العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17/3/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

'البعثي السوبرمان': نصف قرن من سفاح الفكر وتحلل الرخويات

صبحي حديدي

2013-03-07

القدس العربي

المرء الزائر للموقع الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي سوف يلاحظ أنّ العدد الأحدث من 'المناضل'، مجلة الحزب الداخلية، مزدوج يحمل الرقمين 416 ـ 417، ويعود إلى سنة 2012. فإذا ذهب إلى الافتتاحية، التي كتبها فواز صياغ رئيس التحرير، فسيقرأ التالي: 'ما الذي جنته جماهير الأمة العربية بعد عامين مما سمي بثورات 'الربيع العربي' حسب تعبيرات الغرب الاستعماري والقوى الرجعية والسلفية السائرة في ركابه والمرتمية في أحضانه؟ لو استعرضنا أوضاع الدول التي اجتاحتها عاصفة ذلك 'الربيع' المشؤوم لوجدناه قد ترك فيها ندوباً عميقة وخريفاً بائساً، شمل مناحي الحياة المتعددة منها: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية. إذ عبث بنسيجها الاجتماعي وفكك عرى الترابط والوحدة بين أبناء البلد الواحد، وتغلغل حتى العظم في لحمتها الوطنية فكاد أن يفرق الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه، والزوج عن زوجه'.

هل هذا هو الحزب الذي يرفع شعار 'أمة عربية واحدة/ ذات رسالة خالدة'، وأهدافه هي مثلّث 'وحدة، حرية، اشتراكية'؟ هو ذاته، بصرف النظر عمّا يقوله الرفيق صياغ، إذْ سرعان ما نقرأ لقاء رفيق بعثي آخر، هو عبد الله الأحمر، الأمين العام المساعد للحزب، مع 'وفد شعبي أردني' ترأسه فؤاد دبور، أمين عام حزب البعث العربي التقدمي في الأردن: 'القوى الاستعمارية أدركت أن تنفيذ مخططاتها في المنطقة العربية لن يتحقق بوجود سورية الدولة القوية الممانعة، لذلك عملت على توظيف كل إمكاناتها السياسية والاقتصادية لضربها وتفتيتها'؛ لافتاً إلى 'دور الإعلام الوطني السوري في كشف وتفنيد فبركات الإعلام المغرض الذي يشوه الحقائق ويبرر أعمال المجموعات الإرهابية المسلحة من تخريب وحرق لمؤسسات الدولة، فضلاً عن أعمال القتل بحق المواطنين السوريين'.

القيادة القومية للحزب، احتفاء بالذكرى الخمسين لـ' ثورة الثامن من آذار المجيدة'، التي تحلّ اليوم 8/3/2013، أصدرت بياناً قالت فيه: 'تهلّ علينا ذكرى الثورة التي فجرها حزب البعث العربي الاشتراكي وجماهير حزبنا وشعبنا تواجه مؤامرة شرسة واستهدافاً غير مسبوق لأمنها واستقرارها هدفه إضعافها وتدميرها، وهي اليوم أكثر قوة وتمسكاً بمبادئ الثورة والحزب وأهداف الأمة العربية القومية، وأشد صموداً وصلابة في وجه المؤامرة وإصراراً على مواجهة المخطط الأمريكي ـ الصهيوني الرامي الى تمزيق الأمة ونهب ثرواتها والسيطرة على مقدراتها'. الأبعاد القومية لا تنتهي هنا، بالطبع، إذْ تدعو القيادة 'كل البعثيين أينما وجدوا على الأرض العربية، وكل قوى التقدم والتحرر في الوطن العربي، لتحمل مسؤولياتهم في الدفاع عن سورية وشعبها وموقفها المقاوم والوقوف الى جانبها لدحر الهجمة المعادية، لأن انتصار سورية هو انتصار للعرب ولكل أنصار الحرية والتقدم'!

ولكي لا يساور أحد الشك بأنّ مفردات الخطاب البعثي لم تتزحزح قيد أنملة عن الترسانة العتيقة ذاتها، المتخشبة الجوفاء المهترئة المستهلَكة، تكفي قراءة الفقرات الأخرى من البيان، التي تفصّل القول في أنّ 'القطر العربي السوري يواجه أخطر هجمة استعمارية صهيونية في تاريخه الحديث'، حيث الأهداف الخبيثة تتجاوز 'تدمير ما بنته الجماهير خلال العقود الماضية من عمر سورية الحديث'، لتشمل تمزيق الوحدة الوطنية للشعب، وإثارة الفتن والنعرات وتدمير صيغة العيش المشترك التي عرفت بها سورية منذ أقدم العصور وتشكل النموذج الذي يحتذى به بالنسبة لشعوب العالم الأخرى'. ومَن المستفيد الأول، هنا؟ 'الدوائر الصهيونية'، غنيّ عن القول؛ التي 'عبّرت عن ارتياحها لنتائج الأزمة باعتبار أنها حققت ما عجزت عنه آلة الدمار والخراب الاسرائيلية على مدار عقود مضت دون أن تطلق رصاصة واحدة'!

بيد أنّ التسمية الأخرى لهذه المناسبة الخمسينية هي الانقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة في سورية، حين فُرضت، ثمّ تضخمت على نحو سرطاني حال الطوارىء، فصارت تتيح سنّ المزيد من القوانين القمعية العرفية والاستثنائية المحدِّدة للحريات، وإنشاء المحاكم الخاصة الاستثنائية، وزجّ الآلاف في السجون، وممارسة أبشع طرائق التعذيب الوحشية. تلك كانت 41 سنة من الاستبداد المتضاعف، الذي اقترن بالفساد والنهب مع انقلاب حافظ الأسد على رفاقه، خريف 1970؛ وكذلك إرساء مبدأ التوريث، وتنصيب بشار الأسد خليفة لأبيه، بعد ساعات أعقبت وفاة الأخير، في حزيران (يونيو) سنة 2000. أرقام المعتقلين، والمفقودين، وقتلى المجازر الجماعية، سوف تبلغ عشرات الآلاف، قبل أن تقفز معدلاتها بصفة جنونية بعد انطلاقة الانتفاضة، في آذار (مارس) 2011.

هذا السجلّ الشائن يُنسب، في معظمه، إلى 'الحركة التصحيحية' وآل الأسد؛ لكنه، في الحصيلة، سجلّ نظام البعث الذي حكم منذ العام 1963، بمختلف أجنحته 'اليمينية' و'اليسارية'، أيّام الفريق أمين الحافظ مثل الفريق حافظ الأسد، وفي رعاية ميشيل عفلق مثل صلاح جديد: هذا هو سجلّ حزب البعث الحاكم، باختصار تقتضيه الحقيقة، وبأمانة هي أضعف الإيمان تجاه ذكرى وحقّ وحقوق مئات الآلاف من الضحايا. وليست مواقف البعثيين الراهنة، في سورية كما في الأردن أو العراق أو اليمن أو أي 'قيادة قطرية' بعثية أخرى تدين بالولاء لآل الأسد، إلا زفرات جثة آيلة إلى تفسخ، لم تعد خارج التاريخ والمعيش الشعبي العربي، فحسب؛ بل هي فقدت حتى قيمة المستحاثة التي تؤشّر على تاريخ ما، لرخويات متحللة (أحد البعثيين اليمنيين، على سبيل المثال، ينبّه الإنسانية إلى أنّ التضامن مع الأسد 'نابع من انتمائنا القومي... ضدّ أحفاد بني صهيون')!

وفي الموسوعة البريطانية، مادّة 'حزب البعث'، نقرأ ما يلي: 'حزب سياسي عربي يدعو إلى قيام أمّة عربية اشتراكية واحدة. للحزب فروع في العديد من بلدان الشرق الأوسط، وهو حاكم في سورية والعراق. تأسس الحزب سنة 1943 في دمشق علي يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وأقرّ دستوره سنة 1947، واندمج مع الحزب العربي الاشتراكي لتشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي'. الأرجح، بالطبع، أنّ أية طبعة جديدة من الموسوعة البريطانية سوف تتضمن إدخال تعديلين حاسمين على معلومات هذه المادّة: أنّ الحزب لم يعد حاكماً في العراق، وأنّ مفردة 'اشتراكية' فقدت كلّ مدلولاتها في عقيدة الحزب الراهنة... ما تبقى منها في كلّ حال!

زكي الأرسوزي (1908 ـ 1968)، خرّيج الفلسفات الفرنسية مطالع القرن الماضي، وأحد الآباء الروحيين المؤسسين للحزب، كان يقول: 'العربي سيّد القدر'، ولسوف ينشأ كيان عربي جبار موحد، عندما يستردّ هذا العربي هويته التي ضيّعها على امتداد آلاف السنين. أكرم الحوراني (1911 ـ 1996) قاد انتفاضة الفلاحين في ريف حماة ضد الإقطاعيين، وعقد مؤتمراً للفلاحين في حلب، أيلول (سبتمبر) 1951، حضره مئات من الفلاحين، وصار سابقة على نطاق تنظيم الطبقات الفلاحية العالم العربي. ميشيل عفلق (1910 ـ 1989)، أبرز الأسماء في لائحة المؤسسين، عاد من دراسته في جامعة السوربون بمزيج عجيب من فيخته ونيتشه: من الأوّل ميتافيزيقا الأمّة الألمانية، ومن الثاني فلسفة القوّة التي سيسقطها على شخصية البعثي السوبرمان!

بدأ هذا الحزب، إذاً، في سياق من سفاح عجيب بين الفلسفات والطبقات والشعارات، وهو اليوم يلفظ أنفاسه بطيئاً وسط سياقات مناسبة من سفاح عجيب آخر يزاوج فلسفة السوق والاستبداد، والجمهورية الوراثية بالوطن ـ المزرعة! ومن مجازر حماه 1982 في سورية (قرابة 15 ألف قتيل على الأقل)، إلى مجزرة حلبجة في العراق (جريمة الحرب التي قد تكون أفظع مجزرة كيماوية ضدّ المدنيين في تاريخ البشرية)؛ ومن احتلال لبنان وضرب المخيمات الفلسطينية والتفرّج على الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، إلى احتلال الكويت، والقتال تحت راية 'عاصفة الصحراء'؛ وصولاً إلى الحصيلة الراهنة في سورية، حاضنة تأسيس الحزب: 71,205 ضحايا، بينهم 4,898 طفلاً، و3,893، و1,000,669 لاجئاً... ثمة، في هذا كله، منطق صارم يربط البدايات بالمآلات، ويفضي إلى النهايات.

وبين النهايات الأحدث كان تأجيل المؤتمر القطري الحادي عشر، إلى أجل غير مسمى؛ وقبله أُريد للمؤتمر العاشر، أواسط سنة 2005، أن يكون 'القفزة الكبيرة في هذا البلد'، حسب تعبير الأسد نفسه، في خطابه أمام مجلس الشعب يوم 5 آذار تلك السنة، ويتضح اليوم أنه لم يكن قفزة بأيّ معنى، حتى إلى وراء! وكان المؤتمر ذاك قد شدّد، في الشؤون الداخلية وحدها، على 'تنظيم علاقة الحزب بالسلطة'، ودوره في 'رسم السياسات والتوجهات العامة للدولة والمجتمع'، و'تحديد احتياجات التنمية'. وفي مسائل 'تطوير النظام السياسي وتوسيع دائرة العملية السياسية'، أوصى المندوبون بـ'مراجعة أحكام دستور الجمهورية العربية السورية بما يتناسب مع التوجهات والتوصيات الصادرة عن المؤتمر'؛ وأكدوا 'أهمية دعم أجهزة السلطة القضائية واستقلاليتها'، و'تكليف الحكومة بوضع آليات ناجعة لمكافحة الفساد، والحدّ من ظاهرة الهدر في المال العام'.

وفي جانب آخر، اعتُبر بيضة القبان في وعود الأسد الإصلاحية، أكد المؤتمر على 'أهمية إصدار قانون أحزاب يضمن المشاركة الوطنية في الحياة السياسية وذلك على قاعدة تعزيز الوحدة الوطنية'؛ و'مراجعة قانون الانتخاب لمجلس الشعب والإدارة المحلية'؛ و'تعزيز مبدأ سيادة القانون، وتطبيقه على الجميع'، و'اعتبار المواطنة هي الأساس في علاقة المواطن بالمجتمع والدولة'. توصيات إضافية طالبت بمراجعة قانون الطوارىء، وحصر أحكامه بالجرائم التي تمسّ أمن الدولة، وإلغاء المرسومين التشريعيين رقم 6 لعام 1965 المتعلق بمناهضة أهداف الثورة، ورقم 4 لعام 1965 المتعلق بعرقلة تنفيذ التشريعات الاشتراكية، وإلغاء القانون رقم 53 لعام 1979 المتعلق بأمن الحزب، إعادة النظر في قانون المطبوعات، بما يتيح إصدار قانون جديد للإعلام بأنواعه كلها. ليس هذ فقط، بل ذهب المؤتمر إلى حدّ التأكيد على ضرورة حل مشكلة إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة (الذي حرم قرابة 70 ألف مواطن كردي من الجنسية، أو صنّفهم في خانة الـ'مكتوم')؛ وتطوير المنطقة الشرقية، وتنميتها.

