العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19/01/ 2014م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل حكَمَ «البعث» سورية؟

شمس الدين الكيلاني *

الحياة

السبت 11/1/2014

سؤال يكاد أن يُجمع السوريون على الإجابة عنه، بأن حزب البعث وقيادته المؤسسة لم يكونا سوى واجهة لطغمة عسكرية تسلمت السلطة بانقلاب عسكري.

كانت حقبة الخمسينات، هي العصر الذهبي للبعث، تحوّل فيها إلى حزب له قاعدة اجتماعية إثر اندماجه مع حزب أكرم الحوراني (الاشتراكي العربي)، وملاقاته لعبد الناصر في خضم التحرّك باتجاه الوحدة مع مصر ـ متوافقاً مع ـ ومدعوماً من اندفاع وحدوي هائل للسوريين، لكن سرعان ما ابتعدوا عن قيادة عبد الناصر، وزادت تحفظاتهم على الوحدة، واستقال وزراؤهم عام 1959، في وقت نقلت قواعد الحزب، وقياداته من الصف الثاني، ولاءها إلى زعامة عبد الناصر، من هنا، فعندما عقد الحزب مؤتمره القومي الثالث في بيروت عام 1959، عقب استقالة قادته من حكومة المتحدة، خرج منه ثلث أعضاء المؤتمر بقيادة الريماوي متهمين ميشال عفلق والمؤتمر بالتآمر على الوحدة، وهذا يفسر تراجع الحزب تنظيمياً وشعبياً.

وعندما قامت حركة الانفصال في سورية عام 1961، أبدى القادة (البيطار والحوراني) علناً تأييدهم للحركة، بينما وقفت قواعد الحزب ضده وانحازت للحركة الناصرية، بينما استغرق عفلق في صمته سبعة أيام حتى خرج بموقف ضبابي دان الحركة، وحمّل عبد الناصر مسؤوليتها، فانحسرت عضوية الحزب المؤيدة للقيادة القومية الممثلة بعفلق والبيطار، إلى ما يقارب الثمانين عضواً عشية انقلاب الثامن من آذار (مارس) 1963.

لكن انقسام الحياة السياسية السورية بشكل صارم على مسألة الوحدة/ الانفصال، لم يترك للقوى الوسطية كالبعث من وزن، فكان على تنظيمه العسكري أن يعوّض هذا الفراغ والقوة، لا سيما في ظل وضع سياسي دراماتيكي خاطف، قامت فيه، خلال سنتين (1961-1963) ثلاث محاولات انقلابية لاستعادة الوحدة. استبق (التنظيم العسكري) البعثي تحرّك الناصريين، في التوقيت الانقلابي، وهو ما اضطر الأخيرين لمساندتهم، من موقع الصف الثاني، في انقلاب الثامن من آذار 1963، ومهد هذا للبعث التفرد بالسلطة، وإزاحة شركائهم، فكان لا بد، في ظل عزلة البعث الجماهيرية والتنظيمية، أن تغدو الأرجحية لتنظيمه العسكري، الذي أبقى عفلق والبيطار في واجهة المسرح الحزبي والسياسي، وتفرغ هو لبناء قواعد السلطة، وأجهزتها الأمنية الضاربة، وإلحاق النقابات وهيئات المجتمع المدني بها، وبالنهاية طرح خطاً يسارياً في الداخل عاكساً عزلته الشعبية، وأيضاً بهدف الاستيلاء على القاعدة الاجتماعية للناصرية. ثم رفع شعاره المدوي: عبر تحرير فلسطين بالحرب الشعبية نحو الوحدة- وهي استراتيجية قادت في النهاية إلى هزيمة العرب عام 1967 وضياع الجولان وغزة وسيناء والضفة - وذلك لينافس عبد الناصر عربياً، ويتصدى للمد الناصري المحلي المطالب باسترجاع الوحدة.

استمر التعايش الصعب بين القيادة التاريخية للحزب والمؤسسة له تنظيمياً وفكرياً، وبين العسكرية اليسارية المتطرفة، حتى عام 1966، عندما أطاحت حركة شباط العسكرية، بهذه القيادة، التي أصبحت مهددة بأحكام الإعدام فلجأت للمنافي (وخطفت آخر المؤسسين للبعث/ شبلي العيسمي من لبنان مع بداية الثورة السورية 2011)، وعلى رغم ذلك الانقلاب الدراماتيكي، وحرص قادة هذه المرحلة على إبقاء الحزب (منظمة طليعية مغلقة)، بتوسيع فترة (النصير) لكي يصبح عضواً عاملاً، واستلهام التجربة السوفياتية في بناء صرح الاستبداد الشمولي، مع ترييف الحزب تدريجياً، وعملت على ارتداء ثوب الأنتلجنسيا التي تحرّكها الأفكار لا المصالح، مستخدمة الارتقاء في سلم السلطة لخدمة هذه الأفكار، وليس لجني الثروة، متجنبة مظاهر البذخ والاكتناز والفساد، وكانت المعارضة بكل اتجاهاتها ناشطة فعالة، على رغم مفاعيل قوانين الطوارئ، والتضييق الأمني، ووراء ذلك كله كانت ترتفع تدريجاً مداميك «الدولة الأمنية» وتتوطد في شتى المجالات سطوة مراقبة المجتمع وقهره التدريجي فكان أن انتجت قائدها الملهم حافظ الأسد، الممثل المناسب للدولة الأمنية.

فكان من الطبيعي أن يقوم الأسد بانقلابه الشهير بـ (الحركة التصحيحية) عام 1970، ليُقيم صرح الاستبداد شبه الشمولي وليدشن حكم الأجهزة الأمنية السافر من دون أي مظهر مراوغ، أصبحت فيه هذه الأجهزة هي المشرف الحقيقي على الحياة الداخلية للحزب، والقائدة الفعلية للدولة والمجتمع تحت يافطة «قيادة الحزب للدولة والمجتمع». منذ ذلك الحين ارتبط الارتقاء السياسي وتراكم الثروة بالقرب من الأجهزة الاستخباراتية وبقمم المؤسسة العسكرية التي تلونت مع الأيام بمجموعات من الطائفة العلوية الكريمة، ما لبثت تلك المجموعات، ومن خلال سيطرتها على الجسم الأساسي للمؤسسة العسكرية والأمنية أن نشأت ما بينها عصبية سلطوية علوية.

لم تتبدل صورة العلاقة بين الحزب والسلطة، في عهد الأسد الابن، الذي أطلق في بداياته إشارات التغيير، كي يحصل على شرعية ما تؤهله لوراثة الحكم بأقل الخسائر الممكنة، لكن الآمال تراجعت مع الأيام، عقب تطويقه ظاهرة (المنتديات) واعتقال أبرز نشطائها، فخلق هذا انطباعاً وكأننا أمام دورة جديدة للركود والاستبداد، ولتعويم منطق الدولة الأمنية. وعندما واجه الأسد الابن الثورة ضحى بالحزب، الذي لم يحكم في يوم ما سورية سوى على الورق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حقوق الأقليات وإعادة بناء الدولة السورية

فيصل يوسف *

الحياة

السبت 11/1/2014

أفضت انطلاقة الثورة السورية، بأفكارها السلمية، إلى حالة ثقافية سياسية وفكرية كانت مغيبة إما قسراً او لانشغال عامة الناس بأمورهم الحياتية من دون الخوض في التفاصيل الاخرى. وهذا كان خوفاً من ان ينعكس ذلك عليهم سلباً، بسبب طغيان النظام الشمولي على الوضع العام برمّته. وربما كان من اهم ما سُكت عنه، الحديث في الاسس التي قامت عليها الدولة السورية بعد اتفاقية سايكس- بيكو، ولاحقاً الانتداب الفرنسي. هكذا حُرمت بعض المكونات السورية حقوقها الوطنية (سياسية كانت أو ثقافية أو دينية)، لا بل تم اقصاؤها تالياً من المشهد الوطني العام عبر المزيد من السياسات التي كرست الأحادية القومية والدينية والدولة المركزية، وتسوية جميع القضايا المتعلقة بذلك بطرق لم تأخذ في الاعتبار الانتماءات المختلفة للسوريين قومياً ومذهبياً، وبات هذا السلوك منهجاً رسمياً للسلطة بعد استلام البعث الحكم.

وقد يعتبر البعض أن طرح قضايا هذه في الأوضاع الراهنة ليس في مصلحة إنجاح اهداف الثورة حيث الأولوية لإسقاط النظام الحالي وإقامة البديل الديموقراطي، على أن يُبتّ من ثم بمسائل الاقليات وغيرها مما يستدعي الحلول. لكن اصحاب هذا الرأي يتجاهلون أن غياب الرؤية الواضحة والشفافة لسورية المستقبل وحقوق مكوناتها لدى قوى المعارضة الوطنية التي افتقرت الى قيادة موحدة حتى الآن، هو الذي جعل من شرائح وفئات اجتماعية وقومية تنكفئ ولا تساهم بفاعلية في الانخراط بالثورة.

لقد باتت غالبية القوى السورية مقتنعة بأن الاوضاع وصلت الى مرحلة لم يعد معها ممكناً ايجاد الحلول من الداخل على اهمية ذلك، بل بمساعدة دولية وإقليمية عبر مؤتمر دولي يتم التحضير له راهناً تحت تسمية «جنيف 2»، وأن من عوامل إنجاح هذا المؤتمر اتفاق قوى المعارضة على تصور موحد يأخذ في الاعتبار حقوق مكونات الشعب السوري القومية والمذهبية عبر نظام ديموقراطي وشكل للدولة يلائم ذلك دستورياً ويضمن الحريات الاساسية للأفراد والجماعات، كما يقر بأن سورية دولة متعددة القوميات والأديان.

ومن فضائل الثورة انها أملت على مجمل القوى إعادة النظر في رؤاها السياسية على ضوء الوضع الراهن، وفي مقدمها شكل الدولة، او ما يسمّيه الكثيرون من المثقفين والسياسيين بالجمهورية الثالثة، عبر صوغ دستور جديد يضمن حقوق الجميع وجمعية تأسيسية توافقية لا تستثني أياً من المكونات الوطنية.

