العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19/5/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الغارات الصهيونية على الثورة السورية

د. عوض السليمان

القدس العربي

الخميس 9/5/2013

أول ما يتبادر إلى الذهن، عند التفكير بالغارات الصهيونية على دمشق، هو أن الصواريخ التي دمرتها تلك الغارات موجودة في أماكنها هذه منذ سنوات طويلة. لكن قوات العدو لم تحاول ضربها ولا مرة واحدة. صحيح أن طائرات العدو حلقت فوق قصر بشار الأسد وعربدت فوق عين الصاحب، لكنها لم تقصف مستودعات الأسلحة الاستراتيجية التي يملكها نظام دمشق. وبعد أربعين عاماً من الصمت على تلك الأسلحة يقوم العدو اليوم بشن غارات على مخازنها فيحطمها بشكل كامل تقريباً.

لا أعتقد أن المسألة تحتاج إلى كثير من تفكير وجدل، حتى ندرك أن العدو الصهيوني بدأ يخاف اليوم من وصول تلك الأسلحة إلى أيدي الثوار، وهو لم يقصفها على مدار العقود الماضية لأنه كان مطمئناً تماماً الى أنها ‘بأيد أمينة’ ولا خطر منها على كيانه الغاشم. وهذا مما لا يختلف عليه اثنان، فقد حافظ الأسد الأب وابنه من بعده على أمن الصهاينة، بل وحاولا القضاء على أي محاولة فلسطينية جهادية ضد العدو الصهيوني، وسكتا عن احتلال الجولان لسنوات طويلة. وبالتالي فمن المفهوم ألا تقوم قوات العدو بضرب حليفها بدمشق إلا عندما يغلب الظن على قادتها العسكريين بأن الأسد إلى زوال وأنه في اللحظات الأخيرة من عمره، وأن تلك الأسلحة ستقع بأيدي أبطال الجيش الحر، مما يشكل أكبر الخطر على الكيان البغيض.

في الوقت الذي كنا نتألم فيه أشد الألم لاستباحة العدو عاصمة الأمويين دمشق بصواريخه وطائراته، كنا نحتقن غضباً على الأسد الأب والابن اللذين أضعفا الجيش السوري وهزماه من دون هزيمة، لدرجة أنه أصبح عاجزاً عن اعتراض طائرة أو صاروخ صهيوني.

الإعلام السوري انتظر عدة ساعات وهو يحضر المشاهدين والعالم لبيان مزلزل من الحكومة السورية على الاعتداء، ثم يفاجئنا عمران الزعبي، ببيان طريف من عدة كلمات يربط فيه بين الجيش الحر والصهاينة. هكذا هم المسؤولون السوريون لا ينسون أن يجعلوك مبتسماً بعد كل تصريح أو خطاب أو مقابلة. فقد ربط وزير الأسد بين جبهة النصرة والعدو الصهيوني والجيش الحر ‘ودول الذل العربي’ وأمريكا والغرب في وقت واحد، ولم ينس المؤامرة الكونية، ولا خيار المقاومة الذي اختاره الأسد. وقد ذكر الزعبي أن الصهاينة يستخدمون عملاءهم داخل سورية لضرب استقرار هذا البلد والقضاء على مقاومته، وما فعل الرجل بهذا إلا أن ذكرنا بقول العرب: رمتني بدائها وانسلت، فليس الجيش الحر من حرق تل الزعتر بمن فيه، وليس الجيش الحر من أباد مخيم الرمل في اللاذقية، وليست طائرات الجيش الحر من قصفت مخيم اليرموك، وليس الجيش الحر من سلم الجولان للعدو، وليس الجيش الحر بالطبع من صرح بأنه يعترف بإسرائيل ضمن حدود سبعة وستين.

لم يصرح أي جندي في الجيش الحر، بأن أمن ‘إسرائيل’ مرتبط بأمن سورية وباستقرارها كما فعل الأسد وأبناء عائلته.

بعد الغارة الصهيونية على دمشق قام الجيش الأسدي ‘ المغوار’ أو ‘الباسل’، بالرد الفوري على العدوان، فقامت الطائرات الأسدية بقصف القصير وأطراف دمشق وريفها، وقصف بعض قرى درعا، وقصف إعزاز في حلب فقتلت ثمانية وأربعين مدنياً، لكنها لم توجه طلقة لحليفها الإستراتيجي الصهيوني، واحتفظ الأسد بحق الرد إلى يوم القيامة كما عهدناه.

إن ملة الكفر واحدة، وإن العدو واحد حتى وإن كان اسمه باراك أو بيغن أو شارون أو الأسد، ولو نما لعلم الصهاينة أن هناك أملاً في بقاء حليفها الأسد لما قامت صواريخه بالاعتداء على دمشق، وإن الشعب السوري ليتبرأ من الصهاينة كما تبرأ من الأسد، فكلاهما يريد الفناء لهذا الشعب ولهذه الأمة. إن اعتداء اليوم يدل بشكل قاطع على أن الأسد يلفظ أنفاسه الأخيرة ولم يعد يسيطر لا على دمشق ولا على أسلحته فيها، فهنيئاً لشعبنا اقتراب النصر والحرية.

كاتب سوري يقيم في فرنسا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أفلام الرعب بين الحقيقة والخيال

محمد فاروق الإمام

كنت أعتقد وحتى لسنوات طويلة أن ما تعرضه الشاشات الفضائية من أفلام الرعب (فرنكشتاين ودراكولا وآكلي لحوم البشر ومصاصي الدماء.. وغيرها) والتنافس المحموم بين بعض هذه الفضائيات على عرضها بأساليب دعائية جاذبة رخيصة، ما هي إلا نوع من الأساطير والقصص الخيالية، الهدف منها ربحي فقط واستقطاب المشاهدين، مما يدر على هذه المحطات مئات الملايين من الدولارات لقاء الإعلانات التي تستعرضها في فترات متقاربة خلال عرض هذه الأفلام المرعبة، التي يشاهدها أعداد كبيرة من الناس وخاصة الأطفال والمراهقين وحتى الكبار والعاطلين عن العمل لملئ ساعات الفراغ لديهم.

وتغير اعتقادي هذا بعد تفجر الثورة السورية حيث تأكد لي بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك بين بني البشر من هم أطول باعاً في الجريمة وسفك الدماء من أولئك الذين تستعرض الشاشات الفضائية حكاياتهم وقصصهم التي لا تمثل إلا الحد الأدنى مما يتمتع به هؤلاء المجرمون الحقيقيون، فالعالم اليوم بكل أعراقه وأديانه وطبقاته وتنوعه ومعتقداته وإيديوليجياته يشاهد بالمجان أفلام ومسلسلات الرعب الحقيقية التي تفوقت على تلك الأفلام الأسطورية والخيالية على الشاشات الفضائية على مدار الساعة منذ أكثر من سنتين، حتى تبلد الاحساس البشري والشعور الإنساني لدى الغالبية من المشاهدين لكثرة مشاهدتها، مما جعل البعض على قناعة أن هذه المشاهد هي فبركات احترافية عالية الجودة.

فكل أفلام الرعب التي بثتها القنوات الفضائية منذ نشأتها، لو اعتقدنا أنها حقيقية، فإنها لا تلامس أطراف حقيقة ما يجري اليوم في سورية، ففي كل أفلام الرعب هذه لم نشاهد إنساناً حقيقياً يقطع أطراف إنسان آخر أو يبقر بطنه أو يجز رأسه أو يسحق جمجمته أو يقتلع عينيه أو يجدع أنفه أو يقطع أذنيه أو يمثل بجثته بعد موته ثم يحرقها، بغض النظر إن كان طفلاً أو شيخاً أو امرأة، وهو يرقص بهستيريا جنونية وكأنه حاز الدنيا وما فيها، فما يفعله هو أقصى ما يحلم به باعتقاده.. وهذا هو ما يحدث في سورية على يد مصاصي الدماء وآكلي لحوم البشر من شبيحة الأسد وحلفائه في دول محور الشر (طهران والضاحية الجنوبية والمنطقة الخضراء)!!

العالم الذي يدعي التحضر والرقي والمدنية (ولا يستثنى من ذلك لا عرب ولا عجم) ثبت أنه شريك لهؤلاء القتلة ومصاصي الدماء لتجاهله لكل ما يجري في سورية، وعجزه، عن قصد أو غير قصد، في إيجاد حل لوقف هذه الشلالات من الدماء التي ما شهد هذا العالم مثيلاً لها عبر تاريخ حقبه السوداء الغابرة مجتمعة، وأزعم بأني قارئ جيد للتاريخ قديمه وحديثه.

حتى الساعة هناك في سورية، بحسب الأرقام الرسمية والموثقة، أكثر من مئة ألف قتيل ثلثهم من الأطفال والنساء، معظمهم قتلوا ذبحاً بالسكاكين أو نحراً بالخناجر أو سحقاً بالحجارة أو قنصاً بالرصاص أو طمروا تحت أنقاض البيوت المدمرة على رؤوس ساكنيها بفعل القصف الجوي والصاروخي والمدفعي بقنابل عنقودية وفراغية وفسفورية وكيميائية وغازية وكلها محرمة دولياً بحسب المواثيق والمعاهدات التي أعلنها هذا المجتمع الدولي المنافق ووقع عليها معظم قادته بما فيهم النظام السوري الذي يرتكب كل هذه الجرائم بنفس اليد التي وقع فيها على هذه المعاهدات والمواثيق.

وهناك أكثر من مئة ألف مفقود لا يعرف مصيرهم، ويعتقد بأنهم قتلوا ودفنوا في مقابر جماعية أو ألقوا في آبار مهجورة، وهناك أكثر من مليون ونصف سجين ومعتقل في سجون ومعتقلات السلطة الأسدية الباغية يتعرضون فيها لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل قضى المئات منهم تحت وطأتها ووحشيتها، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. وهناك أكثر من مليوني مهجر خارج الحدود يقيمون في مخيمات يفتقد معظمها إلى الحد الأدنى من مراعاة حقوق البشر ومعيشة الإنسان. وهناك أكثر من ستة ملايين (ربع سكان سورية) نازحون داخل الوطن يهيمون على وجوههم طلباً للنجاة بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم، وغربان الموت الأسدية تلاحقهم أينما حلوا وأينما ارتحلوا.

وهناك أكثر من ثلاثة ملايين بناء دمر بفعل القصف الجوي والمدفعي والصاروخي في معظم المدن السورية بما فيها العاصمة دمشق والعاصمة التجارية حلب ومدينة ابن الوليد ودير الزور ودرعا وريف العاصمة وأرياف كل هذه المدن التي أتينا على ذكرها حيث النظر إلى شوارعها يدمي القلب وقد أصبحت أثراً بعد عين.

سيعقد مؤتمر جنيف2 الذي دعت إليه كل من موسكو وواشنطن بصفتهما عاصمتي الدولتين الأعظم في العالم بهدف إيجاد حل سلمي للقضية السورية وسارعت السلطة الباغية في دمشق إلى الترحيب بانعقاده، كما جرت العادة في ترحيبها بكل مبادرة سلمية تطلق، بدءاً بالمبادرات العربية ومروراً بمبادرة كوفي عنان وانتهاء بمبادرة الأخضر الإبراهيمي، وتبين للعالم بما لا يدع مجالاً للشك أن ترحيب السلطة الباغية في دمشق بكل مبادرة تطلق الهدف منها هو كسب الوقت علّها، كما تتوهم، تستطيع إجهاض الثورة، فتقوم بحملة بربرية عاتية بكل ما لديها من قوة مدمرة وما يشحنه لها حلفاؤها، عبر الجسور البرية والجوية والبحرية التي لا تنقطع على مدار الساعة في معسكر الشر، ضد المدن والبلدات والقرى وتحيلها إلى أثر بعد عين بهدف إخافة الثوار والجيش الحر ليتخلوا عن مواقعهم وبالتالي عن سلاحهم ويستسلموا لهذه العصابة الباغية، ويرضخ العالم لهذا الواقع ويقبل بالحلول التي يريدها هذا الباغي مكرهاً بهدف حقن الدماء والتوقف عن التدمير الممنهج لكل البنى التحتية والفوقية للمدن والبلدات والقرى السورية.

وإذا ما حصل ما أتوقع من أن هذا المؤتمر لن يكون بأفضل حال من سابقه وأنه سيعطي العصابة الحاكمة في دمشق المزيد من الوقت للتغول في دماء السوريين، حيث بدأت موسكو تضع العصي في العجلة عندما تشكك في الشخوص والوفود التي ستمثل المعارضة في هذا المؤتمر، وتعلن صراحة أن هذا المؤتمر يصعب انعقاده في هذه الظروف العصيبة في نهاية هذا الشهر دون توحد المعارضة المشتتة وغير المتفقة، وهم يقصدون هيئة التنسيق الموالية لموسكو التي أعلن الشعب السوري في كل مظاهراته رفضها وعدم تمثيلها لهم، ضاربة عرض الحائط برغبات الشعب السوري والثوار الذين أعلنوا في مناسبات عدة عبر مظاهراتهم ومؤتمراتهم وهم يرفعون لافتات كبيرة تؤكد على القول أن (الإتلاف الوطني يمثلنا).

واشنطن من جهتها لم يكن حالها بأحسن من حال موسكو في التردد وإيجاد الأعذار للتسويف حول انعقاد مؤتمر جنيف وقد حملت آخر الأخبار أن واشنطن قررت تأجيل انعقاد المؤتمر إلى أول الشهر القادم انسجاماً مع نوايا موسكو حول المؤتمر، ولا يزال هناك خلاف بين موسكو وواشنطن فيمن سيمثل النظام السوري في هذا المؤتمر وهل سيعقد قبل رحيل الأسد أو بعد رحيله وهل ستضم الحكومة المقترحة عناصر من النظام أو استبعاد كل أركان النظام من هذه الحكومة.

المعارضة السورية المعترف بها عربياً ودولياً حسمت أمرها في هذا الأمر حيث أعلن رئيس الائتلاف بالوكالة السيد جورج صبرة أنه لا حوار مع بشار وكل أركان حكمه وكل من تلوثت أياديه بدماء السوريين، وبذلك تكون المعارضة قد وضعت الكرة في ملعب موسكو وواشنطن للاتفاق حول هذا الموضوع بما ينسجم وطموحات الشعب السوري الذي هو صاحب الكلمة الفصل وقد اتخذها صراحة وبكل وضوح، وقد أعلنت موسكو في مناسبات عدة أنها ليست مهتمة بالتمسك ببشار بل هي مع قرار الشعب السوري ورغبته دون فرض شروط من الخارج أو ممارسة أي ضغوط عليه، فهل ستلتزم موسكو بما تقوله؟.. أنا من جهتي أشك في ذلك، بل أؤكد على أنها سترفض ولا شك استبعاد الأسد من أي مفاوضات حول مستقبل سورية متسلحة بالفيتو الذي سبق واستعملته ثلاث مرات لصالح النظام لمعرفتها السابقة بهشاشة موقف واشنطن وحلفائها في الحلف الأطلسي، وضعف وهوان العواصم العربية التي لا تستطيع الخروج على ما تريده واشنطن، وبالتالي العودة إلى المربع الأول واستمرار السكين الأسدية في ذبح السوريين، وإطلاق يدها الطويلة في مفاصل دول الجوار وتعكير الأمن فيها كما حدث في باب الهوى والريحانية، ولن تتوقف هذه اليد الخبيثة على ما تفعله داخل الأراضي التركية بل ستطال كل دول الجوار كلما شعرت بأن الخناق قد ضاق عليها واقتربت ساعة الحسم من نهايتها، ولا أعتقد أننا سنستمع إلى قرار حاسم من المجتمع الدولي يفرض فيه على الأسد الرحيل أو دعم المعارضة لمساعدتها في حسم هذا الأمر معه، وبالتالي فليس لنا إلا الله وطاقاتنا الذاتية وإمكانياتنا المتوفرة والمتاحة والصبر والمجالدة والدفع والمدافعة حتى يحكم الله بيننا وبين جلادنا ونرجو أن يكون ذلك اليوم قريب!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل نستأصل بقايا الأنظمة الساقطة أم نستوعبها؟

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 12/5/2013

تواجه دول الربيع العربي مشكلة عويصة للغاية تتمثل في تحديد الطريقة التي يجب التعامل بها مع بقايا وفلول الأنظمة الساقطة والمتساقطة في كل من ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا. هل يتم استيعاب الأنظمة السابقة في الأنظمة الجديدة والاستفادة منها ودمجها حفاظاً على الاستقرار والوحدة الوطنية، أم يتم عزلها وإقصاؤها واجتثاثها كما فعل العراق من قبل وتخطط ليبيا لفعله الآن؟ لا شك أنها قضية شائكة للغاية نظراً لحدة الصراع الحاصل بين من يريد أن يجتث بقايا الأنظمة القديمة وتطهير البلاد من رجسها عقاباً لها على ما ألحقته بالبلاد من مصائب وخراب واضطهاد، وبين من يريد الاستفادة من خبراتها في تسيير العهود الجديدة وتجنيب الدول أحقاداً وصراعات جديدة.

الزعيم السوفيتي الشهير فلاديمير لينين قائد الثورة البلشفية على القياصرة عام 1917 له مقولة مأثورة حول طريقة التعامل مع بقايا العهد القديم، يقول لينين: "دعونا نبني النظام الجديد بحجارة النظام القديم"، على اعتبار أن القديم يمتلك خبرات تمكن الاستفادة منها وتوجيهها لصالح النظام الشيوعي، بدل عزلها وإقصائها وخسارة خبراتها، ناهيك عن أنها قد تشكل قنبلة موقوتة للمستقبل، إذ يمكن أن تضع العصي في عجلات النظام الجديد، لا بل يمكن أن تمهد لانقلابات فيما لو لم يتم استيعابها بطريقة مرضية.

