العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17/06/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

سياسة حافة الهاوية  .. بقلم / أنور صالح الخطيب

كاتب وصحفي أردني

الراية

13-6-2012

بات النظام السوري يتبع سياسة حافة الهاوية باستخدامه المروحيات العسكرية في قصف المدن والبلدات السورية ومطاردة الجيش السوري الحر سعيا لإخماد الثورة الشعبية المتواصلة منذ خمسة عشر شهرا والمطالبة بالحرية والتغيير.

سياسة حافة الهاوية لا يمكنها أن تنجح في ظروف القتل والمجازر التي يرتكبها النظام أن تحقق أهداف النظام وتؤمن بقاءه في السلطة فلكل فعل رد فعل وكل نقطة دم سورية تسيل على يد عصابات النظام ستخلف وراءها ثائرا ومطالبا بالقصاص.

النظام في سوريا لا زال منحازا لروايته عن المؤامرة والعصابات المسلحة التي تستهدف الناس بالمجازر وهي الرواية التي لا يمكن أن يصدقها أحد ويكذبها الجميع وآخرهم الكاهن اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو مؤسس رهبنة دير مار موسى في شمال دمشق الذي عمل من أجل الحوار بين المسيحيين والمسلمين، والذي أعلن أنه سيغادر سوريا.

الكاهن الإيطالي اليسوعي الذي لا يمكن أن يكون عضوا في القاعدة أو أي تنظيم إرهابي ندد بما وصفه"التضليل الإعلامي" في سوريا. وقال إنه يجري "تضليل قسم من الرأي العام" من قبل أولئك الذين يوهمونه بأنها "مجرد معركة ضد الإرهاب". مضيفا أن هذا "الكذب" تردده "حتى وسائل إعلام كاثوليكية.

الصورة التي ينقلها الراهب الكاثوليكي ليست وردية عما يجري في سوريا فهو يصف ما يحدث هناك بأنه "مأساة مسلمة يجد المسيحيون أنفسهم فيها".

ليس جديدا القول إن الثورة السلمية في سوريا قد تحولت إلى ثورة مسلحة بسبب عنف النظام وهمجية عصاباته المسلحة التي باتت تقتل على الهوية والمذهب والطائفة وبالتالي لا يفاجأ أحد بما يمكن أن يجره العنف الأعمى من مسلكيات وممارسات من قبل"الثوار" كرد فعل على ممارسات النظام وعصاباته. وهي ممارسات غير مقبولة ومدانة على كل حال.

إن ما يجري في المدن والبلدات السورية من عمليات قتل وقصف وتعذيب على يد الطرف الأقوى في المعادلة وهو هنا النظام السوري يندى لها الجبين ولا يمكن لأي ضمير إنساني أن يتقبلها تحت أي مبرر وسياسة حافة الهاوية والأرض المحروقة التي يتبعها النظام لا يمكن أن تؤمن بقاءه في سدة الحكم أبدا فالشعب السوري الذي يقتل منذ خمسة عشرا شهرا متواصلة لا يمكن أن يقبل أن يحكمه قاتله.

لقد وضعت ممارسات النظام السوري الكارثية والبشعة وغير المسؤولة المجتمع الدولي أمام معضلة أخلاقية لم تعد تنفع معها الحلول الترقيعية أو سياسة شراء الوقت فالشعب السوري يدفع من دم أبنائه ثمن التخاذل الدولي وصراع المصالح الذي يمنع من اتخاذ إجراءات حقيقية توفر الحماية للشعب السوري.

لا يكفي أن تعبر الأمم المتحدة عن قلقلها وأسفها لما يجري في المدن والبلدات السورية من مجازر يذهب ضحيتها الأبرياء من نساء وأطفال وشيوخ فلقد أبلغ مراقبو الأمم المتحدة الأمين العام عن زيادة مستوى المعارك المسلحة بين القوات الحكومية وقوات المعارضة، وهو ما يعني أن خطة المبعوث الدولي والعربي قد فشلت في تحقيق أي من أهدافها وخاصة هدف وقف العنف والقتل وبالتالي تحولت مهمة المراقبين الدوليين من مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار إلى إحصاء عدد المجازر وأعداد الضحايا الذين يسقطون برصاص النظام وتقديمها إلى الأمم المتحدة والمبعوث الدولي.

لا يمكن للشعب السوري أن ينتظر حتى منتصف الشهر المقبل حتى يجري الإعلان عن فشل مبادرة المبعوث الدولي والعربي فالمبادرة فشلت بالفعل ولم تحقق شيئا على الأرض وكانت موافقة النظام عليها سعيا منه لكسب الوقت لإخماد الثورة لا غير وبالتالي فإن على المجتمع الدولي أن يبادر بإجراءات ملموسة وحاسمة توقف إراقة الدماء.

لقد اتخذ النظام في سوريا في سبيل بقائه في السلطة -كما يبدو- قرارا بالقضاء على الثورة السورية مهما كان الثمن حتى لو كان الثمن إشعال حرب أهلية وفناء الشعب السوري وعلى الأمم المتحدة أن تنحاز لمبادئها ومسؤولياتها الأخلاقية كجهة مسؤولة عن حفظ الأمن والسلم الدوليين وتبين للنظام أن سياسة حافة الهاوية لن تنجيه من المصير المحتم السائر إليه وهو السقوط.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما يفسّر الموقف الروسي من النظام السوري .. خير الله خير الله

المستقبل

13-6-2012

لا يمكن للثورة السورية الاّ ان تنتصر. ولذلك، لم يعد هناك معنى لايّ كلام يصدر عن اي مسؤول روسي في شأن هذه الثورة او الوضع السوري ككلّ. الكلام الوحيد الذي له معنى هو ذلك الذي يصدر عن الشعب السوري البطل، وهو كلام يكتبه السوريون بالدم، دمّ اطفال درعا ونسائها ورجالها ودم ابناء حمص وحماة وحلب ودمشق ودير الزور وادلب وكل مدينة وقرية سورية. فما لم يفهمه الروس الى الآن، ان الشعب السوري، بأكثريته الساحقة، يرفض النظام القائم وإن اي فيتو في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وحتى اي تلويح باستخدام الفيتو انما يصبّ في خدمة نظام لا يمتلك اي افق سياسي، نظام لا همّ له سوى اطالة عذابات الشعب السوري وسفك مزيد من الدماء البريئة لا اكثر.

انه بكل بساطة نظام لا علاقة له بما يدور على الارض السورية. يلقي رئيسه خطابا في مجلس الشعب يبدو فيه وكأنّه يتحدث عن بلد آخر يشبه الوضع فيه كلّ شيء ما عدا الوضع الحقيقي في سوريا.

لم يعد السؤال لماذا الاصرار الروسي على دعم نظام مرفوض من شعبه؟ بل لماذا الاصرار على زيادة عذابات الشعب السوري وكأنّ المطلوب اكثر من اي وقت اطالة الازمة السورية الى اقصى حدّ ممكن مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر. في طليعة هذه المخاطر تقسيم سوريا من جهة وزيادة التطرّف من جهة اخرى. بكلام اوضح، كلّما طالت الازمة السورية، وهي ازمة كيان ونظام في الوقت ذاته، زادت احتمالات انفلات الغرائز المذهبية، خصوصا في المناطق التي يقيم فيها السنّة والعلويون جنبا الى جنب. فما يبدو واضحا بعد مجزرتي الحولة والقبير، ان النظام يسعى الى خلق عصبية علوية تؤدي الى تماسك داخل الطائفة خشية انفضاضها عنه.

اين مصلحة روسيا في اطالة الازمة السورية، في وقت لم تعد هناك اي دولة عربية تجهل ان هناك تغييرا في التوازنات في المنطقة بعدما صارت الكلمة الفصل في دمشق للنظام الايراني؟ واذا وضعنا جانبا الحسابات الايرانية في سوريا، كيف يمكن لروسيا دعم نظام يظنّ ان خلاصه مرتبط بزيادة وتيرة التطرف السنّي كي يقابله تطرّف علوي من منطلق ان الطائفة كلّها صارت مهددة وان مصيرها مرتبط بمصير النظام؟ انه سؤال محيّر بالفعل الاّ اذا كان الجواب عنه ان موسكو تراهن على الدور الايراني في المنطقة وعلى انّ هذا الدور كفيل بالمحافظة على المصالح الروسية في مرحلة ما بعد زوال النظام السوري. يا له من رهان غريب، بل اكثر من غريب في منطقة باتت فيها الدول العربية تدرك ان هناك دورا لطهران في تأجيج الغرائز المذهبية واستخدامها في تحقيق اختراقات في كلّ انحاء الشرق الاوسط وصولا الى شمال افريقيا.

انه رهان غريب ومستغرب في الوقت ذاته، نظرا الى انّه يقوم على افتراض ان للنظام الايراني مستقبلا زاهرا وان ايران ستكون قادرة على السيطرة على العراق ونفطه بغض النظر عمّا ستؤول اليه الاوضاع في سوريا. هناك تجاهل روسي لواقع قائم يتمثّل في ان الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى الوحيدة في العالم وانها ترفض، الى اشعار آخر، التفاوض مع ايران في شأن دورها الخليجي او حصتها في العراق ولبنان وسوريا طبعا.

في كلّ مرة طرح الايرانيون مسائل تتعلق بمستقبل الدور الاقليمي لبلدهم طارحين اوراقهم على الطاولة، جاء الرد الاميركي ان لا بدّ من حصر النقاش في الملفّ النووي الايراني ولا شيء آخر غير ذلك. ليس بعيداً اليوم الذي ستكتشف فيه ايران انّ كلّ استثماراتها في هذا البلد او ذاك لا تتعدى كونها اوراقا غير قابلة للصرف.

اذاً، ما الذي تبحث عنه روسيا؟ هل يظن الكرملين ان سوريا ورقة يمكن من خلالها الحصول على مكاسب في الشرق الاوسط؟ من يفكّر بهذه الطريقة انما يسعى الى اضاعة الوقت في احسن الاحوال. لا لشيء سوى لانّ سوريا ليست ورقة في يد احد. لو كانت سوريا ورقة في يد احد، لكانت الثورة توقفت منذ فترة لا بأس بها. ما يتبين مع مرور الوقت، ان عمر الثورة السورية تجاوز الخمسة عشر شهرا. ومع مرور الوقت، يزداد تمسّك الشعب السوري بالتخلص من النظام. ولكن مع مرور الوقت، تزداد ايضا مخاطر تعرض الكيان السوري لهزات كبيرة. يطرح هذا الامر سؤالا في غاية الخطورة هو الآتي: هل من مصلحة روسية في تفكيك الكيان السوري، ام ان هناك تلاقيا على ذلك بين روسيا والدولة الوحيدة في المنطقة التي يمكن، الى جانب ايران طبعا، ان تستفيد من شرذمة الكيانات العربية... وهي دولة اسرائيل؟

الموقف الروسي محيّر بالفعل، خصوصا ان كلّ دول مجلس التعاون ومعظم الدول العربية الفاعلة اخذت موقفا واضحا مؤيّدا للثورة السورية وللشعب السوري. هل بلغت الوقاحة بالقيادة الروسية درجة تشجيع كلّ ما من شأنه المساهمة في اثارة الغرائز المذهبية في الشرق الاوسط بما يخدم القوى غير العربية في المنطقة، اي القوى التي أقامت حلفا غير مقدّس في ما بينها ساعية الى ازالة كلّ ما هو عربي عن خريطة الشرق الاوسط؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

روسيا... والرهان على "الأسد" الخاسر! .. محمد الحمادي

تاريخ النشر: الأربعاء 13 يونيو 2012

الاتحاد

دافعت روسيا عن نظام القذافي، وفي النهاية تخلت عنه وخسرت ليبيا، واليوم تكرر نفس الخطأ، فهي مستميتة في الدفاع عن النظام السوري لدرجة أن وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف بدا في المؤتمر الصحفي الذي عقده في موسكو منذ أيام وكأنه وزير خارجية سوريا وليس روسيا!

الجميع يتوقع في نهاية الأمر أن تتخلى روسيا عن نظام الأسد، والإشارات الأخيرة من بوتين ولافروف بأن روسيا ستوافق على تنحي الأسد إذا كان هذا خيار الشعب السوري، تبين بأن موقف روسيا قد تبدل وأنها ستوافق على ما كانت تعترض عليه قبل فترة وجيزة، وخصوصاً وقد أصبح الآن واضحاً لكل من يتابع الأوضاع في سوريا ما هو موقف الشعب السوري من النظام الذي يتهمه بقبض 2000 ليرة (ما يساوي 25 دولاراً)، ليخرج في المظاهرات وينظم الاحتجاجات!

روسيا لها متطلبات ولديها حسابات حتى تغير موقفها، كما أنها لا تنفك تتكلم عن التجربة الليبية التي خسرتها، فروسيا تريد أن تتوقف الولايات المتحدة عن انتقاد ديمقراطيتها وتقصيرها في قضايا حقوق الإنسان. روسيا تريد ضمانات حول خطط الولايات المتحدة الدفاعية الصاروخية في أوروبا وفي آسيا، أي الخطط التي ترى فيها روسيا تهديداً لأمنها القومي. وروسيا تريد حلاً سلمياً للأزمة الناشبة حول برنامج إيران النووي، وتعهداً بعدم مشاركة الولايات المتحدة في أي عمل عسكري إسرائيلي ضد المنشآت النووية الإيرانية. روسيا تريد أيضاً أن يقبل الغرب بالوضع الراهن في القوقاز بعد انشقاق المقاطعات الجورجية بدعمٍ من روسيا في عام 2008.

وعندما تحصل روسيا على ما تريد سيقبل بوتين بإزاحة الأسد واستبداله بشخصية تحظى بقبول جميع الأطراف، كما جرى في النموذج اليمني. والسؤال المهم هنا: هل اتخاذ روسيا قراراً بوضع حد للعنف الذي تعرض له الشعب السوري والقتل الذي يتعرض له الأبرياء بشكل يومي يتعارض مع مصالحها؟! وكذلك بالنسبة لإيران والصين وجنوب أفريقيا والبرازيل: كيف تقبل هذه الدول أن تشاهد كل تلك الفظائع دون أن تؤثر على صديقها في سوريا؟ كان يمكن أن تساهم في إيقاف هذه الفظائع وبعد ذلك يكون لحديث المصالح وقت ومكان؟!

ستندم هذه الدول عندما يتغير الوضع في سوريا وتكتشف أنها راهنت على الفرس الخاسر وعندما تكون كلمة الشعب هي العليا وعندما يعلن النظام خسرانه، ستندم هذه الدول مرتين مرة لأنها خسرت مصالحها ومرة لأنها لم تنصر الأبرياء ولم تقف مع الشعب وقدمت مصالحها المادية على أخلاقياتها وعلى التزاماتها الدولية والإنسانية.

روسيا والصين وإيران غردت خارج السرب العالمي ووقفت ضد إرادة الشعب السوري، وأصرت على ذلك وتمادت حتى بعد أن رأت عشرات السوريين يقتلون يومياً وبعد أن علمت أن عدد القتلى تجاوز العشرة آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين... هذه الدول تكتشف اليوم أن الأمور تسير في عكس اتجاه رغباتها وما سعت إليه، ليس لأن المجتمع الدولي والجامعة العربية يريدان تنحي "الأسد"، وليس لأن السعودية وقطر تدعمان المسلحين السوريين ولكن لأن الشعب السوري في الداخل لا يتراجع عن مطالبه بل نجده يوماً بعد يوم يصر على التغيير، ويصر على الحرية وعلى إسقاط النظام.

مصالح روسيا في سوريا كثيرة ومتشعبة، فروسيا تستخرج النفط والغاز السوريين، وتعتبر سوريا ثالث أهم سوق لصادرات الأسلحة الروسية فقد بلغت عقود التسليح أربعة مليارات دولار... أما الاستثمارات الروسية في البنية التحتية والطاقة والسياحة السورية فقد بلغت 20 مليار دولار عام 2009. بالإضافة إلى أن روسيا تقوم ببناء مصنع لمعالجة الغاز الطبيعي حالياً في سوريا.

وإلى جانب المصالح الاقتصادية تلك لا يمكن تجاهل المصالح الجيواستراتيجية لروسيا في سوريا، فدمشق هي الحليف المتبقي لموسكو في الشرق الأوسط والذي يخلق التوازن في العالم العربي في وجه الهيمنة الأميركية... بالإضافة إلى أن آخر قاعدة للبحرية الروسية خارج أراضيها توجد في سوريا، وتحديداً في ميناء طرطوس على البحر الأبيض المتوسط.

المعادلة في سوريا واضحة لكنها معقدة جداً، فإذا سقط النظام في دمشق سقطت الخطة الإيرانية وتحرر لبنان من تدخلات طهران وبالتالي تحررت سوريا منها، وسيبدأ العراق بالتخلص من قيود طهران... والعكس صحيح.

أما ما تريد روسيا فرضه بإدخال إيران في معادلة حل الأزمة السورية فهذا يعني أن إيران ستهيمن على أراض عربية جديدة وأن سيناريو العراق سيتكرر مرة أخرى ولكن هذه المرة سيكون لإيران شريك دولي هو روسيا، وهذا ما لا تقبله الدول العربية لأن فيه تهديد مباشر لبقائها... لذا فإن خطورة إدخال طهران في حل الأزمة السورية يعني تقديم تنازلات أو تقديم امتيازات لها وهذه ستكون مغامرة كبيرة ضد دول المنطقة والدول العربية بالتحديد، ولا يجب أن تقبل دول المنطقة هذا الوضع لأنها هي التي ستدفع ثمن ذلك.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

رقصة نتنياهو السورية  .. د. إبراهيم البحراوي

تاريخ النشر: الأربعاء 13 يونيو 2012

الاتحاد

بينما ترقد القضية الفلسطينية في حالة انبطاح وبينما تغرق سوريا الجارة لفلسطين في دماء أبنائها على أيدي النظام الحاكم، يمكننا أن نلمح حالة سرور وارتياح في السياسة الإسرائيلية تتخللها تحركات تشبه الرقصات غير المكلفة من جانب نتنياهو وحكومته.

كانت تعليمات نتنياهو لوزرائه منذ اندلاع الثورة السورية، التزام الصمت حتى لا يتسببوا في خسائر سياسية مثل تلك التي نتجت عن توقعات وزير الدفاع باراك بأن الأسد سيسقط خلال أسابيع وأن في سقوطه فائدة لإسرائيل، حيث إن هذا سيضعف "حماس" و"حزب الله".

أخيراً وبعد تصاعد الإدانات الدولية للمجازر المتكررة ضد المدنيين العزل في المدن السورية، وقف نتنياهو في الاجتماع الأسبوعي الأخير ليعلن أن على العالم أن يفهم طبيعة المنطقة التي تعيش فيها إسرائيل، حيث يتم قتل الأطفال والمدنيين على أيدي حكام سوريا وحلفائهم. لقد قرر الرجل أن يرقص فوق دماء الأبرياء في سوريا ليغسل جرائم إسرائيل التي تتالت منذ مذابح مدبرة وبأيدي القوات النظامية والمنظمات الصهيونية بدءاً من عام 1947 على أيدي الوكالة اليهودية ورئيسها دافيد بن جوريون وقوات الهاجانا التابعة له بالمشاركة مع قوات الأرجون بقيادة بيجين.

منذ ذلك الوقت المبكر أدمنت إسرائيل على ارتكاب المذابح للتخلص من الشعب الفلسطيني وراحت تواجه موجات الإدانة الدولية بالاستخفاف وتنظر باستهانة إلى جهود المؤرخين الإسرائيليين الجدد التي كشفت المخططات الرسمية الكامنة وراء المذابح. إن رقص نتنياهو على أشلاء الشهداء في سوريا لا يهدف إلى الانتصار لحق الشعب السوري في الحياة الحرة، بل إلى استثمار المأساة لتبييض وجه التاريخ الدموي الإسرائيلي في محاولة لإسدال ستار النسيان على ما فات ولتبرير المذابح الصهيونية، بالقول إن البيئة التي تعيش فيها إسرائيل بيئة همجية يقتل فيها الحكام مواطنيهم بأبشع الطرق. وإذا كان بأسهم شديداً على أبناء وطنهم، وبالشكل الذي يراه العالم في المدن السورية، فما بالكم بما يضمرونه لإسرائيل التي يعتبرونها عدوة لهم!

لقد تزايد عدد الساسة الإسرائيليين الراقصين على أشلاء الشعب السوري، فانبرى بيريز مدعياً المشاعر الحساسة والمرهفة ليدين القوى الدولية التي تكتفي بمراقبة صور الضحايا السوريين من أطفال ومسنين، داعياً العالم للتدخل العسكري على الطريقة الليبية، وهو ما فعله نائب نتنياهو الجنرال موفاز الذي وجه اللوم لروسيا لتسليحها النظام السوري!

إن السياسة الإسرائيلية لا يعنيها سوى مصالحها، وقد ظلت تنتظر أن يتمكن النظام السوري من قمع الثورة والقضاء عليها لتمد له يدها، فهو من وجهة نظر بعض المحللين الإسرائيليين ضامن لأمن إسرائيل بمنع أي عمليات عسكرية على جبهة الجولان منذ عام 1973، ووجوده أفضل من أن تتحول سوريا إلى ساحة تجتذب الإسلاميين الجهاديين. أما بعد مرور أكثر من سنة على الثورة وفشل النظام في قمعها، فقد بدأ محللون آخرون يعتقدون أن استمرار الفوضى والحرب الأهلية هو الذي سيجذب الجهاديين إلى سوريا. من هنا تبلور اتجاه جديد يدعو إلى إسقاط الأسد لوقف الفوضى، ضماناً للأمن الإسرائيلي على المدى البعيد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأيام السورية الصعبة .. يوسف مولائي *

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٢

الحياة

لا شك في ان الشعب السوري يمر بمرحلة حساسة في تاريخه الحديث، وأن مواقفه وازنة في رسم مستقبله السياسي. تجذب اهمية سورية الجيوسياسية مصالح دول المنطقة وأخرى في الخارج، تغريها مكانتها للدخول علی خط الأزمة من طريق عقد المؤتمرات المتلاحقة من أجل حل الأزمة السورية. والضغوط الخارجية المتعاظمة جعلت الرؤية ملتبسة، فجهات اقليمية وخارجية وقومية تسعى الى التدخل في هذه اللعبة الكبرى، منها جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ودول مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، والأمم المتحدة، ومنظمة شنغهاي، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وتركيا.

يبدو أن جميع اللاعبين، الهواة والمحترفين في المنطقة والعالم، معنيون بالحوادث السورية، فتصريحات ممثل الأمم المتحدة سلطت الأضواء على سورية. وعلی رغم تأكيد كل الأطراف ضرورة حل الأزمة السورية، تسير الحوادث في اتجاه معاكس، فالأزمة أثبتت عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ تدابير لحلها سلمياً وتحقيق المطالب المشروعة للشعب السوري.

وأعضاء مجلس الأمن هم ضحية الخلافات بينهم. لذا يُتوقع ان تطول الأزمة السورية. والجامعة العربية شاغلها الربيع العربي ومشكلاتها الخاصة، ولم تستطع اقتراح مبادرة فاعلة ومؤثرة. وتباطأت الحكومة السورية في اتخاذ خطوات إيجابية، وبددت فرصاً ذهبية لتحقيق المطالب الشعبية، فالوضع الأمني والعسكري لم يعد يسمح بإجراء إصلاحات.

والحق ان استمرار الأمور على حالها يهدد امن المنطقة كلها، ويؤثر تالياً في الأمن والسلام العالميين، وسيدفع الشعب السوري قبل غيره من شعوب المنطقة ضريبةَ ما يحدث. والمبادرة اليتيمة اليوم هي مبادرة الممثل الأممي، كوفي أنان التي تعِد بحل الأزمة. وحري بجميع الأطراف المعنيين دعم هذه المبادرة من اجل ارساء حل سريع في الامد القريب. والقوی السياسية المعنية بهذا النزاع، المحلية المعارضة للتدخل الاجنبي والإقليمية والدولية، مدعوّة الى إنجاح مشروع كوفي أنان. وعلی الحكومة السورية ارساء الاجواء المناسبة للحوار الوطني، ولا شك في أن انحياز الأطراف الاقليمية والدولية الى احد طرفي النزاع يعقّد الازمة ويحول دون حلها، فيرتفع عدد الضحايا في صفوف الشعب الأعزل.

وعلی إيران، باعتبارها لاعباً اقليمياً مهماً، المساعدة في ارساء مثل هذه الاجواء البناءة، والترحيب بسعي روسيا الى التعاون مع كوفي أنان لتشكيل مجموعة اتصال لحل الازمة. ويبعث على الأسف اعتراض بعض الدول الغربية على الاقتراح الروسي. والتاريخ لن يرحم احداً حين سيقوّم مواقف كلٍّ من الأطراف المؤثرة التي كانت تستطيع وقف الكارثة لكنها تتخذ موقف المتفرج على المأساة الرهيبة.

* محلل ومعلّق ، عن «شرق» الايرانية، 10/6/2012، اعداد محمد صالح صدقيان

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أي تأثير لروسيا على سورية؟ .. فايز سارة *

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٢

الحياة

لا يحتاج إلى برهان القولُ إن موقف روسيا إلى جانب النظام في دمشق شكَّل مركزَ ثقل رئيسٍ في منع ذهاب المجتمع الدولي نحو الأبعد في مواجهة النظام، لإجباره على تغيير سياساته الأمنية والعسكرية التي اعتمدها في علاج الأزمة التي تعيشها سورية، والانتقال إلى معالجة سياسية انسجاماً مع طبيعة الأزمة، واحتياجات تجاوزها.

ورغم اهمية استخدام الفيتو الروسي وتابعه الصيني في مجلس الامن، لمنع أي إدانة للسياسات والممارسات السورية المتصلة بالأزمة، فإن الموقف الروسي المساند للسلطات السورية بدا أبعدَ مما سبق بكثير، بما يوفره من دعم يتضمن مساندة سياسية وإعلامية، كان من تجسيداتها العملية تبني الخطاب السياسي والإعلامي للسلطات السورية، وذهب إلى الأبعد في إظهار قدر أكبر من التشدد والتطرف في ذلك، على نحو ما ظهرت الاتهامات الروسية المبكرة للمعارضة السورية كلها بحمل السلاح واستخدامه في هجمات ضد مؤسسات الدولة، وأنها تسعى إلى تدمير الدولة وتفتيت المجتمع، كما وفرت موسكو إمدادات عتاد وأسلحة وذخائر وخبرات وغيرها من متطلبات يحتاجها النظام في المرحلة الراهنة لمواجهة ثورة السوريين.

وكان من الطبيعي ان يُظهر النظام امتنانه وتقديره للموقف الروسي، لكنه من الناحية العملية، قصَّر في التجاوب مع الطروحات السياسية التي وافقت عليها روسيا، كما هو الحال في موضوع خطة عنان ذات الإجماع الدولي والإقليمي والسوري، مما دفع وزير الخارجية الروسي إلى الطلب من نظيرة السوري تنفيذ الخطة ببنودها الست، التي عددها بالتفصيل الممل، من دون ان ينتج عن ذلك موقف سوري عملي في التعامل مع الخطة، والتي يبدو أنها مازالت حية، لأنه وليس أكثر لا بديل عنها، كما يقول كثير من المعنيين بالأزمة.

وإذا كان من خلاصة لمجمل مسار ستة عشر شهراً من علاقات موسكو–دمشق، فيمكن القول إن الأُولى قدمت الحد الاقصى من الدعم والمساندة، فيما قدمت الاخيرة الشكر والامتنان، لكنها من الناحية العملية، وبسبب من ضيق هامش تجاوبها مع متطلبات حل الأزمة وإصرارها على عدم تقديم أي تنازل لمعارضيها، عجزت عن التفاعل مع أي مطالب او توجهات روسية تسعى إلى معالجة الأزمة في سورية خارج اطار الحل الامني العسكري، بما في ذلك تنفيذ خطة كوفي عنان، التي سبق ان وافقت عليها السلطات السورية من دون اي تحفظات.

لقد استطاعت الدبلوماسية الروسية في الفترة السابقة، ان تتحمل وتتغلب على الإحراجات التي سببتها المواقف والسياسات السورية، بل إن موسكو اظهرت مستوى من اللامبالاة حيال بعض ما تركته المواقف السورية من ردات فعل في الأوساط الدولية. غير ان هذا الوضع بدأ يتبدل، ليس بسبب مجزرة الحولة فحسب، بل نتيجةَ الانسداد الذي صار اليه مسار خطة عنان وتوجه المجتمع الدولي إلى معالجة الازمة، والتي باتت تهدد بتداعيات إقليمية خطيرة، ظهرت أول بوادرها العملية في لبنان، وهذا كله يدفع روسيا إلى تطوير مواقفها وسياساتها في الموضوع السوري، ولو من الناحية الشكلية، وقد بدأت المعالم الأولى لذلك في اللقاءات الاخيرة التي عقدها الرئيس بوتين ومسؤولين آخرين مع نظراء لهم في العديد من الدول المعنية بالموضوع السوري، كما حدث مع الاتحاد الاوروبي والصين وكوفي أنان، وكما ينتظر ان يكون في القمة الروسية–الأميركية المرتقبة.

واذا كانت موسكو يمكن ان تذهب، وسوف تذهب باتجاه تغييرات ما في موقفها من الأزمة، فإن تجاوب السلطات السورية مع التغييرات الروسية سيكون ضعيفاً ومراوغاً، وهو امر كانت قد فعلته دمشق في بداية الأزمة مع دولتين كانتا من اكثر الدول التي تربطها علاقات وثيقة مع السلطات السورية، وهما قطر وتركيا، وقد تحولتا بعد ذلك إلى اكبر عدوين للنظام، وهذا الوضع سيجعل موسكو أمام واحد من خيارين:

اولهما، الاستمرار في موقفها الراهن بتأييد السياسات السورية وتحمل ما يتمخض عن ذلك من نتائج، وهو احتمال بعيد لأسباب اساسية، من ابرزها ان السلطات السورية ليس لديها، وكما أثبتت حتى الآن، أي خيار سياسي لمعالجة الازمة الا الخيار الامني العسكري، الذي ثبتت عدم قدرته وفعاليته، اضافة إلى ان المجتمع الدولي والمحيط الاقليمي لن يستطيعا الاستمرار في مواقفهما الحالية مما يحدث في سورية، وسوف يواصلان الضغط على روسيا خصوصاً لتغيير موقفها.

وثاني الخيارات، قيام موسكو بتبديل موقفها حيال الوضع السوري، كلياً او جزئياً، في حال رفض او عجز السلطات السورية عن التجاوب مع متطلبات روسية هي انعكاس لمتطلبات دولية، وهذا الخيار سوف يتراوح بين حدين، احتفاظ موسكو بمستوى معين من علاقاتها ومساعدتها، التي يمكن الدفاع عنها امام المجتمع الدولي، او ذهاب موسكو إلى حد سحب يدها من الموضوع السوري، وتركه يذهب إلى مساره المحتمل، سواء عبر مجلس الأمن الدولي او خارجه.

ان تاريخ الدبلوماسية الروسية القريب في المنطقة، يؤكد عدم ذهاب موسكو إلى البعيد في دعم اصدقائها، فقد تركت صديقها في العراق صدام حسين يواجه قدره من دون ان تفعل شيئاً، وجرى احتلال العراق عام 2003 ونهب موارده بعيداً عن المشاركة الروسية، ثم وافقت موسكو على قيام حلف الناتو بإطاحة صديقها الليبي معمر القذافي عام 2011، وتكرر المسار ذاته في الاستيلاء على موارد ليبيا من دون حضور روسي، لقد كان ذلك بعد تشدد روسي في دعم الاثنين لكنه سقط امام ضغوطات المعسكر المقابل من جهة، وعدم قدرة صديقَي روسيا صدام والقذافي على فهم اللحظة السياسية والتعامل معها بما يجب ان يكون.

* كاتب سوري

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

منجزات الحل الأمني مرة أخرى! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

13-6-2012

سبق لي أن تناولت هذا الموضوع في مقالة سابقة. لكنه يبدو من المحال كتابة مقالة واحدة تستطيع تغطية الحل الأمني المطبق ضد الشعب السوري من كل وجوهه. وفي ظني أن تفاقم الأوضاع الكارثية الناجمة عن هذا الحل سيجعل من الضروري العودة إليه بصورة متكررة، لتغطية ما كان خافيا أو غير واضح منه بعد، خاصة أنه دخل مع مجزرة الحولة في طور نوعي جديد أدى إلى إضافة مخاطر جديدة بالنسبة إلى المجتمع السوري، كان أي واحد من مواطنينا سينتفض كالملسوع لو أن أحدا سأله قبل نيف وعام إن كانت سوريا ستشهد ما يماثلها ولو من بعيد جدا، وسيستنكر السؤال جملة وتفصيلا، وسيتحدث بثقة عن أنه لا يوجد بين السوريين من يمكن أن يبلغ هذا الحد من الوحشية، وأن معظم مواطني الشام معروفون بهدوء الطباع وسلاسة التعامل وعلو الثقافة والتمدن، والانفتاح على الغريب، فضلا عن كرم الضيافة وطلاوة الحديث والاعتدال.

إلى هذا، كثيرا ما كنا نسمع في الماضي أحاديث تفرق بين نظامي العراق وسوريا، وتصف الأول بالشراسة والهمجية والعنف وتنسب للثاني الحنكة والدهاء السياسي والقدرة على التعامل بهدوء وروية مع الأزمات. باختصار، كانت صفات الشعب السوري تنسب لقيادة «البعث». وعندما كنا نعترض على ما نسمع، كان محاورونا غالبا ما ينصرفون عن كلامنا وحججنا مشفقين علينا، رغم أننا كنا نتحدث مثلا عن حماه وما وقع فيها من عنف لم يشهد العراق مثيلا له، ونؤكد أننا لا ندافع عن صدام بل نريد أن نؤكد ببساطة أن الحكم في البلدين من منابت آيديولوجية ومجتمعية متشابهة، ومن طينة واحدة تأخذ بسياسات وخيارات متماثلة، فلا مجال للمفاضلة بينهما. نحمد الله أن الثورة السورية تبين الآن للعالم في أي حال نعيش، وتثبت أننا كنا نصف جزءا من واقعنا، وأن ما خفي من علاقات حكامنا معنا أعظم من أي وصف، مهما كان مبالغا فيه. اليوم، لا أظن أن أحدا يجد في نفسه الجرأة على الدفاع عن النظام السوري، مهما كانت معاييره السياسية والأخلاقية متسامحة أو فاسدة.

في الأشهر الأخيرة، التي شهدت هجوم النظام الحاسم ضد الشعب، دخل الحل الأمني في طور إفلاس شامل وصريح، حتى إنه ربما يكون من الصعب اليوم تبنيه والدفاع عنه، بالنسبة إلى كثير من رجال السلطة، إن هم خلوا إلى ما تبقى لديهم من ضمير وعقل، وألقوا نظرة صاحية على أحوالهم، وشعروا بشيء من الخوف على أنفسهم وأطفالهم، ووقفوا أمام ما وصل العنف إليه من فتك بجميع السوريين، خاصة الأطفال منهم، الذين لا ذنب لهم في أي شيء تشهده بلادهم، هذا إن كان هناك ذنب ما لأحد ما من أهلهم أو أقاربهم!

لا أعرف إن كان فشل الحل الأمني كسياسة وحيدة اعتمدها النظام ضد الحراك الشعبي في سبيل الحرية والعدالة والكرامة، ليس واضحا الآن إلى الحد الذي يجعله جليا وصريحا وليس بحاجة إلى معرفة بأصول الحرب والسياسة. لو أنك سألت رجل أمن قبل يوم 15 مارس (آذار) 2011 عن احتمال وجود منظمات مسلحة في البلاد، لرماك بالغباء والجهل، ولاستنكر السؤال وأخبرك بأن كل من على الأرض السورية من منظمات مخترق، أو من صنع النظام، أو يعمل في خدمته، أو يدار عن قرب أو بعد من قبله. عندما كنا نخرج من السجون كان قادة الأمن الذين يستقبلوننا كي يقوضوا معنوياتنا يقولون لنا: «لا تتعبوا أنفسكم، فنحن اليوم في السلطة وسنبقى فيها إلى الأبد، ولا يوجد في هذه البلاد من يستطيع هز الأمن بأي صورة من الصور. اذهبوا إلى بيوتكم واقفلوا أفواهكم وانتظروا ملاك الموت وأنتم صامتون، لأن عقابكم لن يكون في المرة القادمة السجن وحده». وعندما قامت الثورة، كان من غير المعقول نسبتها إلى أخطاء سياسية لقيادة تقول عن نفسها إنها معصومة ومنزهة، وكان لا بد من الكذب والقول إن منظمات مسلحة تقف وراء الأزمة/ المؤامرة. سأفترض أن هذا الكلام صحيح مائة في المائة. كم كان عدد المسلحين عند بدء الحراك وكم هو اليوم؟ لقد كانوا في البداية سريين، لكنهم يتجولون الآن بسلاحهم داخل مدينة دمشق وفي وضح النهار، بعد عام ونصف العام تقريبا من تطبيق الحل الأمني؟ إذا كان عدد هؤلاء قد ازداد، فهذا يعني ببساطة أن الحل الأمني فشل وشبع فشلا. وإذا كان الجيش قد فقد ربع عديده، الذي انتقل معظمه إلى الجانب الآخر وشرع يقاتل ضده، فهذا لا يعد بدوره نجاحا للحل الأمني، بل هو فشل ذريع له. وإذا كان الحل الأمني طبق بذريعة حماية المدنيين من العصابات، وكان هؤلاء في وضع يمكنهم من ذبح وجرح (416 مواطنة ومواطنا!) من سكان الحولة، ومن تهجير سبعين في المائة من سكان حمص، وتشريد وحرق وتدمير منازل ومزارع ومرافق عامة في كل مكان من أرض سوريا، إن نحن صدقنا ما يقوله النظام، ألا يعتبر هذا دليلا لا يدحض على فشل الحل الأمني، الذي لم ينجح في حماية أحد، بمن في ذلك كبار ضباط الجيش والأمن؟ في هذه الحالة، أليس من حقنا تصديق أنه لم يكن مكرسا لحماية أحد، وأن النظام يكذب حين يحاول تسويقه كحل يريد حماية الشعب من المسلحين، وأنه استهدف منذ البداية ما تحقق بالفعل على أرض الواقع: قتل الناس بلا حساب، وسحق المجتمع المطالب بالحرية بالقوة؟

لقد اعتمد الحل الأمني وسيلة وحيدة للتعامل مع المواطنين، وها هو يبدو كسلاح ذي حدين، بدلالة أرقام قتلى السلطة الذين يصلون إلى العشرات كل يوم، إن صدقنا الأرقام الرسمية، التي تخفض أعداد قتلاها بعد أن تعالت مؤخرا أصوات الاحتجاج ضد موتهم المجاني، وشرع بعض ذويهم يرفضون استقبال جثامينهم، بينما تنتشر قبور من قتلوا منهم في كل قرية وبلدة من القرى والبلدات الموالية للسلطة، ويقال إن هناك عائلة فقدت كل أبنائها، وإن أما ثكلى قالت لمن جاء «يزف إليها بشرى استشهادهم»: «قل له أن يوفر حياة الناس وألا يتسبب في موتهم جميعا من أجل كرسيه»!

ليس هناك اليوم سوري واحد يؤمن بنجاح الحل الأمني، وإن كان السوريون جميعهم يخشون نتائجه الكارثية عليهم. ولم يعد هناك شخص واحد لديه اليوم أي أوهام حول احتمال نجاحه. لكن النظام يتمسك به ويواصل تطبيقه وتوسيع نطاقه، وصولا إلى الحرب الأهلية، التي يرفضها الشعب ويقاومها، لعلمه أن الغرض منها الحيلولة بينه وبين نيل حريته والتخلص من النظام.

كان النظام يدعي أن حله الأمني سيعيد الأمن والهدوء والحياة الطبيعية إلى البلاد والعباد. واليوم، وبعد أن خرب هذا الحل سوريا، وقطع أرزاق وأعناق الناس، من دون أن يفلح إلا في زيادة خروجهم عليه ورفضهم له والتصميم على قهره وإسقاطه، ماذا يبقى لبعض أهله غير وقفه قبل أن يبتلعهم هم أنفسهم، والانضمام إلى شعبهم المتسامح والشريف، ولبعضهم الآخر غير «ضب» حقائبهم ومغادرة البلاد، قبل أن يغلق مطارها ويصير فرارهم منها مستحيلا؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

من مجزرة إلى مجزرة  .. عبد الوهاب بدرخان

تاريخ النشر: الثلاثاء 12 يونيو 2012

الاتحاد

في الجلسة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة، نسي المندوب السوري اسم القرية التي شهدت مجزرة إنسانية في اليوم نفسه: التفت إلى ورقة إلى يساره ثم لفظ الاسم "قنيبر". كانت وكالات الأنباء والفضائيات عممت الاسم الصحيح "القبير"، التي لم يسمح للمراقبين الدوليين بدخولها، بل استخدم قصف بأسلحة ثقيلة لردعهم. عندما دخلوها في اليوم التالي كانت القرية قد أخليت من القتلى والأحياء، وأخفيت معالم الجريمة، ولم يتسنَّ الوقت للقتلة كي يزيلوا كل الأشلاء، وخانتهم "رائحة اللحم المحترق". تلك الرائحة هي كل ما عثر عليه المراقبون. لم يعرفوا شيئاً عمن قضى في تلك المجزرة. لم يبق شاهد واحد. ذلك هو الأسلوب الجديد ل"التطهير" الكلي الشامل.

عوقب المراقبون لأنهم قالوا الحقيقة عن مجزرة الحولة. سيعاقبون في المرّات التالية. فهذا النهج العربي قد يكون اقتبس من نموذج حماة عام 1982، ليعود الآن إلى أصله الذي قد يكون النظام السوري استمده من جرائم عصابتي "الأرغون" و"الهاغاناه" الإسرائيليتين لتهجير الفلسطينيين قبل أربعة وستين عاماً. وفي ظل التهاون الدولي المستهجن لا عجب إذا استرشد النظام السوري بمذابح رواندا. إذ لم يبق بينه وبين اقتلاع جميع سكان حمص من مدينتهم العريقة سوى مسافة بضع مذابح لن يتردد في ارتكابها طالما أن روسيا والصين وإيران وبعض العراق ولبنان تشجعه وتريد بقاءه بأي ثمن، على رغم إدراكها وإدراكه أنه لن يستطيع البقاء.

بين استحالة التدخل الخارجي واستحالة الحل السياسي الداخلي، لا يزال هذا النظام يعتقد أن لديه أملاً من خلال الحل الأمني الدموي. وليس أدلّ على ذلك من تحقق كل تحذيراته وتوقعاته. كان الشعب الأعزل يتظاهر ويُقتل وكان النظام يقول إنهم "عصابات مسلحة". وحين بدأت الانشقاقات العسكرية راح يتحدث عن "مجموعات إرهابية"، وما لبث العالم أن صدم بتفجيرات انتحارية، فكان لابد من الإشارة إلى تنظيم "القاعدة". كما أنه كرر التحذير من "إشعال المنطقة"، وتتعاظم المخاوف اليوم من العبث بأمن لبنان واستقراره، من انهيار الهدوء الهش في العراق، ومن إشعال الورقة الكردية في تركيا. هذا نظام يعرف كيف يدفع الآخرين إلى أبشع ما عندهم من خلال الدفع بأبشع ما عنده، لتبقى اللعبة الجهنمية عنده في الذهاب وفي الإياب.

أسوأ ما حصل للشعب السوري وانتفاضته كان هذا التعامد، والتماهي، بين مصلحة النظام ومصالح روسيا والصين وإيران. هذه الدول الثلاث تستثمر الآن في جثة النظام في تصديها للقوى الغربية، وكأنها انتظرت اللحظة السورية لتشرع في حرب باردة جديدة. ويُفاجأ المتحاورون مع الروس والصينيين بأن تشددهم بلغ مرحلة التحجّر، فكل ما يقال عن احتمالات "تغيير في الموقف" يتجاهل أن ثمة تراكمات وصلت أخيراً إلى تصفية الحسابات. وكل من يعتقد أن الصين أقل تعنتاً من روسيا ليس إلا واهماً، وما عليه سوى أن يلقي نظرة أخرى إلى طبيعة النظامين، فلا الانتخابات استطاعت تغيير العقل الديكتاتوري في روسيا ولا الاقتصاد المزدهر في الصين عنى ازدهاراً للحريات. كلتاهما كانتا تحتاجان إلى نموذجي ليبيا وسوريا حاجتهما إلى بورما وكوريا الشمالية.

لا شك أن بقاء النظام السوري حتى الآن وإطالته الأزمة أسديا لروسيا والصين وإيران بعض أغلى الخدمات. يظن الضحايا الذين يتساقطون يومياً أنهم يضحّون من أجل وطنهم، ولا يعرفون أن النظام يقتلهم ليطمئن داعميه. ويظن الضحايا أن الموقف "الأخلاقي" للدول الغربية قد ينقذ على الأقل، من بقوا بعدهم، لكنهم باتوا يعرفون أن التصريحات البكائية من مذبحة إلى مذبحة لم تصنع قراراً واحداً يعيد الاعتبار إلى العدالة الإنسانية، وأن كل الكلام عن "حماية المدنيين" زاد في تعريضهم للبطش والوحشية. فمن كرم الزيتون إلى بابا عمرو، إلى تفتناز وأتارب، إلى الحولة والحفة والقبير، لم يرَ النظام سوى فرص أخرى تتيح له مزيداً من القتل.

على رغم كل شيء يدرك النظام أن دعم حماته الدوليين وتوسله العنف للبقاء لا يشكلان له الحل الذي يتمناه. ولذا اندفع إلى "التطهير المذهبي" رداً على تطوّر أداء معارضيه وتسليحهم. إنه يدفعهم الآن إلى مجاراته تطهيراً بتطهير، أي بمذابح طائفية متبادلة، والأرجح أنهم لن يقدموا عليها، لكنه سيواصل. فمنذ البداية خطط للمضي إلى حرب أهلية لا يزال معارضوه يرفضونها، لكنه يفرضها فرضاً، ولن يتردد في ارتكاب مذابح لتبدو أمام العالم، أنها صنيعتهم.

عبدالوهاب بدرخان

كاتب ومحلل سياسي - لندن

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إيران وسوريا...والاستراتيجية الأميركية  .. جاكسون ديل

تاريخ النشر: الثلاثاء 12 يونيو 2012

الاتحاد

البعض يقول إن العلاقة بين مشاكلنا مع سوريا وإيران واضحة وبسيطة: فنظام بشار الأسد السوري هو أقرب حلفاء إيران، وهو همزة الوصل التي تصلها بالشرق الأوسط العربي، حيث تشكل سوريا الجسر البري لنقل أسلحة ومقاتلين من إيران إلى لبنان وقطاع غزة. ومن دون سوريا، فإن طموحات إيران إلى الهيمنة الإقليمية، وقدرتها على تحدي إسرائيل، ستكبح وتشل.

وبالتالي، ومثلما قال رئيس القيادة المركزية الأميركية في الشهادة التي أدلى بها أمام الكونجرس في مارس الماضي، فإن سقوط الأسد سيشكل "أكبر انتكاسة استراتيجية لإيران منذ 25 عاماً". والواقع أن تحقيق ذلك ليس واجباً إنسانياً فحسب، بعد مقتل أكثر من 10 آلاف مدني، ولكنه يمثل أيضاً مصلحة استراتيجية رئيسية لإسرائيل والولايات المتحدة.

ولكن، لماذا تبدو إدارة أوباما وحكومة نتنياهو غير متحمستين - على أقل تقدير - لتدخل عسكري غير مباشر من أجل إسقاط الأسد؟ السبب يعزى جزئياً إلى القلق مما قد يعقب سقوط الديكتاتور. وفي حالة أوباما، فإن الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، وقوله إن "الحرب بدأت تنحسر" في الشرق الأوسط، يمثلان عاملاً كبيراً.

غير أن الحسابات بشأن سوريا وإيران هي أيضاً أكثر تعقيداً مما تبدو عليه لأول وهلة. فالبلدان ليسا مرتبطين بتحالف فقط، ولكن أيضاً بحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها حددا هدفاً عاجلًا ومختلفاً لكل واحد منهما. ففي سوريا، يتمثل الهدف في إزالة الأسد واستبداله بنظام ديمقراطي، وفي إيران، يكمن الهدف في منع تطويرها لسلاح نووي. غير أنه يبدو أن الخطوات التي قد تحقق نجاحاً في أحد هذين البلدين لا تعمل إلا على تعقيد الاستراتيجية الغربية في الآخر.

ولنأخذ العمل العسكري – الذي يشكل مبعث قلق رئيسي لإسرائيل– كمثال. فدعاة التدخل في سوريا (ومن بينهم كاتب هذه السطور) يجادلون بأن على الولايات المتحدة وحلفائها مثل تركيا أن يشاركوا في إنشاء مناطق آمنة للمدنيين والقوات المعارضة للأسد بمحاذاة الحدود السورية، وهو ما سيتطلب غطاء جوياً وربما بعض الجنود (الأتراك). غير أنه إذا انخرطت الولايات المتحدة في عملية عسكرية في سوريا، فهل من الممكن حينئذ شن هجوم جوي على منشآت إيران النووية؟ ثم ماذا لو أن إسرائيل قامت بشن هجوم جوي في وقت مازالت فيه عملية سوريا متواصلة؟

الجواب البديهي هو أن النتيجة يمكن أن تكون فوضى عارمة لا يمكن السيطرة عليها. ولهذا السبب، فعندما سألتُ مسؤولاً إسرائيلياً رفيعاً حول تدخل غربي في سوريا، حصلت على هذا الجواب: "إننا نركز على إيران. وأي شيء يمكن أن يصرف التركيز عن إيران ليس جيداً".

أوباما، بالطبع، يتوق إلى تفادي عمل عسكري في إيران على أي حال، غير أن استراتيجيته – عقد صفقة دبلوماسية لوقف البرنامج النووي – تضيق خياراته أيضاً في سوريا. ذلك أن صفقة مع طهران تحتاج إلى دعم روسيا، التي تشاء الصدف أنها هي التي ستستضيف الجولة المقبلة من المفاوضات. وبدورها، فإن روسيا تعارض إرغام الأسد(الزبون القديم) على التنحي عن السلطة بأي وسيلة.

وإذا أراد أوباما دعم بوتين حول موضوع إيران، فربما سيضطر إلى التقيد بتدابير تحظى بموافقة بوتين حول سوريا. وهو ما يترك الإدارة الأميركية تحت رحمة موسكو: وضع يرجو فيه أوباما من بوتين دعم ديمقراطية سورية، أو يحذره بغضب من أن موسكو إنما تعبد بذلك الطريق لحرب طائفية مدمرة لا تبقي ولا تذر.

