العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18-05-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الجربا في واشنطن: الفراغ أوسع والهوّة أعمق

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 9/5/2014

على ذمة ال’واشنطن بوست’، التي تنقل، بدورها، على ذمّة سفير ‘الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية’ لدى أمريكا، نجيب الغضبان (أو ‘الغضبيان’، كما أسمته الصحيفة!)؛ قد يقوم الرئيس الأمريكي باراك أوباما ب’التعريج’ على اجتماع سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض، مع وفد الائتلاف، برئاسة أحمد الجربا، وعضوية الغضبان، واللواء عبد الإله البشير، ومايكل كيلو (حسب التسمية التي اختارها له ‘معهد الولايات المتحدة للسلام’). في عبارة أخرى، وحتى يثبت العكس، ليس ثمة برمجة لأيّ لقاء رسمي يجمع أوباما وأقطاب الائتلاف هؤلاء؛ وقد يُكتفى من ‘الغزوة’، بأسرها، بلقاء آخر مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، والله يحبّ المحسنين…

أمّا ذروة الغنائم، فهي منح الائتلاف صفة ‘البعثة الأجنبية’، وهذا تطوّر شكلي محض (على نقيض ما تظنّ، وتصرّح، صديقتنا ريم العلاف، التي تشغل الآن موقع ‘مستشارة’ الجربا)، يتفق فيه جميع خبراء التمثيل الدبلوماسي. الرابح الأكبر من الخطوة قد يكون الغضبان نفسه، الذي سيتمتع بحراسة أمنية أفضل (من طراز سبقه إلى التمتع به أمثال برهان غليون وبسمة قضماني، في باريس)؛ وتسهيلات مصرفية، تخصّ التحويلات المالية إلى الولايات المتحدة ومنها؛ وتحسينات لوجستية على مقرّ الائتلاف في واشنطن  جادة بنسلفينيا، وافتتاح مكتب في نيويورك. وأمّا على صعيد الأموال، فإنّ الخارجية الأمريكية تكرّمت ولوّحت بمبلغ مقداره 27 مليون دولار، ما تزال تأخذ شكل ‘المساعدات غير الفتاكة’، دون سواها.

وفي مقابل كشف النقاب عن اقتراب موعد تنفيذ القسط الأوّل من صفقة سلاح بين روسيا ونظام بشار الأسد (تسع مقاتلات Yak-130، من أصل 36 طائرة، سدّد النظام قيمتها بمبلغ 100 مليون دولار، كجزء من قيمة العقد الإجمالية التي تبلغ 550 مليون دولار)؛ ما يزال البيت الأبيض على تحفظه في توريد أية اسلحة متطورة للجيش السوري الحرّ، وليس مضادات الطيران وحدها، بل مضادات الدروع، أو أيّ وكلّ طراز آخر من الأسلحة يمكن أن تعترض إسرائيل على إدخاله إلى سوريا. وفي المقابل، كذلك، وصل الجربا إلى واشنطن بعد دخول قوّات النظام السوري إلى حمص القديمة، وبعد صولات للنظام سقط خلالها مئات الشهداء، ودُمّرت مئات المساكن وعشرات الأحياء، واستُخدمت فيها الأسلحة كافة: من قصف القاذفات الثقيل، إلى البراميل، فالأسلحة الكيماوية.

مفيد، في مناسبة وصول الجربا إلى واشنطن، وتباشير هذه الحصيلة الفقيرة، والمنطقية المنتظَرة، في آن؛ استذكار تلك الحقيقة التي تقول إنّ الجربا صعد إلى رئاسة الائتلاف ليس بسبب أيّ توازنات أو تطوّرات أو معادلات (سلبية كانت أم إيجابية، وتافهة عابرة أم ذات قيمة وديمومة) ذات صلة بمشهد المعارضة السورية الرسمية. لقد تمّ ترئيس الجربا كجزء من ‘تأثيث’ بيت هذه المعارضة بعد أن تمّ تلزيمه إلى المملكة العربية السعودية، في عهدة الأمير بندر بن سلطان؛ وكان الرجل تكملة، على غرار ذرّ الرماد في العيون، لمعارك الضجيج والعجيج (من غير طحن، بالطبع) التي خاضها أمثال ميشيل كيلو، من أجل تعزيز وجود السعودية عبر أكذوبة توسيع الائتلاف.

ولعلّ أكبر إنجاز حققه الجربا، وتلك كانت برهة وحيدة، واحدة ومنفردة، كان الخطاب الذي ألقاه في افتتاح مؤتمر جنيف  2 (وأقصد، هنا، نصّ الخطاب ومنطوقه العامّ؛ وليس الإلقاء، الذي كان كارثياً كالعادة). أمّا ‘المآثر’، فللمرء أن يحدّث دون حرج: من صفع الآخرين، وتلقّي الصفعات منهم؛ إلى التمديد، الذاتي، للفترة الرئاسية؛ ليس دون نسيان مسارح التصويت الانتقائي على هذا الإجراء أو ذاك، وترقية تلك الكتلة هنا، مقابل خسف تلك الكتلة هناك. وليس أدلّ على ألعاب الكراسي الموسيقية هذه، من سلسلة المناورات والمناورات المضادة التي بدأت بمجيء الجربا في عداد ‘الكتلة الديمقراطية’، وانتهت بخروجه منها، وعليها؛ وكذلك خروج الكتلة منه، وعليه!

والأرجح أنّ الجربا يقفز، اليوم، في فراغ أوسع هوّة من ذاك الذي كان أمامه، حين ارتقى سدّة رئاسة الائتلاف؛ وذلك بعد سحب الملفّ السوري من يد الأمير بندر، وتلزيمه إلى جهاز أمني  بيروقراطي سعودي، أكثر طواعية للتخطيط الأمريكي، وأكثر استعداداً للتنفيذ الحرفي، وأقلّ نزوعاً نحو استعراض القوّة (كما في مثال ذهاب الأمير إلى روسيا، والايحاء بالضغط على واشنطن من باب اجتذاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين). وهو فراغ لا يقتصر على مقدّرات المحيط الإقليمي الذي تتشابك فيه خيوط الانتفاضة السورية ومصير نظام الأسد وحلفائه، فحسب؛ بل صارت تدخل عليه، عمقياً، معادلات السخط الشعبي الواسعة، داخل سوريا، ضدّ بؤس أداء الائتلاف، على مستوى الإغاثة وخدمات الحدّ الأدنى في المناطق المنكوبة، من جهة أولى؛ ثمّ متغيرات الأرض العسكرية الأخيرة، في القلمون وحمص وبعض ريف دمشق، التي افتُضحت خلالها أركان الائتلاف العسكرية، من جهة ثانية.

ولهذا فإنّ حال الجربا، اليوم، هي من حال سادته وداعميه، في أوّل المطاف ونهايته؛ ما دامت سياسة أوباما، تجاه الملفّ السوري، باقية على حالها، في المدى المنظور على الأقلّ. وتلك، للتذكير المفيد ربما، سياسة نهضت على تأجيل أيّ جهد أمريكي يساعد على إسقاط النظام، أو إبطاء الحسم فيه ما أمكن: ريثما تتضح الصورة أكثر (خلال الأشهر الأولى لانطلاقة الانتفاضة)، وتنجلي موازين القوى بين النظام والشعب؛ وتفعل عوامل تفكك النظام فعلها تلقائياً، حسب مبدأ ‘الهبوط السلس (الذي اعتمدته الإدارة خلال الأشهر الوسيطة)؛ مما يتكفل بتسعير ثلاث حروب استنزاف، متزامنة ومترابطة، على الأرض السورية أو تحت مفاعيل الملفّ السوري (خلال الأشهر الأخيرة، وحتى الساعة، أو إلى المدى الذي يصبح فيه اللعب بالنار أشدّ قابلية للارتداد على اللاعب).

حرب استنزاف أولى ضدّ إيران، إذْ لم يعد خافياً أنّ تورّط إيران في الشأن السوري لا يضعفها عسكرياً واقتصادياً فقط، بل يرهقها سياسياً على مستويات إقليمية أيضاً، ويربك استقرارها تنموياً، ويعرقل برامجها التسليحية ولا سيما النووي منها، وبالتالي يضعفها أكثر ممّا تفعل العقوبات الاقتصادية الراهنة. وما تخسره إيران على الأرض السورية، تكسبه أمريكا في الحساب البسيط، دون عناء يُذكر. وحرب استنزاف ثانية، على الأرض السورية دائماً، ضدّ ‘حزب الله’ اللبناني، الذي تراكمت خسائره الفادحة، البشرية والسياسية والمعنوية، منذ أن أُجبر على القتال مع النظام، فصار مرغماً على الانخراط في استقطابات إقليمية ومذهبية أبعد خطراً وعاقبة. وحرب استنزاف ثالثة ضدّ روسيا، في لعبة شطرنج خبيثة يبدو الظفر فيها منعقداً للروس؛ للوهلة الأولى فقط، في الواقع، لأنّ تورّط موسكو يضرّ بالكثير من مصالحها، الاقتصادية والجيو  سياسية، على الأمدية البعيدة.