فالشعب الكردي في سورية كان اول المستهدفين من الممارسات والاجراءات التي اتخذت أبعاداً شوفينية مقيتة. وكان من نتائج ذلك تصاعد نضالاته السلمية في مواجهة المشاريع التي استهدفت وجوده القومي، مطالباً بالديموقراطية والتعددية والشراكة الحقيقية في البلاد. وكانت الحركة السياسية الكردية تؤكد ذلك في خطابها السياسي وتوثّق علاقاتها مع مختلف القوى التي تؤمن بالديموقراطية واحترام حقوق الانسان، فاعتبرت نفسها جزءاً لا يتجزأ من الحركة الديموقراطية العامة في البلاد، والتي بدورها وضعت الخطط التي فعّلت انشطتها بعد الضربات التي كانت قد تلقتها من الانظمة الشمولية في السنوات السابقة. والآن، وفي ظل ما يطرح من حلول لسورية المستقبل، حسم المجلسان، الوطني الكردي وغربي كردستان، خيارهما وبلورا رؤيتهما التي تقر بأن «الشكل الأرقى للدولة المنشودة هو أن تكون اتحادية فيدرالية متعددة القوميات والأديان بنظام حكم ديموقراطي يقر دستوره بحقوق كل المكونات ويعترف بالوجود القومي للشعب الكردي في سورية وحقوقه القومية في اطار وحدة البلاد». ونعتقد بأن الإقرار بحقوق المكونات السورية هو المعيار الدقيق والواقعي لحقيقة وضرورة الامتثال لإرادة الشعب السوري وثورته العظيمة لبناء دولة الحق والقانون، دولة الكل من دون استئثار وهيمنة او اقصاء. فتحقق ذلك من شأنه ان يجعل من سورية ما يطمح إليه شعبها، أي أن تكون دولة مزدهرة ومستقرة تتبوأ موقعها الطبيعي بين الامم وتضع حداً للمعاناة المزمنة لأبنائها. ومن دون ذلك فالفرصة ستكون متاحة لممارسة استبداد جديد.

* عضو الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على هامش مؤتمر المانحين (2) .. المطلوب : هيئة عربية إسلامية مركزية لغوث السوريين

18.01.2014

زهير سالم

عام ثالث يمر . والكارثة السورية بأبعادها الإنسانية ( الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ) ما تزال تتصاعد . بل إن السوريين ومن حولهم الذين ما زالوا يعيشون الجرح ساخنا لم يتسنَّ لهم بعد أن يدركوا حجم الكارثة وأبعادها وتداعياتها . تداعياتها التي ستمتد في الزمن إلى حياة ثلاثة أجيال ربما . لن تلملم الكارثة أذيالها فيما يقدر العالمون بمجرد إعلان وقف إطلاق نار ، أو الوصول إلى حل وحتى لو كان هذا الحل كما ندعو الله قياما وقعودا هو انتصار الثورة وهزيمة القتلة والمجرمين ..

وبين أزمة ما تزال متصاعدة وبين أفق زمني مفتوح على عصر ما بعد الكارثة حيث يبدأ الناس بتلمس جراحهم وتفقد احتياجاتهم وإعادة بناء حياتهم سيدرك ، بطئيو الإدراك ، أي كارثة حقيقية تواجه المجتمع السوري ؟! كارثة ستكون لها أبعادها الإنسانية : الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية ..

وفي الغد عندما تبرد العواطف بتوقف شلال الدم سيجد المانحون والداعمون أنفسهم أمام نوع من البَرَم والملل وسيجدون في مخرجات المأساة السياسية والأخلاقية والاجتماعية مدعاة لإدارة الظهر للمشهد المأساة ..

وعلى مدى جيل كامل سيجد ملايين السوريين في الداخل والخارج أنفسهم بلا بيوت ولا مأوى ، ولا مصدر للرزق ، وستجد ملايين الأسر نفسها بلا معيل ولا قيّم يضبط ويرشد ، أطفال أيتام ، ونساء بلا معيل ، وطلاب بلا مدارس ، ومرضى بلا مستشفيات ..

إن الطفل الرضيع الذي يتّمه بشار الأسد بغطاء من المجتمع الدولي مهما تكن المعاذير يحتاج إلى نظام كفالة لمدة عشرين سنة على الأقل ، كفالة نفسية  وتربوية وثقافية واقتصادية ..

لن نفيض أكثر في شرح مقتضيات أن يكون لقوى الثورة السورية والمعارضة السياسية منها بشكل خاص رؤية استشرافية يجعلها تندفع من قلب الحدث إلى المبادرة إلى التفكير الاستشرافي المستقبلي في التأسيس لهيئة إسلامية عربية تأخذ على عاتقها التخطيط الجاد لتحمل ما تقدر عليه من تداعيات الكارثة السورية ببعدها الإنساني ..

يتحدث المطلعون على سيرورة الأموال التي يدفعها المانحون العرب والمسلمون عن طريق المنظمات الدولية عن : هدر وبيروقراطية ورواتب واستحقاقات سفر وحضر تستهلك الكثير من هذه الأموال ، كما يتحدث هؤلاء المطلعون عن قوانين ومعايير للمساعدة ومد يد العون تجعل الكثير من هذه الأموال تذهب إلى غير مستحقيها ..

من جهة أخرى يشهد المتابعون للمشهد السوري حالة من الفوضى الضاربة في مبادرات الغوث في جمع المساعدات أو في توزيعها . حيث يبادر الكثير من أصحاب النوايا الطيبة ومن غيرهم إلى رفع لواء العمل على المساعدات الإنسانية فيحدث الهرج والمرج بحيث تكون الفوضى وانعدام التنسيق وغياب المعايير الموضوعية هو أقل ما يمكن أن نتحدث عنه .

أمام حجم الكارثة المتصاعدة وهولها وتداعياتها المستقبلية يبدو من الضروري أن تسبق قيادات المعارضة السورية إلى طرح مبادرة مركزية لتوحيد الجهد الإنساني الإغاثي بأبعاده ، من خلال التحرك إلى تأسيس لجنة مركزية عربية وإسلامية يتعاون فيها الرسمي والشعبي لغوث السوريين واحتواء تداعيات الكارثة التي حلت في ديارهم ..

توحيد الجهد سيعين على قطع الطريق على الكثير من المتكسبين على حساب هذا الجهد الإنساني الأخلاقي ، ولملمة الكثير من عوامل الهدر أو التكرار أو سلبيات سوء التوزيع أو التصرفات الشخصانية الفردية وفق منظومة محكمة من المعايير . وهو في الوقت نفسه سيعطي المانحين الذين يجب أن يكونوا شركاء في هذه المبادرة ثقة وطمأنينة أكبر ، وستمنح المشروع ديمومة أطول ..

إن توحيد البرامج الإحصائية في حصر المحتاجين وتحديد مصارف المساعدات حسب أرقى نظم الإدارة البرمجية أيضا سيكون له دوره في خفض الأصوات التي ترتفع في كثير من الأحيان على غير وجه حق ..

بعد ثلاث سنوات من الثورة ما زال المشهد السوري يفتقد المؤسسات الوطنية المركزية على أكثر من صعيد . إنه ليس من هدف هذه الدعوة غمط جهود الخيرين من الأفراد والمجموعات والمنظمات بل إن من متضمنات هذه الدعوة أن يبادر الناجحون في أطر هذه المنظمات والهيئات إلى التفكير الاستشرافي المستقبلي لتوحيد الجهد ومأسسته بطريقة مركزية ولعل القائمين على هذه المنظومات هم الأدرى بالحاجة إلى هذه الوحدة المركزية ..

ومع أن معايير عمل هذه الهيئة المقترحة يجب أن تكون إنسانية بحتة تسعى إلى مساعدة حطام الكارثة السورية فإن القوى الإسلامية السورية على خلفيتها الأخلاقية هي المرشح الأول من جملة القوى الوطنية السورية للتحرك على هذه المبادرة ..

القوى الإسلامية المنظمة والمشيخة العلمية من أهل الشام الكبير مستفيدين من خبرات وتجارب من سبق على الطريق هي المؤهلة وهي التي تنتظر الأرامل وينتظر الأيتام وينتظر الهلكى المضيّعون ..

اللهم فاشهد ..

16 / ربيع الأول / 1435

17 / 1 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*

زين الشامي / قوس قزح كفرنبل ... أم طاعون داعش الأسود؟

الرأي العام

السبت 11/1/2014

منذ أيام اقتحمت عناصر من الدولة الإسلامية في العراق والشام او ما تعرف بـ «داعش» مقر المكتب الإعلامي لمدينة كفرنبل التابعة لريف محافظة إدلب، وهو المكتب الاعلامي صاحب اللافتات والعبارات الأشهر في الثورة السورية.

لقد دهمت «داعش» ليس فقط المكتب الإعلامي لكفرنبل، بل أيضاً إذاعة «فريش اف ام» فيها، ومقر «باص الكرامة»، وهو مشروع تأهيلي - إبداعي يستهدف الأطفال النازحين في المدارس، قبل أن تترك كل شيء حطاماً، وتسرق محتويات تلك المقرات من حواسيب وأجهزة اتصال وأثاث، ثم تخطف خمسة ناشطين وتطلق سراحهم بعد ساعات.

ليست مدينة كفرنبل الصغيرة مجرد مدينة تعرّف عليها العالم بعد انطلاق الثورة السورية، انها مدينة قديمة وجميلة، تقع في منطقة جبل الزاوية التي تضم العديد من البلدات والقرى التي تحوطها اشجار الكرز والمشمش والتين والزيتون والرمان والتلال الخضراء من كل جانب، كما انها منطقة تحوي العديد من الآثار الرومانية والإغريقية وبين أشجارها اكتشفت اولى معاصر النبيذ والزيتون التي انشأها الانسان عبر التاريخ. حتى ان سحنة أبنائها تشبه تماماً طبيعة هذه المنطقة الخلابة، ان غالبية ابناء منطقة جبل الزاوية في ادلب وسيمو الوجه واقوياء البنية.

