العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18/12/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الجامعة العربية تقتلنا .. محمد فاروق الإمام

يوم أمس خرجت المدن السورية بشيبها وشبابها وأطفالها ونسائها تعبر عن غضبها في جمعة أسموها (الجامعة العربية تقتلنا)، إشارة إلى مواقف الجامعة العربية الهزيلة والمترددة التي تمنح النظام السوري المهلة تلو المهلة، ليسرف القاتل في القتل ويوغل السفاح في القمع دون محاسب أو رقيب، اللهم إلا من أدوات بسيطة تصور وتوثق ما يرتكبه هذا النظام السادي من جرائم وآثام وموبقات، تحملها أكف الثائرين الذين ثاروا لانتزاع الحرية من مخالب طاغية الشام ونمرودها، الذي استغل هذه المهل وهذا التردد المريب لهذه الجامعة التي عقدنا عليها الآمال – واهمين – بأنها ستقف إلى جانب الشعب السوري الذي انتفض وثار ينشد الحرية بعد مصادرتها لنحو نصف قرن كما فعل الأشقاء في تونس ومصر وليبيا، أسوة بمواقف الجامعة من هذه الثورات التي وقفت إلى جانبها منذ الأيام الأولى لانطلاقتها، وكان للجامعة موقف جريء وسريع تجاه الثورة الليبية عندما شعرت أن القذافي قد يرتكب مجزرة بحق أهل بنغازي، وهي تعرف إمكانياتها المتواضعة التي لا يمكنها منع القذافي من ارتكاب مثل هذه الجريمة، فأحالت الملف الليبي إلى مجلس الأمن وأمّنت الغطاء العربي للتدخل الدولي السريع الذي حال دون ارتكاب القذافي أي جريمة حمقاء بحق الشعب الليبي، وهذه الجامعة اليوم تقف متفرجة على ما يرتكبه طاغية دمشق من مجازر ومذابح بعد تسعة أشهر دامية، استباح فيها هذا الوحش المدن السورية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، مقطّعاً بآلته العسكرية الجهنمية البرية والبحرية والجوية أوصال المدن، فارضاً عليها وعلى أهلها الحصار ومانعاً عنها الماء والغذاء والدواء والكهرباء والاتصالات، مطلقاً ذئابه المفترسة وضباعه الجائعة وكلابه الضالة لتفتك وتقتل وتنتهك الأعراض والمقدسات وتنهش لحم كل من يتحرك أو تقع العين عليه.

تسعة أشهر دامية وثّقتها منظمة (هيومن رايتس ووش) التابعة للأمم المتحدة في تقريرها المرعب والمخيف الذي رفعته إلى مجلس الأمن يوم الأربعاء 14/12/2011، الذي كان الهدف الأساسي منه – كما نوهت المنظمة - هو "تسمية المسؤولين عن القمع والانتهاكات التي تحصل في سوريا منذ أكثر من تسعة أشهر"، ولا يكفي القول – كما جاء في التقرير – "بأن هناك قمع وانتهاكات".

 ويؤكد التقرير عن الأمل الأكيد في "أن تتم معاقبة المسؤولين". كما أكد التقرير في إحدى توصياته الأساسية عن رغبته في "إحالة ملف سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، كي يكون هنالك تحقيق محايد ودولي لهؤلاء الأشخاص".

ولم تعف المنظمة بشار الأسد من المسؤولية مما يحدث في سورية من قمع وانتهاكات، بل حملته "المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم بصفته رئيساً للجمهورية وقائداً للقوات المسلحة"، وقالت أن "أربعة وسبعين شخصية متهمة بالقمع والقتل والتعذيب، وفي مقدمتهم بشار الأسد، سيحالون إلى محكمة الجنايات الدولية لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية".

الشعب السوري المثخن بالجراح والآهات والعذابات يقف حائراً أمام موقف أشقائه العرب متسائلاً: أما يكفي مقتل ستة آلاف شهيد وأضعافهم من الجرحى؟! أما يكفي خمسة عشر ألف مفقود؟! أما يكفي تسعون ألف معتقل ومغيب في السجون؟! أما يكفي نزوح عشرات الألوف داخل وبين المدن السورية؟! أما يكفي تهجير ثلاثين ألف سوري إلى خارج الحدود؟!

كم تنتظرون أيها الأشقاء من ضحايا وجرحى ومفقودين ونازحين ومهجرين وأرامل وأيتام وثكالى ودمار وخراب واستباحة أعراض وتدنيس مقدسات، حتى تغلي الدماء في عروقكم وتتمعر منكم الوجوه؟!

أليس فيكم مروءة جاهلية بني شيبان وحميتهم، الذين هبوا للثأر لدم الملك الجاهلي النعمان بن منذر الذي قتله ملك الفرس كسرى، على قلة عددهم وقلة ما بأيدهم في مواجهة إمبراطورية فارس التي كانت تحكم نصف العالم في زمانها.. فمرغوا أنف فارس وملكها يوم ذي قار؟!

وأنتم اليوم تقولون ولا تفعلون.. وتقررون ولا تنفذون.. أكثر من شهرين وقراراتكم حبر على ورق ثم الغرق، وبين مهلكم لهذا الفرعون الصغير تدفقت أنهار من دماء السوريين، فكيف أنتم يوم الجمع أمام أحكم الحاكمين بينكم وبين من قُتّلوا وظلموا، عندما يقال لكم: ويحكم لمَ لمْ تنصروا إخوانكم المظلومين وتنصفوهم من ظالميهم وكنتم قادرون على ذلك؟!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المُقابَلة .. حديث الطرشان .. شعر: طريف يوسف آغا

كاتب وشاعر عربي سوري مغترب

قابَلوهُ ... ويالَيتهُمْ ماقابَلوهْ!

وحاوَروهُ ... ويالَيتهُمْ ماحاوَروهْ!

 

قالوا عنهُ أنَّهُ يجيدُ اللغَةَ

فلا شَفِعتْ لهُ اللغةُ ولاالقتلى سامِحوهْ

 

وقالوا أنَّهُ طبيبٌ مختصٌ مِنَ الخارجِ

ربَّما إلى الخارجِ يجبُ أنْ يُعيدوهْ

 

إنْ كانَ (آخِّرُ الطِبِ الكَيَّ) فطبيبنا

منذُ اليومِ الأولِ أمرَ أنْ يَستعملوهْ!

 

ولما سَألوهُ عَنْ رأيهِ بلقبِ الديكتاتورِ؟

قالَ لايَهُمُهُ مادامَ ناسُهُ يُحبِّوهْ!

 

فسَألوهُ ولماذا سَمَحَ بكلِ ماحصلْ؟

فتحداهُمْ بِما حصلَ أنْ يُخبِروهْ

 

ولما أخبَروهُ عَنِ الثَورةِ أنكَرَها

فقالوا أنَّ الرجلَ إمّا مجنونٌ أو معتوهْ!

 

وإمّا مُنقطِعٌ عَنِ العالَمِ

وبِما يجري مِنْ حولهِ، أعوانُهُ لمْ يُعلِموهْ

 

قالوا لهُ كلُّ العالَمِ قاطَعَهُ

حتى جيرانهُ وأصدقائهُ مِمَنْ سانَدوهْ

 

فقالَ لايَهمّهُ مادامَ الشَعبُ لمْ يقاطِعَهُ

فناسُ الداخلِ همْ فقطْ مَنْ يَهُمّوهْ

 

وأنَّهُ يَحظى بدَعمِ الأغلبيةِ!

فهوَ ماقَبِلَ بالرئاسةِ إلا لأنَّهمْ يُحبّوهْ!

 

فقالوا لهُ أنَّ الناسَ تُقتَلُ بالآلافِ

فسَألهمْ عَنِ الدليلِ الذي يَملِكوهْ؟

 

قالوا أنَّها قواتُهُ فأجابَ ليسَتْ بقواتِهِ!

فهوَ مُجَردُ رئيسٍ الناسُ اختاروهْ!

 

مُجَردُ رئيسٍ ولكنْ ليسَ بملكٍ!

والدليلُ أنَّهُمْ استفتوا عليهِ ولمْ يتوِّجوهْ

 

"لايُنتخبُ الرئيسُ عندنا" قالها بلا خجلٍ

ثمَّ قالَ أيضاً أهلهُ للحكمِ لمْ يُورِّثوهْ

 

وسألوهُ عَمّا جَرى للأطفالِ؟

فقالَ أنَّ أهلَ الأطفالِ قابلوهُ وبَرّأوهْ

 

وعَنْ رسامِ الثورةِ قالَ بأنَّهُ ليسَ

بمسؤولٍ عَنْ كُلِ الذينَ رسموهْ

 

وعمَّنْ قتلَ شَحرورَ الثورةِ قالَ

لايعرفُهُ ولايعرِفُ الذينَ قتلوهْ

 

فسألوهُ إنْ كانَ ضميرُهُ يُعَذِّبهُ؟

وهلْ لأمثالِهِ ضميرٌ حتى يَسألوهْ؟

 

ولمّا ذكَّروهُ بحقوقِ الانسانِ ضحكَ

وكأنَّهمْ قطعوا المُحيطَ إليهِ ليُضحِكوهْ!

 

وفيما إذا كانَ يشعرُ بالذنبِ، ضحكَ أيضاً

أما للرجلِ أعوانٌ للمُقابلاتِ يُحَضِّروهْ؟

 

فمنْ أولِ المقابلةِ إلى نهايتِها، لا يبدو أنَّ

مُحاوريهِ مَرّةً واحدةً صَدَّقوهُ أو قَبضوهْ

 

جوابٌ مِنَ الشَرقِ وجوابٌ مِنَ الغربِ

إنْ ظنَّهُ ذكاءً، فالذكاءُ آخِرُ ماظنّوهْ

 

وظنَّ البعضُ أنَّ المقابلَةَ فيها رِسالة

رِسالتي لأهلِهِ أنْ بلا رقابَةٍ لاتتركوهْ

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

كلام في حماية المدنيين السوريين .. بدرالدين حسن قربي

دائماً يعبّر البعض عن استغرابه لرفع بعض المتظاهرين السوريين الذين يواجهون فظائع القتل والقمع وجرائم الحصار والتجويع من قبل النظام السوري للوحاتٍ أو لافتاتٍ تطالب بالتدخل الأجنبي أو بمنطقة عازلة وحماية دولية، مما يرونه مساساً بالسيادة الوطنية ونقائها. وهو استغراب له منطقه لاشك، والذي لولاه لما كان التردد المشهود عن هذه المسألة في بعض صفوف المعارضة وكأنها تُساق إلى الموت. وإنما بمقاربة الأمر من زاوية أخرى بعيداً عن الأولى، نجد أيضاً أن في المسألة نظر.

فإذا كان المتظاهرون السورييون السلمييون والمسالمون الذين خرجوا إلى الشوارع والساحات يطالبون بحريتهم السليبة وكرامتهم المفقودة يواجهون الموت في كل تظاهرة منذ اليوم الأول للاحتجاجات من مدينة درعا، ومازالوا مصرين على مطلبهم برحيل نظام القمع والقهر، وقد أكملوا على حالتهم هذه تسعة أشهر، ارتكب فيها النظام في أقل الإحصائيات أكثر من خمسة آلاف قتيل، فيهم قرابة 340 طفلاً و 200 إمرأة، وعشرات الآلاف من المعتقلين، وقوات الأمن والشبيحة ومئات الدبابات تمور بين المدن والأحياء قصفاً وتدميراً وخراباً. فما المنتظر قوله من المتظاهرين والمعارضين، وماذا يمكن أن يرفعوا من لافتات..؟

تقدم بعض السوريين ومعهم بعض الإخوة العرب بمقترحات ومبادرات باردة وخجولة وإنما بعد فوات الأوان، وقد أصبحت مقالة السوريين الثائرين الصريحة والفصيحة وبالقلم العريض، بكل لغات العالم لمن يسمع، بلغة بريل لمن فقد بصره، وبلغة الإشارة للصم والبكم، بأن مطلب الشعب الوحيد لتحاشي زيادة عدد الضحايا والإثقال على المقترحين والمبادرين من أصحاب النوايا الحسنة والعاطلة، هو إسقاط النظام فقط لاغير، وهو مطلب يضع السوريين في اتجاه واحد للحل، فالشعب لايرحل ولن يرحل، وهو أبقى من النظام. وعليه، فإن المتظاهرين الاستشهاديين لم يتركوا وسيلة من وسائل التعبير والاحتجاج المسالم إلا وفعلوها، فماذا يمكن أن يفعلوا بعد 280 يوماً من استمرار الإثخان في القتل والترويع والاعتقال والإذلال من قبل النظام الحاكم، والإصرار على عدم التوقف ورفض الرحيل...؟

ليس من الإنصاف المساواة بين القاتل والضحية، والمجرم والبريء، والظالم والمظلوم. فالأصل أن يكون الكلام عن الظالم والقامع والمستذِلّ والمستعبِد المالك لكل وسائل العنف والقهر والإذلال، وليس عن الآخر المقموع والمقهور والمنهوب ممن لا يملك من أمره شيئاً سوى الصراخ من الألم والمعاناة ورفع اللافتات المطالبة بالإنقاذ.

زادوا في الظلم والقمع والقهر والاضطهاد وتجاوزوا حدوداً رعيبة، وحتى إذا خرج المواطنون عن طورهم في مواجهة قتَلَتهم وسفاكي دمهموقاهريهم ومضطهديهم، وصرخوا أمام تهاون الإخوة في نصرتهم وتراخي الجامعة العربية في الأخذ على يد القتلة ومعاقبتهم، وقالوا بعد ثمانية أشهر أو تسعة: نعم للتدخل الأجنبي، نعم للمنطقة العازلة،أنقذونا من الذبح، أدركونا إننا نواجه التوحش والإبادةبصدور عارية، خرج عليهم النظام وشبيحته وبعض من أصحاب النوايا الحسنة مخونين ومتهمين، ونسوا سبب المصائب كلها، ولو أنهم خففوا وضبضبوا شنطهم ومشوا لاستراحوا وأراحوا. فالشعب يريد إسقاط النظام، وسورية بدها حرية، وهم في غاية التياسة والمناكفة معرضون، ومصرون على المشي إلى حتفهم البئيس، وكأنهم لم يروا مصير القذافي ولم تنفعهم منه عظة ولا اعتبار.

وعليه، فلماذا يُستغرَب أن يرفع من يواجه الموت وفظائع القتل والتوحش اليومي في المدن والبلدات والأرياف صوته مستنجداً بالضمير العربي والإنساني أن ينقذه..؟ قد يقول المعترضون: لاشيء يبدو مجاناً، والضمير ليس كما تتصورون، وكلٌ بثمنه، وجوابنا: ماالحل أمام إصرار المجرم على إجرامه والإجهاز على ضحاياه دون وازع من ضمير أو وطنية أو حتى إنسانية، وقد صبرنا عليه سنين وسنين وأكملناها بتسعة أشهر. هل يُترَك ليكمل علينا، أو نستغيث ونرفع الصوت بالصراخ..؟ فإما أن تقنعوا النظام وجوقته وشبيحته بالتوقف والرحيل، أو تكرمونا بسكوتكم، ولاتبيعوا على من يذبح كل يوم طهراً كاذباً ونقاءً أكذب، وأنتم تعلمون من هو النظام في وساخاته وقباحاته وبجاحاته...!!

www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=8eZxvbxwzz4

www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=fGeGQL7k0ag

www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=Q5V3Fogj-Uo

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

نعم إنه كما وصف نفسه: (مجنون أحمق كاذب) .. محمد فاروق الإمام

لأول مرة أشعر بأن أسد قصر المهاجرين الصغير صادقاً فيما وصف به نفسه في مقابلته مع قناة "أي بي سي" التلفزيونية الأمريكية التي بُثت الأربعاء الماضي 7/12/2011 عندما نفى أن يكون قد أصدر أوامر بقتل محتجين، وقال إنه "لا يمكن لأي شخص أن يفعل ذلك إلا إذا كان مجنونا" وقد فعل - فإذاً هو كما وصف نفسه - مجنون وأحمق وكاذب، وما يجعلنا نتأكد من كذبه ما حدث ويحدث من وقائع على الأرض منذ تسعة أشهر، وهي تؤكد ولوغه في دم السوريين حتى النخاع، ولعل ما يقوم به من حركات خلال حديثه.. تارة بيديه وأخرى برأسه والاندفاع إلى الأمام ثم الرجوع إلى الخلف ثم يميل يمنة ويسرة في حركات بلهاء تلفت النظر، يؤكد ما ذهب إليه العلماء من أن المنطقة المسؤولة عن الكذب هي في مقدمة الدماغ أي الناصية، وقد اكتشف هؤلاء العلماء أن منطقة الناصية تتنشط بشكل كبير أثناء الخطأ، ولذلك فقد خلصوا إلى نتيجة أو حقيقة علمية أن عمليات الكذب وعمليات الخطأ تتم في أعلى ومقدم الدماغ في منطقة اسمها الناصية، والعجيب أن القرآن تحدث عن وظيفة هذه الناصية قبل قرون طويلة، فقال: (ناصية كاذبة خاطئة) فوصف الناصية بالكذب والخطأ وهذا ما يراه العلماء اليوم بأجهزة المسح المغنطيسي.

وبعد هذه المقابلة المخجلة شعر النظام بوقوعه في مطب يدينه ويدين رأسه الذي ينفي أي علاقة له في عمليات القتل الممنهج التي يرتكبها شبيحته ورجال أمنه وكتائبه العسكرية منذ تسعة أشهر، فلا يقول ما قاله بشار إلا رجل كاذب أبله، فكيف يستقيم قوله: " هو ليس له علاقة بما يجري على الأرض لأنه رئيس ولا يملك سورية، فالحكومة والجيش هما المسوؤلان عن القتل، وأنه لم يصدر أي أوامر، لأنه لا توجد حكومة في العالم تأمر بقتل شعبها" مع حصيلة القتل المرعبة التي تجاوزت الخمسة آلاف مواطن بحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان الموثقة لديها بالصوت والصورة؟!

أمام هذه المقابلة المخجلة والتي ألحقت بالنظام "فضائح بجلاجل" فوق ما هو فيه من فضائح، سارع إلى إحداث منصب جديد لم يكن معروفاً من قبل هو منصب "الناطق الرسمي باسم الخارجية السورية" واختار لهذا المنصب رجلاً جفت مياه وجهه، يجيد ليَّ أعناق الحقائق وتزويرها والتلاعب بالكلمات والألفاظ، يهوى الكذب ويعشق التملق ويهيم بالنفاق، هو الدكتور المهرج "جهاد مقدسي" الذي يذكرنا بسعيد الصحاف الذي بقي لآخر لحظة وهو يصف الأمريكيين الغزاة بالعلوج وينفي تدنيسهم لأرض العراق ويذيع البيانات المضللة، في الوقت الذي كانت الدبابات الأمريكية على بعد أمتار من مكان وجوده على كومة من بقايا أبنية مدمرة، وكان هذا الصحاف مفاجأة للجميع عندما سلم نفسه للأمريكيين الذين استجوبوه لساعات ثم أطلقوا سراحه وغادر العراق دون أن يُمس هو أو أحد أفراد أسرته بأي سوء، كما ويذكرنا بالناطق الرسمي لطاغية ليبيا موسى إبراهيم الذي ظل يفبرك الكذب والأباطيل والأضاليل ويدافع عن القذافي ملك ملوك أفريقيا وعميد القادة العرب، الذي كان يفر هارباً من وجه الثوار من زنكة إلى زنكة ومن دار إلى دار ومن مدينة إلى مدينة ومن جحر إلى جحر حتى استقر كالجرذ مختبئاً في مجرور مياه.

وما تعيين هذا الناطق الرسمي للخارجية السورية إلا مؤشراً بقرب زوال هذا النظام الاستبدادي الديكتاتوري السادي، أسوة بمن سبقه من أنظمة استبداد طغت وبغت وسرقت ونهبت وأفسدت وأفقرت وجوّعت وجهّلت وأهلكت الحرث والنسل في بلدانها، وقربت المطبلين والمزمرين والمصفقين والصداحين والهتافين والمتملقين والمنافقين والوصوليين والفاسدين والمرتشين والمضللين، ولا نعلم إن كان الأسد الصغير الذي وصف شعبه بالجراثيم سيجد لنفسه مجروراً يختبئ فيه كما فعل صديق أبيه القائد معمر القذافي الذي كان يقول لليبيين وهو مرعوب مكابر: (من أنتم أيها الجرذان.. لو كنت رئيساً أو لدي منصب لرميت الاستقالة في وجوهكم).

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المؤامرة الكبرى .. مجاهد مأمون ديرانية

-1-

مع تقدم الثورة يوماً بعد يوم ومع إصرار الشعب الثائر على مطالبه وصبره على ثورته وصلنا إلى نقطة لم يعد ممكناً فيها إنهاءُ الثورة إلا بإسقاط بشار الأسد وأركان حكمه بإذن الله. هذه الحقيقة أدركَتها القوى الغربية التي تابعت الثورةَ منذ أيامها الأولى، فلم تعد قادرة على الاستمرار في دعم ذلك النظام الذي منحته بركاتها على مر السنين، وقررت -بالتالي- أن تتخلى عنه. ولكن ماذا عن البديل؟

لا بد أنهم بدؤوا يتصلون بالمعارضة السورية في الخارج والداخل منذ شهور، وقد بات من المعلوم الآن أنهم مارسوا ضغوطاً كثيرة على أطراف المعارضة المختلفة وصولاً إلى تركيبة ترضيهم وتضمن مصالحهم المستقبلية، في حدودها الدنيا على الأقل، وهذا كله مفهوم لأن الدافع الذي يحرّك تلك الدول ليس دافعاً أخلاقياً أبداً وإنما هو دافع مصلحي كما يعرف الجميع، لذلك سكت أهل الثورة ولم يعترضوا، ولكنهم قرروا أن يَبقوا حذرين وأن يُبقوا أعينهم مفتَّحة.

في وقت لاحق روّجت بعضُ الجهات لحل يسمح ببقاء النظام مؤقتاً مع نقل تدريجي آمن للسلطة يستغرق سنة أو سنتين، لكن الثورة كانت أكثر وعياً من أن تبلع الطعم، وثابرت على التمسك بالهدف المعلن وهو الإسقاط الفوري والكامل للنظام، وفشلت المحاولة المشبوهة لحل الأزمة بحمد الله.

بعد ذلك تداولت بعضُ الدوائر الغربية حلاً توفيقياً على الطريقة اليمنية، حيث يتخلى بشار الأسد عن الحكم ويسلّم السلطة إلى نائبه أو إلى شخصية مقبولة غيره، وتُشكَّل حكومة ائتلافية تضم وزراء من السلطة الحالية ومن المعارضة. في هذا السياق تسربت منذ أسبوعين أنباء (لا أستطيع القطع بصحتها) عن خطة أميركية روسية تقضي بأن يحصل بشار الأسد وعائلته على “منفى مريح” في روسيا مقابل الموافقة على نقل السلطة إلى جهة تكون مقبولة من الأميركيين والروس. ولعل ما كشفه أمين الجامعة العربية يمشي في هذا السياق أيضاً، ألم تسمعوا حديثه عن “مساع يقوم بها رؤساء دول ورؤساء حكومات يتصلون بسوريا ويتوسطون لحل الأزمة”؟ وقبل ذلك وبعده راجت أخبارٌ عن عروض لاستضافة بشار في بعض دول أوربا الشرقية، أو حتى في دولة الإمارات العربية، مع منحه حصانة كاملة من أي مساءلة أو ملاحقة قانونية!

لدينا هنا سؤالان نطرحهما عليكم يا دول العرب ودول الشرق والغرب: أولاً: من فوّضكم بمنح المجرم الكبير حصانة وضمانة من المحاكمة؟ هل سبق أن منح السوريون أحداً من القتلة والمجرمين في أميركا أو فرنسا أو روسيا أو الإمارات أو غيرها من الدول، هل منحنا أحداً من مجرميكم حصانة من قضاء بلادكم؟ سوف نسأل وسوف نجيب: لم نفعل، ولن نفعل، ولن نقبل أن يفعل ذلك بنا أحدٌ منكم. من حقنا أن نحاكم مجرمينا على أرضنا وأمام محاكمنا العادلة، وإذا صدر الحكم بشنقهم فمن حقنا أن نشنقهم بأيدينا على أعمدة الكهرباء في ساحات بلادنا، أما إذا صدر الحكم ببراءتهم فسوف نَهَبهم لكم لتفعلوا بهم ما تشاؤون.

ثانياً: أنتم تخططون لمنح بشار الأسد وعائلته منفى مريحاً مقابل الموافقة على نقل السلطة إلى جهة تكون مقبولة من الأميركيين والروس. أكرر لكيلا يظن أحد من القراء أني أهزل: “جهة مقبولة من الأميركيين والروس”. أي أن أحداً لا يبدو مهتماً برأيكم أنتم يا جمهور الثورة، يا ملايين السوريين الكرام، يا من بذلتم التضحيات الجسام وعشتم في المحنة المئات الطِّوال الثِّقال من الأيام… أنتم لا قيمةَ لرأيكم ولا أهميةَ لرضاكم عمّن يحكمكم، المهم أن ترضى عنه أميركا وروسيا! خسئت أميركا وخسئت روسيا وخيّب الله مسعاهما، وليعلما وليعلم العالم كله أن الثورة هي من تقرر مصيرها، لا يقرر عنها هذا القرارَ أحدٌ غيرُها.

الظاهر أن أميركا والدول الأوربية يظنون أن المجرم الكبير وأخاه الحقير وأعوانهما من كبار المجرمين هم المشكلة وأن إخراجهم من سوريا سيحلها وينهي الثورة، لذلك بدؤوا بجهد محموم هدفه إبعاد هذه المجموعة (أو أكثرها) عن البلاد لإخراجهم من معادلة الحل الصعبة. والمضحك أنهم ما إن طرحوا ذلك المشروع التوافقي حتى قفز فجأة أمام أعيننا اثنان لم نسمع لهما صوتاً منذ بداية الثورة، خدّام ورفعت، وكأن كل واحد منهما يقول: أنا هنا، أنا مستعد لقيادة سوريا في المرحلة الانتقالية! نسي الاثنان أنهما كانا شركاء في نظام الإجرام لسنين طويلة، بل حاول رفعت أن يغسل أدمغتنا وأن يُنسينا أنه قتل منا عشرات الآلاف ذات يوم، وراح يتباكى بدموع التماسيح ويستدر العطف وكأننا شعب بلا ذاكرة… لكن الثورة قطعت عليهما الطريق بفضل الله وأعادتهما إلى الجحور التي خرجا منها خائبَين.

لقد انتبه الناس إلى خطورة انتصار الثورة انتصاراً جزئياً فأصروا على الانتصار الكلي ورفضوا مرحلة انتقالية يقودها نائب الرئيس، أي نائب المجرم الكبير، لأن نائبَ المجرم مجرمٌ بالضرورة. ورفضوا حكومة انتقالية مختلطة من شخصيات المعارضة وشخصيات النظام الحالي، ولكنهم لم ينتبهوا إلى الجزء غير المعلَن من المشروع فبقيت تلك الثغرة مفتوحة، ومنها بدأت تتسلل المؤامرةُ الخطيرة الأخيرة.

المشروع الانتقالي تحدث عن رئيس يتخلى عن السلطة لنائبه وعن تشكيل حكومة مؤقتة مختلطة لقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية، ولكن متى كانت الحكومات تقود سوريا يا أيها السادة؟ من الذي يقود سوريا ومن الذي يسيطر على الدولة بوزاراتها وإداراتها جميعاً؟ كل سوري يعرف الجواب، إنها أجهزة الأمن. وكيف جاء الأسد إلى الحكم وكيف بقي فيه كل تلك السنين الكئيبة من عمر سوريا؟ أليس بالجيش الذي غيّر الأسد بعد ذلك تركيبتَه الطائفية ليبقى خادماً لنظامه وحارساً شخصياً له ولعائلته بدلاً من حراسة وحماية البلاد؟

ماذا عن أجهزة الأمن وماذا عن الجيش في الحل التوفيقي المزعوم؟ هنا المفاجأة.

-2-

الثورة المباركة تنهي بعد غد شهرَها التاسع؛ تسعة شهور مريرة مترعة بالآلام عاشها الشعب السوري، تعرضت خلالها مدنٌ ومناطق واسعة إلى الاجتياح والتدمير والقتل والتهجير، اجتياح وقتل في مناطق السنّة الثائرة شاركت فيه عصاباتٌ مسلحة جمع النظامُ عناصرَها من القرى العلوية، وكان يمكن للثورة المكلومة أن تصرخ بأعلى صوتها: “إنها حرب طائفية يا أيها العالم”! ولكنها لم تفعل لأنها تعلم أن النظام يريد تلك الحرب ويدفع إليها وهو المستفيد الوحيد منها، فآثرت الثورة أن تعضّ على الجرح بكبرياء وأن تتجاهل ما بدا أنه حرب طائفية يشنّها النظام لقمعها وإنهائها. تسعة أشهر مرّت على هذه المأساة والعالم والغرب يرى ويسمع، ولكنه لم يستنكر ولم يقل مرة واحدة إن في سوريا حرباً طائفية أو حرباً أهلية، وفجأة وُلد هذا المصطلح وراح يطير متنقلاً في الدوائر السياسية الغربية، من وزارة الخارجية الأميركية إلى الفرنسية وصولاً إلى الأمم المتحدة. لماذا؟ لأن عشرين علوياً قُتلوا في حمص (في ظروف أقل ما يمكن أن يُقال إنها غامضة) أم لأن الجيش الحر هاجم مركزاً من مراكز المخابرات الجوية لتحرير معتقَليه؟

كان يمكن أن نتجاهل تلك الإشارات ونفترض فيها حسن النية، ولكن سرعان ما اتضح أنها مقدمة وتمهيد للموضوع الرئيسي: مستقبل الطائفة العلوية في سوريا.

فجأة بدؤوا يتحدثون عن الحرب الأهلية، ثم تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية عن ضرورة وجود ضمانات لسلامة الطائفة العلوية، وصدر تصريحها العجيب هذا في وقت قريب جداً من صدور تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” عن سوريا، وقد صدر في الرابع والعشرين من الشهر الماضي باسم “مياه غير مطروقة: التأمل في تبعات الديناميكيات السورية” وخصّص مساحة واسعة للموضوع نفسه. هل هذا التوافق محض مصادفة؟ أشكّ كثيراً، وعلى كل عاقل أن يشكّ.

لا بد من فهم دور “مجموعة الأزمات” وأهميتها في السياسة الدولية قبل الاستمرار في موضوعي الرئيسي، ولكن المقالة ستطول كثيراً لو أردت تقديم صورة مفصلة عنها، لذلك سأكتفي بخلاصة موجزة لا بد منها: وُلدت هذه المجموعة منذ ست عشرة سنة على شكل منظمة مستقلة غير ربحية لا تتبع أي حكومة، هدفها المعلَن هو منع النزاعات الدولية قبل حدوثها. مؤسّسو المجموعة وأعضاؤها اللاحقون هم جماعة من السياسيين الكبار الذين كانت لهم مناصب عالية في الدول الغربية، من بينهم نائبٌ سابق للبنك الدولي (وهو -لمن لا يعرف- واحد من أهم الأذرع الاستعمارية للدول الغربية) ورئيس خارجية أسترالي سابق وسفير أميركي سابق في الأمم المتحدة ورئيس الشؤون الخارجية السابق في المفوضية الأوربية… وتضم لجنتها التنفيذية الحالية ستة أشخاص من بينهم الثري العالمي السيّئ الصيت جورج ساورس، المسؤول عن كثير من كوارث الدول الفقيرة في العالم الثالث، ويضم مجلس الأمناء عدداً من الأسماء المشبوهة منهم محمد البرادعي، لعبة أميركا المفضلة في المنطقة، كما تضم قائمةُ مستشاري المجموعة ستين شخصية من دول مختلفة منهم شمعون بيريز!

لمجموعة الأزمات نفوذ كبير على دوائر صنع القرار في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وأيضاً في الأمم المتحدة. وبغضّ النظر عن الأشخاص الذين يشكلون المجموعة (وكثيرون منهم صهيونيّو الميل والهوى) فإننا نستطيع النظر إلى أفعالها لنحكم عليها بصورة أفضل، وسوف نفاجَأ حينما نجد أن حيادها المزعوم في التعامل مع النزاعات الدولية تَنقضُه أنشطتها وبرامجها العملية، فقد كان لها دور كبير، بل ربما الدور المحوري، في تقسيم السودان، وما تزال تلعب دوراً كبيراً مشبوهاً في أزمة دارفور، كما تدخلت بشكل سافر ومنحاز في النزاع الصومالي الأثيوبي… وبالمقابل لم يصدر عنها أي موقف لا شفهي ولا عملي بشأن الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان، ولم يحصل قطّ أن كان لها رأي مناهض لسياسة إسرائيل العدوانية والاستيطانية، ولا حتى أيام العدوان الإسرائيلي الكبير على غزة قبل ثلاث سنوات.

وها هي مجموعة الأزمات تطلّ اليوم على سوريا بوجهها القبيح، فماذا تريد؟

-3-

اعتماداً على تسريبات وأخبار متفرقة يبدو أن القوم يخططون لإسقاط النظام جزئياً لا كلياً، على أمل أن ينهي هذا الحل التوفيقي الثورةَ ويحفظ لهم مصالحهم على المدى الطويل، ولا سيما مصلحة الكيان الصهيوني الذي هو بيت القصيد في أي مخطط غربي لمستقبل سوريا. الجزء المهم من ذلك الحل التوفيقي هو إخراج الأسد من المعادلة -سواء بنفيه أو قتله- وكذلك أركان حكمه الكبار الذين لن يقبل الشعب ببقائهم بأي حال، وإنشاء حكم ديمقراطي جديد في سوريا. هذا الجزء من المؤامرة هو أهون الجزأين ويمكن بلعه، الثاني أسوأ وأكثر شراً ولا يُبلَع، ولو بُلع فإنه لا يُهضَم: إنهم يخططون لإبقاء أجهزة الأمن والجيش بيد مسؤولين من الطائفة العلوية، مبرّرين ذلك بضمان سلامة الطائفة وللحيلولة دون أعمال انتقامية متوقَّعة في حال سقوط النظام الحالي.

