العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17 /04/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نداء عاجل إلى المعارضة السورية

فادي قوشقجي

2011/04/12

الإخوة الأعزاء في المعارضة الوطنية السورية

تحية طيبة

لا أجد مهمةً اليوم أولى من وقف نزيف الدماء. إن ما يجري في سورية منذ نحو الشهر قد بلغ درجة غير مقبولة من العنف، ودعونا – مؤقتاً – لا نغرق في الجدل حول الرواية الرسمية وروايات شهود العيان ومدى صدقية كل منهما. إن الدم يسيل بغزارة، وكائناً من كان الفاعل فإن المهمة الأولى ينبغي أن تكون وقف هذا النزيف.

أقترح عليكم التقدم لقيادة "الميدان" بدلاً من تركه في أيدٍ مجهولة. لا أعلم إن كنتم تعرفون من يقود صفحة "الثورة السورية" التي يجري فيها تنسيق كل التحركات وتستقي منها كل الفضائيات معلوماتها ومقاطع الفيديو التي تنشرها. أنا شخصياً لا أعرف تلك الجهة لكنها تبدو لي مشبوهة وشديدة التشنج. لا أعلم إن كنتم تعرفون بشكل شخصي بعض "القادة الميدانيين" الذين ينسقون تحركات الشارع، وإن كنتم تعرفونهم فلست أدري مدى الثقة التي يحظون بها لديكم. وأعتقد أنها اللحظة المناسبة لكي يتقدم صوت العقل، صوتكم، على كل الأصوات الأخرى.. وأعلم أنكم حتى لو لم تكونوا على صلة ميدانية بالمتظاهرين فأنتم على الأقل تحظون لديهم بما يكفي من الثقة والتأثير.

من كل ذلك أريد أن أخلص إلى نداء عاجل لكم للتقدم بمبادرة لوقف نزيف الدماء فوراً في سورية. أقترح عليكم صياغة بيان يعلن الرغبة بوقف التظاهر بكل أنواعه فوراً (وذلك تحديداً وحصراً من اجل وقف نزيف الدماء كائناً من كان المتسبب بهذا النزيف)… ودعوة السلطات إلى عرض كل ما لديها من إجراءات إصلاحية بالسرعة الكلية، وتحديد جداول زمنية لها، ومن المنطقي أن يتضمن البيان ما ترونه مناسباً من مطالب إصلاحية ربما لم يتم التطرق إليها حتى الآن. أقترح أن يكون بيانكم موجهاً إلى المتظاهرين لوقف التظاهر حقناً للدماء وتفويتاً للفرصة على مطلقي النار.. وإلى السلطات لعرض المطالب الإصلاحية ومناقشتها وجدولتها زمنياً في عرض حوار جدي، وأقترح أن يتضمن البيان قبولاً مسبقاً لكل دعوة توجهها السلطات لكم للحوار الفعلي.. وأقدّر أنكم إن تجاوبتم مع ندائي فسيكون بيانكم بمثابة المحاولة المخلصة لإخراج الأزمة من الشارع ونقلها إلى طاولات حوار محتملة إن تمت الدعوة إليها فإنها قد تخلص إلى نتائج مرضية لجميع الأطراف.. وهذه ال "قد" تستحق هذا الجهد منكم… في سبيل إنقاذ وطننا الغالي على قلوبنا جميعاً…

لا أملك إية وصاية على أحد… وإن تجاوبتم مع ندائي فأنتم من تحددون كيف ستتم صياغة البيان.. لكن لكي لا تبقى الأمور عامة وهلامية فأنني أدعو الأستاذ ياسين الحاج صالح، بما عرف عنه من عمق وسعة أفق ووطنية صادقة ومخلصة، للبدء بصياغة بيان من هذا النوع برفقة من يختاره، ثم عرض مشروع البيان على التوقيع من مختلف أطياف وقوى المعارضة الوطنية الديمقراطية… وآمل أن يحدث هذا بالسرعة الكلية لكي يكون البيان جاهزاً وموقعاً ممن وافق عليه خلال يومين استباقاً لأية مصادمات يوم الجمعة.

وإذا كان كل الكلام أعلاه غير مقبول من قبلكم… فانسفوه من أساسه… واختاروا غيره… قوموا بأية مبادرة حوارية ترونها مناسبة. تقدموا وخذوا دوركم في هذه المرحلة الصعبة. تولوا الأمر ولا تتركوه لقوى مجهولة. اسحبوه من الشارع وقودوه إلى حيث يجب أن يكون: الأقنية المختلفة والمتنوعة للحوار.

أعزائي… يجري أحياناً تأجيل مباراة بكرة القدم أو عرض فني نظراً لظروف متوترة ومشحونة.. إن دعوتكم – إن وافقتم على ندائي – لن يُنظر إليها من قبل الجمهور على أنها خذلان لمطالبه.. بل سيجري النظر إليها في هذا السياق المرتبط بإخراج الأمر من الشارع في هذا الظرف المشحون ونقله إلى ميادين الكلمة وأقنية الحوار.

ودمتم

--------************************---------

تصريح من المبادرة الوطنية لمساندة الانتفاضة السورية

حول اعتقال المناضل الأستاذ فايز سارة

أقدمت أجهزة الأمن السورية، في إطار الحرب التي تشنها على المجتمع السوري وقواه الحية، على اعتقال الناشط والكاتب والمحلل السياسي الأستاذ فايز سارة. وقد شكل الأستاذ فايز – معتقل الرأي السابق – مرجعا للعديد من الفضائيات في إلقاء الضوء على واقع الانتفاضة السورية وحقيقة السياسات التي ينتهجها النظام..

إن ملاحقة الأحرار والناشطين واعتقالهم كملاحقة الأستاذ غسان نجار، واعتقال الأستاذ فايز سارة، واعتقال المئات من المواطنين في مختلف المدن والمحافظات السورية، خلال الأيام الماضية.. يؤكد للرأي العام الوطني والعربي والدولي، أن حديث النظام وأبواقه الإعلامية، عن برنامج للإصلاح أصبح ناجزا وعاجلا.. ما هو إلا حديث خرافة، ومحاولة لكسب الوقت، تترافق مع أعمال القمع الوحشيّ التي تتعرض لها المدن والبلدات السورية، والمذابح التي تنفّذ ضدّ المدنيين الأبرياء..

إن كل من يشير إليهم الإعلام السوري ب(المندسين) و(الشبيحة) ما هم إلا عصابات النظام والمؤتمرين بأمر قادة أجهزته الأمنية. هذه الحقيقة ينبغي أن تكون واضحة لدى الرأي العام في الداخل والخارج.. ولا يجوز أن تنطلي محاولات الاختباء وراء برنامج مزعوم للإصلاح على الرأي العام..

إن اعتقال الناشط فايز سارة، وهو رجل رأي وفكر وإصلاح، إنما هو مؤشر على أن لا حقيقة لمشروع الإصلاح المزعوم. وإننا إذ نطالب بالإفراج الفوري عن الأستاذ فايز سارة، نحمل الهيئات والحكومات العربية والمنظمات الإنسانية، مسئولية الصمت عن المجازر التي تُنفّذ ضدّ المدنيين في بانياس ودرعا ودوما وسائر المدن السورية.

12 نيسان 2011

عن المبادرة الوطنية لمساندة الانتفاضة السورية

علي صدر الدين البيانوني

--------************************---------

سوريا.. الأثمان المرتفعة للتغيير.. هل لسوريا طريق آخر في التغيير؟!

بقلم د. مخلص الصيادي

مداد القلم - نقلا عن منتديات الفكر العربي 11/4/2011

المشهد العام لحركة الشارع السوري

منذ انطلاقة الاحتجاجات الشعبية في سوريا، قبل أكثر من أسبوعين والمشهد لم يتغير، مظاهرات واحتجاجات تتسع يوما إثر يوم، يكون يوم الجمعة يوما مركزيا فيها، حيث يجتمع الناس في صلاة الجمعة، وقوافل الشهداء يزداد عديدها، حيث تواجه قوات الأمن هذه الاحتجاجات بالعنف واطلاق النار، ويمارس الشبح المتخفي دوره في قنص المتظاهرين وإيقاع المزيد من الشهداء.

واستنادا إلى خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في مجلس الشعب يوم الأربعاء 30/3 جاء تصاعد العنف وسقوط المزيد من الشهداء، وتوسيع دائرة الاعتقالات أمرا متوقعا، فالرئيس أعلى راية الأمن على راية الإصلاح، وأعلن استعداده للمواجهة بأكثر من الاستعداد لإطلاق عملية الإصلاح، لذلك فإن هذا التصعيد يوضع حتما في خانة النظام وأجهزته، وبالتالي فإن مسؤولية ما يقع من عنف يقع أولا وقبل كل شيء على عاتق السلطة السياسية وأجهزتها.

إن هذا لايعني نفي وجود مسؤولية لجهات أخرى في تصعيد العنف، فهذا احتمال ممكن، لكن حينما تقرر أعلى قيادة سياسية في البلد أن المسألة الأمنية هي الهم الرئيسي، فإنها بذلك تعطي أجهزتها الأمنية على مختلف مسمياتها إشارة الانطلاق في قمع المتظاهرين، وفي ظل سيادة قانون الطوارئ فإن عملية القمع تصبح لاحدود لها، ولا ضوابط، وهو ما نراه بوضوح الآن، بل إن المشهد الأمني يزداد تعقيدا مع تصريحات المسؤولين الأمنيين في سوريا عن وجود قناصة يتمركزون على أسطحة بعض الأبنية ويستهدفون برصاصهم المحتجين، وكذلك عناصر الأمن.

إن هذه التصريحات تنذر بالكثير الكثير، لأنها إن كانت تعبر عن حقيقة واقعية، فإنها تكشف عن قوى خفية لها القدرة على ارتكاب مثل هذه الجرائم، ولا تستطيع يد الأمن السورية -وهي يد مشهود لها- أن تصل اليها.

إن الحديث عن بلطجية في تفسير هذه الحالة، (مستعيرين في ذلك المشهد المصري)، لا يبدو كافيا لتفسير هذا الأمر، بل يبدو الأمر أقرب الى وجود قوى أو عصابات مسلحة رديفة تعمل على إرهاب المواطنين، لمنعهم من الاستمرار في الاحتجاجات، ولايقاع الرعب بين صفوفهم بارتكاب جرائم قتل أسود لا حدود له ولا مبرر له.

لقد كان مخيبا لآمال الكثيرين أن تقتصر رؤية الرئيس السوري على الجانب الأمني، وأن يقصر التفكير بالإصلاحات وطبيعتها على الحزب الحاكم وأدواته، فيصبح بذلك الخصم هو الحكم، وتضيق دائرة الأمل بالانتقال الى نظام سياسي جديد، وبطريقة جديدة لم يشهدها بعد أي إقليم عربي في هذه المرحلة، مرحلة الثورات الشعبية.

ثورة الشعوب وطرق التغيير

حتى الآن قدمت ثورات الشعوب العربية طريقين رئيسيين للتغيير:

طريق أول: شقته الإرادة الشعبية بالمظاهرات السلمية، التي ووجهت بقمع دموي من النظام، لكن هذه الإرادة بقيت ثابتة على مسارها السلمي، وقدمت أبهى نموذج حضاري في تمسكها بسلمية التحرك، وفي تمسكها بإدارة عالية الفعالية لهذا التحرك، وكانت تونس ومصر نموذجا لهذه الثورة، وتنضم الآن تدريجيا لهذا النموذج اليمن، وإذا كانت سلمية التحرك الشعبي هي سمة هذه الثورات فإن السلمية هنا صفة للتحرك الشعبي وحده، وليس لتحرك أجهزة السلطة وأدوات القمع التي تمتلكها، فما حدث في تونس وفي مصر وما زال يحدث في اليمن لا يغيب عن نظرنا، ويكفي أن نتذكر أن عدد شهداء الثورة الشعبية السلمية في مصر تجاوز الثمانمئة شهيد، سقطوا على أيدي أجهزة الأمن، وفي عمليات القنص، ويوم غزوة الحمير، ولقد استطاعت الجماهير بصبرها من جهة وبانحياز الجيش لها من جهة أخرى أن تحقق النصر، وأن تفرض على النظام الهزيمة، وأن تضع بلدانها على طريق التغيير الذي لايزال يحتاج الى حراسة ومتابعة.

وجاء رفض الجيش أن يكون أداة النظام في مواجهة الشارع والتزامه الحياد أولا، ثم انحيازه إلى جانب الشعب أخيرا عاملا حاسما في انتصار الإرادة الشعبية، وفي توقف حجم التضحية الشعبية عند الحدود التي وصلت اليها.

وطريق ثان: هو الآن أمام ناظرينا تمثله ليبيا حيث لم تستطع القوى الشعبية فيها أن تحسم الأمر بالتظاهر الشعبي السلمي، ولعبت عوامل كثيرة -ليس هنا مجال الحديث عنها- دورا في تحولها الى استخدام للسلاح، وما لبثت القوى الخارجية أن صارت العنصر الأهم في مسار حركة التغيير هذه، فطغت بذلك على صوت التحرك الشعبي، وكلما مرّ يوم ارتبطت الحركة الداخلية أكثر بالعامل الخارجي وارتفع أكثر صوت قوى ليبية خارجية لها برامجها وارتباطاتها، على قوى التغيير الداخلية، وصارت قوات الأطلسي جزءاً من المعركة، وفي هذا حرف لمسار حركة التغيير.

ولا شك أن تمسك الزعيم الليبي بأوهامه، وبعثه للعلاقات القبلية والمناطقية دفاعا عن نفسه ونظامه، والعنف المبالغ فيه الذي واجه به حركة الشارع الليبي قد ساهم مساهمة فاعلة في هذا التطور، كما ساهم فيه امتناع النظام العربي عن تقديم العون للثوار، ومسارعة شطر من هذا النظام إلى الاشتراك مع القوات الدولية في العمليات العسكرية ضد قوات الزعيم الليبي، وهي عمليات كيفما نظر إليها لاتعدو أن تكون عدوانا عسكريا مباشرا.

وهذا الطريق مدمّر لإرادة التغيير الشعبية، فالشعوب العربية المتطلعة إلى طيّ صفحة النظم المستبدة، والفاسدة، لاترغب أبدا استبدالها بالمستعمر، أو يكون النظام المتولد عن ثورتها مرتبط بالقوى الخارجية بحكم أن انتصارها اعتمد على هذه القوى، وبالتالي يصبح عليها دفع الثمن من حرية النظام الجديد، ومن ثروة الشعب أمر لا بدّ منه.

ويرسم هذا الطريق أول مظاهر هزيمة الثورة الشعبية:

- فهي لم تصبر في تحركها الشعبي، وسارعت في الانحياز إلى السلاح.

- ولم تصبر في معارك السلاح، وسارعت إلى طلب العون الخارجي.

- وبحكم طبيعة قوتها، ومسار المعارك على الأرض لم تستطع -وهي عاجزة بالحتم- أن تجعل حدود التدخل الخارجي بحدود رغبتها وحاجتها، فكانت بذلك مدخلا للقوى الاستعمارية في العودة إلى بلادها.

إن الحديث عن الثورة الشعبية في ليبيا بات موضع شك، بعد أن تداخلت القوى، وارتفع صوت السلاح، وصدرت القرارات الدولية التي شرعت التدخل العسكري، وبات التحرك الشعبي هو الأضعف بين كل العناصر المؤثرة في تطور الوضع في الساحة الليبية، وقدم هذا التطور خدمة جليلة لنظام القذافي المتألّه والفاسد، فصار كأنه المدافع عن ليبيا في مواجهة قوى تدخل خارجي تدعم حركة تمرد داخلية، بعد أن كانت الصورة أنه نظام مستبد فاسد يواجه ثورة شعبية تريد الانعتاق والحرية.

سوريا وطريق التغيير

إن سوريا تفتقد الكثير من خصائص الطريق الأول الذي تحقق في مصر وتونس، وتسير اليمن باتجاهه، عوامل كثيرة يتصل معظمها ببنية النظام السوري، وبنية المجتمع السوري، وتاريخ الصراعات التي شهدتها سوريا على مدى نحو خمسة عقود، تجعل تصوّر أن يأتي التغيير في سوريا على هذا النحو غير متيسر، بل يكاد يكون مستحيلا.

وسوريا لا تحتمل تغييرا في النظام على نحو ما يجري في ليبيا، لأسباب كثيرة يتصل بعضها بالموقف الوطني الثابت لقوى المعارضة الحقيقية داخل سوريا، التي ترفض مثل هذا السبيل، لأنّ مثل هذا النموذج الملتبس والمشوّه، مدمّر لسوريا الشعب والدولة والوطن، ولن يستفيد منه غير المعسكر المعادي لبقاء سوريا كيانا موحدا، ولبقاء سوريا جزءاً من الأمة العربية، وهنا تبرز المصلحة الإسرائيلية الأمريكية واضحة، كما تبرز مصلحة القوى الطائفية والشعوبية والتقسيمية داخل سوريا، وخارجها. كما يتصل سقوط هذا النموذج في التغيير بالجغرافيا السياسية لسوريا، وبالسياسات والتحالفات التي أقامها النظام السوري على مدى العقود السابقة، فليس سهلا على القوى الخارجية أن تفعل في سوريا ما تفعله الآن في ليبيا.

والسؤال هنا: هل لسوريا طريق آخر في التغيير؟!

إن البحث عن الطريق السوري للتغيير يجب أن ينطلق من توكيد حقيقة أساسية باتت واضحة للعيان، وهي أن التحرك الشعبي في مختلف المحافظات السورية ما زال متمسكا بالطابع السلمي، وكلما سقط شهداء أكثر في هذه التحركات الشعبية، ظهر التمسك أوثق بهذا السبيل، أي أن حركة الشارع توفر في استمرارها المدخل الطبيعي لوجود طريق سوري خاص للتغيير.

لكنّ صناعة طريق التغيير لا يرتبط فقط بارادة الشارع والمتظاهرين، وإنما بعوامل أخرى أكثر أهمية في صنع طريق التغيير، وهنا يبرز دور قوى المعارضة وأحزابها، كما ييرز دور السلطة وقياداتها وقواها،

ليس صعبا على المراقب أن يعرف أن حركة الشارع السوري ليست وليدة قرار أحزاب المعارضة، وليست هي التي صنعت هذا التحرك، لكن مما لا شكّ فيه أنها بحكم طبيعتها التنظيمية قادرة على مد هذا التحرك الشعبي بطاقة منظمة مهمة جدا لاستمرار هذا التحرك، ولوصوله لأهدافه.