لقد شكلت كفرنبل منذ ما يقارب ثلاثة اعوام أملا لكل السوريين الذين يحلمون بوطن حر وديموقراطي متعدد يتسع لكل أبنائه بغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم وخلفياتهم الإثنية. في هذا الصدد يمكن القول ان «كفر نبل» لم تخطئ أبدا ولم تحيد عن هذا الهدف ولم ترفع مرة واحدة شعاراً طائفيا او مذهبياً، لم تخلط يوما بين الاستبداد والطائفة التي ينتمي اليها الديكتاتور في سورية، ولم تحمّل الطائفة العلوية أبدا مسؤولية ما ارتكبته قوات النظام والشبيحة الذين يدعمونه من اعمال إجرامية ومجازر... وحتى بعد دخول قوات حزب الله اللبناني ومساندته لقوات النظام السوري في معركة بقائه، لم تخلط كفرنبل بين المسألة الوطنية والمسألة الطائفية ولم تقل انها معركة بين «سنة» و«شيعة» بل بين شعب ونظام، بين قوى تدعم الثورة وقوى تدعم النظام. نعم، كفر نبل لم تخطئ ولم تحد عن البوصلة بعكس بعض المناطق والقرى والبلدات التي سُجل فيها رفع هتافات وشعارات طائفية بغيضة.

لقد ضم مكتب كفرنبل الإعلامي منذ بداياته أول الثورة السورية العديد من الناشطين الذي تفرّغوا للعمل الثوري الذي مرّ بمراحل متعددة من التطور، حتى باتت لافتاتهم ورسوماتهم مصدراً رافداً لكثير من الصحف والمواقع العربية والعالمية، وتعرّف كثير من الناشطين والصحافيين على الثورة من خلالهم. ويبدو ان رسما كاريكاتوريا يصور شبحاً اسود يطعن من الخلف مقاتلا من الجيش الحر يواجه قوات النظام كان وراء هجوم «داعش» على المدينة ومكتبها الاعلامي.

وللحقيقة فهذه ليست المرة الأولى التي يقتحم فصيل داعش بعض المقرات الإعلامية أو يعتقل النشطاء العاملين في المجال الثوري أو الإعلامي، بل قتلوا واختطفوا عددا من الصحافيين والمراسلين وفتحوا سجونا ومعتقلات في المناطق التي باتوا يسيطرون عليها في الرقة وحلب وادلب، وفي تقرير جديد اشارت منظمة «مراسلون بلا حدود» الى ان هذا التنظيم «مسؤول عن غالبية المعاملة السيئة التي يعانيها السكان ومنهم اولئك العاملون في المجال الاعلامي» في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

ويرى النظام السوري في هذه التصرفات نقطة لصالحه. فالنظام لم يحاول ابدا ان يستعيد بلدة «الدانا» في ادلب ومدينة الرقة التي سيطرت عليها قوات وتنظيمات سلفية متطرفة كجبهة النصرة وداعش لأنه يريد ان تشكل هذه المدن والبلدات مثالا سيئا للناس الذين يتعاطفون مع المعارضين ومثالا مرعبا للعالم ودول الجوار عن القوى السلفية «الإرهابية» و«العصابات المسلحة» وما ستصبح عليه سورية في حال سقط النظام.

بالمناسبة قد تعودت «داعش» أو سواها من جديد إلى الاعتداء على كفرنبل وسرقة عدّتها ولافتاتها، او قد تفعل ذلك في مناطق اخرى، لكن يستحيل القضاء على ما تمثله كفر نبل او مصادرته، لأن شعارات هذه المدينة ذائعة الصيت حفرت عميقاً في وجدان الناس، من غير السوريين قبل السوريين، ولذلك ليس بالإمكان مصادرتها. يخطئ من يعتقد ان كفرنبل غير قادرة أن تولد من جديد في حلب او الرقة او دير الزور او درعا او ادلب أو في غوطة دمشق أو في حمص. إن كفر نبل حلم السوريين في الحرية والديموقراطية والدول التعددية المدنية، وهي فكرة أيضاً ومعلوم ان الأفكار لا يمكن أن تموت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

برنامج بشار الأسد الانتخابي: انتخبوا مُشرشِحَكم

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 11/1/2014

ننتظر على أحر من الجمر كي نطلّع على برنامج الحملة الانتخابية التي سيخوضها بشار الأسد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية السورية في منتصف هذا العام، فهو يتحدى الداخل والخارج، ويؤكد ترشحه شاء من شاء، وأبى من أبى. لكن غالبية السوريين تريد أن تعرف كيف سيتحرك ‘سيادة الرئيس من مخبئه في دمشق للتجوال في أنحاء سوريا، فعلى المرشحين في أي انتخابات حقيقية أن يتجولوا في طول البلاد وعرضها لعرض برامجهم الانتخابية على مختلف قطاعات الشعب.

هل يستطيع الرئيس السوري أن يتحرك من مربعه الأمني في دمشق، ويتجول في العاصمة، ناهيك عن الذهاب إلى ريف دمشق المجاور كداريّا، والمعضمية، ومخيم اليرموك، ودوما وحرستا، والغوطة الشرقية؟ هذه المناطق لا تبعد سوى بضعة كيلو مترات عن مركزه. فهل يستطيع زيارتها كي يعرض على سكانها برنامجه الانتخابي ‘العظيم’؟ هل يستطيع الذهاب إلى درعا في الجنوب؟ هل سيذهب إلى حمص التي دمر أكثر من تسعين بالمائة منها؟ ماذا سيقول لشوارع وأبنية حمص التي سواها جيشه ‘الباسل’ بالأرض؟ هل سيعبر حمص إلى ريف حماة المشتعل؟ هل سيتجاوز حماة إلى ريف ساحله السوري الذي هجره أهله بعد أن حرق معظم غاباته؟ هل سيتابع المسير إلى إدلب وريفها الذي لم يبق منه سوى سبعين قرية من أصل أكثر من ألف قرية سوّاها ‘حماة الديار’ بالأرض؟ هل سيزور مدينة حلب وريفها الذي تلقى مئات البراميل المتفجرة من طائراته ‘المغوارة’؟ وماذا عن محافظة الرقة التي فقد السيطرة عليها تماماً، وتحولت إلى إمارة؟ ماذا عن دير الزور التي يحتاج لخمس سنين وفرق عسكرية جبارة كي يستعيد السيطرة فقط على ريفها؟ فإذا لا يستطيع بشار الأسد أن يغادر ‘منطقته الخضراء’ في دمشق، فكيف يا ترى سيعرض برنامجه الانتخابي على الشعب السوري؟

يتهكم حسان السوري قائلاً: إذا كان بشار الأسد، وهو محصّن بمنصب رئيس الجمهورية، ومحمي بعشرات الآلاف من الحراس لا يستطيع أن يخرج خارج مخبئه ليقضي حاجته دون إذن مسبق، ولا يستطيع الخروج إلى أي مكان إلا بعد أن يتم قطع 99.99 من شوارع البلد قبل تحركه بساعات، وبعد تحركه بساعات خوفاً من انتقام ملايين الناس منه، فكيف سيكون حاله إذا خرج إلى العلن، طبعاً خارج الحشود المؤلفة من أفراد المخابرات والمنحبكجية التي يتم ترتيبها قبل ظهوره بأسابيع لتستقبله عادة؟ أعتقد أن ما حصل للقذافي سيكون استقبال خمس نجوم مقارنة بما سيواجهه بشار الأسد، إذ إنه سيتحول الى بودرة في أفضل التوقعات’.

ولو افترضنا جدلاً، وهو كحلم إبليس بالجنة طبعاً، أن بشار الأسد استطاع أن يصل إلى ‘الجماهير المغفور لها’، فماذا سيكون سجلّه الانتخابي الذي سيعرضه عليها؟ ما هي، يا ترى، الإنجازات التي سيذكرها بشار الأسد في برنامجه الانتخابي كي يقنع السوريين بإعادة انتخابه؟

هل سيذكّر الشعب بأنه تسبب بموت حوالي نصف مليون سوري، ناهيك عن الذين مازالوا تحت الأنقاض منذ أكثر من سنتين؟ هل سيتحدث عن تسببه بموت أكثر من 155 ألف عسكري سوري، واعتقال أكثر من 3 ملايين، واختفاء قسري لحوالي نصف مليون معتقلين في أقبية المخابرات؟ هل سيبشّر الشعب بمشروع قرار سحب الجنسية من كل المعارضين لنظامه؟ هل سيقوم بتذكير الشعب بتشريد حوالي عشرة ملايين سوري داخلياً وخارجياً، وبإحداث مجاعات جماعية لأكثر من مليون مواطن سوري؟ هل سيعرّج وهو الطبيب على اعادة مرض شلل الأطفال والحصبة والطاعون إلى ربوع الوطن؟ هل سيتحدث عن حرمان جيل كامل من التعليم والدراسة، وتفكك المجتمع السوري بالكامل؟ هل سيتباهى بتوزيع السوريين في اكثر من 50 دولة في العالم مما يهدد سوريا بأن تصبح دولة بلا شعب لكثرة الهجرة منها وليس اليها؟ هل سيتفاخر مثلاً باستيراد قطعان ‘المتطوعين’ الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين والباكستانيين، والاستعانة بالشركات الأمنية الروسية لجلب مقاتلين روس لفرض الأمن والانبساط على كل حبة تراب من الوطن؟

هل سيتطرق إلى إنجازاته على الصعيد المادي، يتساءل مصطفى كعدي في منشور له على فيسبوك؟ هل سيتباهى بتدمير مليون و 750 ألف منزل في كافة أنحاء الوطن؟ هل سيتفاخر بتدمير 70 من البنية التحتية، ورفع الأسعار بنسبة 500، و خفض سعر الليرة للعملات الصعبة بنسبة 300، وحرمان السوريين من أبسط الخدمات، كالكهرباء والماء والمازوت والبنزين؟ هل سيتحدث عن خسارة أهم الكفاءات ورؤوس الأموال والخبرات السورية؟ هل سيتفاخر بإعلان سوريا دولة منكوبة؟