فإذا أضاف المرء ما يتوجب إضافته، دون إبطاء، أي المصلحة الإسرائيلية المباشرة في استمرار حروب الاستنزاف الثلاثة هذه؛ فإنّ ثبات إدارة أوباما على خياراتها الراهنة بصدد الملفّ السوري، يظلّ مرتهناً باضطرارها، ومعها حليفتها إسرائيل، إلى اتخاذ نهج آخر. وتلك نقلة لن تكون، إذا اقتضتها مراحل الصراع الآتية، إلا استجابة لأسباب تنبثق من واقع الأرض، في داخل سوريا، بموجب اعتبارات صارت للأسف عسكرية محضة في المقام الأوّل، ثمّ سياسية واجتماعية، وربما مجتمعية صرفة أيضاً؛ وليس بتأثير أية زيارات مسرحية جوفاء، أو حروب طواحين تُخاض في اسطنبول، أو من… واشنطن  جادّة بنسلفينيا!

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انهيار الدولة العربية

حسام عيتاني

الحياة

الاحد 11/5/2014

بعد أقل من عقدين على دراسة الراحل نزيه الأيوبي «تضخم الدولة العربية»، يحاصرنا الواقع بحقيقة جديدة عن مصير الدولة في منطقتنا العربية.

يميز الأيوبي بين الدولة «الضارية» والدولة «القوية». دولنا ضارية في التعامل مع مجتمعاتها لأسباب تتعلق بطبيعة الأنظمة وسبل بسط سيطرتها وموارد الثروة الوطنية التي تتعرض في الغالب إلى النهب والمصادرة من جانب المجموعة الحاكمة. الدولة القوية تتميز باستقرار سياسي واجتماعي وقاعدة حقوقية ودستورية تتيح لها تحصيل حقوقها بمجرد التلويح بالعقاب.

ضراوة الدولة العربية البائسة، والتي على رغم عنفها «تخفق في النفاذ إلى المجتمع»، أفضت إلى الوضع المحبط الذي كشفته الثورات العربية. من المفيد هنا استعادة بعض الملامح العامة في تطور الدولة العربية. فقد قامت هذه على مبدأ الجباية بعد توقف ريوع الفتوحات الأولى أو «الفيء والأنفال»، في نهاية العصر الأموي. نجد صدى الأزمة الاقتصادية الأولى التي واجهتها الدولة العربية، في العصر العباسي، في كتب التراث التي تبحث في كيفية تقسيم الأراضي بين ما يخضع للجزية وما ينطوي ضمن عائدات الخارج ومن هي الفئات التي يتعين عليها دفع الضرائب للدولة العربية - الإسلامية. في العصور اللاحقة، خصوصاً في المرحلة المملوكية، بدأت عائدات التجارة تشكل عائداً مهماً من تمويل الدولة. نهاية الحروب الصليبية فتحت باب التبادل بين ضفتي البحر المتوسط الشمالية والجنوبية. استمرت هذه الحال في المشرق مع مجيء العثمانيين. أما في المغرب فظهر «الجهاد البحري»، أو ما يسميه الغرب «القراصنة المسلمون»، كجزء مكون من اقتصاد الممالك والإمارات المغربية (من تونس والجزائر والمغرب الحاليين).

طرأ الكثير من الصعود والهبوط على هذه المكونات الاقتصادية للدول العربية على امتداد القرون مثل نهاية طريق الحرير والاكتشافات الجغرافية الكبرى وتضاؤل أهمية البحر المتوسط، ما أعاد الضغط الشديد على الجباية على الموارد الزراعية.

مع مجيء الاستعمار، ظهرت مشكلة جديدة. طرق التمويل التي حملها المستعمرون، خصوصاً في المناطق التي شهدت استطياناً كثيفاً مثل الجزائر والمغرب، تعارضت مع الاقتصاد التقليدي. فإلى جانب القروض وفوائدها والربا الصريح، اعترض فقهاء المناطق المحتلة على الضرائب التي فرضها المحتل والتي يدخلها الفقه ضمن «المكوس» المكروهة إسلامياً (أو على الأقل فقه المذهب المالكي السائد في المغرب، على ما يشرح عبدالله العروي في كتابه «مجمل تاريخ المغرب»). مشكلة تمويل جهاز الدولة والحفاظ على قوة عسكرية دائمة، لم تجد حلاً لها في ظل التنازع الكبير على الموارد القليلة أصلاً، بين المستوطنين والأهالي الذين طردوا من أرضهم. في المشرق كان تغلغل رأس المال الصناعي الأوروبي، خصوصاً في المنطقة الممتدة من حلب إلى جبل لبنان، يتركز على القطاعات المربحة من الغزل والحرير. ظلت الزراعة بعيدة من الاستثمارات المالية وخاضعة كلياً للدورات التقليدية ولضرائب السلطات العثمانية. بعد هزيمة السلطنة وانسحابها، كانت الفئات المتعاونة مع الغرب (وهذه متعددة الطوائف، خلافاً لاعتقاد شائع) هي الأكثر استعداداً لأداء دور النخبة السياسية. بيد أن هذه الفئات وقعت ضحية صراعاتها على الموارد الشحيحة. ثم جاءت الانقلابات وعسكرها وكان ما كان مما نذكره جيداً.

بعد الثورات العربية، تعود مشكلة الدولة العربية إلى الظهور مجدداً. الحلقات المفرغة التي تسير فيها المراحل الانتقالية في أكثر من بلد، وسطحية الحلول المقترحة في بلدان أخرى (مثل تبديل لمبات الكهرباء بأخرى اقتصادية، كعلاج لظاهرة انقطاع التيار في مصر، مثلاً) وانهيار الحدود وصعود المكونات العشائرية والقبلية في سورية والعراق المتسربلة بلباس ديني متطرف، تقول كلها إن التفكير الجدي في المسألة الاقتصادية كعنصر أساس في بنية الدولة العربية لم يبدأ بعد، وإن سرقة النفط في الشرق السوري يحيل إلى نوع من «التراكم البدائي» الذي يلجأ إليه مغامرون يحملون مشروع «دولة» تقوم على الريوع والأنفال، وإن الطريق من هنا طويل جداً إلى الدولة القوية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الترانسفير «أُنجِز في حمص... بعد فناء المدينة»

حازم الامين

الحياة

الاحد 11/5/2014

انتصر النظام السوري على حمص بعد سنتين ونصف سنة من الحرب المتواصلة، وسنة ونصف سنة من الحصار المُطبق. وبكل صفاقة أعلنت «الممانعة» أن الثورة تخلت عن عاصمتها! خرج المقاتلون من المدينة، وكانوا مئات قليلة. دافعوا طوال هذه المدة عن مدينة هائلة. كانوا سوريين، سوريين فقط، بل إن معظمهم حمصيون. حاصرهم العالم كله، وصمدوا لأكثر من سنتين ونصف سنة. لم تكن المعارضة السورية بينهم حين انسحبوا. كانوا مقاتلين فقط. لا يجيدون لغة المعارضة ولا تسودهم خيباتها، وكانوا يحملون رشاشات صغيرة، ومشوا وسط الدمار الهائل. لم يتكلموا كثيراً، فالمغادرون لحظة مغادرتهم لا يتكلمون عادة. الكل يعرف لماذا غادروا. السبب بسيط إلى حد الفاجعة. لقد جاعوا بعدما أمضوا شهوراً يأكلون أعشاباً بعضها سامّ. هل من عارٍ أوضح من هذا الانتصار؟

لم يدخل جيش النظام حمص لأنه هزم المقاتلين الجائعين، ولا لأنه دمّر المدينة بأكملها فوق رؤوس أهلها. دخلها لأن مئات قليلة من المقاتلين انسحبوا منها. قال النظام إن عدد المنسحبين 980 مقاتلاً. كم يبدو الإعلان عن هذا النصر وقحاً... هي وقاحة تُشبه وقاحة العالم الذي تسبب في دمار حمص وجوع مقاتليها. فمدينة الركام هذه ما كانت لتموت لولا أن العالم كله أراد لها أن تموت. سبق أن انتصر النظام في القصير وفي يبرود، وهناك أيضاً قاتل معه «حزب الله»، لكن «النصر» هناك كان مختلفاً. تواطأ مقاتلون وهانوا، وفاوضت كتائب إسلامية كتائب «حزب الله»، وكان مقاتلون غير سوريين يرابطون وينتظرون لحظة الانسحاب. «جبهة النصرة» لم تشعر بأن يبرود قُدسها، وزهران علوش كان منشغلاً بتخزين المساعدات وحجبها عن السكان في الغوطة. وفيما وصل «حزب الله» إلى البلدتين كفت «النصرة» عن إرسال سيارات قتل الأبرياء في لبنان.

حمص بقيت حتى اللحظة الأخيرة عاصمة الثورة السورية كما كانت لحظة اشتعالها. لم تُصبح يوماً عاصمة المعارضة، ولم تستقبل مقاتلين من غير السوريين. الثورة النقية التي لم تُلوثها جبهات «النصرة» و «داعش» وكتائب علوش و»أحرار الشام». فالمقاتلون المنسحبون لم يكونوا إلا مقاتلين. لا كتائب ولا شارات ولا وحدات. كانوا أفراداً قليلين، وكثيرون منهم كنا حفظنا لهم وجوهاً من أيام التظاهرات. هل يذكر أحد منا التظاهرات في حمص، أيام كانت للمدينة جدران وساحات وأطفال، وأيام كان عبدالباسط الساروط، منشد الثورة، هناك؟ لقد نسي العالم كله ذلك. نسي حلقات الرقص في ساحة الثورة، ومئات الآلاف من أبناء المدينة المبتسمة في حينه.