هذه هي بالذات المؤامرة الكبرى التي أشرت إليها في آخر المقالة الماضية، وهذا هو الجزء الذي لم تتحدث عنه علانيةً الخطةُ الانتقالية التي طرحت حلاً للأزمة السورية مشابهاً لحل الأزمة في اليمن، حينما تجاهلت تماماً الإشارة إلى الجيش وإلى أجهزة الأمن على الرغم من أنها هي الجهة الحاكمة فعلاً في البلاد.

أخيراً انكشف الستر وبان الخبيء الذي حرصوا على إخفائه والذي ما زالوا يماطلون من أجله كل هاتيك الشهور الطوال. لقد لبثنا نحذّر -أنا وأمثالي من الكتّاب والمتحدثين، ممن هم أعلم مني وأفهم في شؤون السياسة والعلاقات الدولية- لبثنا نحذّر من التدخل الأجنبي حتى انبرت ألسنتنا ونفد مدادُ أقلامنا، فهل ظننتم أنهم سيتدخلون لمساعدتنا حباً بنا وحرصاً علينا ورحمة بصغارنا وضعفائنا؟ أليسوا هم أنفسهم الذين دعموا حكم الأسد الكبير ومن بعده ابنه الأسد الصغير؟ مجرم من صلب مجرم لا يدعمه ضد شعبه إلا مجرم! أما فهمتم بعد -يا أيها العقلاء- أن أولئك القوم عدو لنا، وأن مَن اطمأن إلى عدوه لا يكون عاقلاً؟ أما علمتم بعد -يا أيها العقلاء- أنهم لم يحبّونا في يوم قط ولا يحبوننا اليوم، وأنهم لا يتدخلون في بلادنا إلا ليضمنوا مصالحهم ومصالح عدونا الصهيوني؟

أرجو أولاً أن لا تستهينوا بما يخططه لنا أولئك القوم، فإنهم قوم غير مأمونين، وهم أيضاً ذوو نفوذ وتأثير في دوائر صنع القرار السياسي في الدول الغربية والمنظمة الدولية. ثانياً: أرجو أن تتحركوا بسرعة لقطع الطريق على أي خطة من هذا النوع، فلا أنا ولا مئة من أمثالي نستطيع أن نصنع شيئاً ولا نملك عُشر معشار القوة التي تملكونها أنتم يا أيها الثوار الأحرار على أرض الجهاد والرباط. في المقالة الماضية حرصت على أن أوضح أنكم أنتم -يا جمهور الثورة العظيم- الطرف الأقوى من بين الأطراف جميعها، وبالغت في بيان تلك النقطة واستطردت فيها لأصل إلى هذه الكلمة هنا: أنتم أقوى منهم، أنتم دفعتموهم إلى التحرك لحل الأزمة، ولو أن النظام نجح في قمع ثورتكم لأراحهم وأفرحهم، ولكن صبركم وثباتكم أربك كل الحسابات ودفعهم إلى البحث عن مخرج، وطالما تشبّثتم بهدفكم ورفضتم الحلول الوسطية والتوفيقية فإنهم مضطرون إلى الإذعان لكم والبحث عن طرائق أخرى لتمرير مؤامراتهم.

يا ثوار سوريا الأحرار: من رأى العبرة بغيره فليعتبر. ها هم إخوانكم السابقون في مصر أوقدوا ثورة عارمة انتهت بسقوط حاكم وبقاء نظام، وها هم اليوم يَجهدون لإكمال الطريق بعدما فقدت الثورة قوتها الدافعة، فلا ترتكبوا الخطأ الذي ارتكبوه ولا ترضوا بغير النصر الكامل؛ لا يعودَنّ إلى بيته أحدٌ منكم حتى يسقط النظام، كل النظام، وحتى تتحرر سوريا كلها بإداراتها وأجهزتها الأمنية وجيشها من تسلط النظام وتحكم النظام وحتى تعود ملكاً للشعب، لا لأحد سوى الشعب، لا لعائلة ولا لعصابة ولا لطائفة، كائنةً تلك العائلةُ أو العصابة أو الطائفة مَن تكون.

-4-

أعيد وأكرر وسوف أكرر من بعد وأعيد: أنتم الطرف الأقوى من بين الأطراف كلها، أنتم قادة اللعبة وفي يدكم مفاتيح الحل لا في أيادي غيركم. أنتم أقوى من النظام، والدليل أن النظام لم يهزمكم. أنتم أقوى من المجتمع الدولي، والدليل أن المجتمع الدولي يتحرك بناء على إيقاع ثورتكم. إياكم أن تستسلموا لمؤامرات الغرب أو تنخدعوا بها، إياكم.

لقد دفعتم إلى اليوم ثمناً عظيماً لشراء سلعة ثمينة، دفعتم لشراء الحرية عشرةَ آلاف شهيد ومئات الآلاف من المعتقلين والمغيَّبين والمشرَّدين والمعذَّبين، فلا تقبلوا أن تعودوا إلى نقطة البداية. أقسم بالله إن مليون شهيد، على رأسهم أنا وأولادي الخمسة بإذن الله، يهونون في سبيل عدم العودة إلى أول الطريق. لقد ارتكب آباؤنا وأجدادنا الخطأ الأكبر حينما سمحوا بتسلط الأقلية العلوية على سوريا، وبسبب تقصيرهم وسكوتهم دخلت سوريا في نفق مظلم طويل بلغ طوله -وأنا أكتب هذه الكلمات- ثمانية وأربعين عاماً وتسعة أشهر وخمسة أيام، والله وحده يعلم كم بقي من طوله المشؤوم قبل بلوغ نهايته والخروج إلى النور.

لن نكون مغفلين فقط لو رضينا بأن نبقى تحت رحمة الأقلية العلوية بعد اليوم، سوف نكون بالأحرى مجرمين بحق أنفسنا وبحق أولادنا والأجيال القادمة.

بسبب تسلط الأقلية العلوية على سوريا عاشت سوريا أسوأ فترة مرت عليها في بضعة عشر قرناً، فإننا ما عرفنا المجازر والإبادات الجماعية إلا في اجتياحَي المغول والتتار الأول والثاني، وإنما استمرّت المحنةُ حينها -على قسوتها- بضعَ سنين، أما أن نعيش نصفَ قرن في المحنة والعذاب فلا سابقةَ لذلك في تاريخ سوريا المدوَّن، ولا حتى أيام العثمانيين الذين ظلمَتهم مناهجُ التعليم البعثيّة القومية وتابعناها نحن على ظلمهم غفلةً منا وتأثراً بالمناهج التي قرأناها لأجيال، وقد آن الأوان أن نصحّح الخطأ وأن نعلم أن العهد العثماني كان خيراً بألف مرة من العهد الأسدي البائس، وأن سوريا عاشت تحت ظل تلك الدولة لقرون في أمان واستقرار.

لا والله لن نسكت بعد اليوم ولن نرضى أن تحكمنا ولا أن تتحكم فينا أقلية. سنقبل أن يشاركنا الآخرون، هذا حق محفوظ للجميع. سنحرص على أن يعيش كل سوري في وطنه بكرامة وأمان، هذا هو جوهر الحرية التي نسعى إليها. سنضمن العدالة للجميع بإذن الله ولن يحاسَب إلا المجرمون، من أي فئة كانوا… أمّا أن تحكم أقليةٌ أكثريةَ الشعب فلا وألف لا.

ليقل عني من شاء أن يقول إني طائفي، وليقل عنكم من شاء أن يقول إنكم طائفيون، فإن طائفياً حراً أهون من لاطائفي يعيش هو وذريته حياة العبيد.

* * *

يا أيها الثوار الأحرار، يا جند الشام الكرام: اصرخوا في وجه وزيرة خارجية أميركا وفي وجه مسؤولي وقادة المجتمع الدولي والغربي: لا للجيش الطائفي، لا لأجهزة الأمن الطائفية، لا لحكم الأقلية العلوية، لا لأي مزايا خاصة بالعلويين في سوريا، سوريا وطن حر للجميع ولا إعلاء فيه لطائفة على طائفة.

لا بل امضوا في هتافكم إلى أبعد من ذلك، اهتفوا في وجه الدنيا: “نريد ضمانات لحماية الأكثرية في سوريا”.

إن من مهازل الزمان أن تسعى الأكثرية إلى طلب ضمانات لحمايتها من الأقلية، ولكن هذا ما أوصلتنا إليه مؤامرات الغرب على بلادنا، من أيام الفرنسيين الغابرة إلى أيام الأميركان الحاضرة. ولكن ليس اليوم كالأمس؛ لن تأكلونا مرة أخرى بإذن الله؛ نقسم بالله العظيم إنّا لن نقبل أن نعود إلى النفق المظلم بعدما خرجنا إلى النور، ليس بعد مئة ألف معذَّب وعشرة آلاف شهيد.

*-*-*-*-*-*-*-*-

النظام «الممانع» المؤسفة...؟! .. د. صدقة يحي فاضل

عكاظ

إن سوء استخدام مبدأ سامٍ، أو فكرة نبيلة ما معينة، لا يعنى بالضرورة فساد ذلك المبدأ، أو تلك الفكرة، بل يعنى أن هناك جهة فردا أو جماعة تستخدم ذلك المبدأ، وترفع شعاره، بشكل غير لائق، أو تستعمله لتحقيق أهداف خاصة ضيقة، قد لا تمت بصلة لذلك المبدأ، إن لم تضر به، عبر تشويهه لدى المعنيين، والإساءة له ولأنصاره. ف«سوء الاستخدام» هنا عبارة عن: مزايدة رخيصة، وادعاء ممقوت... ينم عن وجود أهداف خبيثة، أو جهل مريع... ولا يؤدى في نهاية الأمر إلا إلى الإضرار بذلك المبدأ، وعرقلة تبنيه... خاصة عندما ترفع شعاره قلة متسلطة، تسعى في حقيقة الأمر لاستعباد الناس، والهيمنة على مقدراتهم. وهذا الاستغلال سرعان ما ينكشف للمتابعين، الذين قد يصاب بعضهم بالإحباط والدهشة، وصدمة المفاجأة.

وهذا التوصيف المختصر ينطبق تماما على قلة متسلطة في الشام، ترفع شعار «الوحدة العربية» و«الصمود»، كلاما، وتنم أفعالها عن كونها من أبعد الناس عن خدمة مبدأ الوحدة، وحركة المقاومة، ناهيك عن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. إنها مجرد شعارات فرغت من محتواها.... بعد أن استولت قلة طائفية مريبة على ذلك الحزب العتيد... فسخرته لاستعباد الشعب والسيطرة على مقدراته، وخدمة مصالحها الفئوية الضيقة، والمتمثلة في سعيها الدؤوب نحو المال والنفوذ.

****

نعم، لقد اختطفت هذه القلة الطائفية الحزب، وجعلته «أداة» لإخضاع وقمع الشعب. وهذه القلة هي في الواقع ضد «الوحدة» التي تنادى بها، وضد المقاومة الفعلية، وبقية المبادئ السياسية النبيلة. حتى أن سياسات هذه القلة وسلوكيات البعض الآخر دفعت إلى سخرية الآخرين من هذه الطائفة، بل ومن مبدأ الوحدة نفسه... وأعطت لأعداء هذا المبدأ فرصة كي يسفهوه، ويصموا من يرفعه تندرا واحتقارا ب«القومجى»...؟! ومعروف، أن تلك القلة قد سيطرت على مقاليد الأمور في بلادها بطريقة سينمائية... أعطت للعالم الانطباع بأن كل شيء في تلك البلاد ممكن، طالما أرادت له تلك القلة أن يكون ممكنا. ولم ينس العالم بعد قضية تعديل دستور البلاد خلال ساعات...؟!

****

لم ير شعب تلك البلاد الفتية، ولا العالم، من ذلك النظام العتيد، و«الممانع» و«الصامد» إلا المزيد من الفقر والجهل والمرض، والتخلف في شتى المجالات. وعلى المستوى السياسي، لم يشهد أحد سوى الادعاءات، والشعارات الفارغة، والمناورات، والمزايدات. أما الصمود والتحدي والممانعة والمقاومة، فقد ثبت أن لها معاني عكسية خاصة في عرف هذا النظام، لا يفهمها حق فهمها إلا «شبيحة» النظام، ودهاقنة قمعه ومنظريه.

إنه، مع كل الأسف، نظام يعيش على ما بالمنطقة من تناقضات، ويشتغل بالمناورات، وتحتل إسرائيل جزءا من أراضيه الأثيرات، ويعانى شعبه من التخلف والقهر والاعتقالات، ويدعي مع كل ذلك أنه مستهدف بمؤامرات، وأنه «القلعة التي تذود عن الأمة»، وتحفظ الكرامات.... وأنه إن ذهب ستداس كل المحرمات...؟!

****

لقد صبر الشعب الشامي على ذلك النظام كرها، ثم فاض به الكيل، فانتفض... مطالبا باسترداد حريته وكرامته. ولمواجهة هذه الانتفاضة الشعبية، حرك النظام الجيش، بعدته وعتاده، ضد الشعب الأعزل المطالب بحقوقه المشروعة في وطنه، بعد حوالى نصف قرن من اغتصابها من قبل هذه القلة... التي تبرر تنكيلها بالشعب الثائر بادعاء سخيف مفاده أنها أي سلطة هذه القلة تحارب «عصابات مسلحة مندسة... جندتها الصهيونية والامبريالية العالمية...»...؟!

والحق إنها ثورة شعبية ضد ديكتاتورية قلة طائفية متسلطة، وقد حان الوقت لوقف جرائمها في حق شعبها، وإقامة نظام بديل... يمثل الشعب بحق، ويعيد له حريته وكرامته، ويمسي سندا حقيقيا لأمته العربية، وقلعة صامدة بحق في وجه أعداء هذه الأمة. وهذا ما هو مأمول، ومتوقع تحققه، على يد شعب أبي... هو من أكثر شعوب الأرض نضالا ومروءة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المشرق العربي والمتغيرات الاستراتيجية  .. رضوان السيد

الدستور

14-12-2011

صرف الربيع العربي، وصَرفت أحداثه وتقلباته، الانتباه عن الموضوعات الاستراتيجية، ومن بينها تغيير المواقع والأدوار، الناجمة في قسمٍ منها عن الانسحاب الأميركي من العراق، وفي قسمٍ منها عن زيادة التأزُّم في القضية الفلسطينية، وفي قسمٍ ثالثٍ عن الثورات وحركات التغيير العربية. ومن المعروف أنّ وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل كان قد تحدّث في مؤتمر القمة العربي الأخير بمدينة سِرت الليبية في ربيع العام 2010 عن حالة “الخواء الاستراتيجي” التي يُعاني منها العرب، والتي جرَّأَتْ على التدخلات الدولية والإقليمية وبأشكالٍ مختلفة. وما تزال هذه التدخلات موجودةً أو جارية، وإنما اضطربت الخِطط والاستراتيجيات نتيجة حصول الثورات العربية، والتي أحدثت وتُحدث تغييراتٍ في سائر أنحاء المشرق والمغرب العربيَّين وما وراءهما. فالأميركيون كانوا قد قرروا الانسحاب من العراق قبل حدوث الثورات. وكان تقدير الإيرانيين وحلفائهم بالعراق ولبنان، أنّ هذه البلدان- وفي قلبها سورية- ستصبح منطقةً استراتيجيةً يسودُ فيها نفوذهم، وبنتيجة ذلك سيضطر الخليجيون والأميركيون إلى التفاوُض معهم والتنازُل لهم. وهذا التشدُّد والانسياح الإيراني، لاقاه تشدُّدٌ وانسياحٌ إسرائيلي هدفُهُ إسقاطُ مسألة الدولتين، والإفادة من الضعف الأميركي في تثبيت السيطرة وتأجيل المشكلة وسط الاهتراء والانقسام الفلسطيني.

وحدث الربيع العربي انطلاقاً من تونس، وبدأ تأثيره الصاعق بالمشرق باندلاع الثورة في مصر، ووصولها إلى اليمن وسورية. وقد أحدثت الثورات اضطراباً شديداً لدى الإيرانيين ولدى الإسرائيليين بالذات. وهكذا اندفع الإيرانيون لمواجهة الجمهور العربي. ففي البحرين صعَّدوا الاضطراب، وفي سورية وقفوا مع النظام ضد الناس، وفي لبنان استماتوا في الدفاع عن الحكومة الميقاتية التي أنشأها حزب الله وحلفاؤه السوريون. أما الأميركيون فقد أظهروا تلاؤماً مع الحِراك التغييري، حتى بعد صعود الإسلاميين في المشهد. ويبقى الإسرائيليون متحيرين ومنقسمين، فباراك وزير الدفاع يرى أنّ زوال الأسد خيرٌ لإسرائيل، بينما يرى نتنياهو أنّ بقاءَ الأسد فيه ضمانةٌ لإسرائيل. ويذهب المالكي رئيس وزراء العراق مذهباً وسطاً في الظاهر، لكنه في الواقع يدعم الإيرانيين والنظام السوري، ويقول للأكراد إنّ التدخُّل الإيراني أَخَفُّ وطأةً وأقلّ ضَرَراً من الخَطَر التركي!

إنّ الواقع أنّ الأميركيين يعيدون حساباتهم. فالإيرانيون ما عادوا شركاء بعد عقدٍ من التعاوُن منذ الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق. ويوشكون على التخلّي عن تلك التسوية بين سورية والعراق، أي العراق لإيران، وسورية لسلام الحدود مع إسرائيل، أي لإيران أيضاً! والإسرائيليون لا يكمن تعقيد مشكلاتهم أو حلّها ببقاء النظام السوري أو ذهابه، بل بالسير أولاً وآخِراً في مشروع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وإسرائيل وإيران والولايات المتحدة وتركيا- هذه الأطراف جميعاً، صارت أطرافاً خارجيةً، ما دام مراد الثورات إعادة إدارة الشأن العامّ في البلاد العربية إلى أبنائها في نظامٍ ديمقراطي.

إنه إقليمٌ جديد بموضوعاتٍ جديدة. فلا استقرار إذا تأخر سقوط نظام الأسد، ولا استقرار وإن نجحت الثورات إلاّ بحلّ المشكلة الفلسطينية. وهكذا فالملاءة الاستراتيجية هي مآلُ التغيير في المشرق العربي!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

خصوصية الثورة السورية وتشابكاتها .. أكرم البني*

الاربعاء, 14 ديسيمبر 2011

الحياة

تشابهت الثورات العربية في أسباب نشأتها ومعاناة شعوبها ودوافع التمرد، لكنها تمايزت في أشكال حضورها ومحطاتها وشدة القمع المطبق ضدها، وإذا استطاع الشعبان التونسي والمصري إسقاط بن علي ومبارك في بضعة أسابيع، وطال الأمر عند الآخرين شهوراً على رغم العون العسكري الغربي كليبيا أو السياسي الخليجي كاليمن، فلا تزال الأزمة السورية تتفاقم وتستعصي وتواجه احتمالات متعددة ربما أسوأها، ونأمل أن يكون أقلها حظاً، انجرار الناس من احتقان اليأس إلى ردود أفعال ثأرية، وأوضحها أن زمن الثورة قد يطول وتكلفتها أيضاً، ربطاً بالخصوصية السورية وتعقيداتها بالمقارنة مع شقيقاتها.

أولاً، تقع الحالة السورية ضمن محور نفوذ في المنطقة يختلف ويتعارض مع ما يمكن تسميته المحور الغربي الذي انتمت إليه أو دارت في فلكه أنظمة بلدان الثورات الأخرى، الأمر الذي يضاعف الصعوبات أمام الانتفاضة السورية، فنجاحها يقود في شكل أو في آخر إلى إعادة النظر بارتباط الحلقة السورية مع حلقات سلسلة جاهد رأسها الإيراني، ولسنين طويلة، كي يبقيها متماسكة وقوية وقادرة على خدمة نفوذه، ويستدعي توظيفاً استباقياً لكل قوى وإمكانات هذا المحور لمنع كسر إحدى حلقاته، فكيف إن كانت تحتل أهمية نوعية كالحلقة السورية؟! ما يعني أن حجم القوى التي تقف سداً في وجه مطلب الناس في التغيير لن يقتصر على توازنات داخلية صرفة، كما كان الحال في الثورات الأخرى حين رفع الغرب يده عن الأنظمة الموالية له وتركها لمصيرها في مواجهة الحراك الجماهيري المتصاعد.

ثانياً، حساسية الموقف الإسرائيلي، وهنا نستطيع القول، وللأسف، إن لإسرائيل كلمة قوية حول مستقبل النظام الحاكم في بلد يجاورها وتحتل جزءاً من أرضه، حافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود. والمغزى هو أولوية ما يمكن أن يترتب على أي تغيير في سورية على أمن إسرائيل، وكلنا يذكر، في أزمات سورية سابقة، وضوح الرغبة الإسرائيلية في عدم إسقاط النظام، والتي لا تتعارض مع سعيها الحثيث لإضعافه وتحجيم نفوذه الإقليمي.

بعبارة أخرى يصح في قراءة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية المثل القائل «من تعرفه خير من الذي تتعرف إليه». فهي تخشى وصول سلطة جديدة إلى الحكم تهز الاستقرار الراهن، بينما أمامها سلطة خبرتها جيداً وأظهرت وفاء بعهودها منذ توقيع اتفاقية فصل القوات ووقف إطلاق النار، ولا يغير من هذه الحقيقة حصول مناوشات بين الطرفين عبر ساحات وقوى جانبية في حروب محدودة ولأهداف سياسية آنية، بل ما قد يعزز الخيار الإسرائيلي حضور مزاج سياسي للثورات العربية يميل في المحصلة لمعاداة سياساتها في فلسطين والمنطقة! والنتيجة أن يكون موقف إسرائيل ومصلحتها ضد تغيير الحكم السوري، حتى لو أعلن بعض مسؤوليها عكس ذلك، أي أن ثمة موقفاً غربياً لا يمكنه القفز فوق هذه الهموم والحسابات الإسرائيلية!

في ضوء العاملين السابقين يمكن أن نفسر ضيق هامش السياسة الأميركية والأوروبية ولماذا لا تزال تحجم عن الدخول بقوة على خط الأزمة السورية لانتزاع دور أكثر فاعلية كما حصل في ليبيا واليمن، ولا تزال تكتفي بالنوسان بين حدي تشديد العقوبات الاقتصادية وتكرار الدعوات لعزل النظام سياسياً ومحاصرته، ونفسر أيضاً أحد أسباب صلابة الموقف الروسي والمتعلق بتشابكاته المتنوعة وأهمها الاقتصادية مع إيران ومع الكيان الصهيوني! ومن القناة نفسها، وتحسباً لردود أفعال متنوعة من أطراف المحور الإيراني، يمكن النظر إلى تردد السياسة التركية واكتفائها غالباً بتصريحات حادة ضد النظام السوري من دون أن تقترن بأفعال موازية أو مقاربة، وكذلك تردد الموقف العربي وتأخره في دعم الشعب السوري ومساندته بالمقارنة مع سرعته في التعاطي مع ثورات أخرى. لكن اللافت أن ما يمكن اعتباره تواطؤاً دولياً وإقليمياً ومداورة تجاه الحالة السورية، بدأ يتفكك أمام عزم الانتفاضة الشعبية وإصرارها على التغيير وتحت وطأة الضغط الأخلاقي لفداحة ما تتكبده من خسائر وتضحيات، وتنامي خشية الغرب من تضرر مصالحه في المنطقة في حال استمرار التمسك بالرؤية الإسرائيلية.

ثالثاً، التنوع والتعددية، الإثنية والدينية والطائفية، التي يتشكل منها المجتمع السوري، وتالياً تفاوت مواقف هذه المكونات من عملية التغيير وآفاقها وتحديداً خوف بعضها على هويته ونمط عيشه من بديل إسلامي آتٍ، ما يفسر في ضوء خصوصية الثورة القائمة وطابع الكتلة الشعبية المشاركة فيها، بقاء قطاعات مهمة من الشعب السوري في وضع الحياد والسلبية ولنقل مترددة أو محجمة عن الانخراط في الثورة، زاد الطين بلة نتائج الانتخابات في تونس ومصر والتي أعطت الإسلاميين وزناً كبيراً، والأهم ما تلفّظ به بعض قادتهم حول الخلافة وفرض الشريعة لتطهير المجتمع من الفساد، الأمر الذي يعقد شروط نضال المحتجين السوريين ويضعف قدرتهم على اجتراح التغيير، ويزيد من مسؤوليتهم في الحفاظ على الوجه السلمي للانتفاضة، وأيضاً من مسؤولية المعارضة السورية في إظهار صورة مقبولة ومطمئنة لكل مكونات المجتمع يمكن أن تشجع المترددين وتزيل ما يكتنف المشهد من التباسات!

رابعاً، خصوصية البنية الاجتماعية للسلطة والتي لا تزال تشكل قاعدة داعمة لها، ما ينعكس على تركيبة المؤسسة العسكرية وشرط إخضاعها، والتي لم تأخذ، كما حلم البعض، موقف الجيشين التونسي والمصري ولم تنقسم كحال اليمن، بل لا تزال متماسكة نسبياً، بفعل استمرار القدرة على الضبط الأمني لها أو خوفاً من نتائج مدمرة في ضوء ما تملكه قوى النظام الخاصة من إمكانات عسكرية وتقنية متطورة.

يبدو أن زمن التحول الثوري ثقيل جداً في سورية فهو مكتظ بالضحايا والآلام وبمعاناة ومكابدة مستمرة طيلة تسعة أشهر لم يشهد شعب ثائر لها مثيلاً، لكن ما قد يخفف من وطأته وثقله، وعي التشابكات والصعوبات المحيطة به، والثقة بجدوى المثابرة على الاحتجاجات السلمية في تجاوز هذه الصعوبات والتخفيف من آثارها، مع الحذر من وضع تصورات لانتصار سريع!

في كل مراحل الانتفاضة السورية شكّل ولا يزال إصرار الشعب على الاحتجاج واستبساله في الكفاح لنيل حقوقه وما يقدمه من تضحيات، المعلم والمحرك الأساسي للمتغيرات السياسية التي تحصل، داخلياً وعربياً وعالمياً، فهو الذي أزاح الغطاء الدولي الذي حضن سياسات النظام ورعاها طيلة عقود، وهو الذي شجع بعد تأخر وتباطؤ الجامعة العربية على تجميد عضوية سورية والتدخل للعب دور أكثر وضوحاً وحزماً، وهو الكفيل عبر صموده وعزيمته بتفكيك ما بقي من تعقيدات وجعل استمرار النظام عبئاً ثقيلاً على الجميع، يكرههم على إعادة النظر بسياساتهم ومواقفهم.

* كاتب سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

نظرة مثقف السلطة إلى الثورة السورية .. شمس الدين الكيلاني*

الاربعاء, 14 ديسيمبر 2011

الحياة

يصطنع مثقف السلطة (الذكي) الحياد العلمي الصارم، في زمن نزيف الدم، حين يصبح الحياد جريمة، مصرَّاً على تبرير أعمال السلطة. يستخدم مفاهيم ومصطلحات متعالية، ولا يهز وقاره العلمي الدم المسفوك في الشوارع، ولا عذابات زهرة شباب سورية في الأقبية المُعتمة، ولا رعب الأطفال والنساء تحت زخ الرصاص. فمفردات الألم والخوف والمعاناة، وانتهاك كرامات الناس واستباحة الأعراض، هي عنده مفردات تصلح لجدالات الحياة اليومية العابرة والتافهة، لكنها لا تستقيم ولغة العلم الموضوعي! موضوعه الوحيد يتلخص في البحث عن الحامل الطبقي أو الاجتماعي الذي غذَّى الاحتجاجات الاجتماعية في سورية. المهم لهذا الباحث السلطوي،هنا، ليس معرفة المظالم المتراكمة والكرامات المهدورة، والخوف المقيم، التي قادت كلها الإنسان العادي إلى الثورة على الظلم واستباحة الحقوق. لا يسأل مثقف السلطة لماذا قامت الثورة، لأن هذا السؤال يحيله إلى عالم السلطة، المسؤول الأول عن المظالم، بل يسأل عمَّن قام بالثورة، عن الأصول الاجتماعية للاحتجاج وحسب. المقاصد المنهجية لهذا الباحث (الموضوعي) هي نفسها المقاصد المنهجية لرجل الاستخبارات. هي معرفة (الفاعل) لوضعه في قفص الاتهام / المعتقل، وليس معرفة المظالم ومصادرها وأشخاصها لرفع الظلم ومصادره. هدفه البحث عن (الثائر/المجرم) وليس عن أسباب الثورة/الجريمة! وإذا حاول الاقتراب خلسة إلى (الأسباب) فليسفّهها وليضعها في الهامشي والثانوي: العشوائيات، الفقر والبطالة، اللبرلة الاقتصادية. مستخدماً هذا المفهوم الأخير ليغطي به ظاهرة اقتصادية باتت مهيمنة، جوهرها إطلاق يد رجال السلطة في ثروة البلاد بعد أن امتلكوا رقاب العباد، فجمعوا بين السلطة واستثمار الثروة الناتجة منها، مع السماح بعبور شركاء صغار في السوق. هذا هو معنى اللبرلة الحقيقي في سورية. ثم يحيلنا المثقف السلطوي، في (أسبابه) إلى مطالب معيشية ومحلية، على طريقة معالجات السلطة المعروفة لمطالب الثائرين، مستخدماً السوسيولوجيا لخدمة المقصد الاستخباري. لم يكن هذا الوضع سوى استمرار للنهج الذي افتتحته (الحركة التصحيحية)، التي ربطت باب الثراء والارتقاء في سلَّم السلطة وأجهزتها، ثم تحول الولاء الأمني، منذ الثمانينات، إلى رافعة شبه وحيدة، لتنامي الثروة ومعها النفوذ.

ينظر مثقف السلطة باستخفاف إلى مدن مليونية مثل حمص وحماه ودير الزور، يراها مدناً هامشية، علماً أن سكانها يعادلون عدد سكان سورية في الخمسينات، وسكان لبنان حالياً، ويعادل عدد سكان كل من حماه وحمص ثلاثة أضعاف سكان دمشق في الخمسينات. ولا تنقص تركيبها الاجتماعي التكوينات الطبقية لدمشق وحلب. فالاختلاف كمي لا كيفي. يأخذ على امتداد الثورة إلى القرى دليلاً على هامشية الحركة، بدلاً من أن يأخذها رمزاً على عمقها، التي ضاهت في شمولها الثورة السورية الكبرى. وعوضاً عن توجيه بحثه لمعرفة مصدر التفاوت في فوران الاحتجاجات إلى مركزية الأجهزة وتشعبها وانغرازها في المجتمع في هذه المدن، يجد ضالته في (خصوصية طبقية) لدمشق وحلب. والحال أن كل المدن التي استطاعت أن تتخلص من الاحتجاز، شكَّلت لها (ميدان تحريرها) الخاص، وتوقف نزيف الدم فيها. هذا ما حدث، لفترة، في حمص وحماه ودير الزور وإدلب ودرعا والجسر وبانياس والرستن. بل إن تعاظم المركزية المطلقة لأجهزة السلطة وتغلغلها وسطوتها، لم يمنع من أن تفتتح دمشق الاحتجاجات من قلبها (الحريقة والجامع الأموي)، ما لبث أن شارك: المالكي والمهاجرين وكفر سوسة، ومن قلب المدينة في الميدان وساروجة، وزملكا والمزة والقدم، والحجر الأسود والعسالي، مع ما يحيط بها من ضواحٍ ومدن.

يتجنب مثقف السلطة الحديث عن رموز ميدانيين للثورة أمثال نجاتي طيارة، أحد رموز ربيع دمشق، المعتقل منذ أشهر، والشاهد الكبير على ما جرى في ميدان باب السباع، قلب حمص وليس طرفها، والفنانة فدوى سليمان، وفارس الحلو وغيرهم كثير. فهذا المثقف لا يطيب له سوى التقاط صور مجتزأة بحثاً عن السلفيين!

*-*-*-*-*-*-*-*-

ماذا يعرف الرئيس؟!  .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

14-12-2011

عام 1983، سئل عبد الحليم خدام ذات مرة في لقاء مع عدد محدود من أعضاء اتحاد الكتاب العرب عن مكانه من النظام، وما إذا كان الرجل الثاني فيه، فقال: «في نظامنا لا يوجد رجل ثان، عندنا رجل واحد فقط ولا مجال أو محل لأي أحد سواه».

في الشمولية السورية، لا محل بالفعل لغير رجل واحد يسميه الإعلام الرسمي «السيد الرئيس» أو «سيد الوطن»، يمسك بجميع خيوط النظام سواء في السلطة أم في المجتمع. هذا السيد الرئيس يسمى أيضا «القيادة السياسية»، لأنه في آن معا الأمين العام القومي والقطري للحزب، والقائد العام للجيش والقوات المسلحة، ورئيس المنظمات الشعبية، التي ينضوي في إطارها كل مواطن سوري، فهو إذن الحرفي الأول، والعامل الأول، والصناعي الأول، والتاجر الأول، والصحافي الأول، والطبيب الأول، والمهندس الأول، والفلاح الأول، فضلا عن أنه السيدة الأولى، إذا ما نظرنا إليه من زاوية الاتحاد النسائي، كما أنه الفنان الأول، أي الممثل والمغني والمخرج الأول... إلخ، أخيرا هو المخبر الأول: الرجل الذي يعرف كل شيء ويعلم كل الخبايا والخفايا، ويشرف يوميا ولحظيا على كل شأن وأمر، ويتلقى تقريرين يوميين عبر الهاتف، وتقريرا كبيرا مكتوبا، إلى جانب مكالمات هاتفية متعددة يقدمها إليه في أي لحظة يختارونها من لحظات الليل أو النهار رجال محددون يحظون بثقته، حول أي شأن يرونه مهما، بما في ذلك زواج شاب بدوي من فتاة صحراوية وبالعكس. حين مرض حافظ الأسد عام 1983 وأشرف على الموت، نصحه الأطباء بأن يقلص عمله ويستغني عما ليس مهما منه، أو ما يستطيع شخص آخر القيام به. بعد أيام من بدء تعافيه، كان أول أمر أصدره هو تقديم تقريرين يوميين حول النشرة الجوية بدل تقرير واحد كان يصله صباحا قبل مرضه.