هل سيحتفل بإنجازاته على المستوى الخارجي؟ هل سيقول إنني ردعت خطر هجوم أمريكي على الوطن بتسليم أمريكا وإسرائيل السلاح الاستراتيجي الكيماوي؟ هل سيذكر في سجله الانتخابي الانتهاك السافر للطيران الاسرائيلي عدة مرات للأجواء السورية دون أن يحرك ساكناً لحفظ ماء وجه السيادة السورية، علماً أن لديه تصريحات سابقة يهدد فيها هذا الطيران بأنه إذا هاجم سوريا، فإنه لن يجد مطارات يهبط فيها في إسرائيل عند عودته؟ هل سيقول إن سوريا صارت محمية إيرانية بامتياز، ولم تعد تمتلك لا السيادة الوطنية، ولا القرار الوطني المستقل؟ هل سيتفاخر برهن ثروات سوريا النفطية والغازية للشركات الروسية كعربون محبة وتقدير للدعم الروسي اللامحدود له في القضاء على وطن اسمه سوريا؟ هل سيتشدق بإغلاق معظم السفارات في سوريا، وطرد السفراء السوريين من معظم دول العالم، وفرض عقوبات على سوريا؟ هل سيتحفنا بالحديث عن الإهانة الكبرى التي تعرض لها منصب رئيس الجمهورية في عهده الميمون على أيدي القاصي والداني، مما جعل ذلك المنصب مدعاة للسخرية بدل أن يكون مدعاة للهيبة والاحترام؟

فإذا كان كل ما تم ذكره، وهو بعض من كل، لا يشكل لك أي شعور بالذنب أو المسؤولية، وأنك تعتبر بقاءك على كرسي الحكم هو الانتصار الوحيد على المؤامرة الكونية، وأن ما ذكرناه مجرد شكليات، فاسمح لي، سيدي الرئيس، أن أقول لك: إنك بحاجة لطبيب عيون يقوم بعملية تصحيح بصر لك ولمن حولك، ربما تدرك بعدها بأنك أوصلت البلاد إلى مأساة يستحيل معها الوصول إلى حل. أليس من حقنا عليك كسوريين أن تقدم لنا كشف حساب تشرح لنا ماهية الانتصار الذي حققته خلال هذه السنوات الثلاث الماضية كي تقنعنا بضرورة ترشحك للانتخابات، وكي لا تبدو كمن يضيف إلى جرحنا النازف ملحاً ثقيلاً؟

أنتظر ردكم سيدي الرئيس لأن لي الحق بمساءلتكم، حسب الدستور، الذي فصله خياطو الدساتير على مقاسكم بمنتهى الاتقان والدقة. كما أن لي الحق، أنا حسان السوري، بأن أعرف إلى أين بلدي ذاهب. ولي الحق أن أعرف بأي عين تفكر سيدي الرئيس بالترشح لمنصب رئيس ما كان يسمى بالجمهورية العربية السورية؟ هذا تساؤل من مواطن سوري مقهور على بلده الذي تدمر بالكامل في عهدك. وأنا كسوري، لا أسالك عمّن دمره، لأنني أعرف ردك بأنها ‘العصابات المسلحة’ و’التكفيريون’ و’الإرهابيون’. ولكن يكفيك عاراً وذلاً وخزياً ومهانة بأنه تدمر في عهدك، وفي ظل قيادتك الحكيمة. شكراً سيدي الرئيس ومبروك عليك مقدماً فوزك الكاسح في الانتخابات القادمة، فكلاب صيدك يمتلكون تفويضاً كاملاً من السوريين بانتخابك…

 

‘ كاتب وأكاديمي واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
مصائر التطرف والصراع ضد الإرهاب

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 12/1/2014

بدأت الدائرة تدور على المتطرفين في سوريا والعراق. وفي الحالتين يبدو أهل السنة أو العشائر أو كتائب «الجيش الحر» هم الذين يقومون بضرب هؤلاء المتطرفين وإخراجهم من الديار التي اقتحموها وأساؤوا للناس في دينهم وعيشهم وجوارهم وحياتهم الخاصة والعامة. وهذا أمر كان ينبغي أن يتم قبل مدة، لأن هؤلاء بعشوائيتهم واختراقاتهم وجبروتهم أساؤوا بالفعل إلى القضايا العادلة للناس في سوريا والعراق. بمعنى أن الأسد والمالكي ونصرالله والأميركيين والروس والإيرانيين... اتّخذوا من وجود هؤلاء وإساءاتهم ذرائع لقتل المسلمين وغير المسلمين بحجة أنهم إرهابيون أو تكفيريون أو أنهم يدعمون الإرهابيين والتكفيريين. وأحسب أنه نتيجة اجتماع هذه المواقف للتصدي للمتطرفين على صعوبتها واختلاط الأمور، ستُدخلُنا بالتدريج في موقف جديد، يسهِّل على مجتمعاتنا استعادة سُلَّم قيمها، وإنكار الموت والقتل من أي جهة أتى ولأي سبب. فالاضطرابُ الذي حصل في اجتماعنا الإنساني في العقود الأخيرة، يحتاج منا إلى وقفة صارمة لمواجهة العنف باسم الدين لأي سبب كان.

بيد أن الغضب الثائر في صفوفنا على جرائم المتطرفين، وعلى إساءتهم لقضايانا العادلة، لا ينبغي أن يُنسيَنا الأسباب التي صعَّبت وتُصعب الخلاص منهم، ليس بقتلهم بل بـ«تجفيف المنابع» أي الحيلولة دون نشوء أجيال جديدة، بمنْع الأسباب والعلل من جهة، وبالتربية الأخرى من جهة ثانية.

أولى الصعوبات التي أسهمت في إنتاج الجيل الأول من المتطرفين -وأتحدث هنا عن المتطرفين وليس المتشددين وسأعود للفرق بينهما- هي أنهم وجدوا استخداماً سياسياً وعسكرياً من الأميركيين والمخابرات الباكستانية في أفغانستان خلال الثمانينيات. ففي كل الأديان متشددون، وبعضهم مستعد للانزلاق نحو العنف. لكنهم لم يجدوا جهة فاعلة وقادرة تدعمهم. أما الظاهرتان العنيفتان الرئيسيتان باسم الإسلام في المنطقة، فهما «القاعدة» ومتفرعاتها، والتي دعمتها الولايات المتحدة والمخابرات الباكستانية، و«حزب الله» الذي تدعمه منذ نشوئه إيران. إن المشكلة الكبرى في ذلك الدعم للمتطرفين، هي في أن الأمر لم يقتصر على دعم «المجاهدين» الأفغان لتحرير أرضهم من المحتلين الروس؛ بل شمل جَمْع شبان من مختلف أنحاء العالم الإسلامي على أرض المعركة بأفغانستان، ومن هناك انتشروا في كل زاوية ومكان: لقد صارت هناك «عالمية جهادية» سنية اصطنعها الأميركيون، وقلدهم ويقلدهم فيها الإيرانيون بجمع أو صُنْع «عالمية شيعية» لاصطناع «أمة شيعية» منفصلة أو مناطق نفوذ في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي. وهكذا تكررت على مدى العقدين الماضيين، لدى السنة والشيعة، التجارب التي تحاول تقليد التجربة الرائدة لأميركا مع «القاعدة»، ولإيران مع «حزب الله». ولو راقبنا بدقة «سحر التجربة» لدى الطرفين لأدركْنا مدى الهول والفظاعة التي حصلت بتخطيط من الأميركيين والإيرانيين. ولعل الأميركيين لم يدركوا خطورة ما كانوا يقومون به أو لم يتوقعوا أنهم سيفقدون الضبط والربط وفرض إنهاء التنظيم بعد نهاية العملية. أما الإيرانيون فيعتبرون تجربتهم مع «حزب الله» أهمَّ من الملف النووي في ضرورة الاحتفاظ به! ومن الطبيعي مع هذه «الاستماتة» في الاحتفاظ بالتنظيم لدى الطرفين، ولو بعد انتهاء دوره، أن تنبعث روحٌ هائلة من التشدد والتطرف تبرر الاستمرار والتصاعد. فـ«داعش» تريد تطبيق الإسلام بحذافيره وتكفير كل الآخرين، وإقامة الدولة الإسلامية اليوم وليس غداً ولو في قرية سوريا مدمَّرة ببراميل النظام المتفجرة! ويكون أول ما يخطر ببال مقاتليها (الأشاوس) اضطهاد غير المسلمين، واضطهاد المسلمين لعدم تربية لحاهم، وتقديم مكافحة البدَع على مكافحة الأسد أو المالكي. وعبْر ضيق الأُفُق هذا يدخل عليهم سليماني والمالكي والأسد ويعيدون توجيههم بحيث يقتلون المسلمين الآخرين ويقتلون أنفسهم. وإذا كان هذا مألوفاً لدى انشقاقيي السنّة، أي زيادة التطرف عند كل محطة؛ فقد حصل ذلك عند «حزب الله» و«أبي الفضل العباس»، عندما رأوا في الثورة السورية خطراً «وجودياً» على المذهب الشيعي، وتحدثوا عن هدم «التكفيريين» للمزارات الشيعية، لإثارة العامة من الشيعة. وقد قرأتُ للمالكي خطاباً بكربلاء يقول فيه إنّها ينبغي أن تكون قبلة يجري التوجه إليها خمس مرات مثل القبلة الأُخرى، وإن التكفيريين يهددون زوارها، فكأنهم يهددون القبلة والدين. وهذا تطرف مصَطنَع بالطبع المقصود به إثارة العامة ضد المسلمين الآخرين لأسباب سياسية داخلية، واستراتيجية إيرانية. وهناك تطور جديد آخر في الظاهرة الانشقاقية لدى السنّة والشيعة، وهي أن الانشقاقين بسبب زيادة التطرف المذهبي يصطدمان الآن اصطداماً مدوياً. وقبل أسابيع عاتب نصر الله «القاعدة» وأنصارها قائلا إنّ مناطق «الجهاد» كانت مقسَّمة، فلماذا تأتون إلى «مناطقنا»؟! وهو يتجاهل بذلك أنه هو وإيران بتصرفاتهم في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان أثاروا الموجة «الجهادية» الثانية عند السنّة وكلها ضدهم وليس ضد أميركا كما كانت الأولى!