إنّ الفساد والاستبداد هو ما صنع ثورة الشارع السوري، كما صنع كل ثورات الشارع العربي، وقد انفجرت هذه الثورة في سوريا عند لحظة محدّدة ونتيجة سلوك محدّد من أجهزة السلطة القمعية، التي حرّكها الخوف من امتداد الثورة الشعبية إلى سوريا فسارعت إلى قمع غير طبيعي وغير مبرر لحركة صبية وفتيان في درعا، وكانت هذه الشرارة الكبرى لإطلاق هذه الاحتجاجات، لقد جاء فعل أجهزة الأمن ليفجر مرجلا من الغضب كان ضغطه يزداد يوما إثر يوم، بسبب الفساد غير المحدود ، والاستبداد غير المحدود أيضا، ومظاهر التمييز غير المحدودة أيضا.

إن أحزاب المعارضة وتجمعاتها، وشخصياتها قادرة على التأثير في خضم هذه الحركة ولو لم تكن صانعتها.

ومن بوادر الطريق السوري للتغيير أن هذه جميعا قالت كلمتها بالتمسك بالطريق السلمي للتغيير، ولم تكن هذه الكلمة جديدة، فقد أعلنت دائما هذا الموقف، لكنها عندما جددت تمسكها بطريق التغيير السلمي ووقعت على وثيقة أو بيان"العهد الوطني"، فإنها فعلت هذا بعد أن سقط عشرات الشهداء إن لم يكن مئات الشهداء برصاص قوات الأمن في العديد من المدن والبلدات السورية.

إن العهد الذي وقع عليه كل أطياف المعارضة السورية بما تمثله أشخاصهم، وبما يمثلون من أحزاب وهيئات، إنما يوفرون بذلك سبل ولادة الطريق السوري للتغيير، لكنهم لايقررونه.

لقد وضع الشارع السوري بتمسكه بسلمية التحرك، ووضعت قوى وشخصيات المعارضة السورية بتوقيعها على "العهد الوطني" مسؤولية التطورات اللاحقة في عنق النظام السوري، فأصبح الأمر كله في إطار المسؤولية المباشرة للنظام ولمكوناته، ومراكز القرار والقوة فيه.

دور النظام السوري في ولادة الطريق السوري للتغيير

من المهم تأكيد مسؤولية النظام تجاه تطورات الوضع في سوريا، لأنه هو المالك لأجهزة القوة، والدولة، وهو المسؤول عن تحريكها واستخدامها، ولأنّ الشارع والمعارضة قدّما في مواقفهما وتمسكهما بسلمية التحرك وإدانتهما لكل مظاهر الفعل والقول الطائفية والعنفية والشعوبية أكبر دعم ممكن لأيّ قوى تريد فعلا إخراج سوريا من المأزق الذي تعيشه، بأقل الخسائر، وبأكثر فاعلية.

إن التغيير لا بدّ أن يحدث في سوريا، هذا أمر لا شك فيه، ومدخل الطريق السوري الخاص للتغيير أن تقتنع القيادة السورية بهذه الحقيقة، وأن تقتنع بأن مواجهة رياح التغيير ليس من شأنه أن يدمرها هي وما تمثل فقط، وإنما من شأنه أن يدخل المنطقة في مرحلة خطرة جدا قد لا تكون قادرة على تحملها، وستكون نتائجها كارثية على مستويات عدة، فالتغيير الآمن هو السبيل لمستقبل آمن للشعب السوري، ولسوريا، والمنطقة .

وفي مواجهة الرؤية التي طرحها الرئيس السوري في خطابه الأخير والتي أعلى فيها الشأن الأمني على ما سواه، تحدّد المدخل الأول، والشرط اللازم لولادة الطريق السوري للتغيير، ويتمثل هذا المدخل في أن تنعكس الآية لدى القيادة السورية، أي أن تعود لرؤية الأمر على حقيقته، فالعمل على مواجهة الاستبداد والفساد هو الطريق الآمن، وهو طريق سلامة الوطن، وهو طريق محصن تجاه كل المخاطر.

ولن يكون تعديل هذه النظرة بالأمر الهين، وهنا قد نستعير ببعض التجاوز المصطلح الذي استخدمه محمد حسنين هيكل بشأن "القوة الناعمة".

إن النظام السوري، ليس فقط أجهزة أمن، وحزب، ومؤسسات تابعة له، وهذه كلها تدفع النظام لاعتماد الحل الأمني أولا وأخيرا، ولتوليد إصلاحات سياسية ودستورية لا قيمة حقيقية لها، ولكن النظام السوري، كأيّ نظام بل وأكثر من أي نظام تدعمه قوى "ناعمة" تتمثل في مجموعة من رجال الدين، والمثقفين، وزعماء مناطق وعشائر، وتكوينات دينية وطائفية وعرقية، ومجموعات من التجار والصناعيين وأصحاب المصالح الذين لايهتمون كثيرا بالظهور لكن كانوا دائما أصحاب تأثير حقيقي في مسار النظام.

إن هؤلاء مدعوون بحكم المسؤولية التاريخية تجاه الوضع الراهن لسوريا ومستقبلها لممارسة دروهم تجاه القيادة السياسية السورية، لإعادة تصويب الرؤية، ولاعتماد منهج صحيح في التعامل مع الوضع الراهن، وهناك مصلحة مباشرة لهذه القوى في تحقيق ذلك، بل إن تقاعسهم عن القيام بهذا الدور سيدفع الأمر إلى دروب مدمرة للجميع.

على هذه القوى -وهي موضع ثقة وثقل في بنية النظام- أن تعمل على:

1- دفع القيادة السياسية السورية إلى التخلي عن منهج الأمن والقوة في مواجهة احتجاجات الشارع السوري، والتعامل مع هذه الاحتجاجات باعتبارها تعبيرا عن مطالب حقيقية ومشروعة، ومحاسبة مرتكبي عمليات قتل المتظاهرين.

2- ودفعها إلى الاقتناع بأن التغيير لا يمكن أن يكون عبر البناء السياسي الراهن للنظام والمتمثل في حزب البعث وجبهته، وأنه لا بدّ من اعتبار الشعب السوري كلّه أداة التغيير. والبحث عن الحلول من خلال الشعب نفسه وليس من خلال الحزب.

3- الوصول مع القيادة السياسية إلى قناعة حقيقية بأنّ كل ما يتصل بمفاهيم الحزب القائد، واحتكار السلطة، وسياسات تبعيث التعليم والقضاء والجيش، وكلّ المفاهيم القديمة لا بدّ من التخلص منها في أي عملية تغيير حقيقية.

4- أن الاستهداف الحقيقي لعملية الإصلاح يجب أن يكون ولادة مجتمع سوري جديد، بدستور جديد، يمثل عقدا اجتماعيا جديدا يلتقي عليه السوريون، وتعود من خلاله السلطة إلى الشعب وخياراته، عبر صناديق الاقتراع، وعبر الحريات المصونة، وعبر القضاء المستقل، وتصبح كل قوى الدولة خادمة لهذا الشعب منفذة لإرادته، حافظة لحقوقه، وحامية لها.

5- وأن طيّ المرحلة السابقة لا يمكن أن يتحقق إلا بإجراء مصالحة عميقة وجذرية وحاسمة، يكون هدفها بناء المستقبل، وزيادة الترابط الوطني، وتمكين سوريا من القيام بواجبها على مختلف الصعد القومية والاقليمية والانسانية بإشراق حقيقي وبقوة حقيقية.

إذا كان التغيير في سوريا حقيقة قادمة لامناص منها، فهل يمكن أن نرى طريقا سوريّا مميزا لهذا التغيير؟.

سؤال يبقى معلّقا على مسار تطور الأحداث في المستقبل، وتبقى المسؤولية الرئيسية في توفير جواب عليه تقع على قوى السلطة الظاهرة والخفية، الخشنة والناعمة، على حد سواء.

---------************************---------

ثورة شعب سورية.. بين القمع والتضحيات

الشعب يصنع الثورة.. والاستبداد يصنع ثمن انتصارها

نبيل شبيب

يؤكّد مسار ثورة الشعب في سورية أن الشعب يصنع التغيير وأن النظام يحدّد ثمن التغيير، وأن الثورة ستنتصر وأن النظام سيسقط ما لم يمتثل لإرادة الشعب، ولا يختلف ذلك عن الوضع في ثورات عربية أخرى.

شعب تونس وشعب مصر يصنعان التغيير، بدءا من الجولة الأولى للثورة، مرورا بالجولات التي يخوضها الشعبان بعد سقوط النظام، انتهاء بالوصول إلى التغيير الجذري الشامل في نهاية المطاف، وهذا ما يسري على اليمن وليبيا. كل شهيد سقط ويسقط، وكل جريح أصيب ويصاب، وكل خسارة مادية وقعت وتقع، إنّما هو نتيجة مباشرة للأسلوب الذي يتبعه كلّ نظام من الأنظمة في مواجهة الشعب الثائر، ومواجهة إرادة التغيير الحتمي الثابتة التي يظهرها من خلال ثورته وتضحياته، وكذلك من خلال وعيه واستمرارية ثورته حتى تتحقق سائر أهدافه.

"الأثمان المرتفعة".. للثورات وللاستبداد

ما الذي تعنيه كلمة "الثمن" الذي يدفعه شعب من الشعوب العربية لتحقيق إرادته من خلال الثورة؟..

هل هو عدد الشهداء والجرحى؟.. هل هو قيمة الخسائر المادية؟.. هل هو طول الفترة الزمنية الفاصلة ما بين اندلاع الثورة وتحقيق المنجزات بعد استرداد الدولة؟.. هل هو نشأة فرص إضافية أمام المطامع الخارجية؟..

كل شهيد يسقط "ثمن مرتفع".. وكل قطرة دم جريح ينزف وأنّة ألم يطلقها ثمن مرتفع.. وكلّ طاقة من طاقات البلاد وثروات الشعوب تُهدر ثمن مرتفع.. وكل يوم ينقضي في الصراع بين إرادة الشعوب وتعنّت الأنظمة بدلا من انقضائه في النهوض والبناء بعد الاستبداد والفساد ثمن مرتفع.. وكلّ فرصة يحصل عليها عدوّ خارجي لمحاولة تحقيق مطامعه ثمن مرتفع.. إنّما لا بدّ من تأكيد أمرين أساسيين منطلقا للسؤال عن "الثمن" الذي تدفعه الشعوب العربية اليوم على طريق ثوراتها:

1- إن الأنظمة المستبدة تحمل المسؤولية عن كل ثمن جرى ويجري دفعه منذ عقود وعقود، قتلا، واعتقالا، وتعذيبا، وتشريدا، وانتهاكا للحقوق والحريات، وهدرا للثروات والإمكانات، وفسادا وإفسادا على كل صعيد، وتبعية للهيمنة الأجنبية أو مساومة على قضايا مصيرية من أجل استمرار الاستبداد والفساد.. كما أنّها تحمل المسؤولية الحصرية أيضا، عن الثمن الذي جرى ويجري دفعه خلال الثورات العربية إلى أن تبلغ غايتها.

2- إنّ اندلاع الثورات يعني في جوهره، أنّ ما استمرت الشعوب على دفعه من "أثمان" لاستمرار الاستبداد والفساد عبر أجهزة حكم قائمة، عقودا متتابعة، قد بلغ حدّا لا يُطاق، فلم يعد يمكن الاستمرار عليه، وهذا بالذات ما يجعلها تتحرّك الآن بطريق الثورات وهي واعية ومصمّمة على الاستمرار مع إدراكها بأنّها ستدفع الثمن خلال الثورات أيضا، إنّما تدرك في الوقت نفسه، أنّ ما بقيت تدفعه لعدة عقود مع المعاناة من الاستبداد والفساد، أصبح نتيجة الركون لهما مسلسلا لا نهاية له، وأن ما تدفعه الآن عبر الثورات التي أطلقتها.. له نهاية.

إنّ ارتفاع ما يوصف بثمن الثورة مرتبط –بعد تصميم الشعوب على الثورة والانتصار- بمدى همجية النظام، ومدى تشبّثه بمواصلة "الجرائم" الاستبدادية التي كان يرتكبها على كل حال، مع تصعيدها من قبل كلّما "تململت" الشعوب، ولهذا يظهر "حجم تصعيده المضاعف" الآن.. وقد تحوّل "التململ" إلى "ثورات".

لا يختلف في ذلك النظامان السابقان في تونس ومصر عن الأنظمة اللاحقة بهما في اليمن وليبيا وسورية –مبدئيا- إنّما اختلف "عنصر المفاجأة" الذي جعل الشعب يسبق بتحرّك الثورة ردودَ فعل الاستبداد عليها مع الأيام الأولى لها، في كل من تونس ومصر، وجعل الأنظمة في اليمن وليبيا وسورية تحاول –واهمة- "استباق" وصول الثورة إلى مرحلة متقدمة نوعيا وجغرافيا بالشروع فورا في "تصعيد" عنفها القمعي الاستبدادي "المعتاد" إلى درجة قصوى.

لم يتغيّر "مصير الثورة" من خلال هذا الفارق على أهميته، فهي بالغة غايتها في كل بلد ثار شعبه، بل يساهم تصعيد العنف في مضاعفة سرعة خطاها وعملية انتشارها النوعي والجغرافي، إنّما يتغيّر مجراها أو "حجم الثمن" الذي يفرضه النظام الاستبدادي أثناء الثورة، قبيل سقوطه، على غرار ما فرضه طوال أيام وجوده.

معالم الثورة وثمنها في سورية

وصول الشعب إلى الاستعداد لدفع ثمن الثورة مهما بلغت التضحيات، ناجم عن وعيه بحجم ما اضطر إلى دفعه من ثمن أكبر نتيجة وجود الاستبداد والفساد واستمرارهما زمنا طويلا، ولهذا نرى أنّ حجم التضحيات المرافقة لثورة شعب ليبيا وتصميمه على الاستمرار في ثورته رغم ذلك، يكشف عن ضخامة ما سبق أن دفعه ثمنا لوجود الاستبداد والفساد خلال أربعة عقود ماضية، ممّا قد يزيد على ما كان في تونس أو مصر، ويتناسب مع نوعية الهمجية والشذوذ في البنية الهيكلية للاستبداد والفساد حتى الآن في ليبيا، مع ضرورة التنويه مجددا بأنّ كل روح تُزهق وقطرة دمٍ تنزف وأنّة ألم تنطلق، في أي بلد من البلدان، ثمن مرتفع باهظ.. فما الذي يمكن قوله عن ثورة شعب سورية، وعن البنية الهيكلية للاستبداد والفساد فيها، وبالتالي ما يصنعه في مواجهة الثورة، ويحمل المسؤولية عن كل ما يسبّبه من "أثمان باهظة" ليحقق الشعب إرادته ويستردّ دولته؟..

أوّل ما يمكن قوله في مجرى ثورة شعب سورية خلال أسابيعها الثلاثة الأولى أنّ النظام الحاكم خسر جولته الأولى خسارة بيّنة:

1- في تصعيد القمع الدموي على الفور.. فلم يستطع جرّ الثوّار إلى فخّ "عنف وعنف مضاد".. كما صنع الحاكم المستبد في ليبيا..

2- في نشر "الفتنة الطائفية" والترهيب بفزّاعتها.. فلم يستطع أن يدفع قسما كبيرا من جماهير شعب سورية التي ترفض الطائفية بمختلف أشكالها وتجلّياتها ومسمّياتها إلى الامتناع عن المشاركة في الثورة، وبالتالي إلى الحدّ من انتشارها نوعيا وجغرافيا..

3- في اصطناع مظاهرات "التأييد" كما صنع الحاكم الاستبدادي في اليمن، فلم يستطع إيهام أحد بأنّها "عفوية" وليس من صنع "ترويض" الأجهزة الرسمية على "استنفار" كل من يمكن استنفارهم تحت طائلة التهديد بقطع الأرزاق أو فقدان مقاعد الدراسة ناهيك عن "موظفي" الأجهزة القمعية أنفسهم، وهي بضعة عشر جهازا يتبع لها مئات الألوف من العناصر المدرّبة.. أو المروّضة على طاعة "عمياء" تجعل من تقديس رأس الدولة بديلا عن "الحرية"..

4- في استخدام أسلوب "فرّق تسد" عبر تقديم المغريات لفئات من الشعب والرصاص الحيّ لفئات أخرى، فتجلّى الإخفاق في ذلك بوضوح، بعد رفع مرتبات "موظفي الدولة" ثم بعد وعد المواطنين الأكراد المحرومين من جنسيتهم بإعادة هذا الحق إليهم بعد حرمانهم منهم طول فترة حكم الاستبداد القائم حاليا..

5- في لعبة "الأصابع الخارجية" وهو يرسل "عصاباته المسلّحة" و"شبّيحته" و"عناصر قمعه بزي مدني" و"قنّاصته على أسطح المباني الرسمية" ويوزّع أدوار القمع عليها جميعا إلى جانب عناصر الأجهزة القمعية الرسمية ومعدّاتها من رصاص وغازات وأصفاد وهراوات وغيرها، واستخدام القوات المسلّحة لحصار المدن ونشر الدبابات في شوارعها في الدرجة الأولى..

6- في محاولة تصوير دور الفضائيات وكأنها "تصنع" الثورات.. وليس "تواكبها" لترقى مكانتها بقدر ما تعرض الأحداث الجارية وتفسح المجال لسائر الأطراف في متابعتها، ولتهبط مكانتها إن لم تفعل ذلك، مثلما ترقى مكانتها أيضا بقدر ما تتمكن من "اختراق" حواجز التعتيم عبر منع وسائل الإعلام (إلاّ ما يحمل هذا الاسم زورا وهو جزء من النظام الاستبدادي القائم) من الوجود داخل الحدود أو التحرّك دون قيود، حتى إذا اخترق الثوار الحواجز بأصوات شهودهم، رغم الإرهاب الاستبدادي، وبما يرسلون من معلومات وأحداث مصورة، رغم العبث بوسائل التواصل والاتصال، جرت محاولات "التشكيك" العقيمة في صدق الصوت والصورة، ويكفي صدور التشكيك عن استبداد لم يعرف يوما ما تعنيه حرية الكلمة والصورة والتعبير، لإخفاقها مسبقا..

