العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17/11/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أيامٌ سوريةٌ فيها حدث

بدرالدين حسن قربي

في 30 كانون الثاني/يناير 2013 ، قصف الطيران الإسرائيلي موقعاً لصواريخ أرض/ جو قرب دمشق، ومجمعاً عسكرياً للبحوث حول الأسلحة الجرثومية والكيماوية في منطقة جمرايا القريبة من الحدود اللبنانية.

وفي الثالث من أيار والخامس منه في العام نفسه، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارتين، استهدفت إحداهما مواقع ومخازن عسكرية في قاسيون، وأما الثانية فكان هدفها- فيما قيل- شحنات أسلحة في طريقها إلى لبنان، مرسلة الى حزب الله، ومركز البحوث  في جمرايا، الذي سبق أن قصف في غارة كانت في مطلع العام.

واجه بشار وعصابته حرجاً إعلامياً شديداً لعدم الرد على الغارات الإسرائيلية الثلاثة من عامّة مؤيديه وأنصاره فضلاً عن معارضيه ومقاتليه، ولاسيما أن ردّه اقتصر على متابعة القصف المستمرّ والعنيف لمواقع الثوار في غوطة دمشق وماحولها من البلدات.  وهو مادفع ببشار الأسد في معرض سؤاله عن عدم الرد على الغارات الإسرائيلية السابقة في لقاء له بثته قناة المنار الحزب اللاوية في 31 أيار/مايو الماضي، أن يجيب قائلاً ومتوعّداً: " أبلغنا كل الجهات العربية والأجنبية وخاصةً الأجنبية، أننا سنردّ في المرة القادمة "، وذلك في نفس الوقت الذي سرّبت وسائل إعلامه كلاماً بأن أي اعتداء إسرائيلي لاحق، سيقابل بالرد دون الرجوع إلى القيادة.

في الخامس من تموز/يوليو، استهدف قصف إسرائيلي- لم يُعلَن عنه - موقعاً عسكرياً قرب السامية في منطقة الحفة/ اللاذقية، أفادت مصادر ميدانية وقتها، أنه مخزن فارغ للجيش السوري، في حين نشرت صحف أمريكية فيما بعد نقلاً عن مسؤولين رسميين في واشنطن قولهم، إن الصواريخ التي استُهدفت في الغارة كانت قد نُقِلَت قبل مدة من القصف.

أعلن نظام الأسد الكيماوي في 9 أيلول/سبتمبر من العام نفسه موافقته على ماسمّي بالمبادرة الروسية المتضمّنة تسليم مايملكه كاملاً من الأسلحة الكيماوية للمجتمع الدولي بقصد تدميره والتخلص منه، مقابل أن يتوقف تهديده بالضربة العسكرية الأمريكية، بسبب استخدامه الكيماوي في ضرب الغوطة الشرقية وريف دمشق يوم 21 أغسطس/آب وموت أكثر من ألف وخمسمئة شخص بينهم قرابة 400 طفل.  وتمّ الأمر وكأنه صفقة، اعتبرها إعلام الأسد الكيماوي نصراً مبيناً له باعتبار أن مامقداره ألف طن من الكيماوي يشكّل في أصله عبئاً على الدولة السورية، وأن التخلص منه يكلّف أموالاً طائلة ويستغرق سنوات، ويطرح تحديات بيئية ومشكلات لا بد من حلها، فكانت الموافقة على تسليمه للأعداء من المجتمع الدولي بمثابة انتصار كبير مشهود لبشّار، وهزيمةٍ كبرى لأمريكا وحلفائها ارتدّت بعده بوارجهم وسفنهم على أدبارها مهزومة، ومقلبٍ سَقَوْهم إياه بهدوءٍ قلبوا به الطاولة عليهم، ورموا بالكرة في ملعبهم وأحرجوهم بدهائهم أمام شعوبهم وإداراتهم، وأفشلوا مخططهم ومؤامرتهم لضرب سوريا، وخصوصاً أن هدفهم لم يكن الكيماوي السوري، بل تغيير موازين القوى وحماية إسرائيل.  وقد أكّد ماسبق، كلام بشار الكيماوي في معرض جوابه لسؤال: ألا تُعدّ خسارة السلاح الكيماوي خسارة إستراتيجية لسوريا، وهو ما نقلته عنه صحيفة الأخبار اللبنانية يوم 26 أيلول/ سبتمبر: أصلاً نحن صنعنا الكيماوي في الثمانينيات كسلاح ردع في مواجهة السلاح النووي الاسرائيلي، وهو الآن لم يعد سلاحاً رادعاً.  لدينا اليوم أسلحة ردع أكثر أهمية وأكثر تطوراً حيال إسرائيل التي يمكننا أن نُعمي بصرها في لحظات. 

ومابين الموافقة على تسليم الترسانة الكيماوية وكلام بشار عن أسلحته الرادعة، لم يجد المجتمع الدولي أنسب من الذكرى السنوية لحرب تشرين التحريرية، الأحد السادس من تشرين أول/اكتوبر 2013 يوماً للبدء بتدمير الأسلحة بصواريخها وقنابلها ومعدّاتها الصناعيه وتفكيكها والتخلص منها بإشراف خبرائها رغم أنه يوم عطلة عندهم، وبمساعدة من جيش بشار الكيماوي وخبرائه وعناصره

ثم لم يكتمل شهر تشرين أول/أكتوبر، حتى شنت إسرائيل غارتين جديدتين في الثلاثين منه يوم الأربعاء الماضي مساءً.  ضربت في أولاها قاعدةً عسكرية للدفاع الجوي متاخمة لبلدة صنوبر/ جبلة بالقرب من اللاذقية بصواريخ من جهة البحر، وفي الثانية استهدفت شحنة صواريخ مضادة للطائرات في الأراضي السورية قرب الحدود اللبنانية قيل بأنها مرسلة لجماعة حسن نصرالله.  جاءت الغارتان الأخيرتان وكأن بشاراً وجيشه لم يسمع بهما أصلاً،  فلا إسرائيل تكلمت، ولا هو قال شيئاً.  ولولا تأكيد الأمريكان للضربة وتسريبهم الخبر، وكذلك مانشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» وماتداولته وكالات الأنباء أيضاً، لتمّ الكتمان والتكتم على ماكان.  وهو بالمناسبة، تأكيد وتسريب أغاظ الإسرائيلين لسبب أو آخر، وإنْ هَدَفَ الأمريكان ¬_ بما سرّبوا _ اختبار احتمال بشار وشبيحته للمزيد من الإهانة والإذلال.

للمرة السادسة خلال عشرة أشهر، تضرب إسرائيل في العمق السوري، ثم لا أحد يردّ، إن بأمرٍ أو بدونه، بل ودمّرت إسرائيل الصواريخَ الرادعة التي أشار إليها بشار بن أبيه بصمتٍ ، ودون أن يرفّ له جفن رغم تهديدادته ومقولاته، التي تذكّرنا بما قاله حافظ الأب في جريدة الثورة السورية بتاريخ 20 أيار/ مايو قبيل حرب 1967 بما مختصره: إن القوات السورية جاهزة ومستعدة لرد العدوان الإسرائيلي، بل ولعملية التحرير ونسف الوجود الصهيوني من الوطن العربي.  إننا أخذنا بعين الاعتبار تدخل الأسطول السادس الأمريكي، ويدنا على الزناد، وبانتظار الإشارة من القيادة السياسية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لوثات النظام السوري في المناهج التعليمية

د. محمود نديم نحاس

بعد وفاة الأسد الأب بفترة كتب أحد الصحفيين: من يرقب دمشق يظن أن حافظ أسد لم يمت أو إنه يحكم من قبره. وقد قصد أنه لم يتغير شيء في البلد بتغير الرئيس الذي تم تعديل الدستور خلال ربع ساعة من أجل أن يرث والده في حكم بلد يدّعي وزير خارجيته اليوم أنه يحكمه دستور وكل شيء فيه دستوري! ولقد حزن كثيرون لأن الأسد ذهب إلى ربه قبل أن يروا محاكمته في الدنيا على ما اقترفت يداه ضد السوريين، بل ضد العرب كلهم. فقد كانوا يأملون أن يروه يُحاكم كما حوكم بنوشيه، الرئيس الديكتاتوري التشيلي الأسبق، في أواخر عمره.

لكن الله يفعل ما يريد، ومن يدري فقد تتم محاكمته بعد انتصار الثورة، ويتم إزالة قبره الذي أصبح مزاراً.

الشيء الوحيد الذي حصل بعد موته فيما يخص مناهج التعليم في سوريا هو إضافة كلمة (الخالد) إلى كل جملة بعد ذكر اسم القائد! ونحن نعلم أنه لا خلود في هذه الدنيا، وأن الخلود يكون في الجنة أو في النار! لكن كم مرة ذُكر اسم القائد؟ ربما يصعب إحصاء ذلك لأن صوره وكلامه وأعماله تم إدخالها في كل الكتب الدراسية بطرق مباشرة وغير مباشرة.

وهذا ما حمل الهيئة السورية للتربية والتعليم، وهي إحدى مؤسسات المجتمع المدني التي تدعم النازحين والمهجّرين والمشردين، لتقوم بتصفية المناهج من لوثات النظام وإعادة المناهج إلى أهدافها التربوية، بعيداً عن تشويه التاريخ وفرض الأفكار على الجيل.

عملت لجنة المناهج في الهيئة على مسح الكتب المدرسية، وشكّلت فرق عمل متخصصة من الأكاديميين والمدرسين لمراجعة كل المواد لتنقيح المنهج، واضعين نصب أعينهم أن سوريا الحرة تحتاج إلى مناهج تستطيع أن تقوم بالدور الفعال لتنتج جيلاً جديداً من المبدعين الأحرار وليس جيلاً من العبيد المصفقين للرئيس، مناهج مبنية على قواعد علمية قوية، تتوائم مع أهداف الثورة وأدبياتها.

أقامت اللجنة قريبا من أحد مخيمات اللاجئين، وقامت بمراجعة 210 كتب خلال شهر ونصف من العمل المتواصل الذي لم يعرف عطلة لنهاية الأسبوع، فالطلاب النازحون أو في المناطق المحررة ينتظرون الكتب للعام الدراسي الجديد. وعملت اللجنة على حذف صور الأسدين وما يمتّ لهما من صلة، وإزالة خطبهما وكلماتهما التي تملأ الكتب. كما تم مسح صور شخصيات يمجّدها النظام السوري، ووُضع مكانها صور القادة التاريخيين لسوريا، أو العلماء الذين سعى النظام السوري لطمس فكرهم، مثل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، أو شهداء الثورة وخصوصا من الأطفال، كالطفل حمزة الخطيب، كما تم تغيير العَلَم إلى العَلَم الذي تبنّته الثورة، وهو عَلَم سوريا عند استقلالها من الاستعمار. كما تم حذف شعار الحزب واسم باسل، وهو الذي كان يُعدُّه أبوه ليرثه من بعده، لكن الله أخذه منه ليدعه يشعر بشعور عشرات الآلاف من الأمهات اللواتي قتل أولادهن. وكذلك قامت اللجنة بتغيير اسم الحركة التصحيحية المجيدة إلى الانقلاب العسكري الذي كرس حكم البلاد لطائفة معينة، وتغيير اسم حرب تشرين التحريرية المجيدة لاسمها الحقيقي وهو حرب تشرين، وذكروا الخسارة التي خسرتها سوريا في تلك الحرب.

وقد قدّر الله لي أن ألتقي برئيس لجنة المناهج لأسأله عن أصعب شيء واجهوه في عملهم، فقال: هناك عدة أمور، مثل وجود اسم الأسد في كل شيء، فكان علينا أن نغير اسم حديقة الأسد وبحيرة الأسد وصالة الأسد، وسد الأسد، ومطار الأسد... ووضع أسمائها السابقة أو اختيار أسماء جديدة لها حسب المكان والزمان.

ثم إنه أراني كتاب الرياضيات لطلاب الصف السابع (الأول المتوسط) الذي تم فيه إقحام نص لا علاقة له بالموضوع، وقد سمح لي بتصويره لأحتفظ به عندي. وأنقل النص كما هو في الصورة: هذا التصميم الإسلامي هو لصفحة مزخرفة بخط النستعليق كتبه مير علي الهوري التبريزي في بداية القرن السادس عشر من الأسرة الصفوية في بلاد فارس (إيران). اذكر إذا كان كل تصميم له خط تناظر. انسخ الشكل وارسم خط أو خطوط التناظر!

وعندما تنظر في النص تراه مكتوبا باللغة الفارسية التي لن يستطيع الطالب قراءتها. فهل عجز مؤلفو كتاب الرياضيات أن يجدوا أشكالاً أخرى لها خطوط تناظر. وما هو الهدف التربوي لهذا النص؟

كما أراني كتاب التاريخ للصف السابع أيضاً، وفيه مدح للقرامطة، والكتابة عنهم على أنهم حركة إصلاحية! نعم يُقال هذا عن القرامطة الذين قتلوا الحجيج وسرقوا الحجر الأسود. وكان على لجنة المناهج تعديل كل هذا بل وتعرية حركة القرامطة الباطنية كما كتبت عنها كتب التاريخ.

سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه السوريون أن يفضحوا النظام السوري وتحالفاته المريبة وأعماله الخفية في التفريق بين العرب والمسلمين. وكما انتهت حركة القرامطة في التاريخ فإن حركة القرامطة الجدد إلى نهاية بإذن الله.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : وزارة التفويض وأولوية القرار الفردي وتنحية إرباكات الشورى

16.11.2013

زهير سالم

لا يعبر هذا ام عن وجهة نظر كاتبه ، وإنما هو تعبير عن حال قائم يتلبس به البعض في القرن الحادي والعشرين .وشرح لنظرية قديمة قامت على فن من فنون الإدارة الفردية عرفته الأجيال ، وألفه العمد والمخاتير والقائم مقامون والسلاطين من ملوك ومماليك . نظرية قديمة في عالم القيادة والإدارة لا يخلو أمرها من وجاهة ولا يعدم القائلون بها حجة ..

