العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17 /07/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تنويه

 

مابين جمعة ارحل ولا للحوار .. بدرالدين حسن قربي

ثلاثة أسابيع حسوماً من المظاهرات في مدينة حماةلم يصب أحد فيها بسوءفي غيبة شبة كاملة لقوات النظام السوري وشبيحته، بل كانت فيها أضخم المظاهرات التي عرفتها سوريا في تاريخها الحديث حشداً وعدداً. وكانت رسالتها الواضحة أنه بوجود قوات أمن النظام وشبيحته يُفتقد الأمن والأمان، وأنه بغيابهم يختفي القتل ويتوقف سفك الدماء، الذي رجعسريعاً جداً عقب (جمعة ارحل)مع عودة قوات النظام مع مئات الدبابات التي أخذت مواقعها في محيط المدينة الأبية تحضيراً فيما يبدو لاقتحامها، فاستؤنف القتل وتجدّد الرعب ومعه الاعتقالات بالمئات، مع فظائع الذبح التي تجلّت بذبح رائد التظاهرات الحموية وحاديها الرائع ابراهيم قاشوش ذبح سكين، ونزع حنجرته ورميه جثة هامدة في نهرٍ يحب مدينة أبي الفداء ويعشقه أهلها، وما بين حبه وعشقهم، رفض بوفائه ووده أن يغطي على الجريمة ومااستطاع مع عظمه وقوته أن يبتعلها، فأعاد صدّاحَ حماة شهيداً إلى أهله وأحبابه وإن جثة هامدة، وشاهداً يشهد على وحشية القاتل وانعدام إنسانيته وموت ضميره، شهادةً من العاصي موثّقةللتاريخ على مجرمي العصر ووحوشه من أصحاب الحوار، والوطني تحديداً.

ومابين جمعة ارحل وجمعة لا للحوار كان واضحاً أن النظام يتصرف بعصبية شديدة بدأت بإقالة مفاجئة لمحافظ المدينة رغم عدم الشكوى منه وكلام عن تغيير مسؤولين أمنيين والعودة عنه لتنتهي الجمعة بخبر غطّى على كل الأخبار وهو زيارة السفير الأمريكي والفرنسي إلى مدينة حماة. ومن ثم كانت فرصة لشن حرب إعلامية من قبل النظام على رجالات حماة وثائريها الأحرار باتهامهم وتخوينهم والنيل من وطنيتهم، شارك فيها أيضاً بعض شيوخه ممن اكتسبوها للسخرية من جهاد يقوده السفير الأمريكي حسب زعمهم ويوجهه، وليؤكدوا على الارتباطات والمؤامرات والخياناتللسوريين الثائرين لحرياتهم وكراماتهم.

فالسفير أو السفيران اللذان قدما الخميس الماضي وغادرا قبيل صلاة الجمعة تجولا في المدينة ورأوا على الواقع مايحصل فيها. ورغم أن الدبلوماسيين المعنيين هم المعتمدون لدى السلطة وليس لدى غيرها، ودولهم من يوم يومها تدعم النظام السوري وتسوّقه، وتوقعات السلطة لهم أن يواجَهوا بالإساءة والأذى والعدوان بعضاً من رد الفعل،فإن الأهالي واجهوا سيارتهم بأغضان الزيتون والورود تأكيداً على سلمية ثورتهم وسلام مطالبهم، فأحبطوا بسلوكهم دون أن يعلموا خطة رسمية خبيثة كانت تنتظر خلاف ذلك، لترتكب فيهم مجزرة تنتظر سبباً ومبرّراً لها، وارتدّت على من يريد السوء والشر بالمدينة غيظاً ونكداً أفقدهم صوابهم الذي تجلّى ببروباغندا إعلامية مخترعة أطلقها شبيحة النظام للنيل من الحمويين ووطنيتهم خصوصا وأحقية مطالب السوريين في الحرية والكرامة عموماً، وشرعية إرادتهم بإسقاط النظام.

لاشك بأنه من غير المعقول البتة أن تكون الزيارة خارج علم الخارجية السورية، وإن كانت فكيف يمكن أن يكون ذلك في بلد لايستطيع أحد أن يفعل ذلك دون أن يوقفه حاجز عسكري، أو تعترضه قوة أمنية أو يقف في طريقه باص للشبيحة، فكيف بموكب أمريكي يمضي مئات الكيلومترات على الطرقات وينام في الفنادق ويدخل مدينة محاصرة بالقوات الأمنية والدبابات، ودون أن يعترضه أحد إلا أن يكون هناك موافقة رسمية وإعلام وتوافقات، أو أن سورية باتت ( سداح رداح). كما أنه من غير المعقول أيضاً محاولة جماعة النظام وشبيحته إلقاء مسؤولية ماكان على الأهالي وكأن زيارة الوفد الأمريكي وغيره للمدينة موافقة ومنعاً هي من مسؤولية أهل المدينة واختصاصهم فيما لاعلاقة لهم فيه أصلاً وفصلاً.

إن الغضب الذي أظهرته الجهات الرسمية من الزيارة تجاه الأهالي غير مبرر وليس له مصرفاً البتة إلا أن يكون كيداً أرادوه للمدينة الأبية فارتد عليهم، وإلا لماذا لم تطلب الخارجية من الدبلوماسيين من الساعات الأولى بل من اليوم الأول،العودة إلى أماكنهم الدمشقية في سفاراتهم إلا أنها تريد أمراً ولكنه جاء على غير مايمكرون.

سلطة لا تكترث بالذبح أو قتل الأطفال، بل وتقتل من شعبها بالمئات والآلاف وتعتقل بعشرات الألوف، لا ترى فيما تفعل مايخدش وطنيتها أو ينال من حيائها، ولكنها ترى في التعامل الحضاري للمواطنين وعدم اعتدائهم على بعثات رسمية أمريكية أو فرنسية أو غيرها ممن هم معتمدون عندها وفي ضيافتهاأمراً تآمرياً ينال من وطنيتهم، ومع ذلك لاتنسى أن تدعوهم إلى الحوار يوم لاينفع الحوار، والسورييون قد اتخذوا القرار، بأن لافائدة مرجوة منه البتة مع قتلة شعبهم من المجرمين والشبيحة الأشرار، وأخذوا الطريق من قصيرها وقالوا: لا للحوار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القرارات والمواقف واللحظات التاريخية.!!! .. زهير سالم*

درجنا منذ زمن على سماع عبارات من نوع ( القرار التاريخي ) و ( الموقف التاريخي ) و( اللحظة التاريخية ) و( الخطاب التاريخي ) وغالبا ما يلصق هذا الوصف بخطاب صاحب سلطان من رئيس أو أمير. سمع الناس هذه الوصف لصيقا أو تبيعا حتى فقد في أذهان الكثير من الناس معناه، وضاعت معالمه وأصبح إلحاقه بأي موصوف من الفضول الذي لا قيمة له..

 

إلا أن الاستهتار بالوصف أو اغتصابه وامتهانه ووضعه في كثير من الأحيان في غير موضعه، لا يلغي خصوصيته، ولا يفقده مكانته. نتحدث هنا عن (التاريخ) بوصفه سرير النهر الذي يؤطر نشاط الإنسان الفردي أو الجماعي، في السياق الزمني الممتد من الماضي إلى المستقبل عبر لحظة الفعل التي يجعل العظماء من الأفراد والشعوب أكثرها تاريخية. لكي لا يحاصرنا هنا مفهوم التاريخ المدرسي في أنه فقط (تاريخ من غبر من أصحاب السلطان الأكبر) .

 

وإنما تتم دراسة الماضي لتوظيفها في استشراف المستقبل. ومن هنا فقد أطلق ابن خلدون على تاريخه الضخم اسم ( ديوان العبر.. ) والعبرة تكون مما مضى في التحسب لما سيأتي. وحين نصف موقفا أو حدثا بأنه تاريخي فالمقصود أن مفاعيله لن تقتصر على لحظته وإنما ستمتد مستقبلا ليكون لها أثرها الإيجابي أو السلبي في صنع التاريخ القادم الذي نتطلع إليه أو نتخوف منه.

 

وتتدخل الحقيقة هذه في صنع الاختلاف بين الكثير من الناس في تقدير المصلحة أو المفسدة التي تترتب على الكلمة أو الموقف أو الحدث..فحين يجري البعض حساباته على مستوى اللحظة سيفترق في القرار الذي سيتوصل إليه عن ذلك الذي برؤية ممتدة عبر التاريخ.

 

وبينما كانت صدور الصحابة رضوان الله عليهم تغلي يوم صلح الحديبية، وبينما كان عمر رضي الله عنه يقفز من صحابي إلى آخر: ألسنا... أليسوا... فعلام نعطي الدنية في ديننا كانت آيات القرآن تصف ما حدث بأنه فتح مبين، ونصر عزيز..

 

انتصر مضطهدون كثيرون على ظالميهم وانتقموا أو اقتصوا منهم قصاص عدل؛ ولكن الذي قال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء صنع موقفا تاريخيا ما تزال الأجيال تتأمل معانيه...

 

كان من شأن الحفاظ على هيبة الدولة وماء وجهها كما نقول هذه الأيام أن يتمترس الملك وراء موقف (عامله أو واليه) فيلتمس له العذر ويرد دعوى الفرد المستضعف؛ ولكن الذي قال ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) تركها كلمة باقية تمثل منهجا للإنسانية إلى يوم الدين..

 

كثيرون من الناس عندما ينقل إليهم خبر موت ظالمهم أو سجانهم يفرحون ويشتمون ولكن الذين يجيبون حامل البشرى إليهم ( يرحمه الله... ) قليلون...

 

قال أحد السلف حمدت الله يوما وما زلت أستغفر الله منها منذ سنين.. قيل وكيف ذاك؟! قال: قيل لي احترق السوق إلا دكانك فقلت الحمد لله فتركها كلمة للتاريخ..

 

حين يقول المعتقلون من أعماق الزنازين للذي يعتقلهم أخرجنا نحارب عدونا المشترك فإن انتصرنا فلك وإن استشهدنا تخلصت منا فقد صنعوا موقفا تاريخيا..

 

وكما هي أحاديث الإيجاب هناك حديث السلب. فالخطيئة على المستوى السلبي، وعلى المستوى الجماعي تلصق بصاحبها فلا يستطيع منها فكاكا. ومما كان يردده علينا أهل العلم في مجالسهم: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان لديك إعذاره. وحين يكون الفعل مدعاة للذم وبوابة إليه فإنه يفتح على صاحبه من الشر أكثر مما يجلب له من الخير :

ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل

وحين تنطلق الفرية أو التهمة أو يتوسع بها المتوسعون يصبح من الصعب أن تُتبع كل متقول موضحا..

قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا..... فما اعتذارك من قول إذا قيلا

نقول هذا في الأمور التي تقبل الاستخارة والاستشارة أما تلك التي لا تقبل استخارة ولا استشارة فللحديث عنها شأن آخر. فقد نص العلماء أنه لا استخارة أصلا في موارد الإثم والشر والخطيئة.. فلا يستخير الله يقتل أو لا يقتل!! يسرق أو لا يسرق !! يظلم أو لا يظلم...

 

وفي صناعة الموقف التاريخي يبقى للعمامة البيضاء مكانتها ونقاؤها ويبقى على حاملها أن يكون أكثر حذرا، وأحوط في أمر الله، وحسابات التاريخ بمعناه المفتوح، وأن يظل أكثر تقوى في أمرها:

- قال وما التقوى؟

- قال هل سلكت أرضا فيها شوك؟

- قال نعم...

- قال فكيف صنعت ؟

- قال: شمرت واجتهدت..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن أي شرعية يتحدث النظام السوري؟! .. محمد فاروق الإمام

من يستمع إلى أعمدة النظام السوري وأبواقه وهم يعلنون بمناسبة وبغير مناسبة كلما وقعت قيادته في شر أعمالها وسوء تصرفها وغباء أفعالها "أن القيادة السياسية في دمشق تستمد شرعيتها من إرادة الشعب السوري الذي يعبر وبشكل يومي عن دعمه وتأييده للقيادة السياسية وعلى رأسها بشار الأسد".

الخارجية السورية استدعت السفير الأمريكي والسفير الفرنسي ووجهت لهما اللوم لذهابهما إلى مدينة حماة دون استئذان الوزارة وهذا من حقها، واستنكر وزير الخارجية وليد المعلم، ضمن الأطر الدبلوماسية المعمول بها، في بيان أصدره يوم الثلاثاء 12 تموز الحالي "بشدة" تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون واعتبرها "دليلاً على تدخل الولايات المتحدة السافر" في الشؤون السورية، معتبراً أن هذه التصريحات إنما تشكل دليلاً إضافيا على تدخل الولايات المتحدة السافر في الشؤون الداخلية السورية" وإن هذه التصريحات "فعل تحريضي هادف لاستمرار التأزم الداخلي لأهداف لا تخدم مصلحة الشعب السوري ولا طموحاته المشروعة".

ولكن الذي ليس من حق وزارة الخارجية وليس من حق وليد المعلم ولا من حق السلطة الحاكمة في دمشق أن تدفع بمئات الشبيحة للاعتداء على السفارتين ومحاولة الوصول إلى داخلها وتخويف الموظفين ومحاولة الاعتداء عليهم وتكسير زجاج النوافذ ومحاولة الوصول إلى منزل السفير الأمريكي وتهديد حياته وحياة أسرته، ووضع صورة بشار على واجهة السفارتين ورفع العلم السوري على ساريتهما فهذا عمل يتنافى مع الأعراف الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وخاصة وأن النظام السوري يعيش في أزمة داخلية مع شعبه يترنح أمامها وترتجف فرائصه لوقعها، وهو أحوج ما يكون إلى الابتعاد عن أي فعل يؤزم وضعه داخلياً وخارجياً، ومع أهم الدول التي كانت تقف حتى الأمس القريب إلى جانبه وتحاول حمايته وعدم سقوطه، وتناشد الشعب السوري على الاستجابة للتحاور معه، مؤكدة أن بشار الأسد رجل إصلاحي يمكن الوثوق به وبوعوده.

وإذا ما فكت واشنطن عقدة لسانها وبقت البحصة، بعد أربعة شهور من قمع النظام لشعبه وارتكابه أفظع الجرائم بحق أطفاله ونسائه وشيوخه ومدنه ودور عبادته وحرمة منازله وأسواقه ونهب بيوته ومتاجره وتخريب وحرق كل ما تقع عليه عينه من وسائل النقل والزرع والشجر والحيوانات.

أقول بعد أن بقت واشنطن البحصة وانفكت عقدة لسانها وأعلنت وزيرة خارجيتها هلري كلينتون أن الرئيس بشار الأسد قد "فقد شرعيته". وأخفق في الوفاء بوعوده، سمعنا صراخ رموز النظام وأبواقه تؤكد بأن شرعية القيادة السياسية في سورية "لا تستند إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها وتنطلق حصرا من إرادة الشعب السوري الذي يعبر وبشكل يومي عن دعمه وتأييده لقيادته السياسية وللإصلاحات الجذرية التي طرحتها على التدارس والحوار".

النظام السوري كلما ضاقت الأنشوطة حول رقبته وتأزمت أوضاعه في الداخل عمل على تحويل تلك الأزمة إلى الخارج لصرف أنظار العالم عما ترتكبه أجهزته الأمنية وشبيحته من بوائق وفظائع وجرائم بحق شعبه الذي خرج في مظاهرات سلمية تطالب بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية، فقبل أكثر من شهر دفع بعدد من الشباب السوري والفلسطيني المتحمس إلى حتفهم في مرتفعات الجولان، ممن انطلت عليهم دعاوي النظام بأنه هو وحده النظام الذي يقود خط المقاومة والممانعة، لتخطي الحدود التي أقامها بنفسه مع العدو الصهيوني في الجولان بغية إفهام إسرائيل أن مقولة رامي مخلوف أن (أمن واستقرار إسرائيل مرتبط بأمن واستقرار النظام في سورية) هي حقيقة، وعلى تل أبيب أن تسعى لدى حلفائها في واشنطن وعواصم الغرب للتخفيف من لهجتها تجاه النظام السوري ، وإعطائه الفرصة ليتمكن من إعادة الأمور إلى سابق عهدها في سورية والصمت عما يرتكبه من بوائق وفظائع في قمعه للمتظاهرين السلميين، ولكن هذه اللعبة المكشوفة لم يحصد من ورائها هذا النظام إلا الخيبة ومزيد من الأعداء.

أما بالنسبة إلى الشرعية التي يؤكد عليها النظام بأنه يستمدها من الشعب فتلك كذبة ممجوجة، فالشعب السوري لم يمنح ثقته بهذا النظام في يوم من الأيام منذ تسلقه جدران الحكم على ظهر دبابة ضالة أدارت ظهرها للعدو الصهيوني في الثامن من آذار عام 1963، وأن الشرعية التي وصل بها بشار الأسد إلى الحكم هي شرعية (مشقلبة) لوى بها عنق الدستور وغير وبدل بقوة البسطار والبندقية مواد الدستور السوري ليوظف مادة تخدمه تنقص سن الرئيس من 40 سنة إلى 34 سنة مفصلة على مقاسه في أقل من ربع ساعة، جعلته على رأس السلطة في دمشق في غياب كامل للشعب وإرادته واختياره، فكفى هذا النظام تبجحاً بأنه يستمد شرعيته من الشعب السوري الذي مجه وأعلن خلال مظاهراته السلمية وعلى مدى أربعة شهور بأن (الشعب يريد إسقاط النظام) وعلى النظام أن يطأطئ الرأس لإرادة الجماهير وينصاع لمطالبها الشرعية العادلة قبل فوات الأوان، ويرتفع سقف مطالب المتظاهرين من إسقاط النظام إلى (محاكمة النظام)!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى العمل … واتركوا الخلاف .. فداء السيد

بعد سنوات طويلة من الخنوع والذل ومعاني الفساد والظلم الذي تعودها المواطن العربي عامة والسوري على وجه الخصوص والتي أضحت أمراً طبيعيا تعايش معه الجميع ووظفوا كل شعيرة عصبية وذهنية يمتلكونها للتعامل مع هذه المعاني المرهقة, بعد هذا وكثير من الإنزلاق الحضاري والتراجع الفكري والضعف التعليمي والتربوي والتجهيل بتاريخ الأمة السورية على مر عصور عرفنا فيها طعم الشراكة في صنع القرار وكنا جزء مهماً من أجزاء الإصلاح والتغيير وصنعنا تاريخاً يتباهي به الأحرار, الآن يعيد علينا الشباب ( الذي قيل عنه ما قيل من لزامات التخوين ) تلك الذكريات و يحملون رايات الحرية ويشعلون اجسامهم لتضئ بها أوطانهم, يغزون بهتافاتهم البيوت وتبتسم البسمة لزلزلة كرامتهم في أرجاء وطن امتلئت فيه السجون والمعتقلات دهراً.

 

إن سورية تعيش حلماً يعبق بنسيم تجدد في عروقها, ووروداً تفتحت على أشواك وحجارة , وألوان الدماء أزهت وزهت ورمت بكل حقد وكره طائفي وراء الظهور, والشباب من تحت زناجير الدبابات وعلى وقع هدير الطائرات وأجسامهم منتوفة الشعر, مخترقة بأنواع سكاكين الشبيحة, ومن أمام مناظر الأشلاء والصيحات والآهات يصرخون من داخل داخلهم وبكل قناعة لا تهزها ريح عاصف: سلمية سلمية. يرفضون حتى مجرد حمل سكين صغير درء للمفسدة وجلباً للحرية البيضاء ولثورة الياسمين.

 

ومن هناك ومن بين هذه الصور الرائعة والتي ارتقت بنماذج الإنتفاضة ومعاني الثورة, نجد بين الصفوف صوراً أخرى يندى لها الجبين وتتقرح لها القلوب من تخوين للآخر وتحذير من فكر فلان وجماعة علان وحزب هذا وائتلاف ذاك. صرت أخاف أن أجلس إلى صديق فأسمع منه التحاذير المتحاذقة حول صفحة كذا على الفيسبوك أو شخصية كذا على التلفاز, أو يعطيني تقريراً مفصلا عن فلانة أو يخوفني من علانة … هذا عميل وهذه خائنة, وذاك متشدد وآخر متردد. هذا سرق جهد هذا, وفلان سطى على فكرة فلان. يا قوم في أي مستنقع يحاول النظام أن يوقعنا؟ وعلى أي ضفة سوف ترسوا سفننا إذا كنا على هذه الحالة المأساوية؟ (وأنا هنا لا أتهم احداً ولا أوعز بأفكاري إلى أحد, ولا أقصد بكلامي إلا من رأيت من نماذج والتي أتمنى أن تكون قليلة), يا قوم أين الامانة التي تحملناها سوية منذ البداية؟ ألم نعهد إلى شبابنا في سورية أن نحميهم بأعيننا ونحصنهم بقلوبنا؟ فأين هذا مما يحدث اليوم من تخاصم وصل حد التفاجر؟ وأين هذا حقا مما ننشغل به اليوم؟ … جمعني يوماً لقاء مع مجموعة كبيرة من الناشطين في إحدى البلاد العربية ومنحني الإخوة كلمة ثم فسحة من الوقت لمناقشة أسئلة الحضور, أعجبني ذلك وقلت في نفسي: حان وقت النقاش -نقاش الأفكار والمشاريع- , ولكن خاب ظني من السؤال الاول والذي كان ببساطة: ما رأيك بالناشط فلان؟, ثم أردفه بالسؤال عن الإعلامي فلان, وتكاثرت الأسئلة من بعده حول شخصيات كثيرة أحسب أنهم العاملون الوحيدون الذين أعرف على ا لساحة, صمت قليلا, ثم قلت لهم: يا شباب أهذا ما تحسنون؟ أهذا أفضل ما تقدمونه لثورة بلادكم؟ أهذا ما تنشغلون به في أوقات فراغكم؟, وما يفيدك يا صاحبي لو عرفت رأيي في فلان أو علان, ألم يجدر بك أن تفكر في مشروع ينقذ طفلا؟ أو يحمي أرملة؟ أو يضغط على المؤسسات الاعلامية والسياسية والتي بدورها سوف تضغط على النظام السوري؟ أو تشارك في توعية شارعك وحيك ومدينتك ؟ أو أو؟

 

ليس هذا هو الوقت المناسب لنختلف وليس هو كذلك الزمان المناسب لنقتتل على خلافات الهوى وطموحات الذات, بل علينا جميعا أن نفنى ويبقى الوطن, أن نذوب في كأس الوطن, أن نتنفس هواء الوطن, أن نموت في تابوت واحد, وندفن في قبر واحد على اختلاف أفكارنا وإيدلوجياتنا وإثنياتنا وأحزابنا وأدياننا وطوائفنا. ليس هذا هو وقت الكيد والمؤامرات واللف والدوران والضحك على الذقون بل هو وقت العمل والجد والاجتهاد بكل ما نملكه من طاقات ومواهب وأفكار ومشاريع لنهب الحياة لسورية الحبيبة والتي عاشت تحت ظل نظام دموي سفاك لأكثر من أربعين عاما. يؤلمني مثلا أن اجد أحد الشخصيات المعروفة إعلاميا يظهر على إحدى القنوات وعوضا عن استغلال الدقائق المعدودة التي تهبها الأقمار الصناعية بالحديث عن جرائم النظام وفضح مجازره والتأكيد على مطالب الشعب السوري, تجده وبكل أسف يرفع عقيرته عبر الشاشات لينتقد شخصية ما أو صفحة على الفيسبوك او إتحاد أو تنسيقيات او ائتلافات, بل شاهدت من قلل وسخر من إحدى الصفحات الفيسبوكية التي يتابعها يوميا ملايين الشرفاء والاعلاميين والسياسيين محذراً أي أحد من متابعتها, وهنا أقف مذهولاً متسائلاً وبشدة: يا فلان هل ارتحت الآن بصنيعك؟ هل كنت سندأ لمن يحتاجون السند؟ كيف تظن أهل سورية وهم يتابعونك الآن؟ ماذا سيكتب التاريخ يوما اذا ما سألناه عن حضورك الإعلامي واستغلالك لمثل هذه المواقف التي ينتظرها الآلاف؟, وقس على ذلك حالات رأيناها بام أعيننا ولولا تلك التقنية العالية التي نتمتع بها لظننت أن أحد زور هذا الفيديو أو حرفه ولكن للأسف هي الحقيقة المرة التي نأسف لها.

في الوقت الذي يستشهد فيه إخوان لنا في سورية ونسمع عن اعتقالات ضخمة لأصدقاء لنا, وتهجير لآلاف العوائل وتخويف لآلاف أخرى, وتعذيب وإرهاب ومحاصرة وتهديم للبيوت وغير ذلك من الويلات, في نفس هذا الوقت نجد من الشباب والشيوخ من يقف عند مشاكل صغيرة لا تذكر ومشاحنات تربئ بها الثورة وتقفز فوقها هامة الزمن ومسؤوليتنا أمام الله والوطن, فإلى متى يا أصدقاء المرحلة وزملاء الملحمة؟ أغلقوا محاكم التفتيش في قلوبكم تجاه إخوانكم وأصدقائكم ومدوا لهم اليد واتفقوا حول الأهم, أما المهم فله وقته, وإن الفطنة أن تميز بين الأهم فالمهم, وأن تعرف لهذا قدره ولذلك قدره, إن داحس والغبراء لمنوطة بالنظام السوري لا بنا ولا بيننا.

حان وقت العمل الجاد من أجل غد رائع ونور ساطع سوف يجعلنا وأولادنا بذرة المستقبل والحرية التي لن ينازعنا فيها أحد بعد اليوم… يا شباب: حان وقت العمل واتركوا الخلاف

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري: نبيل العربي غير مرحب بك في دمشق الفيحاء .. محمد فاروق الإمام

كأن قدر جامعة الدول العربية أن لا يتسلم أمانتها إلا من يتقنون تسّويق القادة والزعماء العرب المنتهية صلاحيتهم عند شعوبهم والذين لم يكن لهم شرعية تؤهلهم لتبؤ سدة الحكم، فتربعوا عليه بقوة البسطار والبندقية وقمعوا شعوبهم وأذلوهم وأفقروهم وابتكروا أفظع وأشنع الجرائم والممارسات القمعية بحقهم، فهذا الأمين العام الجديد للجامعة العربية نبيل العربي (75 عاماً) وهو المحسوب على الثورة المصرية، ولا أعرف أي ماض لهذا الأمين خوله أن يكون جزء من ثورة مصر الشبابية التي غيرت وجه الكنانة وأعادت إلى شرايينها الحياة بعد أن ظننا أن لا تعود، يسوق هذا الأمين الجديد في بداية مشاوره في أمانة الجامعة، التي ملتها الشعوب العربية ومجتها، النظام السوري القمعي الذي أهدر دم شعبه منذ تسلق مغامريه جدران الحكم غدراً وغيلة على ظهر دبابة ضالة أدارت ظهرها للعدو الصهيوني في الثامن من آذار عام 1963، وقنن هذا النظام جرائمه وفق أسس مدروسة وممنهجة بعد إطاحة وزير الدفاع حافظ الأسد برفاقه في 16 تشرين الثاني عام 1970، ونصب نفسه رئيساً للجمهورية وأعطى نفسه قدسية تنازع حكم الله في الأرض لأكثر من ثلاثين عاماً، ذاق خلالها الشعب السوري من العذابات مالا يوصف وتجرع من المرارات ما لعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر، وعندما مات هذا الطاغية وجد الشعب السوري نفسه أمام ابن مستنسخ لا يقل دكتاتورية عن أبيه يلوي عنق الدستور ويغير بعض مواده، مدعوماً بالبسطار والبندقية التي ورثها عن أبيه، ينصب نفسه حاكماً على سورية التي وجدت نفسها – كما يقول المثل الشامي – (خلصنا من الوكف لتحت المزراب).

وبعد أحد عشرة سنة عجاف نال الشعب السوري من الوريث مالا يقل عما ناله من الأب.. كوارث وانكسارات وتخلف وجهل وفساد ونهب وسلب وسجون ومعتقلات وتهجير ونفي وإذلال وقهر، دون رادع من ضمير أو وازع من أخلاق أو حس بالمسؤولية والوطنية، وكان لابد لهذا الشعب أن يثور على الظلم والطغيان والاستبداد كما فعل أشقاؤه في تونس ومصر، فتظاهر سلمياً مطالباً بالحرية والكرامة فاستقبل بالرصاص الحي ومحاصرة المدن ومنع الماء والغذاء والدواء والكهرباء والاتصالات عنها، وزمجرة الدبابات وهدير المجنزرات وفرق الموت وكتائب الشبيحة ومراهقي اللجان الشعبية التي أودت خلال أربعة شهور بحياة أكثر من 2000 شهيد وأضعافهم من الجرحى والمعتقلين والمهجرين إلى دول الجوار.

كل هذه القائمة القاتمة لم تجد صدى لها عند السيد الأمين العام الجديد للجامعة العربية نبيل العربي الذي أعلن بعد لقائه بشار الأسد أنه سعيد بما سمعه من الرئيس من خطط الإصلاح التي اعتمدها ويقوم برسم ملامحها ويشكل لها اللجان ويصدر لها المراسيم والقرارات ويطلق لها الوعود، ولم ينس أن يندد بتصريحات الإدارة الأمريكية التي وصفت بشار الأسد بأنه فاقد للشرعية، مؤكداً أن "الجامعة العربية ترفض أي تدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية ولا يحق لأحد سحب الشرعية من زعيم لأن الشعب هو الذي يقرر ذلك".

نعم يا نبيل العربي أؤيدك بأن من يحق له سحب الشرعية هو الشعب وقد قال الشعب السوري كلمته بسحب الشرعية عن بشار الأسد وطالب بإسقاطه ورحيله قبل تخلي حلفائه في واشنطن عنه ووسمه بأنه رئيس فقد الشرعية في عيون شعبه بعد ما ارتكب من حماقات دفعتهم إلى قول ما قالوه ، أو أنك لم تر الملايين من الجماهير التي تخرج صباح مساء في كل المدن والبلدات والقرى السورية منذ أربعة أشهر وهي تستقبل الرصاص بصدورها العارية ملوحة بأياديها التي لا تحمل إلا الورود وأغصان الزيتون، وتصدح حناجرها بهذا الشعار (الشعب يريد إسقاط النظام).. (بشار ما منحبك ما منحبك أرحل عنا أنت وحزبك).

أما كانت أرواح هؤلاء الشهداء الذين أزهقتهم فرق الموت وكتائب الشبيحة ومزقت أجسادهم جنازير الدبابات ومثل بجثامينهم رجال الأمن وساديي النظام أن تترحم عليهم، وتقول فيهم كلمة تمسح بها دموع من تيتم من الأطفال وتواسي بها الأرامل والثكالى الناحبات الباكيات اللائي فقدن فلذات أكبادهن ومعيل أولادهن وعمود بيتهن؟!

أما كان ساكنو مخيمات اللجوء من المهجرين السوريين في تركيا ولبنان والأردن يستحقون زيارة تفقدية منكم للإطلاع على أحولهم ومعاناتهم وسماع قصصهم التي تدمي القلوب؟!

من هنا فإنني باسم الجماهير الثائرة أقول للأمين الجديد لجامعة الدول العربية: لا أهلاً ولا سهلاً بك في دمشق الفيحاء الجريحة لأنك لم تلج ديارها من بابها الشرعي وآثرت دخولها من كوة سجانها الفاقد الشرعية والفاقد الصلاحية!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حماه … ميدان التحرير العربي .. علي حماده

النهار 7-7-2011

في "جمعة إرحل" صارت مدينة حماه بأسرها "ميدان التحرير"، ولم يعد خافيا ان مئات الآلاف من ابناء المدينة، ويمثلون نسبة عالية جدا تصل الى ما يفوق 70 في المئة من سكانها المقيمين، خرجوا ليقولوا كلمة واحدة للنظام في سوريا : "إرحل".

هذه هي سمة الثورة في سوريا، فما ان يغيب الامن والمخابرات وقطعات الجيش الموالية حتى يظهر حجم المعارضة المتنوعة للنظام. فالحل الامني العنيف والدموي الذي اعتمد حتى الآن نحج وفشل. نجح في الحد من خروج مظاهرات ضخمة شبيهة بتلك التي شهدتها حماه يوم الجمعة الفائت تكشف مدى الحالة الثائرة على النظام شعبيا. وفي المقابل فشلت في وأد الثورة، بل فاقمتها بأن رد الشعب على القتل المنهجي بمزيد من الاصرار والتصميم على اكمال مسار اسقاط النظام، وتعميق ازمته التي يعكسها انحصار "مشروعه" بالحل الدموي، مما افقده كل شرعية فعلية في الشارع. وسوف يفرض على العالم، المتباطئ في دعم الثورة، اجندة مختلفة مع ارتفاع حصيلة القتلى، وقد بلغت الى اليوم اكثر من ألف وخمسمئة مواطن.

لقد أثبت الشعب السوري قدرة كبيرة لا نظير لها في التحمل، وفي مواجهته بأساليب سلمية اعتى آلة امنية ستالينية في المشرق العربي. وفي المقابل يتبدى يوما بعد يوم ان النظام في سوريا غير قابل للاصلاح، وان الرئيس بشار الاسد يقود عملية امنية بإمتياز يغلفها بكلام ووعود بالاصلاح. والهدف قمع الثورة التي قامت في وقت كان الاسد الابن يفتخر بكون سوريا "عصية" على الثورة!

و من "جمعة" الى "جمعة" تكبر كرة الثورة في سوريا، وتنضم فئات جديدة من المجتمع السوري الى المناخ الثوري، بعضها مجاهرة، وبعضها الآخر بشكل غير ظاهر للعلن. ومن جمعة الى جمعة يكتشف السوريون ان ما يعتبر "نعمة" الاستقرار ما كانت سوى غطاء لتحكم عائلة وقلة متنفذة بحياة ملايين السوريين، وحشرهم في سجن كبير كان اسمه سوريا، وها هو يوشك ان يسقط مع تحرر الشعب من اغلال الخوف، وتجرئه على منازلة النظام مباشرة في شوارع المدن والبلدات والقرى. ومع مرور الايام لن يعود النظام بقادر على حشد الجيش والقوى المخابراتية على انواعها لمواجهة ملايين السوريين المصممين على البقاء في الشارع حتى سقوط النظام.

لقد سقطت شرعية النظام في الشارع. اسقطتها دماء اريقت على مذبح الحرية والكرامة. وخلال مدة وجيزة سيكون للعامل الاقتصادي اقوى الاثر على المعادلة. فمع الوقت ستجف موارد النظام الرسمي، وسيرتفع الضغط على مصالح طبقة كبار التجار ورجال الاعمال المتحالفين معه، الامر الذي سيدفع بهم الى الهروب من سفينة غارقة ولا امل بنجاتها. إننا في لبنان مدعوون الى التبصر في ما يحصل في سوريا. انها ثورة شعب على الاستبداد بأسوأ مظاهره وتجلياته. فإذا كان في لبنان من يتشدق بنصرة المظلومين في العالم، فأحرى به ان ينصر من يُذبحون، وهم اطفال ونساء ورجال، لمجرد انهم يطالبون بالحرية والكرامة، لا ان يكون نصير من ستستضيفهم قاعات المحاكم الدولية، في اكثر من قضية، ولو بعد حين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ست سنوات من اختفاء السياسة في سورية .. ناهد بدوية *

الحياة-الخميس, 07 يوليو 2011

لم يكن مفاجئاً ما نشهده الآن من غياب كامل للسياسة في التعامل مع الانتفاضة السورية، وحضور فاقع للوجه الأمني، فالإناء ينضح بما فيه. فمنذ ست سنوات في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، أعلن للمرة الثانية، بعد فترة الثمانينات، أولوية المسألة الأمنية على عملية الإصلاح في سورية. وتمت العودة على نحو سريع الى السمات الشمولية التي حاول عهد الأسد الابن التخفيف منها وتغييرها. فبعد أن كان الكلام يدور على فصل الحزب عن الدولة وازدياد المشاركة وتخفيف المظاهر الشمولية للدولة من صور وشعارات ولغة خشبية... عادت هذه المظاهر على نحو مستفز أكثر من السابق. اعتُقل الناشطون ورُموا في السجون وعادت الصور والدبكة والرقص لإثبات الولاء وعادت اللغة الخشبية المقيتة الفارغة. عاد التشديد على شرط الانتماء البعثي في توزيع المناصب ووقف توسيع الاستعانة بالمستقلين الذي كان قد تم التوجيه به منذ 2000. وأعلنت التعبئة العامة للحفاظ على السلطة والعودة الى تجفيف منابع مقاومة المجتمع وحيويته، ما أدى الى تصحر سياسي عميق حكمت البلاد في ظله مافيات اقتصادية وأجهزة أمنية.

توافق الاحتكار المافيوي للسلطة وميلها إلى امتلاك رأسمالها الخاص وأعمالها التجارية مع توجهات الأسواق العالمية باتجاه تحرير الخدمات واقتصاد السوق. لذلك استمرت القوانين الاقتصادية الجديدة في الصدور، وقد بدأت منذ تسلم بشار الأسد، وأحدثت في السنوات الست الأخيرة تغيرات عميقة في بنية الاقتصاد السوري باتجاه اقتصاد السوق وانتعشت الطبقة الوسطى نسبياً مقارنة بالسابق. إلا أن ذلك أدى، في ظل حالة غياب لسيادة القانون ولحرية الصحافة والرأي والقضاء المستقل، الى ظاهرتين بارزتين يمكن اعتبارهما من أهم عوامل الانتفاضة السورية الحالية، أولاهما انتشار الفساد على نحو غير مسبوق في تاريخ سورية، بحيث لم يعد توزيع وظائف أو مناصب الدولة يدرس على أساس إرضاء قطاعات مختلفة من حلفاء النظام، بل بات الأمر يخضع فقط لديناميات شبكات الفساد وسعر السوق، وقد وصل سعر بعض المناصب في الدولة إلى عشرات الملايين من الليرات السورية. والظاهرة الثانية هي أن احتكار القوة أدى الى احتكار الاقتصاد في أيدي قلة قليلة من أفراد العائلة المالكة، وازداد عدد الفقراء وحدَّة الفقر في المناطق المحرومة من مشاريع التنمية إذ تركزت المشاريع والأعمال في العاصمتين الأولى (دمشق) والثانية (حلب) وتعرضت المناطق الأخرى للتهميش والإفقار والنهب، ونشأ الآلاف من الشباب المتعلم في هذه المناطق يتامى من دون دولة ترعاهم، ومن دون أية آفاق، ومن دون أي أمل بالمستقبل أو الحصول على فرصة عمل وحياة كريمة. هؤلاء الشباب الذين اكتشفوا عبر وسائل الاتصالات الحديثة أنماطاً أخرى من الحياة واكتشفوا أن هناك خياراً آخر غير الاستسلام لليأس والاكتئاب والسكوت على الإهانات، وهو أنهم يستطيعون تغيير مصيرهم بأيديهم فنزلوا إلى الشارع يحملون أحلامهم بالحرية والحياة الكريمة وأعتقد أنهم لن يعودوا قبل تحقيقها.

كذلك أدى اختفاء السياسة وغياب خطط الدولة الوطنية الشاملة إلى إهمال كبير لمعظم أنحاء سورية، وشمل في ما شمل المناطق المختلطة طائفياً، لأن مافيات المال الناشئة عن احتكار السلطة كانت تتحالف مع أصحاب رؤوس الأموال في مراكز المدن ضاربة عرض الحائط بالبشر من جميع الطوائف، بما فيها الطائفة التي ينتمي إليها الرئيس. وفي ظل غياب مركزية قوية في الحكم يعمل الجميع لحسابها كما كان سائداً في ظل حافظ الأسد، صار كل مركز قوة صغير يعمل لحسابه الخاص ويشكل المافيا الصغيرة التي تسيّر أعماله ورزقه، وصارت الأماكن المختلطة كبانياس وتلكلخ وجبلة اماكن لمعارك اقتصادية غير موجهة من المركز بين البشر المهملين. ونتيجة نقص الفرص والموارد ظهر احتكار للفعاليات الاقتصادية المحدودة المتوافرة على نحو فظ من مراكز القوى القريبة من النظام، مما أوجد حال احتقان ظهر جلياً في الانتفاضة الحالية. وليس الالتفاف الحالي للكثير من هؤلاء المنتفعين حول النظام إلا دفاعاً عن احتكار الفعاليات الاقتصادية والخوف من خسارة الامتيازات مهما كانت صغيرة، بخاصة أن النظام عمل جيداً على إثارة كل أنواع المخاوف لديهم بإيهامهم أن من يملك عربة خضار أو يسكن غرفة في المخالفات سيخسر هذه الامتيازات إذا ذهب النظام.