7- في "إطلاق الوعود" القديمة بلباس جديد، عن إصلاح "متأخر" آن أوانه فجأة، دون "تسرّع" ومع إنكار "ضغوط الثورة"، على أمل التهدئة، وامتصاص الغضب، جنبا إلى جنب مع إنكار وجود ما يستدعي التهدئة وامتصاص الغضب، أو للحصول على "ثقة الشعب الثائر"، وليس استعادتها، إذ لم يحصل عليها من قبل، فأصلُ وجوده قائم على الإكراه والاستبداد والفساد والتسلّط واحتكار الوصاية على الآخرين، ولا يمكن "بناء الثقة" دون زوال "البنية الهيكلية" لذلك كلّه، دستورا وطوارئ ومحاكم صورية ومعتقلات وميليشيات قمعية ومراسيم فوقية تعبّر –مثل سواها- عن أنّ الحكم القائم حكم استبدادي محض..

7- في الاستنجاد بورقة "استهداف سورية" فالشعب يدرك أن سورية شعب وأرض وتاريخ ومستقبل، وليس نظاما استبداديا حاكما، فوجوده وسقوطه سيان، وسورية كانت مستهدفة ستبقى مستهدفة، لأنّها سورية، وليس لأنّ الحاكم فيها يمارس سياسة يضع فيها "استعباد الشعب" في مقابل "قضية فلسطين والمقاومة"، دون أن يحرّر الجولان ولا فلسطين، ودون أن يأذن للمقاومة بأكثر من "الكلام على أرضه" وليس العمل.

جميع هذه الأوراق انطلقت ونُثرت، رشّا ودراكا، منفردة ومجتمعة، أثناء جولة العنف القمعي الأولى، على امتداد ثلاثة أسابيع، استمرّ فيها القتل والاعتقال دون حساب، واستمرّ فيها الإعلام التحريضي ضدّ الثوّار، فانقلب في مفعولها إلى استفزازات عبر إعلام استفزازي تزيد الثورة اشتعالا وانتشارا.

لهذا يمكن القول إن يوم جمعة الصمود في 8/4/2011م، وما وقع فيه على أرض الثورة، وما صدر من مواقف عن النظام الاستبدادي الحاكم، قد تحوّل بهذا وذاك إلى يوم حاسم بين مرحلتين من مراحل الثورة:

1- فهو يؤكّد استمرارها وانتشارها ومتابعة خطاها حتى تتحقق أهدافها المشروعة العادلة..

2- كما ينذر بانتقال النظام الحاكم –على الأرجح- من العنف المطلق مع محاولة التغطية عليه إلى عنف أكبر دون المبالاة بانكشاف مدى همجيته وعدوانيّته على الشعب الثائر.

جماعات "القوة الناعمة".. داخل سورية

شهدت الأسابيع الثلاثة الأولى ازدياد جرأة الناشطين الحقوقيين والسياسيين من الأصل على قول ما يقولون رغم ما سبق أن واجهوه من قمع استبدادي..

كما شهدت أصواتا يُعتبر أصحابها "جزءا" من النظام الحاكم، أو "ملحقا" به، تؤدّي دورها –وفق إرادة الحاكم- في محاولة الجمع بين الدفاع المزعوم عن إرادة الشعب من حيث مطالبه المشروعة، وبين "تثبيط الثائرين" وفق إرادة الشعب، تثبيطا ينطلق من ذريعة أن عملية الإصلاح انطلقت، بينما يدرك أصحابها أنّ إرادة الشعب تجاوزت مرحلة انتظار "الاعتراف بالمطالب العادلة المشروعة"، فقد استمرّ الانتظار زهاء نصف قرن، وانتهى، كما يدركون أنّ عملية الإصلاح الموعودة.. موعودة، ولم تنطلق، وأن المثل الشعبي المعروف في سورية "من جرّب المجرّب فعقله مخرّب" يسري بامتياز على علاقة الشعب بالنظام الاستبدادي القائم ووعوده، ولم تكن المشكلة يوما مشكلة "عقل يدرك" حقيقة استحالة أن يصنع الاستبداد عدالة، والسجّان حرية، والمفسد إصلاحا، إنّما هي مشكلة "صبر طويل" نفذ.

ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه وتذكّر به صيغةٌ للتغيير أوردها د. مخلص الصيادي في مقالة له بعنوان "سورية.. الأثمان المرتفعة للتغيير" هو: هل يمكن أن يتحقق طريق التغيير عبر ما ذكره في تلك المقالة:

(النظام السوري، كأيّ نظام بل وأكثر من أي نظام تدعمه قوى "ناعمة" تتمثل في مجموعة من رجال الدين، والمثقفين، وزعماء مناطق وعشائر، وتكوينات دينية وطائفية وعرقية، ومجموعات من التجار والصناعيين وأصحاب المصالح الذين لا يهتمون كثيرا بالظهور لكن كانوا دائما أصحاب تأثير حقيقي في مسار النظام. إن هؤلاء مدعوون بحكم المسؤولية التاريخية تجاه الوضع الراهن لسوريا ومستقبلها لممارسة دورهم تجاه القيادة السياسية السورية، لإعادة تصويب الرؤية، ولاعتماد منهج صحيح في التعامل مع الوضع الراهن، وهناك مصلحة مباشرة لهذه القوى في تحقيق ذلك، بل إن تقاعسهم عن القيام بهذا الدور سيدفع الأمر إلى دروب مدمرة للجميع).

هذه المجموعات موجودة.. ومسؤوليتها ثابتة.. وتأثيرها ممكن.. إنّما يوجد عشرات الأسباب الداعية إلى الشكّ في قابلية النظام الحاكم للتأثّر بها، ويكفي هنا التنويه بواقعة قريبة واحدة، أنّ رئيسة تحرير جريدة تشرين الرسمية، سميرة المسالمة، فقدت موقعها –وهو جزء من النظام القائم- خلال ساعات بعد موقفٍ أعلنته، لم تبتعد فيه عمّا يقول به النظام تحت عناوين.. مؤامرة.. وعصابات إلى آخره، ولكن لمجرّد أنّها طالبت بالنظر أيضا في مسؤولية الأجهزة "الأمنية" عمّا يُستخدم من عنف في مواجهة المتظاهرين السلميين!.

هذه المجموعات التي توصف بالقوة الناعمة، تستطيع التأثير عندما تتحرّك إلى جانب الشعب الثائر، بوضوح، وقوة، تحركا جماعيا، توظّف من خلاله ما تملك من قوّة، في ممارسة الضغوط على النظام الذي يمارس العنف ضدّ الشعب، ليجتمع مفعول هذه الضغوط مع مفعول ضغوط الثورة السلمية المتصاعدة، كي يضطر النظام إلى التراجع، قبل أن تصل الثورة به إلى مرحلة تجعل طريق العودة مسدودة عليه هو، وليس على الثورة.. فهي ماضية حتى تتحقق أهدافها.

لا يزال تحرّك غالبية من ينتسبون إلى "القوة الناعمة" انفراديا، محدودا، وخجولا إذا صح التعبير.. وهذا ما ينبغي أن يتغيّر، وسيتغيّر بقدر ما تتابع جماهير الشعب الثائرة خطاها رغم التضحيات التي يفرضها عنف النظام ضدّها.

درعا.. الصامدة، لم تعد وحدها في الميدان، حوران بمدنها وقراها لم تعد منفردة في تقديم التضحيات، فقد أصبح لثورة الشعب في سورية عشرات "ميادين التحرير وشوارع التعبير" في حمص، واللاذقية، وبانياس، وجبلة، وحماة، وطرطوس، والقامشلي، والحسكة، وإدلب.. وغيرها، كما أنّ العاصمة السورية دمشق تضمّ في جنباتها الثائرين، وإن بقيت وسائل الإعلام مقتصرة على "توزيعهم" على مواقع في "ريف دمشق" كأنّها تتجنّب القول باندلاع الثورة في "العاصمة"، فدوما، والتل، وعربين، وكفر سوسة، وسقبا، والمعضمية، وأخواتها، جزء من دمشق العاصمة، وما بدأ في صيغة مظاهرات في المساجد والشوارع، واعتصامات ليلية ونهارية، ينذر النظام الحاكم القائم، بأنّ الاستمرار على ممارسة العنف القمعي، يزيد الثورة الشعبية السلمية تصعيدا وانتشارا، ويستحيل أن يكسر ما يعنيه الهتاف باللهجة السورية: "ما في خوف بعد اليوم"..

الخوف يسري في عروق النظام الاستبدادي الحاكم وليس في نسيج الشعب "الواحد"، إنّما هو الخوف على استبداده وفساده وبقائه واحتكاره للسلطة، فإنّ تحوّل –قبل فوات الأوان عليه- إلى خوف على سورية وطنا وشعبا وتاريخا وحاضرا ومستقبلا وطاقات كبرى على الصعيد الإقليمي والعربي والإسلامي.. آنذاك، يجد الطريق إلى التخلّي عن العنف، والتلاقي مع "القوى الناعمة والخشنة" ومع "المعارضة المنظمة وغير المنظمة" ومع الشخصيات المعتبرة من "المخلصين في سورية وخارجها" ليشترك الجميع على قدم المساواة، في وقت واحد، في الخضوع لإرادة الشعب الواحد، بكل فئاته وأطيافه، ويصنعون معا "الثورة" على واقع مضى، ويضعون معا جدولا زمنيا لمخطط تغيير جذري شامل، عسى يكتسب ثقة الشعب الثائر.. وآنذاك –فقط- يمكن أن يهتف الشعب للجميع، ويتحرّك بهم ومعهم، بدلا من أن يتحرّك ضدّ النظام، ويستثير وجدان الجميع للتحرّك معه، وصناعة التغيير الجذري المنشود.. رغم النظام الاستبدادي القائم.

---------************************---------

ما يطلبه المعتقلون من برنامج الإصلاح السوري الدموي!

محمد منصور

ناقد فني من سورية

2011-04-12

القدس العربي

 بثت قناة (الجزيرة) في إحدى نشراتها الإخبارية أخيراً، تقريرا مفصلا عن المعتقلين السياسيين في سورية، استعرضت فيه سجل هذه الظاهرة المؤلمة الحافل بالأرقام والأسماء في التاريخ السياسي السوري.

في التقرير ظهرت صورة تجمع بين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والدكتور نور الدين الأتاسي، الرئيس السوري الأسبق، الذي كان رئيساً لسورية حتى تشرين الأول (اكتوبر) من العام 1970، حين استقال من منصبه لخلافات داخلية، انتهت بانقلاب عسكري نفذه في السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه وزير الدفاع حافظ الأسد آنذاك، سمي ب (الحركة التصحيحية المباركة) وبموجب هذه الحركة المباركة، أودع الرئيس الطبيب في زنزانة ضيقة ومن دون محاكمة، وأمضى في السجن اثنين وعشرين عاماً كاملة، أصيب إثرها بمرض السرطان، وبعد أن تفشى المرض في جسده ولم يعد هناك من أمل في شفائه، أطلق سراحه وسمح له بالسفر للعلاج في باريس، ولكن المرض لم يسعفه وتوفي بعد أسبوع من وصوله إلى فرنسا في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) عام 1992 ثم عاد ليدفن في مدينته حمص.

على صفحتها على الفيس بوك، نشرت آية ابنة نور الدين الأتاسي تقرير قناة الجزيرة، وعلقت بالقول: (يمر وجه أبي بين وجوه المعتقلين السياسيين ليذكرني كم هي كثيرة الحكايات التي تشبه حكاياتنا. آباء يختفون في السجون وأطفال يكبرون خارج الزمن... لا نريد لأطفال سورية مستقبلاً يشبه ماضينا).

تهزم هذه الكلمات روح أي كاتب وضع أبجديته في خدمة قضية الحرية... فإذا بي أتضاءل وأنكمش، أمام ألم شخصي عاش في أعماق الابنة عقوداً وقد حرمت من أبيها حياً وميتاً.... ويلح سؤال آية الأتاسي الموجع وهي تخشى على أطفال سورية اليوم مستقبلاً يشبه ذلك الماضي الكابوسي... فما هي ملامح المستقبل اليوم، وآلة القمع والاعتقالات تنشط بهمة لا مثيل لها، كي تضاعف بسرعة قياسية، أعداد معتقلي الرأي من كافة الأجيال في أيام.

كتبت الأسبوع الماضي عن صديقي الصحافي الشاب عامر مطر، الذي اعتقل لنشاطه السلمي في هذا الحراك الاحتجاجي المشروع، كما يؤكد لنا الإعلام السوري، ومر أسبوع آخر وعامر ما زال مجهول المصير، ومازال أبواه ينتظران أي خبر عنه، فيما يخبرنا أصدقاؤه أنهم لا يحصدون في مراجعاتهم لفروع الأمن سوى حفنة من التطمينات عن مواعيد إفراج لا تصدُق... لكن الأيام القليلة التي مضت حملت لي عشرات الرسائل الإلكترونية عن معتقلين آخرين أودعوا السجون قبل عامر وبعده... منهم الشاعر محمد ديبو والشاعر معاذ الهويدي، الذي اعتقل إثر مظاهرة خرجت في مدينة الرقة... وملك الشنواني (26 عاماً) وهي ناشطة اعتقلت من مقر عملها في دمشق، وتمت مصادرة جهاز الكومبيوتر الخاص بها.

الفتاة مروة حسن الغميان، التي ظهرت في الفيديو الشهير وهي تتعرض للاعتقال مع عدد من مرافقيها لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة أمام الجامع الأموي في الخامس عشر من آذار (مارس) الماضي، التي نشطت قنوات التلفزيون السوري وملحقاتها (تلفزيون الدنيا)، لتقول ان هذا الفيديو المفبرك لم يكن إلا تمثيلية سخيفة صورت وتم مونتاجها من أجل الإساءة لسورية، ما زالت معتقلة ومجهولة المصير حتى اليوم، وقد وصلتني رسالة كشفت أسماء الذين اعتقلوا معها وهم: سامي الدريد (41) عاماً، أب لطفلين ويعمل في مجال الديكور المسرحي، وابن اخته عبد العزيز محمد أحمد علي. وقد أفادت رسالة خاصة أخرى وصلتني، بأنه لاحقاً تم اعتقال شقيق آخر لسامي دريد، وشقيق آخر لعبد العزيز، وأن الأم موزعة بين لوعة الحزن على ولديها المعتقلين وشقيقيها المعتقلين.

محمد الدريد الأخ الأكبر لسامي الدريد، كتب على صفحته على الفيسبوك: (أنا محمد دريد الأخ الأكبر لسامي أرجو من الجميع أن يضم صوته لصوتنا في المطالبة بالإفراج عن سامي الذي اعتقل يوم 15/3 في مظاهرة سلمية في سوق الحميدية في دمشق. كما أُدين التهم وفبركة الأفلام التي فبركها ووجهها التلفزيون السوري وتلفزيون الدنيا بحق أخي والمشاركين في المظاهرة معتبرين إياهم خونة وتابعين لجهات خارجية).

تشكل هذه الكلمات صفعة للتلفزيون السوري وقناة الدنيا اللذين ادعيا أن الفيديو مفبرك... فعدا عن تشويه السمعة وإلصاق التهم، هناك مباركة غريبة لحالة الاعتقال، من العار أن تتورط بها مؤسسات إعلامية، فكيف إذا كانت هذه المؤسسات توجه بنادقها إلى صدور مواطنيها، رغم أنها محسوبة عليهم ك(إعلام وطني).

لا ينتهي حديث الاعتقال الساخن، فحتى ما قبل ساعات قليلة من كتابة هذه الزاوية، تحمل لنا (وعود الإصلاح) أنباء جديدة عن معتقلين جدد... فيعتقل الأستاذ جورج صبرا، الصوت الوطني الحار الذي أطل من على محطات تلفزيونية عدة لينحاز لدماء شهداء وطنه بلا خوف ولا مداورة، ويعتقل الناشط نجاتي طيارة ابن مدينة حمص الأبية، ويعود الناشط السياسي المعتدل والهادئ النبرة الأستاذ فايز سارة إلى سجنه، ولم يكد يمضي على خروجه أكثر من شهرين. هناك سيلتقي فايز بزملاء له ما زالوا قيد الاعتقال: كالناشط علي العبد الله والدكتور كمال اللبواني والمحامي أنور البني.. والسجون ما زالت مفتوحة كالفنادق لاستقبال نزلاء جدد في كل آن ومن كل صنف ولون وجيل.

أتذكر وأنا اكتب هذه الزاوية التي لا بد أن أعرج فيها على ذكر القنوات الفضائية والأرضية، مذيعة التلفزيون السوري المخضرمة السيدة ماريا ديب، التي واظبت لسنوات طويلة على تقديم برنامج (ما يطلبه الجمهور) في التلفزيون. كان وقت البرنامج يضيق عن عرض الأغنيات المطلوبة، بسبب كثرة طلبات الإهداء من وإلى... والآن يمكن أن تتحول هذه الزاوية إلى طلبات شبيهة بذاك البرنامج مع تعديل بسيط في العنوان: (ما يطلبه المعتقلون).

ليست هذه نكتة، بل مفارقة مؤلمة وجارحة... فما الذي سيطلبه المعتقلون في سجنهم سوى الحرية، وما الذي يطلبه الآباء والأمهات والأخوة والأبناء سوى أن يعود إليهم أهلهم؟ وما الذي يطلبه كل السوريين اليوم سوى العيش بكرامة؟

حسناً سأكون متفائلاً... سأبلع كل غصات وقهر عمري الذي مضى وأقول: أنا مع الإصلاح. أنا لست محبطاً من خطاب الرئيس بشار الأسد، لست مشمئزاً من تهريج مجلس الشعب أثناء الخطاب، أنا أصدق كل كلمة قالتها مستشارة الرئيس الإعلامية بثينة شعبان، أنا أصدق كل ما تقوله الإخبارية السورية والفضائية السورية والمحللون الذين يظهرون من دمشق ليسكتوا هؤلاء المعارضين الذين يقبعون في الخارج كي ينظّروا علينا... لكن قولوا لنا: هل من اعتقل هؤلاء هم العصابات المسلحة المندسة؟! هل هم من أودعوهم في السجون والمعتقلات؟! كيف يمكن أن تكون كل هذه الاعتقالات هي طريقنا إلى الإصلاح الموعود؟! قولوا لنا فنحن لم نعد نصدق، ولم نعد نفهم، ولم نعد نعي، ولم نعد نعرف كيف تبنى الثقة بين المواطن ودولته وكيف تهدم... ولا أين تسير بنا أجهزة الأمن، وإلى أين تسير بسورية الجريحة المكلومة؟!