ولو عدنا إلى كتب الأحكام السلطانية والسياسات الشرعية للحظنا أن علماء هذا الفن يميزون في مقام الوزارة بين وزارتين ؛ وزارة التنفيذ ووزارة التفويض . ووزير التنفيذ هو الوزير الذي يرسم له السلطان أو صاحب الأمر حدود السياسات ، ويحدد له نقاط وفواصل القرار فيبقى فيما يفعل في حدود ( وما على الرسول إلا البلاغ ) . ولا يسمح له بحال الخروج على النص ، أو تدبر ما قدر فيهم مصلحتهم القوم . ووزير التفويض هو الوزير الذي يقال له : الرأي رأيك والأمر أمرك لا معقب لحكمك ولا تسأل عما تفعل . ويتصرف وزير التفويض بأمر الناس الذين يلي أمرهم بما يقدر وحسبما يقدّر ، وحسب مبلغه من العلم ، أو حسب ميله النفسي ، أو حسب ارتباطاته وحساباته الفردية ..

ومع أن الإمام الماوردي قد نص أنّ على وزير التفويض أن يطلع الإمام على تصرفاته ، لئلا يصير في الأمر مثله إلا أن القائلين اليوم بهذا الفن من فنون الإدارة يرون أن الثقة القائمة بين الإمام ووزيره تكفي ، وإن لمح آخرون إلى ضرورة الإحاطة ليبارك الإمام فعل وزيره بالاطلاع عليه حتى لا يقع في التناقض ، وحتى يستطيع الدفاع عنه كلما أحوجه ذلك إلى ذلك ..

ويركز المدافعون عن فن الإدارة الفردية أو الإدارة بالتفويض دفاعهم بالقول : ولأن الشاهد يرى ما لايرى الغائب أولا ، ولأن المستجدات تمطر فوق رأس الناس تترى ثانيا فلا بد لمن تحمل الأمانة أن يكون قادرا على التعامل معها، وأن يكون جوابه عندما يحتاجه ( في فمه وليس عند أمه ) حسب القائلين بنظرية الشورى ثانيا .

 ويضيفون  ولأن الثقة تلغي ما يدعو إليه البعض من المراجعة والمشاورة ولاسيما حين يكون الوزير المفوض ثقة ثبتا حافظا قد أوتي من علوم الأولين والآخرين وكشف عن بصره فرأى ما سيكون إلى يوم الدين . وأدرك أسرار المصالح ، وأبعاد المواقف ، ومآلات السياسات ، قد أحكم المقدمات ، وعجم المصادر ، وأحاط بالعواقب . وهو وإن لم يدع إلهاما ولا عصمة فقد لاح برهان إلهامه وظهرت مخايل عصمته . لا يجادل في ذلك إلا صاحب غرض أو من كان في قلبه مرض .

ويضيف أصحاب هذه النظرية مستدركين إنما أمر سول الله بمشاورة أصحابه لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام ، فكان لا بد من تطييب قلوبهم بالشورى ؛ أما بعد أن ضرب الإسلام بجرانه قرونا في الأرض ووجد بين ظهراني المسلمين النخبة الواعية التي تثق وتفوّض ، كما وجد القادة الملهمون القادرون المقتدرون ، فقد أصبح اتخاذ القرار بالشورى من مخلفات الماضي ، وأصبحت فكرة مجلس الإدارة ، والقيادة الجماعية ، والمشاركة في الرأي أو في القرار من البيوقراطية المعوّقة ، التي تقمع الإبداع الفردي ، وتضع سقفا لتطلعات البطل غير المحدودة ..

ويتساءلون أليس فرعون الذي قال لقومه : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد هو نفسه فرعون ذو الأوتاد الناجح في عمرانه القوي في سلطانه ..

وزيادة في التوضيح يضيفون : كيف تطلق فرسك في المضمار مقيد اليدين أو معصوب العينين أو مسدود الأذنين وتشترط عليه أن ينقل الخطو على ما ترسم وليس أن يحوز قصب السبق فيجيء مجليا أو مصليا ..؟!

لندن : 12 محرم 1435

16 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأزق الائتلاف!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الخميس 7/11/2013

تدفع الثورة السورية اليوم ثمنا باهظا للإهمالات والأخطاء التي اقترفتها المعارضة طيلة عامين ونصف العام من الصراع مع نظام الظلم والطغيان الأسدي. وكما يحدث دوما، فإن تراكم الأخطاء يتحول بمرور الوقت إلى سبب رئيس في عدم التصدي لها، ووقوع المزيد منها، ونشوء حال تزيد باطراد العجز عن مواجهتها والتخلص منها.

واليوم، يجد «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية» نفسه في موقف يقعده عن إصلاح أخطائه، رغم أنه محاط بكم كبير من الإهمالات والأخطاء، ومطالب في الوقت نفسه بمعالجتها، رغم أنه يتعرض لضغوط قاهرة يمارسها عليه الراغبون في إصلاح يمتن مواقعه، والساعون إلى الإجهاز عليه، على ما بين هؤلاء وأولئك من اختلاف في الغايات والمواقف. وبما أن معظم الراغبين في إصلاح الائتلاف ينتمون إليه، فإن مطلبهم التعجيزي يبدو وكأنه يربكه ويبلبل خياراته، ويخدم بصورة غير مباشرة الطرف الآخر: الساعي إلى التخلص منه، والذي شرع يصدر مؤخرا بيانات عنيفة تنكر شرعيته وتقوضها.

في هذا الوضع المفارق، يواجه الإصلاحيون حرجا حقيقيا، فما يطلبونه لن يتحقق دون معركة ضد قوى تمسك بمفاصل مهمة داخل الائتلاف، وهذه ليست ممكنة لأنها يرجح أن تنهكه وتخدم - عن غير قصد - خصومه، بينما يفتقر هو إلى ذلك القدر من القوة الذي يمكنه من تلبية مطلب الإصلاح، ويجد نفسه عاجزا عن الحفاظ على قواعده الشعبية وصد القوى المعادية له، التي تفيد بلا شك من أي إرباك يصيبه. هذا التعقيد، يجبر الإصلاحيين على التعايش مع نهج الائتلاف، الذي يعتبرونه مصدر ضعفه أمام خصومه، وابتعاد الشعب عنه، وغربته المتزايدة عن الثورة، وبروز خصومه وتعاظم سيطرتهم.

هذه المعضلة الثلاثية الأطراف، تحيد بفعل التناقض بين ما يجب القيام به وما يحدث على أرض الواقع، سياسات القوى المعادية للنهج المذهبي، أو تصيبها بالشلل، وتترك الساحة له، وتمثل اليوم معضلة رئيسة تهدد بتقويض الائتلاف، الذي يتعرض لضغوط عربية ودولية تطالبه بمواقف هو أضعف من أن يأخذها، لافتقاره إلى السيطرة على الساحتين السياسية والعسكرية، وتردده فيما يتعلق بأولوية الإصلاح كخيار استراتيجي، وتركيز جهوده على مسائل آنية من طبيعة سياسية أو إجرائية، يؤدي انخراطه فيها إلى امتناعه عن القيام بالإصلاح المطلوب، مما يخلق فجوة بين القوى الديمقراطية وبينه من جهة، ويعزز مواقع قوى وتيارات المذهبية من جهة أخرى، ويدخل اليأس إلى قلوب السوريات والسوريين. واليوم، يقف الائتلاف عند هذه النقطة المفصلية، ويجد نفسه عند مفترق طرق يتوقف عليه مصيره ومصير المسألة الوطنية والديمقراطية في سوريا، بما أنه يهمل ما كان على المعارضة وعليه إنجازه من خطط وإصلاحات إبان فترة ما بعد الثورة، ولأن إهماله يفضي اليوم إلى نتيجتين متكاملتين هما: تبلور بديل من خارج النسق الحر والديمقراطي، وتشكل قوى تتبنى هذا البديل وترعاه وتقاتل في سبيله بالسلاح، مثلما يحدث اليوم، في أعقاب الانزياح السياسي الذي وقع خلال عامين ونصف العام، مع ضغط النظام العنيف والوحشي على المجتمع، وتبلور وبروز خطاب مذهبي حملته جهات وتيارات لم تكن موجودة عند بدء الثورة، أدى تشكلها، التدريجي أول الأمر، ثم المتسارع فيما بعد، إلى وضع المعارضة والائتلاف أمام صعوبة مزدوجة جعلت الإصلاح ملحا ومتزايد الصعوبة في آن معا، وطبعت سياسات ومواقف المعارضة المدنية بطابعها، وحولتها عن رهانات الثورة الأولى.

تصارعت، خلال الأشهر الثلاثين المنصرمة، وجهتا نظر في المعارضة السورية: واحدة أعطت الأولوية للداخل ورأت الخارج بدلالته، وأخرى رأت الداخل بدلالة الخارج، كان من نتائج غلبتها مساعدة النظام على جعل سوريا ساحة صراعات يسفك فيها الدم السوري لا ناقة للسوريين فيها ولا جمل وليست في صالحهم.

أي قرار سيتخذه الائتلاف خلال الأيام القليلة القادمة: الإصلاح تمهيدا لجنيف وبالتلازم معه، فيكون ثمة بصيص أمل في نجاة، أم جنيف بلا إصلاح، فيكتمل السير نحو المجهول؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فلسطين وسوريا: مصير واحد

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 6/11/2013

لا مبالغة في القول: إن مصير الحل في فلسطين صار مرتبطا بمصير الثورة في سوريا، وإن نجاح الثانية سيؤدي حتما إلى تحقيق نجاحات في الأول، لما بين البلدين والشعبين من وشائج وثيقة ومتبادلة، وما تعلمه الشعب السوري من الثورة الفلسطينية، وعرفه من خلالها، واختزنه من وعي، وهو يتابعها ويتعاطف معها، خاصة بعد نشوب الانتفاضات التاريخية الكبرى، بدءا من عام 1987، التي أقنعت عامة السوريين أن بوسع العين ملاطمة المخرز، والضعيف مواجهة القوي، بسلاح الحق الذي لن يضيع ما دام وراءه من يطالب به.

كان السوريون يتابعون النضال الوطني الفلسطيني بقدر استثنائي من التفهم والتعاطف، وكانت أعداد كبيرة منهم منخرطة فيه، لإيمانهم بأن خطر إسرائيل يتخطى حدود 1948، وأن شعب فلسطين يدافع عن سوريا، عن شعبها وناسها، الذين لا بد أن يعاضدوه ويساندوه، دفاعا عن أنفسهم ووطنهم. بهذا التدامج الذي يتخطى السياسة غامت في حالات كثيرة الحدود بين الفلسطيني والسوري، وصار الفلسطيني سوريا والسوري فلسطينيا، وانعكس هذا التواشج العميق على العلاقات الشخصية والأحكام العامة، التي أفردت مكانا خاصا للفلسطيني في وعي السوري، وجعلته يغير رأيه في نظامه ويشعر بقدر متعاظم من العداء حياله، بدءا من عام 1976، سنة دخول الجيش الأسدي إلى لبنان لضرب منظمة التحرير، بأمر من وزير خارجية أميركا آنذاك هنري كيسنجر، بما أن سوريين كثيرين كانوا يرون في المنظمة ممثلا لهم أيضا، ويعتبرون قائدها، الشهيد الراحل ياسر عرفات، بمثابة رئيس لهم أو يتمنون لو كان كذلك.

هذه العلاقة الخاصة والمميزة بين الشعبين الفلسطيني والسوري تنعكس اليوم في دور فلسطينيي سوريا، الشديد التعاطف مع ثورتها، وفي اقتناع عام لدى الفلسطيني السوري بأن هزيمة الثورة ستعني تقويض الحقوق الوطنية الفلسطينية، واستمرار برامج الاستيطان في الضفة الغربية، وربما في غزة لاحقا، ما دام هدف إسرائيل من تشجيع النظام على تدمير دولة ومجتمع سوريا كجهتين إقليميتين داعمتين للفلسطينيين هو تبديل معطيات الصراع تبديلا جذريا، وحرمان شعب فلسطين وسلطته الوطنية من الدعم السوري، والإخلال الشديد بموازين القوى بين العدو وبينه، أكثر مما كانت مختلة في أي وقت، وجعل الفوضى المحتملة، التي يرجح أن تجتاح سوريا وتستمر لفترة غير قصيرة، مقدمة لانفراد الصهاينة بالسيطرة الاستراتيجية على منطقة ستكون هي القوة الوحيدة الفاعلة فيها، والجهة التي ستمتلك وسائل التحكم بتطوراتها السياسية والعسكرية، وستواصل ابتلاع أرض فلسطين التاريخية، في الوقت الذي ستقلص فيه تقليصا متزايدا صلاحيات سلطتها، دون اعتراض من أميركا، التي ستكون مثلها منتشية بالانتصار الاستراتيجي الإسرائيلي - الأميركي المشترك، الذي سيتجلى في تراجع مواقع خصومهما الذين جرتهم إلى بؤرة الصراع السورية؛ من روسيا إلى إيران إلى حزب الله.

في العلاقة السورية - الفلسطينية المميزة، يعني تدهور أوضاع شعب سوريا تدهور أوضاع فلسطين، وتقدم شعب سوريا تقدمها هي أيضا، وهزيمة ثورة سوريا هزيمة «لشعب الجبارين»، من المحتم أن تدفع ثمنها مع السوريين، أقله لأن إسرائيل تنظر إلى المشرق السوري الفلسطيني باعتباره وحدة واحدة، وتتعامل معه على هذا الأساس، وتعلم أن سوريا الديمقراطية ستشد أزر فلسطين إلى درجة غير مسبوقة، وستعيد طرح مشكلات المنطقة، وستعمل على حلها انطلاقا من منظورات جديدة فلسطين في القلب منها، ولن تقبل أن تنفرد تل أبيب بشعبها وسلطته الوطنية، أو أن تقرر خارج أي سياق عربي مصيره، فالديمقراطية السورية لن تكون للسوريين وحدهم، بل ستضع نفسها في خدمة الدول العربية جميعها، فكيف إذن لا يكون الأقربون الفلسطينيون أولى بمعروفها، ولا تكون ثمارها اليانعة في متناول أيديهم، وهم الذين لا يتعاطفون معها وحسب، وإنما يشكلون جزءا تكوينيا منها، ويدفعون ثمن موقفهم من دمائهم مثلما حدث مرارا خلال عمليات القتل المنظم التي يدبرها عملاء للنظام السوري، من أمثال أحمد جبريل ضد أهالي المخيمات، وسقط خلالها العشرات منهم، لأنهم كانوا يشاركون في مظاهرات تضامنية مع الثورة، ولم يقفوا متفرجين على ذبح إخوتهم، وخرجوا يعلنون تعاطفهم معهم، كي لا يكونوا من الشياطين الخرساء التي تصمت عن الحق. تتوطد بفضل الثورة أواصر سورية فلسطينية وجودية الطابع، وتتعزز شراكة الشعبين على أرضية مصيرهما الواحد. ومثلما صمدت فلسطين خلال أكثر من قرن ونيف في وجه عواصف وتحديات صهيونية ودولية مرعبة، ستصمد سوريا في وجه صهاينة السلطة الأسدية، وستعرف كيف تمد يد الشكر والعرفان إلى من شاركها معاناة الحياة والموت من بنات وأبناء فلسطين، الذين يقصفون اليوم كغيرهم من إخوتهم السوريين، ويحاصرون ويجوعون، ويصمدون ويضعون بصمتهم المميزة على جبين زمن عربي آت ستغطي فيه راية الحرية سماء دمشق والقدس، كي يكون لحرية سوريا المعنى الفلسطيني، الذي يريده شعبها لها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخابر النظام السوري الكيميائية: إنتاج مركب جنيف 2 بحاجة إلى مادة حافزة

محمد عالم

القدس العربي

الثلاثاء 5/11/2013

‘الغرب لايزال ينتظر سقوط حمص لإعلان جنيف 2، ولكن نبشّرهم بأن التأجيل سيبقى مستمراً إلى ما شاء الله’.