ساهم غياب السياسة من نظام الحكم الحالي واللهاث وراء الأرباح والأعمال والأموال أيضاً في إهمال مناطق وقطاعات لطالما كانت حليفة للنظام، ما أدى إلى خروجها من سلسلة التحالفات الداخلية التي كانت أحد منابع قوة الأسد الأب مثل درعا والرستن، لا بل أدت سيادة أجهزة الأمن وغياب السياسة المركزية القوية الى التعامل الصلف والمتعالي والإفراط في التنكيل وعدم الاحترام حتى مع أصحاب المناصب السياسية السابقة والزعامات التقليدية. ففي درعا مثلاً اضطر الكثير من أولاد هؤلاء للعمل أجراء عند الرأسماليين الجدد الذين اشتروا مساحات كبيرة من أراضي درعا وريفها، ما أدى الى تزايد الاحتقان في مثل هذه المناطق.

تشهد أفلام الفيديو أيضاً، كونها مصورة من كاميرات الهواتف الخليوية، على غياب السياسة وعلى الطابع المافيوي للنخبة الحاكمة التي تعتبر البلاد مزرعة لها ومن حقها إغلاقها للشهر الرابع على التوالي في وجه البعثات الإعلامية والمنظمات الحقوقية والإنسانية من دون حاجة الى أي تفسير أو تبرير. لذلك، فإن أي توقع لسلوك سياسي في إدارة الازمة الحالية هو توقع بأن ينضح الإناء بما ليس فيه. ولا يمكن الذهاب باتجاه السياسة إلا اذا ضعف المركز المافيوي تحت ضغط توسع الانتفاضة جغرافياً وانضمام فئات جديدة إليها، ما قد يؤدي إلى ظهور ميل سياسي جديد عند قسم من رجالات النظام يريد أن يدرأ انهياراً مدوياً للنخب الحاكمة.

* كاتبة سورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: النظام والمعارضة و«الضمانات» الدولية.. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 07 يوليو 2011

الحياة

تتصف محاولات المعارضة السورية لإعلان وجودها وإثباته والسعي إلى تنظيم صفوفها، في الداخل كما في الخارج، بالجرأة والوعي والاستعداد لتحمل المسؤولية، انطلاقاً من شعور متنامٍ بأن لحظة انخراطها في مستقبل البلد قد حانت. كان بعض السوريين في الخارج بلغ حدود اليأس بل تجاوزها ليوقن بأن مصيره تقرر وحسم، فهو مضطر لنسيان سورية ونسيان جذوره فيها والقناعة بالعيش والموت في المهجر القسري الذي غدا مع الوقت وطناً اختيارياً. لكن بعضاً آخر لم يستطع قبول هذا المصير «المصادَر» إلى حد التفكير والبحث عن أي صيغة للذهاب إلى المحافل الدولية والحصول على إقرار للسوريين ب «حق العودة» إلى سورية، ليس للمهاجرين فحسب وإنما أيضاً للمقيمين المنفيين والمقصيين في الداخل.

قد يؤخذ تعدد أطياف المعارضة كمؤشر لفوضى محتملة، لكن الشعب كان يعترف دائماً بهذا التعدد، فلا يجهله ولا يتجاهله، أما النظام فأراد دائماً تقديم حزبه الواحد على أنه بوتقة انصهار الشعب وعنوان ولائه للحكم القائم أو خضوعه للأمر الواقع الذي اهتز الآن ولم يعد أمراً ولا واقعاً. التعدد تجربة عيش وتعايش أتيحت للسوريين يوم كانوا يناضلون من أجل الاستقلال، وبرهنوا أنها يمكن أن تنجح، ثم لم تعد متاحة حين راح النظام يقولب حقائق المجتمع ومكوّناته من دون أن يتمكن من تغييرها أو من صياغتها في «علمانية» جامعة. وها هي انتفاضة الشعب تواجهه بأنه كان يعيش وحده في الوهم الذي اخترعه.

برزت على السطح معارضات معروفة كانت عمّدت نضالها بالدم والدمع والتعذيب في السجون. وبرز أيضاً شبه معارضات معروفة بأنها كانت في خدمة النظام وتريد الآن خوض غمار اكتساب شيء من الشرعية الشعبية لتتمكن من البقاء. ويبدو الجميع كأنه يسابق «الحوار الرسمي» المفترض أن ينطلق في العاشر من هذا الشهر، لكن بكثير من التحفظ الذي يجعل مرجعيته تقول إنه مجرد اجتماع «تشاوري» للتوافق على منهجية ل «الحوار»، ما ترجمته: لاستشراف الممكن والمستحيل... في «الإصلاح». ورغم أنه ليس معروفاً مَن سيحاور مَن في «الحوار الرسمي»، إلا أن المعروف مسبقاً أن تلك «المنهجية» ستصطدم بمستحيلات كثيرة، لأن الهدف بات التغيير وليس الإصلاح. فالنظام لم يأبه بالتحذيرات الدولية التي نبهته إلى أن الوقت ينفد ولن يعود في مصلحته. فكل قتيل جديد في يوم جمعة آخر كان يرفع سقف المطالبات. لذلك ذهب معارضو الخارج في انطاليا فوراً إلى استجابة دعوة المتظاهرين إلى «إسقاط النظام»، فيما لم يتردد معارضو الداخل في القول خلال اجتماعهم الأول من نوعه في دمشق أن هذا النظام «إلى زوال».

عودة إلى «المستحيلات» التي لم يعد هناك مناص من التعامل معها، وإلا فإن النظام لن يتمكن من تغيير مجرى الأحداث. فأي حوار، حتى لو بين النظام ونفسه، إذا كان يبحث عن مخارج حقيقية، لا بدّ أن يعلن بوضوح نهايتين ناجزتين: للحل الأمني ولحكم الحزب الواحد، وبدايتين فعليّتين: للانتخابات الحرّة والمفتوحة بمشاركة جميع الفئات بما فيها المعارضة الحائزة طوعاً وحكماً «حق العودة» من دون قيود ولا إزعاجات، ولرفع يد الأجهزة عن الحريات كافة تحت مظلة الشرعة العالمية لحقوق الإنسان. أما لماذا تُعتبر هذه «مستحيلات» بالنسبة إلى النظام فلأنها تعني عملياً نهايته. إذ أن كسر الاحتكار البعثي سيعني تضاؤل الحزب الحاكم إلى حزب عادي، بالأحرى إلى زواله. كما أن وجود الدبابات والقوى الأمنية في الشوارع هو ما لا يزال يديم وجوده، أما انسحابها فسيعني تظاهرات مليونية واعتصامات دائمة. ولعل الحشد الذي جمعته تظاهرة حماة في «جمعة إرحل» الأخيرة وخلفيات إقالة محافظها شكلا اختباراً موحياً لما يمكن أن تقدمه تظاهرة من دون إطلاق النار.

بعيداً عن التحليلات لمكانة الأجهزة الأمنية ودورها في صنع القرار فإن الانتفاضة استطاعت أن ترسّخ حقيقة أن الحل لن يكون أمنياً. فهذا رهان سقط. لكن النظام الذي تبلغه التقارير أن قواته لم تفقد سيطرتها لا يرى أنه يواجه مأزقاً حقيقياً يلزمه البدء بالتنازلات. هنا يلوح عنصر الضغط الخارجي وما إذا كان يتسم بأي فاعلية. ورغم أن معارضي الداخل والخارج ينظرون إلى دعم القوى الدولية على أنه إضافي ومساعد للانتفاضة، إلا أنهم يراهنون عليه بحذر ولا يعتبرونه عاملاً حاسماً. وتكاد النظرة الشعبية هذه توازي وتتساوى مع تقييم النظام نفسه لحقيقة الموقف الدولي، بالأحرى الغربي، من وجوده واستمراره. والواقع أن العقوبات الأميركية والأوروبية، رغم ما فيها من تشهير وتقريع للنظام ولرموزه، لم تخرج من إطار تفاهمات دولية سبق تثبيتها بشأن الشرق الأوسط، ومنها اعتبار هذا النظام ضمانة لاستقرار سورية وأن سلوكه حيال إسرائيل ضمان لاستقرار المنطقة وعدم عودتها إلى الحروب الإقليمية.

هذا هو المعطى الذي تستند إليه روسيا في رفضها أن يتعامل مجلس الأمن الدولي مع الأزمة السورية، بالإضافة طبعاً إلى مصالحها الخاصة قي سورية. وهو ما يفسر المخاطبة الأميركية والأوروبية للرئيس السوري كي يبادر إلى الإصلاح أو يتنحى. فالسؤال الرئيسي الذي يتكرر لدى القوى الغربية يتعلق ب «البديل» وما إذا كان سيلتزم سياسة «الاستقرار الإقليمي» نفسها، وإذ يبقى «البديل» غامضاً أو غير مضمون فإن جوهر الموقف الغربي يريد رؤية النظام السوري قادراً على الاستمرار لكنه يجب أن يمكّن القوى الدولية من مواكبته ودعم بقائه. ف «الضمانات» التي كان، وربما لا يزال، يحظى بها لم تكن تعني قبولاً أو استحساناً لتركيبته وسياساته في الداخل أو حتى للأدوار التي لعبها في دول الجوار. كان يتمتع بالسكوت وغضّ النظر عن ممارساته ضد شعبه لقاء ثباته في التزاماته الإقليمية وطالما أنه يستطيع معالجة مشاكله الداخلية من دون إحراج الضامنين الدوليين.

تأخر المجتمع الدولي في التفاعل مع الحدث السوري، ويُعزى ذلك إلى إعطاء النظام كل الوقت والفرص التي احتاجها لترتيب رد فعله على الانتفاضة الشعبية. وحين تبين أنه فوّت تلك الفرص وأهدر الوقت، مصمماً على الحل الأمني ومتوقعاً نجاحه، راح الارتباك الغربي (والإسرائيلي) يتفاقم، وشعر أطرافه بأن النظام الذي يراهن على الضمان الخارجي - للأسباب المشار إليها – بات هو نفسه يزعزع كل الضمانات، إلى حد أن أحد المراقبين الدوليين استنتج أنه إذا كانت هناك «مؤامرة» فعلاً فهي «مؤامرة على الشعب»، كيف؟ قال إن العقوبات تُفرض على النظام «ليبقى لا ليرحل، أما كيف يبقى فهذا شأنه، وعليه أن يجد السبيل إليه، لكنه حتى الآن لم ينجح».

صحيح أن «البديل» يشكل عقدة، ولا يزال المعنيون الدوليون يناقشونها على قاعدة استحالة حلّها في القريب العاجل، إلا أن كثيرين منهم شرعوا يتعاطون معها على نحو أكثر تفصيلاً بغية تجريدها من الأوهام والأساطير المتوارثة. ولعل ركيزتهم في ذلك أن المعارضة في الداخل باتت تتحدث علناً عن تغيير عميق وجذري، ما يستوجب مقاربة مسألة سقوط النظام على أنها قد تفرض نفسها على الواقع في أي وقت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صوت حماة .. حسام عيتاني

الخميس, 07 يوليو 2011

الحياة

كان صوته يأتي شجياً عميقاً من لقطات الفيديو على مواقع الأنترنت. يغني أو يهتف أو يصرخ شعارات ابتكر بعضها وجمع البعض الآخر مما سبق أن أطلقه متظاهرون في حماة وحمص ودرعا وغيرها.

لم يمر صوته عبر مصافي الكورال والفوكال والسولفيج. كان صوتاً خاماً. فجاً. قوياً. كأصوات العمال في ورشات البناء أو البائعين وراء عرباتهم في أسواق الفقراء. كانت كلماته باختصارها لتعقيدات الموقف السياسي وتبسيطها المطالب إلى حدود البداهة، تأتي كدرس في الانتماء الوطني لا يحتاج سفسطة وتفسيراً: الحرية للجميع. التسلط الى زوال. الفساد الى النهاية التي يستحق. شخصيات السلطة تعرّت، بصوته المنغم في ليالي حماة ونهاراتها، فجأة من الرعب الذي كانت تلقيه صورها الضخمة على واجهات الأبنية وتماثيلها عند الساحات والمفترقات، وباتت مخلوقات مثيرة للسخرية بضعفها ونواقصها. سقطت الرموز.

مئات الآلاف هتفوا مرددين، ضاحكين، مصفقين لكلمات بدت كأنها تخرج من حناجرهم جميعاً. كأنه، هو إبراهيم قاشوش، صار- عندما يذكر التاريخ سورية وحماة- صار صوت هذا الكائن الموحد من الحمويين والسوريين والعرب المتظاهرين رفضاً للظلم والقمع والتعذيب والمعتقلات والإخفاءات القسرية. ورفضاً لأنظمة لا تفعل سوى تسويق أوهام تغلف بها إمساكها الأبدي بخناق بشر لا يطلبون غير الحرية والكرامة.

هذا الكائن الذي يجمع متظاهري سورية، وجد صوته في إبراهيم الذي لعب برموز السلطة وعرّاها وسخر منها، بكلمات تصدر من قلب الإنسان السوري العادي. من دون بهرجة. من دون تكلف لفظي. الحقيقة العارية بعبارات بسيطة.

أدرك القتلة خطورة ما فعل إبراهيم. وعلموا تمام العلم سعة الخطوة التي خطاها بتحطيمه رموز الخوف والرعب. ولا شك أنهم فهموا معنى تحول السخرية من السلطة الى كلمات تنطلق من حنجرة إبراهيم بالسهولة التي تصدر فيها أغاني الغزل أو العتابا.

البداهة والطلاقة عنصران يخيفان أي سلطة استبدادية إذا كانا ضدها. وإبراهيم قاشوش كان التجسيد الحي لبداهة تكاد تلمسها الأصابع ولطلاقة لا تنضب ولا تصمت. فكان قتله بتلك الوحشية الرد الوحيد الذي وجده الجناة ليعادلوا فيه الرعب الذي ألقاه في قلوبهم، بجعله هو ومصيره مصدر الخوف والخشية لكل من صفق ذات يوم لذلك الشاب صاحب الصوت الهادر في ساحة العاصي في حماة.

كان من «المنطقي» أن تأتي محاولة إعادة الخوف عبر قتل إبراهيم، بالتزامن مع محاولة استعادة السيطرة الأمنية وقطع الماء والكهرباء عن المدينة التي ذاقت لأسابيع قليلة طعم الحرية. فالقضاء على رمز الانتفاضة وصوتها، يعادل في الأهمية نشر فرق الموت في الشوارع، وهذا ما يعرفه كل رجال «الأمن» في العالم وما يتبادلونه من خبرات.

لكن، ومن دون التقليل من أهمية مأساة إبراهيم الشخصية والمعاناة الرهيبة التي مر بها على أيدي جلاديه وما تعاني منه حماة في هذه الأيام، يجوز الجزم أن اغتيال إبراهيم قاشوش جاء، مثله مثل كل الخطوات القمعية و «الإصلاحية» التي يتخذها الحكم في دمشق، متأخرة ومفتقرة الى التأثير. يضاف الى ذلك أن هذه الجريمة وغيرها لن تثني السوريين عن المطالب التي رددها شهيدهم إبراهيم بكلماته البسيطة: «سورية بدها حرية».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمرات المعارضة الصفرية.. غازي دحمان *

السبت, 09 يوليو 2011

الحياة

انتهى اجتماع المعارضة في دمشق على جملة من التوصيات تركزت على ضرورة العمل لبناء الدولة المدنية الديموقراطية في سورية، عبر آليات لم تتم الإشارة إليها في البيان الختامي للاجتماع، مع إصرار أركانه على وصفه بالتشاوري، عطفاً على تأكيدهم محدودية تمثيلهم التي لا تتجاوز ذواتهم الشخصية!

وبالطبع، لم يحدد البيان الصادر عن الاجتماع آلية واضحة لتحقيق توصياته، وإن بدا أن التوجه العام للمؤتمر يميل باتجاه الانتقال السلمي الى الدولة المدنية الديموقراطية عبر الحوار، علماً أن المناخ السائد لا يشير إلى مثل هذه الإمكانية على رغم إعلان السلطات في دمشق نيتها عقد جلسات حوار لم تتحدد حتى اللحظة مضامينها وأطرافها وحدود الحوار الموعود وسقفه.

وسبق للمعارضة السورية أن عقدت اجتماعات أثيرة، في تركيا وبلجيكا، وأصدرت توصيات وبيانات، كما سبق ان سمع الشارع السوري المعزوفة ذاتها التي تصر على أن المجتمعين لا يمثلونهم ولا يتحدثون باسمهم، فلماذا إذاً تلك الجهود والمبادرات غير المنسقة، ومن هو الذي يمثل السوريين، طالما يتنصل الجميع من هذه المهمة الصعبة؟

الواقع أن تعدد هذه المؤتمرات لا يعكس حالةً صحية، على ما يذهب أركان المعارضة، بقدر ما يعكس اختلافاً عميقاً بين مكونات المعارضة، في الداخل والخارج على السواء... وهذا الاختلاف، كما هو واضح، لا يقتصر على الموقف من الحراك وطرق أو أساليب إدارته، بل يطاول حتى الموقف من سورية المستقبلية، بتوجهاتها وشكل الحكم فيها وصولاً إلى نمط الحكم والأيديولوجيا الحاكمة، وحتى ثقافة المجتمع وأنماط الحياة فيه.

كان ذلك واضحاً من رفض جماعة الإخوان المسلمين المشاركة بصفتهم الحزبية في اجتماع انطاليا، الذي ضم طيفاً واسعاً من تلونات المعارضة السورية، وبخاصة تياراتها اليسارية والقومية، التي تختلف الجماعة معها في الرؤى والأيديولوجيات، ثم قيامهم بعقد مؤتمر بروكسل، الذي اقتصر على الجماعة والجهات الإسلامية القريبة منها. وقد كشف ذلك أول مؤشرات التصدع داخل الهيكل المعارض.

ويأتي اجتماع دمشق في إطار هذا السياق الخلافي. فالواضح أن معارضة دمشق، والتي تتكون في الغالب من نشطاء مدنيين وأصحاب رأي، وقوى حزبية يسارية، تتخوف من تأثير معارضة الخارج في الحراك وتوجهاته، وتالياً التأثير في نتائجه المستقبلية، كما أن للطرفين، معارضة الداخل والخارج، مقاربات مختلفة في شأن طرق إدارة الحراك، وسبل الخروج من الحالة التي تصفها معارضة الداخل ب «الأزمة»، في حين تعتبرها معارضة الخارج «ثورة». ففي حين تتوجس معارضة الداخل من تطور الامور إلى حد الانزلاق إلى نزاع داخلي، وبالتالي تؤيد إيجاد حلول من داخل النظام، فالمعارضة الخارجية، ربما لا تتأثر كثيراً بمثل هذا الاحتمال، ولذا تصعّد الى درجة المطالبة بإسقاط النظام في الشارع.

الواضح أن هذه المعارضات في واد والثورة في واد آخر. فقد بات جلياً أن من يقود هم شباب أفرزتهم الثورة، لهم نشاطات ميدانية ولهم تأثيرهم الكبير في الشارع، وهم من يسمّون الجمعات ويحددون شكل الحراك ويؤثرون في زخمه، ويؤدون أدواراً إعلامية وتنسيقية وتنظيمية.

ولا شك في أن تعدد مؤتمرات المعارضة والبيانات الصادرة عنها، يعكس أول ما يعكس، الواقع الصعب لممارسة السياسة في سورية منذ عقود، وهذا الواقع هو المسؤول عن هذا التشتت والضعف في المعارضة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري هو الذي يحتاج الى لجان شعبية مساعدة .. د. رحيّل غرايبة

2011-07-09

العرب اليوم

الشعب السوري الاعزل, الذي يخرج بمئات الالاف في معظم المدن السورية بمظاهرات سلميّة منضبطة, يطالب بحقوقه المشروعة التي تقرها شرائع الارض والسماء, يطالب بالحرية والكرامة الانسانية, يطالب بالديمقراطية وإنهاء عصر احتكار السلطة ويطالب بإرجاع السلطة للشعب ليكون قادراً على اختيار الحاكم بلا قهر ولا اكراه, ويطالب بمحاربة الفساد ووقف ايدي الفاسدين والقطط السمان التي سطت على مقدرات الدولة, وأثرت ثراءً فاحشاً على حساب جيوب المواطنين, ويطالب بوقف مهزلة توريث السلطة, ووقف منهجية ادارة الدولة بسطوة الحزب الاوحد, ووضح حد للشبيحة والمليشيات المسلحة التي تنتهك الحرمات وتعيث فساداً في ارض الشام على امتداد (40) عاماً ونيّف, هذا الشعب يستحق تشكيل لجان المساندة من اشقائه العرب لا الخذلان والانحياز الى الجلاد.

امّا النظام الذي يملك الجيوش والاجهزة الامنية والاسلحة الفتاكة, والقنّاصة والشبيحة, وأجهزة الاعلام والسجون وآلات التعذيب, والزبانية المدربين على اذلال المعتقلين وإهدار انسانيتهم, فهو ليس بحاجة الى لجان مساندة شعبية.

وهنا يجب ان نقرر جملة من القواعد نحتكم اليها جميعاً, بغض النظر عن الاختلاف الفكري والايدولوجي.

- من حق الشعب السوري وكل الشعوب العربية ان تقرر مصيرها وتمتلك السلطة الكاملة في اختيار الحكومات ومراقبتها وعزلها.

- من حق الشعب السوري وكل الشعوب العربية ان تطالب بالديمقراطية الكاملة غير المنقوصة, وإنهاء عصر الاقطاع والاستبداد, واحتكار السلطة وتوارثها.

- من حق الشعب السوري وكل الشعوب العربية ان تبسط رقابتها على مقدرات الدولة وأموالها العامّة, ولا يحق لاحد التصرف بالمال العام الا من خلال تفويض شعبي, ومن خلال قوانين وتشريعات وجدت بطريقة صحيحة, تأخذ شرعيتها من الشعب.

- من حق الشعب السوري وكل الشعوب العربية ان تطالب بالحريّة وإطلاق الارادة واستعادة الكرامة المهدورة, والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية.

- نرفض جميعاً استخدام العنف والقوّة سواء من الشعب او من النظام والجيش والاجهزة الامنية.

- على النظام الاستجابة الفورية لمطالب الجماهير المشروعة, والكف عن اسلوب تلفيق التهم للمتظاهرين والمنادين بالاصلاح.

- نرفض جميعاً التدخل الخارجي, والتدخل الدولي في الشؤون الداخلية لجميع الدول العربية بلا استثناء, وأن نحول جميعاً دون دخول قوات اجنبية الى اوطاننا, عن طريق الشروع الفوري بإعادة السلطة للشعوب.

- اتخاذ موقف الممانعة, وتأييد المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني, لا يتعارض مع الاصلاح السياسي, والسير بطريق اعادة السلطة الى الشعب بمنهج ديمقراطي كامل.

ليس معقولا ولا منطقياً ان يتم توجيه التهمة الى الشعوب العربية البطلة التي انتفضت بأسلوب سلمي حضاري على انظمة التسلط والاستبداد والفساد التي مكثت في احتكار السلطة ما يقارب نصف قرن, ولم تورث شعوبها الا التخلف والفساد والقهر والكبت والسجن والاحتلال والديون, والضعف والاستخذاء للعدوّ, ولم تقدم لشعوبها سوى الجعجعة والشعارات الفارغة, والعدوّ الصهيوني يلتهم الارض ويعربد في الاجواء العربية, ويستهين بكل النظام العربي الفاسد المتهالك, حتى اصبح العرب اضحوكة امام العالم.

الموقف السليم ان نقف مع مبادئنا الثابتة, ومع الحريّة وإعادة الحقوق المسلوبة للشعوب وحقها في السلطة والاختيار, وأن نقف مع الشعوب لانّها هي الباقية والانظمة زائلة لا محالة وليحذر الذين يحاولون تزييف الحقائق وطمسها, والتدليس على الاجيال, فالتاريخ يسجّل ولا يرحم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدولة الأمنية في الأنظمة الشمولية .. حسين العودات

التاريخ: 09 يوليو 2011

البيان

ربما جاءت تسمية (الدولة الأمنية) من سيطرة أجهزة الأمن على مرافق الدولة الأساسية والثانوية، وهيمنتها على المجتمع، واستيلائها على صلاحية اتخاذ القرار بدلاً عن الشعب، بل وتسلطها على الحكومة نفسها، ولا تكتفي أجهزة الأمن في الدولة الأمنية بقمع المواطنين فقط، بل تهيمن أيضاً على الحياة والمجتمع وفعالياته ونشاطه، أي تحل محل السلطات جميعها.

عندما تتماهى أجهزة الأمن مع الحكومة تهمل العمل بمفاهيم الدولة الحديثة جميعها، أعني مفاهيم مرجعية المواطنة واحترام الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وتداول السلطة وفصل السلطات وغيرها، وتتحول الحكومة إلى حكومة سلطوية، والسلطة إلى سلطة قمعية فقط، وتتلاشى أية علاقات مدنية أو مجتمعية بمعزل عن السلطة الأمنية، أو علاقات ديمقراطية أو تمثيلية في إطار الدولة، ذلك لأن أجهزة الأمن، في مثل هذه الدولة، تعطي لنفسها الحق بتولي كل شيء بالنيابة عن الشعب، وإقرار كل شيء مجتمعي أو رسمي، حسب معاييرها ومفاهيمها التي لا ترى في المجتمع سوى التآمر واستعمال العنف والقهر.

تبدأ تطبيقات الدولة الأمنية عادة عندما تتسلم فئة الحكم بطريق غير مشروعة وغير ديمقراطية، وبالتالي لا تمثل الأكثرية، خاصة إذا وصلت بطريق الانقلابات العسكرية، ويخشى النظام من الآخر صاحب الحق في السلطة أو في الشراكة فيها، ويرى أن يحصن نفسه ضد أي محاولة من هذا الآخر لتولي السلطة وسلبها منه، فتتماهى عندها الحكم والسلطة وأجهزة الأمن بعضها مع البعض الآخر، وتصبح جميعها كتلة واحدة متحفزة للمواجهة، ولأن المواجهة بالطرق الديمقراطية لها شروطها وتحتاج لتأييد شعبي يصعب تأمينه فتوكل هذه المهمة إلى أجهزة الأمن، التي تضاعف عندها أعداد العاملين فيها من جهة وتوسع مهماتها لتشمل جوانب عديدة من حراك الإدارة والمجتمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى، وتجدها فرصة للابتزاز والمصادرة والقمع والتحكم بحياة الأفراد والمجتمع ومؤسسات المجتمع المدني فضلاً عن الأحزاب والتيارات السياسية.

تلغي هذه الأجهزة مفهوم المواطنة كمرجعية وحيدة وأساسية للمواطنين لأن هذه المرجعية تؤكد المساواة التي لا ترغبها الأجهزة الأمنية. وتستعيض عنها بمرجعيات أخرى قادرة على التلاعب بها كالمرجعيات المذهبية والطائفية والإقليمية والعشائرية وغيرها، ويتم لها ذلك بتوزيع الامتيازات بحسب مصالحها ورغباتها، وإفساد الناس وكسب ولائهم، وينتج عن ذلك انتهاك المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وغيرها، ولئلا تقع مسؤوليات قانونية ما على هذه الأجهزة تعمل على إصدار قوانين مناسبة لها والتلاعب بهذه القوانين.

وتعطي لنفسها حق اختيار ممثلي الشعب في المجالس التشريعية والمجالس البلدية أيضاً لإبعاد معارضتهم لها من جهة وتحويلهم إلى وسيلة بيدها من جهة أخرى، والأمر نفسه بالنسبة إلى السلطة التنفيذية وإدارات الدولة ومسؤوليها، ويصبح اعتماد ولاء الشخص على حساب كفاءة الآخر تقليداً يشبه القانون، وهكذا يُعزل الأكفاء ويبجل الموالون مهما كانت إمكانياتهم متواضعة.

ويسعى هؤلاء بطبيعة الحال إلى إرضاء الأجهزة الأمنية التي اختارتهم فيطلقون يدها في السيطرة والوساطة والابتزاز والرشوة ومخالفة القانون في الإدارات التي يرأسونها. وتتدخل أجهزة الأمن في شؤون القضاء لتجبره على معاقبة المعارضين، فتذهب استقلالية القضاء أدراج الرياح ومثلها الفصل بين السلطات. وفي الوقت نفسه تعطي لنفسها الحق باستخدام وسائل القمع بلا حدود وبدون رقابة أو خشية من العقاب أو المحاسبة، كما تمنح لنفسها الامتيازات التي تريدها وتوزع هذه الامتيازات على عناصرها بدون حق طبعاً، وتتحول إلى فئة متميزة عن غيرها من خلال هذه الامتيازات (السيارات والرواتب والتعويضات والمهمات والهيمنة والنفوذ وامتلاك العقارات والمزارع بدون حق) وغيرها.

تتحالف أجهزة الأمن في الأنظمة الشمولية عادة مع الأغنياء الجدد (أغنياء الصفقات والفساد) الذين يعملون جاهدين لإدخال ضباطها وقادتها في أوساطهم ويرشدونهم على أفضل السبل للاستثمار والغنى غير المشروع كي يصبحوا جزءاً منهم، فيدافعون عن مصالح هؤلاء الأغنياء بالمرحلة الأولى من خلال السياسات التي يطبقونها، ثم يساعدونهم على أن يكونوا شركاء حقيقيين في السلطة واتخاذ القرار مباشرة أو مداورة.

وهكذا نلاحظ أن الدولة الأمنية تتكون تدريجياً من خلال نقطة انطلاق بسيطة هي حماية نظام غير ديمقراطي و(أقلوي) شعبياً، ومن خلال إطلاق يد أجهزتها بزعم أنها ستحمي هذا النظام وتتيح له رسم حياة الناس والمجتمع والسياسات وغيرها. وقد تبدأ هذه الأجهزة بممارسة القمع في المرحلة الأولى لتخويف الناس وإسكاتهم والسيطرة عليهم ثم تتحول إلى دولة أمنية ذات أذرع عديدة تصل إلى جميع جوانب الحياة السياسة والإدارية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

تعمد أجهزة الأمن، لتخويف المعارضة أو المنتقدين وإسكاتهم، إلى قمعهم المباشر وتلفيق التهم لهم والإساءة إلى سمعتهم بطرق غير أخلاقية أو بطريق الإشاعة، وإن تعذر ذلك تتهمهم بالعمالة للأجنبي، ودس الدسائس لديه، بدون تحقيق أو محاكمة أو بطريق محاكمات صورية، لا تستوفي أي شرط من شروط المحاكمة العادلة، وعندما تغرق أجهزة الأمن في الفساد والقمع وتصل درجات متقدمة فيه لا يعود يؤثر عليها لا قانون ولا ضمير ولا منطق، ولا تتورع عن أية تهمة تتهمها للغير أو ارتكاب أية جريمة مهما كانت قاسية أو مضحكة أو كاذبة. لعل هذه هي بعض المواصفات النمطية العامة والرئيسة للدولة الأمنية في الأنظمة الشمولية التي تكون عادة من نوع واحد لكنها تختلف بالدرجة، وبشكل عام فإن مفهومها لا يعني أنها أجهزة قمع فقط بل أجهزة تمتلك نظاماً كاملاً مسيطراً على إدارات الدولة وجوانب الحياة الاجتماعية كلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل النظام السوري قابل للتحول إلى الديموقراطية؟ .. شمس الدين الكيلاني

المستقبل - السبت 9 تموز 2011

العدد 4050 - رأي و فكر - صفحة 19

يجري جدل واسع، في سورية، حول الموقف من احتمال (الحوار الوطني) بين المعارضة والسلطة كمدخل لمعالجة الأزمة السياسية الكبرى، التي افتتحتها الانتفاضة السورية، وباتت تهدد النظام وآليات اشتغاله. فعادت أسئلة الحوار تُطرح من جديد، ولاسيما بعد (مرسوم العفو) الرئاسي، وتشكيل لجنة للحوار، تزامن ذلك مع استشهاد حمزة الخطيب وما خلفه من أسى وغضب ، ومع مؤتمر المعارضة في أنطاليا، واقتحامات الرستن وتلبيسة. وتصريح بخيتان الذي قرن عرضه للحوار برفضه إلغاء المادة الثامنة من الدستور. غير أن مشهد الانتفاضة السورية وضحاياها من دماء ودموع وإرعاب، وهي تكلفة هزّت ضمير المجتمع السوري وحميته، جعل المعارضة السورية متهيبة أمام قبول هذا الخيار. فتوزعت مواقفها تبعاً لأجوبتها على ما إذا كان النظام في تركيبته البنيوية ،وحمولاته الاجتماعية قابلاً للإصلاح أم لا، أو فيما إذا كان بإمكانه أن يرعى مرحلة انتقال سورية إلى الديموقراطية !؟

هناك قوى من المعارضة وفي مقدمتها قادة الانتفاضة الميدانيين، ترى إلى جانب اعتقادها بأن السلطة لم تقترح برنامجاً جدياً للحوار، أن التركيبة الاستبدادية البنيوية للنظام، تمنعه من التحول (داخلياً) إلى نظام ديومقراطي تعدُّدي، والنظامان يقفان على طرفي نقيض. فالدولة بمؤسساتها كافة (الجيش الشرطة،السلطة القضائية والتشريعية، المؤسسات التربوية العمومية)، في نموذجها الديومقراطي، هي كيان مجرد، متعالية تمثل الإرادة والمصلحة العموميتين للجماعة بكل فئاتها ،مستقلة عن مجال الصراع السياسي والاجتماعي، بينما السلطة(الحكم) هي مجال للتنافس والصراع في سياق المجال السياسي الديومقراطي، تنتقل فيه هذه الفئة الاجتماعية أو تلك إلى الحكم (السلطة) بطريقة سلمية ديومقراطية، لتطبق برامجها الانتخابية في إطار الدستور ،مع احترام شديد لاستقلالية مؤسسات الدولة ووظائفها الثابتة.حيث لا يحق لها،بما هي سلطة، التطاول على مؤسسات الدولة أو تغيير وظائفها ناهيك عن تحويلها إلى أداة بيدها لتسخيرها لمصالحها الخاصة .

والحال، أن القوى التي استولت على السلطة باسم حزب البعث لم تكتف بالاستيلاء على الحكم (السلطة) فقط، بل عملت على تسخير مؤسسات الدولة (الجيش الشرطة،المؤسسة التشريعية وعلى رأسها القضاء،المؤسسات التربوية والعلمية والجامعية والثقافية) لمشاريعها الحزبية والفئوية وألحقتها ب(سلطتها) .فبدلاً من أن تكون تلك المؤسسات الدولاتية لكل المواطنين، أصبحت مؤسسات ملحقة بالحزب الحاكم وأجهزته، وبدلاً من أن تكون حيادية (غير مُتحَزِّبة سوى للدستور) حيال الصراعات والمنافسات السياسية الاجتماعية، أصبحت تابعة للحزب ولأجهزته المخابراتية.

وعلى هذا، أصبح الجيش والشرطة عقائديين (بعثيين)، وأصبحت المؤسسة القضائية مُتَحَزِّبة للبعث: عضوية وسياسة ووظيفة، والحال نفسه ينطبق على المؤسسات الثقافية والتربوية (المدرسة والجامعة مجالات النشر الثقافي والتربوي، والإعلام المسموع والمرئي) فصار من الضروري أن يكون الضابط والقاضي والمعلم والموظف وأستاذ الجامعة ومدير الجريدة والمجلة والمؤسسة الثقافية بعثياً إن لم يكن مُخبراً. ولا تقتصر هيمنة السلطة على مؤسسات الدولة، بل طالت بهيمنتها المجتمع نفسه ،طالما أن الدستور في مادته الثامنة ينص على (قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع). فغدت الهيئات النقابية والحزبية مُلحقة بقيادة الحزب وبأجهزته(عمال فلاحين حرفيين، ومهنيين من أطباء ومهندسين وصيادلة، وهيئات المجتمع المدني ). وانخرط المجتمع برمته في منظمات تابعة للسلطة وحزبها لتلقينه حب القائد وحزبه: الطلائع (للصبية)، اتحاد شبيبة الثورة (لطلاب الثانوي)، واتحاد الطلبة (للجامعيين). فانخرط المجتمع برمته في مؤسسات سلطوية للضبط والمراقبة، ومن ثم التصق الفساد بالهيكلية التسلطية وارتكز عليها،وانفتحت إمكانيات اكتناز الثروة على من يرتقي في السلَّم السلطوي .

وعلى هذا، فإن الخطوة الأولى التي لابد منها لانتقال سورية من النمط التسلطي إلى النموذج الديومقراطي للدولة، عليها أن تبدأ بتحرير مؤسسات الدولة من طابعها الحزبي (البعثي)، ومن هيمنة( السلطة) وأجهزتها، لتصبح مؤسسات لكل السوريين،حامية للحق العمومي من تعديات السلطة السياسة التنفيذية ومن الفئات الحاكمة ، ومراقبة لشرعية سلوكها، بدلاً من أن تكون خادمة لها. بمعنى آخر،عليها إلغاء ما هو مُتَّبع حتى الآن من (تبعيث) القضاء والتعليم والجيش، والنقابة والمجتمع المدني والفضاء الاجتماعي برمته، وتحريرها من التبعية القسرية للحزب وأجهزته القمعية. فليست مسألة الانتقال إلى الديموقراطية مسألة قانونية أو حقوقية فحسب بل هي مسألة عملية أساساً، فإذا اكتفى المتحاورون في صياغة أفضل القوانين الديموقراطية، دون أن يعملوا على تفكيك الأجهزة القمعية، وأن ينزعوا(عملياً) علاقة التبعية القائمة بين الأجهزة الحزبية والقمعية للنظام وبين مؤسسات الدولة التي من المفترض أن تكون ملكاً لكل المواطنين، فسيصبح الإصلاح عندئذ نوعاً من العبث.

هذه الحجج (النظرية )تسوقها المعارضة المُتشككة ،في صدق نوايا السلطة ،و في إرادتها وقدرتها على تحويل النمط السلطوي إلى النموذج الديومقراطي،وتضيف إليها الشواهد (التجريبية )لممارسة السلطة المبثوثة أمام الأعين ،والتي باتت سلوكاً إلغائياً ثابتاً تجاه المجتمع ،ويُعزِّز وجهة نظرها المُتشككة تلك اندفاع وثبات الحركة الاحتجاجية التي ازدادت اتساعاً وعمقاً وثقة بالذات ،فتصل إلى نتيجة مفادها :أن التحول الديومقراطي مشروط بتفكيك البنية الاستبدادية برمتها ،وهو ما يصعب على السلطة القيام به.

من الجهة الأخرى ،فإن أغلبية المعارضة الديموقراطية (القديمة) كانت تميل ،قبل انطلاق الانتفاضة السورية، إلى الحوار مع السلطة ،كحال(التجمع الوطني الديومقراطي) ذي الأصول القومية واليسارية، وأصحاب الاتجاهات الليبرالية الذين برزوا في العقد الأخير من الزمن ، وشكلوا لهم ندوات وتجمعات مدينية في بداية عهد الأسد الابن وأُجهضت في حينها.ومن ثم أسست المعارضة (إعلان دمشق) اكتوبر 2005 ،وعقدت (المجلس الوطني) ل(إعلان دمشق) في أواخر 2007، ضم أغلب القوى السياسية السورية ، ودعا السلطة إلى عقد (مؤتمر وطني) للحوار، يجمع كل أطياف المعارضة مع ممثلي النظام بحثاً عن مخرج لتحول سورية إلى الديموقراطية بطريقة سلمية، فجُوبهت هذه الدعوة بالاعتقالات حتى طالت أمينة المؤتمر السيدة فداء حوراني ،ابنة الزعيم الكبير أكرم حوراني،فآذن ذلك بإنغلاق أية نافذة للإصلاح ناهيك عن الحوار،وبات كل ما يُحيط السوريين يُذكرهم بحقبة الثمانينات من عسكرة المجتمع والمراقبة (الأمنية) للناس من المهد إلى اللحد .