شهيدا جامعة دمشق: اغتيال الأمل!

ومن أسئلة الاعتقالات المريرة، إلى قوافل الشهداء، التي مرت أخيراً بطلاب جامعة دمشق، في احتجاجات يمكن أن نفهم مغزاها العميق، ونذرها الجدية حين تصل إلى هنا... فطلاب الجامعات هم رافعات التغيير حين تدفع المجتمعات إلى حائط مسدود، والصور التلفزيونية التي نقلتها قناة (العربية) لتظاهرة طلاب كلية العلوم في جامعة دمشق، ينبغي أن تقرأ باعتبارها الرسالة الحاسمة التي تقول: ان القمع لن يفيد، لأن القمع مثل الكذب: كرة ثلج تكبر كلما تدحرجت أكثر.

ومع ذلك فقوات الأمن السورية، ذهبت بعيداً في قمع الطلاب المحتجين تضامناً مع أشقائهم في المدينتين الجرحتين: درعا وبانياس... خرج هؤلاء ليهتفوا: (واحد... واحد... واحد... الشعب السوري واحد)، في هتافات يجب أن تطمئن النظام الخائف علينا من الانقسام الطائفي والفتنة... لكن بدل أن يطمئن النظام إلى هذا الهتاف المتحضر المتمرد على (المندسين) الذين يريدون إشعال فتنة طائفية بين الشعب الواحد لا سمح الله... انهالت عليهم العصي ضرباً، وجاء الرد بلغة الرصاص، فسقط في أول تظاهرة لطلاب جامعيين شهيدان: الأول هو (فادي الصعيدي) ابن مدينة جاسم في حوران، والطالب في السنة الرابعة كيمياء في كلية العلوم بدمشق، و(فادي العاسمي) إن لم أخطئ في اسمه الأول، ابن قرية داعل، وطالب الدراسات العليا الذي خلف وراءه ثلاثة أطفال، وهو في العقد الثالث من العمر!

يمضى هؤلاء الشبان إلى ديار الحق تاركين الأهل والوطن... حاملين معهم أحلام الحرية، والتوق إلى العيش بكرامة... وبدل أن تنطفئ الاحتجاجات، يكبر الجرح الوطني مع كل شهيد تصعد روحه إلى السماء... فمتى سيرتوي من يهدرون هذا الكم من دماء إخوانهم السوريين؟ أي ألا يمكن أن يتذوقوه لو كان هؤلاء لا سمح الله- أخوتهم أو أبناءهم في عائلاتهم الصغيرة؟ وهل كتب على السوريين اليوم أن يكفكفوا دمعهم ودمهم و(أن يحرسوا ورد الشهداء) كما قال محمود درويش في إحدى قصائده؟ أم أنهم مجبرون، أن يكتبوا بالدم قصائد من نوع جديد، يعبرون فيها إلى زمن جديد بثمن موجع وباهظ ... باهظ جداً!

---------************************---------

بسم الله الرحمن الرحيم

قليلاً من الحياء يا أجهزة الإعلام السورية!!

محمد فاروق البطل

كأن أجهزة الإعلام السورية وصحفها ومجلاتها الرسمية لم يكفها خلال خمسين سنة، أن تمجد الفرد، وتؤله الحاكم، وتضفي عليه صفات العصمة والعظمة والبطولة الخارقة. وتنسب إليه المعجزات والخوارق، وتنشد بين يديه الأماديح والأشعار، مما يفتري به المنافقون الكذابون، ومما يدبجه الشعراء الممسوخون.

وفي الوقت الذي تمارس تلك الأجهزة هذه العملية التدجينية السيئة خلال العقود الماضية فإنها تمارس اليوم سخرية من شعبنا الحر في سورية، وتشوه صورته، وتكذب عليه، متابعة لمعلمهم الطاغوت الذي زعم زوراً واستكباراً أن الشعب السوري يحتاج إلى أجيال حتى يتأهل للديمقراطية!! ويبدو أن هذا الطاغوت الفاشل قد تعلَّم الديمقراطية في بريطانيا، فأراد لشعبه أن يقتفي أثره، ويذهب إلى حيث ذهب ليتتلمذ على أيدي البريطانيين، ويكتسب منهم، حتى يكون مؤهلاً للديمقراطية...

وكنماذج لهذه السخرية والتشوية أذكر الصور التالية:

النموذج الأول:

في الرابع من الشهر الجاري (نيسان) كنت أُقلِّب بين القنوات الفضائية فاستوقفتني قناة تُسمّي نفسها (سوريا بلدنا) ولشدَّ ما كانت دهشتي حين وقع نظري على عنوان في أعلى الشاشة يطرح الاستفتاء التالي على أبناء شعبنا الحر الأبي: هل أنت مع بقاء قانون الطوارئ أم مع إلغائه؟!، وتزداد دهشتي واستغرابي وألمي: أن تكون النسبة  كما تزعم القناة الكاذبة  هي التالية  80% يطالبون ببقاء القانون الظالم و 20% يطالبون بإلغائه!! و تساءلت في نفسي هل هناك إهانة تلحق بشعبنا كهذه الإهانة؟! وهل هناك تزييف لإرادة شعبنا أصرخ وأوقح من هذا التزييف؟!.

وأتساءل أيضاً هل هناك شعب يرتضي الذل والهوان طائعاً غير مكره؟! هل هناك شعب يرتضي أن يكون عبداً أسيراً في ظل هذا القانون الذي يطلق لرجال الأمن الحرية في البطش بهذا الشعب وظلمه، يملكون عليه قراره، يصادرون حريته، يزيِّفون انتخاباته، يكمِّمون أفواهه، يملكون سجنه في أي وقت، يستولون على بيته وماله في كل حين. يغتصبون ابنته وأخته وعرضه إن كان مطلوباً لهم فلم يجدوه، ثم لا يملك أي أحد أن يقول: لا...! ولا يملك أن يلجأ إلى محكمة! ولا يستطيع أن يستعين بمن ينصره! وقد وصل للتو رسالة عبر الإيميل من داخل سوريا لشاب غاضب مقهور يسأل: ماذا عساي أن أفعل؟ اعتقلوا أبي وقتلوه! أخذوا أمي وقتلوها، أخذوا أختي واغتصبوها... ثم تريدون من الشعب المقهور أن لا يثور أيها الأفَّاكون؟!

هل يَعقِل هؤلاء القائمون على هذه القناة ومصمموا هذا الاستفتاء ما يعنيه قانون الطوارئ؟! إنه يعني فيما يعنيه: (تعيين حاكم عرفي يملك أن يتسلط على الأرواح والأعراض والأموال والحريات والمساجد والنقابات) فرض الأحكام العرفية  الاستبداد  الديكتاتورية  إصدار القوانين التعسفية، تبرير المظالم، انعدام الحريات  تزييف الانتخابات  تأميم الصحافة  تأميم الأقلام  كم الأفواه  نشر قوات الأمن في كل مدينة وكل قرية ، بل وكل بيت  إسقاط حصانة القضاء المدني  تشكيل المحاكم الاستثنائية والعسكرية  التصنت على الاتصالات والمكالمات  الاعتقال التعسفي  التعذيب الوحشي مع ضمان الحصانة للجلادين الوحوش حتى لا يلاحقوا أمام القانون والقضاء، إلصاق الاتهامات جزافاً إلغاء الأحزاب  عدم الاعتراف بالآخر  إلغاء دور منظمات المجتمع المدني  إعدام أصحاب الرأي الآخر بموجب قانون 49.

وأخيراً وليس آخراً الحاكم الفرد الديكتاتور وبطانة السوء من حوله يملكون كل شيء ، والشعب لا يملك أي شيء ، مسلوب الحرية والإرادة والقرار.

إذا كان هؤلاء الجهلة الممسوخون لا يعرفون هذه الكوارث والمآسي بحكم عبوديتهم ونفاقهم واستخذائهم، أو بحكم انتهازيتهم وضمان مصالحهم، فلْيسألوا الأحرار الذين اكتوَوْا بنار هذا القانون الظالم الغاشم البشع المهين النافذ منذ خمسين سنة ، اسألوا السجون التي غصَّت بالأحرار! اسألوا المنافي والمهاجر في أصقاع الأرض والقارات الخمس التي شُرد فيها مئات الألوف! اسألوا أعواد المشانق في تدمر! اسألوا المزة، اسألوا أقبية السجون والزنازين، اسألوا الأيامى والثكالى! اسألوا الأيتام! أسالوا الآباء والشيوخ الذين حرموا العيش مع أبنائهم، ووداعهم قبل الرحيل... كل هؤلاء ضحايا قانوان الطوارئ والأحكام العرفية، والمحاكم العسكرية والاستثنائية، وأوامر الحاكم العرفي...وقرارات محكمة الأمن القومي الظالمة الجائرة.

قانون الطوارئ بين أيدي الطواغيت هو الظلم المحض، هو قانون يبرر لهم سحق الأحرار، هو الاستبداد المقنَّن، هو الديكتاتورية المتجبرة الطاغية، هو التأله الزائف، إنه صياغة جديدة لفرعون العصر الحديث، والذي تمثله الآيات الكريمة على لسان فرعون الأول: [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] {النَّازعات:24} . [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي] {القصص:38} [قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ] {غافر:29}.

بالتأكيد لا يمكن لأي شعب حر أبي أن يقبل به، فضلاً عن شعبنا السوري الكريم الذي يعشق الحرية، ويرفض الظلم، ويأبى الضيم... خسئتم أيها العبيد المأجورون! أن يكون شعبنا في سورية على النحو الذي تكذبون! وبالصورة التي تزيفون! وبالثقافة التي تنافقون!.

إن كنتم لا تعرفون شعبنا فاقرأوا تاريخه... اقراوا أمجاده عبر التاريخ... اقرأوا حضارته التي نشرها في الآفاق... اقرأوا أيام كفاحه مع الطغيان والاستعمار.

شعبنا في سورية الحرة الأبية رباه الإسلام على العزة والكرامة، رباه على عقيدة (لا إله إلا الله ) (الله أكبر) رباه على ثقافة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) رباه على أن لا يركع إلا لله، وأن لا يسجد إلا لله، و أن لا يخاف إلا الله...

* النموذج الثاني:

كم سخر شعبنا في سورية؟ بل كم سخر العالم من تلك الصور الإعلامية المؤلمة المحزنة، دماء تسيل في درعا! ورئيس يدخل البرلمان ضاحكاً! والنواب المصنوعون يصفقون في أكثر من /45/ مرة، ومما زاد من بشاعة الصورة أن أحد هؤلاء المنافقين الممسوخين يخاطب رئيسه قائلاً: سورية قليلة عليك يا سيادة الرئيس! والعالم العربي قليل عليك...! أنت أهلٌ لتحكم العالم!! وأصنام المسرح الهزلي يصفقون. ذكرني هذا الموقف البشع المشين بموقف لا يقل سوءاً وبشاعة حيث حكى لي أحد أعضاء القيادة القطرية للحزب المشؤوم حزب البعث أن العقيد صلاح جديد كان صاحب شخصية عسكرية مستبدة ومهيمنة، وكان يدير إحدى جلسات مجلس الثورة، و يبدو أنه قد تعب، فرفع يده يطلب النادل، ليأتيه بفنجان قهوة، , وإذا كل من كان في المجلس  وبغير وعي  يرفع يده ظناً منهم أن ثمة تصويت ب (نعم) ويسألهم: على ماذا رفعتم أيديكم؟! أنا رفعت يدي أطلب النادل، ليأتيني بفنجان قهوة، وقد أجهدني التعب، لكنهم لم يحيروا جواباً، هذه هي حقيقة مجالسهم المسماة كذباً وزوراً مجلس الشعب، يتم اختيار مَن يحسن التصفيق والهتاف والتهريج والنفاق وقول: نعم. وقد طُرد من هذا المجلس من لا يحسن أداء ذلك.

أنا لا أدري كيف سيُكتَب تاريخ سورية الحديث في ظل هذه الطغمة الحاكمة، وهذا الإعلام المزيف، وهذه الصور المعلنة التي تشوه صورة الشعب السوري، وتزيف حقيقته، وتغيِّب الواقع المؤلم الذي يعيشه شعبنا في سورية: من ظلم، واستبداد، وفساد، وديكتاتورية، ونفاق، وقهر، وعيش تحت خط الفقر، وسجون تغص بنزلائها، وحريات تُنتهك، وأفواه تُكمَّم، وأعراض تُستباح، وكرامات تُداس، و قوانين تُعطَّل، و(أمن) ظالم غاشم، ينتشر في كل مكان، يتصنت على كل مكالمة أو اتصال، وسجون تغص بنزلائها.

* النموذج الثالث:

أسائل أجهزة الإعلام السورية: هل من أحد في العالم صديق أو عدو صدَّقكم فيما كذبتم وافتريتم على أطفال درعا الأبرياء الذين هم في عمر الورود وقد قال رئيسكم: إن هذه العصابات قد تلقت أموالاً، ونفذوا مخططات خارجية وهم على اتصالات مشبوهة!! وردد الببغاوات من الإعلاميين ومِن بعد الرئيس نفس الاتهام ونفس الكذب.

ثم عمدتم إلى أكذوبة أخرى أن سورية مستهدفة، وأن هذه المظاهرات تأتي استجابة لمؤامرات خارجية، وزدتم في الكذب أكثر فقلتم: إنها عصابات مسلحة تطلق النار، وأخرجتم صوراً زائفة مفبركة لملثمين يطلقون النار، وقيل لكم: الملثمون رأيناهم، لكن أين هم المتظاهرون الذين يطلق النار عليهم؟! ومن أول يوم في تاريخ هذه الثورة الحرة الشبابية الأبية قلتم: من أطلق النار فلسطينيون، ثم قلتم: إنهم جاءوا من لبنان ومن مخيم نهر البارد! في كل يوم، بل في كل ساعة لكم أكذوبة مفتراة.

وفي الأيام القليلة الماضية قلتم: عصابات مسلحة تطلق النار على رجال الأمن والشرطة والمتظاهرين ؟! قد تكونون في هذه المرة صادقين! لكن من هذه العصابات! إلى الآن لم تعرضوا على شاشة التلفاز أي عصابة؟ ثم من أين جاءوا بالسلاح ؟ وأنتم تحتكرون السلاح منذ أن تسلمتم حكم البلاد؟ والشعب كله أعزل وميليشياتكم هي وحدها المسلحة ، وأجهزة الأمن والجيش الشعب وأفراد ا لحزب ، و أنتم تعرفون البقية المسلحة...

وأخيراً وليس آخراً ، يبدو أنكم شعرتم بإفلاسكم الإعلامي وقد حاصرتكم أجهزة الإعلام العالمية التي منعتموها عن تغطية الأحداث وتوثيق الأخبار لتنفردوا بنشر الأكاذيب ، وتعرضوا ما تريدون تضليلاً للرأي العام العالمي نعم يبدو أنكم من أجل ذلك رجعتم إلى أرشيفكم القديم ، وتستخرجوا منها اعترافات أخذتموها تحت التعذيب الوحشي والصعق الكهربائي وتقليع الأظافر والتهديد بالأعراض و... لكني أحيطكم علماً أن الزمن قد تغير وأجهزة الإعلام تفضحكم وتصور مخازيكم وتنشر صور الأطفال الذين جلدتم أبشارهم

كل هذه الاتهامات تكيلونها جزافاً لشعب عاش الظلم والقهر والفساد بحكم قانون الطوارئ الذي يعطي فئة قليلة حق التحكم في رقاب البلاد والعباد.

أكثير على هذا الشعب أن يثور؟ أن يرفع صوته؟ أن يتألم؟ إن شعبنا لم يرفع إلا شعار حرية... حرية...وها أنتم أخيراً اعترفتم أن مطالب الشعب مشروعة وعادلة ، وأنه لابدَّ من إصلاح الأوضاع، لماذا حين يطالب الشعب بالحرية والإصلاح تتهمونه بالخيانة والعمالة؟وأخيراً... أخيراُ قد علت أصواتكم وتحركت أقلامكم تعترفون أن ثمة تقصير قد حدث، و أن مظالم قد وقعت!! يبدو أنكم قد أخذتم الضوء الأخضر لتحدثوا في ذلك . ولكن بقدر! وحين تجاوزت رئيسة تحرير جريدة تشرين في حديثها لقناة الجزيرة أقيلت من موقعها...

* النموذج الرابع:

عجبت لإعلامي رسمي سوري ظهر في قناة الجزيرة بلغت به الوقاحة أن يقول للمذيع: الوضع في سورية هادئ والأمن مستتب ! قال له المذيع: لكن ألا ترى إلى المظاهرات الغاضبة في الشارع السوري؟ فقال الإعلامي السوري المضبوع: هذه الصور لمظاهرات في بلاد أخرى تعر ضونها على شاشتكم! قال له المذيع: هذا اتهام فظيع... لكن ألا ترى إلى الأعلام السورية ترفعها سواعد المتظاهرين السوريين؟ أتراها جموع سورية على غير الأرض السورية؟!.

النموذج الخامس:

أليس عاراً على الإعلام السوري ومن وراءهم من المسؤولين أن يزيف حقيقة مطالب الشعب، ويزور هتافاته، أنها هموم ومطالب معيشة تتعلق بالغلاء والخبز والمازوت ، وضعف الراتب ، ونقص فرص العمل ... وهكذا!! بينما الشعب السوري الحر الأبي لم يرفع إلا شعار واحداً وهتافاً واحداً قالوها وعلى مسمع الدنيا: الله... سورية...حرية... وبس، وقالوا : الشعب السوري ما بينذل... ولعلكم بعملية التشويه هذه يبدو أنكم لا تعرفون طبيعة الشعب السوري ولا نفسيته والذي عرف على الدوام أنه لا يساوم على حريته وعزته وكرامته ، وقديماً قيل في المثل : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها( ) . كما اعتبر العرب أن أهجى بيت في الشعر العربي قول الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.

وكان سر اعتبار هذا البيت من أشد ابيات الشعر العربي هجاء أنه وصفه بقوله: واقعد فإنك أنت الطاعم الكلسي أي المطعوم والمكسي.

