العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18/8/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عيد الشام هذا العام

د. محمود نديم نحاس

أي عيد مرَّ على بلاد الشام هذا العام؟ هل أصف العيد في المناطق المنكوبة؟ أم في مخيمات اللاجئين؟ قبل المحنة كان للعيد في بلاد الشام طعم خاص، فبعد رؤية الهلال يتم إعلان دخول العيد بطلقات من المدافع، للمحافظة على الطريقة التراثية قبل انتشار وسائل الاتصال والتواصل وقنوات البث الصوتي والمرئي. لكن أي مدافع يمكن استخدامها اليوم لإعلان العيد؟ إن أصوات المدافع وراجمات الصواريخ تقطع الصمت كل بضع دقائق، إلى درجة أن الناس لم تعد تستطيع النوم إذا كان الليل هادئاً، فقد تعودوا النوم مع ضجيج القذائف، فإن فقدوها طار النوم من أعينهم.

بعض الناس لم يخرجوا لصلاة العيد هذا العام خوفاً من قذيفة طائشة في الشارع أو طلقة قناص جالس فوق المباني العالية، وبعضهم لم يخرج خوفاً من أن تُهدَّم المساجد فوق رؤوسهم وهم يصلّون. فأي مسجد بقي له حرمة عند النظام بعد قذف المسجد الأموي الكبير في حلب ومسجد خالد بن الوليد في حمص وتهديم مئات المساجد الأخرى؟

بعد صلاة العيد كان الناس يذهبون لزيارة المقابر ليتعظوا وليتذكروا أحبابهم الذين غيّبهم الثرى. لكنهم هذا العام تاهت بهم السبل، فأي مقابر يزورون وقد فقدوا أكثر من مائة ألف من ذويهم؟ وأضعاف هذا العدد مفقودون أو مغيبون في السجون، ولا أحد يعرف عنهم شيئاً، هل هم بين الأحياء فيأمل أهلوهم عودتهم؟ أم هم بين الأموات فيترحمون عليهم؟ هل تلبس الأم لباس العيد أم لباس الحزن؟ وهل تقضي الزوجة العدّة عن زوج لم تسمع عن أخباره منذ سنتين ونيّف؟ أم إنه سيعود حاملاً هدايا العيد لها ولأولادها؟ وهل ينتظر الأولاد أباً طالما حمل إليهم الألعاب يوم العيد، أم ينتظرون بعض هيئات الإغاثة التي تستطيع أن تواسي عدداً محدوداً من الأطفال وفي بعض المخيمات؟ وحتى الأب الذي مازال بين أولاده كيف يشتري لهم هدايا العيد والجيوب فارغة والعين بصيرة واليد قصيرة، وحتى لو وُجد المال فإن الأسواق خالية من البضائع، لا أقول الكماليات، بل الأساسيات.

وإذا كان الوضع غير آمن للخروج من البيت، فكيف تكون زيارة الأرحام؟ ثم إن جازف الإنسان وخرج لزيارتهم، فإنه قد يحرجهم، فليس هناك مجال لتقديم القهوة أو حلوى العيد أو الطعام، لقلة ذات اليد، وللحزن المسيطر على النفوس، لاسيما وهم الكرام الأسخياء الذين يؤثرون الضيف بما لديهم، وكانت مساكنهم كمضارب حاتم الطائي، أما اليوم فإنهم لاجئون بأرضهم أو بأراضي الدول المجاورة، جائعون ينتظرون من يقدم لهم أقل القليل من الطعام. ولذا قال الشاعر وهو يبتهل إلى رب العالمين:

وأعدْ إلى الشهباءِ سالفَ عهدِها *** حتى نرى أيامَها أعيادا

ونرى الأحبةَ والسرورُ يحفُّهم *** يترنمون قدودَهم إنشادا

يا ربّ دعوةُ موقنٍ بإجابةٍ *** ربِّ استجب لا تُشمِت الحُسّادا

وأختم بسرد بعض رسائل المعايدة التي وصلت من بعض المهجرين تحكي المأساة. يقول أحدهم: عيدنا مسروق، والفرح مخنوق، والفكر لا يروق. وقال غيره: العيد يأتي ويروح، وعيدنا هذا العام مجروح، فلعل معايدة أحباب القلب ترد الروح. وتقول رسالة أخرى: في كل عام حقائق وأحلام، وحلمي أن أراك يا وطني بخير، فكل عام وأنت بخير، بل أنت الخير يا وطني! وأخرى جاء فيها: قالوا جاء العيد. فقلت: وماذا ينفع العيد وهو مفارق أحبابه؟ العيد لما نرجع للوطن ونبوس ترابه. وآخرها: قالوا: الروح أغلى، فقلت: بلدي أحلى. قالوا: العمر رايح، فقلت: فراق بلدي جارح. قالوا: القلب يحب، فقلت: البعد عن وطني صعب. سألوا: هل هو غير؟ فقلت: وأروع خير! فسألوني: مَن أنت؟ فقلت: أنا من بلد النشامى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 46)

نزول عدنان عقلة إلى سورية وتدمير تنظيم الطليعة

محمد فاروق الإمام

سعى عدنان عقلة إلى إعادة ربط الخيوط مع الداخل، فأقام صلات بحلب وحماة، وأوفد مراسلاً إلى أيمن الشربجي في دمشق، كما أقام صلات مع المنطقة الشرقية. بعد ذلك أرسل نائبه (أبو الخير – أحمد زيات) ليستقر في منطقة إدلب، حيث قام أحد أفراد الطليعة من أبناء المنطقة (أبو عبد الله الجسري – ماجد دندش)، (كُشف من قبل جماعة الإخوان المسلمين على أنه عنصر مخابرات مزروع في صفوف الطليعة، وأعلمت الجماعة عدنان عقلة بحقيقة أبو عبد الله، ولكن عدنان عقلة سخر من ادعاءات الجماعة، ووثّق علاقته به وقربه منه، حتى أصبح يده اليمنى، وزوجه من إحدى الأخوات الحلبيات تنتمي إلى عائلة كريمة – بيت القاطرجي). وبالفعل استقر أبو الخير في المنطقة المحددة كما أشيع، ولكنه في حقيقة الأمر كان قد وقع في الفخ الذين نصبه له أبو عبد الله الجسري، وأُرغم على بعث رسالة من الداخل يستدعي بها عدنان عقلة، الذي كان قد قرر النزول لتنفيذ بعض المهام في الداخل ثم يعود.

في شهر أيار عام 1983م نزل (أبو عمار – عدنان عقلة) إلى سورية من تركيا متسللاً عبر الحدود من حيث كان نائبه وبعض المقاتلين قد نزلوا، وبعد نزوله بفترة أرسل من الداخل رسالة مقتضبة تنص على أنه بخير، وأن الوضع ممتاز، وأنه قرر البقاء ولن يعود (وبالفعل لم يعد) وأنه مشغول بتدبير بعض المهمات، وأن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا نائبه (أبو الخير) الذي سيتولى معظم المراسلات معهم، وهكذا تبادل أبو الخير ومسؤول الطليعة في تركيا رسائل كان أبو الخير يحولها بدوره إلى قيادة الطليعة التي آلت لبعض رموز الطليعة وعلى رأسهم (أبو العلا – هاشم شعبان) و(أبو النور – غسان أبا زيد) و(أبوصالح – عبد الستار عبود) و(أبو عمر زرعيد) و(أسعد بساطة) و(أبو نبيل عقلة) أخو عدنان عقلة، وبعد رسائل أبي الخير نزلت مجموعات من الطليعة إلى الداخل.

اتصل الإخوان بقيادة الطليعة في الخارج يبلغونها أن معلومات أكيدة لديهم تفيد بأن عدنان عقلة معتقل في سورية هو وكل الذين نزلوا. ولكن الطليعة لم تكترث بهذه المعلومات واعتبرتها كلاماً مبتذلاً من الإخوان، وليست له أي مصداقية، ولم يعيروا هذه المعلومات أي اهتمام أو التحقق منها.

تواترت عدة أخبار تؤكد صحة المعلومات التي نقلتها الجماعة للطليعة، والتي تفيد أن عدنان عقلة معتقل لدى أجهزة الأمن السورية منذ وطئت قدماه الحدود السورية – التركية. ورغم تواتر هذه المعلومات، فقد كانت هناك لقاءات تتم بين مسؤول الطليعة في تركيا بمراسله الذي كان يفد من الداخل، وكان لتعديل عدنان عقلة لخططه التي اتفق عليها مع قيادته في الخارج، تثير الكثير من الشكوك في اعتقاله لدى بعض قيادات الطليعة.

أوفدت الطليعة من عندها مبعوثاً للالتقاء بأبي الخير أو أبي عمار في الداخل، للتأكد من هذه المعلومات وقطع الشك باليقين. فأرسلت مبعوثها (أبو أسامة) الذي التقى بأبي الخير في قاعدته الجبلية، فطمأنه أبو الخير عن الحال، وأرسل معه وصايا في شريط كاسيت يحض فيها الإخوة على عدم الالتفات إلى إرجافات جماعة الإخوان المسلمين، والاهتمام بأمر الجهاد. ثم نزل طليعي آخر هو (أبو ثابت الخطيب) ليتأكد مرة ثانية. وعاد أيضاً ليؤكد أن الأمور طبيعية. وعاد فنزل مع طليعي آخر ولم يعد أحد منهما، وواصل شباب الطليعة نزولهم حتى بلغ مجموع من نزل منذ بدء النزول نحو 70 طليعياً.

عادت الشكوك باعتقال عدنان عقلة تثار بقوة، فاضطرت قيادة الطليعة في الخارج إلى إرسال رسالة مستعجلة إلى الداخل تطالب فيها أبو عمار بالخروج لمعالجة الوضع المتأزم، وأجاب أبو الخير أنهم يبحثون الوضع.

وفي زحمة تلك الأحداث المبهمة قرر (أبو عمر زرعيد) مسؤول الطليعة في أوروبا النزول للقاء أبي عمار، ولم يلتفت لتحذيرات قيادة الخارج بعدم النزول، فنزل وبصحبته مرافق آخر له ليأتي بالخبر اليقين، ولكنه بعد نزوله جاءت الأخبار عبر رسالة من أبي الخير أن أبا عمر والذين كانوا في استقباله وقعوا في كمين وقتلوا.

تفاقم الشك، واتخذت قيادة الطليعة في الخارج قراراً بعدم إرسال أي طليعي إلى الداخل، حتى يخرج عدنان عقلة. وتجمدت أوضاع الطليعة في الخارج نحو شهرين، ثم قطع هذا الجمود بوصول رسالة من المخابرات السورية عن طريق إرسال أخ لأحد عناصر الطليعة هو (حسن خضرو) تخبره بأن ابنه (وكان واحداً من السبعين الذين نزلوا إلى سورية) معتقل لديها مع الباقين، وتدعوه للنزول مقابل العفو عنه وعن ابنه. وأخبر مبعوث الأمن السوري أن كل النازلين اعتقلوا جميعاً! نتيجة مؤامرة دبرها دليلهم الرئيسي في الطليعة، وكان مع المبعوث شريط صوتي لابن الرجل المعتقل يستعطف والده ويذكر له أن المخابرات عاملتهم معاملة حسنة.. وهنا وقعت قيادة الطليعة في الخارج في حيص بيص، وقد تأكد لها ما كانت جماعة الإخوان المسلمين قد حذرتها منه قبل شهور.

مؤامرة الإيقاع بعدنان عقلة

كانت خطة نزول (أبو عمار – عدنان عقلة) ونائبه والكتل الرئيسية للشباب السبعين مبنية على خطة أقيمت بناء على مراسلات حصلت بين عدنان عقلة وقيادة مقاتلي الجبل في منطقة إدلب، حيث أكد مقاتلو الجبل أن قواعدهم تستطيع استيعاب عدد من المجاهدين في الجبل، وأنهم يبايعون الطليعة على الجهاد والعمل المشترك.

جرت هذه الاتصالات عن طريق واحد يزعم أنه من عناصر الطليعة من أبناء تلك المنطقة واسمه (جاهد دندش) وهو معروف باسم (أبو عبد الله الجسري)، وكان هذا الرجل قد التحق بالطليعة بعد خروجه من سورية مدعياً أنه واحد منها في الداخل، وأنه نظم عن طريق الأخ (يحيى حاج يحيى) الذي لم يتمكن الجسري من التعرف عليه عند جمعه به في جلسة عامة، مما دفع الإخوان المسلمين إلى تحذير الطليعة من هذا الشخص وعدم الاطمئنان له، ولكن عدنان عقلة – الذي كانت الثقة بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين قد شابها كثير من الشكوك والعداء – لم يعر هذا التحذير أي انتباه واعتبره من أراجيف الإخوان لزعزعة الثقة بين أفراد الطليعة.

التحق أبو عبد الله الجسري في أحد بيوت الطليعة، وتم زواجه من إحدى الحلبيات (بيت القاطرجي)، وعند وقوع الطليعة بضائقة مالية راح هذا بكل أريحية يعمل في حرفة الدهان ويساعد بعض الطليعيين بتشغيلهم معه، إضافة إلى حمله (سبحة طويلة) لا تغادر يده، وخشوع في الصلاة ملفت للنظر. كل هذا جعله محل ثقة عند عدنان عقلة وجميع أفراد الطليعة ويعاملونه بكل ود وتقدير واحترام، حتى غدا أحد أعضاء مجلس شورى الطليعة.

ولم يكن أبو عبد الله الجسري سوى رجل مخابرات مدسوس أتقن دوره بكل نجاح، أُرسل لاختراق الطليعة ضمن شبكة من المندسين فأحسن أداء دوره، وتمكن من استدراج عدنان عقلة – الذي كان عصياً لسنين على السلطة – مع العشرات من أفراد تنظيمه ليقع لقمة سائغة بيد السلطات السورية دون أي جهد أو عناء أو مقاومة.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ستنصرون

د. محمود نديم نحاس

منذ سنوات قليلة وفي غمرة أحداث غزة كتب شاعرنا سليم عبد القادر، رحمه الله، قصيدة رائعة لأهلها يبشرهم فيها بالنصر، فقال لهم:

ستنصرون لا مراء

ستنصرون في الأرض والسماء

لأنكم مشاعل الحياه، في العالم الخواء

حكاية الأقدار هذي حكمة القضاء

والله يؤتي نصره من شاء

وقد ازدادت القصيدة روعة عندما أنشدها صاحب الصوت الجميل العندليب يحيى حوى، الذي أنشد مجموعة كبيرة من قصائد الشاعر سليم.

وها هي اليوم بلدهما سوريا تمر بمحنة لا كالمحن، فتذكرنا القصيدة بأن النصر قادم بإذن الله. وما أشبه الليلة بالبارحة، فما قاله عن أهل غزة ينطبق على أهل سوريا، بل وأكثر:

قلبي على الضحايا، روحي على الشيوخ والأطفال والنساء

روحي على الرجال صدورهم عراء, أكفهم عزلاء

يصارعون الموت والأهوال

يصارعون بالإرادة الفناء

حياتكم يا أخوتي انتصار

وإن في الشهادة انتصار

في الأرض والسماء منصورون, يا أيها الأحرار

ولا يستطيع الإنسان أن يحبس دموعه وهو يتابع الأخبار ويرى الأشلاء على الشاشة، رغم أن شاعرنا قال:

أطالع المأساه، في الصبح والمساء

أود لو أبكي ولكن يرفض الإباء

في عالم يعتز بالرقص على الأشلاء

نعم يعتز بالرقص على الأشلاء! ففي مأساة فلسطين تشرد مليون إنسان في العراء، أما عدد المشردين السوريين فأضعاف ذلك، وعدد الضحايا لم يعد يُقاس بضحايا فلسطين، بل يُقارن بعدد ضحايا الهوتو والتوتسي. لكن شاعرنا ينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى:

فليسكر الأعداء بالدماء، وليشمتْ بكم من شاء

فإنهم جميعهم أموات, وأنتم الأحياء

ولم يجد وصفاً لهؤلاء الذين يقاومون الموت إلا وصف الأبطال:

تحية يا أيها الأبطال

تحية في البدء والختام

تسري مع الأنسام

تضج بالأنين وتحمل الدعاء

فتحية لأهلنا في سوريا، تحية للأبطال الذين يقارعون الموت، تحية تضج بالأنين وتحمل الدعاء، تحية ودعاء إلى الله من القلب بكل الصدق والإخلاص أن يزيل الغمة وينزل النصر.

أما الذين ينتظرون النصر من الخارج، فإنهم لم يقرؤوا ما قاله شاعرنا عندما وصف موقف الغرب من أهل البوسنة، وهو موقف شبيه بالموقف من أهل سوريا اليوم:

يشمخ الغرب مزهوا بخسته *** وقد تعرى قبيح الوجه مخمورا

يشاهد المحن السوداء ممتعضًا *** جهرًا، وسرًا قرير النفس مسرورا

لو اليهود الضحايا شِمت همته *** أمضى من الريح إنقاذًا وتحريرا

لو أنكم قطط جرباء أسعفكم *** لكن محنتكم أن تحملوا النورا

فراح يغضي عن الجزار في سَفهٍ *** وليس يسألكم عذرا وتكفيرا

فأي حضارة وأي تقدم إلى غير الوراء؟ هكذا عبّر عنها في قصيدته "مقابر الأحياء":

طوبى لنا، قد شبعنا *** تقدماً للوراءِ

يموتُ شعبٌ ليحيا *** نذلٌ عديمُ الحياءِ

ولئن مضى بعض الناس قبل أن يأخذوا حقهم في هذه الدنيا فيبشرهم في قصيدة "محنة" بأنهم في الآخرة لا يستوون مع الظالمين:

تمضي الحياةُ بمجرمين لهم من الأخرى الخَسارُ

وبمؤمنين لهم جنان الخلد منسرحٌ ودارُ

لا يستوون... أتستوي خُضْرُ الحدائقِ والقِفارُ!؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لوبي للمعارضة في أميركا!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الثلاثاء 6/8/2013

لم أكن أعرف أهمية ما يسمونه اللوبيات، أي «جماعات الضغط» بالعربية، قبل ذهابي إلى أميركا مع وفد من «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية»، دعاه مجلس الأمن الدولي إلى جلسة استماع طرحت عليه خلالها أسئلة تدور حول هويته وبرامجه ومفاهيمه، مكنت رئيسه وأعضاءه من عرض وجهات نظرهم في قضايا مهمة تتعلق بوطنهم وشعبهم وثورته.