وليس المرء بحاجة إلى سرد الأدلة على أنّ التوصيات لم تذهب أدراج الرياح فحسب، بل انحطّ اداء السلطة في هذه الملفات، وفي كثير سواها، إلى درك أسفل لم يكن يقبل المقارنة حتى بأسوأ أواليات القمع والفساد والنهب والتخريب طيلة عقود 'الحركة التصحيحية' الثلاثة. وفي غمرة تخبط السلطة، خلال أشهر الانتفاضة، تكفلت المهازل الانتخابية المتعاقبة، والتصويت على 'دستور' جديد، وانتخابات البعث الداخلية ذاتها (أواخر 2011 وأوائل 2012) بانتفاء الحاجة إلى الحزب، وتجريده موضوعياً حتى من وسائل الترغيب والترهيب التي كان يعتمدها في إجبار السوريين على الانتساب.

وإذْ يعرب الحزب عن مقته الشديد لانتفاضات العرب، فإنّ العربي، 'سيّد القدر' دون سواه، صار اليوم سيّد 'الربيع المشؤوم'؛ لا يترك على جبهة التاريخ إلا الندوب العميقة، والخريف البائس'!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الذين يرفضون تسليح الشعب السوري .. بأي حق ينصبون أنفسهم أوصياء عليه؟!

الطاهر إبراهيم

2013-03-07

القدس العربي

المسالخ البشرية التي يقيم سوقَها يوميا أناسٌ تجردوا من آدميتهم من زمرة بشار أسد، أثبتوا أنهم لا تربطهم بسورية أي صلة مواطنة. كما أن إيران دخلت على خط القتال منذ بداية الأزمة وأرسلت جنودا لها يقنصون من فوق الأبنية كل من يمر في الشوارع، حتى لو لم تكن هناك أي مظاهرة. ولا يعني هذا أن جنود بشار وشبيحته كانوا أقل إجراما من فيلق القدس الإيراني.

استطرادا، إذا كنا لا نريد أن نستبق السياق الزمني، إلا أننا ينبغي أن نؤكد أن المعادلة خرجت عن مألوفها المعتاد بين طهران وواشنطن، وهو الخصومة على طول الخط، كما كانت منذ عهد الإمام الخميني. فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حانت الفرصة لطهران كي تكتب فصلا مختلفا مع واشنطن لتنتقم من النظامين الجارين في (أفغانستان والعراق). فقد سمح للطيران الأمريكي بالعبور في أجوائها عام 2001 لقصف جيش طالبان السني، وفي عام 2003 لقصف الجيش العراقي من مؤخرته من جهة إيران، الأمر الذي اعترف به الرئيس 'محمد خاتمي' وهو يطالب واشنطن بسداد 'جميل' تلك المساعدة التي قدمتها طهران لواشنطن. إذا كان الإمام الخميني سمى أمريكا 'الشيطان الأكبر'، فإن القضية لم تعد بين واشنطن وطهران خصومة على طول الخط، بل خصومة انتقائية حسبما تقتضيه مصلحة كل منهما.

اعترفت واشنطن لطهران بمركزها كلاعب رئيس في المنطقة بعد سماحها لها بعبور طائراتها أجواءها لقصف أفغانستان والعراق، فلم تضع واشنطن حزب الله على قائمة الإرهاب، بالرغم من تاريخه الطويل في القيام بأعمال إرهابية (حسب المفهوم الأمريكي)، خارج أرض لبنان وآخرها ماجرى من اتهام بلغاريا حزبَ الله في التفجير الذي خلّف خمسة قتلى إسرائيليين لحظة مغادرتهم المنتجع السياحي في 'بورغاس' الواقعة على البحر الأسود في تموز 2012. بينما لم تتأخر واشنطن في وضع جبهة 'النصرة' -التي يتكون مقاتلوها من 'السنة'- على قائمة الإرهاب، مع أنها تقاتل على الأرض السورية، ولم يسجل عليها أنه استهدفت غير جنود بشار أسد وشبيحته، وفوق الأرض السورية. كما لم يسجل عليها أنها استهدفت مدنيين، إلا أن يكونوا في جيش النظام.

وعودة إلى التطورات المتسارعة في سورية وانعكساتها الإقليمية والدولية. فقد شعر السوريون بالغضب وهم يرون العالم يتفرج على المذابح في سورية، بنظرات لا مبالية إلى مئات الأرواح تزهق يوميا في مدن سورية، من درعا جنوبا، إلى 'تل كوشك'، في أقصى الشمال الشرقي على الحدود السورية مع كل من العراق وتركيا. انعكس هذا الوضع على معارضين سوريين، فقرر 'أحمد معاذ الخطيب' الذي يقود الائتلاف الوطني مقاطعة الحراك الدولي، وأعلن أنه لن يشارك في مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في روما الخميس 28 شباط الماضي. ثم عدل عن موقفه فحضر المؤتمر، لكنه خرج بعده ليقول: إن العالم يريد استمرار القتال في سورية.

هذا العالم لم يكفه أن تبلدت أحاسيسه تجاه جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي يقترفها بشار أسد في سورية، بل نصبت بعض دوله من نفسها قيمة على الشعب السوري بفبركة حلول، هي أقرب إلى إعادة إنتاج النظام القاتل منها إلى الحل، ولكن بصيغة وعباءة مختلفة.

من أعجب العجب أن طهران الشريك المضارب الأكبر في ذبح الشعب السوري، ما فتئ وزير خارجيتها 'علي أكبر صالحي' يقدم طهران وسيطا للمصالحة بين الرئيس القاتل وبين الشعب الذي يقتل، ثم يبشر بأن بشار أسد سيبقى حتى تنتهي ولايته في عام 2014.

أما واشنطن فتدعو إلى حل سلمي في إطار وثيقة جنيف، في وقت ما يزال النظام يعتمد الحل الأمني. كما كلف كل من الرئيس الأمريكي'باراك أوباما' وزير خارجيته 'جون كيري' والرئيس الروسي 'فلادمير بوتين' وزير خارجيته 'سيرجي لافروف' بالبحث عن مبادرات مع أنه ليس هناك ما يبشر بنجاح الخطة التي أجمعت عليها واشنطن وموسكو.

لو تركنا جانبا موسكو المنحازة إلى نظام بشار أسد منذ أن بدأت الأزمة، فسنجد أن واشنطن قد خذلت أصدقاءها من الدول العربية الذين لهم مصلحة في رحيل بشار أسد بسبب وقوفه ووقوف والده من قبله مع طهران التي ما فتئت تهدد استقرار المنطقة بنفسها أو من خلال ذراعها حزب الله في لبنان، فإننا لم نسمع حتى الآن كلمة واحدة من رموز الإدارة تشجع على إطاحة بشار عن طريق القوة، بعد أن رفض أي حل إلا الحل الأمني.

فهذا 'جون كيري' يقول يوم الاثنين 4 آذار في الرياض، ردا على من طالبه بتسليح المعارضة السورية: إنه يخشى وقوع هذا السلاح في الأيدي الخطأ، مع أنه لا يستطيع تأكيد هذا التخوف. ونحن بدورنا نسأل كيري ماذا فعل مع بشار أسد الذي بيده الأسلحة الكيماوية ويهدد باستعمالها؟

أما نائب الرئيس 'جو بايدن' فقد كان أكثر وضوحا من 'كيري' عندما قال أمام لجنة 'إيباك' في مؤتمرها السنوي: (إن بشار أسد يظهر عدم الاكتراث، كما والده، بحياة الإنسان السوري، وهو منخرط في عملية إجرام وحشي ضد شعبه. موقفنا من المأساة .. إن على الأسد أن يرحل، إنما نحن لن نتبنى عصابة إجرامية لاستبدال الأخرى في دمشق ... معرضا بجبهة النصرة).

ونحن هنا ننوه بالتصريح الذي رد به وزير الخارجية القطري 'حمد بن جبر آل ثاني' على 'جو بايدن' في المؤتمر الصحفي مع جون كيري يوم 5 آذار الجاري في الدوحة عندما أكد: بأن الإرهابي الأكبر في سورية هو بشار أسد.

كما لا يفوتنا هنا أن ننوه بما قاله وزير الخارجية البريطاني 'ويليام هيغ': بأن التسوية السياسية أغلقت تماما في سورية، لأن الأسد يرفض التنحي، وأن الحرب في تصاعد. أضاف هيغ: (إننا في بريطانيا نعتقد أن علينا أن نكثف من دعمنا للمعارضة السورية، وذلك بأبعد من المساعدات الإنسانية، لا يمكن لسياستنا أن تبقى جامدة، بينما الأمور تتطور أسبوعا بعد أسبوع).

الشعب السوري يرفض الموقف الأمريكي، الذي أقل ما يقال فيه أنه غامض، لا ينص صراحة على تغيير كامل للنظام. كما يرفض تقسيم المقاتلين إلى فصائل معتدلة وأخرى متطرفة. ويقف مع كل الكتائب التي تقاتل بشار أسد وعصابته، بمن فيهم جبهة النصرة والجيش الحر والكتائب الأخرى، لأن قوام تلك الكتائب هم الشباب السوري الذي يقاتل دفاعا عن كرامة السوريين وعن وحريتهم وأعراضهم. ولا يهمه، بعد ذلك، في قليل أو كثير تصنيفات إدارة 'أوباما'، لأنها لا يهمها ما يهم السوريين. واستطرادا فإن الوصاية الأمريكية مرفوضة جملة وتفصيلا، خاصة بعد أن رفض رموز إدارة 'أوباما' تسليح الجيش الحر.

د. عوض السليمان - فرنسا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

آفاق الحلول للقضية السورية

تاريخ النشر: الجمعة 08 مارس 2013

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

يقول الثوار في سوريا لا حل إلا برحيل الأسد والنظام معاً، ومحاسبة القتلة المجرمين الذين شاركوا بإبادة المدن والقرى، وقصفوا شعبهم بكل أنواع الأسلحة، من المدفعية والدبابات والطائرات الحربية إلى الصواريخ البالستية شديدة التدمير، فضلاً عن عشرات الآلاف من المعتقلين الذين يتعرضون لأنواع شبه خيالية من التعذيب. وفوق ذلك تشريد الملايين خارج سوريا وداخلها، وتعريض الشعب الثائر إلى مجاعات وعطش، من خلال الحصار القاتل الذي بدأ في درعا مع بداية الأحداث بحرمان الأطفال من الحليب، ما دعا بعض الناشطين والمثقفين الذين كانوا موالين للنظام إلى إصدار بيان اشتهر باسم "بيان الحليب" وتم اعتقالهم، وتوالت التصرفات الحمقاء التي جعلت نار الثورة تتقد، ولاسيما بعد أن تم تهجير أول دفعة نازحين إلى تركيا. وكنت شخصياً أحد المطالبين بتوفير الحليب للأطفال والأدوية للجرحى، واقترحت تشكيل وفد من شخصيات اعتبارية من النظام ومن المستقلين يذهب باسم الدولة إلى النازحين إلى تركيا، ويعيدهم إلى قراهم ضامناً لهم الأمان قبل أن يتسع الخرق على الراقع. وكتبت في هذه الصفحة من "وجهات نظر" مقالاً بعنوان "دعوة إلى حوار وطني" بتاريخ 22/4/2011، فانهالت عليَّ الشتائم النظامية المقذعة لكوني أتعاطف مع "قتلة" و"مجرمين"! وقال لي من يمثل عقلية الإبادة من الحمقى "عليك أن تطالب بإعدامهم فهم جراثيم ومجرمون"! وأيقنت إذاك أن سوريا ستمضي بقيادة هذه العقلية المستبدة إلى الجحيم.