هذا ما جاء في إحدى لوحات ‘فشة خلق’ التي كان يرفعها أحد المقاتلين داخل الحصار في أحد أحياء حمص القديمة. وعادة ما يلجأ المحاصرون لهذه اللوحات للتعبيرعمّا يجول في خاطرهم داخل الحصار أو لنقل وجهة نظرهم من المواقف المحلية تجاه مجريات وأحداث الثورة وحتى الدولية منها.

إني أتفق مع ما جاء في هذه اللوحة، فمدينة حمص وبلغة الكيمياء هي أقرب ما تكون إلى العنصر الرئيسي الذي بدونه لا يمكن أن ينتج مؤتمر جنيف 2، ولكن إذا ربطنا حصار معضّمية الشام بحصار حمص، وما جرى من إجلاء ‘دموي’ لأعداد من المدنيين المحاصرين في المعضّمية، فإنه يتبادر إلى الذهن مسألة عدم سماح النظام بمثل هذا الإجراء في أحياء حمص المحاصرة. وفي هذا الصدد، هناك أسئلة كثيرة تُطرح ومنها: هل تلقت معضّمية الشام جانباً إعلامياً أكبر مقارنة بحصار حمص؟ هل حال مدنييّ معضّمية الشام أسوأ بكثير من حال هؤلاء في حمص المحاصرة، مما ساهم بزيادة الضغوط على النظام لإجلاء الكثير منهم؟

لا أعتقد أن لأي من هذه التساؤلات التبرير الكافي على إجبار هكذا نظام على القيام بمثل هذا العمل، ولكنه ربما قام بذلك وعلى مضض بتوجيه ‘أبوي’ من روسيا وذلك قبل مؤتمر جنيف 2، وذلك لإعطاء جانب من ‘الجدية’ للدخول في مفاوضات مع المعارضة. وأظن أنه تم إجلاء العديد من مدنييّ معضّمية الشام دون مدنييّ حمص المحاصرة بناءً على تغليب الأهمية الجغرافية الكبيرة لحمص على المعضّمية، فحمص وما تكتسبه من خلال موقعها الإستراتيجي في معادلة الثورة السورية كونها تقع وسط سوريا، كانت ولا زالت تشكّل بؤرة التركيز بالنسبة للنظام.

وبناء عليه، فإن النظام ربما لن يتخلى أبداً عن فكرة متابعة إبقاء المدنيين داخل حمص المحاصرة، لأنهم وببساطة، ومن وجهة نظر النظام، قد يشكلون بمعاناتهم المستمرة ورقة ضغط نفسية على المقاتلين داخل الحصار، وبالتالي، وبالنسبة لمِخبَريي النظام، المادة الحافزة التي ستسهم في زيادة فاعلية الأعمال العسكرية المستمرة على حمص المحاصرة، وفي تسريع ‘نشاط’ العمل على سقوطها، وذلك للحصول على ‘مُركب’ جنيف 2.

ولكن يبقى السؤال الذي يجول في أذهان المتابعين من بعض الأنظمة العربية: هل سيبقى المحاصرون في حمص يلعبون دورالصاد، والمقصود ب الصاد هنا عامل يبطئ نشاط التفاعل الكيمائي وهوعكس المادة الحافزة وظيفياً في هذه المعادلة، أم أنهم سينتقلون للعب دور المادة الحافزة؟ هذا وإلى حين معرفة نتائج هذا التفاعل، نتمنى لبعض الأنظمة العربية مشاهدة طيبة لبقية برامجنا القصفية على مدار الساعة.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر «جنيف 2» وطبخ الحصى

حسين العودات

البيان

الاثنين 4/11/2013

نادراً ما تتباين آراء الأطراف المعنية، تجاه عقد أي مؤتمر دولي أو إقليمي، كما هو حال تناقض الأطراف المدعوة لمؤتمر جنيف2، الذي تختلف آراء تيارات المعارضة السورية حوله إلى درجة التناقض، ويكاد المراقب لا يعثر على نقاط التقاء بين هذه الأطراف، فلكل طرف رؤيته للمؤتمر، وشروطه التي ينتظر أن يستوفيها لينعقد، ولذلك يصعب الاتفاق على موعد المؤتمر، وعلى جدول أعماله أو توجهه العام، أو حتى على تحديد عدد المشاركين فيه، وانتماءاتهم وتياراتهم السياسية، فضلاً عن الدول المشاركة، ولهذا ربما يفشل المؤتمر قبل انعقاده، ولذلك تراجع عدد المتفائلين بعقده، وخاب أمل الشعب السوري مسبقاً بأنه سيحقق وقف العنف والتدمير والترحيل واللجوء، كما خاب أمله بإعمار سوريا، أو بالتحديد البدء بإعمارها.

يبدو أن تأثير الدول الخارجية الغربية والعربية أصبح هائلاً في الأزمة السورية برمتها، فقد خرجت هذه الأزمة خارج الحدود، منذ أن استخدمت السلطة العنف والسلاح، وبدأت عمليات القصف والتدمير والاعتقال والتعذيب، ورفضت أي حوار بينها وبين شرائح المجتمع السوري وتياراته وأحزابه ومنظماته، وأعطت فرصة لمن يريد أن يتدخل في الشأن السوري، بسبب صلفها وعنفها وخروجها على أي قانون أو تقليد، وبررت لبعض أطراف المعارضة طلب العون الخارجي أو انتظاره سياسياً كان أم عسكرياً، وسهلت للدول الأخرى الشراكة في تناول الأزمة وتداولها، وهكذا انتقلت الأزمة كلها إلى أيادي الدول الكبرى والتكتلات الإقليمية، وتراجع دور الشعب السوري وتيارات المعارضة وتنظيماتها في التأثير فيها.

وصارت هذه الأطراف متلقية فقط، من دون أن يتاح لها المشاركة في اتخاذ القرار، وانتظرت الخارج كي يقوم بهذه المهمة، ثم بدأ دور بعض الدول الأخرى خاصة الأوروبية يتراجع، ويفقد فاعليته لصالح الأمريكيين والروس، وصار دور الأطراف الدولية والمحلية، فضلاً عن الشعب السوري ثانوياً متمماً، مهمته الأساسية إعطاء الشرعية للقرارات التي يتخذها الطرفان الروسي والأمريكي. والكل ينتظر اتفاق هذين الطرفين أو اختلافهما، ليعرف التوجهات العامة لمسيرة الأزمة ومساراتها المقبلة.

ترغب السياسة الروسية الآن عقد المؤتمر بعد أن كانت لا تشجع عليه سابقاً، لأنها أصبحت تعتقد أن عدم انعقاده سيحول سوريا كلها إلى فوضى ومدار نفوذ للإرهاب الذي تخشاه، بعد أن أيقنت استحالة استعادة السلطة السورية السيادة على المساحات التي خسرتها لصالح المعارضة المسلحة، التي كانت تأمل أن تحققها السلطة قبل انعقاد المؤتمر، لكن السياسة الروسية هذه تشترط مسبقاً ألا يقرر مؤتمر جنيف 2 المقبل تنحية الرئيس الأسد أو يعطي صلاحية إدارة الجيش والأمن للحكومة الانتقالية، وأن يبقى الرئيس هو الموجه للقوات العسكرية.

أما السياسة الأمريكية فلم تعد متحمسة كما كانت لعقد مؤتمر جنيف، رغم الصخب الذي تثيره حول حماسها له، لأنها حققت أهدافاً عديدة مسبقاً، مثل نزع الأسلحة الكيماوية السورية والتدمير الذاتي لسوريا من دون أن تخسر جندياً أو دولاراً ولم تكن قبلاً مهتمة كثيراً بمأساة الشعب السوري، وتلاقي ضغطاً من تيار إسرائيلي متطرف مازال يرغب بإطالة عمر الأزمة السورية، حتى يتم تدمير ما تبقى، وخاصة قواعد الصواريخ والقواعد العسكرية وإدارة الدولة، كي تتحول سوريا إلى دولة فاشلة.

في الجانب العربي لا تريد بعض السياسات العربية انعقاد المؤتمر بالشروط الحالية، وتعمل لتزويد المعارضة بأسلحة أكثر فعالية حتى يتحقق التوازن العسكري بين المعارضة والنظام، وبالتالي يذهب النظام إلى المؤتمر ضعيفاً منهكاً، ويمكن عندها اتخاذ قرارات تلزمه وتحل الأزمة حلاً جدياً، وتحقق الأهداف التي أقرت في مؤتمر جنيف1، وخاصة إعطاء صلاحية كاملة للحكومة الانتقالية، وبدء مرحلة انتقالية جدية تأخذ سوريا إلى المسار الديمقراطي وتخلصها من الحكم الشمولي القائم، وتعارض السياسة الأمريكية هذا الموقف لأنها تخشى أن يتسرب السلاح المرسل للمعارضة إلى جهات أخرى، لا تخضع لسيطرة المعارضة.

أما المعارضة السورية فهي كالعادة منقسمة بدورها حول الموقف من المؤتمر، فالمعارضة الداخلية تريد عقد المؤتمر معتبرة أنه وسيلة لفتح الطريق لحل الأزمة، بينما ترفض المعارضة الخارجية بشكل عام حضور المؤتمر، إيماناً منها بعدم جدوى هذا المؤتمر إلا إذا قرر الكبار تنحية الرئيس مسبقاً والموافقة على إعطاء صلاحيات مطلقة للحكومة الانتقالية أو على الأقل إعطائها ضمانات بذلك، وهذا ما لم يقبله الروس ولا الأمريكيون حتى الآن.

لقد فشلت الجهود التي تبذلها الدول المعنية في توحيد التيارات المعارضة السورية وفصائلها، كما فشلت هذه الفصائل نفسها في تحقيق هذا الهدف، مع أن المطلوب هو الاتفاق على وفد موحد، وعلى أهداف موحدة، وليس دمجاً تنظيمياً لتيارات المعارضة، رغم أن المراقبين والمحللين وبعض الدول ذات النفوذ يعتقدون أن عدم انعقاد مؤتمر جنيف، أو فشله إذا عقد، سيطيل الأزمة السورية سنوات أخرى، وبالتالي يكون الشعب السوري هو الخاسر الأكبر نتيجة هذه التناقضات، ويستمر بدفع دمائه وأملاكه ومستقبله مقابل ذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون ومشكلة المساعدات الإنسانية

فايز سارة

المستقبل

السبت 2/11/2013

تبين نظرة خاطفة للواقع السوري، ملامح عامة للكارثة التي اصابت سوريا والسوريين، لكن نظرة مدققة، تبين عمق تلك الكارثة من خلال تفاصيلها وحيثياتها، التي يتجاوز حضورها الواقع السوري الى المحيطين الاقليمي والدولي، وقد بات كثير من التفاصيل مثل الحياة في المخيمات، وحوادث غرق مراكب الموت التي تقل مهاجرين غير شرعيين، وسوء معاملة السوريين في العديد من البلدان واستغلالهم بصور بشعة حدثاً يومياً في التقارير الاخبارية، التي تتناول الشأن السوري في مجالاته السياسية والاقتصادية والانسانية.

والتوقف عند الاهم في معالم الكارثة، التي اصابت السوريين يبين ان نحو مليون نسمة بين قتيل ومعوق ومفقود وسجين اصابتهم الاثار المباشر لعنف النظام وآلته العسكرية والامنية في عموم الاراضي السورية، وبدرجة اقل تسبب في ذلك عنف جماعات مسلحة بينها عصابات جنائية وجماعات التطرف من اشقاء القاعدة ولاسيما دولة العراق والشام وجبهة النصرة وكلها تقوم بعمليات مسلحة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في محاولة منها للسيطرة هناك، واحكام قبضتها على المناطق وسكانها.

ولعل بين الابرز في تفاصيل ما اصاب السوريين، حقيقة ان هناك أكثر من عشرة ملايين سوري اصبحوا مهجرين من بيوتهم نحو نصفهم لاجئين في دول الجوار والابعد منها، منهم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة معظمهم موجودين في مخيمات البؤس في لبنان والاردن وتركيا، بينما هناك أكثر من خمسة ملايين نسمة مهجرين في انحاء مختلفة من البلاد في اطار سعيهم الابتعاد عن مناطق الصراع الساخنة ومن الظروف الصعبة التي صاروا اليها في مناطق سكنهم وبحثاً عن مناطق آمنة لاتتوفر في اي منطقة من البلاد.

ان مجريات حرب النظام دمرت اكثر من مليون مسكن بصورة كلية، ونحو ضعفي هذا العدد بصورة جزئية، وهو ما اصاب ملايين المحال التجارية والحرفية والخدمية. كما دمرت الحرب البنى التحتية والمنشآت الانتاجية والخدمية بما فيها المدارس والمشافي، وجعلت أكثر من عشرة ملايين سوري دون خدمات عامة وبلا موارد للعيش، بل هي اصابت واستنزفت ما كان يملكه معظم السوريين من ثروات واحتياطات نقدية في العامين والنصف السابقين، وجعلت اغلبية السوريين تنزل في معاشها الى ما تحت معدل الفقر العالمي حسب العديد من التقارير الدولية، التي رصدت الواقع المعاشي للسوريين، وقد وصل حد الجوع وانتشار الامراض وخاصة في العديد من مخيمات اللاجئين السوريين وفي المناطق التي تحاصرها قوات النظام في الغوطتين المحيطتين بدمشق وفي حمص القديمة.