كان الحديث عن جماعات الضغط في كل مكان. وكنا كلما تحدثنا عن أمر، لفت المستمعون أو المحاورون أنظارنا إلى ضرورة تشكيل جماعة ضغط تتولى الدفاع عن قضيتنا وما يتفرع عنها من مسائل أمام هيئات ومنظمات الشرعية الدولية وبعض مؤسسات الدول الكبرى، وعرضها بالصورة التي تضمن مساندة الرأي العام لها، والضغط على خصومها لإجبارهم على الإقرار بأحقيتها، أو على التخلي عن معارضتهم لها.

هذه اللوبيات هي آلات منظمة تعمل بمنهجية مذهلة لا مجال فيها لأي تهاون، تحدد أهدافا لعملها تتفاوت بتفاوت القضايا التي تتبناها، وتبلور طرقا في مقاربتها وتحقيقها خاصة بكل حالة من حالاتها، تختلف بدورها باختلاف الجهات التي يراد إقناعها بقبولها أو كسر قدرتها على مقاومتها ورفضها. وبما أنها موجودة منذ وقت طويل، فإنها تمكنت من تطوير أنشطتها حتى صارت جزءا رئيسا في العمل السياسي الداخلي والدولي: الأميركي والأجنبي، يسارع كل مطالب بحقوقه أو حريص على كسب قضاياه - حتى إن كانت غير محقة - إلى التعاقد مع واحدة منها غالبا ما تكون متخصصة في مسائل بعينها، أو إلى تشكيل جماعة ضغط خاصة يوجه أنشطتها خبراء يعرفون بدقة مختلف أوجه العلاقات المحلية والدولية، والقوى المؤثرة فيها والقادرة على إيجاد سبل ومسالك من شأنها أن تضمن النجاح للقضية التي تدافع عنها.

ربما كانت جماعات الضغط ظاهرة غريبة عنا وعن تقاليدنا، التي قامت دوما على ثنائية السلطة والمعارضة، ولم تعرف فضاءات مفتوحة على السياسة تقع بينهما أو تكون مستقلة عنهما تعمل بالتسويات والتوازنات وما يتفرع عنها من مناورات، وتتطلبه من ضغوط وتكتيكات وعلاقات شخصية وعامة. بسبب افتقارنا إلى فضاء سياسي حر، يقع خارج مجال السلطة والمعارضة، يعمل في إطار تطبيع العلاقات بين الجماعات والأشخاص، لم نعرف في تاريخنا القديم والحديث ظاهرة جماعات الضغط أو ما يشبهها، وإن كنا عرفنا نمطا من الأشخاص والجهات ذات الحظوة لدى السلطة، تتوسط في بعض الأمور لحل مشكلات تقع غالبا خارج المجال السياسي، وتتصل بمصالح أو بترضيات معينة، يتعامل معها أصحاب قرار، يرون في تلبيتها أمرا إيجابيا يفضي إلى تنفيس الاحتقان في قطاع من الحياة العامة، أو إلى احتواء أطراف منه تربط بالسلطة أو تحيد حيالها.

ومع أن ظاهره جماعات الضغط ليست معروفة كذلك في ديمقراطيات أوروبا، فإنها واسعة الانتشار في أميركا الشمالية، حيث وجودها والإقرار بدورها الفائق الفاعلية أمران مسلم بهما، ومكانها من العمل العام مضمون بقوة الرأي العام والتقاليد، وربما القوانين، فلا يكاد مجال من مجالات الحياة العامة يخلو منها، وليس هناك هيئات تقريرية أو استشارية، رسمية أو حكومية، لا تتعامل معها باعتبارها جزءا تكوينيا وشرعيا من العمل العام، حتى صارت كبوابات يصعب تفادي المرور فيها لمن يريد التعامل مع هذه الهيئات والدفاع عن قضية ما أمامها، وإقناعها بشيء يريد موافقتها عليه. بالمقابل، من ليس لديه لوبي يتولى مساعدته، يكون كمن يقلص فرص كسب قضاياه، مهما كانت صلاته بالمؤسسات الرسمية وثيقة وقضيته محقة. يرجع هذا إلى بيروقراطية الحكومة والهيئات التمثيلية وبطئها في اتخاذ القرارات، وحجم ما يجب أن يتوفر لها من معلومات قبل حسم أي أمر، وتشابك أعمال دوائر متنوعة لكل واحدة منها حسابات ومداخل خاصة إلى المسائل العامة، لديها في حالات كثيرة تحفظات على القضايا المطروحة تبلغ حد الرفض.

انتبه النظام الأسدي إلى أهمية جماعات الضغط الإعلامية، فجند بعضها وأنفق عشرات ملايين الدولارات على حملات إعلامية نظمتها لصالحه، شوهت الثورة وحولتها من فعل حرية مجتمعي إلى صراع ينخرط فيه أصوليون مذهبيون ومتطرفون يريدون القضاء على نظام سياسة وحياة علماني، فلا بد من تنتبه المعارضة من اليوم فصاعدا إلى هذه الجماعات، وتجند بعضها لخدمة قضيتها العادلة وتصحيح صورتها لدى قطاع يزداد اتساعا من الرأي العام العالمي.

لا يجوز أن تحرم الثورة من خدمات جماعات الضغط. ولم يعد مقبولا أن لا تكل بعض قضاياها إلى لوبيات تنشط في إطار مؤسسات دولية وحكومات تلعب دورا حاسما بالنسبة لشعبنا، ولا بد أن تكون هناك في أقرب وقت جماعات ضغط تعمل لصالح حقنا، وتواجه تلك التي تنشط خدمة للباطل الأسدي، الذي يستعين بكل شيء في معركته معنا، ونقاومه نحن بوسائل محدودة وناقصة، تبطل خلافاتنا فاعليتها وتسهم في تغذية دعايته بمواد تساعده على الإمعان في تشويه سمعتنا!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة الحاضنة الشعبية في سورية

إبراهيم الأصيل

القدس العربي

الثلاثاء 6/8/2013

منذ عدة أيام وفي احدى مدن ريف ادلب، حمل أحد الناشطين الاعلاميين كاميرته وخرج ليصور مكان غارة جوية، ورغم أنه اعتاد فعل ذلك لأكثر من عام إلا أنها المرة الأولى التي يخرج بها أحد أبناء المنطقة المتضررين ويهاجمه متهماً إياه أن تصويره هو أحد أسباب الغارة. لهذه الحادثة الصغيرة ومثيلاتها دلالة مهمة على المحك الذي تمر به الثورة السورية، وجرس انذار أن الحاضنة الشعبية تمر بتبدلات جديدة لا يمكن التنبؤ بمستقبلها اذا تركت الأمور تمضي بمسارها العفوي.

رغم كل حماقاته، بقي النظام يقظاً لأهمية الحاضنة الشعبية، أو على الأقل، اعتمدت استراتيجيته على ضرب الحاضنة الشعبية للثورة، بهدف أن تنفض هذه الحاضنة عن الثورة وتتخلى عنها، حتى لو لم تعد لمظلته، فعنفه المفرط قطع أي احتمال للعودة. في الواقع، يسعى النظام باستمرار لاثبات أنه أفضل الحلول السيئة الموجودة، وأنه الشيطان الوحيد القادر على ادارة الدولة في المناطق التي لم تخرج عن سيطرته.

ومن هذا المنطلق فهو لا يسعى بالضرورة لاقنــــاع الســــوريين بأنه مهتم بهم، ولكنه يبذل جهده لاقناعهم أنه الوحيد القادر على الحفاظ على الحد الأدنى من الدولة، والمصدر الوحيد للحياة، وإن كانت تحــــت ظـــروف غـــير انسانية إطلاقاً، هو لا يحاول اقناعك بأنه صادق، ولكن يسخر كل قدراته الأمنــية والإعلامية لاقناعك بأن الجميع كاذبون أيضاً. بمعنى آخر لا يكترث النظام السوري إن كان السوريون يدينــــون بالولاء له أم لا، ولكنه يسعى لأن يضمن خوفهم من سواه، وأن يحطم البوصلة ويضرب المــــكونات الاجتماعية ببعضها ويعمق الصدوع في البنية الاجــتماعية ليصبح هو الطرف الأقوى في الساحة، وبهذا يضمن استمراره في ما تبقى من المدن السورية، ويطيل عمر الأزمة ويثبت للمجتمع الدولي أنه لن تقوم قائمة للدولة السورية إلا بوجوده.

تمر المكونات الاجتماعية الحاضنة للثورة بظروف اقتصادية ومعيشية صعبة جداً، بالاضافة لتغول بعض الكتائب المتطرفة في حياة الناس ومحاولتها فرض نمط من الحياة لم يعتده السوريون يوماً، كل ما سبق بالاضافة لعوامل داخلية وخارجية أخرى كان سبباً لعجز الثورة عن تقديم مثال ناجح في المناطق المحررة، وهذا أدى بدوره لأن تكون أهلية أي بديل للنظام محل تساؤل وشك لدى الكثيرين.

يتمحور السؤال الجوهري حول كيفية مواجهة أسباب انحسار الحاضنة الشعبية ولم شمل الناس حول الثورة، ويبرز الحراك المدني كأحد أهم اللاعبين القادرين على توسيع الحاضنة الشعبية وتعزيزها، هو الذي أوجدها، وهي بدورها مهدت لحاضنة شعبية لمقاتلي الثورة المسلحين، وهذه الحقيقة يجب أن تبقى ماثلة أمام مكونات الثورة سواءً المدنية منها أو العسكرية، وأن تذكر التشكيلات السياسية المعارضة، بالاضافة للقوى المدنية للثورة أن على كاهلها مسؤولية جمة وتاريخية في المناطق المحررة خصوصاً، من الرقة إلى ريف ادلب والقسم المحرر من مدينة حلب وريفها والمناطق الأخرى، واستمرار الثورة يقتضي حكماً تقديم نموذج ناجح بما فيه الكفاية ليغري المناطق التي ما زالت تحت سيطرة النظام، وعلى المكونات العسكرية أيضاً ادراك هذا الأمر، وأن عليهم مسؤولية حماية الناشطين المدنيين والصحافيين من قبضة المتطرفين، لأن الانتهاكات والتضييق الذي يتعرض له الناشطون من بعض الكتائب المتطرفة يصيب الثورة في مقتل، وستكون نتيجته عجزا مدنيا وتنمويا، أما التعرض للناشطين فهو خط أحمر وجريمة بحق الثورة لا يمكن أن يبررها أي سبب، وإن تهاون الثوار فيها، مدنيين أو عسكريين، سينعكس ذلك سلباً على الجميع ويضعف الثورة من عمقها.

من القضايا الشائكة والحساسة في المناطق المحررة تعامل الأجسام الإدارية الثورية مع الشرائح التي لم تنخرط في الثورة سابقاً، فترفض بعض المجالس المحلية اشراك الشرائح الرمادية التي بقيت صامتة خلال العامين الماضيين في عملها. ادارة البلاد ليس جائزة أو غنيمة، بل مسؤولية الجميع، واشراك الجميع دليل نضج وطني ويضمن توسيع القاعدة الشعبية للثورة السورية، ويعزز من فرص الاستقرار واعادة بناء السلم الأهلي في وطنٍ لم يبخل أبناؤه بشيءٍ ليروه حراً ويعيشون حياةً كريمة في كنفه.

يدرك الكثير من الناشطين أهمية معادلة الحاضنة والقاعدة الشعبية والمتغيرات فيها، وطور بعضهم استراتيجياته لتتضمن نشاطات وفعاليات لا تهدف إلا لتمتين العلاقة مع المجتمعات المحلية، وهذا التوجه يؤتي أكله اذا تحول لتوجه استراتيجي عام للحراك الثوري في المناطق المحررة، ويتطلب هذا دعماً من التشكيلات السياسية المعارضة وتوجيهاً من مثقفي الثورة ومفكريها، فتوسيع القاعدة والحاضنة الشعبية يعني تضييق الخناق على النظام، وذلك هو أقصر طريق نحو اسقاطه ونحو تحقيق أهداف الثورة بالحرية والعدالة والكرامة.

 

‘ باحث سوري في مركز الشرق للبحوث

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
في أخطاء بعض المقاربات الملازمة للثورة السورية

عمر قدور

المستقبل

الاحد 11/8/2013

المقارنة بين حال الثورة السورية اليوم وحالها وقت انطلاقها، قد تكون مخيبة لآمال الكثيرين. وقد تكون مؤلمة في بعض مفاصلها؛ هذا واقع ينبغي الاعتراف به والبناء عليه. إن لم يحدث هذا الاعتراف بالواقع فسنجد أنفسنا أمام ثورتين؛ واحدة منهما يقتصر وجودها على الأفكار والمُثُل، من دون أن تتعين على الأرض، وأخرى تسير وفق المقتضيات الظرفية، من دون أن تكون مشدودة بقوة إلى الآفاق الرحبة للثورة.

لقد كان واحداً من أهم انتقاداتنا للنظام أنه يعمد إلى سياسة الإنكار تجاه الثورة، أو أنه منفصل عن الواقع تماماً، ولعل أهم ما يُخشى أن يقع فيه بعض الثوريين هو الانفصال عن الواقع أيضاً، ابتداء من إنكار الوقائع على الأرض كلياً، والذي يتجلى باعتزال الفعل الثوري وتركه للقوى "الأقل تأهيلاً أو مدنية"، تحت ذريعة اليأس من الثورة. ذلك يعني، فيما يعنيه، فهماً خاطئاً لطبيعة النظام وقدراته أولاً، ولطبيعة الثورة ضمن مجتمع لم يكن مهيأً لها على صعيد الوعي العام بقدر ما كان مهيأ لها على صعيد انسداد الأفق، وبخاصة بسبب خزان القهر الذي راح يفيض بما امتلأ به طوال عقود من الاستبداد.

ومع أن أهم الأصوات التي راحت تروّج فكرة خيانة الواقع لمُثُل الثورة هي أصوات لم تكن في الأصل ذات فعالية معروفة فيها، أو أصوات توقفت فعاليتها بحكم الابتعاد الجغرافي عن الواقع، إلا أن ذلك لا يمنع وجود أصوات أكثر فعالية قد تعلن يأسها واعتزالها. في كافة الأحوال، وهي أحوال مبررة على الصعيد الفردي، ثمة ما يُهدر فعلاً بدعوى سرقة الثورة أو تحولها عن مسارها. وفي أغلب الحالات يغيب التساؤل عن الإمكانيات المهدورة التي ساهمت بسلبيتها في إيصال الأمور إلى ما آلت عليه، ما يقتضي في كثير من الأحيان طرح الاستحقاقات الخاطئة واقعياً، والتي يبدو بعضها وجيهاً على المستوى النظري المحض، في إعادةٍ لأولوية الفكر على الواقع والتنصل من التفاعل الحيوي بين الاثنين.

ليس ما آلت إليه الثورة بالحتمي، بالقدر نفسه الذي يمكن وصف هذا المآل بأنه واقعي. ربما، بين هذين الحدين، تقع الممكنات التي تُهدر، والتي يستطيع المعنيون بالثورة استدراك بعض منها، إن كفّوا عن قياس الوقائع من منطق "قياس الشاهد على الغائب"، وهو منطق لا يحتكره المتدينون وحدهم. لذا سيكون مجدياً أكثر الكفُّ عن مقارنة ما حدث فعلاً هنا بما حدث في أمكنة أخرى، والكفّ عن مقارنة ما حدث بما كان ينبغي أن يحدث؛ بعد سنتين ونصف لم يعد جائزاً الإبقاء على الاستسهال الذي يتخلل العديد من المقاربات الخاصة بالثورة، لأنها لم تؤدّ سوى إلى الاغتراب عنها وعن الوضع السوري عموماً.

ثمة شعارات من بداية الثورة راحت تثير السخرية فيما بعد، في طليعتها "الشعب السوري واحد"، لكن هذا الشعار الساذج الذي يحمل من الرغبات أكثر مما يتجسد بالفعل يمكن تفهمه أكثر من المقولات التي تكررت طويلاً عن اجتذاب "الفئة الصامتة" إلى الثورة، لأن المقولة الأخيرة تفترض إلى حد كبير تجريد الفئة الصامتة من امتلاكها لموقف راسخ من الصراع الدائر، وتالياً إمكانية الاشتغال عليها بوسائل الإقناع "اللفظية غالباً" لاستمالتها إلى جانب الثورة. هذه المغالطة تستهين بمَلَكات تلك الفئة العريضة، وغير المتجانسة من حيث الأهواء، فقسم من الفئة الصامتة كان ولا يزال ينتظر معرفة الكفة التي يميل إليها الحسم ليخرج عن صمته، ولن يفعل قبل ربع الساعة الأخيرة. قسم آخر لا يجهر بموالاته للنظام لكنه يدعم النظام بصمت، إما تحت يافطة الحياد أو يافطة النأي بالنفس. أما القسم المغلوب على أمره، والذي لا يملك موقفاً راسخاً لأنه لا يجد نفسه مؤهلاً لذلك، فلم يكن متوقعاً منه أن يتشجع ما لم تحدث تطورات دراماتيكية تجبره على الوقوف في إحدى الضفتين.

ما يثير الاستغراب حقاً هو أولئك الذين قفزوا من جانب فكري إلى آخر بمنتهى الخفة، فجزء معتبر ممن ينظّرون لاستمالة الشعب السوري بأكمله إلى صف الثورة، كضمانة لنجاحها، كان إلى وقت قريب يتبنى مقولات من نوع "الطليعة الثورية"، ويعتبر العمل السياسي السري "النخبوي بطبيعته" سبيلاً إلى الثورة. يتغاضى هؤلاء عن أن الثورات عبر التاريخ قامت بها نسبة من الشعوب تقلّ عن النسبة التي نزلت إلى التظاهرات في سوريا، وهي نسبة كافية لسحب شرعية أي نظام سواء أكان ديكتاتورياً أم منتخباً، ويتغاضون بشكل خاص عن الانقسام المجتمعي الذي يحدد المواقف من الثورة مسبقاً، وهو قد حددها بصرف النظر عن شعاراتها ووسائلها. تحت ستار الانحياز إلى الشعب يجري الانحدار إلى شعبوية مبتذلة، وغير بريئة، لأنها إطلاقية ومستحيلة أيضاً.