أصل المشكلة هو أهداف أميركية مرتبكة ومتعارضة في الشرق الأوسط. فهل ترغب واشنطن في إسقاط النظامين الدكتاتوريين والمعاديين والمتحالفين تحالفاً وثيقاً – أم في عقد صفقات تعمل على احتواء التهديدات التي يطرحانها؟ الجواب هو لا هذا ولا ذاك، وكلاهما: فإدارة أوباما تقول إنها تسعى وراء تغيير النظام في سوريا، ولكنها في إيران حددت هدف التقارب مع الملالي مقابل السيطرة على الأسلحة النووية.

أوباما يحاول حل المشكلة عبر تبني مقاربة دبلوماسية متعددة الأطراف لكلا البلدين. غير أنه إذا كان تغيير النظام في سوريا هو الهدف، فإن قرارات مجلس الأمن الدولي ومخططات بست نقاط من أمثال خطة كوفي عنان مصيرها الفشل، لأن تضافر عدد من الضغوط الاقتصادية والعسكرية فقط، من قبل المعارضة أو جهات خارجية، سيؤدي إلى انهيار النظام.

والانهيار، بدوره، يستطيع إضعاف النظام الإيراني نفسه الذي يسعى أوباما إلى عقد صفقة معه. ولذلك، فلا غرو أن طهران سعت إلى إضافة سوريا إلى مواضيع النقاش في الجولة الأخيرة من المفاوضات - أو أن عنان يرغب في أن تُشمل إيران ضمن "مجموعة اتصال" جديدة من أجل رعاية تسوية في سوريا.

إدارة أوباما رفضت كلا المقترحين – لأنهما يتعارضان مع تغيير النظام السوري. وقد تُسعد هذه الفوضى بوتين، لكن من غير المرجح أن تحقق أكثر من ذلك.

-------

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خطة موسكو... مراوحة في الدم؟! .. راجح الخوري

2012-06-12

النهار

فشلت محادثات فريديرك هوف مع المسؤولين الروس ولن يكون في وسع الديبلوماسية السرية التي نشطت اخيراً بين واشنطن وموسكو، ان توفر تصوراً يمكن ان يشكل أساساً لبدء تفاهم حول الازمة السورية بين باراك أوباما وفلاديمير بوتين اللذين سيلتقيان الاسبوع المقبل في "لوس كامبوس" بالمكسيك على هامش قمة العشرين.

في انتظار توافر نقاط مشتركة بين الجانبين حول هذه المأساة الدموية، يبقى الواقع كما وصفه مسؤول روسي كبير عندما قال لموقع "بلومبرغ": "ما دامت اميركا وروسيا لا تستطيعان الاتفاق على معالجة مشتركة للوضع فان الطريق سيبقى مسدوداً". هذا الكلام لا ينطوي على اي مبالغة!

اذاً ليس امام السوريين، نظاماً وشعباً، إلا المراوحة في الدم والمجازر المتنقلة، التي ترسم الآن افقاً تصاعدياً بعد مرور 15 شهراً على الأزمة تستنسخ فصول المأساة البوسنية وقد تستمر اكثر مما يتصور الكثيرون، وخصوصاً بعدما احكمت موسكو اقفال مجلس الأمن ليس ب"الفيتو" وحده بل بدعوتها أخيراً الى مؤتمر دولي حول سوريا يعقد في موسكو او جنيف وتحضره كل الدول المحيطة بما في ذلك إيران، رغم معرفتها المسبقة ان الحضور الايراني سيكون مرفوضاً، فهي ليست من الدول المحيطة، ثم انها تقاتل الى جانب النظام كما تقول المعارضة.

تتألف الخطة الروسية للمؤتمر الدولي من ست نقاط تماماً مثل خطة كوفي أنان السداسية، لكن المضحك المبكي فيها انها تشكل ضمناً وصفة لشراء وقت مفتوح على مداه للنظام، كي يمضي في الحل العسكري الذي ثبت فشله منذ ما يزيد عن عام. ومن خلال قراءة لما نشر عن مضمون الخطة وخصوصاً البند الخامس منها، يمكن القول ان موسكو تناقض نفسها في شكل فاضح عندما تقول حرفياً: "ينبغي ان يقوي المؤتمر المقترح قدرات اللاعبين الخارجيين من أجل تسوية الازمة السورية، وفي حال النجاح تعقد اجتماعات المؤتمر من أجل التفاوض حول الأوجه المختلفة للتسوية بسبل ملموسة أكثر، ومن الممكن ان تنضم الى المؤتمر الاطراف السورية..."!

هذه الوصفة متاهة حقيقية تأتي في وقت تتزايد المذابح والاخطار التي قد تطوف الى خارج سوريا. والمثير فيها انها تنسف كل ما سبق ان كررته موسكو التي دعت دائماً الى ترك السوريين يقررون ما يريدون.

واذا تذكرنا مدى الخلافات في وجهات النظر ومواقف الدول التي تقترح روسيا مشاركتها في المؤتمر، يمكن القول ان في وسع السوريين ان يتفاهموا على الحل في سوريا قبل ان يتفاهم الآخرون على سوريا، والدليل ان لافروف نفسه وصل الى حد الحديث عن "حرب عالمية ثالثة" قد يسببها التدخل الخارجي في هذا البلد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لعبة الكبار في سوريا  ..  اسامة الشريف

الدستور

12-6-2012

يحلو لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، أن يعقد مؤتمراتٍ صحفيةٍ مطولةٍ؛ ليشرح موقف بلاده من الأزمة السورية وكأن موسكو هي الوحيدة التي تفهم الوضع السوري على حقيقته بينما يتواطأ العالم برمته لتزييف الحقائق وتشويه صورة النظام الحاكم في دمشق. يشعر المتابع بأن روسيا جعلت من سوريا قضيتها المركزية في مواجهة إرادات وعض أصابع مع الغرب وبخاصة الولايات المتحدة.

وبالإضافة الى الصين؛ التي تعارض هي الأخرى تدخلا عسكريا في سوريا، فإن موسكو أخذت على عاتقها ترويج المواقف السورية الرسمية حول ما يجري في الداخل من حيث تحميل مسؤولية الصدام الدموي الذي يجري لجماعات إرهابية مسلحة بينما تتجاهل كليا حقيقة الانتفاضة الشعبية السلمية ضد نظام الرئيس بشار الأسد.

موقف روسيا مخجل لكنه جزءٌ من لعبة سياسية كبرى. وبينما تقترب سوريا من حافة حرب أهلية طائفية مدمرة، يقدم الروس اقتراحا بتشكيل مجموعة اتصال دولية، تشمل ايران والسعودية، في الوقت الذي يزيد فيه النظام من وتيرة القصف الوحشي للمدن والقرى وتتكشف ملابسات مجازر مروعة يرتكبها الجيش و شبيحة النظام. لم يعد السكوت ممكنا بعد مجزرتي الحولة ومزرعة القبير بينما تحاصر مدن كبرى كحمص وحماة ويكثف الجيش من قصفه العشوائي لدرعا وادلب وغيرهما. ومع ذلك فان هدوء الدب الروسي إزاء ما يجري يثير حفيظة الكثيرين.

لم يبذل الروس جهدًا لإقناع نظام دمشق بإنهاء حملته العسكرية المسعورة وتنفيذ بنود خطة المبعوث الأممي كوفي عنان، التي يدعمونها ويقولون انها السبيل الوحيد لانهاء الأزمة. يقول لافروف ان روسيا لن تدعم تدخلا اجنبيا في سوريا على غرار السيناريو الليبي، لكنه يشدد على حل تفاوضي بين كل الأطراف وظهر مؤخرا، ان هناك توجهًا لمناقشة الخيار اليمني؛ الذي يُبقى على النظام لكنه يستبعد الرئيس.

روسيا لا تريد تكرار السيناريو الليبي بينما تخوض حروبا لاتحظى بتغطية اعلامية في الشيشان وداغستان وغيرهما من جمهوريات القفقاس التي يدين معظم سكانها بالاسلام. اضافة الى ذلك فانها تريد ان يكون لها دور في تأمين «استقرار» المنطقة وفي الملفات الحساسة كملف ايران النووي.

هي لعبة الكبار حيث المصالح المتشابكة والملفات المعقدة. واشنطن والاوروبيون يعرفون ذلك وقد تتوصل الاطراف الى تفاهمات استراتيجية تغير من الصورة الحالية، وقد تتطور الأمور على عكس ما تريد موسكو ايضا كما حدث في قضية البوسنة في تسعينيات القرن الماضي. لافروف اثار موضوع اللاجئين وذكّر بمصير لاجئي الصرب الذين لا يتكلم عنهم احدٌ اليوم. هي تصفية حسابات بين الكبار ولذلك فان النظام السوري يرتكب خطأ جسيما؛ اذا ما ظن ان الموقف الدولي سيظل على حاله الى الأبد.

من المفارقات ان نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي شاؤول موفاز، انتقد الموقف الروسي مؤخرا واتهم نظام الأسد بارتكاب مجازر وجرائم ضد الانسانية وطالب بتدخل دولي. ويبدو ان اسرائيل تريد ان يكون لها دور في لعبة الكبار، ولعلها ترى ان هناك فرصة لتغير جوهري في الموقف الدولي تجاه الأزمة السورية التي باتت تحرج الولايات المتحدة وحلفاءها.

لا يمكن ان يترك الكبار القضية السورية معلقة لفترة طويلة بينما يمعن النظام تقتيلا بشعبه باعتبار ان هذا هو الطريق الوحيد. في لحظة ما سيتحقق التوافق بين روسيا والغرب وستظهر حلول جديدة وستتغير المواقف. السيد لافروف يعرف اصول اللعبة وقد نشهد بداية تغير في اللهجة الروسية قريبا.

التاريخ : 12-06-2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

رئيس بعض السوريين... والمجزرة تتواصل .. بكر صدقي *

الثلاثاء ١٢ يونيو ٢٠١٢

الحياة

بالمقارنة مع خطابه الأول في المكان ذاته، بدا بشار الأسد في خطابه الأخير أمام مجلس شعبه الجديد، مكتئباً متشائماً حزيناً، فلم يبتسم، ناهيكم عن الضحك مقهقهاً كما فعل في خطابه الأول، في آذار (مارس) 2011، تسعاً وعشرين مرة، بعدما كانت قواته قتلت في درعا عدداً من المتظاهرين، واقتلعت أجهزته القمعية أظافر أطفال قُصَّر هناك.

وبما أن المؤامرة الكونية التي طالما تحدث عنها والضاربة في أعماق التاريخ البشري، باتت مكشوفة ولا حاجة به لإثباتها، فقد فضّل الرجل تخصيص كلمته التاريخية للعدو الذي انتقل من الحدود الجنوبية للبلاد إلى داخلها من طريق إرهاب أعمى، أعلن الرئيس الجزئي أنه سيستمر في ارتكاب مجازر إضافية بعد الحولة وما سبقها، لأنه غير معني بالإصلاح أو العملية السياسية التي بلغت الكمال بعد تغيير الدستور وانتخاب مجلس للشعب...

غير أنه لم يتوان عن إعلان تشاؤمه في شأن المستقبل. فالجيل الجديد من الفتية السوريين أُفسد تماماً وأصبح يبيع كرامته الوطنية مقابل ألفين من الليرات، أي ما بات لا يتجاوز ال 28 دولاراً للتظاهرة الواحدة. ربما نجد هنا أحد مفاتيح الشيفرة المطلوبة لفهم لغة الأسد ونظامه.

فالمشكلة كما أعلن في خطابه هي في المفاهيم لا في الوقائع. وهذا صحيح إلى حد كبير وهو مبرر الثورة وقمعها الوحشي معاً. لنضع أنفسنا مكان الطغمة العائلية الحاكمة وننظر إلى ما يحدث بعيونها: إذا كانت سورية الجمهورية تورَّث من الأب القائد إلى ابنه الكاريزمي الملهم، فأي شيء أكثر طبيعية من أن أي اعتراض على هذا الشاب وعائلته ومافياته وعصاباته المسلحة من أجهزة أمن وشبيحة، هو الخيانة الوطنية التي تستوجب الذبح الحلال في الآن والمكان؟

نريد القول: إذا كان الوطن هو الحاكم الفرد العبقري الملهم الذي أوحى إليه أن كن فكان، فالبداهة البشرية تقول إنه هو من يحدد المواصفات المعيارية للمواطن الحق. هذا ما كانت عليه الحال طوال نيف وأربعين عاماً. كان بضعة آلاف من «المرضى» ممن حجب الله بين أبصارهم وبصيرتهم وبين الواقع الحقيقي، يوضعون في مصحات وطنية لإعادة التأهيل، لعل أشهرها سجن تدمر الصحراوي وأقبية فروع الأمن في مختلف المدن السورية.

غير أن الثورة إنما قامت لقلب هذا المفهوم والمفاهيم المترابطة. أراد الشعب أن يعيد الى الوطن دلالته المعروفة في كل مكان خارج سورية، وأن يستعيد نظامه الجمهوري الذي حوَّله حافظ الأسد إلى نظام سلالي. فالرئيس في النظام الجمهوري يستمد شرعيته من الشعب، في حين أن الشعب هو من يستمد شرعيته، في النظام السلالي المترنح، من الحاكم الفرد. وها هو يعلن في ظهوره الخامس في زمن الثورة أن قسماً فقط من الشعب يتمتع باعترافه، مقابل قسم آخر فقد هذه الحظوة بعدما تمرد على مصدر كل شرعية وارتبط بما يحاك من مؤامرات خارجية على الحاكم الفرد، أي الوطن.

يعني امتناع السياسة في زمن الثورة السورية فقدان أي لغة مشتركة بين الحاكم والشعب. كيف له أن يفهم عبارة «سورية لكل السوريين» وهو الذي نشأ على مفهوم «سورية الأسد»؟ الشعار الأول يعبِّر عن فساد الرعية التي تطاولت في لحظة طيش على ملكية الغير، في حين يعني المفهوم الثاني في نظر الشعب سطواً مسلحاً على ما يعود اليه. وعند الحاكم كل معارضة لحكمه هي خيانة تستوجب الطرد من جنة الوطن، أما الشعب الذي ثار عليه فقد هتف منذ اليوم الأول: «خاين اللي بيضرب شعبو» معبراً عن طلاقه النهائي مع الحاكم.

بعد خمسة عشر شهراً من الثورة والدماء، لم يعترف بشار بعد بأنه مجرد رئيس في نظام جمهوري يستمد شرعيته من الشعب، وأن بقاءه في وظيفته يتوقف على إرادة الشعب. وقد فضَّلَ أن يبقى حاكماً على قسم من السوريين بالإرغام على أن يدين بحكمه لسورية كاملة لرضى الشعب. هذا موقف منسجم مع نظام المفاهيم الذي لطالما ساد في مملكة الأسد: سيبقى الحاكم هو الوطن الذي تتطابق خريطته مع جغرافيا الموالاة غير المشروطة، وليذهب أهل الخيانة إلى الجحيم.

وهكذا نرى كم تقلصت سورية الأسد على مراحل ثلاث: في حزيران (يونيو) 1967 تخلى وزير الدفاع حافظ الأسد عن مرتفعات الجولان لمصلحة إسرائيل مقابل أن يبني مملكته العائلية على ما تبقى. وفي 2005 تخلى ابنه عن لواء الاسكندرون لمصلحة تركيا مقابل استمرار العرش السلالي الذي اهتز بعد اغتيال رفيق الحريري. وفي الخطاب الأخير تخلى الأسد عن معظم الجغرافيا السورية المتمردة ضده لمصلحة وُطَيْن الموالاة الصغير.

في غضون تاريخ المملكة الأسدية هذا، كان الأب المؤسس قد حوَّلَ مملكته المنقوصة الجولان إلى امبريالية استولت بالقوة المسلحة وبتفويض دولي على لبنان، فحكمه ثلاثين عاماً بإدارة حروبه الأهلية. وجاء زمن آخر حين سحب الأوصياء الدوليون تفويضهم من الوريث، فتقلصت الامبراطورية الأسدية إلى حالتها الأولى وانكفأ الحاكم إلى داخل حدود مملكته.

هنا حدث الخلل الجسيم الذي سيؤدي بالمملكة إلى مصيرها المحتوم: كان لبنان طوال العقود الثلاثة من الاحتلال الأسدي هو مصدر تمويل الولاء المطلق لبنية النظام الأمنية. فشكَّلَ طرده من هناك خطراً على تماسك هذه البنية. ولم يبق أمام النظام إلا تعويض موارده الاستعمارية باستعمار الداخل نفسه من خلال الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى ليبرالية جشعة نواتها عائلات ثلاث: الأسد ومخلوف وشاليش، إضافة إلى آخرين من «صغار الكسبة» وشبكة واسعة من الموالين المتفاوتي الامتيازات.

انتهى العقد الاجتماعي الذي قام على معادلة فاسدة: الحرية مقابل الخبز. وإذ بالرعايا الخانعين يتحولون إلى شعب هادر يطالب بالاثنين معاً. كيف لا يفكر الحاكم - الوطن أمام هذا المشهد الغريب بأن ما يحدث إنما هو مؤامرة خارجية؟ لو كنتُ مكانه لأصبتُ بانهيار عصبي ينتهي إلى الذهان.

* كاتب سوري

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا والفاتورة الروسية .. حسين شبكشي

الشرق الاوسط

12-6-2012

المتمعن في المشهد العالمي ومواقف الدول الكبرى المؤثرة بخصوص الثورة السورية الكبرى ضد نظام بشار الأسد، لا بد أن يقف مطولا لمحاولة فهم وبالتالي تبرير الموقف الروسي تحديدا ودعمه المطلق لبشار الأسد بالسلاح السياسي والدبلوماسي والاستخباراتي والعسكري أيضا، وذلك على الرغم من تزايد نقمة الرأي العام العالمي بسبب وتيرة جرائم نظام دمشق الطاغية بحق شعبه واتساع دائرة القناعة بأهمية وضرورة زواله.

روسيا تبحث عن الثمن المقابل لتغيير موقفها من الثورة السورية. تقليديا كانت روسيا إبان حقبة الاتحاد السوفياتي الدولة الأكثر استخداما لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وهي الأكثر تخليا عن حلفائها؛ فعلتها من قبل مع معمر القذافي وصدام حسين وميلوسيفيتش، وبالتالي إمكانية «الاستغناء» عن بشار الأسد ونظامه من جهة روسيا واردة جدا إذا كان بمقدورنا الحكم بما تم في السابق من قبلها بحق غيره. روسيا تبحث عن صفقة تؤمن لها مدخلا وممرا صريحا وآمنا لغازها يمر بالأراضي السورية إلى البحر المتوسط، وكذلك تبحث عن موقع قدم طويل الأمد كقاعدة عسكرية على ضفاف المتوسط أيضا ليكون عينا لها على القارة الأوروبية لتستعيد به وجودا رمزيا حرمت منه نتاج التوسع الكبير وازدياد نفوذ الحلف الأطلسي. وروسيا ترى ضرورة دعم «القوى الأخرى» الخارجة عن النفوذ الغربي التقليدي، فعلى الصعيد الاقتصادي، هي تدعم وبقوة شديدة دول «البريكس»، وهي مجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا كتكتل اقتصادي «بديل» عن المعسكر الغربي، له توجهات وتطلعات مختلفة، وهي ستواصل دعمه حتى يتحقق ذلك، وفي الوقت نفسه تدعم روسيا وبقوة شديدة جدا مجموعة «شنغهاي» التي تضم دولا مثل الصين وروسيا وكازاخستان وغيرها من الدول، واليوم يدعو هذا التكتل أفغانستان للدخول فيه، وهذا سيكون بالطبع مفاجئا وحتى مذهلا للكثيرين، وترغب روسيا في أن يتنامى دور هذا التكتل ليكون بديلا عصريا وحديثا وعمليا لحلف وارسو الذي طواه الزمن مع سقوط الاتحاد السوفياتي.

روسيا لديها قناعة قوية اليوم، وخصوصا في حقبة فلاديمير بوتين رئيسها الحالي القادم من ظل رئاسة الوزراء الشرفية، أنها لا بد أن تترجم تقدمها الاقتصادي المتنامي بتوسع في نفوذها السياسي عالميا، ولكنها إلى الآن لم تتمكن من ذلك وتعتقد أنه لم يحالفها الحظ لتحقيق نجاحات اقتصادية مهمة مثل الصين والهند، حيث مكنتهما أن يكون لديهما نفوذ عالمي متنام.

روسيا اقتصاديا لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على عوائد النفط والغاز والذهب والماس، وهي جميعا مصادر طبيعية، ولكن لا يوجد لروسيا نفس الحظ من عوائد الصناعات المختلفة في قطاع الدفاع والطيران والفضاء والسيارات والقطارات والمعدات الثقيلة، وهي مسألة مقلقة جدا للروس وحكومتهم لأن هذه القطاعات تحديدا هي صاحبة النصيب الأكبر في أرقام التوظيف، وهذه مسألة مهمة للغاية في مجتمع تتنامى فيه نسبة البطالة بدرجة مقلقة قد تكون أحد مصادر التهديد الأمني مستقبلا، خصوصا في وسط جاليات الأقليات الإثنية المنتشرة وسط روسيا الاتحادية.

هذه الأسباب ستجعل من إصرار وعناد الروس كبيرا في الحفاظ على جيوب من التأثير في مناطق «تصريف» لمنتجاتها لدى دول مثل فنزويلا وإيران وسوريا على سبيل المثال، وتتناسى كل التحفظات والمعارضة الدولية بحق أنظمة الحكم في هذه الدول. أما الملف السوري، وتحديدا نظام الأسد، لديها فيجري الإعداد «الأخير» لسداد ثمن فاتورة صفقة روسيا للاستغناء عن بشار الأسد، لأن معالم التفاصيل بدأت تتضح مع وجود هيكل جديد للمجلس الوطني السوري وقبول عام عالمي للاستغناء عن بشار الأسد وعدم التمسك به وازدياد واضح في دعم الجيش الحر وازدياد قوته وتأثيره. روسيا ترغب في الفاتورة والثمن، ومتى ما تحقق ذلك الأمر تكون «خلصت القصة»، والثمن أولا وأخيرا بالنسبة لروسيا هو اقتصادي، بعيدا عن كل الشعارات والمبادئ والأهداف.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

بداية جديدة للمجلس الوطني السوري

2012-06-11

الوطن السعودية

انتخاب المعارض السوري ذي الأصول الكردية عبدالباسط سيدا رئيسا للمجلس الوطني السوري خلال اجتماع الأمس الذي عقده المجلس في إسطنبول؛ خطوة جيدة على عدة أصعدة، منها أن المجلس منذ إعلان غليون استقالته، بل قبل ذلك أيضا، ظل في حالة تشتت داخلي، وهو أخطر ما قد يهدد أي كيان سياسي وطني سوري في ظل الثورة التي تشهدها البلاد.

رغم أن برهان غليون رجل وطني مشهود له بالنزاهة والمصداقية ويحظى باحترام واسع، وكانت له مساهمة جيدة في المجلس الوطني إلا أنه أثبت في الفترة الأخيرة أن إدارة المجلس ورئاسته بحاجة لرجل من نوع آخر، ويكفي غليون احتراما أنه لم يتردد في ترك المقعد لغيره لأن يدير المجلس بطريقة أخرى.

للأسف واجه المجلس الوطني على الصعيد الداخلي عدة أزمات، منها ما يتعلق بالإدارة والتنسيق مع المعارضة الداخلية أو حتى توسيع قاعدة التمثيل لكل أطياف المعارضة السورية. وبرز ضعف المجلس في قدرته على توحيد المعارضة رغم كل الدعم الذي يتلقاه، وهو الأمر الذي يجب أن يكون اليوم على رأس أجندة عبدالباسط سيدا في العمل، فلا بد من توسيع قاعدة تمثيل المعارضة وتعضيد قوة المجلس ككيان سياسي قادر على إدارة المرحلة القادمة في سورية.

يعد اختيار سيدا ذي الأصول الكردية رسالة قوية أيضا بخصوص دور الأقليات في مستقبل سورية، حيث إن النظام السوري ما فتئ يحاول تصوير الثورة بأنها مجرد انتفاضة فئوية من طرف معين، كما أنها قد تشكل دافعا لمزيد من المشاركة من طرف الأكراد في العمل الثوري وتوسيع قاعدته.

سيدا أكد في خطابه الأول أهمية العمل على إصلاح وإعادة هيكلة البيت الداخلي للمجلس الوطني، وهو أمر في غاية الأهمية، خاصة مع تأكيده دخول النظام في مراحله الأخيرة، حيث توسعت المظاهرات لتشمل دمشق نفسها، وهو ما يتطلب تفعيل دور المجلس، وأن يكون مظلة قوية جامعة لكل المعارضة السورية، فالأزمة السورية لم تعد تتحمل مزيدا من الاختلاف الداخلي بين قوى المعارضة.

سقوط النظام السوري مسألة وقت، والإعداد الجيد لكيان سوري جامع للكل هو المطلب الأول من المجلس الوطني، وهذه مهمة سيدا الذي يجب عليه التركيز عليها بكل عزمه وقوته.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المجتمع الدولي يتفرج على مجازر الأسد .. بقلم / سمير عواد

مراسل الراية في برلين :

الراية

11-6-2012

النقمة على نظام الرئيس السوري بشار الأسد كانت كبيرة، وعبّر بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة عن غضبه بشكل غير مسبوق.

وانضم إليه بعض قادة الغرب. من الناحية النفسية يفترض أن يتم استثمار غضب المسؤول الأممي من أجل زيادة الضغط على النظام في دمشق. غير أن الكلمات القاسية التي وجهها بان كي مون وغيره من القادة في واشنطن ولندن وبرلين وباريس، هي أقصى ما لديهم من وصفات للتعامل مع الأسد، وتعكس عجز المجتمع الدولي عن وقفه.

قال بان كي مون: الشعب السوري ينزف، وهو يريد الحرية والعيش بكرامة. ولكن الشعب السوري يريد قبل كل شيء في هذه المرحلة رؤية أفعال، وتحديدا أن تعمل الأمم المتحدة بالمبادئ التي تأسست من أجلها في 24 أكتوبر عام 1945 بسان فرانسيسكو، وهي حفظ السلام في العالم. وحين أسست محكمة الجزاء الدولية في لاهاي عام 2002 لهدف معاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.

خلال الأيام العشرة الماضية حصل المراقبون الدوليون والمجتمع الدولي على أدلة دامغة أن نظام الأسد ارتكب جرائم ضد الإنسانية في مدن وقرى سورية. من وجهة نظر النائب الاشتراكي الألماني هانز أولريش كلوزي، أصبح ينبغي محاكمة بشار الأسد ومعاونيه السياسيين والعسكريين أمام محكمة الجزاء الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

المجتمع الدولي في حالة عجز نادرا ما ظهر ضعيفا مقيدا مثلما هو حاليا. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعيد أجواء الحرب الباردة ويستغل الأزمة السورية ويدعم نظام بشار الأسد، وتتبعه الصين دون مساءلة، لمجرد أنه يريد قطع الطريق على الغرب ليكون طرفا في تدخل عسكري للإطاحة بالنظام في دمشق بعد أن خسر بوتين حليفه معمر القذافي في ليبيا.

بعدما نعت صحف العالم خطة كوفي عنان مبعوث أمين عام الأمم المتحدة لسوريا، والتي لم يتصور أحد أنها سوف تنجح لسبب بسيط وهو أن بشار الأسد لن ينفذ بنودها والتي كان منها وقف إطلاق النار والسماح لوسائل الإعلام الدولية دخول سوريا والسماح بحق المواطنين بالتظاهر. ولكن بعض المتفائلين اعتقدوا أن خطة عنان سوف تؤدي إلى خفض عدد القتلى وتنظيم المعارضة وعدم امتداد الحرب الأهلية في سوريا إلى دول مجاورة. وقد تبين للمجتمع الدولي أن الأسد لم ينفذ أيا من هذه البنود بل ارتفع عدد ضحاياه وخاصة بين المدنيين من رجال ونساء وأطفال وتشير الصدامات الدامية في طرابلس بشمال لبنان القريبة من الأراضي السورية أن نظام دمشق يرغب في امتداد نار الحرب إلى لبنان.

ومع كل يوم تتحدث فيه أنباء عن سقوط مزيد من القتلى من المدنيين بالذات، يقدم نظام الأسد دليلا جديدا على أنه يعتمد على العنف من أجل بقائه في السلطة، كما يعتمد على دعم خارجي بفضل دعم موسكو له.

لا يفكر الغرب فعلا بسيناريو عسكري كما حصل مع ليبيا، لكن"الفيتو" الروسي والصيني في مجلس الأمن الدولي يُفشلان أي مشروع قرار فرض عقوبات يرمي إلى زيادة الضغط على الأسد. وعلاوة على ذلك فإن الدول الغربية خائفة من أن يعيد الموقف ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية التي جرت من عام 1975 1990، ففي عام 1982 أرسلت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا قوات تدخل ما لبثت أن انسحبت بسرعة بعد عامين، عقب تكبدها خسائر كبيرة في الأرواح، بينما استمرت الحرب الأهلية في لبنان. الغرب خائف من تكرار هذه التجربة المريرة في سوريا.

لقد تبين أن التهديد باستخدام القوة العسكرية ضد نظام الأسد الذي أعلنه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، ثبت أنه لم يكن أكثر من تهديدات فارغة وليست جادة. الأسد يعرف أنه حاليا لا يخشى من أن يقوم حلف شمال الأطلسي "ناتو" والأوروبيون بالتدخل عسكريا ضد نظامه، فهم لا يستطيعون ذلك. كما أنهم لا يريدون التدخل العسكري لأنه لا الناتو ولا الاتحاد الأوروبي يستطيعان التدخل عسكريا حاليا في سوريا، نظرا لخطورة المغامرة واختلافها كليا عن ليبيا قبل عام. إذ أن خزائن وزراء الدفاع في الحلف الأطلسي وأوروبا خاوية وقبل أسابيع قليلة على نهاية الحرب في ليبيا حصل نقص كبير في الذخائر مما شكل مشكلة كبيرة للحلف العسكري الغربي. كما تعلم الأمريكان والأوروبيون كثيرا نتيجة التدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق وليبيا إذ من السهل أن يتم التدخل العسكري لكن من الصعب جدا الخروج منه بأقل ما يمكن من الخسائر. إن رغبة المعارضة السورية في أن يتدخل العالم عسكريا ضد نظام الأسد، يقابله الغرب بالشك ومغبة أن تنجر إيران إلى الحرب وكذلك لبنان.

في الوقت الحالي ليس هناك مبادرة أوروبية ولا مبادرة دولية وليس من الممكن وضع مبادرة دون إدماج روسيا وإيران حيث لكل منهما أسبابه ومصالحه التي تجعله يقف إلى جانب بشار الأسد ضد مصالح الشعب السوري.

ما من شك أن نظام الأسد قد انتهى، وفقد شرعيته ومصداقيته كما قال أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، وحالما تدرك روسيا وإيران أن استمرار التصعيد وارتكاب جرائم الحرب في سوريا ليس في صالحهما، وأن العالم ينظر إليهما بازدراء، ربما يستجيبان إلى المنطق وتستيقظ الضمائر في موسكو وطهران، فلا أحد يريد أن يرتبط اسمه في كتب التاريخ مع بشار الأسد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا بين الأسلمة والبعث وفهم تعقيدات الحل هناك .. د. علي الخشيبان

الرياض

11-6-2012

سوريا ليست مركزاً للتيارات الإسلامية بشكل حركي دائم مع تعرضها لأزمات اتهم فيها الإسلاميون ففي نهاية الثمانينات الميلادية وحتى بعد مذبحة حماة الشهيرة قضى النظام على الأسلمة الناشئة وحركة الإخوان وجرم الانتماء إليها وفرض شكلاً من التعامل السياسي مع الأسلمة وتياراتها ولكن مع ذلك نلحظ تناقضاً في التعامل مع هذه الأسلمة وخاصة في جانب استخدامها فمن يقتل في سوريا جزء منهم ينتمي إلى أحزاب وحركات دينية طائفية متطرفة.

نظام الأسد الأب استخدم الأسلمة التي يحاربها وكادت أن تقضي عليه في أسلوبين سياسيين مهمين ومتناقضين مع الطبيعة العلمانية للبعث: الأول هو التحالف مع إيران الخميني والمساهمة في تشكيل الكتلة الشيعية بقربه في لبنان ثانيا: تجهيز الجهاديين من الأراضي السورية إلى العراق خلال سنوات احتلال الولايات المتحدة للعراق وحتى قيام الثورة على الابن بشار في مطلع العام الماضي، وهذه كانت أخطر لعبة سياسية مارسها النظام.

سوريا تعاني وبشكل كبير من أزمة هوية حقيقية في الجانب السياسي ولعل السبب يعود إلى عدم تمكن حزب البعث من خلق هذه الهوية لكونه حزباً أوقد على نار طائفية بمقادير غير متجانسة..

هذا التبادل بين دور حزب البعث العلماني وبين تبني الأسلمة الإيرانية تحت بند السياسة وفتح علاقات مهمة معها وبين القضاء على حركة الإخوان في حماة ومن ثم اللعب بكل أدوات العنف باستخدام الجهاد الإسلامي كل هذه التناقضات بحاجة إلى أجوبة تبين تلك اللعبة السياسية التي مارستها قيادة تصف نفسها بالمقاومة للعدو..! فلماذا فعل ذلك الأسد الأب ولماذا يثور الشعب السوري عليه ولماذا يصعب الحل السياسي في سوريا بهذه الطريقة المعقدة..؟.

الأداة الإسلامية التي استخدمها الأسد بهدف سياسي مقسومة إلى قسمين أداة تقوم على مساعدته من الطائفيين، وأخرى تسعى لإسقاط ابنه بشار الأسد عبر ثورة حاسمة وهذا يطرح لنا أن فكرة البعث السوري ليست إلا شعاراً سياسياً بائساً حيث لم يستطع الأسد فرض علمانية البعث بشكل مطلق بل تحدث في خطاب له في مارس عام 1980 م عندما أدرك واقع مجتمعه بأنه مسلم في محاولة للحديث بنفس لغة منافسيه من الإخوان المسلمين الذين سيسحقهم بعد سنتين تقريباً من هذا الخطاب في مذبحة حماه الشهيرة.

كل هذه الأسئلة بحاجة إلى تفسيرات مهمة ولعلنا نستدرك هنا التجربة الأمريكية في العراق وهل لها دور في تعقيد الحل في سوريا وتأخره لأن الغزو الأمريكي للعراق أنتج صعوداً للتيار الشيعي الإسلامي المتشدد فهل الخوف من ذات النتيجة يقف خلف الأزمة هناك حيث يمكن أن تكون إيران وأعوانها الخاسر في حال سقط النظام والكاسب في حال تحول سوريا إلى عراق جديد تسيطر هي على مفاصله بمعاونة الروس.

سوريا تعاني وبشكل كبير من أزمة هوية حقيقية في الجانب السياسي ولعل السبب يعود إلى عدم تمكن حزب البعث من خلق هذه الهوية لكونه حزباً أوقد على نار طائفية بمقادير غير متجانسة والسبب في ذلك أن اختلال فهم العلمانية بين الغرب والشرق كبير جداً ففي سوريا كما في العراق فشلت العلمانية البعثية فشلاً ذريعاً لأنها أصبحت تعبيراً مطلقاً عن دكتاتورية الأفكار والشخوص فقط.

لقد صعّدت القيادات البعثية والقومية واليسارية في العالم العربي ضغطها الاجتماعي خلال عقود مضت وقد كشف الربيع العربي عن ورقة سياسية في الحالة السورية كما في دول الربيع العربي حيث كان صعود الأسلمة في دول الثورات العربية ليس صدفة بل هو مبني على فكرة اضطهادات سياسية واجهها الشارع العربي خلال عقود وهذا يؤكد أن ما يحدث في العالم العربي اليوم ليس مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي إنما دورة زمنية تلعب فيها المتناقضات السياسية دور المنتصر والمهزوم في دورة سياسية يعيشها العالم العربي والإسلامي تحديداً منذ قرون طويلة.

الفكرة التاريخية لدى الإسلاميين وخلفهم بذلك الشعوب المتواضعة تشكل الجانب الآخر للدورة السياسية في عالمنا العربي، فالمنظور الإسلامي غالبا مقتصر في وجود خليفة يقود لذلك ويستخدم الجميع المعتقد كورقة ربح ومع أن كل تجارب الخلافة على مر العصور فشلت لذلك ظل العالم الإسلامي يعاني من تجربته السياسية بطرق مختلفة مما خلق لديه أشكالاً من الحكم المتناقض بين تجارب حزبية وتاريخ عقدي.

عملية التدوير السياسي على النهج الديمقراطي لا توجد في العالم الإسلامي حيث تفضل الشعوب التبعية بدلاً من تدوير التجربة لذلك نشهد تاريخاً ان دول الثورات العربية قد مرت بتحول الأنظمة الملكية لديها من أسماء العائلات إلى أسماء الأحزاب التي يحكمها أفراد معظمهم قادمون من السلطة العسكرية ويستطيعون الثبات القسري لسنوات طويلة.

في سوريا لم يتخل الأسد عن طائفيته أبداً ولذلك وجد في العلاقة مع إيران مخرجاً مهماً لملء الفراغ الأيديولوجي فقد أصدر صديق الأسد المقرب الإمام الصدر فتواه الشهيرة في العام 1973م "بأن العلويين جزء أصلي من المسلمين الشيعة" هذه الفتوى فتحت الشهية الطائفية للأسد الأب والشهية السياسية التي ظل يستخدمها لإرباك الوضع اللبناني بترقية الطائفة الشيعية إلى درجة مقاوم للاحتلال الإسرائيلي من خلال بناء حزب الله لطائفته.

لقد أثبت الأسد الأب إيمانه المتزعزع بالقومية العربية بعد حلف مشبوه مع الاسلاميوية الإيرانية وظل هذا التحالف الممتد إلى أقصي نقطة بين الحدود اللبنانية الإسرائيلية مثيراً للجدل ويفسر على انه براعة سياسية بينما هو عكس ذلك تماماً ولكن هذه الإثارة قد تثبت القوة الطائفية وتحولاً طائفياً خطيراً في مسار البعث السوري نشهد نتائجها اليوم.

صعوبة الحل في سوريا هي عدم وجود بديل سياسي حقيقي فهل هذا صحيح.؟ هذا التبرير منطقي والنموذج اليمني مستحيل التطبيق في سوريا لأن في اليمن هناك القاعدة القبلية والتركيبة المجتمعية المتجانسة تستطيع حماية التغيير السياسي، كما أن أعوان النظام في سوريا المحتملين كبدائل من أي طائفة كانوا يعانون من خلل في طريقة صعودهم السياسي فكما يذكر تاريخهم هم فئات أتاح لها البعث التسلط والفساد والصعود على تاريخ الدمشقيين من التجار والعلماء لذلك لن يكونوا بديلاً لأنفسهم ولن يقبلهم التاريخ المجتمعي بحسب صفحاتهم السوداء في دعم حزب البعث.

على الجانب الآخر سؤال يقول ما هي مشكلة المعارضة السورية أيضا، المعارضة موجودة وممثله للشعب السوري ، ولكن الصعوبة الحقيقية أمامها تكمن في هذه الفكرة ، معظم قيادات الثورة نشأت طول عمرها بالخارج وهم ثلاثة أقسام: قسم معارض للبعث وهم الإسلاميون وقسم معترض على سياسة البعث وهم القوميون المختلفون مع الأسد وقيادة البعث، والقسم الثالث وهم خليط من الطائفيين والقوميين وممثلي الأقليات العرقية، وهنا يتضح أن مشكلة المعارضة أنها مختلفة في أسس تشكيلها وليس بكيفية تشكلها خارج الوطن وهنا يجب أن تتحدث المعارضة عن مشروع جديد بعيد عن مواقف الماضي من أجل سوريا جديدة .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

نظام تحاصره الأوهام!! .. يوسف الكويليت

الرياض

11-6-2012

نظام الأسد يعتقد أن حافز التدخل الدولي بسوريا ضعيف، إن لم يكن مستحيلاً يبنى ذلك على جملة معوقات أهمها الدور الروسي الصيني، لكن هناك سوابق بتجنيب اتخاذ الفيتو لو عرضت القضية على الأمم المتحدة، وصوتت لاتخاذ قرارات رادعة بما فيها التدخل العسكري وتحت البند السابع ثم هناك الانشقاقات في صفوف العلويين، والذين رأوا أنهم جزء من ضحية النظام، والذين يجب أن يعاملوا من أي حكومة قادمة صفة المواطن، ومن كان مجرماً يحاكم أسوة بأي مواطن آخر، حتى لا تأخذ مجريات الأحداث صورة مكررة للعراق بالذبح على الهوية أو العزل التام لمن ادعى النظام أنهم أعضاء في حزب البعث..

تنامي الجيش الحر أصبح مشهوداً حتى إن التقارير المحايدة تضعه مستقبلاً، بالقوة الضاغطة على النظام وقد احتلوا أكثر من مدينة وقرية، لأن تنامي المتطوعين أصبح ظاهرة عامة، ومع الوقت سيصبح الشعب هو الكاسب، لأن الحالة الاقتصادية والأمنية لم تعد تطاق وسط بيئة مجرمين يفتحون المحال بالقوة، ويعتدون على حرمات الناس في بلد بنى تقاليده على القيم السائدة عربياً وإسلامياً..

أيضاً يعتقد النظام أن انشغال أمريكا بالانتخابات، وضغط الكونجرس والقوى المؤثرة، رفض أي مغامرة عسكرية، تبعاً للخسائر المادية والبشرية في العراق وأفغانستان، لكن مثل هذا التفكير سطحي، فأحياناً المغامرة العسكرية قد تكن من المكاسب للرئيس القائم، ولو تكررت المذابح فسوف يكون من يرفض التدخل هو من يدفع الحكومة لاتخاذ القرارات الصعبة، لأن الضمير الإنساني ليس ميتاً مثل قادة سوريا..

فقد تدخلت أمريكا مع حلفائها في ليبيا تحت سمع وبصر القوى المعارضة والمؤيدة للقذافي، وليس هناك مواقع تستثني سوريا من اتخاذ إجراءات صارمة، وحتى روسيا ستقرأ النتائج من الواقع عندما يتمادى النظام بمزيد من الجرائم، وتصبح حلول أنان، والسكرتير العام للأمم المتحدة، مجرد جهود لم تنجز لتتحول إلى سبب يستدعي عمل أي شيء قانوني..

هناك رؤى تحيط بسوريا، فلبنان قد يدخل مرحلة الانقسامات والتوترات التي تؤدي إلى مناوشات عسكرية، وهي جزء من استراتيجية حكام دمشق، وإسرائيل متغلغلة بصلب الوضع السوري الداخلي، تراقب وتوازن، وقد تكون أحد الدافعين لأمريكا التدخل إذا شعرت أن أمنها في خطر، وهناك ثلاثي الرؤوس المؤيدة للنظام، روسيا، والصين، وإيران والأخيرة تبني مكاسبها على توسع امبراطوري أحد أركانه العراق وسوريا لمحاصرة العرب وتركيا معاً بهلال شيعي، أما الدولتان الكبيرتان، فالأسباب والنتائج تقومان على تقديرات وحسابات المصالح، ولو اتخذ العرب وحدهم خط المقاطعة، وسحب السفراء وإيقاف التجارة البينية مع الدولتين، لتغير المسرح والمسرحية، وخاصة الصين كمتضررة أكبر من روسيا، وعموماً لا تزال الأيام حبلى بالتوقعات واتخاذ القرارات كخيارات ضرورية، وكل ذلك تأتي به المصالح قبل العلاقات الإنسانية..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أطفال سوريا .. منى المالكي

عكاظ

11-6-2012

مشاهدة جثث أطفال سوريا ببياضها الطاهر وقطع الثلج التي توزعت على أكفانهم، تجعلك تبدو عاجزاً أمام هذه الوحشية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ولتجري الدموع على خديك كنهر بردى الذي لم يكف جريانه منذ أن بدأت الثورة المباركة في بلاد الشام الطاهرة.

برنامج «طيور الجنة» ذاك كان استشرافا لما سيحدث لأولئك الصغار الذين لم يكن ذنبهم سوى أن وقعوا في أيدي جلاد، استخدمهم بدون رحمة أداة إرهاب لانتفاضة على الظلم والوحشية التي يتعامل بها نظام لم يجد من شرعية لجرائمه سوى إلصاق التهم بإرهابيين صنعهم وقدمهم للعالم، ذلك العالم الذي يعلم جيداً أن لا إرهابي سواه وشبيحته النجسين.

تبدأ الحكاية مع طيور الجنة أو الصغار الملتفين بأكفان الجنة والرحمة عندما كتبوا على حائط في بلدة صغيرة في طرف سوريا الثورة عبارة الشعب يريد! ليبدأ بعدها التنكيل بهؤلاء الصغار الطاهرين في قبضة وحشية لم ترحم صرخات صغار لم يقصدوا شيئا مما قالوا كان ذنبهم الوحيد أن رددوا ما حسبوه أنشودة من أناشيد طيور الجنة!!

وإذا بهم يحولون سوريا إلى بركان غضب يصب حممه الحارقة على ذاك الطاغية وزبانيته، في وطن لم يصنع لأطفاله سوى رصاصة وكفن ! ذلك الكفن الذي استحال مشنقة التفت حول عنقه الدنس ليضعه في مزبلة التاريخ مع من سبقه إلى الخزي والعار، ورأس تلك الصغيرة التي تطلب الرحمة من جلادها وقاتلها وهو يسن سكينة ليقطع بها رأسها الجميل مع جديلتها الذهبية، طار هناك في السماء بعيدا حيث ينظر إلى نهاية هؤلاء المجرمين، ولتستقبل طيور الجنة ليغنوا معا بأصواتهم الملائكية أنشودتهم الأخيرة بسقوط الطاغية ولتنشد معهم سوريا أنشودة الحرية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سيناريو حل القضية السورية .. أنور ماجد عشقي

عكاظ

11-6-2012

بدأت على المسرح السياسي تظهر بدايات سيناريو الحل للمشكلة السورية، وهذا السيناريو يسير على مسارين، مسار يتمثل في مشروع قرار يتعلق بمجلس الأمن، ينص على فرض عقوبات على أركان النظام السوري بموجب الفصل السابع، ومسار آخر يتمثل في تحرك روسي لعقد مؤتمر دولي، بهدف إنهاء حكم الأسد، بمعنى تغيير ممثل النظام بدلا من تغيير النظام.

لقد كان التوجه الدولي معززاً من الإعلام أن تتركز التجاوزات التي يمارسها النظام السوري على الرئيس بشار الأسد، لأنه من الصعوبة بمكان أن يقصى على النظام بمؤيديه وأتباعه، فقد أعد بشار ليكون كبشاً للفداء، ففي حالة إقصائه يصبح الحوار ممكناً بين الثوار والمعارضة مع باقي أشخاص النظام للوصول إلى حل يتفق مع المطالب الشعبية، واليوم أصبح السيناريو قابلا للتطبيق، وهو ما طبق في اليمن.

فالموقف على الساحة السورية يؤكد على أن الثورة قد حققت تقدماً على مختلف الأصعدة، فقد تسربت أسلحة من الخارج قادرة على قصف مواقع قيادات النظام مثل الهاون 60 مم، كما وصلت قطع من الأسلحة الفعالة ضد الدبابات مثل البازوكا التي تحمل على الكتف.

وعمد النظام إلى أسلوب التخويف والانتقام، وجر الثورة إلى الحرب الأهلية بعمليات المجازر اللاإنسانية في كل من الحولة والقبير، لكن هذه الممارسات أخرجت بعض التجار من دائرة النظام إلى صفوف الثوار، خصوصاً وقد نجح جيش سورية الحر في اختراق قلعتي النظام في حلب ودمشق، مما يؤكد على أن الثورة ليست عفوية، وأن قيادات الثوار ليست ارتجالية.

كل ذلك ترك آثاره على الموقف الدولي، فروسيا وجدت أن ميزان الموقف يميل إلى صالح الثوار، فإذا لم تغير موقفها فإنها سوف تخرج كلياً من الساحة العربية والشرق أوسطية، لهذا أخذت تتخلى عن الأسد أو على الأقل تحميله كل الأخطاء، وهو ما سبق أن نصحت به الرئيس حافظ الأسد حينما اقترح الاتحاد السوفيتي عليه تحميل المسؤولية لرفعت الأسد، في مقابل حفنة مجزية من الدولارات، وأن يخرج من سورية محملا بتبعات مجازر حماة.

لقد بدأت ملامح السيناريو تظهر، مما يؤكد على أن الانفراج في الموقف أصبح وارداً ومقبولا، فإذا تأخر فإن الثوار لن يرضوا إلا برؤوس النظام، ومن تلوثت أيديهم بدماء الشهداء، فالموقف لا يحتمل التأخير.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ماذا يعني روسيا من الطائفية .. منصور محمد مكين

عكاظ

11-6-2012

نعم أستطيع القول إن الموقف الروسي له عدة أهداف وفي مقدمتها قياس قدرتها أنها لاتزال دولة عظمى. فهي منذ تفككها قبل عشرين عاما لم يعد لصوتها صدى ولهذا فموقفها من القضية السورية هو إعلان عودتها كدولة عظمى. روسيا تعارض وبشدة كل توجهات مجلس الأمن لإيجاد حلول لما يحدث في سوريا من مجازر وقتل واعتقالات. أي قهر وطغيان النظام على الشعب بكامله. كل هذا يحصل والموقف الروسي يزداد تصلبا، وتزود النظام السوري بالأسلحة علنا لقمع الشعب وبكل ما يحتاج النظام ليزداد القتل وليبقى النظام. من منطلق وقوف روسيا مع النظام السوري الذي أكده الرئيس الروسي بوتين عندما أكد أن روسيا لن تخضع لأي ضغوط دولية.

وطبيعي هذا الموقف الروسي الذي سيأتي بالأسوأ، وسيزداد النظام عنفا ضد الشعب وهذا بديهي كونه يعتمد على دعم دولة عظمى، الموقف الرسمي مخز وغير إنساني يدعم نظاما يرتكب مجازر يشهدها العالم بأسره ويدينها. فهل يعقل أن تكون روسيا الدولة العظمى فاقدة إنسانيتها لتدعم نظاما يقتل شعبه بوحشية من أجل تحقيق أهداف مهما كان ارتباطها بالنظام..