وعلى هذا، يصبح من المتوقع أن تتجه بعض قوى المعارضة، لاسيما من أوساط (التجمُّع الوطني) وبعض الناشطين والمثقفين، إلى القبول بالحوار إذا توفرت البيئة المناسبة لنجاحه،وفي مقدمتها: الإفراج عن المعتقلين السياسيين، سحب الجيش والقوى الأمنية من المدن والشوارع،السماح للتظاهر السلمي ، وإلغاء المادة الثامنة من الدستور كمدخل لابد منه لنجاح حوار يفضي إلى صياغة خريطة طريق للانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددي ديومقراطي. وحجتهم في ذلك أن هذا السبيل كفيل،إذا صدقت نوايا السلطة، بتحويل سلمي إلى الديموقراطية .و تراهن أوساطهم على دور موقع (الرئاسة) بهذا التغيير ،مُذكِّرين بتجربة غورباتشيف في الإطاحة بالبناء السلطوي الشمولي للدولة السوفياتية وفتح الطريق للتغيير الديموقراطي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أردنيون يتضامنون مع النظام السوري ضد المؤامرة!! .. * ياسر الزعاترة

الدستور

9-7-2011

نرجو من إخوتنا السوريين ألا يؤاخذونا كأردنيين وفلسطينيين بما فعله ويفعله بعض أبناء قومنا هنا ممن يرفعون شعار التضامن مع النظام السوري ضد ما يسمونه المؤامرة، لأن الغالبية الساحقة منا تقف معهم ضد الظلم والفساد والطغيان، بمن في ذلك من كان منا يعتبر النظام جزءًا من معسكر المقاومة والممانعة (كنا من هؤلاء لاعتبارات منطقية)، والسبب أننا لا نرى المقاومة والممانعة مبررا لوضع الناس رهن العبودية، وعموما فإن فلسطين أشرف وأجلُّ من أن تكون مبررا لقمع السوريين وسلب حريتهم، لاسيما أنهم ينحازون لها ولشعبها أكثر بكثير من أي جهة أخرى.

بوسع هؤلاء الأحبة الذين التقينا معهم في دعم الكثير من قضايا الأمة أن يضعونا في مربع الذين لا يفقهون شيئا في القضايا الوطنية والقومية لأننا رفضنا الانحياز للنظام في معركته مع شعبه، ورفضنا اعتبار ما يجري مؤامرة خارجية، حتى لو ركب موجتها أو أيدها أقوام نعاديهم ويعادوننا كل العداء.

أن يؤيد أشقياء ومعتدون ومتآمرون ثورة شعب ضد الظلم، فذلك لا يعني أن الثورة خاطئة، أو أنها محض مؤامرة. فكيف حين يقف ألد الأعداء موقفا مترددا منها (الموقف الأمريكي والغربي)، فيما يرى كثيرون منهم أن وجود النظام خير من رحيله لأن شيطانا تعرفه أفضل من شيطان لا تعرفه كما يردد قطاع من الساسة والكتاب الإسرائيليين؟!

وقف كثيرون في مرحلة من المراحل مع ثورة الشعب المصري، وقبلها ثورة الشعب التونسي، فهل يعني ذلك أن الجماهير كانت متآمرة وأن نظامي حسني مبارك وبن علي كانا شريفين ووطنيين؟! وهل إن تردد السلطة «العسكرية» التالية بعدهما في اتخاذ مواقف تعبر عن ضمير جماهير الشعب يعني أن الثورة كانت مؤامرة، ولماذا إذن يواصل المصريون الاحتجاج من أجل تصحيح مسار الثورة؟!

بوسع الأحبة الذين يدافعون عن النظام السوري أن يلتقطوا واقعة من هنا وأخرى من هناك لتأكيد رؤيتهم مثل الحديث عن المؤتمر الذي نظمه الصهيوني برنار ليفي في باريس، والذي أخطأ الإخوان بمشاركة أحدهم فيه (رفض المشاركة قطاع كبير من المعارضة، ومن ضمنهم رموز من الإخوان، وعموما هو مجرد مؤتمر عابر من مؤتمرات كثيرة أكثر أهمية للمعارضة)، ومثل الاستشهاد بتصريح (نعتبره خطأ على أية حال) لمراقب الإخوان السوريين السابق (البيانوني) وُضع له عنوان مزور على «يوتيوب»، لأن الرجل لم يعترف بإسرائيل، وإنما قال إنه «إذا طبقت قرارات الشرعية الدولية يمكن أن تعيش المنطقة بسلام». مع ضرورة الإشارة إلى رفض ذات الرجل المشاركة في مؤتمر برنار ليفي بسبب مواقفه الصهيونية.

كل ذلك لا يمنحهم (أعني من يدافعون عن النظام) الحق في التشكيك بالشعب السوري الذي تقف غالبيته الساحقة ضد النظام، في ذات الوقت الذي يقف مع قضايا الأمة ولا يساوم عليها، وفي حال تمكن هذا الشعب من الإطاحة بنظام أمني شرس، فلن يكون من الصعب عليه الإطاحة بأية مؤامرة، إذ صحّ أن ثمة مؤامرة بالفعل. وعموما فإن الوصاية على الشعوب بهذه الطريقة المتعالية هي مرض يستوطن عقول بعض النخب مع الأسف الشديد، ولو حكّموا عقولهم لرفضوا الانخراط في سلك «الشبيحة» بشتى أصنافهم.

ليس بوسع هؤلاء النظر إلى موقف الإسلاميين من النظام السوري بوصفه انحيازا للإخوان السوريين الذي يشكلون طيفا من الناس، لأن الموقف هو في جوهره انحياز للحرية أكثر من أي شيء آخر، وإذ صحّ أنهم (أي الإسلاميين) قد ترددوا بعض الشيء في موضوع البحرين فلاعتبارات تتعلق بموقف شعوب الخليج كلها مما يجري، وربما سائر الشعوب العربية الأخرى بسبب الحشد المذهبي الذي يجتاح المنطقة، والذي لا تتردد إيران في منحه المزيد من الوقود بممارساتها، ومن ضمنها هذا الانحياز السافر للنظام السوري الذي تفوح منه رائحة الطائفية.

الغريب أن التيار القومي واليساري هنا في الأردن هو المدافع الشرس عن النظام السوري، بينما لم نعثر على شيء من ذلك في مواقف التيار ذاته في مصر على سبيل المثال، ولا نعرف إن كان أولئك يعانون مثلنا من نقص هرمونات الوطنية والقومية، أم أن انحيازهم للحرية يتفوق على انحياز أصحابنا هنا إليها؟!

المثير للدهشة أن بعض القوميين واليساريين المنحازين للنظام السوري (نكرر بعض)، يدافعون عن النظام الليبي أيضا، وهنا تتبدى المفارقة، لأن الأخير ليس مقاوما ولا ممانعا، بل تسوّل بقاءه في السلطة عبر الدوس على كل المعاني القومية والوطنية، وهو اليوم يملك الاستعداد للمزيد من الانبطاح لو مُنح الفرصة.

وما دام أصحابنا شطارا في التقاط التصريحات وتوظيفها، فإننا نجد من الواجب تذكيرهم بتصريحات رامي مخلوف (ابن خال الرئيس) لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، والتي قايض فيها أمن سوريا بأمن الكيان الصهيوني.

هناك نقاط كثيرة لا تستحق الرد في كلام أصحابنا مثل حديثهم عن البعد الطائفي الذي يتورط فيه النظام وليس الشعب، أو تآمر الجزيرة (كانت عظيمة قبل ذلك) أو مؤامرة تفكيك المنطقة، لكن ما قلناه يبدو كافيا، لا لإقناعهم بالعدول عن موقفهم، بل لتوضيح الموقف لمن يمكن أن يُخدعوا بمثل هذا الخطاب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسطورة المؤامرة في الإعلام السوري .. د. عبد الله تركماني

القدس العربي

9-7-2011

في عصر المعلوماتية والفضائيات المفتوحة على حقائق الصور المعبّرة يبدو واضحاً، منذ بداية اندلاع التظاهرات الشعبية السورية في 15 مارس/آذار الماضي، أنّ إصرار السلطات على استبعاد وسائل الإعلام العربية والدولية من الحضور، وكذلك منع منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية من رصد الانتهاكات في المدن السورية، وإصرارها على أن تكون الراوي الوحيد والمعتمَد على ما يُرتكب من فظائع الشبيحة وقوات الأمن، تعني أنها ترتكب من الآثام الكبيرة مما لا تريد 'له أن يصل إلى العرب والعالم الخارجي فيُفتضح أمرها' وتتأكد جرائمها، وتفتقد شرعيتها، وتدنو ساعة رحيلها.

فور اندلاع الحراك الشعبي بادرت الماكينة الإعلامية الى اعتماد نظرية المؤامرة، وهي نظرية لا تغيب عن الأدبيات السياسية السورية الرسمية إلا لتطل كلما لاحت بوادر أزمة ما، كما أنها تنفق الكثير من وقتها وأموالها وكوادرها لتضليل الناس والتشويش على الإعلام الحر: تبتدع شهود عيان مزورين، وتنتج مواد مصورة ملفقة، وتضع واجهات مراكز دراسات استراتيجية لتسويق نظريتها في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بل تحاول اختراق المؤتمر التشاوري لنشطاء ومثقفي الشأن العام المعارضين في فندق سمير أميس بدمشق.

وعندما تلجأ السلطة إلى منع وسائل الإعلام العربية والعالمية من تغطية الأحداث كشاهد محايد، وعندما تمنع هيئات حقوق الإنسان من الوصول إلى ميادين المدن والبلدات التي استخدمت فيها الدبابات والمدافع الثقيلة والمروحيات واستُخدم فيها الرصاص الحي والتعذيب - حتى ضد الأطفال - لنقل الصورة الحقيقية، فإنها في حقيقة الأمر تؤكد أنها عقدت العزم منذ بداية الحراك الشعبي - على ارتكاب جرائم بشعة، مما يقتضي إبعاد الشهود ومنع كاميرات الفضائيات.

فقد أعقب سياسة الرد بالقوة والاعتقال البدء بحملات إعلامية، ركزت فيها الأجهزة الإعلامية الرسمية على فكرة المؤامرة والتدخلات الخارجية، قبل أن تبدأ الحملة الكلام عن 'العصابات المسلحة' و'الإمارات السلفية' ذات الشعارات الطائفية، وصولاً إلى الكلام عن عمليات استهداف الجيش والقوى الأمنية.

إنّ الإعلام السوري يعيش في العصور الحجرية وكأنه لا يعلم بأنّ العالم أصبح قرية صغيرة بفضل التقدم الهائل في تكنولوجيا وسائل الاتصال المتطورة والحديثة، خاصة المواقع الإلكترونية للتواصل الاجتماعي. ومما يؤكد فشل هذا الإعلام أنه إما جاهل في كيفية التعامل مع الأحداث أو أنه أداة تستقبل ما يؤمر به وينفذ فقط، أي أنه جهاز لا يختلف عن أجهزة الأمن التي تفرض عليه ما يقول وما يرسل عبر التلفزيون السوري. وعلى سبيل المثال نسمع كثيراً أنّ بعض 'المتآمرين' نفّذوا في بعض المدن السورية أعمالاً تخريبية، أو أنّ بعض 'المندسين' في صفوف المتظاهرين استخدموا الرصاص ضد التظاهرات، أو أنّ بعض 'العملاء' قاموا بحرق المنشآت العامة واعتدوا على أملاك الدولة. ولم يضع الإعلام الرسمي في اعتباره أنّ مثل هذه الادعاءات - إن صحت - لابد من توثيقها بالصوت والصورة وهي مهمة الإعلام الحديث اليوم، أما أن يكتفي بهذه الأقوال في ظل غياب الشفافية فإنّ مصداقيته ضعيفة. وبين يدي الإعلام العربي والعالمي اليوم ما يكفي من الوثائق والأرقام والأسماء والفيديوهات التي تكذِّب السلطة السورية وإعلامها.

ففي البداية ادعى الإعلام السوري أنّ وراء التظاهرات جهات خارجية، فاعتُقِل أحد الناشطين المصرين وأُجبِر على الاعتراف، كما نقل التلفزيون السوري الرسمي، بأنه عميل لجهات أجنبية، ولكنّ السلطة السورية اضطرت لإطلاق سراحه بعد أيام لأنّ لديه جنسية أمريكية، وقد تحدث الرجل حين وصل إلى القاهرة عما حدث معه فسقطت ألاعيب السلطة السورية.

كما قدم مراسل وكالة ' رويترز ' للأنباء سليمان الخالدي، في 27 مايو/أيار الماضي، شهادة عما يجري في سورية من تعذيب للمتظاهرين، قائلاً: 'كان الشاب معلقاً من قدميه ومتدلياً رأساً على عقب وتسيل رغاوي بيضاء من فمه وكان أنينه غير بشري. هذا مشهد من مشاهد كثيرة للامتهان الإنساني التي رأيتها خلال استضافتي بالإكراه في المخابرات السورية حين اعتقلت في دمشق بعد أن قمت بتغطية أنباء الاحتجاجات في مدينة درعا بجنوب سورية'.

أما الباحثة البولندية باتريسيا ساسنال فقد قالت في رسالة خاصة أرسلتها لرئيس تحرير الموقع الإلكتروني 'كلنا شركاء في الوطن' في 3 يوليو/تموز الجاري: أود أن ألفت انتباهكم لكيفية قيام وكالة الأنباء الوطنية السورية 'سانا' بتشويه تعليقات حول حلقة دراسية عقدت في وارسو الأسبوع الماضي حول 'ربيع العرب'. إذ أشارت ساسنال، التي تختص في سياسات الشرق الأوسط في المعهد البولندي للشؤون الدولية، إلى أنها قالت بأنّ النتيجة الأكثر احتمالاً هي 'أن ينجو النظام السوري من هذه المرحلة، رغم أنه سيكون أضعف بشكل كبيرô'. لكنّ 'سانا' نقلت عن لسانها 'إنّ سورية ستجتاز الأزمة التي تمر بها وهي أكثر قوة'.

وهكذا كان التضليل ينضح من كلمات الإعلام السوري الرسمي، ومن أشداق محطاته التلفزية والإذاعية، وكان جهد العاملين فيه، وجهد من يقف وراءهم، يتركز على فبركة واقع لا يمت إلى واقع سورية بصلة، ينقسم السوريون فيه إلى 'أقلية مضلَلة ومجرمة وقاتلة' لا بد من تصفيتها، وأغلبية مخلصة طيبة قدر ما هي بريئة، من الضروري إنقاذها، ب'سفك دماء الأقلية المجرمة'. وهذا الواقع المصطنع والوهمي تترتب عليه نتائج عملية على قدر استثنائي من الخطورة، أقله أنه يدعو السوريين إلى قتل بعضهم بعضاً.

لقد خسرت السلطة الأمنية معركتها الإعلامية، إذ أنها لدلالة رمزية بالغة الأهمية أنه لأول مرة في تاريخ سورية المعاصر يستطيع إعلام الثورة الشعبية أن يفضح الإعلام الرسمي ويهزمه بأدوات بسيطة، ولكنها عصرية وذكية وماهرة وذات مصداقية عالية. فقد امتلك الثوار الشباب الأداة التي تمكّنهم من نقل صورتهم وصوتهم على نحو لم تعد فيه هذه الصور داعمة لخطاب أيديولوجي ما، بل باتت هي الخطاب في حد ذاته. وهكذا فالعالم اليوم يعرف حقيقة ودموية وفظائع ما تقوم به السلطة وأمنها وشبيحتها ضد الشعب السوري الموحد والأعزل والمسالم، ولذلك لم يعد في إمكان العديد من دول العالم تجاهل ردود فعل شعوبها.

وعليه، لا بد من وقف إعلام الدم والتحريض، إذا كان يراد للأزمة السورية الراهنة أن تُحل في أجواء من العقلانية والتوافق والحوار، وكانت هناك رغبة جدية في تفكيك البنية الأمنية للسلطة والانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية بما يرضي الشعب السوري.

إنّ منع الإعلام العربي والعالمي من مواكبة انتفاضة الشعب السوري العظيمة سمح ويسمح بتجاوز عتبة المصداقية المهنية، ويضع السلطة السورية أمام أشباح تقاتلها بأدوات الإعلام الرسمي العقيمة. وفي الواقع فإنّ التركيز على نظرية المؤامرة من

قبل الإعلام السوري لا يخدم النظام، بل العكس تماماً، ففي هذا القول الدائم إشارة ضمنية إلى تخلّي السلطة عن مسؤوليتها الأساسية في حماية مواطنيها، وملاحقة الشبيحة، لأنها هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن حماية المواطنين، واستتباب الأمن والنظام، بدلاً من الانخراط في صراع عقيم مع أدوات المؤامرة الافتراضية، والوسائط المتعددة.

وفي هذا السياق يمكن طرح مجموعة أسئلة: لماذا لا يُقتل أحد ولا تظهر العصابات المسلحة خلال التظاهرات المؤيدة للنظام، بل لماذا يُقتل الناس فقط خلال التظاهرات المعارضة ولماذا تظهر العصابات المسلحة في الأماكن التي شهدت تظاهرات واحتجاجات ضد النظام والرئيس بشار الأسد أو طالبت بإسقاطه ؟ ولماذا يصف الإعلام السوري التظاهرات المعارضة بالقليلة العدد ويقدر المشتركين فيها فقط بالمئات، فيما يصر على مليونية أية تظاهرة مؤيدة للنظام؟ ولماذا يصور التلفزيون السوري، وهو تلفزيون الدولة السورية يشارك كل السوريين في ميزانيته من خلال الضرائب التي يدفعونها، في تصوير التظاهرات المؤيدة على الهواء مباشرة بينما لا يصور تظاهرات الجزء الآخر من الشعب السوري؟ ولماذا لم تسمح السلطات السورية للصحافة العربية والدولية بالدخول إلى سورية إذا كان هناك متطرفون وسلفيون وعصابات مسلحة، أليس السماح للصحافة ووسائل الإعلام الأجنبية أفضل وأكثر فائدة للحكومة السورية التي 'تتصدى' للإرهاب والمسلحين التكفيريين؟

إنّ هذا الإعلام يستمد أسلوبه وتوصيفاته الجاهزة ولغته الخشبية وتعابيره الجوفاء المكررة، التي حفظها الناس ويتوقعونها في كل مرة يظهر مقدم النشرات الإخبارية على شاشة التلفزيون السوري، من فكر النظام نفسه وبنيته الأمنية ونظرته الوصائية لمطالب شعبه وإنكاره لوجود معارضة مستقلة، واستعداده الدائم لنسبة أي تحرك يطالب بالتغيير الديمقراطي إلى نظرية الاستهداف الخارجي.

إنه يعيش عالمه الخاص ولا يوحي بتعاطٍ يرتقي إلى أزمة عميقة تطال جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وتهدد مستقبل الدولة السورية، فلا يكفيه أن ينقل موقف السلطة وروايتها كمن يغني في غرفة مغلقة فلا يسمع إلا نفسه. وأمام إصراره على روايته واتهام وسائل الإعلام باستهداف سورية، فإنّ المطلوب من السلطة أن تسمح لوسائل الإعلام بأن تغطي الواقع السوري، وفي هذه الحالة لا يمكن لوسائل إعلام متعددة أن تجمع على تزوير الحقائق، حتى لو أرادت. ومن المؤكد أنه لا يمكنها تجميل وجهها الخارجي بواسطة بضعة مراسلين ينتمون إلى مؤسسات إعلامية بريطانية وأمريكية مختلفة، سمحت لهم مؤخراً بالتغطية الإعلامية برفقة مراقبين أمنيين.

إنّ الثورة السورية تتصاعد وهي تشطب كل يوم أساطير شاعت عن المؤامرة الخارجية، وعن الجهات الداخلية التي كادت تبدو كأنها ميليشيات علنية مسلحة، أو خلايا سرية نائمة استفاقت فجأة لحظة اندلاع الحراك الشعبي. ويبحث نشطاؤها عن أفضل السبل لتفكيك 'مملكة الخوف' وإعادة بناء جمهورية المواطنة، والانتقال بسورية إلى دولة مدنية ديمقراطية لكل أبنائها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: تدخل امريكي مرفوض .. عبد الباري عطوان

2011-07-08

القدس العربي

 بعد خمسة اشهر من انطلاقة فعاليات الانتفاضة الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي، مازال المشهد السوري على حاله، مئات الآلاف من المحتجين ينزلون الى الشوارع رافعين شعارات تطالب بسقوط النظام، بينما تقوم قوات الامن في المقابل باطلاق النار لتفريق الاحتجاجات، مما يؤدي الى سقوط العشرات من الشهداء.

رهان السلطات السورية على 'تعب' الشعب او استسلامه بسبب شراسة الحلول الامنية، وتزايد اعداد ضحاياه، نتيجة لتغولها، ثبت فشله، فمن الواضح ومن خلال التصاعد المطرد في اعداد الضحايا اسبوعياً، ان الشعب لم يتعب، ولم يرفع الراية البيضاء، ومستعد للسير في الطريق نفسه مهما تضخم حجم التضحيات.

مدينة 'حماة' التي شهدت المجزرة الاكثر بشاعة في التاريخ السوري بمختلف حقباته، استعادت زمام المبادرة، واصبحت الميدان الرئيسي للمواجهة بين الشعب والسلطات الحاكمة، وينعكس ذلك بوضوح من خلال نزول نصف مليون انسان كل يوم جمعة في ميادينها، وشوارعها الرئيسية، للمطالبة بالتغيير الديمقراطي.

حدثان رئيسيان يمكن ان يحدثا انقلاباً رئيسياً في المشهد السوري، الاول: زيارة سفيري الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا للمدينة 'حماة' يوم امس بهدف التضامن مع المحتجين والاتصال بقادتهم حسبما جاء في البيان الرسمي الامريكي. الثاني: اغتيال 'مغني الثورة' ابراهيم قاشوش مثلما يطلق عليه في المدينة، بطريقة بشعة باستئصال حنجرته، والقذف بجثته في نهر العاصي.

السلطات السورية اتهمت السفير الامريكي روبرت فورد بتقويض جهود الحكومة السورية الرامية الى نزع فتيل الاحتجاجات، وقالت الدكتورة بثينة شعبان الناطقة باسم الرئيس بشار الاسد ان المستر فورد اجرى اتصالات واقام صلات مع المسلحين، ووصفت هذه الزيارة التي قالت انها غير مرخصة بانها 'تنتهك الاعراف الدبلوماسية'.

الدكتورة شعبان استخدمت تعبير 'غير المرخصة' في الاشارة الى زيارة السفير الامريكي لمدينة حماة، ربما للتفريق بينها وبين زيارة سابقة قام بها السفير الامريكي الى جانب عدد من السفراء الاجانب الآخرين الى مدينة جسر الشغور قرب الحدود التركية، بدعوة من الحكومة السورية للتعرف على حقيقة الاوضاع فيها، وخاصة وجود مسلحين متطرفين اطلقوا النار على قوات الامن وقتلوا العشرات منها.

' ' '

السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، هو حول اسباب عدم منع قوات الامن السورية للسفيرين الامريكي والفرنسي من زيارة المدينة، وانتهاك الاعراف الدبلوماسية بالتالي، فالامن السوري يعرف 'دبيب النملة'، ومن غير المنطقي القول بانه لم يعلم مسبقاً بهذه الزيارة، واذا لم يكن يعلم فعلاً فانها كارثة وان كنا نشك في ذلك.

التقليد المتبع في العرف الدبلوماسي، هو استدعاء الدولة المضيفة لاي سفير يخترق القواعد والقوانين، ويخرج عن مهامه المحددة له وفق المعاهدات الدولية بشأن العمل الدبلوماسي، وخاصة التدخل في الشؤون الداخلية، يتم استدعاؤه وتوبيخه، وقد يلحق ذلك ابعاده من البلاد، في غضون مدة محددة، غالباً ما تكون ساعات، عقاباً له.

لا نعرف ما اذا كانت السلطات السورية ستذهب الى هذا الحد في تعاطيها مع اختراق السفيرين الامريكي والفرنسي، ام انها ستكتفي بانتقاداتها الاعلامية لهما، تجنباً لازمة دبلوماسية قد تنشأ مع حكومتيهما، خاصة انها بذلت جهداً كبيراً لعودتهما الى دمشق، وفي حالة السفير الامريكي على وجه التحديد.

الانتفاضة الشعبية الديمقراطية السورية ليست بحاجة الى تضامن السفير الامريكي معها لانها قامت بشكل عفوي، ورداً على ممارسات ديكتاتورية قمعية اذلت اجهزتها الامنية الشعب السوري وصادرت حرياته وحقوقه المشروعة في التعبير والمشاركة في الحكم في اطار مؤسسات تنفيذية وتشريعية منتخبة عبر صناديق اقتراع في انتخابات حرة ونزيهة.

بمعنى آخر، هذه الانتفاضة لم تكن بايعاز من امريكا او تحريض من فرنسا، وكان المفجر لها إقدام قوات الامن في مدينة درعا على اعتقال اطفال صغار، وتعذيبهم، واهانة ابائهم لانهم كتبوا شعاراً على حائط يطالب باسقاط النظام.

السفيران الامريكي والفرنسي الحقا ضرراً كبيراً بهذه الانتفاضة الشعبية العفوية بزيارتهما الى مدينة حماة، واظهار التضامن مع اهلها، وقدما في الوقت نفسه هدية ثمينة للسلطات السورية يمكن ان تستخدمها ضد الانتفاضة وقيادتها، وقد بدأت عمليات 'التوظيف' لها بالايحاء بان قوى خارجية وامريكا على وجه التحديد، تقف خلف هذه الانتفاضة.

الشعب السوري، بشقيه في الداخل والخارج اكد دائماً على رفضه اي تدخل خارجي في شؤون ثورته، وقاطعت الغالبية الساحقة من جماعات المعارضة السورية في الخارج المؤتمر الذي اشرف على تنظيمه برنارد هنري ليفي الفيلسوف الفرنسي المدافع الاشرس عن اسرائيل وسياساتها العدوانية وجرائم حربها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة واللبنانيين في جنوب لبنان.

من الواضح، وبعد احتجاجات امس، ان فرصة الحوار التي طرحتها السلطات السورية على شخصيات وفعاليات المعارضة الداخلية، قد تبخرت ووصلت الى طريق مسدود حتى قبل ان تبدأ الخطوات العملية لتطبيقها على الارض. فالهوة واسعة بين السلطة والمعارضة، بل وتزداد اتساعاً جمعة بعد اخرى مما يعني ان الامور تتجه وبسرعة نحو المزيد من التأزم، فالمعارضة في غالبيتها الساحقة مصرة على شعارها بحتمية تغيير النظام، والنظام متمسك بالحلول الامنية، اعتقاداً منه انها الطريق الوحيد للوصول الى بر الامان والبقاء بالتالي.

الحوار يحتاج الى تهيئة مناخات الثقة بين جميع الاطراف حتى يبدأ ويعطي ثماره امناً واستقراراً وشراكة ديمقراطية حقيقية، ولا نعتقد ان هذه المناخات موجودة الآن، او ان اياً من الطرفين يسعيان لايجادها، وان كان النظام يتحمل المسؤولية الاكبر في هذا المضمار.

فكيف يمكن ان ينجح هذا الحوار عندما نشاهد 'مطرب الثورة' ابراهيم قاشوش وقد اغتيل بهذه الطريقة البشعة التي توحي بان النظام غير مستعد لتحمل حنجرته واغانيه الانتقادية، وكيف يمكن ان يثمر هذا الحوار مناخات للثقة، واحد رجالات النظام ينهال ضرباً ولكماً على احد المشاركين في لقاء سميراميس للمعارضة وامام عدسات التلفزة لانه هتف باسقاط النظام.

الشعب يطلق اسم 'لا للحوار' كشعار لاحتجاجات يوم امس، والنظام يواصل استخدام حلوله الامنية بالشراسة نفسها، والسفيران الفرنسي والامريكي يحاولان ركوب الانتفاضة دون ان يطلب منهما احد اي تضامن او مساندة، فالخلاصة التي يمكن التوصل اليها هي القول بان ايام سورية المقبلة صعبة واكثر دموية، وهذا امر مؤلم بكل المقاييس.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون في حماية السفراء .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

9-7-2011

ليس من السهل التصديق أن السفيرين الأميركي والفرنسي في دمشق قد انتقلا إلى محافظة حماه لمتابعة ما يحدث هناك من مظاهرات شعبية، وتطويق أمني مكثف من قبل الجيش السوري للمدينة، من دون علم السلطات السورية.

فالنظام السوري كان يحشد قواته حول مدينة حماه طوال الأسبوع، تحسبا ليوم أمس الجمعة، وضمان عدم تكرار ما حدث في جمعة «ارحل» الماضية، وكان العالم كله يراقب، عن كثب، ويحذر من أن دخول القوات السورية إلى حماه بالشكل المرتقب من شأنه أن يُحدث كارثة إنسانية بتلك المدينة.. وعليه فقد تحرك المجتمع الدولي، وبالطبع السفراء الغربيون لدى سوريا، للحيلولة دون حدوث ذلك.

من هنا، فإن المتابع لا يملك إلا الاستغراب من التصعيد السوري ضد السفيرين الأميركي والفرنسي، خصوصا البيان الذي أصدرته الداخلية السورية وقالت فيه: إن «السفير الأميركي التقى، في حماه، بعض المخربين، وحضهم على التظاهر والعنف ورفض الحوار». وأضاف البيان أن الوزارة «استغربت وصول السفير الأميركي إلى حماه بشكل يتعارض مع الأعراف الدبلوماسية، على الرغم من وجود الحواجز التي يسيطر عليها المخربون وقطع الطرقات ومنع المواطنين من الوصول إلى أعمالهم ووظائفهم».

فإذا كانت الداخلية السورية تستغرب وصول السفير الأميركي إلى حماه، على الرغم من قطع الطرق والحواجز، كما قيل في البيان، فإن المتابع لا يملك أيضا إلا الاستغراب من كيفية تمكن السفيرين الأميركي والفرنسي من مغادرة دمشق والوصول إلى حماه من دون أن تشعر الداخلية السورية بذلك. فسوريا دولة بوليسية بمعنى الكلمة، فكيف لم يتنبه أو يعلم الأمن السوري بوصول السفيرين إلى حماه؟ فهل هذا يعني أن قبضة النظام السوري قد بدأت تهتز في سوريا؟ وهذا ليس كل شيء بالطبع، فعندما يقول النظام السوري إن السفير الأميركي يقوم بعملية تحريض، فقط لأنه قام بزيارة حماه، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة هو: إذن، لماذا أخذ النظام السوري السفراء الأجانب، ومنهم السفير الأميركي، إلى منطقة جسر الشغور قبل أسابيع، ما دام مجرد وجود السفير الأميركي بأي منطقة يعتبر «خيانة» و«تحريضا»؟

الأمر المؤسف الذي لم يتنبه له النظام السوري، والمنافحون عنه، أن أهل حماه ينعمون اليوم بالأمن بسبب وجود السفيرين الأميركي والفرنسي، وليس بسبب حكمة النظام، وهذا أمر لا يسجَّل ضد السفيرين، بقدر ما يسجَّل ضد النظام السوري الذي لم يتنبه إلى حجم ورطته في أعين السوريين؛ حيث قام النظام بعزل محافظ حماه الأسبوع الماضي لأنه ضمن لأهل المدينة أمنهم، واليوم يقوم النظام نفسه بتخوين أهل حماه نظرا لوجود السفيرين بينهم، فما لا يريد النظام رؤيته أن السوريين اليوم باتوا أكثر أمنا في حماية السفراء الأجانب، وليس بوجود الأمن السوري!

وبالطبع، فإن لذلك مدلولات كثيرة، داخليا وخارجيا، والأهم هنا هو البعد الداخلي، فبالنسبة للسوريين بكل شرائحهم وتوجهاتهم، فإن الرسالة التي وصلت لهم هي أنه لولا وجود السفراء الأجانب في حماه لفتك الأمن بالمواطنين، وهذا يعني ببساطة أن شرعية النظام السوري تتآكل بشكل كبير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية بمنظار اقتصادي .. د. صالح بكر الطيار

المدينة

10-7-2011

في حين ان كل الثورات الشعبية التي حصلت في عدة دول عربية كانت كناية عن حركات احتجاجات واعتصامات وتظاهرات يومية ، فإنها في سورية محصورة بأيام الجمعة فقط التي هي اساساً ايام العطلة الرسمية فيما يمارس المواطنون اعمالهم بشكل طبيعي وعادي في ايام الأسبوع الأخرى.

ورغم ذلك فإن القطاع الإقتصادي السوري قد مني بخسائر فادحة بدأت الآن تظهر تداعياتها السلبية بعد مضي نحو اربعة اشهر على انطلاق الحراك الشعبي السوري وهي مرشحة لمزيد من التفاقم في حال لم يتم التوصل الى حلٍ او الى تسوية ما .

فالإستثمارات باتت شبه غائبة وخاصة منها الاستثمارات الخليجية التي توقف اصحاب اكبر ثلاثة مشاريع عن العمل بها تخوفاً من تطورات الأوضاع بعد ان كانت سورية خلال العقد الأخير من الدول الجاذبة للاستثمارات نظراً للفرص المتاحة ولأجواء الاستقرار التي كانت مخيمة على البلاد .

والقطاع السياحي متوقف تماماً عن العمل الآن مما افقد البلاد ما بين 12 و 18 في المائة من اجمالي الدخل الوطني أي ما يعادل نحو 6.5 مليارات دولار ، ومما حرم نحو 11 في المائة من القوى العاملة من عملهم فارتفعت نتيجة ذلك نسبة البطالة بعد ان كانت 8 في المائة قبل نحو العام من الآن .

وعن معدلات النمو فآخر الإحصاءات تفيد ان من المتوقع ان يصل الى 3 في المائة نهاية العام 2011 مقابل 5.5 في المائة عام 2010 .

ومن الطبيعي ان تنعكس الأوضاع في البلاد على قطاعات التجارة والصناعة والزراعة وعلى حركة التصدير والاستيراد بحيث تمر جميعها في حال كبيرة من الركود وعدم القدرة على التصريف الخارجي .

وبما ان الدولة عاجزة الآن عن الزام المواطنين بدفع متوجباتهم الضرائبية فقد اضطرت السلطات المالية الى الإيفاء بالتزاماتها مما تجمع لديها من احتياط من العملات الأجنبية بحيث هبط المبلغ الإجمالي من 40 مليار دولار الى نحو 20 مليار دولار الامر الذي انعكس على القيمة الشرائية لليرة السورية التي خسرت ما بين 15 و 20 في المائة من قيمتها .

وترافق ذلك مع اقدام مصارف سورية خاصة على تحويل نحو 10 في المائة من احتياطها الى مصارف في الخارج الى حد ان هناك تداولا بأرقام تصل الى نحو 20 مليار دولار .

ولعل هذا ما حدا بالرئيس السوري بشار الأسد الى دعوة المواطنين السوريين الى ان يودع كل فرد الف ليرة سورية ( 20 دولارا ) في المصارف السورية دعماً لليرة ولتوفير السيولة للدولة لتفي بإلتزاماتها المالية .

ولا يمكن ان ننكر الانعكاسات السلبية للقرارات التي صدرت عن جهات دولية والتي فرضت عقوبات اقتصادية على رجال اعمال كبار ممن يمتلكون مليارات الدولارات مما افقد البورصة السورية حيويتها وأدى بالتالي الى هبوط في اسعار بعض الأسهم .

هذه الأوضاع ، كما هي الحال في كل الدول ، دفعت بكبار التجار الى احتكار السلع الأساسية والى رفع اسعارها وخاصة المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء .

من هذا المنطلق بات محتماً على القادة السوريين الإسراع في ايجاد الحلول الناجعة والبدء في اقرار الإصلاحات المطلوبة شعبياً وإلا فإن البلاد مقبلة على ما هو اسوأ من ذلك اقتصادياً وسياسياً وأمنياً .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حنجرة «قاشوش».. حياة أخرى! .. وليد الهلال

اليوم

10-7-2011

إبراهيم قاشوش.... اسمه الحركي بلبل الثورة السورية.. صوت حماة ... تاريخ ومكان الولادة: غير معروف!! تاريخ الوفاة 2 شعبان 1432 الموافق 3 يوليو 2011، مكان الوفاة حماة، شواهد: منشد المظاهرات المعارضة في حماة، الديانة مسلم! كم هو مغلوب على أمره المواطن العربي البسيط، ويا لها من سخرية مبكية حيث إننا نعيش في القرن الواحد والعشرين وليس معروفا تاريخ ولادة البعض منا وإنما وفاته توثقها كافة الوسائل الإعلامية والصحية والشبيحية لأنها ببساطة تحددها يد البطش الرسمي الخالي من أية ملمح من ملامح الإنسانية.

أجزاء من المعلومات السابقة نقلها موقع الويكبيديا بالعربي عن الشهيد السوري إبراهيم قاشوش الذي اغتالته قوات الأمن السوري وشبيحته ومثلت بجثته باقتلاع حنجرته التي صدحت في أرجاء حماة وكافة المدن السورية «يلا ارحل يا بشار» في جمعة ارحل التي تعد أكبر تظاهرة مليونية سلمية تطالب بإسقاط نظام الأسد والمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

النظام السوري اختار أسهل وأفظع طرق إسكات أصوات المعارضة باستئصال حنجرة إبراهيم من جسده بعد جز رقبته ورميه في نهر العاصي ولكنها للمفارقة أسهمت في تحويل كافة مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت ووسائل الإعلام إلى حنجرة «قاشوشية» حية تردد الأغنية بلا هوادة مما سيسهم بلا شك في تخليدها واعتبارها من أدبيات الثورة السورية!

فكلمات الأغنية الثورية المستلة من عمق الشارع السوري الثائر سلمياً وطريقة أدائها « عراضة حموية» تناقلتها وسائل إعلام شتى لأنها عكست تفاصيل الثورة السورية ومشهدها السياسي الملتهب بلهجة شامية حموية صادقة ومباشرة وعفوية مما سمح لها بالانتشار السريع والتأثير الكبير الذي لم يرق للجهاز الأمني السوري بالطبع.

عند استماعي لكلمات الأغنية لأول وهلة والتي تقول في جزء منها « الحريّة صارت عالباب.. ويلا ارحل يا بشار» تذكرت في الحال مسلسل باب الحارة الذي كان يعرض في رمضان لثلاث سنوات مضت حيث كان يوسف ابني يجبرني على متابعة دقائق معدودة منه قبل التقاط جريدة أو اللاتوب. المسلسل الدرامي السوري في هذه السنة لن يعتمد على الخيال الأدبي أو التأليف وإنما سنشاهده حياً وميتاً على الهواء مباشرة.

فعلى مدى الأربعة أشهر الماضية يجسد أبناء الشعب السوري التواق للحرية والكرامة فصول هذا المسلسل بعدد متزايد من الشهداء يفوق رقمه 1300 حتى الآن. لن تعوزك الحيلة لتقفي فصول وحلقات هذا المسلسل هذا العام لأن المخرج في الحكومة السورية برع بشكل كبير في تسلسل الأحداث وتطورها دراميا إلى الذروة في كافة المدن والمحافظات السورية تقريباً: فقد بدأت بكتابات طفولية بريئة على جدران درعا تطالب بالحرية والكرامة .. قابلها هجوم بالدبابات!... إلى اغتيال الطفل حمزة الخطيب وبتر أعضائه التناسلية.. إلى إنهاء عمل الإعلامية سميرة المسالمة من رئاسة تحرير صحيفة تشرين.. إلى تعاظم دور الشبيحة.. وكذبة العصابات المسلحة ودور السلفيين والإخوان المسلمين... وسقطة أمن سورية من أمن إسرائيل.. قمة الممانعة!! ... إلى الحوار بلا حوار... ليتوقف المسلسل عند لحظة كتابة هذا المقال عند إخراس صوت الثورة إبراهيم قاشوش ... ونزول مسؤولي الحكومة الأمريكية والفرنسية إلى شوارع حماة.. يا له من ذل و مهانة.. وادعاء الحكومة السورية بعدم درايتهم بهذه الزيارة. هذه أحداث كبرى تشهدها سورية تقابل بموقف عربي محير وغير مقنع ومتقاعس مهما سقنا من تبريرات سياسية وجيوسياسية وحسابات الربح والخسارة من سقوط نظام الأسد.