لا يثق «سيد الوطن» بأحد من أتباعه ومعاونيه، لذلك يدس عليهم من أتباعهم ومعاونيهم من يخبره بأدق تفاصيل حياتهم وأنشطتهم ويطلعه على أسرارهم، لاعتقاده أن رضوخهم له يتطلب معرفة كل شاردة وواردة عن كل واحد منهم، لأن في شمول معارفه، الأمنية غالبا، ضمانة نظام الرعب والتحكم الذي يديره باعتباره منسق أجهزة الأمن ومراقب مؤسساته أكثر منه رئيس بلاد يمارس سلطة شرعية أو دستورية تتصل بتمثيلها.

لو أن أحدا سأل بشار الأسد قبل أسبوع عن سيطرته على الوضع في سوريا، لحدثه بكل ثقة عن إمساكه المطلق بكل شيء فيه، ومعرفته بكل صغيرة وكبيرة عنه. ولقد سبق «للسيد الرئيس» أن رد بغضب على سؤال صحافي حول سيطرته على السلطة في بلاده. لذلك أثار كلامه عن جهله بوقوع أعمال قتل في سوريا حيرة وغضب كل من استمعوا إليه، وألقى بظلال من الشك على سلطته ومكانته من النظام، ليس فقط لأنه من غير المعقول أو المقبول ألا يكون قد سمع بما يجري، وهو الذي قال قبل أشهر قليلة إنه قابل 1180 وفدا شعبيا حدثه أعضاؤها عن مشكلات السوريين، وعن الأمن والحل الأمني وما ارتكب خلاله من تجاوزات شاملة، بل كذلك لأنه اعترف مرات متكررة بوقوع انتهاكات على يد أفراد من قوات الأمن، عزاها إلى قلة تدريبهم على التعامل مع المظاهرات، لأن هذه لم تكن تقع في سوريا!

يقول الرجل الذي تتجمع في يديه كل خيوط السياسة والأمن والاقتصاد والإعلام والمجتمع، وكل مفاصل حياة مواطنيه العامة والخاصة، إنه لا يعرف بوقوع أحداث في سوريا يقتل فيها الناس، ولم يأمر بقتل أحد، ويعزز قوله بحجة غريبة هي أنه «لا يملك الجيش والأمن وليس ملكا». قبل أسابيع قليلة سئل هذا الرئيس، الذي لا يعرف اليوم ما يجري في وطنه، إن كان سيورث في المستقبل الحكم لابنه حافظ، الذي يقل عمره عن عشرة أعوام، فقال: «أنا أنصحه بإقامة أوسع العلاقات مع المجتمع السوري، أما إذا كان يريد أن يصير رئيسا، فهذه مسألة سيقررها هو في حينها!». يقول الرئيس هذا بعد عشرة أشهر من عنف سلطوي أعمى أسقط عشرات آلاف القتلى والجرحى من مواطناته ومواطنيه، وأدى إلى اعتقال وملاحقة خلق لا حصر لعددهم، مع أنه سيادته في موقع يمكنه من معرفة كل شيء وإصدار أي أمر، ويتيح له إلزام كل فرد في النظام بتنفيذ أوامره وتحقيق رغباته، بما أنه ليس رجل النظام الأول، بل الوحيد، حسب شهادة خدام. لم يقل الرئيس إنه لا يعلم بوقوع أعمال قتل في سوريا وحسب، بل قال إنه لا يعلم ذلك لأن هذه لم تقع أصلا. بعد عشرة أشهر من نشر الجيش والأمن في كل شبر من أرض سوريا، وإعلانات رسمية تتكرر يوميا حول عدد قتلى الجيش والأمن، ينكر «سيد الوطن» أن تكون هناك أحداث في سوريا، ولا يترك لنا غير أن نوجه إليه السؤال الذي يحرص إعلامه على توجيهه إلينا: «من الذي يقتل إذن هؤلاء الجنود والضباط والعناصر الأمنية، الذين يبرز التلفاز الرسمي جنازاتهم كل يوميا وعلى مدار الساعة؟». ألم يسمع الرئيس بهذا أيضا، ويسائل نفسه عن سبب موتهم، أم أننا أمام تمثيلية ملفقة من ألفها إلى يائها؟ لا يعلم الرئيس أن هناك قتلى، لأنه يعلم أنه ليس هناك محتجون، ولو كان هناك مثل هؤلاء لما أمر بإطلاق النار عليهم، لأن من يأمر بذلك يكون مجنونا.

بدأت المسألة السورية وتضخمت وتعقدت بسبب نمط من المعرفة نشره الرئيس وتبناه، يقوم على إنكار وجود أزمة، وعلى رفض معالجتها بوسائل السياسة والتغيير والإصلاح. واليوم، وبعد عشرة أشهر من خراب البلد وموت هذا العدد الكبير من العباد، ما زال متمسكا بمعرفته التي تتلخص في عدم وجود أزمة في سوريا وعدم وجود محتجين، ووجود مؤامرة مسلحة تنفذها عصابات محدودة العدد لا هدف للنظام غير حماية الشعب منها. بهذه المعرفة، وهذا الفهم، ليس مستغربا أن ينكر وجود أوامر بالقتل صدرت عنه أو عن مساعديه، ووقوع قتلى وعمليات تعذيب مميتة تتهدد كل شخص في سوريا. هذه المعرفة والعقلية التي تنتجها هي اليوم إحدى أخطر مشكلات سوريا وأكثرها تدميرا للبلد. وما لم تتغير هذه العقلية أو تختفِ من الوجود، فإن سوريا ستبقى غارقة في المأساة التي أنتجتها ونشرتها طيلة نصف قرن، وتحافظ عليها اليوم وتكفل استمرارها بالقوة والعنف. هنا مكمن الكارثة التي تعصف بوطننا، إنها في رأس صاحب النظام، الذي انفصل نهائيا عن الواقع، ويعيش في عالم لم يعد يثير في سوريا وخارجها غير الشعور بالحسرة على السوريين، الذين لا تعني حريتهم اليوم غير التخلص من عقليته، التي تقتلهم بكل هذا الدم البارد!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الثورة تستعمل أفتكَ أسلحتها  .. مجاهد مأمون ديرانية

-1-

قبل شهرين أو نحوهما قال رأس عصابة الاحتلال في سوريا إنه لم يستعمل كل أسلحته في مواجهة الثورة بعد. يومها وددت لو أملك سبيلاً إليه لأهتف في وجهه: والثورة أيضاً لم تستعمل بعدُ أسلحتها كلها يا أيها المجرم الأثِم، بل هي لم تُدخل في المعركة -حتى ذلك اليوم- أمضى وأفتكَ أسلحتها، إنها تؤجله إلى ساعة الحسم وإلى جولة القتال الأخيرة.

وها قد جاء أوان الجولة الأخيرة أخيراً، وها هي الثورة تُخرج من جعبتها أفتك الأسلحة وأمضاها على نظام الاحتلال والإجرام: العصيان المدني.

حينما لوّحَت مواقعُ وصفحات الثورة بالعصيان قبل عشرة أسابيع خفت أن تكون قد تعجّلت وشَهَرت سلاحاً في غير أوانه، وكان محل خوفي أن تدعو إلى العصيان فلا ينجح كما ينبغي له، فيفقدَ الناس ثقتهم به ولا يستجيبوا لدعوة تالية بالقوة نفسها. لكن الأمور تغيرت منذ ذلك الحين تغيّراً كبيراً؛ لقد صار الشعب اليوم مستعداً لجولة الصراع الكبرى مع النظام بإذن الله.

الثورة قدمت للعصيان بمقدمات ناجحة، وهي الإضرابات المتتالية التي كانت تتحسن مرة بعد مرة، ابتداء بإضراب أربعاء الثامن عشر من أيار، وانتهاء بالإضراب الكبير الأخير الذي دعت إليه الثورة في السادس والعشرين من تشرين الأول، والذي دلّت نتائجه على أن الشعب الثائر قد قطع أكثر الطريق باتجاه العصيان. يومها اشتغل ابني عبّاد بإحصاء مواقع الإضراب فبلغت أكثر من مئة مدينة وبلدة وقرية، وهي نتيجة مدهشة بكل المقاييس. لقد بتنا على أبواب العصيان المدني مع نهاية ذلك اليوم المشهود، بل لقد اقتربَت منه مدنُ وقرى محافظة درعا، الرائدة السابقة إلى الخير أبداً؛ لقد سبقت بقيةَ المناطق وطبّقت العصيان المدني تطبيقاً شبه كامل لنحو عشرة أيام، وكانت تلك تجربة هائلة ناجحة مهّدت الطريق. جزاكم الله خيراً يا أهل حوران الكرام.

-2-

لماذا نقول إن العصيان المدني هو أفتك أسلحة الثورة وأشدها تأثيراً في النظام؟ ببساطة لأنه يُفقد النظامَ أهم ركنين يحتاج إليهما ليبقى نظاماً حاكماً، وهما الشعب والدولة. إن النظام يستمد وجوده وقوّته وموارده من الشعب، وهو يسيطر على الشعب بأجهزة الدولة، فإذا خرج الشعب عن السيطرة وتوقفت أجهزة الدولة عن العمل يفقد النظام القدرةَ على البقاء تلقائياً. على أننا لا بد أن نلاحظ أمراً مهماً جداً، وهو أن العصيان المدني الشامل لا يُسقط النظام بالضربة القاضية كما يفعل الانقلاب أو العمل العسكري، بل ينهكه بالتدريج حتى يهزمه بالنقاط في نهاية الأمر، لذلك يحتاج إلى مصابرة ومثابرة وعزيمة عظيمة ونَفَس طويل.

إن “العصيان المدني” هو الذروة في تطبيقات “المقاومة المدنية”، وكان ينبغي عليّ أن أصل إليه بعد استعراضها جميعاً. لقد بدأتُ بكتابة سلسلة مقالات “المقاومة المدنية” منذ ثلاثة أشهر بنيّة بيان آلياتها ووسائلها وخياراتها المتنوعة، وكنت عازماً على المضي في تلك المقالات إلى نهايتها، ولكني انقطعت عنها فلم أتمّها كما انقطعت عن تتمة مشروعات غيرها بدأت بها وعجزت عن إكمالها؛ لا أدري أأتعلّل بضيق الوقت وكثرة الأعباء أم أعترف بالتقصير وقلة المثابرة؟ سأختار الثاني، وسأعدكم بتكملة تلك الحلقات لعل الوعد يُخجلني فيُلزمني بكتابتها.

لبيان أهمية المقاومة المدنية والعصيان المدني وموقعهما من الثورة السورية أحتاج إلى تقديم هذا التوضيح الموجز، ولعلي أعود إليه بشيء من التفصيل في مقالات لاحقة إذا شاء الله. الأنشطة الثورية التي قامت بها الثورة في سوريا حتى الآن يغلب عليها نموذج “الاحتجاج” السلمي وليس نموذج “المقاومة” السلمية. لتوضيح الفرق بين الاثنين سأستعمل المثال التالي: لو فرضَت الحكومة زيادةً كبيرة مفاجئة على أسعار الوقود (وهذا ما تفعله حكومات كثيرة بشعوبها الفقيرة المسكينة) فغضب الشعب وخرجت جموعُه إلى الشوارع في مظاهرات غاضبة ورفعت لافتات تهاجم الحكومةَ فإن هذا الجزء من التعبير الغاضب يسمى “احتجاجاً”، وعندما يتوجه المتظاهرون بعد ذلك إلى محطات الوقود لشراء ما يلزمهم لتدفئة بيوتهم وتسيير سياراتهم فإن سلوكهم الاستسلامي يُطلق -عملياً- رصاصةَ الرحمة على احتجاجهم النظري، أما عندما يطوّرون الاحتجاج إلى “مقاطعة” كاملة لمحطات وموزّعي الوقود ويتوقفون عن شرائه تماماً فإن الاحتجاج يتحول إلى “مقاومة”.

الاحتجاج عمل يوحي بالرفض، رفض الحكومة أو النظام كلياً أو جزئياً، أما المقاومة فإنها فعل حقيقي يترجم الرفضَ النظري إلى حقيقة، لذلك فإن المقاومة أشد تأثيراً من الاحتجاج بكثير. ثم إن الاحتجاج يُعبَّر عنه غالباً بأفعال إيجابية عالية الكلفة، كالاعتصامات والمظاهرات وتوزيع المنشورات والكتابة على الجدران، أما العصيان فيعبَّر عنه غالباً بأفعال سلبية، وهي أسهل على الناس وأقل كلفة، كالتوقف عن شراء منتجات معينة أو مقاطعة خدمات أو التمرد على دفع الضرائب أو عدم الذهاب إلى العمل أو تعطيل الدراسة في المدارس والجامعات… وهذا كله مما خططت الثورة لتطبيقه في العصيان الكبير الذي تروّج له حالياً، والذي أتمنى من شعب سوريا بأكمله أن يلتزم به من أقصى جنوب سوريا إلى أقصى الشمال، بحواضره وأريافه وبواديه ومدنه وبلداته وقراه جميعاً، وأن يلتزم به التزاماً صادقاً صارماً، وسوف يحصد ثمرته الإيجابية بإذن الله.

-3-

ولكن ما معنى العصيان المدني، وكيف يؤثر سلباً في النظام؟ الفكرة الكبرى التي تستند إليها فلسفة العصيان المدني (أو المقاومة المدنية على سبيل الإجمال) هي أن المستبدين والطغاة يستمدون قوّتهم من استسلام الشعوب لطغيانهم واستبدادهم، وهذه الحلقة المفرَغة لن يكسرها الطغاة المستبدون لأنهم الطرف المستفيد، إذن فلا مناص من أن يكسرها الطرف الآخر، ضحية الاستبداد الذي هو الشعب.

إن العصيان المدني هو -في حقيقته- تمردٌ منظم على القوانين والأنظمة وتعطيلٌ كامل أو جزئي لمؤسسات الدولة المدنية بهدف حرمان النظام من موارد الدولة البشرية والمادية التي يبقى حياً بفضلها، وبهذا التعريف فإنه عمل غير عنفي ولا يدفع إلى محاربة النظام الحاكم، بل فقط وبكل بساطة يسحب الدعم الذي يقدمه الشعب لنظامه، معنوياً ومادياً، بحيث يفقد النظامُ سيطرتَه على الناس ويخسر دعمهم له، ويفقد تلقائياً مبرر بقائه نظاماً حاكماً.

سوف نفهم الأمر بشكل أفضل لو تصوّرنا الدولة كياناً من الكيانات التي نستوعب عملها وندرك مواطن قوتها وضعفها، لنتصورها كمصنع كبير مثلاً. المصنع يحتوي على أصول يستمد أهميته من وجودها، وهي الأبنية والآلات، فلولاها لما كان المصنع مصنعاً. الدولة تملك أيضاً أصولاً تستمد منها أهميتها، وهي المنشآت والإدارات والوزارات والمصارف (البنوك) والمصانع والمزارع والطرق والموانئ والمطارات، إلخ. لو كان بناء المصنع من أعظم الأبنية وآلاته من أحدث الآلات ومنتجاته من أفضل المنتجات، وفجأة انقطع مهندسوه وعماله جميعاً عن الذهاب إلى العمل، فكيف يُنتج وكيف يعيش؟ سوف يكون مصنعاً كبيراً عظيماً ولكنه معطَّل لا ينتج شيئاً، وبدلاً من أن يكون منشأة نافعة لأصحابه فإنه سيكون عبئاً عليهم لأنهم سيفقدون الدخل الذي يأتيهم منه، وسيعجزون عن سداد أقساط الآلات إذا كان شراؤها بالأقساط، والموادُ الخام التي يخزّنها المعمل لتحويلها إلى منتجات سوف تصبح عبئاً زائداً لأنه سيضطر إلى سداد ثمنها للمورّدين وإلى تخزينها رغم أنه لا يستفيد منها… وإذا استمر انقطاع العمال وطالت مدة تعطله فإنه سيضطر إلى إشهار إفلاسه. هذا هو ما يصنعه الشعب عندما يعصي النظامَ الحاكم عصياناً مدنياً شاملاً؛ إنه يحوّل الدولةَ إلى منشأة معطَّلة تصبح عبئاً على النظام بدلاً من أن تكون مصدر نفع له.

الدولة كيان كبير جداً ولكنه يتحرك ضمن قوانين الكيانات الصغيرة ذاتها. قد تختلف بعض التفاصيل بين اقتصاد الدولة (الاقتصاد الكلي بلغة الاقتصاديين) واقتصاد المؤسسات التجارية (الاقتصاد الجزئي) ولكن الهيكل العام متشابه والمكوّنات واحدة: الموارد والمدفوعات والاستهلاك والاستثمار والادخار والتجارة البينيّة… فنحن نجد أن المؤسسة الصغيرة تستمدّ قدرتها على الحياة من التوازن بين الموارد والمصروفات، وكذلك تصنع الدولة. المؤسسة تستفيد من الفائض بين الوارد والصادر بتوسعة مشروعاتها وتحسين حياة مالكيها، وكذلك الدولة. أو تسدّ الثغرة بين الوارد والصادر بالضغط على المصروفات وعلى الموظفين، أو بالاقتراض، والدولة تصنع الأمر نفسه… إلى آخر أوجه التشابه.

بما أن اقتصاد الدولة واقتصاد المؤسسة يتشابهان بالجملة فإن العلاقة بين المؤسسة والموظفين تشبه العلاقة بين الدولة والشعب، فانظروا إلى ما يحصل عندما يصطدم الموظفون بإدارة المؤسسة لنفهم ما يحصل عندما يصطدم الشعب بالنظام المسيطر على الدولة: لو أجمع الموظفون على أن المؤسسة تظلمهم فإنهم سيحاولون التفاوض على حقوقهم المهدورة، وإذا ما أصرّت الإدارة على عدم الاستجابة فإنهم يُضربون عن العمل، وغالباً تضطر الإدارة أخيراً إلى الرضوخ لأن المؤسسة كلها قد تسقط وتُفلس لو طال الإضراب. في حالة الدولة يمثل النظام ما تمثله الإدارة في المؤسسة، ويقوم الشعب بدور الموظفين. إنه يستطيع أن يُسقط الدولة كما يستطيع الموظفون إسقاط المؤسسة لو توقفوا عن العمل تماماً (مع ملاحظة أن هذه المقارنة مبسَّطة جداً، ربما لدرجة مخلّة، لكن الصورة العامة واحدة). لاحظوا أيضاً أن بعض الموظفين يمكن أن يخالفوا الاتجاه العام ويصروا على العمل، وفي هذه الحالة فإن الباقين يمنعونهم من الوصول إلى العمل بوسائل شتى، كإغلاق الطرق والمداخل ومحاصرة الموقع لمنع غير المتعاونين من الوصول، وهذا ما يصنعه جمهور الثورة عندما يطبق العصيان المدني الشامل.

لكن هل تنفرد المؤسسة وحدها وإدارتها بالمعاناة؟ قطعاً لا. انظروا إلى العمال: سوف يأتي آخر الشهر فلا يستلمون رواتبهم ولا يجدون ما يدفعون به نفقات الشهر من فواتير وإيجارات وأقساط، وسيتعبون في تأمين الموارد الضرورية للحياة من طعام ولباس ودواء، ولكنهم يصبرون لبعض الوقت ويَقبلون الغُرم العابر الصغير في سبيل الغنم الدائم الكبير.

-4-

إذا كان العصيان المدني سلاحاً فتاكاً حقاً فلماذا أخرت الثورة إخراجه من مستودعاتها ولم تدعُ إليه إلا اليوم بعد تسعة أشهر من انفجار الثورة؟ هذا التأخير له سببان، أولهما أن العصيان مشروع صعب وكبير وطويل، فلا يَسْهل إقناعُ الناس بالإقدام عليه كما يسهل إقناعهم بالخروج في مظاهرة. المظاهرة رحلة قصيرة بين مبدئها ومنتهاها أكيالٌ على الأرض وساعات في عمر الزمن، ولو دخل فيها المرء فإنه يسعه أن ينسحب منها في اللحظة التي يشاء ويعود إلى بيته مأجوراً بإذن الله. العصيان ليس كذلك، إنه مشروع متكامل وعمل كبير، الشروع فيه مُلزِم (كما يقول الفقهاء)، فلا يستطيع الشعب أن يبدأ به اليوم ثم ينصرف عنه غداً أو بعد غد ما لم يحقق هدفه، وإلا فإن ضرره سيكون أكبر من نفعه.

السبب الثاني هو أن العصيان المدني ليس كالسكين ذات الحد القاطع، بل هو كالشفرة ذات الحدين، فهو يؤذي الطرفين ويؤثر فيهما، يؤذي النظام الحاكم ويؤذي الشعب المحكوم. إنه يشلّ الدولة ويُضعف النظام، نعم، ولكنه يعطل أيضاً حياة الناس أو يعطل أكثر أنشطة الحياة، فلا بيعَ ولا شراء إلا في أضيق حدود (للمواد الغذائية والطبية وأمثالها من الضرورات اللازمة لاستمرار الحياة)، ولا سفر ولا تنقل إلا للضرورة القصوى، ولا عمل ولا إنتاج، ومن ثم فلا كسب ولا موارد. الشعار الذي ردّده المتظاهرون على الدوام “لا دراسة ولا تدريس” سيغدو واقعاً حقيقياً، فلا مدارس ولا جامعات حتى لو خسر أبناؤنا السنةَ كلها واضطروا إلى إعادتها. سوف يستغني الناس عن الكماليات والرفاهيات مختارين إن لم يستغنوا عنها راغمين، وسوف يقلصون استعمال الموارد كلها، بما فيها الكهرباء والاتصالات… باختصار: سوف يعيشون في كَرْب ومعاناة.

-5-

هنا نصل إلى واجب مهم جداً، على الأحرار والشرفاء في الخارج أن يقوموا به بلا إبطاء، ولو أنهم قصّروا فيه فأساؤوا إلى الثورة وتسببوا في فشل العصيان فسوف يدينهم التاريخ ويلومهم اللائمون. الناس سيتعطل معاشهم وينقطع دخلهم انقطاعاً كلياً، ولكن ضرورات الحياة لا تتوقف، فهم ما يزالون محتاجين إلى شراء الحد الأدنى الضروري من الغذاء والكساء والدواء، وما يزالون مضطرين إلى شراء الوقود ودفع إيجارات البيوت… فمن أين يأتون بالمال اللازم لذلك كله؟

لنفترض أنهم ادّخروا بعض المال ليوم حاجة، لكن يوم المعاناة الطويل الذي لم تغرب شمسه منذ تسعة أشهر أكل المدخرات واستهلك الموارد، فماذا يصنعون؟ من أين يأتون بثمن القوت؟ منكم يا أيها الكرام. هذا اليوم يومكم. لا يقولنّ أحدٌ قدّم من قبل “لقد قدمت”، فهم أيضاً قدموا من قبل وها هم يقدّمون اليوم. ولا يقولنّ أحد إني عاجز، فإنهم أعجز. أنقصْ من نفقات طعامك الربعَ ومن نفقات لباسك النصف، واستغنِ عن الكماليات جميعاً فليس الوقتُ وقتَ كماليات والناسُ هناك لا يجدون السبيل إلى الأساسيات، وأفِضْ على أهلك في الشام مما أفاء عليك الله.

يا أيها الكرام المشردون عن أرض الشام في أنحاء الأرض: هذا يومٌ من الأيام المشهودة في تاريخ سوريا. إن شعبكم الذي قرر أن يخوض المعركة الأخيرة الفاصلة مع النظام يحتاج إلى دعمكم بكل ما تستطيعون، فلا تخذلوه لا خذلكم الله، انصروه نصركم الله، صِلوه وصلكم الله، إلاّ تفعلوا اليوم تندموا في ساعة لا ينفع فيها الندم… اللهمّ إني قد بلغت، اللهمّ إني قد بلغت.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

نظرة الإسلام إلى الإنسان وحريته وحقوقه لا تتبدل !!؟ .. بقلم: الأستاذ رضا سالم الصامت*

لقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن الناس كافة يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق ما يفرض قيم الإخاء بينهم وأنَّ لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر وفضلا عن ذلك لا يجوز التمييز علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلا أو موضوعا تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعا لأي قيد آخر على سيادته.

جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليؤكد أنَّ أساس الحرية والعدل والسلام في العالم تأتي من إقرار ما لجميع البشر من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة للجميع وقد أثبتت التجربة الإنسانية بأنّ تجاهل حقوق الإنسان قد أفضى إلى أعمال أثارت بهمجيتها الضمير الإنساني، أهمية هذا العالم هو أن يتمتع فيه الإنسان بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة، والعيش في أجواء التقدم الاجتماعي وتحسين مستويات الحياة في جو من الحرية وفي أجواء تنمية العلاقات الودية بين الأمم، استنادا لقوله تعالى : و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ...

مع تمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني على أساس من القواسم المشتركة والفهم المشترك لهذه الحقوق كي ما لا يضطر إنسان أو آخر للتمرد على الطغيان والاضطهاد وعلى معاملة الآخر غير السوية له... وفي ضوء ذلك كانت مفردات هذا الإعلان الأمر الذي يتطلب دائما المراجعة ووضعه بين يدي أبناء الأمة بغاية التعرف إلى الواجبات والحقوق والبحث في سبل التنفيذ والتطبيق بأفضل الطرق المتاحة...

حق في التعليم ويجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية ويكون التعليم الابتدائي إلزاما ويكون التعليم الفني والمهني متاحا للعموم ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام للآباء، على سبيل الأولوية، حق اختيار نوع التعليم الذي يعطى لأولادهم و لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفى الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفى الفوائد التي تنجم عنه ..

الإنسان له حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه مثل الثقافة والفنون والآداب هي القيمة الروحية الرئيسية لوجود الإنسان.

قبل مئات وآلاف السنين كان للسومريين والبابليين تراث يحدثنا عن منجز أسَّس للبشرية ما هو أروع وأبدع فكيف لنا اليوم أن نتراجع إلى الوراء فالتماثيل ترفع من الشوارع ويجري تكسيرها وتحطيمها وتحريمها وقاعات الفنون التشكيلية محاصرة ودور العرض السينمائي تحولت إلى أماكن أنقاض ومخازن ومحال غريبة على طبيعتها ودور المسرح بين خاوية ولا رعاية وبين مدمرة وبين مهددة ممنوع الوصول إليها والإنتاج السينمائي .

كيف يوجد الآخر في زمن لا يقف عند عدم احترام وجوده ،وانعدام الثقة وعدم معرفة حقي من حق غيري . سيدنا عمر رضي الله عنه قال : متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا !

إنها مقولة عظيمة تحمل في طياتها معان سامية ، فالله عز و جل خلق الإنسان كريما معززا ، لكن هذا الإنسان عانى من الذل و الهوان و العبودية أيام الجاهلية في أسواق الرق و لما جاء نور الإسلام أعاد للإنسان قيمته و مكانته و أصبح حرا .

 نظرة الإسلام إلى الإنسان وحريته وحقوقه وواجباته لا تتبدل قط، لأن أحكام القران الكريم إلهية ، ثابتة ومتكاملة لكافة البشر .

*رضا سالم الصامت كاتب صحفي و مستشار إعلامي و متعاون

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

استراتيجية العصيان المدني .. طريق الشعب السوري لتفكيك النظام  .. فاتح الشيخ

كاتب سوري مقيم في ألمانيا

منذ 15/03/2011 والشعب السوري العظيم يثور للتغيير السياسي ، وإقامة نظام سياسي ديمقراطي تداولي ، باستخدام أدوات التغيير الجديدة التي أبدعها أبطال الشارع الاحتجاجي السلمي ، والمتمثلة بالمظاهرات المطالبة بالحرية وتطوير النظام كمرحلة أولى .

وعندما لم يستجيب النظام لمطالب الشعب والتف على مطالب الإصلاح ، طرح الشارع الاحتجاجي موضوعة الانتقال السلمي للسلطة ، خلال فترة زمنية معينة يتم الاتفاق عليها ، ووفق آليات محددة ، وعلى قاعدة رحيل النظام كمرحلة ثانية ، وذلك حقناً للدماء ، وعدم تعريض الأوطان لأهوال و مخاطر الانتقال الديمقراطي .

لكن النظام الشمولي السوري الممتنع عن الإصلاح لأسباب بنيوية ، لم يستجب لمطالب الشعب في المرحلتين الأولى والثانية ، ورد عليهما بالمزيد من القهر والقمع ، فقتل وجرح واعتقل وطارد وشرد وهجر مئات الآلاف من السوريين ، ومارس بحقهم العقاب الجماعي من خلال حصار المدن والبلدات والقرى ، وتجويعها والتنكيل بأهلها.

لذا كان الرد الثوري الشعبي هو رفع سقف المطالب الشعبية ، بشكل متوازي مع رفع درجة الاحتجاج الشعبي كمرحلة ثالثة ، من المرحلة الاحتجاجية التظاهراتية إلى المرحلة العصيانية التمردية ، من خلال تبني إستراتيجية العصيان المدني السلمي الشامل ، وتنفيذ برامج محددة ومتعاقبة ، وعلى سبعة مراحل تحت مسمى ( إضراب الكرامة ) ابتداءً من 11/12/2011 وهي :

إضراب المدارس وإضراب الوظائف وإغلاق الهواتف المحمولة ، ثم المحلات التجارية والجامعات ووسائل النقل والطرقات وموظفي الدولة وصولاً إلى الطرق الدولية .

وقد عرّف كتاب الفكر السياسي العصيان المدني أنه / قيام الشعب بالخرق المدني السلمي لقوانين معينة ، أو أوامر عسكرية يصدرها النظام الاستبدادي كونها تتناقض مع مصالح الشعب .

أما الإضراب المدني / فهو التمرد الشعبي من خلال التوقف عن العمل لأسباب سياسية بمشاركة كافة الفئات المجتمعية

ومن يستقرئ التاريخ السياسي السوري سيجد أن الإضراب العام ليس جديداً على السوريين ، فقد قاموا عام 1936 بتنفيذ أعظم وأطول إضراب عرف حتى الآن ، والمعروف بالإضراب الستيني والذي استمر (55 ) يوماً احتجاجاً على عدم تنفيذ سلطات الانتداب الفرنسي لتعهداتها تجاه اتفاقية 1936 ، والذي عم كافة المدن السورية وفي مقدمتها العاصمة دمشق ، التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات ، وأضربت خلالها المدارس والجامعات ،وأغلقت المحال التجارية أبوابها ، مع استمرار الاحتجاجات والمظاهرات اليومية ، حيث كان المثقفون قادة الإضراب ، والطلاب أداته ووقوده ، والتجار ممولوه، ورجال الدين داعموه، وهو الإضراب الذي أجبر سلطات الانتداب على الانصياع لمطالب الشعب وإسقاط الحكومة الموالية لها .

ومن البداهة القول أن الشعب مالك الأوطان هو صاحب استراتيجية العصيان المدني ومبدعها ، من حيث تعيين موعدها ، وتحديد أوقاتها ، وتقسيم مراحلها وتنفيذ برامجها ، كونه العارف بمزايا قوة النظام وضعفه .

وإذا كانت الاحتجاجات الشعبية قد انفجرت بشكل عفوي في بداياتها الأولى ودون رأس تنظيمي ، ولم تطرح سوى موضوعة إصلاح النظام في المرحلة الأولى ، وتحديد الفترة الانتقالية لرحيله في المرحلة الثانية ، فإن الثورة الشعبية في الوقت الراهن أصبحت تمتلك استراتيجية عليا لإسقاط النظام مجسدة بالعصيان المدني السلمي ، مع تكتيكات تنفيذية عملية وبرامج عمل محددة علاوة على رسم الملامح الأساسية للمرحلة الانتقالية القادمة لسورية الديمقراطية .

إن دخول الشعب السوري الثائر مرحلة العصيان المدني السلمي ، ستحرك القوى الكامنة فيه ، وتعلمه الاعتماد على نفسه في تحصيل حقوقه وحرياته ومعالجة مشاكله الحالية والمستقبلية ، وتزيد من لحمته الوطنية من خلال انضمام المزيد من المكونات والفئات المجتمعية والمناطق الجغرافية إليه.

 لقد وعى السوريون تماماً أن سلوك سبيل النضال الاحتجاجي السلمي، المتوج بالعصيان المدني، هو ضامن الانتقال نحو نظام ديمقراطي تداولي ، ومانع الانتقال نحو ديكتاتورية جديدة ، رغم ادعاء القلة المحدودة أنها ستحمل السلاح للدفاع عن كرامة الشعب والتي ستدعي لاحقاً : (أنا من حَررَكُم ! ، وأنا من سَيحْكٌمُكُم !) وهي في حقيقتها تتآمر على الثورة وتهدف إلى إجهاضها ، ولقد أثبتت تجارب التاريخ السياسي أن كل من سلك سبيل العنف للوصول إلى السلطة ،لم يقم ببناء نظام ديمقراطي تعددي وتداولي ، بل مارس الحكم بأحادية فكرية وثقافية وسياسية، وبشكل أسوأ من النظام السابق ، تحت دعاوي أيديولوجية : دينية أو قومية أو يسارية ( آيات الله في إيران – دول اليسار العربي – الدول الشيوعية ).

وبشكل عام فقد برهنت جميع حروب العصابات ضد الأنظمة الاستبدادية منذ منتصف القرن الماضي ، أن أسلوب الكفاح المسلح كان أسلوباً فاشلاً ، وعاد على الشعوب المقهورة بأوخم العواقب والويلات ، بل وزاد من قوة وسطوة الأنظمة الاستبدادية ، مع استثناء شرفاء الجيش الوطني الحر من هذا التعميم كونهم ردة الفعل على قتل النظام للمدنين السلميين ، ولا تتعدى أعمالهم المهام الدفاعية عن المواطنين ، والرافضين قتل أبناء شعبهم.