بعد الموقف الروسي غير المبرر في مجلس الأمن واتخاذها حق (الفيتو) ضد القرار الدولي الذي يطالب النظام بالتوقف عن القتل، سألت نفسي عن السبب الذي جعل روسيا تتخذ ذلك الموقف فلم أجد ما يقنعني.. لم يطل الوقت حتى جاءت المفاجأة عندما صرح وزير خارجية روسيا الذي جاء بالطائفية والتي لا أعرف وقتها من أي باب كان سيدفع بها في هذا الصراع. فقد أدبى خوفه من سقوط النظام وسيطرة السنة. وهنا يتضح الموقف الروسي وذهابه إلى الطائفية ليدعم هدف إيران التي بدأت تبذل من أجله كل الدعم وتؤكد عدم قبول سقوط النظام السوري.. وهنا يتأكد لنا أن الهدف الروسي أبعد من سوريا وإنما الارتباط بأكثر من دولة قريبة منه جغرافيا. الموقف الآن في غاية الخطورة إذا تأكد لنا حقيقة الأهداف المستجدة وأصبحت الطائفية هي المرتكز الحقيقي للصراع، وكون الهدف أخذ هذا المنحى فالقتل والمجازر الجماعية ستزداد فالداعمون للنظام روسيا وإيران غير معنيين بمن يقتلون وكل ما يعنيهم بقاء النظام.

وأخيرا.. يتخوف السيد بان كي مون ومعه الكثير من الدول من وصول الوضع السوري إلى الحرب الأهلية. وهذا استنتاج أراه بعيدا عن الواقع فالصراع الدائر بين شعب يطالب بحريته ونظام وحزبه البعثي. ومن يعرف سوريا يجد أنها لا تخضع للحكومة فقط وإنما للحزب والحكومة، والصراع لن يخرج عن هذا المفهوم وسوف يبقى في حدوده. ولهذا يجب أن ندرك أن حزب البعث المسيطر على كامل مفاصل الدولة هو من يقف حائلا أمام نجاح الثورة إلى الآن. فالخوف ليس من الحرب الأهلية فهي غير متوقعة وإنما من الدول الداعمة للنظام وحزبه البعثي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ثوار سوريا... مزيد من القوة على الأرض .. ليز سلاي

بيروت

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

تاريخ النشر: الإثنين 11 يونيو 2012

الاتحاد

في الأسابيع الأخيرة كسبت قوات التمرد السورية التي تزداد فعالية على الدوام المزيد من الأرض كما كثفت هجماتها على قوات الحكومة في الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم مركزة على الضغط على الرئيس السوري لدفعه نحو تطبيق قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار وإيقاف المذابح ضد المدنيين. ففي الوقت الراهن يقر الجيش السوري الحر المنظم بشكل فضفاض أنه هو أيضاً لم يعد يلتزم بالهدنة على الرغم من أن الثوار يصرون على أنهم لا يقومون بشن هجمات إلا من أجل الدفاع عن المدنيين.

يقول المتمردون أيضاً إنهم قد باتوا قادرين على الحصول على الذخيرة والأموال اللتين كانوا يعانون من نقص منها منذ عدة أشهر، وإنهم يقومون في الوقت الراهن بإعادة هيكلة بنيتهم بحيث تغدو قادرة على الحركة السلسلة ولزيادة درجة التنسيق وإنهم يزيدون الأراضي والمناطق الموجودة في الوقت الراهن تحت سيطرتهم بالفعل.

والنشاط الزائد يأتي محصلة للجهد الدولي المبذول لمساعدة الجيش السوري الحر والذي بدأ يكتسب زخماً. وعلى الرغم من أن الثوار يصرون على أنهم لا يتلقون مساعدة من قبل الدول الأجنبية، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه قدرة كافية على الحصول على أموال من شخصيات المعارضة السورية والمنظمات الموجودة في الخارج وهي الأموال التي يستخدمونها لشراء الإمدادات والتموينات من السوق السوداء التي تم إحياؤها مجدداً في سوريا. وقد قال المسؤولون الأميركيون وشخصيات المعارضة السورية الشهر الماضي أن وتيرة الجهد المبذول سراً لضخ الأموال والأسلحة للثوار- وهو جهد تساعد الولايات المتحدة في تنسيقه- قد بدأت في التزايد خلال الآونة الأخيرة.

والتقدم الواضح الذي حققه المتمردون يؤشر على أن المساعدات التي تقدم لهم قد بدأت تؤتي ثمارها وتدفع بالأمور في سوريا نحو صراع ممتد، مما يمكن أن يزيد الضغط على الحكومة السورية لتقديم تنازلات حتى في الوقت الذي تواصل فيه القوى الدولية استبعاد خيار التدخل العسكري كما يقول المحللون.

على الرغم من ذلك، فإن هؤلاء المتمردين المسلحين في الغالب ببنادق كلاشينكوف هجومية، وقواذف صاروخية "آر.بي.جي" وبعض مدافع "الهاون" مازال أمامهم طريق طويل حتى يكونوا قادرين على إنزال الهزيمة بالجيش السوري النظامي الأقوى عدداً وعدة وتسليحاً بكثير. ليس هذا فحسب بل إنه لا يزال أمامهم طريق طويل حتى يتمكنوا من امتلاك قدرات جيش التمرد الليبي، الذي كثيراً ما تتم السخرية منه، والذي نجح في السيطرة بسرعة على مساحات كبيرة من المناطق والاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر من الجيش الليبي.

يوضح "جيفري وايت" المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية والذي يعمل في الوقت الراهن خبيراً لدى"معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، هذه النقطة بقوله"إن الثوار السوريين لن يكونوا قادرين أبداً على الزحف صوب دمشق وطرد النظام منها"، ولكنه يستدرك بالقول:"ومع ذلك فإن تلك القوات، يمكن من خلال تكتيكات الكر والفر على المواقع السورية النائية والقوافل العسكرية أن "تزيد الضغط على النظام، وتستنزف قواه، مما يؤدي بالتالي إلى تزايد حالات الفرار بين جنوده وضباطه".

يؤمن الرائد "سامي الكردي" المتحدث باسم مجلس حمص العسكري، وهو واحد من المنظمات العسكرية الجديدة التي تتكون في مختلف أرجاء البلاد على ما يقوله "وايت" بقوله:"مع كل يوم جديد نحصل على المزيد من الأراضي وتزداد فيه حالات الفرار من الجيش النظامي وتكتسب فيه المزيد من القدرات على التنظيم والتنسيق بين قواتنا". ويضيف الكردي:"النظام لا يسيطر في الوقت الراهن سوى على المناطق التي يسيطر عليها بدباباته والدليل على ذلك أن جنوده لا يجرؤون على الخروج خطوة واحدة خارج تلك الدبابات".

بيد أن التحقق من هذه الادعاءات أمر صعب لأن الحكومة السورية تمنع دخول الصحفيين. ولكن الخبراء العسكريين الذين يراقبون مجريات الصراع في سوريا يقولون إنهم قد لاحظوا زيادة كبيرة في عدد الهجمات التي تقوم قوات المعارضة بشنها على النظام كما يتبين من البيانات التي يقومون بوضعها على مواقعهم في شبكة الإنترنت.

ولكن ذلك لا يحول دون القول إن القوات الحكومية لا تزال لديها القدرة على استخدام قدر هائل من القوة ضد معاقل المتمردين عندما يختارون ذلك ولكن المشكلة التي يعانون منها أنهم لا يستطيعون استغلال تلك القوة الهائلة في جميع المواقع والمناطق التي يتواجد بها متمردون في نفس الوقت" كما يقول عمر العزم أستاذ التاريخ بجامعة شاوني ستيت في أوهايو والذي ينشط في المعارضة السورية في الوقت الراهن.

نتيجة ذلك هو أن مساحات كبيرة من الأرض -آخذة في الزيادة- تقع في وسط وشمال سوريا قد باتت الآن تحت السيطرة الفعلية للثوار كما يقول جوزيف هوليداي البحث الذي يتعقب نشاط الجيش السوري الحر لمصلحة "معهد دراسات الحرب الذي يتخذ من واشنطن مركزاً له.

وتزايد قوة ونفوذ قوات المعارضة يقلل من احتمالات نجاح وقف إطلاق النار حسب مبادرة الأمم المتحدة والافتراض القابل للتصديق هو أن الصراع سوف يزداد شراسة مع استمرار تلك القوات في الهجوم على قوات الجيش واستمرار الأخيرة في الاستخدام المفرط للقوة وارتكاب المذابح ضد المدنيين مثل مذبحة الحولة ومذبحة القبير.

"بما أن المتمردين يحصلون على المزيد من الأسلحة فإنه ليس أمام النظام من خيار سوى التصعيد" هذا ما يقوله وسام طريف الناشط الذي يتخذ من بيروت مقراً له والذي يعمل مع مجموعة أفاز العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الانتفاضة الشاملة الوسيلة الوحيدة لإطاحة الأسد .. ادريان هاميلتون

المستقبل

11-6-2012

لا توجد "نقطة لا عودة" في سوريا. أو أنه وجدت لغاية الآن واحدة قبل عدة أشهر، عندما أطلق النظام العنان لقواته لسحق المراكز الرئيسية للمعارضة وفشل في قمعها، كما فعل والد الرئيس السوري بشار (الرئيس الراحل) حافظ الأسد في حماه.

والفكرة بأن تشكل مجزرة الحولة نقطة حاسمة شبيهة لاعتداء (الرئيس الليبي الراحل معمر) القذافي على بنغازي، أو المذبحة التي نفذها (الرئيس العراقي الراحل صدام) حسين ضد الأتراك، ما أتاح التدخل الغربي، تبقى لغاية الآن مرغوبة أكثر منها توقعاً محتملاً.

هذا الاحتمال لن يقع. ليس لأن أفعال الرئيس الأسد ليست وحشية بما يكفي، فهي على العكس كذلك. لكن ظروف نجاح تدخل عسكري من الخارج ليست متوفرة. في حالة الأكراد العراقيين، والثوار الليبيين وحتى مسلمي البوسنة، كان بإمكان الغرب فرض سيطرة جوية مطلقة وتغيير ميزان القوى.

لكن سوريا ليست كذلك. الصراع فيها أشمل لكنه أكثر انتشاراً، مسار انتفاضات فردية تغذيها المشاعر المحلية، وقودها رجال فروا من الخدمة العسكرية ومسلحون حتى الآن بكميات محدودة من الأسلحة الخفيفة والذخيرة تمكنوا من الاستيلاء عليها.

وبطريقة معينة، كان ذلك لصالح الثوار. فالقوات الأمنية الحكومية تملك التسليح الكافي لردع التهديدات، لكنها لا تملك الوسائل التي تسمح لها باجتثات المعارضين الذين يقاتلون في المجتمعات المدنية. ولذلك، لجأت دمشق إلى محاولة سحق مراكز المعارضة من خلال المدفعية والاقتحامات العسكرية، ولذلك أيضاً استخدمت ميليشياتها الطائفية لدخول الشوارع والأزقة وارتكاب المجازر بالوحشية التي شاهدناها في الحولة.

الكلفة على المدنيين هائلة. لكن وطالما أن المعارك انتشرت عبر جميع أنحاء البلاد، فإن دمشق تجد صعوبة في إلحاق الضربة القاضية بمدينة معينة، كما تمكنت من فعل ذلك بحماه في العام 1982، أو كما فعل الألمان مع انتفاضة وارسو في العام 1944 عندما وقف الروس موقف المتفرج (تماما كما يفعلون اليوم) وسمحوا بحدوثها.

لكن من الخطأ تشويه سمعة الروس في هذه المسألة كما فعلت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أمس. من الجيد تقديم اقتراحات إلى مجلس الأمن الدولي لإصدار قرارات بالنظام السوري وشجب موقف روسيا والصين لعدم انضمامها إلى هذه الاقتراحات. لكن ماذا لو قررت روسيا الامتناع عن التصويت عليها عوضاً عن استعمال حق النقض، ماذا يحدث حينها؟

لا يستطيع العالم الخارجي إنهاء الصراع السوري من خلال التفوق الجوي فقط. أما إرسال القوات الخارجية فلن يزيد من الأمر إلا سوءاً على الأرض، من خلال توريط القوات الأجنبية في صراع طائفي كما شهدنا ذلك في العراق.

وفي هذا الوضع، تبدو روسيا أمام خيارات مستحيلة تماما كما هو الموضوع بالنسبة للغرب. فموسكو ليست لديها أي مصلحة في نجاة الأسد ونظامه، ليس في ظل هذه الظروف، غير أنها تجد صعوبة في معرفة كيفية إنهاء الصراع بطريقة يمكن السيطرة عليها.

وفي هذا المنطق، تبدو موسكو على حق حين تقول إن تسليح المعارضة سوف يجر الوضع إلى خسائر مدنية كثيرة. لكن ما هو البديل؟ القول للمعارضة بالاستسلام وترك الساحة للرئيس الأسد وعائلته التي فقدت مصداقيتها؟ الأمر أصبح أبعد من ذلك بكثير.

وإذا كان هناك من حل سريع للصراع، فذلك لن يكون إلا من خلال انتصار واضح لفريق على آخر. وإذا كان الفريق المنتصر غير الأسد، فذلك يعني أن تكون المعارضة المسلحة والمنظمة بشكل جيد قادرة على التغلب على القوات الأمنية. على السوريين أن يخافوا من القتال المحصور المستمر أكثر مما يخافوا من حرب شاملة يغذيها ويمولها الخارج.

غير أن الأمل الوحيد هو أن يتزايد، نتيجة قمع الأسد الوحشي، الشعور الشعبي بأن لا مستقب لبلادهم في ظل هذا النظام، ما يولد انتفاضة عارمة تؤدي إلى اطاحته. هذا رهان كبير، لكن إذا كانت مجزرة الحولة تساعد على توليد هذا الشعور، فإنها تكون فد شكلت ما يمكن اعتباره نقطة اللاعودة.

ترجمة :صلاح تقي الدين

() "الاندبندنت "1/6/2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا ومعضلة الخطاب الطائفي .. منذر خدام

السفير

11-6-2012

ما أكثر القضايا التي شغلت بال السوريين قبل أن ينتفضوا على نظامهم المستبد، من فلسطين إلى العراق إلى لبنان، إلى القضايا الداخلية، من لقمة الخبز إلى الحرية وما بينهما. غير أن الخوف من أن ينزلق بلدهم وتنحرف ثورتهم إلى صراع داخلي طائفي يشكل هذه الأيام الهاجس الأكبر لديهم.

لقد استحوذت قضايا الصراع المسلح الجاري اليوم بين جيش النظام وقواته الأمنية وشبيحته من جهة والمتظاهرين السلميين والجيش الحر والمسلحين المحليين من جهة أخرى على اهتمامات السوريين، حتى كادت تسمرهم أمام التلفاز، ووسائل الإعلام المختلفة، وهم، في حقيقة الأمر، يضمرون هواجس، وإحساسات بالخوف تجاه بلدهم ومجتمعهم، الذي بدأت تتهدده الأخطار من كل صوب. لقد أخذت تنزاح لغة الحياة، لغة الحب، لغة العمل، لغة الاجتماع، لتحل محلها لغة الخوف، لغة الموت التي يحاول النظام تعميمها، باحثة لها عن مستقر في النفوس التي فقدت حس الرؤية السياسية السليم. لقد صار من مألوف الحياة اليومية، استخدام مفردات المنطق الطائفي في التحليل السياسي للظواهر السياسية، بدعوى «الموضوعية» و«الواقعية». ولم يعد يقتصر ذلك على الجمهور العادي، بل أخذ يتسلل إلى عقل النخب السياسية والثقافية، وهنا مكمن الخطورة. فعندما يفقد العقل السياسي والثقافي العارف منطقه السليم، فتأسره اللغة اليومية، بما فيها من تسطيح، وتعمية، وانسياق وراء الهوبرة الإعلامية، تصبح المفردات الطائفية، والمذهبية، والأقوامية، من قبيل «مكونات الشعب السوري»، أو «الأقليات السورية»، أو «الطوائف والمذاهب السورية»، أو «الحكم الطائفي»، أو تخفيفاً، «الحكم الفئوي»، أو «الطائفة الحاكمة» أو «المنتفعة»، و«الطوائف المقموعة» أو «المظلومة والمستغلة»، و«الطائفة الكبيرة، والطوائف الصغيرة»، و«المحاصصة» و«التوافقية الطائفية» وغيرها كثير، هي مفرداته في التحليل السياسي. وإذ يسود المنطق الطائفي ومفرداته في التحليل السياسي، وبالتالي في الممارسة السياسية، فإن الجوهر السياسي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ثار الشعب السوري بسببها، يصبح من المستحيل مقاربته، والقبض عليه معرفيا، ليصار، في خطوة لاحقة، إلى وضعه في السياقات السياسية الطبيعية لسيرورته، في إطارها الوطني الجامع. في ضوء ذلك تصبح الطوائف والمذاهب، بل العشائر والعائلات والانتماءات الأقوامية المختلفة هي التي ترسم حدود الأوطان، ومصالح السكان. منطق كهذا يصنع الخنادق، يولد الفرقة والاقتتال، يكسر الجسور، يخلق العزلة، يسيجها بأوهام يستحضرها من التاريخ، أو يستولدها من تقيات المكبوت، وحراسه المعممين، ليخسر الجميع بالضرورة، في البداية والنهاية.

وبطبيعة الحال ليست هذه الظاهرة بلا أساس واقعي، فما يجري في لبنان والعراق والبحرين وفي غير مكان من الوطن العربي، وكثافة الحضور الأيديولوجي الديني في وسائل الإعلام المختلفة، واحتلال رجال الدين مساحات كبيرة من المشهد الإعلامي والثقافي والسياسي الراهن، يضاف إلى ذلك، بل قبل ذلك، غياب الحياة السياسية والنقابية الطبيعية، وثقافتها، وأطرها المجتمعية المدنية، لزمن طويل، وانسداد الآفاق أمام حياة سياسية كهذه، يولد مثل هذه الانتكاسات في العقل السياسي. ولا يجوز أن ننسى، بطبيعة الحال، فشل المشاريع القومية واليسارية، التي شغلت النصف الثاني من القرن العشرين، وانزياحها من المشهد السياسي، وكذلك غياب أية فعالية ليبرالية أصيلة ومتأصلة، كل ذلك أفسح الطريق سالكة أمام الإسلام السياسي ليتقدم الحركة المجتمعية، مع كل المرفقات المفهومية الضرورية له كعدة شغل سياسية.

وإذ يتصدى الإسلام السياسي لقضايا الثورة السورية، فإنه يتصدى لها، وهو مستند إلى أطره الطائفية والمذهبية، بغض النظر عن التلوينات المختلفة، الليبرالية منها على وجه الخصوص، في خطابه السياسي. فالسياسة المستندة إلى الأطر الطائفية والمذهبية، هي سياسة طائفية بالضرورة في المنطلق وفي المآل النهائي. هذا لا يعني أن نضع جميع فئاته وألوانه في سلة واحدة، وان نتجاهل الاختلافات العميقة والجدية القائمة بينها. لكن مع ذلك، بل رغم ذلك، ثمة جامع عام بينها وهو أنها أسيرة تموضعاتها الطائفية والمذهبية، وهي لا تستطيع التخلي عنها. هنا يغيب للأسف البعد الوطني في عملية الإسناد المجتمعي، وفي عملية التعبئة، وفي الممارسة التنظيمية والسياسية.

في مواجهة استحقاقات الراهن، لا بد من الاعتراف بأن ثمة مشكلة نظرية غير محلولة، تواجه الإسلام السياسي، هي ذاتها التي واجهت، في حينه، التيارات القومية واليسارية، الموصوفة بالعلمانية، ولم تستطع حلها، أعني مشكلة تحقيق مشروع تنموي شامل، تكون إحدى مهماته المحورية، مهمة بناء الدولة الحديثة، والحداثية، التي تدخل مجتمعاتنا في العصر الراهن، عصر الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، عصر أنماط الحياة المنفتحة والمتسامحة.

وإذا كانت القوى السياسية القومية واليسارية التي تصدت لحل هذه المشكلة، مدعومة برهانات كبيرة من قبل القوى المجتمعية الأساسية، وأحيانا من قبل الجماهير العريضة والواسعة، وهي بطبيعة الحال الأقرب إلى روح العصر الراهن، قد فشلت فشلا ذريعا. وبدلا من بناء الدولة الحديثة، وتأصيل المفاهيم المرتبطة بها مثل: مفهوم الفرد، والمواطن، والوطن، والنقابة، والحزب السياسي، والديموقراطية، والحرية، والمجتمع المدني، وغيرها كثير، فإنها قد نجحت في بناء دولة جهازية استبدادية مغلقة، كل شيء فيها هش، وقابل للكسر، يسهل الارتداد عنه إلى ما قبله، وليس إلى ما بعده. فمن حقنا أن نشك في قدرة الإسلام السياسي على إنجاز مهمة كهذه، وهو في رؤيته للحاضر، وفي تطلعه نحو المستقبل، يستحضر الماضي، روحا، وثقافة، ونمط حياة. قد ينجح في التعبئة والحشد للظفر بالسلطة السياسية، لكن من المشكوك به أن يستطيع تأصيل قيم الحرية والاختلاف والتعددية ربما إلا في نطاق الاتجاه الواحد، وهو لا يستطيع توليد ديناميكيات تطورية مجتمعية على المدى البعيد. فهذه الديناميكيات لا تكون بدون الحرية والديموقراطية والاختلاف والتعددية، واحترام حقوق الإنسان الفرد وخياراته ومصالحه، كمحركات لها.

في سوريا لطالما افتخر السوريون بوحدتهم الوطنية، وبتعايشهم بعضهم مع بعض، ومشاركتهم في جميع الصراعات السياسية سواء في الداخل، أو مع القوى الخارجية، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، تحركهم روح وطنية، أو قومية، أو طبقية عالية، لا يزال الرهان عليها صائبا لحماية سوريا، رغم كل محاولات النيل منها، من خلال تعميم مناخات الفساد والنهب والعوز، التي عمل النظام عليها طيلة أربعة عقود من السنين، وتستفيد منها القوى الخارجية في حماية مصالحها، عبر الترويج الإعلامي والسياسي الطائفي والمذهبي. لكن هذا الرهان بحاجة ماسة لتجديد أساساته وتقويتها، بمزيد من اليقظة الوطنية وعدم السماح للنظام بجرنا إلى ساحة الصراعات الطائفية.

إن الصراعات التي تشهدها سوريا وغيرها من الدول العربية هي صراعات بين الحرية والاستبداد، وهي صراعات سياسية بامتياز، يراد لها من بعض القوى الداخلية والخارجية أن تأخذ شكل صراعات طائفية ومذهبية. لهذا الغرض يتم نبش التاريخ وإعادة إحياء بعض أمواته، وتوظيفه لتحقيق مكاسب سياسية آنية. وإن أحد المداخل المجربة إلى ذلك هو السيطرة على العقل السياسي والثقافي العارف، واستبدال لغته السياسية في التحليل ومقاربة المشكلات السياسية بلغة طائفية ومذهبية. إن قضايا الثورة السورية هي قضايا الشعب السوري في تطلعه نحو الحرية والديموقراطية واستقلال الإرادة السياسية، وإنجاز مشاريع تنموية حداثية نهضوية تخرجه من دائرة التخلف إلى دائرة التقدم، ولذلك فهي تحتاج إلى اللغة السياسية لمقاربتها، وليس إلى اللغة الطائفية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موسكو تشعر بقرب غرق الأسد؟ .. علي حماده

2012-06-11

النهار

من الواضح ان اندفاع النظام في سوريا نحو استراتيجية المجازر "الهادفة" وضع سوريا على شفا الحرب الاهلية الشاملة والمفتوحة. وفي يقيني ان سوريا تعيش حربا اهلية عمل من أجلها النظام منذ اليوم الاول لقيام الثورة في 15 آذار 2011. فقد واجه التظاهرات السلمية المدنية بالرصاص الحي، ثم بالقنابل وقذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة، وصولا الى الذبح المنهجي في العديد من المناطق الى حد ان الشعب المسالم والاعزل ما عاد يجد وسيلة للدفاع عن نفسه سوى حمل السلاح الخفيف ونزول الجنود المنشقين الى الشارع للدفاع عن الناس. لقد عمل النظام على عسكرة الثورة السورية معتقداً انه أقدر على مواجهتها بالحديد والنار في اطار حرب فيحسم الموقف. ولكن سرعان ما بدا ان الحسم ما كان بالامر السهل، وان دونه معطيات جديدة على مسرح المواجهة اولها ان جيش بشار ما حظي يوما ببيئة شعبية حاضنة من اقصى سوريا الى اقصاها. في المقابل بدا الثوار اكانوا مدنيين ام جنوداً منشقين او حتى من حملوا السلاح في نهاية الامر اشبه بالسمكة في الماء. اما كان ماو تسي تونغ في خضم الحرب الشعبية اواخر الاربعينات يقول ان العنصر الاهم المحدد لانتصار الثورة المسلحة ان يتحرك الثوار وسط الشعب مثل السمكة في الماء؟ في حالة سوريا وعلى رغم الآلام العظيمة طبق الثوار قاعدة ماوتسي تونغ مما حال دون بشار والحسم النهائي في اي بقعة من البقاع الثائرة. وللتأكيد على ما نقول فقد حاولنا ان نجد مكانا واحدا تمكن فيه بشار من تطبيع الوضع فعجزنا. اكثر من ذلك يؤكد المراقبون الامميون في تقاريرهم ان حوالى 45 في المئة من مساحة سوريا خرجت عمليا عن سيطرة النظام.

بالامس توسع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف في شرح فكرة المؤتمر الدولي الموسع الذي تدعو اليه موسكو لحل الأزمة في سوريا كبديل من قرار بموجب الفصل السابع في مجلس الامن، او من مزيد من العقوبات على النظام. فهل جاء المقترح الروسي في ضوء معلومات جديدة مفادها ان الوضع الميداني يتغير، وان بشار يعمل اليوم على رسم حدود الدويلة العلوية بالدم، مركزا المجازر والتدمير والتهجير المنهجي في المناطق التي طال الحديث عن أنها ستكون جزءا من الدويلة ان كعمق جغرافي، او كممر استراتيجي مع لبنان ولا سيما بقاعه الشمالي الواقع تحت سيطرة بيئة سياسية وطائفية "حليفة"؟

نحن نعرف تمام المعرفة ان فكرة الوحدة ما كانت يوما سوى خيار متغير للنظام الذي بناه حافظ الاسد، اما الخيار الآخر الذي ما غاب يوما فكان الدويلة ساعة لا يعود في الامكان الاحتفاظ بحكم سوريا موحدة. من هذا المنطلق تجد المجازر التي يرتكبها النظام تفسيرها المنطقي في اطار مشروع تفكيك سوريا ومحاولة اقتطاع ابناء حافظ الاسد دويلة مذهبية يستمرون فيها. فحكم سوريا صار حلما بعيد المنال، والعودة الى نظام حافظ الاسد ابعد منالا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دعم الثوار لا التدخل العسكري .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

11-6-2012

عارض هنري كيسنجر، الذي كان وزير خارجية أميركا قبل أكثر من ثلاثة عقود ولا يزال من أبرز أصحاب الرأي المؤثرين، دعوات التدخل ضد نظام الأسد في سوريا. كتب في مقاله في «واشنطن بوست» يقر بأن التدخل وإسقاط النظام يصب في المصلحة الأميركية الاستراتيجية لمحاصرة إيران وينسجم مع الحاجة الإنسانية لوقف مجازر النظام ضد شعبه، لكنه مع هذا لا يؤيد التدخل لإسقاط النظام. رأيه مبني على أن مبدأ التدخل - قانونيا - خاطئ، على اعتبار أن ما يحدث في سوريا شأن داخلي، وأن رغبة شعب في التحول إلى الديمقراطية ليست مبررا لأميركا للتدخل من أجله، وقد يحرف التدخل سياسة الولايات المتحدة عن قواعد عملها. كما يسرد كيسنجر محاذير كمبررات للإحجام عن التدخل، مثل أن أميركا تسعى للخروج من العراق وأفغانستان، فلماذا تورط نفسها بالدخول في سوريا؟ وهي جربت ودعمت المجاهدين في أفغانستان وأصبحوا مشكلة ضدها لاحقا، وأن الدخول في بلد من أجل إسقاط نظامه، وهي لا تعرف البدائل فيه، مغامرة خطيرة. وأن الرأي العام الأميركي لم تعد عنده شهية لأي تدخل عسكري.

وأهمية ما كتبه كيسنجر، عدا عن كونه صدى لمقالات مماثلة، تكمن في توقيته. فقد كان من المتوقع في الأيام الماضية أن تعلن إدارة أوباما سياستها تجاه سوريا، وكنا ننتظر أن تعلن سياسة دعم الشعب السوري لإسقاط النظام.

ردا على ما قاله كيسنجر لن أناقش مفهوم التدخل العسكري المباشر، لأن هذا ليس المطلوب في المرحلة الحالية، فالمأمول دعم السوريين ليقوموا بأنفسهم بالدفاع عن أنفسهم ومواجهة قوات النظام المتوحشة. نحن نعرف أن هناك دعما يصل إلى الثوار، معلومات ومساعدات مادية وتسليحية، لكنها شحيحة.

كيسنجر محق في أنه ليست وظيفة الولايات المتحدة التدخل في بلدان العالم لتحديد طبيعة النظام المطلوب، لكنه مخطئ في اعتبار سوريا حالة تدخل تحت هذا العنوان. عمليا، النظام - كما نعرفه - انتهى في العام الماضي، ولم تعد هناك نفس الدولة السورية التي حكمت 40 عاما. نحن الآن نتحدث عن نظام فاشل، أي شبه ساقط، والبلاد في شبه حرب أهلية، لهذا نتوقع من كل الأطراف المعنية التعاون في إدارة الأزمة حتى لا تتسع، ومساعدة السوريين ليختاروا النظام الذي يريدونه. نظام الأسد نفسه يعرف أنه انتهى، وأن ما يفعله الآن محاولة لكي يكون طرفا في ترتيبات ما بعد دفن جنازته. يريد تمزيق البلاد وتحويلها إلى صومال آخر، والثوار يريدون وراثته، يريدون كامل الدولة. وبالتالي، عندما نتحدث عن إسقاط نظام الأسد فهو ليس تدخلا في بلد مستقر من أجل تغيير نظامه كما صوره كيسنجر في مقاله.

الحقيقة، كلهم يتدخلون في سوريا الآن لهذا الغرض، بما في ذلك روسيا وإيران والجهاديون، يريدون التأثير على مرحلة ما بعد سقوط الأسد، فلماذا نترك الشعب السوري مائدة مفتوحة لهذه الأطراف السيئة التي لا تتفق مع غالبية الشعب السوري. لقد قضى النظام على نفسه عندما اختار الحل العسكري ورفض تماما الحل السياسي. فشل عندما استمرت المظاهرات، وبدأت الانشقاقات العسكرية، وظهر الجيش الحر، وانتشرت المواجهات في أنحاء البلاد. الآن نحن نرى 70 في المائة من البلاد فيها عمليات عسكرية، وهذا يعني أن النظام فقد شرعيته وهيمنته.

دعم الثوار السوريين يحقق الأهداف المهمة التالية:

تثبيت مرجعية وشرعية المعارضة المعروفة، وتقليص فرص الجماعات المعارضة الأخرى المشبوهة، ولا ننسى أن إيران استخدمت «القاعدة» ضد حلفائها العراقيين في العراق واللبنانيين في لبنان من قبل، وقد تكون وراء بعض هذه الجماعات في سوريا. والهدف الآخر للتدخل هو الحفاظ على وحدة سوريا والضغط على الثوار إلى مرحلة التوافق، بما يحافظ كذلك على مؤسسات البلاد من ضمنها الجيش والأمن، ويؤمن استقرار سوريا والمنطقة. إن هذه الأهداف تخدم المجتمع الدولي، وقبل ذلك تخدم كل الشعب السوري، بكل مكوناته. البديل الآخر سيكون تفتت سوريا.. حينها يخسر الجميع.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خاتمة الطغاة .. حسين شبكشي

الشرق الاوسط

11-6-2012

لماذا أقدم النظام الأسدي السوري على المذبحة التي قام بها في منطقة الحولة بريف حمص؟ السؤال بديهي جدا أن يتم طرحه في ظل الإجرام المهول والوحشية الفاضحة التي أظهرتها هذه المذبحة والروح الدموية الموجودة لدى عناصر النظام، وتحديدا الفئة المرعبة المعروفة باسم «الشبيحة»، فالجثث المتفحمة من هول التنكيل بأجساد الأطفال والنساء، والذبح بالسكين، وفصل الرأس عن الجسد، وبتر الأعضاء التناسلية، واغتصاب الفتيات والنساء، لا يمكن أن يكون الإقدام على كل تلك الفظائع المفزعة من باب الرغبة في الدفاع عن الحكم ولا عن النظام فقط، ولكن الموضوع يبدو أنه أعمق وجذري وصلته في ذهنية وعقلية الشبيحة ومن معهم.

تابعت بدهشة كاملة وذهول كبير اللقاء الصحافي الذي أجرته صحيفة «التايمز» اللندنية العملاقة مع «جعفر»، أحد الشبيحة الذين وافقوا على إجراء المقابلة معهم وتصويرهم ولكن دون الإفصاح عن اسم العائلة. جعفر شخصية مقيتة المظهر، مفتول العضلات بشكل مبالغ فيه، له شاربان غليظان ولحية كثيفة وحليق الرأس، وأوشام ورسومات السيوف تملأ ذراعيه، يتفاخر أنه كان مهربا لكل أنواع الممنوعات بمعرفة النظام ودعمه، وفتح المحلات تلو الأخرى لترويج البضائع المهربة ثم نال رضا «المعلم» فترقى ليدافع عن بعض المسؤولين، وهذا الوضع يتشابه مع الآلاف الآخرين من الذين هم على شاكلته ولهم نفس الخلفية الاجتماعية والثقافة والاقتصادية، جندهم النظام بامتياز وأقنعهم بشكل عقائدي أن بقاءهم ونمط حياتهم مرتبط تماما وبشكل مطلق باستمرار نظام الأسد كما هو دون تغيير في الحكم إلى الأبد، وأن أي تغيير في هذا المفهوم هو خيانة عظمى تستحق القتل وسفك الدماء لأجلها، وهو ما يفسر ما يجري عمله حرفيا في كل المناطق السورية.

ما حدث بالحولة كان تحديدا انتقاما شاملا جماعيا من أهلها بسبب انتماء أحد طهاة القصر الرئاسي السوري لها، وقد كان مسؤولا عن وجبة جماعية لرموز النظام السوري مما أدى إلى تسمم شديد جدا للكثيرين منهم، وتم نقل بعضهم للمشافي، وأشيع عن وفاة بعضهم، وعليه كانت الأوامر الصارمة بالانتقام الشامل من الحولة وأهلها بلا رحمة، ومع ذلك لم يتم الوصول للطاهي المقصود. وبعد الحولة كانت مجازر أخرى لا تقل دموية ولا إجراما ولا عنفا ولا بشاعة، وأرقام القتلى تتواصل بشكل مذهل ومرعب، وهو أدى إلى إقرار بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، وكوفي أنان، الأمين العام السابق والمندوب الأممي الحالي لسوريا، بأن النظام السوري يتحمل مسؤولية الأحداث والعنف والقتل.

والآن دخل المجتمع الدولي، كما يبدو، في الحديث صراحة عن مرحلة ما بعد الأسد، بعد أن رسخت قناعات أن مؤيدي هذا النظام الدموي الطاغي الموتور باتوا غير قادرين على الدفاع عنه وإطالة أمده، خصوصا في ظل تطور الأسلحة لدى الجيش الحر، وزيادة الممتنعين عن الانضمام للجيش النظامي (هؤلاء فئة أخرى غير المنشقين) وزيادة رقعة الأرض المحررة التي أصبحت تحت سيطرة الجيش الحر.

فصول الرواية المؤلمة والمرعبة التي ألفها نظام الأسد اقتربت من الختام، والنهاية سوف تكون سعيدة للأحرار والثوار مع الاعتراف بفداحة الثمن، حتى الشبيحة المسخرون للدفاع عن النظام فقدوا القدرة على الدفاع عنه، إنها خاتمة الطغاة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مها بدر الدين / الثورة السورية بين طموح أوباما ... وجموح الأسد

الرأي العام

10-6-2012

كتب على السوريين أن تكون فاتورة مطالبتهم بالحرية طويلة التكليف وباهظة التكاليف، فقائمة الشهداء تطول وقائمة المعتقلين أطول، وما زالت قائمة المهجرين واللاجئين تسجل أرقاماً تصاعدية يومياً، ولا ننسى المفقودين الذين يختفون يومياً إما لمصير مجهول أو للعودة جثة هامدة مرمية في أحد شوارع سورية الحمراء، بل إن القائمة أصبحت تشمل أطفالاً ونساء مذبوحين، وأعراض حرائر منتهكة، وأراضي زراعية وأرزاقا محروقة، وأحراشا طبيعية مدمرة، وآثارا عريقة مستهدفة، وما خفي كان أعظم.

لقد بدأت الثورة السورية سلمية، ظناً من الشعب السوري أنه قد آن أوانه ليخرج من بين فكي الأسد الذي أطبق عليه منذ أكثر من أربعين سنة، وأنه يحق له بعد خريف طويل جمد الدم في العروق، أن يُترك نسغ الحياة الحرة الكريمة يسري بشريانه في ربيع طال انتظاره وسبقته إليه شعوب عربية أخرى نجحت في أن يكون ربيعها مزهراً ناصع البياض، وظن أن دورة الحياة الطبيعية لا بد أن تأخذ مجراها، مستأنساً بثورات تونس ومصر واليمن وليبيا، متأملاً بتفهم رئيسه الشاب ناهل العلم والثقافة من العالم المتحضر لرغبة شعبه في النهوض بسورية الحديثة وبناء مستقبل مشرق ومشرف لأبناء الشعب السوري يتناسب مع مقدراتهم وقدراتهم الخلاقة.

ولكن يبدو كما يقول المثل الشعبي أن حساب البيدر لم يتطابق مع حساب الكيال، وأن ظن الشعب السوري وأمله برئيسه كان محض خيال بل أمر محال، فالرئيس السوري منذ الرصاصة الأولى التي أطلقت على صدور المتظاهرين السلميين أكد أنه لن يتوانى في سبيل الحفاظ على حكم أبيه الأبدي من تدمير البلاد تفعيلاً لشعار قواته وشبيحته «الأسد أو نحرق البلد»، وها هي البلد تحرق وتمسك بتلابيبها النيران من كل حدب وصوب، ولا يتردد بشار وزبانيته بمعاقبة الشعب السوري معاقبة جماعية على خروجهم السلمي عليه، وعلى كل حكم فردي، واستبداد عسكري، وتهميش عرقي، وتصعيد طائفي.

وقد اطمأن الشعب السوري حين اتخذ قراره بتفجير ثورته الحقة، بأن المجتمع الدولي سيكون خير معين له في حال تمادى بشار في غيه، خصوصا وأن السوريين يدركون تماماً التاريخ الدموي للنظام وتجاربه السابقة في قمع الشعب السوري وتفرده عالمياً في تنفيذ المجازر الآدمية لحماية الحكم من الانهيار، وأنه أسوة بليبيا لن يسمح مجلس الأمن أن يستخدم النظام عقيدته الإجرامية لمصادرة حق السوريين في التحرر من الطغيان والعبودية والسير في ركب الديموقراطية الذي يمر في البلاد العربية مروراً فعالاً وفاعلاً.

ومرة أخرى لا يتطابق حساب البيدر مع حساب الكيال، فالولايات المتحدة الأميركية التي كانت المحرك الأساسي لقوات الناتو لإنقاذ الشعب الليبي من سيء الذكر والسيرة، لم تجد في سورية تلك المصالح المادية القوية التي تستحق أن تحرك قواتها من أجلها كما في ليبيا، وأوباما الذي وجد أنه قد حقق في تحركه الأول على الساحة الليبية طموحه السياسي في اقتران اسمه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية بإنجاز عسكري وإنساني كتحرير ليبيا، لا يريد أن يربك نفسه في قضية شائكة كالقضية السورية وهو في خضم انتخابات رئاسية جديدة يريد الفوز بها بأقل تحرك خارجي قد يحسب عليه في حملته الانتخابية، يضاف إلى ذلك ما يتصف به الديمقراطيون عامة من ميوعة في المواقف وتذبذب في الآراء وحب النفخ في الأبواق والقرع على الطبول الفارغة لإصدار أعلى صوت من الضجيج الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

ان طموح أوباما المتواضع والمحصور في نطاق الحفاظ على وظيفته كرئيس لأميركا لفترة رئاسية جديدة، أنساه أن الولايات المتحدة الأميركية راعية حقوق الإنسان وحاملة لواء الحرية والديموقراطية، والقادرة على تحريك المجتمع الدولي بهيئاته ومؤسساته ومجالسه وقواته، يقع على عاتقها مسؤولية تاريخية تجاه ما يجري من مجازر في سورية، وأنه لم يفعل خلال الخمسة عشر شهراً من عمر الثورة السورية سوى إفساح المجال للدب الروسي لمص دماء الشعب السوري وإيقات نفسه على جثث أطفال سورية، لينمو نمواً سياسياً وعسكرياً قد يصل في لحظة ما لقامة الصقر الأميركي فيناوشه.

هذا البرود في طموح أوباما يقابله جموح متزايد من قبل بشار الأسد، نحو سفك مزيد من دماء الشعب السوري السني حفاظاً على حكمه العلوي بامتياز، مدعوماً بالدور الروسي المتنامي والمال والسلاح الإيراني وعناصر حزب الله اللبناني، واصبح جلياً هذا الاستهداف الطائفي الذي لم يعد يمكن تجاهله لا محلياً ولا دولياً، فالمجازر التي ترتكب في سورية اليوم ترتكب غالباً في القرى السنية المحاطة جغرافياً بالقرى العلوية، وهذا ان دل على شيء إنما يدل على روح الطائفية التي يعمل بها هذا النظام منذ بداية قمعه لثورة الشعب السوري المجيدة، فبعد أن فشل في إذكائها بين فئات الشعب المختلفة، عمل على تنفيذها بيديه الآثمتين ليجر البلاد لمزيد من الدمار والحرق والإبادة، تمهيداً لإيصال البلاد إلى الحرب الأهلية التي يجاهد الشعب السوري حتى الآن لعدم الدخول في أتونها. والاكتواء بنارها.

إن الرجل الأول في البيت الأبيض يتشارك حتماً مع الأسد المحصن بقصر الرئاسة، في تحمل مسؤولية جرائم العصر الحديث التي لم يذكر التاريخ مثيلاً لها، وان المجتمع الدولي العاجز عن اتخاذ خطوات فاعلة لإنهاء معاناة الشعب السوري دون إشارة من أوباما، إنما هو مجتمع دولي فاشل تنقصه كل مقومات القيادة السياسية الحرة والمسؤولة، وان كل قوانينه ومواثيقه وتعهداته الدولية وعقوباته الاقتصادية ينقصها الفعالية والإرادة وهيبة القانون، وأن هروبه من تحمل مسؤولياته الحقيقية بعقد المؤتمرات والاجتماعات وإعلان الخطط والمهمات إنما في هذا كمن يذر الرماد في العيون، وما ترنيمة انتقال السلطة في سورية بشكل سلمي وبانتخابات حرة ونزيهة، إلا أغنية رخيصة لا تتناسب مع الأحداث الدامية على الساحة السورية.

لقد وقع السوريون بين الطموح والجموح، وحق قولهم اليوم بأنه ليس لهم سوى الله، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

مها بدر الدين

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أسئلة السيناريو اليمني لبشار الأسد ونظامه  ..  ياسر الزعاترة

الدستور

10-6-2012

ليس من اليسير تجاهل ما كشفه قبل أيام “ديفيد أغناتيوس” في صحيفة واشنطن بوست حول خطة كوفي أنان الجديدة للحل في سوريا، والتي لا تزال برسم الجدل إلى الآن. نقول ذلك لأن ملامحها قد تبدت من خلال جملة من التصريحات والمواقف الجديدة للمحاور الأكثر تأثيرا في الأزمة دوليا وإقليميا. تجلى ذلك بشكل أساس بإعلان الروس عن أنهم لا يعتبرون بقاء الأسد في السلطة شرطا لحل الأزمة في سوريا، ومن ثم تأييدهم للسيناريو اليمني “إنْ قبله الشعب السوري”، الأمر الذي قوبل بسكوت إيراني واضح وتغير في اللهجة الصينية أيضا.

والحال أن من العبث النظر إلى المواقف الأخيرة من الأزمة بعيدا عن ملامح ترنح النظام والفشل الواضح لخطة أنان التي يجري تطبيقها على الأرض ولم يلتزم النظام عمليا بأي من بنودها، فضلا عن تطور الثورة السورية نحو عسكرة شاملة، وإن لم تأت على البعد الشعبي الذي لا يزال المعلَم الأقوى بين فعالياتها.

تداعب الخطة الجديدة هواجس عدد من الجهات الفاعلة في المشهد السوري، وفي مقدمتها روسيا وإيران اللتان تضمن الخطة مشاركتهما في الرعاية والتطبيق ضمن “مجموعة اتصال دولية” بما يحافظ نسبيا على مصالحهما. بعد ذلك هي تنسجم مع هواجس المؤسسات القوية للنظام، بخاصة العسكرية والأمنية التي لن تمس، أقله في المرحلة الأولى، الأمر الذي قد يشجع أركانها على الضغط على الأسد من أجل قبولها في حال تلكئه في ذلك. كما تنسجم أيضا مع هواجس البنية الاجتماعية للطائفة العلوية التي قد ترى فيها مخرجا من حرب أهلية ستكون هي وقودها الأساس، مع قناعة باستحالة الفوز فيها، فضلا عما سيليها من عمليات انتقام واسعة إذا لم يتغير الموقف.

يحدث ذلك كله في ظل ما أشرنا إليه من ملامح ترنح النظام التي تتبدى كل يوم من خلال اتساع دائرة الانشقاقات في الجيش، إلى جانب فقدانه السيطرة على مساحات واسعة من التراب السوري؛ الأمر الذي ينذر بإمكانية توفير مناطق آمنة للثوار تكون منطلقا لعملية التحرير قياسا بنموذج بنغازي، فضلا عن سقوط نظرية دمشق وحلب وسط انخراط واضح للمدينتين في الحراك الشعبي، بل وحتى المسلح أيضا.

في تفاصيل الخطة الجديدة نعثر على بنود رئيسة تتمثل في خروج الأسد من البلاد ولجوئه إلى روسيا، وسط شائعات نقلتها ذات الصحيفة الأمريكية عن تهريبه مبلغ ستة مليارات دولار إليها، ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية لن يكون من الصعب توفير نموذج لأحمد شفيق (سوري) فيها إذا ما توافقت الأقليات التي تلامس ربع السكان عليه وسط دعم من طرف المؤسسة العسكرية والأمنية، وفي ظل تشرذم قوى المعارضة التي لن يكون من السهل عليها الاتفاق على مرشح إجماع.

أما الحديث الخجول للخطة عن إصلاحات تالية للمؤسسة الأمنية، على غرار ما حدث في أوروبا الشرقية، فيمكن التنصل منها بهذا القدر أو ذاك خلال المرحلة التالية. والنتيجة أن الخطة في جوهرها هي عملية إنقاذ للنظام تقترب من السيناريو اليمني، مع فارق أن اليمن يختلف اختلافا كبيرا عن سوريا لجهة البنية الأمنية والطائفية للأخيرة، وإن سيطرت عائلة صالح على الجيش وبعض مفاصل المؤسسة الأمنية.

ما ينبغي التذكير به في هذا السياق هو أن بشار الأسد قد جاء إلى السلطة بترتيب من المؤسسة العسكرية والأمنية بعد وفاة والده حين جرى تغيير بند السن في الدستور لينطبق عليه خلال دقائق، ولولا البنية الطائفية لتلك المؤسسة لما كان بالإمكان نجاح ترتيبٍ من هذا النوع، وبتلك السهولة المثيرة للسخرية كما تابعها العالم أجمع.

الجانب الآخر الذي ينبغي التذكير به هو أن خطة أنان لا تختلف عن مقترح وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك الذي أعلنه أثناء زيارته للولايات المتحدة قبل أسابيع، ثم تبناه (للمفارقة) الرئيس الأمريكي أوباما بعد ذلك بيومين عبر مسمى السيناريو اليمني، ما يعني أن الهواجس الإسرائيلية تبدو حاضرة بقوة في السياق، هي التي تجد في بقاء المؤسسة الأمنية والعسكرية الحالية (باراك ذكر الاستخبارات العسكرية بالاسم) وصفة استقرار للجبهة السورية بدل عسكرة شاملة للثورة تجعل الساحة عرضة لاختراقات “جهادية” سيكون من الصعب السيطرة عليها بعد ذلك، فضلا عن عدم ضمان أجندة الجهات التالية في الحكم.

والحال أن السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه ابتداءً هو ذلك المتعلق بموقف بشار الأسد نفسه من الخطة، وقبله إيران، لكن السؤال الأهم هو موقف قوى المعارضة المتشرذمة، والتي دخلت على خطها مجموعات عسكرية لا يمون عليها لا المجلس الوطني ولا سواه، ثم الأهم ممثلا في موقف الشارع السوري ومدى إمكانية قبوله بخطة تبقي المؤسسة العسكرية والأمنية التي ولغت في دم أبنائه بتلك الطريقة البشعة طوال عقود وليس فقط منذ اندلاع الثورة.

ليست لدينا إجابات قاطعة، وإن بدا أن حديثنا يصب في اتجاه رفض الخطة، ومن ثم المضي في برنامج التصعيد الثوري وصولا إلى إسقاط النظام بالكامل، وبناء سوريا جديدة. وعموما سيكون علينا انتظار مزيد من التفاصيل والمواقف، ومن بينها مواقف رموز الثورة وربما تركيا وبعض الدول العربية المؤثرة كي نعرف مصير الخطة في حال التوافق عليها خلال الأيام المقبلة.

التاريخ : 10-06-2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

اسرائيل لا تريد «خسارة» سورية .. جهاد المومني

الرأي الاردنية

10-6-2012

يقولون في اسرائيل اليوم انهم ( خسروا ) مصر ,وليس في نيتهم خسارة المزيد من الانظمة الصديقة او الانظمة التي لا تسبب ازعاجا لاسرائيل وينبئ سقوطها بتكرار الحالة المصرية ,وبوضوح أكثر فأنهم في اسرائيل لا يريدون (خسارة) سوريا على وجه الخصوص ,وتعني الخسارة في الحالة السورية تغيير النظام القائم لصالح نظام يعادي اسرائيل فعلا لا قولا .