لا أدري لماذا يريد البعض في دول الربيع العربي أن يكون أكثر ثورية من لينين. لا نقول هنا: عفا الله عما مضى، وليعد أنصار وأتباع الأنظمة القديمة إلى أعمالهم ومناصبهم، وكأن شيئاً لم يحدث. لا أبداً، فالثورة الفرنسية كانت تقيم المشانق والمحاكمات الميدانية لأتباع النظام الساقط، بحيث تتخلص من خصومها لحظة الانتصار عليهم، بدل سجنهم ومحاكمتهم لاحقاً. وقد حاول الليبيون السير على خطى الثوار الفرنسيين عندما أعدموا القذافي وبعضاً من رجالاته وأبنائه حال القبض عليهم. طبعاً لا أحد يمكن أن يلوم أي شعب ثائر يريد الاقتصاص من جلاديه وطغاته بأشد الوسائل. وهذا من حق الثوار، خاصة في عالم عربي تفنن فيه الطواغيت وأجهزة أمنهم وجيوشهم في اضطهاد الشعوب وسحقها وتعذيبها والدوس على كراماتها لعدة عقود بطريقة ستالينية حقيرة. لكن يجب التدقيق كثيراً في عملية المحاسبة كي لا تأخذ بجريرتها الألوف ممن كانوا محسوبين على الأنظمة السابقة قسراً، خاصة أن مئات الألوف من الناس كانوا ينضمون لهذا الحزب الحاكم أو ذاك، ليس محبة بالحزب وإيماناً بأهدافه، بل للحفاظ على رقابهم ولقمة عيشهم. إن عدد المؤمنين بهذا الحزب العربي أو ذاك قليل جداً. وغالباً ما يكون المؤمنون من عشيرة الأمين العام، أو نظراً لحصولهم على امتيازات يسيل لها لعاب أي شخص، فربطوا بين الحفاظ على امتيازاتهم وبقاء الحزب.

لقد جرب العراق وبناء على نصائح أمريكية بائسة اجتثاث حزب البعث، فكانت النتيجة وبالاً على البلاد، فبعد عشرة أعوام من التحرير المزعوم، ما زال العراق يعيش على صفيح ساخن بسبب الشرخ الحاصل، نظراً لعمليات التهميش والإقصاء الانتقامية التي اتبعها النظام الجديد بوسائل فاشية. فمثلاً اعتبر حكام العراق الجدد طائفة بأكملها وهي الطائفة السنية التي تشكل نصف سكان البلاد أو أكثر، اعتبروها محسوبة على نظام صدام حسين، وراحوا بالتالي يضيقون الخناق عليها في كل جوانب حياتها، ويحرمونها من أبسط حقوقها، بحجة اجتثاث البعث ومحاربة الإرهاب، فكانت النتيجة أن العراق مقبل الآن على ثورة عارمة تقودها تلك الطائفة وقسم كبير من الطائفة الشيعية بعد أن دخلت البلاد في غياهب أزمة لا يعرف أحد كيف ستنتهي.

لا شك أن النظام السابق كان يشمل شخصيات جديرة بأشد أنواع العقاب. وهذا حصل. لكن لا تمكن معاقبة طوائف وجماعات وقبائل وعشائر بأكملها بسبب تعاونها مع النظام السابق. فرغم سقوط الحزب الشيوعي في روسيا سقوطاً مريعاً مثلاً، إلا أن النظام الجديد لم يستأصله أو يشن ضده حملة على طريقة اصطياد الساحرات في مسرحية آرثر ميلر "البوتقة"، بل فتح له المجال لدخول العملية السياسية ليمتص خبراته وانفعالاته في إدارة العهد الجديد بدل معاداته ودفعه تحت الأرض للقيام بعمليات إرهابية وانتقامية خطيرة. وقد تبين لاحقاً أن الحزب الشيوعي الروسي لا يحظى بتأييد كبير في الشارع، لا بل أصبح أشبه بحزب الخضر في أمريكا، مجرد زينة ديمقراطية.

لا بد لدول الربيع العربي أن تدرس كل التجارب الأخرى لتحديد الطريقة التي يجب أن تتبعها في التعامل مع بقايا وفلول الأنظمة السابقة، مع العمل بصرامة على منع الأحزاب القديمة من الإضرار بالثورات وإنجازاتها. ولا ضير أن تضربها بيد من حديد فيما لو اشتمت رائحة ثورات مضادة، خاصة أن الفلول في بعض البلدان مازالوا يتغلغلون فيما يسمى بالدولة العميقة، ويسيّرون الكثير من المرافق الحيوية في الجيش والأمن. لا بأس في استيعاب هؤلاء ووضعهم تحت المراقبة الدائمة، وحتى إنزال أشد العقوبات بهم فيما لو حاولوا أن يلعبوا بذيولهم.

لا شك أن فلول النظامين الساقطين في تونس ومصر يحاولون الانقلاب على الثورة كما يبدو من خطابهم الإعلامي والسياسي المقيت. وهذا يتطلب من الأنظمة الجديدة أن تكون حازمة جداً معهم، وأن تعلم أن للديمقراطية أنياباً حادة عندما يتعلق الأمر باستقرار البلاد وأمنها الوطني والحيلولة دون الإساءة إلى إنجازات الثورات، أو عرقلة مسيرتها. لكن الأمر يجب ألا يصل إلى عزلهم سياسياً أو إقصائهم على الطريقة العراقية التي كانت وبالاً على البلاد.

ولا أدري لماذا لا تتعلم الحكومة الليبية من أخطاء نظيرتها العراقية في التعامل مع فلول النظام السابق، خاصة أن التجربة العراقية لم تجلب سوى الخراب والدمار والأحقاد، لا بل مهدت لثورة جديدة. إن الثورة التي تعمل بعقلية انقلابية ليست ثورة، بل انقلاب. لهذا على بلدان الربيع العربي أن تؤسس لعقلية ثورية تستوعب بدل أن تستأصل، ومن يعمل بطريقة انقلابية يجب ألا يتفاجأ يوماً بانقلاب مضاد. وسلامتكم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا - تفجيرات الريحانية : الرسالة وجوابها

13.05.2013

زهير سالم

كانت دامية صاخبة متوحشة التفجيرات التي وقعت في الريحانية بالأمس ، وراح ضحيتها العشرات من الشهداء المدنيين الأبرياء مع أكثر من مائة جريح كثير منهم إصابته خطيرة ..

 يعلم الذين خططوا للتفجيرات والذين نفوذها أن أمرهم سيكون مكشوفا بعد أي تحقيق أولي بسيط . ولكنهم حين أقدموا على تنفيذ الجريمة بوعي وتصميم كانوا لا يبالون أن يكتشف أمرهم ، بل لعل جزء من رسالتهم أنهم كانوا يريدون أن يعرفوا أنهم هم ، وأنهم ما زالوا حاضرين ومازالوا قادرين ؛ وأن على الذين يفكرون بالتصدي لعربدتهم أو غرورهم أو مظالمهم أن يكونوا مستعدين لدفع الثمن ..

كانت ( التفجيرات المتوحشة ) أقرب إلى طريقة انتقام عصابات المافيا ، التي تتصرف على هواها ، دون حساب للعواقب أو تخوف من المسئوليات . إن الإعفاء من المسئولية التي نعمت به هذه المافيا على أكثر من عامين وهي تستبيح القانون الدولي على مرأى ومسمع من العالم ضد شعب وفي دولة مؤسسة للأمم المتحدة لا بد أنه أغرى هذه المافيا أنه لا سقف يمكن أن يحد تجاوزاتها ، ولا خطوط حمرا حقيقية تحول بينها وبين ما تشتهي ..

إن المسئولية الأولى في قراءة الرسالة المافوية تتعلق بتحديد مرسلها الحقيقي . ومرسل الرسالة في حقيقته ليس الذين نفذوا وليس الذين خططوا فقط ، بل هو هذه المجموعة من الدول والعصابات التي استمرأت تحدي القانون الدولي منطلقة في موسكو وطهران والضاحية الجنوبية والعراق كما في دمشق . هذه العصابات الإرهابية حقا التي تقتحم سورية على شعبها وتعمل في أعناق الأطفال ذبحا وفي أجسام الأبرياء تقطيعا .

إن ما يفصل الأرض التركية عن الأرض السورية ليس سوى خط وهمي في أذهان هؤلاء . وتطور الحدث على الأرض السورية يصور اليوم لهم وهم يتابعون أن ( التخوف ) و ( الإحجام ) و( التذرع بالحكمة ) أو الانشغال في ( تدقيق الحسابات ) هي سيدة الموقف الدولي والإقليمي ؛ أن الإغراق في المزيد من سياسات التخويف والانتقام سوف يشكل مخرجا لهم مما هم فيه . ولقد آن – حسب تصورهم - لرسائل التهديد بإحراق المنطقة ، التي دأب على إرسالها الولي الفقيه وطاقمه وحسن نصر الله وبشار الأسد أن تترجم عمليا على الأرض . مع يقيننا أنه لم يكن ما جرى في الريحانية بالأمس هو الترجمة العملية الأولى ، وأنها لن تكون الأخيرة ما لم يكن جواب الرسالة في مثل حجمها من العزم والحزم والتصميم ..

قال رامي مخلوف منذ الأيام الأولى للإسرائيليين ( أمن بأمن ) . ولكن مرسلي الرسالة بالأمس وجدوا الحائط التركي أوطأ وركوبه أسهل . فبدؤوا به ولا أحد يعلم أين سينتهون . ولكنهم بكل تاكيد لن يقتربوا من حائط إسرائيل .

من الريحانية المدينة الطيبة بأهلها الطيبين سوف يمتد مشروع مافيا القتل والتدمير عمقا وشرقا وغربا . وسيتعدى مشروع القسوة والتوحش الأرض ليفتك في بنية المجتمع التركي ولاسيما بعد أن أنجز الشعب التركي حلمه باتفاق وحدته الوليد .

 وعلى محاور أخرى ستتناثر الرسائل الدموية على دول المنطقة والعالم القريب منها والبعيد . وسوف يعجب العالم لتنوع الأدوات ولتعدد الوجوه والرايات . ولكن الذي يجب أن يدركه الجميع أن روح الشر المتأصلة في المافيا التاريخية التي اشتُق الفعل ( ASSASSINER ) من اسمها سوف يعود ليخيم على الإنسان والحضارة والثقافة من جديد .

احتفظ اسم ( التركي ) بمرتسمين في المخيال العالمي فعلى المستوى الثقافي حتى كان يشار به إلى ( المسلم ) شأنه شأن العربي حتى عهد قريب . وأشير بالاسم على المستوى الأنثربولوجي إلى ( المقاتل الشجاع الصلب العنيد ) ، فهل سيحتفظ طيب رجب أردوغان بحق الرد في انتظار الضربة القادمة التي لا يمكن لأحد أن يقدر عدد ضحاياها من الآباء أو الأبناء الآمنين أم سيحافظ على وصف بطولة اكتسبه الأجداد بكثير من الإنجازات والتضحيات ظ!

لقد أمن المجرم العقوبة ، واستخف بالعالم كل العالم الذي تحاماه تواطأ لا خوفا وبقي على المتضررين الحقيقين أن يتحملوا مسئولية الدفع عن أنفسهم وعن أعناق أطفالهم ..

في الريحانية بالأمس استعاد الدم التركي والدم السوري وحدة تاريخية طالما جمعتهما في ميادين الدفاع عن قيم الحق والعدل في هذا العالم . وإذا كان الكثيرون يستخفون اليوم بمقولة الرئيس أوباما ( الكيماوي خط أحمر ) فإنهم أيضا وقد حاولوا أن ينسوا قول طيب رجب أردوغان حماة خط أحمر عادوا يتساءلون : هل ستكون الريحانية وما بعد الريحانية خط عنفوان تركي تعود ألا ينام على ضيم ..؟! هل سيندم الذين ارتكبوا الجريمة على سوء فعلهم ، ويتأكدوا أنهم أساؤوا التقدير ؟!

نترحم على شهداء الريحانية ، وندعو للمصابين من أهلها بالشفاء العاجل ، ونتوجه لأنفسنا ولذوي الضحايا بأحر مشاعر العزاء ..

ونشجب الشجب ونستنكر الاستنكار وندين الإدانة فبعض الفعل لا يدينه إلا فعل يضع حدا لطغيان أصحابه وغرورهم ..

لندن : 2 / رجب / 1434

12 / 5 / 2013م

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما يوحد السوريين اليوم

محمد زهير كردية

الحياة

الاثنين 13/5/2013

انتفضت كل أطياف وإثنيات الشعب السوري متفقةً على شعارات ترفعها مطالبة بإنهاء حكم الاستبداد والتسلط الجائرين، وجعل سورية الديموقراطية والمدنية هدفاً أساسياً وأخيراً لحراكها، وكانت الغالبية تعتقد أن الوقت لن يكون طويلاً لتحقيق المنشود. إلا أن الحقيقة كانت معاكسة تماماً، فقد طالت جداً المعركة مع النظام ودفع الشعب السوري ولا يزال يدفع ثمناً باهظاً جداً من الاضطراب الأهلي وربما الطائفي وسفك الدماء، نتيجة إصرار الأسد وعصابته على التشبث بالسلطة ولو كان الثمن تدمير بلاده.

بعد مرور عامين على الانتفاضة السورية يتكشف حجم الطريق الوعرة والشائكة والمليئة بالأشواك وصعوبتها، والتي يسير عليها الشعب السوري المنتفض، حيث بتنا نشهد كل يوم تفشي نوع جديد من أنواع التطرف الديني الطائفي والإثني والقبلي، والتي تقف عائقاً في وجه تحقيق أهداف هذه الانتفاضة ومحولةً إياها إلى حرب أهلية لا أحد يعلم متى ستنتهي. كل هذا التحول مردوده الحقيقي عنف النظام وتوظيفه، هو وتلك المجموعات المتطرفة، من قبل جهات مريخيّة المنشأ وكونيّة العمل، إلا أنها موجودة فعلاً.

ويتمثل وجه الشبه هذا بين نظام الأسد وتلك المجمـــوعات بالعصبيات السلطوية والدينية التي لا تنتــــج سوى العنف والفوضى، وصولاً إلى سورية حاضـــنةً الإرهاب الأصولي الذي تنبثق منه قوّة تســـعى إلى إبادة كل ما يتعلق بالتطور، بغية إعادة المجــتمع السوري مئات السنين إلى الوراء، حارقةً كل أحلام السوريين الورديّة التي قامت ثورتهم لأجلها.

والغريب في سورية أن الجميع يردد شعار «واحد واحد واحد الشعب السوري واحد»، بينما إذا تمعنّا جيداً نجد أن هذا الشعار مختلف تماماً عن الواقع، فلا شيء مشتركاً بين الأطراف الموجودة على الأرض السورية إلا الموت.

النظام أعطى صلاحياته الكاملة لضباطه وقيادات مجموعاته التشبيحية، وكلٌّ يفعل ما يحلو له من أنواع العنف والسلب والخراب والتشليح والاختطاف، تحت راية مكافحة الإرهاب والمؤامرة، وبترخيصٍ خارجيّ من دول عدة، وداخليّ من مواليه، ومعارضة متشرذمة سياسياً وتزداد تشرذماً، حيث لا يتفق طرفان فيها إلا ما ندر. وبعضٌ منها اختار التطرف الديني

 كجبهة النصرة ومثيلاتها، حيث العمليات الاستشهادية بحجة الجهاد في سبيل الله ورفع راية الإسلام غير آبهين بحجم الأرواح التي تزهق، وبترخيصٍ خارجيّ أيضاً من دول عدة، وداخليّ من المنتفضين الأحرار الذين لم يجدوا من يثقون به سوى رموز المعارضة وكتاب الله.

وقسم ثالث من النسيج السوري مهمش في شكل كامل، منهم من يقتل يومياً ولم يغادر مكانه أبداً، وبعضهم نزح من مدينة مشتعلة إلى أخرى أقل اشتعالاً، والبعض الآخر نزح إلى دول الجوار، يشترك مجموعُ القسم الثالث بحاجتهم الماسة لأماكن السكن، وللمواد الأولية والغذائية والطبية.

هذا هو الواقع السوري، لا بل هو أكثر من ذلك بكثير، والتعقيد والغموض والعنف تزداد يوماً عن يوم، إلى أجل غير مسمى. ولكن على رغم كل تلك الصــــعوبات التي يواجهها الشعب السوري، وعلى رغم كـــل المأساة الإنسانية، إلا أن هذه الانتفاضة تبشر بأمل حقيقي وفعلي للخروج من مرحلة الاستبداد والحكم الجائر منذ عقود، وهذا الأمل قد يكون بداية دخول الجمهورية السورية في عصرٍ نهضويٍّ جديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: من يتفاوض مع من وعلى ماذا؟

د. سمير العيطة

القدس العربي

الثلاثاء 14/5/2013

 الإعلان عن توافق أمريكي- روسي يدعو إلى مؤتمر بين السوريين برعاية دولية على أسس وثيقة جنيف، بعد حادثتين لهما دلالاتهما الكبرى: العدوان الإسرائيلي على قلب الحرس الجمهوري في دمشق، كرسالة من الولايات المتحدة أن التدخل الخارجي سيكون إسرائيلياً قبل كل شيء، والأنباء عن مجازر وتهجير طائفيين قرب بانياس. هاتان الحادثتان تضعان وجود سورية كوطنٍ لجميع أبنائه على المحك، مما يعطي بعض المصداقية في أن هناك جدية في الرغبة في إطلاق مسار سياسي للخروج من الوضع الراهن، قبل أن تنفلت الأمور إقليميا.

لكن شهوراً عشرة مضت على الاجتماع الدولي الذي أنتج هذه الوثيقة، وقد تعقدت الأمور بشكلٍ كبير من حينها، على الصعيد الميداني العسكري والسياسي. فكيف يمكن إطلاق عملية سياسية على أساس هذه الوثيقة لها بعض الحظوظ من النجاح؟ وكيف يُمكن تصور مشهد المؤتمر المزعوم؟

في البدء، لا بد من القول ان أي عملية سياسية ليست حواراً، وإنما هي تفاوض ستجري معظم أموره في الكواليس، قبل وأثناء وبعد المؤتمر المزعوم. وحين يقال، تفاوض فهذا يعني أن جميع الأطراف المعنية ستخرج منه مع شعورٍ بأنها خسرت في مواقفها لأنها انتهت إلى تسويات. فما الذي يُمكن أن تساوم فيه اثورةب مع سلطة واجهت شعبها بالحديد والنار؟ وما الذي يُمكن أن تقبله كي تعض على جراحها وشهدائها ليتوقف القتال والقتل، وكي تنتقل البلاد إلى نظامٍ جديد يبقيها هي وشعبها موحدين؟ وما الذي يُمكن أن تقبله سلطة تدعي أنها الدولة التي تحمي شعبها من اعصابات مسلحةب؟ الإجابات على هذه الأسئلة تعني أن هذه العملية التفاوضية ستخلق تحديات حقيقية على من يمثل كلا الطرفين، وعلى ما الذي يُمكن الاتفاق عليه، خاصة على إمكانية تطبيق ما سيتم التوصل إليه على الأرض.