إن الشعب السوري العظيم الذي قدم التضحيات الجسام ، ينبذ عسكرة الثورة وتطييفها ، والمواجهة العسكرية – المدنية ، ويرفض العنف المادي المتمثل بتخريب الممتلكات العامة والخاصة ، ويرفض العنف الجسدي ضد الأفراد والجماعات، والعنف المتبادل سبيلاً لإسقاط النظام ، ولا يقنع إلا بسلوك سبيل العصيان المدني السلمي باستخدام أدوات القرن الحادي والعشرين وهي

 الاحتجاج السياسي         الاحتجاج الاقتصادي    الاحتجاج الاجتماعي

وهو الأسلوب المبني على العناد الشعبي من خلال نبذ التعاون مع السلطة وامتلاك الإصرار والقدرة على معارضتها ، ورفض التعاون معها ، والتحدي السياسي الجماعي لها ، من خلال طرح شعار (الشعب يريد ... الشعب قرر..... ) حيث تنصهر كافة إرادات أبناء الشعب في إرادة واحدة . ، وعليه فإن جوهر العصيان المدني لا يعني سوى :رفض الشعب لما يريده النظام ، وقيام الشعب بما يرفضه النظام .

إن من الحرام الثوري الديمقراطي سرقة ثورة الشعب المدنية السلمية ، من خلال استخدام العنف أثناء سريان العصيان المدني السلمي، باعتباره عملاً تخريبياً يتوجب الإدانة ، ويدفع إلى تحويل الثورة الشعبية الديمقراطية المعلنة إلى حركة مسلحة سرية ، مما سيدفع بالكثير من المواطنين للابتعاد عنها والتخلي عن دعمها ، علاوة على خسارة تعاطف الرأي العام العربي والدولي ومنظماته الحقوقية .

إن الآلة العسكرية هي نقطة قوة لدى النظام السوري ، لذا كان من الضروري تحييدها ، وعدم إتاحة الفرصة له لاستخدامها ، وهو المتمتع بالتفوق المطلق فيها ، مع تأكيدنا أن أعداد الضحايا المدنيين السلميين ستكون أقل حتماً في حالة عدم حمل السلاح لمواجهة القوة العسكرية والأمنية للنظام ، رغم الخسائر الكبرى التي دفعها الشعب، وقدم خلالها قرابين الشهداء الأكرم منا جميعاً ، وعليه نرى ضرورة توخي الحيطة والحذر والانضباط أثناء تنفيذ استراتيجية العصيان المدني السلمي .

ومن الضروري بيان أن خيار العصيان المدني السلمي ليس خياراً أخلاقياً فحسب ، بل هو الخيار القائم على الحجة التي تقول أن النظام الشمولي القمعي كغيره من الأنظمة السياسية بحاجة إلى مساعدة الشعب الذي يحكمه ، وبدون هذه المساعدة لا يمكن للنظام المحافظة على مصادر قوته السياسية (السلطة – البشر – المهارات – الخدمات – الموارد المالية .....) ومن هنا كان تعاون وطاعة أبناء الشعب هو ما يوفر مصادر القوة اللازمة للنظام الذي يقمعهم ، لذا كان عدم تعاونهم معه ، وسلبيتهم تجاهه هو الكفيل بقطع مصادر هذه القوة التي يعتمد عليها.

ونحاجج بالقول أن القوة العسكرية والأمنية ليست العماد الوحيد للنظام السوري بل يقوم على منظومة متعددة ومترابطة ومتفاعلة من الأعمدة وهي :

الجيش – الأمن – السياسة - الإعلام – الاقتصاد – الاجتماع- الأيديولوجيا – المؤسسة الدينية الرسمية – العلاقات العربية والإقليمية والدولية .

وبناءً على ما ورد أعلاه جاء تبني استراتيجية العصيان المدني ، الهادفة إلى تحييد القوة العسكرية والأمنية للنظام باعتبارها الحلقة الأقوى ، وتركيز الهجوم الشعبي على الحلقات الأضعف المشار إليها لإلحاق الخسائر بالنظام .

إن الشعب السوري المحاصر والمقموع يستطيع قلب الطاولة على النظام ، من خلال ممارسة الحصار المعاكس عليه ، وسحب الدعم الشعبي الممنوح له حيث أن قدرته على التصرف ستنخفض كلما زاد عدد السوريين المشاركين في العصيان ، واتسعت رقعته الجغرافية ، وشملت حصار النظام سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً وأيديولوجياً وإعلامياً .... لذا كان من الضروري التركيز على تجفيف الموارد المادية والمعنوية التي تغذي النظام من سياسة واقتصاد واجتماع وأيديولوجيا .... وعلى الشعب أن يقوم بتسديد ضرباته المحددة لها ، باعتبارها نقاط استناده عوضاً عن الاتجاه صوب المواجهة العسكرية - المدنية باعتبارها مكمن قوته .

لهذا كان من السخف القول أن نهج العنف سيعمل على إسقاط النظام السوري بفترة أقصر وسرعة أكبر ! وأن العصيان المدني السلمي سيتطلب وقتاً أطول!

حيث أن انهيار الأنظمة الشمولية في العقود الثلاثة الماضية لم يتطلب سوى أيام أو أسابيع أو أشهر، وذلك في كل من :ألمانيا الشرقية – وتشكوسلوفاكيا – بلغاريا – رومانيا – بولونيا - الفلبين– تونس – مصر ..... والتي سقطت جميع أنظمتها الدكتاتورية من خلال تبني الشعوب لاستراتيجية العصيان المدني السلمي ، وهز الأنظمة الشمولية من الأسفل ، باعتباره الخيار الواقعي والموضوعي الذي تمتلكه الشعوب ، والتي أثبتت انتصار القوة الناعمة الشعبية على القوة المعدنية السلطوية .

إن أدوات العصيان المدني تختلف من بلد لآخر ، ومن نظام لآخر ، ومن مرحلة لأخرى ، ونرى أن ما يناسب معركة كسر الإرادات مع النظام السوري وتفكيكه تملي علينا استخدام الأدوات التالية :

إضراب المدارس - عدم دفع الرسوم والضرائب – سحب الودائع البنكية – عدم دفع فواتير الخدمات – الإضراب العام – مقاطعة الانتخابات – رفض الخدمة الإلزامية – قطع خطوط اتصال الأوامر والمعلومات للسلطة – إيقاف وسائل المواصلات – مقاطعة منتجات المقربين من السلطة – البقاء في البيوت – الانسحاب من المؤسسات الاجتماعية – مقاطعة وسائل إعلام السلطة – مقاطعة صحف السلطة – امتناع الموظفين عن الدوام – الاحتجاجات اليومية - إغلاق الهواتف النقالة – قطع الطرق الداخلية والدولية – الطلب من دول العالم طرد سفراء النظام – سحب دول العالم لسفرائها لدى النظام – السلبية في كل شيء تجاه النظام .

إن العصيان المدني السلمي هو وسيلة وليس غاية بحد ذاته، كونه يهدف إلى رفع تكلفة بقاء النظام السوري سياسياً واقتصادياً ومالياً – وعربياً وإقليمياً – ودولياً ، وأمام المنظمات الحقوقية العالمية (شرشحة النظام )، بمعنى أن وظيفة العصيان هي خلق المشاكل للنظام لإرباكه تمهيداً لدفنه(1).

ومن المعروف أن العصيان المدني السلمي الذي طبقته محافظة حماة المجاهدة لمدة اثنا عشرة يوما متواصلا ، كان العصيان الأنموذج للمحافظات السورية الأخرى من حيث سلميته التامة والمدة التي استغرقها و المشاركة الشعبية الواسعة، والتي تجلت بالإضراب العام لكافة مناحي الحياة ، حيث أن المواطنين هم من بدأ العصيان وهم من أنهاه ليصبح أنموذجاً يقتدى به من قبل المحافظات الأخرى ، لذا عمد النظام إلى اجتياحها عسكريا صبيحة أول أيام رمضان، وهي التي كانت خطا أحمر.

 وأخيرا/

  إن قدرات الشعب ومقوماته تبقى دائماً وأبداً هي الأقوى والأبقى من النظام ،مهما تمتع بالقوة والجبروت .

  ضرورة تزامن حصار النظام من الداخل والخارج معاً .

  إن النظام السوري المتجذر منذ عدة عقود ، قد يحتاج أكثر من عصيان مدني تمهيداً لتفكيكه ، مع قناعتنا التامة أن كل عصيان سيلحق به المزيد من الخسائر وتجفيف الموارد داخليا و خارجيا ، وهذا ما يتطلب التقييم السياسي والاقتصادي والمعنوي الدوري والمستمر .

  إن المتضرر الأكبر من العصيان المدني هو النظام القائم والبرجوازية الطفيلية المتحالفة معه ، والتي ستعمل على فك ارتباطها به وتركه إلى مصيره المحتوم.

إن جوهر العصيان المدني السلمي لا يعني سوى :

رفض الشعب لما يُريده النظام ، وقيام الشعب بما يَرفضه النظام.

______________

(1) - للمزيد راجع مقالنا المعنون : القوة المعدنية السلطوية والقوة الناعمة الشعبية ( فاتح الشيخ – جوجل)

*-*-*-*-*-*-*-

«أوراق الأسد» و «ألسنة الفتنة»!!  .. ميرفت سيوفي

الشرق

13-12-2011

هو الإنذار الأخير قبيل ذبح مدينة حمص بأحيائها وأهلها وكان ما تبقّى من مهلته حتى الأمس أربع وعشرون ساعة لا غير في وقت كان فيه وزير الخارجيّة العراقي هوشيار زيباري يقتنص فرصة وقت جديد تطيل عمر ذبح الشعب السوري تحت عنوان «محاولة إقناع النظام السوري بتطبيق المبادرة العربية» التي بات الحديث عنها يدور عن استقبال مراقبيها والشروط السورية التي تعطّل عمل هؤلاء مع تجاهل كلّي للحديث عن مطلب المبادرة الأول وهو وقف العنف وسحب الجيش إلى ثكناته والسماح بالتظاهر السلمي، وهو ما لن يقبل به النظام السوري ولو انطبقت الثريا على الأرضين، فالسماح بالتظاهر يعني خروج الشعب كلّه مطالباً بإسقاط النظام المستمر في إشاعة التهديد والوعيد للعالم العربي!!

وواحدة من المفارقات العربيّة «الغبيّة» هي السماح بهذه المحاولة المستميتة لنظام نوري المالكي «رمز الطائفية والمذهبية» في العراق،لإنقاذ نظام اتهمه مراراً بأنه المسؤول عن إرسال الإرهابيين إلى العراق، لكن يبدو أن للتسلّط الإيراني أحكامه على المالكي، وفي هذا التوقيت بالذات وبعد إعلان الجامعة العربية ببلادة مكلفة أن موعد انعقاد مجلس وزراء خارجيتها هو يوم السبت المقبل ، في وقت كان فيه الأمير تركي الفيصل وزير المخابرات السعودية السابق قد صرّح يوم الجمعة الماضي:»أن الدول العربية لن تقف مكتوفة الايدي وتسمح باستمرار المذبحة التي يتعرض لها الشعب السوري»، وما علينا إلا أن «نحطّ بالخرج» كلّ التصريحات المشابهة فالعجز العربي لا يقدر إلا على الكلام !!

وبعد اطمئنان النظام إلى حصوله على مهلة جديدة ردّ سريعاً على «فرصة» الإمعان في القتل الجديدة الممنوحة له بتصريحات تهديد عجيبة غريبة، فالردّ على مهلة الوساطة العراقية جاء على لسان مصادر مقرّبة من رئيس النظام بالتهديد بعدم «تهاونه مع الدور التركي في المسّ بأمن بلاده واستقرارها، رغم أنه يدرك ان سياسة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو لا تتماشى مع آراء كل السياسيين الاتراك» ومشكلة النظام السوري أنه يكذب وهو أول من يصدّق كذبته ويتعامل معها على أنها الحقيقة الكليّة الوحيدة أما أطرف ما قالته «المصادر المجهولة الواهمة فهو أنّ:»تركيا خسرت الساحة الاقتصادية السورية وستخسر قريباً ساحات أخرى مهمة جداً لها بسبب الموقف الموحد لدول الممانعة»!!

أما فيما يخصّ استقواء النظام وادّعاءه لقوة إرهابية ستضرب العالم العربي، فهو في ذلك يسير على خطى معمّر القذافي في الترهيب والتهديد و»قدّ العنترة والمراجل»، فالمصادر الواهمة نفسها تتحدث عن أنّ: «ألسنة الفتنة لن تحرق سورية فحسب بل لبنان والكويت والعراق والسعودية والبحرين والمنطقة برمّتها، وعندها سيكون من الصعب إطفاء الحريق»!!

عملياً نحن أمام نظام أشبه ب «مريض عقلي»، يتهيّأ له أن ثمة جيوشاً كونية تحارب معه، فأي ساذج يقرأ أسماء الدول المعنية بالتهديد والوعيد يُدرك أن النظام السوري يُراهن على المواطنين الشيعة في هذه البلاد لإشعال الفتن وإثارة الاضطرابات، ولكن هل من عاقل سيصدّق أن هؤلاء مستعدون لدخول محرقة حرب مذهبية لا طاقة لهم بها لإنقاذ نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة ولو اجتمعت قوى الأرض لإبقائه لن تستطيع إلا بعد إبادة شعب أعلن أنه لا يريده؟!

أما حديث المصادر وكلامها «الخرطي» والذي تؤكد لنفسها فيه أن: «الأسد لم يستعمل حتى الآن ما لديه من أوراق كالجولان ولبنان والأكراد والعراق والعلويين الأتراك وكل قوى الممانعة من المحيط الى الخليج«، فهذا كلام مصدره حزب الله وقد سمعنا التهديد به مراراً على لسان حسن نصر الله ونعيم قاسم ومحمد رعد، ولا بدّ من شكر المصادر «المعتوهة» التي أكّدت من جديد للعالم أن هذا النظام يهدّد أمن المنطقة وسلامها وأمن العالم، وأنه نظام إرهابي لا جوار ولا أمان ولا مواثيق ولا عهود له، وأنه نظام زعزعة استقرار وضرر يجب التخلص منه في أقرب وقت، يبقى أنّه وبعد كلّ تهديدات المصادر المقرّبة «المجهولة» على الجامعة العربية أن تتوقف عن التعاطي بهذه الميوعة مع نظام إرهابي يقتل شعبه وشعوب الآخرين ويهدد أمنهم وأمان أوطانهم!!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أزمة كيان ونظام... في سورية! .. خيرالله خيرالله

13-12-2011

الرأي العام

لا يمكن في أي شكل تغطية الأزمة العميقة التي تمر بها سورية، وهي أزمة نظام وكيان في الوقت ذاته، عن طريق تصريحات من نوع تلك التي أدلى بها أخيرا الرئيس بشّار الأسد إلى محطة اميركية. كشفت تلك التصريحات أن الرئيس السوري يعيش في عالم آخر لا علاقة له من قريب أو بعيد بما يدور على الأرض.

لكن هذه التصريحات كشفت أيضا الحاجة إلى أن تعود سورية يوما ما دولة طبيعية، دولة قادرة على الاعتراف بمشاكلها الحقيقية وتعمل على حلّها بدل الهرب المستمرّ منها. من هذا المنطلق، يمكن القول إن الكلام الصادرعن الدكتور برهان غليون، الوجه الأبرز في المعارضة السورية، عن مستقبل علاقة بلده بإيران كلام صحّي. هناك للمرّة الأولى سياسي سوري يتحدّث عن الواقع ويرى أن ما يسميه بعض الجهلة «أوراقا» في يد سورية ليست في طبيعة الحال سوى أثقال يتحمّلها البلد وينوء تحت عبئها كل مواطن سوري...

تشكّل طبيعة العلاقة بين دمشق وطهران، بشكلها الحالي، تعبيرا صارخا عن عمق الأزمة التي يمرّ بها الكيان السوري منذ الاستقلال. أكثر من ذلك، تعطي هذه العلاقة غير الطبيعية فكرة عن المرحلة الخطيرة التي بلغتها الأزمة السورية التي تحوّلت في السنوات الثماني والأربعين الأخيرة، أي منذ تولّي «البعث» السلطة، إلى أزمة كيان وأزمة نظام في آن.

من يتابع تطور سورية منذ الاستقلال يكتشف أن أزمة الكيان السوري اختلطت في مرحلة معيّنة بأزمة النظام لتنتهي بتحويل سورية كلها مجرّد تابع لإيران. صار على النظام في سورية الاستعانة بميليشيا إيرانية موجودة في لبنان، بفضله أولا، لسدّ الفراغ الأمني الذي خلّفه الانسحاب العسكري من البلد الجار في ابريل 2005 نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. وفي السنة 2011، لم يعد أمام النظام السوري من خيار غير الاستعانة بسلاح «حزب الله» الإيراني كي يسقط حكومة الرئيس سعد الحريري ويفرض حكومة بديلة من صنع «حزب الله» ولا أحد آخر غير الحزب...

هناك الآن في سورية من يفكّر بطريقة مختلفة. يفكّر في كيفية استعادة السوريين خصوصا والعرب عموما لسورية وتخليصها من عقدة الدور الإقليمي. هذا الدور ليس في واقع الحال أكثر من وهم جلب على السوريين الويلات، وجعلهم يضيعون بلدهم الذي يمتلك ما يكفي من الثروات الكفيلة بتحويله إلى دولة متقدمة على كل صعيد. تكفي ثروة اسمها ثروة الإنسان السوري الذي استطاع أن يبني في لبنان ويساهم في ازدهار الوطن الصغير على الرغم من كل ما تعرّض له لبنان في السنوات الأربعين الماضية من ظلم ذوي القربى أولا. في الإمكان أيضا الحديث عن مئات السوريين الناجحين في دول الخليج العربية وفي أوروبا والولايات المتحدة وكندا ودول أميركا اللاتينية. لماذا لم يوجد بين هؤلاء من يستثمر في سورية، باستثناء قلّة تحالفت مع النظام ودخلت في شراكة مع أركانه لتوفير الحماية ليس إلاّ!

كلام برهان غليون عن مستقبل العلاقة بإيران و«حزب الله» و«حماس» أكثر من صحّي. إنه كلام سليم يصب في مصلحة الشعب السوري أولا، وفي العودة إلى الاهتمام بالشأن السوري من زاوية أخرى تختلف كليا عن نظرة النظام إلى سورية والسوريين.

لا يستطيع أي عربي عاقل تجاهل أن إيران دولة كبيرة في المنطقة. ولكن ليس في استطاعة أي عاقل أكان عربيا أو غير عربي إلا التساؤل: ما الذي لدى النظام الإيراني يقدّمه لدول المنطقة غير تصدير الغرائز المذهبية والعمل على إثارتها. ولا يستطيع أي عاقل تجاهل أن عناصر «حزب الله» لبنانية، ولكن لا يستطيع أي عاقل أيضا تجاهل أن كلّ ما فعله «حزب الله» حتى الآن هو تعميق الشرخ بين الطوائف والمذاهب في لبنان بغية تمكين المحور الإيراني- السوري من استخدام الوطن الصغير «ساحة» لا أكثر!

كلّ المطلوب أن تكون هناك علاقة طبيعية بين أي دولة من دول المنطقة من جهة وإيران من جهة أخرى. إيران موجودة في المنطقة شئنا أم أبينا وهي تمثل حضارة كبيرة ذات جذور راسخة. هذا واقع. لكن الواقع شيء وتحول هذه الدولة أو تلك تابعة لإيران شيء آخر.

مرّت سورية منذ الاستقلال بمراحل كثيرة. شهدت في العام 1949 أول انقلاب عسكري في المنطقة بعد حصول دولها على الاستقلال. وشهدت أول وحدة بين دولتين عربيتين في العام 1958. كانت الوحدة المصرية- السورية تجربة فاشلة نظرا إلى أنها لم تقم على أسس علمية بمقدار ما أنها كانت تعبيرا عن هرب سوري من أزمة داخلية راحت تتفاقم بسسب العجز عن إقامة مؤسسات ديموقراطية قابلة للحياة.

حصل الانفصال في العام 1961، لكن عملية الهروب إلى أمام استمرّت. جاء «البعث» في العام 1963. كان مدنيا في البداية وما لبث أن تحوّل عسكريا. كان مجيء «البعث» تغطية لانقلاب عسكري قادته مجموعة من الضباط اشتهروا بالمزايدة على بعضهم البعض، فكان التوريط السوري لجمال عبدالناصر في حرب العام 1967. تلك الحرب التي لا تزال نتائجها تتفاعل حتى الآن.

لا حاجة إلى ذكر أن النظام العسكري تحول تدريجا إلى نظام طائفي، ثم إلى نظام طائفي تتحكّم به عائلة واحدة ابتداء من العام 1970، وصولا إلى نظام لا مكان فيه سوى للعائلة ابتداء من العام 2000. كلّ ما في الأمر أن افضل ما فعلته المعارضة السورية يتمثّل في الاهتمام بسورية كسورية وفي إعادتها إلى كنف العروبة الحضارية بعيدا عن الارتباط بإيران وغير إيران.

ما تبدو سورية في حاجة إليه مستقبلا هو فترة نقاهة تفسح في المجال أمام التفكير في كيفية إخراج البلد من الوصاية الإيرانية. هذه الوصاية منعت عمليا النظام من التفكير باكرا في كيفية الخروج من أزمته عن طريق إصلاحات جذرية كان مفترضا أن يباشر بها الرئيس بشّار الأسد في السنة 2000 وليس في السنة 2011، أي عندما كان لا يزال قادرا على أخذ مبادرات بدل القراءة من كتاب قديم عفى عليه الزمن. كتاب يقول إن إلغاء الآخر هو الحل وأن في الامكان استعباد الشعب السوري إلى ما لا نهاية ما دامت إيران تقف مع النظام في دمشق. لم يستفد هذا النظام حتى من خروجه العسكري من لبنان. بقي أسير وهم الدور الإقليمي الذي لم يفارق الكيان السوري منذ الاستقلال!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المشهد السوري المتخبط  .. الوطن السعودية

التاريخ: 13 ديسمبر 2011

المشهد السوري يزداد تخبطا، ولا أدل على ذلك من قيام النظام السوري يوم أمس بفتح مكاتب الاقتراع على الانتخابات المحلية في مشهد يعبر عن انفصام تام بين النظام وبين واقع المشهد السوري على الأرض، في ظل استمرار عمليات القتل والترهيب للمواطنين، وفي ظل المظاهرات المستمرة بشكل يومي هناك، ومؤخرا الإضراب العام الذي يقوم به السوريون تحت عنوان "إضراب الكرامة" وما يعتزم تنفيذه من عصيان مدني عام خلال الأيام المقبلة.

النظام السوري المتعنت يسير في طريق وكأن الأزمة السورية هي أزمة سياسية عادية ككل الأزمات التي تمر بها الدول، وهو ما لا يتسق مع واقع قيام القوات السورية منذ يومين بمحاصرة حمص بشكل كامل بالدبابات وقوات الجيش، وتهديدها للسكان بالقيام بهجوم شامل ما لم يتم إنهاء كافة المظاهرات، وهو تهديد يعيد للأذهان مذبحة حماة الشهيرة في الثمانينات الميلادية.

الإضراب العام اتسع في سورية ليشمل حتى العاصمة دمشق، في مشهد يثبت أن الثورة أقرب للنظام مما يظن، وقيام القوات السورية بإجبار التجار على فتح محالهم هو دليل على إفلاس النظام في القدرة على مواجهة واقع الأمور على الأرض، ومع ذلك يصر النظام على عقد انتخابات محلية، وكأن شيئا لم يكن.

جامعة الدول العربية، ستعقد اجتماعا وزاريا السبت المقبل لمناقشة الرد السوري الوارد في رسالة وزير الخارجية وليد المعلم، فيما يخص الموافقة على بعثة المراقبة وبروتوكولها، ولكن حتى يوم السبت فإن التطور المتسارع للأحداث في سورية قد يدفع الأمور بعيدا عن قدرة العرب على التجاوب، وخاصة إذا ما نفذت سورية تهديدها بالدخول إلى حمص والقيام بعمليات عسكرية موسعة هناك.

النظام السوري فقد شرعيته والحل الآن هو بصيغة خروج آمن، طالما هناك متسع للقيام بذلك فالشعب السوري لن يعود للوراء، بعد كل ما عاناه من تنكيل على مدى التسعة أشهر الماضية، وأي صيغة حل لما يحدث في سورية يجب أن تكون مرتبطة بالواقع، وإلا ستكون مثل عقد انتخابات في سورية تحت هذه الظروف.

*-*-*-*-*-*-*-*-

دورة التاريخ ... ومصير سوريا! .. تركي الدخيل

تاريخ النشر: الثلاثاء 13 ديسمبر 2011

الاتحاد

تتصاعد خشونة الأحداث التي تلازم الثورات. لكن ما يجري في سوريا حالياً خطير للغاية. الرئيس السوري نفى أن يكون أعطى أي أوامر بالقتل، وفي أحدث تصريحاته اعتبر الذي يجري في الشارع لا علاقة له هو به، والتبرير الذي يطرحه أنه مجرد رئيس! وأن الأجهزة الأمنية لا تدار من قبله! هذا التصريح الحاد والمتضمن الكثير من مضامين الاستخفاف بالعقول لا يمكن إلا أن يفسر بطريقتين اثنتين، الأولى: أن الرئيس نفسه فعلاً صار معزولاً من قبل كوادر "البعث" وأن ماهر –أخو الرئيس- هو الذي يدير العمليات على الأرض، التفسير الثاني:أن الأسد أراد توجيه الخطاب للغرب بأن الحالة في سوريا غير التي يفهمونها، مصوراً المشهد على أنه صراع بين منشقّين من الجيش، وبين أنصاره.

الدموية التي تجري في سوريا لا يمكن لأحدٍ أن يتصور خشونتها، الإعلام مغيّب والمقاطع التي تسرب تعبر عن دموية وعن جريمة ضد الإنسانية. بينما يخرج الأسد ليقول إن الذين يقتلون هم من أنصاره، وأن سوريا بخير وأن هذه مشاكل تحدث في مناطق محددة. وذكرني هذا بتصريحات القذافي التي قال فيها إن كل الشعب يحبه، وأن الذين ثاروا يريدون الانتصار له، وأن كل الشعب يريد أن يموت من أجله، وهذه خاصية الطغاة أنهم يشعرون بمميزاتٍ تمنعهم من أن يكونوا مبغوضين، ولا ننسى نموذجي صدام، وستالين، وسواهما من القتلة ومصاصي الدماء. بل إن سيف الإسلام القذافي في ذروة الثورة الليبية قال:"الأمن مستتب ونحن نشرب الشاي"! وهكذا فإن التاريخ لا يدور ليعلمنا وإنما يدور لأننا لم نتعلم منه، وهذا من ضعف التفكير لدى الساسة الذين ينهشون دماء شعوبهم ويريدون الانقضاض على المنجز الشعبي، وإيقاف كل عجلات العصر ومنع الناس من استنشاق الحرية والعدالة والمساواة. لقد دمّر الفساد هذه الدول فأججت الثورات، وكان جان جاك روسو محقاً حين قال مقولته الجميلة:" لاينبغي أن يسمح لأي مواطن بالثراء لدرجة قدرته على شراء مواطن آخر، ولا يسمح للمواطن الآخر بالفقر لدرجة يمكن بيعه"، ولنتذكر أحمد عز، وغيره من "الأحامد" الذين ينتشرون ويحتكرون موارد الشعوب، ثم يأتي الأسد ليقول إنه جاء بإرادة شعبية وبأن-كل الشعب- يحبه ويريد بقاءه وأن الذين يقتلون هم من أنصاره.

في حوار مع الأمين العام لحزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" جان فرانسوا كوبيه، نشر في جريدة "الحياة" رأياً قال فيه إن:"ما يحصل في سوريا يحمل على الاعتقاد أن أمام النظام الحالي حظوظاً قليلة للبقاء، فالعنف يشكل محور إدانة تامة من جزء كبير ومتزايد من الأسرة الدولية. والمرجح أن أي نظام آخر سيأتي بموازين قوى جديدة على صعيد المنطقة". ويزداد النظام السوري عزلةً حين يتحدث الأسد عن أن الأمم المتحدة كلها على خطأ، ولم يبق في العالم إلا النظام السوري. ولا أدري كيف يمكن للعالم أن يختص النظام السوري من بين بقية الأنظمة كلها بالاستهداف! هل في تنميةٍ قام بها؟ أم في عدالة؟ أم في مساواة؟ ما هي مبررات استهداف العالم له؟ هناك تضخيم لقصة المؤامرة والتربص.

الذي يجري الآن في العالم العربي سواء كنا معه أو ضده، جاء بإيجابيات أم سلبيات، هو حدث هادر لا خيار لنا تجاهه، التصرف الحكيم أن ندير حوارات مطولة حول المستقبل الذي ستثمر عنه هذه التحركات والثورات. والذي يجري في سوريا هو ذروة الإجرام ربما لا يوازيه إلا ما فعله القذافي، وهذا ما يجعل من الوضع صعباً على نظامٍ يقتل شعبه، وقتل من أطفال شعبه الآلاف. لن يكون التاريخ مدرّساً لنا، ليس للتاريخ فم ليحدثنا، وإنما معنا يكتفي بنثر العبر أمامنا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا: على من يضحك النظام؟  .. علي حماده

النهار

13-12-2011

في إطار "الاجراءات الاصلاحية"، نظّم النظام في سوريا ما قال انه "انتخابات المجالس المحلية"، وقد غطّت وسائل اعلام النظام هذه الانتخابات في محاولة للايحاء ان بشار الاسد ماض في مسار "الاصلاحات" التي اعلن عنها على دفعات منذ ان انفجرت الثورة.

لقد كان لافتاً ان تجرى انتخابات في الوقت الذي يقتل المواطنون العزّل في شوارع المدن والقرى، وقد تجاوز عدد الشهداء الخمسة آلاف، والمعتقلون عشرات الآلاف. والسؤال عن اي انتخابات يتحدث النظام؟ وفي اي عالم سوريالي يعيش بشار الاسد وهو الممعن قتلاً في شعبه، فيما يزعم انه يجري اصلاحات؟ أمر مضحك، وفي الوقت عينه مخيف هذا الإرث المافيوي.

لقد جرى إلغاء قانون الطوارئ قبل نحو سبعة أشهر، ومذذاك انطلقت فرق الموت التابعة للنظام لتزرع الموت في كل مكان من سوريا. وبعد تسعة اشهر على انطلاقة ثورة الحرية من درعا، يتأكد أكثر فأكثر أن النظام غير قابل للتأهيل، وأنه لا مناص من اسقاطه. ولعل حلم وضع أركان النظام وراء القضبان ومحاكمتهم في لاهاي بتهم ترقى الى ارتكاب جرائم ضد الانسانية لم يعد بعيد المنال في ظل تكثيف منظمات دولية، ووسائل اعلامية عالمية لعملية جمع الادلة والشهادات والوثائق التي تدين النظام برمته، ومن شأنها ان تضمن ملاحقة بشار ومحيطه. وسط هذه الصورة القاتمة التي يزيدها جنون النظام في سوريا وانفصاله عن الواقع، فلنحاول رسم ملامح الاسابيع المقبلة في سوريا:

أولاً - سقط بشار في امتحان العلاقات الدولية مع فشله في تحسن صورته في المقابلة التي أجرتها معه شبكة "اي بي سي"، فقد انعكست المقابلة سلباً عليه ولم يجن منها اي مكسب.

ثانياً - تنصّل النظام من توقيع البروتوكول الخاص بالمبادرة العربية أحكم الطوق العربي على النظام، علماً ان المزاج العربي السابق للمبادرة أقرب الى الاقتناع بأن لا أمل في إصلاح النظام، وبالتالي لا بد من الانتهاء من بشار الأسد.

ثالثاً - الحماية الروسية للنظام في مجلس الامن لم توهن عزيمة الثورة، ولا التصميم العربي – الدولي للدفع في اتجاه التغيير. فالحصار المضروب على النظام أقوى من أي وقت مضى. ولا حديث جدياً عن حلول مع بشار ومحيطه. وفي النهاية النظام يتآكل في الداخل بفعل استمرار الثورة، وفي الخارج بفعل انهيار شرعيته الدولية، والموقف الروسي لن يمكّن النظام من النجاة.

رابعاً - الدم يستجر الدم، ومقاومة آلة القتل التابعة للنظام تأخذ بعدها العنيف، وتوالي الانشقاقات والرد على القتل بالنار يتوسّع في أكثر من موقع، ولن تمضي أسابيع قليلة حتى تتحوّل سوريا كلها ساحة مواجهة بين الجيش السوري الحر وقوات النظام. هذه علامات نهاية "جمهورية حافظ الأسد" الذي بنى قوته على تماسك المؤسسة العسكرية خلفه. خلاصة الأمر ان الأسابيع المقبلة ستشهد تطورات مهمة في الوضع السوري، أهمها انتزاع المعارضة مزيداً من الشرعية دولياً. لقد اقتربت نهاية بشار.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية التي تولد اليوم  .. الياس خوري

2011-12-12

القدس العربي

كأن سورية تولد اليوم، مقمطة بدماء ابنائها. الآن، اي منذ عشرة اشهر، يصنع السوريات والسوريون وطنهم من جديد. يذهبون الى بهاء موتهم بجباه عالية، وهم يهتفون للحرية. هكذا تولد الكلمات وتولد اللغة من تراب الأرض المغطى بدم الشهداء وانين الجرحى وصراخ المعتقلين.

لم يعد الكلام القديم مجدياً، فقدت سياسة السياسيين معناها وجدواها، نحن اليوم امام ظاهرة اكبر من كل السياسات الصغيرة والكبيرة، فاليوم هو وقت تأسيس المعاني، وصناعة الأفق.

يكفي ان نشهد ونشاهد كيف تولد الحرية على الشفاه، وتتحول الى كلمات واغنيات، يكفي ان نستمع الى شعب يتكاتف في مظاهرات الحرية وهو يواجه الموت، يكفي ان نرى كيف يضيء الانسان حريته عبر تحدي الموت، ويصرخ امام جدار القمع الأصم الذي سوف يتفتت في النهاية امام هول مقتلة الاطفال التي اشعلت الثورة السورية.