لقد جعلت الحرب السوريين في امس الحاجة لمساعدات، سعى السوريون بقدراتم المحلية ومن خلال المغتربين الى توفيرها في الفترة الاولى، لكن قدراتهم توقفت وعجزت مع تصاعد الحاجات لاحقاً بعد ان ارتفعت اعداد ذوي الحاجة، وتنوعت وتوسعت الاحتياجات داخل البلاد وفي بلدان اللجوء، وللمساهمة في تلبية الاحتياجات انخرطت مؤسسات وهيئات دولية واقليمية ومحلية اضافة الى دول في عملية المساعدة، التي تبدو انها مستحيلة بسبب اعداد السوريين المحتاجين للمساعدة من جهة وطبيعة المساعدة المطلوبة، التي تشمل كل شيء تقريباً من الطعام الى الشراب واللباس والسكن والصحة والتعليم وغير ذلك من حاجات، لم يتعود المجتمع الدولي على تأمينها في الاحوال المعهودة.

واذا كانت المشكلة الاساسية في نقص المساعدات المتوفرة مقارنة بالاحتياجات من حيث الحجم والنوع، فان ثمة مشاكلات أخرى لا تقل اهمية وخطورة من بينها تشتت المساعدات وصعوبة وصولها الى اهدافها بسبب الظروف الامنية، وقيام بعض الاطراف المحلية والاقليمية باستغلال تلك المساعدات لتحقيق اهداف سياسية، او لشراء ولاءات في اوساط المحتاجين السوريين، وبينها سطو بعض الدول المضيفة للاجئين السوريين على جزء من تلك المساعدات في اطار عمليات فساد او لجهة توزيع اجزاء منها ل"محتاجين" من مواطنيها، او في التحكم بتوزيع المساعدات وفق حاجات امنية، وسرقة اجزاء منها من جانب الجهاز الامني البيروقراطي على نحو ما تقوم به السلطات السورية، التي تمنع تدفق المساعدات الى مناطق محاصرة منذ وقت طويل.

ان المحصلة العامة لحالة المساعدات الانسانية للسوريين، تبين نقص المساعدات، والعجز في وصولها الى هدفها في تخفيف معاناة المحتاجين ومساعدتهم في التغلب على الظروف الصعبة التي صاروا اليها نتيجة سياسات القتل والدمار والتهجير التي تابعها النظام طوال الازمة، وبفعل الصمت الدولي عن جرائم النظام، وتقصيره في اتخاذ خطوات عملية لوقف الحرب ووضع حد للكارثة التي وصل اليها السوريون.

وتطرح وقائع المساعدات ومحصلتها النهائية ضرورات على المجتمع الدولي بما فيه من مؤسسات وهيئات ودول ينبغي القيام بها في اطار توفير مساعدات انسانية فعالة للسوريين، لعل ابرز ما فيها من الناحية العملية والانسانية زيادة حجم وتنوع المساعدات المقدمة وخاصة من جانب الدول الكبرى والغنية ومن جانب المؤسسات والهيئات المعنية بتقديم المساعدات ومنها المفوضية الدولية للاجئين التابعة للأمم المتحدة والصليب الاحمر الدولي، اضافة الى تنظيم تدفق تلك المساعدات وتحصينها ضد الاستثمار السياسي وضد عمليات الفساد واعمال السطو التي تتعرض لها، اضافة الى ضرورة الضغط الدولي الى حد اجبار النظام والتشكيلات المسلحة لضمان تدفق تلك المساعدات الى كافة المناطق السورية دون قيد او شرط وخاصة لجهة النماطق التي تحاصرها قوات النظام.

ان الضرورات السابقة، لاتمثل الا اجراءات علاجية في مواجهة الكارثة الانسانية المحيطة بالسوريين. لكن الضرورة الاهم والاكثر تأثيراً، هي وقف الحرب التي يشنها النظام وتشارك فيها بعض التشكيلات المسلحة، واخذ البلاد الى حالة سلم على طريق اقامة نظام ديمقراطي جديد بدل النظام القائم، ومن شأن انجاز هذه الضرورة وقف الكارثة وتداعياتها، بل ان ماسبق سيقود الى توليد طاقات سورية محلية للمساعدة والاغاثة من جهة ولتوفير حاجات السوريين بشكل ذاتي. غير ان وقف الحرب في سوريا يحتاج الى خطوات الزامية تفرض على النظام، وان لم يستجب على عادته، فلابد ان يكون الزامه بواسطة قرار دولي يصدره مجلس الامن الدولي تحت البند السابع، ومن الوضاح في ضوء التجربة السورية، ان هكذا اجراء هو الوحيد الذي يمكن ان يكون فعالاً من اجل مساعدة السوريين بالفعل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطائفية و«النظام الطائفي» في سورية

سلامة كيلة *

الحياة

السبت 2/11/2013

الثورة في سورية باتت تُختزل في ما يظهر على السطح من صراع بين قوى أصولية والسلطة، التي بات يميل البعض الى التأكيد أنها طائفية، وبالتالي ليصبح الصراع صراعاً طائفياً. إذاً، الشعب والثورة باتا في خبر كان. البعض يقول إنها بدأت ثورة وانتهت صراعاً طائفياً.

ما المنظور الذي يحكم النظر الى ما يجري؟ المنظور الطبقي أم السياسي أم الديني؟ في المنظور الطبقي، لا بد من أن نحدد طبيعة السلطة طبقياً، حيث إنها سلطة «رجال الأعمال الجدد»، أي المافيا التي نهبت «القطاع العام» وأصبحت تسيطر على مفاصل الاقتصاد، وتنهبه، وتصدر المال إلى الخارج. هذا هو جوهر السلطة الطبقي. في المنظور السياسي، هي سلطة مستبدة شمولية، مارست قهر المجتمع لعقود. وفي المنظور الديني، فإن العائلة الحاكمة هي من الطائفة العلوية، لكن هل يسمح ذلك بالقول إن السلطة علوية؟

في التدقيق في منظورات بعض «النخب»، نلمس أن المنظور الديني هو الحاكم على رغم ما تقول هي عن ذاتها. فكما أشرنا، إذا كان المنظور طبقياً، يمكن تحديد طابع السلطة، وهو هنا التحديد الجوهري من منظور يساري. وإذا كان المنظور سياسياً يسهل التحديد، وهذا هو المنظور الليبرالي. بالتالي حين نرى السلطة كـ «نظام طائفي»، يكون المنظور الذي ننطلق منه هو المنظور الديني. هذا هو أساس موقف جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين عموماً، التي لا ترى الآخر إلا من منظورها الديني. وحين يحدد يساري أو ليبرالي النظام بأنه نظام طائفي، يكون قد وقع في إشكال المعنى والمصطلحات. أو يكون قد انحكم الى «تراثه» (الى وعيه التقليدي). وقد أظهرت النقاشات أن معنى الطائفية مجهول، وأن كل طرف يعطيه المضمون الخاص به. فالإخوان والسلفيون يعتبرون كل منتمٍ الى الطائفي طائفياً، أي أن الانتماء الموروث كافٍ للتوصيف. ويبدو أن المنظور الشكلي الذي يحكم قطاعات من اليسار والليبراليين يدفعهم إلى اتخاذ الأساس ذاته في التحديد، لهذا تكون علوية الأصل كافية للقول إن «النظام علوي».

إن التمييز بين الطائفة والطائفية ضروري هنا، لأن الطائفة ترتبط بوجود تاريخي، أصبح لها وجود متمايز في المجتمع من الزاوية الدينية. وكانت التطورات تلغي مسألة ارتباط العلاقات بالدين لمصلحة الوجود الاجتماعي ذاته، بالتالي تشكل وجوداً اجتماعياً واحداً يحتوي على تمايز ديني وطائفي، ربما حوى بعض الاحتكاكات، لكنه كان مترابطاً، في وضع فلاحي كان مشتتاً أصلاً، ومدينياً متوافقاً. هذا الوضع الاجتماعي يتحوّل إلى طائفية في اللحظة التي تصبح الأيديولوجيا (العقيدة) هي أساس العلاقة مع الآخرين المختلفين. أي حين يصبح التمايز الواقعي أيديولوجيا ترفع من شأن الطائفة، وتؤسس للتضاد مع الآخرين. أي حين تصبح «عقائد» الطائفة عبارة عن مشروع سياسي (أو طبقي) للسيطرة، أو الصراع مع الآخر... وحين يشغّل كل التراث الديني والطائفي الذي يعزز هذه الطائفة ويحرّض ضد الطوائف الأخرى، أي أنها الميل الى فرض سلطة باسم الطائفة، واستناداً الى موروث صراعي قديم. هذا المنظور موجود عند «الجهاديين» و «السلفيين» و «الإخوان»، وكل القوى التي تتحدث باسم الإسلام السنّي، كما هي عند السلطة في إيران، وعند «حزب الله». فهي قوى قائمة على أساس ديني، وتحدد الأنا والآخر على هذا الأساس، بغض النظر عن طابع العلاقة مع الآخر، حيث إن البعض يدفعها نحو العنف والتصفية (الحالة الجهادية)، والبعض يريد إخضاع الآخر، وتحويله إلى مرتبة أدنى.

الطائفية تتسم بالانغلاق والتعصّب، ورفض الآخر. لهذا تتحوّل إلى أساس الصراع السياسي لدى القوى التي تتأسس انطلاقاً منها. هل إن النظام في سورية يستند إلى ايديولوجية (عقيدة) طائفة؟ كل ما يرد هو الإشارة إلى أن بنية السلطة والمراكز الأساسية فيها هي بيد علويين، وهذا صحيح. لكن، هل المنظور الذي يحكم هؤلاء هو المنظور العقائدي العلوي؟ وبالتالي تتحدد علاقتهم بالمجتمع انطلاقاً من أنه سنّي؟ لكن، من ثم، لماذا كان معنياً بنشر المعاهد الدينية السنّية، وتعميم بناء الجوامع، والحفاظ على علاقة متينة مع المؤسسة الدينية «السنية»؟ ولماذا كان تجار دمشق وحلب شركاء في النهب، على رغم تميّز «العائلة» (وحدث مثله في مصر وتونس، بغض النظر عن الجانب الطائفي)؟ كما سنلاحظ أن المنظور الطائفي يتجاهل كل ذلك، ويحصر السلطة بـ «العائلة»، و «البنية الصلبة»، هذه البنية التي تشكل الضامن للسيطرة الاحتكارية للعائلة في الاقتصاد.

الطبقة المسيطرة تتشكل من تحالف «رجال الأعمال الجدد» (العائلة خصوصاً)، والبورجوازية التقليدية (في دمشق وحلب خصوصاً)، على رغم أن العائلة (آل مخلوف والسد وشاليش) وحواشيها هي المهيمنة في هذا التحالف الطبقي الذي يشكل جوهر السلطة. وهؤلاء، من المنظور الأيديولوجي، غادروا الأفكار القومية البعثية، وانخرطوا في منظور ليبرالية العولمة. وباتت الفئة المهيمنة في ترابط مع الرأسمال الخليجي والروسي والأوروبي (والتركي في مرحلة الصفاء).

إذاً، المسألة التي تحتاج إلى تحليل سوسيولوجي هي مسألة تحكّم أفراد من الطائفة بمفاصل السلطة، وتشكيل «البنية الصلبة» لها، ومن ثم بعض «الامتيازات» التي كانت تتحقق لبعض أفرادها. هنا سنلمس مبدأ استغلال بعض الفئات الاجتماعية لتحقيق المصالح الطبقية أكثر مما نلمس الارتباط الطائفي، وإنْ كانت العلاقات الطائفية تُستغل لتحقيق ذلك. فمن يدرس وضع كل النظم التي سيطرت فئات فلاحية عليها، باسم القومية، يجد أنها تنحكم الى ديكتاتور، الذي بدوره يعتمد في مفاصل السلطة على «بيئته»، أي مناطق الريف التي هو منها... لأن تكوين الوعي التقليدي الذي يحكمه يعتمد على الثقة بـ «البيئة» وليس بأي شيء آخر، لا بالدين ولا بالأيديولوجيا ولا حتى بالصداقة. لهذا يقيمون أدواتهم من تلك البيئة وليس من أي مكان آخر. هذا حدث في العراق وفي الجزائر وليبيا واليمن كما في سورية.

ولأن السلطة تريد أدوات، فقد أبقت الساحل من دون تنمية، وفي وضع مزرٍ، مهمّش ومفقر، حيث تستطيع استخدام المفقرين في تكوين أجهزة قمعها. لكنها عند الضرورة تستثير «الشعور الطائفي» لديها لكي تضمن ولاءها. هي إذاً ليست طائفية، لكنها تستخدم الطائفية لكي تحمي سلطتها التي تعبّر عن حكم مافيا وحشي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

“جنيف2 تأسيس أميركي للصوملة . ./ غسان المفلح

المختصر/ لم يترك الأخضر الابراهيمي ملفا تسلمه كمبعوث دولي, إلا وتركه رمادا. السبب أنه وجه قباحة لملفات لايراد حلها, وهو ليس من اصحاب المبادرات القوية, ليس في سجله مثل هذا. حيث بات من المتعارف عليه, ومنذ زمن أن اي ملف لا تريد أميركا حله تسلمه للابراهيمي. من هذا الموضوع نستطيع استشفاف ماذا يعني “جنيف2. للابراهيمي تجربته في العراق ولبنان, والنتائج واضحة.

” الأسد كان شخصاً منبوذاً ولكنه بعد صفقة الكيماوي أصبح شريكاً”, هذا آخر تصريح للابراهيمي قبل توجهه لدمشق, تصوروا ضمير هذا الرجل وفريق عمله, بعد أن ضرب الشعب السوري بالكيماوي, اصبح شريكا مع أنه ليس كذلك, لكن هذه رغبة الابراهيمي نفسه وعسكر الفساد في الجزائر. فكيف لهكذا وسيط ان يكون نزيها? وكيف لاميركا أن تبوح له بستراتيجيتها? الاميركيون رغم كل شيء, لايزالون نيحسبون حسابا, لوسطاء لديهم ضمير مهني, غير منفصل عن ضميرهم الاخلاقي. لهذا هم يرمون بالابراهيمي في كل ملف, يحتاج لوسيط لديه مثل هذا الفصام. كي لايصطاد احد بالماء العكر, لا يعنيني الابراهيمي كشخص مطلقا, بل اتحدث عنه بوصفه مؤسسة سياسية.

