. فالتحالف الدولي يتدخل حالياً من الجو، وتركيا مطالبة بالتدخل في البر، أما إيران، فأعلنت استعدادها للتدخل، لكن بشرط التنسيق مع نظام الأسد! وذلك كله، لأن كوباني تثير حساسية جيو سياسية وقومية عالية، كونها تضم أغلبية كردية ذات مشروع كياني، لا بد له أن ينعكس داخل حدود تركيا نفسها، بل صار يهددها باضطراباتٍ قومية متصاعدة.

من هنا، استعدت السلطات التركية للتدخل، وحصلت على موافقة برلمانها، وحشدت القوات على الحدود، لكنها أعلنت أنها لن تقدم عليه، إذا لم يكن ضمن استراتيجية تتضمن إقامة منطقة عازلة وحظر جوي لا يسمحان للأسد بالاستفادة من ضرب داعش، كما لا يسمحان بإقامة كانتون كردي على حدودها، بل يشكلان مناطق آمنة لمئات ألوف السوريين الهاربين من مذابح النظام.

هكذا، يبدو أن المسألة السورية الأصلية قد دخلت، بصورة أكثر وضوحاً، في سياق بالغ التوتر. ذلك أن كوباني، في الواقع، إذا كانت تكرر جوانب فاجعة في المأساة السورية التي يستمر فيها موت السوريين وتدمير بلدهم، منذ حوالى أربع سنوات، فإنها أصبحت نقطة تقاطع وتحول لمصالح القوى الإقليمية والدولية، كون تركيا الشديدة الاهتمام بضبط الطموحات الكردية لإنشاء كيانٍ سيهدد وحدتها الوطنية، تتقدم، أيضاً، بصفتها عضواً في الحلف الأطلسي، لحماية حدوده الشرقية من تهديد طموحات إيران، وأصدقائها الجدد في روسيا، وكان نصب شبكة صواريخ الباتريوت علامة على ذلك. ومن جهتها، تساوم إيران على جبهتها الأمامية السورية، في إطار مصاحب لمفاوضات الملف النووي، وهو ملف ما زالت أميركا راغبة في تسويته معها، واستكشاف إمكانات ضبط إيران، الدولة والمصالح، في إطاره، بينما ارتفعت درجة المساومة الإيرانية إلى درجة التصريح، على لسان معاون وزير خارجيتها، أن أمن إسرائيل سيتهدد في حال سقوط نظام حليفها الأسد.

وبانتظار تطور الأوضاع، واحتمال انفتاحها على متغيراتٍ، لا تستبعد إعادة رسم جديدة للخرائط السياسية والمجتمعية في شمالي سورية، يبدو أن السوريين، أنفسهم، صاروا أكثر، من أي وقت مضى، موضوعاً للعبة، ليس لهم دور فيها إلى هذا الحد أو ذاك، ومن ذلك استمرار المعارك والقصف والتدمير في كل مكان في أنحاء سورية اليوم، من الحارّة إلى جوبر والوعر وحلب. والموتى فيها سوريون في الأعم والأغلب، على الرغم من مشاركة أجانب من حزب الله وداعش. وهم، كما يعلم الجميع، لا يقاتلون من أجل حرية السوريين، بل من أجل استبدادٍ ليس فيه فرق بين ولي الفقيه أو الخليفة! ومن ذلك أيضاً، أن اجتماع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية منشغل بالصراع حول تشكيل حكومة مؤقتة، لا تملك من أمور سيادتها شيئاً، بينما كان يجدر بالائتلاف الاهتمام بدوره السياسي، الذي يفترض فيه دفع الحرب الجارية ضد الإرهاب لما فيه مصلحة سورية والسوريين.

وهناك فشل، أو تعثر، مفاوضات التوصل إلى هدن مؤقتة في داريا ومساكن عدرا العمالية وغيرها، وخصوصاً في الوعر الذي يشهد حصاراً وقتلاً تدريجيا لحوالى مئتي ألف مدني، مع ملاحظة انسحاب الوسيط الإيراني وتركه للتدمير، بعكس ما حدث في مفاوضات فك الحصار عن حمص القديمة. وهي مفاوضات استثمرت العمل السياسي، إلى جانب العمل العسكري بين أوساط السوريين، وسبق لها اكتشاف توسطات بينهم ومحاولة إيجاد مناطق خضراء، وسط جبهات القتال الدامية، وذلك في جبهات استقر فيها شكل من التوازن بين جانبي الصراع، وأمكن استثمار تواصلات مختلفة، لما فيه فائدة حياة الناس والمجتمع المحلي المغلوب على أمره، مثل تبادل المعتقلين والمخطوفين، وفك الحصار وتمرير قوافل التموين والمواد الطبية إلخ، وكلها أمور عرفها تاريخ الحروب والصراعات البشرية، وأثبتت حيوية المجتمعات وقدرتها على التكيف، على الرغم من هول الحروب وآلامها، وعلى الرغم من مرارة التجربة السورية التي كشفت خروج النظام عن قيم كل تراث إنساني في هذا الشأن.

التدخل أو الدور السوري مفقود اليوم، واستعادته مسؤولية من بقي لديهم حرص على الوطنية السورية، أينما كانوا وفي أي موقع، وخصوصاً في جوانب الصراع. ومن المفهوم أن أحداً لن يعطيهم هذا الدور، ولن يتحقق إلا بمبادرتهم أنفسهم، وهو دور لا يعني، اليوم، إلا إنقاذ ما تبقى من معنى سورية وطناً لجميع أبنائه، وبغض النظر عن الأهداف البعيدة المدى لكل منهم، كما أنه يمكن أن يبدأ من تحت ومن الأطراف، ولا يحتاج دوماً إلى أن يبدأ من فوق ومن الرأس، فيفتح بذلك باباً لإقامة هدن ومصالحات ومناطق خضراء، في كل مكان متاح من سورية، بينما يكون على كل السوريين الانصراف لدحر وحش الإرهاب الذي يكاد أن يلتهمهم جميعاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتصار «داعش» لا يناقض الفوز الأميركي .. لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 14-10-2014

لم تبدِ «داعش» أي رد فعل على الهجمات الجوية للتحالف الأميركي عليها. تعاملت مع الأمر بكل موضوعية، ونظرت إليه على أنه نشاط ما في الطبيعة، كالبرد والحر أو الموت. حاولت أن تتقيه من دون التفكير بإلغائه. وتابعت مسارها بخطى القادر الواثق، من دون تذمر أو شكوى.

واشنطن، في المقابل، لم تغيّر شيئاً في أدائها مع تمكّن داعش من توسيع مناطق سيطرتها، إن كان في العراق أم في سورية. تعاملت مع الأمر، أيضاً، بكل موضوعية، وكأنه نشاط عرَضي للطبيعة، كالإعصار مثلاً. فلم تحاول أن تلغيه أو توقفه، بل حاولت أن تتقي أخطاره لا أكثر. فلم تتجاهله: تدرسه جيداً، تضع استراتيجيات مفتوحة الزمن والاحتمالات للتعامل معه، والأهم: تحاول الاستفادة منه.