وسر عجزكم في فهم نفسية الشعب السوري أنكم لا تعرفون طعم الحرية ، ولم تتذوقوا طعم العزة والكرامة ، و أنكم صمَّت آذانكم عن سماع أنَّات الشعب وآلامه ، وعميت عيونكم عن رؤية الكوارث والمآسي التي تنزل بشعبكم ، ثم تحكَّمت فيكم ثقافة الماركسية التي تفسر الأحداث دوماً بالعوامل المادية.

النموذج السادس:

يوم الثلاثاء الماضي كانت قناة : bbc تستضيف مدير أخبار الشرق العربي الإعلامي د. عبيدة النحاس ودخل على الخط إعلامي سوري من اللاذقية وقال للمذيع: ضيفك هذا، ومن هم على شاكلته، لا ينفع معهم إلا الرصاص؟! هذه لغتكم الوحيدة التي لا تعرفون غيرها لغة العنف والقتل والإرهاب ، علماً أن المعارضة في الداخل وفي الخارج كانوا أشد ما يكونون حرصاً على التحذير من العنف والطائفية . أو رفْع شعارات أخرى غير ما اختاره الشعب: الحرية... الحرية... الإصلاح... الإصلاح... يقولون هذا بأعلى صوت، وهم يرفعون بسواعدهم أغضان الزيتون !!

تباً لكم من إعلاميين مزيفين، يعادون شعبهم الحر الأبي، ويقفون في صف جلاديه وطغاته وسارقيه...

---------************************---------

الجمهورية الإيرانية .. بعد خمس مائة شهيد .. لا داعي للقلق على الشعب السوري..!!

زهير سالم*

بدلا من أن يعلن آية الله خمنئي مرشد الثورة الإيرانية، أو رئيس جمهوريته، أو وزير خارجيته قلقهم على ما يجري في سورية من سفك للدماء وقهر للناس، واحتجاجهم على المذابح المتتابعة التي نفذت وما تزال تنفذ في درعا ودوما وحمص واللاذقية وبانياس والبيضا.. فاجأنا وزير الخارجية الإيراني بالأمس بقوله: لا داعي للقلق على ما يجري في سورية!! واستنكر موقف الدول التي أعلنت قلقها من التصدي للصدور العارية بالرصاص الحي، ومن عدد الضحايا الأبرياء الذين سقطوا برصاص البغي والاستهتار ..

ولفت وزير الخارجية الإيراني أنظار الرأي العام إلى ما يجري في البحرين حيث يُستخدم حسب رأيه العنف الحقيقي ضد المتظاهرين المسالمين. في البحرين وحدها تختل معادلة ( الأكثرية والأقلية !!). حسب وزير الخارجية الإيراني.

وكان سياسيون إيرانيون رفيعو المستوى في مناسبات عديدة قد وصفوا ما يجري في سورية على أنه ( فتنة ) و( مؤامرة ) و (فوضى ) وناتج تدخل خارجي؛ بدون أي اعتبار لحقوق الشعب السوري، وإرادته وحريته المغصوبة!! إن هذا الموقف في حقيقته ما هو إلا نوع من ازدواجية المعايير التي طالما شكا منها الإيرانيون وحملوا مسئوليتها لدول الاستكبار العالمي.

يمثل هذا الموقف المستهتر والمنحاز جزء من حلقات الفتنة التي ما يزال الإيرانيون يصدّعون الآذان بالحديث عنها. وإننا إذ نعلن استنكارنا ورفضنا للموقف الإيراني المستهتر بدماء أبناء شعبنا في سورية، وبحقوقه العادلة في الحرية والكرامة الوطنية، نستنكر في الوقت نفسه التدخل الإيراني السافر في قضايانا الداخلية. ولقد آذانا أن تتحول القنوات الإيرانية عشية المسيَّرات المؤيدة للنظام السوري إلى ما يشبه الفضائيات السورية المنحازة تماما إلى الموقف الرسمي المتجاهلة لمحنة أبناء شعبنا ومعاناتهم. . إن التدخل الإيراني في الشأن الداخلي السوري مرفوض ومستنكر ومدان. ويمارس هذا التدخل مع الأسف من قمة الهرم الإيراني السيد خامنئي ورئيس جمهوريته ووزير خارجيته وسفير إيران في دمشق. كما نرفض أن تعتبر سورية حلقة في امبراطورية الولي الفقيه.

 إنه حين يتحدث أحمدي نجاد عن مؤامرة أمريكية صهيونية لإثارة الشقاق بين السنة والشيعة. عليه أن يذكر أن إيران هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تثبت مذهبها الاثني عشري في دستورها. وعليه أن يذكر أيضا أن وحدة الأمة لا تقوم على سياسات البغي والعدوان والختل والإكراه. ووحدة الأمة لا تقوم على الانحياز للمستكبرين ضد المستضعفين مهما تكن هوية المستضعف أو انتماؤه: الإنسان أخوك في الدين أو نظيرك في الخلق كما قال الإمام علي رضي الله عنه.

نحب أن نؤكد أننا نرفض أن تزج قضية شعبنا في سورية ومظلوميته بأبعادها في أي شكل من أشكال الصراع الإقليمي أو الطائفي أو المذهبي. لنؤكد على أن جوهر الانتفاضة في سورية أنها انتفاضة وطنية تسعى إلى الحرية والكرامة ونيل الحقوق. إن شبابنا الوطني يعرف بوصلته جيدا. الانتفاضة الوطنية في سورية ليست محسوبة على غير أبناء سورية. وهي حريصة على ألا تشتري عداوة أحد ، وهي تستهدف بُنى الاستبداد والفساد على الأرض السورية..

نذكّر بأننا في سورية مع كل أبناء شعبنا نتمسك دائما بموقفنا المتسامي على كل العنعنات الضيقة، وسنظل منحازين أبدا إلى قضايا أمتنا ومصالحها العليا. ولكن هذا لا يعني أن نغمض أعيننا عن سياسات البغي التي يحاول البعض أن يروجها بالعناوين البراقة. إن الشعوب المقهورة المسلوبة لا تقاوم ولا تمانع. إن الجادين في الحديث عن المقاومة هم الذين يعطون الإنسان المقاوم استحقاقه من الحرية ومن الإحساس بالكرامة.

 كما نذكر بأن شعبنا الذي فتح صدره من قبل لإخوانه من أبناء لبنان أيام العدوان الإسرائيلي المقيت عليهم، وبذل من دعمه وتأييده بلا حدود يستحق في أزمته الحاضرة بعض الوفاء. ونذكّر أن العلاقة مع الشعوب هي الأبقى، وأن الأشخاص كما يجيئون يذهبون..

 (( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ )).

---------************************---------

ما يشبه الكتاب المفتوح إلى الرئيس السوري بشار الأسد

طلال سلمان

ليس ما تشهده سوريا، هذه الأيام، من اضطراب سياسي يغلب على معالجته الطابع الأمني بنتائجه المأساوية، شأناً داخلياً لا يخص إلا شعبها ونظامها، بل هو شأن عربي عام يستولد القلق، ويكاد يكون  بالنسبة إلينا في لبنان  شأناً داخلياً لبنانياً يؤثر فينا، بالسلب والإيجاب، بقدر تأثيره في سوريا وعليها وربما أكثر لاعتبارات عديدة يختلط فيها السياسي بالأمني والاجتماعي بالاقتصادي، اختلاط الماضي والحاضر في العلاقات العائلية والمصالح المشتركة وحدود الدولتين.

وبرغم أن آراء اللبنانيين في النظام القائم في دمشق ليست موحدة، وربما ليست متقاربة، إذ إن بعضهم يراه قلعة للصمود ومصدراً للعون وبعضهم الآخر يراه طرفاً في النزاعات الداخلية ينصر الفريق القائل بمرجعيته على الفريق الداعي إلى مخاصمته، لكن ذلك لا يؤثر في حقيقة أن التجارب قد أثبتت، دائماً، أن ارتجاجه يكاد يكون بمثابة زلزال في المنطقة وإن ظل لبنان المسرح الطبيعي لأخطر تداعياته، حتى وإن أفاد منها بعض المتعيشين على نكبات الشعوب العربية الأخرى والذين سرعان ما يثبت أنهم كانوا في طليعة المستفيدين من إنعامات ذلك النظام.

ومؤكد أن ثبات هذا النظام الذي حكم سوريا منذ عام 1970 وحتى اليوم، وعبر رئيسين هما الأب  المؤسس الراحل حافظ الأسد ثم نجله الدكتور بشار الأسد، قد وفر استقراراً كان مفتقداً في سوريا، مما مكّنه من أن ينتزع دوراً مؤثراً في شؤون المنطقة عموماً، باعتباره «حارس البوابة الشرقية» كما كان يحلو لأنصاره أن يصفوه، في حين رأى فيه منافسوه في أنظمة أخرى تحكم دولاً أكبر من سوريا وأغنى منها بما لا يقاس «تجاوزاً» وانتزاعاً لما كانوا يرونه من «حقوقهم»... ثم سلموا بذلك الواقع الذي أقرته الدول الكبرى بالقيادة الأميركية وسلمت به انطلاقاً من أهمية الاستقرار في منطقة قابلة للاشتعال دائماً بالثورة أو بالنفط، كما بالعجز عن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي تجاوز حدود الأرض الفلسطينية إلى الإرادة العربية جميعاً.

مؤكد أيضاً أن هذا النظام قد أضاف إلى رصيده بمشاركته مع مصر في حرب تشرين  أكتوبر (1973) التي كانت الوحيدة بقرار عربي، بغض النظر عن نتائجها الميدانية التي فرضها قرار آخر لم يكن عربياً وإن صادق عليه من كان يملك حق التوقيع في مصر.

تمكن الإشارة إلى محطات كثيرة على طريق التفويض الدولي لسوريا بالشأن اللبناني على امتداد مرحلة الوجود الفلسطيني المسلح (من أواخر الستينيات وحتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982)، ثم عبر الحرب الأهلية التي جددها اتفاق 17 أيار 1983، عبوراً باتفاق الطائف الذي جدد هذا التفويض وقننه، (أيلول 1989)، وبإسقاط «التمرد العسكري» الذي قاده العماد ميشال عون (تشرين الأول 1990)، والذي انتهى بإطلاق يد النظام السوري في إعادة صياغة الحكم في لبنان، تقديراً لمشاركته في «تحرير الكويت» بإخراج قوات صدام حسين منها (آذار 1991).

فقط بعد الاحتلال الأميركي للعراق (نيسان 2003)، تمت إعادة النظر بذلك التفويض، خصوصاً أن القيادة السورية الجديدة ممثلة بالرئيس بشار الأسد، اتخذت موقفاً اعتراضياً حاداً موجبه البديهي  فضلاً عن المبدئي  التخوف من أن يتمدد هذا الاحتلال في اتجاه دمشق... وهكذا تم تحويل لبنان من رصيد إضافي للقيادة السورية إلى عبء عليها، فكان الرد بالتمديد للرئيس إميل لحود على القرار الدولي 1559، ثم توسعت دائرة الاشتباك السياسي حتى جاءت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بكل ملابساتها، وكان لا بد من خروج الجيش السوري من لبنان بطريقة لم تكن تليق بتضحياته فيه، قبل مشاعر الأخوة وبعدها.

على أن حقائق التاريخ والجغرافيا، مع الإفادة من دروس التجربة المرة، قد أعادت إلى الدور السوري في لبنان وبأسرع من التوقع الكثير من الاعتبار عبر ثبوت ضرورته.

[ [ [

لم تكن هذه الاستعادة السريعة لمراحل الدور السوري في لبنان ضرورية إلا لتوكيد المؤكد من الترابط والتداخل والتأثير المتبادل لأوضاع كل من البلدين التوأمين على الآخر، خصوصاً أن تركيبتهما البشرية متداخلة فضلاً عن تشابهها، في غناها بتنوع «الأقليات» فيهما، وإن تميزت سوريا بتعدد «العناصر» داخل هويتها العربية، فضلاً عن الأديان والطوائف والمذاهب والشيع.

من هنا هذا القلق العام في لبنان على سوريا ونظامها يواجه  متأخراً  مطالب بالإصلاح، السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، كان سبق له أن تعهد به باعتباره ضرورة لحكمه الذي «يتمنى أن يقدر معه على إعادة صياغة النظام الذي أصابه اليباس لكي يصبح جديراً بالانتماء إلى العصر».

ولقد فوجئ اللبنانيون  كما السوريون بالتأكيد  باستخدام الرصاص في مواجهة مطلب الإصلاح، وباستعادة تقاليد عتيقة وغير مقنعة في تبرير بائس لاضطرار قوات النظام إلى السلاح، كما في اتهام «المندسين» في صفوف المتظاهرين، وفي استخدام صور شاحبة ولا صدقية لها لأشباح اتهمها الأمن بافتعال الشغب والتسبب في المأساة الجديدة.

لم يكن بين مطالب المتظاهرين إسقاط النظام، بل إصلاحه، وهو ما كان تعب الرئيس بشار الأسد من الدعوة إليه، متعهداً بالقضاء على الفساد والفاسدين (المعروفين بالاسم) والذين أساءوا إليه وشوّهوا صورة حكمه.

ولم يستهدف المتظاهرون، الذين كان القمع يزيد من أعدادهم يوماً بعد يوم، الحكم، بل كانوا يتوجهون إليه مطالبين بحرية العمل السياسي، وحرية القول والنشر، وحرية الحركة، بعيداً عن قيود قانون الطوارئ، وبعيداً عن جمود الحزب الواحد الذي كشفت الأحداث أنه لم يعد ومنذ زمن بعيد المصدر الشرعي للقرار، ولا هو استطاع الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على إقناع الجماهير فضلاً عن الصلة الحميمة بها.

كان المتظاهرون يطالبون بما تعهد به الرئيس بشار الأسد نفسه، وفي أكثر من لقاء مع نخبهم إضافة إلى بعض لقاءاته مع زوار أجانب فضلاً عن بعض تصريحاته الصحافية.

وكانت «جماهير الشعب في سوريا»، كما يصر الإعلام الرسمي على التوصيف، تريد من الرئيس أن ينحاز إليهم ضد نظامه «الذي يستعصي على الإصلاح»، كما نقل عنه في أكثر من مناسبة، مؤكدين أنهم سيدعمونه ضد أية «مقاومة من الداخل».

وحتى بعد المذبحة الأولى في درعا، والتي لم يكن لها  باعتراف النظام نفسه  ما يبررها، ويبرر بالتالي ما رافقها من «أعمال شغب» في مدن وجهات سورية أخرى، ظل الشعب على ثقته «بالسيد الرئيس»، ينتظر منه الوفاء بما التزم به من إلغاء قانون الطوارئ وسائر الإجراءات الزجرية التي طالما أقدمت عليها جهات غير محددة المسؤولية.

لكن خطاب الرئيس بشار الأسد أمام مجلس الشعب جاء مخيباً للآمال، بل إنه جاء دون ما وعدت به الناطقة الرسمية باسم الرئيس في بيانها الأول.

وقد أدى التأخير إلى تجدد المواجهات في العديد من المدن، وكان الشهيد الأكبر في كل ذلك: الثقة في الرغبة أو القدرة على إنجاز التعهد بالإصلاح، وبالسرعة اللازمة لوقف التفاقم في الأزمة التي غدت الآن في الشارع وتحتاج إلى جهد خرافي لرفعها منه.

[ [ [

على أن الوضع ما زال قابلاً للمعالجة بكثير من العقل وكثير من الإيمان بحق الشعب في أن يُسمع صوته، وهو الذي طالما ضحى برغد العيش وبحقه في التقدم، من أجل حماية الدور الكبير لوطنه، ووفر الدعم العظيم لرئيسه وهو يتقدم على أقرانه من القادة العرب في المكانة والقدرة على التأثير ليس في محيطه القريب فحسب، وكذلك على مستوى الإقليم جميعاً... مع الإشارة إلى أن هذا الدور كان ثقيل الكلفة على حركة الإنتاج في الداخل.

إن أنظمة عديدة في الوطن العربي تهاوت أو هي تتهاوى الآن لأنها أضاعت الطريق إلى الغد، وحاولت أن تحبس شعوبها في الماضي.

وكان الأمل وما زال في أن الرئيس بشار الأسد أكثر وعياً بحقائق العصر، وأكثر إيماناً بحق شعبه في الحرية والتقدم ليؤدي دوره في بناء وطنه، بعد التخلص من المعوقات والبيروقراطية وهواجس أجهزة الأمن التي تشتبه في مواطنيها، بداية، ثم تتمهل في تبرئتهم والتسليم بوطنيتهم، (حتى مع وعيها بأن السوريين قد أثبتوا عبر محنة وجود جيشهم في لبنان، ثم عبر المهانة التي لحقته عند خروجه منه، أنهم يتمتعون بحس بالكرامة الوطنية ولا أرفع سرعان ما عبروا عنه بالتفافهم حول قيادتهم وحول جيشهم الذي كان يستحق وداعاً أكرم ووفاء أعمق من اللبنانيين).

إننا، ومن أجل سلامة لبنان ووحدته إضافة إلى حرصنا على سوريا ومكانتها ودورها المميز في منطقتنا، نتوجه إلى الرئيس السوري بشار الأسد أن يوقف هذا التدهور في مسار الأحداث، وأن ينجز تعهده بمباشرة الإصلاح، فوراً، وإقرار الخطوات الحاسمة لمساره قبل أن تسبقها التطورات الدموية التي يمكن أن يستخدمها أصحاب العقل الأمني كمبرر لتعطيل المسيرة في اتجاه الغد، حتى لو كان الثمن سجن البلاد ونظامها في الأمس الذي آن له أن ينتهي.

والكلمة ما تزال للرئيس الشاب، لكن الوقت كالسيف.

---------************************---------

نظرة على سوريا

نايلة تويني

عندما كان غسان تويني يصف حرب لبنان بحرب الآخرين على أرضنا، كان البعض يهزأ من الوصف، وقد سمعنا هذا البعض قبل يومين يخرج ليدافع عن ايران ويبرئ ذمتها في مواجهة المتحاملين عليها. هذا شكل جديد من حرب الآخرين على أرض لبنان، بل من حروبهم المستترة والمكشوفة غالبا، وهو أمر لا يتعلق طبعا بأرض محتلة، او بقرار سياسي، او بمشروع يضمن رفاه اللبنانيين المعيشي، بل هو الصراع الاقليمي المتفجر والذي يؤخر ولادة حكومة لبنان.