سنتان ونصف سنة وانقلبت حمص كتلة من الركام. لا أثر لجدار أو لساحة أو لطفل. عدد القتلى من أبناء المدينة يتجاوز عشرين ألفاً ومثله من المفقودين. هل من نصر أوضح من هذا النصر؟ وهل من وقاحة أجلى؟

القصير دُمرت بأكملها ويبرود دُمرت جزئياً أيضاً، لكن للهزيمة فيهما طعماً مختلفاً، هو طعم الهزيمة ذاتها. لم يُهزم السكان هناك، هُزمت الجبهات والكتائب الآتية من خارج سورية، وهُزم مقاتلون لا يجيدون الصمود. كانت حرباً بين أشرار على طرفي الجبهة. الثورة انكفأت إلى مخيمات اللاجئين، وبعض المقاتلين المحليين ماتوا قبل الهزيمة وأثناءها. في حمص الأمر لم يكن على هذا الشكل أبداً. الثورة استمرت تقاتل، والنظام أعلن انتصاره عشرات المرات ولم ينتصر. بقعة الدمار اتسعت ولم ينجُ بناء واحد من القذائف والبراميل. سنتان ونصف سنة من القتال والحصار. من المرجح أن مدينة في العالم كله لم تصمد لهذه الفترة الزمنية. في الحرب العالمية الثانية كانت الجيوش تتقاتل فتنهار المدن وتسقط في يد المتحاربين. وبيروت التي ليست أكبر من حمص، قاتلت الجيش الإسرائيلي لشهرين وسقطت بعدما خرج المقاتلون منها وكان عددهم عشرين ألفاً، ولم يكن الدمار شاملاً. أما حمص المدمرة بالكامل فخرج منها وفق النظام السوري 980 مقاتلاً جائعاً قاتلوا لسنتين ونصف سنة بلا انقطاع. شارك في الحرب عليهم جيش استمر بناؤه نحو خمسين سنة، ووحدات محترفة من خارج سورية، وشارك أيضاً العالم كله في الصمت على مأساتهم.

السلاح الذي كان في أيدي المقاتلين المنسحبين من حمص لا يُشبه السلاح. كان امتداداً لأجسامهم الضعيفة. هو تلك البندقية الضئيلة على ظهر عبدالباسط الساروط حين غادر المدينة. كلنا شاهدها وصمت. قادة المعارضة في فنادقهم في الخارج، وقادة الكتائب المحظية العاجزة عن نجدة حمص في الشمال وفي الشرق. واللاجئون في مخيماتهم حاولوا الاقتراب من شاشات التلفزيونات التي زودهم بها مانحو المساعدات. ليست سوى بندقية عادية قاتلت نحو سنتين ونصف سنة، وها هي تخرج اليوم من المدينة محمولة على يد صاحبها الذي كان منشد الثورة، وكان قبلها نجم المنتخب السوري لكرة القدم.

ليست حكاية انتصار وهزيمة، إنها قصة فناء مدينة. ويبدو أن النظام الخبيث لن يحتفل بدخوله حمص، ذاك أن لفناء المدينة وظيفة مختلفة هذه المرة. فقد أنجز الجيش مهمة جوهرية في حربه على حمص، والعالم كله صامت عن حقيقة أخرى غير حقيقة دمار حمص، صامت عن وظيفة هذا الدمار الهائل. مهمة لم يُنجزها جيش منذ أكثر من نصف قرن. إنها «الترانسفير»، هذا المصطلح الذي ابتكر لوصف ما أقدمت عليه المنظمات الصهيونية خلال ما سمته «حرب التحرير» وما سميناه نحن «النكبة».

«الترانسفير» في حالة حمص جاء أكثر دموية وأثمانه تفوق الأثمان التي دفعها الفلسطينيون حين أقدمت الهاغانا على اقتلاعهم من مدنهم وقراهم. وإذا كان العالم صمت في حينه وتواطأ على الفلسطينيين مدفوعاً بشعور بالذنب وبالتعويض عن جرائمه في حق اليهود، فعوَّض مأساة بمأساة وجريمة بجريمة، فهو في الحالة الحمصية صمت لأنه جبان، وقبل بسبب حسابات أضيق. وغداً حين يصل عبدالباسط الساروط إلى ريف حلب أو ريف إدلب ويلتحق ب «جبهة النصرة»، علينا أن نتذكر أن الرجل بقي سنتين ونصف سنة مقاتِلاً حمصياً فقط، وقبلها كان منشداً ومغنياً، وأن العالم كله لم يقف إلى جانبه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حمص شهيدتنا!

ميشال كيلو

الشرق الاوسط

السبت 10/5/2014

والآن، وبعد أن دخل النظام إلى حمص، رمز وحاضنة الثورة، التي ضحت بالغالي والنفيس في سبيلها، وقدمت من أجل حرية السوريات والسوريين ما لم يقدمه غيرها في تاريخ العرب القديم والحديث، وكانت وستبقى منارة كرامتنا وعنوان ما نريده لأنفسنا ووطننا من عدالة ومساواة مقرونتين بالحرية، لا بد من قول بضع كلمات صريحة حول ما حدث.

بداية، لم تقصر حمص في فعل المستحيل من أجل كل مواطن سوري. ولم تبخل طيلة ثلاثة أعوام ونصف عن تقديم كل ما يتطلبه انتصار الشعب في معركته من أجل الحرية، وتكبدت من الخسائر ما لم يتكبده غيرها خلال عامين ونصف من القتال ثم الحصار. ولم تتردد في حمل أمانة الحراك الثوري، وفي إدارته - وأكاد أقول قيادته - دون تعب، رغم ما انصب عليها يوميا من قذائف ورصاص وحمم، وقدمته من بناتها وأبنائها على مذبح الكرامة الوطنية. هل ننسى أن من غادروا المدينة صمدوا طيلة سنين عجاف قاتلوا خلالها بمفردهم وهم محاصرون في حالات كثيرة، وجاعوا وماتوا، وهجروا وشردوا، وفقدوا الأهل والدار، دون أن يجدوا من يسمعهم أغلب الأحيان؟

سيقول كثيرون إن النظام هو الذي أسقط حمص. لا شك في أن النظام استقتل كي يسقطها، لكنها ظلت عصية على السقوط حتى أصابه اليأس منها وأيقن أنها هي التي ستسقطه، فلا عجب أن اعتبرها مصدر الخطر الرئيس - ولفترة من الزمن - الوحيد عليه، وأن يحاصرها قبل غيرها، ويخصها بالقسم الأكبر من عنفه ووحشيته، وأن يلقي عليها عشرات آلاف الأطنان من أشد ذخائره فتكا، ويفرغها من سكانها ويدمر مقومات وجودها، ويمحوها عن وجه الأرض. ومع أن عدد من قاتلوه فيها تناقص بمرور الوقت، فإن أحدا من أهلها لم يتردد في تقديم قدر أسطوري من البسالة والإقدام.

بالمقابل، أعتقد أن انقسامات المعارضة، وأنماط الولاء المنتشرة في صفوفها والبعيدة كل البعد عن الوطنية، والحسابات الصغيرة والشخصية لكثير من ممثليها، والخلافات القائمة بينها التي تعكس الخلافات العربية على الداخل السوري، والتدخلات الإقليمية والدولية في شؤون الثورة وما تنتجه من صراعات تستعر بقوة فيها، وافتقار المعارضة إلى برامج وخطط توجه الحراك وتعبر عنه وتقيه الزلل والشطط وألاعيب النظام المتنوعة، والتشبث بحرب المدن والعجز عن تحويلها إلى حرب عصابات متحركة، والافتقار إلى جيش وطني مهني وموحد، وضعف وحدة مجتمعنا، ودخول أغراب على خط الصراع من أجل الحرية، وحرفه في اتجاه قوض تدريجيا هويته الأصلية وجوهره التحرري، وغياب الجهود المنظمة لإحباط خطط النظام للعب ورقة الطائفية ضد الثورة، ولفك وحدة مكوني المجتمع المدني والأهلي، وخروج الثورة من أيدي الذين صنعوها وسقوطها المتزايد في أيد غريبة عن سوريا: متطرفة ومعادية للحرية والعدالة والمساواة، ترى في السياسة عبادة السلاح والعنف، وتقصير المعارضة الديمقراطية في اتخاذ مواقف واضحة حيالها، وأخيرا وليس آخرا تخاذل قطاعات واسعة من الانتلجنسيا السورية، وامتناعها عن سد الفراغ السياسي الناجم عن مواقف المعارضة الحزبية، التي قصرت في فهم ما يجري وعجزت عن تطوير خيارات برنامجية وعملية من شأنها المحافظة على مساراته ورهاناته الأصلية.

لم يكن دور المعارضة في إسقاط حمص قليلا أو محدودا، بل كان الوجه الآخر لدور النظام. لقد تمسكنا بأخطائنا لفترة طويلة كانت كافية لمحو ما أبدته حمص من بطولات. واليوم، وإذا كنا نريد حقا المحافظة على ما في أيدينا من مناطق محررة ومواقع مقاومة، من الضروري أن نتعلم سياسيا وعسكريا مما جرى في مدينة ابن الوليد العدية، وأن نبني قوات عسكرية وهياكل سياسية فاعلة ومتماسكة تمكننا من كسب معركة لم تطل إلا لأننا أهملنا أساسيات نجاحها، وخضنا معارك ضد بعضنا كانت أشد ضراوة في أحيان كثيرة من تلك التي خضناها ضد النظام.