المراقبون والمحللون يتساءلون: كيف لـ «داعش» أن تستمر في انتصاراتها في توسيع مناطق سيطرتها مع استمرار الهجمات الجوية عليها. إذاً هجمات التحالف الأميركي لا تجدي نفعاً. فواشنطن لم تقل أو تدّع أن ضرباتها الجوية ستقضي على «داعش»، لا في العراق ولا في سورية. ولم تعد بأنها ستحقق انتصارات مهمة خلال أسابيع قليلة. ما قالته إنها ستحارب «داعش» في زمن مفتوح، حده الأدنى ثلاث سنوات. و«داعش»، في المقابل، لا تجد عقبات لانتصارها، بل لم تقل إنها في حاجة لشيء كي تنتصر، قالت: أنا منتصرة.

الأمر المهم ليس فقط انتصارات «داعش» العسكرية في العراق وسورية، بل ازدياد عدد مقاتليها على رغم ما تخسره في المعارك، ورسوخ حكمها وسيادتها في المدن والبلدات التي تسيطر عليها (مع استثناءات قليلة). هذا على رغم عدم وجود أي دولة تدعمها أو تؤيدها علناً. بل على رغم مواجهتها في سورية من قوى التحالف الأميركي والقوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا وإيران، إضافة للمجموعات المسلحة الكردية وغير الكردية. واستناداً إلى هذا يمكننا القول إن كل ما تقوم به هذه الأطراف والقوى، الآن، في مواجهة «داعش»، غير كافٍ وغير مجدٍ للقضاء عليها، ولا على ردعها حتى. بل كل ذلك لا يؤثر في ازدياد جاذبيتها للمقاتلين المحليين، ولا على قبول سكان الكثير من المناطق العيش في ظل حكم «داعش» (مع قلة المعلومات عن ظروف هذا العيش). وهذا يعني بوضوح شديد أن لدى «داعش»، على رغم الهمجية التي تظهرها، قيادات تمتلك الكثير من الدراية والحنكة والمهارة في تحقيق أهدافها.

هذا غير غائب عن صنّاع القرار في الدول المعنية، الإقليمية منها أو البعيدة، ولكن مصالحها ومنافعها لا تتوافق بالضرورة مع مصالح شعوب منطقتنا ومنافعها، بل يمكنني الجزم بذلك. فغير خاف عن هؤلاء أن مواجهة «داعش» تحتاج الى برامج سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية جدية تحقق لأهالي منطقتنا العيش الحر الكريم، بل أن يشعر أبناء هذه الشعوب بهذا العيش الحر الكريم، ويرتضونه.

صحيح أن لدى «داعش» الكثير من مقومات القوة الحقيقية، لكن من غير الصحيح أن يكون في مقدورها الاستمرار في انتصاراتها لو كانت الدول والأطراف تعمل بصدق وجدية على القضاء عليها. لكن جميع الأطراف التي تعلن مواجهتها لـ «داعش» تعمل بالمطلق للاستفادة منها، أو من مواجهتها، لتحقيق فوز على الخصوم الآخرين. فصراعهم ليس مع «داعش» بل بين بعضهم البعض بالاستفادة منها بذريعة مواجهتها. فلو كان الأمر غير ذلك لواجهوها في مرحلة نشوئها الأول، وما كانوا سمحوا لها أن تنهض وتكبر. إذ لم يكن من الصعب رؤية نشوء ظواهر متطرفة ضمن معمعة المقتلة السورية بعد مضي حوالى السنة على انطلاق الانتفاضة السورية.

بالعموم ليس بين الأطراف من يستهدف «داعش» بحد ذاتها، أو يريد القضاء عليها، أقلّه في الوقت الراهن. وهذا ينطبق على «داعش» في سورية أكثر منها في العراق. فالنظام السوري، الذي بات معروفاً عدم قيامه سابقاً بأي عمل جدي في مواجهة «داعش»، عسكرياً أم سياسياً أو حتى أمنياً، يعتقد أن أي إضعاف جدي لها ستستفيد منه القوى المسلحة المناوئة له غير الموصوفة بالإرهابية دولياً، والتي تحظى بقدر ما من الدعم والاعتراف بها كمعارضة شرعية من قبل غالبية المجتمع الدولي. كذلك فهذه القوى تخشى أن يصبّ إضعاف داعش في مصلحة النظام، لعدم ثقتها أن لديها المقدرة على كسب ما تخسره «داعش»، ولتقديرها أن وجود «داعش» يساهم بشكل ما في إضعاف النظام.

روسيا، على رغم اضطراب موقفها الآن، لها نفس موقف النظام السوري، بل على الأرجح هي من يملي عليه مواقفه، وتجعله يصحح من هذه المواقف ما لا يرضيها أو يخدمها، كموقفه المؤيد لهجمات التحالف الأميركي في البداية. ولإيران، بقدر ما، نفس هذا الموقف. في المقابل، فإن واشنطن تجد في القضاء على داعش أو التضييق الجدي عليها في هذا الوقت تقليصاً لدورها الجديد الذي اكتسبته من قيادة التحالف، الذي مكّنها من التقدم خطوة مهمة في تقليص دور ونفوذ روسيا في المنطقة وتصغيرها دولياً. بقية دول التحالف تنقسم مصالحها في مواجهة «داعش» بين إضعاف الدور الروسي وإضعاف الإيراني والسير في ركب القائد الأميركي. وإلى أن يتم العمل الجاد على التوافق على سلطة وطنية يشعر جميع السوريين أنهم مشاركون فيها فعلياً، فيلتفون حولها دفاعاً عن وطنهم السوري، كخطوة أولى لتحقيق مواجهة دولية حقيقية وجدية لـ «داعش»، ستبقى «داعش» تتسع جغرافياً، وتتعمق أيديولوجياً، وتتكرس اجتماعياً في مجتمعاتنا المشرقية.

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كي لا نخسر المرحلة المقبلة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 12-10-2014

من المقرر اليوم أن تختار الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري، في آخر أيام انعقادها، رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، ليشكل حكومة جديدة، تحل مكان حكومة أحمد طعمة التي أقالها الائتلاف الوطني، وكلفها بتسيير أعمال، قبل نحو شهرين، على خلفية تقصير الحكومة في وضعها العام، خاصة في أدائها، وضعف إنجازها، الذي قيل إنه أقل بكثير مما هو مقدر ومتوقع، حتى في ظل الإمكانات المتواضعة، التي توفرت للحكومة.

أهمية تكليف رئيس جديد للحكومة المؤقتة لا تنبع من ضرورة تشكيل حكومة تخلف حكومة تسيير الأعمال، وإنهاء هذه المرحلة فقط، وهو أمر ضروري، بل من طبيعة المرحلة التي تجتازها القضية السورية في ضوء بدء عمليات التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب وجماعاته في سوريا، التي لا شك أنها تمثل بداية لمرحلة لم تشهدها البلاد من قبل.

أهمية المرحلة السورية الجديدة تكمن في عنوانها الأساسي؛ الحرب على الإرهاب، يقف خلفه تحالف دولي كبير، مما يجعلها تمثل تحولا مهما في القضية السورية، ليس فقط بسبب التدخل الدولي، وإنما بسبب ما سيؤول إليه التدخل من نتائج، لا سيما على الصعيد السياسي، وما ستفرزه بالنهاية من احتمالات على مستقبل الوطن السوري ومستقبل الشعب السوري معا.

