العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18 / 09 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط 

تقــرير ســياسي

   تتجه الأنظار نحو تطورات العملية السياسية في العراق, حيث يعتبر إقرار مسودة الدستور إحدى حلقاتها الأساسية, لما له،أي للدستور، من انعكاسات مستقبلية, ليس فقط على الداخل العراقي فحسب، بل على الجوار الإقليمي برمته, نظراً لأهمية البنود التي تثير الجدل مثل الفيدرالية وصلاحيات الأقاليم وتوزيع الموارد المالية وهوية العراق والعلاقة بين الدين والدولة وحقوق المرأة ودورها.

  وقد تم إقرار المسودة من قبل لجنة صياغة الدستور, بانتظار إقرارها نهائياً في استفتاء 15 تشرين الأول القادم.

  وتشير المناقشات التي دارت حول الدستور إلى أن هناك افتراق واضح بين جناحي الشيعة والسنة, حيث تشكل مناطق ما تسمى بالمثلث السني، بيئة حاضنة للعمليات العسكرية والإرهاب ومقاطعة الانتخابات ورفض الفيدرالية، في حين يسعى فيه الجانب الشيعي الذي يلاحقه شبح الاضطهاد الطائفي، إلى تحويل الجنوب والوسط إلى إقليم فيدرالي على أساس طائفي .

  أما كردستان العراق التي يقر الجميع بخصوصيتها كإقليم فيدرالي, والتي قدمت نموذجاً حياً لحالة ديمقراطية يشيد بها المراقبون المحايدون, فإن حدودها لا تزال موضع خلاف، خاصة حول كركوك التي تم ترحيل وضعها النهائي إلى الجمعية الوطنية القادمة, وبانتظار موعد الاستفتاء بعد شهر ونصف فإن العملية السياسية ستواصل تقدمها واستقطابها لمزيد من المواطنين العراقيين الذين لم تجلب لهم العمليات الإرهابية سوى المزيد من الدمار, وبانتظار ذلك الموعد أيضاً فإن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تطورات هامة، خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وما يمكن أن يوفره هذا الانسحاب من أرضية لقيام دولة فلسطينية، وما يشكله من مقدمة لانسحاب أخر من الضفة الغربية، لكنه من جهة ثانية يعتبر تحدياً للجانب الفلسطيني لما قد يسببه من تصعيد التوتر بين السلطة، من جهة، وفصائل إسلامية من جهة أخرى.

   كما أن الوضع اللبناني مرشح لتطورات جديدة على ضوء النتائج التي يمكن أن تسفر عنها لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.. أما الانتخابات الرئاسية المصرية،وبغض النظر عن النتائج والاستحقاقات الديمقراطية، فإنها تشكل خطوة متقدمة نسبياً، حيث تفسح المجال لأول مرة أمام حرية المنافسة ومجالات الاختيار.

  أما بالنسبة للوضع الداخلي في سوريا, وخاصةً ما يتعلق منه بالحريات العامة, فإن المراقبين يجمعون على أنه يشهد تردياً كبيراً في الفترة الأخيرة بعد المؤتمر القطري العاشر، حيث تصاعدت وتيرة الهجمة الأمنية على مختلف أشكال الحراك الديمقراطي والمدني، وقد تجلى ذلك في منع نشاط منتدى الأتاسي واعتقال مجلس إدارته, وتهديد مراسلي وكالات الأنباء والإعلاميين في دمشق بسحب تراخيص عملهم في حال نشر أخبار المعارضة ونشاطاتها, ومنع إقامة الندوات مثلما حصل في ندوة المحامين الكرد في القامشلي التي دعت إليها لجنة العمل المشترك للجبهة والتحالف الكرديين, و تؤكد الأمثلة السابقة وغيرها الكثير, تراجع الآمال التي عقدت يومًا على وعود الإصلاح والحريات المبنية على إحتملات حصول انفراج ديمقراطي.

   وفي هذا الإطار تشهد المناطق الكردية, إلى جانب الإجراءات الأمنية الاستفزازية المشددة, أجواءً ملبدة بالاحتقان, ويقابل الحراك الديمقراطي الكردي, وحتى النشاطات السلمية بالقمع, مثلما حصل في كوباني(عين العرب ) حيث تم اعتقال أكثر من ثلاثين مواطناً كردياً على خلفية المسيرة التي دعا إليها جناح pkk في سوريا المعروف باسم الاتحاد الديمقراطي, في وقت بدأ فيه أسلوب الاغتيال السياسي المقيت، الذي لطالما عانت منه تلك المناطق في تسعينات القرن المنصرم، يطل برأسه من جديد،وخصوصاً في منطقة حلب, مما يثير القلق والاستنكار، خاصة لجهة مسؤولية الأجهزة الأمنية وصمتها المريب.