انطلق بعض التنظيرات من غيرة معلنة، أو طائفية مستترة، يجتمع طرفاها على الخشية من سنّيّة الثورة، وفي الحالتين غابت الفوارق بين الحامل البشري للثورة والحامل الفكري لها. فالذين نزلوا إلى الساحات والأزقة، ورفعوا الشعارات الوطنية الأولى، كانوا بغالبيتهم العظمى من السنّة وبمشاركةٍ خجولة من نخب وطنية أخرى؛ هذا لا يجرّد الثورة من وطنيتها إلا إذا جُرّد السنة من وطنيتهم، وحينما تُجرد الأكثرية العددية من وطنيتها لا يبقى مجال أصلاً للحديث عن المسألة الوطنية. لقد كان مطلوباً من الثورة إرسال تطمينات إلى الآخرين ليأمنوا جانبها، وفي الترجمة التي لا تُعلن كان بالأحرى مطلوباً من السنة إرسال تطمينات إلى الطوائف الأخرى، لكن الواقع يقول أنْ ما من تطمينات أو تعهدات يمكن إعطاؤها توازي واقع امتلاك السلطة أو وهم امتلاكها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يمنح المستقبل أماناً فعلياً سوى للمشاركين في صنعه، أو المشاركين فيه بعد تحققه، لذا ليس منتظراً أن يطمئن الجميع في حالة الثورة، ولم يحدث أن اطمئن الجميع على مصالحهم في أية ثورة سابقة، ما لم يسقط النظام وتبدأ لغة التسويات بين أطراف الصراع المجتمعي.

يتحاشى السوريون توصيف ثورتهم كحرب أهلية، لأن التوظيف السياسي لهذا الوصف ينال من شرعيتها؛ ذلك لا يمنع من القول بأن أية ثورة هي حرب أهلية بما أن أطراف الصراع هي في الأساس داخلية. قد تتخذ الحرب الأهلية طابعاً دينياً أو طائفياً، هذا هو بالفعل ما يخشاه السوريون، لكنهم لا يملكون ضمانات حياله إذا استمر الصراع طويلاً. إن التخوف من الانزلاق إلى حرب طائفية لا يمنع وقوعها، والاختباء وراء شعارات الوحدة الوطنية من جميع الأطراف لا يحجب الممارسات الطائفية التي وصلت إلى حد التطهير الطائفي في بعض المناطق؛ هذا يرتّب على الجميع الاعتراف بالمشكلة بدلاً من الإعراض عنها، وأيضاً بدلاً من اعتزال الثورة بوصفها أصبحت "حرباً"، لأن أسوأ التصورات اليوم يقل سوءاً عما سيحدث لاحقاً إن لم يبدأ المتضررون بمحاولة عزل العناصر التي تفاقم الطائفية، وعلى رأسها أولاً وثانياً النظام.

سوريا لم تكن مرشحة لثورة ياسمين كما يحلو للبعض؛ النظام الذي قام على العنف، وعلى الإمعان في تغذية العنف الداخلي لدى الجميع، لم يكن منتظراً منه سوى ما فعله وسيفعله. كان لا بد لفائض العنف أن يظهر يوماً في المجتمع أيضاً، ولا سبيل للحد منه إلا بقوننته أولاً؛ ذلك يقتضي تفهم أسبابه العميقة والتخلي عن لغة الحرب إزاءه، لأن لغة الحرب التي يستخدمها بعض المثقفين اليوم معدومة الفعالية ما لم تكن مسنودة بدولة القانون وبزوال بنية النظام المولّدة للعنف.

الثورة هي أن نفهم الواقع وممكناته، وإلا ما نفع التشدق بها؟ مع الواقع ليس ثمة حياد، فإما المشاركة فيه "وفق تصوراتنا لا خارجها" أو اعتزاله؛ يخطئ كثيراً من يحاول أولاً أن يملي عليه شروطه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : كتب : سورية أكبر من الثورة !!! أكتب : سورية هي الثورة

13.08.2013

زهير سالم

اطلعت عرضا على نص سياسي لشخصية وطنية أكنّ لها الود والاحترام  . كان النص ينضح بألم نفسي ، وشكوى مرة ، ويؤشر بطريقة موحية إلى بعض ملامح الاختلاف بين الناس .

ولقد جعلت النص بأبعاده النفسية والفكرية موضع تأمل ومراجعة بحثا عما يمكن الاتعاظ منه والبناء عليه . لأبدأ بالقول للصديق الودود الصادق فيما عبر عنه من ضيق وألم ، أنها هي الدنيا وطبيعة الأشياء وليس لمن يتصدى لشأن كالذي تصدى الصديق له ألا ينتظر من الناس إلا المديح والاطراء أو التسديد والدعاء. فالناس في شدة ولأواء تدفعهم في كل ساعة إلى أن يجدوا كبيرا يشتكون إليه أو يشكون منه . ..

وفي كثير من الأحيان حين أسترجع في ذاكرتي ما عانيته في حياتي الجماعية من قريب ومن بعيد ، ومن موافق ومخالف ؛ أعود إلى نفسي فأتوقع ما عاناه الآخرون مني ، من خطأي وصوابي ، من طريقتي في الطرح ، أو من نزقي وعجلتي حين تستبد بي فكرة ارى فيها الخير كل الخير ، في حين يعجز الآخرون – فيما يخيل إليّ – عن اللحاق بركبي أو الارتقاء إلى أفقي !!!!!

لا أظن أننا يجوز أن نضيق بنقد الآخرين ، وإن أتى أحيانا لاسعا لاذعا بل ومبرمجا يتحرك خلفه أشباه وأشباح ، يريدون توظيفه فيما يظن أحدنا أنه فعل استباقي يوفر لهم حماية مصالحهم أو يبعد عن أذهانهم شبح مفسدة تتمثل في وجودنا بالنسبة إليهم . لذا أتمنى دائما أن نخرج من معامع العمل العام في حالة من الصحة النفسية تسمح لنا بتفهم نوازع الناس وتصرفاتهم . فالناس منذ كانوا : باغ ومبغيٌّ عليه ومظلوم وظالم . ومالك عند الناس بعد كل تجربة هو من جنس ما لهم عندك  .

وأعود إلى البعد الذي توقفت عنده في نص الكاتب العزيز لأجد فيه بعض ما يفسر الخلاف الذي عايشناه بين صاحب النص وبين مخالفيه الذين أخرج خلافه معهم مخرجا نفسيا اتهاميا مع أنه في التوكيد على حقيقة أن ( سورية أكبر من الثورة ومن النظام ) يشير إلى مرتكز موضوعي لسر هذا الاختلاف .

ومن باب التسليم بحق المخالف ربما من المفيد أن أقول أن هذه المقولة ( سورية أكبر من النظام ومن الثورة ) لا تمثل حقيقة مطلقة عند جميع الشركاء بل هي حقيقة تقديرية تصح في أذهان البعض وهي قابلة للنظر في أذهان آخرين ..

وهؤلاء الآخرون لا يرون أي شكل من أشكال الازدواج بين ( سورية الوطن والإنسان وبين الثورة ) . وهذه الرؤية كنقطة بداية جديرة بدفعنا إلى ما عانينا منه من بعض الاختلاف الذي ضج له الكثيرون بالشكوى .

وتقديرا لصاحب النص في دوافعه لتقدير هذه الحقيقة واحترازا من أن يفهم أن الاختلاف في تقريرها ناشئ عن لامبالاة بإنسان أو بعمران ؛ فإن الحقيقة التي يجب أن نؤكد عليها أنه ليس لأحد أن يسبق إلى دعوى الانفراد بالحرص على ما يمكن الحرص عليه ، ولا إلى إظهار التعاطف الأكبر مع آلام ومعاناة الناس . ( الأهل أهلي والديار دياري ) كما قال خير الدين الزركلي يوما . والمراهنة على كسر الإرادات بارتكاب المزيد من الفظاعات هي التي يعمل عليها بشار الأسد والمجتمع الدولي معه . ومع شعورنا جميعا بالألم الواحد ، وبضرورة وضع حد له بكل سبيل ؛ ربما تختلف طرائق رد الفعل على التحدي أو الاستجابة له ...

في تصور المخالفين لمقولة ( أن سورية أكبر من الثورة ...) أن سورية هي الثورة . وأن الوجود الحقيقي في آفاقه الإنسانية والحضارية والشرعية ليس هو الوجود البيولوجي الذي لا نستهين به بل لا نقبل أن نُحاصر فيه . وأن القتل ليس فقط بسفك دماء الناس وإنما هو أيضا بكسر إرادتهم وسلبهم حريتهم . وإنما الميت ميت الأحياء .

لقد انتظر شباب الثورة الذي لا يزال يعيش عنفوانها لهيبا يحرق الظلم والظالمين القائد الذي يوظف عنفوانه في تسهيل الطريق إلى النصر المبين وليس القائد الذي يصرف الوقت والجهد في الحلول المجربة اليائسة والميئسة ..

يمكن من وجهة نظر شخصية أن أعترف أن  قوى المعارضة السياسية في سورية عجزت أن تقدم القيادة المكافئة القادرة على تحمل جزء من التبعة التي تحملها ثوار سورية طائعين مختارين وما زالوا ..

سورية بثورة أبنائها اليوم تكون أو لا تكون هذه هي المعادلة التي يجب أن يعمل عليها العاملون (( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ )).

لندن : 6 / شوال / 1434

13 / 8 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"إنجازات" بشار الأسد التي "تتكلم عن نفسها"...

دلال البزري

المستقبل

الاحد 11/8/2013

الصورة عمرها بضعة أيام. يظهر فيها بشار الأسد مصافحاً جندياً من الجيش. وذلك في زيارة له الى بلدة داريا المنكوبة، بمناسبة عيد الجيش السوري. خلف الصورة عمارة نصف مدمّرة. على يمينها بقايا دمار قديم وسيارة محترقة. وعلى يسارها عمارة مدمرة أيضاً وحولها كتل من الحجارة المتناثرة. الأرض التي يقف عليها بشار أصبحت ترابية. اختفى الإسفلت عنها. وحولها وعليها كومات من التراب والحجارة نبتَ فوقهم عشب بري آخذ باليباس. فيما لا بشر غير بشار والجندي السعيد بمصافحته أمام الكاميرا. لا بشر ولا حركة لمخلوق. ربما كلاب تائهة وقطط تبحث عن طعامها في الجثث المنسية... أو هكذا تكاد الصورة تنطق به. فداريا بلدة مهجورة، لا إنس فيها ولا جن... كان بوسع صاحب العدسة ان يغذّي صورته بتوسيع إطارها، أو بإسكانها بالـ" الجماهير المؤيدة... العاشقة للرئيس"... ولكن عينه البصيرة بدت وكأنها واعية لأخطار هذا التوسيع، فحصرت أضرار الصورة بأن ضيّقت إطارها بالقدر الممكن. فيما لم تستطع شيئاً بالنسبة للبشر. لم يتمكن منظمو الصورة من جمع العدد اللازم من هذه "الجماهير"؛ الزيارة ربما أتت على غفلة، في ظل الأجندة المزدحمة للـ"الرئيس"، أو إن المصوّر لم يكن نبيهاً بما يكفي...

المهم انه أمام هذه الأطلال، كان على الأسد أن يقول كلمة، أن يعطي معنى للمشهد الذي يتوسطه. فماذا قال؟ قال حرفياً: "ان الإنجازات على الأرض تتكلم عن نفسها"، مضيفاً، من دون خفر، انه "واثق من النصر".

ان أي شخص سوي سوف يقول لك بأن بشار هذا "يخرّف"، أو يهذي، أو يكذب، أو يلفق أو يمزح أو يعبث بمعاني كلمات مثل "الإنجازات" أو "على الأرض" أو "النصر". فالصورة تنطق بعكس ما يقوله بطلها. هل يعني بالـ"إنجازات" كل هذا الخراب؟ هل يعني "على الارض"، بأن هذا الخراب وهذه المدينة الشبحية هما مبشّران بالـ"إنتصار"؟ على أساس انه سوف يدخل التاريخ، أو "غينيس"، وهو وقواته، بأرقام "قياسية" من القتل والخطف والتعذيب والسرقة والتدمير للعمار... الخ؟ أم ان معناه العبثي الظاهر يبطن معنى آخر، مخفي، أعمق، تريد الصورة أن تنكره، من دون أن تنجح في حجبه تماماً؟

صحافي حاذق أراد، من غير قصد ربما، أن يوضح لنا معنى هذه "الانجازات" و"الإنتصارات"، فنقل إلينا معلومة مهمة من "مصادره". وهي تقول بأن "الأمنيين" لاحظوا أخيراً عمليات "رصد إسرائيلية وأطلسية لتحركات الأسد". ما دفع "المولجين بأمن الرئيس السوري ومستشاريهم (غير السوريين في بعض المرات) الى فرض خطط تقضي بعدم التحرّك في عدد من الأماكن الحساسة". لكن هذا لم يمنع الأسد من "إزعاج" الأمنيين في بعض التحركات ومخالفة نصائحهم"؛ ومن بين هذه التحركات، او بالأحرى من بين هذه "المخالفات" التي طُلب من الإعلام تغطيتها بالصورة، تلك الزيارة التي"أنجزها" الرئيس في داريا. فكانت الصورة وكان التصريح، الذي لا يظهر شيئاً، حسب هذا التفسير، قدر إظهاره للـ"الانجازات". هل فهمنا؟ هل أدركنا معنى الإنجاز الجوهري الذي حققه الأسد بأنه شرب حليب السباع، فـ"تجرأ" على نصائح مستشاريه السوريين وغير السوريين بالتجوّل في البلاد التي يعشقه أهلها؟ هل فهمنا؟...

ولكن ما عليك من هذه الدعاوي الباعثة على السخرية... وأدخل في الجد: لن تبحث كثيراً، لو أردتَ أن تجد ما يفيد "سوء التفاهم" هذا بيننا وبين معاني هذه الصورة. أنظر قريباً منك، وترى "إنتصاراً" مماثلاً و"إنجازات" شبيهة، في تلك التي تكبدناها في تموز 2006، عندما وقف حسن نصر الله على دمار حربها، وأعلن عن "إنتصاره التاريخي الإلهي الإستراتيجي" على اسرائيل. صحيح ان هذا الإعلان أعدّت له عقول إعلامية "ذكية" إستطاعت ان تفعل فعلها أكثر مما تمكن منه مصوّر بشار، بل كل جهازه الاعلامي، "الرسمي". ولكن بعد حين قليل، بانت ترجمة هذا النصر على الأرض، من انه نصر على اللبنانيين وغلبة على شؤونهم. وتنكّر فجّ لكل الخسائر الكبيرة التي مني بها لبنان واللبنانيون من جرائها، وكأن القتلى والدمار والخراب وتصدع لبنان نفسه.... ثمن "رخيص" لهذا الإنتصار. يقبض الحزب مقابله أغلى ما يشتهيه: الحفاظ على زينته، سلاحه: "فدى صبّاتَك... يا....!".

من غير العجيب ان يتحول بعد ذلك سلاح "الانتصار على العدو" الى سلاح الدفاع عن نظام بشار الأسد. فكلاهما يضمر المعنى نفسه للـ"الإنتصار": الحليف والرديف لا يبصران تلال الخراب والفراغ اللذين يتسبب بهما هذا الإنتصار. لا يريان ذلك. انهم الآن بصدد شيء واحد، هو "إنقاذ" النظام من السقوط. الهدف ليس إنقاذ البلاد، بل النظام. من أجله ترخص كل الاشياء. كما كان في السابق، عندما كان يسأل النظام عن معنى "نجاحاته"، كان يهمس في الآذان، بأنه، بصرف النظر عن القمع والفساد والتعطل ونهب البلاد، فان نظامه "ناجح" والدليل على ذلك انه "باقٍ". النجاح هو البقاء في السلطة، البقاء بالإمساك بمصائر الخليقة. كل ما عدا ذلك هراء.

اذن، عندما يتكلم النظام وحلفاؤه الممانعون عن إنجازات على الإرض وعن إنتصارات، لمجرد انهم قضوا على الحجر والبشر في المناطق التي "حرروها" بأطنان القنابل والبراميل والصواريخ... فعليك ان تتصور الباقي: الإعلان النهائي عن النصر الأسدي، إذا حانت ساعته، سوف يكون على بلاد مدماة، يترك بعضها للأموات ويأخذ قطعة منها يتحصن بدورعه البشرية من الذين سوف يستمر فوق رأسهم حكمه الخالد؛ وهذا واحد من "السيناريوات"...

وسوف يصدح بعد ذلك بأنه إنما "أنجز" و"انتصر". كما قال في داريا، كما سبق وقال في بابا عمرو. ولكن على ماذا؟

بالمقابل، مقابل هذا التهافت الواضح لمعنى الإنتصار عند بشار الأسد، ماذا في جعبة الثوار من تصور لمعنى انتصارهم؟

أول ما بدر عن هذه المعارضة، هو انها، مثل عدوها بشار، كانت تستعجله بلهفة عارمة: بعد شهرين أو ثلاث، سوف تنتصر... بعد هذه الواقعة العسكرية أو تلك، سوف يرحل بشار...