واختم بالقول، كرامة وأمن الإنسان هي الأهم بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو دينه أو طائفته. فلو عقدنا مقارنة ما بين أدبيات الثورة المصرية وخفة دمها وما تحمله من روح الدعابة والفكاهة والتندر وبين ما تنز به أدبيات الثورة السورية من لوعة وصور العذاب والمهانة لعرفنا الفرق بين النظامين السابق في مصر والحالي في سوريا في درجة البشاعة وارتكاب الفظائع! على الرغم من رداءة تاريخ النظامين على مستوى حقوق الإنسان العالمية. ومع هذا الصمت العربي المطبق تجاه تجاوزات النظام السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

والسفراء العرب لم يخرج منهم أحد! .. عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

10-7-2011

أحرج السفيران الأميركي والفرنسي نظراءهما السفراء العرب القابعين في مساكنهم في دمشق، بعد أن خرجا للاطلاع على مظاهرة حماه أول من أمس. خرجا من العاصمة وغامرا في ظروف خطرة قد تستهدفهما باسم الشبيحة أو المندسين، ودخلا منطقة المتظاهرين الذين قذفوهما بالورود رغم الخذلان الأميركي والعربي لهم في محنتهم الكبيرة.

موقف السفراء العرب الصامت من جنس عمل الحكومات العربية، لم أسمع ولم أر ولن أنطق، وبالتأكيد لن أغادر مبنى السفارة. وموقف الحكومات العربية تقليدي حيث إنها تاريخيا تتجنب الانحياز ضد أي حكومة «شقيقة» مهما كانت أزمتها الداخلية إلا إذا كانت على عداء معها. وهذا سر استثناء ليبيا من الحصانة الرسمية العربية حيث أيدت الحكومات العربية إيقاع عقوبات سياسية وعسكرية ضد «شقيقهم» نظام القذافي، وإرسال قوات دولية لإسقاطه. باستثناء قطر، لم تتبن أي دولة عربية موقفا منحازا للانتفاضة في سوريا رغم أن العالم العربي مصدوم مما يرى ويسمع كل يوم من قتل وتنكيل هناك.

هنا علينا أن نسجل أنه لم يخرج في تاريخ العرب مثلما خرج من المتظاهرين في سوريا، عددا وأياما. لم يحدث قط في الثورات الحديثة أن دامت الانتفاضة بمثل هذه الحدة، والمواجهات، والإصرار، والدم، والاستمرارية لأكثر من ثلاثة أشهر كما نرى في سوريا. احتجاجات سلمية أدهشت العالم بصبرها وإصرارها في مواجهة القتل المؤكد، في كل مرة تخرج مظاهرة يقتل منها لفيف من المحتجين، ثم يعود المتظاهرون غدا لنفس الشارع فيقتل مجموعة أخرى ثم يخرجون، وهكذا. أمر لم نر له مثيلا على مدى ثلاثة أشهر، وقد لا يستمر بهذه السلمية في وقت يصمت فيه العالم ولا بد أن يتحول إلى المواجهة المسلحة. المظاهرات السلمية تستمر في حال شعر المتظاهرون أن العالم يفعل شيئا، وهذا ما لا يحدث هنا!

من الطبيعي أن يتساءل البعض: ما الذي يفيد تدخل الحكومات العربية والضغط على «شقيقاتها» من الأنظمة؟ الأهم كان دفع الحكومة السورية باتجاه الحل السلمي الداخلي بالترغيب والتهديد، بإشعاره أن هذه الأنظمة لديها قوى محلية ضاغطة أيضا لا تقبل منها السكوت عما يحدث لإخوانهم في سوريا. أعتقد أن شعور النظام السوري منذ بداية الأزمة أن ظهره محمي من قبل معظم الحكومات العربية، يدافعون عنه حتى لا يعاقب في المحافل الدولية، هو الذي ورطه في الولوغ في الدم والتنكيل والقتل للمدنيين المتظاهرين المسالمين. ولو أن الحكومات سعت للضغط على النظام السوري مبكرا وحذرته من مغبة التمادي ربما كان سلوكه مختلفا، وربما ما بلغت الحالة نقطة اللاعودة التي وصلت إليها سوريا؛ الشعب يصر على الاحتجاج والنظام يستمر في القتل.

أعتقد لو مورس التدخل والضغوط الحقيقية في بداية الأزمة كان يمكن أن تنقذ النظام من نفسه، أن تردعه عن طريق العنف، وتحمله على التحاور بدلا من إرسال الشبيحة والأمن والجيش لتخويف الناس بقتلهم. فقد شعر النظام أن الجميع مستعد للسكوت عن ما يرتكبه رغم ما تذيعه وسائل الإعلام الملطخة صورها بالدماء السورية والأحداث المروعة. ولم يخرج سوى عمرو موسى، الأمين العام السابق للجامعة العربية، لينتقد ما يحدث ويحذر أنه لا يمكن للجامعة السكوت إلى الأبد عن ما يحدث من مجازر هناك. طبعا، المندوب السوري لدى الجامعة العربية يعرف أن كلام موسى ليس صحيحا، وأن الجامعة سكتت عن المجازر لأن الذي يقرر عقد الاجتماعات، وصياغة البيانات، وإقرار المواقف هم مندوبو الدول الأعضاء في الجامعة وليس الأمين العام. وبالتالي اعتبر تصريح موسى كلاما انتخابيا يريد منه إغواء الشارع المصري المتعاطف جدا مع نظيره الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لم تذهب المعارضة إلى اللقاء التشاوري في دمشق؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

10-7-2011   

ينعقد اللقاء التشاوري الذي تنظمه هيئة الحوار الوطني السورية في دمشق اليوم بمن حضر، وسط غياب لجماعات المعارضة السورية وللشخصيات الوطنية المحسوبة عليها، في خطوة بدا أنها منسقة ومتفق عليها، ولو أن أمرا بهذا الاتجاه لم يتم بحثه أساسا، مما يؤكد أن إجماع المعارضين موصول بموقف بدا أنه بديهي ومتوافق عليه بصورة ضمنية.

وعلى الرغم من أن ثمة تفاصيل أخرى، فإن السبب الرئيس لمقاطعة اللقاء والحوار تاليا، يتمثل في عدم قيام السلطات بتوفير بيئة مناسبة للحوار، كان المعارضون وجماعاتهم السياسية، أكدوا ضرورة توفيرها من أجل بدء الحوار جدي بين السلطة والمعارضة، وأهم ملامح بيئة الحوار، تتجسد في سحب قوات الجيش من مناطق انتشاره الحالية، وإعادته إلى مواقعه ولا سيما على خط وقف إطلاق النار مع القوات الإسرائيلية، وكذلك سحب القوى الأمنية وإعادتها إلى مراكزها، وإطلاق سراح المعتقلين وسجناء الرأي والموقوفين على خلفية الأحداث والمظاهرات دون استثناء، والسماح بالتظاهر الآمن والمحروس للجمهور، ومحاسبة المسؤولين عن عمليات قتل السوريين وإحالتهم أمام القضاء، لينالوا الجزاء العادل.

وكما هو واضح، فإن توفير بيئة الحوار، التي طالب بها المعارضون أساسا لبدء الحوار، كانت تؤشر إلى وقف مسار الحل الأمني - العسكري للأزمة الراهنة، والتوجه نحو حل سياسي يمثل الحوار أحد أهم ملامحه، خاصة أن الحوار يتطلب تحديدات، تشمل تحديد المشاركين في الحوار بما في ذلك دعوة ممثلين للمحتجين والمتظاهرين، وتدقيق برنامج الحوار في الجانبين الموضوعي والزمني، وتحديد الهدف النهائي لعملية الحوار، الذي لا بد أن يؤكد ضرورة الانتقال من النظام الأمني الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي التعددي.

وعلى الرغم من إلحاح وتأكيد المعارضين، الذين التقوا مسؤولين سوريين في مراحل مختلفة ما بين أوائل أبريل (نيسان) والأسبوع الماضي، ضرورة توفير بيئة الحوار بإجراءاتها العملية وربطها بحزمة القوانين التي جرى إصدار بعضها، بينما جزء آخر تحت الإصدار - فإن السلطات السورية، لم تذهب باتجاه توفير بيئة الحوار، بل إن خطواتها في مجال إصدار القوانين التي تساعد في معالجة الأزمة مثل قانون رفع حالة الطوارئ، لم تجد لها تطبيقا عمليا، الأمر الذي جعل السوريين لا يميزون بين العيش في ظل حالة الطوارئ وفي حالة رفعها، وقد تجاهلت السلطات السورية ما كان مطلوبا منها كأساس لبيئة الحوار، وأمعنت في مسار الحل الأمني فأضافت إلى عمليات إطلاق النار توسيع دائرة حصار واقتحام المدن والقرى وتوسيع عمليات الاعتقال ومطاردة النشطاء.

لقد أضافت تلك السياسة في معالجة الأزمة بعدا جديدا إلى موضوع الحوار. فبعد أن كانت المظاهرات وحركة الاحتجاج لا ترفض فكرة الحوار في معالجة الأزمة، فإنها دخلت على خط الرفض نتيجة تطورات كان بينها توسيع حدود القمع الدموي وخاصة في ضوء ما حدث في الرستن وجسر الشغور وقبلها في درعا وريف دمشق وتلكلخ، وهي عمليات أدت إلى جانب نتائج أخرى إلى تهجير آلاف السوريين وعائلاتهم، وخصوصا نحو لبنان وتركيا في أول سابقة لها، مما جعل الحوار أبعد، بل جعله في مستوى الارتكابات من جانب المتظاهرين والمحتجين.

لقد تغيرت الأجواء المحيطة بعملية الحوار في واقعها السوري الراهن، والأساس في هذا التغيير ناتج عن السياسات والممارسات الجاري تنفيذها، وبصورة عملية يمكن القول، إن هذه السياسات والممارسات دفعت الشارع للضغط على المعارضة في الاتجاه نحو رفض المشاركة في اللقاء التشاوري وبالتالي رفض المشاركة في الحوار إذا عقدت جلساته، خاصة بعد أن جرى إعلان الجمعة الأخيرة باعتبارها «جمعة لا للحوار».

إن الحوار باعتباره طريقا لمعالجة الأزمة، التي تعيشها سوريا، هو طريق مبدئي بالنسبة لأغلبية الجماعات والشخصيات السياسية في المعارضة السورية، بل يمكن القول، إن طريق الحوار قضية مبدئية راهنا ومستقبلا بالنسبة لأغلبية السوريين، والرفض الحالي لا يمثل تحولا جوهريا في موقف السوريين من الحوار، بل هو تعبير عن رفض سياسة السلطات وممارساتها في الموضوع من حيث عدم استجابتها لتوفير بيئة الحوار من جهة، ولعدم تحديدها لما يحيط بالحوار من مضامين وتفاصيل، وتركه فكرة عائمة، يجري تناولها بصورة كيفية وغير منظمة، ولعل الأهم في ذلك إحساس كثير من السوريين، بأن فكرة الحوار بالصورة التي تطرحها هيئة الحوار، ليس هدفها البحث في الأزمة السورية ووضع حلول ومعالجات لها، أو وضع اقتراحات وتصورات تخصها بمقدار ما يمكن أن تحمله الفكرة من رسائل للخارج، تؤكد أن السلطات السورية تسعى إلى الحوار مع السوريين والمعارضين منهم لمعالجة الوضع بغض النظر عن الوقائع والنتائج.

لقد عبر معارضون سوريون ينتمي بعضهم إلى أحزاب وآخرون من شخصيات مستقلة عن اعتقادهم أن غياب المعارضة عن الحوار جعل السلطات السورية تضيع فرصة ثمينة، كان يمكن من خلالها وضع تصورات تساهم في إخراج سوريا من أزمتها. غير أن المعارضين السوريين منقسمون اليوم حول ما إذا كان من الممكن فتح باب للحوار السوري مجددا لتحقيق تلك الغاية، أو أن باب التطورات في البلاد جرى فتحه على المجهول بكل ما في المجهول من مخاوف الصراعات الداخلية أو التدخلات الخارجية، وكلاهما خيار هو الأبعد عن اهتمامات السوريين وطموحاتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متى يستريح الشام؟ ..  د. أحمد نوفل

الإثنين، 11 تموز 2011

السبيل

صيحة أطلقها منذ ست وسبعين سنة بلبل دمشق وغريد سوريا وعالمها وكاتبها ولسانها وشيخها: الشيخ علي الطنطاوي، فقد كتب تحت عنوان: إلى دمشق بلدي الحبيب، يقول: "متى يعود بلدي كما برأه الله دار السلام، ومعرض الجمال، ومثابة المجد والغنى والجلال؟ متى يرجع بردى يصفق بالرحيق السلسل؟ متى تثوب الأطيار المروعة إلى أعشاشها التي هجرتها؟ (لم يدر الشيخ أنه سيكون أحد الطيور المهاجرة، ولم يدر أن سيفوق عدد مهجري سوريا في الثمانينيات سيفوق المليون، وأن عشرين ألفاً من جسر الشغور وقرى حمص سيهجرون قراهم تحت القصف وهدير دبابات جيشهم الذي مولوه من دم قلبهم. إنها الموافقات العجيبة!)

متى تثوب الأطيار إلى أعشاشها التي هجرتها، ورغبت عنها حين سمعت المدافع ترميها بشواظها؟ متى تؤوب تلك الحمائم فتشدو في أفنان الغوطة تنشد أغنية السلام؟ متى يستريح الشام بلدي الحبيب؟ ما رأيتك استرحت يا بلدي الحبيب ساعة واحدة، فهل كتب عليك أن تظل أبداً في تعب وعناء؟

إني لم أكد أتبين نور الحياة وأبصر وجه الدنيا، حتى رأيت المدرس يدخل علينا معشر الأطفال مربد الوجه.. قال: إنها الحرب. (يقصد الحرب العالمية الأولى كما لا يخفى!) ولقد رأيناها في أسواق دمشق، وإن لم نر القتال. رأيناها عندما رأينا القتال يدور كل صباح من أجل رغيف من الخبز.. والفرن مغلق، وما فيه إلا كوة واحدة مفتوحة يقوم عليها الخباز والجندي إلى جانبه يدعو واحداً بعد واحد من الناس الذين سدوا الشارع بكثرتهم.

وما شحت السماء بالقطر ولا أجدبت الأرض ولكن حلفاءنا الألمان استأثروا بأطايب القمح وتركوا لنا شر الحنطة والشعير وليتنا وجدناه.

رأينا الحرب حين رأينا الرجال في شوارع دمشق يأكلون قشور البطيخ وينبشون المزابل من الجوع. ثم لم نعد نبصر في الشام رجالاً. لقد أكلتهم الحرب. ثم رأيناها أشد ظهوراً بطلعتها الكالحة القبيحة، حين تعودنا مرأى جثث النساء والأطفال الذين ماتوا من الجوع، نراها في غدونا إلى المدرسة ورواحنا.. عرفت الحياة في بلدي الحبيب نصفه مقبرة للأموات ونصفه مستشفى لمن ينتظر الموت.

ثم ما لبثنا أن سمعنا النذير (بعد ما هزم الألمان) فقالوا: انهضوا دافعوا عن استقلالكم الوليد، لقد جاءت القوة العاتية تخنقه في مهده (يقصد غزو فرنسا لسوريا بعد اتفاقية سايكس-بيكو وقيام هذه الدول بتنفيذ ما اتفقت عليه. واتفاقيتنا نحن مع بريطانيا ذهبت أدراج الرياح أو في مكان آخر!). وعصفت النخوة في رؤوس بنيها، فلم تمض العشية وينبثق الفجر حتى كانت دمشق كلها في بقعة الشرف في ميسلون، ولم يؤذن الظهر حتى رجعت دمشق من ميسلون، وقد تركت فيها استقلالها الوليد، وقائدها الشاب (يقصد يوسف العظمة)، صريعين مجندلين على وجه الثرى، هذا قتيل شهيد، وذاك جريح مريض، وفقدت دمشق كل شيء، ولكنها لم تفقد الشرف..

وعاد بلدي الحبيب إلى حياة الرعب والأسى والنضال. ولكنه لم يخف ولم يجبن. لقد خسر في ميسلون، ولكنه حفظ الدرس الذي ألقته عليه الحياة في ذلك اليوم. (قد يقال: كيف حفظ الدرس وهذه نكبة 67 لحقت به في سرعة ومض البرق؟ ونجيب عن الشيخ، لا كجوابه ولا بلغته السامية وفكره النفاذ، ولكن بعجزنا وعلى قدنا فنقول: الحياة مدرسة وليست درساً واحداً يكفي لكل شيء. وثانياً: إن الشعب لم يخض حرباً، ولم يخلّ بينه وبين عدوه، بل حيل بينه وبينه، ولو خلي لرأيتم! وثالثاً: رصيد التجربة والخبرة لا يضيع سدى ولكنه يتجمع رشداً وخبرة وحنكة وحكمة، ومواقف. وها إن هذا الرصيد يتجلى اليوم عزيمة وإصراراً ومقاومة ومداومة فلا تذهبن بكم الظنون بعيداً فيما قال الشيخ تظنونه إنشاء لا يطابقه الواقع!) (ونواصل مع الشيخ، وإنما نستخدم كلماته ولغته لأنه لا يلخص التاريخ قلم كقلمه ولا فكر كفكره، ولا يختزله في كبسولات مركزة باقتدار مثل الشيخ علي أعلا الله قدره في الجنان). يقول: "واستراحت دمشق حيناً، ثم قفزت قفزة اللبؤة الغضبى، فإذا هي في العرين، في الغوطة الخضراء، وإذا الأقوياء بجيشهم كله وعتادهم يقفون أمام الثائرين، وهم بضع مئات، يقودهم رجل أمي من دمشق، كان خفيراً من خفراء الأحياء، فلا يستطيع الأقوياء الظفر بهم، فيعودون حنقين، فيسلطون نيران مدافعهم على المدينة الآمنة المطمئنة، (لأنه قد اندس فيها بعض المسلحين المندسين) (ربما بررت فرنسا فعلتها وقتذاك بهذه التبريرات وهذه الذرائع وربما استخدمت اللغة نفسها من مصطلح المندسين والمسلحين.. ما أجبرها كارهة على قصف دمشق لإخراج المسلحين ألا يفعل اليهود اليوم في فلسطين هذا الفعل ويتذرعون بالذرائع إياها؟ فما الجديد في الصورة؟).

نعود إلى الشيخ يوجز وجبة من التاريخ دسمة ومرحلة حاسمة فيقول: "فلا يروعها إلا جهنم قد فتحت أبوابها من فوقها، ويمسي المساء على دمشق وثلثها خرائب كخرائب بابل، وقد كانت في الصباح أجمل وأبهى وأغنى قصور دمشق.. وتعيش دمشق سنتين وسط الرعب والنار والحديد، ثم يحل السلام، وتخرج دمشق من المعركة وقد نجحت في الامتحان الثانوي في الغوطة، كما نجحت من قبل في الامتحان الابتدائي في ميسلون.. وأحسب أنك استرحت يا بلدي الحبيب! أحسب أنك استرحت، وإذا النار تسري في أحشائك. وإذا المعارك في أسواق دمشق.. حول صناديق الانتخاب الذي أراده الأقوياء صورياً شكلياً (يقول الشيخ أعني انتخابات سنة30 وكنت يومئذ رئيس اللجنة العليا لطلاب دمشق، التي تولت هي إبطال ذلك الانتخاب). (أقول: لعبة الديمقراطية هي ذاتها والانتخابات المزورة هي عينها، بمباشرة من المستعمر أو من الوكلاء.. هي هي، لا فرق. ولا ترى ولن ترى منطقتنا انتخابات حقيقية، إلا أن تكون هناك حرية حقيقية واستقلال حقيقي، أما في ظل الاستعمار الباطن والمبطن فلا شيء حقيقي!).

نعود إلى الشيخ: "أراده –أي الانتخاب- الأقوياء صورياً.. وأباه الشعب إلا انتخاباً حقيقياً، فلما لم يكن ما يريد الشعب حطم الصناديق، وهدم قاعات الانتخاب، وانطلق ثائراً مرعداً مبرقاً، يهزأ بالحديد ويفتح صدره للبارود.. وظفر الشعب، وكيف لا يظفر وقد امتحن مرتين..

فقلنا: قد استراح، ولكنه لم يسترح، وإنما دعي إلى الامتحان العالي. (تأمل كيف يصنف الشيخ مراحل النضال إلى مراتب كمراتب الامتحانات: ابتدائي، ثانوي، دراسات عليا، يقصد الترقي في هدف النضال ودرجة الوعي، وديمومة وحرارة المواجهة، ورصيد التجربة المتحصل).

ونواصل: دعي إلى النضال الصامت المرعب، فثبت وناضل، ولبثت دمشق خمسين يوماً كاملة، وهي مضربة، ليس فيها حانوت خباز أو بقال، وليس فيها قهوة مفتوحة، ووقعت المعارك في الأسواق وعلى أبواب الجامع الأموي فأقبل النساء على الرصاص، وهجم الأطفال على الدبابات، وعزمت دمشق على الموت أو الظفر. وعرف العدو أنها لم تفل عزيمتها أبداً، ولن تلين قناتها.. فلانت قناته ودعاها إلى الصلح..

وهتفنا هذه المرة من أعماق القلوب: لقد استراحت بلادنا العزيزة، ولكن الأعراس لم تتم فهذه ألسنة النيران ورجة البركان، فماذا يحمل الغد يا زمان؟ أي مصيبة جديدة يأتينا بها؟ أكتب علينا ألا نستريح ولا نهدأ أبداً؟

ولو قدر للشيخ أن يواصل لتكلم عن الحرب الثانية، وعن نكبة48 بعدها، وعن تجربة الوحدة وفشلها وعن التأميم، وما رافق ذلك من قحط مرت به سوريا، ثم تجربة الانقلابات التي كأنها حبات مسبحة وقد انفرطت، فتتابعت انقلاباً في إثر انقلاب. والشعب يدفع الثمن. إلى أن جاء البعث بشعارات: وحدة. حرية. اشتراكية. فلا رأى الشعب لا حرية ولا وحدة ولا اشتراكية ولا عدالة اجتماعية، ولا سياسة ولا من نوع من الأنواع. وإنما رأى حزباً يستغل من طائفة تستأثر هي بكل المقدرات. ومرت دمشق وسوريا كلها بما يروع الحر ويكلم الفؤاد. واستمرت المعاناة تحت ظل البعث حكماً مباشراً ومن قبله غير مباشر قرابة نصف قرن، فما بعثت إلا الفتن، وما حورب إلا الدين والنهضة والانبعاث الحقيقي، ولقد قاسى الشعب ما قاسى وهم يقاسون ما زالوا تحت سفح قاسيون وفي كل مكان يقاسون قسوة القاسين.. وحقد الحاقدين المعتق الدفين.. (ومضى العهد السابق بدمويته وعنفه وبطشه وجاء جيل شاب قلنا معه: لعل البلد يستريح فكان ما لم يكن في الحسبان من نكال وعذاب وهوان.) فمتى تستريح يا بلدنا الحبيب، مثلما كان الشيخ يهتف من أعماق قلبه المكلوم على بلده الجريح.. متى يا بلدي تستريح؟ ولا جزع.. ولا ضجر ولا استكثار من التضحيات فالحرية غالية والأوطان تفتدى بالمهج. والتحرر من وكلاء المستعمر أصعب من التحرر من المستعمر المباشر نفسه.

وفي كل جمعة للشام كلها ولدمشق درتها ودرعا وحماة وحمص.. لكل قرية وكل ريف وكل مدينة موعد مع التحدي والشهادة والثبات والرجولة، وموعد مع المراوغين المزيفين.. المستحلين الدماء بدعوى الوطن وحريته وكرامته، وأبسط بدهيات حب الوطن حفظ كرامة من يعيشون على أرض الوطن، فما الوطن إلا ناس الوطن وأهل الوطن! فكيف تدمر هؤلاء وتزعم الإبقاء على الوطن. ولأضرب مثلاً يقرب الصورة الكاريكاتورية لهذه المزاعم: شخص بنى بيتاً لأولاده وجمله ورسمه رسماً، ثم زيّنه بحديقة فيها من كل الثمرات، وأجرى النوافير وأثث المكان بأحسن الفرش، ثم قتلهم جميعاً.. هذه صورة مثل هذا النظام. زينة الوطن شبابه. وهؤلاء مطلوبون على كل المحاور. والموت أو السجن والإذلال بانتظارهم ويقعد لهم كل مرصد! فما بقي من الوطن؟

متى يستريح الشام؟ سؤال مفعم برجاء وأمل ودعاء إلى رب الأرض والسماء أن يا رب، هذه الأرض.. أرض الشام أنت الذي باركتها، وجعلتها مهد الأنبياء والنبوات ومهبط الكتب والرسالات، وأرض الدين والدعوات، وجعلتها رباطاً إلى يوم القيامة.. وجعلتها الأقرب إلى قلوب المؤمنين بما وصفتها في كتابك وأثنى عليها رسولك ودعا لها بالبركة والخير، فأرنا في أعدائها يوماً قريباً تقر به عيون المؤمنين، وتنتقم فيها لكل الشهداء والمشردين والمعذبين، وأرنا لأهلها يوماً يستريحون فيه من ظلم القريب والبعيد.. حتى ينتهي السؤال الذي بدأه الشيخ منذ ثمانين سنة قمرية وصاح من أعماق قلبه: متى يستريح الشام.. بلدي الحبيب؟

وأختم مقالي بما ختم الشيخ به مقاله إذ قال: "إننا بنو المجد والحرية والحياة، فلا أمتعنا الله بالحياة إن لم ننتزعها من بين فكي الموت انتزاعاً.. وستحيا أنت يا بلدي الحبيب ماجداً حراً، ولو متنا نحن ماجدين أحراراً".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جوهر التوافقات السورية: تغيير النظام .. فايز سارة *

الإثنين, 11 يوليو 2011

الحياة

يكاد يتفق السوريون جميعاً على فكرة تغيير النظام في سورية، ولهذا التوافق ضرورات أبرزتها الاحداث الاخيرة، رغم ان تغيير النظام، كان بين أمور مطلوبة منذ سنوات طويلة، غير ان ذلك لم يصل الى ما فرضته تداعيات الأزمة السورية الراهنة من ضرورات للتغيير ومن دفع اطراف سياسية واجتماعية مختلفة للسير في هذا الاتجاه.

لقد بدت مطالب المتظاهرين الاولى عندما انطلقت حركة الاحتجاج في آذار الماضي محدودة. اذ ركزت على الحرية والكرامة، والتي تندرج في اطار مطالب اصلاحية، كان يمكن للنظام تحقيقها، وتكريسها واقعاً في الحياة السورية، غير ان الوقائع دفعت في اتجاه آخر، اذ ان رد السلطات القمعي والدموي على تلك المطالب الاصلاحية التي وصفت رسمياً بأنها «مطالب محقة» في وقت لاحق، دفعت المتظاهرين الى توسيع قوس مطالبهم في اتجاه المطالبة باسقاط النظام، الامر الذي يعني مغادرتهم مطالب الاصلاح الى التغيير.

وتغيير النظام، وان بدا مطلباً سياسياً، فانه في الواقع يتجاوز ذلك الى الابعد، ليصل الى تغيير انماط الحياة والتفكير والتدبير، وهو أمر ينعكس على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اضافة الى انعكاساته على السياسة بوصفها علم وفن ادارة المجتمعات، مما يعني ان توسيع المتظاهرين مطالبهم، جاء تعبيراً عن عدم رضاهم عن مختلف جوانب حياتهم التي باتوا يودون استبدالها كلياً او جزئياً حسب الاستطاعة.

ولا يقتصر التوجه الى تغيير النظام على حركة الاحتجاج والتظاهر في سورية، بل قطاع من النخبة السورية الثقافية والاجتماعية، اضافة الى الجماعات والاحزاب السياسية، يتبنون مطلب تغيير النظام، وهو أمر مثبت في برامجهم وشعاراتهم المعروفة قبل انطلاق الاحداث الحالية، والتي أعطت مطلب تغيير النظام زخماً اكبر، مما دفع هيئة تنسيق المعارضة السورية التي تشكلت أخيراً، وجمعت قسماً كبيراً من المعارضة السورية الى تأكيد توجهها نحو تغيير النظام من خلال تبني مشروع مؤتمر وطني، ينقل النظام باتجاه الديموقراطية والتعددية، وهو ما كان قد اشار الى توجه يماثله الاجتماع التشاوري الذي عقده مثقفون سوريون معارضون أخيراً بصورة علنية في دمشق، وقد صدرت اشارات اخرى للتغيير عبر فكرة مؤتمر انقاذ وطني طرحتها شخصيات وطنية وفاعليات سياسية، وكذلك عبر مبادرة لجان التنسيق المحلية، التي ابرزت رؤية قطاع من المتظاهرين لتغيير ديموقراطي مطلوب للنظام في سورية.

ان توجه الجماعات السياسية والحراك الشعبي العام نحو تغيير النظام، يستند الى نشاط سوري عام، تكرس في سنوات العقد الماضي من خلال حراك عام، اطلقت فيه وثيقتا ال 99 والالف لعامي 2000 و2001 بما فيهما من مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية، تمثل توجهاً الى نظام مغاير وبديل للنظام القائم في البلاد،

وجرى تكريس مطلب تغيير النظام لدى الجماعات السياسية المعارضة على نحو واضح في اطلاق تحالف اعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي في اواخر العام 2005، وأكدت مقررات مجلسه الوطني اواخر 2007 مطلب التغيير.

لقد قابلت السلطات السورية مطالب التغيير في العقد الماضي بمستوى كبير من التجاهل من جهة وفي الدخول بمواجهات مع المطالبين بالتغيير، فتم اغلاق المنتديات والتضييق على الحريات العامة بتصعيد السلوك الامني اضافة الى توالي الاعتقالات ضد النشطاء من المثقفين والمعارضين السياسيين، غير ان ذلك لم يمنع من اشارات الى ضرورات الاصلاح من جانب النظام والحزب الحاكم في مؤتمر حزب البعث عام 2005، لكن من دون ان تجد التوجهات الاصلاحية طريقاً للتنفيذ.

ان تصاعد الازمة الراهنة، دفعت النظام الى استعادة الحديث عن الاصلاح، بل للمضي في خطوات اعتبرت بمثابة خطوات اصلاحية من طراز رفع حالة الطوارئ والسماح بالتظاهر، وبالتوجه نحو اصدار قوانين بينها قانون للاحزاب السياسية، وقانون جديد للاعلام، ثم تطور الامر في الخطاب الاخير للرئيس الى قول بامكان تغيير الدستور كلياً او جزئياً في ضوء الحوار المرتقب، وباعتبار ان الدستور هو الناظم العام للحياة الوطنية بقطاعتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبسياقاتها السياسية، فان ذلك يعني التوجه الى تغيير النظام عند عتبة معينة.

خلاصة الامر اليوم ان السوريين متفقون على مبدأ تغيير النظام بما يعنيه من تغيير انماط حياتهم في التفكير والتدبير، غير ان ثمة تمايزاً في المستويات التي ينبغي ان يذهب اليه هذا التغيير. فالنظام يرى ان التغيير لا ينبغي ان يتعدى اصلاحات واسعة محكومة في حدوده، وتحت قيادته. فيما يطالب الآخرون بانتقال نحو نظام مغاير يقوم على الديموقراطية والتعددية والمواطنة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون. وفي ظل واقع الاختلاف هذا يظهر كلام سوري، اخذ يتردد كثيراً في الآونة الاخير، عن نظام انتقالي يكون حلقة وسيطة بين النظام الحالي والنظام المقبل. وسؤال المرحلة يتجسد في قول: هل يكون النظام الانتقالي مفتاحاً لتوافق سوري عام على محتوى التغيير المقبل، وفسحة لانتقال سلمي وهادىء نحو نظام جديد في سورية؟

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا يتشبثون بالأسد؟ .. حمد الماجد

الشرق الاوسط

11-7-2011

هل مئات الألوف من المواطنين السوريين الذين خرجوا تأييدا لحكم بشار الأسد كلهم مأجورون؟ وهل نصف المليون ليبي من الذين احتشدوا مؤخرا في باب العزيزية نصرة للقذافي كلهم من أزلام السلطة المنتفعين بأعطياتها وهباتها؟ وهل الحشود اليمنية الملايينية التي مافتئت تخرج أمام قصر الرئاسة اليمني مؤيدة لعلي عبد الله صالح وتطلق الأهازيج فرحا بأي «مبشرات» تطمينية عن صحته قد دفع لهم صبيحة كل مظاهرة؟ بل هل الذين، كل الذين، لا يزالون يدافعون إلى هذه اللحظة عن الرئيس حسني مبارك أو يتمنون لو أن الشعب نال شرف توريث ابنه السلطة هم من الحاشيات المقربة من مبارك أو التي ارتبطت مصالحها به وبابنيه وجودا وعدما؟ الجواب بالتأكيد لا، وهل كانت الملايين المصرية التي تظاهرت بعفوية لثني الرئيس جمال عبد الناصر عن قرار، أو بتعبير أدق «مسرحية»، استقالته بعد هزيمته في حرب 67 مدفوعة بالقهر والقوة أو مدفوع لها؟ الجواب مرة أخرى لا.

وبطبيعة الحال، هذا لا ينفي مطلقا وجود المنتفعين والمأجورين والمنافقين والمندسين والمتمصلحين والمتزلفين من الذين يدعون زعماءهم رغبا ورهبا. هذه الشريحة المتزلفة من البشر موجودة في كل زمان ومكان وليس في ثورات «الربيع العربي» فقط، لكنها لتفاهتها لا تعنينا في مقالة اليوم، إنما الذي يعنينا في الثورات العربية ظاهرة الحشود الجماهيرية الكبيرة التي بحت حناجرها هتافا تأييدا لزعماء سقطوا أو آيلين للسقوط، وهي التي لم تقبض مليما واحدا، مثل ذلك العامل اليمني الكادح الذي التقيته في مغسلة للثياب في حينا بالرياض يقضي فيها ما لا يقل عن 14 ساعة من أجل قوت عياله، لقد كان «يتلذذ» في الحديث عن علي عبد الله صالح وكأن الذي يتكلم ابن الرئيس من فرط حبه له وشفقته على اليمن بدونه. هذه الجماهير لا تكترث أبدا بما يقال عن استئثار الزعيم بالسلطة عشرات السنين وتوزيعه للمناصب الحساسة على الأولاد والأنساب، وكذلك نهب ثروات البلاد والبطش والقمع وسفك الدم، ولو حدثتهم عنها برروها، وفي أحسن الأحوال اعتبروها «كبوة» بسيطة لجواد أصيل. هذه الجماهير ترى من قلبها صادقة أن الزعيم إذا بطش فلعدله وإذا منح فلكرمه وإذا منع فلحكمته وإذا استبد فمن حقه، فهو الأدرى والأسلم والأعلم والأحكم.

هي إذن ظاهرة تستحق التأمل والدراسة، ولو دققنا في حال هذه الشريحة من الجماهير العربية التي هتفت وصفقت وتظاهرت بصدق لزعاماتها المستبدة لوجدنا أن ثمة عاملا مشتركا يجمع بين هذه الزعامات، وهو طول فترة الرئاسة لتبلغ الثلاثين والأربعين سنة. ولا شك أن طول المدة أحد عوامل تحلل الشخصية من كرامتها وعزتها لتبقى من حيث لا تشعر أسيرة ذليلة لشخص الزعيم الباطش تدعوه إما رغبا وإما رهبا، ولا تتصور حياة مستقرة إلا به، ويتمثل لها المستقبل مشؤوما مكفهرا بدونه، أشبه بالعبد الذي تظلم الدنيا في يوم عتقه لا يعرف إلى أين يذهب ولا كيف يسترزق ولا يتصور حياة إلا تحت كنف مولاه مهما طغى وفتك واستبد وتجبر. ولهذا فهناك بعض العبيد يرجع إلى مولاه بعد عتقه يمارس نفس مهام العبودية ولو كان مكتوبا في هويته حر طليق. لقد تنبه الغرب مبكرا لهذه الظاهرة فكبح جماح الاستبداد والاستئثار بالسلطة فوضع نظاما للانتخابات لا يجيز مطلقا للزعيم، كما في أميركا، أن يترشح أكثر من فترتين رئاسيتين مهما بلغت عظمته وذكاؤه وحنكته وقيادته وحاجة الأمة إليه، وهذا بالتحديد ما يتطلع إليه «الربيع العربي».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام الأسد وحكمة معاوية! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

11-7-2011

خرجت السيدة بثينة شعبان، مستشارة الرئيس بشار الأسد، على «بي بي سي»، مهاجمةً أميركا، وتحديدا سفيرها في دمشق، بعد زيارته الأخيرة لحماه. لكن شعبان استدركت قائلة: «إن سوريا لا تريد قطع شعرة معاوية مع الإدارة الأميركية»!

فيا سبحان الله.. الآن تذكر نظام دمشق، الحليف الوثيق لإيران، معاوية وحكمته؟ الآن أصبحت حكمة معاوية ضالة نظام الأسد الذي لم يترك فرصة إلا وطمس فيها معالم معاوية، وغيره، من تاريخ سوريا؟ فإذا كان النظام، ومستشارو الرئيس، يعون حكمة معاوية، خصوصا مقولته الشهيرة «لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها»، فكان من الأولى ألا يقطع النظام الشعرة التي بينه وبين شعبه الأعزل الذي لم يطالب إلا باحترام حقوقه وحمايتها، ولو كان النظام يعي حكمة شعرة معاوية لما قتل قرابة 72 طفلا سوريا!

ولو كان النظام يؤمن بحكمة معاوية لما تمتع أهل حماه بحماية السفير الأميركي، وليس الأمن السوري، وكم كان محقا، وذكيا، أحد قراء صحيفتنا عندما كتب مخاطبا النظام السوري على موقع الصحيفة معلقا على خبر إدانة النظام لزيارة السفير الأميركي لحماه: «أليس هذا السفير الذي بذلتم الغالي والنفيس لتعيدوه إلى دمشق؟ أليس هذا السفير الذي أرسله أوباما متجاوزا الكونغرس؟». ثم يضيف القارئ: «الظاهر أن السحر انقلب على الساحر!».

مشكلة نظام دمشق أنه يتعامل مع الداخل بالأسلوب نفسه الذي استخدمه طوال أربعة عقود تقريبا؛ أي: الحيل، والوعود. كما أن النظام يتعامل مع السوريين اليوم بالأسلوب نفسه الذي اتبعه، ويتبعه، في لبنان والمنطقة: وعود، وابتزاز، وتحايل، وخلط أوراق. فنظام دمشق لم يثبت مرة أنه وفَّى بوعد قطعه، إلا في حالة نادرة، وهي الهدوء على الحدود السورية – الإسرائيلية. وعندما أراد النظام نقض ذلك الوعد، حيث قام بإرسال الفلسطينيين إلى الحدود قبل أسابيع، فإنه قدم شبه إشعار للإسرائيليين، وذلك من خلال تصريحات رامي مخلوف، الذي قال إن إسرائيل لن تنعم بالأمن إن لم ينعم به النظام السوري. عدا عن هذا الأمر، لم يتقيد نظام دمشق، وتحديدا في السنوات العشر الأخيرة، بوعد قطعه داخليا أو خارجيا!