ثنائية “العسكر والسلطة العميقة- الفساد” هي التي يجب أن تحكم المنطقة, أو أن تذهب نحو الصوملة. اسلاميون تركوا النموذج التركي, ويركضون في حقل تنافسي على الشارع, كشعار متشدد, ساعد في ذلك تيارات أخرى وجدت أن سبب ديمومتها هو استمرار العسكر أيضا.

روسيا وإيران- ستراتيجيتهما مغلقة على خيار “الاسد أو نحرق البلد” من دون القدرة على حل خارج هذه الدائرة. فماذا تريدان من “جنيف2 “?

أميركا- ليذهب الجميع إلى جنيف وهناك نرى. جر الاطراف لتأسيس شبيه بالحالة الفلسطينية أو لتأسيس يجمع بين هذه الحالة وبين الصوملة, أو لتطبيق سيناريو أميركي لايزال خارج اجندة “جنيف2 ” ربما يتم طرحه في اللحظات الأخيرة? هناك من يرى أن أميركا تراجعت عن “جنيف1 وتبنت التفسير الروسي له, لو كانت أميركا تريد “جنيف1 أو التفسير الروسي له حتى لفرضته بقرار من مجلس الامن.

“المعارضة”- هيئة التنسيق لاوزن فعلياً لها, وتتبنى جزءاً كبيراً من مطالب الثورة ما عدا المس بموقع آل الاسد, واجراء مصالحة وطنية, و”يا دار ما دخلك شر”.

الائتلاف- لايزال كما تشكل “رجل بالبور ورجل بالفلاحة”, يتبنى مطالب الثورة, من دون اي ستراتيجية واضحة لتحقيقها سواء عبر “جنيف2 أو أي طريق آخر. كما أنه منذ تأسيسه استطاع أن يفصل بين حركة الداخل وتفاعلاته وبين المعارضة الائتلافية كلها. والهوة تتسع والمخاض لعودة مؤسسية حقيقية يزداد صعوبة, تصل حد الاستحالة.

- آل الاسد إما نحن أو نستمر في قتل الشعب السوري.

- الحركة الكردية منقسمة بين النظام وبين الثورة واهدافها. القسم الأول مسلح ويفرض نفسه بقوة السلاح, والثاني غير مسلح ولا سند مهما له.

- الجيش الحر اخترقته “داعش” وغيرها, واصبح بلاقيادة موحدة بفضل السياسة الأميركية- الائتلافية.

فأي “جنيف2 ” هذا الذي سيعقد? لايزال عنوان التدخل الدولي مطروحا لحماية شعبنا من هذه القوى المستكلبة.

المصدر: موقع السياسة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين (أسلمة) تركيا و(أسلمة) سوريا (1)

د. وائل مرزا

السبت 3/11/2013

بين (أسلمة) تركيا و(أسلمة) سوريا (1)منذ أيام احتفلت تركيا بعيد الجمهورية التسعين. بدأت الاحتفالات عند ضريح أتاتورك "آنيتكبير"بالعاصمة أنقرة.

هناك،وضع الرئيس التركي عبدالله جول باقة ورد على قبر أتاتورك وسط عزف الموسيقى العسكرية للنشيد الوطني، وكتب كلمةً في سجل التشريفات بالضريح قال فيها: "في ظل مكاسب جمهوريتنا التي اقتربت أن تصل لذكراها المئوية، نشعر بالفخر ببلدنا ونهوضه في جميع المجالات وصعوده كمركزعالمي".

شارك في المراسم عدد من رجال الدولة وكبارالعسكريين الأتراك منهم رئيس البرلمان جميل شيشك ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ورئيس المحكمة الدستورية هاشم كيليتش ورئيس هيئة الأركان العامة التركية نجدت أوزال بالإضافة إلى زعماء أحزاب المعارضة.

في نفس اليوم، الثلاثاء الماضي، افتتح القادة الأتراك في إسطنبول، بحضور رئيس الوزراء الياباني شينزوآبيه، نفقاً عملاقاً يربط بين قارتي آسيا وأوروبا تحت بحرالبوسفور، مخصصاً للسكك الحديدية وتعتبره السلطات "ورشة القرن"وهوبطول 14 كيلومتراً،أربعة منها تحت البحر، وقد تم افتتاحه بعد تسعة أعوام من العمل.

وفي المساء، بلغت الاحتفالات ذروتها حين اشتعلت سماء إسطنبول فوق مضيق البوسفور بالألعاب النارية التي حضرها مئات الآلاف وهم يلوحون بالأعلام التركية، وقد اختلطت معها صور أتاتورك وأردوغان، ويغنون الأغاني الوطنية مع صوت الموسيقى التي كانت تملأ أجواء المدينة.

في اليوم التالي، أشاد رئيس البنك الدولي"جيميونج كيم" بالاقتصاد التركي والطفرة التي استطاع تحقيقها، قائلاً إن النهضة الاقتصادية التي حققتها تركيا على مدار العقد الأخير تُعتبرشيئاً جديراً بالتقدير والاحترام. جاء ذلك في كلمةٍ ألقاها كيم خلال مشاركته في المؤتمرالاقتصادي الخامس الذي استضافته ولاية"إزمير" الساحلية غربي تركيا وبحضورنحو 3400 مشارك من مختلف بلدان العالم.

بعدها بيوم، بادرت ثلاث برلمانيات عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا إلى دخول قاعة مجلس الشعب التركي بالحجاب في سابقة هي الأولى من نوعها منذ حادثة طرد النائبة المحجبة"مروةقاواقجي" من البرلمان عام 1999م.

فقدعمدت كلٌّ من النائبة "سودة بيازيدكاتشار"،والنائبة "نور جاندالبوداك"،والنائبة "جولا يسامانجي" ،إلى حضور جلسة مجلس الشعب التي بدأ انعقادها يوم الخميس بحجابهن،مستندات إلى القرار الذي تم اتخاذه بحرية اللباس في الدوائرالحكومية ضمن حزمة الإصلاحات الديمقراطية الأخيرة.

وبهذه المناسبة، قال"محرمإينجه" نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري،أكبرأحزاب المعارضة في تركيا،إنهيعتبرأن النساء المحجبات أخوات له كما هوالحال بالنسبة لغيرالمحجبات، مُشيراً إلى أن شقيقته هي الأخرى ترتدي الحجاب دون أن يعارضها.

وبدورها،أعربت"برفينبولدان"،النائبة عن حزب السلام والديمقراطية،الذراع السياسية لمنظمة حزب العمال الكردستاني،عن امتنانها العميق لإيجاد حل لقضية النائبات المحجبات في البرلمان.

وأخيراً، صرح وزيرالعدلالتركي"سعدالله أرجين" أن تركيا تنوي إلغاء قانون مكافحة الإرهاب فورظهورنتائج مفاوضات السلام الحالية. مؤكداً أن بلاده كانت تنوي إبطال القانون في عام2005م،وذلك عقب بدء العمل بالقانون الجزائي التركي،ولكن العمليات الإرهابية التي ظهرت آنذاك أدت إلى استمرار العمل به،موضحًا بأن الحكومة كانت تلغي مادة أومادتين من القانون المذكور في كل حزمة إصلاحات ديمقراطية تعلنها،وكانت تهدف إلى إلغائه وتعطيل العمل به تمامًا،إلا أن العمليات الإرهابية أعاقت هذا الأمر.

وأشار أرجين إلى أن البلاد لاتعيش الآن أي صراعات أومواجهات مع الإرهابيين بسبب مفاوضات السلام الجارية،إلا أن التهديد الإرهابي لايزال موجودًا والسلاح لم يتم التخلي عنه بعد،منوهًا إلى أن قانون مكافحة الإرهاب سيتم إلغاؤه فور ظهور نتائج المفاوضات الحالية.

لايزال البعض هنا وهناك يتحدث عن عملية (أسلمة) لتركيا يقوم بها حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهناك من يتحدث بهذا بلغة (الاتهام) والتشكيك، وكل مايندرج تحت عقلية التفسير التآمري للوقائع والأحداث.

لايمكن حين تستقرئ معاني الأحداث المذكورة أعلاه إلا أن تشعر بالأسى على كل من يستخدم هذا المدخل للتعامل مع الظاهرة التركية. ينطبق هذا على أجزاء من النظام الدولي السياسي العالمي، كما ينطبق على جماعات وأفراد تؤكد على هويتها (الليبرالية العلمانية)، من العرب عموماً ومن السوريين على وجه الخصوص.

نترك هؤلاء في الفضاء الذي يُشكلونه من الفوضى العربية والسورية الراهنة، حيث يتضاءل الأمل في أن يكونوا جزءاً من الحل، وننتقل للحديث عن فوارق ومفارقات الأسلمة التركية، إن صحﱠ هذا (الاتهام) الموجه لتركيا، خاصةً حين يتعلق الأمر بالأسلمة التي يحلم بها غالبية الإسلاميين العرب والسوريين.

فثمة مائة دلالة ودلالة في الأحداث التي شهدتها تركيا خلال ثلاثة أيام فقط الأسبوع الماضي على عدم وجود أي علاقة بين أسلمة الأتراك من جانب وأسلمة العرب والسوريين من جانب آخر.

لماذا وكيف حصل هذا ويحصل؟ نتابع في المقال القادم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إذا انعقد مؤتمر جنيف، فلن يكون إلا على حساب الشعب السوري!

06.11.2013

الطاهر إبراهيم

في كل مرة عندما يكون هناك متخاصمون ويدخلون مؤتمرا لفض الاشتباك، فسيكون الدور الأكبر في نتائج هذا المؤتمر يعتمد على قوة الخصمين على الأرض. ولا يتخلف الصراع في سورية عن هذه المقولة. في تحديد قوة النظام وقوة المعارضة المسلحة (ذكرت هنا المعارضة المسلحة لأن المعارضة السياسية لا تؤثر كثيرا بالوصول إلى النتائج، لأن قوتها على الأرض تساوي الصفر)، فإن الأطراف الخارجية تلعب الدور الأكبر في الوصول إلى نتائج أي اتفاق قد يحصل في مؤتمر جنيف أو غيره.

قوى الجيش النظامي مضعضعة أكثر من قوى الفصائل المقاتلة، بعد ما استنزفت قواه البشرية التي يعتمد عليها جيش النظام. فقد قتل أكثر من خمسين ألف من قواه البشرية التي تعتمد على الطائفة. (هذا الإحصاء يعود إلى قبيل حزيران 2013). لكن حلفاء النظام وعلى رأسهم إيران لم يدخروا وسعا في ترميم قوى النظام. فما تزال روسيا تورد السلاح الثقيل، وما تزال إيران تضخ  المليارات في البنك المركزي السوري، (فقد انخفضت قيمة الدولار الأمريكي من 300 ليرة سورية لكل دولار قبل حزيران 2013 إلى 150 ليرة سورية اليوم في 1/11/2013).

(يلاحظ القارئ أني قفزت فوق ميليشيا حزب الله وميليشيا أبو الفضل العباس، لأنهما يعتمدان أساسا على إيران، كما أن حماسهما للنواحي المذهبية يقابلها حماس أشد عند فصائل الجيش الحر، الذي يقاتل بحماس تلك الميلشيا القادمة من وراء الحدود). 

داعمو الجيش الحر لم يستطيعوا حتى اليوم تقديم ما تقدمه روسيا وإيران إلى بشار أسد بسبب رفض واشنطن وصول أسلحة ثقيلة وقذائف مضادة للطيران للجيش الحر. في المقابل يتفوق الجيش الحر بشريا على جيش بشار أسد ومقاتلي ميليشيا حزب الله وأبو الفضل العباس، لأن الجيش الحر يقاتل فوق أرض يعرفها وضمن حاضنة لوجيستية تؤمن له ما لا يتوفر للمليشيا القادمة لحربه من خارج سورية. من هذه المقارنة المبسطة نخلص إلى التالي:

مع تكافؤ قوى الجيش الحر بشريا مع قوى النظام وداعميه من ميليشيا حزب الله وأبو الفضل العباس على الأرض، فإن الدعم الذي توفره إيران للنظام يجعله يتفوق على الجيش الحر الذي تدعمه دول عربية لا تتمكن من تقديم أسلحة متقدمة له بسبب رفض واشنطن.

هذه المقارنات لا تغيب عن تفكير طهران وموسكو وواشنطن، كما لا تغيب عن تفكير فصائل الجيش الحر. أما الائتلاف فهو منشغل بالذهاب إلى مؤتمر جنيف قبولا ورفضا، ولا يملك ما تملكه فصائل الجيش الحر على الأرض، لاسيما الفصائل التي لا ترضى واشنطن عنها، تلك التي أعلنت رفضها الذهاب إلى جنيف. بل إن البيان الثاني الذي أعلنه20 فصيلا مقاتلا أواخر شهر تشرين أول المنصرم، صيغ بما يشبه التهديد لمن سيحضر ويوقع على أي اتفاق  يصدر عن مؤتمر جنيف.

ليس صعبا أن نعرف أجندة إيران التي تختصر موقف نظام بشار أسد وفريقه الذي يدعمه وما تريده من مؤتمر جنيف. وليس صعبا أن نعرف ما تريده واشنطن من هذا المؤتمر، الذي يمكن اختصاره بما تريده إسرائيل من جارتها سورية المستقبلية.

لكن الذي لا يمكن تحديده والإحاطة به هو ما تقبل به فصائل الجيش الحر إذا قبلت الذهاب إلى     مؤتمر جنيف. ما هو معروف حتى الآن أنها ترفض، جملة وتفصيلا، ما تريده طهران أصالة عن نفسها ونيابة عن بشار أسد، وترفض ما تريده واشنطن. هذه الفصائل لا تشغل نفسها بما ينشغل به الإتلاف من أنه يريد أن يكون هو الطرف الوحيد الذي يجلس على الطاولة بمواجهة الوفد الذي يرسله بشار أسد إلى المؤتمر. هل نستطيع أن نلغي المعارضة السياسية نهائيا من خريطة المؤتمر التي تعول عليها واشنطن وموسكو؟

خريطة المعارضة السورية السياسية خريطة متشابكة وتحفل بكل عجيب وغريب. فيها الذين شردوا من سورية منذ نصف قرن. وقليل منهم يتجمع تحت خيمة الائتلاف، الذي لا يعرف أحد حتى الآن الآلية التي تم اختيارهم على أساسها، والذين تريد منهم واشنطن أن "يبصموا" على وثيقة جنيف التي اتفقت عليها مع موسكو "قبل" انعقاد مؤتمر جنيف. كما أن هناك جمعا غفيرا من أولئك الذين هُجّروا من سورية، يتفرجون على ما يحصل في سورية، لا يستطيعون لتقدمهم في العمر الذهاب للقتال داخل سورية، ويرفض الائتلاف إدراجهم هيئته للاستفادة من خبرتهم.