أما الصعوبة الأُخرى فتتمثل في استمرار الأسباب التي تدفع لظهور أجيال جديدة من المتطرفين. فلدى «الجهاديين» السنّة، هناك الاضطراب الذي نشرته حركات التغيير العربية، والذي أطمع المتطرفين المقاتلين والتنظيميين بإمكان الوصول للسلطة أو صُنْع مناطق نفوذ. ثم إن حركات التغيير والثورات ما استطاعت إزالة كل المستبدين من أهل الجمهوريات الوراثية، وهؤلاء مارسوا ويمارسون العنف المفرط وغير المعقول أحياناً مثلما يحدث في سوريا. ويدفع ذلك شباناً كثيرين للالتحاق بساحات القتال تارةً للدفاع عن الدين، وطوراً لتحرير وطنهم إن كانوا من السوريين والعراقيين. أمّا «حزب الله» فعنده أسبابه للاستمرار في الكفاح بطلب من إيران، لأنه نموذج ناجح، وخدم إيران كثيراً. ولأن الشبان الشيعة في البلاد العربية يشعرون باعتزاز فائض القوة المستجد فهم يسارعون للانخراط تحت راية الحزب.

وهناك صعوبة ثالثة أو سبب ثالث، ويتمثل في «صناعات التطرف والإرهاب» لعلل مختلفة. فقياديو «جبهة النُصرة» بسوريا أخرجهم النظام السوري من السجون بعد بدء الثورة. ومقاتلو «داعش» جاءوا من العراق ومن سجون النظام هناك. وهم لم يحرروا منطقة بل تمركزوا في المناطق التي حررها الثوار. ثم إنهم إلى جانب الإساءة للناس، أقبلوا على تفجير السيارات التي تقتل كثيرين من المدنيين المارّين حتى لو كان الهجوم ضد جهة أمنية. فالذي أعنيه بهذا السبب ليس أنه يخلق جيلا جديداً شأن السببين الأولَين؛ بل هو يطيل عمر الظاهرة بشكل مصطنع، ويحاول إطالة عمر نفسه بحجة مكافحة الإرهاب.

وهكذا فإن الحرب الثانية التي بدأها المسلمون على الإرهابين السني والشيعي، هي حرب شديدة الصعوبة، لأنها تجري داخل المجتمعات، وليس بين الثوار والنظام وقد صارا غريبين عن بعضهما. فلابد بالطبع من نجاح في هذه الحرب، لكي يتسنى إقامة أنظمة للحكم الصالح، توفّر الفرصة لفك الاشتباك بين الدين والدولة، وهو الاشتباك المستمر منذ خمسة عقود. ويكون علينا البدءُ الآن في العمليات التربوية، المُخرجة من عقائديات الولاء والبراء القاسية على الآخر، أياً يكن هذا الآخَر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الداعون إلى جنيف2 هل توافقوا على تفسير جنيف 1؟! وهل وافقت عصابة بشار من قبل عليه أو هو الخداع والمخادعة ؟!

15.01.2014

زهير سالم

خداع ...

بهذا الوصف الموجز والصادم يستطيع أي متابع جاد أن يختصر المشهد الدولي مما يجري على الأرض السورية ، وأن يصف الدعوة إلى مؤتمر جنيف 2 بشكل خاص ...

خداع ..

بعضهم يخدع نفسه ، وبعضهم يخادع الناس ، والمطلوب لكي تثبت أنك دبلوماسي وعصري وفي مستوى الملعب واللعبة واللاعبين أن تنخدع وأن تخدع أيضا ...

الداعون إلى جنيف 2 يخدعون أنفسهم ويخادعون الناس فيزعمون أن جنيف 2 مؤسس على مقررات جنيف 1 . ولكن متى كان جنيف 1 موضع توافق وموضع اتفاق ..

منذ اللحظة الأولى لإعلان جنيف 1 في 30 / 6 / 2012 أي منذ ثمانية عشر شهرا ، وعلى الرغم أن المقررات كتبت بالحبر الروسي وعلى الورق الروسي ، توقف كل المتابعين وعلى الهواء عند مفارقات أساسية بين القراءة الروسية ( اللافروفية ) والقراءة الأمريكية ( الكيرية ) لمقررات المؤتمر التي لم يكن قد جف حبرها بعد . مما يثبت أن الأمريكي كان يسعى لأي اتفاق يلقي به العبء عن كاهله . وما تزال هذه المفارقات جاثمة على صدر المؤتمر والمؤتمرين ، فعلى أي مقررات جنيف 1 سيعتمد المدعوون إلى جنيف 2 وأي القراءتين ستكون المرجعية المعتمدة فيه ؟! يقول العارفون : إن كيري الأمريكي سيترك لبراعة المفاوض الروسي الحق في إقناع المفاوض المستضعف أو المعارض المزور بالقبول بالتفسير الذي يريد ..

المفارقة بين القراءة الروسية والقراءة الأمريكية لمقررات جنيف 1 ليست أحادية بل هي متعددة ومتشابكة آثر الموقف الأمريكي أن يلقي موضوعها عن كاهله ويتركها لمراوغة المراوغين ..

ثم بغض النظر عن القراءتين والموقفين ، هل وافقت عصابة القتل في سورية على جنيف 1 ، وهل قبلت أن تلتزم بمقرراته ؟ ولو فعلت ذلك هل كان السيد شديد الاحترام لنفسه وللدم البشري وللقيم الإنساني كوفي عنان سيستقيل من مهمة / استمراء الخداع / هذه التي تلقفها فرحا جذلا خلفه ذو الدم العربي فأكد سقوط كل دعاوى القومية العنصرية ..

ولو وافق بشار الأسد وعصابته على الالتزام بمقررات جنيف واحد : فتوقفوا فورا عن قتل المدنيين . وسحبوا كل أسلحتهم الثقيلة من الأحياء والمدن . وأطلقوا سراح عشرات الألوف من المعتقلين . وسمحوا لوسائل الإعلام العالمي بالدخول إلى سورية . وتركوا للسوريين أن يشكلوا حكومة انتقالية معبرة عن المجتمع أجمع وليس عن إرادة العصابة. ولو باشرت الحكومة الانتقالية المشار إليها بالتحقيق في الجرائم ضد الشعب السوري ومحاسبة مرتكبيها .. لو فعلوا– بشار وعصابته - كل هذا أو بعضه فهل كنا في سورية سنحتاج إلى جنيف 2 ؟! وهل كانت الثورة السورية ستذهب بعيدا في طريق العمل المسلح ؟! وهل كان عملاء الأسد سيجدون الفرصة للالتحاف بعباءة التطرف ؟! وهل كانت سورية ستدمر كما دمرت ؟! وهل كان عدد الشهداء سيبلغ مئات الألوف ؟! وهل كان تعداد اللاجئين سيشتمل حتى الآن على نصف السكان ..؟!

خداع ..

وحين يعلن كيري اليوم إن إيران لا يمكنها أن تشارك في جنيف 2 لأنها لم توافق على جنيف 1 !! ألا يفرض نفسه مباشرة سؤال : هل وافقت عصابة بشار الأسد أصلا على جنيف 1 ؟! هذا السؤال الذي يفرض نفسه والذي يرفض الداعون إلى المؤتمر اليوم أن يطرحوه حتى على أنفسهم كتعبير مباشر عن استمراء الخداع والمخادعة !!

هل يتوافق ما أعلنه وزير إعلام العصابة عن رؤيتهم لمؤتمر جنيف2 أرضه وسقفه وشرطه وقوله ( ستعرض المخرجات على استفتاء على الشعب السوري ) . مع منطوق ومفهوم دعوة السيد بان كيمون ؟! ... ولماذا يقبل الداعون إلى المؤتمر بجواب مراوغ قبل أن يصل المؤتمرون إلى المؤتمر أو قبل أن يخوض الناس في أقنية المراوغة الأسدية التي اشترط لها وليد المعلم مهارات خاصة بالسباحة ..

لماذا ..؟!

وشلال الدم السوري لا يتوقف وآلة القتل الأسدية الإيرانية الروسية بكل عنفها وقسوتها وتلونها تفري فريها فتقتل وتدمر ..

إنه حين يقول السيد كيري إنه لا يجوز لأحد أن يفرض شيئا على الشعب السوري !! أليس من حقنا أن نسأله : ولا الطائرات المدمرة ، أو البراميل المتفجرة ، أو الصواريخ الاستراتيجية ، أو القنابل الفراغية ، أو البرد أو الجوع أو العصي الكهربائية أو ... أو .... أليس من حق هذه الأدوات جميعا حسب الشرعية التي تمتعت بها من المجتمع الدولي والدول الخمس دائمة العضوية أن تفرض شيئا على الشعب السوري حسب منطق العصابة المشرعن دوليا وإنسانيا وحقوقيا : تخضعون أو تقتلون وتعتقلون وتشردون ..!!

أو أن الحديث كله حديث خداع وخرافة ..

يا أم عمرو ..

لندن : 13 / ربيع الأول / 1435

14 / 1 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شارون: مَنْ خلّف ما مات!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 13/1/2014

الأمريكي دانييل فريدمان هو أحد كبار محرّري مجلة ‘فوربز، الأثيرة لدى رجال المال والأعمال وسياسات الأمن الاقتصادي والاستثماري للشركات الكونية العملاقة، ومؤلف كتاب ‘الراية السوداء: القصة الداخلية لـ11/9 والحرب على القاعدة’، كما أنه أحد أبرز المطالبين بالإبقاء على نظام آل الأسد في سوريا، بوصفه ‘الشيطان الذي نعرفه’، أفضل من أيّ ‘شيطان قادم’ لا نعرفه. وضمير المتكلم بالجمع، هنا، يخصّ أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة، أوّلاً، ثمّ صانعي القرار وراسمي السياسات في إسرائيل ذاتها بعدئذ. ولهذا فإنّ فريدمان لم يتردد، منذ مطلع العام 2012، في كشف النقاب عن بعض تفاصيل التعاطف الشديد الذي حظي به الأسد الابن من داعم غير منتظَر، في المنطق التقليدي على الأقلّ: أرييل شارون!