ويعتقدون في اسرائيل ايضا ان الحملات الكلامية التي كانت الصحافة المصرية تتبناها وتشنها ضد اسرائيل وكان نظام مبارك يستغلها لتحقيق بعض المكاسب في تل ابيب او واشنطن كالقول انه القادر على حماية اتفاقية السلام ومواجهة اعداء العلاقات المصرية الاسرائيلية ,تحولت اليوم من مجرد شتائم لفظية وفزاعات الى ممارسة فعلية بل وترجمت في بعض الحالات الى تصرفات ضد المصالح الاسرائيلية الامر الذي لا يزال يلقي بظلاله على الشكل المتوقع للعلاقات بين مصر واسرائيل ويسبب قلقا حقيقيا في دوائر صنع القرار الاسرائيلية وفي واشنطن ايضا .

لا يريدون في اسرائيل تكرار الحالة و(خسارة) النظام السوري ويتفق معهم في هذا الموقف حكومات غربية وانظمة عربية لا تتوقع – حتى الآن- الا الأسوأ لخلافة عائلة الاسد ,فالبدائل كما تبدو في المشهد الداخلي ليست من بين المعارضة المتنهدمة بربطات العنق ويظهر زعماؤها على شاشات التلفزة من كل مكان في اوروبا ويتحدثون عن ديمقراطية وانفتاح وليبرالية , وانما معارضة مسلحة وربما ملتحية بلا اسماء لاصحابها ,فلا يكاد يعرف لقادة معارضة الداخل الذين يواجهون النار بالنار اسما او عنوانا ,وهو بالتالي الأقرب لحكم سوريا بمجرد سقوط نظام الاسد بالقوة او عبر صناديق الاقتراع ,فمن هم هؤلاء ,وما هي نظرتهم لمن حولهم من شعوب ودول المنطقة والاقليم ,وكيف يفكرون بطريقة حكم سوريا ,والى اي هدف يتجهون اذا ما تحققت لهم ديمقراطية مسلوقة كما حدث في مصر ..!؟

كل هذه الاسئلة تقلق الاسرائيليين,وتثير مخاوف حقيقية من (خسارة ) عدو ساكت وآمن - كما هو النظام الحالي في سوريا- وتفتح الباب واسعا امام توقعات بمجيء عدو مختلف يبحث عن مشروع ثوري يستمثر فيه ,وهل هناك غير مشروع تحرير الاراضي العربية من اسرائيل مشروعا استثمرت فيه كل الانظمة والثورات في عالمنا العربي ..!

فالكلام الكثير عن تحرير الجولان في عهد البعث والحديث عن المقاومة قد لا يبقى طويلا مجرد كلام بلا معنى ,فماذا لو انكسر لوح الزجاج بين تل ابيب ودمشق واصبحت الحدود مع الجولان مفتوحة للمقاومين الحقيقيين الذين حرموا منذ أكثر من ثلاثين سنة من اطلاق رصاصة واحدة على المحتل الذي لا يفصله عنهم سوى امتار, بل حظي طوال كل هذه السنوات بحماية النظام السوري الذي لم يجازف يوما لا باطلاق ولا حتى بتهريب رصاصة ضد اسرائيل منذ اتفاقية الهدنة بعد حرب 1973.

اذن من مصلحة اسرائيل اليوم العمل مع الاصدقاء الاوربيين والاميركيين على حماية نظام الاسد من السقوط باساليب مبتكرة منها ترتيب دور دنيء لروسيا ,بل ورفد نظام الاسد بسبل القوة الخفية - دبلوماسيا على الاقل – كي يواجه اعتى ثورات سوريا في العصر الحديث ,ولكن اصدقاء الاسد حريصون على أن يبدو كلهم وعلى رأسهم الولايات المتحدة اصدقاء للشعب السوري في العلن والتصريحات المتلفزة ,وحماة للديمقراطية وحق الشعوب بالثورات على انظمتها ..هذه هي اللعبة الآن .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأسد يناور على دم الشعب بالسقف الوطني  .. خالد الدخيل

الأحد ١٠ يونيو ٢٠١٢

الحياة

تأمل في العنوان قليلاً، وتذكر وأنت تفعل ذلك أن سورية توشك أن تصبح بلد المجازر الجماعية المتنقلة. ثم استعد ما قاله الرئيس الأسد في خطابه الأحد الماضي عن هذه المجازر، وعن القتل. قال بالنص: «عندما يدخل الطبيب الجراح إلى غرفة العمليات، ويفتح الجرح، وينزف الجرح، ويقطع، ويستأصل، ويبتر (لاحظ المفردات)... ماذا نقول له تبت يداك هي ملوثة بالدماء؟ أم نقول له سلمت يداك لأنك أنقذت المريض؟». قال هذا بعد مجزرة الحولة بتسعة أيام. الرئيس يبرر القتل بذريعة أن سورية مريضة، وفي حاجة الى عملية جراحية تقتضي سفك الدم. هل هذه إشارة ببدء الحرب الأهلية؟ لم يعد للسؤال من معنى. السؤال: من الذين يرتكبون المجازر؟ شبيحة النظام؟ أم شبيحة المعارضة؟ مهما يكن، هم يقلدون أسلوب النظام السياسي في نشر الخوف بين المواطنين منذ أربعة عقود. الآن ضع السؤال: ماذا يعني أن يناور رئيس الدولة على دم الشعب بالسقف الوطني؟ السقف الوطني من الثوابت. المفترض أنه محل إجماع، لأنه أساس علاقة الدولة مع المواطن. في المقابل المناورة أداة سياسية لإدارة الصراع بين خصوم أو أعداء. وهي تنطوي على خليط من الذكاء والخبث، والتصيد، والكذب إذا لزم الأمر، للإيقاع بالخصم. في الأصل ما يربط رئيس الدولة بشعبه لا ينتمي إلى هذا النوع من العلاقة، وبالتالي لا مكان فيه لمناورة. ومن هذه الزاوية، لا يجوز لا سياسياً ولا أخلاقياً أن يلجأ رئيس الدولة إلى المناورة بالسقف الوطني مع شعبه. وعندما تجد المناورة مكاناً لها في علاقة الرئيس مع شعبه، فهذا دليل على أن العلاقة قد اضطربت، وفقدت أساس مشروعيتها. الشعب لا يمكن أن يكون خصماً للرئيس، لأنه هو المبرر الوحيد لوجود الرئيس ولدوره. الرئيس هو الذي يمكن أن يكون خصماً للشعب. وعليه عندما تحصل أزمة سياسية بينه وبين الشعب، وتنغلق أبواب حلها، يجب على الرئيس الاستقالة لإفساح الطريق أمام حلها. وعندما يستخدم القتل والعنف، لحل الأزمة، ثم يلجأ إلى المناورة للتغطية على ما يقوم به، فإنه يصبح مغتصباً للسلطة. اللجوء الى المناورة يضع دم الشعب مقابل السقف الوطني. وهذا علامة على قناعة الرئيس بأن نظامه يخوض معركة بقائه، بل معركته الأخيرة.

هذا ما دأب عليه الرئيس السوري، بشار الأسد. تمسكه بالإثنين معاً، الحل الأمني والمناورة، يدل على أنه لا يرى بديلاً آخر للتعامل مع الأزمة السياسية التي وضعته الثورة في قبضتها. وإذا كان يتكئ في الحل الأمني على السلاح، فإنه يتكئ في مناورته على أفكار ثلاث: إرهاب داخلي ينفذ مؤامرة خارجية، ومحتجون منساقون وراء المؤامرة. ولمواجهة ذلك يرفع الرئيس شعار السقف الوطني. ما هي ملامح المناورة، أو الكذب والخداع، في هذه الأفكار؟

الأرجح أن الرئيس يعرف أن ليس هناك مؤامرة. لكنه يلجأ إليها لسهولة توظيفها، ولأنه لا يملك خياراً آخر. توقيت رفعها في وجه الشعب يعكس إما غباء، أو غطرسة سياسية، أو حالة يأس. كسب الشعب ليس من أولويات الرئيس. يعرف الرئيس أن أرقام الثورة، وخريطتها الجغرافية، بجانب حجم الآلة العسكرية التي يستخدمها ضدها، تؤكد أن عدد المحتجين كبير، ويغطي معظم أنحاء سورية. والغالبية الصامتة إما أنها مع الثورة، أو أنها ضد النظام، أو الاثنين معاً. هل يمكن أن يكون كل هؤلاء متورطين في مؤامرة؟ وهل يمكن من يحملون أرواحهم على أكفهم في مواجهة آلة القتل بتحد صلب، وفي شكل يومي على مدى أكثر من عام، أن ينفذوا مؤامرة أجنبية؟ لا يمكن اتهام الرئيس بأنه يفتقد الذكاء، لكن من الواضح أنه ينتمي إلى عالم لا ينتمي إليه الشعب.

مع أن الرئيس يصر على صغر حجم المشاركين في الثورة، أو المحتجين، إلا أنه لا يذكر أبداً رقماً أو نسبة رسمية تحدد هذا الحجم. وحتى لو قبلنا جدلاً بأن عدد المشاركين في الثورة والمتعاطفين معها صغير، وأن الغالبية تتظاهر تأييداً للرئيس وإصلاحاته، تبرز أسئلة تهز هذا القبول من أساسه. لماذا يحتاج النظام الى أكثر من 16 جهازاً أمنياً؟ وما هو مبرر إنزال الجيش بآلياته يحاصر المدن والبلدات؟ وما هي الحاجة الى الدبابات والمدرعات والمدافع، والطائرات السمتية؟ إذا كان حجم المحتجين صغيراً، فلماذا تقصف المدن، والأحياء في شكل يومي؟ وكيف نفسر أن أرقام الضحايا من قتلى، ومصابين، ومفقودين، ولاجئين، ومعتقلين وصلت إلى مئات الآلاف، وتتصاعد؟ هل في هذا مبالغة؟ حسناً لماذا لا تفصح الجهات الرسمية عن أرقامها؟ هل تملك أرقاماً تتفادى الإفصاح عنها؟ أم أن هذه الأرقام لم تعد تعني الجهات الرسمية في شيء؟ بالنسبة الى من يتظاهرون «تأييداً للرئيس»، كيف يمكن التعرف على حقيقة موقفهم في ظل نظام يحرم أبسط أشكال حرية التعبير عن الرأي، ويعتبر النقد السياسي للنظام جريمة تستحق السجن. وهذا تحديداً ما حصل، لمئات، بل آلاف من المثقفين والناشطين والمعارضين السياسيين منذ سبعينات القرن الماضي. السؤال الذي يجب أن يواجهه الرئيس هو: هل أن غالبية الشعب تؤيده؟ أم أن هذه الغالبية تخشى قسوة النظام ووحشيته، ولذلك تتظاهر بالتأييد، أو تتفادى الموضوع السياسي جملة وتفصيلاً؟ والأغرب من الأسئلة أن أداء الإعلام الرسمي، المكتوب والمرئي، لا يؤيد فرضية أن غالبية الشعب تقف مع النظام. كل من يكتبون أو يتحدثون لهذا الإعلام يقولون الشيء نفسه، وأحياناً العبارة نفسها. في ما عدا المديح المباشر، يتفق جميع هؤلاء من دون استثناء على تفادي الحديث عن الوضع السياسي الداخلي. وهذه هي سياسة النظام الإعلامية منذ أربعين سنة. هذا ليس إعلام نظام يحظى بتأييد غالبية الشعب. مثل هذا النظام يملك من الثقة والاطمئنان أنه لا يحتاج الى مثل هذه الرقابة الصارمة، ولا الى مثل هذا الإعلام الرث.

لكن أهم وأكثر ما يناور به الرئيس هو السقف الوطني. بدلاً من الاستناد إلى هذا السقف لمواجهة العاصفة، يلجأ إلى المناورة به. ومع من؟ مع الشعب. هل فات الرئيس أن ليس من الوطنية أن يطلب من شعبه تقديم أنفس التضحيات، بينما هو يرفض التضحية بما هو أقل من ذلك بكثير: التنازل عن الحكم نزولاً عند رغبة الشعب. وحقيقة أن الرئيس استثنى موضوع الحكم من «برنامجه الإصلاحي»، جعل من هذا البرنامج امتداداً للمناورة وليس الإصلاح. وهو ما يتكامل مع الحل الأمني أمام شعب أعزل يطالب بحقه في الحرية والكرامة؟ هل تساءل الرئيس يوماً إن كان عدد ضحايا نظامه من أبناء الشعب أكثر من ضحايا جيش العدو الإسرائيلي؟ ثم إن صمت الرئيس المطبق عن موضوع الحكم ينطوي على تمسك بمبدأ التوريث في نظام جمهوري لا يقر هذا المبدأ؟ من الواضح أن للرئيس مفهوماً للوطنية يتصادم مع مفهوم الشعب لها.

الرئيس لا يعتبر الشعب مصدراً لشرعية الحكم، وإنما موضوعاً له. وبما أنه كذلك فهو مصدر للفتنة، والاحتجاج، والثورة. السقف الوطني بالنسبة الى الرئيس لا يرتكز على المواطنة وما تنطوي عليه من حقوق في الحرية والعدالة والمساواة أمام القانون. في نظره هذا السقف هو أولاً الحكم، وثانياً حقه هو المكتسب، وربما الطبيعي، للبقاء في سدته. وفقاً لهذا المفهوم لا يملك الشعب حق المطالبة بإزاحته. من يطالب بذلك فهو فاقد لحسه الوطني. ولذلك لا يتوقف الرئيس، ومعه مسؤولو النظام، عن القول إن كل من يطالب بالإصلاح تحت سقف الوطن، فأهلاً وسهلاً به. أما من يطالب بالإصلاح خارج هذا السقف فهو إنسان متآمر، وعميل لقوى خارجية تستهدف وحدة سورية واستقرارها». أي أن الرئيس يختزل الوطن في شخصه. وليس في هذا جديد بالنسبة الى النظام السوري. فالرئيس الراحل حافظ الأسد لا يزال قائد سورية إلى الأبد.

وعلى قياس سقف الرئيس جاءت «إصلاحاته». الشيخ أحمد الشلاش من الذين جاءت بهم هذه «الإصلاحات» إلى مجلس الشعب الجديد. يوم الأربعاء الماضي كان الشيخ ضيفاً على برنامج «الحدث» الصباحي لقناة «الجديد» اللبنانية. وقد ورد أثناء البرنامج خبر عاجل عن تعيين رئيس جديد للوزراء في سورية. سأل مقدم البرنامج ضيفه إن كان يعرف شيئاً عن رئيس الوزراء الجديد، فقال: «لم ألتق الرجل من قبل، ولا أعرف عنه شيئاً»، ثم أضاف بما معناه أن الرئيس هو الذي اختاره لهذا المنصب، فلا بد من أنه أهل له. عضو مجلس الشعب الإصلاحي صادق على خيار الرئيس قبل أن يعرف عنه شيئاً. ما يعني أن العضو الجديد لا يمثل الدائرة التي انتخبته، قدر تمثيله الرئيس. وهكذا كان مجلس الشعب السوري طوال أربعة عقود. ومع ذلك يصر الرئيس على أنه سينتصر على المؤامرة. لم يدرك أنه بمناورته على دم الشعب جعل من نفسه المتآمر الأول. ومصير المتآمر لم يتغير عبر التاريخ.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المجازر ليست تكتيكاً  .. عبدالله اسكندر

الأحد ١٠ يونيو ٢٠١٢

الحياة

كل يوم من أيام الاسبوع هو يوم دام في سورية. انتهت تلك المرحلة التي ارتبط فيها قتل المحتجين والمعارضين بيوم الجمعة أو بالتظاهر، حتى طغى أخيراً استهداف المدنيين في منازلهم وحقولهم وأعمالهم، لمجرد أنهم في منطقة جغرافية ما، وليس بالضرورة لأنهم من المشاركين في حركة الاعتراض ويتصدون للقوات الحكومية.

وتزداد وتيرة القتل مع ازدياد الاستياء في العالم من هذه الممارسة، خصوصاً من روسيا والصين، اللتين حمتا الحكم السوري حتى الآن من قرارات دولية ملزمة. وسجلت الأيام الماضية مجازر جماعية، في الوقت الذي بات واضحا في العالم، وخصوصا في موسكو وبكين، ان ما تشهده سورية لم يعد مقبولاً، وأنه ينبغي التفتيش عن مخارج توقف العنف وتنقل الازمة الى المجال السياسي.

ويبدو ان الاتصالات المباشرة الاميركية-الروسية وتلك التي يجريها اكثر من طرف مع موسكو، جعلت ممكناً ان يبدأ المسؤولون الروس حلاًّ على الطريقة اليمنية، وإن كانت المفاوضات المتشعبة والمعقدة لم تبلور صيغة مثل هذا الحل، لأن موسكو -كما ظهر حتى الآن- تنوي الحصول على ارفع ثمن ممكن من الولايات المتحدة والغرب في قضايا إستراتيجية عالقة بينهم، كما من دول المنطقة في قضايا العلاقات والاقتصاد، لموافقتها على مثل هذا الحل.

لكن ما تشهده نيويورك وواشنطن وعواصم دولية وغربية اخرى من مؤتمرات ومفاوضات، سيؤدي في نهاية المطاف الى توافق ما، وهذا التوافق سيتجاوز خطة انان الحالية بعدما نعاها صاحبها، وسيكون من المحتمل ان تواكبها إجراءات ملزمة لوقف القتل وكل إجراءات القمع، للانتقال الى البحث السياسي.

ويبدو ان هذا بالضبط ما يسعى الحكم السوري الى منعه، فأيّ بحث سياسي سيكون الآن مصير هذا الحكم بعدما امعن طوال 16 شهراً في القتل والولوغ العميق في دماء السوريين، وبعدما أعلن الرئيس بشار الأسد أن المواجهة العسكرية هي الحل الوحيد للأزمة.

وتظهر الآن استحالة ان يقضي الحكم في دمشق على الحركة الاحتجاجية في كل انحاء البلاد، خصوصاً أن المواجهات المسلحة تتسع لتصل الى العاصمة، وأن التظاهرات المعارضة تتمدد في كل المدن الكبيرة والصغيرة، وتشمل مناطق كانت تعتبر هادئة، وان وجود المقاومة المسلحة للقوات النظامية بدأت تشكل مناطق خالية من اي نفوذ حكومي. وهذا ما يؤشر الى ان المواجهات المقبلة لن تكون اقل ضراوة، ولن تكون محسومة النتائج لمصلحة النظام، الذي أُنهك جيشه بعمليات قتالية تمتد على امتداد جغرافيا البلاد.

ويُعتقد بأن انتقال القتال الداخلي الى مرحلة متقدمة، خصوصاً مع المعلومات عن أسلحة جديدة ومساعدات تصل الى مناهضي النظام، سيجبر الحكم على مزيد من الانكفاء العسكري، ما سيهدد سلطته على كامل البلاد.

وهنا تتخذ المجازر في مناطق معينة طابعاً شديد الخطورة على وحدة البلاد، وتتخذ عمليات التنظيف الطائفي في حمص وإدلب واللاذقية وأريافها، بُعداً يرتبط باحتمال ان يضطر الحكم، سواء عبر الضغط العسكري او السياسي، على التخلي عن كامل البلاد. والمرجح ان عمليات القتل الجماعي والتهجير في هذه المناطق ليست فورة غضب من «شبيحة» متحمسين، وليست عمليات تكتيكية لتحسين التفاوض، وانما يبدو انها استراتيجية غايتها التمهيد الى الانكفاء حين لا يعود ممكناً البقاء في دمشق وحكم كل سورية منها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا المنكوبة.. فايز سارة

الشرق الاوسط

10-6-2012

قال كلاوس سورنسن مدير عام المكتب الأوروبي للعمليات الإنسانية في سوريا، يصف الحالة السورية: «لدينا شعور بأننا نعدو خلف قطار تتزايد سرعته.. إنه قطار المعاناة الإنسانية..».. ويقترب كلام سورنسن من فكرة كرة الثلج التي تتدحرج باتجاه المنخفض، مما يعني أن الحالة السورية، تذهب من السيئ باتجاه الأشد سوءا من الناحية الإنسانية، وينذر الأمر بقرب حصول كارثة إنسانية، إن لم تكن سوريا قد بلغتها بعد نتيجة ما حصل وما يحصل فيها.

إن المسار المعقد لأحداث سوريا، جعل العوامل الدافعة لوصولها إلى الكارثة الإنسانية معقدة هي الأخرى. ففي وقت واحد، كانت نتائج الحل الأمني العسكري التي تتابعها السلطات السورية في معالجة الأزمة، وبالتوازي معها ظهرت نتائج مبادرات الحراك الشعبي المطالبة بالحرية، وردات فعله في مواجهة سياسات عنف السلطات وأجهزتها، وخارج السياقين وبالتفاعل معهما، كان خطان آخران يتركان آثارهما المباشرة على الأزمة؛ أولهما ما تطورت إليه البيئة العامة في سوريا، والثاني ما سببته العقوبات التي تم إقرارها من جانب دول وهيئات إقليمية ودولية بينها جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، ومن محصلة السياقات الأربعة، ولدت نتائج الأزمة التي تضرب البلاد، وتجعلها في مقام البلد المنكوب.

إن من الصعب حصر النتائج التي سببتها الأزمة، وما تمخضت عنه بالأساس سياسات السلطات السورية الأمنية العسكرية في الوقت الحالي وتفاعلاتها. لكن من الممكن رسم ملامح عامة، لما آلت إليه الحالة السورية من كارثة، أصابت السكان في مختلف جوانب حياتهم، وكثير منها أصبح يمثل تهديدا قائما لحياة السوريين الراهنة والمستقبلية ولا سيما حياة الفئات الضعيفة والمهمشة من الأطفال والنساء والفقراء.

لعل الأبرز في مؤشرات ما أصاب السوريين، يمكن ملاحظته بما لحق بهم نتيجة السياسات الأمنية العسكرية، التي تسببت في مقتل عشرات آلاف الأشخاص، بينهم عدد من سبعين ألف مفقود، يسود اعتقاد أن كثيرا منهم قتلوا لأن أحدا لم يستطع التعرف على أماكن اعتقالهم ولا الذين قاموا باعتقالهم. ويقدر مجموع الذين اعتقلوا في سوريا خلال الأزمة بمئات الألوف، وهناك عشرات ألوف الجرحى وكثير منهم لديه إصابات دائمة، جعلت منهم عاجزين عن متابعة حياتهم الطبيعية، وطبقا للتقديرات، فإن أكثر من نصف مليون سوري صاروا في عداد اللاجئين إلى دول الجوار وما بعدها، وهناك أكثر من مليون تحولوا إلى لاجئين في سوريا خارج مناطق سكنهم العادية نتيجة عدم قدرتهم على البقاء في المناطق التي كانوا يعيشون فيها لأسباب أمنية، أو بفعل تهجيرهم عمدا.

وإذا كانت الأزمة قد أصابت الأشخاص بهذا المستوى من القتل والدمار، فإن الأزمة وإجراءات الحل الأمني العسكري أصابتا بالخراب البنى التحتية في معظم المدن والقرى السورية، وخصوصا في المناطق الساخنة ومنها محافظات درعا وحمص وريف دمشق وادلب ودير الزور. وفيها أصاب الدمار مئات آلاف البيوت والمحال والمنشآت الصناعية والتجارية والخدمية، كما شمل تدميرا أو تعطيلا كليا أو جزئيا لشبكات المياه والكهرباء والهاتف ووسائل المواصلات، ولعل ما أصاب حمص من دمار في الممتلكات والبنى التحتية هو المثال الأوضح، إذ دمر أكثر من نصف مساكن المدينة، وقسما رئيسيا من بناها التحتية، واختفى كليا أو بصورة جزئية كثير من أسواقها.

ورغم أهمية ما أصاب الأفراد والمناطق التي تعرضت للقصف والاجتياح الأمني والعسكري، فإن ما أصاب مجمل البيئة العامة السورية كان أكثر عمومية واتساعا، وله أبعاد راهنة وأخرى مستقبلية، لعل من الصعب ملاحقة تفاصيلها، غير أن دراسة صدرت أواخر عام 2011 قاربت ملامح ما أصاب البلاد من خسائر مادية، فأجملت الخسائرَ الناجمة عن الأزمة بنحو 25 مليار دولار، وعزت الدراسة التي أجراها الخبير الاقتصادي حسين العماش أسباب تلك الخسائر إلى عوامل أبرزها فقدان الإيرادات المباشرة الداخلية للدولة، وتوقف التحويلات والمعونات والاستثمارات الخارجية، وتوقف النمو الاقتصادي وانكماشه، وتراجع الإنتاج في منشآت القطاع الخاص، وتوقف السياحة، وهروب الأموال وارتفاع تكاليف العمليات العسكرية، وتدمير المرافق العامة، وصعوبات الاستيراد والتصدير، ثم ما خلفته العقوبات الدولية من خسائر.

لقد زادت المعطيات الأخيرة إلى ما سبقها حدود المعاناة التي يعيش السوريون في ظلها. والتي في نتائجها فقد عشرات آلاف حياتهم، وأخرج مئات آلاف السوريين من الحياة كليا أو جزئيا بسبب إعاقتهم أو اعتقالهم أو تهجيرهم، ولم تقتصر المعاناة على هؤلاء، بل شملت من فقدوا معيلهم من نساء وأطفال ومتقدمي السن والعجزة، إضافة إلى تدمير الإمكانيات المادية لقطاعات واسعة من السكان، وتعطيل أو تدمير حياتهم الطبيعية، إضافة إلى القضاء على مصادر كسبهم وعيشهم، ودفع كثير منهم نحو مواجهة ظروف مأساوية في إقامتهم أو في هجرتهم الداخلية والخارجية.

غير أن الأخطر مما سبق في نتائج وتداعيات استمرار الأزمة، أنها تضع البلاد أمام انهيار اقتصادي – اجتماعي ستكون له تداعيات سياسية خطيرة، وقد بدأت بالفعل بعض تجليات الانهيار تظهر واضحة، والتي من بينها تراجع دور الدولة في المجالات كافة مع تركيز خاص لجهودها في المجال الأمني العسكري، وتوقف كلي أو انخفاض عام في مجالات الإنتاج والخدمات، وتعميم الغلاء والفقر وما يصاحبهما من تداعيات اجتماعية وسياسية.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد، القول إن نتائج الأزمة تمثل كارثة تضرب سوريا وسكانها، وهي في معطياتها ونتائجها لا تقل أهمية عن نتائج كوارث طبيعية، ضربت عددا من بلدان العالم في السنوات العشر الماضية، وقد تسببت الكوارث في عام 2010 بخسائر مادية للعالم قدرها 130 مليار دولار، بينما خسائر سوريا في تسعة أشهر فقط بلغت نحو 25 مليار دولار، وينتظر أن تكون قد تجاوزت 40 مليار دولار بعد ستة عشر شهرا من الأزمة، ولعل ذلك في جملة معطيات تكفي لإعلان سوريا بلدا منكوبا بفعل السياسة الأمنية العسكرية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل لوح لافروف بالأسد؟ .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

10-6-2012

أبسط ما يقال حول المؤتمر الصحافي الأخير لوزير الخارجية الروسي إنه دعوة للتفاوض حول مستقبل الأسد، هذا الأهم، رغم كل ما طرح من جدليات بالمؤتمر الصحافي، وهي جدليات يسهل الرد عليها وتفنيدها، مثل حديث لافروف عن التدخل الخارجي بسوريا، حيث إن السؤال للسيد لافروف هو: وماذا يفعل الخبراء الروس هناك؟ فبكل تأكيد أنهم ليسوا هناك لدعم السوريين العزل.

لكن ذلك ليس المهم، فالأهم في حديث السيد لافروف هو أنه من الواضح أن موسكو قد أدركت أن «حيلة» أنان، لا مبادرته، قد فشلت، وبسبب الأسد طبعا، كما يشير حديث لافروف إلى أن الأوضاع على الأرض بسوريا بدأت تسير باتجاه مخالف لما كانت تأمله موسكو؛ فلم يستطع الأسد وأد الثورة، كما لم يعد يسيطر بما فيه الكفاية على سوريا، ونار الثورة مشتعلة بجل المدن السورية، ومنها دمشق، وحلب، ولذا نجد أن النظام الأسدي قد وصل لمرحلة اليأس، ولذلك بات يرتكب المجزرة تلو الأخرى، مما أدى للتفاعل الدولي الملحوظ مؤخرا. كل ذلك أشعر الروس بالقلق لا شك، ودفعهم للتحرك الآن، على أمل إيجاد فرصة جديدة للأسد، وهذا مستحيل، أو لإطلاق المفاوضات، وهذا هو الظاهر من حديث السيد لافروف، الذي يظهر أن موسكو قد شرعت طاولة المفاوضات، وبالتالي فإن على من يرغب في التفاوض أن يتقدم، ومهم أن نلحظ هنا طريقة حديث لافروف عن دور السعودية، ومكانتها القيادية بالمنطقة.

وقد يقول قائل: وماذا عن إقحام إيران بالوضع السوري؟ الواضح أن إقحام إيران ليس إلا محاولة تعزيز شروط التفاوض، بمعنى إذا كنت لا تريد إيران فإن ثمن ذلك كذا! فمهما قال السيد لافروف عن إيران، فإن ليس لها علاقة بالشأن السوري، فسوريا ليست العراق، ولا لبنان، ولا ينبغي أن تكون كذلك، فدور إيران يتركز بدعم طاغية دمشق ولم يثُر السوريون للتفاوض مع إيران، بل لاقتلاع الطاغية، لا إبدال عميل آخر لإيران به. فعندما يحذر لافروف من حرب، أو أزمة، سنية - شيعية، فإن أهم أسباب إشعالها هو إيران، ولا أحد آخر، فسلاح إيران الأبرز، ومنذ الثورة الخمينية، هو الطائفية، وبكل العالم العربي، فكيف تكافأ إيران على ذلك، وفي سوريا، أمر لا يستقيم بالطبع.

وعليه؛ فإن حديث السيد لافروف، وتلويحه بإمكانية تنحي الأسد إذا توافق السوريون، لا يعدو أكثر من إشعار للآخرين، ومنهم السعودية تحديدا، بأن موسكو قد شرعت طاولة التفاوض على مستقبل الأسد، فمن المستحيل أن يكون المؤتمر الروسي القادم لبحث المصالحة مع الأسد، مثلا. وطبيعي أن كثرا قد شعروا بالإحباط من حديث السيد لافروف، حيث كان البعض يعتقد بأنه سيعلن صراحة أن موسكو قد قررت الوقوف مع الشعب السوري، لا المزيد من التسويف، والدفاع عن الطاغية، لكن للأسف هذه هي السياسة، وتحديدا هذه هي السياسة الروسية بمنطقتنا، فروسيا لن تقبل برحيل الأسد دون تفاوض يضمن لها «ثمنا»، ومن هنا فإن السؤال هو: من الذي سيفاوض الروس؟ وما هو الثمن؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا والسيناريوهات الروسية  الأميركية .. فاروق حجي مصطفى

الشرق الاوسط

10-6-2012

برغم ما حصل، ويحصل، في سوريا، لا يزال مجلس الأمن منقسما على نفسه، وما زالت روسيا والصين تقفان كالحائط في وجه إرادة الشعب السوري تحت حجج واهية، سواء أكان عبر استخدامهما لحق النقض (الفيتو) مرة تلو المرة، أم عبر التمسك بخطة أنان التي ما فتئت وعجزت عن جلب الأمان وإيقاف نزيف دم السوريين، والحق أنه إذا كانت مجزرة «الحولة»، التي أدهشت العالم وأججت مشاعر الإنسانية، وصارت عامل ضغط كبير على الحكومات الغربية من الرأي العام الغربي، لم تؤثر قيد أنملة (لا عاطفيا، ولا سياسيا) في الموقف الروسي فماذا يمكن أن يؤثر فيها؟! وماذا تطلب روسيا أكثر من الثورة السورية؟! أتحدث فظائع إنسانية أكثر وقعا وإدهاشا حتى تتراجع عن مواقفها الداعمة للنظام..؟! ترى، كم زلزالا إنسانيا آخر ينتظره السوريون حتى تقتنع روسيا بأن السوريين يعيشون في أزمة إنسانية وسياسية وأمنية وأنهم بحاجة إلى الخروج من هذه الأزمات المتفاقمة؟

لا يصدق أحد من مجتمع الثورة (السورية) بأن مواقف روسيا (ومواقف الدول الأخرى) منذ بدء الثورة وحتى الآن كانت نابعة من حرصها على مصلحة الشعب السوري أكثر من النظام، وانطلاقا من هنا، فإنه إذا وقفت روسيا في وجه إرادة الشريحة الواسعة من الشعب، إن لم نقل كلها، فكيف ستتخلى عن النظام ومصالحه بسهولة دون أن يقدم الأميركيون لها ضمانات بخصوص الدرع الصاروخية (مثلا) أو أن ترى المعارضة بأن روسيا هي من تمتلك «مفتاح» الحل في سوريا، وتاليا لها مصالحها في المنطقة، ومن الصعوبة بمكان أن تستهتر بنفوذها (في هذه المنطقة) التي حافظت عليها روسيا طيلة عقود خلت، رغم اهتزازات هائلة حدثت في المنطقة، وكذلك في جغرافية «الاتحاد السوفياتي» السابق، سواء تغير النظام أو بقي.

ومع أن ثمة أدوارا أخرى لروسيا في المنطقة ستلعبها بمعزل عن سقوط هذا النظام الذي ما زال يعمل بالروح البعثية، وهذه الأدوار سوف تكون رهينة ببقاء روسيا في المنطقة، إلا أن روسيا تبقى خائفة، مع أنه من غير الصحيح (100%) أن رحيل النظام السوري يعني تهجير ملامح الروس في المنطقة، ولعل للروس مصالح وتواجدا حيويا، فإن وجودها من بين الدول العظمى ودورها في الأمم المتحدة كصاحبة الفيتو، وكطرف دولي منخرط في العلاقة الإسرائيلية (سلما أو حربا) العربية، كفيل بالبقاء والحفاظ على النفوذ الروسي في المنطقة بشكل عام. وذلك فضلا عن روابط كثيرة يترتب على روسيا أن تقاتل للحفاظ على دورها ومحاولة أن تبقى في لب السياسة السورية، وهذه الروابط هي: وجود الأقلية الجركسية، وهذا الرابط له دلالة وانعكاسات كبيرة على ما يربط روسيا بالشيشان، ووجود الأقلية المسيحية، أضف إلى ذلك أنه ليس سهلا أن يسحب الروس أسطولهم من ميناء طرطوس...!

ولا نظن أن الروس لن يأخذوا بتطلعات مراجعهم الدينية والسياسية بعين الاعتبار في كل تحرك دبلوماسي أو سياسي، ونحن رأينا ماذا قال القس نيكولاي بالاشوف لصحيفة «نيويورك تايمز»، حيث نشرت الصحيفة تقريرا تحت عنوان «الكنيسة الروسية.. صوت قوي ضد التدخل في سوريا»، وتنقل عن القس نيكولاي بالاشوف (نائب رئيس قسم العلاقات الكنسية الخارجية في بطريركية موسكو) أن «الفوضى الدموية وحدها ستكون نتيجة للمحاولات قصيرة النظر لزرع نماذج سياسية من إطار حضاري مغاير في منطقة توراتية دون مراعاة النظرة العالمية والقيم التي شكلت حياة الناس فيها منذ قرون وآلاف السنين.. إن رسم السياسة الخارجية دون أخذ العامل الديني في الاعتبار يمكن أن يفضي إلى كارثة، وإلى موت آلاف وملايين».

والحال هذه...، وبحكم هذا الدور الروسي الذي أصبح أكثر حضورا وقوة لمدة أكثر من أربعة عقود، وترجم الروس هذا الدور عبر الاعتناء بمصالحهم في سوريا (حصرا) فإن تريثها لاتخاذ قرار لصالح المعارضة (أو الثورة) ضد النظام أمر يتفهمه الأميركيون والأوروبيون، عدا عن تباين في وجهات النظر (حول التدخل العسكري) بين الأوروبيون أنفسهم، وهذا ما لاحظناه من خلال وقوف ألمانيا الواضح مع الموقف الروسي، ودغدغة الإحساس السياسي الروسي، وما أن طفت بعض الحساسيات بين فرنسوا هولاند (الرئيس الفرنسي) وأنجيلا ميركل (مستشارة ألمانيا) حتى وقفت ألمانيا إلى جانب رؤية روسيا للحل في سوريا، وذلك نكاية بموقف فرنسا التي لم تبتعد عن التدخل العسكري، ولا نستغرب أنه حتى الكثير من الدول تريد أن تصفي حساباتها الدولية بين بعضها البعض على حساب الثورة السورية.

كل هذا يظهر على السطح معطى جديدا في الخطاب السياسي الدولي الجديد بخصوص الأزمة السورية، وبعيدا عما جرى بين باريس وموسكو حول وضع سوريا في لقاء بوتين مع هولاند قبل أيام، يحكى الآن عما صدر من معلومات صحافية ودبلوماسية بأن ثمة طبخة روسية أميركية تجهز لسوريا على نمط ما جرى في اليمن، والاتفاق بين الطرفين هو: «تغيير النظام، مع الإبقاء على أجهزة الدولة والجيش وتأمين استمرارية عملها منعا لسقوط ما تبقى من السلم الأهلي السوري في أتون حرب مدمرة للدولة والمجتمع السوريين»، وبدا أن روسيا صارت «عرابا» أكثر تأثيرا لسوريا الجديدة، لعل ما قاله بوتين من «أن روسيا لا تقف إلى جانب النظام» هو مؤشر على أنها، أي روسيا، ربما تتحضر لصفقة ما بشرط أن تحافظ على الحضور الروسي في سوريا الجديدة، وبدا أن الأميركيين وعددا آخر من «أصدقاء الشعب السوري» موافقون على ذلك، ولعل مرد ذلك هو الخوف من الانزلاق نتيجة تفاقم الأزمة السورية إلى ما لا تحمد عقباه، الأمر الذي سيخل بالتوازنات السياسية في المنطقة.

بطبيعة الحال، فإن كل ما يحدث هو مؤقت بالنسبة للثورات العربية، وهي وصلت إلى محطة لا يمكن الرجوع عنها، ولم تقف في حدود تغيير الأنظمة بقدر ما أنها تصنع زيا مغايرا للشرق الأوسط العربي، إن لم نقل الشرق الأوسط بشكل عام. فالحلول المؤقتة هي نوع من سياسة سليمة للحفاظ على التوازنات في المفهوم الدبلوماسي، وحماية مؤسسات الدول من الانهيار إلى حافة الهاوية.

خلاصة القول: في كل الأحوال، وإن لم تنجز الصفقة، على الطريقة اليمنية، فإن المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لن يقبلا الرفض الروسي الدائم إلى آخر المطاف، وروسيا أيضا بدأت تلين من مفرداتها الدبلوماسية، وبدت كأنها تستعمل خيار قوة الإقناع وليس الإقناع بالقوة، ولعل كلام بوتين الأخير، وهو إلى جانب هولاند والذي مفاده «إذا ما أزحنا عن السلطة الرئيس الحالي، هل تعتقدون أن السعادة المطلقة ستعم سوريا» يشير إلى التعامل السلس والدخول في سجال البحث عن الخيار: أيهما الأفضل!

ومن المنطقي أن يواجه الأميركيون والأوروبيون المؤثرون في القرار الدولي روسيا حينما يرى هذان الطرفان (الأميركيون والأوروبيون) ضررا في مصلحتهما من استمرار وقوف روسيا إلى جانب النظام، وتنتقل الأزمة إلى جوار سوريا بهوية الدم!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية وأزمة الضمير العالمي

2012-06-09

الوطن السعودية

يتألم الناس من موت الضمير العالمي أمام المجازر التي يرتكبها نظام بشار في سورية، وآخرها مجزرة القبير بريف حماة أول من أمس.. يتألم الرأي العام، خاصة في العالم العربي، من حمامات الدماء التي لا تتوقف، من تلك الوحشية العبثية في القتل والتدمير، والتي لا تفرق بين مدني وعسكري، بين طفل وامرأة وشيخ وشاب.. هذا الألم الشعبي هو ما يجب أن يكون ما دام الإنسان حيا.. ولكن الأمر على المستوى السياسي مختلف.. فالسياسة على مر التاريخ هي لغة الواقع والقوة والمصلحة والحسابات المعقدة للنتائج المستقبلية على كافة المستويات.. هي فن الممكن، وفن إدارة الأزمات، وهي لعبة التوقعات أيضا بين الخصوم المتوازيين، السياسة تتضمن في طبيعتها أيضا فن المناورة وعدم المغامرة، والخوف من الخسارة، فالأزمات التاريخية تمثل أحيانا منعطفات حادة لصعود قوى سياسية وأفول أخرى.

لا يمكن للسياسة أن تتحرك من دوافع أخلاقية وقيمية على الإطلاق، ولو حاولت فعل ذلك لكان الفشل حتما مصيرها. من هنا فإن من يعول على أي تدخل على الأرض لإنهاء الأزمة السورية قد يكون مخطئا، فهذا التدخل لن يكون إلا بشبه إجماع دولي، وعندما نقول دولي فإن القوى الكبرى في العالم هي التي تتصدر المشهد، وهو الأمر شبه المستحيل فيما يتعلق بالوضع السوري الراهن، وذلك من خلال قراءة المواقف والمعطيات.

المشهد الداخلي في سورية وصل حد المفاصلة ونقطة اللاعودة بين النظام والشعب؛ وأي تسوية لهذه الأزمة تستوجب إنهاء النظام هناك، وهنا بيت القصيد، أولا: في الآلية أو الكيفية التي يتم عن طريقها القضاء على هذا النظام الوحشي، وفي الجهة الدولية المخولة بالتدخل العسكري، ثانيا: في الحسابات والنتائج المتعلقة بالمصالح الدولية مع هذا النظام، وهي الإشكالية الحقيقية التي تستدعي القوى العظمى والدول الإقليمية للتوصل إلى اتفاق بشأنها.. ولو استثنينا إيران فكيف يمكن لروسيا خاصة؛ والصين وأميركا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي؛ بالإضافة إلى تركيا والدول العربية الفاعلة التوصل إلى صيغة يقبلها الجميع ولو على مضض لإنهاء الأزمة السورية التي لن تنتهي إلا باقتلاع النظام من جذوره؟ وفي حال أقدم المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا على خطوة استثنائية بالتدخل العسكري في سورية فما هي التداعيات وردود الأفعال من المعسكر الآخر روسيا والصين وبعض القوى الإقليمية في المنطقة كإيران؟

نظن أن الأزمة السورية لم تكشف عن أزمة مقابلةٍ لها في الضمير العالمي وحسب؛ وإنما عن انسداد سياسي خطير لا يعلم عواقبه إلا الله.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دكتاتور بهوية طائفية!! .. يوسف الكويليت

الرياض

9-6-2012

العراق رقم كبير في الجغرافيا السياسية العربية، وظل المعادلة الصعبة في المتغير القومي والاستقرار الأمني، غير أن ما بعد الملكية وإغراقه بسلسلة من الانقلابات ووجبات الإعدامات، والتصفيات على الهوية، وتفجير الحروب، حولت العراق من دولة مركزية بثقل سياسي واقتصادي، إلى بلد يعود إلى العالم ما قبل الأخير، رغم ذخيرته الهائلة من العلماء والاختصاصيين في كل المجالات، حتى إن الآلاف من الأطباء في المهاجر الأوروبية والأمريكية، لو عادوا مع بقية المشتتين من الكفاءات النادرة، لأصبحوا اضافة هامة في إعادة هيكلة حياته وتطوره..

عراق اليوم بلا هوية ثابتة، فهو شيعي، سني، كردي، وكل مكون له انتماء جعل الوطن مجرد دكان لبيع الولاءات، حتى ان الحضور الايراني أصبح أكبر من الاحتلال الأمريكي الذي هو من تسبب في قتل الهوية مع قتل الإنسان وتشريده..

الصراع الدائر، ظل سنّياً شيعياً بقوالب عربية وإيرانية، ووحدهم الأكراد الذين يعيشون بأقليمهم حياة استقرار وبناء جديد، غير أن الخلافات العاصفة داخل البيت الشيعي والتي اكتشفت متأخرة أن نوري المالكي يستنسخ حكم صدام حسين، فتح الباب لضرورة تغييره، سواء بالإقالة، أو الاستقالة، وهذه المرة جاء التحالف بين القوى الداخلية كسبب وجيه من الخوف من انفجارات قد تعصف بكل شيء، غير أن الموالين لإيران، لا يسعون لاستقلال قرارهم، لأن فتوى التغيير يجب أن تأتي من قم، وليس من النجف، مما وسع التبعية لدولة أجنبية حولت العراق إلى مركز دعم لسوريا نيابة عنها، ووسيلة ضغط على دول الخليج بخلق فوضى داخله، وكل هذا جاء على حساب مطالب وطنية لم تمس السنّة أو الأكراد وحدهم، بل تأثر بها الشيعة، ولم يكن مستغرباً أن يأتي مبرر التغيير جماعياً، لأن فترة المالكي طيلة سنوات حكمه لم يسجل أي انجاز يقضي على الفقر، ويبدأ سلسلة الأعمار لما هدمته حالات الاحتلال ومخلفات الحروب، ولا استطاع المواطن العودة لوطنه من المهاجر العالمية، لأن قائمة التهم طويلة تجاهه مما وسع السجون، والإبادة بحس طائفي حاول كل الأطراف من الأحزاب والطوائف، ايجاد حلول تبعث هوية الوطن للجميع.

وصول المالكي للسلطة جاء ثمرة شكل ديموقراطي غير مستوفي الشروط لأنه لم يساو بين الطوائف والأقليات الأخرى، ونتيجة الفراغ السياسي، دعمت أمريكا وصوله بصفقة مع إيران، فهو يحكم بعقلية الطائفة أسوة بإيران وسوريا، وهو نسخة من النظامين وشهوة الانفراد بالحكم طورت في ذاته حلم الدكتاتور، ولكن بصيغة مختلفة عن حكومات العراق السابقة..

فهو يعتمد على طائفته التي تضخمت في أجهزة الأمن والجيش بعد تفتيت الأخير وأبعد الخصوم بدعاوى التآمر والإرهاب، وسير مداخيل العراق لأهداف شخصية، لكنه غير مدرك أن حاجة الخبزة أهم من أقوال الحكماء، وبعناده وضع العراق في حالة فراغ سياسي وأمني قاتلين، مما فجر غضب الجميع عليه، وأصبح اجراء التغيير مطلباً هاماً حتى من المقربين إليه من الطائفة والحاشية..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة السورية ليست طائفية .. شتيوي الغيثي

عكاظ

9-6-2012

منذ اندلاع الثورة الشعبية في سورية لم يرفع أي شعار ديني، أوطائفي أو فئوي، وإنما كانت ضد الاستبداد بكافة صوره والانتقال من دولة القمع إلى دولة الحريات المدينة. وهذا ما أعلنه الثوار في بعض بياناتهم أي أنها ثورة من أجل كرامة الرجل والمرأة السوريين. من أجل كرامة الشعب المطحون منذ سنوات طوال، إنها ثورة من أجل الإنسان وللإنسان.

والمجازر التي يتلقاها الشعب السوري والمؤلمة بكل المقاييس، تصل الجميع بلا استثناء، إلا ذلك الذي يتوافق هواه مع هوى حزب البعث الذي يدل تاريخه منذ تأسيسه في سورية على الوحشية وقمع الإنسان السوري، ولا تفريق هنا عند نظام البعث المجرم بين دين ودين، أو بين طائفة وطائفة، وإنما القسمة هي كالتالي: إما القبول بالنظام، وبكل فظائعه وتبرير كل سلوكياته الإجرامية، أو الوقوف مع الثوار الذي يؤدي ذلك إلى التصفية الجسدية والمجازر الفظيعة.

الشعب السوري ليس سنيا فقط؛ بل هو يحمل أطيافا دينية وطائفية مختلفة والنظام ليس علويا فقط، وإنما يشمل كل من يقبل بهذا النظام من كل الأطياف، ولذلك فمن الخطأ وضع الثورة السورية في إطار الطائفية حتى من قبل المؤيدين، إنما هي ثورة الشعب للشعب، وثورة الإنسان السوري من أجل كرامة الإنسان السوري بغض النظر عن دينيه وطائفته ومذهبه.

صحيح أن إيران تدعم نظام الأسد من أجل أن يكون أكثر صمودا لكن هذا لا يعني أن الطائفة الشيعية في داخل سورية أو في العام العربي كاملا يوافقون على ذلك القتل والمجازر الفظيعة التي ترتكب بحق الإنسان السوري، وإن كان هناك من يوافق فإن حسه الإنساني غائب وشريك في الجرم، لكن هذا لا يشمل الطائفة، بل يخص الشخص نفسه وغياب ضميره.

الشيخ محمد سعيد البوطي مثلا لا يؤيد الثورة السورية، وهو من أعلام المذهب السني في سورية، ومع ذلك فإن موقفه كان مخجلا في دعم الثورة، وهذا يعني أنها ليست طائفية فلو كانت كذلك فإن البوطي سوف يكون في صف مذهبه وليس في مذهب غيره.

إن الأزمة السورية ليست أزمة طائفة تجاه طائفة أخرى، وإنما أزمة مجتمع كامل مع نظام استبدادي، كما أن الوضع السوري معقد جدا، وتتداخل فيه الكثير من القوى الدولية، كما أن سورية منطقة تجاذب صراع بين أكثر من جهة دولية تحاول الهيمنة على المنطقة، وتأثير مد ديني أو أيديولوجي ولا يعني أن تبني دولة ما لمذهب ما أنها تمثل ذات المذهب بحيث نحاكم الطائفة بسبب سياسة دولة محددة. إيران هنا مثال جيد في ذلك حيث إنه لا يمكن أن تمثل المذهب الشيعي، ولا يمكن أن يرضى الشيعة العرب بهذه المجازر التي تحصل وكل ما يحصل هو نفوذ إيراني كما في سورية، وحزب الله في لبنان.

إن تجيير الثورة السورية على أنها ثورة طائفة ضد قمع طائفة أخرى هو تحجيم لدور الثورة في صياغة مجتمع مدني عام للشعب السوري بكل أطيافه بما فيها المسيحية.