يبقى أن نقول لذلك الرجل العجوز الأخضر الإبراهيمي بعد أن بلغ أرذل العمر: ضع حقيبتك تحت إبطك واذهب إلى غير رجعة، فإنا لا نقبل بك وسيطا.

كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : صدق كيري : الولايات المتحدة ليست عمياء ونحن لسنا أغبياء .. ولكن غيرها وغيرهم

14.11.2013

زهير سالم

قال كيري في الرد على المواقف الاحتجاجية لأكثر من طرف في الشرق الأوسط على الصفقة ( الإيرانية – الأمريكية ) : الولايات المتحدة ليست عمياء ، ونحن لسنا أغبياء . وصدق كيري فالأعمى هو الذي يظن الولايات المتحدة عمياء ، والغبي هو الذي يظن الأمريكيين وعلى رأسهم أركان إدارتهم أغبياء .

الولايات المتحدة مبصرة ، بل شديدة الإبصار ، وكل شيء يجري في سورية من قتل للأطفال وانتهاك للأعراض وتدمير للعمران وعدوان على حقوق الإنسان ؛ إنما يتم على عين منها وبرعاية مباشرة من أذرعها الظاهرة والخفية ومن يجادل في هذا ومن يتوقع غيره هو الأعمى الذي لا يسمع ولا يرى ولا يعقل ولا يفهم ..

الأمريكيون ليسوا أغبياء ..وهم يعلمون بكل تأكيد مآل كل خطوة يخطونها ، ونتيجة كل قرار يتخذونه ، وصيرورة كل فعل يسكتون عليه ، أو يغضون الطرف عنه ، أو يقررون الاحتجاج عليه بالتفوهات اللفظية وليس بالطائرات بطيار كانت أو بغير طيار . الغبي هو الآخر الذي يقف بالباب الأمريكي ليأمل حيث لا أمل ، ويرجو حيث لا رجاء . الأمريكي ليس غبيا لينشر الغصن الذي يجلس عليه ، أو ليلقى العصا الأسدية التي توكأ لعقود عليها ، أو ليقطع حبل الملالي الوثيق الذي يعتصم به ..

وحين يقرر الأمريكي بفعل الظروف الإضطرارية إلى إخراج صفقاتهم السرية مع بشار الأسد ومع إيران إلى العلن من خلال صفقة مستحدثة موحدة للكيماوي والنووي ؛ فإنه لا يفعل ذلك عن عمى ولا عن غباء ،وإنما يفعل ذلك ليقول للذين حسروا عن رؤوسهم طويلا طمعا أن تقيهم المظلة الأمريكية شر ضربة الشمس ما تعود العرب أن يقولوه على بداوته ( أخطأت استكم الحفرة ) .

الولايات المتحدة المبصرة غير العمياء ، والقادة الأمريكيون الأذكياء غير الأغبياء ، يعرفون وهم يجددون عقد أجيرهم في المنطقة أنهم يستأجرون البلطجي الجريء الذي يستطيع أن ينفذ كل ما يسندونه إليه مثل حفظ حدود الجولان أو قمع أي صوت للإنسان الذي لا يروق للأمريكيين سماع صوته ؛ وهو يصرخ في وجوههم ويلوح بقبضات الغاضبين لهم ( الموت لأمريكا ) ( الموت للشيطان الأكبر )  ..

الأمريكيون يعلمون بذكائهم كيف يحكمون في الأيام القادمة القبضة على فكي الكماشة الصهيونية –الصفوية . أو كيف يشدون الحصانين معا إلى العربة التي يحاول ركابها الإفلات من قبضتهم . سيطمئنون الخائف ويهدئون المتغاضب لإعادة ما يسمونه الاستقرار إلى مزرعتهم .

كل الشواهد التي لا يريد العميان أن يروها والأغبياء أن يفهموها ، تقول  إن الصفقة الأمريكية – الأسدية كانت صفقة أمريكية – إيرانية . وأن بندا مهما في هذه الصفقة قضى بالتسليم بدعوى أن سورية هي ( المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثين ) . وبموجب هذه الصفقة اليوم تتحرك القوات الإيرانية وتوابعها من العراق ومن لبنان بمرأى ومسمع من الولايات المتحدة المبصرة غير العمياء وبتفهم قادتها الأذكياء غير الأغبياء لاحتلال سورية وإحكام السيطرة عليها ووأد تطلعات إنسانها ..

الولايات المتحدة ليست عمياء وقادتها ليسوا أغبياء .. صدق كيري وأصاب ولكن اللاهثين وراء الولايات المتحدة إلى واشنطن أو إلى جنيف في أي موقع كانوا وبأي ذريعة فعلوا هم كذلك هل لديك شك ؟!

لندن : 10 محرم / 1435

14 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جنيف 2 وإشكالية حوار المعارضة مع النظام السوري

02.11.2013

د. محمد أحمد الزعبي

1.

غني عن القول أن الديمقراطية تفترض وتشترط التعد د يةالإجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وبالتالي السياسية .وبدورها فإن التعد دية إنما تعكس وتنعكس ـ نظريا وعملياً ـ عن الوجود الموضوعي الملموس للتعدد المذهبي واللغوي والإثني ...الخ في أي مجتمع . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو متى ولماذا يصل الخلاف والإختلاف في الآراء والمواقف بين الفئة الحاكمة ومعارضيها إلى مرحلة الاحتراب وإسالة الدماء ( كما يحصل الآن في سورية!)، بل وإلى الإستعانة بالأعداء ( كما حصل ويحصل أيضا الآن في العراق!) ؟ ، وهل يمكن أن يصل الاختلاف في المواقف والآراء بين نظام سياسي ما ومعارضيه الى مرحلة تصبح معها المصالحة الوطنية ممتنعة ، سواء بسبب أحد الطرفين أم بسببهما معاً .؟

 

إن معارضة نظام سياسيى ما ـ كما نراها من جهتنا ـ يمكن ( وفي إطار مبدأ النسبية دائما ) أن تكون : وطنية أوغير وطنية ، مشروعة أوغير مشروعة ، ممكنة أو غير ممكنة. وبغض النظر عن مسألة

الإمكانية / عدم الإمكانية ، فإن المعارضة الوطنية المشروعة لنظام سياسي ما ، لابد أن يكون السبب الكامن وراء خيارها هذا واحد اً أو أكثر من الأسباب الجوهرية التالية :

 

1ــ أن يكون النظام المعني قد فرّط أو أنه يفرّط بما تعتبره تلك المعارضة الثوابت الوطنية و/أو القومية ،

التي لايمكن المساس بله التفريط بها ، أي أن الأمر هنا يتعلق بالتفريط بالغاية (حسني مبارك كمثال)

2ــ أن يكون النظام المعني سلطة ديكتاتورية قمعية ، ولكنه لم يفرط بالثوابت الوطنية والقومية ، بل إنه

 يعتقد أن هذه الديكتاتورية تستلزمها ضرورة المحافظة على هذه الثوابت . أي ان الأمر هنا يتعلق

 بالتفريط بالوسيلة وليس بالغا ية ( جمال عبد الناصر وصدام حسين كمثال ) . إن ماغاب عن هذه

 الرؤية الأيديولوجية هو أن الغاية والوسيلة هما وجهان لعملة واحدة ، ويرتبطان معا في علاقة جد لية ، بحيث أن التفريط بواحد طرفي هذه العلاقة لابد أن يؤدي بالضرورة إلى التفريط بالطرف الآخر .

3ــ أن يكون النظام المعني قد فرّط أو انه يفرط ، بكل من الغاية والوسيلة معا ، أي أنه نظام استبدادي

 من جهة ، ومتواطئ مع أعداء الأمة، من جهة أخرى( حافظ وبشارالأسد كمثال ) .

 

 .وكما هو واضح هنا ،فإن التناقض بين المعارضة الوطنية والنظام السياسي ، إذا ماكان من النوع الأول والثالث ، فإنه يقع في دائرة التناقض الرئيسي التناحري الذي لا مجال فيه ـ وفق رؤيتنا ـ للمصالحة الوطنية إلا في حال تخلي النظام المعني عن كل مواقفه السياسية والأيديولوجية المتعارضة مع هذه الثوابت الوطنية والقومية والإنسانية ، أي عملياً التنازل عن السلطة وتحويلها للشعب .

أما إذا كان النظام من النوع الثاني ، فإن من مسؤولية بل من واجب كل من المعارضة والنظام معا ، أن يسعيا إلى إقامة حوار بناء وهادف كل مع الآخر على أساس المسؤولية المشتركة ، وبما يؤدي إلى مصالحة وطنية تضع مصلحة الوطن والأمة فوق كافة الإعتبارات الأخرى.

إن مقولة المصالحة الوطنية إنما تستند هنا بصورة أساسية إلى مفهوم المواطنة الذي يمثل البوتقة الجغرافية والتاريخية لجميع أبناء الوطن على أساس العدالة الاجتماعية ، والتساوي بالحقوق والواجبات دون تمييز بينهم على أساس إثني أو ديني أو طائفي أو جهوي أو أيد يولوجي . هذا مع العلم أن التساوي في الحقوق والواجبات أمام الدستور والقانون إنما ينطوي تطبيقياً على مبدأ الديمقراطية الذي ينطوي بدوره على مبدأ الحرية ، ومبدأ التبادل السلمي للسلطة على قاعدة " كلنا شركاء في هذا الوطن " و" احترام الرأي والرأي الآخر".

2 .

كثيرا ماتتداخل إشكالية السلطة ـ المعارضة مع إشكالية أخرى هي إشكالية الأقليات في بعض ـ إن لم يكن كل ـ المجتمعات العربية ، ويعني الكاتب بمفهوم الأقليات كافة المجموعات الاجتماعية التي تنتمي إلى عصبية معينة

، إثنية ، دينية ، قبلية ، جهوية أو طائفية ، والتي غالبا مايتم تغليفها بغلاف أيديولوجي، يمكن أن يكون صحيحا أو مزيّفا . واستنادا الى معرفتنا الميدانية لهذه الظاهرة الإجتماعية ، توصلنا إلى الفرضية السوسيولوجية التالية :

" إن الأقلية ـ بصورة عامة ـ يمكن أن تلعب دورا إيجابيا وتقدميا عندما تكون في المعارضة لنظام استبدادي ، ولكنها إذا ماوصلت هي إلى السلطة ، بما هي أقلية ، فإن هذا الدور الإيجابي سوف ينقلب إلى ضده . أي أن الدور الذي يمكن أن تلعبه أية أقلية خارج العملية الديمقراطية الشرعية، هو سلبي بالقوة عند ماتكون في المعارضة ، وسلبي بالفعل إذا ماوصلت إلى السلطة بما هي أقلية ، سواء أكان هذا الوصول على ظهر دبابة عدوة أو صد يقة ، وسواء مارست دورها علانية ، أم حاولت التخفّي وراء شعارات حزب أو دين أو طائفة ، يمكن أن يكونوا منها براء " ، ويتحول صندوق الإقتراع لدى هذه الأقلية من صديق إلى عدو ! .

وليس أدل على صحة هذه الفرضية السوسيولوجية ، من مشاهدة مافعلهومايفعله نظام عائلة الأسد في سورية منذ 1970 بصورة عامة ، ومنذ الانفجار الوطني والشعبي في آذار2011 بصورة خاصة .

3.

لانذيع سراً إذا ماقلنا أن النظام السوري الحالي هو نظام أقلية . وأنه يحيط نفسه بعدد من الأحزمة الأمنية ( أعمدة الحكم السبعة : الشرعية ، الدستور ، الحرس الجمهوري ، أجهزة الأمن المختلفة ،( بمن فيهم الشبيحة ) الحكومة ، حزب البعث ، الجبهة الوطنية التقدمية ) التي سمحت باستمراره غير الشرعي لأكثر من أربعة عقود ، والتي إذا ما استثنينا الأجهزة العسكرية والأمنية المختلفة التي هي عملياً السياج الحقيقي للنظام ، لاتعدو أن تكون مجرد دمى يسخرها النظام لمصلحته بالطريقة التي يراها مناسبة .

أن النقيض الموضوعي لهذا النظام لابد أن يسير ــ بطبيعة الحال ــ في الإتجاه المعاكس ، أي أن يكون نظام أغلبية

، وبتقديرنا فإن تبني الطرح العلماني، القائم على مبدأ المواطنة المتساوية بين جميع مكونات الشعب السوري ، ، هو الذي سوف يساعد الشعب السوري على تجاوز محنته الراهنة ، ويعطي مفهوم الأقلية والأكثرية طعما ولونا جديدين مختلفين جذرياً عن طابعهما الإثني أو الديني او الطائفي أو الجهوي الذي لاتخطئه العين حالياً . هذا مع العلم أننا نفهم العلمانية ، بصورة جد بسيطة مفادها أن الدين لله والوطن للجميع ، الأمر الذي يعني أن العلمانية الحقيقية لا تتعارض مع الدين ولا مع التد يّن، وأن الدين بدوره لايقف ضد تساوي كافة أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات، والتي ( المساواة ) هي مطلب ديني بقدر ماهي مطلب د نيوي .

 إن غياب الجماهير الشعبية في سورية عن المسرح السياسي ، ومصادرة دورها في الحياة العامة ( عمليا تغييب الديموقراطية ) ، كان السبب الجوهري لكافة الهزائم والنكسات بل والمصائب التي شهد تها سورية ، منذ انقلاب حسني الزعيم 1949 ، وحتى هذه اللحظة ، الأمر الذي جعل ويجعل من الديمقراطية الممر الإجباري الذي ينبغي على كافة أطراف المعارضة أن تسلكه ، باتجاه بعضها بعضا ، على قاعدة ، كلنا شركاء في هذا الوطن ،

إن الديمقراطية لاتعتبر ـ بنظرنا ـ مجرد وسيلة لغاية ، بل إنها وسيلة وغاية معا وفي نفس الوقت ، ذلك أن الإنسان ، سواء بما هو مواطن فرد ، أو بما هو جزء من جماعة إجتماعية ما ، هو غاية السياسة ، وهو وسيلتها أيضا لتحقيق هذه الغاية ، وإذ ن فإن تكبيله وتقييد حريته إنما يتماهى ـ نظريا وتطبيقيا ـ مع وضع المبادئ الوطنية والقومية لهذه السياسة في دائرة الخطر .