وأعترف بأن مخيلتي لم ترسم قط صورة للجحيم تضاهي ما حدث حقيقة في سوريا، ربما لأن تصوري لجهنم كان على كل القسوة الرمزية مشفوعاً برحمة الله التي وسعت كل شيء. وأما جهنم التي يصطلى فيها شعبنا، فقد خلا قاموسها من كلمة الرحمة ومن معانيها، وهذا ما جعل الناس يجدون أنفسهم مضطرين لحمل السلاح لمقاومة هذا العنف المجنون الذي استدعى تصاعد العنف في الرد. وظهرت تنظيمات وصمت بأنها إسلامية إرهابية متطرفة، ولكن الشعب لم يهتم بهذا التوصيف، فقد التف حول من يدافع عنه ويحميه، وهو ينادي على مدى عامين كما لم ينادِ شعب قبله "يا الله ما لنا غيرك".

كان الناس في سوريا يتوقعون حلاً سريعاً تضمنه نخوة دولية تتعاطف مع مطالبهم بالحرية وتعينهم على إقامة دولة مدنية، ولم يخطر على بال أحد -إلا من ندر- أن يقف المجتمع الدولي موقف العاجز المتفرج، مكتفياً بالتعابير الدبلوماسية التي لم تعد ذات مضمون في مزاد التصريحات اليومية التي تتداولها وسائل الإعلام. وإزاء تصاعد العنف لقمع الثورة طالب بعض المعارضين بحظر جوي أو تدخل خارجي يمنع تدمير المدن وإبادة الشعب، وطالبوا بتسليح الثوار، ثم اكتشفوا أن من يتفاءلون بدعمهم هم في الحقيقة يدعمون النظام علناً أو سراً خوفاً من انتصار الثورة وتبدل الموازين في المنطقة، ما قد يشكل تهديداً لمستقبل إسرائيل.

ومع أنني كنت وما زلت ضد أي تدخل عسكري خارجي، إلا أنني لم أصدق قط أن "الفيتو" الروسي والصيني كان معاكساً لإرادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد أدرك المعارضون أنها تمثيلية دولية، نتج عنها تدمير سوريا وإعادة كثير من مناطقها إلى العصر الحجري، والسماح بظهور "التطرف، والإرهاب، والسعي لتحويل الثورة إلى حرب أهلية طائفية، وتدويل القضية، وسحب القرار من يد الثوار والنظام معاً".

وقد فوجئ السوريون بأن يصير المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية وزير خارجية روسيا، وأن يصير مفتاح الحل بيده مع نسخة منه بيد وزير الخارجية الإيراني، والأميركان والأوربيون يأسفون ويعبرون أن لديهم رؤية مختلفة، ولكن "كيري" قال مؤخراً إن إعلان جنيف هو الحل، وفيه حفاظ على النظام، وتبرئة للقتلة والمجرمين، ولأنه رأى صواريخ "سكود" تدمر المدن وتقتل الشعب بالآلاف وعد بالسماح للمعارضة بأسلحة غير مميتة، وخشي أن تصل إلى الأيدي الخطأ، وعبر عن رؤية حل إعلان جنيف بحكومة تضم النظام والمعارضة معاً، ولم يفسر الإعلان موقع الأسد من هذه الحكومة.

ومع أن الأميركان يعلنون أنهم مع وحدة التراب السوري، ويرفضون أية دعوة للتقسيم، إلا أن ما حدث في مناطق تلكلخ ويبرود والهجمة العنيفة الراهنة على حمص، واحتلال "حزب الله" لعدد من القرى السورية التي تشكل امتداداً جغرافياً لدويلة علوية شيعية ترسم طرقاً عبر البادية السورية إلى العراق يضمن استمرار النفوذ الإيراني، وطرقاً نحو جنوب لبنان الذي يسيطر عليه الإيرانيون أيضاً، وتفريغاً سكانياً لمناطق جبال التركمان، ربما تتبعه حملة تطهير عرقي لإجبار أهل السنة على الهجرة من الساحل والجبال المتاخمة للحدود مع تركيا، وكل ذلك يوحي باحتمال وجود خطة للتقسيم. ويقال إن مناطق العلويين صارت ثكنات عسكرية جهزها الروس والإيرانيون، ونقل النظام إليها أهم أسلحته التي انتشرت على الجبال المطلة على منطقة الغاب.

ومع قناعتي بأن عامة العلويين يرفضون أية فكرة للتقسيم، لأنهم سوريون قبل أن يكونوا علويين، ويرفضون أن يعيشوا في "كانتون" مغلق، وفي دويلة لن تعرف الاستقرار ليلة واحدة ولو بقيت قائمة مئة عام، وبالطبع يتم تصور هذا الحل الواهم مع تشجيع قيام دويلة سنية إسلامية متطرفة في الشمال، يعاديها العالم كله ويحاصرها ويحاربها، وسيكون مناسباً للأشقاء الأكراد أن يطالبوا بكردستان سورية! وما قاله المالكي في تخوفه من انتصار الثورة السورية هو تعزيز لجعل التقسيم حلاً ضامناً لرؤيته الطائفية، وحفاظاً على تقدم المشروع الإيراني الذي سيشغل المنطقة كلها بصراع سني شيعي، يصير الصراع العربي الإسرائيلي إزاءه هامشياً! وعلى رغم هشاشة هذه الرؤية في التقسيم والشك في كونها أضغاث أحلام، إلا الخطر من سايكس- بيكو القرن الحادي والعشرين، بحيث يعاد تشكيل المنطقة عرقياً وطائفياً حدس قائم ومريع.

ومع أن القضية السورية تزداد تعقيداً، إلا أنني أرى أن الحل لا يزال سهلاً وضامناً لسلام المنطقة كلها واستعادة الأمن والاستقرار فيها، وهو ببساطة أن يتنحى رجل واحد عن موقعه الرئاسي، وفي النظام رجال شرفاء كثر قادرون على إنقاذ مستقبل سوريا بحوار عقلاني يضمن كل الحقوق، وينقذ السفينة قبل الغرق الأخير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : أئمة يدعون إلى النار .. زهير سالم*

 (( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ

وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ))

وكأن هذه الآيات تتنزل علينا اليوم غضة طرية لتشير إلى هؤلاء المقبوحين في الدنيا والآخرة ، الذين نسمع نعيقهم ونرى لهاثهم في فضاء الثورة السورية وعلى رجالها وأبنائها . هؤلاء الذين سماهم القرآن الكريم : ( أئمة يدعون إلى النار )، والذين قال عنهم الرسول الكريم في سياق آخر : ( دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) . يقول حذيفة بن اليمان راوي الحديث : قلت يا رسول الله صفهم لنا قال : ( هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ).

وقوله صلى الله عليه وسلم ( ويتكلمون بألسنتنا ) ليس معناها لساننا العربي فقط ، بل ومن معانيها أيضا أنهم يحتجون علينا كما نحتج : ب (قال الله ، قال رسوله ) . وأنهم قبحهم الله.. يحاجوننا بحجج شريعتنا ، ( يختلون الدنيا بالدين ) كما أخبرنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الترمذي( يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، ألسنتهم أحلى من العسل ،  وقلوبهم قلوب الذئاب ..)

وقد وصف القرآن الكريم أئمة الدعوة إلى النار ، المنسلخين عما أوتوا من العلم ، في سياق آخر وتلا علينا من نبأهم حتى لا نضل ولا نزل ولا نخدع فقال تعالى (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ...))

مثله مثل الكلب في لهاثه وراء مصالحه وشهواته ، أو خوفه على دنياه ، أو في تبجحه وعناده وطغيانه واتباعه هواه ....

أيها الشباب المسلم في سورية الحبيبة ..

يا أبناء سورية الحرة الأبية وبناتها ...

ولم يكن ( أئمة الدعوة إلى النار) هؤلاء الذين تستمعون إليهم يلهثون على منابر الطاغية قاتل الأطفال ومنتهك الأعراض  بِدْعا بين أتباع الدعوات ، ولا في تاريخ الأديان ، ولا في السيرورة التاريخية للثورات . ونماذجهم هذه التي نقلناها من كتاب الله تبارك وتعالى ، الذي أطلق عليهم أئمة الدعوة إلى النار ، والذي قرن لهاثهم وراء أهوائهم أو إعجابا بذواتهم  بلهاث الكلاب ، أو جعل قلوبهم في حديث الرسول الكريم قلوب الذئاب ؛ لا يجوز أن تخدع  أي مسلم ، وأن تمنعه أن يجد في حديث هؤلاء المفتونين عن دينهم فتنة تفتله عن حق ، أو محلا لطاعة يصغي إليه ، أو شاهدا على دين الله سبحانه وتعالى ، الذي لا يشهد عليه إلا من قال الله فيهم (( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )) .

لقد كان في ركب هذه الثورة السورية المباركة رجال ونساء عرفوا الحق فلزموه ، ورأوا الباطل فقاوموه . تمعرت وجوههم غضبا لله ولدينه ولشريعته ولحرماته تنتهك جهارا نهارا ؛ في وقت نام فيه من تحمل أمانة ذلك على وسادة العجز ، واستطاب ترداد أحاديث فساد الزمن ، ووجد مجده في إظهار براعته في موازنات ما يدعونه المصالح والمفاسد وأعظم المفسدتين وأكبر المنكرين ...

كان في ركب هذه الثورة المباركة شباب وصبايا  تكلموا جهرا بالحق إذ صمت من أناط الله به البيان : (( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ )) . فخرج هؤلاء الشباب يهتفون للحق و للعدل وللحرية وللمحبة وللإخاء وينددون بأضدادها من الظلم والفساد والاستبداد والكراهية والبغضاء فحاول الظالم المستبد قمعهم ، وبالغ في القتل والانتهاك ، وقال لهم أصحاب فتاوى العجز والريبة وأئمة أهل النار كل على طريقته : (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ..)) ..

أبناء الإسلام على أرض الشام المبارك ...

صوت البقية من ورثة الأنبياء فيكم لا يغيب صداه عن مسامعكم . ولن يصعب على طالب للحق التمييز بين إمام يهدي إلى الحق وناعق يدعو إلى النار . ويبقى السؤال مفتوحا على فضاء عقولكم وقلوبكم (( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟! )).

إن مسلما تعود أن يتلو وأن يدعو في افتتاح كل صلاة (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )) لا يمكن أن يخنع مستسلما لإرادة الظالمين ، ولا يمكن أن يقنع بنعيق أئمة النار يدعونه إلى جهنم وبئس القرار ..

لقد حصص الحق . ولم يترك الطغاة المجرمون وأشياعهم لمتردد أو متقاعس خيارا ، فإما أن يكون الإنسان نصيرا للعدل والحق ، وإما أن يكون ظهيرا للمجرمين . والقرآن الكريم يعلمنا أن نختار (( قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ )) .وظهير المجرمين هو العون لهم ، والضارب بسيفهم ، والمقاتل تحت رايتهم ، والمنفذ لأوامرهم ..

أبناء سورية الأحرار الشرفاء ..

إن أحدنا لن يرضى لنفسه ولا لولده ولا لأخيه أن يكون ظهيرا لهؤلاء المجرمين ، هؤلاء الذين يذبحون الأطفال ، وينتهكون الأعراض ، ويقتلون الرجال والنساء ، ويدمرون المدن والأحياء ..

و لا يجوز لحر شريف أصيل أن ينسى أن ما يفعله أو يعين عليه في جنوب وطنه استسلاما لإرادة المجرمين ، سيفعل مثله مخدوع أو مغرور أو مستسلم في شمال هذا الوطن . وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين . ومن يَزنِ يُزنَ به ولو بجداره ..فلا تكونوا أدوات للظلم والبغي والعدوان فيقتص الله منكم في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ..

وإنه لعار ما بعده من عار أن يسجل التاريخ على حر شريف أنه كان يوما في صف هؤلاء الكفرة الفجرة الساقطين الأشرار ، يسير في ركابهم ، ويستجيب لدعائهم ، ويطأطئ الرأس لتعليماتهم وأوامرهم . ولن يكون لأحد في نعيق أئمة الدعوة إلى النار عذر فقد حصحص الحق . وأسفر الصبح ..

فأروا الله من أنفسكم خيرا وبدلا من أن يكون الإنسان أداة في يد أهل الباطل والظلم ليجرد من نفسه سيفا عليه ...

أيها السوري مكانك في صف الذين يقاتلون في سبيل الله لن تضله ولن تضيعه . ولموت في طاعة الله خير من حياة في ظل معصيته وخذلانه . والموت في نصرة الحق والدفاع عن المظلوم شهادة وراءها جنة بل جنات ، والموت تحت راية الظالمين قتل بئيس (( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )) . (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ))

إلى هذا الصف وللعمل تحت هذه الراية استنفركم الراسخون في العلم من رجال الإسلام ..