وكحالنا صارت حال سوريا "الشقيقة" التي لا يمكن نظامها أن يستمر للمستقبل اذا ما بقي على تعنته في رفض الاصغاء الى ارادة الشعب ووصف الثائرين او المتمردين (لا فرق) بالمخربين. فالصراع الاقليمي المحتدم، والذي حاولت دمشق اللعب على خطوطه بعدما اعتادت ذلك ببراعة، انفجر في الداخل السوري بعدما فقدت القيادة ورقة لبنان التي امسكتها بالقبضة الحديد في زمن الوصاية. كانت دمشق تفجر كل احتقان في لبنان. اليوم تبدل الوضع. بدأت حروب الآخرين على أراضيها. لم تتهم اسرائيل، كما جرت العادة في لبنان، لأن الصحف الاسرائيلية تدافع عن نظام البعث. ولم تتهم دمشق الاسلاميين المتطرفين خوفا من صحوة سنية متجددة تعيد البلاد الى زمن الثمانينات، مع تبدل الظروف الذي لا يسمح بسحق كل تحرك، خصوصا في جوار المارد التركي السني الذي يهدد الحدود في كل لحظة.

ماذا فعلت دمشق حيال كل ذلك؟ اتهمت لبنان بتصدير السلاح اليها، واتهمت اللبنانيين بالتحريض في داخلها، وأقالت رئيسة تحرير جريدة "تشرين" لأنها تجرأت فعبرت عن رأيها، ونقل إعلامها صورا غير منطقية للمسلحين الذين يطلقون النار... حتى الساعة تعاملت دمشق مع الحدث على طريقتها المعتادة التي اعتمدتها في لبنان طوال 30 عاما والتي لم توفر لها إلا خروجها بالطريقة إياها من لبنان.

إن مواكبة المتغيرات السريعة في المنطقة العربية لا يمكن ان تتم بصنمية النظام او الانظمة العربية، بل بترك النظام اللبناني يعيش ويتطور، قبل أن يتم تبنيه خيارا للحكم وللتنوع وللتعدد. وهنا أعود الى نداء غسان تويني "اتركوا شعبي يعيش" لأن في عيشه حياة لكم.

---------************************---------

تتحدثون عن الإصلاح في سوريا: السيِّدة المسالمة.. بأيِّ ذنبٍ أُقيلت؟!

 من سُنَن 'المعارضة' في دول الاستبداد العربية، والتي تتزيَّن بشيء من الديمقراطية الشكلية، أنْ يهجو المعارِض كل من هم دون 'الرأس'. رئيسة تحرير 'تشرين' نسيت هذه السنّة.

ميدل ايست أونلاين

بقلم: جواد البشيتي

وإنَّ لكم في إقالة رئيسة تحرير صحيفة "تشرين" السورية الحكومية سميرة المسالمة من منصبها لعبرة يا أُولي الألباب، الذين هم مِمَّن يَزِنون التوجُّه الإصلاحي المُعْلَن للرئيس السوري بشار الأسد بميزان الأفعال لا بميزان الأقوال (على ضآلة الإصلاح حتى في أقواله).

ما "الجريمة" التي ارتكبتها السيِّدة المسالمة (في حقِّ نظام الحكم في سوريا) حتى تُقال (سريعاً) من منصبها؟

لقد تحدَّثت عبر "الجزيرة" عن "الأحداث الدامية" التي شهدتها مدينة درعا السورية الجنوبية يوم الجمعة (8 نيسان الجاري) في "لهجة إصلاحية"، وكأنَّها أرادت أنْ تُثْبِت للمتشكِّكين، والمُشكِّكين، في جدِّية التوجُّه الإصلاحي للرئيس بشار الأسد، والذي عكسه خطابه الأخير، أنَّ الرئيس جادٌّ وصادق فعلاً.

ومن سُنَن "المعارضة" في دول الاستبداد العربية، والتي تتزيَّن بشيء من الديمقراطية الشكلية، أنْ يهجو المعارِض كل من هم دون "الرأس"، المنزَّه عن الانتقاد، والذي يمثِّل "الخط الأحمر الأوَّل"؛ على أنْ يبدأ الهجاء بعد تلاوة ما تيسَّر له من سور وآيات الولاء للذي في يده كل شيء، وإلاَّ فُهِم الهجاء الصريح ل "الأسفل" على أنَّه هجاء ضمني ل "الأعلى".

وعلى هذه السُّنَّة "الحميدة" سارت السيِّدة المسالمة، فقالت، وكأنَّها تنطق ب "الشهادتين"، إنَّ للسيِّد الرئيس تعليمات بعدم إطلاق النار على المتظاهرين المُحْتجِّين؛ وإنَّها إعلامية مؤمنة بمشروع إصلاحي يقوده الرئيس بشار الأسد؛ لكنَّ هذا "الإيمان" الذي أظهرت وأكَّدت لم يشفع لها؛ فلقد ألمحت إلى احتمال خَرْق جهات أمنية لتلك التعليمات (الرئاسية) إذ قالت: "إذا تبيَّن أنَّ جهات أمنية قد خَرَقَت التعليمات الرئاسية، وأطلقت النار على المتظاهرين، فإنَّ علينا أنْ نحاسب هذه الجهات، ونتعرَّف الأسباب التي جعلت هذه الجهات تخالف تعليمات الرئيس".

وحتى تحمي نفسها أكثر، وتدرأ عن كلامها سوء الفهم، قالت (متبنِّيةً جوهر "الرواية الرسمية") إذا كان هناك "طرف ثالث (قوى مندسَّة)"، و"أنا (أي هي) أعتقد بوجوده"، فعلى الجهات الأمنية أنْ تقدِّمه إلى الناس، فهذه أرواح شعب، ولا يمكن التسامح مع من يزهقها.. إنَّ على قوى الأمن أنْ تتحمَّل مسؤولياتها، وأنْ تمسك بهذه العصابات المسلَّحة، وأنْ تحاسبها.

السيِّدة المسالمة برَّأت ساحة الرئيس، ونزَّهته عن أنْ يكون الآمِر بإطلاق النار على المتظاهرين، وامتدحته ومجَّدته إذ صوَّرته على أنَّه قائد المشروع الإصلاحي؛ وقالت إنَّها تعتقد بوجود "طرف ثالث (قوى مندسة، عصابات مسلَّحة)" يطلق النار على المتظاهرين وعلى رجال الأمن، في الوقت نفسه، للوقيعة بين الطرفين؛ لكنَّها أَثِمَت إذ أشارت إلى احتمال أنْ تكون جهات أمنية قد خرقت تعليمات الرئيس، وأطلقت النار، وإذ دعت إلى محاسبتها إذا ما تأكِّد هذا الخرق، وتبيَّنت أسبابه، وإذ دعت، أيضاً، إلى الإمساك ب "الطرف الثالث"، وكشفه للناس.

تلك "الجهات الأمنية" لم يَرُقْها هذا "التلميح"، وفهمته على أنَّه محاولة (من السيِّدة المسالمة) للوقيعة بينها (أي بين تلك الجهات) وبين الرئيس، صاحب التعليمات بعدم إطلاق النار، فما كان من أحد قادة الأمن إلاَّ أنْ أبلغ إليها قرار الإقالة من منصبها، ف "الأمن" هو الذي يعيِّن ويقيل في الإعلام الحكومي؛ كيف لا والسلطة عَرَفَت انتقالاً من "الحزب" إلى "الأمن"، مروراً ب "الجيش"، فغدا الرئيس رأساً تحرِّكه "الرَّقبة الأمنية"؟!

كان على السيِّدة المسالمة أنْ تتعلَّم، وأنْ تُحْسِن التعلُّم، من "المعلِّم"، أي من وزير الخارجية السوري وليد المعلِّم، الذي أوضح لها، ولغيرها، ملابسات ما حدث ويحدث من سفح للدماء في درعا ومدن سورية أخرى، فالرئيس، وعلى ما أوضح وشرح المعلِّم، أصدر تعليمات بعدم إطلاق النار على المتظاهرين؛ والجهات الأمنية ورجال الأمن التزموا التزاماً حرفياً هذه التعليمات، ولم يخرقوها قط؛ والمتظاهرون أنفسهم أثبتوا سلمية تظاهرهم واحتجاجهم، وأنَّهم مواطنون صالحون، ينشدون إصلاحاً لهم حقٌّ فيه، وهو عينه المشروع الإصلاحي للسيِّد الرئيس؛ لكنَّ "الطرف الثالث (أو القوى المندسة، أو العصابات المسلَّحة، أو المخرِّبين)" هو الذي يطلق النار على الطرفين، أي على المتظاهرين ورجال الأمن، للوقيعة بينهما؛ وهذا أمر ما عاد ممكناً السكوت عنه؛ ولسوف تستل وزارة الداخلية السيف من غمده لِتُعْمِله في رقاب وصدور "المندسين المخرِّبين"، ولو كانت العاقبة إزهاق أرواح المئات والآلاف من الطرفين (المتظاهرون ورجال الأمن) الضحيتين!

إنَّ بعض الضحايا من الشعب هم من المتظاهرين الذين أَطلق النار عليهم هذا "الطرف الثالث"؛ وبعضهم من "الطرف الثالث" الذي ستُطلق عليه النار وزارة الداخلية.

في سورية، كما في سائر دول الاستبداد العربية، الرئيس (أو رأس الدولة والحكم) طيِّب؛ لكنَّ بطانته هي السيئة الشرِّيرة، فَلْنْدعُ له أنْ يكفيه الله شرَّ هذه البطانة؛ والشعب هو أيضاً طيِّب كرئيسه؛ لكنَّ "القوى المندسة" هي التي تُعكِّر صفو العلاقة بين "الشعب" و"الرئيس"؛ فلو تخلَّصنا من تلك "البطانة"، ومن هذه "القوى المندسة"، لأصبح ممكناً أنْ نعرِّف "المدينة الفاضلة" على أنَّها "الدولة العربية"!

---------************************---------

بيان من المبادرة الوطنية لمساندة الانتفاضة السورية

الرئيس الأمريكي والإدانة المريبة

* أدان الرئيس الأميركي أول أمس الجمعة، بشدة، استخدام قوات الأمن السورية القوة ضد المدنيين، و قال في بيان: "أدين بقوة، العنف البغيض الذي ارتكبته الحكومة السورية (أول أمس) وخلال الأسابيع القليلة الماضية، ضد محتجين سلميين، كما أدين أيّ استخدام للعنف من قبل المحتجين".

* وطالب (أوباما) السلطات السورية بوقف الاعتقالات التعسفية واحتجاز وتعذيب السجناء، داعيا إلى السماح بتدفق المعلومات بشكل حر، حتى يمكن أن يكون هناك تحقق مستقل من الأحداث على الأرض"..

إن مما يثير الدهشة في خطاب الرئيس الأمريكي الحديث عن استخدام للعنف من قبل المحتجين، مع العلم أن المتظاهرين في سورية هم ضحايا قمع دمويّ عنيف ومنظم من قبل السلطة..

إن الذي يجب ألا يغيب عن أذهان العالم، أن كلّ أشكال العنف المضادّ الذي تشهده سورية، هو جزء من اللعبة السلطوية الأمنية السورية. وإنه في الوقت الذي يصرّ الشباب المتظاهر على مواقفهم وهتافاتهم وشعاراتهم الوطنية والسلمية.. يقوم رجال النظام سواء في وحدات الأمن، أو في الفرق السرية التي شكلتها الأجهزة الأمنية بتشويه صورة الانتفاضة السورية، لانتزاع الذريعة لمصادرة حق المواطن السوري في التظاهر السلمي والمطالبة بحقوقه.

إن الإدانة الأولى والأساسية والوحيدة يجب أن توجه لعنف السلطة بوجهه المكشوف المباشر، والمقنع غير المباشر. ويجب أن توجه الإدانة كذلك للذين يمنعون مراسلي الإعلام من متابعة الحدث السوري للتعرّف على حقيقة ما يجري على الأرض. بمهنية ومصداقية.

إن على القادة و المسئولين ورجال الرأي العام أن يفكروا طويلاً قبل أن ينساقوا في لعبة الحكومة السورية، ويردّدوا مقولات طرف أحاديّ في فكره ونهجه وأسلوبه.

يجب أن يبقى صوت الجماهير الشعبية في سورية، هو الصوت المسموع والمعبّر عن موقف هذه الجماهير، التي ما تزال تؤكد في شعاراتها: (سلمية... سلمية).

إن الإدانة القائمة على معلومات غير دقيقة، تثير مشاعر الريبة والشك في نفوس الشعب السوري، الذي كان خلال أربعة عقود ضحية لمؤامرة دولية وإقليمية، لم تكن تخفى أبعادها عن الشعب المضطهد والمقهور..

10 نيسان 2011

عن المبادرة الوطنية لمساندة الانتفاضة السورية

علي صدر الدين البيانوني

---------************************---------

بيان جمعية علماء مدينة حمص

إلى السيد رئيس الدولة المحترم

إن علماء محافظة حمص وانطلاقا من إحساسهم بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية الملقاة على عاتقهم في هذه الظروف الإستثنائية التي تمر بها سورية ، وأداءَ لدورهم الريادي وتلبية لرغبات المواطنين المشروعة وحرصا على وحدة الأمة وتماسكها يعرضون المطالب الآتية :

1- اعتبار المواطنة أساس الحقوق والواجبات وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص

2- نبذ العنف والطائفية والتمسك بوحدة الأمة

3- رفع حالة الطوارئ

4- كف يد الأجهزة الأمنية عن الاحتكاك بالناس وإهانتهم واستفزازهم

5- تفعيل الحوار المتكافئ مدخلا وحيدا لإحتواء المشكلات

6- توسعة سقف حريات المواطنين بما يضمن لهم ممارسة الشعائر الدينية والعقائد في كل مكان خصوصا ( الجيش والجامعات )

7- فتح الآفاق أمام الإعلام الحر والشفاف والمنضبط بإطار القيم

8- الإفراج عن جميع المعتقلين

9- السماح للمبعدين بالعودة إلى الوطن دون الرجوع للجهات الأمنية

10- إعتبار التظاهر السلمي حقا مشروعا للمواطنين للتعبير عن آرائهم ومطالبهم

11- تجنب اطلاق المصطلحات العشوائية واستخدامها مبررا أمنيا للإتهام والإعتقال

12- محاسبة المتسببين الذين ساهموا في اراقة دماء الناس

13- العمل على ما من شأنه الحفاظ على قيم المجتمع الأخلاقية وترسيخ القوانين والأنظمة التي تحافظ على القيم

14- محاربة مظاهر الفساد والتسيب وإعادة دراسة القوانين الرادعة للمفسدين

15- أن تكون جميع الإنتخابات لجميع المجالس والممثلة للشعب حرة ونزيهة

16- تعديل المادة الثامنة من الدستور

جمعية العلماء وعلماء حمص عنهم

- رئيس جمعية العلماء بحمص : طلحة الخوجه

- محمد عدنان السقا

- عبدو الحمود

- عبد الإله الجوري

- عبد الله الحوراني

- محمد لامع البني

- عبد العزيز بكور

- عبد المنعم السليمان

- محمد كليب

- غصوب سوسي

- محمود نبيه الدالاتي

- بهاء الدين عبد القادر الصوفي

- معن عبدو طعمة

- محمد سهل جنيد

- اسماعيل المجذوب

- محمد عيد منصور

- عبد القادر السقا

- أنس سويد

- عبد الله الأبرش

- محمد نور مشرف

- حسام ماهر

- نضال الحزوري

- عمار حجو

- سامر ضياء

7/4/2011

---------************************---------

سورية: إصلاح النظام الأمني

عبدالرحمن راشد

الشرق الاوسط

10-4-2011

اختفت ابتسامات الفرح والشماتة، تلك التي صاحبت أيام سقوط الرئيسين التونسي والمصري، هللت للحدثين الجللين المجالس الرسمية والإعلامية في سورية وإيران، وتعجل السيد حسن نصر الله بإلقاء خطبة مجلجلة فرحا بما أصاب حسني مبارك من مذلة بطرده من الرئاسة المصرية، وأقيمت الاحتفالات ابتهاجا بإفلات عملاء حزب الله الذين كانوا مسجونين في مصر بتهمة التآمر لتنفيذ عمليات إرهابية.

وها هي سورية تشتعل بالمظاهرات والهتافات التي تصم الآذان، تندد بنظامها وبإيران وحزب الله أيضا، وبالتالي لم يعد أحد معصوما من أحداث الحاضر الرهيبة. ولم يعد أحد يحتاج إلى وعظ الآخرين، لأن الدروس كثيرة والذين لا يعجلون بمسايرة العالم الجديد مهددون. المعضلة الوحيدة أن الذين اعتادوا على امتلاك كل شيء يصعب عليهم التنازل عن أي شيء. هذه كانت معضلة الرئيسين المصري والتونسي، اللذين عز عليهما تقديم تنازلات صغيرة مبكرا، حتى «وقع الفأس في الرأس» وخسرا كل شيء.

الوضع في سورية أصعب وأخطر، لأن النظام يرفض فكرة التنازل، ربما غير مدرك بعد حجم الخطر الذي يحيط به ومتشبث بقراءة الحدث على أنه تدبير خارجي، تماما كما فعل السابقون الذين فقدوا كل الحكم. الأزمة مخطط لها في الخارج، وبالتالي الحل يصدر إلى الخارج. إن صواريخ حماس على إسرائيل لن تمنح ما يكفي من الدخان لحجب أدخنة الحرائق في درعا وبقية الحواضر السورية. وبدل البحث عن مخرج في غزة أو العراق أو لبنان، على النظام السوري أن يعالج المشكلة داخليا؛ حيث لا يزال هناك وقت كاف للمصالحة بالاستجابة لبعض المطالب الرئيسية. لا يزال معظم المتظاهرين يتحاشون استخدام عبارات المطالبة بإسقاط النظام لأنهم يفضلون عدم الانجرار نحو الانهيار، ومع التصالح وفق صيغة جديدة تحافظ على أركان المعبد.