المؤسف أن دمشق، وبالطبع سوريا كلها، غنية بالتاريخ والتجارب، والعقول، التي بمقدورها أن تصنع سوريا حضارية، وأكثر إنسانية ورحمة بمواطنيها، بل وأكثر عقلانية سياسية، وعلى غرار شعرة معاوية بن أبي سفيان، وليس بثينة شعبان. لكن النظام قرر أن يجعل سوريا مجرد قصة أخرى من قصص التنكيل والقمع بتاريخنا الحديث! فكم هو لافت الفرق بين منظر، وهيئة، القلة التي تدافع عن نظام الأسد في الإعلام الغربي اليوم، ومن يتظاهرون ضده، وتلك قصة أخرى.. لكن المراد قوله إنه لو أدرك النظام حقا حكمة معاوية لما وصل حال سوريا والسوريين إلى ما هو عليه اليوم، ولما احتمى السوريون بالسفير الأميركي، خصوصا أن السوريين كانوا ضد أميركا قلبا وقالبا يوم احتلت العراق، لكنهم اليوم يلقون الورود على سفير واشنطن في بلادهم.. فيا سبحان مبدل الأحوال!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحوار الوطني الديمقراطي والسلاح .. د.طيب تيزيني

العرب اليوم

2011-07-12

تدور الان في سورية مجموعة من الحوارات حول مسائل راهنة ذات حساسية داخلية وخارجية. بل ان هذه الحساسية تصل في دقتها وخطورتها الى درجة قصوى واستثنائية بحيث ان نجاح الحوارات المذكورة واخفاقها قد يعادلان بقاء سورية نفسها او تفككها بصيغة او اخرى. تلك الصيغ التدميرية مثل الاولى الطائفية والاخرى الاثنية الأقوامية (القومية) والثالثة الدينية الاعتقادية والتشريعية الخ, ذلك لان الامر لم يعد يحتمل, بعد دخول الانتفاضة الشبابية مرحلة نوعية خطيرة, هي تلك التي بدأت بجعل السلاح حكما لها من قبل النظام الامني القائم, بالرغم من بقاء الفريق الثاني الشبابي ملتزما مبدأ سلمية المواجهة عموما واجمالا. ان هذه المسألة التي نحن بصددها اصبحت تتطلب بحثا علميا معمقا من قبل الباحثين والسياسيين وغيرهم. ولعل احد وجوه ذلك الكبرى يتمثل في تحديد ناحيتين كبريين تمثلان "متن" الحوار الذي نحن بصدده. اما اولاهما فهي ضبط آلية هذا الحوار في حين تتحدد ثانيتهما في اكتشاف "مسائله ومفصلاته" التي يدور الاختلاف حولها. اما المعنى بالآلية المذكورة فهو تلك القواعد او الضوابط التي يحتكم اليها الحوار المذكور في مساره المنهجي. وبتحديد اكثر, تندرج في اطار تلك الضوابط مثل الاسئلة التالية: هل هناك طرف معين من اطراف الحوار هو الذي يقوم بمهمات تأسيسها وكذلك تشكيلها (تسمية اعضائها)? وهل ذلك الطرف المعين هو الذي يمثل "بيضة القبان" في سير الحوار كما في نتائجه واستحقاقاته? بل ثمة- على صعيد الواقع السوري القائم- سؤال ساخن ومفعم بالاخطار, اذا اجيب عنه بكيفية خاطئة, وهو: هل يتم هذا الحوار الوطني تحت وقع السلاح الناري القاتل, ام يتم اللجوء الى حل سلمي وصريح وملزم وربما برعاية طرف ثالث محايد, اي بشرط ايقاف السلاح الذي يملكه ويستخدمه طرف النظام القائم?

انها,اذا شروط ذات طبيعة تأسيسية. وفي ضوء ذلك, ظهر اتجاه فريق المعارضة والمستقلين ليعلن- على الاقل في عدد من ممثليه- رفضه للمشاركة في الحوار المعني, وذلك بصيغة المفارقة القائلة بقيامه مع بقاء السلاح. في هذه الحال, اتضح اتجاه افشال الحوار, والاستمرار الخطير في استخدام السلاح. انها نتيجة خطيرة وغير حائرة على الحد الضروري من العقلانية السياسية والاحتمالية المفتوحة.

واذا بقي الامر على ذلك النحو, فان البلد ومصيره يبقيان في مهب الريح; هذا مع الاشارة الى ان القسم الثاني من الحوار الوطني ذي القدم الواحدة, وهو المتصل بالمعضلات التي ستكون موضوع الحوار, سيجري التفريط به, او على الاقل, جعله اسير السلاح نفسه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في شؤون الحوار بين النظام والمعارضة في سورية .. فراس قصاص

القدس العربي

12-7-2011

بعد تأخر بلغ أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع التظاهرات المطالبة بالحرية في سورية، وبعد ترحيل إلى لجان مختلفة وحديث بالعموميات من قبل الحكومة السورية، بدأت تظهر في الآونة الأخيرة، إرهاصات مباشرة ولقاءات تشاورية ممهدة لمرحلة تقول عنها السلطة السورية، أنها مرحلة حوار وطني يمكن للمعارضة السورية التي تعرضت لتغييب طويل ومنع سياسي كامل، المشاركة فيها.

بالتأكيد الحكومة السورية التي اختبرت الحلول الأمنية، وضخت جرعات هائلة من العنف في المجتمع السوري، من اجل القضاء على حركة الاحتجاجات السلمية المطالبة بالديمقراطية من بدايتها، أدركت أن الحوار ربما يكون مدخلها الوحيد لتجاوز الأزمة الحاصلة في سورية هذه الأيام، أو ربما للالتفاف عليها واحتوائها، أيا تكن أهداف السلطة من عرضها الحوار، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن استمرار التظاهرات المطالبة بالتغيير في سورية، واتساع رقعتها ومن ثم رسوخها يوما بعد يوم، وفشل خيارات السلطة العسكرية والأمنية رغم فداحة آثارها، ووصول الضغط الدولي على النظام في سورية حدا حرجا، وبدء ظهور التداعيات السلبية على الاقتصاد السوري نتيجة لعوامل مختلفة جميعها مرتبط باستمرار حركة الاحتجاجات وما يحمله ذلك من مخاطر مستقبلية، هي الإكراهات التي أجبرت النظام على البدء في جس الحالة السورية التي يمكن أن يخلقها الحوار، خصوصا موضوع السلطة وموقعه منها، ومصيره في حال الدخول الفعلي في مرحلة التحول الديمقراطي الذي تستدعيه الانتفاضة السورية والذي تدل كل المؤشرات على أنه لم يعد ممكنا بقاء الوضع السوري بمعزل عنه.

أما موقف المعارضة السورية الرسمي فيبدو حتى الآن غير واثق من جدية دعوة الحوار التي يتحدث عنها النظام، ولا من جدوى هذا الحوار مع سلطة كتلك، لم تتوقف قط عن زج جميع أدواتها القمعية في مواجهة هذه الاحتجاجات، بل لعل موقف المعارضة الذي لا يزال يرفض الجلوس مع نظام يوجه السلاح ضد مواطنيه، ويقتل المئات منهم دون رادع يبدو منشدا وعاكسا لإرادة السوريين الرافضة للحوار مع من تورط في قتل شعبه وقمعه دون رحمة، إن الجلوس مع السلطة بالنسبة لهؤلاء، هو في الواقع خيانة لدم من سقطوا في حركة الاحتجاجات واعتراف بشرعية تلك السلطة التي فقدت شرعيتها في نظر المحتجين، وما الدلالة التي تحملها جمعة 'لا للحوار' مع النظام الأخيرة، سواء من الاسم الذي اختير لهذه الجمعة، أو من وصول زخم الاحتجاجات فيها حدا غير مسبوق، إلا ما يؤكد رفض المحتجين للحوار مع السلطة بشكل تام.

على أن موقف المعارضة السورية المتماهي مع مطالب حركة الاحتجاجات السورية، لم يمنع من وجود أصوات أخرى لا زالت تتفاعل في الأروقة الداخلية لتلك المعارضة وفي كواليسها، ترى أن دحر الاستبداد وإنهاء حالته في البلاد إنما يعني في واقع الأمر تغييرا للنظام، وأنه بتوافر مقدمات محددة وبيئة مناسبة بالتزامن مع الاستمرار والترسخ المتوقع لحركة الاحتجاجات سيفرج الحوار مع النظام عن نتائج تطيح ببنية النظام القمعية وتفككها تماما ونهائيا. ما يشجع هذه الأصوات، على تبني هذا الفهم يتمثل في أن المعطيات الحالية المتعلقة بالوضع السوري الناشئ عن حركة الاحتجاجات السورية، تؤشر إلى امتناع الحسم النهائي لمصلحة أي من الفريقين، السلطة السورية والمحتجين، على حساب الآخر، فالمتظاهرون السوريون الذين أثبتوا قدرة فائقة على استيعاب كم القمع الهائل الذي تعتمده السلطة في مواجهتهم، ونجحوا في توسيع قاعدة الاحتجاجات ومساحاتها الاجتماعية والجغرافية، الأمر الذي أدى إلى استمرار التظاهرات السورية واكتسابها زخما إضافيا كل يوم، هؤلاء لا يتوفر لديهم ما يضمن إسقاط النظام على الطريقتين التونسية والمصرية، في ظل غياب أي مؤشر على احتمال حصول تصدعات عسكرية أو سياسية أو أمنية مهمة في جهة السلطة السورية، فالحكومة السورية لا زالت متماسكة بشكل كبير ولم تشهد انشقاقات سياسية أو عسكرية ذات تأثير، وقد لا يقود خروج الملايين إلى الشارع في كل من دمشق وحلب المدينتين الرئيسيتين في حا ل حصوله إلى سقوط النظام، في ظل التركيبة العسكرية والأمنية الحالية الموالية طائفيا للنظام السوري، لقد أثبتت قوى الأمن وفرق الجيش السوري خصوصا الفرقة الرابعة وبعض المجموعات المسلحة الموالية للسلطة التي استخدمتها في قمع المحتجين، أنها تكن الولاء للنظام وتنفذ أوامره، حتى في إطلاق النار على المتظاهرين وإن كانوا عزلا وسلميين.

هذه الصورة التي يرسمها الوضع السوري الحالي ويكملها إصرار المعارضة على الطابع السلمي لحركتها وعدم رغبتها في تكرار السيناريو الليبي ورفض غالبيتها الساحقة للتدخل الخارجي العسكري، ستجعل من تبني خيار الحوار الجدي في الأمد القريب مع النظام، الأسلوب الوحيد المناسب لتحقيق التغيير الديمقراطي دون دخول البلاد في نفق مظلم يصعب الخروج منه.

يبقى الثابت من وجهة نظر كاتب هذه السطور ،أن الحوار الذي يمكن أن ينطلق لاحقا بين السلطة والمعارضة في سورية، في حال حدوثه، لن يغير كثيرا، بل ربما لن يغير شيئا في تفاصيل الأحداث اليومية التي تشهدها سورية منذ اندلاع انتفاضة الشعب السوري في الخامس عشر من آذار/مارس الماضي، ستستمر التظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام، وسيزداد زخمها وإن على نحو بطيء، لأنها في الواقع هي وحدها الضامنة لتحقيق تغيير حقيقي وجذري يتطلع إليه الشعب السوري. كذلك استخدام العنف والقمع والاعتقالات واستهداف المتظاهرين العزل واقتحام المدن من قبل فرق الجيش الموالية للنظام كل ذلك سيستمر هو أيضا، لان هذه الأساليب ،هي الوحيدة التي تكفل للنظام السوري تأخير خروج الملايين من السوريين والتحاقهم بالتظاهرات، فهي على ما يبدو خيار السلطة الوحيد لمنع تطور الاحتجاجات إلى النقطة التي يفقد النظام فيها سيطرته نهائيا على الوضع في البلاد، وما يحمله ذلك من ضغوط إضافية عليه، اقتصادية وسياسية، داخلية وخارجية، تضعفه بشكل كبير وتضع حدا لمناوراته ومقايضاته الهادفة إن لم يكن احتلاله موقعا رئيسيا في المشهد السياسي الجديد، فبقاءه شريكا مهما وفاعلا فيه.

لكن الثابت من نفس وجهة النظر المشار إليها أعلاه، يتلخص في حقيقة أن سقوط النظام السياسي في سورية بالمعنى المفتوح للكلمة هو قدر الحال السوري في المستقبل القريب، ولا يبدو أن أحدا يمكنه إعاقة ذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذه ليست الحرية...! .. ميشيل كيلو

2011-07-11

القدس العربي

 عندما كنت طفلا صغيرا ثم شابا يافعا، كان حنا كيلو، أبي رحمه الله، يقول لي، كلما نطق لساني بحماقة: هل تعلم ما هي أكبر مصيبة يمكن أن تحل بالإنسان؟. إنها قلة العقل!. واليوم، أنا أعتقد أن أعظم مصيبة تمكن أن تحل بحركة سياسية أو بدولة هي قلة العقل: قلة عقل من يتولون أمورها ويمسكون بأعنتها، وبالمقابل، قلة عقل من يعارضونهم أو يواجهونهم.

ولعل أعظم مظاهر قلة العقل أن يكرر الناس في سلوكهم الخاص ما يرفضونه لدى خصومهم، وأن تتبنى معارضة آليات اشتغال عقل سلطة يعطله الفساد والقمع. ومن مظاهر قلة العقل أن لا يلفت أحد نظر هؤلاء إلى ما يفعلونه، ويسميه باسمه ك 'قلة عقل'، ويطالبهم بالتخلص منه قبل فوات الأوان ووقوع المصائب، إما خشية أن يؤثر في ما يبذلونه من جهود مفعمة بالتضحية والفداء والصدق من اجل تحررهم، أو خوفا من أن يفضي إلى إحباطهم وتاليا إلى إطالة عمر الأوضاع التي يثورون عليها ويضحون بحياتهم من أجل التخلص منها. إنهم يخشون أن لا يبلغ هؤلاء أهدافهم في الحالة الأولى، وأن يقوضوها بأيديهم في الثانية، فتتحول 'ثورتهم' إلى تمرد قد ينجح في إسقاط أشخاص، لكنه لا ينجح في التخلص من أبنية سياسية واقتصادية واجتماعية قائمة، يبقي استمرارها كل شيء على حاله، وإن تغيرت أشكاله.

ما العمل إذا كان من يثورون ضد واقعهم يفكرون بالآليات عينها التي يتبناها ويعتمدها الذين صنعوه؟. كان أستاذي الياس مرقص يتحدث في حالات كهذه عن ضرورة 'صفع الديماغوجيا (الغوغائية)'، وحتمية مواجهة 'الثوار' بالحقائق التي تساعدهم على التحرر من قلة عقلهم، وبالنقد الذي يبين لهم ما يمكن أن يترتب من فشل على طريقتهم في التفكير، قبل أو بعد نجاحهم. وكان ينتقد عبد الناصر لأنه يساير البعث، ولا ينتقده ويبين 'قلة عقل' قادته، ويعتبر ذلك سببا لفشل الناصرية الآتي، عن استمر قائدها على موقفه .

- في الغوغائية: كانت النظم القائمة تقمع خصومها وتشوه سمعتهم باسم شرعية ما: إلهية أو قومية أو تنموية... الخ. في الغوغائية أيضا: يقمعك 'الثوري' باسم الشعب، الشارع، الحرية، الدم، الضحايا ... الخ. وعلى سبيل المثال، فإن اجتماع المثقفين في دمشق واجه تهما رسمية جعلت من شاركوا فيه 'خونة للتحرير'، بينما جعلتهم إحدى تنسيقيات الشباب 'خونة لدماء الشهداء'. في نمط الغوغائية الرسمي، لا داعي لأن للتحذير من الفشل ولا بد من الترحيب به، فقد أخفقت النظم العربية وانتهى أمرها ولم يعد ينفع فيها نصح أو إصلاح. أما في نمطها الثاني، فمن الضروري والمفيد لفت أنظار الشباب خاصة إلى ما قد يكون بعضهم نسيه، وهو أنه صاحب عقل وعليه استعماله بحرص ودقة قدر الإمكان، وأن لاستخدامه أصولا وقواعد من الخطأ الجسيم /القاتل الاستهانة بها، وإلا كان أداة ضارة أو عديمة الأهمية في صراعهم النبيل والمعقد في سبيل أهدافهم السامية. إذا تجاهل الشباب عقولهم وأحجموا عن الإفادة منها وعن تعلم استخدامها، حلت بهم كارثة أكيدة، وعجزوا عن تغيير أي شيء في الواقع، وكانوا كمن يثورون ضدهم، مهما وقفوا على الجانب الآخر من المتراس، وقاتلوا من أجل قضية عادلة قولا وفعلا، ما دامت عدالة قضيتهم لا تكفي إطلاقا لانتصارها، إن كان المناضلون في سبيلها غير عقلانيين (كان كارل ماركس يقول: إن العقل وجد دوما لدى الإنسان، لكنه لم يوجد دوما في صورة عقلانية).

- في الغوغائية: تنتج آليات التفكير الواحدة قراءة واحدة أو متشابهة للواقع، يتقاسمها أهل النظام وأهل الثورة، مهما كانت المسافة بعيدة بينهم. كل ما في الأمر أن قراءتهم تكون واحدة جوهريا في البنية متعارضة ظاهريا في الاتجاه. في الماضي، عندما كنا فتية أغرارا ومتحمسين بصدق لقضايانا النبيلة، كان يثير دهشتنا ما تؤدي إليه أفعالنا وأفعال خصومنا لعقائديين من نتائج متماثلة أو واحدة. كانت أحزابنا تختلف عقائديا إلى درجة التعارض والتناقض، وكانت سياساتها وشعاراتها متباينة إلى حد التناقض، لكن النتائج العملية لتصرفاتها كانت تلغي تبايناتها، وتنتج الواقع عينه، بينما كانت تستخدم لغة وحججا متقاربة لتبرير مواقفها وخياراتها، أو لمهاجمة خصومها. كنا ننكر كشيوعيين أن غيرنا سيتمكن من إنتاج نظام يشبه ما سنقيمه نحن، وكان الإسلاميون والقوميون يرددون ما نقوله حول مشاريعهم. ثم جاء الواقع يكذبنا: بتشابهه وتطابق جوانب كثيرة منه، رغم اختلاف المنطلقات التي أدت إليها. ثمة إذن شيء في العمق يتخطى الظاهر اللفظي، أنتج في الماضي بنية موحدة أو متشابهة في عالم العرب يثور الشعب عليها الآن، ويرجح أن ينتج في المستقبل شيئا مماثلا لها، بنية استبدادية أشد فتكا من بنيتها، إذا لم يفكر المناضلون الجدد بهذه الظاهرة، ويفهموا أن التعامل مع الواقع من خارج عقلانيته الخاصة، وعقلانية عقولهم الموضوعية، سيؤدي إلى فشلهم في مقبلات الأيام، حتى إن نجحوا في إسقاط النظم القائمة.

- في الغوغائية: ليس هناك ولا يمكن أن يكون هناك غير وجه واحد للحقيقة هو الذي نراه نحن وننفرد به دون خلق الله جمعيا. بما أننا نمتلك الحقيقة ونعمل على هديها، فإننا نكون على حق في كل ما نفعل ويكون غيرنا على خطأ دوما. لذلك، يحق لنا إنقاذه، بالكلام وإلا فبالكرباج، فإن لم يقبل الهداية، كان من حقنا إخراسه واضطهاده لمنعه من نشر ضلاله وكفره، علما بأن الوسائل التي نختارها تكون كلها شرعية، ما دامت تخدم أمرا ساميا هو الحقيقة: حقيقتنا. عند هذه النقطة تبلغ اللاعقلانية قلة العقل أوجها، ونكون حيال جهة تمارس الإجرام المنظم وتحترفه، مهما كان اسمها وكانت رسالتها وأهدافها، باسم قيم يفترض أنها تقوض أسسه في الفكر والواقع. هنا، في هذه النقطة يعني نجاح 'الهداية' خصي الآخرين عقليا وإنسانيا والشروع في إبادتهم، فالحقيقة هنا ذاتية، ومن لا ينتمي إلى الذات لا ينتمي إلى الحقيقة ولا يستطيع حملها، لذلك يعتبر قتله واجبا إنقاذيا ورسالة سامية. عند هذا الحد، ينقلب حامل الحقيقة المزعوم إلى مجنون، بكل معنى الكلمة، ويتحول بلده، إن كان حاكما، إلى شيء يشبه مستشفى المجانين والمرضى العقليين.

- وفي الغوغائية: ليس للواقع تفاصيل ولا يكون مستقلا عن صاحب الحقيقة، وإنما تصير حقيقته نابعة من خارجه: من رغبات ونزوات وأوهام ووساوس قلة أو شخص واحد تجافي غالبا الواقع جملة وتفصيلا، وتنأى بنفسها عن حقائقه وماهيته. عند هذا الحد: يصير الكذب سيد المواقف وناظمها ومرجعيتها، ويكون على من لا يكذبون أن يذهبوا إلى المنافي أو السجون أو الموت، باعتبارهم كاذبين ومجرمين ومعادين للحقيقة.

لم أضرب أمثلة تؤكد صحة ما قلته، لأنه جلي وواضح في تصريحات وأفعال ألفناها لدى حكامنا خلال لعقود الكثيرة الأخيرة، وبدأت تبرز بدورها عند حملة الجديد والنبيل في زمننا الراهن..

تبقى ملاحظات ختامية قليلة لا بد من إيرادها، هي:

- لا توصل هذه الطريقة اللاعقلانية إلى الحرية، لسبب رئيسي هو أنها، على عكس ما تدعي، لا تنشد الحقيقة. وعلى من يطلبون بالأولى ويسعون إلى الثانية هجر هذه الطريقة دون ندم، خاصة وأنهم لن يحققوا شيئا غير الفشل من خلالها، وإن بدا لوهلة أنها مربحة هنا أوهناك. لا يوصل التعالي على الواقع واحتقار الوقائع إلى الحرية، ولا يسهم في بلوغها تحويل الحقيقة إلى قراءة ذاتية حصرية لا تقبل أي تفسير أو تأويل غير الذي يعتمده صاحبها، الذي يجعل منها ملكية خاصة يمنع الغير من بلوغها إلا عن طريقه، الأمر الذي يتعارض مع أي عقل عقلاني، كائنا ما كانت هويته.

- لا تجوز الاستهانة بدور العقل في انتصار الإرادة البشرية والتحرر الإنساني. في الثورة، ينتج الإنسان الواقع الجديد انطلاقا من رأسه: من أفكاره ونظرياته وبرامجه ورؤاه. إذا كانت هذه خاطئة أو لاعقلانية، كان ما ينتج عنها لاعقلانيا وخاطئا بدوره، وأعاد إنتاج ما ناضل وضحى في سبيل التخلص منه، ووجد نفسه أسير ما كان يرفضه، أو رهينته. وهناك أمثلة لا تعد أو تحصى على فواجع عاشها من أرادوا تغيير واقعهم واستبداله بواقع مغاير، فوجدوا أنفسهم بعد حين أسرى جديد أعاد إنتاج ما ظنوا أنه صار وراءهم.

- لن يبلغ الحرية من ينكر حق غيره في الخطأ، وفي الاجتهاد، والتفكير المستقل، ومن يرفض قولة الأشعري: الحكيم الإسلامي الكبير: 'رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب'. إذا كانت البداية إنكار حق الآخرين في الخطأ، فإن النهاية لن تكون غير فشل أي جهد ينشد الحرية، أقله لأنها لا تقوم وتعيش إلا على الاختلاف والمغايرة، ولأن البشر بطبيعتهم مخلوقات اختلاف ومغايرة!.

شن نفر قليل من شباب إحدى التنسيقيات حملة تخوين ضارية على من حضروا 'لقاء السمير أميس' من المثقفين السوريين المعارضين، انطلاقا من وساوس وأوهام انتابتهم حول ظروف ومكان عقده. ماذا كان سيفعل هؤلاء بمثقفي سورية، لو كانوا في السلطة؟. ومن كان سينجو من هؤلاء برأسه، إن كان طالب الحرية يرمي بالخيانة كل من لا يسلك سلوكه أو يختلف عنه في هذه الخطوة أو تلك؟.

بصراحة: إذا كنتم، أيها الشباب، تعتقدون أن وجهة النظر الأخرى لا يمكن أن تكون غير خيانة، فإنكم ستعيدون إنتاج الاستبداد تحت شعارات ومسميات جديدة وأشكال أخرى. ومثلما اضطهد من تثورون عليه الشعب باسم القومية والاشتراكية والعدالة والأمة والحزب والقيادة الحكيمة، ستضطهدونه أنتم باسم الحرية، التي لن تكون عندئذ غير أداة أيديولوجية تشبه أية أداة أخرى كنا نظن فيها خلاصنا فجاءتنا بالقمع والخراب!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السفير الأميركي في حماة.. عار جديد على النظام .. ياسر أبو هلالة

 11/07/2011

الغد الاردنية

لا يستطيع أن يفعلها السفير الأميركي إلا في لحظة انهيار النظام. فمع كل استغاثات درعا وأخواتها، وجسر الشغور وحمص وغيرها، اللواتي شهدن تدخلا عسكريا دمويا، لم يتحرك السفير. من الواضح أن النظام فقد مهابته واحترامه، سواء على مستوى الشعب السوري أم على مستوى الأميركيين.

قبل تحليل الزيارة لا بد من وضعها في سياقها. فأهل حماة لم يطلبوا تدخلا أجنبيا، ولا استغاثوا بالسفير. هو بادر وفق مصالح بلاده إلى زيارة المدينة لأنه يدرك أن النظام آفل والشعب باق، ولا يمكن لدولة عظمى أن تفرط بمصالحها في دولة مثل سورية. ولا يحتاج المحلل لذكاء شديد ليكتشف أهمية سورية بالنسبة للإدارة الأميركية، إن اتجهت عينها إلى الإسرائيليين أم إلى العراق أم السعودية، بلد بين النفط وإسرائيل.

يرعى السفير مصالح بلاده فيزور المدينة. يصل جامع السرجاوي الذي شكل بؤرة للاحتجاجات، فيرفض إمام الجامع مقابلته. وفي الغضون يهدد مدير فرع الأمن العسكري العميد محمد مفلح، قادة التظاهرات بإحراق المدينة لو وصلت التظاهرة إلى ساحة العاصي. يتجه السفير إلى فندق أفاميا الشام ويقابل وجهاء من المدينة ويستمع لهم. اختفى الأمن رعبا، ليس من نصف مليون متظاهر بل من سعادة السفير. وهو ما دفع متظاهرا إلى الصعود على سيارة السفير والقول إنه نظام جبان يخاف من سفير ولا يخاف من شعبه.

كل من يحترم نفسه لديه حساسية تجاه التدخل الأجنبي، وكان مصدر فخر في الثورة التونسية والمصرية غياب التدخل. على العكس كان لصالح النظامين. في اليمن تنعقد التظاهرات الجمعة المقبلة تحت عنوان لا للتدخل الأميركي، وهذا يغري بالمقارنة مع زيارة السفير. لكن الزيارة باعتبارها تدخلا تحسب على النظام انهيارا ودموية.

أكثر من ذلك تحسب على أنصار النظام السوري. لماذا لا تقوم اللجنة الأردنية المناصرة لبشار الأسد بزيارة حماة بدلا من السفير الأميركي، استيضاحا لما يجري وتثبتا من وجود السلفيين الإرهابيين والقاعدة (القاعدة لا تستهدف سفير واشنطن؟)، أو مساهمة في جهود الحوار والمصالحة، أو مشاركة للنظام في حربه ضد المشروع الإمبريالي الأميركي الصهيوني؟

لا يقومون بذلك، ويكتفون بمشاهدة قناة دنيا وترديد أكاذيبها. إننا أمام اختبارات أخلاقية وسياسية قاسية. هل يقبلون بتكرار مجزرة حماة بحجة رفض التدخل الأجنبي؟ ألم يوقف الأميركيون مجازر الصرب في البوسنة؟ كيف يمكن انتصار الثورة من دون انحياز الجيش لها أو التدخل الأجنبي؟

ما يشفع للثوار أنهم شباب أنقياء يبذلون عزيز النفوس طمعا في الحرية لشعبهم، لا يتطلعون إلى مناصب ولا مكاسب شخصية. وإذ تنقصهم الخبرة والتجربة، فهذا يلقي بالعبء على مناصريهم لتقديم النصح والمشورة والدعم والرعاية حتى لا يخترقهم الأميركيون أو الصهاينة. وباستثناء النموذج الليبي، فإن التجارب الثورية العربية كشفت رفضا للتدخل الأجنبي أيا كان مصدره.

إن النظام الذي تجرأ على ارتكاب أبشع الفظاعات بحق شعبه، جبن في الرد على السفير الأميركي، مذكرا بجبنه التاريخي بعد حرب تشرين، فمن يومها يحتفظ بحقه في الرد بالوقت المناسب الذي لا يأتي. ما يمكن الجزم به أن شعبا بهذه الشجاعة لا يحتاج تدخلا أجنبيا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحوار السوري: في المنهج .. حسام عيتاني

الثلاثاء, 12 يوليو 2011

الحياة

ليست قليلة الملاحظات التي يمكن التوقف عندها في ما خص يومي الاجتماعات التي شهدتها العاصمة السورية، وتميزا باللقاءات التشاورية لهيئة الحوار الوطني.

ربما يصدم النظر والعقل تزامن افتتاح الجلسات مع حملة مداهمات جديدة تعرضت لها مدينة حمص وأسفرت عن عدد من المعتقلين. فينهض السؤال عن معنى الحوار في ظل إفراط السلطة في اعتماد الحل الأمني. بيد انه يجوز (لغايات البحث، على ما يقال) تجاوز هذه الحقيقة والانتقال إلى ما تم تداوله في اللقاءات.

وإذا أراد القارئ الوصول إلى خلاصة وإيجاز لكلمة نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع، أمكن لمس تراجع في نبرة الخطاب السلطوي واعتراف بعمق الارتباك وفقدان البوصلة التي يعاني منها الحكم في محاولته انتزاع المبادرة من المعارضة. ولعله ليس من الظلم الكبير القول إن كلمة الشرع لم تطرح أفكاراً سياسية واكتفت بنوع من الطواف حول المسائل الإجرائية، كرفع الحظر عن عودة السوريين المعارضين في الخارج، في حين ظلت مقولات «الانتقال إلى الإيمان أن الشعب هو مصدر السلطات كباقي الدول المتقدمة»، غائمة المعنى.

وتقدم كلمة الشرع عينة على ما اتسمت به كلمات أكثر المتحدثين ومنهم المفكر الطيب تيزيني الذي أشاد كثر بدعوته إلى تفكيك الدولة الأمنية. بيد أن للقارئ أن يتساءل ما إذا كان تيزيني يجهل أن هذا النوع من الدعوات غير قابل للتنفيذ من دون الأدوات اللازمة، وتحديداً من دون وجود توازن قوى في المجتمع يفرض على الدولة تفكيك أجهزة أمنية باتت تسمي الدولة باسمها.

وليس كشفاً القول إن تفكيك الدولة الأمنية يتطلب فض التشابك بين أجهزة الأمن وبين المصالح الاقتصادية والمادية والقوى الاجتماعية التي تمسك الأجهزة بها وإن خطوات من هذا النوع تفترض وجود قضاء مستقل وصحافة حرة يمكنهما التدخل للمراقبة ولتصويب أي خلل قد يقع في سياق هذه العملية التي ستكون معقدة وطويلة وقد لا تخلو من دم ومن عنف.

يمتد هذا التشخيص إلى اللقاءات ذاتها التي جرت في معزل عن اعتراف السلطة بحصول تغير جذري في الشارع بات من المكابرة الفارغة إنكاره. فنزول مئات الآلاف في حماة وغيرها من المدن السورية يطالبون بسقوط النظام، لا يمكن تجاهله والتعامل معه على انه لم يكن. والقول، على ما ذهب الشرع، إن الحوار «ليس تنازلاً من السلطة للشعب» لا يفيد سوى في بث قناعة عند المعارضين السوريين أن النظام لم يتعلم بعد من الدروس التي لم تتوقف منذ منتصف آذار (مارس) الماضي وأنه ما زال متمسكاً برواية الإمارات السلفية والعصابات المسلحة والتآمر الخارجي.

ولعل هذه هي «عقب أخيل» في مقاربة النظام للأزمة التي تعيشها سورية: عدم القدرة على الاعتراف بوجود قوى في الشارع استطاعت بعدما دفعت دماً غزيراً وتضحيات آلاف المعتقلين أن تحوز ثقة شريحة لا يستهان بها من السوريين. لقد أثبتت هذه القوى الشبابية الحيوية والواعية لتعقيدات الموقف السوري (وفق ما أثبتت ورقة العمل التي نشرتها التنسيقيات المحلية)، إنها مؤهلة أكثر من القسم الأكبر ممن حضر مؤتمر منتجع «صحارى»، لتكون شريكاً حقيقياً في السلطة والحكم. وقد لا يطول الزمن قبل أن تصبح القوى الشابة هذه «بديلاً» ناجزاً وتاماً...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا في مرحلة عمر سليمان! .. علي ابراهيم

الشرق الاوسط

12-7-2011

يذكرنا مشهد مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق وقاطعته شخصيات كثيرة من المعارضة بالمرحلة الحرجة التي سبقت إعلان تنحي الرئيس السابق مبارك في مصر عندما أدار وقتها اللواء عمر سليمان حوارات لإنقاذ الموقف مع قوى من المعارضة المصرية، ولكن أوان الحوار كان قد فات وسقف مطالب الشارع قد ارتفع، والمحاورون لا يمثلونه، ولم تعد هناك سوى كلمة واحدة هي «ارحل».. واضطر بعدها رأس النظام إلى الرحيل.

في دمشق رأس الحوار نائب الرئيس، فاروق الشرع، وفي القاهرة كان الذي يدير جلسات الحوار أيضا نائب الرئيس، عمر سليمان. الفارق أن الشرع نائب قديم بينما كان سليمان نائبا حديثا عُيّن تحت ضغط الأزمة كإشارة وقتها من النظام إلى استعداده لعملية نقل قريبة للسلطة بعد أشهر تستبعد سيناريو توريث الحكم من الأب إلى الابن، والذي جرى في سوريا قبل سنوات.

هذا التشابه في المشهد العام لا يعني أننا أمام سيناريو متشابه على الأقل زمنيا، فالظروف على الأرض مختلفة تماما، ففي مصر كان الشارع يتمتع بحماية الجيش الذي وقف معه، وأصبحت مؤسسة الرئاسة تحت ضغط الشارع والجيش معا ولا يوجد معها سوى بلطجية، بينما في سوريا الشبيحة (المرادف السوري للبلطجية) يد واحدة مع القوات العسكرية التي تقوم بالقمع، وكان الرصاص لا يزال يسمع في مدن سوريا التي تقع تحت القمع بينما ينعقد مؤتمر الحوار، وهو ما عبر عنه أحد المشاركين من الكتّاب، الطيب تيزيني.

مع ذلك فقد سمع وشاهد السوريون مباشرة على شاشات تلفزيونهم مؤتمرا يعقد في بلدهم توجه فيه انتقادات مباشرة للنظام وتجري فيه مطالبات بتفكيك الدولة البوليسية، وهو حدث غير مسبوق بالنسبة لهم، ولو كان وقع قبل 4 أشهر لكان ثورة في حد ذاته، لكنه لم يعد هكذا الآن، ومدينة مثل حماه أخرجت نصف مليون في جمعة «لا للحوار».

وفي المؤتمر قال الشرع كلاما يستحق الانتباه إليه، فقد اعترف بأنه لولا الدماء والتضحيات الكبيرة التي قدمها السوريون في مدن كثيرة لما حدث هذا اللقاء، ولا يتصور أنه كان يقصد بذلك ما يروجه النظام عن سقوط رجال أمن برصاص عصابات مسلحة، كما قال إن اللقاء بداية حوار وطني للانتقال إلى دولة تعددية ديمقراطية يتمتع فيها جميع المواطنين بالمساواة.

وإذا نحينا جانبا كلامه الذي قاله ويعكس وضعيته كأحد شخصيات النظام الرئيسية لفترة طويلة عن وقف التظاهر غير المرخص، لأنه يؤدي إلى عنف غير مبرر على قوله، فإن الجزء الأول من كلامه يمثل اعترافا بمطالب الشارع الذي يريد إنهاء احتكار حزب البعث للسلطة والحصول على الحرية، لكن المشكلة أن فارق التوقيت عدة شهور، فمثل هذا الكلام كان يمكن أن يحل الأزمة في بدايتها، لكن الآن مع سقوط نحو 1500 قتيل وآلاف المعتقلين أصبحت عملية تهدئة الشارع وإقناعه بالحوار حتى يتحمل مسؤوليته - على حد قول بثينة شعبان في المؤتمر - تحتاج إلى أن تتحمل السلطة مسؤوليتها إذا أرادت إقناع الشارع، فتضحي ببعض رموزها التي يكرهها الناس لتشعرهم بأن هناك تغييرا، وإذا كان الشرع هو الذي سيقود الحوار فإن الشارع يجب أن يشعر أنه رجل لديه سلطة حقيقية وليس مجرد مندوب عن الرئيس، وطبعا الأهم هو سحب القوات الحكومية من المدن المحتجة ووقف أعمال القتل والقمع الدموية مثل ما حدث لصاحب شعارات الثورة في حماه إبراهيم قاشوش الذي وُجد مذبوحا من حنجرته كما قالت مواقع المعارضة.

لا نعرف ما إذا كانت هناك أصوات تفكر بشكل مختلف داخل الحكم في سوريا، فهو نظام مغلق، وإن كانت هناك بعض الإشارات على وجود ذلك مثل محافظ حماه السابق الذي أقيل، كما أن كلام الشرع فيه اعتراف صريح بفشل الحل الأمني، وكذلك بأن دماء المحتجين هي التي فرضت الحوار نحو دولة تعددية.

المشكلة أن عملية الإنقاذ في اللحظات الأخيرة بعد انهيار الحل الأمني لا جدوى منها ما لم تكن بحجم ما حدث وتتسم بالسرعة والحسم، لأن أزمة الثقة أصبحت كبيرة، ومقولة «نصف ثورة تعني حفر قبرك بنفسك» أصبحت هي السائدة. لقد حاول عمر سليمان في اللحظات الأخيرة في مصر القيام بالإنقاذ وفشل، وفي سوريا لا شيء يدعو للاعتقاد بعكس ذلك حتى الآن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرئيس يريد إسقاط النظام! .. الياس حرفوش

الاربعاء, 13 يوليو 2011

الحياة

لا شك في أنها تجربة فريدة، تلك التي يريد الرئيس بشار الأسد أن يقنع السوريين أنه يُقدم عليها. محاولة تغيير النظام من داخل النظام وبناءً على أوامر من رأس النظام نفسه. ذلك أن ما يجري الحديث عنه، إذا كان ما نسمعه هو ما تتّجه النية فعلاً إلى تحقيقه، ليس مجرد «إصلاح» للنظام. فإلغاء تفرّد حزب «البعث» بالسلطة، وفتح الباب أمام انتخابات تعددية، بما فيها إتاحة التنافس على مقعد الرئاسة، وتحرير وسائل الإعلام من سلطة الدولة وحريتها في تقرير المسموح والممنوع، وما يشكل نشره خطراً على «امن الوطن» وما لا يشكل، كل هذا ليس «إصلاحاً» وحسب. انه تغيير، بل انقلاب للنظام على ذاته، بوسائله وتحت إشرافه. أو كما عبّر المعارض لؤي حسين، مشككاً في نوايا النظام: السلطة تريد أن تفرض شكل الحوار الذي تريده هي، كما اعتادت أن تفرض شكل القمع الذي تريده.

لكن، وبعيداً عن الشكوك، هل يمكننا القول إن نظام الرئيس بشار الأسد يمهّد، بالخطوات التي يقول انه ينوي اتخاذها، لولادة سورية جديدة؟

اللقاء التشاوري الذي عقد في الأيام الماضية في مجمع «صحارى» أراد أن يرسل هذه الرسالة، رسالة الاستعداد للتغيير إلى حدود الانقلاب. وبصرف النظر عن نوعية بعض الحضور، الذين اطلق عليهم الزميل طلال سلمان في «السفير» لقب «الكتبة والفريسيين»، فقد كانت هناك إشارات لافتة: صورة الرئيس بشار الأسد لم تظلّل الكرسي الذي كان يجلس عليه نائبه فاروق الشرع. هذه بادرة قد تكون، إذا لم تخنّي الذاكرة، الأولى، ليس في عهد الرئيس السوري الحالي فقط، بل في عهد والده أيضاً. أن يُعقد لقاء سياسي في سورية، من أي نوع، من دون أن يكون تحت صورة الرئيس، ليس أمراً عادياً.

كان لافتاً كذلك أن المتشاورين «تواضعوا»، فقرروا استبدال عبارة «اللقاء التشاوري» بمؤتمر الحوار أو ما شابه، للدلالة إلى انهم يحترمون قرار الغائبين بالغياب، ولا يريدون الاستئثار بالتوصيات. ومن هنا كانت الإشارة في البيان الختامي إلى إبقاء الاتصالات مع مختلف القوى السياسية في الداخل والخارج، للتحضير لمؤتمر الحوار الوطني الذي سيعقد فور إكمال هذه الاتصالات «وبالسرعة الكلية». كل هذا من دون أن ننسى أن مشاهدي التلفزيون الرسمي السوري، الذي كان ينقل المداخلات، سمعوا للمرة الأولى عبارات من نوع «تفكيك الدولة الأمنية» أو «إلغاء المادة الثامنة» أو «إخراج السجناء الذين بقوا سنوات مديدة في السجون وهم بالآلاف».