إلا أن الإيجابية الأساسية في إطلاق عملية تفاوضية كهذه برعاية أمريكية – روسية هي أنها ستعيد الأمور إلى يد السوريين، بعد أن أضحى جزء كبير من النزاع صراعاً بين قوى إقليمية ودولية على أرض سورية وعبر السوريين. مما يعني أن عنصر النجاح الأساسي في التسوية هو توافق الولايات المتحدة وروسيا للضغط بقوة على أطراف النزاع السوريين، بل خاصة على من وراءهم: إيران من ناحية، ومجموعة قطر وتركيا والسعودية وفرنسا وبريطانيا من الناحية الأخرى، للتوصل ثم القبول بهذه التسوية.

فمن سيفاوض من بين السوريين إذاً، وعلى ماذا؟

ستنطرح بدءاً إشكالية تشكيل الوفد المفاوض لكلا الطرفين، السلطة/الدولة (أي ما يدعوه البعض مجازاً ‘النظامب) والمعارضة (مع ما يتضمن ذلك من التباس حول معناه) وشرعية تمثيل هذين الوفدين للطرف المعني. لناحية النظام، لا بد للوفد المشكل أن تكون له سلطة عقد اتفاق باسم الدولة السورية، سواء على الصعيد السياسي- المدني (أي الحكومة ومجلس الشعب الحالي) أو على الصعيد العسكري (أي قيادة الجيش). وهذا نصف الطريق نحو المبدأ الأساسي في توافق جنيف، أن ما سينتج عن العملية هو حكومة اكاملة الصلاحيات’، أي أنها ستنزع صلاحيات جوهرية من سلطة الأسد الحالية على الدولة، بما فيها القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة. وهنا يكمُن الدور المهم الذي يجب أن يبذله الروس (والإيرانيون) في الضغط على الأسد ومجموعة السلطة المحيطة به، إلا إذا تهربوا من هذه المسؤولية.

وستنطرح صعوبات مماثلة لجهة المعارضة، فمن له الحق في تمثيل االثورة’، بل حتى في تمثيل المعارضة نفسها في ظل الانقسام الكبير بين أطيافها؟ وهنا لا يُمكن أن يكون الائتلاف هو الجهة الوحيدة الموجودة، حتى لو تمت توسعته قبل المؤتمر، لأن الولايات المتحدة لم تعترف به بانه ممثل اوحيدب ولن يقبل الروس بذلك. وعلى صعيد هذا الائتلاف، هناك مشكلة في أن رئيس الائتلاف معاذ الخطيب قد استقال، مع أنه يحظى بأكبر شعبية بين أعضائه، وأن الرئيس الحالي مؤقت، بانتظار انتخابٍ سيكون إشكالياً لرئيسٍ جديد له: فهل سيجري هذا الانتخاب قبل التوسعة ومؤتمر جنيف أم بعدها؟ وما علاقة ذلك بالجهود القائمة على تشكيل اقطب ديمقراطيب (أو اتحاد الديمقراطيين السوريين) برئاسة ميشيل كيلو؟ كما أن هناك مشكلة كبيرة أخرى في أن تسمية رئيس الحكومة غسان هيتو قد خلقت انقسامات قوية ضمن الائتلاف، وكذلك ضمن المعارضة، إذ أنها تعني أن هناك حكومتين (وبالتالي سيادتين) على الأرض السورية. فكيف سيتشكل وفد الائتلاف في هذه الظروف؟ كذلك هل يُمكن ألا تتم دعوة أطياف المعارضة الأخرى التي لم تنضم إلى هذا الائتلاف، كي تتمثل جميع وجهات النظر؟ ومن يُدعى من الحركات الشبابية؟ وكذلك من المجتمع المدني؟ بل من سيكون له الدور التوفيقي كي لا تأتي الانقسامات والمشاحنات أثناء المؤتمر بين أطياف المعارضة وتتفاقم؟

سيكون الأمر على الأغلب أصعب وأهم على صعيد المعارضة المسلحة؛ إذ لا معنى أن تكون المعارضة االسياسيةب هي التي تمثلها، فهي التي ستتفق في النهاية مع الجيش النظامي على وقف إطلاق النار، وستعمل على فرض هذا الأمر، وهو العنصر الأساس في أي تفاوض. وهذه المعارضة المسلحة هي أيضاً منقسمة إلى عدة جهات متنافرة، حتى لو أن هناك هيئة أركان مشتركة للجيش الحر. إذاً حول هذه القضايا الشائكة جميعها، يكمُن الدور الرئيس الذي يجب أن تبذله الولايات المتحدة، على الرغم من خلافاتها الداخلية حول القضية السورية، ما يعني انخراطها بشكلٍ كبير ليس فقط على صعيد المعارضة السورية، وإنما أيضاً تجاه الدول التي تقف وراء هذا الطرف أو ذاك من أطياف هذه المعارضة.

ثم كيف ستتم عملية التفاوض وحول ماذا؟ على الأغلب، لن يكون الشرط المسبق لرحيل الأسد، هو النقطة الأولى، إذ أن الأمر ليس أصلاً متضمناً في وثيقة جنيف، وسيغلق التفاوض من نقطته الأولى. وربما الأفضل أن تبدأ المفاوضات حول رؤية مشتركة لسورية المستقبلية، ثم إذا تم التوافق على هذه الرؤية، الشروع في تفاصيل المرحلة الانتقالية. وحتماً يجب أن تستبق عملية التفاوض هذه، أو أن ترافقها، خطوات عملية لبناء الثقة، خاصة في ما يتعلق بإطلاق المعتقلين وبتبادل الأسرى.

وهنا لا بد من التأكيد على أنه كما شكلت وثيقة جنيف أسس التوافق الدولي حول سورية، شكلت نتائج مؤتمر توحيد المعارضة في القاهرة، الذي تبع لقاء جنيف أسس التوافق الوحيدة القائمة بين أطياف المعارضة. ومن بين هذه النتائج هناك وثيقة ‘العهد الوطني لسورية المستقبل’. وهنا يُمكن تصور أن تكون هي أرضية التوافق الأساسية، مع أن أمرين على الأقل سيستحقان نقاشاً مستفيضاً: العلاقة بين الدين والدولة، التي تخلق خلافات حتى بين أطياف المعارضة، وحقوق الأكراد، التي كانت قد أدت إلى إشكال أثناء مؤتمر القاهرة، إلا أن الخروج بوثيقة نهائية معدلة مشتركة سيسهل جميع المراحل اللاحقة إذ سيشكل أرضية يتم إرساء الأمور التنفيذية عليها، بما فيها نهاية مقولة ان سورية هي ‘سورية الأسد’.

كذلك يمكن الانطلاق من وثيقة ارؤية المرحلة الانتقاليةب للمعارضة كأساس للنقاش، خاصة لجهة وثيقة التفاهم التي يجب الخروج بها كأولوية بين الجيش النظامي والجيش الحر والمقاومة المسلحة، لناحية ترسيخ وقف إطــــــلاق النار، وضبط الأمن وحفظ السلم الأهلي والوطني، وتشكيل مجلس للأمن الوطني، وذلك ربما ابرعاية من مجلس الأمن للأمم المتحدة’، لكن النقطة الإشكالية الرئيسة ستكون، كما كان الإشكال أصلاً بين جنيف والقاهرة، حول طبيعة الحكومة التي سيتم الخروج بها، إذ تنص جنيف على حكومة اكاملة الصلاحياتب في حين تنص وثيقة القاهرة على حكومة اتسيير أعمالب بانتظار مؤتمر وطني عام تشارك فيه جميع الأطياف السورية، حتى تلك التي لا تنضوي تحت تسمية االمعارضةب. وفي الحقيقة، ستخرج طبيعة هذه الحكومة من طبيعة التمثيل في المؤتمر المزمع عقده، ومن مدى قبول هذا التمثيل شعبياً من جميع الأطراف. ولكن في النهاية، سيشكل التوافق على رؤية مشتركة لسورية المستقبل أساساً يسهل كثيراً الإشكاليات المطروحة… إلا أن الطريق سيبقى شاقاً وطويلاً حتى لو نجح هذا المؤتمر كي تعود سورية للسوريين وتعود لحمتهم وتنتصر الثورة… كثورة حرية وكرامة ومساواة أصلاً. وعلى الأغلب، ان تصعيداً كبيراً سيبرز على المستوى الخطابي، لجهة النظام ولجهة المعارضة، كما لجهة الدول الإقليمية والدولية، كما على صعيد المعارك العسكرية، كي يحسن كل من الأطراف موقعه في العملية التفاوضية… مع إمكانية انفلات الأمور في أية لحظة من عقالها.

‘ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طرق لابتلاع الثورة السورية

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 14/5/2013

تتعاظم أشكال الهجوم على الثورة السورية وتتسع صيغها واحتمالاتها، كلما أخذت أبعاداً جديدة من التعقيد العسكري. ونلاحظ ذلك في سياق مؤتمرات تعقد داخلاً وخارجاً، إضافة إلى حوارات التي يدعو إليها سوريون وغيرهم حول"الحدث السوري". فهذا الأخير يرى فيه البعض حالة من الدعوة إلى تغيير المجتمع، دونما وضوح حول منظومة الأفكار والمفاهيم، التي يُراد لها أن تكون لصيقة بـ "الثورة". فإذا اعتبرنا هذه الأخيرة صيغة من "التغيير المجتمعي التاريخي"، وجدنا أن ذلك لا يخرج عن كونه ظاهرة تمر بها المجتمعات عموماً، ما يجعلنا نرى فيها أداة للتقدم، وهذا يظهر على صعيد سوريا، التي حيل بينها وبين التغيير الشامل والموضعي على مدى أكثر من أربعين عاماً.

وحين ننظر إلى ذلك في ضوء المصالح التي يمتلكها بشر وفئات وطبقات ومجموعات اجتماعية إلخ، فإننا سنتبين حداً ما من الإجابة على التساؤل التالي: لماذا يظهر حدث أو آخر كالسوري، بمثابته موضع خلاف بل صراع بين أولئك البشر، خصوصاً إذا أبعدنا عن النظر الدلالة المعرفية الخاصة بهذا الحدث، وتوجهنا إليه بصفة كونه بالتحديد، تعبيراً عن مصالح اقتصادية ومادية معيشية؟

على ذلك الطريق، وفي سياق بحث موضوعي وعيني لدور المصالح في حياة البشر، سيتاح لنا تبين ما أطلقه مثلاً وزير الخارجية الروسي من آراء حول الحدث السوري في المؤتمر الصحفي، الذي عقد بين الأخير ونظيره الأميركي في التاسع من مايو 2013. لقد قال: إذا أتيح للمعارضة السورية الآن أن تكسب المعركة مع النظام السوري، فإن ذلك سيؤدي إلى الفوضى وإلى مزيد من الصراعات الطائفية والمذهبية وغيرها. فالوزير الروسي المذكور أراد تذكيرنا بأن ما يحدث الآن في سوريا إنْ هو إلا حالة من الخروج على شرعية تاريخها الذي يمتد أطول من أربعين عاماً. وبهذا، يُقصي الوزير المعني عدة دلالات من الحدث السوري: 1- أول تلك الدلالات أنه بلد يعيش أربعين عاماً دون أن يكتشف قادته الضرورة القصوى لإصلاحه بكيفية فعلية وجادة، بالرغم من تعاظم الفساد والإفساد والاستبداد في قطاعاته المختلفة بشكل مرعب. 2) أما الدلالة الثانية، فتظهر بوضوح في حصر الخطر في جانب المعارضة دون إشارة إلى دور النظام في تكريس ذلك. فتحزب الوزير الروسي يبرز ساذجاً جارحاً متحيزاً حيال المعارضة السورية، مع الصمت على ما أنجزه النظام في تحويل سوريا بهذا الاتجاه التفكيكي. وإذ نرى هذا الرأي، فإننا لا نغفل الأخطاء التي ترتكبها المعارضة أولاً، كما لا ننسى الرسائل المتتالية التي أطلقتها مجموعات وأفراد سوريون باتجاه التنبيه إلى ضرورة الإصلاح الديموقراطي الوطني في سوريا، تلك الرسائل التي لم يقرأها النظام فحسب، بل ترك الباب مفتوحاً أمام حركة الفساد والإفساد والاستبداد تلك، دونما لجوء إلى المسائلة الحازمة والجادة تجاه ما يكرّس تلك الحالة على نحو أودى بالبلد إلى نمط من التصدع الكبير.

إذن، يريد الوزير الروسي أن يضع الثورة السورية في خانة التخريب، وذلك بصيغة الفوضى الهائلة التي ستحدثها في البلد، إذا انتصرت على نظام حول سوريا إلى مرتع للفساد والإفساد والاستبداد، إضافة إلى تخاذله أمام عدو العرب التاريخي على مدى أربع عقود، وعبر نظام أمني تقوده دولة أمنية تسعى إلى تجفيف منابع الرهانات التاريخية التقدمية في الوطن السوري الصغير.

وإذا كان مناصرو النظام السوري جاؤوا من موقع أحوال الفساد والإفساد والاستبداد والوقوف في وجه جموع الشعب السوري العاملة باتجاه فتح التاريخ السوري رغماً عن اللذين حاصروه وأغلقوه، واعتبروه حكراً على دعاة "السلطة الأبدية"، فإن أنصار فئات الشعب من المفقرين والمذلين والمهانين يمتلكون الشرعية التاريخية والأخلاقية والوطنية، رغماً عن فوكوياما ومن يأخذ بآرائه التي أغلقت التاريخ العام، وتركته مفتوحاً أمام التاريخ الأميركي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مجازر يومية متنقلة!

مشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 15 /5/2013

لا ينقطع حبل المجازر التي ترتكب في سوريا. ولا ينقطع شلال الدم الذي يجري من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب: ضحايا الوحشية المنفلتة من عقالها التي تعصف بهم وتودي بحياتهم.

البارحة، قرية البياضة بشهدائها السبعمائة، وقبلها بأيام جديدة الفضل بخمسمائة شهيد، وقبلها بأيام وأسابيع سراقب وداريا والمعضمية والعتيبة وسقبا وحرستا والرقة واليعربية والحولة والتليمسة، وحبل من أسماء القرى والبلدات والمدن والأحياء والبيوت. هل صار الموت حدثا عاديا يحلو لنا التفكه بسيرته، وصرنا عديمي الإحساس والضمير حياله، إلى الحد الذي يجعلنا نفقد إحساسنا بالرهبة حياله، مع أننا كنا إلى الأمس القريب نبكي دما ودموعا عندما يموت لنا قريب أو صديق، وغدونا اليوم متفرجين باردي العواطف والقلوب على مجازر مروعة، يقتل فيها مواطنات ومواطنون قد لا نعرفهم، لكننا نعرف من تعاقب مسلسل القتل أن موتهم هو مقدمة وبداية موتنا، وأنهم هم السابقون ونحن اللاحقون بمعنى الكلمة الحرفي، وأن شارع الموت الذي أخذهم بلا نهاية، وأن من يدخل إليه لا يخرج منه، لمجرد أن دوره في القتل لم يأت بعد.

في النظم الوطنية، لا يتم الإقرار بارتكاب جرائم علنية وجماعية، لأن منطق الشرعية الحكومية يقول: الشعب معنا، فإن ارتكبنا جرائم ضده، كما يحدث في أحيان كثيرة، كان علينا إبقاؤها سرية وإنكار طابعها الجماعي، في حال وصلت أخبارها إلى أسماع الناس. أما في نظام الأسد الذي يعتبر نفسه مساويا للوطنية، فالقتل علني وجماعي، وهو يستخدمه لإثبات شرعيته وحبه لشعبه، لمن يقتلهم، وحجته الدائمة: حمايتهم من مخاطر؛ هي مرة الأصولية، وأخرى إيمانهم الخاطئ بأديانهم، وفي جميع الحالات خروجهم على الوطنية كما تتجسد في السيد الرئيس وتتماهى معه. لم يرتكب النظام جريمة واحدة حرص على إخفائها أو على جعلها لا تبدو كعقاب جماعي. لا يمارس النظام العقوبة بوصفها مسألة شخصية، ولا يستهدف بها أشخاص مرتكبي الجرائم أنفسهم، بل يمارس دوما العقاب الجماعي، في إقرار صريح بأنه لا يطيق وجود شعبه، وأن الموتى هم أحسن المواطنين. إلى هذا، إنه لا يمارس السرية في القتل، لذلك رأى العالم آلاف أفلام الفيديو على الـ«يوتيوب»، التي وزعها القتلة ممن نفذوا عمليات الإبادة، كأنه يتفاخر بما يرتكبون من جرائم تقشعر لهولها الولدان، أو يريد إيهام الشعب أنه نظام قاتل، كي لا يغلط ويفهمه على غير ما هو عليه، ويطالبه بما لا يطيق من رحمة أو إنسانية أو تعامل قانوني وشرعي معه، أو من احترام حقوقه وصيانة حياته ووجوده.

هذه العقيدة المعلنة التي سبق لها أن دمرت دولا أعظم وأكثر أهمية بكثير من «سوريا الأسد»، وجعلت النظام يستعرض عضلاته ضد شعبه ويرسل طائراته لقصفه في اليوم ذاته الذي دمر طيران إسرائيل فيه جبل قاسيون وما يحتويه من صواريخ وذخائر، إبان غارات استمرت أربع ساعات كاملة لم تطلق عليه خلالها طلقة واحدة، أو تصعد طائرة أسدية واحدة إلى السماء لمواجهته أو اعتراضه. ثمة، في العقيدة الأسدية المطبقة اليوم على شعب سوريا، خليط هائل الخطورة، انتحاري وإفنائي، يجمع بين نظرة هتلرية ربطت وجود ألمانيا بوجود الفوهرر وممارسات كمبودية بولبوتية، اعتبرت وجود الشعب متعارضا مع وجود السلطة وحزبها الخلاصي، فتخلصت منه بالجملة والمفرق. في تجربتنا السورية، يقال بصراحة: الأسد أو لا أحد، وهذا ترجمته التي نعيشها منذ نيف وعامين: كي يبقى الأسد، من الضروري القضاء على الشعب السوري. إنها البولبوتية المحلية. أما الهتلرية، فتبدو في قول نائب وزير الخارجية فيصل المقداد: إذا سقط الأسد سقطت سوريا. إنها هتلرية محلية تربط وجود الشعب السوري بوجود شخص هو حاكمه، وليس العكس، فالشعب الذي ليس الأسد حاكمه وضامن وجوده لا يستحق الوجود، أو أنه شعب فيه زوائد ونوافل لا بد من تشذيبها، بإبادته.