ماذا بعد حمص: أهو انتصار تنتجه سياسات صحيحة ووحدة وطنية ضاربة، أم هزيمة تنتجها الفوضى والانقسامات السياسية والعسكرية، والافتقار إلى القرار الوطني السوري المستقل؟

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا تحلموا بالكباب: تعالوا نحارب الإرهاب!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 10/5/2014

عندما يجد جنرالات الجمهوريات أنفسهم يواجهون استحقاقات عاجلة للشعوب العربية على الصعيدين الاقتصادي والنهضوي، كالتنمية البشرية وتوفير أبسط المستلزمات من مأكل ومشرب ووقود وطاقة، يلجؤون فوراً إلى استحضار بعبع ‘الإرهاب’، للتغطية على فشلهم وخيبتهم في تلبية حاجات الناس، وخاصة التي ثارت، وهدأت مبدئياً بانتظار الإصلاحات التي وعدت بها الأنظمة القادمة.

لاحظوا الآن: هناك شعوب أسقطت حكاماً بعد عقود من الطغيان، وهي على وشك اختيار حكام جدد تعتقد أنهم أفضل من الساقطين، دون أن تدري أنهم نسخة طبق الأصل عن الذين أسقطتهم، وربما أفظع وأوحش وأفسد بمرات ومرات، خاصة وأن معظمهم قادم من المؤسسة العسكرية البليدة، الفطنة فقط للأذى والطغيان، كما وصفها الشاعر اليمني محمد محمود الزبيري، والتي لم تجلب سوى المصائب والكوارث لبلداننا منذ عقود. والمشكلة أن بعض الشعوب لم يتعلم الدرس بعد. في البداية ثارت الشعوب مطالبة بإسقاط حُكم العسكر بعد ممارساته الفاشية بحق الأوطان على مدى عشرات السنين، وبعد الفشل الذريع في تأمين أبسط مستلزمات الحياة من خبر وماء وكهربا، فما بالك بتحقيق تنمية بشرية أو اقتصادية أو نهضوية يباري بها الدول التي قطعت أشواطاً كبرى على صعيد التقدم والازدهار.

لكن من الواضح أن الذاكرة الشعبية في بعض بلداننا قصيرة جداً، فما أن أسقطت الشعوب بعض أنظمة الجنرالات، واحتفلت بسقوطهم، وداست على صورهم في الميادين والساحات والشوارع، حتى عادت تطبل، وتزمر لنسخ جديدة مكررة من هؤلاء الطواغيت لمجرد أنهم داعبوا مخيالها العاطفي ببعض الشعارات ‘الوطنجية’ الممجوجة عبر وسائل إعلام تفننت، وما زالت تتفنن في صناعة الكذب والأساطير والخرافات للضحك بها على ذقون الشعوب المسكينة.

لقد نجحت بقايا الأنظمة الساقطة في بعض الدول في استعادة مقاليد السلطة بسرعة رهيبة، أولاً بفعل قوة الدولة العميقة المتغلغلة في أعماق المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وثانياً بدعم ماكينات الكذب الإعلامية الرهيبة التي استطاعت بسرعة قياسية تصوير الأسود أبيض، والأبيض أسود وسط تصفيق المغفلين والمضحوك عليهم. لكن مهما طال، يبقى حبل الكذب قصيراً، مهما نجح الجنرالات والمؤسسات العسكرية والأمنية في تطويله والتحكم به.

الآن يواجه الطغاة الجدد القادمون من رحم المؤسسات العسكرية والأمنية، يواجهون استحقاقات كثيرة تطلبها الشعوب. ولو نظرنا إلى تلك الاستحقاقات لوجدناها غاية في البساطة، فالملايين من شعوبنا باتت تطالب بتوفير لقمة الخبز، وكأس الماء النظيف، وحبة الدواء، وضوء الكهرباء. لكن على بساطتها، تجد الأنظمة الجديدة التي يقودها جنرالات العسكر والمخابرات، تجد صعوبة كبرى في تأمينها. وبالتالي، فهي تواجه حرجاً شديداً مع الشعوب التي صفقت، وطبلت، وزمرت لها. كيف يواجه الجنرالات مطالب الشعوب التي ثارت، وصدقت وعودهم في بناء مجتمعات جديدة قائمة على العدل والديمقراطية؟

لا شك أن العسكر المتدثرين زوراً وبهتاناً بالثوب الديمقراطي الفضفاض، أضعف من أن يلبوا أبسط الحاجيات، لأنهم يجترون نفس أساليب الحكم منذ منتصف القرن الماضي دون تحقيق أي تقدم على أي صعيد. لكن، يجب ألا تستهينوا بذكاء الجنرالات، فهم أساتذة في فن الضحك على الناس، وتخديرهم، وحرف أنظارهم عن قضاياهم المصيرية وحتى حاجياتهم اليومية. وجدتها، وجدتها: فلنستحضر ‘الإرهاب’. إنه الخدعة والكذبة الأفضل للالتفاف على الاستحقاقات الشعبية.

إن القضية الأهم للكثير من بلادنا الآن هي التنمية والنهوض الاقتصادي للوفاء بمتطلبات الشعوب، لكن جنرالاتنا يفبركون الأعذار للتهرب من تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية بشكل مفضوح. فبدلاً من تأمين لقمة الخبز، والعيش للناس، يخلقون لهم بعبعاً يخوفونهم به للتملص من مطالبهم.

عندما أدرك الطواغيت الجدد أنهم غير قادرين على تحقيق طموحات الشعب، راحوا الآن يصنعون له عدواً داخلياً وهمياً، وبدأوا يجيّشون ضده كل الطاقات، وأخذوا يحاربونه، ويشيطنونه بضراوة شديدة كي يحرفوا أنظار الشعب عن خيبتهم، وعدم قدرتهم على تحقيق أي انجازات حقيقية للناس. وهذه طريقة سهلة يضحكون بها على الجماهير، فكلما طالبهم الشعب ببعض الاستحقاقات المشروعة، يقولون له: ‘نحن في معركة ضد ‘الإرهابيين’، وعليك أنك تقف معنا، وعندما ننتهي من معركتنا الأهم ضد الارهاب، سنحقق لك مطالبك’. ولا شك أن هذا الوضع المفضوح سيستمر سنوات وسنوات، وهؤلاء الجنرالات يضحكون على شعوبهم. أما الشعوب فتصمت عن المطالبة بحقوقها مرغمة، خوفاً من اتهامها بمساندة الإرهاب. يعني باختصار، فإن الذين راحوا يتاجرون ب’الإرهاب’ من جديد، ويستخدمونه ذريعة وفزاعة للتهرب من تلبية المطالب الشعبية، هم عملياً يطبقون الشعار القديم الحقير والمفضوح: ‘لا صوت يعلو فوق صوت المعركة’، لكن هذه المرة ضد ‘الإرهاب والإرهابيين’ المزعومين. والشعب ينتظر، ويتألم، ويسكت. وعدوا الشعوب الثائرة بالكباب، فلم يستطيعوا حتى توفير التراب، فتذرعوا بمحاربة الإرهاب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رياح التغيير و... المحنة!

أكرم البني

الحياة

الاحد 11/5/2014

مازال السؤال يتكرر عن الأسباب التي أوصلت الثورة السورية إلى محنتها الراهنة، ولماذا لم تسلك مساراً يقارب الثورات الأخرى أو البلدان العربية التي طاولتها رياح التغيير؟

تجربتا تونس ومصر تشابهتا في تنازل الحاكم عن سلطته تلبية لمطالب الحراك الشعبي ولضغوط الدول الحليفة، من أجل إنقاذ جوهر النظام والدولة، ولعب الجيش دوراً رئيساً في ضبط انتقال السلطة، بينما كانت النتيجة مختلفة في الحالة السورية، حيث لا فرصة لدور مستقل أو شبه مستقل للجيش الذي تم زجّه في المواجهة منذ البداية، وليبقى ما حدث من انشقاقات في صفوفه محدود الوزن والتأثير، في ظل خصوصية بنيته التكوينية وعناصر تماسكه أيديولوجياً وأمنياً. وزاد الأمر تعقيداً انتماء السلطة السورية إلى محور نفوذ في المنطقة، يختلف ويتعارض مع ما يسمى المحور الغربي الذي انتمت إليه أنظمة الثورات الأخرى. ففيما تشدد المحور الأول في دعم السلطة القائمة ومنع تقديم تنازلات يمكن أن تمس نفوذ موسكو وطهران في المنطقة، كان للثاني تأثير مهم في تعجيل التغيير ما إن رفع يده عن الأنظمة الحليفة وحضّها على تقديم التنازلات السياسية لإرضاء الحراك الجماهيري المتصاعد... والأهم سورياً عسكرة الاحتجاجات وتحوّلها من مسارها السلمي والسياسي الى مسار عنفي وأهلي، فاللجوء إلى القمع المفرط أفضى إلى شحن الغرائز وتغذية ما يعتمل في المجتمع من روابط وصراعات متخلفة واستيلاد القوى الاسلاموية المتطرفة، تالياً شرعنة العنف بدواعي الحفاظ على الأمن ومواجهة الإرهاب وعصاباته المسلحة.

كان للعامل الخارجي، العربي والدولي، دور رئيس في رسم منحى التغيير في ليبيا واليمن، إن عسكرياً عبر التدخل المباشر لحلف شمال الأطلسي في إطاحة القذافي، أو عبر رعاية تسوية سياسية ضمنت نقل السلطة في صنعاء وفتحت باب المشاركة أمام المكونات السياسية والاجتماعية، بينما مر وقت طويل قبل أن يدرك السوريون خصوصية وطنهم وأنه لا يقارن بأي نموذج آخر، انطلاقاً من موقعه المتشابك مع أهم الملفات الحساسة في المنطقة، ومع جوار اسرائيلي يحظى عند الغرب بالكلمة الأولى حول التغيير في بلد يحتل جزءاً من أرضه وحافظ نظامه على جبهة الجولان آمنة مستقرة طيلة عقود... وربطاً بالتخوف من خطورة أن يفتح التدخل العسكري الباب أمام تطورات غير محمودة، كتعزيز وزن الجماعات الأصولية، أو تفكيك الدولة وإشاعة الفوضى، أو هز استقرار المنطقة مع ترجيح اتساع رقعة الصراع إقليمياً وانتقاله إلى البلدان المجاورة، عبر مكوّنات عرقية وثقافية متداخلة.