«إصلاح» نظام كالنظام الذي أقامه حزب البعث في سورية، منذ عام 1966، بكل مؤسساته ووظائفه الحزبية والأمنية والقضائية والتعليمية، ليس أمراً بسيطاً. انه امتحان، في الوقت ذاته، لجدّية النظام أولاً، وهذا امتحان صعب، بعد مسلسل التجارب والخيبات التي مُنيت بها مطالب المعارضة السورية، وخصوصاً منذ العام ألفين. وهو امتحان، ثانياً، لقدرة النظام على التغيير الموعود، حتى لو أراد وصدقت نواياه، في وجه الأجهزة الأمنية النافذة. وما يبرر هذا الشك، الذي تتداوله جهات سياسية عليا في سورية وخارجها، هو البون الشاسع بين الوعود والالتزامات التي اعلنها الرئيس بشار الأسد في خطبه الثلاث الأخيرة، وما استمر ارتكابه في الوقت ذاته على الأرض، في مختلف المدن السورية، من أعمال قتل واستباحات واعتقالات.

جرّب رجل يدعى ميخائيل غورباتشوف «إصلاح» آلة حزبية كانت تدير الاتحاد السوفياتي، شبيهة إلى حد بعيد بالآلة التي يدير بها حزب «البعث» الدولة السورية. اطلق على تلك العملية «غلازنوست»، التي تعني «الانفتاح». لكن أجهزة الحكم في موسكو لم تكن مهيأة ولا مجهزة لانفتاح كهذا، فانهار الحزب وانهارت معه الدولة بكاملها ومعها توابعها، وصارت جزءاً من التاريخ.

ولا شك في أن الرئيس بشار الأسد يدرك معنى إدخال عبارة «الإصلاح» إلى القاموس السوري، وأكلافها المحتملة. وبقراره اللجوء إلى الجراحة، بعد فشل المسكّنات، قد يكون أدرك، بخبرته الطبية، أنها باتت الخيار الوحيد لإقناع المعارضة بجديته، ولإتاحة المجال أمامه للبقاء على رأس الحكم.

أما الاحتمال الآخر، والأكثر خطراً، وما يتخوف منه قسم كبير من المعارضين المشكّكين في جدية الإصلاحات الموعودة، فهو أن يلعب النظام لعبة الوقت، بانتظار مرور العاصفة الهوجاء الداخلية والخارجية التي تهبّ عليه، ثم تعود حليمة ... لكن الرهان على الوقت لن يكون قراراً حكيماً هذه المرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والسفارات الغربية .. رندة تقي الدين

الاربعاء, 13 يوليو 2011

الحياة

في ١٤تموز (يوليو) ٢٠٠٨ كان الرئيس بشار الأسد يستعرض إلى جانب صديق غربي جديد هو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي القوات الفرنسية بمناسبة عيد الثورة الفرنسية على جادة الشانزيليزيه. واليوم يرسل الرئيس السوري مناضلي حزب «البعث» عشية ذكرى عيد الثورة الفرنسية ليهاجموا سفارة صديقه الفرنسي السابق لأن سفيره أريك شوفالييه الذي كان اشد المدافعين عن النظام السوري الحالي، زار مدينة حماة التي شهدت تظاهرات شعبية ضخمة ضد النظام. إن النظام السوري الذي شجعه كل رئيس فرنسي منذ عهد فرنسوا ميتران على الإصلاح والتغيير لم يبالِ يوماً بمثل هذه النصائح. واليوم لم تعد ممارساته السابقة في اقتحام السفارات والهجوم عليها مقبولة. فالهجوم على سفارة الولايات المتحدة في ١٩٩٨ في دمشق كانت نتائجه سيئة جداً على العلاقة السورية الأميركية آنذاك، ولكن الأمور عادت وتحسنت بعض الشيء لأن الولايات المتحدة كانت على قناعة أن سورية أساسية للمسار السلمي المعطل. إلا أن الأيام تغيرت الآن وأصبحت الممارسات الماضية للنظام السوري من عصر ولى، لأن الشعوب العربية تغيرت والديموقراطيات الغربية تعلمت من أخطائها في دعم الأنظمة القمعية التي سقطت لأن جدار الخوف لدى الشعوب العربية سقط وثار الشباب في مصر وتونس واليمن ضد القمع والفساد ومن اجل القيم التي احتفل بها الرئيس بشار الأسد عندما كان وصديقه السابق ساركوزي يحتفلان بما أرسته الثورة الفرنسية من قيم لا علاقة للنظام السوري بها وهي الحرية والمساواة والأخوة.

واليوم نرى أن الرئيس الفرنسي الذي أعطى فرصة حقيقية للرئيس الأسد للخروج من عزلته رغم كل النصائح التي أعطيت له، يرى انه لم يعد هناك أمل في قيام النظام السوري بأي إصلاح حقيقي.

فالشعب السوري الشجاع لم ينتظر لا السفير الأميركي ولا الفرنسي ليثور. فهو شعب متعطش لحياة افضل ولحرية يطمح كل إنسان إليها، وهو شعب لا يخاف القمع وقد خرج في المدن ليطالب بأدنى حقوق الإنسان في الحرية والحياة الكريمة.

إن الهجوم على السفارات الأجنبية لن يغير في مطالب الشعب الشرعية. فالادعاء بأن كل شيء مؤامرة هو حجة أصبحت من العصور الماضية ولن تمنع الشعب عن التظاهر من اجل التغيير. إن ما قاله الوزير ألان جوبيه عن عدم قدرة النظام على القيام بالإصلاحات هو وليد خبرة طويلة بنظام بذل الغرب جهوداً كبيرة لإخراجه من عزلته لكنه لم يسمع، وبقي يردد أن كل شيء مؤامرة. فهكذا ذهب الرئيس رفيق الحريري شهيداً بحجة انه كان يعد مؤامرة. ثم وقع انقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري لأنها في نظر دمشق كانت تعد لمؤامرة. أي مؤامرة؟ لا احد يعرف. لقد فقد النظام السوري أصدقاءه العرب والأتراك، وبالأخص قطر التي عملت الكثير من اجل مساعدة الرئيس الأسد، وكل هذه الدول حاولت من دون جدوى إقناع النظام السوري بأنه ينبغي أن يضع نفسه على الطريق الصحيح على صعيد السياسة الإقليمية واللبنانية، ولكن لم يتغير شيء بل تدهورت الأمور إلى أوضاع داخلية خطيرة على النظام.

فكفى هذه الممارسات العقيمة لأنها تخبّط لنظام يعتمد القمع والقتل لصموده، وهذا غير مجدٍ للبقاء مثل نظام القذافي الذي يقتل أبناء شعبه للبقاء في سدة سلطة هشة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام في أزمة وهو مَن عليه التراجُع .. ياسين الحاج صالح *

الاربعاء, 13 يوليو 2011

الحياة

علام يدور الصراع في سورية اليوم؟ على تغيير النظام السياسي. قد يسمى هذا نظام الحزب الواحد أو النظام الأسدي. وقد تسمى سورية دولة البعث أو سورية الأسد. ما يتطلع إليه سوريون كثيرون هو طي صفحة هذا النظام، والتحول نحو أوضاع سياسية وقانونية جديدة، أقل عدوانية، وأكثر احتراماً لإنسانية السوريين.

وإذا تكلمنا بلغة تحليلية أكثر، فإن النظام القائم ينهض على مركّب سياسي - أمني - اقتصادي، هو ما لا معنى لأي تغيير سياسي في البلد من دون تفكيكه. اندغام السلطة السياسية بالأمنية بالاقتصادية هو الواقعة التي تُعرِّف النظام السوري في السنوات الأخيرة. فهو نظام حاكم متحكم مالك. في وقت سابق كان نظاماً حاكماً متحكماً، مهيمناً على العمليات الاقتصادية في البلد، من دون أن يكون مالكاً. المرحلة الأقدم من عمر النظام تشكل الطبقة الأعمق من تكوينه، أو نواته الصلبة: المركب السياسي الأمني.

هذا المركب هو ما يتعين تغييره. ويعني التغيير في هذا المقام شيئين. أولهما طي صفحة الحكم الأبدي الوراثي واستعادة الجمهورية، وثانيهما رفع الحصانة عن الأجهزة الأمنية وإخضاعها للمساءلة السياسية والاجتماعية، وتغيير عقيدتها بحيث تمسي معنية بأمن السكان والبلاد، لا بأمن النظام. ونحو هذه الدلالات للتغيير السياسي اتجهت أوضح مطالب السوريين أثناء الانتفاضة. وعبّر عنها الشعار الشهير: «الشعب يريد إسقاط النظام»! المعنى الملموس لهذا الشعار هو التخلص من المركب السياسي الأمني. أي مرة أخرى: لا حكم أبدياً، ولا حصانة أمنية.

هذا هو المطلب الجوهري للانتفاضة، بل هو تعريفها ومعناها. وهو مطلب عادل وطنياً وسياسياً وأخلاقياً، لأن الحكم الأبدي متعارض مع معنى الجمهورية، ولأنه امتياز غير عادل ولا مبرر له. ولأن حصانة الأجهزة الأمنية شيء غير عادل بدوره وغير إنساني، وقد اقترن بالعدوان على المحكومين، وبأشكال إجرامية من ممارسة السلطة.

ولأن هذا المطلب عادل وشرعي، فإن كرة التغيير في ملعب النظام. على النظام أن يبادر، الآن قبل الغد، إلى الإقرار بأن منصب الرئاسة ليس لفرد بعينه، ولا هو محصور بأسرة معينة، وبأنه ليس هناك من هم فوق المساءلة والمحاسبة.

لا يقبل النظام بذلك. يقمع ويناور ويتحايل. يريد التملص من المطالب الجوهرية التي تطرحها الانتفاضة. هذا مفهوم وغير مفاجئ. لكنه لا يغير في الأمر شيئاً. ما ليس مفهوماً أن يجعل أيٌ كان من ممانعة النظام لهذه المطالب الجوهرية مسوّغاً لإعادة النظر فيها والتفكير بمطالب أخرى. هذا لا يستقيم. هناك طرف معتد، وعليه أن ينتهي عن عدوانه. وهذا الطرف هو النظام... وأن يكون قوياً، وأن يرفض الانتهاء، وأن يمعن في الاعتداء على من يقاومون عدوانه، لا يجعل العدوان بِرّاً ولا الامتياز شرعياً. وتالياً، ليس للانتفاضة، وليس للمعارضة، أن تتعب نفسها في اقتراح أفكار مغايرة، أو أن تغير مطالبها، أو حتى تصوغها بلغة أخرى، لمجرد أن النظام لن يستجيب لها. طبعاً النظام لن يستجيب ما استطاع، لكنه ليس الحكم العادل في شأن السياسة الصحيحة والمطالب الصحيحة للشعب السوري. ومن الخرق وسوء التفكير والتدبير معاً أن نفكر في تغيير الحلول في حين ان المشكلة ثابتة لا تتغير. هذه مكافأة لعناد النظام، لا تجوز من خصومه. النظام في أزمة، وعليه هو أن يقترح على المعارضين، وعلى عموم السوريين، مخارج من هذه الأزمة، وليس على المعارضين أن يطرحوا عليه عدداً من المخارج ليختار من بينها ما يناسبه.

هذا من باب نقد طريقة شائعة في تفكير معارضين سوريين، يلحظون عناد النظام وتصلبه، فيظنون أن عليهم أن يغيروا مقارباتهم واقتراحاتهم، بدل أن يغير هو عقليته ومنهجه. لكنهم بهذا يتطوعون لنقل أزمة النظام إليهم هم. ويتسببون في اضطراب الأفكار في أوساطهم وفي انقسام صفوفهم.

الخلاصة أن النظام في أزمة بفعل تفجر الانتفاضة الشعبية منذ شهور. والمطلوب هو أن يتغير، فيكف عن كونه حكماً مطلقاً. وهو يرفض ذلك من دون وجه حق أخلاقي أو وطني في رفضه. لكن هذا لا يغير من المطلب الجوهري، أي تغيير النظام.

ربما يقال إن سورية في أزمة. هذا صحيح. لكن منبع الأزمة هو النظام. والانتفاضة هي الحل، أو المدخل إلى تغيير البيئة السياسية في البلاد، بما يتيح للسوريين فرصاً أفضل لمواجهة مشكلاتهم السياسية والاجتماعية والوطنية. والانتفاضة مستمرة، وتزداد اتساعاً وصلابة، ومطلبها ثابت من حيث معناه، ويزداد تجذراً من حيث أسلوبه. فليس لأحد أن يجشم نفسه عناء فك الحصار عن النظام وتقديم نسخة منقحة عن مطلب تغيير النظام. غاية المطلوب هو دعم الانتفاضة والمساهمة في توسعها وتعزيز صفوفها، وفي تنظيمها الفكري والسياسي. وحين يعرض النظام شيئاً يتصل بمطلبها الجوهري، لن يفوت أحداً أن يأخذ علماً بذلك ويرى فيه رأيه.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زين الشامي / ذبحوا المغني... لكن السوريين استمروا في ترديد الأغنية

الرأي العام

13-7-2011

هل تتخيلوا أن تذبح العصافير عقاباً على شدوها، ويمنع العطر خوفاً من رائحته من الانتشار، هل تتخيلوا أن تعاقب الشمس لأنها تنثر الضوء، والسماء لأنها ترسل المطر للأرض؟

هكذا حصل تماماً في مدينة حماة السورية حين ذبح «الشبيحة» التابعون للنظام السوري المطرب الشعبي إبراهيم قاشوش الذي صدحت حنجرته بأغان ضد النظام الديكتاتوري في ساحة العاصي وسط المدينة، وردد مئات الآلاف من المتظاهرين أغانيه وهتافاته، ليس فقط في حماة بل في أغلب المدن والقرى السورية.

منذ أيام وقبل جمعة «ارحل» استيقظ أهالي حماة لتفاجئهم جثة المغني تطفو على نهر العاصي، ووفق ما نشره أقاربه على صفحته على موقع الفيس بوك أنه وفي صباح يوم الخميس 7 يوليو خرج الشهيد متوجهاً إلى عمله، وفي طريقه الى مكان عمله تم اختطافه من قبل قوات الأمن، ليذبح بطريقة همجية حيث شقت حنجرته بالسكين من الوريد الى الوريد، ومزق جسده بالرصاص المتفجر، ومن ثم رموه في نهر العاصي.

وفي جمعة «ارحل» أي قبل يومين من اغتياله قاد هذا المغني عراضة حموية غنى فيها بصوته الأجش أجمل الشعارات التي تدعو للوحدة الوطنية وتطالب نظام «البعث» بالرحيل.

لم تمض ساعات على إعلان نبأ اغتيال المغني حتى سارع أصدقاؤه بإنشاء صفحة خاصة به على الفيس بوك «كلنا الشهيد البطل ابراهيم قاشوش» متأثرين بالحدث، وتكريماً لروحه الطاهرة التي اغتيلت بغدر، وانضم إليها أكثر من أربعة آلاف عضو في أقل من 24 ساعة.

قاشوش لم يحمل السلاح، ولم ينضم إلى العصابات المسلحة، لكن صوته أزعج النظام السوري فقرر كتمه إلى الأبد، وهو صاحب أجمل المقاطع الغنائية التي رددت في مدينة حماة، حيث ردد خلال مظاهرات الأسابيع المنصرمة أجمل شعارات وأغاني الحرية في ساحة العاصي، حتى أصبح يقود مئات الآلاف من المتظاهرين في حماة.

ذنب إبراهيم قاشوش الوحيد أنه صدح بصوته في ليالي الحرية في حماة، كتب وأطلق الأهازيج الثورية التي تناقلها السوريون وأصدقاؤهم عبر العالم، لينال لقب مغني «الثورة السورية» من قبل الملايين.

ما حصل لهذا المطرب السوري، لم يكن اول حادثة اغتيال لفنان في التاريخ فقبل أن يقتل النظام السوري و«شبيحته» هذا المغني، وقبل نحو أربعين عاماً، قتل نظام الديكتاتور بينوشيه في تشيلي المطرب فيكتور جارا، الذي غنى للحرية والثورة وردد مئات الآلاف قبل وبعد موته أغانيه في تشيلي وفي بقية دول أميركا اللاتينية. وقد قيل عنه «حين يغني كان يرتفع مدّ العشق في دمه حتى يغطي غابات المطر، ومدن الصفيح، وأجساد الأطفال العارية، حين كان يغني، كانت أوتار الغيتار تدمي أطراف أصابعه، حتى يصحو فلا يصحو الكون، كان حين يغني تنكسر السماء، ويسيل خيط من الدمع نحو الأرض فيخصب التراب، وتتلون الضياع البعيدة بالألق».

بين جثث الشهداء السوريين في حماة اليوم، وهي المدينة التي تعرضت قبل ثلاثين عاما لمجزرة مروعة راح ضحيتها نحو ثلاثين الف شخص من ابناء المدينة وسويت بيوتها بالأرض، تنبض تحت الأرض آلاف القلوب، وفي السماء يصدح صوت ابراهيم قاشوش، يمتد إلى كل المدن والبلدات السورية، من درعا جنوباً إلى جسر الشغور شمالاً، الى القامشلي شرقاً، واللاذقية غرباً، يمتد صوته في الأفق فتمتلئ السماء بالعصافير والبلابل.

حنجرة ابراهيم قاشوش، التي مزقتها يد الظلم، منحتنا نسائم الحرية، ورغم أن القتلة قادرون على ذبح الحنجرة وصاحب الحنجرة لكنهم لن يستطيعوا منع حناجرنا من ترديد الأغنية، لأنهم لن يقدروا على منع الريح من حمل الأغاني. والحمقى «الشبيحة» منحوه في جريمتهم، ألف عمر، منحوا أغانيه الخلود والشباب والجمال والنقاء. الطغاة و«الشبيحة» لا يفهموا الأغاني والأناشيد، لا يفهموا أنه لو قتلوا المغني ستبقى الأغاني كما قال وغنى يوماً الفنان سميح شقير:

«لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم

عيوني على بكرا وقلبي معكم

لو راح المغني بتظل الأغاني»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية: حوار النظام مع ذاته .. د. برهان غليون

تاريخ النشر: الأربعاء 13 يوليو 2011

الاتحاد

بعد أشهر طويلة من اختيار الحل العسكري لقهر احتجاجات الشعب السوري وتدجين معارضته، طرح النظام في الأسابيع الأخيرة على الطاولة فكرة الحوار الذي أراد له حسب تعبيره أن يكون وطنياً وشاملا. والواقع أن الحوار بالصيغة التي طرح بها يفتقر إلى الصفات الثلاث المذكورة. فهو ليس حواراً لأن السلطة الحاكمة هي التي أوكلت لنفسها، من دون استشارة أحد، خاصة أطراف الحركة الاحتجاجية والمعارضة، تنظيمه وتحديد أهدافه وجدول أعماله، وحررت وثائقه وحددت نوعية الأطراف المشاركة فيه، وضمنت بالتالي نتائجه، ولو لم تعرفها مسبقاً لما قبلت الدعوة له.

وليس وطنياً لأن هدفه لايزال كما هو واضح الدفاع عن النظام القائم، وعدم القبول بأي تنازل يمس بأدواته الضاربة التي تمثلها سيطرة الأجهزة الأمنية والمخابراتية التي لا يكاد أحد يحصي عددها اليوم.

وليس شاملا لأنه قائم بالعكس على استثناء من هم الأصل في طرح مسألة الحوار الوطني بالفعل، أي تلك الجماهير الغفيرة الشابة أساساً التي اكتشفت أنها من دون وطن ومن دون حقوق ومن دون مستقبل، وأرادت استعادة حقوقها، وفي مقدمتها أن تكون سيدة قرارها والمتحكمة بمصيرها.

إن أي حوار في الأزمة السورية الراهنة لا يمكن أن يكون جدياً وينتهي إلى نتائج مرضية إذا لم يقم على أسس واضحة:

1- إن الهدف من الحوار ليس الوصول إلى تسوية مع النظام أو توسيع دائرة المشاركة فيه أو تزيينه، وإنما التفاوض من أجل الانتقال بسوريا نحو الديمقراطية وإنهاء نظام القمع والاستبداد والفساد.

2- بناء الثقة المفتقدة بالطرف الآخر. بعد ثلاثة أشهر ونصف من القتل العمدي للمتظاهرين السلميين، وتشويه صورة الانتفاضة وخلطها بالمؤامرة الخارجية وبالمندسين والمسلحين وغيرهم، أصبح من المستحيل الجلوس على طاولة واحدة مع أطراف النظام من دون تراجع هؤلاء، رسمياً وعلنياً، عن سياستهم القمع والتشويه تلك، والاعتذار للشعب عنها، والاعتراف علناً بأن الشعب السوري هو مصدر السلطات، وتأكيد حقوقه المترتبة على ذلك وأولها الحق في الأمن وفي التظاهر السلمي من دون قمع، وفي اختيار ممثليه بحرية.

3- خلق بيئة مواتية للحوار، مما يستدعي سحب قوات الجيش والأمن، ووقف استخدام القوة والعنف، وإزالة الطوق عن المدن المحاصرة، وكف أيدي جميع المسؤولين عن وضع البلاد على شفير الحرب الأهلية وإقالتهم من مناصبهم، وفتح وسائل الإعلام الوطنية للمعارضة ولجميع السوريين بالمساواة، وضبط أجهزة الأمن والمخابرات ووضعها تحت إشراف وزارة الداخلية والقضاء، وحل الميليشيات الخاصة التي استخدمت في قمع المتظاهرين، وإلحاق جميع القطاعات العسكرية المستقلة بالجيش الوطني النظامي، ووضع حد لتغول المخابرات وما تقوم به من اعتقالات وتعذيب، وإطلاق سراح المعتقلين وإزالة القيود عن تنقل الأفراد السوريين، وعودة المنفيين، وتشكيل لجنة تحقيق محايدة للنظر في قضية أوامر إطلاق النار على المتظاهرين السلميين، وكل ذلك من خلال بيان رسمي يعتذر عما حدث ويطمئن الشعب ويؤكد التزام النظام بعدم العودة إلى استخدام العنف ثانية.

4- تحديد هوية الأطراف المدعوة للمشاركة إلى جانب الحكومة في الحوار وحصرها في ممثلي الشباب والتنسيقيات أولا، وقوى المعارضة الحزبية المنظمة ثانيا، والتفاهم بين الحكم والمعارضة على أسماء الشخصيات المستقلة المشاركة أو المطلوب دعوتها للحوار وعدم ترك تحديد هوية المتحاورين بيد النظام أو حزبه أو اللجنة التي شكلها والتي لا تمثل إلا طرفاً واحدا هو النظام ذاته. ورفض توكيل حزب "البعث" أو "الجبهة التقدمية" العاملة تحت إمرته على الحوار، أو مشاركتهما إضافة إلى الحكومة. فالمعارضة لا تعترف بشرعية احتكار "البعث" للسلطة ولا تماهي الحكومة مع الحزب. الحوار ينبغي أن يكون مع الحكم وحده حتماً، وهو الذي يمثل "البعث" وأحزاب "الجبهة".

5- مشاركة الحكم والمعارضة مسبقا في إعداد جدول أعمال الحوار بين الطرفين، الحكم والمعارضة، والاتفاق عليه مسبقاً، وعدم قبول المعارضة بالدخول في حوار يحدد جدول أعماله النظام وحده.

6- لأن تجربة الشعب والمعارضة مع النظام كانت سلبية للغاية نتيجة إصرار النظام على المراوغة الطويلة والالتفاف على القرارات والوعود الكاذبة، لا يمكن للمعارضة الدخل في أي حوار مع النظام من دون وجود ضمانات عربية ودولية تراقب الحوار وتضمن احترام نتائجه. كما ينبغي أن يحضر المفاوضات ممثل عن الأمين العام الأمم المتحدة وجمعيات حقوقية عملت في سوريا.

وبغياب هذه المقومات الأساسية لأي حوار بنّاء، لن يكون مضمون الحوار سوى تمرير قرارات السلطة باسم إجماع وطني هو مجرد غلالة تخفي استمرار السلطة في إملاء قراراتها. وعلى السلطة في هذه الحالة أن تتحمل وحدها أمام الشعب وقواه المنتفضة مسؤولياتها عن العمل الانفرادي الذي لا تزال تصر عليه.

ومن حق المعارضة أن تنظر إلى هذا الحوار على أنه فخ يهدف إلى توريطها في حوار لا يمكن أن يخرج منه سوى ما تريده السلطة. وأن هدفه الرئيسي، بالصيغة الراهنة التي يطرح بها، لا يعدو أن يكون شق المعارضة السورية وتقويض مصداقيتها أمام جمهورها، والفصل بينها وبين الحركة الشعبية الاحتجاجية التي يشكل قهرها الغاية الأولى والأخيرة لكل ما يقوم به النظام وما سوف يقوم به مستقبلا. وهو يستخدم وهم الحوار منذ الآن ليغطي، أمام الرأي العام العربي والعالمي، على التصعيد المستمر لعمليات التنكيل والعقاب الجماعي التي يمارسها منذ أشهر لكسر إرادة الحركة الاحتجاجية الشعبية، بعد أن لم يعد أحد يصدق خرافة المؤامرة الخارجية ووجود عصابات مسلحة تطلق النار على الأمن والمواطنين.

وبالتأكيد فإن أي معارضة تحترم نفسها سترفض حواراً لا يتوفر على الحد الأدنى من المقومات الموضوعية التي تضمن نجاحه وعدم تحوله إلى فخ يطبق عليها. لكن النظام السوري لن يعدم وجود أناس قادرين على ملء مقاعد المعارضة الشاغرة، من أصحاب المصالح والطامحين إلى لعب دور أو اقتناص فرص لا تتوفر دائما، وإذا كانت هناك ضرورة لن يكون من الصعب اختلاق معارضة من العدم. لكن في هذه الحالة لن يكون الحوار حواراً بين سلطة ومعارضة أو بين أطراف مختلفة الرأي بهدف الخروج من الأزمة، وإنما حوار النظام مع ذاته، وبالتالي قطع الطريق على الحل السياسي والتحضير لسياسة التصعيد العسكري الذي لايزال وحده البارز في الأفق اليوم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حسابات أوباما إزاء سوريا .. دويل مكمانوس

كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "أم. سي. تي. إنترناشيونال"

تاريخ النشر: الأربعاء 13 يوليو 2011

الاتحاد

عندما اندلعت المظاهرات المطالبة بالديمقراطية في سوريا، وفر الرئيس الأميركي أوباما للرئيس السوري بشار الأسد فرصة إضافية أخرى لتبني الإصلاح، عندما قال في كلمة له في مايو الماضي: "يستطيع الأسد قيادة الطريق نحو الديمقراطية، وإلا فليتنح عن الطريق". وبعد مرور شهرين على تصريح أوباما، لم يقد الأسد الإصلاح نحو الديمقراطية كما لم يتنح عن الطريق، وإنما عمل بدلا من ذلك على إنهاك المعارضة عبر مزيج من القمع والتسامح المتقطع.

وقد أبدى الأسد استعداداً ظاهرياً للتغيير من خلال السماح لجماعات المعارضة بالاجتماع علنا، ودعوة بعضها لحضور "الحوار الوطني" الذي عقد في دمشق الأحد الماضي، بينما أطلق قواته الأمنية ضد المتظاهرين، ما أدى إلى قتل حوالي 1500 شخص منذ بداية الاحتجاجات حتى الآن، بالإضافة إلى القبض على مئات غيرهم.

ومن الأمور المحبطة لمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أن إدارة أوباما لم تطلب من الأسد صراحة التنحي عن الحكم، حيث اكتفى مسؤولوها حتى الآن بإصدار تحذيرات متتالية؛ فمثلا قالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في بداية هذا الشهر "إن الوقت يمضي سريعاً بالنسبة للحكومة السورية... وإن تلك الحكومة يجب أن تبدأ تحولاً حقيقياً نحو الديمقراطية". لكن الإدارة لم تصل إلى الدرجة التي تقول عندها للأسد صراحة إن نظامه بات غير شرعي. فما الذي يدعو الإدارة لذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشف عن حدود قوة أميركا من ناحية، والإشكالية التي تواجهها في سبيل الترويج لتغيير النظام كجزء سريع التقلب من العالم من ناحية أخرى.

والظاهر أن المسؤولين الأميركيين أدركوا أن نظام الأسد ليس من المرجح أن يبقى طويلا، لكنهم لا يعلمون إلى متى سوف يظل صامداً. وهم يدركون أن المطالبة بإطاحته علناً قد تمنح انطباعا بأن هناك تدخلاً أميركياً مباشراً في الشؤون السورية، وهي خطوة لا ترغب فيها الإدارة حالياً لأن مطالبة أوباما للأسد بالتنحي وعدم انصياع الأخير لذلك سوف تجعل الإدارة تبدو ضعيفة، وهو درس تعلمته القوى الغربية في ليبيا هذا الصيف.

وقد قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بفرض عقوبات اقتصادية على سوريا، وطالبوا روسيا والاتحاد الأوروبي بعمل المزيد. لكن ليس من المتوقع أن يكون لمثل هذه الإجراءات تأثير فوري وحاسم.

ونظراً لأن أهم الفاعلين في الدراما السورية هم السوريون أنفسهم الذين تحدوا الرصاص والهراوات، وتظاهروا دون خوف في العديد من المدن، فإن محور تركيز السياسة الأميركية، فيما يتعلق بسوريا، قد تحول الآن إلى المعارضة التي ما زالت غير منظمة نظراً لكونها تعكس الموزاييك السوري المتعدد والشديد التنوع.

ومن الوسائل التي تتبعها الإدارة الأميركية من أجل تقديم العون للمعارضة، إتاحة الإمكانية للمعارضين السوريين للدخول على مواقع إنترنت غير خاضعة لرقابة الحكومة السورية، وكذلك تكثيف الضغط على الحكومة السورية للسماح بالمظاهرات والاجتماعات.

وفي يوم الجمعة الماضي مثلا أقدم السفير الأميركي في دمشق على شيء يعد جريئاً للغاية بالنسبة للدبلوماسيين ،حيث ذهب بنفسه إلى مدينة حماة التي تسيطر عليها المعارضة والتقى بزعماء المتظاهرين هناك. وكان الغرض من هذه الخطوة من قبل "فورد" هو ردع النظام عن إطلاق النار على المتظاهرين، وهو ما حدث بالفعل حيث لم ترد تقارير عن إطلاق نار من قبل قوات الأمن التي حاصرت المدينة.

وفي غضون ذلك أدلى مسؤول أميركي عقد محادثات مع شخصيات من المعارضة السورية بتصريح قال فيه: "ما نحاول القيام به حالياً هو دفع الحكومة السورية للسماح بفتح حوار موثوق به، والسماح للمعارضة بعقد اجتماعات تنسيقية، وإيجاد منتديات يمكن للناس التحدث فيها".

بيد أن الشيء الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق هو أن الإدارة ما زالت تأمل أن تثمر حوارات المعارضة التي ترعاها حكومة الأسد عن شيء مفيد، وهو ما يتبين من خلال تصريح المسؤول المذكور الذي قال: "ينبغي أن تكون هناك محاولة للحوار... وأن تتم تجربته".

ويتبين من الخطوات الأميركية أن الهدف الجوهري لإدارة أوباما هو إتاحة الظروف التي تساعد على التفكك البطيء لنظام الأسد بدلاً من السعي لإسقاطه بشكل مفاجئ. وسبب ذلك أن سوريا تختلف عن تونس ومصر، حيث أيدت الإدارة هناك ثورتين كانتا قد بدأتا بالفعل، كما تختلف عن الظروف في ليبيا أيضاً حيث أيدت الولايات المتحدة انتفاضة كانت قد بدأت من دون مساعدتها.

وعلى العموم فإن ذلك التأييد للمعارضة السورية قد يأتي في نهاية المطاف، إذا ما أدرك البيت الأبيض أن نهاية الأسد قد باتت قريبة، وبدت المعارضة أكثر استعداداً مما هي عليه الآن لتولي زمام الأمور.

وأحد أهم الدروس التي استخلصها البيت الأبيض من ثورتي تونس ومصر، أن بيانات التأييد الصادرة عنه ليست في الحقيقة على ذلك القدر من الأهمية التي تبدو عليها.. وأن الأهم منها هو ما يحدث على الأرض.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مثقفون سوريون في الشارع... والسجن .. وسام كنعان, محمد الشلبي

الاخبار

14-7-2011

دمشق | مع بداية الثورة المصرية، اعتصم عدد من المثقفين السوريين، معظمهم كانوا من فئة الشباب، أمام السفارة المصرية في دمشق، في حركة عُدّت الأولى من نوعها منذ زمن بعيد عندما كان للمثقف حضوره مع عامة الشعب، أكثر منه على صفحات الجرائد والكتب وغيرها. اُتبع هذا الحراك الاستثنائي باعتصام مماثل أمام السفارة الليبية عشية الأحداث الدامية والمجازر التي ارتكبها معمر القذافي بحق شعبه الأعزل، لكن سرعان ما غاب دور المثقف السوري على أرض الواقع، مع بداية الأحداث السورية، واقتصر حضوره على إطلاق عدد من البيانات المتباينة، بين مؤيدة ومعارضة للطريقة التي تعامل معها النظام السوري في مواجهته للانتفاضة الشعبية، كانت حصيلتها خلق انشقاق واضح بين الفنانين والمثقفين السوريين، لا تزال تبعاته حاضرة حتى اللحظة.

وبعد مرور نحو أربعة أشهر على الانتفاضة السورية، قرر عدد من المثقفين السوريين أخيراً، الخروج في أول تظاهرة سلمية «والنزول إلى الشارع إلى جانب أخوتنا الذين قدّموا من دمائهم وعذاباتهم الكثير ليجلبوا لنا الحرية، هذا الحقّ الذي أقرّته كل الشرائع السماوية، والمواثيق العالمية»، حسب ما جاء في بيان «معاً إلى الشارع» الذي نشره المثقفون الناشطون والمنظمون للحدث في صفحة «مثقفون لأجل سوريا» على موقع التواصل الاجتماعي «الفايسبوك».

وأكدت السيناريست السورية ريما فليحان، إحدى المنظمات لهذه التظاهرة، أن الهدف الأساسي من مشاركتها هو «تأكيد انتمائنا نحن المثقفين إلى جماهير الشعب، ومشاركتنا في الحراك الشعبي المطالب بالحرية والعدالة والمساواة».

ولدى سؤالها عن الأسباب الكامنة وراء تأخر هذا الحراك، قالت فليحان إن «هناك العديد من أصدقائي المثقفين يشاركون دورياً في التظاهرات، لكن من دون إعلان ذلك للصحافة ووسائل الإعلام، والعديد منهم تعرضوا للاعتقال، كما حدث أخيراً مع المخرج المسرحي أسامة غنم في المكان نفسه الذي دعينا للتظاهر فيه، ومنهم من لا يزال معتقلاً لأسابيع عدة مثل الصحافي عمر الأسعد والناشط أدهم القاق وغيرهم».

على الأرض انتشرت قوات أمن سورية وشرطة حفظ النظام بكثافة منذ ظهر أمس في منطقة الميدان، وتحديداً عند جامع الحسن، المكان الذي اتفق أن تنطلق منه التظاهرة. ومع اقتراب عقارب الساعة من السادسة، كانت تقريباً جميع الطرق المؤدية إلى الجامع مغلقة بالنسبة إلى السيارات، ما اضطر الجميع إلى النزول من سيارات الأجرة في أماكن بعيدة والمشي نحو المسجد. لكن مع اقتراب الناس من المسجد، طلبت منهم قوات حفظ النظام الموجودة التراجع، فأصبح التجمع قبل الجامع بنحو مئة متر، فبدا أن التظاهرة هي حدث اعتيادي وخالية من عدد كبير من المثقفين، لكن الواقع أنه كان هناك عدد من الناس وصلوا باكراً وتجمعوا أمام المسجد غالبيتهم من المثقفين، انضم إليهم فايز سارة، أحد رموز المعارضة السورية، وتجمع مع مجموعة من الصحافيين والكتاب، منهم يعرب العيسى وراشد عيسى ومحمد الأمين وعثمان جحا وإيمان الجابر. وعند ازدياد العدد، طلب الأمن بكل هدوء من الجميع التفرق حالاً ومغادرة المكان. وبمجرد سير الناس، تجمعوا على نحو عفوي بعدد يقارب ثلاثمئة شخص وبدأوا بترديد النشيد السوري الوطني وأعادوا ترديده مرة ثانية ثم انطلقت الهتافات «الله سوريا حرية وبس» و«واحد واحد واحد الشعب السوري واحد»، فيما رفع نحو عشرة شبان لافتات وصور مؤيدة للنظام وهتفوا بحياة الرئيس.

بعد دقائق معدودة، وصلت تعزيزات أمنية مكثفة وهاجمت المتظاهرين الذين تعالت أصواتهم «سلمية سلمية»، قبل أن يلوذ معظمهم بالفرار أثناء حملة اعتقال لنحو ثلاثين شخصاً ممن وصلوا في البداية. وقد تأكدت «الأخبار» من أسماء عدد منهم، وهم: الممثلة مي سكاف والكاتبة ريما فليحان والكاتبة يم مشهدي والمخرج السينمائي الشاب نضال حسن والمخرج التلفزيوني شادي علي والممثلان الأخوان ملص والصحافي إياد شربجي رئيس تحرير مجلة «شبابلك».

ويقول الكاتب والسيناريست الشاب عثمان جحا ل«الأخبار» إن «الوقفة كان مقرراً لها أن تكون وقفة اعتصامية مع دماء شهداء الوطن والمعتقلين السياسيين في السجون السورية ومحاولة لدعم المطالب المحقة والمشروعة للشباب السوري والشارع عموماً». ويضيف: «الهدف أن نقول إن الإصلاح يجب أن يحصل سريعاً دونما تسويف وانتظار صدور مراسيم، ولا بد للسلطات السورية من السماح بالتظاهر السلمي حتى تفرز شباباً قادرين على الحوار إذا بقىت فسحة ما للحوار للوصول إلى بر الأمان، ولا بد من دمج البعثيين في المجتمع بعدما صاروا شلة منغلقة على نفسها».

جحا كان يتوقع الحل الأمني وينفي أن تكون التظاهرة قد حققت هدفها أو أوصلت صوتها، لأن «كل التظاهرات في سوريا لا يصل صوتها، ولا تحقق أهدافها، فلو حقق شيء من هذا لما اضطر المتظاهرون إلى النزول إلى الشارع من جديد».

إذاً باختصار، يمكن القول إن التظاهرة تفرقت بدقائق، ومنظموها باتوا ليلتهم في السجن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شرعية... مفقودة .. علي حماده

النهار

14-7-2011

كان لتنظيم التظاهرة لتحطيم سفارتي اميركا وفرنسا في دمشق وقع سيئ على النظام السوري وبالتحديد على رئيسه بشار الاسد. فالاحتجاج على زيارة سفيري البلدين لحماه يوم الجمعة الفائت، ما كان يستأهل رد فعل من هذا القبيل، ولا سيما ان كل الدلائل تشير الى ان النظام كان على علم بالزيارتين. فالمسافة بين دمشق وحماه تتجاوز المئتي كيلومتر، وفي بلد أمني مخابراتي كسوريا لا يعقل ان يكون السفيران اجتازا المسافة المذكورة من دون ان تعترضهما حواجز المخابرات والقطعات المضمونة الولاء في الجيش. فلو ان النظام اراد منع الزيارة لكان قطع الطرق وأجبرهما على العودة أدراجهما، ولما كانا وصلا الى الفندق الموجود على ساحة العاصي الكبرى ليناما يومين بين أهالي حماه الثائرين. ومن جهة أخرى، لا يعقل ان يكون جرى مهاجمة السفارتين من دون علم المخابرات، لا بل ما كان ممكنا ان يفتعل هذا الهجوم من دون إجازة شخصية من أعلى المراجع كالرئيس أو شقيقه، ولا أحد دونهما رتبة. ففي بلد تختصر فيه الدولة والسياسة الرسمية بالمخابرات والامن السياسي، لا تقوم مظاهرة عفوية مؤيدة للنظام، لا يحتج الناس على زيارة سفيرين ذهبا الى حماه للاطلاع على حجم الثورة السورية ضد النظام. وربما أدى وجودهما الى حماية المتظاهرين لفترة معينة، مع أننا نعتبر ان الحماية الحقيقية للثورة هي في استمرارها، وتوسعها، وفي أعداد المتظاهرين، وفي المشروع السياسي البديل الذي تحمله لمرحلة ما بعد نظام آل الاسد.