لكنّ الحمقى، و’الممانعين’ المتحامقين عن سابق عمد، هم الذين يتجاهلون هذه الحقيقة، وأنها صارت خياراً حكم تفكير شارون حتى صيف العام 2006، حين أجبرته الغيبوبة على مغادرة الحياة السياسية. ومن موقعه كرئيس وزراء، وزعيم لحزب ‘كاديما’ كذلك، طالب بعدم المضيّ في الضغوط الأمريكية ـ الفرنسية (أيام الرئيسين السابقين، الأمريكي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك) إلى مستوى يهدّد بانهيار بنية النظام. ولتذهبْ إلى الجحيم، طبقاً لمنظومة تفكير شارون، تخرّصات القائلين بـ ‘شرق أوسط جديد’ ديمقراطي، يفسح أيّ مجال أمام سقوط النظام، ويقيم سوريا جديدة ديمقراطية. فهذه، إذا قامت، فإنها في يقين شارون لن تعيد فتح ملفات الجولان المحتلّ، فحسب، بل سوف تعيد تركيب الجبهة السوريا، شعباً وجيشاً ودولة ومؤسسات، بما يكفل استيلاد أخطار جدّية غير مسبوقة على أمن إسرائيل.

من الإنصاف المحض، إذاً، أن يكون آل الأسد في عداد متقبّلي التعازي بإعلان رحيل شارون أخيراً، ورسمياً هذه المرّة، خاصة وأنّ السياقات الراهنة لإصرار إسرائيل على إطالة عمر النظام السوري، تكاد تتطابق مع سياقات العام 2006، وتعيد إنتاج المسوغات ذاتها التي حثّت شارون على المطالبة بحفظ بقاء وريث حافظ الأسد، السائر على هدي أبيه في إسباغ السكينة والسلام على طول حدود الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وإضفاء الأمان والاطمئنان على المستوطنات والمستوطنين هناك. وكان شارون يدرك جيداً، ولم يكن بحاجة إلى استعادة وقائع التاريخ القريب لكي يتأكد، أنّ هذا الوريث لن يذهب البتة أبعد مما فعل أبوه خلال مذابح صبرا وشاتيلا، والغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982، أو حصار المخيمات الفلسطينية وتجويعها…

صحيح أنّ الدفاع عن هذا النظام، تحديداً، لم يكن يلغي مقولة الأصل، أي حقيقة أنّ سوريا الشعب والجيش هي، في العمق الستراتيجي المديد والبعيد، بلد معادٍ في الجوهر، مثله في ذلك مثل الشعب والجيش في مصر والأردن. ولكن من الصحيح، أيضاً، أنّ إسرائيل في ولاية شارون كانت تتمتع، وتستمتع، بمزايا تلك التبدّلات الكبرى التي طرأت على خريطة ما يُسمّى ‘الأنظمة الراديكالية’ في العالم العربي: إخراج العراق من ساحة الصراع، تطويع ليبيا، إحياء المحور السعودي ـ المصري وتمتين وظائفه في الضغط أو التوسّط أو الإنابة الإقليمية على نحو يضمن حسن تنفيذ أغراض السياسة الأمريكية، وما إلى هذا وذاك من عناصر مشهد متحوّل قلب معادلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، رأساً على عقب أحياناً.

وليس صعباً على المرء أن يتفهم ـ سواء بمفعول رجعي، أو بمفاعيل الحاضر ـ أسباب شارون في الدفاع عن هذا النظام، خاصة حين برهنت وقائع الانتفاضة السوريا، شهراً بعد آخر، أنّ الفرضيات التي اتكأ عليها جنرال صبرا وشاتيلا، إنما تُفرز الحيثيات ذاتها التي انتظرها من جيش النظام: قُصفت القرى والبلدات والمدن السوريا المنتفضة، بالأسلحة المدفعية والصاروخية الفتاكة كافة، وبالدبابة مثل المروحية والقاذفة، فضلاً عن صواريخ ‘سكود’ والأسلحة الكيميائية… على مبعدة أمتار من خطوط الاحتلال الإسرائيلي في الجولان. وها أنّ مخيّم اليرموك الفلسطيني، في ظاهر دمشق، يلاقي اليوم على أيدي قوّات النظام السوري أفانين من الوحشية والهمجية والحقد لم تتجاسر عليها إسرائيل، أو وكلاؤها الأوصياء على تنفيذ سياساتها.

ضمن سياقات مماثلة، ومكمّلة، وبعد شهرين فقط على انطلاق الانتفاضة السوريا، أعلن رامي مخلوف، صيرفي النظام وتمساح الفساد والنهب الأكبر، أنّ أمن سوريا مرتبط بأمن إسرائيل، ثمّ نقلت صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ الإسرائيلية، عن مصادر أمريكية، أنّ الأسد أرسل ما يفيد استعداد نظامه لاستئناف المباحثات مع إسرائيل، مع تشديد على أنّ ذلك لن يكون ميسّراً إلا إذا… ‘هدأت الأوضاع الداخلية’ في سوريا. هو، إذاً، إحياء للعبة العتيقة، إياها: التفاوض مع إسرائيل، ضمن تلويح بتنازلات حاسمة، هو أحد منافذ النجاة كلّما لاح خطر داهم، فكيف إذا اتخذ الخطر الراهن هيئة انتفاضة شعبية، تشمل سوريا بأسرها؟

وإذْ يربط المرء، اليوم، بين وقائع موت شارون، وتصريحات محمود عباس الرثة حول حصار مخيم اليرموك، والحديث عن ‘الأيدي القذرة المستأجرة’ هناك، وإغفال جرائم النظام تماماً، وبلوغ الشهداء الفلسطينيين في سوريا، خلال الانتفاضة، رقم الـ1740، بينهم 169 طفلاً و174 امرأة، ثمّ موت 41 من أبناء المخيّم جوعاً، تحت الحصار… فإنّ من المشروع استعادة التعبير الشائع: مَنْ خلّف، حتى دون صلة بيولوجية، ما مات!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من هو السوري ومن المستفيد من شيطنة داعش؟

مازن كم الماز

القدس العربي

الاثنين 13/1/2014

خلافا للرواية السائدة عن ‘بلاد الشام’ لا يمكن لسوريي هذه الايام ان يذكروك ببني امية، ولا بأي من ‘الفاتحين’ او ‘الغزاة’ او الحرس او العسس وغيرهم من ‘العظماء’ الذين مروا من هنا .. اذا ابتعدت عن الفنادق وعن البيوت الدافئة المريحة لبعض سادة هذا الزمان، اذا كنت تقصد اطفال مخيم الزعتري او احياء حلب المحاصرة برا بالرصاص وجوا بالبراميل فلا يمكن ان يتبادر الى ذهنك قصر احد السلاطين، ولا احدى مدن الشرق الذي ينام بصمت تحت سياط الحرس .. مخيمات اللجوء لا تشبه مدن الملح، ولا مدن الذهب .. قبل عقود ولدت تلك المخيمات اول مرة، تماما حيث تولد اليوم من جديد، ذات يوم ولد هنا، في مخيمات كهذه، احمد العربي، احمد هذا الذي لا يموت، ولا ينتصر، الذي لا يكتشف طريق العودة ولا يصعد الى السماء، فيبقى منفيا حيث هو، باحثا عن حضن امه التي قتلها الطاعون، احمد الذي لا ينتصر ولا يهزم، لكنه ما زال يحلم، ويقاوم، يحاول ان يقاوم .. اصبحت حيفا بعيدة جدا، جدا، ابعد جدا من مخيم اليرموك، من عدرا والبيضا، تاه الوطن في مكان ما بين الجنة والجحيم .. احمد السوري، الفلسطيني، المصري، العراقي، اللبناني، لا يمت بصلة قرابة لاي من الحراس او الغزاة، لا رابطة دم بين احمد الذي تصادف هذه المرة انه سوري، عربي، مسلم، وبين ‘سوريين’، ‘عرب’، ‘مسلمين’ كالحجاج او قراقوش، احمد هذا اقرب الى الهنود الحمر الوثنيين الذين عرفوا مخيمات اللجوء والنفي والمذابح والطاعون مثله، اقرب الى كل مضطهد في هذا العالم، كان وسيكون .. ومثل اي مضطهد، يريدون ان يطفئوا غضبه بالخوف واليأس، ومثل كل مضطهد، يبقى محاصرا بالشك والتردد، ومثل كل مضطهد يكره الحراس ويخشاهم، يحاول احمد السوري ان ينهض ويسير، نحو ما يعتقد انه الحرية.

‘ ‘ ‘

لا شك أن قدرة داعش المذهلة على فرض ما تعتقد به على الآخرين بالقوة مخيفة، لكن الذي يبعث على الرعب بدرجة أكبر ربما هو الطريقة التي أصبح السوريون يسيرون بها، وكأنهم لم يقوموا بثورة ليصبحوا أحرارا، ليحرروا عقولهم وحياتهم .. لا أحد اليوم يكلف نفسه ليشرح للسوريين ما يفعل أو ما يجري، يكتفي الجميع بترديد نفس حجج الديكتاتورية وإن بأشكال مختلفة أي اتهام الآخرين، شيطنة الخصم، مخاطبة الغرائز، ترميم وتكريس ثقافة القطيع، هذا إن عنى شيئا فهو أن كل هؤلاء يتساوون مع النظام في نظرته للسوريين العاديين، على أنهم رعايا عليهم أن يصدقوا ما يقال لهم، عليهم في نهاية المطاف أن يخضعوا .. إذا صدقنا أن داعش ما هي إلا صنيعة للنظام، وربما أيضا قوى أخرى أطلق النظام سراح قادتها في بداية الثورة، فهذا يعني ببساطة أن النظام يقاتل نفسه، وأن كل هذا الموت والخراب مجرد مسرحية يخرجها النظام .. بعد أن ‘أيد’ البعض أو الكثير سادة كأردوغان أو مرسي ضد شعوبهم بدعوى ‘حرية السوريين’ وبحجة أنهم لم يقصفوا شعوبهم بالبراميل أو بالكيماوي، بعد أن أصبح واضحا أن المثال الذي يستخدمه هؤلاء للمقارنة هو ديكتاتور كبشار الأسد، وأضيفت إليه اليوم داعش عند البعض. لنا أن نتخيل كيف ينظر هؤلاء إلى السوريين العاديين .. تعامل الكثيرون، في المعارضة السورية والقوى الإقليمية والدولية الكارهة للأسد، مع داعش على أنها شر لا بد منه، نحن أيضا، تعاملنا مع كل ظواهر مؤسسات الثورة وانفصالها عن الناس على أنها شر لا بد منه للخلاص من هذا النظام .. من الواضح اليوم أن تلك القوى الإقليمية والدولية قد قررت التخلص من داعش، لأسبابها الخاصة، واتضح أيضا أن شيطنة داعش مفيدة ليس فقط لنظام الأسد، بل أيضا للمعارضة السورية وخاصة للإسلاميين ‘المعتدلين’، مرة أخرى وتماما كما فعل النظام طوال عقود، ستكون ملاحقتهم لداعش أحد أهم ‘منجزاتهم’ وستستخدم داعش كبعبع لتخويف السوريين من الحرية ولتبرير القمع، قمع السوريين العاديين أساسا، تماما كما فعل النظام مع كل هؤلاء لعقود .. لكن بعيداعن هذيان الاتهامات الذي يرافق جنون الرصاص والقذائف، فإن الصراع الحقيقي هو على السلطة، على احتكار العنف ضد أي مخالف، على احتكار القدرة على فرض إرادة قلة ما على السوريين، احتكار القدرة على استعبادهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية ومؤتمر "جنيف2"