4.

تنطوي مبادرة الحوار مع النظام ( جنيف1 و جنيف 2 ) بالشكل الذي لمسناه ونلمسه في كثير من أد بيات بعض أطراف المعارضة السورية ( هيئة التنسيق وحواشيها تحديداً ) على خللين أساسيين ، الخلل الأول ، هو أن هذا الحوار هو عمليا ذو بعد واحد ، وأن تمثيلية استعداد النظام للحوار مع بعض أطياف المعارضة ، إن هو إلاّ نوع من " الضحك على الذقون " ، بل ونوع من الديالوج الداخلي ، أي حوار النظام مع نفسه ، الأمرالذي يتعارض مع أبجديات المصالحة التي تقتضي أصلاً حوارا بين متحاورين اثنين متكافئين ، و مستعدين لسماع بعضهما بعضا ، وبنفس الوقت ينبغي أن يكون كل طرف منهما على قناعة بأنه لايملك وحده الحقيقة ، وأن عند الطرف الآخر ماينبغي سماعه ، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .

ولعل مقولة الإمام الشافعي " رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب " هي النموذج الأمثل لأي حوار حقيقي ومثمر ، أما الخلل الثاني ، فيتمثل في أن المصالحة الوطنية تكون واردة فقط ، عندما تكون التناقضات القائمة بين النظام والمعارضة هي من نوع التناقضات الثانوية ،التي يمكن حلها بواسطة الحوار ، أما إذا كانت هذه التناقضات من نوع التناقضات الرئيسية، فإن المصالحة الوطنية ربما تكون هنا ، مجرد شعارات تبطن أكثر مما تظهر ،والمسكوت عنه فيها أكبر من المعلن ، لأن مثل هذه التناقضات لاتحل عادة إلاَّ بإزالة أحد الطرفين .

 إننا لاننكر أن نظام الجمهورية الوراثية ، ( الجملكية )حاول ويحاول أن يقوم ببعض الإجراءات الإيجابية الشكلية والمحدودة واللفظية على الصعيد الداخلي ، في محاولته احتاء ثورة آذار 2011 ، بيد أن ذلك لم يكن يمثل سوى نوع من القنابل الدخانية التكتيكية الشكلية والكاذبة ، وذلك للتغطية على تراجعاته الاستراتيجية في القضايا القومية ولا سيما على صعيد القضية الفلسطينية ، وقبل ذلك وبعده على صعيد الإحتلال الإسرائيلي للجولان ، حيث يمثل السكوت المطبق والمطلق على هذا الاحتلال ، شهادة حسن السلوك التي قدمها الأب ويقدّمها الإبن لأمريكا وإسرائيل مقابل بقاء النظام في السلطة . إن سكوت النظام عن احتلال هضبة الجولان من قبل الكيان الصهيوني عام 1967 استلزم سياسياً واجتماعياً ، تغييب الحرية والديموقراطية والكرامة في سوريا، كي لايرىولايسمع ولا يتكلم أحد في هذا الموضوع ( مؤامرة البلاغ 66 ، ومؤامرة السكوت على احتلال الجولان ).

5.

إن مانراه بالنسبة لمسألة الحوار مع النظام ، والذي يقبله ويدعو إليه ، بصورة أو بأخرى ، بشكل أو بآخر بعض أطراف المعارضة السورية في الداخل والخارج ، هوأن هذا الأمر كان يمكن أن يكون مقبولاً قبل 15 آذار 2011 ، وبالذات قبل أن يصل عدد شهداء الثورة ، وجرحاها ، ومفقوديها ومعتقليها ، ونازحيها ، ومهاجريها ، علي يد هذا النظام الهمجي ، إلى تلك الأرقام الفلكية التي أصبحت معروفة لدى القاصي والداني ، هذا إضافة إلى تدمير البنية التحتية لمعظم المدن والقرى السورية ، بحيث لم يعد للنظام في سورية مايحكمه ، بعد أن قتل وهجرالبشر ودمر الحجر وحرق وقطع الشجر ، اللهم إلاَّ مرتزقته وأقاربه ومن على شاكلته .

وسوف أقتبس هنا من الورقة التي قدمها الدكتورفايز الفواز في اللقاء التشاوري الذي انعقد في استوكهولم ( من 7 إلى 9 أكتوبر 2011 ) ، أي قبل سنتين من اليوم ، حيث يقول " وإذا كان بالإمكان حاليا تقديرالأضرار المباشرة التي لحقت بالبلاد من السياسة الممارسة خلال الأشهر المنصرمة ، فمن الصعب جداً ، إن لم يكن من المستحيل تقدير الأضرار البعيدة ، فالمجتمع يعاني من انقسام عميق ، والهوة بين النظام القائم وغالبية الشعب لم تعد قابلة للجسر ، والثقة فقدت " .

 إننا في الوقت الذي نحترم فيه " الرأي الآخر " المختلف بصورة عامة ، إلاّ أننا نتمنى ألاّ يغيب عن بال المعنيين بهذه المحاولة ( الحوار مع النظام في جنيف ) مسألة العلاقة الجدلية بين الغاية والوسيلة ، من حيث أن النظام فاسد في الأمرين معاً ، وأن مابني على فساد لا يمكن إلاّ أن يكون فاسداً بالضرورة ، والعضو الفاسد ينبغي أن يبتر كي لايطال فساده بقية أعضاء الجسم ، والعاقل لايلدغ من جحر مرتين .

إن التناقض بين النظام والأغلبية الشعبية في الجمهورية العربية السورية ، أصبح تناقضاً رئيسياً وتناحرياً ،أي أن حلًه بات من الناحية العلمية والمنطقية والعملية رهنا بإسقاط أحد طرفي هذه العلاقة ، ومعروف هنا من هي الجهة المرشحة للسقوط ، إنه النظام وليس الشعب ، فالشعب لايمكن لأي خائن أو عميل ، ولا لأي مدفع أو طائرة أو دبابة أن تسقطه ، فلا نامت أعين الجبناء .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حوار مع المعارضة السورية

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 1/11/2013

قبل أي حوار مع النظام والمجتمع الدولي في جنيف أو سواها، بات ضرورياً أن يتعمق حوار داخل أطياف المعارضة التي تواجه مشكلة كبرى في تفرق شملها وشتات رؤاها واختلاف مرجعياتها، مما أضعف موقفها وجعل انقساماتها تهدد الثورة بالانهيار وتجعل الشعوب في المجتمع الدولي تتراجع عن شعورها بالتأييد، وتتجه لاعتبار ما يحدث في سوريا حرباً أهلية يصعب أن ينحاز الآخرون إلى جهة فيها ضد جهة أخرى.

ولست ممن يعتبون على المجتمع الدولي في تراجعه عن دعم الثورة السورية بالتدريج، أو ممن يلقون عليه مسؤولية التشرذم الحاصل في صفوف المعارضة، فعالم السياسة الدولية ليس عالم قيم فاضلة ولا مشاعر إنسانية إلا في الحدود الدنيا، إنه عالم تحالفات كبرى تنتصر للقوي وتزيد في سحق الضعيف. وهو عالم تقود قواه الرئيسة منظمات عابرة للدول والجنسيات والقوميات، تسيطر الصهيونية العريقة على مقابض القرار فيه، ويبدو كثير من قادة العالم اللاعبين على مسرح السياسة الدولية مجرد منفذين لسياسات خفية لا تظهر للعيان، ولكنها لا تغيب عن العقول، وكان طبيعياً أن يسهم الداعمون أنفسهم في تشتيت المعارضة بحثاً عن ولاءات وتحالفات.

وأخطر ما في الوضع السوري الراهن عدم تكافؤ القوى بين الجبهتين المتصارعتين، فالنظام على رغم كل ما تعرض له من ضعف وانهيار لا يزال يشكل رؤية واحدة لا يجرؤ أحد من أتباعه أن يخرج عنها، وعلى رغم تعرضه لانشقاقات وانقسامات وتحول بعض قواه إلى ميليشيات، لكنه لا يزال في قبضة رجل واحد، يأتمر الجميع بأمره. وقد زاد من تماسك جبهة النظام إخلاص داعميه له في المجتمع العربي والدولي، وكرمهم السخي في تقديم كل أشكال العون المادي والعسكري والإعلامي والدبلوماسي وبخاصة ما يجده من دعم إيران وروسيا، ومهما تكن الدوافع التي ينطلق منها داعموه فالمهم أنها تصب في مصالحه.

وعلى الصعيد الشعبي كان من حسن حظ النظام أنه قد تمكن من إقناع مؤيديه بأن مصيرهم مرتبط بمصيره، وأنهم إن لم يقفوا إلى جانبه ويدافعوا عنه، فإنهم سيواجهون مصيراً بشعاً، وقد تمكن من إغراقهم بالمسؤولية عن شلال الدم المراق، وورطهم في ارتكاب مجازر جعلت أيديهم تقطر دماً فباتوا مجرمين بحق شعبهم ومسؤولين عن قتل مئات الآلاف واعتقال وتعذيب مئات آلاف آخرين وتشريد ملايين، ولم يعد أمام هؤلاء المؤيدين سوى الإمعان في الجريمة والالتحام بقاطرة النظام والدفاع عنه حتى الرمق الأخير. وكان من حسن حظه أيضاً أنه فضلاً عن تمكنه من جعل الطائفة العلوية حصنه الأمنع، تمكن من إقناع بعض الأقليات بأن الغالبية السنية ستقصي الأقليات وتلتهم المستقبل وحدها. وسرت أكذوبة الاصطفاف الطائفي لتحجب حقيقة أن الاصطفاف الحاصل هو اصطفاف سياسي، وأن التمزق في المواقف هو داخل الأسرة الواحدة، وأن النظام يعتمد على كثير من أهل السنة الذين وقفوا ضد شعبهم وتحالفوا مع الاستبداد بدوافع مصالحهم الشخصية، وبعضهم تمترس وراء انتماءات سياسية حزبية أو فهم مختلف لما يحدث. وبعض الداعمين للنظام من أهل السنة تحديداً هم ممن اقتنعوا بدعاية النظام بأن الثورة الشعبية التي انطلقت تطالب بالحرية والكرامة هي مؤامرة كونية تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، وهؤلاء يحارون اليوم في تفسير هذه المؤامرة بعد أن اكتشفوا أن من ظنوهم يتآمرون عليهم هم الذين يدعمون النظام ويدافعون عن بقائه على رغم كل الجرائم التي ارتكبها.

وعلى الجبهة الأخرى، حيث الثورة والمعارضة والملايين من الشعب المشرد الهائم في بلاد الهجرة واللجوء في صحارى مخيمات النزوح التي تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة، تبدو الصورة شديدة القتامة والتجهم، فأمام توحد جبهة النظام نجد هشاشة تماسك المعارضة، وتفرق قواها في تشعبات وتوجهات مختلفة -وهذا أمر طبيعي- لأنها تعبّر عن حريات شخصية وعن رؤى متنوعة بخلاف جبهة النظام التي تجتمع حول مبدأ واحد هو الدفاع عن بقاء النظام حاكماً ومسيطراً، بينما المعارضون يختلفون في رسم صورة مستقبل النظام الذي يبحثون عنه. وعلى رغم كون الأدبيات السياسية التي عبرت عنها المظاهرات الشعبية التي كونت روح الثورة في بداياتها، قد حددت المطالب في إقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية، إلا أن تطورات الثورة بعد أن اضطرت للدخول في العسكرة أفرزت رؤى متناقضة في فهم رؤية المستقبل، وكان مما أساء للثورة هو الاضطراب الذي حدث حول شكل الحكم الذي يريده السوريون، وظهور التنظيمات العسكرية التي بدأت تدعو لإقامة دولة الخلافة ولتطبيق الشريعة، في فهم مضطرب للإسلام، وغياب لفلسفة التمكين، واستعداء للقوى الدولية التي كانت داعمة لحضور دولة مدنية ديمقراطية، ولكنها بالطبع لن تسهم في إقامة دولة دينية سنية. ويخطئ دعاة هذه الدولة حين يتفاءلون بدعم المجتمع الدولي الذي سبق له أن أقام دولة دينية في فلسطين، وأيد قيام دولة دينية في إيران، فهم لا يقدرون جيداً أن الغرب عامة يقلق من ظهور دولة سنية، وأن صراعاته التاريخية الماضية كانت عبر ألف عام مع دول ذات طبيعة سنية خالصة، ولعل هذا ما دفع "لافروف" للقول إن روسيا لن تسمح لأهل السنة أن يصلوا إلى السلطة في سوريا. وعلى رغم كراهتنا لتقسيم المجتمع إلى سني وشيعي وعلوي وإسماعيلي ودرزي ومسيحي، وحرصنا على تمكين المجتمع من مفهوم المواطنة وتعزيز الانتماء للدولة إلا أن الآخر يصر على هذه التقسيمات التي رفضها شعبنا وكانت نداءاته تشق عنان السماء بهتافه الشهير "الشعب السوري واحد، واحد" ولم تستجب بعض المكونات لهذه النداءات وأصرّت على الاصطفاف خارج مفاهيم المواطنة.

واليوم تبدو المعارضة بأمسِّ الحاجة إلى حوارات توحد رؤيتها للمستقبل، ولاسيما المعارضة العسكرية في الداخل، فإن بقيت مشتتة متناقضة الأفكار والتوجهات فإنها ستقود البلاد إلى مزيد من التمزق والفوضى، وستجعل النظام ملاذ الخائفين من جحيم الحرب الأهلية، وكان من الخطأ المريع أن تسحب بعض قوى المعارضة العسكرية تأييدها للائتلاف، وهم يظنون بذلك أنهم يدفعونه إلى مزيد من التمسك بأهداف الثورة، ولكنهم أضعفوا موقف الائتلاف بدل أن يمدوه بالقوة. ومن الخطر أن يفترق خطا المعارضة العسكرية والسياسية، فبقاء المعارضة العسكرية دون تمثيل سياسي خارجي يعرضها لفقدان ما حصلت عليه المعارضة السياسية من دعم أصدقاء سوريا، ومن اعتراف دول كبرى بها في هيئة الأمم، ومن تمثيل لها في الجامعة وفي القمة العربية. كما أن رفع غطاء تأييد الداخل يجعلها غير مفوضة في تمثيل الشعب السوري في أي مؤتمر سياسي محتمل. وقد التقط النظام هذه الحالة المضطربة وقال إن معارضة الخارج هي مجموعة إرهابيين لا تؤيدهم المعارضة الوطنية في الداخل، وهو يقصد المعارضة التي تتحالف معه ولا تختلف عنه في شيء، بل هي التي دخلت الحكومة بقبعة المعارضة ولكنها لم تكن قبعة خفية على أحد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فارق المجزرة السورية: أنّ ‘الضحية الكونية’ احتكار يهودي!