بعبارة أخرى كان الرهان خاسراً على تدخل عسكري في سورية شبيه بما حصل في ليبيا، أو على دور أممي في وقف العنف وفرض تسوية سياسية على المتصارعين كحالة اليمن، بل على العكس بدا كأن «صراع الأمم» يعود ليفرض نفسه بأوضح صورة في سورية، ما أشعر الناس بأن ثمة ما يشبه التواطؤ بين الأطراف الخارجية على إبقاء الصراع الدموي مفتوحاً، واستثماره في حسابات الهيمنة والنفوذ.

شجعت رياح التغيير بعض الأنظمة العربية في المشرق والمغرب، على المبادرة لإجراء إصلاحات استباقية تنزع صواعق التفجير الداخلي، إن في تخفيف قبضتها واستئثارها بالثروة، وإن بسن قوانين تراعي مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم. وكان مثل هذا الخيار هو الأفضل والأقل تكلفة في معالجة الأزمة السورية بدل اللجوء إلى العنف المفرط، لكنه الأصعب على النظام الحاكم ومصالح بعض المتنفذين فيه، ربطاً بتكوين سلطوي ينتمي إلى النوع الرافض لتقديم التنازلات والذي لا يقبل أية مساومة على بقائه، بل ويرجح أن يخوض معركته على الحكم إلى النهاية كمعركة وجود أو لا وجود، وأن تتصرف أركانه وكأن ليس من رادع يردعها لاستخدام كل أدوات القمع في رهان على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، متوسلة إنكار مشروعية حراك الناس ومطالبهم، وتصويرهم كأدوات متآمرة يحل سحقها.

واستدراكاً، ألا يصح القول إن الأمور ما كانت لتذهب إلى هذا الدمار والخراب لو بادرت السلطة الى الاعتراف بالأسباب السياسية للأزمة، وعملت لمعالجتها جذرياً بتقديم تنازلات جريئة على صعيد حقوق المواطنة والمشاركة والعدالة وسيادة القانون؟... بما يعني التوجه الجدي الى صوغ مصادر الشرعية ليس بفعل القمع والعنف والشعارات الطنانة وادعاء حماية الأمن والاستقرار ومواجهة الارهاب، بل على أساس نيل رضا الناس لما تقدمه من ضمانات لحريتهم وحقوقهم وعيشهم الكريم.

والحال، في ضوء صراع دموي ذهبت أطرافه بعيداً في العنف والتعبئة المتخلفة، أن الثورة لم تعد بالنسبة الى السوريين ذلك الحلم الجميل الذي تطلعوا إلى تحقيقه ليغدو مجتمعهم أحسن حالاً بتحرره من الظلم والقهر والاستغلال، بل لم يعد ثمة شيء يقيني ماثلاً أمامهم، لا حلول عملية ولا نظرية... كل ما هنالك غموض وقلق يحاصر الجميع واستشعار مرحلة طويلة من استمرار العنف والإمعان في تخريب حيوات السوريين واجتماعهم ومستقبلهم، خصوصاً وقد فقدوا الثقة بدور أممي جدي يلزم الجميع بخطة طريق تُخرج الوضع السوري مما هو فيه، وخاب أملهم بالقوى الوطنية التي بدت عاجزة عن المبادرة لوقف العنف ونقل الصراع إلى سكة المعالجة السياسية.

وإذ نعترف بأن ثورات «الربيع العربي» مازالت تعاني وتكابد وتكتنفها الصراعات وكثير من العثرات والصعوبات على طريق إعادة السياسة إلى المجتمع، بعدما غيّبتها آلة القمع والاضطهاد لعقود، نعترف أيضاً بأن أسباب هذه الثورات وثمارها لا تقتصر على الوجه السياسي ومجرد تغيير الأنظمة القائمة، بل تدشن- على رغم شدة المحنة- قطيعة مع ماضٍ طويل من الوصاية والاستبداد، واضعة الحجر الأساس لتغيير جذري في جوانب الحياة، بخاصة الفكرية والأخلاقية، وأقله إيقاظ الشعوب من سباتها وتغذية ثقتها بنفسها وإثارة قيم الحرية والكرامة والعدل في أرواحها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدور الإيراني في القضية السورية

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 11/5/2014

يتفق أغلب المهتمين بالقضية السورية على قول إن الدور الإيراني بدا دورا خاصا ومختلفا عن مواقف دول العالم، بما فيها التي اقتربت أو انخرطت في القضية السورية، ويعود اختلاف الدور الإيراني في القضية السورية إلى أسباب كثيرة، لعل الأبرز فيها المكانة الخاصة لسوريا في الاستراتيجية الإيرانية، والثاني طبيعة العلاقات بين نظام طهران ودمشق، والتي كرست حلفا قويا بين الجانبين، وكلاهما بين الأسباب التي دفعت إيران للانخراط، خاصة في القضية السورية.

وأبرز تعبيرات خصوصية الدور الإيراني في سوريا، تظهر في ثلاث نقاط؛ النقطة الأولى: الموقف السياسي الحاسم والمؤيد الذي تقفه إيران إلى جانب النظام ورأس النظام بشار الأسد، وهو موقف لم يتغير، ولم يتبدل منذ انطلاق ثورة السوريين ضد نظام الأسد، وقد وظفت إيران مجمل علاقاتها في كل الميادين السياسية والاقتصادية والدينية وفي المستويات كافة لتدعيم هذا الموقف وإسناده.

والنقطة الثانية: تقديم دعم مباشر للنظام ولسياسته في مستوى الداخل السوري، وهو دعم يشمل تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية، ولم يقتصر الأمر في هذا الجانب على إرسال أسلحة ومعدات وقروض وتمويل احتياجات النظام، ومنها صفقات أسلحة ومعدات، بل شمل أيضا إرسال خبراء في مختلف الشؤون العسكرية والأمنية والتقنية، وتدريب مئات الآلاف من عسكريين في النظام، بعضهم جرى تدريبهم في إيران وآخرون في سوريا، والهدف في كل الأحوال كان تعزيز قوة النظام وقدراته لمواجهة ثورة السوريين والتغلب عليها.

أما النقطة الثالثة، فكانت دورا إيرانيا داخليا متعدد الأبعاد في سوريا، الأبرز فيه تدخل في الخريطة الديموغرافية - الطائفية من خلال تحشيد الشيعة السوريين وتنظيمهم في حرب النظام على السوريين عبر مقولات الدفاع عن الشيعة وحماية المراقد الشيعية، ودفع وحدات إيرانية أمنية - عسكرية للقيام بمهمات خاصة في سوريا، إضافة إلى تنظيم مجيء ميليشيات توالي إيران من بلدان مختلفة، واستخدامها في القتال ضد السوريين، كما هو حال حزب الله اللبناني، ولواء أبو الفضل العباس العراقي، وتنظيم حملات تطوع أسهمت فيها ومولتها إيران في كثير من البلدان بينها اليمن وبعض دول الخليج، ودفعت في محصلتها متطوعين للقتال إلى جانب قوات النظام، وخصوصا في ريف دمشق، أبرز معاقل الثورة والخاصرة الضعيفة لمركز النظام في دمشق.

إن الهدف الأساسي للدور الإيراني الواسع في القضية السورية مستمد من استراتيجية التمدد الإيراني في شرق المتوسط، وصولا إلى الخليج، ففي هذه الحلقة تشكل الثورة السورية محاولة إخراج سوريا من سلسلة سيطرة إيرانية، تمتد عبر العراق الذي يحكمه نوري المالكي إلى سوريا التي يحكمها بشار الأسد إلى لبنان، التي يفرض حزب الله سيطرته عليها.

والحلقة السورية هي الأهم والأقدم في هذه السلسلة، وبالتالي فإن موقف إيران فيها هو الأقوى، ليس فقط بما تمثله سوريا من دور وتواصل في الإبقاء على قوة ونفوذ حزب الله في لبنان، بل بما تمثله من خط تماس في الصراع الإقليمي مع إسرائيل، وفي احتمالات القضية الفلسطينية، وكلاهما حاضر في خلفيات استراتيجية إيران الإقليمية، بل هما بين النقاط الأساسية لتلك الاستراتيجية.

ومما لا شك فيه، أن أهمية سوريا في الاستراتيجية الإيرانية، يمكن أن تفسر الدور الإيراني الواسع والعميق في القضية السورية، غير أن هذا الدور بتكاليفه الباهظة، يفرض تحديات كبرى على طهران في المستويين الداخلي والخارجي لها تأثيرات عميقة ليس على استراتيجية النظام فقط، إنما على مستقبله أيضا.

ولئن استطاعت السلطات الإيرانية بكثير من الجهد مواجهة ما يفرضه الانخراط في القضية السورية عبر الثلاث سنوات الماضية باللجوء إلى القمع والتبرير واتخاذ إجراءات اقتصادية - اجتماعية في سياق معالجة تداعيات الداخل الإيراني، فإن الأمر أكثر تعقيدا في المستوى الخارجي، لا سيما في ظل توازي ملف الانخراط الإيراني في القضية السورية مع ملف طهران النووي، وقد استفادت إيران من فورة ملفها النووي وأهميته في تمرير تدخلها السوري، والذي لم يقابل من المجتمع الدولي والإقليمي من الاهتمام والشعور بالخطر إلا بحدود قليلة، لا تتناسب مع خطورته وتأثيراته المستقبلية على المنطقة والعالم.