لندن : 2 / جمادى الأولى / 1434

14 / 3 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يريد الإيرانيون؟ وماذا يريد الأميركيون؟

رضوان السيد

الشرق الاوسط

8-3-2013

كان المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري يوم الثلاثاء الماضي بالرياض، غريبا في وقائعه. فقد بدا الوزير السعودي شديد الوضوح، بينما بدا الوزير الأميركي شديد الغموض، إن لم نقل شديد التردد والحيرة.

الفيصل قال إن سياسات التفاوض مع إيران على ملفها النووي سوف تؤدي إلى أن يمتلك الإيرانيون السلاح النووي خلال سنوات قليلة، وإن السياسات تجاه الثورة في سوريا تعني الدمار الكامل للبلاد، وإن الأخلاق (وليس الأمن الدولي وحسب) تقتضي في الحد الأدنى إمداد السوريين الثائرين بوسائل الدفاع عن النفس في مواجهة النظام المصر على إبادة شعبه. ووافق الوزير الأميركي على كلام الفيصل، ثم خالفه في الحالتين.. قال إن الولايات المتحدة مصممة على منع إيران من تملك السلاح النووي، وهي تريد حلا سياسيا تفاوضيا في سوريا. أما وسيلتا تحقيق هذا وذاك فقد بقيتا غامضتين.

ماذا يريد الأميركيون حقا في شأن الملف النووي الإيراني؟ وماذا يريدون تحقيقه أو عدم تحقيقه في الملف السوري؟ بعد سنوات طويلة من التفاوض على نووي إيران، وعام ونصف على «التفكير والتقدير» في الملف السوري، يبدو لي أن السؤالين بشأن أميركا والملفين ما عادا صحيحين، بل تقديري أن المسألة تقع في جهة ثالثة، وهي أن أميركيي أوباما ما عادوا مستعدين للدخول في أي نزاع بالشرق الأوسط يقتضي حسمه تدخلا عسكريا مباشرا أو غير مباشر؛ فقد جربوا التدخل في أفغانستان والعراق، وكان ذلك مؤلما جدا لهم ولهيبتهم، وربما لمصالحهم.

كان بوش الابن يقول في أواخر أيامه في الرئاسة إن الولايات المتحدة صارت أكثر أمنا. وإذا كان معنى ذلك أن الولايات المتحدة ما عادت معرضة لهجوم كهجوم 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، فربما كان ذلك صحيحا. بيد أن أبرز ما حصل أن سياسات الولايات المتحدة، بل أولوياتها صار لها فيها شركاء في المنطقة هم بالترتيب: إيران وإسرائيل وتركيا.

والولايات المتحدة مضطرة الآن (أو أنها تريد ذلك) إلى إشراك كل هؤلاء في القرار، إضافة للاتحاد الأوروبي وروسيا، وربما الصين أيضا! فقد كسبت إيران مناطق نفوذ جديدة، ونقاطا وملفات للمساومة والتبادل. وتصاعدت إمكانيات إسرائيل نتنياهو لتجاهل حل الدولتين. وصار الأتراك لاعبين حقيقيين على مستوى الشرق الأوسط وأوروبا. وهنا يتدخل أوباما ليقول: لكن سياسات أميركا في عهدي منعت نشوب حروب كبرى بالمنطقة ومن حولها وعلى مدى أربع سنوات!

هناك أمران إذن تقول أميركا أوباما إنها حققتهما: جعل الولايات المتحدة آمنة أو أكثر أمنا، والحيلولة دون نشوب حروب جديدة بمنطقة الشرق الأوسط. وهاتان النقطتان بالذات هما موطن القوة في الموقف الإيراني. فحتى خروج العسكر الأميركي من العراق، كانت الولايات المتحدة محتاجة إلى إيران. واعتمادا على ذلك أقدمت إيران على بسط نفوذها أو تقويته في العراق وسوريا ولبنان، وفتحت مناطق نزاع جديدة في مثل اليمن والبحرين، وتابعت «تنمية» وتطوير ملفها النووي. وبعد خروج الأميركيين انصرفت إيران لتثبيت مواقع النفوذ، ومحاولة الامتداد لمنافذ أخرى، وكل ذلك بالاعتماد على أن الولايات المتحدة ما عادت تجرؤ على شن حروب جديدة. وقد اعتبر الإيرانيون أنهم يستطيعون السير قدما إلى ما لا نهاية، ما دام الأميركيون غير مستعدين للعودة للحرب. بينما هي مستعدة دائما للوصول إلى هاوية النزاع أو حافة الحرب، مطمئنة إلى أن الأميركيين ما عادوا قادرين أو مريدين مجاراتها. ففي مكافحة النووي الإيراني ما عادت الولايات المتحدة قادرة على تجاوز روسيا. وفي مسائل مناطق النفوذ، تعلم الولايات المتحدة أن إيران لن تخرج من البلدان الثلاثة إلا بالقوة، فضلا عما يشكله خيار القوة من جانها إن أتيح من أخطار على إسرائيل، وعلى أمن الخليج.

ويسعى الأميركيون «لإغراء» الإيرانيين وليس لتهديدهم، من أجل العودة إلى سنوات الاستقرار و«الغلبة» بعد عام 2010: في الملف النووي بتقوية الحصار أو تخفيفه، وفي الملف السوري بعدم المساعدة على انتصار الثوار حتى لا يتهمهم الإيرانيون فيعمدوا للتحرش بإسرائيل من طريق صواريخ حزب الله!

وإذا كانت مسألة «الحرب» أو خوفها هي نقطة ضعف الولايات المتحدة، وهي في الوقت نفسه نقطة قوة إيران (أي المضي باتجاه التحدي وحدود الحرب في كل مكان)، فماذا يكون على العرب أن يفعلوا؟ ما يقال هنا ما عاد جديدا ولا فريدا. في سوريا على العرب جميعا «مساعدة الشعب السوري في الدفاع عن نفسه»، وهم يستطيعون توقع الدعم التركي، بل الدعم الأوروبي. وفي الملف الفلسطيني يستطيعون المضي في اتجاه المجتمع الدولي الذي يقف معهم باستثناء الولايات المتحدة. أما في النووي الإيراني، فليس من المصلحة القريبة القيام بأي شيء؛ لأن الأميركيين اعتادوا على المبادلة مع إيران، وعلى إغراء إسرائيل بالمزيد من العطايا والضمانات، دونما توقع لمتاعب من جانب العرب!

في عام 2010 اقترح علي ناشر كتابي «الصراع على الإسلام»، وبعد أن لاحظ شدة اهتمامي بالكتابة عن العرب وإيران وتركيا، أن أكتب كتابا بعنوان «الصراع على العرب»! وقد بدا لي لأول وهلة أن الأمر يستحق، ثم تركت ذلك؛ فقد كان الأميركيون يخرجون من العراق، ويسلمونه لإيران، ويعيدون سفيرهم إلى سوريا الذي كان البوشيون قد سحبوه، ويغضون النظر عن استيلاء حزب الله على لبنان في مقابل عدم التحرش بإسرائيل. وقد بدا الأتراك راضين بنصيبهم أو ما اعتقدوا أنهم حصلوا عليه بعد التبادل التجاري المزدهر، من هدوء نسبي على حدودهم مع إيران والعراق وسوريا.

لقد تغيرت حسابات الإيرانيين والأتراك بعد نشوب الثورة في سوريا؛ فالأتراك شعروا بالخديعة، وأظهروا سخطهم على الأسد وعلى المالكي معا، وقووا علاقاتهم بكردستان العراق، لكنهم حتى اليوم لا يرون مصلحة في الصراع مع إيران، ويعتقدون أنها عائدة إليها أو أنها ستعرض عليهم شراكة أكثر فائدة، بسبب سوء العلاقة مع أميركا، وسوء العلاقة مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية. وهكذا رأيت بعد تأمل الموقف أنه لا حاجة لافتراض الصراع على العرب، ما دام الأميركيون والأتراك قد سلموا بالغلبة الإيرانية. والأولى الانصراف للتفكير في «إمكانيات» الاستجابة العربية للتحدي الإيراني، والانكفاء الأميركي، والإقبال الروسي على اجتراح شراكة مع الأميركيين ومع الإيرانيين.

والواقع أن «الفراغ الاستراتيجي» الذي تحدث عنه الأمير سعود الفيصل في مؤتمر القمة بسرت الليبية عام 2010 ما دخل على إدراكه منذ ذلك الحين غير اعتبارين اثنين: الثورة السورية، والاضطراب السني بالعراق. وهذا معنى تركيز الفيصل منذ قرابة العام على الوضع في سوريا واحتمالاته وإمكانياته. فلدينا الآن ضرورة دعم الشعب السوري، الذي تألب عليه الإيرانيون و«حلفاؤهم» العرب، والنظر في إمكان المساعدة على حدوث توازن في العراق، يحول دون استمرار الغلبة الإيرانية على ذلك البلد. لا صراع إذن على العرب، بل هو صراع عربي مع إيران على سوريا والعراق ولبنان، «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البلاغ الرقم 1 للحرب الطائفية في المنطقة!

محمد مشموشي *

الجمعة ٨ مارس ٢٠١٣

الحياة

هل كان رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي يقرأ البلاغ الرقم 1 لما يسمى «الهلال الشيعي» بدء حربه الأهلية الفعلية في عموم المنطقة، الحرب السنية - الشيعية تحديداً، عندما قال أخيراً «إن انتصار المسلحين في سورية سيؤدي إلى إطلاق حرب طائفية في العراق ولبنان والأردن»؟.

يبقى السؤال وارداً بالرغم من أن وزير النقل في حكومة المالكي نفسها، رئيس «منظمة بدر» المسلحة سابقاً، هادي العامري، لم ينتظر طويلاً لشرح كلام رئيسه بالقول بعد ساعات فقط: «إن دعم تركيا وقطر للمسلحين في سورية يرقى إلى مستوى إعلان حرب على العراق»، الذي اعتبر أنه «سيعاني تبعات صراع تتزايد صبغته الطائفية إلى جواره».

إذاً، هي الحرب الطائفية (المذهبية بين المسلمين تحديداً) التي يتحدث عنها المالكي ووزيره الخبير فيها، وليس في العراق وحده إنما في المنطقة كلها.

ذلك أن تطورات الوضع في سورية، وبدء انهيار النظام عسكرياً في أكثر من منطقة منها، لم يتركا لحليفه الاستراتيجي في إيران (وبالتبعية في العراق) سوى لعب أوراقه كاملة وبصورة مكشوفة الآن، بعد عامين كاملين من تهديد دمشق وطهران معاً ومنذ اللحظة الأولى للثورة السورية، من أن «زلزالاً مدمراً» سيضرب المنطقة كلها إذا ما جرى تغيير هذا النظام أو حتى تهديده بالزوال.

وليس خافياً أن نظام بشار الأسد عمل طيلة الفترة الماضية، وبتنسيق سياسي وعسكري مع إيران والعراق و»حزب الله»، على تحويل الثورة ضده حرباً طائفية ومذهبية وعرقية بين مكونات الشعب السوري، وإنه نجح في ذلك إلى حد ما، لكن من دون أن تنفعه هذه الحال لا في إنقاذ نفسه من السقوط في النهاية، ولا بعد ذلك في إبعاد الكأس نفسها عن حلفائه الذين يدعمونه بكل ما يملكون، لأنهم يرون في سقوطه سقوطاً محتماً لهم ولو بعد حين.

في قراءة عراقية لكلام المالكي، أنه يدافع عن نفسه أولاً فيما يواجه في بلاده ومنذ شهور ثورة فعلية وشبه شاملة في الرمادي والأنبار والموصل وكركوك وغيرها، فضلاً عن أنه أعطى أكثر من دليل خلال عامي الثورة السورية إلى أنه يقف بقوة إلى جانب نظام الأسد، ويمده بما يحتاجه من مال ونفط وسلاح... اضافة طبعاً إلى الموقف السياسي، إن في الجامعة العربية أو في مجلس التعاون الإسلامي أو في الأمم المتحدة.

وللتذكير، فقد صرح المالكي نفسه قبل يومين فقط من كلامه الأخير بأن نظام الأسد لن يسقط ولا يمكن أن يسقط («ولماذا يسقط؟»، كما تساءل)، وبأن ما يجري في سورية وفي المنطقة تحت اسم «الربيع العربي» هو مؤامرة عليهما لا أكثر ولا أقل.