فإذا كانت القضية حربا على الإرهاب، فإنها سوف تستهدف الإرهاب كله، وإن بدأت بتنظيم «داعش»، فسوف تشمل أيضا الجماعات المماثلة، لا سيما المنتمية إلى «القاعدة» والقريبة منها في بناها الفكرية والعسكرية، وسوف تشمل في مرحلة لاحقة نظام الأسد الذي لا شك أنه يمثل أبشع أشكال إرهاب الدولة في التاريخ المعاصر، وقد لعب دورا مركزيا في وجود الجماعات الإرهابية وتوسعها، ليس بنتائج أعماله وممارساته فحسب، بل عبر مشاركته وحلفائه الإقليميين والدوليين في توليد هذه الجماعات، عبر أساليب وآليات كثيرة، وهذه ليست من باب التخمينات، إنما من باب المعطيات والأدوار التي لعبها هؤلاء في تمرير قيادات وعناصر التطرف والإرهاب إلى سوريا طوال نحو 4 سنوات مضت، وفي تقديم الدعم المادي والتسليحي إلى الجماعات الإرهابية، خاصة إلى «داعش».

ولأن حرب التحالف الدولي على الإرهاب لا يمكن أن تكون حرب قصف صاروخي وجوي، على نحو ما يجري حاليا، فإنها سوف تكون في فصولها اللاحقة حربا على الأرض بقوات تستكمل الفصول التالية لحرب القصف الصاروخي والجوي، من أجل القضاء على الانتشار الإرهابي، خاصة في التجمعات السكنية، وهو الإجراء الذي توجه إليه إرهابيو «داعش» بعد بدء عمليات القصف في أكثر من منطقة سورية، وسيكون السوريون المعتدلون الرافضون لفكرة التطرف ولممارسة الإرهاب القوة الأساسية على الأرض التي ستدخل الصراع ضد الإرهاب وعصاباته، من الجماعات إلى نظام الأسد، لكنها سوف تحتاج إلى دعم ومساندة متعددة الأشكال والمستويات من القوى الإقليمية والدولية الحليفة والصديقة، وقد تحتاج إلى الدعم والمساندة بقوات صديقة، لا سيما من دول الجوار، التي كانت الأكثر تضررا من سياسات الأسد وتطورات القضية السورية.

وحيث إن الصراع في مرحلته التالية، فسيترك آثاره على مجمل الأراضي السورية، خاصة تلك التي تنتشر أو تسيطر عليها التنظيمات الإرهابية من «داعش» وأخواتها، فثمة حاجات ملحة ستتزايد في المجالات الطبية والإغاثية والإدارية والأمنية والتنموية البسيطة، التي يحتاجها السوريون في تلك المناطق، وفي الأخرى التي يمكن أن يمتد إليها الصراع من مناطق تحت سيطرة النظام، مما يفرض الحاجة لوجود إدارة حكومية تكون معنية بإدارة تلك المناطق وتوفير احتياجات السكان فيها، وهذا يطرح موضوع الحكومة السورية المؤقتة، التي يسعى الائتلاف إلى إعادة إطلاقها بتشكيل جديد، يستجيب لمهمات المرحلة المقبلة، وهي عملية تبدأ من رئيس للوزراء يفهم، ويتفهم طبيعة المرحلة من جهة، ويكون مستعدا للتعامل معها، وأن تتوفر فيه القدرات والإمكانات الشخصية التي تساعده على العمل بنجاح، وأن يختار وزراءه بما يتناسب وطبيعة مهمات حكومته لخدمة السوريين في مرحلة صعبة لم تواجهها سوريا من قبل؛ فهل ينجح الائتلاف في القيام باختيار رئيس للوزراء؟ وهل ينجح رئيس الوزراء المكلف في اختيار وزراء يحملون أعباء المرحلة المقبلة، التي سيمر بها السوريون؟

ما تؤشر إليه حالة الائتلاف في اجتماعاته الحالية أن هناك رغبة في توفير كل سبل النجاح في المرحلة المقبلة، التي تشمل ليس فقط ضرورة إنجاح تكليف رئيس للحكومة المؤقتة، بل استكمالها بأقرب وقت ممكن للقيام بدورها المنتظر، وإقرار وثائق أساسية، منها النظام الأساسي، وتحسين مستوى الأداء، ومعالجة بعض المشاكل المعلقة، والهدف الأساسي أن لا يخسر السوريون احتمالات المرحلة المقبلة في تصفية الإرهاب، والخروج بالقضية السورية إلى حل ينقل سوريا إلى السلام وإقامة نظام جديد وبديل لنظام الأسد، يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : ظاهرة الانشقاق عن الجيش اللبناني .. أليس هذا الذي أراده المستنكرون له !؟ .. زهير سالم

لا يؤشر خبر الإعلان عن الانشقاق الثالث عن الجيش اللبناني إلى الانشقاق الثالث من حيث عدد الانشقاقات بل ربما يكون عمليا هو الانشقاق الثالث بعد المائة من الانشقاقات المتتابعة التي لم يفضل أصحابها الإعلان عنها بعدُ ، وآثر المغطون على هذه الانشقاقات مداراتها ..

ومع خبر الانشقاق الثالث بدأت الاستنكارات الجاهزة والمعلبة تتساقط علينا تترى ، يتبارى أصحابها بالادعاء والنفاق والتكاذب لإخفاء الأسباب الحقيقية وراء هذه الانشقاقات . ...

كما بدأ حديث ( الدهان السياسي ) بالتقليل من شأن هذه الانشقاقات وخطورتها ودلالتها وخطورة تداعياتها ...

واستمر بطريقة أخرى رش السكر على حنظل الواقع الطائفي البشع الذي تمارسه قيادة الجيش اللبناني الذي أصبح فصيلا من ميليشيات حزب الله أو تابعا من توابع ( التيار الوطني الحر ) التابع لميشيل عون ( بشار الأسد ) والمؤتمر بأمره في كل صغيرة وكبيرة ..

 إن هذا النوع من السلوك السياسي هو ما نرفض أن ننغمس فيه ، ونحن نعيش الثورة العربية والربيع العربي ، الثورة العربية التي قامت لرفض كل المواضعات التي توارثها المنافقون والمتكاذبون والمداهنون والمنافقون ..

ومع إيماننا بخطورة التناذرات التي تنذر بها عمليات الانشقاق ، ( ومعظم النار من مستصغر الشرر ) كما تقول العرب . نعتقد أن التداعيات الفظيعة التي قد تتبع هذه الانشقاقات خطيرة وهي تثير قلقنا وخوفنا وتدفعنا لنؤكد أنه لا ينفع معها الاستنكار والتنديد ...بل إن التعامل معها بالاستنكار والتنديد هو نوع من الهروب عن تحمل المسئوليات الكاملة لمعالجة الظاهرة وليس لمواجهتها ، ونؤكد أن الفرق بين المعالجة الموضوعية وبين المواجهة الأمنية كبير .

ونؤكد أيضا ، ومع ما نتابعه من إصرار بعض القوى اللبنانية بمن فيها قيادة الجيش اللبناني على سياستها الطائفية المنحازة ، أن حركة الانشقاق عما يسميه اللبنانيون ( جيش أبو الزلف ) قد تأخرت كثيرا ، مع كل المدخلات التي تجعلها اضطرارية ومتنافية مع أبسط مشاعر الانتماء الوطني السليم ، كما مع حق كل المنخرطين في هذا المؤسسة الوطنية بالإحساس بالصحة النفسية و بالكرامة الشخصية . وبأن المشارك فيها يحمي أهله ولا يتحول إلى أداة لقتلهم واستباحتهم والعدوان عليهم . كما حصل مع منتسبي الجيش السوري من قبل.