إن الأهم في تحديات الدور الإيراني في القضية السورية على المستوى الخارجي، يكاد يكون حاضرا في الواقع السوري ذاته؛ ففي اصطفاف إيران مع حماة النظام الدوليين، والوقوف إلى جانب النظام ورئيسه، والقتال معه ضد الشعب بما يضمن بقاء نظام الأسد حتى الآن، يفرض رحيل إيران من سوريا مع رحيل الأسد ونظامه، وهذا سيعني خسارة استراتيجية كبرى لنظام طهران، لا يمكن تعويضها، مما سيؤدي إلى انهيار استراتيجية طهران في المنطقة، وهو أمر مؤكد في ظل أي تغيير جوهري في الموقف الدولي والإقليمي من القضية السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رسالة سوريّة إلى فرنسا

حسن القالش

الحياة

الثلاثاء 13/5/2014

يتفاقم بمرور الوقت شعور فرنسا بأنّها مهدّدة داخليّاً، كأحد تداعيات القضيّة السوريّة عليها، ويَكمُن التهديد في الجانب الجهادي الإسلاميّ في تلك القضيّة. بيد أنّ الخطّة الأمنيّة التي أعلنت عنها حكومة مانويل فالس في نيسان (أبريل) الماضي لمواجهة ظاهرة الجهادييّن الفرنسيّين الذّاهبين والعائدين من سورية لا يبدو أنّها تتوافق مع التاريخ المشرقي لفرنسا، وهنا تحديداً تكمُن إحدى عُقَد القضيّة السوريّة على المستوى الدولي.

ذاك أنّ دولاً تمتلك تاريخاً طويلاً وحافلاً في المنطقة كفرنسا أُصيبت بنوع من الشّلل الاستراتيجي، فبتخلّيها عن سياستها الكولونيالية، أو عن رُوح هذه السياسة، بما كانت تقدّمه لها من دراسات وأفكار، يبدو أنها فقدت القدرة على فهم الواقع الجديد والتغيّرات التي يعيشها المشرق، وعلى استشراف مستقبله بالتالي، فضلاً عن قابلية التدخل الإيجابي فيه.

بكلمات أبسط: لم تعد فرنسا تعرف ما تريد من هذا المشرق كما كانت من قبل، ما جعل حضورها الحالي فيه أقرب إلى رفع العتب عن هيبة الماضي القريب.

والحال أن أحد جوانب القصور في الخطة الأمنية للحكومة الفرنسية يكمن في عدم الاستفادة من ذاك الماضي الكولونيالي، وتحديداً من تجربة الانتداب على سورية ولبنان و «سياسة الأقليّات» التي اعتمدتها في البلدين. فإذا كان صحيحاً، وهو صحيح، أنّه كانت لهذه السياسة أخطاء ومساوئ، فقد كان لها وجه صائب في المقابل، تمثّل في التركيز على الأقليّات الإثنية والدينية في المنطقة وإدراك تمايزها عن محيطها، وحساسية مصيرها، فضلاً عن الموقف المبدئي المُبكّر من فكرة القوميّة العربيّة الذي أثبتَ وجاهته تاريخيّاً.

وانطلاقاً من هذه الرؤية يمكن البحث عن توسيع الخطّة الأمنيّة الفرنسيّة، أو تسييسها بشكل أفضل، وقد يكون ذلك بإدخال بعض عناصر سياسة الأقليات إليها، فيصار إلى تطبيق هذه السياسة على شريحة من مُسلمي فرنسا، وبهذا يعاد صوغ مفهوم «الاندماج» الذي تُقاومه مجتمعات المسلمين في أوروبا.

ولعلّ إحدى أهم المؤسسات القادرة على المشاركة في هذه السياسة الجيش الفرنسي. ذاك أنّ تجربة إشراك أقليّات المشرق في المؤسسة العسكريّة كان أولى الخطوات التي أحدثت صدمة في الوعي الجمعي لهذه الأقليّات، والتي أدّت، في ما بعد، إلى ولادة هويّة جماعية قادت إلى رغبة في تأكيد الذات والوصول إلى سؤال الهوية الوطنية، وهو ما ترافق يومها مع ميل الى البقاء تحت الرعاية الفرنسيّة، والرغبة في الانتماء إلى الغرب وقيَمه.

لكنّ أنجع الحلول كانت في تجنّب الفشل السياسي والأخلاقي لفرنسا وشركائها الدوليّين في سورية منذ بداية الثورة. فهكذا، وإضافة إلى الخطر الجهاديّ، وَجد اليمين المتطرف فيها، وفي أوروبا عموماً، البيئة المثاليّة للّعب على الأوتار الوطنيّة الحسّاسة ورفع مستوى شعبيّته، فخلق هذا اليمين بدوره البيئة المثاليّة لدخول روسيا البوتينيّة في عمق أوروبا عبر تحالفه معها، وهذا ما جرّه الفشل في سورية، الذي لم يَفُت أوان استدراكه بعد، فالحلّ وخلاص فرنسا من كابوسها السّوري يكمن هنا أوّلاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثية التقسيمية والطائفية والثأرية!

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 13/5/2014

في مواجهة الأحداث الإجرامية الظلامية، التي أخذت طابعاً مأساوياً في سوريا، يطرح المرء تساؤلاً يعادل ما يواجهه العالم من مآسي وتدمير على عقود ومراحل زمنية مديدة قد لانستطيع الآن حسابها وضبطها. أما السبب وراء ذلك فلعله قائم على غياب النموذج، الذي نقيس ذلك عليه في تاريخ البشر المعروف حتى الآن. الأمر يتطلب القيام بجهود بحثية علمية، كي ننجز دراسات تستجيب لهذا المطلب، وسنلاحظ أن السنوات الثلاث، التي انقضت على وجود الحدث السوري، قد قدمت أمثلة هائلة فاقعة دلّلت على فساد الأطروحة التي قدمها فوكوياما حول نهاية التاريخ.

ونشدد الآن على حدثين اثنين ضخمين جعلا الحدث المذكور (السوري) يشغل حيزاً عملاقاً بمقياس العالم، أما الحدث الأول، فتمثل في القول بأن سوريا مشكلة كونية مركّبة تشغل الدول والمجموعات، كما تتحرش بها بالمدافع والبراميل المتفجرة والطائرات والقنابل الكيميائية والسموم، وكذلك بالتجويع والموت جوعاً، هذا إذا لم نتحدث عن البشر الذين ماتوا في السجون تحت التعذيب.

أما الحدث الثاني، فيقدم نفسه بصيغة البرنامج أو البرامج التي يعمل على تنفيذها، فتبدو أن هذه البرامج تتكاثر وتتسع وتغطي حاجات جديدة للنظام، بعد أن دخل مدينة حمص وخرج منها، وعلى من يرغب في معرفة ذلك، عليه أن يعرف لماذا أخذ موظفون منه في المدينة إياها (حمص) وثائق ممتلكات المساكن والمحال والعقارات الأخرى التي هي ملك الدولة والمؤسسات التابعة لها! لقد علم السكان في حمص أن ما كان في حوزة هؤلاء، يُراد له أن يتحول إلى السكان الموالين. كيف ذلك ولماذا؟

كيف كنّا وكيف كان أصحاب المؤسسات كلها هناك ينظرون إلى مثل هذه الخطوة؟ القانون والعرف والمنظومة الأخلاقية، إن هذا جميعاً يحظر أية خطوة تتجه إلى الاعتداء على ما يملكه البشر، ويرون فيه جريمة يعاقب عليها. ولعل سؤالاً مهماً يرى فيه بعض آخر أنه بسيط، وأنه ذو سذاجة مفرطة، ويبرز في سؤاله التالي: هل تعتقد أيها السائل أن سرقة أموالك من قبل جارك أمر وارد ومناسب، خصوصاً حين يُعلمك إنه فعل ذلك لأنه قرر توسعة بيته، وإن لم يبق لك أنت شيئاً من ممتلكاتك؟ حين يعمل ذلك الجار على تجريدك من منزلك، ويعلن - على الصعيد النظري - إنه من دعاة المبشرين بالوحدة العربية، أي بوحدة البلدان العربية، فهل هناك وحدة عبر التمزيق، أم يتم ذلك عن طريق استباحة الطرف السوري لصالح الجميع!

لم يفهم السوريون الحماصنة أن توحيدهم مع الأقطار العربية يتم عن طريق سلب ممتلكاتهم في مدينتهم لصالح آخرين من بلدهم السوري، وربما كذلك من بلدان عربية أخرى. هذا ذلك كله يؤدي إلى نوع من العبث في الاستراتيجية الديموغرافية، يعني أنك لا تحمل نية طيبة لصالح الجميع. بتعبير آخر، إن وحدة الأرض السورية مبدأ كلي قاطع، يمكن تعميقه وتطويره وتوسيعه، ولكن لا يجري العبث فيه ومن موقع الجميع.