وعما يشهده العراق من تظاهرات واعتصامات شعبية منذ ثلاثة شهور ضد حكم المالكي، وأساساً من أجل حقوق ومطالب حياتية محددة وضد الهيمنة الإيرانية على مفاصل السلطة، لا يجد المالكي ما يقوله سوى إنها عبارة عن حركة انفصالية، وطائفية سنية تحديداً، وأن دولاً خارجية (السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية) تقف خلفها... في إشارة جلية أخرى إلى الهدف إياه: الحرب الطائفية، ليس في العراق وحده إنما على مساحة المنطقة كلها أيضاً.

وليس تفصيلاً في أي حال، بل يأتي في سياق الهدف نفسه ما هدد به في الفترة ذاتها تقريباً حليفه وحليف إيران وسورية كذلك، الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، جموع اللبنانيين الذين يعترضون على تورط حزبه في القتال إلى جانب النظام السوري، من أن عليهم ألا يدفعوه إلى «التجربة» مرة ثانية... إشارة منه إلى احتلال قواته بيروت يوم 7 أيار (مايو) 2008 واعتبره في حينه «يوماً مجيداً»، ليس في حياة الحزب فحسب، بل في حياة لبنان والمنطقة كلها أيضاً.

واقع الحال، أن ما تشهده الأراضي السورية ومناطقها الحدودية مع لبنان من عمليات قتالية لـ «حزب الله» دعماً للنظام وضد الثورة منذ شهور من جهة، وما شهدته منطقة اليعربية على الحدود العراقية - السورية في الفترة الأخيرة من جهة ثانية، وما بات مؤكداً بالوثائق عن مشاركة القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري إلى جانب قوات الأسد من جهة ثالثة، ومسلسل بيانات المسؤولين في طهران تأييداً له ولقواته في مواجهة ما يصفونه بـ»الحرب الكونية» ضد ما يعتبرونه المحافظة الإيرانية الرقم 36 وفق تعبير أحد كبار رجال الدين فيها...، كل ذلك لا يعني سوى شيء واحد، بخاصة بعد عامين كاملين تأكد فيهما عجز النظام عن إنقاذ نفسه: بدء مرحلة جديدة في دفاع الحلفاء عنه.

وهي المرحلة التي هدد بها الأسد عندما تحدث منذ اليوم الأول للثورة بـ «زلزال» سيضرب المنطقة ولن ينجو منها بلد واحد فيها.

ولا حاجة للقول إن التهديدات بها والتلميحات إليها تبدو واضحة على أكثر من مستوى وفي أكثر من موقع في المنطقة، وليس في الجوار السوري فقط، سواء في لبنان أو في العراق أو في الأردن وصولاً حتى إلى تركيا نفسها.

فعلها نظام الأسد في الداخل وبين أطياف الشعب السوري، لكن مردودها عليه كان محدوداً بالرغم من كل ما يقال عن «القاعدة» أو «جبهة النصرة» أو «حزب العمال الكردستاني»، ومن الدعم العسكري والمادي الذي قدمه ويقدمه له الحلفاء، وبدا جلياً في المدة الأخيرة أن سقوطه الكامل مسألة شهور أو أسابيع فقط.

وليس من المبالغة في شيء اعتبار أن هؤلاء الحلفاء، من طهران إلى بغداد إلى بيروت، هم الذين يستعدون لبدء الحرب الآن... حرب تخريب المنطقة مادياً، بعد ضربها فكرياً ونفسياً بالفتنة بين السنة والشيعة، في محاولة لإنقاذ نظام الأسد من جهة أولى، ولكن لإنقاذ أنفسهم ومشروعهم الإمبراطوري الفارسي من جهة ثانية.

ومن هنا السؤال: هل ما فعله نوري المالكي، وفي سياقه من بعد على لسان نصرالله والعامري، هو تلاوة البلاغ الرقم 1 لبدء هذه الحرب؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تأرجح الموقف الأميركي يطيل المأساة السورية

راغدة درغام

الجمعة ٨ مارس ٢٠١٣

الحياة

تدرّجت مواقف وزير الخارجية الأميركي جون كيري بين ليونة نحو القيادة السورية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأ بها جولته الأوروبية، ومواقف متشددة نحو الرئيس السوري بشار الأسد ودور إيران في سورية مع نهاية جولته الشرق أوسطية في قطر. طرأ أكثر من تغيير على المواقف التي تأبطها في البدء كيري لتعكس شخصية رئيسه باراك أوباما وأولويته العازمة على الرهان على الوهن الرافضة أسلوب التدخل المباشر. بعض من التغيير أتى كجزء طبيعي من جولة الاستماع والاستطلاع التي وصف بها كيري زيارته إلى العواصم الأوروبية والعربية مروراً بتركيا. المساهم الآخر هو الإجراءات والتطورات على الساحة السورية، العسكرية منها والسياسية. لكن المساهم الغائب الحاضر الذي جعل وزير الخارجية الأميركي الجديد يستدرك بعض شغفه إلى الترغيب بدل التهديد هو روسيا وسرعة وضوح عزمها على التلاعب بتلهف إدارة أوباما إلى الانعزالية.

مصادر خليجية مطلعة قالت إن وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف أبلغ الخليجيين قبل أيام أن الرئيس السوري «خط أحمر» وأن روسيا استثمرت كثيراً في سورية ولن تعيد تكرار تجربة ليبيا – إشارة إلى ما تعتبره استبعاداً غربياً لها وإهانة قومية.

هذا الموقف، عملياً، يشكل تراجعاً آخر عن تفاهم مبهم آخر بين الديبلوماسية الروسية والديبلوماسية الأميركية. فمنذ عشرة أيام فقط، أوحى لافروف إلى كيري في اجتماعهما مطلع جولة كيري الأوروبية أن روسيا جاهزة للعمل الجدي نحو الحل السياسي وأنها جدية في ضغوط ستمارسها على الأسد مقابل ضغوط أميركية على المعارضة السورية. لم يقدم أية ضمانات، وفق ما فسّر الديبلوماسيون الروس لاحقاً. وعد فقط بالسعي وبذل الجهود مع النظام السوري مع العلم أن موسكو كررت دائماً – عندما لاءمها ذلك – أن نفوذها مع الرئيس السوري محدود إذ إنه لا يستمع إلى كل ما تقول له عكس مدى استماعه إلى ما تقوله إيران.

لم تقل الديبلوماسية الروسية أبداً إنها جاهزة للتخلي عن الرئيس السوري بل إنها تمسكت باستمرار أدواره في العملية السياسية الانتقالية مصرة على تراجع الديبلوماسية الأميركية عن مطالبته بالتنحي والرحيل إذا أرادت الحل السياسي.

وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون اعتبرت اتفاق جنيف في حزيران (يونيو) الماضي إنجازاً ديبلوماسياً إذ فسّرته بأنه اتفاق الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن على عملية سياسية تنقل سورية من حكمها الحالي إلى حكم جديد. افترضت، منطقياً، أن هذه العملية تعني عملياً انسحاب الرئيس السوري من السلطة تدريجاً تحت مظلة روسية - صينية - أميركية - بريطانية - فرنسية. عندما اتضح لهيلاري كلينتون أن ذلك الافتراض لم يكن أبداً في ذهن سيرغي لافروف بل عكسه، اعتبرت أن نظيرها الروسي نصب لها مكمناً، إذ كان في ذهنه منذ البداية قطف ما يلائمه في اتفاق جنيف ونصب الفخ الذي وقعت فيه كلينتون ونظراؤها الأوروبيون.

جون كيري بدا متحمساً لإقبال سيرغي لافروف على علاقة تهادنية وإيجابية معه. أسرع إلى إيلاء مهام قيادة الملف السوري إلى روسيا معتبراً أن الفرصة متاحة لنقلة نوعية في التفاهم الأميركي – الروسي بعدما وافقت واشنطن على شروط روسية غيّرت شروط العملية السياسية الانتقالية، أبرزها، الكف الأميركي عن مطالبة الأسد بالتنحي، وتتبنى الدعم للحل السياسي حصراً. افترض كيري، كما سبق وافترضت كلينتون، أن هذا يعني موافقة روسيا على عملية انتقالية سياسية جديدة تؤدي إلى رحيل الأسد لاحقاً بظروف تدريجية.

هذا الافتراض أميركي محض وليس روسياً، ولعل كيري أدرك ذلك في المحطة الخليجية من جولته بعدما سمع ما أبلغه لافروف إلى الخليجيين عن تمسك موسكو ببشار الأسد في السلطة واعتباره «خطاً أحمر».

فلقد استهل كيري جولته الأولى كوزير خارجية في إدارة أوباما الثانية متمنياً على الرئيس السوري الإصغاء إلى شعبه وأنهاها بقوله «أعتقد أن الأسد يدمر شعبه وبلده وأن السلطة لم تعد ملكاً له لأن الشعب أوضح له أنه فقد شرعيته»، وأردف لاحقاً أن «الأسد فقد شرعيته من حكم شعبه ولا مجال لاستعادته شعبيته... فالأسد قرر تدمير البلاد ليستمر في الحكم».

التدرج في مواقف كيري لم يقتصر على تقويم الرئيس السوري، وإنما شمل العلاقة الأميركية مع «الحل السياسي» ومع نوعية الدعم للمعارضة السورية. بدأ جولته بعرض إيصال المساعدة الطبية والغذائية مباشرة إلى المعارضة السورية وتقديم بعض التدريب لها مع حجب السماح بمدها بأسلحة فتاكة كي لا تقع في أيدي المتطرفين من أمثال «جبهة النصرة» وأخواتها. أنهاها بقوله «لا توجد ضمانات لعدم وصول الأسلحة إلى الأيدي الخطأ ولكنأ يمكن أن نؤكد أن هناك قدرة واضحة حالياً على أن نضمن أن تصل الأسلحة إلى المعتدلين من المعارضة، وبالتالي يزيدون الضغط على النظام». قال إن «العناصر السيئة لديها قدرة على الحصول على السلاح من إيران ومن حزب الله ومن روسيا»، و «نحن نقف ضد الإيرانيين الذين يقومون بمساعدتها وحزب الله والجهات المرتبطة بالقاعدة».

لقد تطوّرت مواقف كيري أثناء جولته وتدرجت حزماً نحو دمشق وطهران، بموازاة مع التمييز بين المعارضة السورية المتطرفة والمعارضة السورية المعتدلة. شدد كيري على أهمية وصول الأسلحة إلى المعارضة المعتدلة وقال «لدينا الآن ثقة أكبر في المعارضة، لكن لا يمكن ضمان وصول الأسلحة إلى جهات لسنا راضين عنها. فعلينا أن نتأكد أن دعمنا يعزز المعارضة المعتدلة».

فالولايات المتحدة كانت مترددة في دعم «الجيش الحر» في سورية خوفاً من الإسلاميين المتطرفين. الآن، يبدو أنها أعادت النظر ولا خوف لديها من سقوط السلاح في أيدي الأصوليين الجهاديين. لماذا؟ لأن «الجيش الحر» ما زال متماسكاً أمام المعادلة العسكرية التي هي حالياً لمصلحة النظام، ولأن هناك حاجة إلى إعادة التوازن على الأرض.

إعادة التوازن العسكري على الأرض، كما أوضحت مواقف كيري المتدرجة، مسألة ضرورية ليس فقط في المعركة بين النظام والمعارضة، وإنما أيضاً في إطار المفاوضات أو التفاهمات الأميركية – الروسية.

فالتوازن عنصر مهم للتأثير في المواقف الروسية لأن موسكو تزداد حدة وثقة بنفسها وإملاءً على المفاوض الأميركي كلما كانت موازين القوى على الأرض لمصلحة حليفها النظام السوري. وعليه، تدرجت المواقف الأميركية من معارض للحل العسكري وللدعم العسكري المباشر للمعارضة السورية إلى موافق على إحداث تغيير جدي في المعادلة العسكرية على الأرض قبل فوات الأوان، وإلى مستعد لتقديم أنواع معينة من الدعم العسكري على نسق التدريبات والمعلومات الاستخبارية وغيرها. هذا إلى جانب التنسيق مع بريطانيا ودول أخرى أوروبية وعربية لتوفير أنواع أخرى من الدعم العسكري الأكثر تطوراً للمعارضة السورية ترافق وتزامن مع انتهاء جولة كيري في الدوحة لقاء بالغ الأهمية بين ولي العهد السعودي وأمير قطر اعتُبِر استراتيجياً أتى بعدما تراجع الخوف الأميركي من وقوع الأسلحة في أيدي المتطرفين وبعدما برزت مؤشرات إلى دور أميركي أقل تقلصاً بل أكثر إقداماً.