في كمبوديا، تم وضع جماجم القتلى على رفوف صفت داخل مخازن. أما في سوريا فالتقنية حاضرة، لذلك يتم نشر صور جثامين القتلى وهي مرصوصة بعضها فوق بعض، أو مكدسة في أماكن ضيقة أو ممددة على الأرض، وقد تحولت إلى جثث لا هوية لها، يجمعها اسم مشترك هو: الإرهابي، أي المواطن الذي ما إن تطلق هذه الصفة عليه حتى يصير جديرا بالقتل ومرشحا له. وبما أنه كثيرا ما يكون خارج متناول اليد، فإن الالتقاء به يجب أن يعني أمرا واحدا: موته وعرض عملية قتله بالصوت والصورة على من بقوا أحياء من مواطنيه، في نوع من علم، وخبر ينبئهم بأن دورهم آت، وأن القاتل سيلتقيهم ذات يوم، سيكون بالتأكيد يوم نهايتهم.

تتصاعد المجازر وتنتشر في أنحاء سوريا، ويعلن عنها كي لا تبقى ذرة شجاعة وكرامة في صدر مواطن سوري. لكن تصاعدها وانتشارها يدلان على فشلها كسياسة رادعة بيد النظام، ولو نجحت لما تصاعدت أو انتشرت، ولما استمرت المقاومة وتصاعدت وانتشرت بدورها. مع ذلك، يتمسك النظام بها، ويمعن في توسيعها، في رهان على كسر إرادة شعب حاول المستحيل خلال عامين ونيف لكسرها، دون جدوى.

لم أجد وصفا أفضل لسلوك النظام السوري من جملة قالها أحد الحكماء: إنه كمن ينتحر خوفا من الموت!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القرار السوري بين التفريط وإعادة البناء

فايز سارة

المستقبل

السبت 11/5/2013

لعل الابرز في محنة السوريين الراهنة، هو الدمار الذي لحق بالقرار الوطني المستقل، ووضع كهذا كان نتيجة حتمية، لما آلت اليه سياسة النظام السوري وممارساته في مواجهة الثورة ومطالبها في الحرية والكرامة، وماكان لذلك ان يستمر ويتصاعد، من دون ان يلجأ النظام الى الاستعانة بحلفائه الاقليميين والدوليين، فيفتح امامهم بوابة تدخلاتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية في الشأن السوري، وهكذا اصبحت روسيا وايران وحزب الله وآخرون اصحاب تأثير في القرارات التي يتخذها النظام في معظم المجالات وفي العديد من المستويات، وقد استقوى النظام بتحالفاته الاقليمية والدولية بمافي ذلك الاستعانة بقدرات واسلحة وخبراء من روسيا وايران وكوريا الشمالية وجنود من حزب الله ومليشيات عراقية.

وترك التطور السابق اثره على قوى المعارضة وسلوكياتها، وقد ذهب قسم منها تحت ضغط العنف الدموي الى طلب المساعدة من المجتمع الدولي بدوله ومؤسساته لوقف القتل والدمار ومواجهة اصرار النظام على العنف والارهاب من جهة، فيما ذهبت قوى اخرى في المعارضة للمطالبة بتدخلات عسكرية وسياسية في اطار معالجة الوضع السوري، وأخذ البلاد الى حل او تسوية سياسية.

واذ ابدت قوى اقليمية ودولية تعاطفاً مع ثورة الشعب السوري في مواجهة سياسات النظام، فان ذلك الى جانب موقف بعض المعارضة، شكلا مدخلاً لتدخلات اقليمية ودولية في الشأن السوري لمساعدة الشعب في محنته، ودعماً للمعارضة في نضالها ضد النظام، فأخذت تظهر تدخلات بعض الدول العربية ومنها تدخلات قطر والمملكة العربية السعودية الى جانب تركيا وبعض الدول الغربية ومنها فرنسا والولايات المتحدة. ومع تطور الصراع المسلح بين قوى النظام وقوى المعارضة المسلحة، صارت التدخلات الاقليمية والدولية في شؤون المعارضة والثورة أكثر حضوراً وتأثيراً، وامتدت الى مختلف الجوانب السياسية والعسكرية.

ورغم اهمية الدور الذي لعبه النظام في تدمير القرار السوري المستقل من خلال فتح ابواب التدخلات الخارجية في الشؤون السورية، وما تركته ظروف وممارسات بعض اطراف في المعارضة السياسية والمسلحة من اثر آخر على القرار السوري في السكوت عن التدخلات الاجنبية في شؤون الثورة والمعارضة وتأييدها، فان حالة الفوضى التي رافقت تطورات الازمة السورية، سمحت بنشوء هامش عملي لتدخلات اجنبية من نوع آخر، تمت بمعزل عن ارادة السلطة والمعارضة كلاهما، واثرت في المحصلة على امكانية وجود قرار سوري مستقل، وهذا مايمكن ملاحظته في الدور الذي يمثله تسلل متطوعين اجانب وعرب الى البلاد، وقيامهم بتشكيل جماعات مسلحة تخصهم، او لجهة قيامهم بالسيطرة على جماعات مسلحة محلية، وجعلها تسير تحت امرتهم على نحو ما هو عليه حال بعض تنظيمات جبهة النصرة لبلاد الشام وشقيقاتها.

وفي مواجهة التدمير الذي اصاب القرار الوطني، فان اعادة بناء القرار الوطني المستقل وتأهيله، أصبح من اهم الضرورات الوطنية، وهذا يتطلب اجراءات علاجية وضرورية، والخطوة الاولى في هذا السياق، هي السعي العملي لوقف التدخلات الخارجية في الشؤون السورية اياً يكن مصدرها ومهما كان مستواها واياً كانت نوعيتها، عبر سحب الشرعية من تلك التدخلات بغض النظر عن خلفياتها، واعادة تأكيد، ان القرار السوري المستقل هو ضرورة وبخاصة في المرحلة الراهنة، وانه ينبغي اعادة بناء القرار الوطني المستقل على قواعد جديدة وثابته، تأخذ بعين الاعتبار ما صار اليه الوضع السوري في الواقع الحالي.

ولايحتاج الى تأكيد في هذا المجال، ان النظام بسبب من سياساته، وتفريطه بالقرار الوطني المستقل، وفتح ابواب البلاد امام شتى التدخلات الاجنبية، وقتل السوريين وتهجيرهم وتدمير قدراتهم، فانه غير مؤهل للعب اي دور في استعادة القرار الوطني المستقل او اعادة تأهيله، مما يجعل امر اسقاطه وتغييره، مدخلاً اساسياً في استعادة القرار الوطني المستقل.

ولان المعارضة بتوجهاتها وجماعاتها واهدافها في موقع مختلف في موضوع القرار الوطني المستقل، والخطوة الاولى لمسارها في استعادة ذلك القرار المضي في طريق اسقاط النظام بالتزامن مع اجراء تبدلات في سياسات وممارسات بعض المعارضة السياسية والعسكرية اساسها اغلاق بوابة التدخلات الخارجية في الشؤون السورية، ولايحتاج الامر في هذا الجانب الى تأكيد ان القوى الاكثر جذرية في المعارضة، تتحمل القسط الاكبر في السعي الى وقف التدخلات والتوجه الى تكريس قرار سوري وطني مستقل.

ويطرح ماصار اليه القرار السوري في الوقت الراهن من تدهور، العودة الى الاسس العامة التي يبنى عليها القرار الوطني، والتي من ابرزها قيامه على اساس الشرعية، والتي هي شرعية وطنية، تعبر عنها المؤسسات والهياكل السياسية للدولة، وقد جعلت الحالة السورية الراهنة، المؤسسات العاملة في اطار الدولة السورية فاقدة لشرعيتها، وهي لم تعد تمثل مرجعية وطنية، يمكن الركون اليها والاعتماد عليها في موضوع القرار الوطني، وهو مايطرح ملامح الاسس، التي ينبغي توفيرها للاستناد اليها في موضوع القرار الوطني والابرز فيها والاهم:

- ان يبنى القرار الوطني وفق المصالح الاساسية للدولة والمجتمع، وليس مصالح السلطات الحاكمة التي هي سلطات متغيرة متبدلة، حتى وان تغولت على الدولة والمجتمع وسيطرت عليهما كما في الحالة السورية.

- ان يقوم على اساس من الشرعية الوطنية، التي بات تمثيلها محصوراً بالثورة. فلا قرار وطنياً خارج الشرعية الوطنية، التي ترسم قراراتها بالارتباط مع المصالح الاساسية للشعب، وليس بمصالح جماعات او فئات منه على نحو مايحصل حالياً.

-ان يقوم القرار بناء على معطيات ومعلومات صحيحة ودقيقة، تقدمها جهات موضوعية وموثوقة وامينة على المصالح الوطنية.

-ان تتولى رعايته وحمايته مؤسسات وهيئات امينة ومسؤولة ولها كل القدرة والامكانية على المتابعة والتقييم واتخاذ القرارات التي من شأنها الحفاظ على القرار الوطني.

غير ان الاسس السابقة، لا بد وان تستمد من بيئة حاضنة، توفر كل الاسس اللازمة لسياسة وطنية، يكون القرار الوطني احد تعبيراتها، والاهم في مواصفات تلك البيئة، هو اعتمادها مبدأ المواطنة باعتبارها الاساس الجامع للسوريين، وان كل الاعتبارات الاخرى من قومية ودينية ومناطقية، تقع تحت سقف المواطنة، وهي محكومة بها، والامر الثاني في مواصفات تلك البيئة، تأكيد السمة الديمقراطية للحياة العامة من خلال تأكيد ضرورة المشاركة الشعبية في الشأن العام على اوسع نطاق لخلق اسس مسؤولة للقرار الوطني والاستعداد للدفاع عنه. والامر الثالث، يكمن في تغليب المصلحة الوطنية على المصالح المباشرة للتكتلات والجماعات والشخصيات اياً تكن مكانتها واهميتها، والامر الرابع، اساسه توفير ارادة عامة داخل المجتمع للبحث عن المشتركات الكبرى في المجتمع، دون تجاهل وجود المشتركات الصغرى، والمقاربة بين الحالتين، طالما امكن المقاربة بينهما.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة مسئولية إضافية على كاهل الائتلاف الوطني

16.05.2013

زهير سالم

جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة تاريخ 15 / 3 / 2013  المقدم من المجموعة العربية مكملا للقرار الذي سبق للجمعية أن اتخذته  الجمعية  بتاريخ 3 / 8 / 2012  على طريق الاعتراف بالائتلاف الوطني كممثل شرعي للشعب السوري ..

من الممكن للإنسان أن يستدرك على القرار الأممي في أكثر من بند من بنوده ، يمكن للمرء مثلا أن يتوقف عند استخدام لفظ ( استهجان العنف ) بدلا من شجبه ورفضه واستنكاره ، ويمكن التوقف عند المساواة بين الضحية والجلاد ، بين المستبد الأعزل الذي يقتل شعبا أعزل وبين مواطن فرد يدافع عن نفسه ؛ كما فعل المندوب الفرنسي بوضوح يشكر عليه. ويمكن الإشارة أيضا إلى توقف القرار في الاعتراف بالائتلاف الوطني عند مستوى اعتباره ( محاورا فعالا مطلوبا في عملية التحول السياسي ) وليس الاعتراف به ممثلا حقيقيا وحيدا للشعب السوري ، وطرد بشار الجعفري ممثل القاتل المستبد ، الذي أمسك به المجتمع الدولي متلبسا بالكذب وشهادة الزور أكثر من مرة .

لقد كان جميلا جدا أن يطالب القرار بالسماح بوصول فرق الأمم المتحدة بلا قيد للتحقيق في جميع الوقائع المدعاة لاستخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري ؛ ولكن كان من الضروري أيضا أن يضاف إلى هذه الفقرة المطالبة بالسماح للمنظمات الأممية الإغاثية والإنسانية بالدخول إلى سورية من كل الأبواب والأقطار للمبادرة لإغاثة المنكوبين وتقديم العون للمحتاجين ..

إن تسعة أشهر تفصل بين قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأول عن قرارها الثاني والتي كان من أبسط متضمناتها مقتل ثلاثين ألف سوري تشير بطريقة أكثر وضوحا إلى حجم العجز في المؤسسات الأممية التي أنيط بها عمليا حفظ الأمن والسلم الدوليين ..

لقد سابق المدافعون عن مشروع ذبح الأطفال السوريين في ( المجتمع الإنساني ) من سياسيين ومعلقين إلى الحديث عن تراجع في الموقف الدولي في تأييد ثورة الشعب السوري ولكن نتائج التصويت العملية أثبتت أن هناك أحد عشر دولة في العالم ومن أصل 178 دولة شاركت في التصويت ( بمن فيهم الممتنعين عن التصويت ) تقف إلى جانب القاتل والمستبد وهي الدول نفسها التي صوتت إلى جانب الشرير في 3 / 8 / 2013 .

إن ارتفاع عدد الدول الممتنعة عن التصويت يشير فقط إلى حجم الدور السلبي الذي تلعبه كل من إيران وروسيا في الضغط بأدواتهما على الكثير من دول العالم ، كما يشير إلى تقصير قوى المعارضة السياسية في شرح قضاياها بشكل واضح لكسب التعاطف والتأييد .

إنه مهما يكن من أمر فإن من الحق أن نعلن ترحيبنا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ، والشكر العميق للدول التي أيدته ودعمته ..

كما أنه من الحق أن نتقدم بأسمى آيات الشكر والعرفان للمجموعة العربية التي تبنت القرار، وتقدمت به ، وسعت لكسب التأييد له . ونخص بالذكر المملكة العربية السعودية ودولة قطر ، الدولتان العربيتان اللتان أثبتتا الحقيقة العربية ( الدم ما بيصير مي ) .

نعتقد أن القرار بكل متضمناته بقدر ما هو إنجاز على طريق انتصار الثورة ، وبقدر ما هو هدية تقدم للثوار السوريين فإنه في الوقت نفسه مسئولية جديدة تطوق أعناق المسئولين عن المعارضة السياسية ولاسيما في الائتلاف الوطني ليكونوا أكثر جدية وأبعد مصداقية وليبادروا للوفاء باستحقاقات القرار باستيعاب أعداد أكبر من القوى السياسية السورية ، والارتقاء إلى مستوى الثورة ، والكف عن جميع التصرفات الانفعالية التي لا تخدم مشروع الثورة والثوار ..

إنه حين يتضح من تصويت الجمعية العامة بالأمس أن أحد عشر دولة في هذا العالم وعلى رأسها روسية وإيران تؤيد مشروع الشر والقتل يطمئن الإنسان إلى أن البشرية ما تزال بخير ، وأن الذي يبعث على القلق فقط هو النظام العالمي الذي يسمح لدولة مثل روسية أو الصين أن تصادر إرادة الخير في قلوب الملايين من بني الإنسان ..

لندن : 6 رجب / 1434

16 / 5 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التفاهمات الروسية ـ الامريكية: خوض عقيم بمستنقعات راكدة

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 11/5/2013

خير للمرء أن يبدأ من قاعدة قياس بسيطة، لكنها جبّارة في مدلولاتها، الوظيفية بصفة خاصة، والراهنة تحديداً؛ ذات شقّين، متلازمين بالمعنى الجدلي، وإنْ بدا أنهما على تناقض: الشقّ الأوّل هو أنّ الانتفاضة السورية لم تنطلق، حين انطلقت قبل 26 شهراً ونيف، بإذن من الولايات المتحدة، بل العكس كان هو الصحيح، إذْ كانت واشنطن تتمنى بقاء أنظمة الاستبداد والتوريث والفساد والتبعية، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية؛ والشقّ الثاني، المتمم، هو أنّ روسيا لم تكن على اتفاق أو توافق مع أمريكا، من طراز يُذكّر بـ’وفاق’ العقود الأخيرة من الحرب الباردة، حول سُبُل ملاقاة الانتفاضة السورية، بل انتفاضات العرب عموماً.

تطبيق أوّل لقاعدة القياس هذه يمكن أن يعطي النتيجة المنطقية التالية: ليس انتصار الانتفاضة السورية على نظام الاستبداد والفساد، وبالتالي ليس انكسارها أو انتكاسها أو تعقّد مشهدها، على أصعدة داخلية، وطنية وسياسية وعسكرية، وأخرى إقليمية ودولية، مرهوناً باتفاق أمريكي ـ روسي من أيّ نوع؛ أو، على نحو ملموس أكثر، من النوع الذي تردد أنه نجم مؤخراً عن لقاء وزيرَي خارجية البلدين، جون كيري وسيرغي لافروف في موسكو. صحيح أنّ أية صفقة حول الشأن السوري بين واشنطن وموسكو، أو أيّ من قوى الكون العظمى الأخرى، يمكن أن تؤثر سلباً أو إيجاباً على واقع الأرض والمجريات اليومية في الانتفاضة السورية؛ إلا أنها ليست العامل المرجّح الأوّل، وليست عنصر الحسم في كلّ حال، فمَن لم يكن أصل البدء في أمر، ليس له أن يكون الأصل في اختتامه، بحكم المنطق البسيط بالطبع، ولكن انحناءً أيضاً أمام إرادة الشعب السوري وتضحياته وقراره بطيّ صفحة النظام، مرّة وإلى الأبد.

وهكذا، إذا كان المرء متعاطفاً مع النظام السوري، أو حتى كارهاً لممارساته الوحشية ولكنه ‘ممانع معادٍ لأمريكا؛ فإنه سيطرب إزاء اتفاق كيري ولافروف على خطط لعقد مؤتمر دولي يجمع النظام والمعارضة، وسينطوي الطرب على إحساس بأنّ هذا التوافق الأمريكي ـ الروسي هو في صالح بشار الأسد. أمّا إذا كان امرؤ آخر معارضاً للنظام السوري، فسيقرأ المشهد من زاوية مناقضة تماماً، إذْ سيعتبر أنّ موسكو هي التي أخذت تميل إلى التنازل، بدليل تصريح لافروف: ‘لسنا مهتمين بمصير بعض الأشخاص. نحن مهتمون بمصير الشعب السوري بأسره’؛ وتصريح كيري في روما، اليوم التالي: ‘بشار الأسد لا يمكن أن يشارك في حكومة انتقالية سورية’. وثمة، في القراءتين معاً، استسهال تحليلي يتيح التسرّع في استخلاص النتائج، ويغيّب سلسلة اعتبارات أخرى أكثر صلابة، وأشدّ واقعية، اقترنت بلقاء موسكو هذا، وربما بأيّ تفاهمات حول الملفّ السوري يمكن أن تتفق عليها أمريكا وروسيا.