أجندة قوى المعارضة أيضا فيها إنتصار مستعجل، وتكبيرات الهية على كل ضربة صاروخ. عندما تصدرت صورة بشار وتصريحه أخبار البلاد، كانت هذه المعارضة تبدو أكثر تعقلا، ربما بسبب تراجعها على الارض. فـ"النجاحات العسكرية المبهرة" التي حققها بشار بيّنت، مع غيره من المؤشرات، كم ان القتال سوف يطول. فأخذت المعارضة نفسا طويلا، ومدت أفقها نحو الأبعد... ولكن هل تعتبر هذه المعارضة المعنى الأخير المستخَلص من تجارب المعارضة في ادارة المناطق المحررة؟ وهو يشي، حتى هذه اللحظة، بشيء من القرابة مع المعنى الأسدي للانتصار؟ أي التحكّم أكثر من الادارة، الهيمنة أكثر من الحرية المنشودة، والخراب والقتل والترهيب، كديكور مقبول لإعلان "الإنتصارات على الأرض"...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب على العقول حول سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 11/8/2013

عندما انطلقت ثورة السوريين في مارس (آذار) 2011، تركز رد السلطة في أمرين؛ كان الأول إطلاق يد الأجهزة الأمنية للمضي في خطوات العنف الدموي ومتمماته بهدف الحد من حركة المتظاهرين والمحتجين ومعارضي النظام، وكان الثاني تشغيل جهاز دعائي إعلامي جبار، هدفه الحرب على عقول السوريين وغيرهم من خلال بث المعلومات والمعطيات، بل وخلق وإذاعة ما يتوافق من وقائع وأحداث مع استراتيجية النظام في التأثير على العقول وإعادة رسم مواقف السوريين وضبط تصرفاتهم وتحركاتهم، وبهذا المعنى فقد كان الرد الثاني هو الأبلغ، وإن كان الأقل ظهورا في الصورة والأقل دموية وصخبا، رغم أن آلته لم تكن أبدا أقل قوة وحجما في التأثير من الجهاز الأمني، وقد كان الأخير بكل جبروته وقوته جزءا من تلك الآلة.

لقد ركز الجهاز الدعائي الإعلامي للنظام على رسم صورة مغايرة للثورة والمشاركين فيها الذين رفعوا مطالب الحرية والعدالة والمساواة، ومنذ بداية الأحداث توالت الأخبار والمعلومات عن مسلحين وإرهابيين وأصوليين ووافدين أجانب، وعن عملاء مرتبطين بالخارج الذي يمتد قوسه ليشمل بلدانا وشخصيات عربية وأجنبية، وأن ما يقوم به هؤلاء هو جزء من مؤامرة ذات أبعاد محلية وإقليمية ودولية ضد النظام ومواقفه وسياساته، وكأن الأمر هكذا بالفعل، وطور النظام حملته على مدار عامين ونصف، مستغلا إضافة إلى الإعلام والدعاية وشركات العلاقات العامة، كل المنابر والأنشطة في المستويات المحلية والإقليمية والدولية للتأثير على الرأي العام والمؤسسات الدولية وعلى الحكومات المهتمة بالأوضاع في سوريا لجعل فهمها للأحداث وموقفها منها في نقطة الحياد، إن لم يكن في موقف المؤيد للنظام والمعادي للثورة على نحو ما يرغب النظام.

لئن استندت حرب النظام ضد الثورة وتعبيراتها وأهدافها إلى استراتيجية وأدوات معينة، مما يعطيها طابع الحرب المنظمة على العقول في سوريا وخارجها، فإن حلفاء النظام في المستويين الإقليمي والدولي، وبخاصة ثلاثي حزب الله في لبنان وإيران وروسيا، انخرطوا في تلك الحرب بطابعها المنظم ووفقا للاستراتيجية السورية، وغالبا فإن مستويات أدائهم الإعلامي والدعائي فيها كان الأفضل مقارنة بأداء النظام على الأقل في ما يتعلق بالإعلام.

ووسط الحرب الإعلامية الدعائية للنظام وحلفائه على العقول وفي مواجهة الثورة، اندلعت حرب أخرى في مستوى الشارع لها نفس الأهداف في التأثير على العقول والمواقف، شارك أنصار النظام وفلوله إلى جانب طابور خامس، شكل المتعيشون على هامش الثورة القسم الرئيس منه، ركزت على أوضاع الثورة وما يجري فيها وحولها من أحداث وتطورات سياسية وميدانية، إضافة إلى الأوضاع المتردية لملايين السوريين، وخصوصا أوضاع المهجرين في الداخل واللاجئين إلى بلدان الجوار، وما يحيط بالجيش السوري الحر والتشكيلات العسكرية للجماعات الإسلامية المتشددة من أخوات «القاعدة»، وبصورة عامة فقد ركزت تلك الحرب على الجوانب السلبية لواقع المعارضة السورية وجماعاتها وعلى ترديات الواقع الميداني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

ورغم أهمية طرح الموضوعات السابقة في الحرب على العقول في مستوياتها المتعددة، فإن الأهم كان التركيز على وجود جماعات التطرف الإسلامي، وخصوصا تنظيمي جبهة النصرة ودولة العراق والشام المنتمين إلى جماعات «القاعدة»، واعتبارها القوة الرئيسة في التشكيلات المسلحة من النواحي العددية والتسليحية، والقول إنها الطرف الأقوى والأشد فعالية في واقع الصراع المسلح القائم في سوريا، إضافة إلى تأكيد أن ثمة تعاطفا سياسيا وشعبيا مع تلك الجماعات، وكلها أحكام وتقديرات لا تستند إلى الواقع ومعطياته وأرقامه، التي لا تشكل أسرارا في واقع سوري معروف ومكشوف لدرجة كبيرة.

إن الأخطر في حرب العقول حول سوريا ما قامت به أجهزة استخبارية أجنبية ودولية، روجت فيه لوجود جماعات «القاعدة» وتنظيماتها مثل «النصرة» و«دولة العراق والشام» وتضخيم لوزنها ونشاطاتها، وقد ساهمت في صياغة سياسات دولية مرتبكة وملتبسة في القضية السورية، ساهمت بدورها في تحميل السوريين فاتورة أكبر للصراع بين النظام والثورة عبر إطالة أمد الصراع وتغيير مساراته إلى صراع مع التطرف خلافا لكونه صراعا بين الثورة والنظام، الأمر الذي يجعل النظام مستفيدا رئيسا من هذا التحول.

لقد حققت تلك الحرب بعضا من نجاحات في أماكن ومستويات مختلفة، لكنها في الساحة الأولى والأهم، وهي ساحة الداخل السوري، فشلت في تحقيق مثل تلك النجاحات، ليس فقط نتيجة معرفة السوريين بالحقائق والمعطيات الواقعية المحيطة بالجماعات الإسلامية المتطرفة ووزنها فقط، بل بسبب إدراك السوريين أن تدخلات مكشوفة من جانب النظام وقوى إقليمية ودولية، لا يمكن أن تكون القوة الحاسمة في التأثير على عقول السوريين وواقع البلاد، وخصوصا لجهة استمرار الصراع بين النظام ومعارضيه على أرضية التغيير إلى نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
المعارضة والثورة في سوريا

فايز سارة

المستقبل

الاثنين 12/8/2013

تعيش المعارضة السورية مأزقاً عاماً في تعاملها مع الثورة في سوريا، يتمثل في ابرز مؤشراته في عجز المعارضة السورية عن القيام بدورها في تحقيق انتصار الثورة، التي تكاد تكمل عامين ونصف العام من عمرها، قدم فيها السوريون فاتورة ربما كانت هي الاكبر في تاريخ ثورات العالم في خلال الخمسين عاماً الماضية، والتي في اهم معالمها خسائر بشرية، تمخضت عن قتل وتغيب واعتقال وجرح حد الاعاقة نحو مليون شخص، وتشريد نحو عشرة ملايين شخص من بيوتهم، منهم اكثر من اربعة ملايين نسمة اصبحوا لاجئين في بلدان الجوار، والبقية مشردين في انحاء مختلفة من البلاد، التي شهدت تدميراً واسعاً في البنية التحتية للدولة والمجتمع، شمل ممتلكات عامة وخاصة وموارد عيش أكثر من عشرة ملايين شخص، اضافة الى تدمير منظومات وروابط عامة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ورغم قسوة المحصلة السابقة، فانها ستستمر متواصلة متصاعدة، ان لم تصل الثورة الى هدفها في تغيير النظام وبناء نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، وهو ماتعجز المعارضة عن تحقيقه لعوامل مختلفة ابرزها نتيجة التشتت السياسي والتنظيمي والصراعات الداخلية من جهة، والاختلالات القائمة في موقف المجتمع الدولي من حيث التقصير في تقديم الدعم والمساندة للمعارضة وقواها في الوقت الذي تقدم اطرافاً دولية واقليمية دعماً ومساندة غير محدودين للنظام في معركته ضد الشعب والمعارضة.

ورغم وجود الائتلاف الوطني باعتباره الوعاء الاكثر تمثيلية وصاحب الاعتراف الدولي الواسع، فان المعارضة بحاجة الى مزيد من الوحدة السياسية لتندرج في اطارها تكوينات المعارضة الأخرى اضافة الى التنظيمات الكردية، وحشدها في اطار سياسي تنظيمي واحد، لاشك ان الائتلاف الوطني هو الاقرب اليه، ويؤدي تحقيق هكذا انجاز الى تحجيم المشاريع المتصادمة مع هدف ثورة السوريين، وابرزها مشروعات ابرزها ثلاثة، اولها مشروع الدولة الاسلامية الذي تزايد طرحه من قبل جماعات التطرف من جبهة النصرة الى دولة العراق والشام، وثانيهما مشروع كيان كردي، والثالث مشروع تقسيم سوريا الى كيانات متعددة.

ومما يدعم الانجاز السياسي التنظيمي في حشد المعارضة، السعي الى توحيد قوى الجيش السوري الحر وتعزيز هيكليته وقدراته بعد ما اصاب تشكيلاته ومهماته من تدهور، افسحت المجال لنمو تشكيلات عسكرية تعمل خارج خط الثورة، بل ان بعضها يعمل في مواجهة هدف الثورة في تغيير النظام، كما هو حال تشكيلات جبهة النصرة ودولة العراق والشام.

ويتطلب تحقيق تقدم ايجابي في حشد سياسي تنظيمي للمعارضة وتوحيد وتفعيل قوى الجيش الحر، السعي الدي الى وقف ظاهرة الصراعات الداخلية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بما فيها الاقتتال بين التشكيلات المسلحة التابعة للتنظيمات الاسلامية وقوات الحماية الشعبية الكردية، حيث تستنزف قدرات وامكانيات كبيرة، وتقدم خدمة غير محدودة للنظام، مما يجعل اقتتال تلك الاطراف خارج دائرة البراءة في ارتباطه بالاجندة السياسية والامنية للنظام، ويجعل من وقف القتال والصراعات المؤدية اليه مهمة عاجلة وملحة امام المعارضة، بل وردع اي قوة تصر على استمراره.

ومن البديهي القول، ان تقدماً تحققه المعارضة في المهمات الاساسية وخصوصاً الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، سوف يقلب ويبدل البيئة السياسية العامة المحيطة بثورة السوريين في داخل البلاد وخارجها، مما سينقل القضية السورية الى سياق مختلف عن سياقها الراهن.

ان الاثر المباشر على الشعب للتقدم في سياق مهمات المعارضة، انه سيحي الامل بوصول الثورة الى هدفها ووضع حد لمعاناة السوريين التي طالت، واعادة تطبيع حياتهم في حدود مستقبل مقبول، وسيدفع هكذا تبدل الى تحولات عميقة في مزاج ودور ومشاركة قوى شعبية جوهره دعم الثورة مما يسهل مهمة انتصارها. ولن يكون اثر انجازات المعارضة على النظام في حال تحققها، اقل اثراً مما ستخلفه في الاوساط الشعبية. اذ سيجد النظام نفسه امام حقائق جديدة، تمثل تحولاً جدياً في معادلات الصراع القائم واحتمالاته، الامر الذي سيضع النظام امام انهيار مؤكد وربما سريع او السعي نحو تسوية سياسية، مما يفرض انقلاباً في استراتيجية الاخضاع بالقوة، التي يتابعها باصرار منذ البداية، ويرى في الوقت الحالي انه يحقق تقدماً بواسطتها بالسير نحو هدفه في اعادة احكام القبضة على سوريا والسوريين.

والاثر الذي يتركه قيام المعارضة بتقدم سياسي وتنظيمي في سياق مهماتها، يمكن ان يترك اثاراً مباشرة في البيئة الاقليمية والدولية المحيط بالصراع في سوريا، ربما يكون الابرز فيها توجه الدول "الصديقة" للشعب السوري الى تعزيز دعمها وتحوله من دعم لفظي ومحدود من الناحيتين المادية والعسكرية الى دعم فعال من شأنه حسم الصراع سواء عبر مسار سياسي مباشر او عبر ضغط لا يستبعد استخدام القوة، وسيكون امام القوى الداعمة للنظام اعادة النظر في سياستها الحالية وخاصة من الجانب الروسي، وان كان لايعول على تغيير جوهري في الموقف الايراني، فان من الصعب على طهران تجاهل اثر مايمكن ان تقوم به المعارضة من تبدلات على طريق انجاز مهماتها في الواقع السوري.

ان المعارضة والائتلاف الوطني يواجهان تحديات ومهمات صعبة، تتطلب القيام بانجازات سياسية تنظيمية وعسكرية، يكون لها اثار عملية في الواقع بجوانبه المختلفة في ابعاده اليومية والاستراتيجية، ويتطلب تحقيق مثل هذه الانجازات وضعها في سياق رؤية واضحة اولاً، وتوفير امكانات وقدرات عملية لانجازها، والاهم مما سبق كله هو توفير ارادة سياسية للمضي في هذا الطريق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"ديكتاتورية القيصر" بوتين

علي بردى

النهار

الاثنين 12/8/2013

لم يتجاوز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقلية الحرب الباردة. أفاد من فضيحة التجسس الأميركية على العالم. بالغ في المزايدة إذ منح المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي أدوارد سنودن حق اللجوء. حاول أثارة انطباع خاطىء أن روسيا تحوّلت ملاذاً للطامحين الى الحريّة. يأمل أولاً وأخيراً في جذب الإهتمام الى شخصه وصرف الأنظار عن الشؤون الداخلية لبلاده.

لا شك في أن العلاقات الأميركية – الروسية تدهورت الى مستويات دنيا. لم يحصل ذلك فقط بسبب أخطاء الإدارة الأميركية في التعامل مع الكثير من القضايا الدولية. أوحى تجاهل موسكو مطالب البيت الأبيض بتسليم سنودن أن بوتين يستخف أكثر فأكثر برد فعل نظيره الأميركي باراك أوباما. ولكن يبدو أن الكرملين استند الى استياء كثيرين في العالم – وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها – مما كشفه سنودن من عمليات تجسس تقوم بها وكالة الأمن القومي على الإتصالات الهاتفية والبريد الأكتروني بذريعة اقتفاء أثر الإرهاب. لم يخف أقرب الحلفاء، في ألمانيا وفرنسا مثلاً، استياءهم. لم يتلاش بعد سخط زعماء دول أميركا الجنوبية من ارغام طائرة الرئيس البوليفي ايفو موراليس على الهبوط بعد الإشتباه في أن سنودن على متنها. كأن شيئاً لم يكن.

كيف ينظر بوتين الى انكفاء الولايات المتحدة في العالم المتغيّر للقرن الحادي والعشرين؟ يرى أن أوباما يركز اهتمامه على الشأن الداخلي. أخرج القوات الأميركية من العراق، بينما يعمل على سحب من تبقى من الجنود من أفغانستان. يكثف غارات طائرات "الدرون" على ناشطي تنظيم "القاعدة" في كل من باكستان واليمن. أعاد بعض الحيوية الى الإقتصاد الأميركي. يعيد رسم خريطة المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة في العالم. كرس المزيد من الإهتمام لعلاقات بلاده عبر المحيط الهادىء، محاولاً الاحتفاظ بما لديها عبر المحيط الأطلسي.

غير أن كل هذه الإنشغالات والمناكفات لن تؤدي الى صرف أنظار المسؤولين الأميركيين عما يجري في روسيا. لن ينتهي الأمر بالغاء الرئيس باراك أوباما اجتماع القمة مع "الولد الضجران الذي يجلس في مؤخر صفه". يقترح السناتور جون ماكين توسيع "لائحة ماغنستكي" الأميركية للمسؤولين الروس الممنوعين من دخول الولايات المتحدة، والتعجيل في نشر نظام الدفاع الصاروخي في أوروبا، وتوسيع حلف شمال الأطلسي بضم جورجيا اليه، وغير ذلك من الإجراءات القارصة التي يمكن الولايات المتحدة والدول الغربية أن تتخذها لمعاقبة روسيا البوتينية.

لن تكون قضية سنودن واجهة لمنازلة أميركية – روسية يسعى اليها بوتين تعويماً لمشروعية سياساته في روسيا. يرجح أن تتزايد الضغوط عليه في القضية الرئيسية التي تشغل بلاده اليوم: حنين بوتين الى "ديكتاتورية القيصر" في الروسيا.

ليس الآن وقت تقديم الحوافز اليه بغية تقليص الدعم لنظام الرئيس بشار الأسد. هذا على الأرجح لن يحصل ولن يكون مجدياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين هي الثورة السورية اليوم؟

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 12/8/2013

كلما طال الزمن بالثورة العالقة بين أنياب ومخالب كفاحها المسلح، تباعدت عنها آفاق أهدافها الأصلية، سوف يسأل الثائر المكافح نفسه: أين هو من نهاية هذا الدرب المظلم، وهل هو درب منفتح نحو نهاية ما، أم أنه أضحى حلقة مغلقة؛ كلُّ مسافة في محيطها تؤدي إلى مثيلتها، تكرر بلواها بآلية صماء. إذن من حق الثائر أن يعيد على نفسه، إن لم يكن على قائده، سؤالَ الجدوى من كل هذا.. ولماذا عليه أن يظل شهيداً حياً ريثما يصير شهيداً مقتولاً.

غير أن كل ثورة لا بد لها من نهاية مهما تعقدت ظروف تحققها، وتتمثل الخاتمة عندما يسقط النظام الحاكم الذي سوَّغت انفجارها بذريعة الانتقام من مظالمه بإسقاطه، بإراحة الشعب من طغيانه، لكن أحداً من قادة الانتفاضة الأوائل لم يسمح لخياله بتصور المهالك التي تنتظر الشباب المندفع ومعه الشعب كذلك.