  يبقى أن نعلم أن اللجوء إلى تشديد القبضة الأمنية في هذه المرحلة يعبر عن وجود أزمة حادة وارتباك واضح في السياسة الخارجية للنظام الذي يعاني العجز في الإدراك السياسي والضعف في فهم وقراءة المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة, ومن هنا فإن المحاولات السورية الرامية لبناء تحالفات خارجية مع إيران وتركيا، ومواصلة دعم قوى وفصائل معينة، ومنها حزب الله و الجماعات الإسلامية الفلسطينية, ليست كافية لموازنة الضغوط الأمريكية, فالتوافق الأوربي الأمريكي بشأن قضايا الشرق الأوسط, أدى إلى تكثيف تلك الضغوط, خاصة في أعقاب إطلاق كل من بريطانيا وألمانيا مبادرة الحوار مع منظمات المجتمع المدني العربية, و إقدام فرنسا على التماهي مع الموقف الأمريكي في لبنان, وإذا كانت السياسة السورية تراهن على أن سقف الضغوط الأمريكية يقف عند حدود تنامي المد الإسلامي داخل سوريا, مما يعني في نظرها أن بقاء نظام الحكم في سوريا يمثل مصلحة أمريكية, فإن ذلك لا يستند إلى ضمانات معقولة , كما أن المراهنة على توثيق العلاقات مع إيران المحافظين الجدد في إطار تشكيل حلف ثلاثي يضم سوريا و إيران و حزب الله, في محاولة لتحصين الموقع السوري تجاه تلك الضغوطات. لا يشكل بديلا عن ضرورة توفير الشروط الداخلية لمواجهتها, ولا تنسجم تلك المراهنة مع ما قامت به سوريا من ترحيب كبير برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وتسهيل لقاءاته مع المعارضة الفلسطينية في دمشق ومع انسحاب كامل من لبنان وعدم التدخل في العملية الانتخابية وفي تشكيل الحكومة اللبنانية، كما لا ينسجم مع إجراءاتها العسكرية والأمنية الأخيرة على الحدود مع العراق لمنع التسلل إليه من قبل جماعات إرهابية, وذلك في محاولة لانتزاع الاعتراف الأمريكي بدور ما لها في المنطقة، وغض النظر عن الممارسات القمعية في الداخل.

   أما العلاقات السورية التركية فإنها تنطلق من المصالح المشتركة بين الجانبين ومن مخاوفهما من انعكاسات الوضع العراقي على الداخل الكردي في البلدين, إضافة إلى البحث السوري عن حليف إقليمي بمستوى تركيا تعتمد عليه في تخفيف الضغط والحصار الأمريكي, بينما تبحث تركيا عمن يشاركها التنسيق في مواجهة احتمالات إقامة كيان كردي مستقل في العراق حيث تعتقد أن السياسة الأمريكية فيه تمهد لقيامها... لكن رغم ذلك فإن الموقف الرسمي التركي شهد بعض التطور حيال القضية الكردية حيث اعترف أردوغان في ديار بكر أواخر تموز الماضي بضرورة حلها، وبخطأ السياسات السابقة حيالها, وذلك في إطار محاولة الإلتزام بشروط الانضمام للاتحاد الأوربي, في حين يتسم فيه الموقف الرسمي السوري حيال هذه القضية بالتنكر والتجاهل, فرغم الاعتراف الضمني الذي ورد في تصريحات السيد الرئيس بشار الأسد بحقيقة وجود الشعب الكردي وأصالته التاريخية, فإن ما يجري على الأرض لا يتجاوز الالتفاف على تلك التصريحات ومواصلة قمع الحراك الوطني الكردي والإصرار على التعامل الأمني مع القضية الكردية والبحث عن بدائل أخرى للحركة الكردية, وقد تجلى ذلك في محاولات كثيرة منها قرار حظر نشاط الأحزاب الكردية منذ ما يزيد من عام، وتوصية المؤتمر القطري العاشر بعدم ترخيص الأحزاب القائمة على أساس قومي ويقصد بها الأحزاب الكردية, وكذلك تجيير إطلاق سراح معتقلي أحداث 12 آذار لصالح رموز عشائرية, وتكررت نفس المحاولة عندما أقدمت بعض الأجهزة الأمنية أوائل الشهر الحالي على استدعاء بعض تلك الرموز لتشكيل وفد يشارك الفعاليات الاجتماعية العربية في محافظة الحسكة لمقابلة رئيس الجمهورية، علماَ أن التجربة التاريخية أثبتت أن الجهات الأمنية ليس من صلاحياتها ولا من طبيعتها التفاوض في الشأن السياسي بل التضييق عليه والتحقيق مع أصحابه وأحزابه, كما أن التجربة أكدت ولا تزال أن الحركة الكردية المنظمة، من خلال تأطير مختلف أطرافها وبالتالي بناء مرجعية وطنية كردية، هي المؤهلة وحدها بانتزاع  الاعتراف بالقضية والحقوق الكردية وتمثيل إرادة الشعب الكردي , وأن ما دون ذلك من المحاولات المحورية لا تتعدى تكريس حالة الفرقة, والإبقاء على الواقع المزري للمناطق الكردية التي تعاني من حالات الإهمال المتعمد، مضافاً له الحرمان والاضطهاد القومي, والتي تقف تاريخياً وراء حالة الاحتقان المزمنة التي تفجرت أكثر من مرة بأشكال مختلفة, خاصة منذ أحداث 12 آذار 2004.

  وللدلالة على تلك الحالات فقد جاء في التقرير الوطني للتنمية البشرية السوري الأول هذا العام بأن أكثر السورين فقراً هم ذاتهم الذين يعيشون في أكثر المناطق والمحافظات امتلاكا للثروة سواء منها الزراعية أو النفطية, و تؤكد الإحصاءات أن معدلات الفقر تصل إلى 30% من سكان سوريا، لكنها في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية تصل إلى 60% , وتفيد تلك الأرقام في فهم الكثير من التطورات السياسية وكذلك الأمنية التي حصلت، ويمكن أن تحصل في سوريا, ومنها أحداث القامشلي التي امتدت إلى مختلف المناطق الكردية وتضافرت في تفجيرها مجموعة عوامل سياسية و أمنية واقتصادية.

 أواخر أب 2005        

اللجنة السياسية

لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org