تقلص أيضاً، في الوقت ذاته، أي أمل بإقناع روسيا بالموافقة على قرار في مجلس الأمن تحت الفصل السابع يجعل من العملية السياسية الانتقالية في سورية مسألة جدية وليست مجرد وسيلة للإلهاء ومبدأ «خذ وطالب». فلقد أوضح الخليجيون لوزير الخارجية الأميركي أن لا مجال للتخلي عن المعارضة السورية والتفرج على تقهقرها انتظاراً لتفاهم أميركي – روسي لا أفق جدياً له ولحل سياسي بلا أفق زمني.

ومع انتهاء جولة كيري الاستطلاعية اتخذ مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية مواقف ملفتة. بعض منها أتى ليؤكد للوزير الأميركي جدية عربية برفض الاكتفاء بالتفرج فيما تغازل إدارة أوباما الثانية إيران وتساوم روسيا على مسائل لا علاقة لسورية بها. والبعض الآخر أتى ليشكل مواقف جديدة نحو المسألة السورية.

فإلى جانب الزيارة المهمة لولي العهد السعودي إلى الدوحة، توجه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني إلى لبنان بتكليف من دول الخليج «ليبلغه قلق مجلس التعاون البالغ من مواقف لبنان الأخيرة وبعض الأطراف اللبنانية من الأوضاع في سورية التي لا تعكس سياسة (النأي بالنفس) التي أعلن لبنان التزامه بها». ترجمة ذلك أن دول الخليج ستعتبر لبنان الرسمي الحكومي إما منضماً إلى سياسة «حزب الله» الداعمة مباشرة للنظام السوري أو أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فقدا السيطرة على «حزب الله» – والنتيجة واحدة. فالرسالة ليست فقط رسالة استياء وإنما هي أيضاً رسالة تنبيه إلى أن هناك عواقب «للشطارة» اللبنانية.

هذه العواقب، وفق المصادر الخليجية لن تقتصر على تدهور العلاقة الاقتصادية بين لبنان ودول الخليج وما لذلك من إفرازات قاتلة على الاقتصاد اللبناني. ذلك أن دخول «حزب الله» طرفاً مباشراً في المحور الذي يضم إيران والنظام في دمشق بدعم روسيا يورط لبنان على الحدود السورية – اللبنانية ويوسّع دائرة المعركة مع النظام السوري لتشمل «حزب الله». وهذا يعني، وفق الخليجيين، أن على لبنان الدولة أن يتحمل عواقب مواقفه وأن على «حزب الله» أن يتهيأ للبعد الأوروبي في علاقاته ومكانته الدولية، لأن الأوروبيين على وشك مشاطرة هذا الرأي ورفع الحماية عن «حزب الله».

فإيفاد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بهذه الزيارة والرسالة غير المسبوقة تطور مهم يعكس جدية المسألة وخطورة معالجتها. فأما الحكومة اللبنانية قادرة أو أنها غير قادرة – وفي الحالين، هناك استحقاقات.

فلقد تحركت الدول الخليجية وكذلك جامعة الدول العربية، هذا الأسبوع لتطويق الغزل الإيراني والروسي الذي تقبلته الإدارة الثانية بشغف، ولتطويق الاكتفاء بالتفرج على الكارثة السورية. سترتفع سخونة المواجهات في الجولة الآتية وستتأرجح السياسة الأميركية، مجدداً، هذه المرة نحو تفاهم أكبر مع الدول الخليجية إنما إبرة البوصلة الأميركية غير مستقرة حتى إشعار آخر. وهذا ما يساهم في إطالة المأساة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الفوضى مقابل التغيير

وليد شقير

الجمعة ٨ مارس ٢٠١٣

الحياة

لا يمر يوم في لبنان إلا ويتأكد مدى ترابط أزماته الداخلية مع وقائع الأزمة السورية المفتوحة. وليس صدفة أن يتداخل الخلاف الداخلي حول قانون الانتخاب وتبادل الاتهامات حول السعي الى تأجيل الاستحقاق الانتخابي المقرر في 9 حزيران (يونيو) المقبل، مع الانقسام المتزايد حيال ما يجري في سورية.

وليس غريباً أن يصل الصراع في الشأنين الداخلي والسوري الى ذروة متوازية وفي توقيت واحد. ويكون من السذاجة عدم رؤية العلاقة بين إصرار رئيسي الجمهورية ميشال سليمان والحكومة نجيب ميقاتي على الدعوة الى الانتخابات ولو على أساس قانون مختلف عليه، لكنه نافذ، وبين الحملة التي ووجهت بها هذه الدعوة من حلفاء سورية وإيران، ودعوة وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور الى رفع قرار تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية والحملة التي واجهته من قوى 14 آذار التي تعتبر أن النظام السوري آيل الى السقوط، مقابل توخي منصور الذي يمثل تطلعات «حزب الله» وحلفائه إعادة تكريس شرعية النظام تحت مظلة الجهود الدولية المفترضة سعياً وراء حل سياسي في سورية.

يختصر الترابط بين المسألتين مدى حاجة القوى السياسية الحليفة للنظام السوري في لبنان الى غطاء السلطة السياسية المركزية من أجل مواصلة سياسة دعم النظام انطلاقاً من لبنان. وبهذا المعنى يرمز الصراع على قانون الانتخاب وعلى إجراء أو عدم إجراء الانتخابات في موعدها، الى الخلاف على ما إذا كان لبنان يجب أن يكون ساحة مساعدة على إطالة عمر النظام في دمشق أم أنه يجب أن يلتزم مقاطعته. فالسلطة التي ستعيد الانتخابات إنتاجها ستحدد السياسة اللبنانية الرسمية حيال الصراع في سورية، في وقت يعتبر «حزب الله»، الفريق الأقوى والأكثر فاعلية في الطاقم الحاكم الآن أنه يخوض معركة مصير بدفاعه عن نظام بشار الأسد ولو بالسلاح وإرسال المقاتلين الى دمشق أو الى منطقة القصير وحمص في القرى والبلدات المحاذية لمنطقة نفوذه في البقاع الشمالي. فإذا ضمن أن تعزز الانتخابات أكثرية لمصلحته دعم القانون الذي يحقق هذه النتيجة. أما إذا لم يضمن ذلك، فإنه يفضل تأجيلاً مديداً لهذه الانتخابات، لأنه كما يقول أحد الوزراء يوفر له بقاء هذه الحكومة التي لن يضمن تشكيل مثلها لاحقاً، ولأنها تشكل التغطية الأفضل لسياسة الدعم السياسي والعسكري والأمني لنظام دمشق. ومجيء سلطة أخرى وحكومة مختلفة، سيجعل من الصعب تمرير المحروقات والبضائع وتهريب الأموال وتخطي العقوبات الغربية المفروضة على قيادات النظام وسفرهم وتنقلهم باتجاه عواصم مساندة للنظام، خصوصاً طهران وموسكو.

لم تعد الانتخابات اللبنانية شأناً داخلياً بحتاً، على رغم ما يردده سفراء الدول الكبرى في بيروت. ولربما تنبه هؤلاء الى مغزى عدم إجراء الانتخابات في موعدها فعادوا يدعون الى حصولها بعد أن تيقنوا أن تأجيلها هو تمديد لواقع يعاكس مواقف حكوماتهم من الأزمة السورية. ولو لم يكن الأمر كذلك لما جاء التحذير الذي أطلقته دول مجلس التعاون الخليجي بوجوب التزام لبنان سياسة النأي بالنفس، بعدما أفاد النظام السوري من وجود سلطة متماسكة فيه.

يكشف الترابط بين الانتخابات اللبنانية وبين الأزمة السورية مدى البعد الاستراتيجي لهوية السلطة السياسية المستقبلية في لبنان في حسابات القوى المتصارعة. بل ان ما يجري في لبنان، وما يهيأ له في السياق الإقليمي، قد يكون نموذجاً لما يهيأ لسورية أيضاً انطلاقاً من أراضيه.

فالنظر الى المسرح الإقليمي يشير الى تشابه الاستراتيجية المتبعة في عدد من دوله الأساسية، حيث لإيران موطئ قدم يرجح كفتها في القرار من طريق وجود حكومة لا تتمتع بمركزية القرار، ففئوية التمثيل قياساً الى تعددية القوى السياسية والطائفية كما هي الحال في العراق وسورية ولبنان، بموازاة وجود قوة عسكرية موازية لقوة الدولة، تفرض عليها حسابات جهوية، وسط تعدد الأجهزة العسكرية والأمنية الموزعة الولاءات. وإذا كان هذا يقود الى ضعف الدولة فإنه يسهل للنافذين فيها وخارجها أن يوجهوا الأحداث والقرارات، سواء باسمها أو باسم الأمر الواقع.

ولا يؤسس الوجود الإيراني المباشر على الأرض في سورية وكذلك وجود مقاتلي «حزب الله» في عدد من المناطق، وتدريب جيش شعبي موالٍ للنظام وبإشراف من طهران إلا لحالة شبيهة في ظل تداعي مركزية الدولة في سورية.

إذا بقي النظام صامداً في سورية تبقى للجيش الموازي الذي نشأ في سورية كلمته في أي تسوية إذا حان وقتها. وإذا سقط النظام وصمد الجيش الموازي الذي أُنشئ فإنه سيقوّض مركزية الدولة الجديدة التي ستنشأ لأنها ستكون عاجزة عن مد سلطتها على سائر الأراضي السورية التي ستخضع حينها لتقاسم نفوذ.

في لبنان يجري العمل على ضمان بقاء السلطة على ما هي عليه إما بالانتخابات أو بتعطيلها، وفي سورية (وفي العراق) يجري الحؤول دون تغيير السلطة وإذا تعذر ذلك فالبديل هو الحؤول دون تمكن أي نظام جديد من أن يمسك زمام الأمور إذا استمرت الحرب بين المكونات السورية من بعدها، بالإفادة من الفوضى التي يتيحها غياب أي سلطة مركزية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في ضرورة الحوار بين الديموقراطيين والإسلاميين

ميشيل كيلو

السفير

9-3-2013

لا بد من كسر المحرّم الذي يجعل الحوار جريمة والآخر عدواً، فاحتمال أن تذهب سوريا إلى الفوضى، لا مجال للحيلولة دونها بغير التوافق على صورة الوطن بين تياري العمل السياسي الراهن: الديموقراطي والإسلامي، وتحريم استعمال السلاح بين أطراف المعارضة.

يعيش العقل السياسي السوري على المحرمات، التي منها الحوار أو التفاوض مع أهل النظام، وبالمقابل، التعرض بالنقد والتأمل لما تعيشه المعارضة من ثغرات وعيوب ونواقص لا حصر لها، كان من شأنها القضاء على الثورة لولا التضحيات الأسطورية التي أخذ الشعب على عاتقه تقديمها يومياً وفي كل مكان من ارض سوريا.

من محرمات العقل السياسي السوري الحوار بين الأحزاب والجماعات السياسية والمقاومة. ومن يقرأ كيف يخوّن بعض حملة السلاح، رئيس المجلس العسكري في الحسكة العقيد حسن عبد الله، لأنه وقع اتفاقاً ينهي النزاع مع حزب «البايادي» الكردي ويخرج سوريا من خطة رسمها النظام بإتقان وحرص كي يدفعها إلى حرب اهلية تتنوع أطرافها بتنوع الأمكنة والمناطق التي يريد لها أن تنشب فيها، يدرك كم هي مستحكمة عقلية رفـض الحوار مع الآخر ومعرفة الوقائع على حقيقتها، وكم يجنح السوريون اليوم إلى إطلاق احكام جائرة وتعسفية ضد من لا يتفقون معهم في الرأي والموقف، حتى إن كانوا مقاومين وعلى استعداد لأن يضحوا يومـياً بحياتهم في سبيل الوطن والثورة. بدل سؤال العقـيد عن الاتفاق الذي وقعه ومناقشته معه، ينقض نقاده عليه بتهم تخوينية، لكن هذا ما يحدث، لشديد الأسف، بين من يفترض أنهم ينتمون إلى صف واحد وقضية مشتركة.