وفي هذا السياق يمكن القول ان خطوة مهاجمة السفارتين يستحيل بيعها في سوق العلاقات الدولية، ولا تمثل قيمة مضافة للنظام، بل هي سقطة جديدة من سقطاته في مرحلة هبوطه، وأدت الى تطور في الخطاب الاميركي وموقفه من النظام بتناول الرئيس بشار الاسد شخصيا من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والقول إنه فقد شرعيته. ثم قول باراك اوباما شخصيا أن الاسد فوت الفرصة تلو الاخرى وفقد شرعيته. ولهذا الموقف الاميركي وقع كبير كونه يعطي مؤشراً واضحاً لقطاع الاعمال السوري المتحالف مع النظام، والمؤثر في المدن الكبرى على ان السفينة غارقة لا محالة، وأنه لا بد من التفكير جدياً في مرحلة ما بعد بشار الاسد والعائلة!

أكثر من ذلك، يمثل اعلان "شيخ المعارضين" هيثم المالح من اسطنبول ان المعارضة سوف تعلن يوم السبت المقبل عن ولادة "حكومة ظل" سورية تكون بديلا من النظام بعد سقوطه، دليلا ساطعا على ان النظام ساقط لا محالة ولا بد من البحث في مرحلة ما بعده.

ان جوهر ازمة النظام في سوريا يتعلق بانعدام قابليته على الاصطلاح والاصلاح. وعلى الرغم من بعض المظاهر السطحية التي اريد منها ان تعكس تطوره و نفسه التحديثي، لا يزال نظاما ستالينيا قديما لا ينتمي الى روح العصر، وهو متخلف عن ركب مواطنيه. ومن هنا قصوره عن فهم ما يريده الشعب، وسقوطه في وهم القوة الاجرامية. والحق ان شرعية النظام كانت انتهت منذ منتصف آذار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام ومعركة المصداقية في سورية؟ .. د. بشير موسى نافع

2011-07-13

القدس العربي

 افتتح السيد فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، يوم الأحد 10 تموز/يوليو، جلسات اللقاء التشاوري للحوار الوطني. التحق بالجلسة الأولى زهاء 180 من السوريين، ولكن قلة بينهم تحسب على المعارضة الصريحة للنظام، سواء التجمعات الشبابية والتيارات الجديدة على الساحة السياسية، التي تلعب الدور الرئيسي في الحراك الجماهيري، أو القوى التقليدية للمعارضة. يوم الجمعة السابقة للقاء التشاوري، كانت سورية تشتعل بمظاهرات حاشدة تحت شعار 'لا للحوار' وقد اختتم فعاليات الجمعة ب 16 شهيداً وعشرات الجرحى.

في يوم اللقاء نفسه، كانت وحدات عسكرية وأمنية تقتحم أحياء في مدينة حمص والرستن، وتحاصر حماة، ووحدات أخرى تهاجم تجمعات المتظاهرين المسائية في مدن وبلدات سورية متعددة، بما في ذلك أحياء دمشق. الواضح، بعد مرور أربعة أشهر على اندلاع الثورة الشعبية، أن سورية تقف الآن أمام مفترق طرق. فأي وجه للنظام سيراه الشعب أكثر حقيقية ومصداقية، وجه المحاور من أجل بناء سورية جديدة، أو الوجه القمعي المستهدف إخماد حركة الشعب بأي ثمن كان.

في كلمته أمام اللقاء التشاوري، أكد فاروق الشرع على أن هدف مشروع الحوار الوطني بناء سورية تعددية وديمقراطية. لم يتحدث الشرع بأي تفصيل ممكن عن ملامح النظام الجديد، ولكن مجرد الإشارة من نائب الرئيس إلى التعددية السياسية والديمقراطية كان تطوراً جديداً في لغة القادة السوريين. من جهة أخرى، لم يكن بين الجالسين في قاعة اللقاء من لفت الانتباه بشكل خاص. لم يكن هناك أي من الشخصيات المعارضة المستقلة في الخارج، وبخلاف واحد أو اثنين، لم يكن هناك أحد من شخصيات الداخل المستقلة، أو من الهيئة التنسيقية لأحزاب المعارضة الليبرالية والقومية التي شكلت مؤخراً. لم يكن بين الجالسين أي من المجموعة الداعية لمؤتمر الانقاذ الوطني، ولا من اللجان التنسيقية للشباب الذين ينظمون الحراك الشعبي. وبالطبع، لم يكن هناك أي من قادة الإخوان المسلمين، الذين لم يدع أحد منهم أصلاً. ولكن القول بأن النظام كان يحاور نفسه، يحمل شيئاً من المبالغة؛ فليس كل من حضر يمكن أن يحسب كلية على النظام، بالرغم من وجود أكثرية من هؤلاء. وقد حملت كلمات المتحدثين توجهات مختلفة، من الدعوة إلى وضع نهاية لسيطرة الأجهزة الأمنية على الحياة السورية، إلى التخلص كلية من الدستور السوري الحالي. وهذا بالتأكيد مجرد لقاء تشاوري وليس بداية الحوار نفسه، ولهذا اللقاء أن يضع أولويات وآليات الحوار. فلماذا التسرع في إطلاق الأحكام؟

على نحو ما، يمكن لأنصار النظام القول بأن انعقاد اللقاء التشاوري مؤشر على إيفاء الرئيس الأسد بوعوده الإصلاحية، وقد قالوا هذا بالفعل. بعد رفع حالة الطوارئ وتغيير الحكومة ووضع قانون للتظاهر السلمي، سارع النظام إلى إطلاق الحوار الوطني، على الأقل في صيغة لقاء تشاوري أولي، داعياً له طيفاً واسعاً من القوى والشخصيات السياسية السورية. وليس هذا مجرد مشروع لتبادل الرأي، ولكنه يستهدف الوصول إلى تصور وطني للتعامل مع قضايا كبرى للإصلاح، بدءاً من تعديل دستوري، أو حتى الاتفاق على وضع دستور جديد للبلاد، إلى قوانين تنظيم الحياة السياسية الجديدة، مثل قانوني الأحزاب والإعلام.

صحيح أن حركة النظام نحو الإصلاح السياسي وبناء حياة سياسية جديدة تبدو بطيئة، يقول هؤلاء، إلا أنها حركة حثيثة باتجاه وضع الأسس التي يتطلبها إصلاح النظام والدولة، بعد خضوع سورية زهاء نصف القرن لحكم استبدادي  أمني. وإن كان النظام يخطو كل هذه الخطوات باتجاه الإصلاح والتغيير، فعلى قوى وتيارات المعارضة السياسية، التقليدي منها والجديد، أن تأخذ هذه الخطوات في الاعتبار، وأن تمد يد الحوار والعون للنظام. ليست سورية بالدولة الهامشية في المشرق العربي - الإسلامي، ودفع سورية نحو الانفجار الكلي، على الطريقة الليبية أو اليمنية، سيترك أثراً بالغاً على الجوار كله، ناهيك عن إضعاف دولة القلب العربية، التي وقفت بصلابة طوال عقود في مواجهة التوسع الإسرائيلي ومشاريع السيطرة الإمبريالية الجديدة.

بيد أن هذا ليس الوجه الوحيد للنظام السوري. فمنذ بداية الحراك الشعبي، لم يتوان النظام عن استخدام أقصى مقدراته الأمنية والعسكرية لقمع الشعب وقواه السياسية.

لا أحد يعرف على وجه اليقين عدد الشهداء والقتلى الذين سقطوا بنيران قوات النظام وأعوانه، ولكن الرقم لا يمكن أن يكون أقل من ألفين. وبالرغم من إلغاء حالة الطوارىء، فإن أعداد المعتقلين تزيد عن ال 15 ألفاً، يتعرض عدد كبير منهم لتعذيب منهجي، أدى إلى استشهاد أعداد تحت التعذيب. ولم يزل عشرات الألوف من السوريين ممنوعين من السفر أو العودة إلى بلادهم، ناهيك عن أصناف الحظر الأخرى التي فرضت على حياة وعمل الكثيرين بينهم. ومنذ اقتحام درعا، تقتحم الفرق المدرعة وقوات الأمن المدن والبلدات السورية ضمن مخطط أمني  عسكري قمعي شامل، حيث تتعرض البيوت والمحال للنهب والدمار، والشبان للاعتقال العشوائي، والكبار للإهانة وإهدار الكرامة. وحتى لحظة انعقاد اللقاء التشاوري كانت الأجهزة الأمنية والوحدات العسكرية الموالية تقوم بعملها كالمعتاد في أنحاء سورية المختلفة: لم يزل السوريون يتعرضون للقتل والإصابة كلما خرجوا للشارع لإعلاء أصواتهم ضد النظام وسياساته، بينما تجري الاعتقالات على قدم وساق، وتبذل العناصر الأمنية ومجموعات الميليشيات المرتبطة بها كل جهد ممكن لتدمير روح السوريين وكسر إرادتهم. لهذا النظام وجهان، يقول معارضوه، وجه تحاوري طارىء، اضطر إلى تبنيه بفعل فشله في إخضاع الشعب وخشيته من الضغوط الخارجية، يريد به تغطية وجهه الآخر، القمعي الأصيل، الذي يعمل بكل طاقته وبدون حدود ولا ضوابط من أجل إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل منتصف آذار/مارس.

الواضح، بالطبع، على الأقل من متابعة ردود الفعل الأولى على اللقاء التشاوري أن الأغلبية العظمى من القوى والشخصيات السياسية المعارضة، ناهيك عن مئات الألوف التي شاركت في تظاهرات جمعة 'لا حوار،' لا تأخذ مشروع الحوار الذي أطلقه وينظمه ويقوده النظام مأخذ الجد. قطاع واسع من الشعب والمعارضة السياسية يقول بأن الحوار الحقيقي لابد أن يبدأ بتنحي الرئيس والمجموعة الصغيرة الحاكمة من حوله، وقطاع آخر يقول بأن ثمة شروطاً للحوار لابد أن تتحقق قبل أن ينطلق مثل هذا الحوار. وإن كان لموقف الفئة الثانية أن يمثل الحد الأدنى لمتطلبات إبعاد سورية عن حافة الهاوية، فأمام النظام مهمة شاقة لإقناع السوريين بمصداقية وجهه الإصلاحي. يستطيع قادة النظام، مثلاً، الإفراج عن آلاف المعتقلين في السجون وأقبية الأجهزة الأمنية، وإيقاف الحملة الإعلامية المستمرة ضد ثورة الشعب، والاتهامات الساذجة التي لم يعد يصدقها أحد بأن الجماهير المطالبة بالحرية وقعت أسيرة مؤامرة أجنبية؛ يستطيع قادة النظام سحب قوات الجيش العربي السوري من هاوية المأساة المؤلمة والمدمرة التي دفعوه إليها، ووضع نهاية لسيطرة المؤسسة الأمنية على مقدرات سورية وشعبها، وإعادة المنظمات الأمنية إلى الحجم والوظيفة التي يتطلبها أمن سورية الوطني. ويستطيع قادة النظام فتح أبواب سورية لعودة أبنائها المنفيين منذ عقود ورفع القيود المختلفة على حياة الآخرين ممن هم داخل سورية. كما يستطيع النظام، إضافة إلى هذا كله، الوقوف بوضوح وصراحة للاعتذار للسوريين البواسل عن حفلة الموت والقمع القاتل التي تعيشها سورية منذ أربعة شهور. مثل هذه الخطوات، وليس ما هو أقل، يمكن ربما أن يوفر مناخاً حقيقياً لانطلاق حوار وطني.

بيد أن مصداقية التوجهات الإصلاحية تتطلب ما هو أكبر، تتطلب وعياً أعمق لدى قيادة النظام للحظة التاريخية التي يعيشها العرب والسوريون على السواء؛ فما تشهده سورية، على أية حال، ليس استثناء ولا غريباً. إن كانت سورية هي 'قلب العروبة النابض' (هذا الكليشيه الذي نردده أحياناً بدون إدراك كاف لمدلولاته)، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن تكون سورية أكثر العرب تحسساً لوطأة الأزمة التي أخذت تثقل كاهل الشعوب العربية كافة. فبعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال الوطني، تعيش البلاد العربية جميعها تقريباً تحت سيطرة أنظمة استبداد وقهر وقمع لا مثيل لها في العالم، وفي ظل حالة من الخراب الاقتصادي والفروق الطبقية الفادحة، وقد انهارت مؤسساتها القضائية والتعليمية، ويروج في فضائها لأصناف من الثقافة الرخيصة التي تصطدم بكل موروثاتها القيمية. ليست هذه أمة من الشاكين، وهي تحمل ضميراً نشأ أصلاً لينفر من الفتنة ودواعيها. ولكن حجم الإهانة التي تعرض لها العرب في القرن الماضي، وخلال النصف الثاني منه على وجه الخصوص، لا يمكن أن تقارن بأية حقبة أخرى في تاريخهم. وقد جاء الوقت لوضع نهاية لهذه الإهانة. ليست هذه حالة تونسية أو مصرية أو يمنية، هذه حالة عربية شاملة، وسورية في القلب منها.

بإمكان القيادة السورية أن ترى هذه الحقيقة، وأن تتعامل مع الشعب السوري على هذا الأساس، ليبدأ بالفعل تغيير جاد، ينقذ سورية من المزيد من المخاطر التي تهدد سلمها الأهلي واستقرارها. وبإمكانها، كما يردد بعض أنصار النظام، التصرف على أساس أن هذه معركة حياة أو موت للطبقة الحاكمة، وإن كان القذافي وعبد الله صالح قد صمدا كل هذا الوقت، فلماذا يجب على النظام أن يتنازل لمعارضيه. لم يعد ثمة جدل في أن السوريين كشعب قد اختاروا، ما تبقى أن تختار الطبقة الحاكمة طريقها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والسفارات الغربية .. رندة تقي الدين

الاربعاء, 13 يوليو 2011

الحياة

في ١٤تموز (يوليو) ٢٠٠٨ كان الرئيس بشار الأسد يستعرض إلى جانب صديق غربي جديد هو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي القوات الفرنسية بمناسبة عيد الثورة الفرنسية على جادة الشانزيليزيه. واليوم يرسل الرئيس السوري مناضلي حزب «البعث» عشية ذكرى عيد الثورة الفرنسية ليهاجموا سفارة صديقه الفرنسي السابق لأن سفيره أريك شوفالييه الذي كان اشد المدافعين عن النظام السوري الحالي، زار مدينة حماة التي شهدت تظاهرات شعبية ضخمة ضد النظام. إن النظام السوري الذي شجعه كل رئيس فرنسي منذ عهد فرنسوا ميتران على الإصلاح والتغيير لم يبالِ يوماً بمثل هذه النصائح. واليوم لم تعد ممارساته السابقة في اقتحام السفارات والهجوم عليها مقبولة. فالهجوم على سفارة الولايات المتحدة في ١٩٩٨ في دمشق كانت نتائجه سيئة جداً على العلاقة السورية الأميركية آنذاك، ولكن الأمور عادت وتحسنت بعض الشيء لأن الولايات المتحدة كانت على قناعة أن سورية أساسية للمسار السلمي المعطل. إلا أن الأيام تغيرت الآن وأصبحت الممارسات الماضية للنظام السوري من عصر ولى، لأن الشعوب العربية تغيرت والديموقراطيات الغربية تعلمت من أخطائها في دعم الأنظمة القمعية التي سقطت لأن جدار الخوف لدى الشعوب العربية سقط وثار الشباب في مصر وتونس واليمن ضد القمع والفساد ومن اجل القيم التي احتفل بها الرئيس بشار الأسد عندما كان وصديقه السابق ساركوزي يحتفلان بما أرسته الثورة الفرنسية من قيم لا علاقة للنظام السوري بها وهي الحرية والمساواة والأخوة.

واليوم نرى أن الرئيس الفرنسي الذي أعطى فرصة حقيقية للرئيس الأسد للخروج من عزلته رغم كل النصائح التي أعطيت له، يرى انه لم يعد هناك أمل في قيام النظام السوري بأي إصلاح حقيقي.

فالشعب السوري الشجاع لم ينتظر لا السفير الأميركي ولا الفرنسي ليثور. فهو شعب متعطش لحياة افضل ولحرية يطمح كل إنسان إليها، وهو شعب لا يخاف القمع وقد خرج في المدن ليطالب بأدنى حقوق الإنسان في الحرية والحياة الكريمة.

إن الهجوم على السفارات الأجنبية لن يغير في مطالب الشعب الشرعية. فالادعاء بأن كل شيء مؤامرة هو حجة أصبحت من العصور الماضية ولن تمنع الشعب عن التظاهر من اجل التغيير. إن ما قاله الوزير ألان جوبيه عن عدم قدرة النظام على القيام بالإصلاحات هو وليد خبرة طويلة بنظام بذل الغرب جهوداً كبيرة لإخراجه من عزلته لكنه لم يسمع، وبقي يردد أن كل شيء مؤامرة. فهكذا ذهب الرئيس رفيق الحريري شهيداً بحجة انه كان يعد مؤامرة. ثم وقع انقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري لأنها في نظر دمشق كانت تعد لمؤامرة. أي مؤامرة؟ لا احد يعرف. لقد فقد النظام السوري أصدقاءه العرب والأتراك، وبالأخص قطر التي عملت الكثير من اجل مساعدة الرئيس الأسد، وكل هذه الدول حاولت من دون جدوى إقناع النظام السوري بأنه ينبغي أن يضع نفسه على الطريق الصحيح على صعيد السياسة الإقليمية واللبنانية، ولكن لم يتغير شيء بل تدهورت الأمور إلى أوضاع داخلية خطيرة على النظام.

فكفى هذه الممارسات العقيمة لأنها تخبّط لنظام يعتمد القمع والقتل لصموده، وهذا غير مجدٍ للبقاء مثل نظام القذافي الذي يقتل أبناء شعبه للبقاء في سدة سلطة هشة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد تشاوري الحوار السوري؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

14-7-2011

لعل أسوأ ما رافق انعقاد الاجتماع التشاوري لهيئة الحوار الوطني، هو استمرار فعاليات الحل الأمني الذي تتابعه السلطات السورية في مواجهة الحراك الشعبي، وقد أدت مجريات الحل الأمني بالتزامن مع انعقاد الاجتماع إلى سقوط قتلى وجرحى، واعتقال أشخاص ومطاردة آخرين وإلحاق أذى بممتلكات سوريين ربما لم يكن ذنبهم سوى حضورهم في مناطق العمليات الأمنية، وأدى استمرار الحل الأمني ومجرياته إلى جانب أسباب أخرى، إلى غياب ممثلين عن جماعات المعارضة السورية من أحزاب وشخصيات مستقلة عن الاجتماع التشاوري، بعد أن رفضت السلطات توفير البيئة المناسبة للحوار، وأصرت على استمرار الحل الأمني للأزمة القائمة.

ورغم المؤشرات السلبية التي رافقت الاجتماع، فلا بد من قول، إن فكرة الاجتماع، الذي كان أغلب المشاركين فيه ممثلين عن النظام وقريبين منه، تمثل فكرة مهمة، تستمد أهميتها من قيام سوريين بالبحث في شأن عام هو بمثابة محنة تتعرض لها البلاد وأهلها، وقد زاد في أهمية الفكرة ما ظهر في الاجتماع من كلمات ومطالبات ونقاشات متعارضة طرحها المشاركون فيما بينهم، أكدت وجود اختلافات، جعلتهم عاجزين عن التوصل إلى توصيات متوافق عليها بسبب مواقف المتشددين من ممثلي النظام، لولا التدخل المباشر من جانب رئيس الاجتماع، وقد أدى تدخله إلى إصدار توصيات اقترب بعضها إلى مرتبة الأطروحات الإصلاحية، خاصة فيما يتعلق بتوصية تغيير الدستور، الذي هو الأساس السياسي والحقوقي للدولة والمجتمع في سوريا.

ورغم أهمية هذه التوصية، التي لم تكن يتيمة في توصيات الاجتماع، فإنه لا يمكن الركون إلى التوصيات. إذ هي لا تلزم أحدا، ليس لأنها توصيات فقط، إنما أيضا لأنها نصوص، وقد اعتدنا على أن النصوص، لا سيما النصوص التي تصدر بشكل طارئ، لا يتم احترامها حتى لو كانت في مستوى قوانين، وفي المثال، فإن في الدستور السوري نصا لا يتصل به أي التباس أو اشتراط، يمنع تعذيب أي مواطن سوري، لكن هذا النص لم يجد من يطبقه، ويحترم وجوده طوال نحو أربعين عاما، هي سنوات عمر الدستور الحالي.

إن تجربة السوريين العملية مع النصوص، تخفف من أهمية توصيات الاجتماع التشاوري، وتجعل قيمة هذه التوصيات مثل غيرها، إذ لم تذهب إلى التطبيق العملي والإجرائي، بحيث تصدر محتوياتها في قوانين، حيث احتاج الأمر، كما في مشروعي قانوني الإعلام والانتخابات المرتقبين، أن تتخذ إجراءات فيما يتصل بموضوعات تحسين بيئة الحياة العامة في سوريا كما في مثال إطلاق سراح السجناء والمعتقلين وبينهم معتقلو الأحداث دون استثناء، والأهم مما سبق كله وضع دستور جديد للبلاد بعد استشارات ونقاشات واسعة، تتوج بعرضه على الاستفتاء الحر للجمهور، ليقول السوريون رأيهم فيه، فيتم اعتماده أو رفضه.

ولا يحتاج إلى تأكيد قول، أن المضي في الخطوات التنفيذية والإجرائية لتوصيات الاجتماع التشاوري من شأنها تحسين بيئة الحياة الوطنية والتمهيد لحوار جدي ومنتج إذا توفرت إرادات في هذا الاتجاه، ولعل التعبير الأول والأساسي عن مثل هذه الإرادة من جانب السلطات السورية، يمثل وقفا نهائيا لمجريات الحل الأمني العسكري وإعادة قوى الأمن والجيش إلى مراكز تموضعها الأساسية، ووقف الاعتقال والملاحقة والتعذيب، والتوجه إلى الخيار السياسي لمعالجة الأزمة باعتباره الخيار النهائي، لأنه لا يمكن السير باتجاهين مختلفين ومتناقضين لمعالجة الأزمة السورية، والتي هي أزمة مركبة تتداخل عواملها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليست قضية تتم معالجتها بطريقة أمنية.

إن فترة ما بعد اللقاء التشاوري بالنسبة للسوريين، هي فترة اختبار للنوايا التي رسمت ملامحها توصيات المشاركين في اللقاء، إذ تضع النظام بين استمرار الحل الأمني أو الذهاب إلى حل سياسي، وهي بالنسبة للنظام فرصة تمهد لانتقاله من خيار الحل الأمني، الذي أثبت عدم قدرته على معالجة الأزمة، والتوجه إلى حل سياسي. غير أنه وفي ضوء تجربة الأشهر السورية الأربعة، فإن ثمة قلقا ومخاوف من أن تتأخر التفاعلات الإيجابية مع تلك التوصيات وما سيتبعها، لدرجة تفقد فيها التوصيات أثرها على واقع الأزمة في سوريا، وتكون نتائج الاجتماع التشاوري وكأنه لم يكن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قتل أطفال الثورات العربية وتشويه جثثهم.. حمزة الخطيب نموذجا .. حمّودان عبدالواحد*

العرب اون لاين

6-7-2011

تناقلت مؤخرًا مواقع على الإنترنت خبرًا مفاده أنّ الشيخ العرعور دعا أتباعَه في سورية إلى أن يرفعوا من وتيرة القتل والاغتصاب ويركزوا على قتل الأطفال وتشويه جثثهم ثم رميهم في أمكنة يسهل فيها إيجادُهم لنقلهم إلى المستشفيات من أجل كسب المزيد من التحريض ضد النظام. ويُختمُ هذا الخبرُ- حسب الرسالة التي نُسبَت إلى العرعور- بكلام يبرّر فيه دعوته المزعومة هاته: "فأنا أريد أن أشفي غليلي من هذا"الوحش "بما أنني لم أستطع أن أشفي غليلي من "والده ".

وبغض النظر عن صحة هذا الخبر أو كذبه، ومن هو مُحرّر نص الرسالة التي كان الغرض منها بكل وضوح هو الترويج لمحتواها، فإنّ الموضوع الذي سنسلط الضوءَ عليه في هذه السطور ينبع من فكرة "التركيز على الأطفال وتشويه جثثهم"، ومحاولة ربطها بالانتقام من والد بشار الأسد الرئيس الحالي لجمهورية سورية.

لماذا التركيز على قتل الأطفال وتشويه جثثهم؟ ما محل كلمة "الوالد"في الوعي السياسي واللغة الإيديولوجية للنظام الحاكم في سوريا؟ سننطلق، للكشف عن المستور والمخبوء في كلّ هذا، من مثال الطفل الشهيد حمزة الخطيب

اللافت للإنتباه في حدث قتل هذا الطفل، أنّ السلطات، على عكس عادتها، قد ردّت جثمانه إلى أهله. ما هي الرسالة التي أرادت أن توصلها من خلال هذا التصرف؟ ولمن بالضبط أرادت أن توجّهها، ألأهل الجيزة فقط أم لكل الشعب السوري؟ أللكبار أي الأمهات والأباء أم للأطفال خصوصا، ومن شابَهَهُم من مراهقين وشباب؟

صحيح أنّ المعنى المباشر الذي يفرض نفسه هنا هو أنّ السلطات أرادت أن تمرّر، عن طريق تعذيب حمزة وبتر عضوه التناسلي وتشويه جثته وقتله رميا بالرصاص، رسالة إرهابية مرعبة لكل من سوّلت له نفسه- من الكبار والصغار على السواء- تحدّي النظام كما فعل الطفل القتيل، لكن يحسن بكلّ من يبحث عن إجابات غير مباشرة للأسئلة أعلاه، أن يبدأ بوقفة مع حمزة- شأنه شأن ما يقرب مائة طفل سقطوا شهداء في سوريا- في دلالته كطفل من جانب، وفي علاقة طفولته بالثورة والشعب من جانب آخر.

بمعنى آخر، لن يتسنى للباحث التعمق في مدلولات الثورة والشعب ما لم يطل التأمل والنظرفي ظاهرة الطفولة. لماذا؟ لأنّ الطفل- على حد تعبير جول ميشلي Jules Michelet في وقوفه على الثورة الفرنسية- هو المفسِّر للشعب، بل هو الشعب نفسه في حقيقته الأصليّة الأولى أي الطاهرة النقيّة، قبل أن يطرأ عليه تغيّر وتحوّل، وفيه تتجلى كل مظاهر الشعب الطبيعية.

إنّ كلّ ما يصدر عن الطفل من مطالب وكلمات وسلوكات تعبّر عن نفسها في عفوية، تجسيدٌ لأحلام الشعب وتطلعاته قبل أن يشل إرادته شعورُ الخوف أو يسيطر على فكره صنم الإيديولوجيا فيقع في فخ غسل الدماغ الجماعي. الطفل هو الذي "يُظهرُ للجميع كيف أنّ الشعب مضطرّ دون انقطاع للبحث عن لغته والحصول عليها، وهما في الغالب يجدان ما يبحثان عنه عن طريق طاقة عجيبة مشحونة بالسعادة".

تأمل مثلا ما يشهد به الشاعرُ الليبي عبد السلام العجيلي حين يقول: "ثورة 17 فبراير لم تقم بها النخبة السياسية أو العسكرية، ولكن قام بها الصغار وتورط فيها الكبار، الشباب كسروا حاجز الخوف، "..."، لأول مرة يسألني أطفالي عن معنى الوطن وليبيا، وقد أخرجوا الأطلس من تحت غبار المكتبة لمعرفة خريطة بلادهم: الزنتان ومصراتة والبريقة واجدابيا وجبل نفوسة وككلة. وامتد اطلاعهم على مواقع مدن تعز وصنعاء في اليمن". وهذا البحث عن الوطن الحقيقي أي الليبي والعربي في نسخته الشعبية لا الرسمية، وهذه الأسئلة التي يطرحها الصغارُ على الشاعر حول مفهوم الهوية هي التي مَكّنتْ هذا الأخير من الوصول إلى ما كان عاجزاً عن تحقيقه من قبل: "بدأت أخيرًا في العثور على نفسي وفهم ذاتي، أعيش حالة ممزوجة بالفرح الكبير الناقص ما دامت لدينا مدن ما زالت تحت حكم القذافي".

ولعله من المفيد، ونحن بصدد الحديث عن الأطفال كصناع للثورة، أن نُذكّر القارئ بقصة لتامر زكريا، الكاتب السوري ذو اللغة الإيحائية والأسلوب الرمزي، عنوانها "الصغار يضحكون"، حتى يقفَ بنفسه على بعض بواذر الثورة، والكيفية التي تبدأ بها، وسرّ قوتها وعلاقتها الوثيقة بالأطفال. هذه القصة يُمْكن تلخيصها على النوع التالي: رأى ملكٌ ذات يوم أطفالا يلعبون وهم يضحكون، فسألهم لماذا يضحكون، فأجابوه- واحد تلو الآخر- لأنّ السماء زرقاء، والاشجار خضراء، والطيور تطير... ولمّا نظر الملكُ إلى السماء والأشجار والطيور وجدها لا تضحك فظنّ أنّ الأولاد كانوا يضحكون عليه... رجع الملك إلى قصره وأعلن قرارا يمنع الشعبَ من الضحك، فأطاع الناسُ الكبار، أمّا الصغار فلم يهتمّوا بأمر الملك، وظلوا يضحكون لأن السماء زرقاء والأشجار خضراء والطيور تطير...

رفض الصغارُ في عفوية وتلقائية ودون هدف سياسي أو قصد إيديولوجي إلا أن يَتحَدّوا الملكَ لا لأنه لا يعجبهم أو لأنهم أرادوا أن يضحكوا عليه... لا، لا، أبدا... بل لأنّ خيالهم الخصبَ الواسعَ يحلمُ باستمرار بزرقة صافية تسكن سماءَهم اللامتناهية، ويرون بعيونهم الطبيعية كل الأشجار خضراء، ولا يخطر على بالهم أبدا أن توجد طيور لا تطير... بل إنّهم يمزجون بين أنفسهم والشعور بالفرح، وبين خضرة الطبيعة وزرقة السماء وتحليق الطيور... نحن أمام استعارة تتكلم من خلالها الحرّيّة، والضحكُ الطبيعي والعفوي وجه ٌ من وجوهها المرفرفة، جناحٌ من أجنحتها البيضاء، والأطفال في كرْكرَتِهم الطليقة قلبٌ في حالة انفتاح ورديّ، وصدرٌ في أجمل انشراح نفسي، كالماء ينساب دون تعثر أو وقوف أمام عائق ما، عذبا صافيا لا تقدر على إفساده أو تكديره قوّة ما... أو كالريح في هبوبها التي لا يعرف أحدٌ متى ستقف وكيف ستنتهي !

وهذه العلاقة القائمة بين الاشياء الموجودة في العالم الخارجي وبين الأطفال هي علاقة ليست مادية ولا منطقية أو موضوعية، إنّما هي نفسية وتنبع من واقع الخيال... وكل شيء يصبح ممكنا بموجب هذا الجنس من العلاقة بين الذات والعالم الخارجي ! وهذا ما لم يفهمه الملك لأن العلاقة بينه وبين الاشياء وغير الأشياء بعيدة عن منطق القرب والإصغاء والانفتاح على الحياة لاستنشاق نبضها واستشفاف إرادتها.

وهذه الإرادة الطبيعية، إرادة الحرية والحياة الموجودة في الإنسان والنبات والطير والحيوان وسائر المخلوقات والكائنات هي التي عابها النظامُ السوري على حمزة ولم يغفرها له. لم يكن حمزة إرهابيا ولا معارضا سياسيا ولا محاربا للنظام يحمل السلاح، إنّما كان طفلا لم يتجاوز الثالثة عشرة من العمر وقام بشيء بسيط للغاية هو ذهابه إلى درعا لنقل الطعام إلى أهلها المحاصرين، وقد أوقِفَ حسب شهود من أهل الجيزة عند حاجز الأمن حيث بدأت مأساته المهولة. الحق أنّ الأبعاد الرمزية التي تحيط بحالة هذا الطفل القتيل ناتجة عن علاقات موجودة في عمق الوعي الباطني بين عدة عناصر تتفاعل وتتحرك في إبهام وغموض في نفسية المجرمين الذين قتلوه.

الذي يسترعي النظرَ في حدث قتل هذا الطفل، أنّ القاتل "جمع بصيغة المفرد" والمقتول لهما أسماء متقاربة من جهة الدلالة، إذ أنّ معنى اسم حمزة في اللغة العربية هو الأسد، مع إضافة "الشدة" كوصف رئيسي من أوصافه الكثيرة. هل هذا التقارب أو التناسب في عناصر دلالة التسمية هو مجرد صدفة أم أنّ هناك علاقة سرّيّة ذات بعد رمزي يمكنها تفسير هذا الشبه؟ هل أراد الحاكم الشاب "بشار" مباشرة أو غير مباشرة عن طريق أخيه "ماهر" وزبانيّتهما من حبيشة وغيرهم أن "يبشر بمهارة "ناذرة محيطه العشائري وشعبَه المعبّد في آن واحد بموت "الأسد" الصغير الناقص التجربة- بالمقارنة مع "الأسد الوالد"- فقام للتدليل على ذلك بقتل حمزة الخطيب أي الطفل الشبل الذي تمرّد- خارج السياسة لانه كطفل لا يعرفها- على الأسد فكان لتمرّده هذا زمجرة أدخلت الرعب على قلوب الأسود الكبار؟ هل من الممكن القول بأنّ نظام الأسد أراد من خلال قتل حمزة أن يعلن ميلاد "زمن الأسد الكبير" الذي أصبح يتجاوز كما يفعل كبار الزعماء في العالم كل ما يُسمّونه "الأخلاقيات الصغيرة"؟

وفي هذا السياق بالضبط، سياق مدلول كلمة الأسد "مفرد يحيل على جمع" يتدخل بعدٌ رمزيٌ آخر فحواه أنّ النظام لا يقبل بأن يكون في الشعب من يشارك رئيسَ الهرم السلطوي في اسمه أو وصف من أوصاف الأسد... الشعب لا بد أن يخضع لمنطق الغنيمة والقطيع، الشعب عليه أن يستسلم كما ترضخ الفريسة لمخالب الأسد... لهذا لا يُسمح لأي كان- حتى ولو كان الأمر يتعلق بالمعاني اللغوية "حمزة"- أن يكون الظل أو الند أو القرينَ للاسد، ملك الغابة وحاكم الحيوانات...

لا تحسبنّ أيها القارئ أنّ هذا النوع من التفسير فيه مبالغة أو مجازفة، إنّما هو اجتهاد يدخل في باب استكشاف المعاني، وخصوصا البعيدة منها أي التي لا تسلم عناصرَها ولا اشتغالها بسرعة وسهولة، وعلى الدارس أن يتحلى بالصبر وعمق النظر حتى يستخرجَها من الأفعال أو الأقوال وأنواع الخطابات الأخرى كما يُستخرَجُ الكنز الثمين من بطن الأرض أو عمق البحر... المهم في مسألة المعاني ما خفي منها لأنّ مستوى اشتغالها يوجدُ في البنية التحتية للغة التي يجب، من أجل الوقوف عليها، الغوصُ في أعماق الوعي التاريخي والانطروبولوجي للأفراد والمجتمعات على السواء.

من هنا أهمية الإلتفات إلى عنصر آخر من عناصر الدلالة الرمزية يدعو بحق إلى الفضول: حمزة هو اسم صحابي جليل، مشهور جدا ويعرفه الكبير والصغير، هو حمزة بن عبد المطلب، وكان عمّا لرسول الله محمّد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وعلامته من بين الصحابة الآخرين أنه "سيد شهداء الإسلام". وحمزة هذا تذكره كتبُ تراجم الصحابة وسيرهم مقرونا بخاصيات الشدة والقوة، والشجاعة والشدة، وكانت هوايته- ويا لها من صدفة!- "صيد الأسود" في البراري والصحاري.

والغريب في الأمر، أنّ قتل حمزة الصغير وحمزة الكبير تمّ بشكل فيه تشابه يدعو للدهشة: كلاهما تعرض وهو جثمان هامد للتمثيل الهمجي والطعن الوحشي. فمثلما أنّ حمزة الصحابي الكبير قد فتحت هند بنت أبي سفيان صدرَه وأخرجت كبدَه فعضتها ونهشتها تعبيرا منها عن نار الحقد والانتقام التي كانت تلتهب في نفسها، فكذلك عومل حمزة السوري الصغير فقد أفرغَ فيه السفاحون المجرمون كلّ ما يطبع ثقافة المتخلفين من جُبن وغباء وجهل وعمى وتجبّر وحيوانيّة...، فعَذبوه وقطعوا عضوَه التناسلي ورموه بالرصاص ومثلوا به شرّ تمثيل !

بالإضافة إلى هذا، لا نبالغ إذا أرجعنا قتل حمزة وأمثاله من الأطفال والمراهقين العرب الذين شاركوا في المظاهرات...، إلى عامل بعيد يكمن في التاريخ العربي الإسلامي الذي لا ريب أنّه حاضر، من خلال الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية، بشكل دائم في وعي السلطات العربية اليوم. كيف ذلك؟ يخبرنا هذا التاريخ بأنّ "القطيعة بين السلطة والشباب كانت أقوى منها في الغالب بين السلطة وجيل الكهول والشيوخ". وكانت هذه القطيعة تؤدّي عموما إلى قيام ثورات يكون وراءها شباب كما كان الحال مثلا مع ثورة "الفتوة" التي كانت سلمية. وهذه الانتفاضات حاضرة في عمق الوجدان الشعبي العربي، وفيما يخص الشام بالضبط، تبقى حركات "الأحداث"- التي سمّاها المؤرخون هكذا نسبة إلى الشباب وحضور المراهقين وأحيانا الصغار فيها- مهيمنة بشكل مخيف على الوعي السياسي للسلطات العربية كتهديد محتمل الوقوع لكيانها ولا يمكن استبعاد خطره الافتراضي من الحسابات السياسية الحالية... ولا يمكن تفسير درجة القمع والعنف الوحشييْن الذيْن عاملت بهما قوات الأمن والجيش المتظاهرين الشباب السلميّين إلا من زاويةٍ استراتيجيةٍ تحاول وأدَ انتفاضة الشعب ومنع وصولها إلى مرحلة الثورة .

من جهة أخرى، يمكن تفسير بتر العضو التناسلي للشهيد حمزة بعوامل نفسانيّة تتحرّك بشكل صامت وخفي لكن فتاك في لاوعي السلطات المجرمة. نعتقد هنا بالعلاقة اللاشعورية الموجودة بين العضو التناسلي للذكر وما يرمز إليه أي مبدأ الأب وشبحه القوي الدائم الحضور عند الأبناء. والحالة هذه، لا نستبعد أن يكون أبناءُ النظام "بشار وماهر وآخرون وهم كثيرون" قد قاموا بقتل الأب "حافظ" في وعيهم الباطني ليتخلصوا من هيمنة صورته التي تلعب دورَ المراقب الثقيل، وسيطرة صوته أو أصداء أوامره ونواهيه التي تُذكّر بسلطانه وسلطويته.

إنّه لمن المحتمَل جدا، أن نكون هنا أمام تعبير مثالي عن الشعور بمسؤولية الإبن اتجاه الأب وفي نفس الوقت بالثورة عليه. قام نظام الأسد منذ جلوس بشار على كرسي الرئاسة باحترام وصية الأب، لكنّه دخل منذ انفجار غضب السوريّين- بعد أربعة عقود من استبداد الحزب الواحد- مرحلة تطبيقها بطريقة هستيرية جعلته يتجاوزها ويعلن أمام الجميع أنه ليس فقط المنفذ للوصية بل أكثر من ذلك أنه الثائر عليها بالزيادة عليها وكذلك بإحلال وصايا أخرى تعوضها وتحل محلها. هنا تظهر الحالة النفسية المبهمة من خلال ازدواجية الشعور اتجاه الأب: عن طريق نفس الفعل "بتر العضو التناسلي لحمزة"، يهدي الإبن لوالده أكبر دليل على حبّه له أو لأبوّته..، وفي نفس الوقت يحقق رغباتِه اتجاهه أي يصبح هو نفسُه أبًا في دائرة السلطة أو ينصب نفسه أبا في مكان والده.