وهكذا، إذا كان امرؤ ثالث أقرب إلى ترجيح تجارب التاريخ في الماضي والحاضر، فالأرجح أنه سوف يبدأ من وقائع الانتفاضة السورية ذاتها، وتطوراتها اليومية (خاصة بعد مجازر البيضا ورأس النبع في بانياس، وانخراط الميليشيات الموالية في عمليات تطهير طائفي تبدأ من قرى ذات أغلبية سنّية في قلب الأغلبية العلوية)، وأوضاع النظام العسكرية والأمنية والسياسية (الارتهان، أكثر فأكثر إلى إيران و’حزب الله’، والعجز الفاضح أمام الغارة الإسرائيلية، وخسران المزيد من المواقع العسكرية في ريف دمشق وحوران والجولان وحمص وإدلب وحلب…). ليست هذه معطيات نظام ظافر، أو مستقرّ القوة، أو حتى مرتاح في معاركه؛ وإلا فما الذي يقذف به إلى مزيد من السيناريوهات الانتحارية (كما في تسعير استعداء الأغلبية السنّية عبر ارتكاب مجازر وحشية وبربرية جديدة)، أو المهازل المبتذلة (كما في الردّ على الغارة الإسرائيلية عن طريق السماح لـ’المقاومة الفلسطينية’ بالعمل انطلاقاً من الجولان المحتلّ).

ولعل المرء ذاته سينتقل إلى الخيار الوحيد، العالق والجامد، الذي يتأكد أنّ موسكو صارت منحصرة فيه، وأسيرة معادلاته الخاسرة التي لم تعد تليق بقوّة عظمى، أي الاستمرار في مساندة نظام لا تتداعى أركانه ركناً بعد آخر، منذ سنتين، فحسب؛ بل سار، ويسير حثيثاً، نحو سيناريوهات تأزيم محلية وإقليمية ودولية لا تملك موسكو رفاه الوقوف مكتوفة اليدين أمام تداعياتها. وبمعزل عن حصيلة كهذه، بائسة وفقيرة في خدمة مصالح دولة عظمى تعطّلت علاقاتها، أو تجمدت، مع دول عربية وخليجية فاعلة اقتصادياً وسياسياً؛ فإنّ روسيا تدرك جيداً أنّ تقوية التيارات الإسلامية والجهادية المتشددة المقاتلة ضدّ النظام في سورية، سرعان ما ستُترجم آثاره الكارثية على امتداد الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد الروسي، وسينقلب إلى بؤر قتال ضدّ موسكو، لن تكون اقلّ من حاضنات تشدّد قصوى هي آخر ما يشتهيه الكرملين… ثمناً لنظام بشار الأسد!

مفيد، إذاً، التذكير هنا بأن العلاقات الروسية مع النظام السوري، في عهد الأسد الوريث بصفة خاصة، ظلت تحصيل حاصل متفق عليه، ويحظى بإجماع طبيعي؛ لولا أنّ ما معادلات خافية اكتنفتها ورسّخت منطقاً آخر مختلفاً، لعلّه أطاح بقسط لا بأس به من معنى الحصيلة ذاتها. ذلك لأنّ النظام كان يمدّ يد الصداقة إلى موسكو، ولكنّ القلب يتلهف على تحسين العلاقات مع واشنطن، قبلئذ وبعدئذ وفي الغضون؛ فهذه اكتسبت الأولوية على المستوى العملي التكتيكي، بل حدث أنها صارت غاية عليا على المستوى الستراتيجي كذلك. وموسكو لم تجهل هذا، كما للمرء أن يتخيّل، فكانت تقيم التوازن مع النظام على هذا المعيار، منذ ولاية فلاديمير بوتين الأولى، وحتى سنة 2005 عندما قرّر الأسد اتخاذ خطوة نوعية تجاه موسكو بعد أن ضاقت به سبل ترطيب الأجواء مع واشنطن.

عمود ثانٍ في معمار ‘صداقة’ موسكو مع النظام هو أنّ العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية صارت أفضل حالاً من العلاقات الروسية ـ السورية، لا سيما في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، الذي خالف الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية في رفض إدانة سياسة الحديد والنار التي اعتمدتها موسكو في بلاد الشيشان، بل لجأ إلى النقيض فباركها وامتدحها. ولعلّ واقعة قيام بوتين بزيارة إسرائيل ومصر، ولكن ليس سورية، في نيسان (أبريل) 2005، أي بعد أقلّ من ثلاثة أشهر على زيارة الأسد إلى موسكو (حين لاح أنّ العلاقات عادت متينة، بدليل استعداد موسكو لتزويد سورية بصواريخ ارض ـ جوّ متطورة)؛ كانت بمثابة تذكرة صارخة بأنّ المياه لم تعد تماماً إلى مجاريها، وأنّ خيار الأسد في اللعب على حبال روسية، لشدّ انتباه المتفرّج الأمريكي أساساً، لم تكن خافية على موسكو.

عمود ثالث، جيو ـ سياسي بامتياز، إقليمي ودولي، هو أنّ موسكو تضع العلاقات مع النظام السوري في إطار الفلسفة ذاتها التي أخذت تقود نهج روسيا على امتداد المنطقة، والتي تقوم على قاعدة أولى بسيطة: نحن أصدقاء مع الجميع، أنظمة ‘الاعتدال’ مثل أنظمة ‘الممانعة’، وإسرائيل مثل إيران، و’حماس و’حزب الله’ مثل السلطة الوطنية الفلسطينية وجماعة 14 آذار في لبنان… والفيصل في هذا كلّه هو مصالحنا الاقتصادية العليا، وهذه وفيرة ويمكن أن تكون مجزية تماماً، من جهة أولى؛ فضلاً عن اكتساب سكوت الشارع العريض المسلم، السنّي بصفة خاصة، عمّا ارتكبته وترتكبه موسكو من مجازر وأعمال قمع في بلاد الشيشان، من جهة ثانية. ولهذا فإنّ واحدة من أشهر الحماقات التي تكفلت بتعكير صفو العنصر الأخير، كان تصريحات لافروف، في آذار (مارس) 2012، أنه ‘إذا انهار النظام القائم في سورية، فسيغري هذا بعض بلدان المنطقة بإقامة نظام سني في البلد’، وهذا سوف ‘يؤثر على مصير المسيحيين والأكراد والعلويين والدروز، وهو الأمر الذى قد يمتد إلى لبنان والعراق’!

البيت الأبيض، من جانبه، يتلهف على تحريك المياه الراكدة، في مستنقع أغرق الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه فيه، حين تحدّث عن ‘خطّ أحمر’ يمثّله استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، وأنّ تجاوز ذلك الخطّ سوف يغيّر قواعد اللعبة. الآن يسرّب مساعدو الرئيس، كما فعلوا مع تحرير ‘نيويورك تايمز مثلاً، أنّ أوباما تسرّع فارتجل عبارة ‘الخطّ الأحمر’، وأنها تسرّبت إلى تصريحاته من وحي قاموس التسخين اللفظي المعتمد في الحديث عن البرنامج النووي الإيراني. ولكن هيهات أن تفلح تسريبات كهذه في إرضاء أمثال السناتور جون ماكين، الذي يريد من رئيس القوة الكونية العظمى أن يكون جديراً بالمنصب، وأن يصدق في ما يقول، وفي ما يعد (وهذا، في الواقع، ما أخذ أوباما يشدد عليه في الآونة الأخيرة، كلما سنحت فرصة لمخاطبة الصحافة).

أمّا في الجوهر، فإنّ موقف إدارة أوباما من الانتفاضة السورية حكمه التقدير التالي: تأجيل الحسم، حتى تتضح الصورة أكثر (خلال الأشهر الأولى لانطلاقة الانتفاضة)؛ وحتى تفعل عوامل تفكك النظام فعلها تلقائياً، حسب مبدأ ‘الهبوط السلس (خلال الأشهر الوسيطة)؛ ولكي لا يكون للملفّ أيّ تأثيرات سلبية على إعادة انتخاب أوباما، أو المساس بصورته كقائل بعقيدة الامتناع عن زجّ أمريكا في حروب جديدة بعد الخروج من أفغانستان والعراق. وليس عسيراً تلمّس مجموعة الأسباب التي قادت البيت الأبيض إلى هذه المراوحة في الحسم، والتي يراها البعض حال تردّد (لا يراوح في الجوهر، بقدر ما يركن إلى تاريخ طويل من حسن العلاقات مع نظام ‘الحركة التصحيحية’، وضآلة الرغبة في المراهنة على نظام سواه، قد تكتنفه مجاهيل كثيرة)؛ أو حال تجميد ذاتيّ (يكتفي بالعقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والتصعيد اللفظي، وتشجيع الحلفاء الأوروبيين، والإيحاء باحتضان المعارضة).

وهكذا، كان اللقاء الروسي ـ الأمريكي في موسكو مؤخراً، وإعلان الاتفاق على مؤتمر دولي لبحث أوضاع سورية، ‘يُعقد في أسرع وقت ممكن’ كما قيل، هو أحد الحلول الدراماتيكة للإيحاء بتحريك مياه المستنقع الدبلوماسي الأمريكي، والإيحاء بأنّ أوباما عند كلمته، ومصداقيته ليست محلّ تشكيك. أمّا على الجانب الروسي، فإنّ موسكو كانت بحاجة لاسترداد بعض ماء الوجه، في أعقاب الصفعة التي مثّلتها الغارة الإسرائيلية على نظام يُفترض أنه ‘حليف’؛ وبحاجة، أيضاً، إلى تأكيد حضورها في الملفّ السوري، بعد أن بدا وكأنّ إيران تلتهم النظام السوري قطعة قطعة.

ولعلّ من الخير، هنا أيضاً، التذكير بعُرف شائع في الدبلوماسية العالمية، أفاد على الدوام بأنّ اللجوء إلى عقد مؤتمرات دولية حول أزمات عالقة، لا يعني دنوّ الحلول بالضرورة، بل قد يعني العكس تماماً: أنّ الحلول غائبة، ويتوجب التنقيب عنها عبر الخوض في… مستنقعات راكدة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غارات الصهاينة لن تنسينا مجازر بانياس

عبد عرابي

القدس العربي

السبت 11/5/2013

الحدثان اللذان سيطرا على ساحة تطورات الثورة السورية في هذين اليومين هما: مجازر بانياس التي أرهقت صحائف التاريخ بقبحها ونتنها ووحشيتها. والغارات التي شنتها الطائرات الصهيونية على بعض المواقع الحساسة، لما تبقّى من تشكيلات جيش نظام الأسد. تزَامُنُ هذين الحدثين يزيد مشهد الثورة السورية غموضاً وتداخلاً، بحيث تزداد صعوبة فهمه وتحليل أحداثه وتوقع تطوراتها.

أسوأ ما في نظام الأسد على الإطلاق أنّه جعلنا نستصغر ما فعله ويفعله الصهاينة فينا، مع فداحته وفظاعته ووحشيته، بل أنسى العالم مجازرهم المتكررة في حقّنا، وصار أعمدة الإجرام والإرهاب الصهاينة يحاضرون في حقوق الإنسان وحرمة الدم الإنساني، ولك أن تتصور الأمر عندما يحاضر شمعون بيريز رئيس الدولة الصهيونية وصاحب مجازر (قانا الثانية وغيرها) حول كيفية حقن الدماء في سورية، ووضع حد للمجازر التي ترتكبها قوات النظام وطائراته في مختلف انحاء البلاد. ويقول بالحرف الواحد: ‘لا يمكننا ان نقف مكتوفي الايدي، فيما الرئيس بشار الاسد يقتل شعبه واطفاله،.

قد تدفع المشاعر المتناقضة في قلوب المنكوبين والمجروحين من السوريين الى أن يفرحوا أو يستبشروا بهذه الغارات، لأنّها قد تشفي غليل قلوبهم بعصابات الأسد، وهم يرون تخاذل الدنيا عن حماية نسائهم وأطفالهم، ويرون إخوانهم من العرب والمسلمين عاجزين أو متفرجين على ما تفعله هذه العصابات، مكتفين بالتنديد لا يجرأون على فعل شيء، بينما تستطيع دولة الصهاينة أن تمرّغ أنف الأسد بالتراب وتقصفه في عقر داره، وتدّمر جزءاً من آلة الدمار والقتل التي تفتك بهم ليل نهار.

هل هذه الغارات التي شنتها الطائرات الصهيونية تصبّ في مصلحة الثورة السورية؟

السوريون كلهم يعلمون يقيناً أنّ إسرائيل لم تقم بهذه الغارات كُرمى لسواد عيون الأطفال والنساء الذين ذبحوا بالمئات في بانياس، ولا انتقاماً للوحشية والبهيمية التي يتصرف بها شبيحة بشار الأسد، ولكنّها على أقلّ تقدير أربكت عصابات الأسد، خصوصاً وهم يرون الخوف والهلع في عيون الشبيحة على الحواجز، وفي قنوات النظام، نعم لقد شعروا بأنّ هناك من لا يأبه لتهديدات إيران وحزب الله ولا لتهديدات روسيا حتى.

في منطق المكلوم والمجروح الذي تغلب عليه مشاعر القهر الخذلان هذا صحيح، ولكنهم لو قلّبوا من جوانبه كلّها سيرون أنّ هذه الغارات قد جاءت خدمة للنظام؟ خصوصاً وقد بدأت الصور والفيديوهات تظهر هول وفظاعة ووحشية ما جرى في بانياس، ألا يمكن ان تكون هذه الغارات عبارة عن فقاعات صوتية أراد الصهاينة أن يقدموا بها خدمة إلى النظام، بحيث يشغلون السوريين والعالم عن البحث في تفاصيل ما جرى في بانياس، وسواء كان هذا حقيقياً أم افتراضاً من غير دليل، ألم ينشغل العالم بهذه الغارات، بحيث تصدرت أخبار القنوات الفضائية والصحف العالمية وبحيث صارت أخبار ما حصل في بانياس من مجازر، رغم فظاعتها وشناعتها خبراً هامشياً؟

وبالتالي فهي تصبّ في مصلحة النظام الذي سيستثمر هذه الغارات من كلّ الجوانب، وقد فعل بحيث ربطها مباشرة بعمليات الجيش الحر، مؤكداً أنّ هناك تنسيقا وتعاونا بين الكيان الصهيوني والجيش الحر، وإن كان يعلم أنّ مثل هذه الدعاوى بعيدة عن التصديق. وربما اتخذ ذلك ذريعة لزيادة البطش والتنكيل بالسوريين مع أنّه لا يحتاج إلى ذريعة، ومن ناحية أخرى سيزيد من إصراره على تأكيد كذبته الكبرى في المقاومة والممانعة، فلو لم يكن مقاوماً وممانعاً للمشروع الصهيوني الإمبريالي ما الذي يدفع دولة الصهاينة لقصفه.

الأيام القادمة ستظهر بعض دلائل تناقضات المواقف الخارجية من الثورة السورية، فنحن ننتظر ردَّ إيران التي ما برح قادتها الدينيون و السياسيون والعسكريون يهددون ويتوعدون كلّ من يحاول إسقاط نظام الأسد، وينتظرون أيضاً ردّ حزب الله الذي زجّ بنفسه مباشرة في صف النظام، وصرح أمينه العام من أيام عن الأصدقاء الإقليميين والدوليين الذين لن يسمحوا بسقوط (نظام الأسد) وكلنا شوق لنعرف موقف روسيا التي تحاول العودة كفاعل رئيس على الساحة العالمية، من خلال بوابة الثورة السورية.

لن تقنعنا هذه الغارات أنّ العدو الصهيوني يريد إسقاط نظام الأسد، ولن تبعد عنّا حقيقة أنّ مصلحة الصهاينة الاستراتيجية ببقائه، ونعرف أنّها لعبة السياسة والمصالح التي قد تخلط الأوراق، ولكنها لن تستطيع قلب الحقائق. ولن تنسينا هذه الغارات مجازر بانياس، وإن نسيناها فهل ننسى مجازر الحولة والقبير وكرم الزيتون وعشرات المجازر التي ترتكب يومياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لم يسقط النظام؟

ميشيل كيلو

السفير

السبت 11/5/2013

في العقل السحري، يكفي أن «تعزم» على امر كي يحدث. في العقل السحري السيــاسي السـوري يكـفي ان «تعــزم» علــى النظــام كي يسقــط. في العــقل العقلانـي والعملــي، لا يتحقــق هدفــك ما لم تخـلق شروط تحققه الواقعية. إذا فشلت في إقامة هذه الشروط، لن يتحقق هدفك مهما «عزمت» عليه سحريا ورغبيا. عندئذ، يزيد «التعزيم» عجزك عن بلوغ مقصدك بقدر ما يجعلك تعزف عن العمل الدؤوب للوصول إلى شروط تحققه، ويحولك إلى كائن منفصل عن الواقع، مع أنه قد يكون «لتعزيمك» مفعول تعبوي، لكنه يكون دوما مفعولا تضليليا يوهم الخلق أنه قادر بمفرده على بلوغ الآمال، بينما هو يبعدهم عنها، ويأخذهم إلى عالم يخضعون فيه لتأثير مخدر كلامي مدمر، لا يستطيع تبديل شيء في واقعهم العملي، او بالنسبة الى شروط تحقق هدفهم، بل يبعدهم عنه وحسب.