اليوم يعيد التاريخ الذي يصنعه الناس المعنى الى الجغرافيا، اليوم، اي منذ عشرة اشهر، واسماء الاماكن تمتلىء بالدلالات. اليوم، اي منذ عشرة اشهر، نتعلم جغرافية الحرية، ونحن نجول بارواحنا في المدن والقرى والدساكر. نكتشف درعا واطفالها، وحماة ومغنيها الشهيد، وحمص بوعرها وبطولاتها ونهرها العاصي ، وادلب ودير الزور وداريا والغوطة الدمشقية التي امتلأت بياسمين الشهداء...

وطن يولد من صرخة اطفاله التي تحولت الى انتفاضة شعب يحلم بكلمة واحدة اسمها الحرية، ويسعى الى استعادة كرامته المهدورة من تحت احذية الاستبداد. وطن اعلنت درعا ولادته بأصابع حفنة من الأطفال، قبل ان يشتعل على ضفاف العاصي، ويمتد من الميدان الى كل الميادين، ويصير مضمخا بعطر الشهداء الذين يصنعون من حمص اسطورة للتحدي.

بلاد اضافت الى ذاكرة ميسلون والثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، ذاكرة جديدة، تصنعها ثورة شعبية مستمرة منذ عشرة اشهر. ثورة لا سابق لها، حيث يحطم شعب الموت بالموت، ولا ينحني للخوف، ولا يتراجع امام هول القمع والقتل والتعذيب والدمار.

انها حكاية التضحيات والصبر والثبات، حكاية لم نشهد مثيلا لها، وهي تعلن اليوم ولادة وطن جديد، صنعه شعبه الذي يناضل في وحدة اليأس ووحدة الأمل، ولا ينتظر شيئا من احد.

شعب يعرف ان الدرب قد ارتسم، وانه لن يتراجع لأنه اقفل طريق التراجع بالألم والدم.

لا مكان في هذه الملحمة الكبرى سوى للحلم. ملحمة يرتسم بطلها مثل موزاييك مصنوع من الوف القطع الصغيرة، يذهب الأفراد الى الموت كي يدخلوا في جدارية الملحمة، وهناك يصيرون واحدا في المتخيل والذاكرة، ويرسمون وطنهم الجديد على صورة تضحياتهم الكبرى.

لهؤلاء وعنهم تليق الكتابة، لأنهم يغسلون وعينا وعيوننا بالأمل الذي يصنعه الأسى، وبالرجاء الذي ينبت من قعر اليأس.

لا تخافوا، لقد انتصرتم على الموت، ومن ينتصر على الموت ويتحداه يموت منتصرا ولا يخشى شيئاً.

هذا هو درس الحرية في مدن سورية وبلداتها وقراها، كل مدينة حكاية مصنوعة من الف حكاية، وكل حياة هي تلخيص لمعنى الحياة، وكل موت هو بداية.

ننحني على الألم والألم ينتشر في عيوننا، نغمض فنراكم، نريد ان نقول فلا تسعفنا الكلمات، كيف نستنبط لغة تعانق الموت وتحتضن يأسا وصل الى ذروته على مفترق الأمل.

' ' '

يبدو الجدل السياسي حول الثورة السورية وعلاقاتها الاقليمية المستقبلية وكأنه خارج الموضوع، كلام رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون واجوبة امين عام حزب الله طرحا مسألة في غير مكانها او اوانها. اغلب الظن ان تصريح غليون عن العلاقة المستقبلية بايران وحزب الله اسيئت قراءته، لأنه لم يكن واضحا بما فيه الكفاية. وقد جاء تصويب رياض الترك ليضع الأمور في نصابها، فسورية لا عدو لها سوى الاحتلال الاسرائيلي، اما علاقتها بالدول الاقليمية والأحزاب اللبنانية وغير اللبنانية فتتحدد على ضوء مواقف هذه الأخيرة من ثورة الشعب السوري.

كلام بسيط وواضح يقفل ابواب المزايدات والكلام الذي يريد تغطية موقف مؤيد للنظام السوري، لا مكان له في اعراب الثورة اوالمقاومة.

ليس مطلوبا من الثورة السورية تطمين احد، بل المطلوب هو التضامن مع شعب يتعرض لأبشع انواع القمع.

هنا يقع الامتحان الذي لم ينجح النظام السياسي اللبناني، بجميع اطيافه، في اجتيازه، واغلب الظن ان النظام العربي لن ينجح هو الاخر.

كل النقاشات غير المجدية تتوقف اليوم امام صورة طبيب الثورة السورية ابراهيم عثمان شهيدا، والحكاية تبدأ من جديد في صورة عصيان مدني يفتح طريق الحرية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مسؤولية المعارضة السورية .. الياس حرفوش

الثلاثاء, 13 ديسيمبر 2011

الحياة

كلما تعمّقت الأزمة السورية واشتدت حدة الصراع المذهبي بين مكونات المجتمع، يتأكد حجم المسؤولية التي يفترض أن تتحملها المعارضة السورية، بمختلف أطيافها، عن مستقبل بلدها.

وإذا سلّمنا بأن النظام السوري الحالي اصبح من التاريخ، وبصرف النظر عن الطريقة التي سينتهي بها الصراع الدائر الآن، يصبح منطقياً أن نعتبر أن المعارضة السورية تواجه عبئاً كبيراً، بعد الدمار الذي تركه النظام في البنية الداخلية للبلد، من خلال إشغاله المذاهب والعشائر والمدن ببعضها، في لعبة مكشوفة، هدفها نقل الصراع من مواجهة بينه وبين عموم المواطنين إلى مواجهة في ما بين المواطنين انفسهم، وهو تماماً ما يفعله مع فصائل المعارضة نفسها، فيقوم بتغليب واحدة على أخرى، في محاولة للإيحاء بأنه اكتشف أخيراً فضائل معارضة الداخل، غير انه يتوجّس مما يسميه معارضة الخارج التي يتهمها بالاستقواء بالمصالح الغربية (الأميركية والتركية على الخصوص)!

وفوق مسؤولية المعارضة عن إعادة اللحمة الداخلية، وهي عملية يبدو في ظل الوضع الراهن الذي نقرأ عنه عن المدن السورية، أنها ستكون بالغة الصعوبة، هناك مسؤولية إعادة بناء علاقات سوية مع دولتي الجوار الأساسيتين، العراق ولبنان، وهي العلاقات التي خرّبها نظام الأسد، بتحويله العلاقة التي كان يجب أن تكون طبيعية بين دمشق وكل من بغداد وبيروت، إلى علاقة نفعية تقوم على اللعب على التناقضات الداخلية في الدولتين، وتغذيتها واستغلالها خدمة لسياسة «الأوراق» الخارجية، التي كان يفاخر بامتلاكها.

في لبنان أساء ظلماً إلى صورة الشعب السوري بين معظم اللبنانيين، من خلال الدور الذي لعبه مسؤولوه الأمنيون على مدى ثلاثين سنة. وكان على اللبنانيين أن يكتشفوا أخيراً الصورة الحقيقية لهذا الشعب الحر، الذي لا يهاب النزول إلى الشوارع للمطالبة بكرامته، على رغم خطر الموت. وفي العراق أساء النظام السوري إلى الدور الذي كان يجب أن تلعبه سورية في عراق ما بعد الاحتلال، من خلال تغذيته الصراع الطائفي، ودعمه العلني للجماعات الإرهابية التي ساهمت في إطالة أمد الحرب الأهلية، وأدت إلى سقوط عشرات الآلاف من العراقيين، بما يفوق بكثير ما سقط من جنود الاحتلال الأميركي.

نقاط كثيرة تسجّل لأداء المعارضة السورية إلى الآن. فطرحها السياسي وأسلوب عملها يختلفان عن الوسائل التي لجأت إليها المعارضة الليبية حديثاً، ومن قبلها المعارضة العراقية، وإن كانت الأهداف في الحالات الثلاث كانت هي نفسها، أي قلب الأنظمة في طرابلس وبغداد ودمشق.

في هذا السياق يجب التنويه بالتصريحات الأخيرة لبرهان غليون، عن ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية، وتجنب المواجهات بين المنشقين وعناصر الجيش السوري، وأهمية الحفاظ على الطبيعة السلمية للثورة. هذه التصريحات تدل على حسّ عال بالمسؤولية من جانب مجموعة أساسية في المعارضة، تعرف أن تميز بين النظام والدولة، وبين شخص الزعيم وحرمة الوطن. إنها معارضة تعلن أنها ليست ضد سورية لمجرد أنها ضد النظام الذي تريد إسقاطه. فهي، وبرغم حرصها على اقتلاع هذا النظام، تدرك أن الطريق إلى ذلك لا يكون عبر تدهور سورية إلى الحرب الأهلية، ولا عبر الاتكال على التدخل العسكري الخارجي، الذي يقدّر معظم المعارضة مخاطره على مستقبل سورية وعلى تماسكها الداخلي، كي لا نتحدث عن تهديده لأمن المنطقة بكاملها. من هنا تتمسك المعارضة السورية بعدم تمثّل النموذج العراقي أو الليبي سبيلاً لإسقاط نظام بشار الأسد.

هكذا نجد أمامنا هذه المفارقة، حيث النظام الذي يتهم المعارضين بطلب الحماية الخارجية هو الذي يستقوي عليهم بالفيتو الروسي والصيني، فيما المعارضة التي تلتقي أهدافها في إقامة نظام ديموقراطي في دمشق مع الدول الغربية، تعلن رفضها العلني للتدخل الغربي المسلح في سورية، على غرار ما حصل في ليبيا والعراق. وتقتصر حملتها الخارجية على مطالبة هذه الدول بالبحث عن طريقة يمكن بها وقف آلة القتل عن حصاد أرواح المدنيين، والعمل على اسقاط النظام بأقل الخسائر على وحدة البلد.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الثورة السورية والمصلحة الإسرائيلية .. بشار حيدر*

الثلاثاء, 13 ديسيمبر 2011

الحياة

هناك مسلّمة حان الوقت للتشكيك فيها. تقول هذه المسلّمة إن من غير الممكن أن يحصل أي تقاطع حقيقي بين مصلحة إسرائيل ومصلحة أي من الشعوب العربية. انطلاقاً من هذه المسلّمة يحاجج أنصار حزب الله قائلين: بما أن إضعاف حزب الله هو مصلحة إسرائيلية باعتبار أن قوة هذا الحزب العسكرية، وعلى رأسها ترسانته الصاروخية، شكلت وما زالت تشكل تهديداً جدياً لأمن إسرائيل وما يصب في مصلحة إسرائيل، فلا بد، بحسب المسلمة السالفة الذكر، أن يتعارض هذا الإضعاف مع مصلحة شعوب المنطقة. وبما أن إسقاط النظام السوري سيضعف حزب الله فإن إسقاطه يتفق، بالتالي، مع مصلحة إسرائيل ولا يخدم، من ثم، مصلحة أي من شعوب المنطقة.

غالباً ما يرد المؤيدون للثورة في سورية على الحجة الآنفة الذكر بالقول إن استمرار النظام السوري الحالي هو ما يخدم مصلحة إسرائيل. فهو نظام منع قيام أي عمل عسكري من أراضيه باتجاه الجولان المحتل منذ عقود، ولم يسعَ بأي شكل جدي لاستعادة أرضه المحتلة هناك. وفي هذا طبعاً كل المصلحة لإسرائيل.

يجيب أنصار النظام السوري على هذه الحجة بالإصرار على أن عدم فتح جبهة الجولان لا يلغي كون النظام في سورية جزءاً أساسياً في دعم جبهة الجنوب اللبناني وجعلها مصدر قلق حقيقي للإسرائيليين. ويضيف هؤلاء أن عدم مواجهة النظام السوري إسرائيلَ على جبهة الجولان لا يعني أنه لا يواجهها بقوة على جبهات غيرها.

من جهة أخرى يرفض بعض مؤيدي الثورة في سورية مقولة إن إسقاط النظام السوري سيضعف قوى المقاومة كحزب الله وحماس. ويعتقد هؤلاء أن الشعب السوري يقف إلى جانب خيارات المقاومة، وبالتالي فهو سيستمر في دعم هذه الخيارات في ظل نظام ديموقراطي. طبعاً، يجد أصحاب هذه الحجة حرجاً ومشكلة في تبرير أو تفسير موقف حزب الله الثابت والواضح في تأييده للنظام السوري. لكن وعلى رغم كل هذا الخلاف، هناك أمر يتفق عليه مؤيدو الثورة السورية ومعارضوها وهو قبول المسلّمة موضوع المقال. فالجميع متفق على أن ما يفيد اسرائيل لا يمكن أن يفيد الشعب السوري. لكنهم يختلفون حول ما إذا كان سقوط النظام في سورية سيفيد إسرائيل أم لا. لكنّ هناك رفضاً شبه مطلق لإمكانية تلاقي مصلحة إسرائيلية ما مع مصلحة الشعب السوري.

ما الذي يبرّر هذا الرفض المطلق لاحتمال التقاء المصالح تلك؟ يمكننا بلا شك تخيل تلاق كهذا عندما يتعلق الأمر بالكوارث الطبيعية مثلاً. فحدوث زلزال مدمر على امتداد الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط من اللاذقية إلى تل أبيب لن يكون في مصلحة إسرائيل كما أنه لن يكون في مصلحة سورية ولبنان أيضاً. لذا، ليس هناك ما يمنع في شكل مطلق التقاء المصالح بيننا وبين الإسرائيليين. هذا صحيح على الأقل في ما يتعلق بالكوارث الطبيعية. لكن الذي يجعل هذا التلاقي ممكناً في الأمور الطبيعية قد يجعله ممكناً أيضاً في الأمور البشرية. فعلى سبيل المثال قد لا يسعد الإسرائيليون لبروز قوى سلفية جهادية في مصر أو سورية تدعو لمحاربة الكفار واليهود. لكن هذا لا يعني أنه يجب أن نسعد نحن لبروز هكذا قوى. ليس كل ما يضر الإسرائيليين يفيدنا (أو حتى يفيد الفلسطينيين) بالضرورة. وليس كل ما يفيدنا يضرهم بالضرورة.

لذا، ليس من المستحيل أن يكون في سقوط النظام السوري مصلحة لإسرائيل ومصلحة أيضاً للشعب السوري. كما أن ليس من المستحيل أن يكون في نهاية حزب الله كمنظمة عسكرية مصلحة إسرائيلية ولبنانية (وربما شيعية) أيضاً. فقوة حزب الله قد تشكل مصدر قلق لإسرائيل. لكن هذا لا يحول دون أن تشكل هذه القوة، بفعل حصريتها الطائفية، عاملاً تفتيتياً ومصدر شرخ خطير بين السنّة والشّيعة في لبنان.

من المهم التأكيد أنه لا يعنيني الانحياز هنا إلى الذين يدّعون أن سقوط النظام في سورية يخدم مصلحة إسرائيل أو الانحياز إلى الذين يدّعون عكس ذلك. جل ما أريد قوله إنه حتى لو كان سقوط النظام في سورية يخدم المصلحة الإسرائيلية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه لا يخدم مصلحة الشعب السوري. فيجب، بالتالي، على ناشطي أو مؤيدي الثورة في سورية ألا يشعروا بالحرج أو الإرباك أمام احتمال استفادة إسرائيل من سقوط النظام. فاستفادة من هذا النوع لا تلغي استفادة الشعب السوري أيضاً من هذا السقوط.

الرفض المطلق لاحتمال التقاء المصالح يستند ربما إلى فرضية أن علاقة العداء هي من نوع الألعاب التنافسية التي تكون محصلة الربح والخسارة لمجموع لاعبيها دائماً صفراً (a zero-sum game) حيث من غير الممكن أن يستفيد أحد من طرفي العلاقة من دون أن يتضرر الآخر. لكن ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد أن علاقات العداء هي من هذا النوع. الذين يتصرفون على أنها كذلك يحوّلون عداءهم إلى حالة هوس مرَضي حيث لا قيمة لأي شيء إلا بمقدار ما يؤذي العدو. وحالة العداء الهوسي هذه تسيطر على مخيلة الكثيرين عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فيما هذا الهوس يُخضع أصحابه لابتزاز رخيص من قبل كل من يقدّم نفسه كمصدر أذى لإسرائيل.

* كاتب وجامعي لبناني

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مذبحة الأطفال  .. مجاهد مأمون ديرانية

يوم حزين جديد من أيام ثورة الحرية والكرامة في بلاد الشام، يوم الأطفال. تسعة من أطفال سوريا الذين شهدوا شروقَ شمس يوم الجمعة لم يشهدوا غروبَها؛ لقد غادروا دنيانا قبل أن يغادر قرصُ الشمس سماءها في ذلك اليوم الحزين.

تسعة أطفال في يوم واحد، ستة صبيان وثلاث بنات، اغتالهم المجرمون الجبناء برصاصات غادرة وهم بين نائم في بيته وخارج من مسجده وراكب في سيارة أهله. تسعة أطفال لم يَجْترحوا ذنباً ولا اقترفوا خطيئة، ولا بلغوا في السن مبلغ اجتراح الذنوب واقتراف الخطيئات، إلا أنهم وُلدوا في زمن سطت فيه على بلادهم عصابةٌ من المجرمين واللصوص وقطّاع الطرق، عصابة من قَتَلة الأطفال.

إن طفلاً واحداً يَألَم أو يُكلَم يهزم قوة قلبي ويسفح دمع عيني مدراراً، فكيف بتسعة؟ تسعة أطفال يُصرَعون في يوم واحد؟ تسعة أطفال يُحصَدون برصاص الغدر الجبان، كالطير يصطاده اللاهون فيسّاقط من جو السماء، أو كالزهر يقصفه العابثون ثم يسفحونه على الأرض، لا لغرض إلا لتزجية الوقت وإرواء غريزة القتل والقطع والإيذاء.

إن طفلاً واحداً اخترقت رأسَه رصاصةٌ مجرمة فانكبّت عليه أمه المفجوعة تبكيه وتودعه الوداع الأخير، طفلاً كان في لحظة ملء الدنيا نشاطاً وحماسة ثم هوى وذوى في لحظة بعدها، إن طفلاً واحداً من هؤلاء يكفي لتوزيع الأحزان على الأمة كلها، فكيف بتسعة في يوم واحد؟

إن القَتَلة في الناس كثير، أولئك نسمّيهم مجرمين ونقتصّ منهم القصاص العادل، النفس بالنفس، أما الذين يقتلون الأطفال فماذا نسميهم؟ أقسم إن القتلة والمجرمين لَيخجلون من الذين يقتلون الأطفال ويتبرؤون منهم ويشمئزون من أفعالهم.

ليس شجاعاً من يقتل غيلةً من وراء منظار بندقية، هذه فرغنا منها من زمن، وليس شجاعاً من يقتل إنساناً أعزل، هذه أيضاً فرغنا منها من زمن. ولكن ماذا نقول فيمن يقتل غيلةً طفلاً بريئاً أعزل؟ وماذا نقول قبل ذلك فيمن يعذب طفلاً صغيراً حتى الموت، يخلع أظافره ويقلع أسنانه ويقطع أطرافه، ثم يكسر عنقه؟

أنسمّيه وحشاً؟ الوحوش تتبرأ من هذه الفعلة. أنسميه نذلاً؟ النذالة تخجل أن تُنسَب هذه الجريمة إليها. هل هو خسيس؟ جبان؟ ما هو؟ لا والله لا أجد له في لغتنا وصفاً يليق به ولا في غيرها من لغات البشر؛ أحسب أن البشر لمّا وضعوا لغاتهم لم يظنوا أنه سيكون منهم من يفعل هذه الموبقات فلم يضعوا له لفظاً يناسبه.

يا أيها القتلة: لقد هممت أن أدعو على أولادكم، ولكن ليس هذا من العدل ولا من شيم المؤمنين، فإنها لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكني سأدعو عليكم بدعوة في الدنيا ودعوة في الآخرة؛ فأما الأولى فأسأل الله أن يقطع نسلكم فلا يرى أحفادُنا أمثالَكم، أو أن يُخرج من أصلابكم من هو عدو لكم، فذلك خير لنا وشر عليكم. وأما الثانية فأسأل الله أن يقذف بكم في قعر جهنم وأن يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، وأن يُشهدنا عذابكم في ذلك اليوم العظيم، فإنها لن تسكن نفوسُنا المضطربة ولن تنطفئ نيران قلوبنا حتى نرى فيكم وعد الله.

يا أيها المجرمون: إنكم اليوم تقتلون أطفالنا ولا تبالون، فأرونا ما تصنعون غداً حينما تَغُلّكم ملائكة العذاب ثم تلقيكم في نيران الجحيم.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

عندما تكثر المبادرات.. ما هو موقفنا ؟.. عقاب يحيى

 نتزاحم كثيراً نحن شعب سورية الذي استفاق على الحرية حديثاً فانهمر فيضاً يملأ الدنيا الواسعة كلاماً، ونقداً، واستعراضات يختلط فيها ويتداخل الحرص والعشق والإيثار والخوف والقلق والبراءة وأول كلمات النطق السياسي مع الرغبة بتراشق الاقتراحات، والنقد والتوصيف والترصيف، وتزاحماً للحصول على (نتفة) من غنيمة موهومة، أو رجل كرسي لم يكتمل بعد، ولا أحد يعرف مقره ومستقره ونهايته..وعلينا فوق ذلك أن نستوعب، ونفهم، ونتحلى بالصدر الرحب.. لأنها مرحلة ثورة، ومرحلة مخاض كبير ينتظر ولادة بمليون عيون، وملايين الأفكار والتشخيصات والتوقعات ..

 قليلة هي النقاشات حسب علمي التي تتناول السياسي الراهن والآفاق والاحتمالات، وأقل منها تلك التي تتفاعل مع جملة من التداولات التي يجري التسويق لها فوق وتحت الطاولات، وبأيدٍ خبيرة واختصاصية، لا تخلو من الخبث والقدرة على التمرير، أو جسّ النبض للتغرير والتفوير ..

اليوم.. وعلى مرأى الدم المراق شلالاً شبابياً غزيراً نحسّ بشيء يطبخ على أكثر من نار، ومن قبل طبّاخين محترفين، وآخرين هواة وأدوات.. والكل يمرر علينا الوقت، ويسعى إلى قطع الطريق على المدى الطبيعي الذي يجب أن تصله الثورة باعتبارها ثورة تغيير جذري، وليست هبة لتغيير وجه بآخر ، أو ممراً للشقلبة والمردغة تجهض الأصيل في الثورة، وتعوّم البازاريين الراكبين على موجها .. والذين يتفتقون معارضة ملتبسة التاريخ والخلفية والهدف ..

اليوم تلهج الألسن التسووية بتسوية "للوضع السوري" تحت شعار : حقن الدماء، وقطع الطريق على التدويل وما يمكن أن ينجرّ عنه.. وتتولى حكومة العراق الموصوفة واجهة التمرير، بينما تساندها عديد الدول، وأولها روسيا الاتحادية، وأطراف عربية أخرى تبحث تحت عنوان" انتقال سلس" من الأحد القاتل، وريث عته الحقد وفيض نهج الدموية، إلى مرحلة انتقالية يتولاها ربما نائب الوريث ضمن تشكيلة نص نص من المعتدلين والوسطيين والمستقلين، وربما من بعض " المعارضين" الذين فصلوا ألبسة معارضتهم أمساً، وعلى مقاس المطلوب، وقد أطلوا برؤوسهم من أمعاء النظام الغليظة والدقيقة، وغيرها.. وكثيرهم يصرخ في بكائية " الحرص" على سورية المهددة بالتدويل..و ....

 ركاب الدبابات الأمريكية البارحة وأدوات المشروع الإيراني المتلاحق يعلنون عن اتصالهم وتواصلهم، ولقاءاتهم بأطراف من المعارضة السورية التي لا يعرف أحد من المعارضة التاريخية والشبانية أية معارضة تلك، وما هو نوعها، وتصنيفها من مدلول المعارضة، وأنهم قطعوا خطوات على طريق بلورة مبادرة .. يكون تصريح الوريث المتلفز، والذي يجري الالتفاف عليه لترقيعه، كنوع من " ممانعة" بمثابة الإشارة إلى قبول الصفحة الأولى في العروض المطروحة ..

 ولأن احتمالات تطور الوضع السوري هي اليوم بيت القصيد.. فإن المعارضة السورية بكل أطيافها الحقيقية، خاصة تلك المنضوية في المجلس الوطني، أو في الحراك الثوري، أو في هيئة التنسيق الوطني.. مطالبة بأن تولي هذه المسألة الأهمية اللازمة بديلاً عن نقاشات كثيرة تبدو خارج النص، حتى وإن جرى النقاش في حلقات ضيّقة استعداداً لأي تطور محتمل، أو صيغة تريد أطراف متعددة طرحها، وربما فرضها على الحالة السورية . وبمعنى واضح : هل يمكن للثورة السورية أن تقبل حلاً وسطاً مثلاً لما يسمى مرحلة انتقالية يتخلى فيها وريث القتل عن منصبه لصالح نائبه، أو أية شخصية أخرى فيما يمكن اعتباره" مصالحة" تفتح الطريق لمرحلة انتقالية ؟؟.. بل هل يمكن قبول الفكرة قبل الدخول في التفاوض عليها؟؟.. وهل هي حقيقية أم مجرد مناورة لمنح نظام الطغمة مزيداً من الوقت للقتل، أو التقاط الأنفاس، أو محاولة تصدير أزمة لأطراف المعارضة الحقيقية، وربما الرهان على تمزيقها، أو بلبلة الحراك الثوري بطعم يبدو ظاهره مغرياً بينما يصعب تبيان خلفياته ومآله ؟؟..

وقبل إصدار المواقف الانفعالية التي درج كثير على البوح بها.. فإن المجلس الوطني مطالب، ضمن هيئاته المعنية، المختصة بأن يدرس الحالة السورية في جلسات مغلقة يناقش فيها شتى الاحتمالات ويضع أجوبته ورؤاه وتكتيكه(بالتنسيق مع الحراك الثوري) كي يقدر على التعامل مع كل المستجدات بروحية الفريق وليس كما هو حاله حتى الآن .

 المجلس الوطني، وانعقاد هيئته العامة على الأبواب، مطالب أن ينتقل إلى المأسسة، وتفعيل اللجان المختصة، وحشد الإمكانات المتنوعة فيه باتجاه القضايا الرئيس، ضمن برنامج واضح ترتسم فيه الخطوط التفصيلية للمرحلة، ووحدة الخطاب الإعلامي والسياسي، وحتى التحركات الخارجية التي تبدو اليوم وكأنها التعويض عن حال الإمساك بالأساسي من المهام، ومن الاهتمام بالبيت الداخلي قاعدة ومنطلقاً للتالي من المهام .

وبالوقت نفسه على الحراك الثوري أن يكثف الجهود باتجاهين : اتجاه توحيد الأداة، وأقلها : توحيد الخطاب والجهود، وفتح نقاشات واضحة داخلة حول الاحتمالات المطروحة، وتعميق السياسي فيه لأنه معني به، ومطالب بأن يحدد مواقفاً صريحة في مسائل كثيرة يفرزها تطور الثورة السورية، والموج المحيط بها ..

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بشار الأسد وضميره!! .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

في مقابلة تليفزيونية مع شبكة (ABC) الأمريكية نفى بشار الأسد مسئوليته عن مقتل نحو خمسة آلاف سوري واعتقال وتشريد عشرات الآلاف الآخرين، وعلل ذلك بأنه مجرد رئيس لسوريا وليس مسئولا عن أجهزتها الأمنية!! وقال: إنه مرتاح الضمير، ولا يشعر بالذنب تجاه آلاف الأرواح التي أزهقها هو ونظامه، وأضاف: أنه غير مقتنع بالأمم المتحدة، وأنها مجرد لعبة يلعبها ولا يؤمن بها!!

 

وإذا كان هذا هو رأي بشار في الأمم المتحدة، فمؤكد أن رأيه ورأي نظامه في الجامعة العربية سيكون أكثر استخفافا وسخرية!! ولعلنا نفهم الآن سر تلاعب النظام السوري بقرارات وزراء الخارجية العرب، وتعامله المهين مع (المهل العربية) فهو يراها مجرد كلام فارغ وجعجعة بلا طحن؛ وبالتالي فلا غرابة أن يرتكب بشار ونظامه بضمير مرتاح كل هذه الجرائم المتوحشة والمجازر البشعة يوميا بحق الشعب السوري الأعزل، فهو يأمن العقاب وطبيعي جدا أن يسيء الأدب، ولسان حاله يقول: شعبي وأنا حر فيه، وأعلى ما في خيلكم يا عرب اركبوه!!

 

والغريب أن هناك من بين الزعماء والسياسيين العرب من لا يزال يأمل أن يستجيب نظام البعث السوري لخطة جامعة الدول العربية لحل الأزمة السورية عربيا بأقل الخسائر الممكنة، ويتأكد كل يوم للجميع أن هذه مجرد أوهام، وأن النظام الطائفي في سوريا أسقط العرب وجامعتهم من حساباته نهائيا وأن له حساباته الخاصة التي تراهن على مواقف أطراف دولية تدعمه بقوة كروسيا وإيران.

 

وقد ذهب الكاتب البريطاني (ديفد هيرست) بصحيفة الجارديان إلى أن الدعم الروسي للنظام السوري دعم استراتيجي، ودلل على ذلك بمجمل المواقف الروسية من الأزمة السورية كمعارضة وزير خارجية روسيا فرض حظر على بيع الأسلحة لسوريا، مبررا ذلك بأن الجماعات المسلحة هي التي تستفز السلطات السورية، وذكرت قناة (روسيا اليوم) أن موسكو سترسل حاملة الطائرات أدميرال كوزنيتسوف، ترافقها سفينتان حربيتان في جولة لمدة شهرين بالبحر الأبيض المتوسط، وستتوقف في ميناء طرطوس السوري.

ولا يخفى على أحد أن روسيا لا يهمها في النهاية سوى مصالحها الاقتصادية والسياسية الكبيرة مع النظام السوري، وقد ذكرت صحيفة (موسكو تايمز) أن الاستثمارات الروسية في البنية التحتية والطاقة والسياحة السورية بلغت (19.4) مليار دولار عام 2009م، وهناك عقود مبرمة بين الجانبين بصفقة سلاح روسي لسوريا قيمتها أربعة مليارات دولار، وتتحدث الأنباء عن نحو (600) خبير وفني روسي يعملون حاليا لتجديد ميناء طرطوس السوري لاستخدامه كقاعدة للسفن الروسية.

 

كل هذا الدعم الروسي جعل بشار الأسد يظن أن موقف روسيا مع نظامه موقف استراتيجي لن تتراجع عنه، ولن تضحي به، وسبب ذلك في رأيه أنه لا ثمن يمكن تقديمه لروسيا يوازي خسارتها لسوريا؛ فذلك كما يرى يعني خروج روسيا الاتحادية نهائياً من الشرق الأوسط، إضافة لمخاوفها الجيوإستراتيجية من انتقال عدوى الربيع العربي إليها.

 

ويهدد بشار الأسد بإشعال حرب طائفية طاحنة في المنطقة العربية تمتد آثارها المدمرة للعالم أجمع، ويراهن على ضعف الأميركيين في العراق، وإنهاكهم الشديد في أفغانستان، وهو متأكد من عدم حدوث أي تغير جوهري في مواقف أغلب الدول العربية نحو نظامه رغم صدور قرار العقوبات ضده، وهو مقتنع تماما بأن تركيا لا يمكنها أن تتدخل على الأرض في سوريا لأن ذلك سيفتح عليها أبواب الشرور!

 

كل ذلك قطعا من شأنه نظريا أن يسكِّن خواطر الأسد ويعزز من ثقته بمستقبله ومستقبل نظامه، لكن هذا مجرد وهم لن يمكث طويلا، وعلى المعارضة السورية ألا يضعفها هذا الوضع الزائف، فبشار في الحقيقة مرعوب رغم كل ادعاءاته، والخوف والفزع من المصير المحتوم بدأ يدب في أوصاله وأوصال نظامه، ويجمع المحللون على أن ساعته قد اقتربت، فسنة الله ماضية وما جرى على كل الطغاة عبر التاريخ سيجري حتما على بشار الأسد ونظامه القمعي المتوحش، ولن تختلف نهاية طغاة سوريا عن نهاية القذافي ونيكولاي تشاوتشيسكو وغيرهما من الطغاة المستبدين.

وينبغي للمعارضة السورية أن تبعث برسائل الطمأنة لكافة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وأن تسير في أكثر من اتجاه بحثا عن سبل عملية ناجزة لإزاحة هذا النظام الفاسد المستبد عن كاهل السوريين، والشعب السوري البطل أمانة في عنق كل فرد في المجلس الوطني الانتقالي السوري، بل إن الدفاع عن هذا الشعب الأبي أمانة في عنق كل إنسان حر في هذا العالم، وإذا كان بشار الأسد يزعم أنه ينام قرير العين مرتاح الضمير رغم كل هذه الفظائع والجرائم البشعة التي ترتكبها زبانيته يوميا بحق السوريين، ورغم حمامات الدماء النازفة منذ تسعة أشهر، فهذا يدل على انتكاس وارتكاس في الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، ولا غرابة في ذلك فمن يوافق على أن يسجد له الناس من دون الله تعالى لن يشعر بوخز الضمير وهو يرى جثث آلاف الأشخاص من الرجال والنساء والأطفال تتكدس أمام ناظريه، وتتناثر أشلاؤها حوله من كل جانب دون أن تطرف له عين!!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

اعتراف بشار بالجنون عبر «إيه بي سي».!  .. محمد الرشيدي

الرياض

11-12-2011

 من اهم نتائج ثورات الربيع العربي انها على المستوى الاعلامي ولاول مرة نشاهد وبصورة واضحة وجلية ردود الفعل الشعبية المباشرة لحديث رئيس دولة عربي عندما يلتقي وبتضخيم وتلميع مع مذيعة مرموقة كمراسلة شبكة الاخبار الامريكية إيه بي سي باربرا والترز، فالكثير من الزعماء العرب الغائبين والحاضرين كان لهم نصيب اللقاء مع باربرا وحققت لقاءاتهم صدى اعلامياً عالمياً كل حسب مصداقيته ، ولكن لعنة باربرا كانت مدوية وكبيرة جدًا عندما تسببت بلقائها الاخير مع الرئيس السوري بشار الاسد باطلاق المتظاهرين السوريين على رئيسهم صفة الجنون بشكل رسمي وواصلوا الى ما هو ابعد واشنع من ذلك بترديدهم وعبر لافتات مكتوبة نقلتها الفضائيات بصورة طريفة :" بعد خطاب بشار يامحلاك يا وليد كنا فاكرين انك ... " ولاداعي هنا لتفسير هذا الشعار المخزي !!