علاوة على هذا، يمكن القول إنّ "ذكر" حمزة يُمَثل في "ذاكرة" السلطات الخائفة من شبح الثورة "تذكارا"- كما التمثال- لكل ما من شأنه أن يكون واقفا منتصبا، رافع الرأس أي ذا حياة وإرادة في التعبير عن نفسه والنظر إلى الأفق و السعي إلى المطلق مثلما هي أصوات الثائرين المرتفعة ولافتات المطالب والرايات التي تعلو رؤوس المتظاهرين وأقلام المثقفين المناضلة وهي تكتب... وكأنّ الذين نفذوا عملية بتر العضو التناسلي لحمزة يقولون للفتى الذي تصرف كما يتصرف الرجال الحقيقيّون: "أنت لست رجلا، وإذا كنت تحسب نفسك كذلك لأنّك تملك ذكرًا فها نحن نقطعه لك عِقابا لتحدّيك لنا، نحن الرجال...".

هكذا، أراد الزبانية أن ينفوا من دائرة الثورة عنصر "الطفولة "لأنها عندهم ليست "رجولة "، لكنّهم– وهنا تظهر الهشاشة الكبرى لتصوراتهم للأشياء وانحرافهم الخطير عن المعاني الانسانية– بالتركيز على جزءية جنسية بالمعنى الضيق للكلمة من جسد الطفل، خلطوا بين "الذكورة " و"الرجولة".

ولسنا نتعجب من هذا الخلط- والمجرمون يستعملون عادة في أزمنة الحروب مثلا اغتصاب النساء كسلاح لمحاربة الأعداء، والسوريون منهم هم الذين وجّهوا هنا تهمة سخيفة وعبثية لحمزة تقول بأنّه حاول اغتصاب نساء جنود النظام!-، لأنّ احتمال وجودِه يأخذ أوجُهَه الغامضة في اللاشعور الجماعي للعرب كلما اقتربنا من دوائر السلطة المختلفة حيث تُسَيّرُ شؤونُ الرعية والمواطنين انطلاقا من مركز اسمه "الأبوّة" التي سرعان ما تتحول إلى "أبويّة "Paternalisme تحت تأثير السلطوية والاستبداد Despotisme .

والحق أنّ محاولة حصر مفهوم "الرجولة" في خاصية "الذكورة" البيولوجية، تتنافى مع محتوى "الرجولة" الرائج في الثقافة العربية وكما تفهمه الشعوبُ المنتمية إليها، إذ هي مجموعة من القيم الشخصية والاجتماعية والانسانية كالشهامة والإباء والعفة والكرم والشجاعة والأمانة والوفاء بالعهود والذوذ عن المظلوم ومحاربة الظالم، وقول الحق... إلخ.

يمكن القول إذن أن قتل الطفل السوري حمزة بالطريقة الشنيعة والوحشيّة التي تعرض لها تعكس على الأقل شيئين عميقين:

- أولا، هي في آن واحد، محاولة من الأسد، كعشيرة ونظام، للتخلص من قرينه الذي يماثله في خاصية شبه، لكن أيضاً رغبة باطنية غير مباشرة للفرار أمام ضغوط النفس والتحرّر منها ولو بقتلها... وكأن نظام الأسد يطلب بوضعه حَدّا لحياة حمزة- أي الأسد الطفل أي الأسد المواطن أي الأسد الشعب أي الأسد السوري- النجدة... هكذا نكون أمام نداء إغاثة ينبأ بنهاية وشيكة وحتمية لطالب النجدة...

- ثانيا، تحيل الطريقة التي تم بها وضع حد لحياة حمزة "الشعب السوري الفتي الشجاع القوي المتدفق المندفع كما هو نداء الحياة في نموها الطبيعي..." على مدى استفحال عقدة الكراهية المزدوجة التي يشعر بها الأسد- كنظام قمعي جبان- اتجاه ضعف شخصيته وعجزنفسه، وجمود فكره وفقر خياله، وفي نفس الوقت اتجاه القيم التي يملكها الآخرُ وتدفعه إلى المطالبة بحقوقه، وهي قيم الشهامة والجرأة والإقدام التي توجد في حمزة...

نعم، ما من شكّ في أنّ هذا الشهيد هو رمز سوريا الفتية التي لا تنطفأ شعلة طفولتها وشبابها، الناظرة نحو الأفق، الواثقة بالمستقبل، الحالمة بغد تسطع فيه شموس الحرية.. سوريا المتطلعة إلى ما وراء الحدود والحواجز، والسدود والقضبان... نعم، حمزة هو سوريا التي قررت بإرادة الحياة أي إرادة الرب الخالق واهب الحرية والكرامة للإنسان...، أن تتكلم، أن ترفع صوتها، أن تعرّي عن صدورها، أن تتحدى نيران زبانية السلطات، أن تتنفس الصعداء بعد أزمنة الإهانة والاستبداد والاستعباد...

وإني- صدّقوني- لأسمع من بعيد روح حمزة، أمير الأشبال الشهداء، وهي "تخطب "في الشعب السوري والشعوب العربية على السواء، تدوّي في زمجرة رعدية تنبثق شرارات من عمق بركان ساكن في ذاكرة الشعوب العربية الغاضبة، الكريمة الحرّة الأبيّة.. تُحَذرالأسد :

لا تحْقِرَنّ صغيرًا في معاملة

قد تُدْمي البعوضةُ مُقلة الأسدِ

أما وأنك ذهبتَ بعيدًا في إهانتك للطفل حمزة، رمز الشعب العظيم، فأبشر يانظام بشار.. أبشر بنهاية الأسد... ذاك الحيوان المتسلط الظالم، الفتّاك المفترس، الراقد في رعين "الحزب الواحد" و"العشيرة" وأدغال "الشبيحة"!

ولنتأمّل، في النهاية، الخطابَ الثالث الذي ألقاه بشار الأسد يوم الاثنين 20 .06 .2011 بجامعة دمشق لنتأكد من أنّ حمزة كان حاضرا بكل ثقله في لغة الخطاب والمكان الذي ألقيت فيه وردود الأفعال الرافضة له.

- أولا، وَصَفَ الأسد- بعد تصنيفه المتظاهرين إلى ثلاثة أنواع "أصحاب مطالب" و"المخربين" و"أصحاب فكر متطرف"، وما تتعرّض له بلاده بمؤامرة– المتآمرين ب"الجراثيم التي تتكاثر في كل مكان...". وهي كائنات صغيرة الحجم لكن مفعولها فتاك وخطير على الصحة... وهو ما عيبَ على حمزة الصغير!

- ثانيا، ألقى الأسد خطابَه في جامعة دمشق، لكن أمام شخصيات من الناس الكبار والكهول والشيوخ، أما الطلبة أي الشباب مستقبل سوريا فكانوا غائبين.

- ثالثا، مِن بين ردود الأفعال السلبية اتجاه الخطاب، جاء تصريحٌ صحافي ذكي، يعبّر عن وعي ونضج كبيريْن في تقييم المحتوى السياسي للخطاب: "خطاب الأسد الثالث تعبير عن أزمة يعاني منها النظام، وأهمها أزمة فهم الواقع، وإدراك مطلب الشعب في الحرية". هذا التصريح صدر عن "ائتلاف شباب الثورة السورية الحرة"، وهو تنظيم سياسي ظهر منذ أيام قليلة... والكلمة المركزية فيه التي تذكّر بحمزة الخطيب، رمز الأطفال والفتيان السوريّين الشهداء، ويمكن اعتبارُها استمرارا لروحه الثائرة... هي "شباب"!

هذه الكلمة هي نفسها التي نجدها في "شباب ثورة تونس" و"شباب ثورة مصر"، وتحيل- كما تشهد بذلك الوقائع في هذين البلدين- إلى نوع وعمق وقوة الخيال والخصوبة والحيوية والعقيدة والإرادة التي صنعت الثورة. وهي كلمة ترتعد لسماعها قلوبُ الصناديد وأفئدة الطغاة، وتسقط أمامها الأصنام!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مجازر سوريا.. مَن يجرؤ على الصمت ؟!.. محمد أبو رمان

الثلاثاء 04 شعبان 1432 الموافق 05 يوليو 2011

الاسلام اليوم

أشعر بالغضب الشديد، المرارة والاكتئاب، كيف يمكن أن نهنأَ بحياتنا مع أبنائنا وأهلنا، ونمارس أعمالنا باعتياد، ونحن نشاهد يوميًّا جرائم بشعة ضدّ الأشقاء السوريين، تضرب نموذجًا في القبح والبشاعة، وتتجاوز الاحتلال الإسرائيلي الذي يسيطر على الأرض، بينما هؤلاء الحكام يتحكَّمون في الأرض والعرض والإنسان!

لم تزدني زيارتي إلى "بيت الشهيد" السوري في عمان، رياض الشايب، إلا ألمًا! فهذا الشاب ابن الثمانية والعشرين عامًا، كانت جريمته وجريرة أهله أنَّه شارك في مسيرة يوم الجمعة، فجاءه زبانية الليل، لكن هذه المرَّة بمهمَّة أخرى غير الاعتقال، إنّها القتل العنيف، مع ساعات الفجر الأولى، فقُتل على سريره برصاصات عدة، وأمام ناظرَيْ والديه العجوزين، وأشقائه الذين تَمَّ اصطحابهم مع زوج شقيقته إلى "معسكرات الاعتقال"، ولا يعلم إلاّ الله، ومن معهم وأحضرهم، ومن خبر هذا الإجرام، ما يذوقونه اليوم من ويلات العذاب والتنكيل مع آلاف المعتقلين الآخرين!

اليوم ندفع ثمنًا باهظًا لنيل حقِّنا في الحرية الآدميَّة، لكنَّنا لا نملك إلا أن ندفعه، نحن الشعوب العربيَّة، وإلا فلا أمل لنا بأي مستقبل يجعلنا نعود إلى مرتبة "البشر" ونخرج من هذه "المزارع"، التي تتعامل مع بني "الإنسان" وكأنهم "جرذان" أو "جراثيم"، وقد أتقن كلا الزعيمين (الليبي والسوري) التعبير عن رؤيتهما الدقيقة لشعوبهما.

تحرُّرُنا من الخوف والرعب الذي سكن قلوبنا قرونًا طويلة هو المدخل لعصر الحرية، وهو الشرط الرئيس لآدميتنا وإنسانيتنا، بغير ذلك فإننا لا نحكم على أنفسنا، بل على مستقبلنا وأبنائنا بحياة أكثر سوادًا وأشدَّ سوءًا مما وصلنا إليه!

هذه اللحظة التاريخيَّة الفريدة بمثابة الفرصة الاستثنائية للانعتاق من هذا الواقع، هي لحظة نثور فيها أولًا على ثقافتنا، التي سوَّغت لنا قبول الظلم والطغيان والذلَّة والإذلال والحياة المُهينة، فقط لأنّنا امتلأنا بالأوهام عن هؤلاء الحكام، وتلك الأنظمة، وما هي إلا نسيج خوفنا وثقافتنا، وصنيع علماء ومثقفي السوء الذين جبروا دنياهم بكسر آخرتهم، وأرضوا شهواتهم ببيع ضمائرهم.

ليس مهمًّا إن كان الدستور أولًا أم الانتخابات في مصر، أو السجال الإسلامي- العلماني، أو قصة الممانعة الزائفة والديمقراطيَّة، ولا شكل نظام الحكم، ولا النظام الانتخابي، فهنالك معركة "الإنسان"، الحرية هي الوجود، ولا يجوز أن نخسر هذه اللحظة التي نُنهي فيها استعبادنا وإذلالنا بعد اليوم.

نعم، واقعنا مرير، والشعوب العربيَّة ما تزال تُحكم بما قَبل "العقد الاجتماعي" لكن ما يحدث في سورية اليوم تحديدًا هو عارٌ يكلّل جبيننا جميعًا، هو مسحة خزي على المتآمرين والصامتين والمطبِّلين والمزوِّرين، هو فضيحة لمثقفي وسياسيي وحزبيي وكتّاب السوء، وهو خيانة حقيقية للضمائر والعقول.

اتفقوا أو اختلفوا ما شئتم حول سياسة هذا النظام وتوصيفه، لكن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو القبول بما يحدث مع أطفال الشام ونسائها وشيوخها وشبابها!

من أراد أن يدافع عن هذه "الجرائم الهمجيَّة"، فليطلبْ أولًا بالوقاحة نفسها التي يتبجَّح بها ضدّ "هؤلاء الأبرياء" أن يذهب إلى المعتقلات والسجون ليتأكد أنّهم يتعاملون فيها مع "بشر"، وليس "جراثيم"، أن يطلب بأن يسمع من أهالي المحافظات والقرى والمدن التي تَمَّت استباحتها حقيقة ما حدث، بعدها فليسمعنا رأيه العظيم!

في أحاديث السياسيين عبارة "من يجرؤ على الكلام" أما اليوم فالسؤال هو "من يجرؤ على الصمت؟!".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية... بين معارضة الداخل والخارج .. عبدالرحمن الخطيب *

الاربعاء, 06 يوليو 2011

الحياة

لم يحسب الرئيس السوري حافظ الأسد حساباً أن خليفته باسل ربما يقضي قبله، فحين توفي ابنه باسل كان همه الأكبر من سيخلفه في الحكم. كانت هناك ضغوط عائلية كبيرة عليه، تمثلت في خلاف بين سيدتين من أسرة مخلوف، والدته التي تميل إلى ترشيح أخيه رفعت أو جميل، وزوجته التي لم تكن لتقبل إلا بابنها بشار؛ لأن أخيه ماهراً كان صغيرا آنذاك، فهو من مواليد 1966. وبعد وفاة والدته مالت الكفة إلى ترشيح بشار.

الحقيقة التي يعلمها الشعب السوري أن حزب البعث، والقيادتين القومية والقطرية ليست إلا واجهة كرتونية لحكم الأقلية الطائفية، ولكن حافظ الأسد أراد الدخول من خلالها لتوريث ابنه بشار. ولكي يهيئ الجو سياسيا لهذا الشاب الذي لا يزال في مقتبل العمر، وليس له أي دراية في السياسة وإدارة الحكم. أراد الأسد الأب أن يدخل بشار من نافذة حزب البعث، فعينه مسؤولا كبيراً فيه، ودعا إلى المؤتمر القطري التاسع الذي لم يجتمع أعضاؤه منذ 15 عاماً. وللتحضير لما يسمى بالديمقراطية الحزبية، ولإيجاد بدائل موالية لابنه، قام حافظ الأسد بقصقصة أجنحة الحرس القديم، وطرد العديد من الضباط والسياسيين؛ مما زاد من عدد المعارضين للعائلة الأسدية حتى من الطائفة نفسها.

إن للمعارضة السورية في الداخل والخارج تاريخاً عريقاً لا يخفى على أحد. ففي الخارج كان من أوائل المعارضين للحكم جماعة الإخوان المسلمين، التي طاردها النظام في الداخل؛ بل وفي الخارج، حين أرسل حافظ الأسد مخابراته لقتل عصام العطار، فقتلوا بالخطأ زوجته بنان الطنطاوي، ابنة الشيخ علي الطنطاوي. وما زالت هذه الجماعة تزعج النظام طوال أربعة عقود مضت. ثم توالى بعدها هروب بعض الشخصيات المعارضة للنظام إلى الخارج، ممثلة في القوميين العرب، والناصريين، والشيوعيين، بل من البعثيين على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم، مثل: حمود الشوقي الذي كان سفير سورية في الأمم المتحدة، وأحمد سليمان الأحمد، وشبلي العيسمي، ومحمد الجراح، وأحمد محفل. ثم لحق بهم في ما بعد الكثيرون، منهم: رفعت الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد، وعبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية، والدكتور برهان غليون، والدكتور هيثم مناع، وعبد الرزاق عيد رئيس المجلس الوطني لإعلان دمشق، والدكتور رضوان زيادة.

المعارضة الداخلية ليست أقل حظاً مما نالته المعارضة الخارجية من قمع، واضطهاد، وكتم لحرية الرأي. فقد عانت تلك المعارضة من بطش النظام لهم، وسجنهم لسنوات طوال بسبب آرائهم السياسية. فبعد ما سمي ربيع سورية اعتقل النظام العديد منهم، مثل: المحامي هيثم المالح عميد المعارضة السورية، وابن الطائفة العلوية الدكتور عارف دليلة، وميشيل كيلو أحد المشاركين في صياغة إعلان دمشق، وفايز سارة القيادي في تأسيس لجان إحياء المجتمع المدني، ومأمون الحمصي عضو البرلمان السابق، ورجل الأعمال رياض سيف.

بعد اندلاع الثورة الشعبية في 15 أذار مارس من هذا العام، بدأ الخلاف بين معارضة الداخل والخارج يطفو على السطح. فمعارضة الخارج ترى أن لها الأسبقية في رسم الحركة السياسية لمستقبل سورية، على اعتبارها الأقدم في معارضة النظام. بينما يرى المعارضون في الداخل أن لهم الأحقية في إدارة المرحلة الانتقالية، لأنهم كانوا أكثر معاناة من معارضة الخارج، فبقوا في سورية ولم يهاجروا، ودخلوا السجون وتحملوا التعذيب والاضطهاد اكثر من أقرانهم في الخارج.

الشهر الماضي حين اجتمع بعض معارضي الخارج في مدينة أنطاليا التركية، كانت نتيجة الاجتماع في الحقيقة رمادية وضبابية، فالغالبية صوتت على إسقاط النظام، ولكنهم لم يتفقوا على شيء آخر غيره. ثم جاء الاجتماع الثاني لمن يجتمع في الأول في مدينة بروكسل ليؤكد على إسقاط النظام، مع طرح بعض الأفكار التي تؤسس للمسيرة الديمقراطية. ثم تكررت التجربة الثالثة في إسطنبول لاختيار أعضاء المؤتمر الوطني. ولكن هذه الاجتماعات الثلاثة أجلت بوضوح حقيقة الخلافات الآيديولوجية والعقدية.

معارضة الداخل لم تتمكن طوال الشهور الثلاثة الماضية من أن تسجل أي حضور لافت، خلا بعض المداخلات مع بعض القنوات الفضائية لدقائق معدودة. قبل أسبوعين، وتحت الضغط الدولي على النظام، وفي محاولة منه للهروب من هذا الضغط، أوعز النظام إلى بعض المعارضين له باعتدال بالاتصال ببعض رموز معارضة الداخل للاجتماع في دمشق، تحت عنوان «تحت سقف الوطن»، أي برعاية النظام، وكأن الديموقراطية هبطت على النظام فجأة كالوحي. بدا من الاجتماع أن تركيبة الذين حضروا هم من لون أيديولوجي واحد تقريبا، وهو اللون اليساري الاشتراكي. كان بعضهم، قبل أسبوع واحد فقط، قد خرج على القنوات الفضائية السورية مؤيداً للنظام، ومتهماً المتظاهرين بأنهم حثالة. ومنهم من كانت وجوههم مجهولة جهلاً تاماً، خلا بعض الممثلين والفنانين. وتم تطعيم من حضر بمعارضين معتدلين؛ لأن المعارضين الحقيقيين مثل الدكتور عارف دليلة وحسين هويدات وغيرهم رفضوا الحضور.

المعارضون المعتدلون لم يتجرأ أحد منهم على التصريح بإسقاط النظام؛ بل اتهم بعضهم معارضة الخارج بالعمالة، وبأنها تمثل أجندة أجنبية. والحقيقة أنه كان واضحاً أن اجتماعهم كان غطاء شرعياً لإنقاذ النظام من أزمة التدويل، ففي بيانهم الختامي ركزوا على رفض التدخل الأجنبي. وقد تعمد النظام أن يكون هذا الاجتماع في اليوم نفسه الذي التقى به بشار الأسد مع عضو من الكونغرس الأميركي، وعضو في البرلمان البريطاني، مما عدّه الكثير أنه ليس إلا مسرحية هزلية تُعرض للضيفين. ورأى بعضهم أن هذا الاجتماع لا يخلو من بعض الإيجابيات، منها: التأكيد على دعم الانتفاضة الشعبية السلمية، التي تنادي بانتقال سورية إلى دولة ديموقراطية تعددية، والمطالبة بإنهاء الخيار الأمني، وسحب القوى الأمنية من المدن والقرى، وتشكيل لجنة للتحقيق في قمع التظاهرات السلمية المناهضة للنظام، والدعوة إلى ضمان التظاهر السلمي، وإطلاق جميع المعتقلين السياسيين.

تعليق المعارضة في الخارج لم يتأخر، فقد صرح بعضهم أن هذا الاجتماع لا يمثل معارضة الداخل في غياب التمثيل الحقيقي لجميع أطياف ومذاهب الشعب السوري. في إشارة منهم إلى غياب تمثيل جماعة الإخوان المسلمين وممثلين عن تنسيقيات الثورة الشعبية. هذا الأمر زاد هوة الخلاف بين معارضة الخارج ومعارضة الداخل، فكان المستفيد الوحيد من هذا الخلاف هو النظام نفسه.

* باحث في الشؤون الإسلامية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عيّنة المجتمع... الفرد..خالص جلبي

تاريخ النشر: الأربعاء 06 يوليو 2011

الاتحاد

يذكرنا ما تكرره بعض الإذاعات العربية في مواجهة التظاهرات في بلدانها، بكلمات فرعون في مواجهة خروج بني إسرائيل من العبودية: "إنهم شرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنها لجميع حاذرون". وهذا يعني أن جوهر الصراع بين موسى وفرعون يعيد دورته التاريخية، وإن بأشكال مختلفة، وهذا هو المغزى العميق من ذكر موسى في القرآن أكثر من مائة مرة.

وعندما يحلل المؤرخ "توينبي" ظاهرة انبثاق الحضارة، يرى أنها "الاستجابة الملائمة للتحدي"، فيقول إن الموت وضع يده الباردة على المجتمع الفرعوني عندما انتقل التحدي من "الطبيعة" إلى "النفس"، فعجزت الحضارة الفرعونية عن مجاراة ذلك التحول، حيث كان المجتمع قد دخل ليل التاريخ، وفقد الطاقة الإبداعية، وتكسر إلى شرائح من المستضعفين والمستكبرين.

وكانت مهمة موسى محصورة في خطة ثلاثية المراحل: الخروج بجيل "الخوف" من مصر، ثم دفن جيل "التيه" في الصحراء، وأخيراً خروج جيل "الحرية" إلى العصر الجديد.

ولا توجد قصة مشروحة بتفصيل، مع رسم كل المشاعر الدقيقة وخلجات النفوس والتعبيرات، كما هي قصة مواجهة موسى لأعظم حضارة على ظهر الأرض يومها، لكنها كانت قد أصبحت حضارة شائخة، إذ ارتفعت فيها الأصنام والهياكل ومات فيها الإنسان. وبينما كانت ترفع الأهرامات كمدافن لأشخاص زائلين، كانت عظام أمم كاملة تطحن في مقابر جماعية.

إن بني إسرائيل نجحوا في عبور البحر تحت مظلة المعجزة، لكن لم يكن من أمل في جيل تركت السياط في ظهره أنفاقاً.

وعند المرور على قوم يعكفون على أصنام لهم، قفزت مجموعة لتقترح على موسى أن يجعل لهم "إلهاً كما لهم آلهة". وعندما رجع بالألواح ليرسي التشريع في المجتمع، كان القوم يعبدون عجلاً جسداً له خوار. وفي النهاية، وأمام تحدي دخول الأرض المقدسة، دعا موسى ربه أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، إلى أن يخرج جيل جديد يعشق الحرية. ومن ذلك يستنبط ابن خلدون دورة الأجيال.

إن مرض "بني إسرائيل" كان "ثقافياً" وليس جينياً (وراثياً)، وما من أمة محصنة ضد الإصابة به.

والأمر شديد الدلالة في قصة بني إسرائيل هو الوحي والمعجزة والقيادة المبدعة، أي العناصر الثلاثة التي يفتقدها المجتمع العربي حالياً، والتي يمكن أن تشكل مخرجاً من هذا الاستعصاء التاريخي.

إننا نتمتع بميزة فريدة، فبينما عمل الأنبياء السابقون من داخل قانون المعجزة، عمل نبينا صلى الله عليه وسلم على سنن تغيير المجتمع داخلياً، فلم يدمر مجتمع قريش بالطوفان أو الزلزال أو الجراد والقمل والضفادع والدم، بل بالمراهنة على أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله. وقد تحقق التحول في نصف جيل. لكن ميزان الزمن انقلب اليوم، فعوضاً عن خروج بني إسرائيل من الأرض الظالمة، يتم اختراق حزام دول التيه والخوف من كل مكان؛ بالإنترنت، والمحطات الفضائية، والكلمات المنقوشة في الهواء على ثبج البحر الأخضر الإلكتروني.

إن التحول هنا، كما يقول "توفلر"، يحد دون نقلة جغرافية. والمراهنة هي على ارتفاع مستوى الوعي عند جيل "التيه" كي يزول الخوف.

ويروي مالك بن نبي عن جيلين من الصينيين اجتمع بهما في باريس، أن الأول كان يلتفت حوله وحينما ينطق يرتعش من الخوف، والثاني كان يتحدث بقوة ويعبر بصراحة؛ فالفرد عينة من المجتمع مثل عينة الدم من الجسم، قد تكون سليمة وقد تكون مصابة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإصلاح والدم والسقوط .. عبد الوهاب بدرخان

تاريخ النشر: الأربعاء 06 يوليو 2011

الاتحاد

في الأسابيع الأخيرة أرسل الزعيم الليبي إشارات كثيرة تنمُّ عن استعداد للتنحي، مع شروط متدرجة. استخدم قنواته الإفريقية، وحاول إقحام فرنسا. جعل أفراداً من عائلته مروّجين لحصول تفاوض مباشر وغير مباشر مع المعارضة. كان يمكن لهذا التحرك أن يفلح لو أنه نجح في تزويد الوسطاء بأي ضمان يثبت أنه جاد هذه المرة. كان يبحث فقط عن أي وسيلة تؤخر أو تحول دون إصدار مذكرة توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية. أخفقت المناورة فأخرج تظاهرة حاشدة في الساحة الخضراء في طرابلس، لكنه منع الصحافيين الأجانب من الاقتراب، أرادهم أن يروا المشهد من بعيد وألا يختلطوا بالمتظاهرين لأسباب غير مجهولة.

كان الخطاب الصقري المرافق لصور الحشد واضحاً في إظهار غضب القذافي وتعبه وسأمه. إذ خسر أخيراً إمكان الحصول على أي استثناء من الملاحقة في حال قرر لاحقاً الرحيل إلى منفى ما، أو حتى لو قبل بالاحتجاب في منطقة معزولة داخل ليبيا. أصبح رجلاً ملاحقاً ومدعوّاً إلى المساءلة والمحاكمة. وفي ذاك الخطاب أعاد استخراج كل الأوراق التي لوّح بها في الأسبوع الأول للأزمة: الحوار من خلال اللجان الشعبية، والإصلاح من خلالها أيضاً، النفط للشعب، والسلطة له أيضاً، مع الحرص الدائم على التبرؤ والتخفف بل التعفف عن أي منصب حالي أو سابق أو لاحق... كل ذلك فقد قيمته، ولم يعد صالحاً لصنع أي حل سياسي.

مشكلة القذافي أنه كان مكشوفاً ومفضوحاً إلى حد لم يتصوره أبداً. إذ لم يكن أحد يجهل أنه الحكم والحكم هو، أمناً وسياسة ونفطاً، ولم يترك مجالاً لنشوء مؤسسات حقيقية. أما مستقبل الحكم فكان موضوعاً محتكراً داخل أسرته أو في الحلقة الضيقة جدّاً من الأنسباء. لذلك لم يكن مستغرباً أن أحداً لم يصدقه أو يصدّق نجله -الوريث المفترض سابقاً- عندما تحدث عن "إصلاح" لم يكن أصلاً في قاموسهما.

في اليمن وسوريا، كما في ليبيا، وقبلهما في مصر وتونس، وقع النظام أولاً في فخ قوته وصلابته فاستهزأ بالشارع، وعندما أقلقه خروج الناس وهتافهم ضده استدرج نفسه إلى الفخ التالي، وهو سفك الدماء. وإذ زاد القلق وزاد القتل ارتسم الفخ الثالث وهو السقوط الذي لا مناص منه. وبمعزل عن الوتيرة والقدرة على مقاومة الضغوط والفائدة ألمرتجاة من إطالة الأزمة، فإن كل ما بذل ويبذل لتفادي السقوط لم يكن واقعيّاً سوى محاولات إما لإيجاد تسويات تبقي بعضاً من "إنجازات" العهد السابق، أو البحث عن مخارج مشرِّفة. من ذلك، مثلاً، إصرار الرئيس اليمني على إكمال ولايته بأي صيغة. ومثله إصرار القذافي على تفاوض يؤكد أنه لن يشترك فيه. وكلاهما يشير إلى السند القبلي الذي يتمتع به، علماً بأن هذه الدعامة لم تعد على التماسك الذي يدّعيانه. ومن ذلك، أيضاً، اتباع الرئيس السوري منحنىً جدليّاً تجريبيّاً في سعيه إلى رسم خريطة طريق للخروج من الأزمة.

الملاحظ أنه حيثما بقي شيء ولو هزيل من المؤسسات بالمعايير الصحيحة، أمكن الحديث عن إصلاح. هذا ينطبق إلى حد ما، ونظريّاً، وبكثير من التحفظات، على الوضع اليمني. ومع ذلك، لم يقتنع أحد بأن تلك "المؤسسات" كافية ومؤهلة لتصفية كل إرث الحكم الفردي المتلاعب بالمؤسسات والقوانين، وخصوصاً للتعامل مع "المؤسسات" الموازية التي أقيمت أساساً لحماية الحاكم والنظام أكثر مما استهدفت أمن الدولة والشعب. ولقائل أن يقول إن في سوريا مؤسسات، لكن الواضح أنها انكشفت في غمرة الأزمة ولم تبدُ قادرة على التعامل معها. ذاك أنها مؤسسات صورية تستخدم لتلميع صورة النظام، وهي مهمة انتهت بها الأحوال إلى العجز عن القيام بها.

رأينا في هذه الأزمات أن النظام أصبح طالباً للحوار وملحّاً عليه، وأن الشعب يرفضه. هذه السلبية هي الرد التاريخي على عقود طويلة اختار خلالها النظام أن يصمّ آذانه. وعموماً، أي حوار يراد منه إبقاء النظام واستخدام الثورات لتجميله لن يؤدي إلى هذه النتيجة. الحلول السياسية السلمية تبدأ في الوقت المناسب، وليس بعد انفجار الغضب، لكنها تأتي خصوصاً إذا لم يسفك دم الشعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية والفخ الأميركي .. محمد صفري *

الاربعاء, 06 يوليو 2011

الحياة

ينقسم المشهد السوري في الوقت الراهن الی تيارين، الاول مؤيد للرئيس بشار الاسد، والثاني معارض له. ويبدو أن التيار الاول أوسع من الثاني، على رغم ان اعداد المعارضين لا يستهان بها. وعلى خلاف حوادث مصر وتونس واليمن وليبيا، وشعوب الدول هذه أرادت اسقاط روساء هذه الدول، تؤثر حوادث سورية تأثيراً مباشراً في المعادلات السياسية بالمنطقة. وتؤثر في ايران من جهة، وفي تركيا من جهة اخری.

فتركيا تريد بعث مجدها التاريخي، اثر بلوغ السلطة الحكومية صبغتها الاسلامية. وهي تسعى في لعب دور اكبر في القضايا الاسلامية. ولذا، تتوجه الانظار الى اللاعب التركي في المنطقة. واصطفت أنقرة الی جانب السياسة الاميركية والغربية من سورية. وهي رأس الحربة في هذه التطورات. وخير دليل على الدور هذا الديبلوماسية التركية الفعالة، وزيارة رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، الدول التي شهدت ثورات شعبية مثل مصر، وزيارات وزير الخارجية عدداً من الدول ومنها ليبيا.

ولا يستهان بأهمية التطورات السورية. فقائد الثورة الاسلامية في ايران يميز بين ما جری في تلك الدول وما يجري في سورية. وهو أوضح ان الولايات المتحدة تسعی لاستنساخ حوادث مصر وتونس واليمن وليبيا لتطبيقها في سورية، واستهداف خط المقاومة.

وحريّ بالمعارضة السورية ادراك ان حكام مصر وتونس واليمن كانوا غارقين في المستنقع الاميركي، وأن شعوب تلك الدول طالبت بإطاحة هؤلاء الحكام جزاء علاقاتهم الاميركية. ولكن هل الحكومة السورية هي حكومة عميلة للولايات المتحدة والصهاينة؟ فسورية تصدت لتهديدات الكيان الصهيوني، ودفعت ضريبة وقوفها في خندق المقاومة. ووقفت الجمهورية الاسلامية الايرانية الی جانب الحكومة والشعب السوري. وعليه، يفترض بالاوساط المعارضة في الشعب السوري ان تدرك حقيقة ثورات الشعوب العربية الموجهة ضد الولايات المتحدة والصهيونية.

ولا ننكر أن مطالب المعارضة السورية مشروعة. ولكن المعارضة هذه مدعوة الى الابتعاد عن الاهداف الاميركية والصهيونية التي تسعى الى اركاع سورية وضمها الى مشروعها ومخططها. وهذا يتعارض مع ما تنادي به الشعوب العربية الاخری.

ونرى أن الرئيس السوري بادر الى خطوات اصلاحية تحاول الاستجابة لمطالب الشارع المعارض. ولذا يجب منح الخطوات هذه الفرصة لاحباط المؤامرات الخارجية وتلبية المطالب الشعبية.

وعلی المعارضة ان تفكر بمستقبل البلد اذا سقط الحكم؟ فهل ستسمح الولايات المتحدة والصهيانة للسوريين بتقرير مصيرهم؟ وهل هم على ثقة أن حرباً أهلية لن تقع؟ وهل يأمنون أنهم لن يقعوا فريسة الجيش الاميركي وحلف الناتو؟ ان الحكومة السورية مدعوة الى ان تكاشف شعبها بمثل هذه الامور وأن تحذرهم من أخطار التطورات.

* صحافي، عن «سياست روز» الايرانية، 5/7/2011، اعداد محمد صالح صدقيان

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون فيما يسبق «الحوار الوطني» ... فايز سارة

الشرق الاوسط

6-7-2011

لعله لا يحتاج إلى تأكيد القول: إن فكرة الحوار الوطني باتت الفكرة الأكثر حضورا في ظل الأزمة السورية، على الرغم من تناقضات المواقف التي تحيط بالفكرة، وهي تناقضات لا تستند إلى معارضة السوريين لفكرة الحوار الوطني، التي كثيرا ما أظهر السوريون ميلا إليها، حيث القطاعات الأكبر من السوريين مؤمنة بأن الحوار ليس سبيلا لمعالجة المشاكل، ومنها الأزمة الراهنة فحسب، بل طريقة لعيش السوريين، وللتفاهم فيمن بينهم، وهم الذين كانوا وما زالوا يشكلون تلوينات متنوعة عاشت في هذه البقعة، وسوف تعيش.

إن الأساس في تناقضات الموقف من فكرة الحوار في اللحظة الراهنة إنما يستند إلى طبيعة التطورات الجارية، التي باتت تقسم السوريين إلى ثلاثة مواقف مختلفة بصدد الحوار. أول هذه المواقف يتمثل في موقف المعارضة السورية، سواء الجماعات السياسية أو الشخصيات الوطنية، وكلها تجمع على تأكيد فكرة الحوار باعتبارها الطريق نحو خلاص سوريا من أزمتها الراهنة، بل إن هذا النسق من السوريين يعتبر أن الحوار هو الطريق الأمثل من أجل فهم سوري أوضح لطبيعة الأزمة وأسبابها، وأشكال الخروج منها.

غير أن موقف المعارضة في موضوع الحوار تأثر، على نحو واضح، بمجريات الأزمة نتيجة انخراط السلطة في المعالجة الأمنية العنيفة للأزمة وذهابها إلى الأعمق في إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وشن حملات الاعتقال والمداهمات ومطاردة الناشطين، ثم الذهاب إلى الأبعد في إدخال الجيش إلى معالجات الأزمة، مما دفع المعارضة إلى المطالبة بوقف مسار الحل الأمني، واتخاذ خطوات إجرائية بينها إطلاق المعتقلين والسماح بالتظاهر السلمي والآمن إلى جاب خطوات سياسية، تشمل إعلانات لإصدار قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية وآخر للإعلام، الأمر الذي يعيد بناء الثقة، ويسهل الدخول في عملية حوار، تقود إلى حل الأزمة وفق جدول موضوعي وزمني، يتم الاتفاق عليه عشية بدء الحوار.

وفي مقابل قبول الحوار من جانب المعارضة ووسط مطالبتها بتوفير بيئة للحوار، اتخذ الشارع السوري مسارا هو الأكثر تشددا في موضوع الحوار. وبخلاف ما كان ظاهرا في الأسابيع الأولى من حركة الاحتجاج والتظاهر في الميل إلى الحوار مع المسؤولين ورجالات السلطة، والرغبة في التفاعل مع حلول ممكنة للمشاكل المطروحة، فقد أخذ رفض الحوار ولقاء المسؤولين يصعد، والسبب، كما يبدو، مستمد من أمرين اثنين، أولهما: عدم جدية أو جدوى الإجراءات الرسمية الهادفة وعدم قدرتها على تهدئة الشارع، ومثال ذلك: أن حالات العفو عن السجناء والمعتقلين لم تكن عامة وشاملة، أو أن رفع حالة الطوارئ لم يتجسد عمليا بصورة تبدل حياة الناس وعلاقتهم بالأجهزة الأمنية، والعامل الثاني في تصعيد موقف الشارع من الحوار أساسه ذهاب السلطات إلى الأبعد في إجراءات الحل الأمني من خلال استمرار إطلاق النار والقتل والاعتقالات، واقتحام المدن والقرى، مما أدى إلى تزايد الغضب في أوساط المحتجين والمتظاهرين.

وإذا كانت تطورات موقفي المعارضة وحركة التظاهر من فكرة الحوار قد تأثرت بموقف السلطات وممارساتها العملية، فإن ذلك لا يعني أن السلطات كانت لديها فكرة عن الحوار، أو أنها كانت عازمة على الذهاب إليه، وأن فكرة الحوار كانت موضوعا داخليا بقدر ما كانت خطابا موجها للخارج؛ إذ إنه، طبقا لما جرى القيام به، فإن الأزمة في سوريا، كما بدت للنظام وأجهزته، ليست أكثر من قضية أمنية فيها محتجون متظاهرون وبعض «المسلحين»، ويمكن معالجتها بإجراءات أمنية تتواصل، ستؤدي إلى وقف حركة الاحتجاج، ولو بالترافق مع استجابة لطلبات تتعلق بالعمل والخدمات في بعض المناطق لتحسين مستويات حياة الناس في مناطق الاحتجاجات، وربما القبول بخطوات إجرائية ذات طابع سياسي، منها: رفع حالة الطوارئ، وإصدار عفو عام في إطار حركة إصلاحية، كانت السلطات السورية، تحدثت عنها وحولها في الأعوام العشرة الماضية.

لقد عكست هذه السياسة في التعامل مع الأزمة في سوريا استهانة بما حدث ويحدث، وفي الأبعد من ذلك عكست ضعفا في تقدير الوضع القائم، وما يمكن أن يتطور إليه الحال، وهو ما قاد إلى تجاهل الأزمة، بل إن الوزير المعلم في مؤتمره الصحافي الشهير تساءل عن الأزمة، بمعنى أنه كان ينكرها، على الرغم من أنه في المؤتمر ذاته تكلم عن الحوار وإمكانيته بالمساعدة في التوصل إلى حل يعالج الوضع القائم.

إن فكرة الحوار في جانبها الداخلي من الناحية الرسمية كانت أكثر تبسيطا مما هي عليه لدى المعارضة أو لدى شارع المحتجين؛ إذ هي تتضمن تقديم آراء واستشارات للسلطة حول ما يمكن القيام به من خطوات على طريق معالجة الوضع الحالي، وهذا يعني أن السلطات غير ملتزمة بما يمكن أن يفضي إليه الحوار من نتائج، ولأن الوضع على هذا النحو في الفهم الرسمي لفكرة الحوار ونتيجته، فقد بدا من الطبيعي استمرار تفاعلات الحل الأمني في الوقت الذي يجري فيه الحديث، وتتم الاستعدادات لإقامة أولى جلسات الحوار.

خلاصة الأمر: إن السوريين مستمرون في دورانهم حول فكرة الحوار والالتباسات المحيطة به، بمعنى أن المعارضة مستمرة في مطالباتها ببيئة الحوار والمتظاهرين في رفض الحوار، والسلطات في استمرار خيارها الأمني بالتزامن مع الكلام عن الحوار، وكله يدفع لسؤال أساسي عما يمكن أن يفضي إليه الحوار السوري إذا حصل!

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com