فمهما يقال عادة في الأدبيات السياسية عن الأثمان الباهظة للانتصارات الشعبية، فليس بوسع أي مخيال متفائل أن يتابع تسويغ الأثمان الباهظة بنتائجها، لاسيما عندما لا تؤدي هذه النتائج إلى الانتصارات المرجوة، بل إلى ما هو عكسها، أو على الأقل إلى تكرار المظالم القديمة تحت تسميات جديدة.

سورية الثائرة هي اليوم لا تكاد تعرف أين هي اليوم، ليس هناك ثمة معسكر من معسكراتها المتقاتلة يمكنه أن يحدّد ما سيكون عليه طريقُه إلى يومه التالي، وليس إلى مستقبل البلد ككل. ففقدان بوصلة الصراع تشترك في معاناته كل الجبهات. الفاقدون لحس الاتجاه ليسوا هم معظم المقاتلين في ساحات الفوضى الدموية وحدهم، بل يشاركهم في ذلك حلفاؤهم في الخطوط الخلفية، حتى إن وباء التيه هذا انطلق أولاً من البؤر العلنية والمتوارية من هؤلاء الحلفاء أو الأنصار، من الممولين وموردي الأسلحة، ومن أنواع وأشكال المعارضات المدنية محلياً ودولياً. فليس ثمة ثورة في هذا الربيع العربي تلاعبت بها الأهواء الدولية كما حدث لانتفاضة شباب الشام. هؤلاء الفتيان الذين ملأوا ميادين الأرياف معلنين إرادة إسقاط الاستبداد، معتقدين أنهم سينجزون المهمة خلال أيام أو أسابيع معدودة، لم يكونوا منتظرين عوناً سحرياً من ماوراء الحدود. بعض معارضات الخارج اقترفت الخطيئة الأولى والمشؤومة، أبدلت بسرعة عجيبة المساعدات الفردية المنتظرة من أفراد الاغتراب السوري ـ وكان يمكنها أن تقدم الكثير ـ استبدلوها بأنواع النجدات المشبوهة الهابطة من أجهزة الدول الغربية والعربية، لقد تمّ بذلك تهجيُن الانتفاضة الشبابية، وقبل أن تتحول إلى فيضان جماهيري هائل، وذلك بمضاعفة الثورة العفوية تلك بنسختين طارئتين عليها، واحدة داخلية مجاورة لها اتخذت اضطراراً شكل الانتظام العسكري، والأخرى خارجية اغترابية، خصّت نفسها بالعلاقات الدولية والنشاط الإعلامي، ثم ما لبثت هذه النسخة المعولمة ان احتكرت صفة التمثيل للأصل الثوري، ومن تمثله في الوقت عينه، كما حدث للنسخة الداخلية المعسكرة التي استوعبت سريعاً واختزلت الدفق الجماهيري السلمي، ولم تُبق من الثورة المدنية سوى بعض الجيوب المتناثرة على هوامش العسكر أو فيما هو أبعد منهم قليلاً أو كثيراً.

كادت هاتان النسختان الطارئتان على الأصل أن تلغيا الأصل، بإبطال فعاليته الاجتماعية، وإن احتفطت الثورة المدنية ببعض أنشطتها الفردية والثقافية، لكن وجودها الجماهيري صار هو المعطل بعد أن تناثرت جبهات القتال في أنحاء الوطن، وفقدت البلاد أبسط شروط الحياة الطبيعة في مختلف بيئاتها السكانية، فإذا ما استُفتيَ الرأيُ العام السوري اليوم حول أقصى ما يأمله في ظروفه الحالية لاجتمعت إرادته حول تمني العودة إلى السلم الأهلي، فليس ثمة من تقدير حقيقي لما يعنيه مصطلح السلم الأهلي هذا، إلا عند من يفتقد شروطه الأولية، هذا لا يعني أن الثورة خسرت حاضنتها الأهلية، أي أن المجتمع بدأ يرفض الثورة بذات الدرجة التي رفض فيها نظام الاستبداد الحاكم، لكن في الوقت عينه يمكن للمراقب الحيادي أن يجزم أن سورية الثورة لن ترضى أن تكون مطية لكتائب التحريفات الظلامية، تهبّ عليها من رياح الأرض الأربع.

لعل أدهى ما أعاق الثورة عن تحقيق هدفها في إسقاط النظام بين أسبوع وآخر كما كانت تحلم طلائعُها في فترة انطلاقتها الأولى، ليس هو تخلي الغرب عن وعود المساعدات الفورية ـ كما هو شائع في السياسات الرسمية ـ بل هو التدخل الكثيف في أخصّ شؤون هذه الثورة، فالعقل الغربي المنذهل بفجائية الربيع العربي منذ نجاحاته الأولى المتتابعة، في البعض الأهم من دول الغرب في الشمال الأفريقي، لم يستسلم لموجة جديدة من الذهول والارتباك التي اعترت تحركات ساسته الظاهرية، إزاء تطورات الحدث الناري المتّقد في ربوع الشام. فقد أدرك بسرعة أن أخطر ما يميز الانتفاضة السورية الجديدة هو بركانها العفوي الذي يغذي قواها الانفجارية من بعضها، وفي الوقت عينه يشكل أمنع درع حافظ لاستقلاليتها.

فقدانُ هذه الاستقلالية، لم يتحصّل بسبب أعطالٍ في الممارسة الثورية فحسب، بقدر ما أفرزته استراتيجيةُ خبيثة مضادة صمّمت على استخدام الثورة لغير أهدافها، مع المحافظة على حد أدنى من إيقاع حراكها اليومي؛ وحدث ذلك كما يلي: حين انتفض شعب سورية بعد هجوعٍ لثلاثين عاماً، كان له هدف واحد هو الخلاص من عصابة الطواغيت المتحكمة بحياة الناس وأموالهم ومستقبلهم. وعندما تدخل المجتمع (الدولي) تعامل مع ثورة الشباب كفرصة تاريخية لتحقيق هدفه التقليدي، وهو التخلص من سورية كدولة وشعب وحضارة، وخاصة كدور رائد وقائد، له جولاتُه المتميزة في قصة انبثاق النهضة العربية الجديدة بمعزل عن لصوص العالم الكبار.

كانت الخطوة الأولى في هذه الاستراتيجية المتجددة تتمثل في إغراق الجسم الوطني الأهلي لكيان الثورة بزحوف من الطفيليات الأجنبية الغريبة والهجينة بأفكارها ومسالكها، وبالتالي المنحرفة بغاياتها الملتبسة عن رؤيا النقلة النهضوية المحركة للانتفاضة الشبابية، كان ذلك أسوأ ما تُبتلى به ظاهرةُ كل ثورة عندما تُستلب منها مادتُها البشرية الأصلية، عندئذ يمكن لهذه الثورة المزوّرة أن تُوظّف في خدمة المزايدات الأيديولوجية والدموية واللاإنسانية من كل نوع، كما شهدته مهالك السنتين السابقتين. إنها ظاهرة تغريب الثورة عن أهلها وثقافتها التلقائية.. يحدث هذا تحت سمع وبصر الطلائع التي كانت هي السبّاقة إلى اجتراح عصر الثورة، لكنها في نهاية المطاف تفقد حتى حسّ الشهادة على خلاصة (المؤامرة).

خلال هذه المهلة الكارثية ما بين اندلاع الانتفاضة والوعد بإسقاط النظام، لم يجر تمديدُ المهلة مرة بعد مرة، مع تأجيل الوعد بالخلاص إلى ما لانهاية، فقط من تلك الأوقات الضائعة والعهود الخائبة. خلال هذا الزمن الأسود المشؤوم لم تكن الثورة لتنمو وتقوى، ولم يكن النظام ليضعف ويتهاوى، بل كانت سورية في ذاتها هي الضحية الكبرى الصامتة والمسكوت عنها، فما أن رُفعت سلطة الدولة عن حدودها الجغرافية ـ بحجة كونها تابعة للنظام ـ حتى اطلقت دول أوربا غربانها السود عبر جحافلَ مهاجرة إلى أرض الجهاد، فانهارت أمام هذه الزحوف الحدودُ الوطنية والعقائدية للثورة الأصل، لم تكتف هذه الزحوف باستنساخ النماذج الشوهاء واغتصاب بعض المعالم البراقة من الثورة الأصل، بل مضت في سباق الاستنساخ الجهادي عن بعضها؛ وأخيراً.. فلقد طفح الكيل حقاً، آن للزبد أن ينقشع رذاذُه عن وجه الخضّم الثوري الحقيقي.

بين إسقاط النظام وتدمير سورية، لا يزال أعداء سورية يراهنون في ابتكار الأدوار الملتبسة، لم يعودوا مجرد فاعلين خارجيين، إنهم محاربون ومقاتلون ومتآمرون من الداخل في كل جبهة وميدان، لكن.. الاختلاف بدت معالمه في أفق اليوم قبل الغد، ما نريد قوله هو أن الشعب السوري آخذ في استرداد وطنية ثورته، باسترداده لمواردها البشرية والمادية معاً، إنها صحوة ثقافية حقيقية سوف توقف مخطط تدمير سورية بحجة إسقاط النظام، سوف يمكنها تصحيح هذه المعادلة الزائفة، سوف يغدو المحرك التاريخي تحت شعار إسقاط النظام من أجل إنقاذ سورية الوطن الدولة والمجتمع معاً.

يبقى السؤال حول طبيعة هذا الإسقاط، هل هي سياسية أم عسكرية أم هي المزيج بين الطبيعتين، وحتى لا نقع مجدداً في الحلقة المفرغة إياها، فلندع القول الفصل إلى شباب الميادين وهم منخرطون اليوم في هذه الصحوة النبيلة من محاولتهم استرداد وطنية ثورتهم من التغريب في صنفيه: الذاتي التراثي والعولمي الأجنبي…

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نصر الله: خيار إسرائيل الأرحم!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 12/8/2013

ذات يوم ـ غير بعيد في الزمن، ولكنه قريب تماماً من حيث تشابه السياقات ـ عمد المعلّق الإسرائيلي ألوف بِنْ إلى كسر الصمت، أو لعله باح بالمسكوت عنه في صفوف الساسة وأجهزة الأمن والقادة العسكريين الإسرائيليين؛ حين عقد مقارنة افتراضية بين: 1) صاروخ فلسطيني من طراز ‘القسام’، محمّل بمواد انفجارية بدائية ولا يتجاوز مداه 12 كيلومتراً، يسقط على سيدروت أو عسقلان، ويتسبب في أضرار طفيفة لا تتجاوز جرح مستوطن أو حفر طريق إسفلتي؛ و2) صاروخ سوري من طراز ‘سكود’، محمّل برأس كيماوي، يمكن أن يسقط على تل أبيب، ويوقع مئات الإصابات.

وتوصّل بن إلى خلاصة قد تبدو بالغة الغرابة، للوهلة الأولى فقط: أنّ الصاروخ الأوّل، ‘القسام’، هو الأشدّ خطورة. لماذا؟ ببساطة، لأنّ الصاروخ السوري لن ينطلق في أية حال (إذ يعرف بشار الأسد أنّ عواقب إطلاقه سوف تعني قيام مقاتلات إسرائيلية من طراز F-16 بدكّ مراكز عصب السلطة السورية أينما كانت، ابتداءً من القصور الرئاسية)؛ في حين أنّ المقاتلات ذاتها لا تستطيع القيام بمهامّ مماثلة في غزّة ومحيطها، إلا في نطاق محدود وحساس، مضارّه أكثر من منافعه، وأنّ العلاج الذي سيُطرح على جدول الأعمال (أي إعادة احتلال القطاع) أسوأ من العلّة ذاتها.

الحكمة، إذاً، ليست في التكنولوجيا التدميرية للصاروخ ذاته، أو الأمدية التي يمكن أن يبلغها، بل في الأصابع التي تضغط على زناد الإطلاق، ولماذا ومتى يتمّ الضغط. وبهذا المعنى، استخلص بن يومذاك، فإنّ الأسد أرحم لإسرائيل من فتية كتائب القسّام؛ وصاروخ الـ’سكود’ الفتاك أقلّ وطأة من صواريخ الهواة التي تُصنّع بموادّ بدائية وبتكنولوجيا فقيرة. استطراداً، اعتبر بن أنّ إسرائيل بحاجة إلى حسن نصر الله، فلسطيني/غزّاوي/حمساوي، يضبط صواريخ ‘القسام’ كما ضبط نصر الله صواريخ الـ’كاتيوشا’ على امتداد الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية.

في صياغة أخرى، من عندنا هذه المرّة، أراد بن وضع صواريخ ‘القسام’ قيد السياسة، وليس وضع السياسة رهينة تلك الصواريخ، على غرار السياسة التي اعتمدها نصر الله، وفرضها ونفّذها ‘حزب الله’، بعد وخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب: سلاح واحد/قانون واحد. أكثر من هذا، اعتبر بن أنّ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سنة 2000 لم يكن راجعاً إلى جرأة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، فحسب؛ بل كان، كذلك، يدين بالكثير لسياسة نصر الله في فرض وحدة القرارَين السياسي والعسكري، سواء بسواء.

وكتب بن أنّ نصر الله قد ‘لا يكره إسرائيل والصهيونية أقلّ من قادة حماس، وخاطفي شاليت، وفصائل القسام. ولكنه، على نقيض منهم، يمتلك السيطرة ويتحلى بالمسؤولية، ولهذا فإنّ التكهن بسلوكه ممكن عقلانياً ومنطقياً. وهذا، في الظروف الراهنة، هو الوضع الأفضل لنا: إنّ حزب الله يقوم بالحفاظ على الهدوء في الجليل على نحو أفضل بكثير مما فعل جيش لبنان الجنوبي الذي كان موالياً لإســـرائيل’. ولأنه لا يوجد في الأراضي الفلسطينية المحتلة نصر الله فلسطيني، تابع بن؛ كما أنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس لا يبدو زعيماً نافذاً مفوّضاً، بقدر ما يشبه ‘مثقفاً معذّباً مؤيداً للمفاوضات الدبلوماسية’؛ وحكومة ‘حماس لا تملك السيطرة على السلاح، أو لا ترغب في ذلك أصلاً… فإنّ صواريخ ‘القسّام’ أخطر من الـ’كاتيوشا’ أيضاً!

والحال أنّ تلك المقاربة لم تكن تصدر عن فراغ، ولم تهبط من سماء التنظير السياسي الصرف، بل كانت تتكيء على مبادىء أساسية، بسيطة ومنطقية وذرائعية، صنعتها عقود من علاقة نظام ‘الحركة التصحيحية’، الأسد الأب مثل الأسد الابن، مع إسرائيل. وكان أمراً بسيطاً ومنطقياً وذرائعياً، أيضاً، أن تحظى تلك المبادىء بمقدار عالٍ من التكامل مع خطط ‘حزب الله’، لكي لا يتحدّث المرء عن حصيلة تكتيكاته مثل ستراتيجياته؛ ليس بسبب العلاقة الوثيقة بين الحزب ونظام آل الأسد، فحسب؛ بل كذلك لأنّ تاريخ علاقات إسرائيل مع إيران، ربيبة ‘حزب الله’ ومرجعيته الفقهية والعقيدية والعسكرية والسياسية والأمنية، كان تاريخاً عاصفاً في مستوى السطح فقط، في اللفظ والبلاغة والضجيج والجعجعة، ليس أكثر.

ومع ذلك، ورغم حصافة معلّق مخضرم مثل ألوف بن، كيف كان له أن يستبصر أنّ ما عُدّ مستحيلاً يومذاك، صار ممكناً تماماً منذ آذار (مارس) 2011، حين انطلقت انتفاضة الشعب السوري ضدّ نظام ‘الحركة التصحيحية’، فواجهها الأسد بكلّ ما في ترسانة جيشه من أسلحة فتاكة؟ وأنّى له ان يتكهن بأنّ صاروخ الـ’سكود’ سوف يُطلق من منصاته في قطنا، على مبعدة كيلومترات قليلة من حدود الاحتلال الإسرائيلي للجولان، لا لكي يستهدف تل أبيب، بل ليقصف حلب وإدلب والرقة ومناطف الشمال السوري؟ وأية مخيلة جهنمية كانت ستتيح للمعلّق ذاته أن يتخيّل مقاتلي ‘حزب الله’ وهم يتلهفون على غزو القصير، البلدة السورية ذاتها التي آوتهم من ويلات القصف الإسرائيلي، سنة 2006؟

أيّ ساذج، والحال هذه، يمكن أن يستغرب استشراس إسرائيل، اليمينية مثل اليسارية، والمتدينة مثل العلمانية، في الدفاع عن بقاء نظام الأسد؟ أو ينقّب، في المقابل، عن أيّ معنى تبقى من مفردة ‘مقاومة، وأختها ‘ممانعة’؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل دنت النهاية؟

مشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 14/8/2013

لا بد لمن تابع معركة الساحل من ملاحظة أمر عظيم الأهمية، هو سرعة انهيار جيش الشبيحة، والطريقة التي اعتمدها في الفرار من أرض المعركة، واتسمت بقدر مباغت من الفوضى، وسادها ذعر جلي يشبه في مظاهره ما يحدث عند وقوع زلزال أو حدث لا سبيل إلى مقاومته. ما إن بدأ الهجوم، حتى ترك الشبيحة أسلحتهم ومواقعهم ولاذوا بالفرار، دون أن يظهروا أدنى قدر من الرغبة في القتال أو تبدر منهم أية بادرة تؤكد تصميمهم على التمسك بمواقعهم وصد المهاجمين، الأمر الذي فاجأ هؤلاء وجعلهم يتقدمون في مناطق الشبيحة دون مقاومة تذكر، ويغنمون كثيرا من الأسلحة والذخائر، وسط حيرة وخوف أهالي القرى، الذين مروا في لحظة خوف ثم ارتاحت نفوسهم عندما عوملوا بإنسانية وانكشفت أكاذيب النظام حول عزم الجيش الحر على إبادتهم، وقدرة الشبيحة على حمايتهم.