لا يحتمل مقامنا هذا فتح ذاتية الجيش اللبناني ، وسبر مواقفه منذ خمسينات القرن الماضي وفي كل مراحل الصراع قبل الحرب اللبنانية – اللبنانية وبعدها .

 إن أي متابعة لسياسة قيادة الجيش منذ اندلاع الثورة السورية تؤكد أن هذا الجيش كان الغطاء الرسمي و الشرعي لكل الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات حزب الله على الأرض السورية وعلى الأرض اللبنانية على السواء ..

لم تحاول قيادة الجيش اللبناني ولو مجرد محاولة أن تحمي سيادة لبنان وحدوده فتمنع ( ميليشيات ) لبنانية من اقتحام الحدود ، وتهديد الأمن الوطني اللبناني وليس السوري فقط ..

قيادة الجيش اللبناني التي تتنمر أو تستأسد أو تستذئب هذه الأيام على أطفال ونساء المخيمات من السوريين ومن قبل من الفلسطينيين تبسط أجنحتها ( الملائكية ) على كل من يريد أن يقتل أو يقاتل في سوريا أو أن يعتدي على السوريين مواطنين في ديارهم أو لاجئين عند إخوانهم اللبنانيين ..

لم يسجل لقيادة الجيش اللبناني حادثة واحدة تصرفت فيها عبر تاريخها الطويل ضد غير مسلمي لبنان وحين نقول مسلمي لبنان فإنما نقصد مسلمي طرابلس وعرسال وصيدا وبيروت ..

ودائما كان الجيش اللبناني الذي يداهن بمدحه المداهنون حصان طروادة يختبئ في صفوفه المختبئون ، وينفذ تحت لوائه أجنداتهم الطائفيون والحاقدون والمتعصبون ...

إن الكلم المعسول الذي يتفوه به ساسة ( المواويل والشراويل ) لا يمكن أن يغير من الحقيقة شيئا ، ولا ينفع أن نتعامل مع ظاهرة بهذه الخطورة بطريقة بشار الأسد نفسها ( دعوا الحريق يستطير ويستعر ) ...

ونحن السوريين السوريين واللبنانيين اللبنانيين أولى من يخاف على لبنان وجيشه ومؤسساته وتوازنه واستقراره ...

نحن لا نرى في شرر الانشقاقات عن الجيش اللبناني ، مع تفهمنا لأسبابها ودواعيها ، أمرا هينا ، ولا ظاهرة تعالج بالمزيد من اللامبالاة وبالانغماس أكثر في سياسة الادهان والكذب والنفاق .

( لذي الحلم منذ اليوم تقرع العصا ) كما قالت العرب. وهذه الانشقاقات المنذرة الخطيرة في تداعياتها تقرع العصا بقوة فوق رؤوس السادرين والمسترسلين ...

أنقذوا لبنان ...

بل أنقذوا ما تركت لكم إيران وحسن نصر الله وقيادة الجيش من لبنان حتى لا تضيع البقية وأنتم تضحكون ...

13 / 10 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقلنة السياسة الأمريكية تجاه الحملة على داعش .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 12-10-2014

عقلنة السياسة الأمريكية تجاه الحملة على داعش "من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، ولكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهًا كبيرًا بينها وبين أقدم مهنة".. لا يمكن إلا أن تتذكر هذه المقولة للرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان حين تستعرض تطورات أحداث الأسبوع الماضي، وخاصة فيما يتعلق بأهداف الإدارة الأمريكية من الحملة الدولية على (داعش).

فقد بات العالم يعرف تمامًا أن هذه الحملة الجوية المرتبكة لن تؤدي إلى نتيجة ما لم تحصل في إطار إستراتيجيةٍ أكثر شمولًا تتضمن تدخلًا بريًا محميًا بغطاءٍ جوي، بل وإزاحة بشار الأسد وعصابته من الحكم في سوريا، هذا ما تصر عليه تركيا، وتؤكد عليه قطر والسعودية، وهي البلدان الأكثر معرفةً بملابسات وشروط أي حربٍ حقيقية ممكنة على الإرهاب.

لكن من يسمع التصريحات المتناقضة للمسؤولين الأمريكان فيما يتعلق بهذه الرؤية يحتار بين تفسيرين: فإما أن ثمة فظاظة لاحدود لها في رسم السياسة بشكلٍ يحقق مصلحةً أمريكية حصريةٍ آنيةً قصيرة النظر، وربما تتعلق بحسابات الانتخابات والسياسة الداخلية أكثر من أي شيء آخر، أو أن هناك ارتباكًا كبيرًا وفوضى عارمة في عملية صناعة تلك السياسة.

وفي الحالتين، يبقى مطلوبًا من الدول التي تدرك أبعادَ الأمور الإصرارُ على رؤيتها الشمولية للمشهد، وعلى الاستمرار في محاولة (عقلنة) السياسة الأمريكية من خلال أوراقها الجيوسياسية على أرض الواقع.

خلال الأيام القليلة الماضية قال المتحدث باسم البيت الابيض جوش ارنست للصحافيين: إن إقامة المنطقة العازلة "ليست أمرًا قيد التفكير حاليا"، أما الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) فقد فتح الباب قليلًا حين قال: إن إقامة منطقة حظر طيران "ليست على الطاولة حاليًا، لكنه موضوع قيد نقاش دائم"، ومثله فعل مسؤول في الخارجية الأمريكية صرح لصحيفة (الحياة) اللندنية قائلًا: إن إقامة مناطق عازلة "ليست جزءًا من خطط حملة التحالف الحالية" من دون أن يغلق الباب أمام بحثها في مرحلة لاحقة، مؤكدًا على اتصالات مستمرة مع الجانب التركي، وأكدت مصادر موثوقة للصحيفة أن إستراتيجية واشنطن ترتكز حاليًا على ضربات "لا تستهدف سوى داعش وتنظيم خراسان الإرهابي (وليس جبهة النصرة)"، وأن الإدارة الأمريكية "لا تخطط لضرب قوات النظام، وتأمل بدعم إيران وروسيا لحل سياسي"، وتوقعت المصادر أن يكون هناك "تنسيق أكبر مع الجيش الحر في المدى المنظور"، وبينما كان الأمريكيون يضغطون لدفع تركيا للتدخل بريًا، وحدها، لإنقاذ مدينة عين العرب (كوباني)، خرج وزير الخارجية كيري ليصرح، بكل وضوح إن عدم سقوط المدينة "ليس هدفًا استراتيجيًا"، فرغم فظاعة ما يحدث هناك فإن "الأهداف الحقيقية تركز على مراكز القيادة والبنية التحتية لتنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف إعلاميا بـ"داعش"، حسب الوزير الأمريكي!.. أما قائد الجيش الأمريكي مارتين ديمبسي نفسه فقد صرح لقناة أي. بي. سي الأمريكية: "أخشى أن تسقط مدينة كوباني" رافضًا الحديث عن الطريقة الفعالة للتعامل مع الوضع.