اعتاد بشار وامثاله ان احاديثهم الاعلامية مقدسة ، اكثر من مهرج زاحم الفضاء العربي كان العقيد القذافي وخرج بصورة مأسوية ، بشار ارتكب خطأ كبيراً وغير مهني عندما توقع ان قناة ايه بي سي الامريكية ستكون خير وسيلة ليخرج ويقول وبمحض ارادته اغبى جملة قالها رئيس على مستوى التاريخ ، لو كان بشار ملفوفًا بحبل المشنقة او داخل القفص الحديدي وقال جملته الشهيرة " عندما نفى مسئوليته عن مقتل آلاف المتظاهرين في سوريا ، مؤكدا ان (مجنونا) هو من يصدر امرا باطلاق النار على شعبه " لعذرناه وقلنا انه في وضع للدفاع عن نفسه ، ولكن بشار في عز عنجهيته وتقتيله اليومي للابرياء يعتبر انه برئ من قتل آلاف المتظاهرين من الشرفاء السوريين ، جميع ما ذكر في المقابلة المخزية في كوم وكلماته في كوم ، وهنا اندهش اكثر للبلادة الاعلامية لاجهزة الاعلام السورية بعد مؤتمر الوزير المعلم الشهير والطريف ، عندما يأتي المتحدث باسم الخارجية السورية ويتهم قناة "ايه بي سي" بتشويه مقابلة الاسد بعمليات مونتاج شوهت مضمون المقابلة ، ولكن هل شوهت ان الاسد اعتبر ان ما قاله بخصوص القتل من الجنون !!

المتظاهر السوري قرأ مقابلة بشار وعلق عليها ولاول مرة بالتاريخ العربي المعاصر بشكل واضح وبدون خوف او تطبيل ، تحولت حرب المتظاهرين مع بشار ومجموعته الى اعلامية عالمية ، ارتكب فيها بشار الاسد واجهزته الاعلامية حماقة تضاف لحماقته في التعامل مع المتظاهرين الشرفاء من ابناء بلده ، كانت تعليقاتهم : (اذا كنت مجنون او لا تدري ..ارحل )،(القائد العام للجيش والامين القري للحزب ، ... ليس مسئولا عن شيء ..عفوا بالخطأ صار رئيس جمهورية )، ( الاسد فقد العقل ..فكيف نقبل برئيس مجنون ) تعليقات عديدة وطريفة احصتها الشرق الاوسط تدل على الحال المأسوية لما تمر به سوريا وتضيف زلات لسان متكررة لبشار الاسد وعدم درايته بالتعامل الاعلامي عندما تعيدنا الذاكرة لتصريحه الغبي في يوم من الايام اتجاه بعض القادة العرب.

لعنة مراسلة شبكة الاخبار الامريكية إيه بي سي باربرا والترز اصابت بشار الاسد وحكومته " بمقتل" وكشفت جوانب اخرى للواقع السوري المحزن ، بعد ان فشلت الآلة الاعلامية السورية التقليدية في الدفاع عن جرائم الانسانية التي ترتكب بالقطر السوري وخصوصا في حمص والريف السوري وما نشاهده من تقارير ولقاءات مخجلة على سبيل المثال على قناة رخيصة اعلامية قناة " الدنيا" إلا دليل على حالة الغليان والتخبط الحاصل امام بطولات الشرفاء وبلافتات بسيطة ودون سلاح ، سقط إذًا بشار في فخ الاعلام الصادق وسقط عندما ينظر ابناء بلده الى " مجنون" وبلسانه هو..!!

*-*-*-*-*-*-*-*-

غربة قتلة الأطفال  .. علي حماده

النهار

12-12-20111

..."نحن لا نقتل شعبنا. ليس من حكومة في العالم تقتل شعبها، الا اذا كانت تحت قيادة شخص مجنون". هذا الكلام السوريالي هو لبشار الاسد ادلى به في مقابلته الاخيرة مع شبكة "سي بي أس نيوز". فبعد قتل اكثر من خمسة آلاف مواطن بينهم مئات الاطفال والنساء، وبعد جرح ما يزيد على مئة الف شخص، واعتقال ما بين خمسة عشر الفا الى عشرين الفا، وبعد تدمير ممتلكات في عشرات المدن والقرى، وبعد تسعة اشهر على بدء حرب شاملة ضد شعب سوريا الاعزل يكتشف بشار الاسد ان المجنون وحده يقتل شعبه!

عجيب أمر الطغاة، يعيشون حتى في لحظات السقوط المريع في فصام حقيقي عن الواقع، ولا يرون جرائمهم، ولا يرون انه يمكن في الدنيا ان يكون هناك من يكرههم. هكذا كان القذافي الذي اغرق الدنيا بالخطب عن الملايين الذي كانوا يحبونه. وهكذا هو بشار الاسد الذي قال في 30 كانون الثاني الفائت في مقابلته الاخيرة ل"الوول ستريت جورنال" قبل اشتعال الثورة ضد نظامه ببضعة اسابيع ان الشعب السوري لا يمكن ان ينتفض ضده لأنه (أي الاسد) قريب من طموحات شعبه ورغباته! وفي مقابلة اخرى ضمن تحقيق اجرته قناة فرنسية خلال 2010 قال انه يتجول من دون حراسة، ولا يخاف لأن شعبه يحبه!

عجيب امر الطغاة، يمضون سنوات الحكم والتسلط في غربة تامة عما يدور حولهم، و يتوهمون ان الخوف والمحبة سيان. يغرقون في بحر من الاوهام يغذيها محيطهم: يقال لهم ان الشعب يحبكم، والشعب يريدكم مدى الحياة، ومن بعدكم يريد ذريتكم الى ما شاء الله. هكذا تهيأ للقذافي، وهكذا تهيأ لحافظ الاسد بالرغم من انه كان متشككا في الناس الى حد التطيّر، وهكذا يتهيأ لابنه الذي ورث ملكا في سوريا ولبنان، فأضاعه في البلدين. في لبنان ظن ان الناس لن يقولوا له اخرج، فقالوا له اخرج حتى قبل ان يقتل وحلفاءه رفيق الحريري. وفي سوريا خيل له انه ورث عبيدا يقيمون على ارض اسمها "سوريا الاسد"، فقام صبية في درعا وكتبوا على جدران المدرسة "الشعب يريد اسقاط النظام"، فاقتلع أظفارهم واشعل النار في البلاد!

عجيب أمر الطغاة، وعجيب اكثر امر صغارهم. هم اعجز من ان يفهموا حركة الشعوب، واعجز من ان يفهموا حركة التاريخ ومنطقه. عجيب امرهم لأنهم يرفضون رؤية الحقائق الساطعة.

في هذه الايام اتذكر زميلا كبيرا غادرنا قبل اشهر: سهيل عبود الذي وصف لي في نهاية شهر آذار الماضي، اي في الاسبوع الثاني من انطلاق الثورة السورية وضع بشار، وقال: "لقد ارتفعت الموجة وانقلبت، وكيفما تصرف بشار سيخسر. ان مال معها اخذته، وان وقف بوجهها جرفته! اضاف سهيل مستشرفا سلوكيات النظام: كلما أتوا بحركة انقلبت ضدهم. ان بشار أضعف من ان يوقف حركة التاريخ". ويخلص قائلا: "انتهى النظام!".

ان من يشاهد مقابلة الاسد الابن الاخيرة يكتشف ان "قاتل الاطفال" انما يعيش على كوكب آخر!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الغرب مع ثورة سوريا... لكنه غير مستعجل؟  .. سركيس نعوم

النهار

12-12-20111

يبدو ان توصل أي من الدول المتأثرة سلباً أو ايجاباً بالولايات المتحدة الى تقويمات نهائية لكل ما يتعلق باستراتيجياتها والسياسات التطبيقية لها سيكون صعباً في المرحلة الحالية استناداً الى متابع اميركي مزمن لأوضاع بلاده ولسياساتها في بلاد العرب والمسلمين. ويعزو هؤلاء ذلك الى دخول اميركا مرحلة الاعداد الجدي للانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تجري في خريف السنة 2012 والتي سيحاول بواسطتها الرئيس الحالي باراك اوباما تجديد ولايته. وفي مرحلة كهذه، تتجمد سياسات وقرارات ومواقف، ولا سيما منها التي قد تؤثر سلباً على حظوظه التجديدية. انطلاقاً من ذلك، يقول هؤلاء ان اعادة انتخاب اوباما مع خسارته مجلسي الكونغرس ستقيّد حركته السياسية، وتعطل بعض مشروعاته الداخلية وسياساته الخارجية. ويقولون ايضاً ان فوز منافسه بالرئاسة وحزبه الجمهوري بالغالبية في المجلسين المذكورين سيفتح الباب واسعاً أمام المغامرة. ويقولون ثالثاً انه في انتظار اختيار كل من الحزبين المتنافسين الجمهوري والديموقراطي مرشحه رسمياً ستبقى التوقعات الانتخابية متعذرة. ويقولون رابعاً ان الحزبين يضعفان شعبياً وان عدد المنتسبين اليهما يتقلص في استمرار. ويقولون خامساً ان المستقلين عنهما يزداد عددهم، لكن أحداً، بما في ذلك مؤسسات الاستطلاع المحترفة، لا يعرف لمن سيصوتون. علماً ان في واشنطن من يعتقد انهم سيحاولون التخلص من المتربعين على كراسي الادارة الحاكمة.

في ضوء الواقع الرسمي الاميركي المشروح اعلاه كيف ستتصرف الادارة الاميركية الحالية حيال نظام آل الأسد في سوريا الذي يواجه ثورة شعبية متصاعدة تطالب بإسقاطه وبإقامة نظام ديموقراطي مكانه؟ بل كيف ستنفذ وعودها ووعود حلفائها الاوروبيين والعرب والأتراك بحماية الشعب السوري من قمع حاكمه؟

تعتقد الادارة، ودائماً استناداً الى المتابع الاميركي نفسه، ان نظام آل الاسد ليس له مصلحة في الورطة الراهنة بل المأزق (الصراع مع شعبه)، لأنه لا بد ان يخلق فراغاً يغري قوة اقليمية، أو دولية بملئه، ولأنه في الوقت نفسه يُشرِّع الأبواب أمام تدويل الازمة السورية. وفي محاولة لإيجاد الحلول الناجعة لها، تركت اميركا القيادة هنا لفرنسا لأنها خبيرة في تاريخ سوريا، وتعرف جيداً بل اكثر من الآخرين "الشعب" الذي ينتمي اليه الرئيس الأسد، ولأن بعضاً منه يقيم في فرنسا من زمان. وفي المجال نفسه، طلبت اميركا من فرنسا الاهتمام بالعناصر العسكرية السورية المنشقّة وتأمين احتياجاتهم وذلك استعداداً ليوم يصبح فيه تدخلهم في المواجهة مع النظام حتمياً. وفي الانتطار، تتبنى أميركا، وبدعم من تركيا الاسلامية، سياسة الخيارات الديبلوماسية والخيارات العسكرية اذا فشلت الأولى على ان تنفذها دول أخرى.

في اختصار، يتابع المتابع الاميركي المزمن نفسه لسياسات بلاده في بلاد العرب والمسلمين، يبدو ان المعنيين والمتعاطين مباشرة بالأزمة السورية مقتنعون أولاً، بأن الرئيس الأسد ونظامه لا يستطيعان الربح. وثانياً، بأن الاسد يعرف ذلك ولهذا السبب فانه يريد حرباً أهلية تقود إلى "كنتنة" ما، أو الى لامركزية واسعة، أو الى تشرذم وتالياً تقسيم. وقد يُسهِّل ذلك انقسام الشعب السوري اثنياً ودينياً ومذهبياً. انطلاقاً من ذلك، يقول هؤلاء، تميل جهات عدة الى الاعتقاد ان انفجار سوريا أي تقسيمها سيكون في مصلحة اميركا ودول اخرى، ربما باستثناء ايران الاسلامية و"حزب الله" وبدرجة أقل روسيا الاتحادية والصين الشعبية. اما التحالف المعادي للنظام ورأسه بشار، الداخلي منه والخارجي، فقد قرر ترك الوضع يتطور على النحو الجاري حالياً اقتناعاً منه بأن النظام سينهار في النهاية. ولا يبدو ان حصول "الاخوان المسلمين" في مصر على الزعامة الشعبية والنيابية عبر انتخابات حرة للمرة الأولى منذ خمسة أو ستة عقود يقلق أو يخيف التحالف المعادي لبشار ونظامه، وخصوصاً اذا حقق "اخوان" سوريا واسلاميوها نتيجة مماثلة مستقبلاً في أي انتخابات تشريعية حرة. طبعاً قد يبدو هذا التقويم لاستراتيجيا اميركا اوباما السورية وسياستها التطبيقية ايجابياً. وهو كذلك حقيقة لكن في نهايته. لأن تطبيقه لا يبدو انه سيكون على نار حامية، ولأنه على "الفرج" ان ينتظر تصاعد الثورة السورية، والخيارات العسكرية في حال صارت ملحّة، واللاعلاقة مع ايران، والانتخابات الرئاسية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لو كنت سورياً لهتفت ضد «العربي»!  .. رجا طلب

الرأي الاردنية

12-12-20111

لا اعلم ماذا تنتظر جامعة الدول العربية حيال كل تلك المجازر التي ترتكب يوميا في سوريا منذ تسعة اشهر، ماذا يمكننا ان نسمى سلوك الجامعة العربية وامينها العام نبيل العربي؟ هل هذا الصبر المقيت والقاتل هو تجاهل ام ضعف ام تواطؤ؟ ام هو مزيج من كل ما سبق؟، الجامعة العربية انتبهت لتلك المجازر بعد خمسة شهور من القتل اليومي، وتحركت لاتخاذ خطوات يمكن تسميتها بالعقابية للنظام بعد 8 شهور، وها هي بعد اقل من شهر على ما يفترض البدء بتطبيق العقوبات يتبرع الامين العام للجامعة وبكل برود اعصاب ليعطى وعدا للنظام انه وفي حال توقيعه بروتوكول المراقبين فان العقوبات ستتوقف (وهو تصريح يعطى انطباعا وكان هذه العقوبات لها سنوات وكانت مؤذية وقاسية)، لا اعلم اي منطق هذا الذي تتحدث به الجامعة وامينها العام؟؟ أليس من المفترض ان توافق سوريا على البرتوكول دون اية جوائز او مكافآت؟ أليس من المفترض مساومة النظام على وقف القتل مقابل وقف العقوبات؟ وانه وبعد تأكد المراقبين من ان النظام اوقف القتل يصار بعدها الى رفع العقوبات؟ لكن من الواضح ان الامين العام ومعه بعض الاطراف العربية يديرون الملف السوري بطريقة تخدم النظام في كسب الوقت، خاصة بعدما تيقن العالم اجمع من ان النظام يكذب على العالم، وتحديدا بعد المقابلة المضحكة - المبكية للرئيس الاسد مع محطة اية بي سي الاميركية والتى نفى فيها انه او النظام يقتلون المدنيين العزل، في اجرأ عملية خداع للذات يمكن ان يمارسها انسان!

لا افهم كيف يثق نبيل العربي بنظام يقول رئيسه انه ليس مسؤولا عن قتل الناس في مدن وارياف سوريا منذ تسعة شهور وانه ليس مسؤولا عن الذين يقومون باعمال القتل عندما قال بالحرف (أنا رئيس ولست مالكا للبلاد، إذا هي ليست قواتي )، وعندما قال ان قواته لا تقتل مدنيين متظاهرين بل تقتل ارهابيين مسلحين، في رغبة واضحة لتجاهل كل الوقائع ودفنها وتجاوزها وهو كلام لا يقال الا لمتحدث ومسؤول في حالة من الانفصال الكامل عن الواقع او لراغب في عدم الاعتراف به.

كان من واجب الامين العام ان يقوم هو بالرد على هذه الاقوال لان في تصريحات الرئيس الاسد تكذيب للجامعة وتقاريرها ومواقفها المعلنة، وحتى عندما تحدث الرئيس الاسد عن العقوبات تحدث عنها « بازدراء « وقال انها لن تؤثر على سوريا، وفوق كل هذا تستمر الة القتل يوميا في قتل العشرات من السوريين العزل، ونجد ان نبيل العربي يبيع الوقت للنظام ويقبل بمسرحية المراقبين التى تذكرنا بمتاهة المراقبين في العراق زمن صدام حسين والذين لعب بهم ذلك النظام « كرة القدم « وهو يدخلهم من باب ويخرجهم من باب دون اي نتيجة تذكر ولعدة سنوات، ومثل هذه الألاعيب هي تخصص البعث في البلدين وعلامة تجارية فارقة له.

المطلوب من نبيل العربي الاعتذار من الشعب السوري على كل هذا الوقت الذي سلفه للنظام، والاسراع في تحديد سقف زمني لا يزيد عن 3 ايام ليس لتوقيع بروتوكول المراقبين بل لوقف القتل فورا والا فان العقوبات ستتضاعف والعمل عربيا على نقل الملف السوري الى مجلس الامن، وعدا ذلك فان النظام لا يكترث بشيء، تماما مثلما قال الاسد خلال لقائه مؤخرا بوفد درزي لبناني (شو بدهم يعملوا» لا يستطيعون فعل أي شيء، وكل ما يجري مؤامرة خارجية،...وان لا أحد يستطيع محاصرة سوريا، هم بقراراتهم يحاصرون أنفسهم..، فماذا سيفعلون؟ لا أحد قادر على محاصرة سورية).

هل تريد يا نبيل العربي اعطاء النظام ورئيسه مهلة بعد كل هذا الوضوح في الازدراء من الجامعة وعقوباتها؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«الإشاعات» في سورية كوسيلة للسيطرة .. إياد شربجي*

الإثنين, 12 ديسيمبر 2011

الحياة

في ظل التضييق الكبير على مصادر المعلومات، والخنق المقصود لوسائل الإعلام، وتكريس بديل إعلامي عنها أقل وثوقية ومهنية كال «فايسبوك» و «التويتر»، ومع الاستخدام المفرط للعنف من جانب النظام، وما يسببه من استثارة للعواطف، وتغليب للغريزة على العقل، وللرغبة على المنطق، تنشأ أرضية مهيّئة وممهدة تماماً، ووضع مثالي لبثّ الإشاعات وانتشارها وتداولها بأوسع نطاق بين العامة.

من المعروف تاريخياً أن الإشاعات (الشائعات بالفصحى) كانت دوماً وسيلة تتبعها الأنظمة السياسية - لا سيما البوليسية منها - لتمارس سيطرتها على الرأي العام، ولتنشر منظومة قيم وقناعات وأمزجة معيّنة تمكّنها من التلاعب بمزاج المجتمع وتوجيهه وفق ما تريد.

ولعل النظام السوري من أكثر الأمثلة الحية إتقاناً وتفنناً في استخدام هذه الوسيلة لإحكام سيطرته على المجتمع. تاريخ هذا النظام مع الإشاعات يعود إلى بداية ظهور حزب البعث كلاعب سياسي، لا سيما بعد 8 آذار (مارس) 1963. فالحزب الذي تآمر على دولة الوحدة مع مصر هو من اتخذ الوحدة أول هدف في شعاره، ومن سجن وقتل آلاف المطالبين ب «الحرية» سمّاها له هدفاً ثانياً، ومن أنشأ منظومة فساد ولصوصية - سرقت فيها قلةٌ أموال الكثرة - كانت الاشتراكية هدفه الثالث في شعاره الأممي الإنساني الكبير!

خلال تحقيقه كل ذلك، كانت أجهزة الاستخبارات تتكفل بصناعة وبثّ سيول من الإشاعات لخداع الناس، والتغطية على القضايا الكبرى، حافظ الأسد جوّع السوريين وألهاهم بربطة الخبز وتنكة السمنة في الثمانينات (بالصدفة) بعدما ثارت عليه حماة وحلب ودمشق، وعلى رغم ذلك ما زال كثيرون من السوريين يعتقدون حتى اليوم أن سبب ذلك التجويع إنما كان حصار ريغان وأميركا لسورية بعد مواجهتها أطماع إسرائيل في لبنان عام 1982. ولا ننسى هنا التيارات الشعبية اليسارية التي نشأت حينها في البلاد معلنة نضالها ضد الإمبريالية الأميركية، وصالت وجالت وهتفت وأزغبت وهي تظنّ نفسها فطنة، بينما كان تجار التهريب من النظام يكدّسون ملايينهم وهم يضحكون من المناضلين ومعاداتهم المزعومة للإمبريالية... الإمبريالية ذاتها التي لم يتوقّف الأسد الأب عن اللعب معها تحت الطاولة، فأعلن وفاة جبهة الجولان بدايةً، ثم شاركها حربها على العراق، وقاسمها سلة البيض (لبنان)... كل ذلك كان يحدث بينما نحن نصفق للقائد الرمز الذي واجه بمفرده وحنكته قوى التكبّر العالمي، وخلّصنا من عصابات الإخوان المسلمين العميلة، «العصابات» التي بفعل قناعاتنا التي بناها النظام نفسه من تكرار الكذب والإشاعات (الوبلزية) لا نزال نرتعد خوفاً من عودتها إلى سورية.

المشهد نفسه يتكرر اليوم في دولة الأسد الإبن، بالمفردات ذاتها، والأسلوب ذاته وعبر الشخوص نفسهم؛ ضباط الأمن أولئك الذين ما زالت عقولهم تعيش تجربة الثمانينات «الناجحة» في السيطرة على المجتمع. فتارة يبثّون إشاعة توحي بأن بشار يريد حل الأزمة في شكل سلمي لكن من حوله يرفضون، في استحضار لتجربة حافظ الأسد وأخيه رفعت، حيث خرج الأول ليعتذر إلى السوريين وكأن ما حدث حدث بغير علمه وموافقته، وتارة أخرى تنتشر إشاعة تتهم حكومة ناجي عطري المقالة بأنها سبب كل مصائب البلاد وسبب الغليان الشعبي، وثالثة أخطر تدعي أن السنّة يقتلون العلويين في حمص، ورابعة تقول إنه تم ضبط أسلحة إسرائيلية في بانياس... وخامسة وسادسة... وألف

هذا غيض من فيض مما نسمعه يومياً، ومما يراد لنا أن نتداوله، وعندما يتم التداول بالطريقة المعتادة ذاتها، فإن مصدر الخبر سيضيع في النهاية، ومع تكرار مرددي الإشاعة يمنةً ويسرة، ستتشكل لدى كثيرين قناعة بأنها صحيحة، ولعل هذا تحديداً ما يعتمد عليه النظام السوري لضمان استمرار خديعة مريديه... أولئك الذين لا يزالون يعتقدون حتى اللحظة بالمؤامرة الكونية، ومجسمات الجزيرة، و«أموال بندر والحريري»، والتي تهدف كلها لتدمير نظام الممانعة!

* كاتب وصحافي سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الأسد إذ يتبرأ من المسؤولية...إنجو سعد فقد هلك سعيد .. عريب الرنتاوي

تبرّأ الرئيس السوري بشار الأسد من المسؤولية عمّا تفعله قواته...هو لا يملك سوريا ولا يملك جيشها، لذا فالقوات التي تعيث قتلاً وتنكيلاً، ليست قواته....تصريح دفع إلى صدارة الذاكرة بعبارة: إنجو سعد فقد هلك سعيد؟!

 

لا أدري ما الذي حدا برئيس دولة، هو في الوقت ذاته، القائد الأعلى لجيشها وقواتها المسلحة، والأمين العام لحزبها الحاكم، قائد الدولة والمجتمع، وفقاً للمادة الثامنة من الدستور...لا أدري ما الذي حدا به للتنصل من المسؤولية، والإصرار على الظهور بمظهر "آخر من يعلم"...هل أراد الرجل أن يبعث برسالة للعالم بأنه مغلوب على أمره، وأن مقاليد السلطة والقرار موجودة في مكان آخر، وبين أيادي أخرى...أين هو ذاك المكان؟..من هي تلك الأيادي، وهل يظن الرئيس أنه بذلك غسل يديه من دم السوريين؟

 

لا أدري هل هي زلّة لسان من زلّات لسانه العديدة...أم أن الرئيس الشاب وقع في شباك صحفية مخضرمة "باربرا وولترز"، نجحت في استدارجه ودفعته للبوح بما استعصى عليه قوله من قبل؟...هل بات الرجل مسكونا بشبح "لاهاي" ومحكمتها الجنائية الدولية؟...هل قالها الرجل من تلقاء ذاته، أم أن أقواله هذه جاءات استجابة لنصيحة قانونية ربما يكون تلقاها من مستشار أو "مقرب" وفي ذهنه إدارج المقابلة في "ملف القضية" ذات يوم.

 

لا يليق بالرجل الأول في الدولة والحزب الحاكم والجيش، أن يتنصل من المسؤولية عن أعمال قام بها مرؤوسيه، حتى وإن لم يكن على علم بها، أو لم يكن قد أصدر بشأنها أوامر وقرارات...ولا يمكن الركون إلى فرضية "الرئيس الضعيف والمختطف من الحلقة الضيقة التي تحيط به"، باعتبارها طوق نجاة للرئيس ووسيلة للتنصل من المسؤولية والتبعات...هذه ليست من شيم القادة ورجالات الدولة والزعماء.

 

من موقعه على رأس الولاية العامة للدولة، يتحمل الأسد شخصياً وزر ما تشهده البلاد وما يتعرض له العباد من انتهاكات وجرائم...إن لم يكن لأنه أمر بها، فلأنه لم يوقفها عجزاً أو تواطؤاً...وحتى بالأخذ بفرضية "العجز" و"قلة الحيلة"، فالرجل مدان أيضاً، لأنه لم يفكر بخيار الاستقالة من منصبه...وكيف لنا أن نصدق أن الرئيس قوي بما يكفي لإطلاق وقيادة "برنامج الإصلاح" الذي تتحدث عن دوائره، وأنه في الوقت ذاته، ضعيف إلى الحد الذي لا يمكنه فيه أن يصدر أوامر بوقف القتل والتنكيل....لا يمكن أن تكون رئيساً وصاحب قرار في "الغُنم" وأن تتنصل من ذلك في "الغرم".

 

تصريحات الأسد، تشي بالوضع الداخلي في سوريا، وأقصد داخل الحلقات الضيقة للنظام....إذ خلف التصريحات "الواثقة" التي تصدر عن كبار المسؤولين، وبالأخص عن حلفائهم في لبنان والأردن، تبدو "الروح المعنوية" للقيادة في أسوأ حالاتها، ويبدو التفكير في مرحلة ما بعد الأسد، مهيمناً على تفكير وهواجس القيادة...بل ويمكن الجزم في ضوء هذا التصريح بالذات، إن هاجس "المصائر الشخصية والعائلية" بدأ يطغى على ما عداه من هواجس وحسابات ومخاوف.

 

وتعيدنا تصريحات الرئيس الأسد، إلى تصريحات غريبة، صدرت قبل أسابيع عن مفتي الجمهورية الشيخ أحمد حسون والتي قال فيها أن الرئيس يرغب في مزاولة طبابة العيون، وأنه لن يبقى رئيساً للأبد في سوريا، وهو التصريح الذي أثار لغطاً في حينه، حول ما إذا كان "مسرباً" من قبل أوساط الرئيس نفسه، أم أنه "زلة لسان" أخرى تُضاف إلى زلات اللسان الكثيرة التي تعانيها الدبلوماسية السورية هذه الأيام.

 

خلاصة القول، يبدو أن القيادة السورية قد بدأت تدرك فعلاً أن خياراتها الأمنية والعسكرية قد وصلت إلى طريق مسدود...هي لم تعد تدري كيف ستتحرك...مواصلة هذا الطريق لن يترتب عليه سوى مزيد من الجرائم وتغليظ العقوبات استتباعاً...والعودة عنها بعد كل هذا المسلسل الدامي والعزلة العربية والدولية، بات أمراً صعباً، خصوصا في غياب أي "طوق نجاة" حقيقي للنظام.

 

ربما هذا ما يفسر تكرار القول هذه الأيام، وعلى ألسنة مراجع إقليمية ودولية عديدة، بأن النظام بلغ طريقاً مسدوداً، وأن أيامه في السلطة باتت معدودة...وأن سوريا مقبلة على صفحة جديدة من تاريخها، قد يكون العنف والانقسام المذهبي هو عنوانها الرئيس، بدلالة ما يجري في حمص من "قتل على الهوية"، فليس كل من يقتل يومياً هناك، يسقط برصاص الجيش والشبيحة...كثير من القتلى يسقطون بنيران العنف المذهبي المتبادل، وبصورة تذكر ببواكير الحرب الأهلية في لبنان 1975 والعراق 2005.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

وقفة مع مسار الثورة الشعبية في سورية .. بين الشعب والقيادات.. والعصيان المدني  .. نبيل شبيب

كلما اقتربت لحظة الانتصار الأول في مسار الثورة، أيّ ثورة، وعلى وجه التخصيص الثورة الشعبية في سورية، المتميّزة عن سواها على أكثر من مستوى.. يزداد تشعّب المواقف والتصرفات، وقد يصل الأمر إلى درجة ما يوصف باختلاط الحابل بالنابل، وبقدر ما يتمكن الثوّار، وعلى وجه التحديد من يشكّلون قلب الثورة ميدانيا، النابض بالإخلاص والفداء، والحافل بالتضحيات والبطولات، والمتواصل مباشرة مع الحدث الحقيقي الفاعل.. بقدر ما يتمكّن هؤلاء من الرؤية الواضحة البصيرة لمسار الثورة الأصيل، وما يمكن أن يدخل عليها من عناصر دخيلة، يقتربون بإذن الله من تحقيق الانتصار الأوّل، فتزول بقايا نظام لم يكن في يوم من الأيام نظاما، وتبدأ المرحلة التالية.. المرحلة الانتقالية على طريق بناء المستقبل.

الرؤية الصائبة البصيرة في اللحظات الحاسمة في مسار الثورة الآن شرط لا غنى عنه للحيلولة دون انحراف يستفحل، نتيجة عناصر دخيلة على مسار الثورة، في صيغة أفراد وفوى وأفكار وتصرفات، بعضها يعطي الثورة دفعة إلى الأمام، وبعضها يضغط في اتجاه "السبل المتشعبة".

ما الغرض من هذا الكلام النظري؟..

في مسار الثورة هذه الأيام:

1- القوة الشعبية الثائرة ببطولة منقطعة النظير

2- إشكاليات على صعيد "قيادات" منهم ميدانيون.. منهم من يرغب أن يكون ميدانيا وهو خارج الميدان

3- بقايا النظام المتهالكة الباحثة بحث اليائسين عن مخرج مع متابعة طريق الانتقام الهمجي بكلّ ما تملك

4- معارضات لا تزال تتحاور حول ما ينبغي أن تتحاور عليه..

5- أطروحات جميعها شائكة.. وجميعها يحتاج للرؤية الثاقبة تحت عناوين عديدة من بينها في اللحظة الراهنة، الإضراب العام، والعصيان المدني، فضلا عن المنطقة العازلة، والحظر الجوي، واحتمالات تدخل عسكري، ومبادرة جامعة الحكومات العربية، ومواقف تركيا وسواها دوليا..

جميع ذلك.. وتيار الضحايا الدامي يتدفق.

وكثير من ذلك.. لا يراعي أن تيار الضحايا الدامي يتدفق.

فكيف يصل قلب الثورة الحقيقي النابض إلى رؤية صائبة بصيرة وسط هذه المعطيات؟..

ليس الجواب سهلا، ولا يزعم هذا القلم أن الخواطر التالية -وهي مجرد خواطر.. ومعذرة إن استفاض بها القلم- تعطي جوابا، إنّما قد تساعد على العثور على الجواب من جانب صانعي القرار على أرض الثورة مباشرة.. وهم مصدر العطاء، الذي بات يتعّلق به الجميع وينسب الجميع أنفسهم إليه، دعما مشكورا.. أو لأغراض أخرى.

 

القوة الشعبية الثائرة

إنّ من صنع الثورة هم جيل الثورة داخل سورية المغتصبة، هم الذين أدموا قبضة الاستبداد القمعي.. بأيديهم وحناجرهم وبطولة أطفالهم ونسائهم ورجالهم.

هؤلاء فقط.. من كل حي من الأحياء، في كل مدينة وبلدة، هم الذين أوصلوا الثورة إلى ما وصلت إليه وهم الذين يمضون بالثورة إلى الانتصار، وجميع ما سوى ذلك.. إما رفد يدعم أو عقبة تعرقل.

ويعني ذلك ببساطة ووضوح: انتصار الثورة مرتبط فقط باستمرارها على الأرض، وهذا ما تدعمه الاستفادة ممّا يرفدها، وتجاوز العقبات التي تعرقلها في وقت واحد.

ويعني ذلك أنّ المعيار الذي يجب أن يقاس به كل ما يجري "حول الثورة" هو معيار القبول بدعم من يرفدها دون شروط تؤثر على نمائها واستمرارها، فمن يرفد -مهما بلغ شأنه وموقعه والتسميات التي يطرحها لنفسه- ليس جزءا من الثورة، ولا يملك حق توجيهها، ولا يستطيع، وإن حاول ذلك يتحوّل قاصدا أو غير قاصد إلى عقبة، وفي مقدّمة خطر العقبات ما يكمن في الانشغال بها -فكرا وجهدا ووقتا- عن مسار الثورة وفعالياتها الميدانية وتصعيدها واستمراريتها.