في السياسة: هناك حدان احدهما الهدف وثانيهما الجهد الضروري لتحقيقه. فهل مهدت السياســات التي اعتمدتها المعارضة السورية في تنظيميها الرئيسَين: «المجلـس الوطني الســوري» و«ائتــلاف قوى الثورة والمعارضة» لإسقاط النظـام، ام حققت مفعولا عكسيا واسهمت في استمرار النظام، بدل أن تؤدي إلى إقامة بيئة سياسية ونضالية تفضي إلى زواله؟

قبل أن اجيب عن هذا السؤال، أود التركيز على نقطة مهمة هي أن السياسة الحقة ليست اي شيء آخر غير خلق الظروف والشروط الملائمة، المفضية الى تحقيق اهداف يناضل من اجلها بشر يعتقدون ان فيها تطلعاتهم ومصالحهم. بهذا المعنى، ما أن يتحدد الهدف، حتى تأخذ السياســة صــورة جهــود، منظــمة او عفوية، تذهب مباشــرة أو بصــورة غير مباشــرة، نحــو تحقيقــه، علـى مراحــل غالبــا، وبضربــة واحــدة في حالات جد نادرة. وبما أنني لم اكن يومــا من انصار فكرة: الهدف لا شيء، الحركة كل شيء، كما قال ذات يوم منظر اشتراكي اسمه برنشتاين، فإنني أؤمن أن انفصال الهدف والحركة احدهما عن الآخر يقود إلى فشل سياسي وانســاني محتــم، لأنه توجــد دوما طــريق حركي يرتبــط بهــدف؛ طريق قـد تتنــوع الخطـى عليــه وتتقــدم وتتراجع في احيان كثــيرة، إلا أن تناقضها مع الطريــق يحــول دون بلوغ الهــدف كلــيا او جزئيا، كما حدث في تجربــة المعارضــة السورية مع إسقـاط النظــام الذي اعلنــته هــدفا للثورة، بيد أن طريقـها إليــه وخطــواتها نحــوه أديــا إلى تعطيل قدرات وطنية ومجتمعية هائلة، سياسية ومقاومة، لو أحســن استخدامها للعبــت دورا حاســما في جعل إسقاطه مسألة واقعية وعملية، وفي متناول اليد.

من المعلوم انه حين تفضي الحركة إلى الابتعاد عن الهدف، يصاب طلابه بإحباط يدفعهم الى البحث عن بدائل توصلهم إليه، وأن جدارتهم السياسية والفكرية تتأكد من خلال المراجعة التي يجرونها والطريقة التي يتلمسون بواسطتها البدائل والسبل المطلوبة، التي توصلهم إلى مبتغاهم. أما عندما يتمسك العقل السياسي الرسمي بسلوكه الذي فشل في تحقيق هدفه، ويرفض البحث عن بدائل لها، فإنه يضع نفسه في حال احتجاز تنتج الفشل تلو الفشل، مهما تحدث عن هدفه في تصريحاته وبلاغاته، التي تنقلب الى فخ يسقط فيه، ما أن يفقد القدرة على الخروج منه، حتى يمعن في التمسك بهدفه الوهمي، الذي يتحول إلى مجرد شعار يقلص الممارسة الثورية والسياسية إلى الفاظ لا معنى لها، تحتفظ بطابعها التضليلي وإيحاءاتها الوهمية، بينما يكون المطلوب التخلي عنها والبحث عن طريق تكون بديلا لطريق فاشلة قادت الشعب إلى حيث لا يريد.

لم يسقط النظام، ليس لأنه غير قابل للسقوط، كما تقول دعايته، بل لأن المعارضة فشلت في خلق الشروط اللازمة لسقوطه، وضيعت، بسبب فشلها، تضحيات كبيرة يقدمها شعب قادته على طريق أخذته بعيدا عما كان يطالب به: الحرية لشعب سوريا الواحد. حدث هذا، لأن رهانات المعارضة المتحكمة تقاطــعت مع رهــانات النظام الامني، الذي وضع خطة أساسها القضاء على الجانب المدني من الحراك والضغط بالعنف والقوة على المجتمع الأهلي ،لإجباره على التخلي عن وعي الحرية الحديث، الذي تبناه لأول مرة في تاريخه، وإعادته بالقوة إلى تبني وعي مذهبي تفتيتي، يتخلى عن الحرية كمطلب جامع لكل السوريين، يوحد الشعب ويحفظ الدولة. وضع النظام هذه الخطة، لما لوحدة المجتمع ومطلب الحرية من تأثير يمكن ان يقوض قاعدته ما قبل المجتمعية المستندة إلى ولاءات دنيا، ما قبل وطنية، طائفية وجهوية، استخدم العنف لمنعها من مغادرة موقع وضعها فيه ضد بقية مجتمعها، وللحؤول دون تكون مؤسسات وطنية جامعة معادية للاستبداد والنظام العائلي/ الفئوي الضيق، لها فيها مكان ودور. لتحقيق حساباته، كان من الضروري أن يُكرِهَ النظامُ الحراك على التخلي عن السلمية وأن يتعسكر كجهد مفتت مرتبط ببؤر محلية ومناطقية، تفتته، وتجعل من السهل سيطرة قوى متدنية الوعي، «زاروبية» العقل والمصالح، عليه، يرجح ان تصير فريسة سهلة إما للنظام وأجهزته او لقوى مذهبية مناوئة بدورها لمبدأي الحرية والشعب الواحد، يعني بروزها وتقدمها إلى الواجهة نجاح النظام في قلب ثورة الحرية إلى اقتتال طائفي أو جهوي، يغير هويتها وطابعها الوطني.

بدل أن تعي القوى التي نادت باسقاط النظام هذا الرهان السلطوي، سارعت إلى ملاقاته في منتصف الطريق، وعملت من جانبها على تطييف ومذهبة الحراك وتحمست لعسكرته، وراهنت على تقليدية المجتمع الأهلي وفوات وعيه، بدعم من قوى عربية وإقليمية. بذلك، نجح النظام في أخذ الصراع إلى حيث أراد، وحقق جزئيا خطته التي قامت على حد أعلى هو سحق الحراك واستعادة الوضع الذي كان قائما قبل انطلاقه، وحد ادنى هو التكيف مع ثورة شعبية شاملة عبر تفتيتها وإنزال خسائر فادحة بها وتمزيق المجتمع وتفكيكه وإلحاق قدر من الدمار به يصعب عليه الخروج منه لعقود كثيرة، في حال سقط النظام، يغير هوية الثورة تغييرا بنيويا عميقا ويبدل علاقات الأطراف السياسية بها بما يتنافى مع هدف الحرية الذي خرج الحراك من أجله. عندئذ سيجد نفسه مجبرا على تغيير مواقفه وبنائها على تفتيت وتطييف صراع يسهم في قلبه إلى عراك دموي بين المواطنين، بدل أن يكون بينهم كجماعة وطنية وبين نظامهم الاستبدادي.

بدل العمل بمبدأ الوحدة الوطنية الذي يضم المجتمعين المدني والأهلي، والقوى السياسية المعارضة للنظام، ويقوم على خطة سياسية ذات بعد مقاوم، لم تنتبه قيادات المعارضة المتحكمة إلى معنى وحدة المجتمعين المدني والأهلي، ولم تأبه كثيرا لسعي النظام الى فك لحمتهما، وإنما اسهمت فيها لاعتقادها أن تعبئة المجتمع الأهلي ستكون أكثر سهولة ويسرا من خلال شعاراتها وخطبها المذهبية، التي خالت أنها تتفق ونمط وعيه وتستطيع تعبئته وتحريكه في الاتجاه المطلوب. بالإضافة إلى هذا، دخلت هذه القيادة في صراع مع بقية اطراف المعارضة، مزق لحمتها السياسية وما كان قد تراكم في حقبة النضال ضد النظام من مشتركات بين طرفيها الديموقراطي والإسلامي. بذلك تم تفتيت قاع الثورة المجتمعي، وإزيحت قيادة الحراك الشبابية عن القيادة وقضي على برنامجها، وتفتت المجال السياسي المعارض، الذي غدت وظيفته الرئيسة إنزال خلافاته إلى الشارع، بينما كان النظام يوحد مجاله السياسي ويتحصن بولاءات اتباعه، الطائفية وغير الطائفية، وينظم هؤلاء في تشكيلات شبه عسكرية ما لبث أن حولها إلى «جيش دفاع وطني». في ظل تردي احوال المعارضة السياسية وتدهور أدائها، وتردي علاقاتها وقيامها اكثر فأكثر على الإقصاء والتخوين المتبادل، نشأت اجواء اتاحت للنظام الوقت الكافي لتدقيق خططه، والبحث عن نقاط ضعف الحراك والمعارضة والعمل على الإفادة منها. ليست المعارضة هي التي اقامت التوازن الذي حال بين النظام وبين إخراج الشعب من الشارع، رغم أن الأخير لم ينجح في إجبار السلطة على تغيير سياساتها وإخراج جيشها من مدنه وقراه وبلداته وانتهاج سياسة حلول وسط غير عنيفة ضده. أن من اقام هذا التوازن، المستمر إلى اليوم، هو الشعب، الذي كان حراكه سلميا أول الأمر ثم تحول إلى المقاومة المسلحة حين يئس من وقوع أي تبدل في مواقف النظام وخياراته، ووجد نفسه مهددا بالهزيمة وربما بالفناء، إن هو لم يقاتل دفاعا عن نفسه ويخلق بصموده شروطا تقنع اهل السلطة بعبثية ما يسعون إليه من انتصار واستعادة لحقبة ما قبل آذار 2011. أكل تفوق الحراك الاستراتيجي تفوق النظام التكتيكي، وصحح عيوب سياسات المعارضة، التي افتقرت ولا تزال إلى خطة استراتيجية. لو اردت تلخيص ما حدث لقلت باختصار: كان هناك النظام من جانب والحراك من جانب آخر، وكانت المعارضة عبئا على الثاني أكثر مما كانت نقيض الاول، فلا عجب أن النظام لم يسقط، وأنه تم تقويض انجازات حراكية عديدة، وان الشعب الذي سار أول الأمر وراء المجلس والائتلاف لاعتقاده أنهما سلطة بديلة ستسهل سقوط النظام، انفض عنهما، حين اكتشف بتجربته العملية أنهما ليسا ما اعتقده، وتكيف، في ظل عدم وجود بديل متاح لهما، مع أمر قائم اتسم بالبلبلة والفوضى، أسهم في ايصالنا إلى ما نحن عليه اليوم.

هل صرنا في مرحلة سقوط متبادل حل عمليا محل إسقاط النظام، لان القيادة التي تصدرت المجلس الوطني والائتلاف عجــزت عن تحقيــق شروطـه، وحققـت عكسها؟ ما العمـل لتغيير هذه المعــادلة الكارثية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسباب توجب التدخل في سوريا

حازم صاغية

الاتحاد

السبت 11/5/2013

هناك أكثر من إشارة توحي بأنّ الاتفاق الأميركي- الروسيّ الأخير حول سوريا ليس للتنفيذ. وهذا ليس عائداً فحسب إلى تزمّت الأسد، وأنّ رحيله غدا شرطاً مسبقاً لأيّة تسوية قابلة للحياة. فإلى ذلك كلّه ثمّة حسابات صلبة تفرض نفسها على الواقع وعلى التحليل في آن واحد. وفي انتظار أن تتضح الوجهة التي بدأتها الضربات العسكريّة الإسرائيليّة الأخيرة، لوحظ أنّ أعداد كبار الرسميّين الأميركيّين والأوروبيّين الذين يتعاملون مع التدخل كفرضيّة محتملة، أو يؤكّدون استخدام النظام السوريّ للسلاح الكيماويّ، وعبوره "الخطوط الحمر"، في تزايد ملحوظ.

والحال أنه ليس من الصعب بتاتاً العثور على نقاط تقاطع بين بلدان الغرب ومصالحها، وعلى الأخصّ الولايات المتحدة، وبين السوريّين ومصالحهم، وهذا ناهيك عن مصالح عريضة أخرى، عربيّة وشرق أوسطيّة، سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة، تلتقي عند هذا التقاطع.

لقد بات أقرب إلى البديهيّ القول، إنّ النظام الأسديّ عاجز عن إنهاء الثورة وسحقها، بقدر ما هو بديهيّ الكلام على عجز الثورة عن إسقاط النظام بسبب ما يتلقاه من دعم إيرانيّ وروسيّ، عسكريّ وأمنيّ وسياسيّ، كثيف. وتوازن القوى الشالّ هذا لن يرتب إلا المزيد من سفك الدم السوريّ، وتنامي الأحقاد الأهليّة الطائفيّة والإثنيّة على جانبيه. وغنيّ عن القول إنّ التعايش مع هذه الحالة المستمرّة لن يكون بالأمر السهل على أحد في هذا العالم. فكيف وأنّ الرأي العامّ الغربيّ غير المتحمّس للتدخل راهناً، سيجد نفسه مدعواً لأن يتغيّر تحت وطأة المقتلة المتواصلة.

بيد أن الآثار الناجمة عن تطاول الصراع وبلوغه عتبة الحرب الأهليّة المفتوحة التي يستحيل إغلاقها على يد القوى الداخلية، لن تقتصر على سوريا وحدها، بل ستتعداها إلى تسميم عموم المشرق العربي، وهذا ما بدأنا نراه اليوم. يكفي التذكير بالوضع المتأجّج في العراق، وبدرجة التداخل البعيد بين الوضعين السوري والعراقي، للتأكد من صحة ما نذهب إليه.

يضاف إلى ذلك أن صراعاً أهليّاً عابراً للحدود كهذا سيكون الفرصة المثلى لتنظيمات إرهابيّة ومتطرّفة كـ"القاعدة" وأخواتها التكفيريّات، وهي المعروفة بمدى استفادتها من فشل الدول ومن هلهلة الحدود الوطنية بين واحدتها والأخرى. أمّا الخوف الراهن من السلاح الكيماويّ ومن احتمالات استخدامه فسيغدو، والحال على ما هي عليه، خوفاً مضروباً بألف ضعف، وخصوصاً أنّ الأطراف التي قد تستولي على ذاك السلاح، في ظلّ الفوضى الشاملة، أكثر من أن تحصى. وبطبيعة الحال فإن قوى أهليّة وطائفيّة كـ"القاعدة" وشبيهاتها سيكون من المستحيل إلزامها بأيّ اعتبار سياسي أو دبلوماسي، حتى لا نقول قانونياً وعقلانياً.

إلى ذلك كله، فالتدخل في المنطقة سيعمل حتماً على تحجيم النفوذ الإيراني الذي سبق أن وسعه التراجع ثم الانسحاب الأميركي من العراق. وتطوّر كهذا كفيل بإنجاز أغراض استراتيجيّة أربعة على الأقلّ:

فأوّلاً، هناك إضعاف الموقع الإيراني، بعد فقدان الحليف السوري، فيما خصّ الموضوع النووي، وجر طهران بالتالي إلى مفاوضات جدية ومسؤولة للمرة الأولى منذ انفجار أزمة التخصيب وتوابعها. والأمر الثاني هو تجنيب منطقة الخليج والشرق الأوسط، ومن ثم العالم كلّه، توجيه ضربة أميركيّة أو إسرائيليّة إلى إيران قد تعقبها ضربات إيرانية مضادّة إلى ما تعتبره طهران مصالح غربيّة في المنطقة. أمّا الإنجاز الثالث، فيتمثل في إضعاف القبضة الإيرانية على العراق، مع ما يعنيه ذلك من توسيع فرص الحياة السياسية والاستقرار في هذا البلد. ورابعاً وأخيراً، هناك قطع الإمداد كلياً عن "حزب الله" اللبناني وتعزيز احتمالات الاستقرار في لبنان، فضلاً عن رفع احتمالات التسوية في المنطقة عموماً.

وغني عن القول، إنّ تطوراً كهذا سينعكس ارتياحاً عريضاً فيما خص طرق الإمداد بالنفط، ناهيك عن حماية المناطق المنتجة له التي تتهددها السياسات الراديكالية الإيرانيّة.

إلى ذلك سيكون لإزاحة نظام الأسد مردود مباشر على مستقبل السلام في منطقة الشرق الأوسط. فكلّنا يعرف كم برعت دمشق البعثيّة، عقداً بعد عقد، في استعمال الصراع مع إسرائيل لإبقاء المنطقة في حال من التوتر، وتحويل الأنظار عن أوضاعها في الداخل السوريّ. وهذا يعني أن سقوط هذا النظام سيقوّي أصوات المعتدلين الفلسطينيين الذين درج النظام السوري على المزايدة عليهم باسم فلسطين، كما يحرم الإسرائيليين ذرائعهم للتشدد بحجة التطرف العربي.

وفي هذه الغضون، ستترتب على إنهاء الأزمة السورية حماية الاستقرار في بلدان صديقة للغرب كالأردن ولبنان وتركيا. وفي حالة البلدين الأولين، تتحول أزمة النزوح السوري عنصراً ضاغطاً يضيف السبب الاقتصادي إلى أسباب القلق الأخرى، الأهلية منها والسياسية. أما فيما يخص الأتراك في عهد "حزب العدالة والتنمية"، فالمؤكد أن دورهم المعتدل في المنطقة ونشر نموذجهم الموصوف بمزاوجة الإسلام والديمقراطيّة سيقعان على ضالتهما في سوريا ما بعد الأسد، فضلاً عن تراجع التهديد الإيراني والصراع معه على النفوذ. ولا نبالغ إذا قلنا إن الميوعة التي تبديها إدارة "الإخوان" في مصر حيال الروس والإيرانيين ستجد في حال التدخل في سوريا، ما يلجمها ويحد منها.

ولنا أن نضيف، حين نأخذ في الاعتبار المصالح الكونية للغرب، ضبط روسيا ونفوذها الذي يراد توسيعه نحو الخليج. ذاك أن إطاحة الأسد ومحاصرة إيران سيغيران جذريّاً "جنوب روسيا" ويجعلان من المستحيل تعويل موسكو عليه في أي تنافس استراتيجي على النفوذ.

وقد يكون من الصعب الجزم مسبقاً بمدى الاختراق العاطفي الذي قد يُحرزه الغرب للعقول والقلوب العربية والإسلامية في حال التدخل في سوريا. إلا أن من شبه المؤكد أن اختراقاً ما سيحصل، خصوصاً بعد المساعدة على إطاحة القذافي في ليبيا من دون أي إنزال بري أو احتلال. وهذا ما يرقى، من حيث المبدأ، إلى انتصار معنوي كبير يزيد في أهميته عجز الغرب، حتى إشعار آخر، عن إحراز تقدم فعلي على الجبهة الإسرائيليّة- الفلسطينيّة، وعن فرض تنازلات جدية على الإسرائيليين.

وهذا بالطبع لا يعني انتفاء الأسباب والقراءات التي قد تدفع في وجهة معاكسة. غير أن القراءة هذه تبقى وجيهة في الأحوال كافة... أو هذا ما يُظن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 22)

جيش البعث العقائدي يتجرأ على بيوت الله

محمد فاروق الإمام

في هذه الحلقة يروي الرفيق أحمد أبو صالح القصة الكاملة لأحداث مدينة حماة وتجرؤ جيش البعث العقائدي على قصف المساجد واستباحة حرمتها:

أحمد منصور: سآتي لها في 7 أبريل/نيسان 1964 اندلعت أحداث حماة وقصفت مئذنة مسجد السلطان، ويقال أن هناك أربعين شهيدا، ألم يكن هذا تمردا على حكم البعث؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي، هاي أيضا يمكن ما حدا كتب عنها بدقة، في الحقيقة الفتنة قامت وبوجود عبد الحليم خدام اللي الآن نائب رئيس جمهورية..