لكن الفظاظة الأمريكية تجلّت بشكلٍ أكبر حين سرّبت الإدارة تصريحات لمسؤول كبير فيها، لم يُكشف عن اسمه، يُعبر فيها عن "قلق متزايد إزاء التلكؤ التركي في التحرك لمنع وقوع مذبحة على مسافة أقل من ميل من حدودها". بل ويزيد على هذا قائلًا: "هذه ليست هي الطريقة التي تتصرف بها دولة في الناتو عندما تكون أبواب الجحيم على مرمى حجر من حدودهم".

بالمقابل، جاءت تصريحات رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو لشبكة (سي. إن. إن) الأمريكية واضحةً، حيث قال: إن العمليات الجوية الأمريكية في سوريا ضرورية، لكنها غير كافية، فهذه الغارات ضرورية من أجل عرقلة تقدم تنظيم داعش، لكننا إذا لم نطور استراتيجية موحدة، فإننا حينما نقضي على ذلك التنظيم من الممكن أن تحل محله تنظيمات أخرى جديدة"، كما ربط أوغلو بروز التنظيم المتشدد وتناميه في المنطقة بعدم إسقاط النظام السوري برئاسة بشار الأسد حيث قال: "حينما استخدمت الأسلحة الكيماوية في سوريا طلبنا من الحلفاء رسميًا اتخاذ مواقف صارمة ضد النظام السوري، وذلك لأن السياسات الطائفية التي انتهجها ذلك النظام تسببت في حدوث فراغ سده تنظيم داعش"، وتابع: "لقد سبق وأن حذرنا الولايات المتحدة وكافة الدول، وشددنا على ضرورة فعل شيء قبل قدوم العاصفة، لكن لم يتخذ أي إجراء".

وكانت السعودية أكدت على لسان أكثر من مسؤول ضرورة رؤية الحرب على تنظيم (داعش) بصورة شاملة من أسبابه إلى طرق التعامل معه، ففي مقالٍ نُشر له في لندن مثلًا، بيَّنَ الأمير محمد بن نواف بن عبدالعزيز، سفير السعودية فيها، أن النظام السوري سمح لعناصر تنظيم (الدولة الإسلامية) بالعمل على الأراضي السورية واستخدمها ضد المعارضة المعتدلة، مؤكدًا أن "القضاء على التنظيم ما هو إلا خطوة في سبيل استقرار المنطقة، وينبغي ألا ننسى الدماء المسفوكة في سوريا".

المفارقة في الموضوع أن الإدارة الأمريكية تتجاهل في هذا الإطار حتى آراء خبرائها العسكريين، انتشر هذا في الأوساط السياسية والإعلامية، وكان من أمثلته تقريرٌ مفصل نشرته مجلة (نيوزويك) الأمريكية منذ أيام بعنوان عريض لا يمكن أن يكون أكثر وضوحًا يقول: "لن تنفع الهجمات الجوية على الإطلاق: مقابلات حصرية لنيوزويك مع قادةٍ على الأرض يبينون فيها كيف تتغلب داعش على هجمات التحالف".

هل يدخل وصف السياسة الأمريكية في إطار التخبط أم الفظاظة أم استغباء الآخرين؟ ربما يكمن التفسير الحقيقي لها في تشبيه ريغان الواردُ أولَ المقال.

وإلى أن يأتي زمانٌ يتغير فيه الحال، لا مانع ونحن نتعامل بواقعية وبرودة قدر الإمكان مع مقتضيات العلاقات الدولية الراهنة أن نشعر بشيء من الحزن الشفاف ونحن نتذكر مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون: "إننا جميعًا مواطنو هذا العالم الكبير، ولكن مأساة هذا العصر تكمن في أننا نبدو وكأننا لا نعرف هذه الحقيقة على الإطلاق".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحصاد التركي من حروب «داعش» .. أكرم البني

الحياة

الاحد 12-10-2014

يجمع المراقبون على أن حكومة أنقرة المستفيد الأكبر من تداعيات حروب «داعش» في المنطقة عموماً وفي المشهد السوري على وجه الخصوص.

أولاً، هناك استدعاء حضور عسكري دولي كانت تركيا من أوائل المطالبين به كي يعينها على مواجهة ضغوط تمارسها عادة الجارتان، إيران وروسيا، لتحجيم دورها المشرقي. فتوفير غطاء سياسي عالمي مثقل بالعصا العسكرية الغربية يحرر قرار أنقرة المتحسب من تعقيدات الصراع في المنطقة واحتمال أن يفضي توغلها في الحالة السورية إلى استفرادها من قبل إيران وحلفائها، وما يستتبع ذلك من تداعيات تضع قطار حزب العدالة والتنمية على سكة لا يريدها، وربما تستنزف قواه وتهدد طموحاته.

ولعل ادراك تركيا حاجة الغرب الماسة لدورها في مناهضة «داعش» وفي معالجة الملف السوري، شجعها على وضع شروط على التحالف الدولي تجنبها الوقوع فريسة تسوياته المحتملة. ومن الشروط مطالبته بتأمين منطقة حظر جوي تردع خصومها عسكرياً، ومنها ربط ما يجري بخطة طريق تفرض تغييراً سياسياً في سورية يزيح السلطة القائمة ويمهد لقيام حكومة بديلة موالية لتركيا.

ثانياً، تركيا صاحبة المصلحة الحقيقية في إجهاض الحضور الكردي المستقل في سورية ومحاصرة تأثيره السلبي على استقرارها وعلى مسار التسوية مع حزب العمال الكردستاني، والقصد أن خطة «داعش» في السيطرة على القرى الكردية الممتدة على طول الشريط الحدودي بين سورية وتركيا، تقدم افضل خدمة لحكومة أنقرة في محاصرة الوجود السياسي والعسكري الكردي وتحجيم اخطاره، وبخاصة قوات pyd التي استثمرت انسحاب الجيش السوري من مناطقها لتعلن الادارة الذاتية وتنظم قواها، عسكرياً واجتماعياً. يزيد الأمر وضوحاً ما يحصل في عين العرب (كوباني) وإحجام تركيا عن مساندة الأكراد المدافعين عن المدينة، ربما لأنها تتطلع لأن يشكل سقوط كوباني درساً بليغاً ومؤلماً للأكراد، وربما كي تعزز ضغوطها على pyd للقبول بشرطها للتعاون ضد «داعش»، وهو فك ارتباطه بسياسات النظام السوري والتعاون مع المعارضة الداعية لإسقاطه. ولكن ربما لم تتحسب سلطة أردوغان من أن يفضي اجتياح كوباني عنفاً وتدميراً إلى شحن العواطف القومية الكردية وإلى اندفاعات شعبية وسياسية وعسكرية ضد مصالحها!

ثالثاً، استثمار الحملة الدولية لدحر «داعش» للتشجيع على إقامة منطقة آمنة في جزء من شمال سورية وشرقها، بما يمكن حكومة أنقرة من نيل حصة مجزية في إعادة إعمار المناطق المدمرة هناك، ومن التحكم بالنفط السوري واستجراره إلى السوق التركية بأسعار مقبولة. وفي هذا السياق يمكن إدراج مشروع قديم، يندر الحديث عنه، يتعلق بمصلحة تركية في الوصاية على ممر عبر الأراضي السورية لنقل الغاز القطري إلى أوروبا وتخفيف ارتهان الأخيرة للغاز الروسي، وفي الطريق تخفيف الأعباء التي تتكبدها تركيا لقاء تزايد أعداد اللاجئين السوريين على أراضيها بتشجيعهم على العودة إلى مدن المنطقة الآمنة وقراها.