 

إشكاليات قيادة الثورة

الخطر الأكبر من خطر العقبات الخارجية هو الخطر الذي تشكله عقبات داخلية، وفي مقدمتها ما يرتبط بقيادتها، وأوّل ما يجب تثبيته هو أن الثورة تصنع قيادتها بنفسها ميدانيا ويستحيل أن تنشأ قيادة فاعلة بقرار.

وقد تميزت الثورات الشعبية في الأقطار العربية عموما، وفي سورية تخصيصا، بأنها لم تكن من صنع فئة معينة، لتتولّى قيادتها حتى يوم انتصارها الأوّل، بل نشأت شعبيا، في بقعة بعد أخرى داخل الجغرافية الدامية للوطن بأسره.. وهذا ما يوجب وجود قيادات ميدانية محلية، وأقصى ما يمكن صنعه في ظلّ ظروف الثورة ومعطياتها هو التواصل والتنسيق، وليس الاندماج والتوحيد. وعندما تظهر جهة من الجهات القيادية تحت عنوان "يزعم" لها أنها هي القيادة الموحدة.. أو العليا.. أو الشاملة، فلا ريب في وجود خلل لا ينبغي أن يستمر، واستمراره يؤدّي إلى ظهور مجموعات أخرى، محلية، بتسميات "جامعة" غير حقيقية على أرض الواقع، اي تزداد التعددية القيادية بدلا من "التوحيد" المستهدف.

الفارق كبير على سبيل المثال بين "هيئة عامة".. و"هيئة قيادة عليا" أو بين "مجلس ثوري" و"المجلس الأعلى للثورة".

بل إنّ من ميزات الثورة الشعبية عدم وجود قيادة واحدة عليا إذا قضي عليها أثناء الثورة تبعثرت الجهود وقد يصبح ذلك مقدمة لإخماد الثورة نفسها.

توجد في الوقت الحاضر إشكاليات على صعيد القيادات الميدانية وتشكيلاتها وتسمياتها، وهنا يمكن اعتبار معيار الإخلاص للثورة في هذه المرحلة، هو معيار تجنّب كل تسمية توحي بصورة أكبر من الصورة الحقيقية للتشكيل القيادي الذي يعلن عن نفسه بها أو يستخدمها، والفارق كبير بين أنّ المخلصين فيه "يتطلّعون" إلى قيادة موحدة، أو يعتبرون أنفسهم قيادة عليا موحدة قبل الوصول إلى هذا الهدف أصلا، على افتراض إمكانية تحقيقه، بل على افتراض أنّ ذلك يخدم مسار الثورة فعلا.

ولئن كان تجنّب "التسميات" واجبا على هذا النحو، فإنّ تجنّب خطوات عملية وإجراءات فعلية في مثل ذلك الاتجاه أوجب بكثير، وعدم الالتزام بذلك مصدر خطر كبير.

وعلاوة على ماسبق: لا يحق لأحد من خارج الميدان أن يزعم لنفسه القدرة على التعامل مع هذه الإشكالية بصورة صحيحة، حتى وإن كان موجودا في الميدان من قبل واضطر إلى الخروج لسبب من الأسباب.. وإلى المخلصين جميعا خارج ميادين الثورة نداء مخلص: دعوا القرار لمن هم في الميدان الآن!..

 

بقايا ما يسمّى نظاما

تتناقض الصور الهمجية للبطش والتقتيل وتصعيد عمليات التدمير وإطلاق الشبيحة لاختطاف الحرائر -كما وردت الأخبار عن حمص ساعة كتابة هذه السطور- مع حقيقة ما أصبحت عليه بقايا عصابات متسلطة كانت تسمّي نفسها ويسمّيها العالم "نظاما"، ومن شواهد ذلك -ساعة كتابة هذه السطور أيضا- تلك المحاولة البائسة الصادرة عن رأس العصابات الأول وهو يحاول التبرؤ من صنيع فروع الاستبداد القمعي التي يترأسها.. والذي اغتصب لنفسه وراثة حق صناعة القرار بمرسوم فردي!..

يدركون أنّهم عسكريا وسياسيا وماليا على شفا جرف ينهار بهم لحظة بعد لحظة، حتى أصبحت "المهل" التي تمنحها لهم قوى خارجية لينقذوا أنفسهم، مزالق تهوي بهم أكثر مما سبق، مهلة بعد مهلة.

لقد أصبح واضحا للثوار.. ويجب أن يكون واضحا لكل من لا يزال مترددا:

لم يعد السؤال المطروح هل هم ساقطون أم لا، بل هو السؤال عن كيفية السقوط.. فقط.

إنّ كل انشغال عن مسار الثورة ميدانيا، لتعجيل سقوطهم المحتم، يتحوّل دون قصد إلى تأخيره.. أي يعطي تلك "المهل" المفعول الذي يشتكي منه المخلصون: مزيد من الضحايا ومزيد من الدماء ومزيد من الدمار.

إنّ ما تصنعه القوى الخارجية، بدءا بجامعة الدول العربية انتهاء بالقوى المهيمنة على مجلس الأمن الدولي، لا يتجاوز أن يكون محاولة إيجاد مرتكزات جديدة لنفسها، بصيغة جديدة في سورية ما بعد الثورة.

وسواء أعطت بقايا النظام لذلك وصف "مؤامرة" أو اعتبرته "مساومات" وحاولت أن تستخلص منها قشة النجاة من الغرق، فلن يمنع ذلك سقوطها، وقد لا يعجّل به.. وهذا بالذات ما يوجب على الثوار، على قلب الثورة في ميادينها، أن يضعوه في حساباتهم وهم يخاطبون تلك القوى.. أن تفعل كذا وكذا، فلن تفعل إلا انطلاقا من موازين مصالحها ورؤاها المستقبلية.. وهذه تتأخر أو يضمحل مفعول السعي لها، رغما عنها، بمقدار ما تتقدّم فعاليات الثورة ميدانيا، رغما عنها أيضا.

 

المعارضات وحواراتها

باتت الذريعة الأولى لدى القوى العربية والدولية وهي تصيغ مواقفها فتتقدم خطوة وتتأخر خطوة، هي ذريعة "توحيد المعارضة السياسية مضمونا وتنظيما".. ومن الواقعية بمكان القول: هذا مستحيل التحقيق، وأقرب إلى "شرط التعجيز" منه إلى شرط موضوعي لخدمة الثورة الشعبية.

لا يعةود ذلك فقط إلى أن لغة السياسيين في واد.. ولغة الثورة في واد آخر، وأن هدف الحوارات الطاغي عليها، هو المحاصصة، وأن هدف الثوار.. هو الانتصار للوطن وشعبه.

إن العقود الماضية عرفت نظاما ليس بنظام وفق الأعراف السياسية كما عرفت معارضة ليست بمعارضة وفق الأعراف السياسية أيضا. وليس في هذا لوم لها، ولا انتقاص من شأن من بذل ما بذل لتغيير يرجوه ولم يتحقق، إنّما كان -ولا يزال- يوجد تجمعات على خلفية سياسية، ولن تصبح هي "معارضة" بمعنى الكلمة -إذا أصبحت- إلا بعد أن تنشأ "الدولة"، ولن تكون آنذاك معارضة واحدة.. بل كيانات سياسية معارضة متعددة مقابل تكتلات أو ائتلافات سياسية تحكم.

نقطة الضعف الخطيرة في الوقت الراهن هي أنّ ما يجري الحوار عليه منذ أسابيع وأسابيع، لا يدور حول: "كيف نخدم الثورة عبر السياسة" بقدر ما يدور حول: كيف نوزع مواقعنا في كيان مشترك تتعامل معه القوى العربية الدولية، العاجزة أو الرافضة أن تتعامل مباشرة مع الثورة وقياداتها الميدانية أو الاستجابة مباشرة للأهداف المعلنة لهذه الثورة منذ لحظة اندلاعها الأولى.

ليس ما تحتاج الثورة إليه "كيانا معارضا" يتفاوض أو يتحاور مع "كيان نظام متهالك" ومع قوى كانت تتعامل معه وتدرك أن هذا التعامل ولّى -بسبب الثورة- إلى غير رجعة. بل تحتاج إلى "كيان" (1) يمثل الحدّ الأقصى من الفئات الشعبية، لا الاتجاهات السياسية بالضرورة، و(2) رافد للثورة ومرتبط بها وبمسارها، وليس قائدا للثورة التي اندلعت قبل وجوده وتمضي على مسارها بوجوده ودون وجوده.. ودون قيادته على كل حال.

إن مسار الثورة.. هو المصدر الذي يمكن أن يمثل قوّة ضغط على "المعارضات" وعلى تواصلها مع القوى العربية والدولية ليأخذ ذلك وجهة تخدم الثورة ولا تشكل عقبات إضافية في طريقها، ولهذا فلا بد من التركيز على مضاعفة الجهود الميدانية أولا.. وتثبيت إعلان الرؤى الميدانية للثورة بقوة ووضوح ثانيا.. وتأكيد المعيار الوحيد الذي تقبل به الثورة: تحقيق أهدافها، أهداف الشعب الثائر، وليس أي أهداف أخرى، سياسية أو غير سياسية، للمعارضات الموجودة، أو لقوى عربية أو دولية.

 

الإضراب العام والعصيان المدني

لو كان للأقلام قلوب وهي تكتب من خارج الميدان لتحوّل المداد إلى دماء.. ويستحيل ذلك، ولو حدث افتراضا فلن ترقى قيمة المداد الدامي في جميع تلك الأقلام معا إلى قيمة قطرة دم واحدة تنزف من قلوب الثوار وأجسادهم.. أطفالا ونساء ورجالا.

ومع ذلك.. بات ما تخطّه الأقلام مدادا دون دماء، يختلط مع نزيف دماء الضحايا من الثوار وما يطرحونه لتصعيد ثورتهم ودعم قوة مسارها، فيصعب الجزم من أين ينطلق بعض الأطروحات على هذا الصعيد.. ومن بينها حاليا أطروحة الإضراب العام والعصيان المدني.

ولا بدّ في مثل هذا الموضوع الشائك للغاية.. من ذكر بعض الملاحظات من خارج الميدان:

1- الإضراب والعصيان المدني من الوسائل السلمية التي تتبع في بلدان مستقرة نسبيا لتحقيق أهداف جزئية، وليس تغييرا جذريا.. أو تُتّبع عندما تصبح الثورة للتغيير الجذري مهيمنة على الأوضاع كلية، فيجد نداؤها للإضراب والعصيان المدني تلبية شاملة، وتكون النتيجة آنذاك بمثابة المسمار الأخير في نعش بقايا المتسلّطين.

2- الإضراب العام والعصيان المدني من الوسائل السلمية التي "ترغم" سلطات بلدان مستقرة على الاستجابة لمطالب مشروعة لأنّها تخشى مغبّة ارتكاب قمع دموي.. ولا يسري ذلك على المتسلّطين الذين يبلغون من الهمجية الانتقامية درجة مواجهة الشعب الثائر بالدبابات والتعذيب في المعتقلات.

3- الإضراب والعصيان المدني من الوسائل السلمية التي "يستجيب" لها عادة العامّة من الشعب كالموظفين في الدوائر الرسمية مثلا.. بينما نعلم أنّ النسبة الأعظم من الموظفين في سورية معتقلون داخل الدوائر الرسمية حيث تعلو قبضة المخبر القمعي ومسدسه حتى على كلمة المدير العام أو الوزير.. ولا يختلف ذلك كثيرا عن أوضاع المصانع والشركات العامة والخاصة.

4- الإضراب والعصيان المدني من الوسائل السلمية التي ترتبط قوة مفعولها بتعداد من يستجيب لها، ولا تتحقق الاستجابة "الجماعية" عادة دون وجود تنظيم محكم، يضمن الفرد العادي من خلاله أنّه لن ينفرد بالاستجابة في الدائرة أو المصنع أو حتى في الامتناع عن تسديد ضريبة أو فاتورة مالية، ولا يمكن القول بتوافر ذلك في سورية.. دون ظروف الثورة الشعبية الحالية، فكيف هو الحال مع هذه الظروف.

ويمكن تعداد المزيد من الملاحظات، إنّما القصد منها هو:

إذا تحققت استجابة جزئية أو كبيرة لدعوة الإضراب العام والعصيان المدني، لا سيما إذا أعلن تسمية ليوم الجمعة كما هو متوقع، فلا بد أن يوضع في الحسبان.. أنّ الاستجابة مهما كانت محدودة، أو كانت كبيرة، تمثل مصدر قوة إضافي، وليس وسيلة حاسمة، من بين الوسائل الإبداعية البطولية التي تظهر كل يوم، في كل مكان، في سورية الثائرة، وتزيد الثورة قوة ومضاء وتزيد اقترابها من ساعة الانتصار الأوّل.. وقد أصبح وشيكا بإذن الله، وما النصر إلا من عند الله القوي العزيز.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

النظام السوري والإعلام اليهودي  .. صبحي حديدي

2011-12-08

القدس العربي

قبل أسابيع قليلة استقرّ بشار الأسد على أندرو غليغان، الصحافي البريطاني المعروف بانحيازه المطلق لإسرائيل، ليكون أوّل صحافي غربي يجري معه حواراً مباشراً منذ انطلاقة الانتفاضة السورية، أواسط أذار (مارس الماضي)؛ كما اختار، بالتالي، صحيفة هي ال'صنداي تلغراف' التي تُعدّ، إسوة بقرينتها الأمّ، ال'دايلي تلغراف'، منبراً مكرّساً للدفاع الأعمى عن إسرائيل والصهيونية العالمية واليمين المحافظ. وبالأمس، شاء الأسد أن تكون برباره والترز، الإعلامية الأمريكية اليهودية، صاحبة الحظّ السعيد في إجراء مقابلة متلفزة هي الأولى من نوعها مع قناة رئيسية غربية، ال ABC، منذ تسعة أشهر. وكلا المقابلتين اكتسبت خصوصيتها، وانتشارها الواسع، من تضافر عاملين: أنّ الجهة التي أجرتها كانت نافذة إعلامياً وسياسياً، وأنّ الأسد زوّد محاوره ومحاورته بمادّة دراماتيكية شدّت الانتباه (الحديث، مع غليغان، عن إحراق المنطقة إذا تعرّض نظامه لأذى؛ ونفي مسؤولية الأسد الشخصية عن أعمال القتل التي ترتكبها أجهزة النظام، في الحوار مع والترز).

ولهذا لا يُثار الارتياب في اختيار والترز وغليغان، تحديداً، إلا لأنّ حصيلة المقابلتين كانت واحدة تقريباً، أي تبييض صفحة النظام والترويج لروايته عن 'العصابات المسلحة' و'المندسين'، فضلاً عن تلميع شخص الأسد وإعادة إنتاجه كسياسي شرق أوسطي 'عصري'، 'منفتح'، 'درس في الغرب'، و'يتقن اللغة الإنكليزية' و'متزوج من سيدة تربّت في الغرب'؛ وأنّ العاصمة السورية 'آمنة' و'مسالمة' و'خالية من التظاهرات'، حتى أنّ والترز صرّحت بأنها تجوّلت في دمشق دون حارس شخصي، وأنها 'لم تشعر في حياتها بالأمان كما شعرت به وهي تتسكع لوحدها في طرقات دمشق! وتلك حصيلة في وسع المرء أن يتفهمها من إعلام إيراني أو صيني أو روسي، ولكن أن تأتي من إعلاميين يهود أو أصدقاء خلّص لإسرائيل، أمر يدعو إلى ترجيح دوافع أخرى أبعد غرضاً من مجرّد تحقيق السبق المهني.

وكما في كلّ مرّة تشهد مساندة إسرائيلية للنظام السوري، والأمثلة هنا كثيرة وجلية ولا تقبل التشكيك، تقفز إلى الذهن عوامل عديدة تديم قصة الغرام العجيبة تلك، بين بلدين يُفترض أنهما في حالة حرب رسمية ومعلنة، حتى إذا كانت لا تُخاض إلا في مستوى الألفاظ. بين أولى العوامل أنّ إسرائيل ما تزال ترى في النظام السوري صيغة مثلى للحفاظ على حال اللاحرب التي تسود في هضبة الجولان المحتلة منذ 1973، وهذا التفضيل لا يشمل الاعتبارات العسكرية وحدها، بل تلك السياسية والاقتصادية أيضاً. ومن المنطقي أن يكون نقيض النظام، أي دولة الحقّ والقانون والديمقراطية والمنعة الوطنية، وكلّ ما تنطوي عليه أهداف الانتفاضة الشعبية، بمثابة انتكاسة قصوى للصيغة المثلى، وتقويض لمبدأ التعايش الهادىء والسلام الفعلي على الأرض.

كذلك لا تنسى إسرائيل لائحة الأدوار التي لعبها النظام السوري على مدى 41 سنة من حكم آل الأسد، واستهدفت صالح النظام ومنجاته في المقام الأول بالطبع؛ ولكنها، في المقام الثاني، كانت تسدي خدمات كبرى لمصالح إسرائيل، جلّها ارتدى صفة ستراتيجية بعيدة الأثر، وليست تكتيكية عابرة فحسب. تلك الأدوار شهدتها الساحة اللبنانية، واللبنانية الفلسطينية، والفلسطينية الفلسطينية، فلم تسفر عن تسديد ضربات موجعة لأعداء إسرائيل في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، فحسب؛ بل ساعدت كذلك في ترقية نموذج 'حزب الله' إلى مستوى الفزّاعة الرهيبة التي تستوجب على الولايات المتحدة، ثمّ الحلف الأطلسي، تزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة (الرادعة، ولكن الهجومية أيضاً، بالطبع)، والسخاء أكثر فأكثر في تقديم المساعدات المالية وتوفير الرعاية الاقتصادية.

غير أنّ النموذج الإعلامي الأخطر في تمثيل قصة الغرام بين النظام السوري وإسرائيل، ليس ذاك الذي تقترحه والترز، وقبلها غليغان، وآخرون سواهما، بل ما اقترحه ويواصل اقتراحه الكاتب الأمريكي اليهودي الشهير دانييل بايبس. هذا، للتذكير، رجل كاره للعرب، وقبلهم المسلمين، بامتياز فريد يُحسب له وحده حقاً، ليس لأنه رافع شعارات استيهامية أو عنصرية، سياسية وفكرية وتاريخية فقط؛ بل كذلك، وجوهرياً، لأنّ بايبس أشدّ صهيونية من تيودور هرتزل نفسه ربما، وأكثر إسرائيلية من بنيامين نتنياهو، حتى قيل إنه آخر الليكوديين على الأرض. ذكاء الرجل، وخطورة مقاربته، فضلاً عن خبثها الدفين بالطبع، أنه لا يقع في السخف الذي يكرره أمثال والترز وغليغان (في امتداح صفات الأسد 'العصرية'، خصوصاً)، بل يذهب مباشرة إلى ما هو أبعد أثراً وأذى: أنّ وجود النظام ضمانة لعدم انجراف سورية إلى الحرب الأهلية، وإلى 'الصرع السنّي العلوي' حسب توصيفه.

ونصيب الانتفاضة السورية من تحليلاته هو ذات النصيب الذي يمحضه لانتفاضات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، إذْ ينتهي إلى ربط مصائر الشعوب المنتفضة بمعادلات جيو سياسية إقليمية أو دولية، مثل 'الحرب الباردة الشرق أوسطية'، أو 'الشطرنج الإقليمي'، أو التنافس الفارسي (الإيراني) العثماني (التركي)...ولكنه لا يرى، مرّة واحدة، أنّ إرادة الشعوب، وتطلعها إلى الحرّية والكرامة والديمقراطية، وثورتها على أنظمة مستبدة فاسدة وراثية وعائلية، يمكن أن تكون عوامل تحريك أولى، بل الأكبر، في انطلاق تلك الانتفاضات (التي يحصرها، في كلّ حال، بين 'التمرّد' و'العصيان'، وليس الإنتفاضة أو الثورة). خصوصيتنا، نحن السوريين، أننا في نظره لسنا دعاة إصلاح وطلاّب مستقبل أفضل، بل ضحايا 'هوّة لا تُجسر' بين الطائفتين، السنّة والعلويين؛ وشارعنا السياسي ليس معارضاً، بل هو ضحية الاقتتال الطائفي!

هذه أذكى بكثير، وأشدّ خبثاً مرّة أخرى، من تلك الحماقات التي تسردها والترز، التي أسعدها ذلك 'الغداء الطويل' مع الأسد وقرينته؛ أو تلك التي يحكيها غليغان، المندهش من أنّ مقرّ إقامة الاسد لا يحرسه إلا 'عسكري إنكشاري' واحد! ذلك لأنّ ما يقوله بايبس هو التالي، في خلاصة الرسالة المبطنة: هذا دكتاتور، بالفعل؛ يداه مضرّجتان بدماء السوريين، لا ريب؛ وهو، وأفراد عائلته من أبناء عمومة وخؤولة، يحكمون سورية بالحديد والنار، وينهبون خيراتها، لا خلاف على هذا؛ ولا شك، أيضاً، في أنه حليف لإيران، وهو ممرّ السلاح إلى 'حزب الله'... كلّ هذا صحيح، ولكن تخيّلوا لحظة واحدة أنّ هذا النظام سقط غداً أو بعد غد؟ فكّروا في عواقب الحرب الأهلية (وبايبس، هنا، لا يفكّر في السوريين بقدر اهتمامه بنصيب إسرائيل من العواقب)، خاصة حين يكون التشدد الإسلامي هو البديل. ألا ترون نتائج الانتخابات في تونس ومصر، ثمّ المغرب، وقريباً ليبيا، واليمن؟

وفي أحدث تعليقاته على الانتفاضة السورية (وما أكثرها، في موقعه الشخصي) يكتب بايبس أنه يعمل على الملف السوري منذ سنة 1985، وظلّ على الدوام مقتنعاً بأنّ الانقسام السنّي العلوي هو جوهر السياسة في البلد. وفي دراسته 'إحكام القبضة العلوية على السلطة في سورية'، 1989، أوضح كيف تمكنت جماعة صغيرة وضعيفة تاريخياً من بلوغ الذروة؛ كما بيّن في دراسة ثانية، عنوانها 'سورية بعد الأسد'، 1987، أنّ الانقسام الإثني، هذه المرّة، آت إلى سورية لا محالة. بيد أنه لا يقول إنّ ذلك الانقسام لم يقع، حتى الساعة في الواقع، بعد مرور 24 سنة على نبوءاته المشؤومة، من جهة؛ كما يتجاهل أنّ 13 سنة انقضت بعد أن تنبأ برحيل الأسد (استناداً إلى المعلومات عن مرضه، آنذاك)، ظلّ فيها الأخير حياً يرزق، بل نجح في تجاوز عثرة وفاة نجله باسل، وريثه الأوّل، وامتلك الوقت لتوريث نجله الثاني، بشار!

وفي أواخر تموز (يوليو) الماضي، حين اكتُشفت في مدينة حمص جثث ثلاثة مواطنين من أبناء الطائفة العلوية، كتب بايبس تعليقاً على الحادثة، يكاد يصرخ: ألم أقل لكم؟ ها هي الشرارة التي ستشعل الحرب الأهلية! وحين لم تستعر أي نار، وانطفأت الشرارة على الفور، أخلد بايبس إلى الصمت مجدداً، قبل أن يكسره مع إعلان تشكيل 'الجيش السوري الحرّ'، فكتب يقول ما معناه: أليس هذا العقيد، رياض الأسعد، هو قائد الحرب الأهلية؟ ولأنّ الأسعد لم يكتسب هذه الصفة حتى الساعة، فقد عاد بايبس إلى إلى حمص مجدداً، متكئاً هذه المرّة على تقرير صحافي نشرته 'نيويورك تايمز'، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، يسير عنوانه على ما يشتهي صاحبنا تماماً: 'مدينة كبرى في سورية تتعالى فيها نبرة الحرب الأهلية'. آخر اكتشافاته في هذا المضمار كان تحليله لتصريح للعقيد الأسعد، يقرّ فيه بأنّ الغالبية الساحقة من أفراد 'الجيش السوري الحرّ' هم من... السنةّ!

ولا يخفى أنّ تحليلات مثل هذه تستخدم معلومة صحيحة، لكنها تتكىء على دلالات ليست كامنة فيها بالضرورة لكي تقفز إلى نتائج خاطئة، أو مطلقة، بينها دنوّ الحرب الأهلية مثلاً. صحيح أنّ الكثير من المعلومات يمكن أن يفضي إلى هذا المستوى أو ذاك من تلمّس أخطار مواجهات ذات طابع طائفي، إلا أنّ تلك المواجهات تظلّ فردية محدودة النطاق، يرتكبها أفراد في سياقات احتقان محددة، ولا تنخرط فيها طوائف، أو حتى شرائح متجانسة سياسياً واجتماعياً، من طائفة أو أخرى. وعلى سبيل المثال النقيض، إذا كانت الغالبية الساحقة من منتسبي الفرقة الرابعة، ضباطاً وأفراداً، هم من أبناء الطائفة العلوية؛ فهل يعني هذا أنّ الفرقة تخوض حروبها ضدّ المدن والبلدات والقرى السورية دفاعاً عن الطائفة العلوية؟ كلا، بالطبع، لأنها إنما تدافع عن بقاء النظام ذاته، وهو متعدد الطوائف بالضرورة، عند مصالحه العليا تتكامل وتلتقي مصالح أطرافه جمعاء.

ولا يخفى، كذلك، أنّ بايبس ليس الوحيد الذي يهجس باحتمالات الحرب الأهلية، إذْ أنّ مناقشة الأمر على نحو رصين وموضوعي ليست أمراً محرّماً، ولعلّها صارت أكثر ضرورة من ذي قبل، مع اشتداد انكباب النظام على منهجة الأعمال الكفيلة بتسعير الاحتقانات الطائفية. بيد أنّ بايبس لا يلهج بهذا السيناريو منذ ربع قرن ونيف، ولا يواصل التنبؤ بوقوعه حتماً، بين ليلة وضحاها، وليس بين شهر وآخر، فحسب؛ بل هو أخبث مَنْ يطرح الكابوس الكارثي في صيغة تطهيرية وتحذيرية في آن، معادلتها بسيطة بقدر قباحتها: دعوا هذا النظام على قيد الحياة، فهو الضامن لكم في الغرب عموماً، وفي الشرق أيضاً، ولكن في إسرائيل أوّلاً من شرور انقسام سورية إلى طوائف وشيع ودويلات!

وإذا جاز أنّ النظام السوري يعيش قصة غرام عجيبة مع بعض الإعلاميين اليهود، وبالذات في هذه الأيام حين صارت نهايته على مرمى البصر، فإنّ دانييل بايبس يختلف عن برباره والترز وأندرو غليغان في أنّ غرامه ليس الأعجب فقط، بل هو اللدود الألدّ أيضاً!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لم يتغير العالم بالنسبة لسوريا  .. طارق محمد الناصر

الرياض

8-12-2011

 لا تنفك أبواق النظام السوري عن الحديث عن تمتع الرئيس بشار الأسد بشعبية وشرعية كبيرة. وهم يجادلون بان أغلبية الشعب السوري لم تخرج للتظاهر ضد النظام مما يعني انها مع النظام وتؤمن شرعيته. ناهيك عن ان المظاهرات الداعمة للنظام تجلب جماهير أكثر من تلك التي تناوئه.

هذه الحجة تذكرنا بالنكتة السوفيتية التي تقول إن أمريكيا تباهي بالحرية الأمريكية أمام سوفيتي قائلا ان بإمكانه الوقوف أمام البيت الأبيض وكيل الشتائم للرئيس الأمريكي دون ان يخشى المساءلة فرد عليه السوفيتي بانه، هو الآخر، يتمتع بحرية الوقوف أمام الكرملين وكيل الشتائم للرئيس الأمريكي دون ان يخشى المساءلة.

أبواق السوء تتناسى ان هناك فرقا كبيرا بين الفئتين. المتظاهر ضد النظام في سوريا يخاطر بدفع ثمن كبير من دمه وماله وعرضه في حال خرج للتظاهر بينما يمنّي المتظاهر المؤيد للنظام نفسه بثمن كبير لقاء مشاركته في احتفالية التظاهر.

والحق ان النظام السوري يتعامل مع التظاهرات الحاشدة التي تتحدى بطشه بسياسة الأرض المحروقة. فالنظام أمعن في استخدام الورقة الطائفية جاعلا الأحقاد تصل إلى أعلى مستوياتها في البلاد. لا يهم النظام السوري حقيقة انه يخاطر بإشعال حرب أهلية، بل وربما هو يسعى إليها، كي لا يكون أمام خصومه إلا خياران إما هو أو الحرب الأهلية.

النظام يعلم تماما انه يخوض حرب مصير وليس لديه خيار إلا استنساخ سياسة القمع التي مكنت حليفه الإيراني من إخماد جذوة الحركة الشبابية الخضراء. هو لا ينظر إلى تجارب القمع الفاشلة في تونس ومصر وليبيا بل ينظر للتجربة الناجحة في إيران.

وفي مواجهة التحرك العربي القوي تقوم سياسة النظام على محاولة إغراق العرب بالتفاصيل وتقديم الاستفسارات والتفسيرات لكسب الوقت ظنا منه ان بإمكانه إنهاء التظاهرات قبل الخضوع لاستحقاقات الوعود التي قطعها للعرب.

ما لا يدركه النظام السوري ان الزمن تغير. فشباب الثورة الإيرانية الخضراء لم يكونوا ينادون بإسقاط النظام بل بإلغاء الانتخابات المزورة بمعنى انهم تحدوا شرعية الرئيس نجاد تحت سقف النظام نفسه. هذا بالإضافة إلى ان الشارع السوري لا يستلهم النموذج الإيراني بل النموذج الليبي الذي صبر لأشهر طويلة وقدم تضحيات عظيمة لكنه حظي أخيرا بالخلاص من الديكتاتور.

كما يفوت النظام الذي سبق له ان أحرق الجسور العربية بعد عبورها ان العرب ليس بإمكانهم، أصلاً، السكوت على المجازر التي يرتكبها حتى لو أرادوا. إذ ان الضغط يأتي من مواطنيهم للتحرك نحو إيقاف الطاغية عن مجازره.

العالم تغير، والجميع يدرك، بلا شك، ذلك .. عدا النظام السوري.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

من القذافي الى الأسد.. الشعوب ابقى من حكامها  .. اسامة عبدالرحيم البشيري

2011-12-07

القدس العربي

هكذا قالت العرب قديما ولعمري انها حكمة بالغة الاثر يجب ان يقرأها ويفهمها كل حاكم عربي، فلاحصانة لأحد اليوم والشعوب ابقى من حكامها، وماحدث لزين العابدين وحسني مبارك والنهاية الدامية لطاغية العصر معمر القذافي التي كان يستحقها بعدما فعله بشعبه وتمسكه بالكرسي وتحديه السافر لشعبه.

ويبدو ان القذافي لم يقرأ تلك الحكمة وعاند وصرخ وتوعد وطالب بزحف الملايين وجند الجنود والمرتزقة والاعلام، وصرف الأموال الطائلة ووزع السلاح واثار الفتن والفوضى في كل ربوع ليبيا، ولم يكن يدري ان مكر الله اقوى من مكره.

وهاهو الدكتور بشار الأسد يسير على خطى القذافي، ولم يفهم قواعد اللعبة بعد ولم يستوعب الدرس بعد ولازال يقتل شعبه منذ تسعة اشهر، ويصفه بالعصابات المسلحة والارهابيين ولم يسلم من بطشه حتى الاطفال والنساء، وحشد الجيوش والرجال والشبيحة والاعلام وماطل سياسيا ودبلوماسيا، وقال بهدوء الواثق من نفسه ان بقاء سلطانه وملكه يعني استقرار سورية والمنطقة بأكملها، والا فالويل والثبور وهدد بزلزال سيطال الجميع وان سورية بدونه لن تقوم لها قائمة وأصبح يردد نفس كلام القذافي المأفون.

واثار فزاعة الحرب الاهلية والطائفية وانه لامستقبل لسورية من غيره وانه يمثل الشرعية والثورية وحتى الرجولة والفحولة، وكأن الشعب السوري عقيم لايفكر ولا يوجد به رجال وكفاءات ونسي ان وجوده في الحكم غيرشرعي، فعندما توفي والده الدكتاتور الذي ولغ في دماء السورييين حتى الثمالة، وتم بعدها تنصيبه رئيسا لسورية، وصار الحاكم بأمره ولم نسمع في علم القانون او السياسة او العرف بأن الأبن يصبح رئيسا بعد ابيه في نظام جمهوري وليس ملكيا ونعلم ان الأبن يرث ابيه، في ماله وممتلكاته وديونه، لا في دولة وشعب وامة وموارد وتاريخ وجغرافيا، وكأنها مزرعة او شركة تورث للأبناء، ولا قيمة لرأي ومشاعر وكرامة شعب بأكمله.

وعندما انتفض الشعب السوري في سياق ربيع عربي جاء عفويا ومفاجئا ومتسلسلا ومتنقلا من غرب الوطن العربي إلى شرقه، دون مؤامرة كما يدعى دكتور العيون وإعلامه وأتباعه، وكما ادعى القذافي فى لحظة يأس من قبل، وما حدث لادخل لأحد به لامن الغرب او الشرق او الشمال، وانما هوارادة شعب أراد ان يسترد كرامته وعزته وان يستعيد بلادا احتكرها آل الأسد وأصبحوا يورثونها كيفما أرادوا.

هذه هي الحقيقة ياسيادة الرئيس، شعبك يبحث عن امل وكرامة وحرية وانت تبحث عن زعامة وسلطة ومجد زائف، شعبك مل من الفساد والقهر والذل، وانت لم تمل من قهر شعبك واذلاله وقتله وتدمير مدنه ومحاصرتها، ولازلت تكرر انها مؤامرة، فهل يعقل ان يكون شعبا بأكمله متآمرا عليك وموجها من جهات خارجية، وفي هذا الكلام تجنيا على وعي وعقل وثقافة شعب عريق كالشعب السوري.