أحمد منصور: كان محافظ حماة..

أحمد أبو صالح: كان محافظا لمدينة حماة، قضية عادية جدا بين طالبين أحدهما سني والآخر علوي أو نصيري..

أحمد منصور: صح.

أحمد أبو صالح: فبدلا من أن تعالج في حينها، مع الأسف الشديد لا أعرف سبب عدم معالجتها من قبل المحافظ والمسؤولين الآخرين، المهم وقعت الفتنة، وكان أبرز شخص بين الإسلاميين - ما بقول الإخوان المسلمين - هو مروان.. الشيخ مروان..

أحمد منصور: الشيخ مروان حميد؟ مروان حديد..

أحمد أبو صالح: حديد.. حديد، طبعا الرجل يعني ما سمح بأنه والله لأبناء هذه الطائفة إنه حتى يحكموا المدارس، والأساتذة، يعني يتمردوا على الأساتذة، يتمردوا على كل شيء، وكأنهم هم مثل المماليك في مصر إبان أوجهم فصعب عليه هو والآخرين وكان فيه هناك استهتار بموضوع الدين واستخفاف بالمتدينيين ويظهروا بالشوارع مخمورين وإلى آخره، فصار فيه هناك حركة بحماة على أثر يعني هذه الشعلة أو هذه الفتيلة أو كذا، فمع الأسف الشديد الضباط غير السنة من عزت جديد إلى حمد عبيد، إلى..

أحمد منصور: دروز..

أحمد أبو صالح: إلى.. حمد عبيد درزي.

أحمد منصور: عزت جديد علوي وحمد عبيد درزي.

أحمد أبو صالح: نعم، وفيه واحد خير بك.. أنيس خير بك علويون.. يعني ما فيه حدا من هؤلاء من أبناء الشعب اللي هم الأكثرية يعني السنة، فاستغلوها وبدءوا فعلا بقصف المدينة ومنها مئذنة الشيخ، أمين الحافظ.

أحمد منصور: أمين الحافظ بيقول قصفت المدينة بدون إذنه.

أحمد أبو صالح: شوف صح، أمين الحافظ في مجلس قيادة الثورة عندما يعني احتدمت الأمور بحثنا في.. في مجلس قيادة الثورة كيف يمكن أن تعالج هذه المشكلة؟ هناك من اقترح أنه أبو طموح باعتباره ابن عائلة فيها نسبة كبيرة من المشايخ وعلاقتهم كبيرة في مشايخ حماة.

أحمد منصور: أنت متمرد على المشايخ.

أحمد أبو صالح: لأ، بس بالنسبة إلهم يعني فبيعرفوا إنه عائلتنا فعلا فيها نسبة كبيرة من المشايخ، فالمهم وإذ احد الموجودين شبلي العيسمي أو.. أو صلاح البيطار قال لا لا، أبو طموح عنيف ما بدنا، يعني الأفضل يبقى هون خلي غيره يروح، وإذا ميشيل بالذات قال ما فيه غير أمين الحافظ يروح بيعالج المشكلة.

أحمد منصور: راح بقى يعمل أيه؟

أحمد أبو صالح: أمين الحافظ.

أحمد منصور: راح قال لهم: ((نحن نقول للمتآمرين ومن خلفهم ما هي إلا أيام قليلة حتى نسحقهم ومن معهم ومن خلفهم وسيعلم المتآمرون أي منقلب ينقلبون)).

أحمد أبو صالح: وبيحكي أكثر من هيك.

أحمد منصور: لأ وبعدين قال لهم: ((سنحكم بالموت على كل من يستحق الموت، ونعاقب بالسجن المشاغبين، وسنسوقهم إلى تدمر مشيا على الأقدام حتى.. حيث يبقون حتى يتحولوا إلى أناس طيبين، ولسوف نمشط المدينة لمصادرة السلاح، ولن نترك فيها غير سكاكين المطابخ)).

أحمد أبو صالح: يا سيدي قصة تدمر مو مشيا على الأقدام، سحلا بالدبابات وبالطيارات و..

أحمد منصور: بعض الناس اللي بيكتبوا بيبقوا شوية زي جزمة عبد الناصر وحذائه.

أحمد أبو صالح: أيوه، المهم اقترحوا أمين الحافظ، أمين الحافظ شو قال؟ قال أنا مستعد باروح أنا وابو أسامة ونور الدين (كان وزير داخلية).

أحمد منصور: أبو أسامة صلاح جديد.

أحمد أبو صالح: صلاح جديد، ما بيقدر هو بلا أسامة يعني أبو أسامة، وصلاح.. ونور الدين الأتاسي، بس بشرط تفوضوني تفويض مطلق، تفويض مطلق بأن أقوم بكل ما أعتقد أنه بيقمع ها الانتفاضة أو يعني التمرد أو كذا، فسألوه إنه مثل إيش مثلا يعني نفوضك بشو؟ قال لهم أنا بدي أجرهم بالسلاسل والحبال إلى تدمر نساء ورجالا وأطفالا، شبلي العيسمي احتج إنه هاي أطفالا ونساء بلاها، هو، قلت له هاي بلاها، يعني أنت قبلان يجر الرجال، أنا ما استمعتوا لرأيي بس قلتوا إنه أنا يعني عنيف، ورفضتوني، فالآن وقت اللي بينحكى ها الحكي هذا.. أخي هذا.. هذا أخي يعني أقسى بكثير مما كنتم تظنون بأنه أنا يمكن أن أقدم عليه، ومع ذلك راح وإجا معاه.

أحمد منصور: راح خد موافقة إنه يجر.

أحمد أبو صالح: أه أخذ موافقة طبعا مجلس قيادة الثورة.

أحمد منصور: أعطاه موافقة؟!

أحمد أبو صالح: على كل شيء ما عدا إنه ما يجر النساء والأطفال.

أحمد منصور: بس.

أحمد أبو صالح: آه، بس، الباقين له أن يتصرف كما يشاء، راح أمين الحافظ ومعه صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، في اليوم الثاني اتصل في أمين الحافظ، قال لي أبو طموح أرجوك بأسرع ما يمكن تيجي إلى حماة، حس هو بأنه يعني هؤلاء الناس اللي.. اللي ضربوا وقتلوا بدهم.. أخذوا عدد كبير جدا من الناس إلى الثكنات العسكرية بدهم يعدموهم، أنا ما كنت عرفان إنه بس ليش إصراره، وسألته قال لي أبو طموح بعدين بتعرف ما فيه بتقدر توصل لحماة بساعتين، وفعلا في ساعتين وصلت لأنه 200 كيلو متر عن دمشق. بسيارة الوزارة وسقتها لحالي ما أخذت معي سائق، رحت لهناك دخلت على مكتب عبد الحليم خدام كمحافظ، الحاجب قال لي والله يا أستاذ طلع هو وأمين الحافظ وصلاح جديد ونور الدين الأتاسي لثكنة من الثكنات، ما أنا عرفان ليش طلعوا على الثكنة، وقعدت أنا على كرسي المحافظ ودعيت وجهاء المدينة، كلهم استجابوا .

أحمد منصور: مين أبرز الشخصيات؟

أحمد أبو صالح: مثلا الحامد كان مفتي.

أحمد منصور: الشيخ محمد الحامد.

أحمد أبو صالح: الشيخ محمد الحامد وآخرين، يعني هذا ابرز واحد أذكره جيدا، لأنه هو الذي تحدث باسم المجتمعين، تحدث الرجل باسم هؤلاء الناس، كيف ممكن هذا يصير، الدين، يعني البلد، الاستخفاف، وبعدين ليش يعني أنتم تحموا مثلا النصيرية بمواجهة الأكثرية؟ ليش كذا؟ ليش كذا، حكى الرجل بوضوح وصراحة وإنه نحنا ما إنا راغبين بأنه والله ننتفض على النظام ويزداد عدد القتلى والجرحى والتخريب والكذا والكذا والكذا، وبصراحة يعني اللي قاموا بها العمل معروفين وأنتم أدرى الناس فيهم، حمد عبيد، وعزت جديد، وأنيس خير بك، بمعنى أنه كلهم ما لهم علاقة بالسنة ما نعلم، أنا الحقيقة حكيت بمنطق إيجابي جدا إنه أنا معكم هذا لا يجوز، وأنا كنت أثرت موضوع يعني استشراء أمر الطائفية، لأنه أنا حكيت عن عدس علويين ودروز وإسماعليين لدى عودتي من اللاذقية يمكن أثرت هذا الموضوع، ولكن بصراحة يعني أيضا الاستمرار بالعصيان يعني أنا رجل من المسؤولين ما باقدر أصف معكم إنه تعال (يلعن أبوهم)، فيعني كمان هذا الأسلوب اللي اتبع بحماة من قبل بعض المتحمسين وإلى آخره هذا أيضا غير جائز تعال..أعطونا فرصة من الزمن، ولعلمكم أنا يعني, انتم تعرفوني وقال لي الشيخ هذا محمد قال لي طبعا نعرفك أستاذ أصلا أنت لولا تكون فلان وابن فلان وابن عم فلان، ومن عائلة.. نحن ما كنا جينا، نحن ما كنا جينا..

أحمد منصور: عشان ولاد عمك المشايخ.

أحمد أبو صالح: آه، من شان ولاد عمي وممكن صافيني معاهم.. معاهم يعني المهم إجا عندنا..

أحمد منصور: بركاتهم حلت عليك.

أحمد أبو صالح: آه، إجا أمين الحافظ ومعه نور الدين  وصلاح جديد، أنا مستمر بالحديث لإشعار هؤلاء الناس بأنه نحن ما إنا عبيد ولا إنا أرقاء وإلنا صوتنا وإلنا رأينا وإلى آخره، استمريت بالحديث وما.. ما تزحزحت عن الكرسي.

أحمد منصور: قل لي لمين؟ إثبات لمين يعني؟

أحمد أبو صالح: لا، لما جاء أمين الحافظ وصلاح الدين ونور الدين الأتاسي.

أحمد منصور: أيوه، حبيت تثبت لمين، بتثبت لأمين الحافظ والمجموعة يعني؟

أحمد أبو صالح: للناس إللي موجودين بأنه ما. لمجرد ما يجوا ها دولي يعني أنا خلاص قطعت حديثي وأعطيت الكرسي لأمين الحافظ وقلت له تفضل سلمته الك.

أحمد منصور: رغم رئيس.. رغم إنه رئيس الدولة ومعاه وزير الداخلية و..

أحمد أبو صالح: آه، بالبدلة العسكرية، وبالبدلة العسكرية كمان، ما أنا ما قمت..

أحمد منصور: واخد تفويض بالسحل والجر و..

أحمد أبو صالح: آه ما قمت أنا، استمريت بالحديث نور الدين الأتاسي ايجا على الطرف وصار يغمزني إنه بما معناه إنه قوم، ويتعمد إنه يخلي أمين الحافظ وصلاح جديد يشوفوه إنه هو يعني عم يشير لوجوب إنه أنا أقوم وأعطي المكان لأمين الحافظ والتفت عليه أنا قلت له عيب نور الدين، بيكفي، عملتها مرة وأنا ما استجبت، بيكفي يا أخي اتركنا نحكي، هنا حسوا الناس اللي موجودين بأنه هذا أبو طموح يعني ما هو أساسي في المجموعة هاي الكذا الكذا، يعني كان تقييمهم إلى تقييم إيجابي جدا، أمين الحافظ للتاريخ قال له نور الدين، قال له اتركه نور الدين خليه يكمل حديثه أبو طموح، وكانوا مرتاحين الناس، المهم بعدين أنا قلت له الآن أبو عبده يمكن في عنده شيء يقوله بعد عودته من الثكنة، قام قعد أمين الحافظ وطمأنهم وقال لهم: نحن كنا بالثكنة وفيه عدد كبير من المعتقلين أبناءكم وأبناء حماة اللي هي عزيزة على قلوبنا - بدأ هذا - ويعني قررنا الإفراج عنهم.

أحمد منصور: كان عددهم قد أيه تفتكر؟

أحمد أبو صالح: بالضبط ما بعرف يعني، المهم بعدين هو قال لي أبو عبده، قال لي أبو طموح لولا أنا أكون هون وأطلع معهم على الثكنة كانوا بيعدموهم كلهم.

أحمد منصور: مباشرة بدون حكم، بدون محكمة، بدون أي شيء؟!

أحمد أبو صالح: أيه قال لي، كانوا مستعدين يعدموهم كلهم بها البساطة، فيعني أنا اتصلت فيك من شان أنت تضم صوتك لصوتي على الأقل وأعرف إنه هادولا الجماعة بحماة هم علاقتهم وطيدة جدا بحلب بشكل عام، وحمص علاقتهم وطيدة جدا بدمشق شايف، فيعني فيه ها العلاقات الودية بين المدينتين زائد علاقات ودية بين عائلتنا والعائلات.. وحماة بلد محافظ جدا حتى المسيحيين في حماة بيتحجبوا لعلمك، يعني مجاراة للأكثرية الساحقة.

أحمد منصور: للبيئة.

أحمد أبو صالح: للبيئة العايشين فيها، وفعلا بعدين نحن سافرنا وكانوا راضين الناس اللي اجتمعوا في.. في يعني المكتب.

أحمد منصور: وانتهى الموضوع بعديها.

أحمد أبو صالح: انتهى الموضوع إلى حين.. انتهى الموضوع إلى حين.

أحمد منصور: أخذ وقت طبعا، تقييمك أيه لأحداث حماة باختصار، 64؟

أحمد أبو صالح: يعني الأولى أم.؟

أحمد منصور: 64،64 أنا ماليش دعوة باللي بعد كده مش شغلتكم.

أحمد أبو صالح: أيوه، يعني يمكن اكتشفوا الحقيقة، قبل غيرهم من أبناء المحافظات الأخرى لقربهم من المناطق اللي بيعيشوا فيها نصيريين، لأنهم ملاصقين تماما يعني النصيريين على حدود حماة نسبتهم قليلة داخل المدينة، لكن كبيرة جدا خارج المدينة، وقد تصل إلى 90%، شايف، وهم اللي اقتسموا الغاب بعد تجفيفه شايف، وبالتالي هم الحموية أحسوا قبل غيرهم بأنه يعني فيه هناك طائفية قد تستشري ويصعب علاجها وهذا ما حدث فعلا يعني.

أحمد منصور: استمرت الأحداث لمدة أسبوعين وخمدت بعد ذلك، حكم بالإعدام على البعض، وذهب الشيخ محمد الحامد - كما يروي لي الرئيس أمين الحافظ في شهادته - إليه ويعني سمح له بأنه عفى عن المجموعة التي كانت حكم عليها بالإعدام، هل صحيح أن الشيخ محمد الحامد قبل رأس أمين الحافظ حتى يوافق على عدم إعدام الذين كان قد حكم عليهم بالإعدام؟

أحمد أبو صالح: لعلمك هاي لأول مرة باسمع بها القصة، لأنه نحن طلعنا من حماة ورجعنا إلى دمشق، يعني وهي بعد منتصف يمكن نيسان ما هيك؟

أحمد منصور: نعم كانت في.. كانت في أبريل/نيسان انتهت 16 أبريل/نيسان وقف إطلاق النار واستمرت لـ24 أبريل/نيسان إلى أن انتهت بشكل ما.

أحمد أبو صالح: أيه فرجعنا.. رجعنا نحن.. أيه فرجعنا نحن لدمشق وما فيه حدا محكوم.. في حدود علمي كانوا بدهم يحكموا بالإعدام وينفذوه يعني حكم ميداني وينفذوه..

أحمد منصور: عفا عنهم بعد ذلك.

أحمد أبو صالح: فيمكن المقصود إنه عفا عنهم وقت اللي كانوا بالثكنة معرضين لصدور حكم الإعدام.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 21)

البعثيون يأكلون بعض

وأعضاء حزب البعث يتحولون إلى عصابات

محمد فاروق الإمام

في هذه الحلقة يصور لنا الرفيق أحمد أبو صالح الصراع الذي بدأ ينخر جسد حزب البعث، وكان أهم محاور هذا الصراع (القيادة القومية والقيادة القطرية). كما يكشف بصراحة تحول الحزبيين إلى عصابات من خلال الحرس القومي الذي أنشأه الحزب.

أحمد منصور: بعد كده طبعا حصلت مذبحة للدروز بعد محاولة سليم حاطوم.. يعني محاولة إن هو يستعيد مجد الدروز، فسنأتيلها في حينها وما حدث للدروز بعد ذلك، لكن أنا في هذه المرحلة تحديدا وفي هذا الوضع بدأ ينشب صراع ما بين ما يسمى بالقوميين والقطريين، المؤتمر القومي السادس للحزب عقد في أكتوبر (تشرين الأول) 63، وبدأت الصراعات تظهر بين القوميين والقطريين وطلب سحب الثقة من القطرية، أنت كنت.. كنت عضو قيادة قطرية.

أحمد أبو صالح: نعم.

أحمد منصور: وكنت إلى جوار أنك وزير أشغال عامة ووزير مواصلات، ضمت إليك وزارة الزراعة.

أحمد أبو صالح: نعم.

أحمد منصور: ودي نقطة مهمة عايز أسألك عنها أنتو كنتوا كل واحد مكلبش على 10، 15 منصب، ومقسمين الدولة عليكم أنتو 7،8 يعني أيه نظام الحكم ده؟

أحمد أبو صالح: الحقيقة..

أحمد منصور: الواحد بيدير دكانه وبيبقى ملبوخ به، أنتو كل واحد معاه 5 وزارات و6 مسؤوليات و15 رئاسة لجنة واجتماع، أيه.. أيه ما هو نظام الحكم هذا؟ وأيه السر وراء هذا؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي.. يا سيدي، أيضا يعني وبصدق أن هذا إلى حد كبير كان صحيحا، ذلك لاعتقادنا بأن المرحلة تقتضي ذلك، يعني أن يكون الإنسان البعثي المضمون ولاؤه للحزب والمتحمس..

أحمد منصور: يعني أهل الثقة وليس أهل الخبرة..

أحمد أبو صالح: وليس أهل الخبرة، وكان هناك صراع فعلا بين أبناء الحزب الموثوقين والخبراء من غير أبناء الحزب أيهما أفضل..