لا يعود رفض الحوار إلى الحال الانفعالية التي يعشيها السوريون نتيجة البطش الرسمي بهم. إنه متأصل في بنيتهم العقلية القليلة العقلانية، التي تجعل رأي كل واحد منهم هو الفيصل في كل أمر، وتوهمه أن رفض أي رأي آخر، بما في ذلك رفض التعرف عليه، مسألة مبدئية لا يجوز التهاون فيها تحت أي ظرف ولأي سبب كان. لا عجب إذن أن الأحزاب السورية لا تتحاور بل تتهاتر، وأن جماعات الشعب لا تعرف بعضها البعض، وأن المؤسسات السياسية تقوم على إقصاء سواها وتشويه سمعته والعمل على تقييد حركته وتجريده من اتباعه وانصاره، وأن عملها يتلخص في انكار حقوقه بل والقضاء عليه. لا عجب أيضا أن تسود حتى في المنظمات الجامعة، التي تضم أكثر من طرف سياسي او مقاوم، صراعات استبعادية ومكائد تحريضية وتقويضية على حساب الجوامع المشتركة والتصرفات المتعدية لأي تنظيم أو حزب، وأن تستخدم المشتركات من أجل إقصاء الآخر، الذي لا يمكن أن يكون غير منافس ومزاحم، ومن المحال كسبه ولا مفر من تحجيمه أو تهميشه أو إخضاعه للخطط والرغبات الخاصة، حتى عندما تكون هناك علاقات تحالفية وصلات تكاملية معه، فالتحالف لا يعني الاقلاع عن إفراغ التنظيمات الأخرى من قوتها او حضورها الشعبي، وعن تقويض قدرتها على المبادرة، وإلزامها برأي التنظيم الخاص، خاصة إن كان أكثر مالاً وسلاحاً وعلاقات مع الخارج. ولئن كانت الضرورات تفرض التعامل مع الآخر، فإن هذا التعامل يجب أن يكون ظرفياً تتخلله محاولات خفية او معلنة لتبديل توازنات القوى ضده، باستخدام قوتها نفسها من اجل إنهاكه وإضعافه، ريثما يتم التخلي عن العلاقة معه وإخراجه من الساحة السياسية أو احتواؤه. ومن يتابع كيف تصرف إسلاميو المجلس الوطني يرى بأم عينيه كيف استخدم هؤلاء قوة الآخرين وسمعتهم لخدمة أغراضهم، التي كانت خفية أول الأمر، ثم توضحت بقدر ما تمكنوا من السيطرة على المجلس والتلاعب بتياراته وتحويلها إلى هياكل تابعة، لم يبق لها في نهاية المطاف أي شيء من أمرها غير الاستسلام لهم، علماً بأن المجلس تأسس من أجل توحيد المعارضة ـ كي تقدم التغطية «الوطنية» اللازمة لتدخلات الخارج في الشأن السوري -، ولم يؤسس كي ترضخ أطرافها لأحابيل ومكائد الإسلاميين ولنفوذهم ومالهم السياسي. والملاحظ أن هؤلاء كانوا يرفضون دوماً فتح أي حوار مع أي «حليف « لهم في المجلس، خاصة إن كان يتناول علاقات أطرافه الداخلية، أو يريد إرساءها على أرضية التكافؤ والندية.

لا بد اليوم من كسر هذا المحرَّم، الذي يجعل الحوار جريمة والآخر عدواً. والحوار الذي أعنيه هو الحوار بين الديموقراطيين والإسلاميين من مختلف الأطياف والتوجهات، وهو ضروري للأسباب التالية:

- احتمال أن تذهب سوريا من النظام الحالي إلى حقبة مديدة من الفوضى، لا مجال للحيلولة دونها ولصيانة ما سيبقى في وطننا من بشر وحجر بغير التوافق على صورة وطننا المستقبلية بين تياري العمل السياسي الراهن: الديموقراطي والإسلامي، التي يمكن أن نرسم حدودها الدنيا والعليا بالحوار أو بالسلاح، ومن الحكمة والعقلانية رسمها بالحوار وحده، لأن السلاح بالذات سيكون أداة الفوضى، فلا بد أن نحرم استعماله في ما بيننا تحريماً مطلقاً، علما بأن الحوار مع الطرف الآخر، مهما بدا اليوم مستحيلاً وبعيد المنال، هو خشبة خلاصنا، خاصة إن تمّ في ظل حسن النية والصراحة والهم الوطني المشترك. لا خيار لنا كديموقراطيين غير الحوار مع الإسلاميين، بأطيافهم المختلفة: من الطيف الذي يتعهد بتبني المشروع الديموقراطي، إلى الطيف الذي يريد إقامة دولة إسلامية، على أن نراعي في الحوار الفروق بين هذين التيارين، ونعمل على إقامة علاقة تحالفية مع التيار الأول، إن تبين خلال الحوار أنه صادق في ما يدّعيه، والتفاهم مع الثاني والبقاء في حال حوار دائم معه، حتى إن لم يتم التوصل إلى اتفاق ومشتركات جامعة معه، ما دام درء الضرر وتحاشي الفوضى وجلب المنفعة والانفتاح على الآخر والتفاهم معه، السبيل الوحيد للإبقاء على وحدة وطننا وشعبنا وسيادة دولتنا.

- تراجع دور السياسة خلال العام الذي تلى ظهور «الجيش السوري الحر» والعمل المقاوم، وتقدم دور السلاح الحثيث إلى صدارة العمل العام، مع ما رافق ذلك من فوضى تنظيمات مسلحة وتبعثر إرادات وضياع للضبط والربط، وتراجع في أدوار السياسيين وتدنٍّ في مكانتهم العامة، وتنافس مؤذٍ جعـل كل طرف من الاطراف يرى مصلحة الوطن من خلال مصالحه بدل أن يفعل العكس، وتعاظم تدخلات الخارج بالتفاهم مع تنظيمات معارضة ومسلحة، ووضع يـد الأجـانب والأغـراب على قراراتها وخـياراتها بخصوص «المسألة الوطنية السورية»، قبل تهميشها وفعل كل ما هو ضروري لدفعهـا إلى حيث يريدون: إلى الفوضى كخيار رئيس إن لم يكن وحيداً، بما ان العالم يرفض بكل وضوح أن تكون سورية ديموقراطية أو إسلامية، ولا يترك لها اي خيار غير الفوضى، لانتفاء بدائلها السياسية المنظمة، اقله في الحقبة الأولى التالية لسقوط بشار الأسد. مع تقدم دور السلاح، الذي يتركز أكثر فأكثر في أيدي الإسلاميين، وخاصة أيدي الأكثر «جهادية» منـهم، يمكن لسوريا ما بعد النظام أن تنزلق إلى سلسلة مقاتل داخلية ستحول دون وقوفها على قدميـها وتشكل مجتمعة حربا أهلية لا تبقي ولا تذر، يرجح ان تفتح الباب أمام تقسيم البلاد إلى كيانات يقولون في أميركا إنها ضرورية لتكوين فيدرالية تحمي حقوق الاقليات.

كي لا يكون السلاح، بهذه النتائج الكارثية، هو الفيصل بالنسبة إلى تطور بلادنا، لا بد من إقناع أصحابه بوضعه جانبا أثناء الحوار حول شكل الدولة المقبلة، التي سيفضي أي حل وسط بصددها إلى جعلها الخيار الأفضل المتاح، حتى في حال لم يصل الإسلام الجهادي إلى السلطة. ومع أنني لا أعتقد بواقعية احتمال وصول هؤلاء الى الحـكم، أقـله بمـا هـو بديل تاريخي يريده السـوريون، وأرى فـيه احـتمالاً ضعيفاً، بالنظر إلى التركيب السـكاني الـسوري ووجود كتلة بشرية راجحة الحجم ذات مواصفات علمية وثقافية وسلوكية وتاريخية من الصعب على الجهاديين كسبها، فإنني أدعو إلى الحوار من أجل هدف من غير الجائز ان يغيب عنا هو رد الاعتبار للسياسة في زمن تهافتها على ايدي المعارضة البائسة، وصعود زمن السلاح وما يملـيه على حملته من ميل إلى العنف والحلول القطعية، علماً بان استعـادة زمن السيـاسة لا تكـون بغير طــرح جمـيع مسائلـها الحالية والمـقبلة على طاولة حوار يدور بين بديلي نظامها الحالي: الديموقراطي والإسلامي.

- التباعد المتسارع بين هذين البديلين، الذي بدأ يأخذ شكل تنافٍ متبادل لديهما كليهما، يهدد بنقل سوريا من الثورة ضد نظامها الطغياني الاستبدادي إلى الاقتتال بين مواطنيها، مع ما سينتج عن ذلك من كوارث قد لا يكون لديها القدرة على الخروج منها في فترة قصيرة. ولعله من الحكمة الحوار أول الأمر حول موضوع رئيس هو كبح هذا التباعد والبحث عن مشتركات يوفرها لهما موقفهما الموحد من النظام، هي في قناعتي متاحة لهما، إن كان البحث عن جوامع تضمهما بالنسبة إلى المراحل التالية مسألة صعبة أو مستحيلة الآن، من المستحبّ إرجاؤها إلى حقبة مقبلة يواجه الطرفان فيها واقعاً وطنياً سيطرح عليهما تحديات ربما أفضت إلى شيء من التقارب الإجباري بينهما.

هذا الحوار الديموقراطي/الإسلامي يتطلب قبل كل شيء حواراً بين الديموقراطيين أنفسهم يوحدهم ويبلور رؤى ومواقف مشتركة بينهم، إن كان المطلوب بلوغ تسوية تاريخية طويلة الامد مع الاسلاميين. ذلك لا يعني بطبيعة الحال أنه لا يحق لأي طرف ديموقراطي الشروع في حوار مع أي طرف إسلامي قبل استكمال هذا التوافق الديموقراطي العام، بل يعني أنه لن يمكن بلوغ أية تسوية تاريخية قابلة للعيش دون هذا التوافق، في حين يمكن ربما بلوغ تسويات جزئية حول مسائل محددة بعينها، تعقد بين أطراف معينة من هنا وهناك.

أين نحن من هذا الحوار الضروري للنجاح؟ وأين نحن من الحوار بين القوى الديموقراطية؟ أين نحن من إنجاز ما علينا من مهام وطنية تسبق التفاوض مع النظام أو إسقاطه بالقوة؟ وأخيراً، أين نحن من أي شيء وكل شيء؟

-*-*-*-*-*-*-*-*

دروس جنون القوة

تاريخ النشر: السبت 09 مارس 2013

د.خالص جلبي

الاتحاد

يستخدم نظام الأسد آلة حربية باطشة فهو يحصد أرواح السوريين في استعراض لجنون القوة المدمر. وفي يوم 21 فبراير 2013 كان اليوم الأشد دموية حيث قفز فيه عدد القتلى عن المائتين. وأعجب ما سمعنا من أخبار الدم في سوريا هو بيع الجثث لصالح جيوب ضباط النظام البعثي وضرب حلب بصواريخ «سكود». وأخشى أننا سنقبل على مرحلة الغازات السامة قريباً.

ولكن ماذا يقول التاريخ ويروي من دروس عن قصص دول القوة وجبروت السلطة؟ لعل نموذج الدولة الآشورية هو الأشد فتكاً وقد تحدث عنه المؤرخ البريطاني الشهير آرنولد توينبي بالتفصيل في كتابه «مختصر دراسة التاريخ».

وقد وصف «توينبي» الدولة الآشورية بأنها ماتت في درعها، وعندما هوت هذه الجثة إلى الأرض لم يرحمها جيرانها، بل مزقوا جثتها إرباً إرباً، لأنهم لم يصدقوا أن تسقط تلك الدولة الرهيبة التي حكمت معظم الشرق الأوسط ومصر وهي في زهوة القوة، فدولة آشور كانت تتفقد آلتها الحربية باستمرار وتطورها بإحكام.

وعندما دفنت جثة الدولة الآشورية في مقبرة التاريخ، لم يعد يتذكر أحد، أن العراق الشمالي وتحديداً في نينوى (مدينة الموصل العراقية الحالية) كانت توجد ذات يوم دولة ذات ذراع باطشة طويلة دفنت معظم شعوب الشرق الأوسط تحت الثرى، وسوّت مدنه بالأرض في حملات عسكرية جهنمية، إلى درجة أن بعثة عسكرية يونانية مرت بعد قرنين في المنطقة وخلدتها بلوحة أدبية دون أية إشارة إلى طبيعة واسم الشعب الذي عاش في هذه المنطقة.

وجاء أيضاً في كتاب «توينبي»: «وإذا تطلعنا إلى الوراء عبر فترة القرن ونصفه التي اتسمت باشتداد حدة الحرب، والتي بدأت بتسلم تيجلات بيليسير العرش عام 745 قبل الميلاد وانتهت بانتصار نبوخذ نصر على الفرعون نخاو في موقعة كركميش عام 605 قبل الميلاد، نجد أن الأحداث التاريخية التي تبرز لدى النظرة الأولى، هي الضربات القاضية المتتابعة، التي دمرت فيها آشور جماعات بأسرها وسوّت مدنها بالأرض، وحملت إلى الأسر سكاناً بأجمعهم: دمشق عام 732 وسامرا عام 722 وموساسير 714 وبابل عام 689 وصيدا عام 677 وممفيس عام 471 وطيبة عام 663 وسوسا عام 639 قبل الميلاد ولم يسلم من عدوان الآشوريين، إلى أن خربت نينوى نفسها عام 612 قبل الميلاد، سوى صور والقدس، من جميع كبريات مدن الدول التي بلغتها جميعها الذراع الآشورية! وإن البؤس والدمار اللذين ابتلت بهما آشور جيرانها فوق ما يتصور... وإذا كان جميع ضحايا آشور الذين ذكرتهم هذه السجلات قد كافحوا ليعودوا إلى الحياة، وينتظر بعضهم مستقبل عظيم، إلا أن نينوى نفسها سقطت ميتة ولم تبعث قط».