اقولها لك بكل صراحة ارحل واترك السلطة، ودع شعبك يقرر مصيره وانا مجرب وخبير، وكنت على يقين بان القذافي، معذبي وقاهري، ودكتاتور عصره والمجنون بنفسه قد انتهى من اول يوم انتفض فيه الشعب الليبي، وان عليه ان يرحل لو كان عاقلا ولكنه ابى واعتقد انه لا يقهر، فوقع في شر اعماله واستدرجه الله من حيث لايعلم.

اقولها لك بكل بساطة قد لاتفهمها ولن تستوعبها وستشعر انها ظلم لك، وانتقاص من قدرك واهانة لسموك، قدم استقالتك الى الشعب السوري واطلب منه السماح وغادر البلاد واتركها لمن قهرت من العباد، والا سيكون مصيرك كمصير القذافي والعلم عند الله ولكن الله لا يرضى بالظلم وهو شديد العقاب، ويمهل ولا يهمل.

دع الشعب السوري يقرر مصيره ويختار حاكمه، ولاتقلق فلن تكون هناك فوضى ولاحرب أهلية ولامؤامرات خارجية، بل ستكون سورية ديمقراطية حرة يعيش فيها السوريون بحرية وعزة وكرامة.

ويمكنك ان تختار المنفى الذي تريده، وهناك دول كثيرة ستستقبلك وأرح نفسك وانج بجلدك واجلس وراقب وطنك الذي دمرته، كيف يعاد بناؤه.

ودعك من اوهام القوة وشعارات حزب البعث البالية، ودعك من التظاهر بانك آخر القوميين العرب وان نظامك نظام ممانعة، واستغرب من نظام يصف نفسه بالبطولة والنضال ولم يطلق رصاصة واحدة باتجاه الجولان المحتل منذ عقود وانما وجه رصاصه وقذائفه ضد شعبه، ودعك من القول بانها مؤامرة لتركيع سورية فهذا كلام لم يعد يجدي نفعا وقاله القذافي من قبلك، وفكر جيدا وحكم عقلك، ولا تحاول جربلادك الى الدمار والخراب.

واخيرا اقول لك، اخرج قبل فوات الاوان وقبل غرق السفينة، فلن يتراجع شعبك الذي ضحى بالآلاف، وسيزداد الضغط عليك عربيا ودوليا، ولن يتركوك تقتل شعبا بأكمله حتى لو كانت نواياهم غير سليمة.

نصيحة اليك من مواطن مسلم عربي ليبي، لامال ولا سلطان عنده، وإنما إيمان بالله وعدله وإحساس بمعاناة شعب جربت نفس معاناته وتجرعت من نفس الكأس الذي يشرب منه الآن، وجل ما املكه قلم اكتب به، واني لك من الناصحين، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها، واتعظ بغيرك كي تنجو بنفسك ياسيادة الرئيس.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا صمد نظام الأسد كل هذا الوقت؟  .. أمجد ناصر

2011-12-07

القدس العربي

بعد سقوط بغداد في قبضة الاحتلال الامريكي وانهيار نظام صدام حسين لم يبق في العالم العربي نظام شمولي قائم على حكم الحزب 'العقائدي' الواحد وعبادة الشخصية سوى النظام السوري.

كانت هناك ثلاثة أو أربعة أنظمة عربية من طراز النظام السوري راحت تضمحل تدريجاً منذ رحيل جمال عبد الناصر وارتماء النظام المصري في حضن الغرب، لكنَّ الأفول النهائي للنظام الشمولي، عربياً ودولياً، لن يحدث إلا مع انهيار 'المعسكر الاشتراكي' بانتصار متعجرف ل 'الغرب' الذي تجاوزت رأسماليته، كالأفعى التي تغير جلدها، مرحلة الامبريالية الكلاسيكية بوصفها أعلى مراحل الرأسمالية، على حد تعبير لينين، إلى طور 'العولمة' الراهن.

صمد النظام السوري أمام العاصفة التي جرفت أنظمة كثيرة مثله في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. فعندما يسقط 'المركز' تتساقط 'الأطراف'. لكن النظام السوري لم يسقط بسقوط 'المركز'، أو بسقوط 'النموذج' المحتذى. ظل صامداً في وجه عاصفة عاتية هبَّت من 'المعسكر الاشتراكي' ('المركز' نفسه) واقتلعت نسخها الكربونية في العالم الثالث.

فكيف أمكن للنظام السوري القائم على حكم الحزب 'العقائدي' الواحد وعبادة الشخصية أن يصمد كل هذا الوقت؟

هذا ما يلفت نظر الكثير من المراقبين، على حد قول الباحث ستيفن هايدمان صاحب كتاب 'التسلطية في سورية' (دار رياض الريس، بيروت، 2011). بقاء النظام البعثي السوري على قيد الحياة، كل هذا الوقت، هو، في حد ذاته، ما يبعث على التساؤل وليس 'التبجّح بالإنجازات'.

'' '

مطالعتي، اليوم، قائمة على تقليب نقطة أو نقطتين في كتاب الباحث الأمريكي ستيفن هايدمان (الخبير في السياسة السورية) لتبرير بقاء النظام السوري 'على قيد الحياة' في الوقت الذي تهاوت معظم، إن لم أقل كل، الأنظمة التي تشبهه عربياً ودولياً.

يركز هايدمان على الاقتصاد السياسي في دراسته لما يسميه 'التسلطية في سورية' وقليلاً ما يلتفت الى عناصر التحكم الأخرى في مصائر البلاد التي جعلت 'استقرار' سورية الطويل في ظل حكم حافظ الأسد ممكناً، ومكَّنت، بالتالي، انتقال السلطة، في 'سلاسة' إلى ابنه بشار.

يعود هديدمان الى بداية حكم حزب البعث لسورية مع انقلاب العام 1963 ويبدأ، من هناك، في رسم الأطر العريضة لتوطد 'التسلطية' Authoritariansm في بلاد عرفت بحراك سياسي متأجج عبَّر عن نفسه من خلال عدد كبير من الأحزاب السياسية والانقلابات العسكرية، مروراً، بالوحدة مع مصر التي تعتبر أول تجربة للوحدة العربية القائمة على اعتبارات ودعاوى قومية.

يعزي هايدمان الفضل في إرساء جذور التسلطية في سورية الى قيام نظام البعث منذ تسلمه مقاليد البلاد في انقلاب 63 بانشاء شبكة هائلة من المؤسسات التي غطت، تقريباً، كل مناحي حياة السوريين وصهرتهم، بأقدار متنوعة من أدوات القسر وإغراء المصالح، في 'بوتقة واحدة'، مثل: الحزب الحاكم، نقابات العمال، الاتحادات المهنية، وسائل الاعلام، البيروقراطية الحكومية، الجيش وجهاز المخابرات.

كان قادة البعث الأوائل قادرين، كما يقول هايدمان، على فرض سيطرتهم على المجتمع السوري العنيد جداً والديمقراطي جزئياً. نجحت أدوات التحكّم هذه، بحسب هايدمان، في بسط سيطرة مطلقة على مجمل مناحي الحياة السورية. بدأ ذلك منذ انقلاب البعث ولم تكن لحافظ الأسد الذي انقلب على رفاقه في العام 1970 فضل في ذلك. لكن الأسد القادم من المؤسسة العسكرية كان يعرف ايضا كفاءة هذه الأطر فقام بتوسيع مداها وأعطاها 'أسساً اجتماعية أقوى'.

يقدم هايدمان جهداً بحثياً واسعاً ورصيناً لفهم كيفية بقاء النظام البعثي كل هذا الوقت في سورية فيما لم تعد هناك أنظمة كثيرة تشبهه في المنطقة والعالم، لكنه ينحّي، منذ البداية، عنصرأ طبع الحياة العامة في سورية بطابعه: الاخضاع. وفي هذا الصدد يقول إن القسر والاخضاع لم يستطيعا حماية أنظمة تسلطية أخرى في العالم من السقوط في 'خضم التحولات الكبيرة المشهودة في العقدين الماضيين'، ثم ينحّي، أيضاً، تحليلات معظم الباحثين في الشأن السوري المعاصر التي تركز على العنصر الطائفي في تركيبة النظام ويرى بطلان الفكرة الشائعة القائلة 'بأنَّ النظام السوري لا يعدو كونه أداة لفرض السلطة وتدفق موارد الدولة الى مجموعة طائفية معينة (...) أي الطائفة العلوية التي يندرج في عدادها الأسد والكثير من مساعديه ومن ضمنهم مسؤولو فروع الأمن الداخلي القوات المسلحة، ويقال إن الطائفية توفر لحكومة الأسد درجة عالية جداً من الاستقرار والتماسك الداخلي'.

وبعد أن ينحّي هايدمان، عنصريّ الاخضاع والطائفية يتصدى للأسس التي يعتبر أنها أمَّنت لنظام البعث (في ظل حافظ الأسد تحديداً) حكماً مديداً بالمعايير السورية والعربية والعالمية. ويجد ضالته، التي يبرهن عليها بالتحليل والارقام، في قدرة النظام البعثي على توسيع قاعدته الاجتماعية لتضم شرائح واسعة من الفلاحين والعمال والبرجوازية الوطنية، وكفاءته في ادارة الاقتصاد المحلي، بل قدرته على جعل هذا الاقتصاد مستقلا عن الشبكات الاقتصادية العابرة للقومية. ويبدو ان اجراءات الاصلاح الزراعي والتأميم قد أسهمت في خلق قاعدة اجتماعية للنظام وقللت من حجم التمردات الشعبية التي غالبا ما تكون ذات منشأ اقتصادي. ويقارن هايدمان بين تجارب البيرو ومصر وسورية، على هذا الصعيد، ويرى ان التجربة السورية في اعطاء 'التسلطية' بعدا شعبويا أكثر نجاحا في تجربتي البلدين الآخرين اللتين عاصرتا التجربة السورية.

الاقتصاد السياسي اذن هو العامل الحاسم في صمود النظام السوري وليس الاخضاع الامني والتركيب الطائفي!

المعطيات والارقام التي يقدمها هايدمان، في هذا الصدد، تسهم في تماسك اطروحته. لكن ما ينافح عنه الباحث الامريكي يصحّ (لو سلمنا بصواب اطروحته) على عهود البعث الثلاثة: أمين الحافظ، صلاح جديد/ نور الدين الأتاسي، حافظ الأسد في عقدي حكمه الاولين، لكنه لا يصحّ على اواخر حكم حافظ الأسد.. وتنعدم وجاهته في حكم ابنه بشار. ففي اواخر حكم حافظ الاسد، وكل عهد بشار، راحت المنافع التي حصل عليها السوريون بالتراجع.. وصولا الى ما يقرب، اليوم، من التبدد.

وسأبقي كلامي في اطار اطروحة هايدمان لاقول ان احد الاسباب الكامنة وراء الانتفاضة السورية الحالية يرجع الى تبدد معظم المكتسبات الاقتصادية والمعيشية التي عرفها السوريون على مدار حكم البعث. يكفي النظر الى بؤر الانتفاضة السورية، بل الى مسرح انطلاقها، لنعرف انها تتم في الارياف التي شكلت قاعدة اجتماعية للنظام وخزانا بشريا لقواه العسكرية، والامنية.

لا يسع المرء الا ان يسلم بعمق واحاطة هايدمان بموضوع بحثه لكن تركيزه على الاقتصاد السياسي لا يكفي لتفسير استمرار التسلطية في سورية. ليست الشبكات التي القى بها نظام البعث على الحياة العامة السورية (الحزب، النقابات، وسائل الاعلام الخ) هي التي جعلت النظام السوري يبقى فترة اطول من نظائره في المنطقة والعالم، بل الاخضاع الامني الذي لا مثيل له، على الاغلب، في بلد آخر.

لا يوجد نظام في العالم يحكم شعبه بما ينوف على خمسة عشر جهازا امنيا، فضلا عن القوى العسكرية، والشرطية الاخرى، الا النظام السوري.

وها هي الانتفاضة السورية، متوالية الفصول، ترينا كيف يصبح الجيش الوطني جيشا للنظام وكيف تنعدم المسافة، تماما، بين الجيش و'القائد'، الامر الذي لم نره مثلا، في انتفاضتي تونس ومصر ولا حتى في اليمن.

الاقتصاد السياسي يضيء وجها للتسلطية في سورية، ولكن الاخضاع، العنيف والدموي ان لزم الامر، يقدم لنا الوجه الآخر لبقاء النظام السوري كل هذا الوقت.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

حرب سورية الممعنة في القذارة .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 08 ديسيمبر 2011

الحياة

هل يمكن أن يشعر المرء بأقل من ضآلة إنسانيته، بعد شهادات مواطنين سوريين أمام محققي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن صنوف التعذيب والتنكيل التي يتعرضون لها في مراكز الاستخبارات والأمن السياسي وعلى أيدي «الشبيحة».

لكن هذا كان فحسب ما استطاع المحققون التقاطه. وكان أحدهم، وهو غير عربي، اعتاد أن يعمل في لجان التحقيق في حالات عدة منها ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، أفاد بأن ما سجّله وألحّ في أسئلته للتأكد مما يسمع فاق كل ما عرفه سابقاً. الأكثر إيلاماً أن الحقائق على الأرض باتت أكثر وحشيةً وتتجاوز ما توصل إليه التحقيق. صار الاغتصاب أو التهديد به على مرأى من العائلات أو الآباء والأزواج والزوجات وسيلة تلقائية للرجال والنساء والأطفال، بل وسيلة مجازة رسمياً، كما في البشاعات التي ارتكبها الصرب في البوسنة. ومنذ انقطعت مداخيل النفط وتقلّصت السيولة صار الخطف على الهوية طلباً للفدية تصرفاً «مشرعناً»، إذ أطلقت أيدي «الشبيحة» ليتدبروا أمورهم بأنفسهم، نهباً ومصادرةً أو بالخطف والترهيب. صارت العائلات في بعض المدن تهرّب أبناءها وبناتها إلى أحياء أقل عرضة للغارات أو إلى مناطق أخرى أو إلى الخارج.

كان ذلك متوقعاً مع استمرار الانتفاضة، لأن معادلة «القتل مقابل التظاهر» استنفدت أغراضها بالنسبة إلى النظام. وبعد استكمال حصار مدن الحراك وبلداته، وتصاعد الضغوط الخارجية خصوصاً العربية ل «وقف العنف»، لم يعد كافياً استهداف التظاهرات أو محاولة منعها بتطويق المساجد فازداد غزو الأسَر في المنازل. ومع ظهور العسكريين المنشقّين واضطرار النظام إلى مواجهتهم حيثما وجدوا، توقف الاعتماد على الجيش وصير إلى احتجاز وحداته تحت مراقبة صارمة، وبالتالي زاد الاتكال على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والميليشيات التي دربتها الأجهزة الاستخبارية لمؤازرتها. لذلك مسّت الحاجة أخيراً إلى ما كان يُستبعد سابقاً، أي طلب العون عدداً وعدةً من «الحلفاء» في لبنان وإيران والعراق، وثمة منهم من تملّص من هذه المهمة ويخشى ردود الفعل، وثمة من لم يتمكّن. قبل ذلك كان هؤلاء «الحلفاء» قدّموا قناصةً للقتل من بعيد مساهمةً في معركة النظام على من يُفترض أنه شعبه، ولم يعد شعبه.

هذه حرب ممعنة في القذارة. أصبح النظام الآن يطالب الأقليات التي «يحميها» بأن تساهم في التشبيح ك «ضريبة» لاستمرار «الحماية»، وليست لها حجة كي ترفض أو تتردد، طالما أنها اختارته وراهنت عليه. ولن تنفك هذه الضريبة ترتفع، خصوصاً في بيع الأنفس إلى الشيطان. على الجانب الآخر، إذا كان لمعادلة «التظاهر مقابل القتل» أن تستمر، لا بد للمعارضة بهيئاتها كافة، وبالأخص المجلس الوطني أن تولي الإغاثة جهداً واهتماماً فائقين، لأن الوضع المعيشي والإنساني يزداد صعوبة مع بدء انهيار العملة، وتضاؤل فرص العمل وإغلاق الكثير من الشركات والمعامل، والحصارات التموينية المفروضة، وتعذّر معالجة الجرحى والمصابين في المستشفيات، وفقد عائلات كثيرة معيليها وأحياناً العديد من أفرادها... إذا لم يكن كل ذلك ولوجاً في نفق حرب أهلية فما عساه أن يكون. التسلح ماضِ في التوسع، والتدريب على قدم وساق، لأن كل جهة تعتبر نفسها معنية بسورية مستقرة فقدت الأمل بتعقّل النظام. ومع ذلك لا يزال التظاهر السلمي - السلمي فعلاً - المعيار الحقيقي للمأزق الذي بلغه النظام، وهو يعرف ذلك، بل يدرك جيداً أن أخطاءه هي التي دفعت الشارع إلى التلّب كما دفعت الجنود إلى الانشقاق. ومهما حاول تضخيم مشكلة المنشقّين أو استخدامهم ذريعة لمقارعة الجامعة العربية ومعاييرها لوقف العنف، فإنه لا يستطيع نفي مسؤوليته المباشرة عن اضطرارهم للانشقاق وتحمّل الخطر على أرواحهم وذويهم.

لكن الذهاب إلى حرب أهلية سلاح ذو حدّين وخيار محفوف بالمخاطر، إذ لن يكسب النظام منها أي شرعية فقدها منذ اليوم الأول في درعا. وأهم ما سيخسره فيها أنه لن يعود قادراً على ادعاء/ أو الحفاظ على «ميزاته» الوهمية التي صنعها بالترهيب، لا «الممانعة» ولا «العلمانية» ولا «حماية الأقليات» ولا حتى حماية أي طائفة بعينها. إذ انه بإدارته الأزمة بالقتل والتنكيل ولا شيء سواهما كان ولا يزال يستدعي التدخل الخارجي فيما هو يتحدّاه. لكنه قد يضطر إلى استدعائه مستغيثاً، وإلا فمن سيحمي لاحقاً «الدويلة» المزعومة أو الطوائف والأقليات التي ساندته في بطشه خوفاً من «المجهول» الذي سيخلفه. لعله يعوّل على أمرين: الضمان الروسي المديد حتى بعد الانهيار، والسعي منذ الآن إلى تثبيت حدود «الدويلة» بضمان اللاذقية عاصمة لها، ما سيستلزم تطهيرها مذهبياً ربما في أجل قريب وهو ما تشي به ممارسات «الشبيحة» في المدينة. وتقابل ذلك حالياً حركة نزوح للعلويين من المناطق الأخرى تحديداً حمص.

قد يفسر ذلك هذا الموقف الروسي الذي لم يعد ينتمي إلى السياسة أو الديبلوماسية، إذ استعاد «سوفياتيته» أو «ستالينيته»، وعذره أنه لم يدّعِ يوماً أي أخلاقية أو إنسانية فلا يعيّرنه أحدٌ بما ليس فيه، إذ قرر ألا يرى أو يسمع أو يفهم أو يترك خط رجعة لتهوّره، حتى أنه اعتبر تقرير مجلس حقوق الإنسان «غير مقبول»، ما عنى أن الجرائم ضد الإنسانية الموصوفة فيه هي المقبولة. لا بد أن «المصالح» التي تحصّلت عليها موسكو تفوق ما يبرر خذلانها النظام السوري، وإلا لما تمترس موقفها وراء هذا العناد المستعصي. أو أن موسكو، كما يقال عادةً، تبحث عن صفقة، ولما لم تسمع شيئاً من الولايات المتحدة أو من أوروبا أو من عرب الخليج فإنها تواصل ركوب رأسها لترفع سعرها بانتظار «صفقة» آتية لا محالة. بل يقال أيضاً أن روسيا تقرأ في الموقف الأميركي تردداً - قد يكون مستنداً إلى تردد إسرائيلي - وبالتالي فهي تزين سلبيتها بميزان التعقيدات والمصالح الإقليمية، والفارق الوحيد أن موسكو لا تحمي موقفها كواشنطن وراء جدار من التصريحات التي تطالب الرئيس السوري بالتنحي وإنما تتعامل مع هذا الرئيس لتمرير ما بينهما من عقود أسلحة غير عابئة بما يفعل بها وأين يستخدمها أو يخزّنها، تماماً كما فعلت مع معمر القذافي... لا عجب أن تُخذل روسيا وديبلوماسيتها حيثما حلّت طالما أنها، وهي الدولة الكبرى، تدير علاقاتها بذهنية حيتان المافيا المالية أو برواسب «حرس قديم» لم يتعلّم أي شيء عن الشعوب وطموحاتها لذا ينتج هذه الديبلوماسية المتجرّدة من أي حس بالمسؤولية.

* كاتب وصحافي لبناني

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ظلم الرعية والمجانين .. زهير قصيباتي

الخميس, 08 ديسيمبر 2011

الحياة

القلقون على «الربيع العربي» والمحبطون من أحواله، يطمئنهم الغرب بأن إنجاب بعض ديموقراطياته تطلّب قرناً من الزمن، وبأن الخطوط الحمر التي تتحكم بمعيار الربيع الدائم ثلاثة، أحدها مذكّر والثاني مؤنث، وثالثها ما بينهما.

القلقون على مصير سورية وشعبها ووحدتها، «يطمئنهم» الحاكم إلى أن مَن يقتل المتظاهرين لا يمكن أن يكون سوى «مجنون». فهل يُعقل أن يكون عدد المجانين في سورية بهذا الكمّ، طالما ضحاياهم بالآلاف؟!

فصول «الربيع العربي» تتوالى في اليمن، ذهول لأنهار الدم التي ترويه، حقد على مَنْ أدمن الكذب فصدّقه، ضحّى بمئات من الشباب ساعياً الى الانتصار على ما يزعم أنه «مؤامرة صهيونية».

يتوالى «الربيع»، تنهار امبراطوريات الكذب وسجونها، ينفلت جنون ميليشيات الجمهوريات التي خطفتها قبعات العسكر، حتى تحولت ثكنهم الى جيوش «خفية»، لا تحرس سوى تحالف القمع والفساد.

وأما الخطوط الحمر التي يعضّ عليها الغرب بنواجذه، حماية ل «ربيع العرب»، فيحددها الرئيس نيكولا ساركوزي بمساواة بين الرجل والمرأة، والرأي المتعدد، وفضاءات الإنترنت. فهل يبدد قلق المتوجسين من تخبّط مسار الثورات والانتفاضات أو تقلّبها ومفاجآتها؟ أول ما يتناساه الرئيس أن ديموقراطيات الغرب لم تحمِ مؤسساتها لولا إبعاد سطوة الكنيسة عن السياسة، أي الفصل بين الدين والحكم.

ويتناسى ساركوزي أن عباءة الديموقراطيات العربية التي يلدها «الربيع» لا تحجب واقع مجتمعات يتيمة، تتفاوت قواعدها بين الاستهلاك والاتكال، والبكاء على أطلال الماضي، فيما السلطة تبرع دائماً في تهجير العقول، والرعية التي أدمنت الصبر بلا حساب، شاركت حتماً في تمديد عمر الظلم والجلاّدين والمجانين.

فلندّعِ السذاجة مثلاً، إلى الحد الذي يقنعنا بأن المصريين تخلوا لأكثر من ثلاثين سنة عن كرامتهم، طمعاً برغيف الخبز، وأن الخبز وحده أطلق مارد «25 يناير». وهل غير المجنون يتهم شعباً بالتنازل عن كرامته فداء لمعدته؟

وبعيداً عن تبسيط ساركوزي مسألة ثمن العواصف أو الهزات الارتدادية لزلزال «الربيع العربي»، أو حتى التفاؤل بجني حصاد ديموقراطياتنا الثورية بعد مئة سنة، بين العقلاء المحبطين مَن يقارن صعود الدولة المدنية في الغرب لحماية الحريات والديموقراطيات والمساواة الاجتماعية، بصعود المد الديني على مد الثورات العربية، وسطوع نجم التيارات الإسلامية، ليضيف سبباً إلى التشاؤم. فالحال أن تجارب معظم هذه التيارات لا تغذي سوى الخوف من وصول نهج الإقصاء والاستئصال إلى الحكم، على صهوة «الربيع». وإن كانت دعوة محمد البرادعي الليبراليين في مصر إلى التروي وامتصاص ما بدا صدمة لديهم بقطف «الإخوان المسلمين» والسلفيين النسبة الأكبر من الأصوات في المرحلة الأولى من الانتخابات، تستبطن دعوة الى الرهان على فشل الإسلاميين في إدارة الحكم، فالعبرة تبقى في ما اختاره الشارع، وفي قدرة «الإخوان» على مقاومة إغراء تملّك السلطة، كأنها رصيد مصرفي للجماعة وحدها.

العبرة في برنامج واقعي للحكم، يقبل الحوار ويبدد التباسات على حافة الإسلام السياسي، وقلق الأقباط وهواجس الشباب من أفول مطالب «ائتلاف الثورة»... وقلق الشارع من صراع مع السلفيين يطيح الآمال باستقرار.

المحبطون في «الربيع العربي» يشبّهون حال «الإخوان» مع السلفيين في مصر، بمشكلة حزب «النهضة» في تونس مع سلفييها الذين سيستثمرون إدارة حزب إسلامي للسلطة، لإحراج المؤسسات سعياً الى احتضان توجهاتهم ومنحها شرعية. وهي إذ تستنفر قلق العلمانيين، يتجرأ بعضهم في التساؤل عما إذا كانت الثورة تستبدل ديكتاتورية تشدد بديكتاتورية الفساد.

في تونس ينتقل الصدام مع المتشددين الى الشارع والجامعات (النقاب وحقوق المرأة). وفي مصر الثورة لا يرى كثيرون مبرراً لاستهجان صعود «الإخوان المسلمين» بإرادة الناخبين، لكن المعضلة هي في اختبار قدرتهم على إدارة بلد ومؤسسات، وعدم الرضوخ لنزعات التشدد، كلما أحرجهم السلفيون بامتحان «إيمانهم».

بين علمنة السياسة و «تديينها»، مرحلة أخرى انتقالية في ربيع الثورات العربية، معها يجدر تذكّر نصيحة ساركوزي بالصبر على تحولات قد تستغرق مئة سنة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

العقم السياسي في الحالة السورية! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

8-12-2011

يعجز الحل الأمني عن إخماد جذوة الانتفاضة السورية التي دخلت شهرها التاسع وهي أشد عزيمة، ويلح السؤال ويكبر عن سبب عناد أهل السلطة في تنكرهم لحقيقة، باتت ساطعة كالشمس، بعدم جدوى ما يقومون به وبأن لا مفر من البحث عن حلول سياسية ومعالجات من طراز مختلف، وتاليا عن سبب إصرارهم على منطق القوة لإخراج الشعب من السياسة وإعادة المجتمع إلى ما كان عليه، إلى مناخ الخوف والرعب التقليديين!

ثمة أسباب عديدة ومتضافرة يمكن أن تفسر هذا العقم السياسي في الحالة السورية وتبين الدوافع العميقة لدى النظام الحاكم في تصميمه على سحق التحركات الشعبية بالقمع العاري وباستخدام كل أشكال القهر والتنكيل، بما في ذلك تبديد الفرص المتنوعة المتاحة لنقل الأزمة من مسارها الأمني إلى الحقل السياسي، إن لجهة إهمال المبادرات الداخلية الرافضة لأساليب القوة والعنف والداعية لتأسيس علاقة جديدة مع الناس تستند إلى نيل رضاهم وثقتهم من خلال ضمان مصالحهم واحترام حقوقهم وحرياتهم، أو لجهة التعاطي السلبي مع مبادرة الجامعة العربية، وجديدها مسار عقوبات سوف تترك آثارا سلبية عميقة على المجتمع وتفتح الباب أمام احتمال التدويل!

هناك من يعتقد أن السبب يتعلق بخصوصية البنية التكوينية لهذا النوع من الأنظمة المعجون بتاريخ طويل من القهر والغلبة لضمان السيطرة، وفيه الدولة تنتمي إلى ذاك النوع المسمى «الدولة الأمنية» التي تستمد حضورها وقوتها من أجهزة أمنية متنوعة تمتد في كل مكان وتدير كل شيء وتتدخل في مختلف تفاصيل الحياة، ووظيفتها الدائمة زرع الخوف في المجتمع وخنق الفضاء السياسي، وبعبارة أخرى فقد ابتلي مجتمعنا بمنطق خاص في إدارة الصراع فرضه مدعو الوصاية على الأوطان والقضايا القومية، وجوهره ليس التنافس الصحي لاختيار الأفضل والأكثر كفاية للتعبير عن مصالح المجتمع وتكويناته المتعددة، بل مبدأ القوة والجبروت ووسائل القمع والإرهاب لتثبيت الهيمنة وجني الثروة والامتيازات!

وهناك من يرجع السبب إلى عجز مزمن لدى النخبة الحاكمة في تعديل طرائقها القمعية والانتقال إلى أشكال من السيطرة السياسية، ربما لأنها تخشى من الانفتاح على الناس وتتحسب من أن تفضي أي مبادرة سياسية إلى كشف ضعفها وهشاشتها وإلى تقوية حضور المجتمع ودوره في الرقابة والمحاسبة، وربما لقوة لوبي الفساد المنتشر في مختلف الدوائر والمؤسسات، واستماتته في الحفاظ على مصالح وامتيازات لا يريد التنازل عنها أو عن بعضها حتى لو كان الطوفان، أو ربما بسبب رهان النخبة الحاكمة على حسم الأمور لصالحها إن نجحت في جر الانتفاضة السلمية نحو دوامة العنف، ورهانها تاليا على دور القمع المفرط والاضطهاد المعمم في إثارة ردود فعل موازية، وفي استنفار الغرائز المتخلفة واستفزاز بعض المتطرفين ممن يتحينون الفرصة لحمل السلاح، من أجل خلق ذريعة أو حجة أمنية لاستمرار التنكيل والعنف المفرط، وأخيرا ربما جراء تنامي الشعور لدى أصحاب الحل الأمني بأنهم وبعد ما اقترفته أياديهم قد وصلوا إلى نقطة اللاعودة، وأنهم يخوضون معركة حياة وموت يرتبط وجودهم ومستقبلهم بنتائجها، خاصة أولئك الذين أوغلوا في ارتكاباتهم ويخشون ساعة الحساب والعقاب! أو لأن لديهم وفرة من التجارب القمعية تعز ثقتهم بأن العمل المجدي لدوام السيطرة ليس التفاعل السياسي مع الناس ومعالجة مشكلاتهم، بل الاستمرار في إرهابهم وشل دورهم، ربطا بسوء تقدير ولنقُل تضخيما للذات والاعتقاد بأن ما كُرس من قوى أمنية يشكل مدماكا مرعبا راسخا لا يمكن بأي حال هزمه أو زعزعته!

هو ضرب من الضياع والتوغل في المجهول الاعتقاد بأن الأساليب القمعية التي أثبتت فعاليتها، ولنعترف، في الماضي، يمكن أن تكون فعالة أو مجدية اليوم، ففي ذلك تنكر لشمولية الأزمة الراهنة وحدتها وتجاهل ما حصل من مستجدات إقليمية وعالمية وخاصة ما خلفته العولمة في حقلي الاتصالات والإعلام، وفيه تنكر أيضا لطابع هذه التحركات الشعبية وحيويتها، وأنها تجري ضمن نسق عربي يطرق أبواب التغيير الديمقراطي، مستندة إلى تراكمات جوهرية حصلت في أنماط التفكير وطابع التفاعلات السياسية بين الناس وعزمهم على أخذ قضيتهم بأيديهم!

ومثلما لا ينفع هنا إنكار أسباب الأزمة وتكرار الحديث عن متآمرين ومندسين يرتبطون بأجندة خارجية، إمبريالية وصهيونية، غرضها النيل من الموقف السوري الممانع، وعن عصابات مسلحة تعيث، قتلا وتدميرا، في العباد والبلاد، لا تنفع أيضا المقارنة مع ما حصل عام 1982 حين تمت وبعيدا عن الإعلام، تصفية تمرد الإخوان المسلمين في مدينة حماه، وحين كان الحل الأمني يحظى برضا سياسي دولي واسع وبظروف داخلية ملائمة لجهة أن الأحداث شملت مدينة واحدة، في ضوء حياد قطاعات واسعة من الناس وخوفها من الأصولية الإسلامية التي شكلت عنوان ذاك التمرد، أما اليوم فإن التظاهرات تشمل غالبية المدن والمناطق السورية، والناس الذين أزاحوا عن صدورهم بعبع الخوف، ليس عندهم ما يخسرونه مع انسداد الأفق أمامهم وتعاظم شعورهم بالظلم وغياب العدالة، وهم يستمدون الجلد والعزيمة، كما الحيوية والأمل من أن قضيتهم تتابع إعلاميا ساعة بساعة، والأهم أنهم يعتقدون بما يشبه اليقين بأن التراجع وانتصار الحل الأمني سيقود إلى وضع أكثر سوءا ومكابدة، مدركين أن الزمن يسير لمصلحتهم، وأن إصرارهم، على الرغم من التضحيات الكبيرة، على استمرار المظاهرات والاحتجاجات حتى وإن لم تحقق حسما سريعا، سوف يذهب بالخيار الأمني إلى الفشل، ويفتح الآفاق على معالجات من نوع آخر، وتحديدا إن حافظت التحركات على وجهها السلمي وحاصرت ما قد يشوبها من اندفاعات عنفية!

صحيح أن أصحاب الحل الأمني لا يزالون يعتدون بأنفسهم ولديهم كثير من الثقة بأن أساليبهم القمعية المجربة قادرة على الحسم وإعادة زرع الخوف والرعب في المجتمع، وصحيح أن هناك كتلة شعبية لا تزال صامتة وسلبية يطيل ترددها وصمتها من عمر الأزمة ومن تكلفتها، لكن الصحيح أيضا أن سياسة الإنكار والهروب إلى الأمام نحو المزيد من تجريب الخيار الأمني والعسكري، يفتح أبواب البلاد على المجهول، وأوضح ما فيه، المزيد من العنف والتنكيل، وانفلاش الصراعات على غير هدى، واستدراج المزيد من العزلة والحصار والتدخلات الخارجية، فضلا عما يخلفه من آثار سلبية عميقة ومن أضرار فادحة، على الوضعين الاقتصادي والإنساني، والأهم على النسيج الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com