رابعاً، مع تنامي وزن «داعش» وعنفه البدائي وتهديداته المستفزة، يسهل على حزب العدالة والتنمية تسويق نموذجه في الحكم، كخيار للإسلام المعتدل، في أوساط الرأي العام العربي والغربي، والترويج لموقع أنقرة الريادي دينياً وادعاء أنها خير من دافع ويدافع عن الاسلام السنّي الذي تنتهك حقوقه في غير مكان، وتالياً استعادة القاعدة الشعبية للحزب التي انحسرت جراء فضائح الفساد، ومحاصرة الاعتراضات على أسلوبه المتدرج في فرض نمط الحياة الاسلامية على المجتمع التركي. ولولا هذه المستجدات، ما كان ليتجرأ أحد المسؤولين الأتراك على المطالبة بتحريم ضحكات النساء في الشارع، أو تمرير قانون يسمح للطالبات في المدارس الابتدائية بارتداء الحجاب!

في ما مضى ومع الظهور الأول لـ «داعش» سارع بعضهم، وكان على حق، إلى تحميل إيران والنظام السوري وحلفائهما مسؤولية نشوء التطرف الاسلاموي ودعمه لإثارة الفوبيا الغربية من الجهادية المتشددة وتشجيع القبول بهم كأهون الشرور. واستند هؤلاء إلى وقائع ميدانية تثبت وجود ما يشبه التواطؤ بين هذه الأطراف لتشويه الثورة السورية وإجهاضها، وصلت إلى حد إطلاق مئات المتشددين الاسلامويين من سجون العراق وسورية وتمكينهم من التغلغل في صفوف الحراك الشعبي ودفعه صوب السلاح ومنطق العنف. واليوم يذهب آخرون، وهم محقون أيضاً، الى تحميل تركيا مسؤولية دعم «داعش» وتمكينه لاستخدامه ورقة في حسابات النفوذ على منطقة المشرق العربي، مستندين أيضاً الى وقائع كثيرة، منها أن تركيا الطرف الوحيد الذي فتح الحدود على مصراعيها لتسرب الآلاف من كوادر التنظيمات الجهادية من الشرق والغرب كي ترفد تنظيم «داعش» وتمده بالخبرات والأموال، ليبدو كذر للرماد في العيون اعلان أنقرة أخيراً منع أكثر من ألف متطوع جهادي من دخول الأراضي السورية وترحيلهم إلى حيث أتوا، ومنها فضيحة التسوية المعلنة والمذلة بين حكومة أنقرة و»داعش»، وفيها تمتنع سلطة أردوغان عن تأييد التحالف الدولي لقاء تحرير أسراها الديبلوماسيين، وتبادر لإطلاق أكثر من مئة مقاتل من أنصار «داعش» من سجونها. فكيف الحال إذا أضفنا ما يثار عن اكتشاف مخازن أسلحة نوعية لـ «داعش» فوق الأراضي التركية. ولا يغير هذه الوقائع بل يؤكدها ضمناً اعتذار واشنطن لحكومة انقرة عن اتهامات طاولتها على لسان غير مسؤول اميركي عن دور كبير لها في مساعدة تنظيم «داعش» وتمكينه.

والحال أن حروب «داعش» مهدت لعودة الدور التركي إلى موقعه المؤثر في صراعات المنطقة بعد انحسار موقت، وأنعشت حنين حزب العدالة والتنمية الى الماضي الإمبراطوري العثماني، وأظهرت تالياً أن سلطة أردوغان لا تزال متحفزة لمد نفوذها شرقاً تحت الراية الاسلامية، وأنها لن تقبل أبداً بخسارة حصتها من المستقبل السوري أو السماح لآخرين بقطف ثمار هي الأولى بها، بخاصة أنها خير من يدرك أن الصراع على دمشق سيكون مفتاح الصعود أو التراجع لدورها الريادي في الجوار العربي والإسلامي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إنها في عين العاصفة الداعشية .. عبد الباسط سيدا

الحياة

الاحد 12-10-2014

تصدّرت مدينة كوباني (عين العرب) الكردية التابعة لمحافظة حلب نشرات وكالات الأنباء، وهي التي لم تكن معروفة لكثيرين، وذلك في مشهد مماثل لما كان عليه الحال بالنسبة الى مدينة شنكال - سنجار في كردستان العراق قبل وقت ليس ببعيد. ومن الحدثين يمكننا أن نستنتج أمرين يلقيان الضوء على مسائل كثيرة.

الأول أن «داعش» يختار الأهداف المضمونة التي تحقق للتنظيم مزيداً من الدعاية بأنه القوة التي لا تقهر. ففي شنكال استغل التنظيم واقع ضعف الدفاعات العسكرية لدى البيشمركه في المنطقة. وحاول في الوقت ذاته أن يغطي حملته الإرهابية بيافطة نشر الإسلام، حتى أن بعضهم خرج على الشاشات ليقول: كل ما نطلبه من الإيزيديين هو أن يدخلوا في الإسلام. وسكت الداعشي عن كل حالات السبي والاغتصاب والذبح والنهب، وهي التي تثير القرف والتقزز لدى المسلمين قبل غيرهم، فما بالك بالإيزيدي الذي يُطالب عنوة بدخول ما يزعمونه اسلاماً، لا يُناسب حتى العصور الحجرية. ومن جانب آخر، من البيّن أن شنكال تحقّق لـ «داعش» تحكّماً أكيداً بالمنطقة الحدودية بين العراق وسورية.

أما بالنسبة إلى كوباني فأصحبت هي الأخرى هدفاً لحملة داعشية شرسة على رغم أن كردها جميعاً، ومن دون أي استثناء، من المسلمين السنّة. ويبدو هذه المرة أن «داعش» استهدف المنطقة بهدف التحكّم بالبوابة الحدودية بين تركيا وسورية وبالتالي تأمين نافذة على العالم الخارجي لعاصمته المنتظرة: الرقة.

وما يستنتج في هذا السياق أن «داعش» كان على علم بحجم القوة العسكرية المتواجدة في المنطقة عموماً، وفي مدينة كوباني على وجه التحديد. وهي قوة تابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي، متواضعة قياساً إلى ما يمتلكه «داعش» من جهة الكم والكيف. فالنظام الذي ترك إدارة المناطق الكردية للحزب المذكور، لم يسمح له بامتلاك السلاح الثقيل النوعي والمتطوّر، وإنما أقرّ له فقط بامتلاك ما يمكّنه من ضبط المناطق المعنية المنزوعة السلاح أصلاً.

أما الأمر الثاني الأساسي الذي لا بد أن نتوقف عنده، فهو هذا التحوّل في الموقف الداعشي من الكرد، واستهدافه لهم، بصرف النظر عن العامل الديني، كما جرى ويجري في منطقة كوباني، المنطقة المسلمة السنية، المعروفة بطابعها المحافظ.