إن تعاطفنا مع الثورة السورية ليس تعاطفا مذهبيا، بل هو تعاطف إنساني قبل أي شيء آخر، فسورية للشعب السوري، وليس لحزب أو طائفة أو دين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

جديد الرئيس الأسد القديم  .. حسين العودات

التاريخ: 09 يونيو 2012

البيان

ألقى الرئيس بشار الأسد خطاباً قبل أيام أمام مجلس الشعب السوري ، وكان الجميع ينتظرون هذا الخطاب، ويفترضون أنه سوف يتناول تطور الأزمة السورية، والظروف المحيطة بها، وسيكون ذلك مدار الخطاب وشاغله الأكبر.

وكان من المفترض ، حسب رأي الشعب السوري والمراقبين أنه سيجيب على عديد من الأسئلة التي تتعلق بالأزمة السورية (واقعها، تطورها، ملامح حلولها) وغير ذلك، خاصة وأن الخطاب جاء بعد أن تطورت هذه الأزمة تطوراً مخيفاً، وربما انزلقت نحو التسبب بالفوضى والحرب الأهلية التي قد تتطور إلى حرب طائفية.

كما أشار معظم المراقبين (المعارضة، بان كي مون، كوفي عنان، ومعظم وزراء الخارجية الأوروبيين)، لهذه الأسباب ولغيرها، وللحاجة القصوى لوضع الأزمة السورية على طريق الحل، توقع الجميع خطاباً مهتماً بالوصف والتحليل واقتراح الحلول. ولكن يبدو أن الرئيس الأسد لم يحقق رغبات الشعب السوري أو المراقبين أو القوى العربية والدولية ذات العلاقة التي كانت تنتظر خطاباً مختلفاً، فلم يتضمن خطابه ما كانوا يتوقعون.

كرس الرئيس الأسد معظم خطابه، لمهاجمة عدة أطراف داخلية وخارجية، منها المعارضة الداخلية والخارجية والمنتفضين والحراك الشعبي والدول الإقليمية وعدد من الدول الأجنبية، وكان هجوماً عنيفاً ينم إما عن ضعف كبير أو عن شعور مفرط بالقوة. وفي الحالات كلها لم يترك هامشاً للتصالح مع هذه القوى، وكأنه أغلق الأبواب معها، وقطع الصلات.

وقرر أن يسد جميع الطرق الموصلة إليها.أشار الرئيس الأسد في خطابه إلى الحراك الشعبي والانتفاضة السورية على أنها تدخل خارجي تقوم به عصابات مسلحة ومواطنون مأجورون وإرهابيون وما أشبه ذلك، دون أن يشير إلى وجود أزمة داخل النظام وداخل المجتمع، أو يعتبر أن المنتفضين والحراك الشعبي يطالبون بحقوق مشروعة للشعب السوري.

ويهدفون إلى إقامة نظام سياسي جديد ديمقراطي تعددي يحترم معايير الدولة الحديثة، وقد وصل به الأمر إلى اعتبار المتظاهرين والمنتفضين مرتزقة، يأخذون أجوراً من الخارج للتظاهر وقتل الآخرين، ومن الملاحظ أنه لم يتجاهل فقط أسباب الأزمة وبنيتها وآفاق تطورها أو يقترح الحلول المناسبة لها بل تجاهل أيضاً مبادرة كوفي عنان، وهي المبادرة الوحيدة التي أجمع عليها الداخل والخارج وقبلتها المعارضة والعرب والغرب الأوروبي والروسي والصينيون، وكان تجاهله للمبادرة ملفتاً ومثيراً للانتباه.

يبدو من خطاب الرئيس الأسد أن السلطة السورية ما زالت حتى الآن، وبعد مرور خمسة عشر شهراً على الانتفاضة، تتجاهل أن تغييب حقوق الإنسان السوري هي سبب الحراك، كما تنكر وجود أزمة داخل النظام تحتاج إلى حل.

ويلاحظ أن الموقف الذي تضمنه خطاب الرئيس هو الذي صرحت به الناطقة باسم الرئاسة في الأسبوع الأول من الانتفاضة أي في مارس العام الماضي، حيث قالت إن هذه الانتفاضة هي من فعل تدخل خارجي وعصابات مسلحة ومندسين ومتمردين وما يشبه ذلك.

وعرض التلفزيون السوري في الأسبوع الثاني من انطلاقتها أسلحة وأموالاً قال ان السلطة وجدتها في الجامع العمري بدرعا، والأمر نفسه كرره الرئيس الآن في خطابه أمام مجلس الشعب. وكأن الظروف لم تتغير قيد أنملة خلال خمسة عشر شهراً.

هناك أمر لافت للانتباه في خطاب الرئيس وهو أنه ألقى بالمسؤولية في المخالفات والممارسات والارتكابات التي حصلت خلال قمع الانتفاضة على الأفراد وليس على المؤسسات التي ينتسبون إليها، أي أنه أراد القول إن هذه تصرفات فردية وليست سياسة مؤسسة أو سلطة.

ويعرف السوريون أن دخول البيوت وحرقها وسرقتها وتدميرها وقتل المواطنين المتظاهرين وغير المتظاهرين، هي أسلوب عمل وممارسات القوات الأمنية والعسكرية في سورية وليست نتيجة لتصرفات فردية، وهي نهج اتبع في جميع القرى والمدن والبلدات السورية دون أن تمنع السلطة أو المؤسسات ممارسته.

وبالتالي فالقول بأنه تصرف فردي فيه بعض المبالغة والبعد عن الواقع، فلا يمكن ممارسة التعذيب والقتل والنهب وإعطاء الحق للعسكريين ورجال الأمن بأن يعملوا ما يشاؤون خارج القانون، هو تصرف فردي من وراء ظهر المؤسسة والسلطة، ويبدو أن الرئيس أراد أن يبرئ سياسة السلطة من المجازر التي حدثت والتي كان آخرها (مجزرة الحولة). لم يتناول خطاب الرئيس بجدية الاهتمام بالحل السياسي .

وأكد مجدداً على الحل الأمني، ومر مروراً سريعاً على مقترح الحوار مع المعارضة، وأوحى بأنه يضع شروطاً لمن سيحاورهم من جهة، وأن الحوار هو أن يبدي هؤلاء رأيهم بالقوانين والمراسيم ( الإصلاحية) التي صدرت في هذا الإطار وتعديلها من جهة أخرى.

وبالتالي فإنه رفض واقعياً البحث في تغيير بنية النظام السياسي وتطويرها. وما على المعارضة حسب خطابه إلا أن تأتي طائعة لتطلب منه بعض التعديلات على إجراءاته (الإصلاحية)، هذا بعد أن اتهم معظم المعارضة ليس بقصر النظر والبعد عن المسؤولية الوطنية والحس الوطني فقط وإنما أيضاً بالتعامل مع الخارج.

باختصار كرر الرئيس بشار الأسد في خطابه أقوال السلطة ومواقفها التي تكررها منذ أكثر من عام، حتى أنه أعاد بعض العبارات التي وردت في خطاباته السابقة كما هي. ويبدو واضحاً رفضه لأي مشروع حل سياسي للأزمة السورية، واستطراداً رفضه لمبادرة عنان وللمواقف الأخرى ذات العلاقة، وأخيراً تأكيده المضمر بأنه لن يتراجع عن الحل الأمني قيد أنملة، ولن يقبل أية تسوية تاريخية أو سياسية، أو أي اتفاق من شأنه تفكيك الأزمة السورية وحلها، إلا حسب ما تراه السلطة القائمة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

غازي العريضي .. سوريا و"البازار" الدولي

تاريخ النشر: السبت 09 يونيو 2012

الاتحاد

تشهد الأزمة السورية تطورات دراماتيكية في الأيام الأخيرة، وخصوصاً بعد زيارة الموفد الدولي العربي كوفي أنان إلى سوريا.

أنان حمل في الدوحة في اجتماع وزراء الخارجية العرب، مسؤولية تعثّر خطته بنسبة كبيرة إلى النظام السوري! وزراء الخارجية طالبوا بتبني الفصل السابع في مجلس الأمن وبوقف بث الفضائيات السورية عبر القمرين الصناعيين "عربسات" و"نايل سات".

الأسد في خطاب جديد أمام مجلس الشعب ردّ مؤكداً أن كل ما يجري في سوريا هو بسبب التدخل الخارجي، وأنه يواجه الإرهاب، وقد حسم مسألة الإصلاح السياسي إذا كانت القضية قضية إصلاح، وجرت انتخابات وستشكل حكومة جديدة. كل هذا يجري على وقع مجزرة "الحولة"، التي حُمّل النظام السوري مسؤوليتها في كل المنتديات تقريباً. في هذه الأثناء ارتكبت مجزرة جديدة في منطقة "القبير" في ريف حماه. ومسلسل المجازر ينتقل من مكان إلى آخر. ومنع النظام المراقبين الدوليين من الوصول إلى مكان المجزرة.

كوفي عنان انتقل إلى الأمم المتحدة ثم مجلس الأمن. قدم إفادته، حمّل النظام المسؤولية. "الأزمة السورية ستخرج عن السيطرة قريباً". "لا بد من ممارسة الدول الكبرى ضغوطاً ملموسة على دمشق وإبلاغها بأن عدم احترام نقاط الخطة الست سيكون له نتائج كارثية"! الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون"، أكد "أن الآمال في تماسك خطة عنان في سوريا تتبدّد! "والرئيس السوري وحكومته فقدا الشرعية"!

وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، وفي مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرها التركي أحمد أوغلو، وبعد اجتماع لعدد كبير من وزراء الخارجية العرب والأوروبيين والغربيين عقد في تركيا قالت: "على الأسد أن ينقل سلطته ويغادر سوريا".

الناطق باسم البيت الأبيض الأميركي "جاي كارني"، انتقد مجزرتي "الحولة والقبير" وقال: "هذا الأمر غير مقبول. ورفض النظام السوري السماح لمراقبي الأمم المتحدة الدخول إلى المنطقة للتحقق من هذه المعلومات، يُشكل إهانة للكرامة الإنسانية والعدالة"!

المندوب السوري في مجلس الأمن "فيتالي تشوركين" أكد خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة أن بلاده ستقدم مبادرة حول الوضع في سوريا في مؤتمر ستدعو إليه مشيراً إلى أنه "يجب عدم المطالبة بالتغيير الفوري للنظام في سوريا"!

وتأتي هذه التطورات بعد طرد السفراء السوريين من عدد كبير من دول العالم. وتحميل النظام مسؤولية ما يجري وما يرتكب من مجازر. ومع تصعيد في الوضع الميداني في مختلف أنحاء المحافظات السورية واتساع رقعة المواجهة مع النظام. ولا ندري من الآن وحتى صدور هذه المقالة كم من الضحايا سيسقط؟ وهل ستكون ثمة مجازر جماعية جديدة أم لا؟!

والذين يحذرون من خطر اندلاع حرب أهلية، يحاولون تجنب تأكيد الوقوع في هذا الخطر. أو تجنب الوصول إليه ويعتبر بعضهم أن ذلك لا يزال ممكناً. لكن الحقيقة أن سوريا تعيش حالة الحرب الأهلية. فالدمار والخراب الذي استهدف المؤسسات والممتلكات والخسائر البشرية الكبيرة وعمليات "التطهير" المذهبي التي تشهدها مناطق عديدة، والخطف والسلب والفوضى والمجازر، هي عناوين ومواد هذه الحرب اليومية المفتوحة ولا سيطرة على الوضع إطلاقاً ولذلك تتكثف الاتصالات، وتكثر المبادرات في محاولة لوقف هذه المسألة عند حدود معينة، ومنع تمددها في الداخل وإلى الخارج في محيط سوريا.

الوضع معقد، وكما سبق وذكرنا منذ البداية، نحن أمام بازار دولي كبير يضع مستقبل سوريا على الطاولة، وإذا كانت روسيا بشكل خاص تمنع سقوط النظام من خلال تمسكها بحق "الفيتو" في مجلس الأمن، فإن ذلك لا يعني أن هذا الموقف سيبقى ثابتاً حتى النهاية بسبب أمرين: الأول يعود إلى إصرار الناس في سوريا على استكمال معركتهم مع النظام مهما كانت كلفة ذلك. والناس هم المعارضة الأقوى الثابتة على الأرض. قد تنقسم الدول والقوى حول معارضات في الخارج أو معارضات في الداخل. حول شرعية هذه أو تلك، أو ميول وتوجهات وأهداف هذه أو تلك.

قد ينقسم هؤلاء حول تسليح أو عدم تسليح المعارضة، لكن الواقع على الأرض يفرض نفسه. والناس بمواقفهم وتحركاتهم ومواجهاتهم يسبقون كل هؤلاء. وهذا أمر لا يمكن تجاوزه. هذا هو الأمر الأهم والحقيقي، الذي يؤدي إلى الأمر الثاني المؤثر في الموقف الروسي، وهو أنه في لحظة معينة واستناداً إلى الأمر الأول ستجد روسيا نفسها مضطرة لتفاهم ما أو حقيقة ما وتحديداً مع الأميركيين وتأخذ شرعيتها من الأمم المتحدة. فتكون قد منعت التفرد الأميركي. حرصت على "احترام" الشرعية الدولية وأكدت الشراكة الدولية وحفظت مصالحها في المنطقة وكرّست دورها فيها.

من الآن وحتى الوصول إلى هذه الصفقة سوف تدفع سوريا أثماناً كبيرة آخذين بعين الاعتبار تداخل الملفات ببعضها البعض، وخصوصاً الملف النووي الإيراني وربطه بالأزمة السورية من خلال التحالف السوري - الإيراني. وهذا أمر لا يمكن تجاهله روسياً وأميركياً. إضافة إلى المصالح الإسرائيلية والتأثير الإسرائيلي في إنتاج قرار التغيير والصفقة، وكذلك الدور التركي المهم في هذه العملية.

وتدور المفاوضات أو الاتصالات الروسية الأميركية بين حدّين. عبّر عنهما دبلوماسياً بدقة متناهية.

الإدارة الأميركية تقول: "تنحي" الأسد ليس شرطاً مسبقاً للبدء بالعملية الانتقالية السلمية". والإدارة الروسية تقول: "بقاء الأسد ليس شرطاً لانتهاء العملية السياسية". هذا هو الميزان الروسي – الأميركي، فالحدود محددة، وبالتالي مهما طالت المسافات أو قصرت الواضح أن لا أحد متمسك ببقاء الأسد. ربما ثمة طرف يريد التخلص منه بسرعة وفوراً، ولكن إذا لم يكن ذلك ممكناً فلا حول ولا قوة إذا تأخرت العملية، وقد يكون في ذلك مصالح مختلفة تتحقق في الطريق أهمها دمار سوريا وخرابها وتفككها وإضعافها وهذا يفيد إسرائيل أولاً ومن يدعمها ، لكن في النهاية "ليس ثمة مكان في المستقبل لهذا النظام" كما يرى هذا الطرف. أما الطرف الثاني فقد يكون غير ميّال للتغيير، لكن الوقائع تفرض نفسها على الأرض عليه وعلى غيره وبالتالي هو يستعد لمواجهة هذا الاحتمال. بين هذين الحدّين يدور البازار ويدفع الشعب السوري الثمن. ويبدو أن الأمور تتجه إلى مزيد من التصعيد ونزف الدم. المعارضة، الناس، لن يتراجعوا. والنظام مستمر في سياسة الهروب إلى الأمام تحت عنوان مكافحة الإرهاب!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أقوال المجتمع الدولي لا تتبعها أفعال .. الأزمة السورية... ومخاض الحلول الحرجة .. كوليم لينش، وليز سلاي

الأمم المتحدة، نيويورك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس"

تاريخ النشر: السبت 09 يونيو 2012

الاتحاد

واجه الرئيس السوري إدانات دولية متصاعدة يوم الخميس الماضي بعدما عرقلت جماعات مسلحة، يُعتقد أنها تابعة لنظامه، قيام فريق المراقبين الأممي بالتحقيق في مجزرة جديدة بتعرض الفريق لإطلاق النار ومنعه من دخول إحدى القرى القريبة من حماة، وجاءت هذه الأحداث في وقت اعترف فيه المبعوث الأممي، كوفي عنان، بأن خطته المكونة من ست نقاط وصلت إلى طريق مسدود مع رفض الطرفين معاً، النظام والمعارضة، تطبيق بنود الخطة، مضيفاً أن جهداً دبلوماسياً جديداً أصبح ضرورياً لمنع سوريا من الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، محذراً ولأول مرة من أن أي طرف يعرقل الانتقال السياسي سيواجه عواقب وخيمة لم يحددها. وفي تفاصيل الحادث قال الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إن فريق المراقبين تعرض لإطلاق نار من أسلحة خفيفة يوم الخميس الماضي فيما كان أفراده يحاولون بلوغ موقع مجزرة أخرى في بلدة القبير بمحافظة حماة، وفي حديثه أمام جلسة خاصة للجمعية العامة بالأمم المتحدة قال "مون" إن الواقعة حدثت على إثر منع فريق المراقبين من دخول القبير للتحقيق في جرائم القتل، ولم يحدد الأمين العام للأمم المتحدة هوية المسؤولين عن إطلاق النار على فريق المراقبين، أو ما إذا كانت هناك أية إصابات في صفوفهم.

يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تطلق فيها النار على فريق المراقبين منذ وصولهم إلى سوريا في مهمة لرعاية وقف إطلاق النار ومراقبته، وقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة بأشد العبارات المجزرة واصفاً إياها ب"الوحشية وغير المقبولة"، مناشداً الحكومة السورية بالتطبيق الفوري للخطة الأممية لوقف إطلاق النار.

وجاءت المجزرة التي شهدتها بلدة القصير وراح ضحيتها 78 مدنياً أغلبهم من النساء والأطفال لتضيف المزيد إلى الضغوط المتنامية التي يواجها نظام الأسد في سوريا. وقال كوفي عنان خلال جلسة الجمعية العامة: "من الواضح أن الوقت قد جاء لنتساءل ما الذي يمكننا القيام به لضمان تطبيق خطة الست نقاط، وما البدائل الأخرى المتاحة لمعالجة الأزمة". وأضاف عنان في الجلسة التي حضرها الأمين العام "بان كي مون"، والأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي: "إذا لم تتغير الأمور فإن المستقبل سيكون مليئاً بالقمع الوحشي والمجازر والعنف الطائفي، بل حتى الحرب الأهلية الشاملة، وسيخسر جميع السوريين". وبمنع فريق المراقبين الأممي من دخول بلدة القصير لم يتسنَّ التحقق من مقتل 78 شخصاً يوم الأربعاء الماضي في البلدة السنية الصغيرة الواقعة إلى الشمال الغربي من حماة، والتي تحيط بها قرى علوية، ولكن من خلال شهادات النشطاء وسكان البلدة الذين تم التواصل معهم أشاروا إلى وقوع سيناريو مشابه لما جرى في الحولة التي شهدت هي الأخرى مجزرة رهيبة قبل أسبوعين راح ضحيتها 108 أشخاص ونفذتها على الأرجح ميليشيات تابعة لنظام الأسد تعرف باسم "الشبيحة". وفي هذا الإطار قال ليث الحموي، أحد قاطني بلدة القبير الذي قتلت أمه وستة من أخوته، إنه كان بعيداً عن القرية بحوالي الميل بأحد بساتين الزيتون عندما شاهد قوات الأمن و"الشبيحة" تدخل القرية من ثلاث جهات، واستطرد قائلاً: "لقد كنت خائفاً للغاية فلم أستطع التحرك"، ولعدة ساعات سُمع صوت إطلاق النار وقصف الدبابات وشوهدت البيوت وهي تحترق، وبعدما غادرت قوات الأمن البلدة رجع إلى البيت ليجد أمه جثة هامدة وأربعة من إخوته ، فيما أخذت الميليشيات معها جثث اثنين من إخوته. يشار أيضاً إلى أن أغلب الضحايا ينتمون إلى عائلة واحدة، من بينهم 40 من النساء والأطفال. وأضاف الناشطون أن "الشبيحة" أخذوا معهم 30 جثة، وأن الباقي أُحرق عندما أضرموا النيران في البيوت، وقد انتظر الأهالي يوم الأربعاء كاملاً كي يطلعوا المراقبين على الجثث، ولكن عندما لم يأتوا قرروا دفن الجثث المتبقية.

ومن جهتها اعتبرت وكالة الأنباء الرسمية في سوريا، "سانا"، أن الاتهامات الموجهة لقوات الأمن "لا أساس لها من الصحة"، قائلة إن القوات الحكومية دخلت المنطقة وقتلت "الإرهابيين" بعدما قامت "جماعة إرهابية مسلحة" بقتل تسعة من الأطفال والنساء. وأمام الطريق المسدود الذي وصلته خطة عنان المكونة من ست نقاط بدأ الحديث عن خطة جديدة لتشكيل مجموعة اتصال تضم ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا وإيران بالإضافة إلى قوى إقليمية، وحسب دبلوماسيين مطلعين على المبادرة الجديدة ستوكل لمجموعة الاتصال هذه مهمة بلورة خطة انتقالية تنص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية واستخدام نفوذ تلك الدول للضغط على أطراف الصراع في سوريا. ولكن على رغم مناشدات كوفي عنان للمجتمع الدولي بالتوحد حول سوريا ظلت الاختلافات مستشرية بين الحكومات الغربية والعربية من جهة التي تؤيد فرض عقوبات على سوريا، وبين الصين وروسيا من جهة أخرى اللتين رفضتا العقوبات وقاومتا أية محاولة لإسقاط نظام الأسد في دمشق. وفي تعبيره عن الموقف الأميركي أصدر البيت الأبيض بياناً طلب فيه من "جميع الدول التخلي عن دعم النظام الوحشي وغير الشرعي في سوريا، والانضمام إلى محاولات تأمين انتقال سياسي". وفيما تتصاعد وتيرة العنف في سوريا وتتسع رقعتها يوماً بعد يوم عقدت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، اجتماعاً في إسطنبول ضم الأوروبيين ودول الشرق الأوسط لبحث القضية السورية، وذلك على هامش المؤتمر الذي استضافته تركيا حول مكافحة الإرهاب. أما الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، فقد طرح أمام الجمعية العامة تقييماً متشائماً للوضع السوري، محذراً من أن آفاق الحل بدأت تبتعد تدريجياً وأن "خطر الحرب الأهلية الشاملة بات وشيكاً وحقيقياً"، محملاً نظام الأسد مسؤولية تردي الحالة الأمنية في البلاد، حيث قال "لعدة أشهر بات واضحاً أن الرئيس الأسد وحكومته فقدا الشرعية".

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأسد يحرق آخر مراكبه .. غازي دحمان

المستقبل

9-6-2012

بدا رأس النظام السوري وكأنه يقطع نهائياً مع الشريحة الأكبر من شعب سوريا، فقد ظهر واضحاً مدى اليأس والإحباط من إمكانية تطويع هذه الشريحة أو إعادة إخضاعها وإرجاعها إلى قمقم العبودية، وتأكد لدى رأس النظام أن أركان جمهورية الخوف آيلة الى السقوط وأن كمية الذخائر المتبقية لدى النظام، التي تشرف على النفاد رغم الإمداد الروسي شبه اليومي، هي التي تحدد مؤقتاً تاريخ ذلك السقوط، فكل يوم في عمر جمهورية الخوف بات يكلف المزيد من شحنات الذخائر.

لقد ذهب رأس النظام بعيداً في قطعه مع غالبية الشعب السوري عندما تعمّد التشكيك في وطنيتهم وانتمائهم ووصفهم بالمرتزقة والإرهابيين الذين يتقاضون المبالغ المالية مقابل خروجهم في التظاهرات المناهضة لحكمه، وهو ما يبدو مستغرباً لدى تطبيقه على أرض الواقع، ذلك أن نسبة المخاطر التي يتعرض لها المتظاهر في سورية تعتبر عالية جداً، واحتمالات تعرضهم للموت أو الإعتقال او الإصابة كبيرة جداً، ولا أحد يمكن أن يتصور ان عاقلاً في هذه الدنيا يمكن أن يقدم على هذا النوع من المخاطر مقابل مبالغ معينة، ثم أي جهة يمكنها أن تمول هذا النوع من النشاط لأناس يخرجون للتظاهر بشكل يومي وصبحاً ومساء؟!.

هذا الخطاب السياسي البائس واليائس في الوقت نفسه، يحمل في طياته مقادير كبيرة من الجهل بالواقع هي في حقيقتها انعكاس لحالة الإنفصال عن الواقع التي يتفيأ تحت ظلّها رأس النظام، وهو الذي لم يبرح قصور الرئاسة إلا حين نزوله الى المطاعم الراقية في الشوارع الخلفية لقصره، وكان أحد زواره نقل عنه مرة خوفه وارتباكه في إحدى زياراته لحلب عندما تجمعت حوله بضع نساء محجبات لهن مطالب، إلى أن شرح له أحد رجال الدين القريبين منه أن الوضع طبيعي وهؤلاء النسوة لسن ملتزمات وأن الزي الذي يلبسنه هو الزي التقليدي لجزء كبير من السوريات!.

لقد ذهب رأس النظام إلى أبعد الحدود في هذا الخطاب عندما أعلن انشقاقه عن الشعب وانتمائه إلى جزء محدد منه، حددهم بأولئك الذين يؤمنون بإصلاحاته ونهجه والباقين تحت سقف تعريفه للوطن والوطنية، الذين ما يزالون يعيشون على أمجاد جمهورية الخوف العتيدة، ويغضّون العين عن كل المآسي المحيطة بهم، أما باقي الشعب، من طلاب جامعات ثائرة وتجار مضربين، وفلاحين متظاهرين وأبناء مدن تغص بهم الشوارع، كل هؤلاء يلغيهم رأس النظام من تعريفه للشعب، فيما يبدو أنه مقدمة لإلغائهم من الحياة بشكل نهائي.

لا شك ان الخطاب الاخير لرأس النظام ستكون له انعكاسات خطيرة على الارض، فهو من جهة سيرفع منسوب القتل باعتبار أن ما ورد في الخطاب هو امر عمليات واجب التنفيذ بحق العملاء، ما يعني زيادة في صلاحيات أجهزة الأمن والكتائب العسكرية المنتشرة في ممارسة مهامها القتالية وزيادة درجة البطش؛ من جهة ثانية سيعمل هذا الخطاب على زيادة إصرار الثوار على المضي في طريقهم حتى النهاية، أقله لأن النظام لم يترك لهم خيارات بديلة تحفظ لهم حقهم في الحياة.

لم ينسَ رأس النظام تكرار الحديث عن إصلاحاته العتيدة على مدار عام ونيف، في حين لم يستطع احد من السوريين، حتى أولئك الذين أدرجهم النظام في خانة مواطنيه، رؤية سوى بلد جرى تدمير نصفه وتهجير الملايين من شعبه في الداخل والخارج، وقتل الآلاف من أبنائه، في إطار خطة إصلاحية عجزت حروب الإبادة عن مجاراتها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما تفعله المخابرات السورية في عمان .. ماهر ابو طير

الدستور

9-6-2012

للسفارة السورية في عمان نشاط امني متواصل،اذ تجمع المعلومات بشأن الاردن،وتترصد ايضا السوريين الهاربين من جنة الاسد،وبعض الدبلوماسيين السوريين ضباط مخابرات بجوازات دبلوماسية،واغلب السفراء الذين يأتون الى الاردن من دمشق هم من المؤسسة الامنية السورية،وهناك شبكات من جنسيات مختلفة تعمل مع السوريين.

نشاطات السفارة السورية في عمان،مكشوفة للجهات الرسمية في البلد،والاهم من ذلك ماتعرفه الجهات المختصة،حول ان المخابرات السورية وضعت خطة،للتخريب في دول معينة ابرزها لبنان والاردن وقطر وتركيا،وقد ارسلت المخابرات السورية خلايا كثيرة الى دول متعددة تمهيدا لمرحلة محددة.

مراقبون سياسيون يعتقدون ان حرائق الدوحة التي تتوالى تحت مسميات لتنظيمات اسلامية مختلفة،ليست الا نتاج افعال المخابرات السورية التي تريد الانتقام من قطر بسبب دور قناة الجزيرة ضد الاسد،ولان تهريب السلاح الى قطر صعب بسبب المسافات،فإن اللجوء الى الحرائق والبدائل الكيماوية امر اسهل،مما يعني ان القصة مازالت في اولها.

وزير الخارجية ناصر جودة نفى ان يكون الاردن منع السوريين من دخول البلاد،وتحدث عن حالات فردية مشكوك فيها وصلت عبر مطار الملكة علياء الدولي تم ردها وتسفيرها،وبعضنا لم يعجبه تصرف الدولة،غير انك تسأل ماشعور هؤلاء لو ارتكب بعض هؤلاء جرائم امنية في البلد،وعندها سيكون اللوم بطبيعة الحال على الدولة أنها لاتحمي مواطنها ولا امنها.

هي مفارقة،ومن هنا فإن من حق الدولة منع دخول اي شخص،يتم الشك فيه،في ظل تدفق المعلومات حول خطة المخابرات السورية التي تم وضعها بشراكة اطراف اخرى،ولنا في تداعيات لبنان وحرائق قطر،وغيرهما ادلة على ذلك،وستثبت الايام ان الحبل على الجرار،لان الدولة السورية عمليا تساوي فقط المؤسسة الامنية هناك.

هذا يعني ودون ان تكون القصة قصة اثارة ذعر مفبرك او مقصود،ان هناك مخاطر امنية في البلد،والعبء الامني ارتفع منسوبه جدا،خلال الفترة الماضية،لكننا بنفس الوقت نراهن على قوة الدولة ووعي الناس للحفاظ على استقرار البلد،الذي بقي حتى الان قائما مقارنة بكل دول الجوار التي تنهار يوميا من مصر الى لبنان،مرورا بفلسطين وسورية والعراق،وهذا يقول ان الضغط شديد،غير ان ليس من مصلحة احد،ان يلتحق الاردن بالقاطرة المحترقة وعرباتها.

لن يكون غريبا ان نسمع عن قصص غريبة وحوادث امنية خلال الفترة المقبلة،لان هناك من يريد مد النار الى الاردن،الذي برغم كل مصاعبه الاقتصادية واحتقانه الاجتماعي،الا انه بقي متماسكا،ولم يسقط تحت وطأة عوامل كثيرة،فيما كل هذه الشعارات العاطفية لاتصمد عبر التكرار بقدر تنبه الناس لبلدهم،حتى لايكونوا من حيث يحتسبون او لايحتسبون،وقودا في محرقة اطراف اخرى.

الاخطر ان الجوار مع سورية يسمح بتهريب السلاح او تسلل عناصر الى الاردن وشراء السلاح من هنا،ولامانع عند المخابرات السورية غدا من اغتيال نشاط سياسي في الاردن،او تفجير اسطوانة غاز في سيارة قرب مسيرة او اعتصام او تخريب منشأة حيوية،مادام ذلك سيؤدي الى دب الفوضى في الاردن،وهز بنيانه.

يكره الناس التحذير في وقت السلم،ويتثاقلون من الانذارات التي ُتوتر وجودهم،او يرونها مبالغة في مبالغة،وهذا طبيعي لان النفس البشرية لاتحتمل الشعور بالخوف،غير انها ليست حربا نفسية على الناس بقدر كونها وقائع على الارض.

التاريخ : 09-06-2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الاسد سيبقى مع المذابح..صحف عبرية

2012-06-08

القدس العربي

ليس لروسيا أي مشكلة في أن تقول الحقيقة: ليس لديهم اي فكرة عن اي اتجاه تتطور فيه الازمة في سوريا. في الاتصالات الدبلوماسية الجارية التي تجريها اسرائيل مع مسؤولين كبار في القيادة الروسية يعترف الروس بان سياستهم تتقرر من اسبوع الى اسبوع. في واقع الامر هم ليسوا وحدهم. السياسة الروسية، التي يشارك فيها الصينيون ايضا، لا تختلف جوهريا عن سياسة الاوروبيين والامريكيين بالنسبة لسوريا. بتعابير شرق أوسطية يمكن القول بان اولئك وهؤلاء على حد سواء يتخذون القرارات من مذبحة الى مذبحة.

قبل بضعة اسابيع زار موسكو رئيس مجلس الامن القومي، اللواء يعقوب عميدرور، في محاولة لاقناع الروس بالكف عن تأييد الاسد والكف عن صب السلاح في صالح نظامه. وقد أوضح له الروس بانه لا توجد ولم توجد لهم اي نية لعمل ذلك. وهم لا يتمسكون بالذات بشخص الاسد؛ ولن تكون لديهم مشكلة في أن يؤيدوا شخصا آخر، شريطة أن يعرف كيف يحافظ على مصالح روسيا في المنطقة، مثلما عرف كيف يفعل الاسد. كما أن ليس لديهم اي مشكلة الى جانب ارساليات السلاح للاستعداد منذ الان لاخلاء رجالهم بشكل فوري مع سقوط الاسد. رئيس الاركان بيني غانتس هو الاخر الذي زار الصين مؤخرا، سمع ذات القول الى هذا الحد او ذاك حين طرحت المسألة.

مركز البحوث السياسية في وزارة الخارجية، الذي هو هيئة استخبارية بكل معنى الكلمة، جمع قوائم اسمية مفصلة لمواطنين قتلوا في سوريا منذ اندلاع الازمة: 12.500 شخص. وتيرة القتل تبلغ الان 50 60 مواطنا قتيلا، بالمتوسط، في كل يوم. ورغم ذلك فان استنتاج الباحثين في وزارة الخارجية هو أن وضع حكم الاسد اليوم لا يختلف جوهريا عن مكانته قبل نحو نصف سنة. صحيح أنه يوجد تآكل تدريجي، ولكن لا نزال لا نرى الشرخ الكبير الذي سيؤدي الى انهياره.

كل الاحاديث عن عدم شرعية الاسد لا تنطبق، طالما كان الصينيون، الروس، الايرانيون، واللبنانيون يعتقدون أنه شرعي. لا تزال لديه الشرعية في أجزاء واسعة من المجتمع السوري ايضا.

وعندها تنشر وزارة الخارجية الامريكية خطة اخرى تتحدث عن الحاجة الى تفعيل الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يتهم الاسد بالمس بالنظام العالمي. الويل الويل الويل. الامريكيون يتحدثون عن3 الاف مراقب بدلا من ال 300 الحاليين ليعملوا في فرض الامور ايضا. يتحدثون مرة اخرى عن مناطق فاصلة على طول الحدود السورية وعن أروقة انسانية في عمق سوريا تكون محمية بمروحيات قتالية. في هذه الاثناء كله حكي.

إذن ماذا كان في سوريا هذا الاسبوع؟ مذبحتان وحشيتان، ومزيد من الصور الفظيعة. لقاء زعماء في تركيا ولد عددا لا يحصى من التصريحات في المسألة السورية وصفر افعال. لنلتقي في المذبحة القادمة. في مثل هذا الوضع يمكن للاسد أن يبقى لزمن طويل آخر.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لمن سينقل الاسد حكمه؟..صحف عبرية

2012-06-08

القدس العربي

اللغة الحازمة للامين العام للامم المتحدة، بان كي مون، الذي قال امس في الجلسة الخاصة للجمعية العمومية ان 'الرئيس الاسد وحكومته فقدا كل شرعية لهما'.

والكلام القاطع الذي وصف فيه الامين العام للجامعة العربية نبيل العربي تفاصيل الفظاعة التي وقعت في سوريا في الاشهر الاخيرة. التقرير الجاف لكوفي عنان، الذي اوضح كم تجاهل الاسد خطته ذات الست نقاط.

كل هذه غرست للحظة الانطباع بان ها هي الامم المتحدة تعتزم اظهار تصميم عملي وليس لفظيا فقط، فتتخذ قرارا كفاحيا يضع حدا للمذبحة في سوريا. ولكن ايا من المتحدثين لم يطلب التدخل بالقوة، بل العكس، شدد الامين العام للجامعة العربية على أن الجامعة العربية تعارض كل تدخل عسكري في سوريا. دون اسناد من الجامعة العربية وبينما يعارض الناتو العملية العسكرية، وفي ضوء مواقف روسيا، فان الخيار العسكري ضد الاسد ليس قائما.

يتبقى الخيار السياسي، الذي معناه العملي هو اقناع روسيا بالموافقة على اسقاط نظام الاسد، او على الاقل الاعلان رسميا عن استعدادها كي تجبر الاسد على الشروع في اجراءات نقل السلطة.

هذا الاسبوع انطلقت من جهة روسيا تصريحات كفيلة بان تشهد على تغيير في موقفها. 'لسنا مع الاسد او مع معارضيه، نحن نريد فقط الهدوء ومنع حرب اهلية في سوريا'، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ 'لا يوجد اي الزام في ان يبقى الاسد في الحكم'، صرح نائب وزير الخارجية الروسي.

حتى الان اكتفت الدول الغربية، الدول العربية وبالاساس الولايات المتحدة باطلاق التوبيخات نحو روسيا. يبدو الان أن النية تتجه لتبنيها كشريك. من المتوقع اليوم لوزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون أن تلتقي بوتين، في محاولة لاقناعه بتشديد تصريحاته تجاه الاسد. وبعد عشرة ايام سيلتقي الرئيس الامريكي باراك اوباما مع بوتين في موسكو وهناك أيضا سيبحث الموضوع السوري.

أمس، افادت محافل دبلوماسية غربية بان في نية كوفي عنان أن يقترح، بموافقة امريكية، تشكيل 'فريق اتصال' مع النظام السوري يضم روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة وكذا ايران وتركيا، السعودية وقطر. هدف مجموعة الاتصال هذه ليس فقط ادارة مباحثات عقيمة مع الاسد، بل الايضاح لروسيا ايضا، من خلال 'ضغط جماعي' بان من شأنها أن تفقد دورها ونفوذها في الشرق الاوسط اذا لم تعمل حسب 'الاجماع العام'.

ليس واضحا اذا كانت روسيا ستوافق على المشاركة في مجموعة تبدو ظاهرا كمجموعة ضغط على روسيا، ولكنها ستجد صعوبة في أن ترفض عندما يكون الهدف المعلن هو تطبيق خطة عنان التي تؤيدها روسيا. المشكلة هي أن فرضية عمل الدول العربية والدول الغربية تعتقد بانه مطلوب فقط موافقة روسيا على تبادل السلطة، حسب نموذج تبادل السلطة في اليمن. ولكن لفرضية العمل هذه لا يوجد بعد أساس. حتى الان عمل الاسد بالذات حسب نموذج القذافي او صدام حسين، وليس الرئيس اليمني المخلوع، فما بالك تونس أو مصر. السؤال الاكثر حرجا، الذي يحتمل أن بسببه روسيا ايضا لا تسارع الى ازالة الاسد عن كرسيه، هو لمن بالضبط سينقل الاسد حكمه؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مرحلة التفاوض على النظام السوري..عمر قدور *

السبت ٩ يونيو ٢٠١٢

الحياة

من وجهة نظر الكثيرين من متابعي الشأن السوري أتت خطوة طرد السفراء السوريين من عواصم عالمية فاعلةٍ متأخرةً عن المتوقع، بل تأخرت كثيراً عن خطوة من الطبيعة ذاتها سبقت إليها دول مجلس التعاون الخليجي، ويقلل من القيمة الفعلية لهذه الخطوة أن البعثات الديبلوماسية السورية لم تكن أصلاً قنوات اتصال سياسية مع النظام الذي تحتكر دائرة صغرى منه سبل التفاوض والقرار السياسي. على أن وضع طرد السفراء في إطار اللفتة الرمزية، أو تصوير ذلك على أنه رد فعل أخلاقي على مجزرة الحولة، ينبغي ألا يغيّب الحسابات الدولية أو السياق المتكامل الذي أتت من ضمنه هذه الخطوة. إذ من الواضح أن هذا الإجراء معدّ سلفاً للرد على الموقف الروسي، المتوقع أيضاً، أثناء مداولات مجلس الأمن حول مجزرة الحولة، وإذا بدا المجتمع الدولي عاجزاً إزاء الممانعة الروسية في المجلس فإن ذلك لا يمنعه من متابعة عقوباته «الهادئة» للنظام، ويخطئ من يعتقد بعدم جدواها ضمن المدى الذي يريده أصحابها، لا ضمن صفة الاستعجال المتأتية من العنف الممنهج للنظام.

ولعل تجاهل الرئيس السوري للحدث في خطابه أمام مجلس الشعب، تحت مسمى عدم الاكتراث بالخارج، يؤشّر إلى المستوى غير المسبوق من العزلة التي لم يعد ينفع معها إرسال إشارات سياسية إلى الأطراف الفاعلة دولياً. قد يعيننا الخطاب الرئاسي على فهم ما آلت إليه الظروف المحدقة بالنظام، فهو إذ يُعرض عن الخارج كلياً يؤشّر أيضاً إلى تراجع ثقته بالدعم المطلق من حلفائه الدوليين. المؤامرة، كما صوّرها الرئيس السوري، لم تعد تندرج ضمن صراع جيواستراتيجي أشمل، ويبدو أن الحديث عن محاور دولية تؤطر معركة النظام قد شارف على نهايته، فلم تعد الإشارات الآتية من الحلفاء مطمئنة كما كانت من قبل، ربما باستثناء الحليف الإيراني الذي يعاني بدوره مأزق الحصار.

لم تنجح تهديدات النظام الصريحة أو المبطنة بإشعال حرب إقليمية، ولم تستدرج القوى الدولية إلى التفاوض معه خشية منها، وعلى رغم الإقرار بقدرته على تنفيذ التهديد إلا أن ذلك صار أدعى إلى التخلص نهائياً منه، ولن يكون مستبعداً أن «رسالة طرابلس» قد أتت بعكس المرتجى منها وساهمت في استعجال التحرك الدولي. حتى الإقرار باحتمالات وقوع حرب أهلية واسعة النطاق في سورية بات مقروناً بنسبها إلى بقاء النظام، أي أن الأخير فقد نهائياً ميزته التقليدية كعامل استقرار داخلي أو كركيزة من عوامل التوازن الإقليمي، ومن المحتمل جداً أن القوى التي خبرت جيداً مكامن قوته صارت أكثر استعداداً لمواجهة تداعيات سقوطه، بما في ذلك تحييد بعض القوى الإقليمية الحليفة التي لم تعد تستبعد خيار السقوط.

منذ بدأ النظام باستخدام العنف المفرط الممنهج سادت الفكرة القائلة بتردد المجتمع الدولي إزاءه، ووجدت هذه الفكرة دائماً مبرراتها الأخلاقية فضلاً عن المقارنة بسرعة التحرك في الحالة الليبية، وقد يكون من المفارقة اتفاقُ النظام والقوى المناوئة له محلياً وإقليمياً على إنكار جدوى العقوبات التي فُرضت عليه. هذا التصور، المُحقّ إلى حد كبير أخلاقياً، لن يكون وجيهاً بالدرجة نفسها إن تتبعنا المسار الدولي، والذي أخذ شكل حرب استنزاف متصاعدة ضد النظام. فعامل الوقت الضاغط بكلفته البشرية على السوريين لا يبدو كذلك من جهة السيناريوات التي تروم إنهاك النظام إلى أقصى حد ممكن، في الوقت الذي تسير الترتيبات الدولية لإبطال مفاعيله الإقليمية. هذه الاعتبارات لن يضيرها التضحية بمزيد من السوريين، إن لم نقل إنها تقوى بمزيد من تورط النظام بالدم، ولا تضيرها الخسارة العامة الكلية بل على العكس قد يروق لبعض الأطراف خروج البلاد منهكة ومنشغلة لوقت طويل بمداواة خساراتها.

بخلاف ما يُنسب إليها مضت القوى الغربية في مشروع إسقاط النظام، ولم يكن ثمة تناقض في تصريحات قادتها سوى تلك الاختلافات حول ضرورة أو عدم إمكانية التدخل المباشر، مع أنها تشي أيضاً بأن خيار التدخل المباشر مطروح للتداول ولم يكن مستبعداً يوماً ما. مبكراً استبعد القادة الغربيون خيار التفاوض مع النظام، الخيار الذي تُرك أولاً لممثل الجامعة العربية ومن ثم لممثل الأمم المتحدة المشترك معها، ويمكن وصف مرحلة التدويل بأنها مرحلة التفاوض مع الروس بما أن امتثال النظام لخطة عنان غير وارد بالحسبان أصلاً. قد لا يستعجل الغرب دفع ثمن غالٍ للروس لقاء تخليهم عن النظام، فعامل الوقت ليس لمصلحة الروس، إنْ على الصعيد الأخلاقي دولياً أو على الصعيد الميداني حيث يزداد ضعف النظام باضطراد أمام التظاهرات السلمية، ويفقد السيطرة على مناطق جديدة كلما ظن أنه استعادها في مناطق أخرى.

حتى أيام قريبة خلت لم تضع القوى القادرة على الدفع، بالمعنى المباشر وبالمعنى الاستراتيجي، ثقلها في المساومة مع الروس، ولم تلجأ أيضاً إلى قدراتها في الضغط المباشر. تتعدد التأويلات حول أسباب التأخر وإن صبّت مجملها في عدم جاهزية الأطراف المعنية لعقد صفقة مرضية، إلا أن التطورات الأخيرة توحي بحلول مرحلة التفاوض على النظام، وبأن حلفاءه سيكونون مضطرين لمناقشة سيناريوات التغيير بعد استنفاد سبل المناورة والمماطلة أمامهم. إن الممانعة الروسية بخاصة لن تكون فعالة مع ارتفاع منسوب الضغط الدولي والتلميحات بالقيام بتدخل منفرد، وقد سبق للروس اختبار العزيمة الأطلسية في مناطق أكثر حيوية لهم. لذا، من المحتمل أن يبرهنوا على شيء من الحنكة فلا يغالون في الثمن المطلوب؛ هذا إذا قرروا التضحية بالنظام قبل أن يصبح عبئاً ثقيلاً عليهم.

على ذلك يمكن قراءة التشدد الأخير بأنه استباق للمفاوضات الحقيقية يتماشى مع استبعاد النظام نهائياً من دائرة التفاوض، فالروس لا يفاوضون نيابة عن النظام بل باتوا أيضاً يفاوضون عليه، وربما يدلل تشددهم على الضعف والافتقار إلى الأوراق الاستراتيجية أكثر مما يعني القوة. في كل الأحوال قد تشهد مرحلة التفاوض على النظام ذبذبات بين تصاعد وهبوط، وسيمر الوقت عصيباً على الثوار السوريين حيث ليس من المتوقع الوصول سريعاً إلى نهاية هذه المرحلة. المؤكد أن القوى الدولية الراغبة في إسقاط النظام أضحت أكثر جاهزية لهذا الهدف، أما القوى الممانعة فسيتعين عليها قريباً تقبّل سقوطه، إن لم تصبح جاهزة للمساهمة فيه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ماذا بعد خطة كوفي أنان؟..عبد العزيز التويجري

السبت ٩ يونيو ٢٠١٢

الحياة

جاء الخطاب الذي ألقاه بشار الأسد في مجلس الشعب، ليؤكد مرة أخرى، إصرار هذا النظام على المضيّ قدماً في القمع والتقتيل والإبادة، تحت مسمى الخيار الأمني لمواجهة ما يدعي أنها «الجماعات المسلحة الإرهابية» بينما المقصود هو الشعب السوري الثائر على الظلم والبطش، وقد بدا بشار الأسد في حالة من الذهول والارتباك والانفصال عن الواقع الدامي الذي تعيشه سورية في هذه المرحلة، أثناء إلقائه خطابه الطويل الذي لا معنى له ولا فائدة فيه، والذي يعود إلى عهد الرؤساء الاستبداديين في الأنظمة الشمولية القمعية. وهو خطاب مغرق في الوهم، مفرط في الخيال، موغل في الانفصال عن الواقع على الأرض، ومنقطع عما يجري في هذا العالم من استنكار شامل ورفض كامل وإدانة قاطعة للجرائم ضد الإنسانية التي يقترفها نظام الأسد القمعي على مدى خمسة عشر شهراً.

ولكن إمعان النظام الطائفي في ممارسة القمع والتقتيل والتعذيب إلى أبعد الحدود، ليس هو كل المشكلة، بل هو جزء من المشكلة، فالموقف المتردد الذي يقفه بعض القوى الكبرى إزاء ما يحدث في سورية من ثورة شعبية عارمة شاملة، والموقف المؤيد للنظام والداعم له الذي تتخذه روسيا بالدرجة الأولى والصين بالدرجة الثانية، هذان الموقفان هما لبُّ الأزمة بصورة إجمالية، وهما أصل المشكلة المعقدة التي أضحت اليوم من أكثر المشاكل التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.

فإذا كانت موسكو تؤيد النظام الطائفي تأييداً مطلقاً وتتشبث به وسيلة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في سورية وفي الإقليم، فإن واشنطن تحجم حتى اليوم، عن اتخاذ الموقف القوي الحاسم مما يجري في هذا البلد المنكوب بنظامه القمعي، وتتردد لحساباتها الخاصة، في الانحياز الكامل غير المحدود إلى الشعب السوري الذي يعيش تحت بطش النظام الدموي الذي يشمل جميع المناطق السورية من دون استثناء، بينما تقف جامعة الدول العربية موقف التخاذل والعجز المعيب، ويصرح أمينها العام بين الحين والآخر، بتصريحات تبعث على الاستغراب والشك، ويمكن تفسيرها أحياناً على نحو مريب أيضاً. ومعروف أن السيد نبيل العربي يرتبط بالمصاهرة - ولعله بالفكر أيضاً - بالصحافي محمد حسنين هيكل.

ومعلوم أيضاً، أن هيكل هذا يثير جوّاً من البلبلة والشك بأحاديثه المدوية في الصحافة المصرية خلال الفترة الأخيرة، وبخاصة في «الأهرام» وقبلها في «الأخبار». وهو شخص يظهر في فترات حرجة ليخلط الأوراق، وليروّج لمفاهيم مغلوطة ومقولات ملتبسة. والواقع أن الدول العربية، باستثناء دول الخليج العربي وتونس وليبيا، لم تتخذ حتى الآن الموقف الذي يقتضيه التضامن الكامل مع الشعب السوري، فتطرد سفراء سورية، وتسحب سفراءها من دمشق، باعتبار أن هذا القرار سيقوي لا محالة من موقف المعارضة، ويوجّه ضربة قوية إلى النظام الطائفي المستبد، أما الموقف الذي تتخذه منظمة التعاون الإسلامي فهو ليس في مستوى المطلوب منها والمأمول فيها، فهي إلى الآن شبه متفرجة على المشهد الدموي.

وما دام الوضع العربي الإسلامي على هذا النحو، فلن تكون للضغوط التي يمارسها بعض الدول العربية - وهي دول الخليج العربي تحديداً - أي آثار فعالة وملموسة على الأرض.