وإذا كنا قد وصلنا إلى أن السوريين شعب واحد، فإن الأصناف التي يتألف منها هذا الشعب كلما اتسعت أطيافه، انفتحت نوافذه بعضها على بعض، ومن ثم فإننا إذ رأينا الأطياف والنوافذ مفتوحة مُشرعة بعضها على بعض، فإن ذلك يعني أن الشعب الذي يحافظ على بنيته، سيحتفظ بحيويته البيولوجية والنفسية ليظهر ذلك في حقول العمل والإنتاج والثقافة والإبداع، وضمن حقلي الحضارة والتاريخ، إن تعددية الطوائف في الشعب الواحد وظهور النوافذ هنا وهناك، مع حضور شامل وعميق للجميع في أجواء مفعمة بالديموقراطية للجميع نعم، بقدر ما تكون المحاسبة الدقيقة والعادلة، إن ذلك كله من شأنه أن يصنع عالماً للجميع وبالجميع وعبْر الجميع.

ولن تكون هنالك على أرض الواقع مصالحة، إن لم تتحقق العدالة لكل الذين ظُلموا بواحدة من الطرق التي تركت موتاً أو تشريداً أو ثأراً قاتلاً أو جروحاً وندوباً في النفس والجسد، إن اكتمال «ثلاثية العار» قد يكون عملاً معقداً طويلاً مؤلماً، ويتطلب إعادة للبناء يداً بيد مع كل من يصبو للعدالة والكرامة والحرية، أي مع الطامحين إلى استكمال الثورة في حقلها الذي يحميها ويعمقها - مع غيرها - في حياة الشعب السوري والشعوب العربية، إن استباحة الحرية والكرامة والعدالة تعني بالنسبة إلى الشعب السوري والشعوب العربية أن يتحقق ما افتقده هؤلاء جميعاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فورد وسوريا!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 14/5/2014

في تصريحين يفصل بينهما أقل من شهر، قال السفير الأميركي لدى سوريا ومسؤول الملف السوري السابق في وزارة الخارجية الأميركية: إن سوريا ذاهبة إلى كانتونات متقاتلة سنيا وشيعيا، أو منخرطة في قتال سني/ شيعي واسع سيغطي المنطقة.

هذه النتيجة خلص إليها دبلوماسي له خبرة طويلة في مشكلات الشرق الأوسط عامة والعربي خاصة، تعلم العربية وعمل من موقع قيادي ومتقدم لتحقيق سياسات واشنطن في بلدان عربية كثيرة، أهمها العراق وسوريا، وواكب المعضلة السورية منذ بداياتها وحتى لحظتها الراهنة، وانهمك في حوارات يومية مع مختلف التيارات والأحزاب والشخصيات السورية والعربية، ولم يترك أحدا إلا وقابله أو ناقشه، وبادر في حالات كثيرة إلى قول رأيه بصراحة حول ما يحب ويكره من أفكار وتصرفات وممارسات محاوريه، ودأب على إبلاغ واشنطن بما فعله أو سمعه، حتى إنه ليعتبر مسؤولا بدرجة جد جدية عما آلت إليه المعضلة السورية، التي بدأت كحراك يطالب بالحرية، وانتهت تحت إشراف العرب والعجم والعالم إلى شيء يشبه الفتنة، من غير المعقول أو المنطقي تبرئة أي طرف أو شخص شارك في تحولاتها مما وصلت إليه، ويناقض في شكله ومضمونه ما أراده شعب سوريا من ثورته، بينما يتفق مع جوانب من تشخيص روبرت فورد، الذي يبدو أنه أقام وجهة نظره عليه، وقد يكون فعل ما هو أكثر من ذلك بكثير، إن صح اعتباره واحدا من الذين رسموا سياسات واشنطن السورية، التي قامت على: التقصير في دعم حراك الحرية، عندما كانت هناك طفرة هائلة فيه، والمبالغة في التخويف من الإرهاب والأصولية، حتى قبل أن يكون هناك إرهاب وأصولية.

لا أريد أن أنسب إلى روبرت فورد ما اقترفته المعارضة من أخطاء، لطالما انتقدتها قبل وخلال وبعد وقوعها، من دون أن أنكر نصيبي من المسؤولية عنها. لكنني أعتقد أن دوره في السياسة الأميركية كان مؤثرا وتصعب المبالغة فيه، وأخشى أنه لا يقول لنا اليوم تقديراته، بل استنتاجات المؤسسات السياسية والأمنية الأميركية حول ما سيؤول إليه الوضع السوري، لذلك يجب متابعة ما قاله بكامل الجدية، وعلى وفد الائتلاف الذاهب إلى واشنطن مناقشة ما قاله السفير السابق والاستعلام عن موقف البيت الأبيض ووزارة الخارجية منه، فإن كانت استنتاجاته عامة يشاركه فيها أصحاب القرار، وجب استخلاص النتائج منها وبلورة مواقف تستبق ما قد يترتب عليها من كوارث. أما إذا كانت شخصية فيتم تجاوزها، بعد لفت نظر صاحبها إلى أثرها السلبي جدا على السوريين، الذين يعتقد قسم كبير منهم أن وطنهم سيبقى عصيا على التقسيم والاقتتال المذهبي، وأنهم سيبقونه بعيدا عن أي صراع سني/ شيعي، وسيعيدونه إلى الحرية كمسار رئيس لثورته، وكرهان لا ينوون التخلي عنه، بعد كل ما قدموه في سبيله من تضحيات، وأبدوه من مقاومة في وجه من يناهضونه من تنظيمات متطرفة أو تكفيرية.

ثمة داعٍ لقلق حقيقي من تصريحات روبرت فورد، فهو يعرف ما تريده الإدارة، وكان ضالعا في رسم وتنفيذ سياساتها، وقادرا على التنبؤ بمراميها. وهناك حاجة إلى التعامل بجدية كاملة معها. إلى هذا، سيكون من الخطأ أن تبقى محل تجاهل واستخفاف من الائتلاف، وأن نواجهها بالأوهام التي تطمئننا إلى أن أمورنا لن تذهب إلا إلى حيث نريد لها نحن أن تذهب، على غرار ما حدث في لقاء مع جون كيري، الذي حذر وفد الائتلاف إلى أميركا من أن تواجه حلب مصير حمص. كان ذلك في ذروة انتصارات المقاومة المسلحة ضد جيش النظام في حلب. عندما أبدى رئيس الائتلاف ثقته بالوضع، قال كيري: «تقديرات عسكريينا تقول بوجود علامات جدية حول وقوع تطورات سيئة في حلب، قد لا تكون قريبة لكنها أكيدة». بعد عودتنا ذكرت في مقالات كثيرة ما قاله كيري، واتصلت بالمعنيين وأخبرتهم به، من دون أن يأبه أحد للأمر. واليوم، نستطيع القول إن حلب كانت حتى قبل أسبوعين في خطر شديد، ومع أن أوضاعها تحسنت منذ ذلك التاريخ، فإن ما جرى البارحة ويجري اليوم يؤكد صحة تحذير كيري، ويلفت أنظارنا إلى ضرورة أخذ تصريحات فورد على محمل الجد، ويلزمنا برؤيتها في ضوء السياسات والمواقف الدولية المتغيرة، التي قد لا تكون اليوم مع تمزيق سوريا إلى كانتونات، لكنها قد تؤيد ذلك في يوم غير بعيد، وقد تنجح في تحقيقه، إن لم نعد العدة منذ اليوم لإحباطه ومنع وقوعه.

قال فورد كلاما خطير الدلالات يتحتم مواجهته بما يتناسب وخطورته من جدية. إلى أن يحدث ذلك، سيكون من الحكمة أن نضع في حسباننا احتمال وخطر تمزيق بلادنا إلى كانتونات، وانخراطها في حرب مذهبية توحي أشياء كثيرة بأن منطقتنا غدت اليوم مؤهلة لها أكثر من أية فترة سابقة، وأنها يمكن أن تندفع، أو تدفع، إليها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«انتخابات» الرئاسة السورية: ديموقراطية البراميل المتفجرة

بدر جاموس

الحياة

الاربعاء 14/5/2014

كثيراً ما كان نظام بشار الأسد يدعي بأن الانتخابات التي يجريها أقرب الى «العرس الديموقراطي»، الأمر الذي كان مدعاة للتندر بين السوريين كون أية انتخابات أجريت لا تمت من قريب أو بعيد للديموقراطية بأية صلة. وكانت المضافات المزينة بأصناف الطعام والقهوة، هي البرنامج الانتخابي الجاذب للناخبين في شوارع العاصمة دمشق على وجه الخصوص.

أما «الانتخابات» الرئاسية فقد كانت وعلى مدى أعوام مجرد «استفتاء» اجباري على مرشح واحد مارس الحكم الفردي مستخدماً قبضته الحديدية التي أرهبت الناس وغيبت المعارضين المحتملين له من جهة، وأطلقت أكذوبة مقاومة وممانعة الاحتلال الإسرائيلي التي أصبحت كمسمار جحا، الذي أباح له اتباع سياسات أفقرت الناس وكبلتهم من جهة أخرى. وبعد موت المرشح الوحيد المفروض «الى الأبد»، انتقل الحكم «وراثياً» الى ابنه بعد تغيير سريع لدستور البلاد خفّض العمر الافتراضي للرئيس من 40 عاماً إلى 34 ليناسب مقاس الابن. وبالطبع لم يكن بشار الأسد الابن أفضل من أبيه، فقد استفرد بالحكم بعد أن أطلق اشاعات الإصلاح السياسي والاقتصادي ليكتشف السوريون أن كلام الاصلاح كلام صوري وطريقة لنهب ثرواتهم، اذ فوجئوا في ليل دامس بآل الاسد وآل مخلوف يطبقون على أعناقهم ومواردهم وأموالهم.

وكانت صدمة السوريين كبيرة تجاه غباء نظام الأسد وطريقة تعامله مع احتجاجاتهم ومطالبتهم بالحرية والكرامة، بخاصة أن الثورة السورية لم تكن الاولى في ثورات الربيع العربي.