فمن الواضح أن القوى الفاعلة في المشروع الداعشي، والمستفيدة منه، ونعني هنا بصورة أساسية النظام السوري وإيران، وبعض الجهات العراقية، أرادت تفجير النسيج المجتمعي في المنطقة، رغبة منها في المصادرة على احتمال تفاهم واقعي بين المكّونين الكردي والعربي السني، بخاصة في العراق، وهو تفاهم لن يكون على حساب أحد، بل سيساهم في تهدئة الأوضاع واستقرارها لمصلحة الجميع.

فبعد الجهود الحثيثة التي بذلها النظام السوري في سعيه الى شيطنة البديل القادم في حال زواله، انطلق مع حلفائه لزعزعة ركائز الاستقرار في المنطقة التي يعلم جيداً أنه لن يتمكن من حكمها مجدداً. وقد تمكّن بفعل علاقاته مع البعثيين العراقيين القدامى، وتواصله مع بعض العشائر ذات البنية الهشة، من دغدغة المشاعر القوموية التي تفاعلت مع الظاهرة الداعشية المقنّعة. وهذه ظاهرة لها أسبابها الخاصة، منها ما يتصل بالإحباط والشعور بانسداد الآفاق، ومنها ما يتصل بالجهل، وعدم القدرة على تحليل المشهد، والوقوف على طبيعة خلفيته، والعوامل المكوّنة له.

واللافت في الصورة بمجملها، أن الهجمة الداعشية على الكرد جاءت بعد أن طرح الرئيس مسعود بارزاني على برلمان كردستان موضوع ضرورة اجراء استفتاء عام بخصوص تقرير المصير، الأمر الذي كان واضحاً منذ البداية أنه يتعارض مع المشروع الإيراني الرامي إلى السيطرة بصيغ ومستويات متفاوتة على العراق كل العراق، وسورية كل سورية.

ويـــبدو أن النظام السوري كان يراهن على سقـــوط كوبـاني بأيــدي «داعـــش»، وهذا ما يُفسر عدم تدخله لمصلحة حزب الإتحاد الديموقراطي، وقوات الحماية الشعبية التابعة لهذا الحزب الذي يفترض أنه حليفه، بل لم يحرّك ساكناً في مواجهة الهجمة الداعشية التي كان على اطلاع على حجمها ومآربها وانعكاساتها. ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا ان هذا السقوط المرغوب من جانب النظام، هو جزء من جهوده التفجيرية للنسيج المجتمعي السوري، بخاصة على صعيد العلاقة العربية - الكردية.

وما يُستشف من تصرفات النظام غير المتوازنة، أنه لم يكن يتوقع سرعة الضربة الدولية وحجمها، وهي التي شملت، وما زالت مستمرة، مقرات قيادة وقواعد التدريب والمرافق الحيوية التابعة لتنظيم «داعش». وهذا ما يفسر جانباً من حالة التخبط التي اتسمت بها تصريحات مسؤوليه، وتعلّقهم البائس بأية قشة تمكّنهم من اللحاق بالتحالف الدولي، أو على الأقل إيهام النفس، قبل الآخر، بأنهم جزء منه، أملاً بعملية إعادة تأهيل... بخاصة أنهم يعلمون أن الأمور باتت جدية، ولم يعد في وسع الحليف الروسي أن ينقذهم عبر تعطيل مجلس الأمن، أو مدّهم بأسلحة استخدمت على مدى أكثر من ثلاثة أعوام ونصف عام لقتل السوريين، وارتكاب المجازر التي بلغت ذروتها بجرائم الكيماوي.

الحملة الدولية على الإرهاب ما زالت في بدايتها، ويبدو أنها ستستغرق وقتاً لا بأس به. وهي لن تكون ناجحة ما لم تأخذ في حسابها المعالجة السببية من دون العرضية التخديرية. فـ «داعش» وملحقاته، وأشباهه، هم حصيلة لجهود نظام اتخذ من الإرهاب ركيزة أساسية لتثبيت أركان حكمه، وضمان استمراريته. نظام يمارس الإرهاب في الداخل السوري منذ عقود، وقد مارسه في لبنان والعراق، وهو خبير في ميدان التعامل مع المجموعات الإرهابية يستخدمها أدوات تنفيذ حين اللزوم، وأوراقاً تفاوضية حينما تكون هناك فرصة للصفقات.

وأية معالجة حقيقية للموضوع برمته، تستوجب تشخيص أصل الداء، بغية إبطال مفعوله، إن لم نقل استئصاله، والإ ستكون المعالجة وقتية هامشية، تُستخدم فيها المسكنات التي قد تعطي انطباعاً كاذباً بأن الأمور باتت على ما يرام.

أما العلاقة الكردية - العربية، فكانت، وستكون أخوية، أساسها الاحترام والوئام، وخلفيتها حقائق التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصالح المشتركة، على رغم الذين يسبحون ضد التيار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المسألة الكردية تعود للمربَّع الأول .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 12-10-2014

منذ عام 1992 عندما أنشأت الولايات المتحدة منطقة عازلة أو آمنة بشمال العراق، ضمّت المنطقة الكردية، صعدت القضية الكردية عملياً إلى أفق الكيان القومي من جديد. وبالفعل، ومنذ ذلك الحين، سلكت أحزاب المنطقة الكردية مسلك أحزاب الدولة المستقلة. وظهر ذلك في المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة انطلاقاً من المنطقة الكردية عندما أرادت غزو العراق (2002-2003). ومما يقوله بول بريمر الآن في مقابلاته مع فضائية «العربية»؛ أنه عندما كان الأميركيون يتفاوضون مع المعارضة العراقية في إيران، ومع الأكراد؛ أصر الطرفان على حلّ الجيش العراقي حتى لا يبقى جيش صدام بعده. وبعد عام 2003، وفي المفاوضات المعقدة على نظام الحكم والدستور؛ فإنّ الأكراد استقلوا بإقليمهم دستورياً، وصاروا كل السلطة في الإقليم، وثلث السلطة في بغداد (رئيس الجمهورية ووزير الخارجية). وبقيت البشمركة (200 ألف مقاتل) مستقلّة. وأخذوا 17٪ من ميزانية الدولة العراقية، وتأجلت مسألة كركوك التي استمر النزاع عليها. وهكذا عملياً قامت الشراكة الرئيسية بينهم وبين الشيعة، كما تمتعوا بمركز الحليف الخاص للولايات المتحدة، والوسيط «النزيه» بين الشيعة والسنة. وكل ذلك لقبولهم البقاء ضمن العراق. وفي النزاعات الإدارية ذات الخلفية السياسية، كان الأكراد (فيما عدا مسألة كركوك) ينالون ما يريدون. وكانت الاجتماعات الحاسمة من أجل التوافُق على الحكومات تجري في مقر الرئيس طالباني بالشمال. وبعد مرضه أصبحت تجري بمقر البرزاني رئيس إقليم كردستان.