المشكلة الرئيسية كما عبر عنها كثيرون في الحالة السورية هي أجهزة الأمن الشرسة التي دون إصلاحها لن تتوقف المطالبات، وسيتدهور الوضع في سورية إلى نقطة اللاعودة. المطلب في سورية يختلف عما نادى به المتظاهرون في تونس ومصر واليمن والبحرين. المطلب إنهاء حالة الاستبداد الأمني التي استشرت كثيرا. وكلنا ندرك أن الحديث عن إصلاح الأمن السوري يكاد يكون أصعب من المطالبة حتى بإسقاط النظام، إنما الناس صريحة في هدفها بإصلاح المؤسسة الأمنية التي هي في هيكلتها وممارساتها نسخة عن الأنظمة الأمنية الشرق أوروبية في زمن الاتحاد السوفياتي. لقد تسببت شراسة تلك الأجهزة في إغضاب شعوبها وإسقاط أنظمتها منذ عقدين، وهي مماثلة أيضا لأنظمة صدام حسين التي جلبت عليه شرور العالم. إن إصلاح النظام الأمني السوري سيدخل النظام في عالم أكثر تصالحا ويفتح النوافذ المغلقة منذ أربعة عقود على كل الأصعدة من إدارة الحكومة إلى تطوير الاقتصاد، وبالطبع إنهاء حالة الاضطهاد والسجون.

---------************************---------

'الإصلاح' في سوريا بين الوهم والحقيقة!

منْ يخشى شعبه، ويخشى عواقب التحرير الديمقراطي لشعبه، لا يمكنه أنْ يكون صادقاً في زعمه أنَّه يخشى على سوريا من الأعداء الخارجيين.

ميدل ايست أونلاين

بقلم: جواد البشيتي

الرئيس السوري بشار الأسد هل يمكن أنْ يَشُذَّ عن القاعدة (في موقف الرؤساء والحُكَّام العرب من الانتفاضات والثورات الشعبية الديمقراطية في بلادهم) فيتشرَّف بلقب القائد للإصلاح السياسي والديمقراطي (السلمي والأبيض) في سوريا، ويكفي شعبه وبلده شرور "الدفاع عن الكرسي حتى آخر رصاصة، أو آخر قطرة دم"؟

نتمنَّى ذلك؛ مع أنَّ نَيْل الإصلاح السياسي والديمقراطي الحقيقي، وفي بلد مثل سوريا، هو أمْرٌ إنْ تحقَّق فلن يتحقَّق إلاَّ بما يؤكِّد (أو يعيد تأكيد) أنَّ نَيْل المطالب لن يتأتى من طريق التمنِّي؛ ومع أنَّ "الكهانة"، وبما أُوتي المشتغلون بها من سعة صَدْر، وضيق أُفْق، غير قابلة للتحوُّل إلى "سياسة".

إنَّ الدكتاتور، ولو كان الدكتور بشار الأسد، هو، في المبتدأ من تعريفه، شخص، أو إنسان، تخلَّق، ولو مُكْرَهاً، بأخلاق الدكتاتورية، التي يتصدَّرها خُلْق "التضحية (أو الاستعداد للتضحية) بكل شيء من أجل إنقاذ كرسيِّه ونظام حكمه"، فالشعب نفسه، وبمصالحه وحقوقه، ليس بالشيء الذي يَسْتَصْعِب الدكتاتور التضحية به، إنقاذاً لنفسه، ولنظام حكمه؛ ولم نرَ في تاريخ أنظمة الحكم الدكتاتورية دكتاتوراً أراه الله الحق حقَّاً، ورَزَقَه اتِّباعه، فَنَزِل عند إرادة شعبه، ولبَّى له مطالبه، مضحيِّاً بكرسيِّه، وبالامتيازات التي يتمتَّع بها به مع شركائه وأعوانه في الحكم.

والدكتاتور لو وطَّن نفسه على أنْ يأتي بمعجزة جَعْل هذه الوهم (وهم التنازل عن السلطة للشعب) حقيقة فإنَّ شركائه في الحكم من ذوي النفوذ الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي الكبير لن يسمحوا له بذلك؛ وربَّما يُضطَّروا إلى التخلُّص منه في طريقة ما؛ فإذا هُمْ لم يدافعوا عن امتيازاتهم هذه فَعَمَّا يدافعون؟!

ولنظام الحكم الدكتاتوري (وللعربي منه على وجه الخصوص) تناقضه الخاص به؛ فالرئيس (مع حزبه الذي هو ظاهراً "الحزب الحاكم"، وباطناً "حزب الحاكم") لديه من تأييد وولاء وحب (وعبادة) الشعب له ما ينبغي له أنْ يَحْمِله على أنْ يُسْبِغ على شعبه نعمة "الديمقراطية الخالصة المُطْلَقة"، وليس "الديمقراطية" فحسب؛ فَلِمَ يخشى جَعْل سوريا "مثلاً أعلى للديمقراطية (والحرِّية)" للعالم أجمع، وللغرب الديمقراطي على وجه الخصوص، وهو يتمتَّع بِحُبٍّ شعبي يحسده عليه الأنبياء (لا بل الآلهة)؟!

إذا أردنا للوهم الإصلاحي أنْ يستبدَّ بتفكيرنا وقولنا، فإنَّنا ندعو الرئيس بشار الأسد إلى مخاطبة شعبه بلغة سياسية جديدة، تخلو تماماً، هذه المرَّة، في مفرداتها وعباراتها، من "الوعود"، ومن "السِّين" و"سوف"، ومن "تأليف اللجان" التي تتوفَّر على البحث والدراسة وإعداد التقارير لرفعها، من ثمَّ، إلى مقامه السامي، وتُشْبِه كثيراً لغة الطب التي لم ينسها بعد، فيُشخِّص الأمراض التي تعاني منها كثيراً علاقة الحاكم بالمحكوم في سوريا، حتى يُحْسِن وصف الدواء، الذي لا يَدْخُل في تركيبه أي عنصر من تلك العناصر الدوائية التي ألمح إليها في خطابه الأخير (الذي كان كجَبَلٍ تمخَّض فولد فأراً) إذ لم يُسَمِّ الأشياء بأسمائها الحقيقية، ولم يَصِف ما حدث بأوصافه الحقيقية.

ندعوه إلى إلقاء خطاب جديد، يلقيه بصفة كونه الحاكم الذي يملك حُصَّة الأسد من السلطة الفعلية والحقيقية، ويُعْلِن فيه إنهاء "حالة الطوارئ (المعمول بها منذ عشرات السنين)" فوراً، و"دسترة" هذه الحالة كما هي "مدسترة" في الدول الديمقراطية، والتخلِّي عن السعي إلى إحلال قانون لمكافحة الإرهاب محلها، وحل "مجلس الشعب" الذي يمثِّل الرئيس لدى الشعب، وحل الأجهزة الأمنية (المتخصِّصة في قمع وإرهاب الشعب) بصفة كونها الحارس الأمين والقوي للدكتاتورية من أجل إعادة بنائها بما يجعلها حارساً أميناً وقوياً لأمن الشعب وللديمقراطية، وتخليص الدولة من قبضة حزب البعث، والفصل التام بينه وبين الدولة، مع تجريده من كل امتيازاته، وجعله حزباً عادياً كسائر الأحزاب، وإنهاء العمل بالدستور الحالي، وإخلاء السجون من كل السجناء السياسيين وسجناء الرأي، وإقرار حق الشعب والمواطنين في التمتُّع بكل الحقوق الديمقراطية والسياسية المعمول بها في الدول الديمقراطية، وانتخاب جمعية تأسيسية، في نهاية مرحلة انتقالية كافية، لوضع دستور جديد (ديمقراطي عصري) للبلاد، تُجْرى بعده، وبموجب قانون انتخابي يقوم على "التمثيل النسبي"، انتخابات برلمانية، تنبثق منها حكومة الغالبية البرلمانية، لتمارِس "السلطة التنفيذية" كاملةً؛ ثمَّ تُجْرى انتخابات رئاسية (مبكرة) يحقُّ للرئيس بشار الأسد أنْ يرشِّح نفسه فيها، على ألاَّ يحقُّ للرئيس البقاء في الحكم أكثر من ولايتين اثنتين، وعلى ألاَّ يتمتَّع بسلطات وصلاحيات لا يحتاج إليها منصب الرئيس الذي يتَّسِم برمزية تجعله شبيهاً بعَلَم الدولة.

وإنِّي لأتساءل، في دهشة واستغراب، قائلاً: هل في هذا الإصلاح السياسي والديمقراطي الذي يعلنه ويقرِّره ويقوده بشار الأسد نفسه ما يلحق الضرر بسوريا، شعباً ودولةً ودوراً، عربياً وإقليمياً، ويخدم مصالح وأهداف قوى الأعداء (وفي مقدَّمهم إسرائيل) التي تتربَّص بسوريا الدوائر، وتكيد لها، وتتآمر عليها، وتسعى في النيل من قوَّة جبهتها الداخلية؟!

إنَّ من يخشى شعبه، ويخشى عواقب التحرير الديمقراطي لشعبه، لا يمكنه أنْ يكون صادقاً في زعمه أنَّه يخشى على سوريا من الأعداء الخارجيين، ومن العدو الإسرائيلي على وجه الخصوص؛ وليس أدل على ذلك من أنَّ نفي الديمقراطية، وتثبيت الدكتاتورية، وإدمان الحكم بقانون الطوارئ، قد نزل على هؤلاء الأعداء برداً وسلاماً، وجَعَل الأمن القومي لسوريا ضعيفاً، يزداد ضعفاً، وعُرْضَةً لمخاطر جمَّة.

ويكفي أنْ يبدى الرئيس بشار الأسد (في خطابه الأخير) استعداداً للبحث في أمر إلغاء حالة الطوارئ (قبل انتهاء النزاع مع إسرائيل) حتى يتأكَّد ويَثْبُت أنَّ تلك الحالة المزمنة لم تكن سلاحاً يستخدمه نظام الحكم البعثي في سوريا في مواجهة ما يتعرَّض (أو يمكن أنْ يتعرَّض) له الأمن القومي السوري من مؤامرات العدو الإسرائيلي (وغيره من الأعداء الخارجيين).

ولن يَصْلُح ردَّاً على ذلك زَعْمٌ من قبيل أنَّ البديل من قانون الطوارئ، ألا وهو قانون "مكافحة الإرهاب"، يمكن أنْ يُعوِّض هذه "الخسارة" التي سيتكبدها الأمن القومي لسوريا؛ فقانون "مكافحة الإرهاب"، وبحكم تعريفه ومنطقه ومحتواه، ليس بذي أهمية تُذْكَر في مواجهة العدو الإسرائيلي، و"الدول المعادية".

لقد انتظر السوريون على أحرٍّ من الجمر الخطاب الأخير للرئيس بشار الأسد، فسقف التوقُّع كان عالياً، وساهمت في إعلاء هذا السقف المستشارة الإعلامية للرئيس السوري الدكتورة بثينة شعبان، تصريحاً أو تلميحاً؛ فهل من تعليل وتفسير لِذِهاب الخطاب بهذا التوقُّع؟

سأفترِض أنَّ الرئيس بشار الأسد كان عازماً على أنْ يُضمِّن خطابه من القرارات (الإصلاحية الجريئة) ما يجعل هذا الخطاب على مستوى التوقُّع الشعبي؛ لكنَّ شركائه في الحكم من ذوي النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي الكبير منعوه من ذلك، دفاعاً عن مصالحهم وامتيازاتهم الشخصية والفئوية الضيِّقة؛ لقد منعوه فامتنع، عن اقتناع أو عن إكراه.

وربَّما اطمئن الرئيس بشار الأسد (قبل إلقائه الخطاب) إلى قول إدارة الرئيس أوباما إنَّ الولايات المتحدة لن تكرِّر في سوريا ما قامت به في ليبيا (ضد نظام حكم العقيد معمر القذافي) فما كان منه إلاَّ أنْ أعاد كتابة خطابه بما يتَّفِق مع هذا المعطى الجديد.

ويمكن أنْ نضيف إلى ذلك أنَّ نظام الحكم في سوريا قد توصَّل إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّ الولايات المتحدة (وغيرها من الدول الغربية والأطلسية) غير قادرة على أنْ تتدخَّل الآن عسكرياً في سوريا كما تدخَّلت في ليبيا.

ولا أستبعد أنْ يكون نظام الحكم السوري قد فرض على الولايات المتحدة (وغيرها من الدول الغربية) مهادنته بأنْ هدَّدها بسيطرة "حزب الله" على لبنان، وبإشعال فتيل حرب جديدة بين هذا الحزب وإسرائيل، إذا ما سعت في ممارَسة ضغوط غير عادية عليه.

وأتوقَّع أنْ يكون نظام الحكم في سوريا قد أحسن الإفادة من تقرير "فيلكا إسرائيل"، الذي فيه أماط هذا الموقع الإلكتروني الاستخباراتي الإسرائيلي اللثام عن تفاصيل "خُطَّة مُحْكَمة"، قال إنَّ بندر بن سلطان وضعها (سنة 2008) بالتعاون مع "صديقه" سفير الولايات المتحدة السابق في لبنان جيفري فيلتمان، وتستهدف إطاحة نظام الحكم في سوريا؛ لكن في طريقة تُعيد سوريا إلى "العصر الحجري".

هذا التقرير خدم نظام الحكم السوري كثيراً إذ صوَّر الحراك الشعبي السوري ضده على أنَّه ثمرة مؤامرة لأعداء خارجيين، وتستهدف سوريا نفسها، وليس نظام الحكم فيها فحسب.

ويتوقَّع نظام الحكم في سوريا أنْ ينال نشر هذا التقرير، وتصديق المواطنين السوريين له، من قوَّة الحراك الشعبي السوري ضده، وأنْ يجعل قمعه أسهل من ذي قبل.

ومن دون أنْ أستبعد هذه التفسيرات والافتراضات، أو أقلِّل من شأنها، أقول إنَّ الخطاب الأخير للرئيس بشار الأسد، وإنْ خلا من كل ما كان يجب أنْ يتضمَّنه، وفق التوقُّع الشعبي السوري، لم يَخْلُ من الذكاء في صراع نظام الحكم السوري ضدَّ الحراك الشعبي السوري المناهض له؛ فالرئيس السوري عَرَفَ وأدرك أنَّه لو ضمَّن خطابه جملة من الإصلاحات السياسية والديمقراطية لاكتشف سريعاً أنَّ الشعب يريد أكثر، ويريد لهذا الأكثر أنْ يتحقَّق على نحو أسرع.

الذكاء كان في قول الرئيس الأسد في خطابه الأخير إنَّ إصلاحاً (سياسياً وديمقراطياً) كبيراً يلبِّي حاجات ومطالب الشعب السوري هو أمْرٌ قد تقرَّر من قبل؛ لكن التنفيذ لن يكون على الفور، وإنَّما تدريجاً، ومن غير تسرُّع.

وَلْنَفْتَرِض الآن أنَّ الضغط الشعبي الثوري قد استمرَّ وتعاظَم حتى أصبح نظام الحكم السوري مضطَّراً إلى تقديم بعض التنازلات، كإلغاء حالة الطوارئ.

عندئذٍ، يستطيع الرئيس بشار الأسد أنْ يزعم أنَّه قد نفَّذ من تلقائه بعضاً من "خطَّته للإصلاح"، ولم يُقدِّم، من ثمَّ، أي "تنازل" تحت الضغط الشعبي.

وقد يُصدِّق هذا الزَّعم بعض المواطنين فيتساءلون، من ثمَّ، عن دواعي الاستمرار في الحراك الشعبي الثوري (من أجل الإصلاح السياسي والديمقراطي) ما دام الرئيس يُنفِّذ من تلقائه "خطَّته للإصلاح" شيئاً فشيئاً!

ولو كان الأمر بخلاف ذلك لأعلن الرئيس بشار الأسد بنود "خطَّته للإصلاح" بنداً بنداً، مُضمِّناً هذا الإعلان "جدولاً زمنياً" للتنفيذ.

---------************************---------

فرق الموت السورية!!

زهير سالم*

ما أن أطلت التظاهرات الوطنية السلمية المطالبة بالحرية والعدل في سورية حتى سارع المسئولون السوريون إلى فبركة نظرية دفاعية تضمن لهم حماية مكتسباتهم من السلطة والثروة. ولقد قامت هذه النظرية على اعتماد الصدمة المرتدة بأسلوب السحق والقمع، الذي يقطع الطريق على كل من يفكر في الاسترسال في عمليات التظاهر السلمي، التي يُنظر إليها في سورية على أنها عملية تمرد. قامت هذه النظرية على التصدي بردة الفعل العنيفة القاصمة التي تضرب الشجعان ضربة تنخلع لها قلوب الشجعان!! ورجع المقررون على أنفسهم: ولكن كيف سنتعامل مع الرأي العام الوطني والعربي والدولي؟ بل كيف سنعطي الأوامر لوحدات الجيش السوري بفتح النار على المتظاهرين ؟ وكيف يمكن أن يتدبروا الأمر على المستويين الحقوقي والأمني؟! تذكر المخططون والمقررون أيام ( سرايا الدفاع عن الوطن وحماية الثورة ) (تذكروا الوحدات الخاصة ). شعروا أن الحرس الجمهوري لن يسعفهم في السياق الذي يريدون. أقلقتهم حالة الجندي خالد المصري من تلكلخ الذي رفض أن يفتح النار على مواطنيه. فاتفقوا على اختراع مصطلح المدسوسين الذين يمكن أن يحملوهم ما شاءوا من أوزار. ثم جملوا النظرية بأن أصدروا الأوامر المائعة بمنع إطلاق النار على المتظاهرين. وكان تمام الخطة أن يبادر كل مسئول ( مسئول حقيقي ) إلى تشكيل فرقة للموت تأتمر بأمره مباشرة في تنفيذ العمليات القذرة في قتل المدنيين. وتفعل في درعا وفي دوما وفي اللاذقية ما فعلته سرايا رفعت الأسد ووحدات علي حيدر وشفيق فياض من قبل في حماة وأخواتها. وبهذه الفرق ستحقق السلطة أهدافها من سحق الحراك الوطني المطالب بالإصلاح والتغيير، وفي التخلص كما تظن من تبعات الجريمة.

وهكذا راحت الساحات السورية في درعا ودوما وحمص واللاذقية حيث بدا أن الحراك الوطني بدأ يتصلب تشهد عمليات قنص من محترفين يحتلون مواقعهم جهارا نهارا، بحيث يستطيع أن يلتقطهم مصور التلفزيون المحلي أو يُطلب إليه أن يفعل ذلك لتكون صورهم الملتقطة نوعا من الدفع الحقوقي عن النفس بإلقاء عبء التهمة على مجهولين!!