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 1/11/2013

إذا كان امرؤ ـ يحدث أنه مؤرّخ وباحث أمريكي يهودي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد ـ مستعداً لتأثيم الأمّة الألمانية بأسرها، كمجموع كلّي، بتهمة قمع اليهود وتنظيم معسكرات اعتقال وإبادة جماعية الطابع؛ وإذا كان المرء ذاته متحمساً، وإنْ بدرجة أقلّ، لتأثيم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على خلفية تقاعسه عن نصرة سكان إقليم دارفور في السودان؛ فهل يمكن له أن يتحمس، أيضاً، لتأثيم صمت ‘المجتمع الدولي’ إزاء جرائم نظام بشار الأسد بحقّ الشعب السوري، لا سيما المذابح، واستخدام الأسلحة الصاروخية ضدّ التجمعات السكانية المدنية الكثيفة، قبل اللجوء إلى الأسلحة الكيماوية؟ ليس بالضرورة، لأنّ ما ينطبق على يهود المانيا، ينطبق بصورة أدنى على أهل دارفور، ولا ينطبق البتة على السوريين!

هذه حال دانييل جوناهغولدهاغن، مؤلف كتاب صدر مؤخراً بعنوان ‘الشيطان الذي لا يموت أبداً: صعود وخطر العداء العالمي للسامية’، الذي يتناول أنساق الإبادة الجماعية، ويركز بالطبع على تلك التي كان اليهود ضحاياها، متجاهلاً عذابات شعوب أخرى وأقوام أقلّ اجتذاباً لاهتمام الرأي العام العالمي، أو ‘الغرب’ على نحو أصحّ وأدقّ. وغولدهاغن، لمَنْ لا يعرفونه، هو أيضاً صاحب مجلد في 619 صفحة، صدر سنة 1996 بعنوان ‘جلاّدو هتلر المتطوّعون: الألمان العاديون والهولوكوست’، تنهض أطروحته الوحيدة على هذا الجزم الرهيب القاطع: ألمانيا بأسرها، بلداً وشعباً وثقافة، مسؤولة عن الهولوكوست، و’ما يُقال عن الألمان لا يمكن أن يُقال عن جميع الأمم الأخرى مجتمعة. الأمّة الألمانية هي الهولوكوست، ولولا هذه الأمّة لما كان الهولوكوست’.

مثال ثانٍ يخصّ ألمانيا، ويختصره هذا السؤال البسيط: ما الذي يضير في قيام الأمّة الألمانية بتكريم ضحاياها (من المدنيين، العزّل، الأبرياء) الذين سقطوا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية؟ وأيّ إثم في تأسيس مركز توثيق ومتحف تاريخي، لحفظ تفاصيل تلك الوقائع الرهيبة، وجعلها في متناول الذاكرة الجَمْعية؟ ألا يندرج إنجاز مشروع كهذا في صلب الحقوق الوطنية لأيّ شعب من شعوب العالم، بل يتوجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من واجبات الشعوب تجاه تاريخها؟ لم يكن هذا رأي الأوساط الصهيونية العالمية، التي أطلقت حملة أخرى شعواء ضدّ المشروع، استهدفت بصفة خاصة السيدة إريكا شتاينباخ، السياسية الألمانية البارزة ورئيسة ‘رابطة المطرودين’ التي تُعنى بشؤون ملايين المطرودين من ديارهم، ليس في ألمانيا وحدها بل في مختلف أرجاء العالم.

ولم يكن عسيراً التكهن بأنّ السبب في الغضبة الصهيونية لم يكن أيّ اعتبار آخر سوى الحكاية القديمة إياها: احتكار عقدة الضحية الكونية، والانفراد بها تماماً، وتهميش وتقزيم كلّ وأيّ ضحية أخرى، بل الحطّ من عذاباتها إنْ أمكن. قرأنا، على سبيل المثال، ما كتبه المؤرّخ الإسرائيلي جلعاد مرغاليت: ‘إنّ هدف الأوساط الألمانية المحافظة هو صياغة يوم ذكرى لإحياء الفترة النازية، ولكنها ذكرى منعتقة من الرأي الإتهامي الذي تحمله الضحية اليهودية. ورغم أنّ الإجراء لا يرقى إلى مصافّ إنكار الهولوكوست، إلا أنه بلا ريب يساوي بين الهولوكوست وعمليات الاضطهاد التي تعرّض لها الألمان’. ومرغاليت هذا (الذي يُحتسَب على المؤرّخين المعتدلين!) يختار لمقاله عنواناً استفزازياً هو ‘ازدياد عذابات الألمان’، ويضع كلمة عذابات بين أهلّة، على سبيل التشكيك في صحّة معنى العذاب، وربما صحّة وجود عذابات ألمانية في الأساس!

والحال أنّ الوقائع التاريخية تقول إنّ الأعداد التالية من المواطنين ذوي الأصول الألمانية طُردوا، بعد الحرب العالمية الثانية، من البلدان التي كانوا يقيمون فيها ويتمتعون بجنسيتها: 2 ـ 3.5 مليون من بولندا، 2.3 من تشيكوسلوفاكيا، قرابة مليون من الإتحاد السوفييتي، 400 ألف من هنغاريا، 300 ألف من رومانيا، إضافة إلى قرابة مليون من مختلف مناطق أوروبا الشرقية. هذه هي الأعداد في تقديراتها المخفّضة، وأمّا العدد الذي تسوقه رابطة المبعدين فهو 15 مليون ألماني.

ألا يستحقّ هؤلاء الذكرى، لكي لا نتحدّث عن التعويضات وردّ الاعتبار، كما هي حال اليهود؟ لا يبدو مرغاليت وكأنه يوافق على هذه البديهة البسيطة، لأنه يرتاب دائماً في نوايا السيدة شتاينباخ، وفي أنها تستهدف إضعاف ذاكرة الهولوكوست أكثر من تقوية ذاكرة الضحية الألمانية، وذلك رغم أنّ مشروع مركز مناهضة الطرد يضع اليهود في رأس ضحايا هذه الممارسة غير الإنسانية. ومرغاليت يتوقف، بصفة خاصة، عند موقف شتاينباخ ‘المتطرّف’، حسب تعبيره، القائل إنّ عمليات طرد الألمان جرى التخطيط لها قبل الحرب، ولا يمكن النظر إليها كجرائم ناجمة عن ضرورات محاربة النازية، بل كجرائم في حدّ ذاتها. أكثر من هذا، تزعم شتاينباخ امتلاك أدلة قاطعة على أنّ 2.5 مليون من الألمان المطرودين من ديارهم، ‘قضوا تحت التعذيب أو التشغيل الإجباري أو الاغتصاب’… فكيف تجاسرتْ على سوق أرقام تداني نصف أرقام ضحايا الهولوكوست من اليهود!

جانب آخر من المأساة كان يخصّ القصف الوحشي الذي مارسه الحلفاء ضدّ المدن والبلدات والبنى التحتية الألمانية، وكأنهم كانوا ينزلون العقاب بالشعب الألماني نفسه، بعد انهيار الرايخ الثالث. وهذه معركة لا تنفرد بإثارتها ‘رابطة المبعدين’، ومن خلفها الأوساط المحافظة الألمانية كما زعم مرغاليت، بل انخرط في حملاتها رجال يساريون من أمثال الروئي الكبير وحامل جائزة نوبل غونتر غراس، وساسة ليبراليون من أمثال هانز ديتريشغينشر، وكتّاب من أمثال يورغيفردريش الذي وضع كتاباً مصوّراً عن قصف ألمانيا، اعتبر فيه أنه لا يوجد فارق أخلاقي بين ونستون تشرشل وأدولف هتلر.

في قلب هذه السياقات، كان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس قد ألقى خطبة أمام البرلمان الألماني، وُصفت بـ’التاريخية’ لأسباب في طليعتها أنّ هذه الممارسة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الألمانية ـ الإسرائيلية، من جانب الدولة العبرية في الواقع، لأنّ المستشارة الألمانية أنغلا ميركل تحدّثت من سدّة الكنيست الإسرائيلي، أواخر آذار (مارس) 2007، وسبقها إلى هذا الرئيس الألماني السابق يوهانس راو، سنة 2000، حين طلب العفو والمغفرة عن الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية بحقّ اليهود. لكنّ خطبة بيريس ‘تاريخية’ لسبب آخر، لغوي وثقافي صرف هذه المرّة: أنه تحدّث بالعبرية، فلم ينسحب من قاعة البرلمان أيّ نائب ألماني، من باب الإحتجاج، كما فعل حفنة نوّاب إسرائيليين رفضوا الإصغاء إلى ميركل باللغة الألمانية، وطالبوها باستخدام اللغة العبرية!

ورغم أنّ ميركل ذهبت في أقوالها إلى ما لم يتجاسر على الذهاب إليه أيّ صديق غربي لإسرائيل، بما في ذلك ساسة الولايات المتحدة الأمريكية، حين اعتبرت أنّ تهديد وجود إسرائيل يُعدّ تهديداً لوجود ألمانيا؛ فإنّ عضو الكنيست أرييه إلداد صرّح بأنّ ‘الألمانية كانت آخر لغة استمع إليها جدّي وجدّتي قبل مقتلهما، وأمر الإعدام صدر باللغة الألمانية، ولست مستعداً لسماعها داخل قاعة الكنيست’. كذلك لم يشفع للمستشارة الألمانية أنها، خلال الزيارة ذاتها، ألحقت الإهانة تلو الإهانة بالفلسطينيين، شعباً وحكومة، وجعلت اجتماعها مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتمحور حول البند الأهمّ في نظرها: إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت.

ولأنّ خطبته أمام البرلمان الألماني كانت تصادف اليوم العالمي لاستذكار الهولوكوست، فقد شاء بيريس التشديد على ضرورة قيام الألمان بواجبهم في مطاردة جميع ‘المجرمين النازيين’ الذين ما يزالون طلقاء، هنا وهناك في العالم؛ لأنّ الذكرى لا تخصّ الضحايا فحسب، بل يتوجب أن تكون ‘نذيراً’ للعواقب المأساوية التي تنجم عن عدم التحرّك ضدّ ارتكاب الفظائع. وتقديم أولئك المجرمين إلى العدالة ليس فعل انتقام، في نظره، بل هو ‘درس تربوي’ للأجيال الراهنة من الشباب: ‘لكي يتذكروا، ولا ينسوا أبداً، أنّ عليهم معرفة ما جرى، وأن لا يساورهم، أبداً أبداً، أدنى شكّ بعدم وجود خيار آخر سوى السلام والمصالحة والحبّ’…

أنظروا مَنْ الناطق بهذه الدعوة، الرقيقة الحانية العطوفة: رئيس الدولة ذاتها التي كانت، قبل عام واحد فقط، قد ارتكبت عشرات المجازر البربرية في غزّة، مستخدمة أسلحة دمار وحشية يندى لها جبين أشدّ عتاة النازية تعطشاً للدماء! ليس هذا فحسب، بل إنّ بيريس نفسه كان رئيس وزراء إسرائيل حين قصفت بلدة قانا اللبنانية الجنوبية، سنة 1996، وأسفرت عن 106 شهداء مدنيين، بين شيخ وامرأة وطفل، و350 جريحاً، رغم أنّ الضحايا كانوا في ملجأ مدني رسمي تابع للأمم المتحدة. وتلك كانت مجزرة مكشوفة صريحة نُفّذت عن سابق عمد وتصميم، كما برهنت بعدئذ تحقيقات الهيئة الدولية ومنظمة العفو الدولية. هذا الآمر بجريمة الحرب في قانا ظلّ بمنجى عن أية مُساءلة داخلية (أمام ‘الديمقراطية’ الإسرائيلية إياها)، أو مساءلة دولية (أمام الهيئات التي تستفيق من رقادها بين حين وآخر للمحاسبة على جرائم الحرب)؛ بل لقد تقلّب في المناصب، وذرف الكثير من دموع التماسيح، وحصد جائزة نوبل للسلام، وتباكى على الخير، وطالب باستئصال الشرّ…

في المقابل، لم تكن مجازر النظام السوري أقلّ وحشية وبربرية، وهنا بعض نماذجها (منذ بدء العام 2013 وحده): كانون الثاني (يناير)، مصرع 87 من طلاب جامعة حلب، و106 من أبناء حمص، بينهم نساء وأطفال قُتلوا حرقاً أو بالسلاح الأبيض، والعثور على 80 جثة في نهر قويق بحيّ بستان القصر في حلب؛ وفي شباط (فبراير)، مقتل 83 من المدنيين، بعضهم سقط جراء تفجير قرب مقرّ حزب البعث في دمشق؛ وفي نيسان (أبريل)، أكثر من 483، بينهم نساء وأطفال، في مجزرة ‘جديدة الفضل’ التي ارتكبتها وحدات الحرس الجمهوري؛ وفي أيار (مايو)، إعدام قرابة 50 من السجناء في سجن حلب المركزي، ومقتل 145 رمياً بالرصاص في مجزرة شهدتها مدينة بانياس الساحلية؛ وفي حزيران (يونيو) أجهز الجيش النظامي على 191 مواطناً في مجزرة قرية ‘رسم النفل’ في ريف حلب؛ وفي آب (أغسطس) أسفرت الهجمات الكيماوية على الغوطة عن 1400 ضحية…

السوريون هؤلاء لم يستدروا، من أمثال غولدهاغن وبيريس، حتى دموع التماسيح المعتادة، وكان العكس هو الذي سيصنع المفاجأة في الواقع؛ إذْ كيف لمحتكري امتياز ‘الضحية الكونية’ الأوحد أن أن يشذوا عن قاعدة… هي، عندهم، أقرب إلى قانون وأقنوم!

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com