هذه المفاجأة هي التي تفسر سقوط عدد كبير من القرى والمواقع الجبلية الاستراتيجية في أيدي المهاجمين، الذين كانوا يريدون اقتحام عدد قليل من التلال المشرفة على المنطقة الجبلية والسهل الساحلي الواقع وراءها، لكن فرار الشبيحة من معظم التلال القريبة، التي لم تتعرض لأي هجوم، ومن عدد كبير من القرى التي وراءها هو الذي أغراهم بمواصلة التقدم، خصوصا وأن خسائرهم كانت محدودة ودون أي توقع، وأنهم لم يواجهوا مقاومة تذكر، رغم أن المدافعين كانوا يرابطون على رؤوس تلال مرتفعة مارسوا منها قصفا يوميا للقرى الواقعة تحتها، التي انتشر الجيش الحر فيها أو رابط قربها.

وكانت قد سبقت هذا الانهيار الجماعي لمعنويات شبيحة النظام مظاهر تؤكد ما بلغته من تهافت، سواء في القصير أو حمص، حيث قاتل عشرات آلاف الجنود مدعومين بمرتزقة حزب الله المدججين بأحدث الأسلحة ضد مئات قليلة من محاصرين مزودين بأسلحة بسيطة، فلم يفلحوا في كسر شوكتهم إلا بعد أسابيع، أحجموا خلالها عن شن أية هجمات أرضية بالمشاة، رغم تفوقهم العددي الكاسح، واكتفوا بالقصف من بعيد، ثم احتفلوا بسقوط القصير بعد صمود استمر ثلاثة أسابيع ونيف، كأنهم انتصروا على جيش وليس على مقاتلين محاصرين. ثم وقعت الواقعة في خان العسل وانهار خلال ثلاثة أيام حصن منيع من حصون النظام ضم مئات الضباط والجنود وعشرات الدبابات والمدافع ومئات الصواريخ. هنا أيضا فر كبار الضباط قبل صغار الجند، واستسلم كثيرون منهم دون قتال، وسقط حصن قاتل طيلة سنتين أغلق خلالهما بوابة حلب الغربية أمام الجيش الحر وأبقاها مفتوحة أمام إمدادات الجيش النظامي الذي كان يطوق المدينة، ووجد نفسه مطوقا فيها بعد سقوط الخان. بعد ذلك بأيام، وقعت مفاجأة من العيار الثقيل هي سقوط مطار «منغ» العسكري، الذي يعتبر واحدا من أكبر مطارات النظام وأكثرها تحصينا وتسليحا. هنا أيضا، فر الضباط قبل العساكر، بعد أن فجرت عربة مدرعة قرب مقر قيادته، فكان سقوطه لحظة إضافية كشفت المدى الذي بلغه انهيار معنويات جيش السلطة وحجم الضرر الذي أصابه نتيجة تحويله إلى مسلحين يقودهم ضباط أمن ويتحكم بقراراتهم شبيحة وقطاع طرق ينضوون فيما يسمى «جيش الدفاع الوطني»، الذي ليس جيشا، ولم يعد يحسن غير الهرب، وليس وطنيا أو من الوطن في شيء.

بالعودة إلى الساحل؛ ثمة ظاهرة مهمة هي أن الجيش السلطوي لم ينجح إلى الآن، وبعد مرور أيام على المعركة، في تنظيم أي هجوم معاكس أو حماية ما بيده من قرى أخذت تتساقط واحدة بعد أخرى، في علامة جديدة وخطيرة على حجم الانهيار المعنوي، الذي صار ملحوظا في كل مكان، من حلب إلى اللاذقية، ومن درعا إلى دير الزور، وكانت بداياته قد لوحظت قبل أشهر، لكن دخول حزب الله كبحه بعض الشيء، وها هو يأخذ الآن صورة عامة يؤكدها بصورة خاصة فرار الضباط القادة، أي ضباط الحلقة التي تمسك الجيش بقبضة من حديد، وتسير متوسطي الرتب من الضباط، وتراقب الجنود، الذين يظهر اليوم أن معظمهم مكره بقوة السلاح على الدفاع عن النظام.

ثمة ما يشير في هذه الحالات جميعها إلى ظاهرة طال انتظارها هي انهيار معنويات جيش لطالما قيل إنه متماسك وخاضع لعملية ضبط وربط محكمة تحصنه ضد التفكك. نحن اليوم أمام جيش بدأت وحداته الكبيرة والمتماسكة تتفكك، لذلك شرع يتخلى عن مواقعه وأسلحته، ويقلع عن القتال بل ويستسلم بأعداد كبيرة دون قتال أو بعد القليل منه. هل هذه بداية نهاية نظام الأسد، الذي تفككه اليوم مقاومة الشعب وبسالة مقاتليه، ويدفعه إلى الفرار تصميم السوريات والسوريين على مواصلة معركة الحرية رغم ما عرفته من معارك طاحنة وتسببت به من دمار طاول كل بيت وأسرة في الوطن المنكوب بنظامه القاتل؟. هل نحن أمام التحول النوعي الذي طال انتظاره؟. لنراقب ما يحدث فهو مهم وخطير إلى أبعد الحدود، سواء بما يحمله من مفاجآت أم بنتائجه!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السياسة الأميركية - الأوروبية تجاه الأزمة السورية

خالد غزال *

الحياة

الاربعاء 14/8/2013

بعد عامين ونصف العام على المجزرة المتواصلة ضد الشعب السوري، تستدعي المواقف الاميركية والأوروبية من الأزمة تدقيقاً في الحقيقي منها والشكلي. الحقيقي المستمر ان أحداً في المعسكر الاميركي والغربي لا يريد للنظام السوري ان يسقط، كما يتشبث ببشار الاسد في وصفه حامياً لمصالح هذا المعسكر. تتركز هذه المصالح على اسرائيل والنفط خصوصاً بالنسبة الى الولايات المتحدة، وقد اثبت عاما الانتفاضة ان النظام السوري قدم ولا يزال كل الضمانات من اجل عدم المس بهذه المصالح.

اما الشكلي في المواقف الاميركية - الاوروبية فهو التبجح الدائم بضرورة رحيل الأسد وعدم صلاحيته للمرحلة الانتقالية، وهو موقف لا يزال يتكرر من الرئيس اوباما الى الموقف الاوروبي وصولاً الى الحليف اردوغان. يترجم هذا الموقف الشكلي بمنع تسليح المعارضة السورية، سواء من الغرب مباشرة او عبر الضغط على الحلفاء العرب. في المقابل، اختفت كل النظرية حول حقوق الانسان ووجوب معاقبة مجرمي الحرب من أهل النظام السوري، في وقت تجاوزت الضحايا المئة الف قتيل، مما يحسم في ان نظرية حقوق الانسان تنطبق على مواطني الدول الغربية والاميركية فقط، ولا تعني بشيء شعوب العالم الآخر.

لا يقتصر الموقف الغربي من بشار الاسد ونظامه على الثقة بكونه الحارس المجرّب على امتداد عقود (منذ ايام والده) على حماية مصالح اسرائيل والغرب، بل تشكك هذه الدول في القوى التي يمكن ان تحل مكان النظام السوري ومدى استعدادها لممارسة مماثلة للنظام. تدخلت اسرائيل بشكل فاعل منذ اعلان الانتفاضة السورية مع المعسكر الغربي من اجل منع سقوط النظام، وهو تدخل لم ينقطع حتى اليوم، لعل ما حصل في معركة القنيطرة وفي المنطقة العازلة على الحدود مع الجولان، من سماح اسرائيل للجيش السوري بدخول المنطقة المحرمة للقضاء على قوات الجيش الحر التي احتلت احد الحواجز هناك خير دليل على دعم نظام الأسد، وهو امر ما كان لاسرائيل ان تسمح به سابقاً. لكن المعسكر الغربي ومعه اسرائيل أدخلت هذه المرة حججاً اضافية واعتبرتها حاسمة في عدم السماح بسقوط النظام، الا وهي دخول قوات من «القاعدة» و «جبهة النصرة» الى سورية والقتال ضد النظام. هذه «الفتوى» الجديدة اعتبرت عنصراً مقرراً في عدم تسليح المعارضة السورية خوفاً من وقوع هذه الاسلحة بيد هذه القوى التكفيرية. وللزيادة في الترهيب، اشاعت المواقف الاوروبية ان الخطر الحقيقي على اميركا والغرب سيكون من احتمال وقوع الاسلحة الكيماوية في يد «القاعدة» ومثيلاتها مما يهدد الدول الغربية في أمنها مباشرة، خصوصاً عندما ستنتقل عمليات هذه المنظمات الى قلب اوروبا واميركا ويجري فيها استخدام الأسلحة الكيماوية. هذه العملية الترهيبية من جانب المعسكر الغربي اتت تصب في الخطاب السياسي للنظام السوري الذي رفع راية مقاتلة المنظمات الارهابية منذ الأيام الاولى للانتفاضة.

بعيداً من التبريرات الأميركية والأوروبية لمنع مساعدة المعارضة السورية بسلاح نوعي يمكنها من الصمود، هناك أسباب حقيقية لم تعد خافية وباتت تقارير الاستخبارات تعبر عنها بوضوح. تقوم هذه الأسباب على نظرية قوامها ان سورية تشكل اليوم افضل مكان لتقاتل القوى المعادية للمعسكر الغربي وتصفية الحسابات داخلها. على الأرض السورية تتواجه اليوم تنظيمات ارهابية متعددة الانتماءات: «القاعدة»، «جبهة النصرة»، جماعات تكفيرية.. سواء داخل اطار «الجيش الحر» ام خارجه، في المقابل هناك النظام وجيشه المستهدف اصلاً من قبل اسرائيل والقوى الغربية بهدف إضعافه وشل قواه ضمن استراتيجية إنهاء الموقع السوري وتدمير سورية، وهناك «حزب الله» الذي قدم نفسه طرفاً صريحاً في الصراع تحت حجة ضرب التكفيريين في أرضهم قبل ان يأتوا اليه في لبنان.

معلوم ان «حـزب اللـه» مـصـنف حـركة ارهابيـة لدى الـمـعسـكر الاوروبـي، ودخـوله في الـحرب السورية هو أفضل الوسائل لإنهاء دوره الوطني كقاومة ضد اسرائيل، ودوره المعنوي والسياسي ضد الشعب السوري واللبناني وصولاً الى العمق العربي. يضحك المعسكر الغربي ومعه اسرائيل طرباً لدخول «حزب الله» في الصراع السوري والزج بقواه المسلحة في أتون الصراع.

تدرك اسرائيل والمعسكر الغربي ان ما تصنفه من قوى معادية لها تخوض اليوم حرباً طاحنة ضد بعضها البعض على الأرض السورية، وهي في هذا الصراع ستتولى بنفسها إفناء قواها. هذا اضافة الى ما تراه اميركا من استنزاف لايران مالياً وعسكرياً. فلم التدخل والاستعجال في انهاء الازمة؟ هذا الموقف بات صريحاً في الدوائر الاميركية والاوروبية، وهو ما يفسر فعلاً الامتناع عن تسليح المعارضة.لا يرد في اهتمام المعسكر الغربي حجم الضحايا التي ستسقط، طالما ان هذه الضحايا ليست أميركية او اوروبية. واهم كل من يعتقد تغيراً في هذا الموقف، مما يعني ان المعارضة السورية ستبقى وحدها في الميدان، وان العرب مسؤولون اليوم عن موقف حاسم يعدل في الوضع السوري على أمل إنهاء عذاب هذا الشعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف :  بين التماهي مع مشروع الثورة والاستسلام للأجندات الفرعية المتغولة عليها..آذنتكم على سواء

12.08.2013

زهير سالم

يبدو أن على العاقل أن يلتقط نفسا عميقا . ويعيد ترتيب المعطيات العملية التي بين يديه ..

لقد فرح السوريون بانطلاقة ثورتهم العفوية المتطلعة إلى آمالهم بتحقيق الغد الأفضل تظلله العدل والحرية والمساواة والإخاء كما فرح زكريا المرزوق بيحيى بعد أن بلغ من الكبر عتيا ..

منذ الأيام الأولى قرر السواد العام من السوريين أن يجندوا كل ما يملكون من جهود وطاقات فردية أو جماعية في خدمة مشروع الثورة ، ودعمها ، والدفاع عن كل ما يصدر عن شيبها وشبابها . كان التغاضي عن كل ما يمكن التغاضي عنه نهجا وسياسة ينطلق من حقيقة أن الطريق الصعب الطويل لا بد فيه من العثرات ..

كان الكل يردد أنه ما دمنا نتقدم إلى ساحة الاختيار الوطني الحر المتكافئ فليس هناك ما يجوز أن يخاف أحدنا منه . بل كنا من الذين ينكرون على المتخوفين تخوفاتهم إذ كيف يخاف المرء من شباب وطنه الثائر للحق المتطلع للعدل والحرية ؟!

لم تنجح الجهود الكبيرة التي بذلها بشار الأسد والمجرمون من أشياعه لتشويه جمال الثورة أو صورة شبابها . ولكنه مع الأسف لقد نجح في تحويل حراك الثوار السلمي إلى حركة مقاومة اضطرارية أولا ثم إلى شكل من أشكال الصراع العسكري ثانيا . ومع إدراك العقلاء قبل الانخراط في مشروع العسكرة بأبعاده إلا أنهم اضطروا إلى مجاراته كمركب اضطرار لم يترك بشار الأسد للسوريين دونه خيارا .

فالقتل اليومي الممنهج ، والمذابح البشعة ، والانتهاك الذي تجاوز كل حد وسط إغضاء كل الأطراف الدولة والإقليمية ألجم ألسن العقلاء عن انتقاد ميل الأحرار إلى الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وأعراضهم . وما زال الموقف هو هو بالتسليم بحق الناس في الدفاع عن خصوصيتهم ؛ ولكن من حقنا في هذا المقام أن نؤكد أن المسئول الأول عن عسكرة الثورة السورية هو سياسات الإجرام من جهة وصمت المجتمع الدولي عنها من جهة أخرى .

بانتقال الصراع إلى صراع مسلح استطاع بشار الأسد أن يصارع على الحلبة الأقوى ولو ماديا ..

والأخطر من ذلك أن الصراع منذ تلك الساعة لم يعد مرهونا بإرادة الثوار وحدهم . بل أصبحت بموجبه الدول الداعمة والمانحة شريكة في هذا القرار ، تعطي إذا رضيت وتمنع إذا سخطت . وبالتالي فقد دخل على معادلة الثورة  والثوار ما هو جدير بأن يبعث في قلوب السوريين الخوف والتخوف . وكانت هذه هي  المحطة الأولى التي تدفعنا للتفكير كيف وإلى أين ؟!

ثم كان مع امتداد أمد الثورة وتراخي الزمن فيها أن نبتت على جنبات مشروعها الوطني العذب الرقراق مشروعات لأجندات غريبة استطاع أصحابها أن يثبّتوا على الأرض السورية قدما وبالتالي أن يفرضوا على مسارها بعض بنيّات الطريق .

أجندات تهدد مشروع الثورة في أهدافه وفي آلياته . أجندات تهدد سورية في جغرافيتها وأخرى في ديمغرافيتها أو في إنسانها وآليات تعمم القتل وتنشر الموت وتعد بسوء العاقبة ..

ويوما بعد يوم وبينما يشتد أسر النبت الغريب والمشروع المريب والأجندة المنكرة تذهب قيادات المعارضة نحو المزيد من التفشي والترهل والتخاذل والضعف ..

يدرك أبناء شعبنا أن أسوء السوء بالنسبة إليهم إنما هو في بقاء بشار الأسد أو أي بقيّة من بقايا خلاياه السرطانية الخبيثة وهذا لا يختلف عليه عاقلان .  أمام هذه الحقيقة هناك استحقاقات كثيرة تفرض نفسها على العقلاء ليجيبوا وبعد كل هذه التضحيات المضئية الجسام أين يمكن أن يكون المصير ؟!

ليس اتهاما لأحد ولكن الحقيقة تفرض علينا أن نقول ان الكثيرين ممن أمسكوا بقرار المعارضة وبالتالي ببعض قرار الثورة والثورة لا يهمهم من أمر بعيرها : إلا أذنه !! وحين يجد ( يحيى ) لنفسه عذرا في النوم في أحضان هؤلاء ، أو مندوحة عن أن يأخذ الكتاب بقوة ، وحين يفرح بمقعده بينهم يبادلهم ويبادلونه ويجاملهم ويجاملونه وينام في أحلامهم ويمكرون به ؛ فحق على كل من يخاف على أهله ووطنه أن يعلنها صريحة : آذنتكم على سواء ...

لندن 4 / شوال / 1434

12 / 8 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نصب تذكاري للحذاء العسكري في سورية!

د. عوض السليمان

القدس العربي

الاربعاء 14/8/2013

تداول نشطاء سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي خبراً مصوراً مفاده أن محافظ اللاذقية، وبرفقة ضباط من مخابرات الأسد، أزاح الستار عن نصب تذكاري في مدخل اللاذقية.

‘الاحتفال’ بالنصب التذكاري جاء بمناسبة الأول من شهر آب وهو عيد الجيش، وللأسف لم يكن النصب لتمجيد ‘بطولات’ الجيش السوري على العدو الصهيوني واسترداد الأراضي المحتلة، ولا تخليداً لانتصاراته، فهو لم ينتصر يوماً ولم يرفع السلاح قطّ إلا في وجه الشعب. أيضاً، وبالطبع لم يكن النصب ليرمز إلى حضارة المسلمين في سورية ولا إلى الحضارة العربية ولا إلى حضارة أوغاريت اللاذقانية على سبيل المثال، بل ولا حتى إلى الحضارة الرومانية. لقد كان نصباً تذكارياً لحذاء عسكري وإلى جانبه رصاصة.

العقل البشري لا يتحمل مجرد تخيل ذلك فضلاً عن أن يتصوره حقيقةً، ولذلك تجاهلت الخبر ولم أعلق عليه. شيئاً فشيئاً بدأ الناشطون يؤكدون الواقعة ويقسمون أنها ليست نكته ولا استهزاء من ‘عبدة الحذاء’، بعد ذلك أخذ الصحافيون ينشرون الخبر بدورهم ويؤكدونه.