فايز سارة

المستقبل

الاربعاء 15/1/2014

لايختلف اثنان على الصعوبات البالغة التي تحيط بالمعارضة السورية عشية انعقاد جنيف2. ورغم ان الصعوبات القائمة، ليست جديدة، فان في تفاصيلها ومايحيط بها من وقائع جديدة، يجعلها من الصعوبات الاكبر التي واجهتها المعارضة منذ بداية الثورة قبل نحو ثلاث سنوات.

ان الابرز في الصعوبات المحيطة بالمعارضة، تتمثل في انقسام وتشظي كياناتها ومنها الكيانات السياسية. ولا يتصل الانقسام بما تبلور من كتل وتحالفات سياسية في تجربة السنوات الثلاث الماضية مثل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والمجلس الوطني السوري ومثلهما الهيئة الكردية العليا والمجلس الوطني الكردي، وكلها تتعرض لمحاولات تقسيم وتفتيت، بل ان الانقسام يمتد باتجاه محاولة اقامة وتعزيز كيانات واشكال هامشية وجديدة، لعل المثال الابرز في الاولى سعي المنسحبين من الائتلاف الى اقامة كيان سياسي جديد على مايقال، والمثال الثاني سعي مجموعة مؤتمر قرطبة الاخير الى تأسيس كيان سياسي جديد وابرازه بوصفه كياناً هدفه موازاة الائتلاف او التحول الى كيان أكبر منه.

وواقع الانقسامات في المعارضة السياسية، يجد له مثالاً وصدى في واقع المعارضة المسلحة، وهذا ما يشكل واحداً من تجليات الاوضاع الصعبة التي تعيشها المعارضة، والجانب الاول في موضوع المعارضة المسلحة، هو محاولات انفصالها عن المعارضة السياسية، وسعي اجزاء منها نحو تقديم نفسها قوة موازية او بديلة عن المعارضة السياسية، وقد شهدت الفترة القريبة الماضية نمواً في الاتجاه الاخير (كما في مثال الجبهة الاسلامية) على حساب الاتجاه الاول الذي كان اكثر حضوراً في العلاقة التي تربط الائتلاف الوطني مع هيئة اركان الجيش الحر.

والتعبير الثاني عن صعوبات المعارضة المسلحة هو انقساماتها. والانقسام واقع حقيقي منذ نشوء التشكيلات المسلحة في الثورة السورية. ورغم ان اغلبها اعلن تبعيته للجيش السوري الحر، او لهيئة اركان الجيش الحر في وقت لاحق، فان تلك التبعية كانت شكلية، وحتى في الحالات التي سعت تشكيلات مسلحة الى اقامة جبهات وتحالفات، فان البنى الجديدة ظلت تحالفات شكلية، منقسمة داخلها وبقدر اكبر منقسمة في العلاقة مع الخارج، ولعل الجبهة الاسلامية اليوم واحدة من الامثلة ومثلها شقيقتها جبهة ثوار سوريا.

لقد اتاح الوضع المأزوم داخل المعارضة المسلحة لجماعات متطرفة وعصابات مسلحة منها الدولة الاسلامية في العراق والشام "داعش"، ان تظهر وان تنمو وان تدخل في مواجهات مباشرة ليس مع تشكيلات المعارضة المسلحة بهدف السيطرة عليها او تصفيتها فقط، وانما في الدخول مع الحركة الشعبية والمعارضة السياسية لتحقيق ذات الهدف، الامر الذي يفسر الصحوة الاخيرة من جانب اغلب المعارضة السياسية والمسلحة ومن الحراك الشعبي في مواجهة "داعش" وهي مواجهة مرشحة لتشمل اخوات "داعش" من جماعات التطرف مثل جبهة النصرة .

ان انقسام المعارضة السورية وتشظيها، يجعل منها معارضة ضعيفة ومشتته، ومحدودة التأثير في المستويين الداخلي والخارجي، مما يزيد وضعها سوءاً عشية مؤتمر جنيف2، وخاصة لجهة مايمكن ان تقوم به من دور في المؤتمر، اذا ذهبت اليه، وربما تلعب دور المعطل للمؤتمر، اذا فشلت في لملمة اوضاعها والتفاهم بين عدد من مكوناتها لتشكيل وفد مشترك، يجعل من جنيف2 مدخلاً او بوابة في الطريق الى حل سياسي، يأخذ سوريا السوريين الى حل لقضيتهم، ولو كان حلاً يمر عبر مرحلة انتقالية قد تكون طويلة.

ان المعطيات السابقة، تجعل من السوريين اقل ثقة بالمعارضة وبقدرتها على لعب دور فاعل في القضية السورية، والتأثير في رسم مسارات لمعالجتها سواء في المستوى السياسي الذي يعتبر جنيف2 احدى محطاته المرتقبة، أو في مستوى الحل العسكري الذي لم تستطع التشكيلات المسلحة للمعارضة الوصول اليه واسقاط النظام بالقوة، باستثناء انها فشلت في ادارة شؤون المناطق التي خرج منها النظام، وانطلاقاً من واقع ضعف المعارضة، تنطلق اصوات سورية في رفض جنيف2، تعبيراً عن مخاوف قد تترتب على المشاركة فيه نتيجة ضعف المعارضة.

كما ان واقع المعارضة في انقساماتها وضعفها، يمثل احد رهانات النظام في موقفه من جنيف2. اذا هو يعتقد ان وضعها القائم، وما يحيط به، سوف يمنعها من المشاركة في جنيف2، وان ذلك سيمنع انعقاد المؤتمر، واذا انعقد بوجود وفد ضعيف ومتناقض في مواجهة النظام، فان الاخير سيراهن على احداث تحول وظيفي في مهمة المؤتمر، وجعله "مؤتمراً لمكافحة الارهاب" وفرصة لاعادة تأهيل نظام الاسد في المستويين الاقليمي والدولي.

ان واقع المعارضة ولاسيما انقساماتها، تطرح عليها مزيداً من الاعباء والمسؤوليات عشية انعقاد جنيف2، وهي امام فرصة امتحان ذاتها وقدراتها في ادارة الصراع حول جنيف2 وداخله على ان يكون الهدف مصلحة سوريا والسوريين، وهو هدف يحتاج الى الوحدة ولو بالحدود الدنيا، ويحتاج الى وعي ومعرفة وقدرة، اضافة الى الحاجة الى توفر الارادة، فهل ستثبت المعارضة السورية قدرتها على لعب دور ايجابي في خدمة سوريا والسوريين الآن؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فرصة يتيحها قهر «داعش»!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 15/1/2014

عثر مقاتلو «الجيش الحر» في أوكار وجحور «داعش» على صور ووثائق كاشفة تفضح نظام الأسد، الذي يدعي كذبا أن معركته ضد شعبه هي معركة آخر نظام علماني في الشرق الأوسط ضد الأصولية والإرهاب. وجد المقاتلون صورا لكبار قادة النظام العسكريين والأمنيين والسياسيين مع أمراء «داعشيين» ينتمون إلى جنسيات مختلفة، مما أصابهم بالذهول، وجعل كثيرين منهم يلومون أنفسهم، لأنهم كانوا يظنون أن «داعش» منظمة مجاهدة جاءت إلى سوريا لتسهم في إسقاط النظام، وعندما قيل لهم إنها تسقط الثورة و«الجيش الحر»، شعروا بالإرباك والحيرة، ثم منحوا الثقة فرصة أخرى، وأصروا على التعاون معها أو على السكوت عن أفعالها، لاعتقادهم أنها لا تنوي شرا بالبلاد والعباد، وأن ما تقوم به لا يعد كونه أخطاء يرتكبها عادة الغرباء، حين يدخلون بلدا لا يعرفونه.

والآن، وقد افتضحت شراكة «داعش» مع النظام، وتبين حجم الاختراق الذي كان يسيرها، وظهرت أعداد هائلة من جثث أعدم أصحابها أو قتلوا تحت التعذيب من دون وجه حق: هذا لأنه دخن سيجارة، وذاك لأنه لبس بنطالا من الجينز، وذلك لأنه ابتسم لفتاة، والجميع لأنهم مع «الجيش الحر» والائتلاف الوطني، أو أعضاء في «اتحاد الديمقراطيين السوريين» وأنصار له، يغدو من الضروري رسم استراتيجية وطنية شاملة للتصدي للإرهاب وتنظيماته، تضع خطوطا حمراء لا تسمح له بتجاوزها، وتحدد منابعه المحتملة في مجتمع وتنظيمات سورية، ومصادر قوته وضعفه، وارتباطاته الفعلية والممكنة داخليا وخارجيا، والأساليب والخطط التي يعتمدها للوقيعة بين الناس ولإيقاع بعضهم في حبائله، وموارده المالية والبشرية، وآيديولوجياته المتنوعة، ومراحل نموه في البلدان التي دخلها كما في مجتمع سوريا، والشبكات المحلية والعربية والإقليمية التي تمده بالمال والرجال والأفكار والسياسات، والقوى الداخلية والخارجية القادرة على مواجهته وطرق تعبئتها وتحركها ضده، والأساليب اللازمة لكسب الشعب وتحصينه ضد مخاطره، ولجعله يرفض الانسياق وراءه والانصياع له.. إلخ.