أما إيران فهي تخوض معركة مصير نظامها الطائفي على الأرض السورية. ودعمها غير المحدود للنظام الطائفي في سورية، هو من أجل الحفاظ على مصالحها وأطماعها في المنطقة. وهذا الموقف من إيران مفهوم منطقياً وواضح واقعياً، فهو العداء المطلق والكيد الكامل للدول العربية التي تنأى بنفسها عن الطائفية، والتي تعمل من أجل الأمن والسلام وتحافظ على التضامن الإسلامي الحق وتسعى إلى تعزيز الوحدة الإسلامية الخالصة من الشوائب. لذلك، ينبغي وضع الموقف الإيراني في الاعتبار في جميع الأحوال؛ لأن مطامع طهران في الإقليم تمثل خطراً محدقاً بالدول العربية يجب التعامل معه بالمنطق الواقعي وبمنتهى الحذر.

لقد تبين بالوضوح الكامل أن النظام الإيراني الطائفي يتخذ من سورية والعراق وأنصاره في لبنان مركزاً له للوثوب إلى دول الإقليم، وبخاصة دول الخليج العربي. لذلك، فإن العصابة الطائفية الإجرامية التي تمسك بزمام الأمور في سورية، تخدم في المقام الأول، الدولة الطائفية الأكبر التي تساندها من كل النواحي عسكرياً ومالياً وسياسياً وديبلوماسياً وطائفياً أيضاً.

وفي ظل هذا التدهور المرعب والمريع للوضع في سورية، وفي ظل المواقف العاجزة المتخاذلة، والمواقف الداعمة المتحالفة، والمواقف المترددة الخائفة، لا يبقى هناك سوى اللجوء إلى مرحلة ما بعد خطة كوفي أنان التي فشلت فشلاً ذريعاً، وكان متوقعاً لها منذ البداية أن تفشل. إن العالم مدعو اليوم، وبإلحاح شديد، إلى التفكير في خطة بديلة لا بد أن تُبنى على أساس من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأن تأخذ في الاعتبار قرار مجلس حقوق الإنسان ودعوته مجلس الأمن إلى رفع القضية للمحكمة الجنائية الدولية.

وتلك هي السبيل الوحيدة لإنقاذ الشعب السوري من المجازر والوطن السوري من الانهيار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الخطاب الخامس وربما الأخير للرئيس السوري..منذر خدام

الشرق الاوسط

9-6-2012

ألقى الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد خطابه الخامس منذ اندلاع ثورة الشعب السوري ضد نظامه، وذلك بمناسبة افتتاح الدور التشريعي الأول لمجلس الشعب الذي تم «انتخابه» مؤخرا كتتويج لحزمة «الإصلاحات» التي أنجزها خلال الخمسة عشر شهرا الماضية. من هذه الزاوية أراد الرئيس السوري أن يبدو خطابه وكأنه خطاب رجل منتصر قد أنجز جميع الإصلاحات المطلوبة، في حين أنه لا يعدو كونه، على الأرجح، خطاب وداع مقدم اجتهد ملقيه أن يبدو هادئا فلم ينجح.

لقد حاول الرئيس في أكثر من موضع في الخطاب أن يوحي لمستمعيه بأنه في كل ما يقوم به منذ بدء الأزمة في سوريا يهدف إلى تحقيق مصلحة المواطن، فالمواطن بالنسبة إليه هو «المنطلق»، وعليه لا بد أن يكون «رأي المواطن هو البوصلة» التي يسترشد بها. وهو أيضا، بحسب ما جاء في الخطاب، يتعلم من الشعب إذا أرد أن يواجه مشكلة معينة، غير أن المواطن الذي يسترشد الرئيس برأيه، والشعب الذي يتعلم منه، قد قالا كلمتهما وهي أنهما يريدان «إسقاط النظام».

لكن بعيدا عن الجوانب الشعبوية في الخطاب، وهي جوانب قصدها الرئيس لذاتها، وبعيدا أيضا عن الدروس التعليمية التي تعود أن يلقيها علينا وعلى غيرنا في جميع خطاباته، فإن أقل ما يمكن أن يوصف به الخطاب هو أنه جاء مخيبا للآمال، وبعيدا جدا عن الواقع، وبالتالي فهو لا يتناسب مع طبيعة الأزمة التي تسبب فيها نظامه الاستبدادي للشعب السوري ولسوريا الكيان السياسي. لقد شكل الخطاب صدمة كبيرة حتى لكثير من مناصري النظام ولأولئك الواقفين على «الحياد» أيضا، والذين بدأوا يتساءلون بأصوات مسموعة عن مخرج للأزمة يأتيهم به الرئيس بإعلان تنحيه وتحمل مسؤولية ما يجري في سوريا، أو في الحد الأدنى يعلن عن اتخاذ إجراءات جريئة وحقيقية لتطبيق خطة كوفي أنان. فبعد كل هذه الدماء التي سالت في سوريا، من غير المنطقي أن يبشرهم رئيسهم بمزيد منها.

وحتى بالنسبة لمعارضي النظام السوري وللعالمين بطبيعته الطغموية المافيوية، فإنهم لم يكونوا يتوقعون هذه المغالاة والمكابرة في تجاهل حقيقة ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا. فلا يزال الرئيس السوري بعد سقوط أكثر من عشرين ألف شهيد، ونحو ستين ألف معتقل ومفقود، وأكثر من مليون ونصف مليون من المهجرين، وبعد كل الدمار الذي تسببت فيه آلته العسكرية والأمنية لمختلف مرافق الحياة في سوريا، يصر على أن ما يجري في سوريا ليس أكثر من مؤامرة خارجية وهجوم إرهابي شامل، بهدف إحداث «فتنة» بين السوريين. بل وذهب بعيدا هذه المرة إذ اتهم شعبه بالإرهاب، وأنه صار أداة من أدوات المؤامرة الخارجية على بلاده!! في تعبير واضح عن الإفلاس السياسي.

يقول الرئيس في خطابه «تتصارع في سوريا قوتان؛ الأولى تدفع للوراء بما تحمله من محاولات لإضعاف سوريا وانتهاك سيادتها» بما تقوم به من «قتل وتخريب وجهل وتخلف وارتهان البعض للخارج» في إيحاء مكيف لكنه واضح الدلالة إلى الجماهير المنتفضة، و«القوة الثانية تدفع باتجاه الأمام بما تحمله من تصميم على الإصلاح تجلى بحزمة القوانين والدستور الجديد»، وهو هنا واضح في تعظيم دور نظامه. بل وذهب الرئيس بعيدا في تعاليه على الواقع عندما قال إن ما قام به من إصلاحات صدَّ «جزءا كبيرا من الهجمة» الخارجية الدولية على نظامه. لقد تجاهل الرئيس أن نظام حكمه لسوريا مستمر منذ نحو خمسة عقود، وأنه المسؤول الوحيد عما وصلت إليه الأوضاع فيها من تأزم وتعقيد، فهو المتسبب فيها بداية، وهو الذي عمقها وزادها حدة ثانية، وهو الذي يصر على تجاهل رؤية المخرج الوحيد منها وهو رحيل نظامه كما يطالب الشعب السوري بذلك.

لم ينس الرئيس السوري أن يتحدث عن الحوار مع المعارضة للبحث عن حل سياسي للأزمة، ولذلك خصها بجزء مهم في خطابه. لكن السؤال عن أي معارضة يتحدث الرئيس بعد أن استثنى من الحوار معارضة الخارج بذريعة أنها تدعو للتدخل العسكري الخارجي في سوريا، وبعد أن استثنى المعارضة التي وصفها بأنها تنتظر «توازنات الخارج» أو «تتلقى الأوامر» منه، ويقصد بذلك جميع فصائل المعارضة الداخلية التي رفضت المشاركة في لعبة الانتخابات لمجلسه البرلماني، وبتوصيفه هذا فإنه يتهمها بالعمالة؟! في هذه الحالة لم يبق من يحاوره سوى تلك «المعارضة» المضبوطة التي أغراها ببضعة مقاعد في برلمانه على أمل أن يمنحها بضعة مناصب وزارية في حكومته القادمة. ثم على ماذا سوف ينعقد الحوار، إذا كانت الإصلاحات قد أنجزها نظامه، وكانت «انتخابات» مجلس الشعب تتويجا لها، ولم يبق سوى أن تقبل بها المعارضة والشعب؟! إن من يفكر بهذه الطريقة واضح أنه لا يريد أي حل للأزمة التي تسبب فيها لسوريا، وأنه مصر على الاستمرار في خياره العسكري الأمني حتى تدمير البلد. لقد قلنا أكثر من مرة إن من يرفع شعارات «الأسد أو لا أحد» و«الأسد أو نحرق البلد» صدقوه، فهو يعني ما يقول، وغير ذلك لا يعدو كونه حشوات إنشائية.

لقد اعترف الرئيس في خطابه على غير عادته بأن سوريا تعيش في أزمة، وهذا تحول ينم عن ضعف، فلم تعد تجديه المكابرة، واعترف أيضا بأن الثورة السورية كانت ثورة شعبية سلمية حتى شهر رمضان من عام 2011، في تكذيب يقارب الفضيحة لما جاء في خطاباته السابقة ولكل آلته الإعلامية. وبالتأكيد سوف تكون لذلك مفاعيله على صعيد جمهور لا يزال مترددا في مواقفه مأخوذا بدرجات مختلفة بإعلام السلطة ودعايته.

إضافة إلى ذلك فقد ترددت كلمة «حوار» كثيرا في خطابه، حتى يكاد يستجديه فلا يجد من يحاوره، في علامة أخرى على الوضع غير المريح الذي أوصل نظامه إليه. وعلى الرغم من أن الرئيس السوري وجه خطابه إلى الداخل كما قال، واجتهد أن يكون هادئا أثناء إلقائه، ومتشددا تجاه خصومه، ومبشرا السوريين بمزيد من الدماء، في مقاربة ذات دلالة لعمل الطبيب الجراح، الذي «لا يكترث للدماء التي تسيل أثناء إجراء العملية»، فإن ما بين كلمات الخطاب المنطوقة رسائل واضحة للخارج وبصورة خاصة للروس حلفاء النظام بأنه باق، ولن تجدي تصريحاتكم الجديدة حول إمكانية مناقشة الخيار اليمني وتطبيقه في سوريا في المؤتمر الدولي القادم الذي تعد له روسيا بموافقة أميركية وأوروبية. لكن أن يريد النظام شيئا ويريد الواقع السوري والعربي والدولي شيئا مختلفا، فالغلبة لخيار هذا الأخير.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مدرسة حكم الأسد..حسين شبكشي

الشرق الاوسط

9-6-2012

في عالم الإدارة وكليات الأعمال من المستساغ دوما أن يكون الحديث بالإعجاب والتقدير عن أسماء بعينها أو شركات محددة أبلت بلاء حسنا وتفوقت على غيرها، وقدمت النموذج المبهر والمميز. فمعروف أن أهم قصص النجاح الإداري كانت من نصيب جاك ولش، قائد شركة «جنرال إليكتريك»، ومؤخرا كان التبجيل والتفخيم من نصيب المبهر الآخر مؤسس شركة «أبل» العملاقة الراحل ستيف جوبز. إلا أن الحكومات والحركات السياسية هي الأخرى لها نهجها وأسلوبها الإداري «المميز»، والذي يعرف بأنه بصمتها الخاصة التي تفرقها عن غيرها من مثيلاتها.

ولعل ما يوصف به نظام بشار الأسد، ومن قبله والده حافظ الأسد، في إدارة الأمور في سوريا، مسألة جديرة بأن تدرس وتبحث في كيفية تكوين دولة من الذعر لا غاية منها سوى تكريس حكم العائلة والطائفة بأي ثمن ولأطول زمن.

الحكم بشكل أساسي ارتكز على تبني فكرة إشغال الرأي العام بشعارات جميلة ومثالية، ولكنها مبهمة، ينشغل منظرو النظام لسنوات وعقود في محاولة «حشو» عقول الأجيال بالمبادئ والأهداف والقواعد والأسس التي يجب تبنيها في ندوات ومؤتمرات وكتب ومقررات وخطب ومحافل وغير ذلك من مناسبات الغث والهراء الرخيص. فأشغل الناس بالاشتراكية تارة، وبالقومية تارة أخرى، وبالوحدة تارات، وهي جميعا شعارات حزب البعث العربي الاشتراكي، ذلك الفكر الشيطاني المدمر الذي يكرس حكم الطغاة وفكرهم، وطبعا باع وروج للناس أيضا أنه راعي المواجهة والمقاومة والممانعة «الأول» ضد العدو الصهيوني الإمبريالي، وكان ماهرا وبارعا في «تخوين» من يعارضه ويخرجه من الملة القومية والعربية بلا رجعة، ويتبنى «دعم» الفصائل والأحزاب والحركات «المقاومة»، بينما بقيت حدوده مع إسرائيل وهضبته المحتلة بالجولان آمنة مطمئنة بلا إزعاج، وهي في ذلك أقرب لمنتجعات هاواي وبحر الكاريبي منها إلى منطقة احتلال ومواجهة على خط النار الملتهب كما يفترض.

وكان من صميم أسلوب النظام في تعامله مع من يخالفه طريقة إطلاق «الشبيحة» عليه، و«الشبيحة» ذلك اللفظ الذي عرف مع أحداث الثورة السورية الأخيرة هو حقيقة كان نهجا موجودا منذ بدايات النظام، فنظام الأسد يجند أبواقا في الإعلام العربي أو نوابا في بعض البرلمانات العربية، الغاية منها «بهدلة وشرشحة» ومسح البلاط السياسي بكل معارض للنظام، وإذا لم يتم استيعاب المطلوب بدقة يتم الإيذاء الجسدي الذي يبدأ بالتهديد حتى الإيلام والتشويه، وقد ينتهي بالقتل المرعب.

لقد برع النظام وأبدع في استخدام أشكال متنوعة من «الشبيحة» في كافة القطاعات والمجالات من ساسة ورجال أعمال وتجار وفنانين ورياضيين، كل يدلي بدلوه، وكل يترك بصمته المميزة في مجاله للتأثير على الناس بطريقته. والتشنج الأسدي لم يعد مع مرور الوقت ظاهرة محصورة داخل إطار وحدود سوريا وحدها، ولكنه انتقل إلى دول الجوار مثل العراق ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية وتركيا ومصر وبعض دول الخليج، كل هذه الدول بأشكال مختلفة عانت وذاقت المر جراء التشنج السوري العابر للحدود، وهو ما يفسر وبقوة «تردد» وخوف بعض هذه الدول من الإقدام بصراحة وبشكل غير قابل للشك في دعم الثورة السورية، لأن التهديد التشنجي مسألة قائمة ومستمرة من قبل نظام الأسد ضد الأردن مثلا، وها هي المظاهرات تتحرك في توقيتات مريبة وبأشكال «مختلفة»، وكأنها موجهة كما بات معروفا للمخابرات الأردنية من جهات «محسوبة» على المخابرات السورية وعناصرها، وكذلك الأمر بطبيعة الحال في لبنان المخترق تماما من قبل منظومة التشنج السوري بامتياز، فهناك وصل التشنج إلى الحكومة والبرلمان وأصبح جزءا من المنظومة الحاكمة بامتياز، وفي تركيا هناك قلق وخوف واضح من اختراق سوري تشنجي للفئة العلوية وتوظيفها لإحداث القلاقل لصالح الأسد ونظامه كنوع من تخفيف الضغط التركي على سوريا ونظامها.

وهناك أيضا «تحريك» واضح لبعض الحركات الكردية في الداخل التركي عن طريق أعمال إرهابية تزعزع ثقة المواطنين الأتراك في قدرة أردوغان الأمنية على حماية استقرار البلاد بعد فترة استقرار وحسن إدارة للملف الكردي.

التشنج هو إحدى أدوات ووسائل نظام الأسد المرعب الذي يتفق شرفاء العالم على أهمية الخلاص منه، ليس لأنه من صالح الشعب السوري فقط، ولكنه معيب على الإنسانية استمراره حتى الآن.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فرصة جديدة أخرى للأسد؟..طارق الحميد

الشرق الاوسط

9-6-2012

ترتكب آلة القتل الأسدية المجزرة تلو الأخرى، وتمنع وصول المراقبين الدوليين لمكان المجزرة، مثلما حدث في القبير، لمدة يومين، حتى تنظف المشهد، ثم تسمح للمراقبين الدوليين بالدخول هناك، ورغم كل ذلك لا يزال السيد أنان يبحث عن طريقة لتنفيذ بنود خطته في سوريا! أمر عجيب حقا.

فعلى السيد أنان أن يعلن أن خطته قد فشلت، وكما قلنا من قبل، فإن فشل مبادرته ذات الست نقاط ليست فشلا شخصيا له، بل لأن بشار الأسد هو من أفسدها، مثلما أفسد الطاغية كل المبادرات التي طرحت لسوريا، ومنذ اندلاع الثورة، ولذا فإن من واجب السيد أنان أن يعلن عن فشل مبادرته، وليس تطويرها، أو بحث طرق أخرى لتنفيذها، مثل إقحام إيران في المشهد، وهو أمر غير مقبول، فكيف يقال لمساعد القاتل تعال لتكون جزءا من الحل؟ إشكالية عدم إعلان أنان عن فشل مبادرته أنه يعطي الروس والصينيين فرصا للتلاعب بالمجتمع الدولي، وإعاقة أي تحرك فعلي داخل مجلس الأمن، كما أنها تمنح الإدارة الأميركية الحالية فرصة للتهرب من مسؤولياتها تجاه سوريا وذلك من أجل انشغال أوباما بالانتخابات الأميركية القادمة!

هذه هي إشكالية تمسك أنان بمبادرته إلى الآن، وعدم إعلان فشلها، فهي تعطي الجميع فسحة للتهرب من حماية السوريين العزل، كما أنها تعطي الطاغية الأسد فرصة جديدة أخرى ليس للقضاء على الثورة، فهذا أمر بعيد المنال تماما، وإنما تمنح الطاغية فرصة للقيام بقتل المزيد من السوريين، وبالتالي تعريض مستقبل سوريا الدولة ككل للخطر، مثلما أنها تعرّض أمن المنطقة ككل للخطر، وتنذر باندلاع حريق كبير. ومن هنا فإن إعلان أنان فشل مبادرته يعني أن على الجميع تحمل مسؤولياته تجاه ما يحدث بسوريا، حينها سيقطع طريق المتاجرة على الروس والصينيين، كما سيكون على أميركا، وخلفها المجتمع الدولي، مسؤولية حماية المدنيين السوريين، والأهم من كل ذلك أن إعلان فشل الخطة يعني أن الأسد بات بين أمرين لا ثالث لهما؛ وهو إما الفصل السابع من قبل مجلس الأمن، وإما أنه سيواجه تحالف الراغبين، ومن خارج مجلس الأمن كما حدث في يوغوسلافيا، والقصة ليست رغبة في الحروب، وإنما هي مطالبة لإيقاف آلة القتل الأسدية التي حصدت أرواح السوريين بشكل بشع، ومهين، حتى إن واشنطن وصفت المجزرة الأسدية الأخيرة بأنها مهينة للكرامة الإنسانية، وهذا ما يفعله النظام الأسدي وشبيحته بالسوريين كل يوم، فما الذي ينتظره المجتمع الدولي من أجل أن يتحرك ضد من يهين الكرامة الإنسانية للشعب السوري، ويقتل أطفالهم ونساءهم، ورجالهم، بأبشع الطرق؟

المؤكد أن الجميع يتعذر اليوم بوجوب انتظار إجابة السيد أنان على قابلية تنفيذ خطته، ولذا فإن من واجب السيد أنان، وحقنا لدماء السوريين الذين يتعرضون لمجزرة تلو الأخرى على يد طاغية دمشق، أن يعلن فشل خطته ليواجه الأسد مصيره المحتوم، وليس منح الطاغية فرصة جديدة أخرى!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة السورية المستمرة! ..أكرم البني

الشرق الاوسط

9-6-2012

ثمة سؤال يطرحه الكثيرون في هذه الآونة حول نقاط القوة التي تقف وراء استمرار الثورة السورية، في ظل ما تشهده من قمع عنيف ومعمم يتجاوز كل تصور وفي ظل فداحة ما تقدمه من ضحايا وجرحى ومعتقلين ولاجئين، وأيضا في ظل مشهد يبدو فيه الحراك الشعبي وكأنه يترك ليواجه مصيره وحيدا، أو ما يصح تسميته بغياب موقف عربي ودولي داعم، فالأول لا يزال متأخرا وفي أحسن الأحوال لم يرق إلى مصاف شدة ما يكابده الناس، والثاني يعاني من تشتت وحسابات سياسية يعيقان خطوة التقدم لإعلان موقف أممي يدين ويوقف هذا التوغل غير المسبوق في القهر والتنكيل!

لا نضيف جديدا حين نقول بوجود إيمان راسخ وعميق لدى الشعب السوري بضرورة التغيير، نابع من شدة معاناته خلال عقود من القهر والتمييز والتهميش، وصل الأمر في بحر السنوات القليلة المنصرمة إلى حدود غير مقبولة، أوضح ما يمكن أن يقال فيها، إنها أباحت لأهل الحكم كل شيء وأطاحت من دون أي مسؤولية بأبسط حقوق الناس ومصالحها، وأوصلت الأمور إلى حد يتجاوز كل طاقة على الاحتمال، ليغدو العيش محالا وترجح كفة تفضيل الموت على الخضوع للوضع القائم.

لكن الإيمان وحده لا يكفي، فما يزيد قوة الثورة ويرفع روح الإيثار والاستعداد لتقديم التضحيات، شيوع إدراك أو لنقل شعور عام لدى جموع المحتجين، بأن ما يحصل هو لحظة للتغيير يصعب تكرارها أو هو فرصة تاريخية لن تعوض للخلاص مرة وإلى الأبد من منطق القوة والتمييز والغلبة، وأن أي توقف أو عودة إلى الوراء سيمكن الدولة الأمنية من التحكم أكثر بحياة الناس ومصائرها ويضع الأجيال القادمة في شروط ستكون أسوأ بكثير مما هو قائم الآن، وهنا يمكن أن نضيف دور الاحتجاجات الشعبية، التي اتسعت وامتدت لتشمل معظم المدن والبلدات السورية، في إعطاء أمل وثقة بقوة الثورة وبقدرتها على تحقيق أهدافها، يعززهما التراجع المستمر في قدرة أدوات القمع على محاصرتها أو سحقها.

إن فشل الخيار الأمني والعسكري في حسم الأمور وكسر شوكة الحراك الشعبي بعد ما يقارب الخمسة عشر شهرا على انطلاق الثورة عزز ثقة الناس بجدوى ما يقومون به وبأن قضيتهم أصبحت قضية موت أو حياة لا مجال للتراجع عنها، والدليل أن المناطق المدمرة والمنكوبة تظهر من جديد كأنها المناطق الأكثر تحديا والتي بمجرد انحسار الحضور الأمني، أول ما تعاود وتبادر، وهي تعض على جراحها، للتظاهر والاحتجاج وتأكيد مطالبها وشعاراتها، مما يشجع على القول إن صمود الناس رغم كل ما سبق قد وضع الثورة عند نقطة لا عودة منها، خاصة أن دعاة الحسم العسكري قد جربوا وبصورة مبالغ فيها كل أنواع القمع والأسلحة الجبارة ولم تنجح تجاربهم المحمومة في إطفاء جذوة الثورة، كما لم تنفعهم مناوراتهم الإصلاحية أو محاولات إثارة الخلافات والتفرقة بين الجماعات الأهلية أو تشويه الثورة سياسيا وأخلاقيا بوصفها بالطائفية والسلفية أو التشكيك بوطنيتها وبأنها أدوات لمؤامرة خارجية.

وضوح مطالب الحرية والكرامة والقيمة الأخلاقية للمظاهرات الشعبية التي تتحدى الموت واتساع البنية التكوينية للقيادات الميدانية لتعوض ضعف المعارضة السورية التقليدية التي أرهقها القمع والعزلة التاريخية عن الناس، هي حوافز سياسية صريحة لهذا الاستمرار المبين للثورة السورية، وإذا أضفنا ما تعممه الثقافة الإسلامية من حب للشهادة طلبا للحق ورفع الظلم وأيضا روح الوفاء للدماء الذكية التي أريقت ولمعاناة الجرحى والمعتقلين والمشردين، وما يترتب على ذلك من حرج أخلاقي في التراجع ونكث الوعود، ومن مسؤولية كبيرة في الحفاظ على ظواهر الاحتجاج والاستبسال في التظاهر، ثم الحماسة المنقطعة النظير لمن يفاخرون في المناطق التي عرفت إدارة أهلية لشؤونها، بأنهم تذوقوا طعم الحرية وصار الموت سهلا دونها! يمكن أن نقف عند أهم الأسباب التي لا تزال تحفز همم الشباب وتشد من عزمهم للاستمرار في ثورتهم، وتساعد تاليا على كسر تردد آخرين وضم فئات جديدة إلى الصفوف، وبالفعل ثمة أعداد كبيرة أخذت ترفد الحراك الشعبي، يصعب تفسير دوافعها مع تصاعد شدة القهر والتنكيل، هل لأن حاجز الخوف انكسر نهائيا في نفوسها بعد هذا الزمن الطويل من عجز السلطة عن الحسم، أم لانحيازها الأخلاقي مع المتظاهر الأعزل واشمئزازها من عنف أعمى لا يعرف حدودا أو ضوابط، أم لإيمانها أخيرا بأن ما يحصل اليوم هو معطى تاريخي أصيل للخروج من الأزمة السورية المزمنة؟!

ونضيف، يستمد المحتجون السوريون القوة والأمل من الثورات العربية التي تتقدم والتي كرست بصورة لا رجعة عنها إمساك الناس بقضيتهم، ولا يغير من هذه الحقيقة حين يجري تضخيم بعض المظاهر السلبية التي تشهدها هذه الثورة أو تلك للطعن بجدوى التغيير وأن ثماره هزيلة بالمقارنة مع حجم التضحيات التي يتطلبها، أو إثارة المخاوف من احتمال تقدم تيارات إسلامية متطرفة لقطف ثمار التغيير وحرف الثورة عن أهدافها الحقيقية في بناء مجتمع المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية.

وأيضا ثمة شعور عند السوريين يزيدهم ثقة وإصرارا هو أن ثورتهم صارت الشغل الشاغل لدى الشعوب العربية والإقليمية المجاورة، وأن ما يقومون به من استبسال وإيثار في تقديم التضحيات هو موضع تقدير وإعجاب، وأن ثمة ترقبا كبيرا لتأثير هذه الثورة الفريدة في مستوى المشرق خصوصا والعالم العربي عموما. ليس الغرض من عرض نقاط قوة الثورة السورية وحوافز استمرارها تقديم أمل كاذب أو شحنة تفاؤل، بل للإشارة إلى أن خمسة عشر شهرا على انطلاق الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية ورغم شدة القمع والعنف المطبق ضدها، تعني أن الثورة تجاوزت مرحلة الانتكاس، وأن خطر إجهاضها أو كسر شوكتها صار وراءها، وأن الشعب السوري الذي استبعد تاريخيا من حسابات الانتفاضات والثورات، يفاجئ الجميع اليوم ويبرهن أنه يزخر بطاقة لا تنضب وباستعداد عالٍ للتضحية، من أجل حياة حرة وكريمة!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الآفاق السياسية بعد مجزرة الحولة : بعد مجزرة الحولة......إلى متى سيبقى المجتمع الدولي متفرجا؟ .. أندرياس تسوماخ

دقت مجزرة الحولة المسمار الأخير في نعش خطة السلام التي جاء بها المبعوث الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا، كوفي عنان، وبات من الواضح أن هناك حاجة لبدائل تقي البلاد شر حرب أهلية طاحنة ذات عواقب إقليمية وخيمة، بحسب تعليق لأندرياس تسوماخ.

أندرياس تسوماخ

ترجمة: ياسر أبو معيلق

مراجعة هشام العدم

حقوق النشر: قنطرة 2012

إن فشل كوفي عنان في سوريا لا يعني فشل الأمين العام السابق للأمم المتحدة على مستوى شخصي، فهو جرب جميع الطرق. لكن من فشل هو مجلس الأمن الدولي، خاصة الأعضاء الخمسة الدائمين فيه والمخولين باستخدام حق النقض (الفيتو): الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا.

عندما قام مجلس الأمن بإقرار خطة السلام مطلع شهر أبريل الماضي، سادت شكوك كبيرة في أن يتمكن 300 مراقب دولي غير مسلح من التأكد أن بلداً كبيراً مثل سوريا سيلتزم بوقف إطلاق النار، وضمان سحب الحكومة للأسلحة الثقيلة من المناطق السكنية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتأمين حرية التجمع والصحافة. لقد كان واضحاً منذ البداية أن تطبيق هذه الاتفاقات من قبل هذا العدد من المراقبين الدوليين، خاصة في ظل وجود طرفين مسلحين للنزاع، أمر غير ممكن.

الحرب على المدنيين مستمرة

هول الحرب على المدنيين السوريين: مجزرة الحولة كانت أسوأ عمل يرتكب منذ اندلاع الاحتجاجات على نظام الأسد قبل حوالي 15 شهراً، وأدت إلى استياء عالمي. أدى الهجوم على بلدة الحولة إلى مقتل 110 أشخاص، ثلثهم تقريباً من الأطفال.

ورغم أن حكومة الأسد وافقت على خطة عنان، إلا أنها لم تلتزم إلا بالبند الأول منها، ألا وهو وقف إطلاق النار، لمدة يوم ونصف فقط – من الثاني عشر وحتى الثالث عشر من أبريل. ومنذ ذلك الوقت لم تخض القوات الحكومية ومليشيات "الشبيحة" حرباً ضد المقاومة المسلحة وحسب، بل وهاجمت المدنيين أيضاً. وشكلت مجزرة الحولة، التي أدت إلى مقتل 108 أشخاص وجرح المئات، القمة المحزنة لهذه الحرب. أما مجلس الأمن الدولي، فقد اتفق ليلة الاثنين (28 مايو)، بعد الإشارة إلى استخدام أسلحة ثقيلة ضد المدنيين، على أن القوات النظامية هي المسؤول الرئيسي عن هذه المجزرة.

كما أوضحت تحقيقات أخرى قام بها مراقبو الأمم المتحدة أنه وبالإضافة إلى تعرض بلدة الحولة إلى قصف من قبل الدبابات والمدفعية الثقيلة، فإن مليشيات الشبيحة قامت أيضاً بتنفيذ إعدامات جماعية. هذا هو الدليل الأخير على أن نظام الأسد لا يفكر في الالتزام بخطة السلام، وبالتالي المسؤول الأول عن فشل هذه الخطة.

إفشال خطة السلام

وقت العمل: رداً على مجزرة الحولة أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أن التدخل العسكري لم يعد أمراً مستبعداً في سوريا، بشرط أن يلتزم هذا التدخل بالقانون الدولي وأن يكون نتيجة لموافقة مجلس الأمن الدولي.

هذا الاستنتاج سيكون صحيحاً أيضاً لو أثبتت التحقيقات النهائية ضلوع قوى المعارضة المسلحة في المجزرة. لكن حتى إذا كان بالإمكان إثبات عدم ضلوعهم بشكل قاطع، فإن ما حصل قبل مجزرة الحولة أثبت بكل وضوح أن التزام القيادة السياسية للمعارضة بخطة عنان للسلام تعرض للتخريب على يد المجموعات المسلحة، إما من أجل دفع حلف شمال الأطلسي إلى التدخل عسكرياً ضد نظام الأسد، أو بسبب خلافات داخلية أو حتى بدافع حسابات أخرى.

وبغض النظر عن المسؤول عن القتلى والجرحى في الحولة، فإن هذه المجزرة شكلت الفرصة الأخيرة لمنع أسوأ سيناريوهين يمكن حدوثهما بالنسبة للسوريين، ألا وهما حرب أهلية مضنية على مستوى البلاد قد تؤدي إلى مقتل مئات الآلاف وتصعيد الصراع الدموي بين الطوائف المختلفة، وتدخل عسكري من قبل حلف شمال الأطلسي كما حدث في ليبيا، والذي خلف 50 ألف قتيل رغم نجاحه في الإطاحة بالنظام هناك. وفي كلتا الحالتين من المتوقع أن تنهار الوحدة الوطنية لسوريا، مما سيكون له عواقب وخيمة على دول الجوار كتركيا والعراق وإيران والمنطقة بأسرها.

شروط لإنجاح المهمة الأممية

يعتبر تسوماخ أن "البديل الوحيد لهذين السيناريوهين المرعبين يبقى، بعد الفشل التام لخطة عنان، قوة دولية أممية يوافق عليها الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، تعمل على وقف الاشتباكات المسلحة وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين وتهيئة الظروف المناسبة لانتخابات حرة تحت رقابة الأمم المتحدة".

البديل الوحيد لهذين السيناريوهين، بعد الفشل التام لخطة عنان، هو إرسال قوة دولية أممية بدعم من الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، تعمل على وقف الاشتباكات المسلحة وضمان وصول المساعدات الإنسانية للسكان وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات حرة تحت رقابة الأمم المتحدة، والتي قد تؤدي على الأرجح إلى إنهاء نظام الأسد.

أهم عناصر نجاح هذه المهمة الأممية هو مشاركة جنود يمثلون الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن فيها، لأن القوات الحكومية والمعارضة المسلحة لن تجرؤ على مهاجمة بعثة تضم جنوداً أمريكيين وروسا وصينيين وبريطانيين وفرنسيين. مثل هذه المهمة ستكون حدثاً جديداً في تاريخ الأمم المتحدة، وفرص إقرارها ازدادت بعد مجزرة الحولة. في واشنطن وبكين وموسكو بات جلياً أن مصالحها لن تكون مضمونة إذا ما تركت سوريا تحت رحمة حرب أهلية دموية تؤدي إلى انهيارها، وإذا لم يتم استبدال الدكتاتورية في دمشق بحكومة منتخبة بشكل ديمقراطي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

أضواء على مشروع الولي الفقيه .. غازي التوبة

المصدر:الجزيرة

8-6-2012

توجهت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بمذكرة إلى أبناء الأمة المسلمة، تدعوهم فيها إلى مواجهة مشروع الولي الفقيه الذي يعيث فسادًا في سوريا وغيرها من البلدان العربية.

وإنني أثمن هذا التوجه، وأعتقد أن هذا البيان قد وجّه الأنظار إلى مشروع خطير يفتك بجسم الأمة، ويهدف إلى تفتيتها، ومن الواجب التصدي له ووضع الخطط وحشد الإمكانات من أجل ذلك، قبل أن يستفحل ضرره ويستشري خطره.

وأعتقد أن المتابع لشؤون الأمة، يدرك أن هناك مشروعين لتدمير الأمة وتمزيقها والسيطرة عليها وهما:

الأول: المشروع الصهيوني، الذي بدأ خططه منذ نهاية القرن التاسع عشر، والذي أفلح في إسقاط الخلافة العثمانية، ثم في إقامة إسرائيل، وما زال يسعى إلى تمزيق الأمة وتفتيتها وإضعافها من أجل أن تبقى إسرائيل هي القائدة لدول الشرق الأوسط.

الثاني: مشروع الولي الفقيه الإيراني، الذي بدأ منذ أن وصل الخميني إلى الحكم عام 1979، والذي يخطط لنشر المذهب الشيعي، وتحويل الشيعة إلى أكثرية في الأمة، وهو من أجل تحقيق هذه الغاية يلتقي مع المشروع الصهيوني في إضعاف الأمة، وتفتيتها، وتمزيقها، ويتعاون معه في بعض الأماكن والأحيان.

وليس من شك في أن الواعين من أبناء الأمة هم الذين يتصدون لكلا المشروعين باعتبارهما يشكلان خطرًا على الأمة، أما المغفلون، والمصابون بقصور الإبصار فهم الذين يرون أن هناك مشروعًا واحدًا يستهدف الأمة هو المشروع الصهيوني، ويتهمون من يقول بالمشروعين بالعمالة للصهيونية. والسؤال الآن: ما المراحل التي قطعها مشروع الولي الفقيه منذ عام 1979؟

بدأ مشروع الولي الفقيه بالقضية الفلسطينية لأنّه وعى أنها خير مدخل إلى قلوب مسلمي العالم، وقد ذكر الخميني في أحد اجتماعاته مع المقربين منه أنه إن لم يكن لنا رصيد في القضية الفلسطينية فعملنا السياسي لا قيمة له، لذلك ركزت إيران على فتح أبوابها للمنظمات والحركات والشخصيات الفلسطينية، وكان ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أول من زار الخميني عام 79 من الشخصيات العالمية، لكن التحالف بين إيران ومنظمة التحرير انفكت عراه بعد أن بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.

لكن إيران استمرت في البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد في الساحة الفلسطينية، فأقامت علاقات وثيقة مع حركة الجهاد في بداية الثمانينيات، وأمدتها بالأموال، وأبرزتها في إعلامها، وقد تعدّت العلاقات بين إيران وحركة الجهاد الإطار السياسي إلى الإطار الثقافي، فقد اعتبرت حركة الجهاد في دراسة لمؤسسها فتحي الشقاقي أن الخلاف بين السنة والشيعة خلاف تاريخي، وأن السياسة هي التي أنشأته وغذته، وأنه خلاف في الفروع وليس في الأصول، وقد تبنت إيران هذه الدراسة وطبعت منها آلاف النسخ ووزعتها في كثير من البلدان الإسلامية، لذلك مثلت حركة الجهاد حليفًا رئيسيًّا لإيران في الساحة الفلسطينية.

أعلنت حماس عن وجودها الرسمي عام 1987، وأقامت علاقات مع إيران في تسعينيات القرن الماضي، وقد أمدت إيران حماس بالأموال، وأشركتها في مؤتمراتها، وأبرزتها في إعلامها، وسهّلت وجودها في لبنان عن طريق حليفها حزب الله.

وقد أصبحت إيران عن طريق علاقتها الوثيقة بحركتي الجهاد وحماس بالدرجة الأولى وعن طريق علاقتها بحركات أخرى مثل جبهة التحرير الفلسطينية (القيادة العامة) التي يرأسها أحمد جبريل بالدرجة الثانية، لاعبًا رئيسيًّا في الساحة الفلسطينية، وذات تأثير في القرار الفلسطيني، وبهذا تحقق الهدف الذي كان يرمي إليه الخميني، والذي تحدثنا عنه في بداية المقال.

أما بالنسبة للبنان فإن إيران استثمرت الطائفة الشيعية، فأنشأت حزب الله عام 1982، ورفع الحزب راية مقاتلة إسرائيل، واستهدف تحرير جنوب لبنان المحتل منذ عام 1978 من قبل إسرائيل، وأمدته إيران بالسلاح والأموال والتكنولوجيا والخبرات العسكرية عن طريق الحرس الثوري، وقد نجح حزب الله في تحرير جنوب لبنان عام 2000، وقد تعدّى ارتباط حزب الله بإيران العلاقة بين طرفين، إلى أن أصبح جزءًا من مشروع الولي الفقيه، حاملاً رسالته الفكرية والثقافية والشرعية والدينية، ولم يخف حزب الله ذلك بل صرح به في أكثر من مكان من أدبياته المعلنة.

أما مخطط الولي الفقيه بالنسبة للعراق فقد قام منذ اللحظة الأولى على التطلع إلى السيطرة على العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، وعلى دعوة الشيعة إلى الثورة على نظام صدام حسين، مما أدى إلى الحرب العراقية الإيرانية التي أكلت الأخضر واليابس بالنسبة للبلدين والتي بدأت عام 1980 وانتهت عام 1988، ثم تعاونت إيران مع أميركا في غزو العراق 2003.

وأدى هذا الغزو إلى تدمير العراق تدميرًا كبيرًا في مختلف المجالات: الاقتصادية والزراعية والاجتماعية والعلمية، واستهدف الغزو الأميركي تفكيك الجيش العراقي، وتدمير القوة العسكرية العراقية التي كانت تشكل عماد الجبهة الشرقية في مواجهة إسرائيل، واستهدف إنشاء جيش جديد، وقد فعل الحاكم الأميركي بريمر ذلك لصالح إسرائيل.

أما مخطط إيران بالنسبة لمصر وشمالي أفريقيا فقد قام على نشر التشيع هناك، وقد أحس الشيخ يوسف القرضاوي بخطر فعلتهم تلك ولمس ذلك، فدعاهم إلى التوقف عن ذلك، وهو الشيخ الذي كان موقفه معتدلاً من مذهبهم، وتعاون معهم أكثر من عقدين في مجالات توحيد الأمة، وفي مجالات مواجهة الغزو الصهيوني والغربي، وفي مجال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتلخصت خطة الشيخ القرضاوي التي عرضها عليهم، بأن لا تكون هناك دعوة إلى التشيّع في المناطق ذات الأغلبية السنية، كما لا تكون هناك دعوة إلى التسنّن في المناطق ذات الأغلبية الشيعية من أجل استبعاد الاحتكاك والتنازع، لكن آيات الله في إيران رفضوا ذلك.

أما بالنسبة لسوريا فقد تحالفت إيران مع النظام السوري مع أنه نظام علماني لا ديني، ودعمته في كل المجالات أكثر من ثلاثة عقود، وقد استغلت إيران العلاقة الطيبة مع النظام السوري فنشرت المذهب الشيعي في كل أنحاء سوريا، وأقامت الحوزات العلمية والحسينيات، وأحيت كثيرًا من الآثار الشيعية التي كانت مندثرة في سوريا مثل قبر "الست زينب" في محيط دمشق، الذي رممته وأقامت حوله الفنادق والأسواق، وشجعت الشيعة لزيارته والقيام بواجب التقديس نحوه، من أجل تدعيم المذهب الشيعي في سوريا.

والآن بعد أن قامت الثورة في سوريا، وأراد الشعب أن يتخلص من حكم عائلة الأسد، فأعمل نظام الأسد آلته العسكرية وأجهزته الأمنية في مواجهة الثورة وقتل الآلاف من الرجال والنساء والوالدان، وشرّد مئات الآلاف داخل سوريا وخارجها، وجرح عشرات الآلاف، واعتقل مئات الآلاف، ودمر مدنًا بكاملها، ومع كل هذه الحصيلة الكبيرة من القتل والتشريد والتدمير فإن نظام إيران ما زال يدعم سوريا بالمال والسلاح والخبرات العملية. ليس هذا فحسب، بل نستطيع أن نجزم بأن هذا الدعم يشكل عاملاً رئيسيًّا في استمرار وجود حكم الأسد.

أما بالنسبة للخليج واليمن فإن مخطط إيران قام على تحريك الطوائف الشيعية الموجودة في مختلف البلدان الخليجية ضد حكوماتها، والوقائع كثيرة في هذا المجال، وأبرز نموذجين لذلك هما: البحرين واليمن.

أما البحرين فقد حركت إيران الشيعة فيها، وطالب بعض قادتها بضم الجزيرة إلى إيران كما صرح بذلك أكثر من مسؤول فيها. وأما اليمن فقد دعمت إيران الحوثيين وأمدتهم بالسلاح والمال مما جعلهم يقيمون عدة حروب، ويتطلعون إلى الانفصال.

من الواضح أن مشروع الولي الفقيه قطع مراحل بعيدة –كما رأينا- من أجل تحقيق أهدافه في مختلف بلدان العالم الإسلامي، والآن: كيف يمكن أن نواجه هذا المشروع ونحبط مخططاته؟

أولا: يجب أن نواجه هذا المشروع بمشروع على مستوى الأمة، كما أشار بيان الإخوان المسلمين -إلى ذلك- وبخاصة بعد أن رفضت قيادات مشروع الولي الفقيه في إيران التجاوب مع دعوة الشيخ يوسف القرضاوي في إيقاف الدعوة إلى التشيع في المناطق السنية.

ثانيا: أصبح من الضروري –الآن- تداعي علماء الأمة ومفكريها وجماعاتها وأحزابها وأهل الرأي فيها إلى الاجتماع والتداول في وضع خطة لمواجهة مشروع الولي الفقيه.

ثالثا: دعوة الجماعات والأشخاص الذين لهم ارتباط بإيران وبمؤسساتها إلى فك هذا الارتباط، ردًّا على مشروع الولي الفقيه وأتباعه الشيعة، وإظهار ذلك، وأبرز من يمكن أن نذكر في هذا المجال حركتا حماس والجهاد، لأنهما تمثلان الورقة الأكثر ربحًا وقوة في تزيين مشروع الولي الفقيه، وفي تضليل عامة الناس.

رابعا: من الجلي أن مشروع الولي الفقيه يساهم في تدمير الأمة وإضعافها، ويتقاطع في كثير من الأحيان مع المشروع الصهيوني، وأوضح ما يكون ذلك في العراق حيث إن الشيعة أصبحوا الطرف الأقوى في العراق من خلال التحالف مع الغزو الأميركي، لكن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من مآلات الوضع في العراق في مجالين:

الأول: تفكيك الجيش العراقي وهو الجيش الأقوى في المنطقة بعد انسحاب مصر من ساحة الصراع مع إسرائيل حسب اتفاقات كامب ديفد عام 77، وإنهاء الجبهة الشرقية في مواجهة إسرائيل، ومن المؤكد أن هذا يصب في مصلحة إسرائيل.

الثاني: تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: كردي في الشمال، وسني في الوسط، وشيعي في الجنوب، بعد أن كان كيانًا واحدًا، وهذا يصب في مخططات إسرائيل التي رسمتها للمنطقة منذ أن أنشئت عام 1948.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

رأي الراية .. احترام إرادة الشعب السوري

الحياة

8-6-2012

وقفت دولة قطر منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السورية المطالبة بالحرية والتغيير إلى جانب الشعب السوري وإلى جانب مطالبه وحرصت على التأكيد على ضرورة الاستجابة لمطالب الشعب السوري وتحقيق الإصلاح وتهيئة الظروف لإجراء حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا من أجل الحفاظ على وحدة سوريا ومستقبلها إلا أن النظام السوري أصرّ على اتباع خيار العنف والقتل كوسيلة لمواجهة الثورة الشعبية الأمر الذي عقّد الأزمة ودفع بها إلى التدويل خاصة مع استمرار سقوط الضحايا وتواصل المجازر التي ترتكبها قوات النظام وشبيحته ضدّ أبناء الشعب السوري في المدن والبلدات والقرى الثائرة.

لقد دعا معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني إلى تسريع البحث عن حلٍّ يحفظ استقرار سوريا ويتضمّن خطة لانتقال سلمي للسلطة يأخذ في الاعتبار إرادة الشعب السوري.

إن مطلب الشعب السوري الذي يتعرّض للمجازر على أيدي قوات النظام وشبيحته التي آخرها مجزرة القبير التي راح ضحيتها عشرات القتلى الذين ذُبحوا بالسكاكين ومن بينهم نساء وأطفال يتمثل في إسقاط النظام الذي يشنّ حربًا متواصلة على شعبه منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا أسفرت عن وقوع عشرات الآلاف من القتلى والجرحى.

لقد أعلن المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان أن النظام الذي وافق على مبادرة النقاط الست التي تنصّ على وقف العنف وسحب الأسلحة الثقيلة من المدن والبلدات السورية ووقف الاعتقالات والسماح بالتظاهر السلمي للمواطنين لم يُطبّق أيًّا من بنود المبادرة وأن الحاجة باتت تستدعي من المجتمع الدولي "رفع مستوى" تدخّله و"التحرّك بسرعة" لإنهاء العنف وحلّ الأزمة السورية.

إعلان كوفي عنان أن النظام لم يُطبّق المبادرة يستدعي من المجتمع الدولي أن يكون حازمًا بحيث يجري الضغط على النظام لتطبيق المبادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حتى تكون لها قوة التنفيذ، هو الخيار الذي يبدو وحيدًا لوقف سلسلة المجازر في سوريا.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بسرعة التحرّك للتحقيق في سلسلة المجازر التي تُرتكب بحق الشعب السوري ومعاقبة المسؤولين عنها وإلا فستُصبح واقعًا يوميًّا وستجرّ سوريا إلى أتون الحرب الأهلية.

لقد فقد النظام السوري شرعيته الشعبية وبات مطلب تغيير النظام مطلبًا ملحًّا لإعادة الأمن والاستقرار إلى سوريا ووقف سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام والتي تُهدّد وحدة سوريا وتُهدّد تماسك المجتمع السوري ومستقبله.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ثوار سوريا والمناورة مع الرعب بمظاهرات العلابي .. فهد السلمان

الرياض

8-6-2012

وصف الرئيس الأسد مجزرة الحولة بأنها فعل تأنفه حتى الوحوش ، حسنا .. هذا وصف دقيق . لكن من هو المؤهل لمثل هذه الوحشية إن لم يكن نظامه الذي أجبر المتظاهرين ضده على التخفي بتصوير مظاهراتهم من الخلف ، فإلى ما قبل شهرين أو ثلاثة وقبل ازدياد أعداد المنشقين من الجيش ومن ثم شعور المحتجين بالاستقواء ، كانت معظم المظاهرات يتم تصويرها من الخلف كي لا تبدو وجوههم واضحة للعيان ؟ ، وهنا علينا أن نتساءل لماذا يتفق كل المصورين على تصوير علابي المتظاهرين ؟ ، أليس لأنهم يعلمون أن أي متظاهر يتم التعرف على شخصيته فإنه لن يبيت في فراشه ذلك المساء ، إن لم يُدفن حياً أو يموت تحت التعذيب حتى ولو كان ممن يخرجون طلباً لرغيف الخبز ، لا بحثاً عن الحرية والكرامة .

العسكريون المنشقون عن النظام هم وحدهم من يبرزون شخصياتهم وهوياتهم العسكرية أمام الكاميرات لأنهم يدركون أن تركهم لمعسكراتهم يكفي لإدانتهم بمناوأة النظام ، وبالتالي ليس هنالك ما يمكن أن يخبئوه طالما أنهم اختاروا استرداد الكرامة أو مواجهة الموت بالانحياز إلى شعبهم .

أما المظاهرات الوحيدة في سوريا والتي يتم تصويرها من الأمام بحيث تبدو وجوه المتظاهرين فهي تلك المظاهرات التي يحشدها النظام لتأييده ، وهؤلاء غالباً ما يقفون أمام الكاميرات ويلوحون بأيديهم كما لو أنهم في مدرج كرة قدم ، آملين أن تلتقط العدسات لهم صوراً مقربة كدليل براءة للابتعاد عن الملاحقات والتصفية .