وهكذا أوجدت النظرية الأمنية المفبركة هذه الفرق (الأداة والذريعة) في الوقت نفسه. ففرق القتل هذه هي الأداة المباشرة لقتل المتظاهرين وقمعهم وإخضاع أبناء المجتمع السوري، نصف قرن آخر يحني الناس رؤوسهم وهم يرددون بالروح بالدم نفديكم. وفرق الموت هذه ستكون في الوقت نفسه المشجب الذي تعلق عليه عباءة الإثم الحمراء. وفرق القتل هذه ستشكل في الوقت نفسه البعد الثالث الذي سيضطر النظام لملاحقته وتصفيته إلى استعمال المزيد والمزيد من التضييق والقسوة. سيقول النظام نحن نقر بحق المواطن في التظاهر والتعبير ولكن أمن المواطن أولى. ولولا هؤلاء المندسين لكان لنا مع الحريات شأن آخر..

ينسى مهندسو الكذبة هذه أو قادة فرق الموت هؤلاء الذين تكاد الأحداث تؤشر على أسمائهم وأسماء أتباعهم ووحداتهم بدأ من الوحدات المشتقة من الحرس الجمهوري أن الحفاظ على أمن الوطن والمواطن من المخلوقات الأرضية والمخلوقات ( الفضائية الخرافية ) هو واجب السلطة الأول. وأن على السلطة أن تحفظ أمن المواطن من هؤلاء وأولئك في إطار توفير حقوقه الشخصية والعامة. وإن نظرية سلب الحقوق مقابل توفير الحماية هي نظرية القبضايات وأصحاب الخوات. ولا يمكن أن تكون أسلوبا من أساليب الدولة الحديثة.

إن الحديث عن نظرية ( المؤامرة والمندسين ) يتطلب الإجابة على ثلاثة أسئلة: الأول ما يلحظه المتابع للمشهد السوري في فعل هؤلاء القتلة من انضباط واحتراف: أين يقتلون ؟ ومتى يقتلون؟ وكيف يقتلون؟ وأحيانا من يقتلون؟ وكيف تدبر له ظروف القتل والترويع كأن تقوم شركة الكهرباء بتعميم الظلام. أو يغلق مدير مستشفى أبواب ( مستشفاه !!).

لا بد للمتابع أن يتساءل أين ومتى تدربت هذه القوى؟ ومن أين جاءت هذه القوى؟ لعله مما يثير الاستغراب أن تصبح جريدة السياسة الكويتية أو البرافدا الروسية مصدرا للكشف عن مصدر المندسين ومصدر الأسلحة المهربة من تركية!! أو من غير تركية من دول الجوار غير البريء.!! الغريب أن تذكر تركية ولا يذكر العراق المحتل في هذا السياق المريب!!

والسؤال الثاني لماذا لم تظهر هذه القوى إلا بعيد الحراك الوطني أو مقترنة به؟ لماذا لم تحاول هذه القوى أن تتحرك قبل هذا الحراك الوطني الحر الشريف. ألم يكن بإمكان هذه القوى أن تقنص المرتبات الأمنية مباشرة دون استهداف المتظاهرين الذين يساعدون بحراكهم المندسين ظاهرا على إحداث القلاقل المنشود..؟

والسؤال الثالث لماذا لم يتحرك هؤلاء المندسون يوم كان الذين قيل عنهم إنهم مؤيدون للنظام – ونحن نعلم أنهم ليسوا كذلك – يملئون الشارع؟ لماذا لم تطلق طلقة واحدة ضد هؤلاء؟ أليس هؤلاء المندسون هم من أهل النظام، ومن عظام الرقبة من أعلى المستويات.

حين تعجز السلطة عن تأمين الحماية وتوفير الحقوق في وقت واحد فإن عليها بدون شك أن تنزاح عن طريق المواطنين..

---------************************---------

رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد

السبت, 09 أبريل 2011

غادة الكرمي *

الحياة

فخامة الرئيس الأسد،

أتوجّه إليكم بصفتي امرأة فلسطينية تعيش في المنفى بعد أن تمّ إبعادي عن وطني عام 1948. عقب وقوع النكبة، وجدت عائلتي إلى جانب آلاف المواطنين المذعورين ملاذاً في بلدكم العظيم وقد استُقبلنا بحرارة وحظينا بحسن ضيافة. ولا يسع أيّ فلسطيني أن ينسى الدور البارز الذي أدّته سورية على صعيد مساعدة اللاجئين في ذلك الوقت العصيب. كانت سورية تمثّل بالنسبة إلى الأشخاص الذين لم يلجأوا إليها والذين تمّ استبعادهم خارج وطنهم، بلدهم الأم، وذلك لسبب وجيه. فمنذ زمن ليس ببعيد، كانت فلسطين في عهد الإمبراطورية العثمانية جزءاً من سورية الكبرى. وقد تلقى جدّي ووالدي وأعمامي علمهم في دمشق. ولولا انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ودخول بريطانيا وفرنسا إلى المنطقة العربية في محاولة لتقسيمها خدمةً لمصالحهما الخاصة، لكانت فلسطين اليوم لا تزال موجودة في جنوب سورية.

لقد دفعتني مشاعر القلق على بلدكم وعلى مستقبله للتوجه إليكم بهذه الرسالة من دون أن أنسى وجه الشبه بين تاريخينا. يهمّني بقاء سورية حكيمة وقوية كما يهمّ ملايين الأشخاص الآخرين الذين أُعجبوا بتاريخها الطويل والبارز وبعروبتها الأبية وبدعمها حركات التحرير وبموقفها الشجاع إزاء إسرائيل وبرفضها الاستسلام للهيمنة الأميركية في منطقتنا. نحن ندرك أنّ هذه المزايا دفعت أطرافاً متعددة إلى معاداة سورية ومهاجمتها. فقد كاد الرئيس الأميركي جورج بوش يضمّ سورية في ما سميّ «محور الشر» وقد أدرجها على اللائحة الأميركية للدول الإرهابية. وقامت إسرائيل، البلد العدائي المجاور لكم الذي يترقّب فرص تقويض سورية، بشن هجوم على المنشآت النووية خارج دمشق عام 2008. وأعطت العلاقات السورية - الإيرانية سبباً إضافياً جديداً للغرب وبعض البلدان العربية أيضاً لمعاداة سورية. ولا شكّ في أنّ هؤلاء الأعداء مستعدون لاستغلال أي فرصة من أجل الإخلال باستقرار سورية.

وإن كانت هذه العوامل تفسّر ردّ فعل سورية على الاضطرابات الأخيرة التي أثّرت في قراها ومدنها منذ 18 آذار (مارس)، إلا أنها لا تبرّرها. شكّلت التظاهرات في مدينة درعا تحدّياً للنظام القائم في بلدكم، وينطبق الأمر نفسه على التظاهرات المتتالية التي شهدها كلّ من أنطاكية والقامشلي وحماة وحمص ودوما وبعض المدن الصغيرة الأخرى. واختلفت التقارير المتعلقة بأعداد المتظاهرين الذين قتلوا على يد قوات الأمن في هذه الأماكن وفق اختلاف المصدر. لكن، لا شك في حصول عمليات قتل غير مبرّر. لقد أشارت منظمة العفو الدولية إلى وقوع 55 إصابة في الأسبوع الأول على اندلاع الاضطرابات، فيما لفتت المصادر الأخرى إلى أنّ عدد الجرحى وصل إلى مئة شخص. أما الحكومة فذكرت أنّ عدد الجرحى بلغ 30 شخصاً. لقد قُتل 12 شخصاً في أنطاكية وتمّ إطلاق النار على المزيد من المتظاهرين منذ ذلك الحين. وقدّرت المجموعات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان أنّ عدد الأشخاص الذين قُتلوا لغاية اليوم يصل إلى 130 شخصاً.

لم يكن المتظاهرون يدعون إلى ثورة أو إلى الإطاحة بكم، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، كما حصل في بعض الدول العربية الأخرى منذ بداية العام المنصرم. فكانت مطالبهم منطقية. إذ دعوا إلى رفع قوانين الطوارئ المعمول بها منذ 1963 والتي كان يجب تعليقها منذ سنوات طويلة، وإلى قيام نظام متعدد الأحزاب ليحلّ مكان نظام حكم الحزب الواحد القائم منذ 40 سنة وإلى إطلاق سراح السجناء السياسيين وإعطاء الحرية لوسائل الإعلام واتخاذ إجراءات ضد الفساد. أنا أعلم أنّ بعضاً من هذه المطالب بعيد المنال، إلا أنّ أياً منها يُعتبر مفاجئاً لا سيّما في العالم العربي الذي يشهد حالياً تغيّرات كبيرة، ولا سيّما بعد أن دلت تونس ومصر على الطريق الذي يجب سلوكه للتحرّر من النظام القديم.

كان طبيعياً ومتوقعاً أن يشكّل هذان البلدان مثالاً يُحتذى بالنسبة إلى الشعب السوري والشعوب العربية الأخرى في أنحاء المنطقة. إذ يجب إرساء خطط من أجل التجاوب مع هذه المطالب بطريقة مناسبة. وبغض النظر عن اندساس «مشاغبين أجانب» أم لا في صفوف المتظاهرين كما ادّعت السلطات السورية، فهذا لا يغيّر الواقع.

نحن نعلم أنكم توجهتم إلى الأمة في 30 آذار (مارس) الماضي ووعدتم بإجراء بعض الإصلاحات المهمّة. كما قلتم إنكم في صدد إنشاء لجنة لدراسة إلغاء قوانين الطوارئ وللتحقيق في مقتل المواطنين في درعا وأنطاكية إلى جانب مسائل أخرى بما فيها القوانين المناهضة للإرهاب وإصلاح النظام الانتخابي والبنية التحتية الاقتصادية. كلّ هذه الأقوال مرحب بها لكن يجب أن تترافق بأفعال. حين وصلتم إلى سدة الرئاسة عام 2000 دبّت الحماسة في أرجاء سورية وأمل الجميع في أن تجروا الإصلاحات التي هم بحاجة إليها على النظام القديم. وأنا شاركتهم حينها هذه الآمال. حتى أنني أذكر أنني صافحتكم بحماسة خلال حفل الاستقبال الذي أقيم على شرفكم في لندن بعد أن توليتم مهامكم الرئاسية.

نتمنى عليكم ألا تخيّبوا آمالنا الآن. في هذا الوقت الذي نشهد فيه اضطرابات وتقدماً في منطقتنا نحن بحاجة إلى إجابة عصرية على وضع عصري. يجب ألا تتكرّر في سورية حلقة قمع المعارضة المفرغة وأن يتمّ الإقرار بأنّ وسائل الحكم القديمة لم تعد مناسبة لتعتمدها الدول التي تواجه اضطرابات منذ انهيار النظام التونسي. لا يمكن إطفاء شرارة الثورة التي اندلعت في العالم العربي اليوم مهما بلغت حدّة القمع والإرهاب والتخويف. دعونا نجرّب طريقة مختلفة للرد على المطالب الشعبية الصادقة والمنطقية.

تخيّلوا لو تمّت ملاقاة المتظاهرين في درعا بالحوار والنقاش الصريح حول شكواهم ومطالبهم. تخيّلوا لو تمّ استخدام هذه الوسيلة في أنحاء مدن سورية التي ثارت بإحباط وغضب. لو حصل هذا لظهر فرق يميز عن النزاعات التي تجتاح اليوم ليبيا والبحرين واليمن وربما بلداناً أخرى في ما بعد نتيجة اللجوء إلى استخدام القمع والعنف كوسائل وحيدة لسحق المعارضة من دون التفكير بمطالبها. لم يجدِ ذلك نفعاً في أيّ من هذه الحالات وقد تتمّ الإطاحة برؤساء الدول الذين لا يزالون في مناصبهم.

أنا أدعوكم، فخامة الرئيس، إلى انتهاز هذه الفرصة التاريخية اليوم وإلى جعل سورية بلداً سبّاقاً في العالم العربي لجهة اعتماد طريق مختلف يحوّلها إلى دولة يكون فيها الحوار والاستجابة للمطالب معايير التعامل بين الحكومة والشعوب، إلى دولة يكون فيها الانتقاد مرحباً به كونه سليماً وبنّاء، إلى دولة لا يخشى فيها أيّ شخص من أن يتمّ زجه في السجن أو قتله لمجرد التعبير عن آرائه. فور تسلّمكم مهامكم الرئاسية في سورية في تموز (يوليو) 2000، قلتم إنه لا يمكن تطبيق الديموقراطية الغربية التي برزت منذ عقود في التاريخ الغربي والتقاليد والثقافة القائمة منذ زمن بعيد، على المنطقة العربية التي لا تملك هذا التاريخ المحدّد. وأضفتم أنه يجدر بالعرب تطوير نسختهم الأصلية من الديموقراطية التي تتوافق مع تاريخهم ووضعهم. تُعتبر هذه الكلمات حكيمة وقد حان الوقت لترجمتها عملياً ولإطلاق الديموقراطية العربية الجديدة في مسقط رأسها الصحيح، أي في سورية.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،

* مديرة مشاركة في مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة إكستر في المملكة المتحدة.

---------************************---------

خطاب مفتوح إلى الرئيس بشار الأسد

بلغني وأنا لا زلت أعاني من أوضاعي الصحية السيئة نتيجة تدهور حالتي الصحية بسبب اعتقالي في الفترة/ 05-15/ من شهر شباط الماضي وأنا لازلت أقوم حتى الآن بإجراء الفحوصات الطبية المطلوبة أثناء إجازتي الصحية

أقول في هذه الآونة, إن الجهة الأمنية " فرع المخابرات الجوية في حلب " تقوم بمداهمة منازل أولادي بشكل استفزازي في الساعات المتأخرة من كل ليلة وهي تطالبهم بتسليم أبيهم وإعطاء معلومات عن مكان وجوده وتهديدهم باعتقالهم وقطع أرزاقهم حتى أن إحدى المفارز الأمنية أيقظوا أحفادي في سن التاسعة والخامسة من العمر في الساعة الرابعة صباح يوم الأحد "09/04" وحققوا معهم وسألوهم عن زيارات جدهم لهم وأنا أسأل! هل هذه المعاملة السيئة هي بداية الإصلاح التي تنشدونها.

 وإنني أعلن من موقعي هذا استعدادي لأقطع إجازتي الصحية وتسليم نفسي بموجب مذكرة قضائية من النيابة العامة سيما وأنكم وعدتم برفع حالة الطوارئ, كما أنني أصرح بأنني جاهز لأن أفدي نفسي وحياتي إذا كان هذا يوقف القمع والاعتقالات التي تجري في حلب من قبل الأجهزة الأمنية بشكل ممنهج لا سابق له.

والله خير ناصراَ وهو أرحم الراحمين

11/04/2011

غسان النجار

---------************************---------

النظام السوري والإيغال في الدم

بدر الدين حسن قربي

نستحضر عن القمع الدموي وتوحش القتل في أحداث درعا ما ذكره الرئيس السوري أن بعض المسؤولين تهوروا ويجب محاصرة الأمر ومحاسبتهم وقد تشكلت لجنة تحقيق ويجب على الكل مساعدتها، ونضيف عليه كلاماً سبقه إليه عضو مجلس الشعب عن درعا وأحد وجهاء قومه الشيخ يوسف أبو رومية السعدي في جلسة المجلس بتاريخ 27 آذار/مارس الماضي وتمّ حذفه، اعتبر فيه أن ما جرى في درعا إنما كان برعونة العميد عاطف نجيب (ابن خالة الرئيس) مسؤول الأمن السياسي الذي استدعى قوات الأمن (الحرس الجمهوري بقيادة أخ الرئيس) بطائرات هليوكبتر، الذين نزلوا فوراً بإطلاق النار على المواطنين فأردوا ما أردوا من قتلى وجرحوا من جرحوا، وكان يمنع سيارات الإسعاف حتى من نقل الجرحى إلى المستشفى، وأضاف أن ما جرّ البلاد كلها إلى ما هي فيه، هي فروع الأمن التي بدت تقتل عن جنب وطرف دون هوادة.

نستدعي ما سبق، بمثابة شاهد من أهلها لنضعه أمام إدعاءات قاصرة وفبركات رديئة بزعم أن القتلة وسفاكي دماء المتظاهرين السلميين في عموم المدن في الانتفاضة الشعبية السورية، حسب كلام السيدة بثينة شعبان أنهم عبارة عن مندسين مرتبطين مأجورين وعصابات مسلحة تعمل ضمن مشروع طائفي يحاك ضد سوريا بالتعاون مع الخارج للنيل من مواقف سورية في المقاومة والممانعة مما لا علاقة له بالتظاهر السلمي والمطالب المحقة والمشروعة للشعب السوري، أو من مثل ما نقلته فضائية الإخبارية السورية عمّا قيل لقطات مصورة لمسلحين مختبئين وراء أشجار خرجوا في كل من مدينة درعا وحمص وأطلقوا النار على الأهالي والقوى الأمنية والجيش، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى والقتلى، وهو كلام بالمناسبة قالت عنه لقناة الجزيرة يوم الجمعة الماضية السيدة سميرة المسالمة رئيسة تحرير صحيفة تشرين الرسمية أن قوات الأمن فيما صوّرت، تتحمل مسؤولية عدم القبض على هذه العصابات ويجب محاسبتها، غير أنها أقيلت مباشرة من عملها بدل القبض على عصابات النظام.

في مواجهة الانتفاضة الشعبية السورية التي دخلت أسبوعها الرابع، تتواصل وبشكل واسع عمليات القتل اليومي للمتظاهرين والمحتجين السلميين من قبل قوات الأمن والحرس الجمهوري وبعض ألويته الخاصة وعصاباته مما يسمّى بالشبيحة أو الزعران تحت سيناريوهات أمنية رديئة كئيبة بل غاية في الغباء والإخراج، وعبر طواحين كذب تعمل على مدار الساعة يريدون لنا أن نصدقها وهي مكشوفة. عمليات قمع ومجازر طائفية يمارسها النظام السوري بعيداً عن حضور إعلامي خارجي خوف أن يهتك أستار جرائمه وقباحاته، وبسيناريوهات دجل وافتراء مما كان يمكن أن يُمرّر على الناس تدبيراً وترقيعاً قبل عصر المحمول وكاميراته الفورية والتداول الإنترنيتي الفوري للمعلومة. إن كل قطرة تراق من دم أحرارنا وحرائرنا هي لاشك مسمار في نعش النظام، وضربة معول في حفر قبره، وما إيغاله في إراقة الدماء إلا تعجيل برحليه، ورسم أمام المحاكم الجنائية الدولية لمصيره.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com