بالمقابل، لا مفر من توطيد وتعزيز النزوع الديمقراطي وتقوية تواصله قوى وفكرا مع مختلف قطاعات وشرائح المجتمع، بما يجعل الحرية هدف الفاعلية السياسية والتنظيمية لأي حزب أو نخبة أو تيار، وإغنائه بروح دينية لحمتها وسداها التسامح وقدسية الحياة، والإقرار بحقوق جميع مخلوقات الله في العيش والأمان والكرامة، وفي العدل والمساواة.

هذا ما يجب أن يكون عليه برنامج العمل الوطني السوري من الآن فصاعدا، بما أن «الجيش الحر»، الجهة التي يلتقي الجميع على دعمها والإقرار بدورها الحاسم في الصراع من أجل الحرية، هي التي يجب تركيز جميع الجهود على توحيدها وتنسيق عملياتها بصورة مركزية ومخططة، لكونها الطرف الذي يحمل اليوم عبء القتال ضد الإرهاب، ويهب لردعه بعد أن أقام حدا أدنى من الوحدة بين فصائل رئيسة منه، فلا غنى بعد الآن عن توحيد قدراته في إطار جيش جامع، يستعيد بما له من قوة واقتدار رهان الثورة الأصلي، ألا وهو الحرية كحاضنة تحتم بناء نظام جديد في سوريا يمثل نقلة نوعية في تاريخها السياسي وتطورا هائلا في الاتجاه المفضي إلى ما يريده ناسها: العدالة والمساواة والكرامة. ولعل من أكثر الأمور المهمة التي يجب أن تلفت نظرنا واقعة مفرحة تتجلى من خلال الصلة الوشيجة بين نشاط «الجيش الحر» والحراك الشعبي، فما إن بدأ الأول مقاتلة «داعش» وطردها من أماكن انتشارها، حتى بدأ الثاني مظاهرات سلمية وحراكا مدنيا ضدها، واستعاد الاثنان ملامح حقبة خلنا أنها زالت ودالت، بيد أنها انبعث بفضلهما من تحت ركام الصراعات العربية والإقليمية والدولية الكثيف في بلادنا وعليها. هذا التلازم التكاملي بين المقاومة بالبندقية وبالحراك السلمي يضع يدنا على مفاصل أولية لاستراتيجية طال انتظارنا لها، يخوض فيها الجيش والشعب معركة شاملة ضد الإرهاب، تتحول بجهود القوى السياسية والمجتمعية العسكرية والمدنية الموحدة إلى رافعة تضمن تقدمنا نحو الحرية وانتصارنا على النظام، الذي رعاه وأنتجه وها هو يستخدمه ضدنا.

بهذا المنظور، ليست المعركة ضد «داعش» غير مجرد جزء وحسب من المعركة ضد النظام، فلا مبالغة إن اعتبرنا هزيمتها مقدمة لهزيمته، شريطة أن لا نتقاعس عن مواصلة المعركة ضدهما والسير فيها إلى نهايتها، وأن لا نتوقف في منتصف الطريق ونسمح لورم «داعش» السرطاني بالنمو من جديد، وبالتهام جسدنا قطعة بعد قطعة، كما كان يفعل مع «الجيش الحر». إلى ذلك، تمثل المعركة الحالية بوابة خروج من احتجاز فرضه النظام والعالم علينا: الأول عبر معركة تحول دون هزيمته وتمكنه من اختراقنا إرهابيا، وتشتيت طاقاتنا وقتلنا وتجويعنا إلى أن نركع. والثاني بالتلاعب بنا من خلال سياسات هدفها إدارة أزمتنا: فهي تطبخها على نار هادئة وتبقي عليها لأطول فترة ممكنة.

تشير معركتنا ضد «داعش» إلى الاتجاه الذي يوصلنا إلى حريتنا. هل نفوت هذه الفرصة كما فوتنا غيرها، أم نفيد منها كي نسقط نظاما قاتلا ساعدناه على النجاة بأخطائنا وعشوائية عملنا؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل سيسقط «جنيف 2» نظام الأسد؟

رضوان زيادة *

الحياة

الخميس 16/1/2014

كان الهدف الرئيسي والشعار الأساس للثورة السورية منذ قيامها في آذار (مارس) ٢٠١١ هو إسقاط نظام الأسد. بالطبع ليس هناك تعريف سياسي أو تحديد قانوني لعبارة الإسقاط هذه، وإنما كانت مستنسخة من شعارات ثورات الربيع العربي الأخرى في تونس واليمن وليبيا ومصر، لكن عموماً كان الفهم الشعبي العام بحكم أن كل هذه الثورات شعبية بالأساس وليس لها قيادة سياسية، يعني ذهاب رأس الهرم السياسي ممثلاً في الرئيس عن موقعه سواء عبر الاستقالة الطوعية كما في حالة حسني مبارك او في الهروب كما في حالة زين العابدين بن علي في تونس او في التسوية السياسية مع ضغط الدول الإقليمية والدولية او القتل كما في حالة القذافي، وبالتالي كل الجهود السياسية والعسكرية في سورية كانت تتركز على رحيل الاسد بأي طريقة كانت، وبالتالي ما زال رحيل الاسد هدفاً لا محيد عنه للثورة السورية برغم الآلام الكثيرة والمعاناة الضخمة.

عاند الأسد منذ البداية مفتتحاً عهداً جديداً في سورية يقوم على القتل والإبادة. أصبح الشعب السوري ينظر أكثر وأكثر باتجاه ما يسمى المجتمع الدولي علّه يساعده كما جرى في ليبيا في وقف آلة القتل التي لم تتوقف يوماً. كان المجتمع الدولي يوماً بعد يوم يخذل السوريين وينساهم ويحاول جاهداً محو معاناتهم وتشويه ثورتهم كما هي صورة الثورة السورية في الإعلام الدولي.

الآن أصبح واضحاً أن اللغة العسكرية هي اللغة الوحيدة في سورية لكن الوعود الإقليمية في تسليح «الجيش الحر» لم تساعده في إسقاط النظام وإن نجحت في طرد قواته من الكثير من المناطق والمدن المحررة، لكن الاسد ازداد وحشية وشراسة وباتت معها معاناة المدنيين والشعب السوري معضلة بحد ذاتها والأرقام تتحدث عن نفسها لجهة عدد الشهداء والنازحين واللاجئين والجرحى والمشردين وغير ذلك كثير مما أصبح يشكل المادة اليومية للإعلام اليوم، لكن وعلى رغم كل ذلك لم يدفع هذا المجتمع الدولي للتدخل العسكري لإسقاط النظام وإنهاء معاناة الشعب السوري، بل إنه يقدم بديلاً اليوم يقوم على ما يسمى مؤتمر جنيف، يقوم على فكرة تقليدية في كل النزاعات الدولية وهي إحضار الأطراف كلهم مع داعميهم من قوى إقليمية ودولية من أجل التوصل الى حل تلتزم كل الأطراف بتطبيقه لأنها شاركت في صناعته، ويقوم على مبدأ: بما أن الحل العسكري فشل ولم يستطع أي من الطرفين تحقيقه لذلك لا بد من تفاهم الطرفين على حل سياسي.

بكل تأكيد تشعر الثورة السورية أنها أصيبت بجرح عميق، فبعد كل الذي جرى وما قام به الاسد، يُطلب من الشعب السوري ان يتفاوض مع جلاده وقاتله، وهو أمر بكل تأكيد من الصعب فهمه فضلاً عن تقبله، لكننا يجب ان نعترف أننا لن نستطيع تحقيق نصر عسكري من دون تدخل عسكري، وطالما أنه ليس هناك اي تدخل عسكري في الوقت الحالي فلا بد من اتباع طرق أخرى من أجل تحقيق الهدف ذاته وهو إسقاط النظام عبر الوسائل السياسية، فجنيف معركة سياسية اكثر صعوبة من المعركة العسكرية على الارض، لكن إذا نجحت المعارضة السياسية في كسبها فإنها ستحقق نصراً حقيقياً، لا سيما ان الكلمة المفتاح في جنيف والتي اتفقت كل الأطراف عليها هي تشكيل جسم انتقالي، سواء فهم الروس ان الاسد جزء منه او لا فإن الأطراف الدولية اتفقت كلها ان سورية لن تُحكم عبر الاسد في المرحلة الانتقالية وإنما من خلال هذا الجسم الانتقالي، فإذا نجحت المعارضة السورية في تركيز كل المفاوضات القادمة في جنيف على تشكيل هذا الجسم يكون إسقاط النظام قد تحقق عبر وسائل سياسية، ويبقى تطبيق هذا الاتفاق عند إنجازه، وهنا غالباً ما تلعب الأطراف الراعية أدواراً في تنفيذه لأن صدقيتها في عقد المؤتمر تتعلق بقدرتها على تنفيذ توصياته، وقد نجحت مسبقاً في إجبار الاسد على تنفيذ الاتفاق الخاص بالسلاح الكيماوي وتسليمه، وبالتالي فهناك فرص كبيرة ربما تتحقق في إجبار الاسد على التنازل عن السلطة لمصلحة هذا الجسم الانتقالي صاحب الصلاحيات الكاملة التنفيذية والتشريعية بما فيها الصلاحيات الأمنية والعسكرية، وان هذا الجسم سيعود من جنيف الى دمشق للحكم كما ذكر الاخضر الإبراهيمي، وبالتالي فالمعركة الحقيقية بين المعارضة لا يجب ان تكون حول نذهب ام لا نذهب الى جنيف، او من سيذهب الى جنيف ومن لا يذهب؟ وإنما المعركة الصادقة هي كيف ننجح في إنجاز هذا الجسم الانتقالي ذي الصلاحيات الكاملة بالسرعة القصوى لسحب الشرعية السياسية والقانونية من الاسد وحكومته وتسليمها الى هذا الجسم. فالمعركة الحقيقة هي تشكيل وتحديد أسماء وصلاحيات هذه الهيئة الانتقالية التي ستحكم سورية المستقبل من دون الاسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com