إن ما نعرفه عن سيكيلوجية الجماهير في مثل هذه الثورات أن من يخرج للتظاهر غالباً ما يكون قد حزم أمره ، وقطع كل خطوط الرجعة مع النظام ، لأن الجماهير تدرك بالفطرة كما يقول تشي غيفارا : " إن الثورة كالدراجة الهوائية تسقط عندما تتوقف " ، لذلك لن يُضيرها إن تعرّف عليها النظام أو لم يتعرّف ، بل لعلها أكثر ميلاً لأن تعرض شخصيات مفرداتها لنيل شرف المواجهة أمام الآخرين ، لكنهم حين يعمدون إلى إخفاء هوياتهم فليس لأنهم يخشون الموت بعد أن تصالحوا معه في طريقهم النبيل إلى الحرية ، وإنما لأنهم يدركون أنهم يواجهون نظاماً لا يكفيه أن يقتص من معارضيه ، حيث تمتد شهية الاقتصاص عنده إلى المحتج وأسرته وأقاربه تماماً كما حدث مع أطفال الحولة ، حدث هذا كثيراً حتى ما قبل الثورة ، وبطريقة لم يسجلها التاريخ إلا ل ( بول بوت ) في كمبوديا والذبح على القرابة . ألا يكفي هذا القدر من الرعب الذي أسس له النظام السوري منذ عقود كدليل لا يقبل الشك على إرهاب الدولة ، هذا الأمر لم يحدث لا في تونس ولا في مصر ولا في ليبيا أو اليمن ، وإنما حدث فقط في سوريا ، ولا أعتقد أن هنالك تفسيراً آخر لهذه الظاهرة السورية بامتياز إلا إن كان هنالك من يعتقد أن السوريين خرجوا قسراً ضد نظامهم الذي يهيمون فيه عشقاً .. لذلك هم يخفون وجوههم عنه خجلاً وحياء ، لا خوفاً ورعباً من بطشه الذي لا يتوقف عند من يخرج عليه بشخصه ، وإنما يتجاوزه إلى كل من يمت له بصلة حتى ولو كان رضيعاً في حجر أمه ! .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التصور الروسي... للحل السوري  .. ويليام فاف

تاريخ النشر: الجمعة 08 يونيو 2012

الاتحاد

المشاعر العالمية المحبذة للتدخل الخارجي في الأزمة السورية كان من المفترض أن تتعزز بما توافر مؤخراً من أدلة واضحة على المدى الذي وصل إليه الأسد في الغياب عن الواقع وعن معرفة حقيقة ما يجري في بلاده.

فالخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري أمام البرلمان الجديد مؤخراً، غلب عليه كعادة معظم خطبه منذ بداية الانتفاضة الطابع المتحمس الذي يلقي بمسؤولية تلك الانتفاضة التي بلغ ضحاياها عشرة آلاف قتيل حسب تقديرات الأمم المتحدة، على التدخلات الأجنبية صاحبة المصلحة، وقوى الإرهاب العالمية -ومنها تنظيم "القاعدة" بالطبع.

تحدث الأسد في خطابه كما لو أن الإصلاحات والدستور الجديد قد استجابا لكافة المطالب الشعبية للمواطنين السوريين الذين ما تزال أعداد كبيرة منهم تحمل مشاعر عدائية غير مفهومة من وجهة نظره- تجاه نظام حكمه. وعندما تطرق للمذبحة المروعة التي وقعت في قرية "الحولة" قبل خطابه بأيام قال إن "الوحوش" فقط هم الذين يمكن أن يرتكبوا مثل هذه المذبحة البشعة، على رغم أن المراقبين الدوليين يصرون على أن العناصر غير النظامية التابعة لقواته الأمنية (الشبيحة) هم المسؤولون عن ارتكابها.

وما قاله الأسد في ذلك الخطاب يجعلنا نصدق ما يتردد من أن ذلك الرجل الذي انتزع من مجتمع أطباء العيون في لندن ليرث الحكم في سوريا على غير استعداد، رجل بليد الذهن- كما يبدو- وأن آخرين من عائلته وحاشيته هم من يملكون مقاليد الأمور بالفعل في ذلك البلد التعيس.

وبالنسبة لبعض الصقور في الغرب، يمثل التدخل العسكري الناجح ل"الناتو" إبان الانتفاضة الليبية سابقة مغرية بالتكرار. وهناك في الوقت الراهن بعض الناس في دوائر واشنطن وتل أبيب، ممن يرون في الأوضاع السائدة حالياً في سوريا، فرصة لإطاحة ونزع سلاح عدو آخر، وإضعاف إيران بالتبعية.

وردود فعل هيلاري كلينتون وغيرها من المسؤولين الغربيين تشبه إلى حد كبير من حيث نمطها مثيلتها إبان الحرب الباردة، حيث يصرون على أن روسيا تمثل عقبة لتحقيق السلام في سوريا على رغم أنها في الحقيقة يمكن أن تكون مفيدة في التوصل لتسوية للأزمة بشرط أخذ مصالحها في منطقة الشرق الأوسط في الحسبان، ومراعاة أن سوريا دولة كبيرة، ومعقدة نسبياً، وذات مجتمع غني، ومحوطة بجغرافيا حساسة، وليست دولة صحراوية شاسعة المساحة يمكن هزيمتها بسهولة، ومن دون إلحاق خسائر كبيرة بالمدنيين كما كان الحال في ليبيا.

وإذا ما أخذنا الاضطرابات السائدة في الشرق الأوسط في الاعتبار، فسنجد أن من الصعب علينا الاقتناع بأن الولايات المتحدة وإسرائيل يمكن أن تجدا فائدة ما في إضافة حرب أخرى إلى شبه الحرب الأهلية المشتعلة الآن في سوريا. ومما يشار إليه في هذا السياق أن مفكراً مثل هنري كيسنجر قد كتب حول هذه النقطة في مقال نشر له مؤخراً حذر فيه من أننا -يقصد الولايات المتحدة- في هذا المقام "يجب أن نراعي عند استجابتنا لكارثة ما ألا نكون سبباً في تيسير حدوث كارثة أخرى".

ومن المعروف أن مبادرة كوفي عنان موفد الجامعة العربية والأمم المتحدة إلى سوريا لم تحظ سوى بقدر محدود من الحماس في الدوائر الغربية، لأن روسيا -ومعها الصين- قد عرقلتا التقدم في حل الأزمة بسبب إصرارهما على عدم التخلي عن مصالحهما في سوريا، ووجودهما العسكري هناك، لصالح حل ذي توجهات غربية سيكون هو المحصلة المرجحة للعمل الدولي الذي يتم الآن لحل الأزمة في ذلك البلد.

ومع هذا فإن هناك مؤشرات تفيد بأن روسيا على استعداد للنظر في حل لا يقوم على منافسة صفرية ويحافظ على مصالحها في الآن ذاته، ويمتد -كما قالت مصادر رسمية بها لأحد الوسطاء- للمحافظة على سلامة أراضي الدولة السورية دون اشتراط بقاء نظام الأسد في الوقت نفسه.

يشار في هذا السياق إلى أن هيثم مناع رئيس إحدى مجموعات المعارضة السورية قد عاد مؤخراً من روسيا ولديه رواية مفيدة عن التفكير السائد هناك. وقال مناع في لقاء مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية إن روسيا ترغب في حل يحافظ على سلامة أراضي سوريا الإقليمية ويتم في إطاره إصلاح الجيش، وتعيين قادة جدد لم يتورطوا في أعمال القمع ولديهم القدرة على ضمان ولاء كافة مكونات هذا البلد للوطن.

وهناك معلومات تفيد بأن الروس راغبون في وضع كافة الموضوعات، بما في ذلك موضوع مصير الأجهزة الحيوية للنظام، على طاولة المفاوضات، طبعاً دون استثناء جهاز الأمن الحالي الذي كان خادماً لنظام الأسد أكثر من كونه خادماً للأمة. وتفيد تلك المعلومات أيضاً بأن المسؤولين الروس عندما سئلوا، ما الذي سيلي نظام الأسد إذا ما خرج من السلطة ردوا بالقول إن الشعب السوري هو من يقرر ذلك.

ويتصور الروس في هذا السياق مفاوضات "عالمية" تحافظ على قوام الجيش السوري باعتباره ضامناً للأمة، ويتوقعون من سوريا الجديدة أن تتبع سياسة دولية "متوازنة". والمقترح الروسي بهذا الخصوص يروم تخفيض النفوذ الحالي ل"الإخوان المسلمين" وتركيا على المعارضة السورية، وعلى آفاق الحل المأمول، الذي قد يشتمل على السماح للأسد بالعودة لاستئناف مهنته الطبية في لندن.

أما إجابة السؤال المتعلق بما إذا كان نظامه -والرجال الأقوياء فيه- الذين يعانون في الوقت الراهن من حالة خطيرة من التشوش والارتباك سيسمحون بهذا الحل أم لا، فتبقى غير معروفة حتى الآن، بيد أنها تستحق الاستكشاف والتنقيب ما في ذلك شك.

ويليام فاف

كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا... باتجاه واحد! .. د. عبدالله العوضي

تاريخ النشر: الجمعة 08 يونيو 2012

الاتحاد

خطاب النظام السوري منذ اندلاع الاحتجاجات لا زال محافظاً على تصلبه ورفض أي مقترح سياسي للخروج من الأزمة التي ذهب ضمن ضحاياها إلى الآن قرابة خمسة عشر ألف قتيل وآلاف الجرحى والمعتقلين، وكانت مذبحة الحولة طبعاً من أشنع الجرائم التي ارتكبت إلى هذه الساعة، وهذا لا يعني أن سيل الدماء سيتوقف لأن النظام في خطابه الأخير أصر على المضي وفق نظرية الخط الأحمر، وأن الحل الأمني مهما كلف هو الذي يؤكد عليه في كل المناسبات والخطابات التي ألقيت طوال قرابة أربعة عشر شهراً من عمر الثورة السورية.

فالنظام في أحدث نسخة من خطاباته لم يعط فرصة لأي أمل في التراجع عن ارتكاب المجازر تلو الأخرى، فالعالم الآن بمراقبيه متواجد هناك بعد انسحاب المراقبين العرب لفشلهم في التوصل إلى أي مخرج يرضي النظام والمعارضة في آن، لأن النظام يصر على أن ما يحدث هو من فعل الإرهاب والإرهابيين وبدعوى مؤامرة خارجية على سوريا المقاومة.

أي نظام في العالم يذهب باتجاه واحد، في مثل تلك الظروف، فهذا معناه أنه يحدد مصيره المحتوم، لا يهم متى، لأن الزمن مهما طال فهو كفيل بالإجابة والحسم.

ليس هناك نظام في العالم الأكبر لا يمارس قليلاً من السياسة في التعامل مع الواقع، حتى وإن كان هذا الواقع هو إسرائيل التي يتخذ معها النظام السوري سياسة عدم مسها ولو بشوكة، وإن كان خطابه منذ عقود يصب في خانة المقاومة التي لم تثمر عن عودة الجولان إلى أحضان سوريا الوطن الذي عليه الرهان في هذه المرحلة الحرجة.

إن الحل الأمني الصرف لم يكن يوماً حامياً للأنظمة الشمولية ولن تكون سوريا استثناءً مقارنة بأبي النظام الشمولي العالمي أيام الاتحاد السوفييتي، فقد ذهبت دوله إما إلى الاستقلال الذاتي أو الاندماج مع الاتحاد الأوروبي.

لن ينقذ النظام السوري مما يعانيه وإن كان يكابر في ذلك ويتعامل مع الأرض التي تتحرك من تحت أرجله بتجاهل تام، إلقاء اللوم على الآخرين من الإرهابيين والتكفيريين وغيرهم بزعمه، إلا أن شمس الحقائق لا يخفيها الغربال، في زمن لم يعد يصلح فيه الإعلام الذي يستمر في الكذب حتى قد يعتقد المتابع أنه الصدق بعينه.

بالسياسة يمكن للنظام السوري إنقاذ نفسه أولاً وخط الرجعة عن سفك المزيد من دماء أفراد شعبه الأبرياء، هو الضامن للجلوس حول طاولة الحلول الممكنة، دون الولوج إلى لغة التآمر الخارجي، لأن ما حصل في الدول التي سقطت أنظمتها مثال، حيث لم يتأخر أحد فيها عن إلقاء خطاب التآمر.

بعد الخطاب الأخير للنظام السوري، الذي رسم طريقاً واحداً للخروج من هذا المأزق، لا يمكن الوصول إلى أي هدف إلا بتعبيد الطرق المتعددة المسارات والاتجاهات، والتي من خلالها يمكن الحديث عن أي شيء، ما دام البطش والقتل العشوائي الذي لا يفرق بين الطفل الرضيع والرجل المسن وغيرهما، أمراً غير وارد للانتقال إلى المرحلة التي تبعد كل أطياف الوطن السوري عن الدخول إلى النفق المظلم للحرب الطائفية التي جُربت وخربت أكثر من دولة عربية وليس لبنان والعراق عن المتبصرين ببواطن الأمور ببعيد.

فإذا أراد النظام السوري الخروج من هذه الحالة المأزومة بسلام داخلي، وقطع دابر التدخل الخارجي المباشر، الذي لا يرغب فيه أحد، فإن الورقة الرئيسية لا زالت بيد النظام ذاته وطريقة اللعب بها هي التي تقرب إليها حرب طائفية أو خارجية، كلتاهما مرّتان، فعلى النظام اختيار أحلاهما أو الابتعاد عن الذراع الأمنية لصالح السلم الاجتماعي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

عن خطاب رئيس بات خارج المنطق والتاريخ .. د. نقولا زياده

المستقبل

8-6-2012

ويحلو للرئيس الاسد الخطابة متجاهلاً ما يجري حوله، فغالبية الصحف ووسائل الإعلام تؤكد ان 60% من الأراضي السورية أصبحت الآن خارج سيطرة نظامه المتداعي. يتغنّى بالتعددية وبالاعتراف بالآخر والتسامح إلى آخر القيم السامية التي سرعان ما تكذبها وتدحضها في الحال شلالات الدم والمجازر البربرية وأعمال الاغتصاب المنظم، والتعسفية المبيتة سلفاً والاعتقال الجماعي على الظن والتوقيف السري ومعسكرات التجميع، فما بالك عن حرق المتهمين وتدمير الأحياء وتقطيع الجثث، فأية تعددية هي هذه الترهات وأي اعتراف بالآخر هو هذا وأي تسامح يطالعنا به في جمهورية السجون والزنازين والمعتقلات والبوليس السياسي وفرق الموت.

إن الدولة التي تقيم وزناً للتعددية والاعتراف بالآخر وتجل الانسان هي التي تمارس عملياً وبالملموس هذه القيم بينما واقع نظام دمشق هو ان كل اصابع الدنيا تشير بأصابع الاتهام الممهور بالوقائع الدامغة الى تورطه في إذكاء وتنظيم وادارة النوازع الدينية والمذهبية والتلاعب المتمادي بكل مكونات النسيج السوري خدمة لهدف أوحد: البقاء في السلطة مهما كان الثمن. فهو الذي يرسل إشارات متواصلة إلى الأقليات على انها مستهدفة ومهددة وانه في حال سقوطه ستتعرض الى هلاك محتوم والى مجازر وتصفيات جماعية.

فمنذ انقلاب 1970 الأسدي الأول اندفع نظام العائلة الواحدة مع ما هبّ ودبّ من الأقارب والأنسباء وكل جلاوزة النظام الفاشي إلى ممارسة سياسة موقعة مدروسة متابعة ذكية استهدفت أمن المسيحيين والعلويين والارمن والاكراد واليزيديين الخ.. السبحة لاكراههم بدافع الريبة والخوف والظنون الكاذبة على الخضوع والامتثال لارادة حكم الفرد الحكم الديكتاتوري الفاشي المتربع فوق رقاب شعب سوريا ونسيجه الطيب المعطاء. فالمسيحيون يرحلون، والأرمن يهاجرون، والأكراد مكتومون لا هوية لهم ولا حقوق.. لقد ظل نظام دمشق يتلاعب بالجميع حى يتمكن من البقاء (survive) تماماً كما فعل بنا في لبنان، وما زال.

التعددية هي إغناء للديموقراطية وتطوير لها في كل الميادين والصعد، فهي تماماً ما قاله أحدهم: "... فلتفتتح مائة زهرة!" والديموقراطية وحدها هي الكفالة والضمانة والحياة السليمة للتعددية، لا أنظمة المخابرات والبوليس السياسي ومعسكرات الاعتقال ومراكز التحقيق وأقبية الزنازين وسيطرة الرعب والخوف والحذر والريبة والقلق السائل في خبز السوريين اليومي، الاعتراف بالآخر هو إطلاق الحريات العامة وتعدد الصحف والرأي الآخر، وحرية التفكير والتعبير والاذاعة والنشر والتوزيع وحوار الانسان للانسان والجماعات فيما بينها بعيداً عن المنطق القسري والعسف والظلم والإرهاب وعسكرة البلاد بالجزم الحديدية وبأسلحة الدمار والهلاك والابادة. إنها النقيض لجهاز الغستابو القائم في سوريا!

ان مفردات جديدة قد دخلت ذاكرة الشعوب العربية فأصبحت مرادفاً للموت: ما بالك بالقوات الخاصة، والفرقة الرابعة والأمن السياسي وفرق الموت وفرق الشبيحة الأوغاد؟ ما رأيك بفرع فلسطين وسجون المزة وصيدنايا وتدمر ولسنا ندري أية سجون اخرى ألقيت في غياهبها شرفاء سوريا وأحرارها ومَن أصبحوا طي النسيان ماذا عن مَن اختطف من شبان لبنان وأين أصبحوا الآن؟ ان مثالك الاعلى ليس باستور ولا فليمينغ ولا سارتير ولا الأب بيار ولا الام تيريزا ولا هو شي منه، بل هتلر وهملر وفرانكو وسالازار وتروخيلو وبينوشيت وكارازديتش وديفالييه سفاح هاييتي.

إن معسكرات اوشوتيز وداخاو وبوخنفالد ورافزنسبروك.. في بشاعتها أقل وحشية من العار الدموي الذي أرسيت عليه حكمك الأسود الجهنمي. فعن أي تسامح وأي تواصل وأي حوار بل عن أية معارضة موصومة بعار الذل والمهانة تزعم دعوتها للحوار؟

إن أهل حماه لا ينامون ولا سكان تدمر ولا محيط الكلية العسكرية في حلب عندما يستفيقون على أصوات اولئك الذين امعنتم فيهم قتلاً وذبحاً وتصفية، فهل تسمع الآن نواح ثكالى بابا عمرو والخالدية وصراخ أهل الرستن وجسر الشاغور وادلب وبصرى الحرير والحراك ودوما، بالله قل لنا مَن قام بذبح ما يزيد على مائة ضحية في الحولة!

وتتحدث بعد كل هذا عن مؤامرة خارجية! فما رأي اللبنانيين بحقيقة مَن خطط ورعى وأشرف ونفذ اغتيال رجل بارّ كبير من لبنان اسمه رفيق الحريري، وماذا عن سلسلة شهدائنا الذين أرديتهم لتروع لبنان وتذيقه طعم الدم المسفوح؟ وما الذي تريده من طرابلس وعكار ومعراب والطريق الجديدة؟ أين هسام هسام وشاكر العبسي؟ أين أصبح الآن رجل جليل مثل شبلي العيسمي؟

ما تسميه المؤامرة في سوريا هو بامتياز صراع داخلي فالشجرة لن تكون بمقدورها إخفاء الجبل الذي تتوهم عبثاً انها تخفيه. انها حركة التاريخ اشبه بقطار يسير بأقصى سرعته وأنت لم تستقله، وكانت الفرصة أمامك متاحة، وهو آجلاً أو عاجلاً سيدهمك ويطيح بك، فهو كالقدر ما لقضائه مرد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حرام سوريا .. ساطع نور الدين

السفير

8-6-2012

فور سقوط الشهيد الاول للثورة السورية في درعا في آذار العام الماضي، نصح أحد الخبراء اللبنانيين المخضرمين بالشأن الرسمي السوري، بالتوقف عن العد والامتناع عن تقدير عدد الشهداء والجرحى الذين سيفقدهم الشعب السوري، أو عن تحديد حجم الخسائر المادية التي ستلحق بسوريا، قبل ان تخرج من تلك المأساة الكبرى.

كانت النصيحة مثيرة للاستغراب بعض الشيء، لكنها كانت مرفقة بإشارة الى أن الجميع، في داخل سوريا وخارجها، سيتوصلون عاجلا أو آجلا الى هذا الرأي، وسيتوقفون عن إحصاء عدد القتلى والجرحى والأضرار، بعد أن يتخطى الرقم المئة أو الالف أو العشرة آلاف أو حتى المئة الف الاولى.

وعندما بدأ العدد يرتفع بوتيرة متسارعة، صار الحساب يقتصر على عدد القتلى والجرحى الذين يسقطون في اليوم الواحد، وبات التحليل والتقدير يبنى على هذا الأساس اليومي، الذي كان يتضمن في ذلك الحين جمعا سريعا لإجمالي الضحايا.. الذي تخطى الألف الاول في الأشهر الأربعة الاولى من الثورة، الى ان أصبح الشهر الواحد يسجل سقوط أكثر من ألف قتيل، ونحو ثمانية آلاف جريح، وهلم جرا..

قبل المجازر الاخيرة التي صارت عنوانا رئيسيا وحيدا تغيب خلفه بقية العناوين السورية، والأدق انه عندما تجاوز الرقم العشرة آلاف قتيل في شهر شباط الماضي، توقف الجميع عن العد، وامتنعوا عن الجمع أو الفرز بين ما هو مدني وما هو عسكري وما هو منشق أو مسلح .. ولم يعد حجم الضحايا الاطفال والنساء والشيوخ يثير الانتباه، على الرغم من أنه كان ولا يزال يتصاعد بوحشية لا مثيل لها.

اليوم، وبعد مرور خمسة عشر شهرا على سقوط الشهيد الاول، ليس هناك من يطلب أو من يعطي رقما دقيقا أو حتى تقريبيا للضحايا. ثمة من يتذكر الشائعات الاولى التي راجت في أواسط العام الماضي عن ان الشعب السوري سيدفع أكثر من مليون شهيد، وثمة من يذكر ما قيل يومها عن أن عدد السوريين سينخفض من ٢٣ مليونا الى ما دون العشرين مليونا، وليس من المستبعد أن يهبط الى المعدل الذي كان عنده قبل ثلاثين أو أربعين سنة...

منذ البداية، كان هناك تقدير مخيف مفاده أن الحروب الاهلية اللبنانية أو العراقية أو السودانية أو الصومالية ستبدو أشبه بنزهة بالمقارنة مع الحرب الأهلية السورية.. وكان هناك يقين بأن العالم لن يكترث للمذابح التي ينفذها السوريون بحق بعضهم البعض، ولن يتدخل لوقفها، لكنه سيقصف سوريا ببيانات رسمية تتضمن أشد عبارات الشجب والاستنكار والاستهوال، ولن يتردد في العثور على مصطلحات جديدة أقسى بكثير من تلك التي استخدمها في منتصف التسعينيات لإدانة مذابح بوروندي أو يوغوسلافيا.

هل يمكن أحداً أن يعطي اليوم مجموعا تقديريا لعدد القتلى والجرحى، أو حتى لعدد المفقودين الذين يقال ان عددهم تجاوز الثلاثين ألفا؟ هل يمكن أحداً أن يتكهن بموعد الانتهاء من تلك العملية الحسابية التي تدمي القلب وتدمع العين؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التركيز على... ما بعد الأسد! .. راجح الخوري

2012-06-08

النهار

عندما يجتمع الرئيسان باراك اوباما وفلاديمير بوتين في لوس كامبوس في المكسيك على هامش قمة العشرين [18 – 19 حزيران] سيكون مستقبل الوضع السوري اي مرحلة ما بعد الاسد الملف الاول على الطاولة. هذا الاجتماع يفترض ان يخرج بتفاهم الحد الادنى على مسألة دقيقة وحساسة، لأن النظام السياسي الذي سيحكم سوريا بعد الاسد سيشكل بلا ريب تغييراً في قواعد اللعبة تتجاوز الوضع الداخلي لتتصل بحسابات استراتيجية اقليمية ودولية تبدأ في طهران وتنتهي في موسكو.

والحمى الديبلوماسية هذه الايام هي نتيجة اجماع دولي على ان النظام لن يتمكن من البقاء وان من الضروري رسم مخارج متفق عليها ولو بالحد الادنى، لمنع اندلاع الحريق السوري في اذيال المنطقة. وهكذا عندما يدعو كوفي انان الى تشكيل "مجموعة اتصال دولية" موسعة تشمل كل اللاعبين على الحلبة السورية بما في ذلك ايران، فأنه يحظى بتشجيع واضح من موسكو التي تدعم خطته التي ستفضي في النهاية الى "الحل اليمني" الذي جرى توافق عليه منذ اشهر!

هذا التشجيع عبر عنه سيرغي لافروف الذي يراقب بحذر تحركات هيلاري كلينتون المحمومة وقد انهت اول من امس اجتماعاً في اسطنبول حضرته 14 دولة ودعا الى تشكيل "هيئة تنسيق" تسعى لتوحيد المعارضة السورية في اجتماع سيعقد في 10 - 16 من الجاري ولتنسيق عملية الانتقال الديموقراطي في مرحلة ما بعد الاسد.

كلينتون تواصل تحركها السريع فتلتقي اليوم كوفي انان، بعد تلويح اميركي باللجوء الى الفصل السابع تلبية لطلب الجامعة العربية، وهو ما رد عليه البيان الروسي - الصيني المشترك الذي عارض التدخل العسكري لتغيير النظام بشكل قاطع وهو تدخل وصفه لافروف بأنه كارثة. لكن هذا لا يعني ان واشنطن لا تؤمن بضرورة اشراك روسيا في نوع من "الاستراتيجية الانتقالية" في سوريا، والدليل ان فريديريك هوف المسؤول عن الملف السوري في الخارجية الاميركية يجري في موسكو مع عدد من مساعديه منذ يومين، محادثات يفترض انها ترسم تصوراً متفقاً عليه في الحد الادنى لتقاسم الجبنة السورية!

منذ 10 آذار الماضي عندما حضر لافروف اجتماع الجامعة العربية الذي دعا الى اعتماد "الحل اليمني" لتسوية الازمة السورية، بدا ان موسكو لا تعارض تغيير النظام في المبدأ لكنها تحرص على ألا يقوّض هذا التغيير المصالح الروسية التي ارسيت في خلال 40 عاماً وألا تحصد في سوريا ما سبق ان حصدته في ليبيا.

بعد مجزرة الحولة سرّعت موسكو وتيرة نزولها عن شجرة الاسد لكنها تحرص على ان تبقى لها حصة في الثمار السورية، ولأنها تدرك اهمية ما قاله الامير سعود الفيصل صراحة عن امكان تضرر مصالحها في العالمين العربي والاسلامي، فإنها تفاوض الاميركيين الآن على حصتها من"الجبنة السورية"!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

روسيا يتحدَّد موقفها في سوريا بعد تقرير أنان  .. الخلاف يتركّز على مرحلة ما بعد الأسد .. اميل خوري

2012-06-08

النهار

السؤال الذي يثير قلقاً متعاظماً لدى الدول المعنية هو متى تُحل الأزمة السورية وكيف، وهل مطلوب المزيد من المجازر كي يتحرّك المجتمع الدولي ويفرض حلاً لها؟

في معلومات لمصدر ديبلوماسي اوروبي ان المجتمع الدولي متفق على تنفيذ خطة كوفي أنان لكن الخلاف يدور حول الآلية، هل تبدأ برحيل الأسد ام يكون رحيله نتيجة التنفيذ؟ وثمة خلاف آخر حول مرحلة ما بعد الأسد وهو ما يشغل روسيا ويجعلها ترفض سقوط نظامه قبل الاتفاق على البديل منه.

وفي المعلومات ايضا ان روسيا تنتظر تقرير أنان الى مجلس الامن كي تتخذ موقفا في ضوئه وبعد الاستماع الى شرح لاسباب تعثر تنفيذ خطته، ومن هي الجهة او الجهات المسؤولة، وهل سيطرح خطة بديلة وهل تكون مقبولة من الجميع؟

لقد طالب المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في الدوحة مجلس الامن بتطبيق خطة المبعوث الدولي والعربي الى سوريا كوفي أنان عبر اللجوء الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، من دون الاشارة الى عمل عسكري، والجميع يعلمون انه لا يمكن اللجوء الى الفصل السابع من دون موافقة روسيا والصين او امتناعهما عن التصويت. فهل بات في الامكان تنفيذ خطة أنان ببنودها الستة بعدما اعلن الرئيس الاسد في كلمته امام مجلس الشعب انه سيمضي في الحل الامني مهما كان الثمن؟ وهل في امكان الولايات المتحدة ومن معها اتخاذ قرار بالتدخل العسكري لحل الازمة السورية مهما كانت مضاعفات هذا التدخل واحتمال اشعال المنطقة بأسرها، او بجعل الحرب الاهلية في سوريا البديل من فشل تنفيذ خطة أنان؟

ومعلوم ان روسيا تعارض التدخل العسكري لحسم الوضع في سوريا لأنه يشعل المنطقة وهذا ليس في مصلحة أحد، وتعارض ايضاً تسليح المعارضة السورية لأنه يشعل حرباً أهلية قد لا تنتهي إلا بتقسيم سوريا وفي ذلك خدمة لمخططات اسرائيل.

ولا تمانع روسيا اذا ظل تنفيذ خطة أنان متعثرا ان يكون الحل اليمني هو البديل شرط ان يسبقه تحقيق وفاق وطني لتسهيل الدخول في المرحلة الانتقالية ومن دون مواجهة خلافات تفتح ابواب الفوضى والفراغ، خصوصا ان المعارضة السورية مبعثرة ومشتتة ولا بد من توحيدها كي تصبح صالحة لمواجهة المرحلة الانتقالية، وان روسيا مستعدة لاستضافة اركان المعارضة مع السلطة السورية برعاية الامم المتحدة. وتريد روسيا في المقابل الحصول على تسهيلات لرعاياها في الدول الاوروبية وعلى امدادات الطاقة وان يكون لها نفوذ حيث لها مصالح حيوية.

ومن الافكار التي تطرح في ضوء تقرير أنان: زيادة عدد المراقبين الدوليين في سوريا توصلا الى وقف النار، وتمديد مهمتهم فترة جديدة او ارسال قوة دولية تشارك فيها روسيا والصين لتنفيذ خطة أنان او اي خطة بديلة تجعل روسيا تقتنع بضرورة رحيل الاسد لأن لا امل في تنفيذ اي خطة بوجوده، خصوصا ان روسيا باتت مقتنعة ضمنا بأنه لا بد من رحيله في نهاية المطاف، وقد تصبح وجهات النظر بينها وبين اميركا متقاربة عند الاتفاق على آلية حل الازمة السورية وعلى المرحلة الانتقالية خصوصا بعدما اعلنت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ان تنحي الاسد هو نتيجة وليس شرطا مسبقا، وقول نائب وزير الخارجية الروسي إن روسيا لا تعتبر بقاء الاسد في السلطة شرطا مسبقا لتسوية النزاع حول الوضع في سوريا.

الواقع ان التخوف من احتمال اندلاع حرب اهلية كارثية في سوريا، وقد حذر الامين العام للامم المتحدة بان كي مون منها، والتخوف من تدخل عسكري يشعل المنطقة ويدخلها في فوضى تقودها الى المجهول، وان لا خطة بديلة من خطة أنان تحظى بالاجماع حتى الآن تجعل المجتمع الدولي يتحرك باحثا عن آلية ناجعة لتنفيذ هذه الخطة معدلة او اي خطة اخرى، وهذا ما جعل الجدل السياسي يتصاعد في المجتمع الدولي حول الخيارات الممكنة في سوريا سواء داخل مجلس الامن او خارجه، وان يضطلع بمسؤولياته. فسوريا بعد مجزرة الحولة وما تبعها من مجازر ليست كما قبلها ولا بد من ان تواجه فصول العنف المدمر خلال الاشهر القليلة القبلة، بحيث تسرَّع المرحلة الانتقالية بالاتفاق على البديل من السلطة السورية الحالية ويكون هذا البديل مقبولا من جميع المعنيين.

لكن الولايات المتحدة بحسب المعلومات قد لا تحسم امرها في ما يتعلق بالازمة السورية إلا بعد الانتخابات الرئاسية فيها، لئلا يؤثر القرار الذي تتخذه في هذا الشأن على نتائج الانتخابات. فالرئيس الاميركي الجديد او المجدد له وهو باراك اوباما قد يختلف تعاطيه مع نظيره الروسي بوتين وهو مستهل ولايته، اذ يستطيع ان يقارن بين الثمن السياسي الذي سيدفعه للرئيس الروسي توصلا الى اتفاق على حل الازمة السورية والثمن الذي سيدفعه في حال رفضه ذلك.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أي حريق في سورية سيعم المنطقة بأسرها .. سلامة العكور

الرأي الاردنية

8-6-2012

حذر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من استمرار تجاهل المجتمع الاقليمي والمجتمع الدولي للأزمة السورية، مؤكدا أنه إذا ما اندلع حريق في سوريا، فانه سيعم المنطقة بأسرها.. جاء ذلك يوم الثلاثاء الماضي خلال جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطي في اسطنبول..

لقد تعمد اردوغان لفت انتباه الحضور في المنتدى الى تفاقم الأزمة السورية واحتمال تطورها إلى نشوب حرب تشمل المنطقة وتزعزع الأمن والسلام والاستقرار فيها.. وذلك لأن المشاركين في المنتدى وبخاصة الغربيين منهم قد أعربوا عن قلقهم من كون المنطقة مشحونة بالتوتر وبأسباب الصراعات.. مما يعرض مصالحهم المختلفة للخطر..

بعض الحضور ومن بينهم الدكتور فايز الطراونة يعزو أسباب استمرار الأزمة السورية وتفاقمها الى استمرار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا الاتحادية.. وذلك جراء قلق الطرفين على مصالحهما..

وهذه الحرب الباردة قد حالت مع اسباب أخرى دون التوصل الى حل توافقي ينهي الأزمة السورية ويبدد أسباب التوتر والصراعات بالمنطقة.. فالولايات المتحدة الاميركية والدول الحليفة في العالم الغربي وفي منطقتنا تسعى لاسقاط نظام بشار الأسد.. وروسيا الاتحادية ومعها الصين الشعبية تؤيدان نظام بشار الأسد لأسباب مصلحية..

أما الشعب السوري الذي ينزف وتراق دماء أبنائه وأطفاله وحرائره على أرض وطنه وفي مدنه وقراه، فليس على أجندة هذه الدول التي تتصارع عنها قوى بالنيابة على الارض السورية.. علما بأن الشعب السوري هو الذي ينبغي ان يحظى بتأييد المجتمع الإقليمي والمجتمع الدولي ويحظى بأسباب ودوافع الذود عنه وعن مقدراته وليس الحاكم وأنصاره أو معارضيه..

لذلك فان حقن دماء المواطنين في سوريا وانهاء هذه الازمة التي قد تتطور الى حرب أهلية ولربما الى حرب اقليمية لا تبقي ولا تذر واجب على المجتمع الدولي وقبل ذلك على المجتمع الاقليمي بما فيه العالمان العربي والإسلامي..

الشعوب هي الباقية.. وهي التي يجب ان يحسب حسابها لجهة الحفاظ على امنها واستقرارها وأمان أبنائها وحقها في تقرير مصيرها بنفسها، وكذلك الحفاظ على فرص نموها وتقدمها وازدهارها.. وليس ابادة ابنائها وتدمير مدنها ومنشآتها المدنية والحضارية واستنزاف مقدراتها الاقتصادية والأمنية..

لقد آن الأوان لدعم مهمة المبعوث الدولي كوفي عنان من جميع الأطراف الاقليمية والدولية لنزع فتيل الأزمة من خلال منع الحل العسكري.. وصولا الى حل سياسي توافقي بين الموالاة والمعارضة عن طريق الحوار الهادئ والبناء والا فان شبح الحرب الأهلية أو الاقليمية سيظل يلوح في افق المنطقة..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الجولان إكسير الحل لما يجري في سورية .. مالك خلف القرالة

2012-06-07

القدس العربي

هل يفعلها بشار ويفتح جبهة الجولان؟! الطبيب الذي أعيته حالة ما يجري في سورية والدواء بين يديه!

إن الناظر لما يجري في سورية يرى أن دوامة العنف ستأخذ منحنى الحالة الجزائرية في تسعينات القرن الماضي إن استمر الأمر على ما هو عليه، شعب أعزل وقتله في الجبال والأرياف ونظام يقف عاجزًا يقع بين الاتهام وبين فضيحة العجز، حيث كان القتل والتنكيل لقرى بأكملها وبدم بارد وبقلوب ميتة لا تعرف للإنسانية والرحمة أي مكان، وهذا بنظر النظام من صالحه، رغم قساوة المشهد فهو سيبقى كما بقي النظام الجزائري، وأن ما من حل يلوح بأفق من يراهم النظام السوري متآمرين غير النموذج الليبي كي يسقطوه، وهذا النموذج صعب التنفيذ خوفًا من امتداد شرارة غضب النظام السوري لإسرائيل إن كان له غضب في الأصل، لذلك فهذا الخيار بعيدًا عن التطبيق الفعلي بنفس الأسلوب، لكن ما لم يأخذه النظام السوري بعين اعتباراته أنه ليس ببعيد عن سيناريو تبدأ خطواته التنفيذية بلبنان، حيث أن تفجير الوضع اللبناني يمثل شارة النهاية لآخر مشاهد النظام السوري، وما لا يعتقد النظام السوري بوجوده وهو الأرضية وقاعدة الانطلاقة نحوه سيستطيع من يراهم متآمرين عليه إيجادها في لبنان متفجر ومحترق بسرعة وفي غضون أسابيع، وهنا سيكون النموذج الليبي مطبقا وفق سيناريو أوسع لا يقتصر على الجو وتوجيه الضربات الجوية بل سيقابله زحف بري من الجانب اللبناني، وربما سيدفع هذا التوجه دول المحيط السوري الى تخطي عقبة التفجير الداخلي للزحف بريًا بحجج إنسانية، وعندها سيقع النظام السوري فريسة سهلة من قبل دول الطوق، ولن يستطيع التنفس أصلاً حتى يفكر بضرب إسرائيل، وعندها سيسقط هذا النظام لكن سقوطه سيكون مدويًا معلنًا افتتاح أفق لا منتهي من دوامة العنف الطائفي في المنطقة ليشتعل بعدها الخليج، وتبقى إسرائيل في نهاية السيناريو الرابح الوحيد من دوامة العنف المستمرة في المنطقة.

إن ما من حل ومخرج مشرف للنظام السوري حتى لو وصفت بالانتهازية للخروج من أزمته غير تسريعه بفتح جبهة في الجولان العربي المحتل، وغير ذلك فإن النظام السوري يراهن على العبثية بفكرة الصمود، وعليه أن لا يراهن كثيرًا على روسيا والصين فقد راهن عليهم العراق وسقط وراهن عليهم القذافي وسقط.. فهل يعقل الدرس ويفعلها بشار ولو برصاصة واحدة تكتب له في صفحات التاريخ المشرقة.

إن الجبهة الخارجية في الجولان ستحمل الإكسير السحري لتهدئة الداخل السوري وستحمل الإكسير السحري لميلاد قائد عربي جديد حتى لو هزم في الميدان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المعارضة السورية مع اقتراب ساعة الحسم .. صحف عبرية

2012-06-07

القدس العربي

مسألة المعارضة السورية وقدرتها على أن تشكل بديلا لحكم الاسد، كانت احدى المسائل المركزية وغير المحلولة قبل اندلاع الربيع السوري في اذار 2011. نظام عائلة الاسد نجح في تثبيت نفسه على مدى 42 سنة كمنظومة مستقرة لم تترك مجالا واسعا لنشاط المعارضة الداخلية، باستثناء تمرد الاخوان المسلمين الذي قمع في 1982 وفترة قصيرة جدا في بداية حكم بشار عُرفت باسم 'ربيع دمشق'. في ظل غياب معارضة داخلية ذات مغزى، بقيت الساحة أساسا في يد جماعات المعارضة التي عملت من خارج سوريا. وتراوحت هذه بين محور المنسحبين من النظام مثل رفعت الاسد، عم بشار، او عبدالحليم خدام وبين المحور النشط للاخوان المسلمين (الذين نقلوا مركز نشاطهم الى خارج سوريا بعد احداث 1982) والى جانبهم بعض جماعات الاقليات، ولا سيما الاكراد والمسيحيين. وتضمنت المعارضة ايضا شخصيات ليبرالية اكثر مثل رجال 'اعلان دمشق' الاعلان الذي وقع عليه 500 مفكر وناشط سوري في 2005 مطالبين بالغاء قوانين الطوارىء، احترام حقوق الانسان وحقوق الاقليات والشروع في حوار وطني على مستقبل سوريا. كما أنها تضمنت احزاب منفى كحزب الاصلاح السوري، حزب الانفتاح أو 'التحالف الديمقراطي السوري'، ممن عملوا على نحو منقطع عما يجري داخل سوريا. المعارضة السورية بعد بدء الثورة لم تعد تدور حول ذات المحاور. من جهة، كان يخيل أن 'المعارضات الرمزية' بمعنى تلك التي مثلت بقايا النظام القديم، وكذا تلك الجماعات في المنفى، ممن عملوا أساسا لاغراض العلاقات العامة ولكن دون تمثيل حقيقي على الارض فقدت نفوذها. ومن جهة اخرى، التنظيمات الجديدة التي نشأت على الارض وفرت جملة من الوجوه الجديدة التي تبدو اكثر أصالة وان كانت أقل شهرة. وبالعموم يمكن القول انه باستثناء محور الاخوان المسلمين الذي حافظ على استقرار نسبي وبعض الشخصيات في المحور الديمقراطي لدائرة 'اعلان دمشق'، فان معظم رجالات المعارضة القدامى والمعروفين دحروا الى الهوامش في ضوء الواقع المتغير وزعماء الثورة الجدد الذين خرجوا منها.

عدة متغيرات يمكنها أن تشرح الصعوبة في 'وحدة الصف' للمعارضة. الاول يكمن في مبنى المجتمع السوري، في الفسيفساء الطائفي، القبلي ومبنى المصالح المختلفة للقوى السياسية المركزية في سوريا: رجال الاخوان المسلمين (الذين ينقسمون بين قيادة الداخل والخارج)، زعماء القبائل، مجموعة اعلان دمشق (والتي بكونها ديمقراطية تنقسم على ذاتها)؛ المجموعة الوطنية التي بعضها يتشكل من رجال اصلاح من النظام القديم؛ الاكراد الذين اقاموا مجلسا خاصا بهم يدعو الى حكم ذاتي ثقافي بل والى فك ارتباط سياسي عن سوريا؛ والمسيحيين الآشوريين. المتغير الثاني يكمن في التوتر البنيوي الذي بين آلية الداخل وآلية الخارج. فالثورة التي بدأت في مدينة حمص الجنوبية وانتشرت بالتدريج الى كل أرجاء سوريا، خلقت مبنى قياديا مبعثرا وغير متجانس يضم لجان المقاومة المحلية، سرايا 'الجيش السوري الحر' ومجموعات وشخصيات قادت المظاهرات ونشاطات اخرى. الزعماء الميدانيون في سوريا ليسوا دوما على تنسيق مع القيادة السياسية التي تتخذ من خارج سوريا مقرا لها.

متغير آخر هو دور جهات خارجية وعلى رأسها حزب الله، ايران ومنظمة القاعدة التي وجودها، او وجود منظمات سلفية راديكالية منها أكدته مؤخرا محافل المعارضة. أجهزة الامن الاردنية تقدر بان نحو 1.500 مقاتل من الجهاد يشاركون اليوم في القتال في سوريا. دور ايران، الذي يجد تعبيره في نقل الاموال والمعدات، دعم حزب الله ومحاولات سياسية للتأثير على المعارضة السورية، يفاقم هو ايضا الانشقاق ويثير القلق لدى اولئك الذين لا يزالون يأملون في ايجاد طريق لبناء سوريا اكثر ليبرالية وديمقراطية.

انطلاقا من الاعتراف باهمية الوحدة ومحاولة التغلب على المصاعب انعقدت في اسطنبول في تشرين الاول 2011 مجموعة نشطاء سوريين في معظمهم مثقفون منفيون لاقامة المجلس الوطني السوري. على أساس الالهام الذين استمده من المجلس الانتقالي الليبي، حاول المجلس الوطني السوري، ب 270 من اعضائه ان يبني نفسه كنموذج لمبنى سياسي يمكنه أن يرث مع حلول اليوم الحكم في الدولة. وعين المجلس سكرتاريا من 21 عضوا ولجنة ادارية من 8 أعضاء على أساس المجموعات المركزية آنفة الذكر. توزيع المقاعد التمثيلي هذا نص عليه في اتفاق التشكيل انطلاقا من الرغبة للتوازن بين الجماعات الاساسية المختلفة وكذا لخلق صورة معارضة تمثيلية. منذ تشكيله، انعقد المجلس في تشكيلات مختلفة أكثر من دزينة من المرات انطلاقا من الرغبة في توحيد الصفوف وتحقيق اعتراف دولي فيه كهيئة معارضة سورية تمثيلية. غير أن الجدالات الداخلية، الاستقالات والرسائل العامية التي كتبت ضد المجلس وزعمائه، أدت الى فشل خطوتين: من جهة لم يحظَ المجلس بالاعتراف الخارجي الذي تطلع اليه، ومن جهة اخرى لم ينجح في أن يموضع نفسه في الساحة الداخلية السورية كهيئة تمثل المعارضة بألوانها المختلفة.

في هذا السياق ينبغي أن نتناول على نحو منفصل الدور الهام للمعارضة العسكرية والتي اتسعت في ضوء تواصل الاحداث في سوريا. المعارضة العسكرية بدأت تنتظم برعاية لجان المقاومة المحلية وبعد ذلك برعاية جيش سوريا الحل، الذي فجأ الكثيرين في انجازاته حيال الجيش السوري في الاشهر الاخيرة من العام 2011 (ولا سيما النشاط في جسر الشاغور، الرُستان، الزبداني، إدلب، حمص بل وفي عدة ضواحي من دمشق). زخم التمرد العسكري أدى الى موجة فرار مثل فرار المقدم حسين حرموش الذي بروح العصر نشر قراره في فيلم قصير صدر على لانترنت. ولاحقا ضم اليه نحو 150 جنديا في اثناء الحملة في مدينة بضمة في اقليم ادلب في حزيران 2011. الفرار المغطى اعلاميا ادى لى موجة من الفرار المشابه والى اقامة 'حركة الضباط الاحرار'، شكلت القاعدة المنظمة الاولى للمعارضة العسكرية.

بعد نحو شهر من ذلك، في تموز 2011 أعلن العقيد رياض الاسعد الى جانب 6 ضباط منسحبين، عن اقامة جيش سوريا الحر وهدفه تنسيق العمل العسكري ومعالجة الاحتياجات اللوجستية للمقاتلين وللسكان الخاضعين لحصار قوات الاسد. غير أن هنا ايضا وحدة الهدف لم تمل وحدة الصف. الاسعد، الذي يعتبر اكثر ارتباطا بلجان المقاومة في سوريا، اختار الا يرتب بالمنظمة العليا للمجلس الوطني السوري، الذي في هذه الاثناء أقام مجلسا عسكريا خاصا به. الاتراك، المعنيون بالذات بمساعدة المجلس الوطني، والمعسكر الاسلامي المتعزز في داخله أوضحوا للعقيد الاسعد وشريكه الجنرال فايز عمر بانه من الافضل لهما قبول إمرة المجلس الوطني. وردا على المسار الذاتي الذي اختاره الرجلان، يمنعهما الاتراك من الخروج من حدود معسكر اللاجئين أفيدين القائم في نطاق تركيا، او الحديث مع الصحفيين والدبلوماسيين الذين حاولوا زيارتهما. الاسعد وعمر من جانبهما يواصلان مساعي التنسيق ويفحصان امكانيات مظلة سياسية خارج صفوف المجلس الوطني السوري. بالتوازي أعلن عدد من زعماء القبائل عن اقامة الذراع العسكري لقبائل سوريا والذي يعمل بالتوازي مع سرايا الجيش الحر.

تحدي وحدة الصف بعيد إذن عن ان يكون في متناول اليد. في الجبهة السياسية يقف المجلس الوطني الذي يعكس تمثيلا أدق لجماعات مصلحية ضيقة، اسلامية في معظمها فيما يقف حياله رجال معارضة قدامى غير مستعدين لمنحه الشرعية وكذا جماعات منافسة سبق أن اقاموا حكومة مستقلة في المنفى برئاسة نوفل الدواليبي، ابن معروف الدواليبي الذي شغل منصب رئيس الوزراء الاخير في سوريا قبل انقلاب البعث في 1963. الانتقاد الداخلي والخارجي يمنع المجلس الوطني من أن يترسخ كهيئة تمثيلية للمعارضة السورية وكشريك مركزي لحكومات الغرب التي تسعى الى مساعدة هذه المعارضة. في الجبهة العسكرية يعتبر الجيش السوري الحر كمؤثر، مصداق وأكثر ارتباطا بالميدان. غير ان هنا أيضا، واضح ان صف القيادة ليس موحدا. فخليط من ادارة المعركة من معسكر لاجئين تحت اشراف تركي وبين الاحداث في الميدان والتي تحركها لجان المقاومة المحلية يدل على قيادة عسكرية معناها رمزي كونه من الصعب ادارة الحرب في ظل غياب قيادة، وسائل اتصال بل وحتى حرية حركة للقادة. ومع ذلك، تنجح المعارضة العسكرية في مواصلة ضرب الجيش السوري كما تفيد القضية الاخيرة التي انكشفت فيها محاولة التسميم التي جرت ضد وزير الدفاع السوري، داود رزحا، وزير الداخلية محمد الشهار وصهر الاسد ورجل ثقته عاصف شوكت.

الدول الغربية، التي لا تزال تبحث عن الطريق السليم لمساعدة المعارضة، تبنت لنفسها منذ الان عدد من القنوات في ظل تشتيت المخاطرة والامتناع عن الاعلان عن مجموعة معينة، بما في ذلك المجلس الوطني، كمنظمة ممثلة. على خلفية الانتخابات في مصر والتي أظهرت المسافة التي بين بدايتها كثورة ليبرالية ونهايتها بتعزز كبير للاصوات الاسلامية، يحذر في افعالهم ايضا اولئك المعنيون بنجاح المعارضة. ومع ذلك، واضح أنه بدون مساعدة خارجية سيصعب على المعارضة الصمود وعليه يتردد الغرب في مسألة من يدعم في ظل محاولات حذرة لمساعدة المحافل التي تعتبر اكثر اعتدالا. في هذه الاثناء هنا ايضا لا توجد وحدة صف ويخيل أن الغرب يبذل استثماراته في معسكر المعارضة الليبرالية بينما محافل في الخليج وفي ايران (التي تفهم بانه يجب الاستعداد لسيناريو لا يتضمن الاسد) تعزز المعارضة الاسلامية، وذلك بالتوازي مع محاولات السعوديين تحقيق حل وسط سياسي وحوار بين المعارضة والاسد.