أعرف أن شبيحة بشار الأسد ومخابراته يعبدون إصبع بشار، هم قالوا ذلك بأنفسهم وأنشأوا صفحة في الفيس بوك، اسمها عبدة إصبع بشار وقد انضم إليها كل الشبيحة وعناصر الأمن. والصفحة تفاخر بذلك إلى حد بعيد. ونعلم أنهم قالوا بملء الفيه ‘شبيبحة للأبد لأجل عيونك يا أسد’ وقد هتفوا بها بحضور بشار نفسه في ساحة الأمويين العام المنصرم. ولا ندري كيف قبل الأسد أن يكون مؤيدوه من الشبيحة.

وقد رأيناهم وهم يسجدون لبشار ولصورته أيضاً، كما رأيناهم يضعون الحذاء على رؤوسهم تمجيداً وعبودية.

لم يسبقوا بذلك آبائهم الذين كانوا يقولون لحافط الأسد’ يا الله حلّك حلّك بدنا الأسد محلك’ والذين يضعون أغنيات في حافلات نقل الركاب تقول’باقة ورد من الله لرفعت الأسد’. نعرف هذا كله، بل ونعرف أكثر بكثير، ومع ذلك لا أخفي دهشتي من أن يرفع الستار عن نصب تذكاري لحذاء، فقد بلغت العبودية عند هؤلاء القوم حدّاً مخيفاً وصل إلى رفع الحذاء فوق الرؤوس وتمجيده.

لا يخفى أن قصة النصب التذكاري تحمل أبعاداً ثلاثة كما يفهمها النظام، أولها أن النصب افتتح في اللاذقية بمعنى الحذر من الاقتراب إلى المدينة التي يعتبرها الأسد جزءاً من دويلته التي يحلم بها، وثانيها الولهُ بالعبودية الموجودة لدى الشبيحة، بالإضافة إلى البعد الثالث وهو تهديد السوريين بقتلهم وتدمير ممتلكاتهم بالقوة العسكرية.

أياً يكن من أمر فقد آسفـــــني أن ينسب بعضــــنا هؤلاء القـــوم إلى سورية الشام. وأهـــل الشام يقدمـــــون أنفسهم وأولادهم للعيــــش بكرامة والتخلص من العبودية، بينما يحمل هؤلاء المظلات خوفاً من مطر الحرية.

ما آسفني أكثر، أن إعلام المعارضة السياسية السورية لم يلتفت للمسألة حتى اليوم وربما لم يسمع بها، بينما ذهب لإدانة مجرزة خان العسل الوهمية التي هي من بنات أفكار الأسد، وقد أدانها إعلام الائتلاف المهترئ دون أن يعرف عنها معلومة صحيحة واحدة.

كان على الإعلام المعارض أن يبث الخبر بلغات العالم المختلفة، وينشر المعلومة والصورة في كبريات الصحف، وكان عليه أن يشتري مساحات في معظم محطات التلفزة العالمية لينشر مثل ذلك الخبر، فيعرف العالم من هو بشار الأسد ومن هم شبيحته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا تبحث في سوريا عن معارضة تحل إشكالية الأسد

خالد ممدوح العزِّي

المستقبل

الثلاثاء 13/8/2013

بتاريخ 26 تموز \يوليو\ 2013 وبشكل مفاجئ تم استدعاء ممثل الائتلاف الوطني في موسكو محمود الحمزة من قبل المبعوث الشخصي للرئيس بوتين للشرق الأوسط ميخائيل بغدانوف في اجتماع في الخارجية الروسية بعيدا عن الإعلام، فاللقاء فريد من نوعه مع الائتلاف الوطني السوري لان الروس لا يعترفون بوجود هذا الائتلاف وهذه المعارضة. فالاجتماع المطول لأول مرة ساده جو من التودد الروسي للمعارضة السورية وتلطيف للأجواء المتوتر بينهما قبل زيارة المبعوث السعودي إلى موسكو الأمير بندر بن سلطان.

لقد اتسم العهد الروسي الجديد بدعم الدكتاتوريات ولاسيما العربية منها، واليوم تبدأ بدعم المعارضات الموالية للدكتاتوريات كما هو الحال مع المعارضة السورية، التي رسمت أمالها عليها أثناء مؤتمرها في 24ايلول 2012 تحت شعار مؤتمر الإنقاذ السوري والتي رفعت فيه شعار إسقاط النظام ورموزه، بعد أن كان طرحها السابق وأدبياتها طوال مدة الانتفاضة يختصر على إصلاحات سياسية.

بالطبع الروس فقدوا سوريا منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السورية عندما أضحوا طرفا في المشكلة ولن يستطيعوا أن يكونوا جزءا من الحل، لقد فقدوا زمام المبادرة وفقدوا السيطرة على الأسد لصالح الإيرانيين الذين يقودون المعركة فيها، وبخاصة منذ انتفاضة حماة العام الماضي حيث تغلغل العنصر الإيراني على حساب الروسي، وبالتالي لم يستطع الروس إجبار الأسد على تنفيذ أي قرار. والروس استعملوا حق الفيتو ثلاث مرات في مجلس الأمن لحماية الأسد وإيران، استعملوا الفيتو بوجه العرب والشعب السوري وخسروا العرب وسوريا، بالوقت الذي كان يأمل الشعب السوري من روسيا اخذ زمام المبادرة في التعاطي مع الأزمة السورية والوقوف مع شعب سوريا الصديق لها وليس مع جلاد سوريا بسبب حفنة من الأموال والمصالح التي فضلتها على دماء السوريين.

ضيعت روسيا الفرصة تلو الأخرى في حل الأزمة السورية التي كان يأمل العالم كله بان تكون حكما عادلا وليس طرفا في مشكلة خاسرة تعرض مصالحها وسياستها وصداقتها لشعوب المنطقة كلها نتيجة عنجهية وغطرسة سياسية وزرع أوهام وأعداء في عالم الغيب.

إن غياب الرؤية السياسية والدبلوماسية الذي مارسته الدبلوماسية الروسية بشخص وزيرها لافروف سوف تدفع ثمنا غاليا كما كان الحال أيام السادات في مصر؛ فلافروف يصر على هزيمة أميركا في سوريا وما زال يناقش بتعجرف بأنه لا يمكن ان يكون هناك أي حل في سوريا بغياب الأسد، فالزعيم السياسي اللبناني وصديق الروس سابقا وليد جنبلاط يقول: "عندما ذهبنا إلى روسيا لإيجاد حل للازمة السورية تحدث معنا لافروف بأنه لا حل للازمة السورية بدون بشار الأسد".

روسيا التي لم تجد حلا سياسيا لبشار الأسد ولا حلا إنسانيا للشعب السوري الذي يقتل بالسلاح الروسي. روسيا التي شرعت أبوابها لكل الزوار الباحثين في حل للازمة السورية بما فيهم المعارضة التي دقت أبوابها عدة مرات وعادت مذهولة من تصرف الساسة الروس وحديثهم الذي كان يدور حول إبقاء الأسد في السلطة لأنه الرجل الذي يحمي مصالحهم، فالروس الذين كانوا ومازالوا طرفا في الأزمة السورية كانوا يحاولون فرض شروط قاسية على المعارضة السورية، وقد فشلوا فشلاً ذريعاً في استمالتها السورية نحوهم والدخول إلى عقولها بعد أن كانت مكانة روسيا راسخة في القلوب العربية.

إن محاولات عربية عديدة جرّت في موسكو لإقناعها بالحل العربي في سوريا" وآخرها كانت زيارة الأمير بندر بن سلطان الذي زار روسيا في أول آب/أغسطس/2013 لإقناعها بتغير موقفها نحو سوريا والعمل على إتمام فترة انتقالية لاستبدال الأسد، فجوابهم كان دائما من يضمن لنا مصالحنا فيها، فالدبلوماسية تراوغ وتراهن على بقاء الأسد في السلطة متعمدين الهروب عن أي حل سلمي للازمة السورية.

والتساؤلات لافتة حيال معارضة الداخل التي تحاول روسيا دعمها، فهل عدل النظام سقف التفاوض "، الحرية والديمقراطية وحرية التعبير. فالرئيس الأسد الذي أتاح انعقاد مؤتمر المعارضة الداخلية في قلب العاصمة في 24 أيلول 2012، لكنه أرسل رسالة ضغط للمجتمعين كانت واضحة المعالم باعتقال منسق المؤتمر عبد العزيز بالخير ورفاقه في 22 أيلول سبتمبر 2012 العائدين من بكين صديقة النظام.

المؤتمر عقد بحضور السفير الروسي والإيراني والصيني، مما يعطي تفسيرا واحد للمجتمعين بأنهم ينفذون أجندة روسية بحتة، لان روسيا انتظم لها الرهان على بلورة قطب معارض في الداخل السوري.

وتحاول روسيا من خلال المعارضة الداخلية فك عزلة النظام بغية تحويل أنظار العالم إلى أن الأسد لديه فرص لحل سياسي، كي تدعمه وتعطيه السمعة الطيبة وأنه ليس نظام قتل وتدمير وإجرام، وانه يريد أن يحاور وان يجد حلا للازمة السورية.

وتقوم خطة روسيا في سوريا على التالي:

- بناء معارضة داخلية خاضعة للنظام ومنخرطة في مؤسسات النظام.

- تحاول روسيا من خلال هذه المعارضة العرجاء إلحاقها بالمعارضة التي عينها الأسد في حكومته وتحاول أن تشرع دورها من خلال الزيارات التي يقوم بها وزراؤها المعارضون والتصريحات التي يطلقونها من هنا ومن هناك.

- يحاول الروس من خلال هذه المعارضة التي تلبي نداء النظام من اجل تأمين مرجعية له بالدخول بعملية إصلاحات تخدم النظام وتعيده إلى الحياة مجددا وفقا لكتابة دستور يؤمن الاستمرار بالحكم مثل استنساخ الحالة الروسية أو الإيرانية.

4- الرعاية الروسية لمؤتمر جنيف2 مع حلفائها بوجود وفد معارض متنوع وليس موحدا، وتحاول فصل الأكراد عن الائتلاف.

الروس يطلقون العنان ليد الأسد باستمرار العمل العسكري التدميري الذي يمكنه من إخلاء المدن السورية من سكانها تمهيدا لاحتلالها وإخراج سكانها من اجل سحق الثورة السورية وتعتمد على:

- حرب على الكتلة البشرية وليس على احتلال الأرض والمدن، فالمعارك التي يقوم بها النظام هي معاقبة الأهالي الذين يشكلون القوة الأساسية في الثورة والحاضنة الفعلية لتشكيلات الكتائب العسكرية.

- تنفيذ سياسة الأرض المحروقة في تدمير الأبنية والمدن وهذه خطة مارسها الروس في حربهم في الشيشان عندما تم تدمير مدينة غروزني بعدة أيام واحتلالها وفرض أمر واقع على الجميع بمن فيهم السكان، وهذه الطريقة الروسية السوفياتية القديمة في حربهم ضد الفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية عندما تم تدمير مدن بكاملها لاحتلالها، كما كنت الحرب بين إيران والعراق في العام 1980.

والسؤال يطرح نفسه في المجتمع الروسي بقوة، فان سقوط الأسد في سوريا هو تهديد لإمبراطورية بوتين السياسية في الداخل الروسي بسبب تنامي دور المعارضة الروسية، والمعارضة لسياسة بوتين وحزبه، لذلك تحاول روسيا التمسك بالملف السوري وتحويله إلى ورقة ضغط تحاول روسيا من خلاله تحقيق مكاسب سياسية على حساب الدم والشعب السوري، لإقناع شعبها بانتصارات هوليودية على الغرب.

فإذا كان بوتين يتعامل مع سوريا وفقا لمبدأ ستالين:" القائل بان قتل مواطن جريمة وسحق مليون هو إحصاء"، فالأسد ذاهب مهما ارتفعت ضحاياه وإجرامه.

لان الكسندر دوبشك بطل ربيع تشيك" براغ 1968 " يقول :"من الممكن سحق الإزهار، لكنك لا تستطيع تأخير الربيع، لان الربيع كل عام سيعود وقتل الإزهار لا يؤخر بزوغ الربيع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عيد الداخل والساحل ... بين نصر بشار وانتصارات الثوار !

خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الثلاثاء 13/8/2013

لأن الحرب بين معسكر الإيمان ومعسكر الظلم والفجور والطغيان سجال وكر وفر في كل زمان ومكان فلم يكن صحيحا أن تشذ السنة الكونية عن ذلك في مشهد الصراع السوري هذه الأيام،  ولأن ناموس الخليقة جرى أنه في أكثر الأحوال يكون النصر حليف الذين يحتملون الضربات ويصطبرون لا حليف من يضربهم فإن تقدم الجيش الحر وثوار المقاومة الشعبية مع خواتيم شهر رمضان وإطلالة العيد وحتى الساعة في ريف مدينة اللاذقية البحرية وتسجيلهم كسبا كبيرا على الأرض وصل إلى السيطرة على ثماني عشرة قرية موالية للنظام القاتل ولا يزال الظهور مستمرا لم يكن بدعا يشذ عن السنن بل جاء امتدادا لانتصارات شهر القرآن في التحرير وإحراز الغنائم النوعية من أسلحة البغي الجهنمي وفي مختلف الجبهات السورية طولا وعرضا وكان توفيقا ربانيا رد به أسود الحق على الأسد الجزار المغرور الذي يستأسد على المدنيين ويبقى كما كان أبوه نعامة وأرنبا أمام الصهاينة المحتلين الذين لم تنعم جبهتهم بهدوء كما هو الحال على الحدود مع سورية حتى توسعوا في المستوطنات أيما توسع لاطمئنانهم مع حليفهم وعدو الوطن والشعب والضمير، لقد صفع الثوار نصره المزعوم وهو يصافح جنديا في "داريا" وليس حوله أحد من البشر إلا الحجارة المدمرة والركام الذي خلفته طائرات الميغ والدبابات الروسية المجرمة التي تدير المعركة مع إيران الحاقدة وما هو إلا منفذ لأوامرهما كما هما الأجيران الوفيان لإسرائيل، لقد وقف أمام الكاميرا وسط الخراب والدمار مزهوا مدعيا أن الانجازات على الأرض تتكلم عن نفسها وأنه واثق من النصر يا للسخرية والعار إنها إنجازات وانتصارات بهلوانية لم تدر إلا عند الأسد المجرم الذي لا يدور إلا حول نفسه والمجرمين من أسياده وعابديه وشبيحته الذين يهتفون: شبيحة للأبد عند عيونك يا أسد

بشرى بنصر قريب قالها الأسد

فقهقه الأرنب المحسود ينتقد

مرت ثلاث ورغم الدعم كم فشلوا

ونار ثورتنا في الجيل تتقد

ولأن الإمعات لابد أن يسيروا خلف القادة السخفاء فقد قام محافظ اللاذقية بصحبة ضباط من مخابرات الأسد بإزاحة الستار عن النصب التذكاري في عيد الجيش أول أغسطس للاحتفال بالنصر الذي لم يكن طبعا على إسرائيل ولا إشارة إلى حضارة المسلمين وحضارة أوغاريت اللاذقانية وإنما كان وقوفا عند النصب التذكاري في مدخل المدينة وهو عبارة عن حذاء عسكري وإلى جانبه رصاصة فها هو تفكيرهم وها هي شبيحتهم التي كونت صفحة على الفيسبوك اسمها "عبدة إصبع بشار" وهم يضعون حذاءه على رؤوسهم وقد سجدوا على صورة بشار تماما كما كان آباؤهم يقولون لسيد الطغيان الطائفي حافظ الأسد ياالله حلّك حلّك بدنا الأسد محلك، ولقد كان جديرا بالإعلام المعارض ألا يترك وسيلة إعلامية إلا وينشر هذه المعلومة ليعرف العالم من هو الجزار بشار وشبيحته كما نبه الدكتور عوض السليمان في جريدة العرب القطرية 9-8-2013 وإذا كان وزير الدفاع السوري فهد الفريج يعتبر أن السيطرة على حي الخالدية في مدينة حمص وقصف وتدمير جامع الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه سيف الله المسلول الذي يكرهه الشيعة والنصيريون ويدعون أنه إنما أسلم لغرض في نفسه ولا يتسمون باسمه أبدا زعما أنه كان يبغض عليا رضي الله عنه زورا وبهتانا وأن من لف لف الفريج يدعون أن المعارك التي تقدم فيها الثوار وخصوصا في جبهة اللاذقية اليوم قد جاءت ثأرا لحمص والقصير وبانياس وقرية البيضا فما المانع شرعا ووضعا وطبعا من ذلك فالله تعالى يقول: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم..) البقرة  194.