أحمد منصور: قل لي صفة الموثوقين أيه وانتو عمالين تخونوا بعض وتتمردوا على بعض جوه الحزب دي مجموعة الموثوقين، بتخونوا بعض وبتتمردوا على بعض، وبتفصلوا بعض، وبتتصارعوا مع بعض، إيه معايير الثقة؟

أحمد أبو صالح: أيه، يعني التفكير بموضوع المقارنة بين الثقة والخبرة جاء قبل ما يدب الصراع - في الحقيقة - بين اليسار واليمين أو هكذا كنا نصنفه..

أحمد منصور: داخل الحزب.

أحمد أبو صالح: بين القوميين والقطريين كنا نفكر بأنه من الطبيعي أن نعتمد على البعثين أولا ومع مرور الزمن يمكن أن يكتسبوا الخبرة التي تحتاج إليها البلد، لكن ذلك - مع الأسف الشديد - لم يحدث، بدليل مثلا محافظ حلب هلال رسلان أمم الأفران دون الرجوع إلى القيادة القطرية.

أحمد منصور: أفران الخبز.

أحمد أبو صالح: أفران الخبز أممها وسلمها إلى الحرس القومي، الحرس القومي بين أمي وبين يعني ماجن وبين مرتكب جرائم، كل من يأتي ويقول أنا أقبل.. أريد الانضمام للحرس القومي كان يقبل، يعني ما.. لم يكن الحرس القومي وقفا على البعثيين، أمم الأفران وسلمها للحرس القومي، الحرس القومي الشريف منهم لم يكن خبير بإدارة شؤون الأفران، فمع الأسف الشديد قلت كميات الخبز، الخبز كان يباع غير ناضج، ضجت الجماهير، ذهبت إلى حلب، فسألته يا أبا محمود، كيف تقدم على هذه الخطوة؟ قال: ألسنا اشتراكيين؟

أحمد منصور: طبعا.

أحمد أو صالح: طيب، وبعد فترة تبين على أن الأفران خسرت مبالغ ضخمة جدا علينا أن نغطيها، وأعدنا الأفران إلى أصحابها بعد أقل من شهرين.

أحمد منصور: هو القضية ما كانتش الأفران بس، حتى أنت حينما توليت وزارة الزراعة.

أحمد أو صالح: صحيح.

أحمد منصور: كنت نائب رئيس الوزراء بالإنابة، وأصدرت قانون ما يسمى بالإصلاح الزراعي.

أحمد أبو صالح: صحيح.

أحمد منصور: مع إنك جئت من عائلة يعني لا نستطيع أن نقول عائلة ثرية وإنما عائلة ميسورة.

أحمد أبو صالح: وسط نعم.

أحمد منصور: يعني لم فعلت هذا بالناس؟

أحمد أبو صالح: في الحقيقة أنا شخصيا كنت قريب جدا من الفكر الماركسي، وأنا أحد الذين ضغطوا لتدوين - ضمن ضمن المنطلقات النظرية التي أقرها المؤتمر القومي السادس - أنا أحد الذين أصروا على إدراج أن الماركسية هي مصدر رئيسي من مصادر الفكر الاشتراكي، وتكلمنا عن الاشتراكية العلمية، وقلنا إننا سنأخذ من الماركسية كل ما يثبت العلم والتطبيق صحته وإلى آخره، جرى بعض التعديلات، وأنا الآن أقول بأن الفكر الماركسي فكر إنساني يعني ينشد على الأقل العدالة الاجتماعية وإن سقط سواء في الاتحاد السوفييتي أو غير الاتحاد السوفييتي سقطت الشيوعية أو الاشتراكية، لكن هذا لا يعني أن النظرية قد سقطت، من هنا جاء.. هنا جاء إلى حد ما موقفي فيما يتعلق باصطفافي إلى جانب اليسار في حزب البعث العربي الاشتراكي، فاليسار هو الذي رشح أول قيادة قطرية منتخبة بعد 8 آذار، وقد نجحنا 8 أعضاء للقيادة القطرية في مواجهة ما كنا نسميه اليمين، يعني ميشيل عفلق، صلاح البيطار، شبلي العيسمي، منصور الأطرش وإلى آخره، العسكريين: أمين الحافظ، محمد عمران، صلاح جديد كانوا مصنفين إلى جانب اليمين.

أحمد منصور: كل.. كل جانب اليمين خلي بالك دروز وعلويين، ما قلتش أنت اسم واحد..

أحمد أبو صالح: لا، جانب اليمين؟

أحمد منصور: ما فيش غير صلاح البيطار بس كان.. ربما..

أحمد أبو صالح: نحنا.. لأ.. لأ، نحنا راح أقول لك نحنا القيادة القطرية التي نجحت كان أحد أعضائها حافظ الأسد علوي، عضو حمد عبيد درزي، محمود.. محمود نوفل درزي، حمود الشوفي درزي.. نحنا أنا ونور الدين وخالد الحكيم ومحمد رباح الطويل سنة، يعني كنا أربعة سنة وثلاثة دروز، وحافظ الأسد علوي، يعني مناصفة تقريبا، كنا نزعم أننا نحن اليسار، والطرف الآخر.

أحمد منصور: اليمين.

أحمد أبو صالح: هو اليمين، ونجحنا فعلا بالانتخابات.. أول قيادة قطرية منتخبة بعد 8 آذار هي قيادتنا..

أحمد منصور: اللي هي سحب منها الثقة في المؤتمر السادس..

أحمد أبو صالح: التي سحب منها الثقة في المؤتمر، وسحبت منها الثقة في المؤتمر بعد.. بعد سحب أيضا الثقة من قيادة علي صالح السعدي في العراق.

أحمد منصور: بعد نجاحكم أنتم الثمانية مين اللي في المقابل لم ينجح؟

أحمد أبو صالح: حسب تقديري، بسبب مرور مدة طويلة لم أعد قادرا على ذكر جميع الأسماء، لكن من كنا نقول لهم يمينيون مثل الأستاذ صلاح البيطار، شبلي العيسمي، منصور الأطرش، وآخرين..

أحمد منصور: دول قيادات الحزب.

أحمد أبو صالح: دول قيادات الحزب..

أحمد منصور: لم ينجحوا..

أحمد أبو صالح: لم ينجحوا لأن نحن..

أحمد منصور: في المؤتمر القومي السادس..

أحمد أبو صالح: لأ بالمؤتمر القطري أنا باحكي أنا..

أحمد منصور: بالقطري.. صح.

أحمد أبو صالح: هذا سحب الثقة منه بعدين.

أحمد منصور: آه نعم.

أحمد أبو صالح: إنما بأول انتخابات للقيادة القطرية في سورية بعد 8 آذار جرت ونجحنا نحن اللي محسوبين على اليسار، لذلك العسكريين..

أحمد منصور: معنى دا أيه؟ معنى دا أيه من قبل القواعد القيادات..

أحمد أبو صالح: أكثرية قواعد الحزب بدها تجديد..

أحمد منصور: أيوه قواعد..

أحمد أبو صالح: بدها تجديد، يعني لم.. يعني لم تعد تقبل بفكر ميشيل عفلق وصلاح البيطار، يعني الرعيل الأول بالحزب..

أحمد منصور: دا مبكر الكلام دا في 64 كان..

أحمد أبو صالح: أيه..

أحمد منصور: يعني في 64 بدأت قيادات البعث ترفض فكر الآباء أو المؤسسين..

أحمد أبو صالح: بالـ63 صارت الانتخابات..

أحمد منصور: بالـ63.

أحمد أبو صالح: قبل.. قبل حركة العراق في تشرين في أكتوبر/تشرين قبلها بسورية مذ قفزنا إلى الحكم، قررنا نحن وبتكتل، وهذا التكتل ممنوع بالحزب ممنوع، نحنا في الحقيقة كنا متكتلين، والاجتماعات كانت تتم في منزلي..

أحمد منصور (مقاطعا): طيب أيه معنى الآن.. أيه معنى الآن وجود تيار ناصري وجود تيار ماركسي داخل البعث؟ كان فيكم ناصريين، كان فيكم ماركسيين.. أنتم كنتم ماركسيين..

أحمد أبو صالح: ايه إلى حد.. طبعا.. يعني..

أحمد منصور: والناصرية والماركسية إذا كان هناك ما يسمى بالناصرية كأفكار ومبادئ ومذهب فكري تختلف اختلاف بعثي عن.. كان فيه صراع بين عبد الناصر وبين البعثيين، كان فيه صراع بين الماركسية وبين البعثيين، معنى كده إيه؟ معنى كده إن أفكار البعث لم تكن متشبعة لأبنائه؟!

أحمد أبو صالح: موضوع الناصريين ما كانوا موجودين في الحقيقة، كانوا انشقوا عن الحزب، جماعة الأستاذ أكرم الحوراني والناصريين اللي شكلوا تنظيم..

أحمد منصور (مقاطعا): أكرم الحوراني كان اشتراكي انشق..

أحمد أبو صالح: صح.. انشق، وانشقوا أيضا..

أحمد منصور: والناصريين، جاسم علوان ومجموعته..

أحمد أبو صالح: عدد من البعثيين انشقوا وعملوا تنظيم اسمه الوحدويين الاشتراكيين، هؤلاء ينادون بإعادة الوحدة، ثم النظر بالتطوير، نحن كنا بعثيين لا يجوز إطلاق علينا كلمة ناصريين، نحنا بعثيين، يعني معتبرين نفسنا نحنا بعثيين، داخل.. داخل هذا التنظيم البعثي اللي قفز إلى السلطة دون أن ندري بأن الأستاذ أكرم الحوراني منفذ أيضا على بعض الذين قاموا بـ8 آذار وأيضا الوحدويين الاشتراكيين منفذين، رغم استقالتهم من الوزارة، لكن بقوا على علاقة بواسطة أشخاص معينة، مثلا صلاح جديد بقيت علاقته وطيدة بالناس اللي كنا نطلق عليهم إنهم قطريون، هادولا أقرب للأستاذ أكرم الحوراني، هذا صلاح جديد، محمد عمران كان أقرب ما يكون إلى الوحدويين الاشتراكيين اللي قيادتهم تقدر تقول نصيرية مثل فايز إسماعيل وأدهم مصطفى، شايف فتوزعوا الأدوار، وحافظ الأسد اصطف إلى جانب اليسار.

أحمد منصور: الآن بعد المؤتمر القومي.. سحب المؤتمر القومي الثقة من القيادة القطرية منكم أنتم..

أحمد أبو صالح: لأ سحبت منا الثقة ليس بالمؤتمر القومي، بمؤتمر قطري استثنائي، أطلقوا عليه المؤتمر القطري الاستثنائي، في حين أن المؤتمر القطري الاستثنائي بحكم النظام الداخلي يجب أن يضم فقط أعضاء المؤتمر القطري العادي، فهم أتوا بعدد من العسكريين يتجاوز الخمسة عشر عسكري وأضافوهم إلى المؤتمر القطري وسموه مؤتمر قطري استثنائي..

أحمد منصور: أيه معنى كده؟

أحمد أبو صالح: معنى ذلك إن هم بالحساب طلع معاهم.

أحمد منصور (مقاطعا): لأ مش بالحساب أنا باقول كتصرف وسلوك، ما باتكلمش على الحساب.

أحمد أبو صالح: تخلص منا، تآمر علينا، الغرض هو التخلص منا كما تخلصوا من رفاقنا بالعراق..

أحمد منصور: ردكم كان أيه على هذا؟

أحمد أبو صالح: نحنا رفضنا، بعدما تلينا البيان السياسي، بيان القيادة القطرية السياسي، وشاهدنا بأم أعيننا إنه اجتماعات عم بتم بالطابق الثاني مع عسكريين ليس لهم علاقة بالمؤتمر القطري اعلنا رفضنا بأن هؤلاء ليسوا أعضاء، نحنا القيادة فلو كانوا هادولا أعضاء مؤتمر نحن أدرى، والمؤتمر الاستثنائي مفروض يكون فقط..

أحمد منصور (مقاطعا): ما الذي ترتب على ذلك؟

أحمد أبو صالح: ترتب على ذلك إنه نحنا عندما سحبت الثقة خمسة مننا لم يرشحوا أنفسهم، أربعة عفوا.. أربعة لم يرشحوا أنفسهم، واللي ترشحوا العسكريين الثلاثة..

أحمد منصور (مقاطعا): مين ومين؟

أحمد أبو صالح: حافظ الأسد وحمد عبيد ومحمد رباح الطويل، بأمر طبعا من قيادتهم ونور الدين الأتاسي وقت اللي أحس بأن الثقة ستسحب منا فصف إلى جانب الآخرين، ميشيل عفلق بها المناسبة قام وقال إنه هذا الإجراء اللي أنا يعني كنت نتمنى ألا يقع، لكن لا بد من وقوعه لأنه صار فيه أخطاء و.. و.. إلى آخره، ولكن هذا لا ينسحب على الرفيق أحمد أبو صالح، أرادوا يجرحوني أنا كما جروا نور الدين الأتاسي..

أحمد منصور (مقاطعا): إشمعنى؟

أحمد أبو صالح: لأ لأنه أنا بيعرفوا إنه كنت واضح كل الوضوح، وأطرح قناعاتي بصراحة وجرأة، بيجوز يعني من العلويين ما كانوا مرتاحين، بس ميشيل عفلق والآخرين يعني إنه هذا أبو طموح، صحيح إله فكر.. يعني أقرب إلى اليسار لكن بيبقى إنسان يعني من وجهة نظرهم.

أحمد منصور: هل ما قمتم به من عمليات تأميم ومصادرة لأملاك الناس وظلم وقع على كثير من الناس، أنت مقتنع إلى اليوم إن اللي عملتوه صح؟

أحمد أبو صالح: اليوم غير مقتنع 100%، ولكن عندما تم ذلك كنت متحمسا.

أحمد منصور: الآن بعد تقييمك للي عملتوه..

أحمد أبو صالح: كانت يعني كانت عملية تخريب للقتصاد السوري، ذلك لأننا فعلنا أيضا كما فعل هلال رسلان بحلب، سلمنا كل المتاجر، كل الشركات تقريبا لصبيان. 18و19و20و25 سنة صاروا يديروا أكبر الشركات، وما فيه شيء اسمه قانون تأميم أو مرسوم تأميم، قطعا لأ، استيلاء تقدر بتقول، أضربت لمدن..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني الدولة.. الدولة تحولت إلى عصابات؟

أحمد أبو صالح: أيه خلينا نقول، يعني استولينا نحن، ما طلعنا قانون..

أحمد منصور: يعني شغل عصابات؟

أحمد أبو صالح: أيه شفل عصابات سيدي، استولينا نحنا على المحلات التجارية والشركات التي أعلنت الإضراب، نزلنا الحرس القومي و.. وبدأ بتكسير الأقفال، يعني مو موضوع نجيب الإنسان نقول له افتح المحل ونناقشه لأ، المدينة أغلقت حوانيتها، والشركات توقفت وإلى آخره، فنحنا أرسلنا هؤلاء الناس مو نحنا طبعا، لكن جهة ما، نحنا مسؤولين عنها..

أحمد منصور: أيه جهة ما يعني؟

أحمد أبو صالح: نعم؟

أحمد منصور: أيه الجهة دي؟

أحمد أبو صالح: يعني تقدر تقول المخابرات العسكرية والناس اللي عم بيحكموا من خلف الستار..

أحمد منصور: وأنتم خدتم القرار دا في مجلس قيادة الثورة؟

أحمد أبو صالح: لا أبدا..

أحمد منصور: أمال مين اللي خده؟

أحمد أبو صالح: أبدا.. أبدا، حتى أنا يعني باجتمع بيني وبين محمد عمران وأحمد سويداني هذا اللي كان بالصين واتهم بأنه له علاقة بالمخابرات المركزية، يعني طلب إلينا أن نعالج المشكلة، دعينا التجار وبدأنا نناقشهم، لكن في الحقيقة نحنا تبين إنه على الأقل أنا ما إلي سلطة، أنا كان لي رأي لكن ما تنفذ..

أحمد منصور (مقاطعا): إزاي ما لكش سلطة؟ إزاي ما لكش سلطة؟ عضو مجلس قيادة ثورة..

أحمد أبو صالح: صح..

أحمد منصور: ووزير 3 وزارات، أمال مين بقى اللي له سلطة؟

أحمد أبو صالح: صح.. بس.. لأ، على عيني بس أنا سبق وأن قلت لك بأنه وزراء اعتقلوا دون علمنا، وزراء زملاءنا بالوزارة لمجرد استقالتهم وضعوا بالسجن، أنا.. يعني في الحقيقة إنه ما كنا نحكم سورية، كنا نظن إنه نحكم، في حالات استثنائية يعني عندما أطلب من حافظ الأسد الإفراج عن طارق الزيات بعد تعذيبه لمدة شهر، والإفراج عن خالد بستنجي بعد أن أصبح مشلولا وحالات.. وعبد الوهاب حومد، هاي حالات استثنائية التي كنت أطلع عليها، أما الحالات العامة أو ما كان يمارس خلف ستار هو الأدهى والأمر، هو الذي أودى..

أحمد منصور: مين اللي كان بيحكم فعلا في تلك..؟

أحمد أبو صالح: اللجنة العسكرية..

أحمد منصور: اللي هي؟

أحمد أبو صالح: سبق أن ذكرت بعض الأسماء يعني التي تشكلت بالقاهرة وبعضها..

أحمد منصور: نفسها هي التي ظلت تحكم؟ وأنتم موجودين كصورة، كمجلس قيادة ثورة؟

أحمد أبو صالح: حتى ونحن موجودين كانت هي التي تحكم، وبالمناسبة جاء صلاح الدين في يوم من.. من الأيام وطرح.. لا أتذكر بالضبط موضوع، فالأكثرية عارضت ذلك، بمن فيهم الأستاذ ميشيل عفلق، وعندما.. وصلاح جديد يقول إنه والله هذا قرار الرفاق أعضاء اللجنة العسكرية، ميشيل عفلق للتاريخ أيضا بأيده قلم، ضرب القلم على الطاولة، وقال: قولوا لنا إنه نحن ما عم نحكم؟ قولوا لنا فيه لجنة عسكرية عم تحكم البلد باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، هاي حقيقة أيضا، يعني لذلك.. لذلك عندما حلت القيادة القومية.. القيادة القطرية، ما هي عارفة بأنه القيادة القطرية وراها لجنة عسكرية، ما فيه أسهل من أن تقوم بانقلاب وقامت 53 يوم فقط حكمت القيادة القومية، فقط 53 يوم.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com