وبعد عام 2010 عقب توقيع الاتفاق بين حكومة المالكي والولايات المتحدة، وبدء انسحاب الجيش الأميركي، بدأ التوتر مع حكومة المركز. ولأن الطالباني كان وثيق الصلة بإيران؛ فقد كان يتوسط لتهدئة طموحات المالكي، بشأن الميزانية، وبشأن وجود الجيش العراقي على حدود الإقليم، وبشأن بيع النفط وتجارته. وظل الأكراد مصرّين على الميزات، وعلى أخذ كركوك أو إجراء استفتاء فيها. ثم مرض طالباني وصار البرزاني هو الطرف الوحيد المفاوض مع حكومة بغداد، واعتمد في تجاذُباته معها على علاقات وثيقة أقامها مع تركيا. وفي عام 2012 حدثت ثلاثة أمور: أوقف المالكي إنفاذ وثيقة «التوافُق» على تشكيل الحكومة والتي جرت عند البرزاني، وتولى بنتيجة ذلك معظم الوزارات بنفسه. الأمر الثاني إيقافه صرف نسبة الـ17% لحكومة إقليم كردستان. والثالث قطع العلاقات مع تركيا لأن الأكراد صاروا يُصدِّرون النفط عبر موانئها ودون العودة لحكومة بغداد.

ما انتبه البرزاني إلى تغير السياسات الإيرانية بعد قيام الثورة السورية. فالإيرانيون الذين تسلموا من الأميركيين إدارة العراق، ارتعبوا للحركة الجديدة في سوريا، والتي هددت بتقطيع أجزاء «الهلال الشيعي». لذلك ارتأوا هم والمالكي العودة إلى إدارة العراق مركزياً بشكل كامل. وهي إدارة ما كان فيها بالطبع مكان للسنة، ولا مشاركة أساسية للأكراد. وعمد المالكي إلى الإنفاق على تدخل الميلشيات العراقية واللبنانية في سوريا، وطلب من البرزاني فكّ علاقاته بتركيا شرطاً لإعادة الميزانية الاتحادية إلى الإقليم. وقد أحرج البرزاني ليس من الضيق المادي الذي أحسّ به وحسْب؛ بل ولأن قيادات الأكراد في سوريا مالت إلى بشار الأسد، واستعانت للسيطرة على المحافظات الكردية بمقاتلي حزب العمال الكردستاني، عدوّ أردوغان، والذي تردد في استمرار تنفيذ اتفاقية السلام مع الحكومة التركية بتحريض من إيران.

وما كانت علاقات البرزاني بحزب العمال الكردستاني جيدةً، ليس بسبب علاقاته التجارية والسياسية بتركيا فقط؛ بل ولأن الحزب كان يستخدم مناطق نفوذ البرزاني بالعراق قاعدةً لمقاتليه. وما كان يعود في ذلك إلى البرزاني بل إلى طالباني والأسد، وأحياناً إلى إيران. وقد ألجأ البرزاني زُهاء المائة ألف كردي سوري وطلب مساعدات دولية، وحاول النأي بنفسه عن النزاع السوري، لأن الأكراد السوريين بدأوا يطالبون بالاستقلال أو الانضمام إلى إقليم كردستان العراق.

فَضّ المالكي تظاهُرات السنة بالمحافظات الست بالقوة، وما لبى أياً من مطالبهم. ثم أجرى الانتخابات التي أخذ فيها نصيباً كبيراً على حساب القوى الشيعية الأخرى. وأعلن في ربيع 2014 عن حملة عسكرية للقضاء على الإرهاب في المحافظات السنية. وخلال ذلك، وبعد الانتخابات، وفي الصراع على رئاسة المالكي لحكومة ثالثة، بدأ البرزاني ينتقد المالكي علناً ويُهدّد بالانفصال إن جرى اختيار المالكي من جانب التحالُف الشيعي. ومع أن السنة المعارضين للمالكي بدأوا يتجمعون عند البرازني، ويذهبون من هناك إلى الأردن وتركيا؛ فإن الجنرال سليماني والإيرانيين راهنوا على إرغام قوى التحالف الشيعي لكي يُجمعوا على المالكي، وكسبوا بعض السنة عبر أُعطيات سياسية ومالية. وأظهر البرزاني صموداً نسبياً، لكنه كان يعلم أنّ الطالباني، قرينه في حكومة الإقليم، مع المالكي بتأثير من إيران.

وعندما كان التجاذُب على الحكومة ناشباً على أشدّه، وقد برزت معارضة السيستاني للمالكي؛ حدث هجوم «داعش» (9-10 يونيو 2014) والذي فاجأ الجميع بالاستيلاء على الموصل؛ وهذا يعني أنه استقرّ بأربع محافظات سنية، وصار على مشارف بغداد، ومشارف أربيل. وارتعب الشيعة العراقيون لانهيار الجيش العراقي، وهو في معظمه منهم، ودعا السيستاني الميلشيات الشيعية للهبوب دفاعاً عن المزارات المقدسة، وقال روحاني إن الأمة الإيرانية كلها مستعدة للدفاع عن المزارات والمراقد. وارتاح السنة والأكراد والأتراك في الأيام الأولى لهجمة «داعش». فقد عنى ذلك انهياراً لعهد المالكي، وإضعافاً للنفوذ الإيراني. واستمات الجنرال سليماني لاستعادة تكريت على الأقل إنقاذاً لنفسه وللمالكي، لكنه فشل، فاستغاث المالكي بالأميركيين الذين لم يُظهروا حماساً كبيراً للتدخل في البداية.

ثم حدثت المفاجأة الصاعقة الثانية عندما اتجهت «داعش» إلى المنطقة الكردية بدلا من بغداد، جارفة في طريقها المسيحيين والإيزيديين. فاستغاث البرزاني أيضاً بالأميركيين، فسارعوا لإغاثة كردستان، وأظهروا استعداداً لحماية بغداد، بشرط إقامة حكومة متوازنة في البلاد. أما الفجيعة والفضحية فكانت أن البيشمركة انهارت هي الأخرى أمام «داعش»، رغم أن عديدها مائتا ألف، والداعشيون هاجموا بخمسة آلاف. واعتذر القادة بقلة السلاح!

عادت المنطقة الكردية إذن إلى الحماية الأميركية، كما كانت منذ عام 1992. وظهر أنه لا أحد في المنطقة يريد استقلالا لكردستان العراق حتى لا تصبح نموذجاً للأكراد في تركيا وإيران وسوريا. أما الأكراد السوريون فتهجَّروا بثلاثة اتجاهات: ثلث توجه لكردستان العراق، وثلث توجه لمناطق نفوذ النظام السوري، وثلث إلى تركيا في الأسبوعين الأخيرين!

وما يزال أردوغان يشاور نفسه هل يتدخل لإنقاذ مدينة كوباني على حدوده مع سوريا، وما عاد أحدٌ يتحدث عن فرادة التجربة الكردية، وما بقي عند الأكراد قوات مسلحة مقاتلة ومعتبرة غير حزب العمال الكردستاني. ووحدها إسرائيل تريد الآن للأكراد الاستقلال. وهكذا عادت المسألة الكردية إلى المربع الأول. عادت جزءاً من مسائل الأقليات الإثنية والدينية بالمنطقة. وقد أنشأ الدوليون منذ الحرب الأولى دولاً للأقليات: المسيحيين (بلبنان)، والأرمن (بأرمينيا)، أما القومية الكردية فإن حلمها بالاستقلال عاد ليتحول كابوساً. وعزاؤهم أن الإقليم بفضل الولايات المتحدة سيبقى إقليماً. وما لا يُدرك كله لا يُترك جله. وتلك الأيام نداولها بين الناس.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com