وما فائدة التدافع في الأرض إذا لم يفعل ذلك وما المانع أن يؤدب المجرمون حتى في بلدة القرداحة التي رميت بقاذفات الثوار وهي رمز الجزار بشار ومسقط رأسه وأبيه وإنه لمن أغرب الغرائب أن تقتل الأقلية الأكثرية ثم لا يسمح لهذه أن تدافع عن نفسها وأن تأخذ حقها بيدها ما دامت تستطيع إذ من واجبها ألا تدع مكانا أمانا لجيش الجزار وشبيحته لا في جبهة الساحل ولا في غيرها لأنهم يلعبون بالنار ولا بد من إحراق أصابعهم الآثمة فليكن ما يكون من تطويق اللاذقية وفك الحصار عنها وقطع طريق الإمدادات منها إلى إدلب وحلب أفيجوز للجزار وعصابته أن يدمروا معظم سورية ويذبحوا ويجرحوا ويعتقلوا ويشردوا وينتهكوا أعراض الحرائر والأطفال ويعتدوا على الشيوخ ولا يجوز للثوار أن يحجزوهم بالقوة عن الإبحار في الدماء والإيغال في الدمار إنها اللاذقية التي كانت المدينة الثانية المنتفضة ضد الأسد وعصابته عام 2011 وهي التي حاربت الفرنسيين بالتضامن مع حلب حتى قال الشاعر:

في اللاذقية أجناد تشد يدا

على الزناد وجيش الزحف في حلب

وفيها القسم الثائر ضمن الأرياف جبل التركمان، جبل الأكراد حيث مخيمات اللجوء وأسر المنشقين عن جيش الأسد وفيها قسم نصيري معارض لكنهم منبوذون اجتماعيا من النظام ولولا حاجاتهم لإعالة أسرهم لتركوا وإن العديد منهم لا يجرؤون على الانشقاق لعدم وجود بيئة تحتضنهم في الجيش الحر وفي مدينة اللاذقية استهدف مسجد البيرقدار لإرعاب المصلين، كما أن الخوف قائم من تدمير أحياء السنة، كما حدث في مدينة حمص القديمة حيث إن أكثر أحياء السكن عشوائية وتضرب بحجة أن الثوار يتحصنون فيها ولا يغرب أن يتم ذلك بتواطؤ تجار الإعمار مع تجار الحروب وفي الختام نؤيد النصيحة بمحاصرة القرداحة وبعض القرى دون اقتحامها ما أمكن ذلك حتى لا يتوتر الصراع أكثر وخشية ضعف الاستمرار وإن اقتحام المدن عسير وله عواقبه فلينظر إلى ذلك كما أن أي موضع أو موقع يغلب على الظن أنه إذا حرر لا يستطيع الثوار أن يحافظوا عليه فالأولى اتخاذ خطوات أخرى توفيرا للأرواح ودرءا للأضرار فكونوا يا ثورانا البواسل متميزين بالتخطيط والبصيرة بالواقع واستشراف المستقبل ما استطعتم واحذروا التفرق دواما يا جبال وأبطال ثورتنا المجيدة تقبل الله منا ومنكم بعيد الشهداء.

عيد فعيد فعيد دون تعييد

إلى متى الشام في خطب وتصعيد

حقيقة العيد يا أحرارنا همم

يشدو بها الدهر في فخر وتخليد

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تطورات تستحق المواجهة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الثلاثاء 13/8/2013

يؤمن كثيرون بضرورة إخفاء عيوبنا ومشكلاتنا الذاتية، وأؤمن بأن كشفها هو الصواب، وأنها تقتل من يؤجل مواجهتها أو يهرب ويتهرب منها.

وكانت هناك لفترة غير قصيرة مدرسة شمولية في السياسة ترى في أي حديث لا يقوم على إطرائها والإشادة بها أو على ستر عيوبها جريمة لا تغتفر وتزويدا للأعداء بمادة مؤذية لن يلبثوا أن يستعملوها ضد ما كانوا يسمونه بخشوع «القضية»، وخيانة الأمانة، والغدر بأعضاء ومناصري أحزابها وجمهورها.

يحدث الشيء نفسه اليوم بالنسبة إلى المعارضة السورية عامة والجيش الحر وما يخالطه من جيوش غير حرة في ميادين الحرب والمقاومة بصورة خاصة. ثمة تجاوزات مخيفة تحدث في كل مكان، تتظاهر من خلال محاور ثلاثة: اشتباكات تقع بين كتائب تدعي الانتماء إلى الجيش الحر في أماكن عديدة.. فلتان أمني لا قيد عليه في مناطق تعتبر محررة، مع أنها مستعبدة تماما من صعاليك فاسدين هم لوردات حرب حقيقيون.. وأخيرا، اغتيالات وعمليات تشبيح واعتقال وخطف وتدمير وترويع تمارسها تنظيمات تابعة لكيانات سياسية خارجية، أصولية الهوية والطابع، لعبت دورا كبيرا في تخريب بلدان إسلامية وعربية، وتشن اليوم حربا متصاعدة ضد الجيش الحر بحجة أنه كافر.

وقد طرحت هذه الحالة المدمرة سؤال «ما العمل؟» على الثورة، فأصابها طرحه بالحيرة والإرباك، ما دام الرد على العنف بالعنف سيخدم النظام في الوضع السوري الراهن، ومثله السكوت عن تقويض الجيش الحر وتصفية كوادره وتدمير قدراته وقطع طرق مواصلاته والانقضاض على قواعده وقياداته، التي تستهدفها قوى مذهبية متزمتة. لم يخطر ببال أي سوري أن ثورته من أجل الحرية ستتحول إلى صراعات مذهبية وطائفية وتطرف أعمى سيخرجه، إن هي وصلت إلى السلطة، من تحت الدلف إلى تحت المزراب، كما يقول اللسان الشعبي.

هذه الحال، التي ننزلق إليها منذ أشهر، تم السكوت عنها خلال فترة طويلة نسبيا، فاعتقد العالم أن الجيش الحر يحمي الأصولية، خاصة بعد أن أطلقت تصريحات غير مدروسة صدرت عن قادة في المعارضة ومسؤولين في الجيش الحر، هونت من خطورة ما يجري من انحراف يبعد الثورة عن الحرية كهدف جامع لشعب سوريا الموحد، ويستبدل بها سياسات تقسيمية تمزيقية تشحن الثورة بخلافات وتناقضات تمعن في إضعافها وإرهاق المقاومة وتقويض ما فيها من وحدة وتماسك. خلال هذه الفترة، تعالت أصوات دولية ضخمت حجم الظاهرة الأصولية، بينما صمتت المعارضة السياسية والعسكرية عن تبلور وبروز ظاهرة تنظيمية مذهبية مختلفة هيكليا وبنيويا عنها ومضادة لها، وضع تشكلها الثورة بين نارين، وشكل عامل ضغط خطيرا عليها، يمكن أن يسهم في سحقها تحت الضربات التي ستتلقاها من فوق، على يد جيش النظام، ومن تحت، بقوة هذه التنظيمات التي تزيحها عن مواقعها المجتمعية، وتحل محلها سلطة ميدانية يعني قيامها طي صفحة الحرية والكرامة والعدالة في المناطق التي ابتليت به.

كالعادة، لم يكن تقدير حجم الظاهرة وسرعة نموها صحيحا. وتم التعامل معها بروحية تحاشت أخذ موقف واضح وعقلاني منها، يسورها بتدابير تحول دون تناميها، ويقيدها بسياسات تضعها في مواجهة الشعب وتعزلها عنه، تثلم فاعليتها وصدقيتها لدى الناس وتكشف تناقض أهدافها وبرامجها مع أهداف وبرامج الثورة، وتحاصرها بقوات متفوقة تقيم أفضل العلاقات مع المواطنين وتمدهم بالعون وتحميهم وتصون بيوتهم وممتلكاتهم من جموحها وفلتانها، وتبعد الشباب عن غوايات سلاحها ومالها السياسي، من دون أن تصطدم بالضرورة معها في كل مناسبة ومكان.

لم يحدث شيء من هذا. وحين بدأت الظاهرة تنتشر وتستفحل، تبين أن إيجاد حل غير عنيف لمشكلتها يكاد يكون مستحيلا، وأن الأخذ بحل كهذا كارثة يخشى الجميع عواقبها، علما بأن قضم الجيش الحر على يد هذه التنظيمات لم يتوقف، وعجزه عن حماية منتسبيه والسكان الراغبين في الخلاص منها فاضح واضح.

ماذا ستفعل المعارضة المستهدفة بجناحيها السياسي والعسكري؟ لا أعرف شخصيا ما يفكر فيه الآخرون، لكنني أعتقد بضرورة وضع خارطة معلومات دقيقة ومدروسة تطاول أعداد وأماكن انتشار هذه التنظيمات، ومصادر قوتها ونقاط ضعفها، والقائمين عليها والمنضوين فيها، وعلاقاتها مع الشعب، ونوع تسليحها ونمط تدريبها... إلخ، على أن يكون لكل حادث حديث بعد ذلك، إن هي ظلت خارج مؤسسات الثورة عامة والجيش الحر خاصة، وواصلت اعتداءاتها على المواطنين.

لا يجوز الاستهانة بما تفعله هذه التنظيمات ضد الثورة وبما أنجزته حتى اليوم من تهديد لوحدة وسلامة شعب سوريا ودولته. ولا يجوز في جميع الأحوال الاستمرار في تجاهل مخاطرها، ومع أن البديل المتاح اليوم يجب ألا يمر بالضرورة في شن حرب شاملة عليها تغطي كل مكان من أماكن انتشارها، فإن تجاهلها خطأ قاتل، وخطأ بالقدر نفسه التعامل معها انطلاقا من الفكرة التي ترى في التناقض مع النظام أولوية يمكن أن يدفعها الاقتناع بها إلى مهادنة الجيش الحر وبقية أطراف المعارضة، فهي لا تعتبر هذا التناقض من أولوياتها، وتظن أن المعارضة جزء تكويني من النظام يحسن التصدي له والقضاء عليه ما دام هو الجزء الأضعف في بنيته، لذلك سيعني شطبها إضعاف السلطة القائمة وحرمانها من طرف يخدمها ويقويها، فالأولوية في نظرها هي إذن لمقاتلة الجيش الحر، وحتى في حال قاتلت النظام، فإنها تفعل ذلك لاعتقادها أن مقاتلته تقويها هي لأنها تكشف تهاونه وتقوض مكانته لدى الشعب، وهذان أمران يعدان في رؤيتها من مستلزمات إخراجه من ساحة العمل العام، وتبلور وضع تكون هي فيه القطب المقابل للنظام، فتدور المعركة الحقيقية لتحرير الشعب ضد هدف الجهاد الحقيقي: الكفر والزندقة.. ولا يبقى غير القضاء لى النظام قبل استعادة دولة الخلافة، التي سيعود التاريخ بقيامها إلى مساره الصحيح، وتنشأ الشروط الملائمة للجهاد ضد الكفر على مستوى العالم.

وبتناقض أولويات الجيش الحر مع أولوية هذه التنظيمات تنتفي إمكانية إقناعها بهدنة تلتزم بها ريثما يسقط النظام، وبأن ما تفعله يخدمه ويجعل يوم قيام الخلافة أو غيرها من أشكال الحكم الإسلامي المطلوبة خارج متناول أيديها. بذلك، تواجه مؤسسات المعارضة السياسية والعسكرية سؤالا مفصليا حول موقفها من التخلق التدريجي لنظام مذهبي بديل يقوض الثورة من داخلها ويحرفها عن هدفها الأصلي ويزج بها في معركة جانبية ليست من أولوياتها ومن غير الجائز أن تخوضها، لأنها ستدمر موازين القوى القائمة بين الشعب والنظام، وتهدد قدرته على مواصلة المعارك بالوتيرة التي نعيشها منذ عامين ونيف، وأخذت تشهد بعض التوازن خلال الفترة الأخيرة، بعد تباطؤ هجوم النظام الشامل في كل مكان، وما أدى إليه من نجاح نسبي في تحقيق إنجازات وقتية على الأرض، ربما كان من أهدافها الرئيسة الاستبدال بقوى الجيش الحر ووحداته وحدات ومقاتلي هذه التنظيمات، التي يفضل النظام مقاتلة أصولييها على مقاتلة طلاب الحرية، لاعتقاده أن قطاعات واسعة من الشعب ستفضل بقاءه على قيام حكومة تديرها، ترفض مبدأ وفكرة الحرية، وتعتبرهما كفرا وزندقة لا بد من القتال ضد أنصارهما وقتلهم.

لا يجوز أن يكون القرار المطلوب قصرا على فئة صغيرة بعينها، عسكرية كانت أم سياسية، فالقرار وطني الأبعاد والنتائج ولا بد من مناقشة موضوعاته على مستوى وطني شامل، يشترك فيه المقاتلون الميدانيون، والمجالس المحلية والتنسيقيات ومنظمات المجتمع المدني داخل سوريا وخارجها، وتنظيمات وفصائل المعارضة، وقادة الجيش الحر، ومواطنو المناطق الخاضعة لاستبداد وعنف التنظيمات الأصولية، التي تمارس أنشطة محض إرهابية ضدهم، تستهدف أساسا أعداء النظام الأسدي ومن يقاومونه ويقاتلونه، ولا تستهدفه هو. ومن المنطقي والمطلوب أن تختار المعارضة لجنة خاصة تتفرغ لجمع معلومات دقيقة وتفصيلية حولهم، وترسم سياسات تتخطاهم إلى الوسط الاجتماعي والثوري السوري، من شأنها عزلهم وكشف حقيقة سياساتهم ورهاناتهم وممارساتهم العسكرية، وتتكفل بتوعية الشعب بما يفعلونه، وبتعبئة حراكه المدني المتصاعد ضدهم في جميع مناطق وجودهم وكل مكان من سوريا، التي تجأر اليوم بالشكوى منهم.

لننتقل من الاستهانة بالخطر إلى مواجهته، ولنواجهه بصورة شاملة لا تبقي له ثغرة ينفذ منها أو يتمكن من الالتفاف بواسطتها على ما بقي من الثورة، وهو ليس كثيرا، فإما أن ندافع عنه ونستعيد ما فقدناه منه، أو أن نسمح بالقضاء على الباقي منه، ونقر بهزيمة قوى الحرية ونعلن فشلها بلا مواربة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: الطريق من أوِله!

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 13/8/2013

حين تتعقد الأمور وتتصاعد المخاطر ويرى المرء الدماء تسيل، يشعر بأنه ارتكب أخطاء كبيرة أو صغيرة، أو كليهما، حتى حين يتقاعس حيال طرح السؤال بصيغة تجريبية تصل إلى كل الممكنات، عدا تلك التي تلامس الدم أو تقترب من رائحته. فهنا مع هذا الاحتمال، يكون الباحث أو الناشط قد خرق الشرط، وعليه من ثم أن يصوب موقفه بقدر أولي. وإذا لم يستجب لهذا الشرط فقد يكون سلك طريقاً من طرق الموت، وهذا نفسه يمكن أن يأخذ شكلاً من أشكال عناد عبثي لا مستقبل له. مثل هذا الموقف قد يأخذ في نهاية المطاف الخيار الشمشوني العدمي: عليَّ وعلى أعدائي يا رب! لكن في سياق ذلك وسياق الأفق التاريخي المفتوح، نجد أن الاحتمال الذي وضعه فوكوياما وأن ذلك الخيار الشمشوني كليهما يسقطان حين نكتشف أن الحطام التاريخي إن هو إلاحالة نسبية غير مطلقة، وذلك حين ننظر إليه بمثابته لحظة من هذه الحالة التاريخية: فبالتاريخ يتحطم وعبر التاريخ نكتشفه احتمالاً قابلاً لتلبّس التاريخ والوجود والعقل مجدداً.

هكذا يبرز أمامنا نمطاً من جدلية الوجود والموت والانبعاث، شرط أن يتوفر مَن يفتح الأبواب. وهذا ما نراهن عليه الآن في مرحلتنا التاريخية، التي تشهد فيها سوريا سيلاً من الانهيار والحطام، أو لنقل زلزالاً غير مسبوق ربما عالمياً. فالبنية التحتية بما تقوم عليه الزراعة والصناعة والمؤسسات بكل حقولها وتجلياتها، تبدو كأنها لم يكن لها حضور مليء كثيف في يوم ما سابق. ألم يكن ما بدأ يحدث في سوريا قبل سنتين ونصف السنة، حالة لا يعجز عن حلِّها مَن امتلك "العقل الطبيعي والحكمة الطبيعية" غير متلبِّسين بالمصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية والديموغرافية وغيرها! ألم يكن أفضل وأصوب للجميع، لو أن الأخطاء التي راحت تظهر في الساحة السورية وجدت حلولاً لها؟

لقد خسر من ذلك الزلزال الهائل، الذي ما زال في طور الفعل، والذي رأوا فيه هؤلاء تسونامي كونياً، ولعل مَنْ ربح منه ومن نتائجه فئات صغيرة تجد مصالحها متماهية مع استمرار خراب "تسونامي"، وهذه -في الحقيقة- لون من ألوان مفارقة وحشية لا تمنع الأسى والبؤس حتى عن تلك الفئات الصغيرة وخصوصاً حين يكتشف هؤلاء وغيرهم أن الربح الذي يحققونه عبر خراب وتفكيك الوطن السوري الفريد في عذوبته وغناه الإنساني، لا يرقى إلى مستوى دمعة عين لطفل قادم من هنا أو هناك في سوريا.

والآن وبعد الذي حدث ولم يتوقف، أيمتلك القول بأن العودة إلى حيث بدأ "تسونامي" السوري، قمين باستعادة ما فاتنا، على طريقة من قال: إن تصحيح أخطاء الآن أفضل من ألا تفعل ذلك أبداً! لكن هذا النمط من التفكير وإنْ كان عاجزاً عن رأب الصدع، بعد أن أصبح الصدع والغاً في حياة الناس، إلا أن التفكير بهذه الرؤية، مع استعادة منظومة السياسة بكل تجلياتها ومفرداتها، قد يضع اليد على ما يخفف الوطأة. نعني هنا أن إنجاز ذلك يقتضي التشديد على مقولتين لسياستين، هما المساومة التاريخية، والعدالة القضائية. وفي إطار الوصول إلى هذين الشاطئين، قد نمر بحيثيات كثيرة نوظفها في خدمة هذين الأخيرين في سبيل الوصول إلى ما هو أكثر تأثيراً وتعميقاً عبر صعيد تلك المساومة، في هذه الحال يبرز الوطن موحداً، وترفرف أعلام العدالة والكرامة والسلم والحرية.

وإذ ذاك، يتعين على الجميع أن ينصاعوا إلى الوطن الجريح، بعد أن يكونوا خرجوا من مُنغلق هذه الأخيرة، وفي هذا وذاك، يمكن أن يحدث ما لم يحدث من قبل، حيث سيُكتشف الوطن السوري حينذاك، وعلى هذا الطريق، سيتضح أمامنا أن العودة إلى بداية الطريق الذي طفح بالدم، إنما تمثل شرطاً ربما لو نجد حضوراً لنا فيه. وبهذا الاعتبار نكون أمام إمكان للخروج من الظلام القاتل: إن الشجاعة هي في أن نبدأ بداية جديدة تحتمل الكرامة والتفوق على كبرياء زائف يوغل في توظيف الحالة السورية في مزيد من الحماقة والقتل. هذا إذن يمكن أن يلجم مَن يسعى إلى استباحة الوطن عبر تنشيط السلاح القاتل والمعروض بحذر حيناً وبسادية فظيعة أحياناً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com