ولكن لم يكن غريباً على نظام ديكتاتوري أن يفكر أن الحل الوحيد الذي اتبعه هو حل وصفه بالأمني أولاً تضمن اعتقالات وتعذيباً للمعتقلين حتى الموت وترهيباً وخطفاً، ألحقه بما وصفه نظام الأسد ب «الحسم العسكري» استخدم فيه كافة أنواع الأسلحة وكان آخرها السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة والغازات السامة في محاولة يائسة لإسكات ثورة الشعب وقمعها.

الآن، وبعد 14 عاماً قضاها بشار الأسد في القمع والجور، وبعد أكثر من ثلاث سنوات مضت مارس فيها القمع والقتل والتهجير، وعلى وقع قصف نظامه للمدنيين بالبراميل المتفجرة في محافظات عدة، واستخدام سلاح التجويع وحرمان الشعب من أهم احتياجات الحياة، يعلن نظام الأسد عن انتخابات مرتقبة في مطلع حزيران (يونيو). انتخابات لا يمكن وصفها إلا بال «سوريالية» ولا يمكن وصف من يعلنون عنها إلا بمرضى «الذهان». وكي تكتمل مسرحية الانتخابات الهزلية، تقدم مرشحان مواليان «مفترضان» بطلب للترشح للانتخابات قبل أن يعلن بشار الأسد تقدمه في سيناريو حبك بحبكة درامية – مخابراتية لا سابق لها لترشيح ربيب للأسد ولأجهزته الأمنية.

والأسئلة التي تدور في خلد الكثيرين: ما الذي يتوقعه نظام الأسد من شعب صمّت آذانه أصوات الانفجارات والقصف بالدبابات والصواريخ والطيران، من ملايين السوريين الذين شردوا في بلاد اللجوء، ودمرت بيوتهم واستشهد أبناؤهم وشبابهم؟ هل يعول على أن يبادر أي سوري إلى انتخابه أو انتخاب مرشح آخر فصل على مقاس نظامه؟ ما هي المؤشرات التي يعتمد عليها نظام فاقد للشرعية يلفظ أنفاسه الاخيرة لولا دعم دول اقليمية ودولية بعينها لضخ بقايا أوكسجين في جثته؟

قد يظن نظام الأسد أن ما أنتجه حكمه الذي استمر أكثر من أربعين عاماً من محاولة «تدجين» لشعبه مارسه طوال عقود حكمه، قد يجعل بعض النفوس تخاف من مخالفة سلطته المطلقة، وهذا هو الضامن لتوجه بعض السوريين إلى صناديق الاقتراع. وقد يظن ان القذائف التي يطلقها ويدعي أن «الجيش الحر» هو الذي يطلقها لتصدق اكاذيبه تحول الناس الى كتلة صامتة فتومئ بحركة ما نحو صندوق انتخابي تعرف انه لن يفتحه أحد، وهكذا يتناسى نظام الأسد أن الشعب السوري قد انتفض على ممارساته التي استمرت لعقود ولا مجال للعودة إلى الوراء بعد كل هذه التضحيات. فالشعب مستمر في ثورته سواء أعلن عن انتخابات أم لا. والبديهي أن نظام الأسد قد يمارس ضغوطه الاعتيادية من أجل دفع الناس إلى الانتخاب من خلال ابتزازهم ومساومتهم على لقمة عيشهم وخبزهم اليومي، لكن الشعب السوري أثبت أنه لن يقبل الذل مهما كانت الظروف.

والسؤال الذي يدور في أذهان الشعب السوري: إلى متى يبقى المجتمع الدولي صامتاً عن ممارسات النظام وانتهاكاته؟ وما هي إمكانات أن تقف الدول العظمى إلى جانب الشعب حقاً لتمنع فعلياً مسرحية الانتخابات العبثية التي كتبت منذ فترة، وينوي نظام الأسد تمثيلها غير آبه بتنديدات وبتصريحات دولية اكتفت ب «التحذير من تأثير إجراء الانتخابات على الحل السياسي» المأزوم أصلاً بسبب تعنت نظام الأسد؟ ومتى يمكن أن يتحول المجتمع الدولي من مجرد التصريحات النارية - التي يطلقها يومياً ولا طائل من ورائها - إلى أفعال عملية تنقذ الشعب السوري من مأساته؟

* الامين العام ل «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رؤساء في لوحة الشرف

الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الخميس 15/5/2014

في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كان طلاب المدارس الابتدائية ينظرون إلى من نال علامة عشرة من عشرة نظرة إعجاب. ويأكل الحسد قلوب بعضهم عندما تعلق صورة الطالب وتحتها اسمه، في لوحة الشرف في المدرسة، لأنه نال العلامة التامة في مادة الحساب أو مادة القواعد. وحتى عام 1970، لم يسجل أن طالبا سوريا نال العلامة التامة في الشهادة الثانوية ‘البكالوريا’، ومن باب أولى أن ذلك لم يحدث بكليات الهندسة. وبمجيء حزب البعث للسلطة خاصة في عهد حافظ الأسد، كنا نسمع أن كثيرين نالوا العلامة التامة في الثانوية العامة.

ولأن إرضاء الناس غاية لا تدرك، فقد كان يعتبر تجاوز أي مرشح لرئاسة الجمهورية عتبة ال60 من أصوات الناخبين في دولة ما دليلا على أن هذا الرئيس يتمتع بشعبية كاسحة.

تدور الأيام وتمر الأعوام، ويأتي حافظ الأسد رئيسا لسورية، رغم أنف شعب سورية. وكلنا يذكر مهزلة الأربع تسعات التي كان يتحفنا بها وزير داخلية النظام السوري كنتيجة للموافقين على رئاسة حافظ الاسد لسورية. وفي فترته الرابعة التي بدأت عام 1993، كانت نتيجة الاستفتاء تستحق الذكر مع وضع 100 خط أحمر تحتها. فقد أعلن وزير الداخلية أن عدد رافضي رئاسة حافظ الأسد في الاستفتاء في جميع محافظات سورية كان 18 سوريا فقط. (1)

وهنا أحب أن أتوقف عند النسب الفلكية هذه وأتساءل، لماذا يصر هؤلاء الرؤساء على النتيجة الفلكية هذه؟ يذكر لنا التاريخ القريب أن جورج بوش نجح بالمجمع الانتخابي لولاية فلوريدا بزيادة عشرة آلاف صوت على منافسه إل غور، كانت كافية ليصبح رئيسا شرعيا لأمريكا في فترته الأولى. وأن يشن حربين عالميتين على بلدين مسلمين، أفغانستان والعراق، وأن تصبح أفغانستان في عهد الاحتلال الأمريكي هي المزود الرئيس للعالم بالحشيش، بعدما كادت حكومة طالبان تقضي على زراعته. أما العراق، فرغم ما كان يعلن عن بطش الرئيس الراحل صدام حسين يرحمه الله، فقد ترك جورج بوش ومن بعده باراك أوباما العراق وهو لا يكاد يمر عليه يوم إلا وتجري فيه، مذابح يقتل فيها عشرات العراقيين.

صحيح أن بشار الأسد تواضع قليلا، وصرنا نقرأ نتائج الاستفتاء بحدود 97.5 ، لكن الصحيح أيضا أن المطلعين على بواطن الأمور يؤكدون أن عدد المستفتين لم يكن يتجاوز5 من عدد الذين يحق لهم الاقتراع. حاولت أن أفسر هذا السلوك من حافظ الأسد ووريثه بشار، حيث كان يكفي الواحد منهم 60 أو حتى 70 لكني لم أهتد إلى جواب مقنع.

حسني مبارك لم يصل معه الأمر إلى ما وصل إليه حافظ الأسد وبشار الأسد. لكن النسبة لم تنزل في الاستفتاء عليه عن92. ويوم خاض الرئيس محمد مرسي سباق الرئاسة ضد احمد شفيق، بالكاد وصل عدد المقترعين إلى حدود 55 من مجموع الشعب المصري، رغم أن الإخوان المسلمين حشدوا أنصارهم، وقابلهم ‘الفلول’ وكارهو الإخوان بنفس الحشد الضخم.

لا نستطيع أن نتنبأ بما ستكون عليه نسبة الاقتراع مع عبد الفتاح السيسي، لكن يمكننا مقارنته بالحشد الذي زعمته ‘تمرد’ يوم 30 يونيو/حزيران العام الماضي، حيث زعمت أن المحتشدين في شوارع القاهرة كانوا أكثر من30 مليونا. ذكر بعض المختصين في المساحة، اعتمادا على حسابات غوغل، أن جميع شوارع القاهرة وامتداداتها لا تستوعب أكثر من مليون متظاهر، مع اعتبار أن كل متر مربع يقف عليه 3 متظاهرين.

لعل نجم الانتخابات بحق كان عبد العزيز بوتفليقة الذي شارك في انتخابات رئاسة الجمهورية على كرسي متنقل وهو يدلي بصوته مشاركا بالانتخابات الجزائرية الأخيرة. كان المنظر أكثر من معبر في دولة المليون شهيد عن دولة يقودها رئيس عربي من فوق كرسي متحرك، وينال 81 من أصوات المقترعين. المغردون على تويتر لم يتركوا الطرفة تفوتهم، فكتب أحدهم يقول: رئيس من ذوي الاحتياجات الخاصة. غرد آخر فكتب 81 على كرسي متنقل، فكيف لو جاء على حصان أبيض، فربما نال 100 .

كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com