ظاهرة الانقسام ليست جديدة وبقدر كبير تميز آلية 'الربيع العربي'. والدليل 81 حزبا ومئات المرشحين المستقلين في الانتخابات التونسية وظاهرة مشابهة في مصر. وعليه يخيل أنه لا يمكن التوقع لتغييرات ذات مغزى في آلية 'وحدة الصف' من الداخل. من هنا فان المفتاح ل 'محطم التعادل' الممكن يكمن في قرار الغرب التدخل في صالح المعارضة بشكل عام في ظل اختيار واع للمعسكر الصحيح. غياب التدخل الذي يجد تعبيره في اعتراف سياسي، في مساعدة للجيش الحر او في ضمان رواق انساني، سيساعد الاسد على استغلال الانقسام لغرض تأكيد الادعاء بان الاحداث في سوريا تحركها اساسا محافل الارهاب وليس المعارضة الشرعية. تدخل الغرب وان كان سيقرب تنحية الاسد الا انه ينطوي ايضا على مخاطرة لمواصلة الانقسام وتعاظم العنف في اليوم التالي. ومع ذلك، يبدو أن استمرار الاحداث في صيغتها الحالية وتعزز المحافل السلفية سيعزز امكانية أن يتدخل الغرب اخيرا ليغير موازين القوى بين النظام والمعارضة. ومثلما في حالة ليبيا، يخيل أن هنا ايضا يلوح سيناريو تقود فيه اوروبا الخطوة.

مفترق الشرق الاوسط 7/6/2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجزرة تلد اخرى .. عبد الباري عطوان

2012-06-07

القدس العربي

مجزرة امس التي وقعت في بلدة القبير في ريف حماة وسقط فيها ما يقرب من المائة شخص ذبحا وحرقا على ايدي ميليشيات موالية للنظام، حسب معظم الروايات، جاءت افضل هدية للأطراف السورية والعربية التي تستعجل التدخل العسكري الاجنبي لاسقاط النظام السوري وتكرار السيناريو الليبي.

هذه المجزرة جاءت بعد اقل من اسبوع على مجزرة الحولة، التي وصف الرئيس الاسد نفسه من اقدموا على تنفيذها بالبشاعة والهمجية التي شاهدناها بأنهم وحوش، وقتل فيها خمسون طفلا معظمهم ذبحا.

السلطات السورية نفت حدوث هذه المجزرة من الاساس كعادتها دائما، ثم اعترفت بمقتل تسعة اشخاص على ايدي جماعات ارهابية مسلحة، ثم التزمت بعد ذلك الصمت.

اذا كان من ارتكب هذه المجزرة هي جماعات مسلحة، فلماذا لم تسمح هذه السلطات لفريق المراقبين الدوليين بزيارة البلدة والتحقيق فيها، ومقابلة الناجين منها لأخذ شهاداتهم؟

وكالة الانباء السورية قالت ان السلطات سمحت للمراقبين بالذهاب الى البلدة، ولكن الجنرال روبرت مود قائد فريق المراقبين الدوليين قال انه ذهب ومجموعة من زملائه الى حماة لمعاينة المكان والتحقيق في المجزرة ولكن حواجز للجيش السوري ومجموعات من الميليشيات المدنية المسلحة اعترضت طريقه ومنعته من أداء مهمته، وقال انه سيعاود الكرة اليوم الجمعة. واذا كان النفي السوري جادا فلماذا لا نرى لجنة تحقيق دولية وسورية مشتركة تحقق في هذه المجازر، لأن مصداقية لجان التحقيق السورية معدومة تماما.

هذه المجازر هي احدى حلقات التطهير الطائفي في سورية، وهي الفتيل الذي اشعل، بل سيزيد اشتعالا نيران الحرب الاهلية الطائفية التي ستمزق الوحدة الجغرافية والديموغرافية لسورية، وتفرّخ كيانات صغيرة مشوّهة ومتقاتلة ربما لعشرات السنين المقبلة.

النظام السوري مطمئن الى تراجع احتمالات التدخل العسكري الدولي، لأنه يحظى بدعم روسيا والصين وايران اولا، ويراهن على خوف القوى الغربية من تكرار سيناريوهات تدخلات مكلفة سابقة في العراق وافغانستان على الصعيدين البشري والمالي، ولكن ما لا يعلمه ان الغرب يتعلم من اخطائه، ويطوّر خططا جديدة على غرار ما حدث في ليبيا، حيث لم يرسل جنديا واحدا على الارض واكتفى بالقصف الجوي.

' ' '

التحرك الغربي العربي المشترك في سورية بدأ يعتمد سيناريو بديلا، وهو استخدام السوريين والعرب الآخرين لخوض الحرب ضد النظام، من خلال حرب استنزاف طويلة الامد مدعومة بحصار خانق.

هناك خياران امام النظام: الاول ان يلجم هذه الميليشيات التي تتمتع بحمايته ودعمه، والثاني ان يعترف بأنها خارج سيطرته، ولا تنطلق بتعليمات منه او بعض المحسوبين عليه. ولا نعتقد ان الاحتمال الثاني ممكن.

هذه المجازر علاوة على كونها تزيد من عزلة النظام داخليا وخارجيا معا، فإنها توفر الذرائع والحجج للذين يريدون ارسال اسلحة ومتطوعين للقتال في سورية من اجل اسقاطه، وتحويل سورية الى دولة فاشلة تسودها الفوضى.

روسيا ستستمر في دعم النظام ومنع اي تدخل عسكري خارجي لاسقاطه، ليس لدينا ادنى شك في ذلك، واعلن سيرغي لافروف بالامس في الاستانة ان بلاده ستمنع صدور اي قرار من مجلس الامن الدولي يجيز تدخلا خارجيا في سورية، ولكن هذا الموقف الروسي قد يتغير اذا استمر النظام في الإقدام على افعال تحرج حلفاءه، مثلما شاهدنا في الحولة والقبير.

الموقف الروسي بدأ يتغير وبشكل تدريجي، وسمعنا ميخائيل بوجدانوف نائب لافروف يؤكد يوم امس ان موسكو ستقبل انتقال السلطة في سورية على غرار ما حدث في اليمن، اذا قرر الشعب السوري ذلك، وهو تصريح فسره مراقبون على ان الكرملين ينأى بنفسه عن الرئيس الاسد.

ان يقول بوجدانوف ان مصير الرئيس السوري 'ليس امرا يتعلق بنا، بل هو امر يرجع للسوريين انفسهم'. واضاف 'ناقش اليمنيون سيناريو اليمن بأنفسهم، فإذا فعل السوريون الشيء نفسه وتبنوه (السيناريو اليمني) فإننا لسنا ضدهم'.

' ' '

هذه اوضح رسالة توجهها موسكو للرئيس بشار الاسد منذ بداية الأزمة تقول مفرداتها ان معارضة التدخل الخارجي في سورية لا تعني القبول بحالة الجمود الحالية، فروسيا تدعم النظام ولا تدعم اشخاصا بعينهم، فأي نظام سوري يحفظ مصالحها كاملة هي مستعدة لدعمه.

الدول العظمى لا تتعامل بالعواطف والقيم، وتصيغ سياساتها وتحالفاتها وفق مصالحها الاستراتيجية، ولا نستغرب ان يكون هذا التغيير المتسارع في الموقف الروسي هو ثمرة 'صفقة ما' جرى التوصل اليها مع الولايات المتحدة الامريكية، على غرار الصفقة التي جرى التوصل اليها بينهما وادت الى تخلي روسيا عن حليفها صدام حسين في العراق.

السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية اوفدت فريد هوف المختص في الملف السوري الى موسكو، وقال الكسندر لوكاشفيتش المتحدث باسم الخارجية الروسية، ان هوف سيلتقي بمسؤولين بوزارة الخارجية الروسية 'للبحث عن البدائل الامثل لتعزيز التحالف الدولي الداعم لخطة كوفي عنان'، وليس صدفة ان السيدة كلينتون طلبت عقد مؤتمر عاجل لأصدقاء سورية في اسطنبول ليلة امس الاول، طارت اليه بسرعة من اذربيجان.

النظام السوري يعيش مأزقا كبيرا هذه الايام، ومن المؤكد ان المجازر التي ترتكبها قواته او بعض الميليشيات المحسوبة عليه، لن تخرجه من هذا المأزق بل ستزيد إغراقه فيه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الكلام في المحرم الطائفي والطائفة الوظيفية .. قاسم الطباع *

الجمعة ٨ يونيو ٢٠١٢

الحياة

طوال عقود كان الحديث عن واقع الطائفية في سورية جريمة يُعاقب مرتكبها بحزم، ومن دون رحمة. محاولة توصيف جانب من شبكة الحماية التي أنشأها الأسد الأب، المكونة من محاور أهلية ثلاثة: الطائفية، العشائرية، الجهوية، كانت جريمة لا تغتفر. وهو ما يغري بتناول كل منها بالتفصيل، ويكفي وحده، من باب تحدي المنع في زمن الثورة، ليبرر القول الصريح، لولا أن لتناول هذه الأبعاد ضرورة في وعي الثورة للواقع الموضوعي الذي تواجهه. ومن الضرورة هذه نجد أولوية تفكيك شبكة الحماية، التي ظهر خلال الأشهر الماضية كيف أنها تحت الضغط تفقد الكثير من تناسقها. فقد ظهر في سياق مواجهة الحراك الشعبي مع سلطة الاستبداد أن نجاح الأخيرة في استثارة العصبية الطائفية ينعكس سلباً على قدرتها على الاستفادة من التناقضات الجهوية، ويثير الريبة في صفوف العشائر، حين ينبه الطرفين إلى سنّيتهما. ومن الواضح أن السلطة انتبهت لهذا التناقض فعمدت أخيراً إلى الضغط على أداتها الطائفية لخفض منسوب سعيرها، تحديداً بعد ارتكابها المجازر في مدينة حمص المنكوبة.

في سورية هناك ما يتجاوز المعروف من صراعات الشعوب مع النظم السياسية التي جرت في العصر الحديث. طبيعة السلطة ومنشؤها الاجتماعي، وسبل ارتقائها ودفاعها عن بقائها، وهبت الصراع خصوصية. فالعائلة الحاكمة ذات المنشأ الريفي الطرفي، والمحملة بعبء الدين المختلف عن دين غالبية مواطنيها، لم تستطع طوال عقود تطبيع وجودها حتى في النطاق الاجتماعي لعاصمة الدولة التي تحكم. وكان مؤسسها قد حافظ على تحالفه مع الضباط من أبناء طائفته، الذين شاركوا معه في الانقلاب العسكري الذي أتى به إلى الحكم. وهو ذهب أثناء، وبعد، محنة حماة في الثمانينات إلى زيادة الاعتماد على أجهزة أمن جل قادتها وعناصرها من الطائفة العلوية. وبعد وفاته وتوريث ابنه الرئاسة دعم الأخير استكمال تزاوج السلطة والثروة، وعلى رغم وجود شركاء من بقية الطوائف إلا أن العائلة التي تحولت إلى مَلكِية كان لها النصيب الأكبر من الغنائم. ومن هذا المزيج الذي يكاد يكون فريداً أعيد إنتاج سلطة شديدة الانفصال والتعالي عن عامة الشعب، تنبسط فوق أجهزة قمع، من رعايتها خَلقت «طائفة وظيفية».

المظلومية التاريخية كانت من الأعمدة الإيديولوجية لتبرير الطائفة لنفسها دورها الوظيفي القمعي. الريفيون الذين استقدموا بأعداد كبيرة إلى المدن لملء أجهزة الأمن والجيش لم يجدوا احتضاناً من قبل الفئات المدنية. مجتمعات بأكملها نُقلت من قراها إلى هوامش المدن محملة بعلاقاتها وثقافتها وعدائيتها. وهناك عاشت خارج عملية الإنتاج الاجتماعية، وبقيت منبوذة من شبكة العلاقات الاجتماعية. طوال عقود أربعة كانت المدينة تعيش وطأة زيادة سكانية متنامية لا تحتاجها، زيادة مبررها الوحيد حاجة الاستبداد لإرهاب وقمع المدينة نفسها.

نتج عما سبق مجتمعان متجاوران منفصلان، التعايش بينهما هو تجاهل الأكثرية للأقلية المشغولة بعوالم السلطة وتتبع أخبارها كحال المجموعات الوظيفية عبر التاريخ. وفي ظل العزلة أعاد الجيل الشاب من العلويين بناء أدلوجتهم، متحررين من «لوثة» العلمانية التي رافقت شباب آبائهم، متمثلين ذاكرة مظلومية مزيفة تدعي الفرادة، مفسرين من خلالها رفض مجتمع المدينة لهم. وفي هذا ضرب من التناسب الدينامي مع احتياجات سلطة الاستبداد لعناصر قهر المجتمع الذين يشتركون معها في مناصبته العداء.

يمكن عد التدخل السوري في لبنان تجربة شديدة التأثير في وعي الطائفة لنفسها، هناك أيضاً كان أبناؤها الأداة القمعية للسلطة. وفي محنة الخروج المذل وجد العلويون أنفسهم مرة أخرى متماثلين مع السلطة التي يخدمون. كانت مطالب الحرية والاستقلال عن الاحتلال السوري تثير فيهم الغيظ، لأنهم فهموها دعوة للتخلص من الامتيازات التي اكتسبوها، وهذا ما حصل فعلاً. لذلك ما أن انطلقت أول الاحتجاجات في درعا، وبدأت مطالب الحرية والديموقراطية تتردد، حتى أصيبوا بصدمة نفسية أربكتهم. كان كل هتاف بالحرية يترجم في آذانهم نداء للتخلص من دورهم الوظيفي، ويفسر بواسطة أدلوجتهم تهديداً مباشراً لامتيازاتهم، وهو ما يعني عندهم عودة لمظلوميتهم. على رغم ذلك، ونتيجة طول فترة السلم الأهلي، احتاج العلويون الى تحريض إضافي من قبل السلطة لدفعهم إلى مواجهة المتظاهرين بدموية. وخدمة لهذه الغاية بادرت السلطة منذ اليوم الأول للثورة إلى إثارة الإشاعات بين العلويين، فاتهمت الثورة بالسلفية، وقوّلتها النية باستباحتهم، وأثارت الصدامات الطائفية حيث استطاعت، الأمر الذي توجته في مؤامرة جسر الشغور حين رتبتها بعناية لتكون صورة المصير المحتوم للطائفة إن سقطت السلطة.

وإذا كانت المبالغة في تزييف الأحداث الجارية خلال الأربعة عشر شهراً من عمر الثورة قد أدت لموجة من السخرية مما بدا للكثيرين سذاجة، وفشل إعلامي، إلا أن معرفة الفئات المستهدفة من الرواية الكاذبة، وحقيقة استقبالهم لتلفيقات هذا الإعلام بقبول منقطع النظير، يفسر المبالغة، ويبين مدى انسجامها مع غاياتها. وهو ما يكشف جانباً من استراتيجية سلطة تهتم ببناء رواية بقصد أن تتبناها طائفة بعينها، بينما تعلم أن السبيل الوحيد لقبول بقية الشعب بها هو الإجبار.

ختاماً: كما دوماً، تؤدي محاولة تفسير الواقع من خلال التركيز على المحاور الأساسية فيه إلى إضعاف الاهتمام في جوانب أخرى منه. فهناك إضافة للدور الوظيفي للطائفة تسرب لبعض أبنائها إلى عملية الإنتاج الاجتماعية. وهناك انشقاق بعضهم، عبر اكتسابهم وعياً من خارج أدلوجة الطائفة. وهو ما يفسر مشاركة خيرة شباب العلويين في الثورة، ودعمهم لها، وعدّهم إياها خلاصاً من ما اعتبروه مصادرة للطائفة وتعريضاً لها للمحن لمصلحة طغمة من المتسلطين المنعمين. بخصوص هؤلاء يمكن الحديث عن منشقين «اندماجيين»، جلهم اجترح البطولات في صفوف الثورة. وهو ما يشير إلى الطريق الذي يستوجب على المعارضة المتولدة من الحراك الشعبي السير فيه، أي إنتاج وطنية سورية بفاعليتين متداخلتين: تقدير التعدد الثقافي والهوياتي، ممزوجاً مع تبيان الفوائد الاقتصادية لإنهاء حالة النهب والإفقار؛ وتوضيح سبل الاندماج الاجتماعي، ومنها سبل إنماء المناطق المحرومة، وبمقدمها مناطق سكن الطائفة العلوية التي تم إهمالها عن قصد لدفع أبنائها للهجرة إلى حضن السلطة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما هي خطة لعبة أوباما؟ .. باتريك سيل *

الجمعة ٨ يونيو ٢٠١٢

الحياة

يبدو أنّ سياسات الرئيس باراك أوباما في الشرق الأوسط تتسبّب بمشاكل متزايدة. فلا شكّ في أنّ استمراره في استخدام الطائرات من دون طيّار لشنّ هجمات بالصواريخ ضد أهداف محدّدة في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال وفي أمكنة أخرى، بوتيرة مرة في الأسبوع حالياً، يولّد «إرهابيين» أكثر من أولئك الذين يتمّ قتلهم. فيساهم هذا الأسلوب في تأجيج حدّة المشاعر المعادية للأميركيين، لا سيّما أنه يتسبّب بسقوط ضحايا مدنيين. ويقال إن أوباما يختار الإرهابي المشتبه فيه الذي يجب استهدافه وقتله في أسبوع ما وكأنه يمنح موافقة رئاسية على العمليات المشكوك في شرعيتها.

أما ما يبعث على القلق فهو قيام أوباما عمداً بنسف مبادرتين ديبلوماسيتين، الأولى أطلقتها مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون والثانية أطلقها الأمين العام للأمم المتحدّة الأسبق كوفي أنان. كانت آشتون تدير مسعى للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا من أجل التفاوض على صفقة مع إيران حول برنامجها النووي تكون «رابحة للطرفين»، فيما كان أنان يناضل من أجل إيجاد مخرج يتمّ التفاوض عليه للأزمة السورية القاتلة. ويبدو أوباما عازماً على المساومة على كلا المبادرتين.

نجحت كاثرين آشتون في إطلاق محادثات الدول الخمس الدائمة العضوية زائد ألمانيا مع إيران في إسطنبول في 14 نيسان (أبريل) بعد أن اتفقت مع كبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي على قواعدها الأساسية. وتعهّدت حينها بأن تكون معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية «أساس» المحادثات، مرسلة بذلك إشارة واضحة إلى إيران مفادها أنه يحقّ لها تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5 في المئة لتوليد الطاقة ولأهداف سلمية أخرى بموجب توقيعها على هذه المعاهدة. كما أعلنت أنّ المفاوضات «ستجري على أساس مبدأ خطوة خطوة والمبادلة»، ما يدلّ على إمكان رفع العقوبات في مرحلة معيّنة حين تتخلى إيران عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة وفي حال قدّمت أدلة مقنعة تفيد بأنها لم تكن تسعى لصناعة الأسلحة النووية. وردّت إيران بإيجابية على هذه المقاربة وحظيت هذه المحادثات ببداية جيّدة.

لكن، خلال الاجتماع التالي الذي عُقد في بغداد في 23 أيار (مايو)، توقّفت المحادثات. فلم يتمّ إحراز أيّ تقدّم يذكر عدا الاتفاق على الاجتماع مجدداً في موسكو في 18 و19 حزيران الجاري. وتبدّدت الآمال لأنّ أوباما شدّد موقف الولايات المتحدّة. فلم يتمّ الاعتراف بحقوق إيران بتخصيب اليورانيوم عند مستوى متدن حتى أنّ الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن رفضت مناقشة الموضوع ولم يتمّ تخفيف العقوبات. بل على العكس، واجهت إيران إمكان تطبيق عقوبات أكثر قسوة في 1 تموز (يوليو). وتمّت رشوتها بعرض يقضي بتقديم قطع غيار لطائرة مدنية إيرانية مقابل تعهّد إيران وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة. وفي الواقع، طُلب من إيران التخلي عن ورقتها الرابحة مقابل لا شيء. ولا عجب في أنّ طهران اعتبرت هذا العرض الهزيل مهيناً.

يبدو أنّ أوباما اقتنع بأنّ إيران التي ترزح تحت ثقل «عقوبات شالّة» ستخضغ للمطالب الأميركية في حال تمّت ممارسة ضغوطات إضافية عليها. ويعدّ ذلك خطأ فادحاً. فبدلاً من أن تخضع إيران، ردّت بتحدّ. فاضمحلت الآمال ببلوغ صفقة رابحة للطرفين. ومن غير المتوقع إحراز تقدّم كبير خلال المحادثات التي ستجري في موسكو.

ما الذي يريده أوباما؟ يبدو أنه تبنى وجهة نظر إسرائيل المتشدّدة القائلة بأنّه ينبغي على إيران وقف صناعتها النووية، الأمر الذي وضع حداً للصفقة. وليس واضحاً بعد ما إذا كان يفعل ذلك لعكس الاتهامات التي وجهها إليه منافسه الجمهوري ميت رومني بالضعف أو ما إذا كان موقفه المتشدّد والعنيد يهدف إلى تفادي خطر تهديدات إسرائيل بشنّ هجوم على إيران في الأشهر المقبلة، الأمر الذي قد تنجرّ إليه الولايات المتحدّة بسبب الروزنامة الانتخابية الأميركية.

انضم أوباما إلى إسرائيل في الحرب السرية التي تشنها ضد إيران. وفي مقال مهم نشرته في الأسبوع الماضي صحيفة «نيويورك تايمز» كشف ديفيد سانغر أنه «منذ الأشهر الأولى على توليه منصبه، أمر الرئيس باراك أوباما سرّاً بشنّ هجمات متطوّرة على أنظمة الكومبيوتر التي تدير منشآت إيران الأساسية لتخصيب اليورانيوم». ومن ثمّ عملت الولايات المتحدّة وإسرائيل معاً على تطوير سلاح «ستاكسنت» على شبكة الإنترنت، ما تسبّب بضرر كبير في أجهزة الطرد المركزي في منشأة ناتانز الإيرانية.

ويرقى إطلاق فيروس «ستاكسنت» ضد إيران إلى إرهاب دولة. فلا عجب في أن تقوم إسرائيل بممارسات مماثلة إذ ترتكز سياستها الإقليمية برمتها على تقويض الدول المجاورة لها والإخلال باستقرارها حتى تضمن الحفاظ على هيمنتها. لكن كيف تستطيع الولايات المتحدّة التي تدّعي أنها المدافع الأعلى عن النظام الدولي تبرير تصرّف مماثل؟

يحاول أوباما الذي لم يكتف بتقويض جهود كاثرين آشتون، تقويض مهمّة كوفي أنان الصعبة في سورية. يدافع الرئيس الأميركي عن خطة أنان للسلام فيما يعمل سرّاً على تنسيق عملية تدفق الأموال والمعلومات الاستخباراتية والأسلحة إلى أعداء بشار الأسد. وتعتبر عدة مصادر أنّ الولايات المتحدّة تعمل على اختيار المجموعات المسلحة التي تستحق الدعم. ويفترض البعض أنه من خلال تلهّفه إلى إسقاط النظام السوري، لن يقع أوباما في فخ تمويل وتسليح الجهاديين الذين يرتبط معظمهم بتنظيم «القاعدة» والذين قدموا من الدول المجاورة لها لمحاربة النظام السوري.

باختصار، يبدو أنّ أوباما تبنى ذريعة الصقور الإسرائيليين والمحافظين الجدد الأميركيين بأن إسقاط النظام السوري هو الطريقة الأفضل لإضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعزلها وقطع علاقاتها بالمقاومة اللبنانية والفلسطينية وتغيير النظام في طهران.

وتكمن المعضلة في فهم ما الذي حصل لأوباما. كان من المتوقّع أن يصحّح هذا الأستاذ السابق في القانون الدستوري الجرائم الفادحة التي ارتكبتها إدارة بوش مثل الوحشيات التي ارتكبت في سجن أبو غريب وسجن غوانتانامو وووسيلة التعذيب من خلال الغمر بالماء وشبكة السجون السرية حيث بات التعذيب عملاً يومياً إلى جانب ممارسة «أساليب تعذيب أخرى». فقد ساهم من خلال أعماله العنيفة والمشكوك فيها في توسيع الهوة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.

وذكّر هنري كيسنجر في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الولايات المتحدّة بمخاطر التدخل الإنساني في سورية. وكتب «في حال تمّ اعتماده مبدأً في السياسة الخارجية، فهذا الشكل من أشكال التدخّل يطرح أسئلة كبيرة للاستراتيجة الأميركية. هل تعتبر أميركا نفسها مجبرة على دعم كلّ انتفاضة شعبية ضد أي حكومة غير ديموقراطية؟». وتابع بالقول إنه في حال تمّت الإطاحة بالأسد ستندلع حرب أهلية جديدة بما أنّ المجموعات المسلحة تعارض الوراثة. وأضاف: «من خلال الرد على مأساة، يجب التنبّه لعدم توليد مأساة أخرى».

تقوم نقطة كيسنجر الرئيسة على أنّ الدول تحظى بسيادتها ضمن حدودها. قد تملك الولايات المتحدّة أسباباً استراتيجية تدفعها إلى دعم سقوط الأسد لكن لا «تعدّ أي مصلحة استراتيحية سبباً لشنّ حرب، ولو حصل ذلك فلن يتمّ الإفساح في المجال أمام الديبلوماسية». بمعنى آخر، يجب أن يدعم العالم خطة أنان وأن يمهلها الوقت حتى تؤتي ثمارها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«مقدمات نظرية» للمجزرة  .. حسام عيتاني

الجمعة ٨ يونيو ٢٠١٢

الحياة

خطاب الرئيس بشار الأسد الذي افتتح به العقد الجديد لمجلس الشعب السوري، شكل عمليا إشارة البداية للموجة الحالية من المجازر واعمال القتل الواسعة النطاق والاعتداءات على المدن والقرى الثائرة.

وعندما يقول «نحن نواجه الآن حربا حقيقية من الخارج والتعامل مع حرب يختلف عن التعامل مع خلاف داخلي... وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة»، يصبح التفسير الوحيد الذي ستخرج به مجاميع الشبيحة وعناصر الأجهزة الامنية للكلام هذا هو الإمعان في قتل كل معارض ونقل «الحرب» الى مستوى التصفيات الطائفية الجماعية. والأرجح أن الأسد كان يدرك في أي طريق يدفع سورية.

ويجب عطف سلوك من نفذ مجزرة القبير على ما قيل في مجلس الشعب. فهذا يحدد السقف السياسي لعمل السلطة وأدواتها الغارقة حتى الرقبة في اشعال الحرب الأهلية. بل أن الخطاب المذكور يمثل «المقدمات النظرية» لمذبحة القبير ولكل ما سيتبعها من عنف ضد المواطنين، بعدما أسقط النظام ما تبقى له من أقنعة وانصرف المسؤول الأول عن لغة المراوغة إلى عبارات واضحة رافضة «للرمادية الوطنية» ومتمسكة «بدور سورية المقاوم»، معتبرا ان المسألة ليست في الاصلاحات والديموقراطية. أي ان الولاء للنظام والقبول بتصوراته لموقعه الاقليمي، تعلو سواها من المطالب التي ترفعها المعارضة.

ولا يفعل الاصرار على استحضار «المقاومة» في كل الخطابات سوى المزيد من تجويف المصطلح ووضعه في خانة الصراع بين النظام ومعارضيه، ما سيكون له انعكاساته على السياسات السورية في المرحلة المقبلة.

إلى ذلك، يصعب فهم صورة البلاد التي يريد منفذو مجازر الحولة وكرم الزيتون وبابا عمرو والقبير ان يعيشوا فيها. فلا يمكن فصل دوافعهم عن حقد الجماعات اليائسة المدركة قرب نهاية «اليوتوبيا» التي يصور لها الحكم انه اقامها لها، على اشلاء الجماعات الأخرى، وعن الرغبة في تدمير الآخر لاستئناف الحياة الهانئة السابقة، بعدما قضى عليها تمدد الآخر الطائفي او السياسي، من جهة ثانية.

التصور المركب لما بعد المجزرة لا يصدر عن عقل ضنين فعلا بالعيش ضمن مجتمع متعدد الانتماءات العرقية والطائفية ولا عن تصور عقلاني لدولة يكون فيها تقاسم الثروة تقاسما عادلا او تداول السلطة سلميا من سماتها المؤسسة. بل يصدر عن ذات العقل الاقصائي الذي تحدث في مجلس الشعب متصورا ان الاصلاحات والأحزاب، كما القرار بالحرب على المجتمع، تصدر من عنده وبعد استكماله حساباته للربح والخسارة. فهو من اتى بالاصلاحات (وليس الفساد) وهو من يستعيد الامن (وليس من فرض القمع) الى آخر سلسلة الكلام مزدوج المعنى.

والمرارة التي يشعر بها كثر من السوريين بسبب محاولة النظام اخضاعهم عبر الرعب والدم وصور الرؤوس المنفجرة، ستجد تعبيرا عنها في الرد على عنف السلطة بعنف مقابل وتشريع استدعاء التدخل الخارجي لوقف كابوس المجازر المتنقلة والذل المعمم. وفي هذا بعض ما يريده الحكم الذي أدرك منذ اليوم الأول للأحداث ان قدرته على اعادة ضم المجتمع السوري تحت جناحيه الأسودين قد تبخرت وانه لا يملك من الوسائل إلا تلك الدموية.

وبعد شهور طويلة من الجدال حول جدوى و»أخلاقية» تسليح الثورة السورية، وبعدما اضطر الاف من المعارضين لحمل السلاح دفاعا عن انفسهم، يبدو النظام مصرا على تعرية الواقع كاملا من كل الأكاذيب التي نسجها في الاعوام الأربعين الماضية واضفاء التعقيد الشديد على أحوال سورية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لحل في سورية يسير على سكّتين وبوتين يفاوض على المواعيد  .. راغدة درغام

الجمعة ٨ يونيو ٢٠١٢

الحياة

دخلت المناقصة والمقايضة مرحلة حامية في الفترة الأخيرة عبر سكّتين متوازيتين: إحداهما ترتكز الى تفاهم دولي وإقليمي على عملية انتقالية منظمة في سورية يتنحى بموجبها الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة طوعاً، على نسق النموذج اليمني. والأخرى ذات شقين، اقتصادي قوامه تضييق الخناق اقتصادياً على النظام في دمشق عبر قرار لمجلس الأمن إذا كان ذلك ممكناً، وعسكري عبر اقامة تجمع لمجموعة دول أوروبية وغربية بمشاركة أميركية من نوع ما، تمكّن من شن عمليات جوية محدودة وفرض حظر جوي إذا أصبح ذلك ضرورياً. السكّتان تسيران معاً عبر القارات في اجتماعات ثنائية ومتعددة الأطراف على أعلى المستويات، والجديد فيهما هذا الأسبوع ان روسيا عبّرت علناً عن عدم تمسكها ببقاء الأسد في السلطة، وأن الولايات المتحدة قالت علناً إنها تدرس جميع الخيارات ولم تعد في حالة تردد.

الرئيس الأميركي باراك أوباما منغمس، بطبيعة الحال، بالانتخابات الرئاسية المقبلة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر). والإدارة الأميركية أبلغت معظم المعنيين في المنطقة العربية والشرق الأوسط وأوروبا أنها تريد «فاصلاً» أو «نقطة توقف» Pause في الشق المعني بإجراءات على الأرض نحو الحل العسكري الى ما بعد هذا الموعد، لجهة اتخاذ الإجراء، وليس لجهة الإعداد لاتخاذ الإجراء.

لذلك، يقوم عدد من الدول العربية والأوروبية بالتحضيرات الضرورية لخيار عسكري في حال فشل الحل السياسي على يدي المبعوث الأممي-العربي كوفي أنان، أو على يدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفرنسا وبريطانيا ودول في أوروبا الشرقية هي ضمن هذه المجموعة التي تضم دولاً خليجية، أبرزها المملكة العربية السعودية وقطر، وكذلك تركيا.

الأردن ليس في صدارة الخيار العسكري، نظراً لهشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي المترتب على تدفق اللاجئين السوريين اليه. لذلك، هو ليس في الطوق الأول من الإعدادات العسكرية عبر حدوده الى سورية. لبنان يقع خارج هذه الإعدادات، بسبب ظروفه الاستثنائية وانقساماته تجاه الشأن السوري. العراق يمر في مرحلة ملفتة، سيما لجهة طرح الثقة بحكومة نوري المالكي وما يترتب على اعادة رسم العلاقة العراقية–الإيرانية في ضوء التطورات الداخلية والإقليمية. والمطلوب من الحدود العراقية–السورية يدخل في خانة الضبط وليس في خانة انشاء ممرات آمنة أو مناطق حظر طيران. أما العمل الجدي في الإطار العسكري، فإنه عبر البوابة التركية.

تركيا من جهتها، غارقة في العمل على السكّتين، وعينها على اللاعبين الآخرين، بدءاً بالولايات المتحدة وروسيا، مروراً بالدول الخليجية الرئيسية، وكذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وانتهاء بالمعارضة السورية، كما ان الحكومة التركية تأخذ في حسابها الرأي العام في تركيا ومدى استعداده للتدخل العسكري المباشر في سورية.

لذلك، فان تركيا طرف مباشر في العمل على السكّتين. والنقاش الأميركي–التركي قائم في عدة صيغ وسيناريوهات لكي تضمن أنقرة عدم حدوث تورط تركي انفرادي، ولضمان صيغة ما بمباركة أو بمشاركة حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تنتمي اليه أنقرة.

من جهة أخرى، يقوم رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، بالتفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تفاصيل العملية الانتقالية السياسية في دمشق انطلاقاً من: متى يتنحى الأسد؟ وماذا سيحدث من الآن حتى تنحيه؟ ومن يضمن خروجاً آمناً له؟ ومَن يضمن صدقية هذا الخروج؟

بوتين يريد ان يكون عرّاب الحل السياسي، ولا أحد يمانع في ذلك، انما العبرة في التنفيذ، والشيطان في التفاصيل. روسيا تريد عملية انتقالية تحت سيطرتها في سورية يتم ضبطها مع لاعبين إقليميين من ناحية التفاصيل، فيما يتم التفاهم عليها من حيث العناوين الرئيسية عبر «الصفقة الكبرى» Grand barga مع الولايات المتحدة، فروسيا التي لا تثق بأميركا وتعتبر دول مجلس التعاون الخليجي طرفاً منحازاً ضد النظام في دمشق، تدرك أن إيران ليست في وضع يمكِّنها ان تكون جزءاً من العملية الانتقالية السياسية في سورية، لأنها تعتبر زوال النظام في دمشق ضربة شبه قاضية على ركيزة مهمة من إستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط. ولكل هذه الأسباب، فإن النقاش جارٍ بين بوتين وأردوغان حول تفاصيل العملية الانتقالية. وأردوغان بدوره مخوّل من المملكة العربية السعودية وينسق مع رئيس الحكومة القطرية حمد بن جاسم في هذا الصدد.

ما يحمله أردوغان الى الطاولة من تفاصيل يشمل الآتي: تحديد موعد واضح لتنحي بشار الأسد من الآن حتى الخريف، تشكيل حكومة انتقالية فيما يتولى مجلس عسكري رعاية الأمن والعمل نحو الاستقرار، تحديد موعد لانتخابات رئاسية قبل حلول شهر حزيران (يونيو) 2013، كفالة وسيلة ذات صدقية لخروج الأسد.

بوتين يفاوض على المواعيد والتفاصيل، الأسد يقاوم، وهو ما زال يطرح عملية سياسية تقوم على اصلاح النظام (وليس على استبدال النظام)، وعلى حوار مع المعارضة بصفته الرئيس الباقي في السلطة، لذلك يريد مواعيد الانتخابات في عام 2014، طبقاً لمفهوم بات غيرَ مقبول حتى لروسيا.

الإدارة الأميركية من جهتها أبلغت الحكومة الروسية انها جاهزة للانخراط معها في ايجاد وسيلة سليمة للعملية الانتقالية شرط الإيضاح لدمشق أن زمن إصلاح النظام ولّى ولا مناص من عملية انتقالية جدية في سورية.

وراء الموقف الروسي الجديد القائم على «الحل اليمني» عدة أسباب، من بينها ان بوتين لا يستطيع ربط اسمه واسم بلاده بنظام متهم بارتكاب المجازر بصورة منهجية، مهما كانت موسكو راغبة في بقاء النظام. ثم ان تطور الأوضاع الميدانية في سورية وبدء العد العكسي للانتخابات الرئاسية الأميركية يضع روسيا في مقدمة صانعي الحلول بدلاً من بقائها في خانة معطليها.

قرر بوتين ان يكون في صدارة منع انهيار الدولة في سورية وبدأ استراتيجية قوامها استعداد الغرب ليتقبل مجدداً أولوية الاستقرار على أولوية الديموقراطية. وعليه، يصر بوتين في محادثاته مع أردوغان وغيره على ضرورة وضوح معالم الأطراف البديلة الآتية الى السلطة في دمشق. بوتين لن يقبل باستيلاء الإخوان المسلمين على السلطة، ان كان ذلك عبر عملية ديموقراطية أو انقلاب عسكري. وهو يجد دعماً في هذا الموقف من شطر كبير من السوريين، بمن في ذلك داخل المعارضة. وهذه النقطة ما زالت من المسائل الشائكة في المباحثات حول العملية الانتقالية في سورية.

روسيا تريد كثيراً في اطار «الصفقة الكبرى»، من ناحية مكانتها الميدانية في منطقة الشرق الأوسط ومكانتها السياسية ونفوذها في مجلس الأمن، كما من ناحية علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة. بوتين يقدم الى أوباما اليوم خشبة خلاص في سورية، وهو يرى في هذه الخشبة خلاصاً له من التوغل في مستنقع ليس في صالحه. وهو يدرك ان أوباما لن يتمكن من التورط عسكرياً حالياً في سورية، لكنه أيضاً لن يتمكن من تجاهل المجازر سيما في المرحلة الانتخابية.

ما هو دور تركيا وإيران في العملية الانتقالية في سورية؟ وما هو موقع كل منهما في «الصفقة الكبرى»؟ وهل دور كوفي أنان ينحصر حالياً في شراء الوقت ريثما يتم التفاهم على «الصفقة الكبرى» بين الولايات المتحدة وروسيا والأطراف الإقليمية؟ هذه أسئلة رئيسية وبديهية والأجوبة عليها معقدة نظراً للتداخل والتناقض في الحسابات الدولية والإقليمية.

تركيا ستكون جزءاً من صنع العملية الانتقالية وجزءاً من الصفقة الكبرى. ايران قد تكون جزءاً من الصفقة الكبرى لكنها لن تكون جزءاً من العملية الانتقالية قريباً لأنها في غير مصلحتها.

القيادة التركية فقدت ثقتها بالقيادة الإيرانية وهي ترى ان لا مجال للاستثمار في صدق ايران أو الوثوق بها. لذلك، تلعب دوراً في نزع الثقة وضرب استقرار حكومة المالكي في العراق بهدف تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق.

أما في لبنان، فتعي أنقرة ان استراتيجية النظام السوري تقوم على تصدير الأزمة السورية الى لبنان، وهي تعتقد ان دمشق تصدّر الإرهاب الى تركيا وتعمل على تعزيز حزب العمال الكردستاني. ويتردد ان قوات خاصة تقوم بتوفير المساعدة للبنان كي لا يصبح ساحة لحرف الانظار عن التطورات السورية. ويقول عالمون بالسياسة التركية، إن تركيا لن تقبل بتدهور أو تصعيد الوضع في لبنان بقرار من دمشق، وإن العنصر العسكري سيكون حاضراً جداً اذا تطورت الأمور في هذا الاتجاه.

الأردن أيضاً خائف من تصدير اللااستقرار اليه في استراتيجية تحويل الأنظار عن سورية، وهو يخشى ان يكون غائباً في بال اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين أسرعوا الى ابلاغ رسائل واضحة حول تحويل لبنان ساحة بديلة للحرب السورية.

انما الآن، وفي هذه الفترة بالذات، يغلب حديث التفاهمات عبر صفقات دولية على كلام المواجهات العسكرية. ووفق المصادر، العمل جارٍ على صفقة قبل حلول رمضان أواخر الشهر المقبل، وإلا فإن موسم المواجهات الديبلوماسية والسياسية وربما الميدانية سيبدأ في مجلس الأمن مع تأجيل التنفيذ الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية، ما لم تفرض المجازر موعداً أبكر.

هذا الأسبوع، أثناء انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في إسطنبول، كان واضحاً ان المسألة السورية لوّنت لوناً آخر ما سمي ب «الربيع العربي» عندما انطلقت الثورات والانتفاضات العربية. كان واضحاً ان إسطنبول التي تستضيف اليوم الجمعة اجتماعاً فائق الأهمية يحضره وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والعرب باتت مدينة البحث في سكتي التفاهم والمواجهة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التماهي الروسي مع العبثية .. وليد شقير

الجمعة ٨ يونيو ٢٠١٢

الحياة

يبقى رد الفعل الدولي على كل مجزرة ترتكب في سورية قاصراً عن التعاطي مع مستوى الحدث والأرواح التي تزهق بدم بارد دفاعاً عن نظام بات مستحيلاً أن يستمر إلا بقوة القتل الذي يستولد القتل.

وإذا كانت مجزرة الحولة في 26 أيار (مايو) الماضي استدعت قراراً من الدول الغربية بطرد السفراء السوريين من عواصم هذه الدول، في خطوة غير مسبوقة (لأنها تتناول السفراء وليس فقط ديبلوماسيين عاملين في هذه السفارات) فإن هذا الشكل من التعبير عن الغضب هو الحد الأقصى المتاح في ظل غياب أي موقف موحد ورادع من المجتمع الدولي. فالمجازر تتكرر تحديداً بسبب غياب أي ردع ولأن مرتكبيها يطمئنون الى محدودية فعالية أي موقف دولي يكتفي بالإدانة والاستنكار، وطالما أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يقول إنه ليس باستطاعة بلاده أن تضع حداً لكل الفظاعات في العالم.

وإذا كان التعبير عن العجز لدى واشنطن هو ما يحكم موقفها، ويشجع التشكيلات العسكرية والميليشيوية التي أنشأها النظام السوري على المزيد من الترويع وسفك الدماء، فإن الموقف الروسي الذي ينحي باللائمة على المجموعات المسلحة وعلى تحريض بعض الدول على التدخل الخارجي متهماً إياها بأنها سبب المجازر، فإن موقف موسكو يشكل تبريراً مفضوحاً، هو الآخر للوحشية غير المسبوقة التي يمارسها النظام الحليف لها.

صحيح أن طرد السفراء السوريين من عواصم الدول الغربية يرمز الى موقف نهائي من هذه الدول، حاسم، ضد بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة. فطرد السفير يعني رفض أوراق اعتماده التي يحملها من رئيسه الى رئيس البلد المضيف. والطرد يعني عدم الاعتراف بالرئيس الذي فوّض سفيره الى هذه الدولة أو تلك، وقد يكون هذا الإجراء هو الأكثر وضوحاً بأن على أركان النظام السوري وحلفائه، لا سيما روسيا والصين وإيران، أن يغادروا مراهناتهم على أن الدول الغربية يمكن أن تقر باستمرار وجود الأسد على رأس السلطة في سورية، وبأن عملية الانتقال السياسي التي تدعو الدول الغربية روسيا الى التوافق عليها تنطلق من التسليم بذهاب الأسد.

إلا أن أركان النظام ليسوا في وارد تلقي الرسالة التي تنطوي عليها عملية طرد السفراء. والدليل أن العقل البعثي رد على ذلك بإجراء عبثي، قضى بطرد سفراء الدول الغربية. أي أن النظام السوري سحب اعترافه بشرعية رؤساء أميركا وتركيا وفرنسا وملكة بريطانيا. إنها عبثية مضحكة، بموازاة العبثية المحزنة، أمام مناظر المجازر المتنقلة، من الحولة الى مزرعة القبير وقبلها دير الزور وإدلب وغيرها من المجازر.

ومثلما هي عبثية، تلك المناورة الإعلامية الروسية التي ترفض التوافق على خطوات سياسية موحدة من المجتمع الدولي حيال النظام السوري، تحت مظلة إعلان موسكو أنها لا تعتبر بقاء الأسد شرطاً للحل، فإن تبرير المجازر بوجود المجموعات الإرهابية والمسلحة لا يقل عبثية، لأن الامتناع عن تحرك متعدد الأطراف حيال النظام نتيجته العملية بقاء النظام ورأسه. بل هو تغطية كاملة لمنطق النظام القائم على التمسك بالبقاء الذي يعني زوال الآخرين الذين سماهم الرئيس السوري «العدو الداخلي»، لا الإقبال على تسوية معهم كممثلين لشعب ثائر، حول الانتقال السياسي الذي كان متاحاً قبل أشهر، حين انطلقت مبادرات الجامعة العربية وخطة كوفي أنان.

لا تأبه موسكو لتداعي تبريراتها أمام واقعة منع جيش النظام السوري للمراقبين الدوليين من دخول مزرعة القبير أمس، وغيرها من الوقائع، بل هي تلعب لعبة النظام نفسه، وتستخدم حججه وتفسيراته للأحداث التي تذهب الى حد إنكار وجود ثورة وثوار. وهو إنكار يسهل من بعده الاقتناع، أو إقناع النفس، بأن إبادة المعارضين خطوة طبيعية مقابل مطلب زوال الحاكم الأوحد، وأن حصول مجازر هو من «الأضرار الجانبية» في صراع ترى موسكو أنه بين دول ومجموعات إرهابية وبين النظام القائم في دمشق.

فهل يستأهل سعي موسكو الى حفظ مصالحها في المنطقة وقلقها غير المبرر من تولي الإسلاميين السلطة في سورية (ومن تقدمهم في انتخابات ديموقراطية في عدد من الدول العربية)، ورغبتها في تنازلات من الولايات المتحدة في أوروبا حول الدرع الصاروخية ودعم جمهورية جورجيا، أن تغض النظر عن هذا القدر من المجازر؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل أميركا في القوقاز مقابل روسيا في سوريا؟ .. مراد يتكين

الشرق الاوسط

8-6-2012

جاءت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لثلاث دول من دول القوقاز، وهي أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، في خضم الأزمة السورية. إنه لأمر جيد أن نرى الولايات المتحدة تولي اهتماما بمشكلة ناغورنو قرة باغ، التي تعد عقبة كبيرة في طريق السلام والتنمية في المنطقة منذ الاحتلال الأرميني للأراضي الأذربيجانية عام 1993. ومع ذلك، ركزت زيارة كلينتون أيضا على بعض المجالات الأخرى محل الاهتمام بالنسبة للسياسية الخارجية الأميركية، التي تحظى أيضا باهتمام كبير من جانب روسيا.

وعندما وصلت كلينتون إلى المنطقة بدأت الاشتباكات بين القوات الأذربيجانية والأرمينية على طول المناطق الحدودية. وأشارت بعض التقارير يوم الاثنين الماضي إلى مقتل ثلاثة عسكريين أرمنيين على أيدي القوات الأذربيجانية، كما تم الإعلان يوم الثلاثاء عن مقتل خمسة جنود من أذربيجان. ومن جهتها رفضت أنقرة تصريحات كلينتون في العاصمة الأرمنية يريفان، التي قالت فيها إنه يتعين على تركيا وأرمينيا التوقيع على البروتوكولات التي تم تجاهلها منذ سنوات «دون أي شروط مسبقة»، وقالت أنقرة إن العقبة التي تقف في طريق توقيع تلك البروتوكولات كانت عبارة عن حكم سابق من قبل المحكمة الدستورية الأرمينية.

وعلاوة على ذلك فإن البيان الذي أدلت به كلينتون في جورجيا احتجاجا على الموقف الروسي تجاه الوضع في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لا يجعل موسكو سعيدة على الإطلاق.

ومع ذلك، دائما ما يكون هناك أكثر من طريقة واحدة للنظر إلى الشؤون الدولية، وإحداها بالطبع هي أن وزيرة الخارجية الأميركية تقوم بزيارة دول جنوب القوقاز، التي لا تزال تراها موسكو على أنها الفِناء الخلفي لروسيا ونقطة ضعفها أيضا، في حين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقوم بزيارة مهمة من الناحية الاستراتيجية للصين التي تعرب عن انزعاجها من الوجود البحري المتزايد للقوات الأميركية في المحيط الهادي. ويقوم بوتين بإصدار البيانات بشكل مستمر، ليس فقط عن القوقاز ولكن أيضا عن سوريا، حيث تعد روسيا هي الداعم الوحيد لبشار الأسد، بالإضافة إلى إيران طبعا. ويعطي هذا فكرة أخرى عما يحدث في المنطقة في الوقت الحالي.

ويزداد الأمر صعوبة الآن لدعم بشار الأسد وسط أعمال العنف المتصاعدة وإراقة الدماء. وقد يكون من قبيل المصادفة أيضا أن تتزامن تصريحات كلينتون بشأن التحركات الروسية في منطقة القوقاز والمتضمنة بعض الملاحظات بشأن الوضع المتدهور في سوريا، مع التصريح المثير للاهتمام الصادر من موسكو.

وتم نقل هذا التصريح إلى وكالة «ايتار تاس» الروسية في سويسرا من قبل نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف. وعلى الرغم من التوجه الرسمي الذي تم التأكيد عليه مرة أخرى في العاصمة الصينية بكين عندما دعت روسيا والصين إلى تقديم مزيد من الدعم لخطة كوفي أنان في سوريا، فإن غاتيلوف قد قال: «لم نقُل قط، أو نفرض شرطا بأن الأسد يجب أن يبقى بالضرورة في السلطة عند انتهاء العملية السياسية».

وقد يعكس هذا دبلوماسية الباب الخلفي، التي تم الحديث عنها كثيرا، بين الولايات المتحدة وروسيا على غرار ما حدث في اليمن. ويعني هذا أنه يتعين على الأسد أن يغادر البلاد حتى لا يواجه نفس مصير القذافي في ليبيا أو حسني مبارك في مصر، ويفتح الطريق أمام عملية تسوية في البلاد. قد لا تكون اليمن هي المثال الأمثل لسوريا، ولكن تصريح غاتيلوف يعد الأول من نوعه الذي يوضح أن الأمور في سوريا لن تستمر إلى الأبد بالطريقة التي تسير بها الآن.

* بالاتفاق مع «حرييت ديلي نيوز» التركية

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com