لقد تفتقت جهنمية العقل العسكري الآشوري عن وسائل جديدة لتطويع وتركيع الشعوب المجاورة لقبضته الفولاذية، فمدن الشرق الأوسط إما أن تستسلم بدون قيد أو شرط لإرادة ملوك آشور، أو أمامهم هدم مدنهم وتسويتها بالأرض واقتلاع شعوب بأكملها؛ لتجمع في معسكرات اعتقال جماعية مروعة، قبل أن يهتدي إلى هذه الطرق الفاشيون في العصر الحديث، كما فعلت إيطاليا الفاشية مع الشعب الليبي، والنازيون مع شعوب لا حصر لها، والغولاغ في سيبريا، وتدمر في سوريا، وقصر النهاية في العراق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المرأة السوريّة أم... «المجوس»؟

حازم صاغيّة

السبت ٩ مارس ٢٠١٣

الحياة

أنقذتنا المرأة السوريّة من إعطاء يوم الجمعة اسماً يذكّر بـ «المجوس»، بعدما كان يوم المرأة العالميّ قد أنقذنا من «ثورة 8 آذار» التي افتتح بها البعث حكمه في 1963.

لكنّ اقتراح «المجوس» الذي كاد أن يُعتمد، ينبغي ألاّ يمرّ مرور الكرام، لا لدلالته فحسب بل أيضاً لأصوله ولما يوحي به من نتائج مرتجاة.

فحين استلّ صدّام حسين من بطن التاريخ السحيق ذاك التعبير ورمى به الإيرانيّين من غير استثناء، كان يقصد أهدافاً محدّدة كلّها سيّء وكلّها عنصريّ. وكان أحد تلك الأهداف أنّ الإيرانيّين تظاهروا تظاهراً بالإسلام، إلاّ أنّهم، في حقيقة أمرهم، ظلّوا يدينون بدياناتهم السابقة على الإسلام كالزرادشتيّة والمزدكيّة.

في هذا كان صدّام يعلن انتماءه إلى مدرسة خرافيّة في «التأريخ» ذهب بعض روّادها من المناهضين للساميّة إلى أنّ اليهود الذين تحوّلوا إلى المسيحيّة كانوا كاذبين لأنّهم ظلّوا، في حقيقة أمرهم وفي ممارساتهم الداخليّة والبيتيّة، يهوداً. وكان هناك مؤرّخون من غلاة الصهاينة، أبرزهم بنزيون نتانياهو، والد بنيامين نتانياهو، قد سجّلوا «الحقيقة» نفسها إنّما على نحو مقلوب. فهؤلاء أيضاً رأوا أنّ العداء لليهود لا يحول ولا يزول حتّى لو تحوّل اليهود الإسبان إلى مسيحيّة لا يقرّ لهم بها المسيحيّون.

فإذا كان اليهود لا يتغيّرون، كان هناك حلّ من اثنين: إمّا القضاء عليهم، كما يقول اللاساميّون، وإمّا أن يعيشوا في وطن قوميّ يكون لهم وحدهم، كما يرى غلاة الصهاينة.

هكذا يلوح أنّ الذين دافعوا عن ربط الجمعة السوريّة الأخيرة بـ «المجوس»، يصطفّون وراء صدّام حسين في افتراضه وجود جوهر إيرانيّ وشيعيّ لا تطاوله يد التغيير والتحوّل. أمّا ما يخونه هؤلاء الإيرانيّون والشيعة فيرقى إلى الإسلام نفسه، الإسلامِ الذي لا يرفع رايته النقيّة إلاّ من يتحدّثون عن «المجوس» ومن يحازبونهم.

والحال أنّ مسألة الثورة السوريّة ليست الإسلام، ولا استئناف نزاع نشب في التاريخ الإسلاميّ قبل أربعة عشر قرناً، كما أنّ حلّها ليس «اجتثاث» أحد طرفي النزاع للطرف الآخر. وهذا مع العلم أنّ الخمينيّة، في السياق التاريخيّ الإيرانيّ، ترقى إلى قطع مع محاولات بعث التقاليد السابقة على الإسلام التي سبق أن رعاها النظام الشاهنشاهيّ. إنّها، في المقابل، الإسلام الإيرانيّ في حالته القصوى وفي ارتداده على تاريخ عريق تربّع «المجوس» في صدارته.

إنّ في أوساط الثورة السوريّة من لا يميّزون بين النظام الخمينيّ وسائر الإيرانيّين، وبين بشّار الأسد وسائر العلويّين، وبين «حزب الله» وسائر الشيعة، مكتّلين الأعداء ضدّ الثورة، ومستبعدين تحييد مَن ليس عدوّاً لها، وجاعلين من الصعب على أصدقائها أن يبقوا أصدقاء. وهذا فضلاً عن الهبوط الأخلاقيّ والقيميّ في وهدة الجوهرانيّين، من صدّام حسين إلى النظامين الإيرانيّ والسوريّ و «حزب الله» الذين يقاتلون الشعب السوريّ بلا تمييز.

وهذا كلّه إنّما يسيء إلى ثورة يُعوّل عليها أن تنتج أفكاراً جديدة أشدّ رحابة وتسامحاً بعد سنوات القهر البعثيّ، فيقرنها بـ «ثقافة» متخلّفة عنها ومضادّة لأهدافها العميقة. فإذا كانوا «هم» كلاًّ واحداً يستعصي على أيّ تغيير، وكنّا «نحن» كذلك، بقيت أمامنا الحرب الضروس الشاملة الجانحة بنا إلى الفناء والإفناء، بدل انتصار الثورة السوريّة.

فشكراً، مرّة أخرى، لنساء سوريّة.

-*-*-*-*-*-*-*-*

خمسون عاما من حكم البعث!

فايز سارة

الشرق الاوسط

10-3-2013

لا تمثل صور وأخبار القتل والدمار والتهجير، التي تصيب السوريين، إلا بعضا مما قدم حزب البعث وقياداته للسوريين في الخمسين عاما الماضية، والتي بدأت يوم استيلائهم على السلطة في الثامن من آذار/ مارس عام 1963. وهو بعض نتائج سياسات وممارسات طبقها البعث على السوريين في سنوات حكمه الطويل. وقد تكون محصلة ما تبقى من زمن يحكم فيه البعث سوريا أشد خطرا وأكثر دمارا وقتلا وتهجيرا، مما حدث حتى الآن، ما لم تحدث معجزة تضع حدا لنظام الاستبداد والقتل، وتأخذ السوريين إلى استعادة حياتهم وتطبيعها، وسوريا إلى نظام ديمقراطي تعددي يوفر العدالة والمساواة والتقدم.

ونتائج سياسات وممارسات سلطة البعث في سوريا، ليست مفصولة عن مجريات الحال منذ تسلم البعث زمام السلطة، بل إنه محصلة طبيعية. ذلك أنه ومنذ اليوم الأول لاستيلاء البعث على السلطة شرع في رسم سياسات، واتخاذ خطوات، تندرج في أربع نقاط. أولى هذه النقاط وأهمها إعطاء السلطة للمؤسسة العسكرية وتحويلها إلى «جيش عقائدي» مما يعني السيطرة المطلقة على الجيش وجعله اليد القوية للنظام وليس للدولة والمجتمع، وهو أمر كان واضحا في مؤشرات منها احتلال العسكريين أغلبية مقاعد المجلس الوطني لقيادة الثورة، والأهم من ذلك الدور الحاسم الذي كانت تقوم به اللجنة العسكرية، والتي كان أعضاؤها من ضباط البعث، كما أن من دلالات دور المؤسسة العسكرية في حكم البعث، أن المنصب الأول في السلطة أعطي للعسكريين، والمرة التي كانت بخلاف ذلك، كانت فترة رئاسة نور الدين الأتاسي (شباط/ فبراير 1966 - تشرين/ أكتوبر 1970) حيث كانت السلطة الفعلية بيد اللواء صلاح جديد، وطوال حكم البعث كان للعسكريين، ومنهم ضباط صغار، دور مؤثر في الحياة السورية والأمثلة لا تعد ولا تحصى، وكان من ثمار ذلك، أن صار الدور الأساسي للجيش والأمن في حكم البلاد والسيطرة عليها عبر القوة العسكرية.

والنقطة الثانية، تمثلت في وضع البلاد تحت قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وهو ما تم القيام به عمليا صبيحة الاستيلاء على السلطة في 8 آذار 1963، واستمرت الحالة قائمة حتى اندلاع الثورة عام 2011، حيث أجبر النظام على إنهاء حالة الطوارئ ورفع الأحكام العرفية بصورة شكلية، بينما الواقع الفعلي يؤكد أن سوريا تعيش أكثر بكثير من حالة الطوارئ والأحكام العرفية. وإذا كانت تلك الحالة تعني غياب الدستور والقوانين أو تجميدهما، فإن إعلان الدستور المؤقت 1971، ثم الدائم في عام 1973 وتعديلاته، وكل القوانين المتعلقة بطبيعة السلطة وصلاحياتها، ظلت محكومة بحالة الطوارئ والأحكام العرفية، تكريسا لإطلاق يد السلطة دون أي قيود دستورية أو قانونية.

وركزت النقطة الثالثة على تغييب السياسة فكرا ونخبة ومؤسسات، هو ما تم القيام به عبر حظر الأحزاب وعزل الشخصيات السياسية وتهميشها، واعتبار البعث في فكره ونخبته وتنظيمه الحزب الشرعي الوحيد في البداية، ثم الحاكم والقائد في الدولة والمجتمع لاحقا، وهو تطور رافق إعطاء وجود هامشي لأحزاب وجماعات، قبلت العمل تحت سيطرة البعث في إطار الجبهة الوطنية التقدمية بعد تأسيسها عام 1972، مما أدى إلى تهميش هذه الأحزاب في فكرها ونخبتها، إضافة إلى تهميش أفكار ونخبة حزب البعث وتنظيماته أيضا، طالما تطلبت مصلحة النظام ذلك. وشمل التهميش أحزاب المعارضة في فكرها ونخبتها بكل اتجاهاتها، عبر حرب ضدها، شملت الدعاية ضدها وتدمير منظماتها، وملاحقة قياداتها وكوادرها وأعضائها ونفيهم أو اعتقالهم أو قتلهم، والنتيجة في كل الأحوال، تغييب السياسة وإضعاف كل عناصرها فكرا ونخبة ومؤسسات.

والنقطة الرابعة السيطرة على الإعلام والصحافة وتهميشهما من خلال جعل الإعلام حكوميا بالتزامن مع تغييب الصحافة الحرة والمستقلة بإيقافها، ومصادرة ممتلكاتها، وإحلال منشورات تابعة مكانها، منشورات ذات طبيعة تعبوية تبريرية ومن سوية مهنية وفنية متدنية، الأمر الذي يعني غياب أي دور معرفي ثقافي وتنويري للصحافة، وغياب دور الإعلام في الرقابة على السلطة وممارساتها في الدولة والمجتمع.

وسط تلك السياسات، مضت سلطة البعث في مواجهة السوريين. فأحكمت قبضتها على السوريين في حياتهم الخاصة والعامة، وعملت على إخضاعهم بكل السبل ولا سيما بالقوة من خلال تسلط الأجهزة الأمنية، وحيث عجزت الأخيرة، فلم تتأخر سلطة البعث في استخدام الجيش، وثمة كثير من الأمثلة منها الاضطرابات والمظاهرات التي شهدتها المدن السورية بعد أحداث حماه الدامية في نيسان/ أبريل 1964، وسنوات الصراع بين السلطة والجماعات الإسلامية في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، وعلى نحو ما يتم القيام به في مواجهة الثورة السورية حاليا من عنف متعدد الأشكال بهدف إعادة إخضاع السوريين. وتزامنت عملية الإخضاع مع عملية أخرى أساسها نهب موارد وثروات البلاد وتحويلها إلى ثروات شخصية لقادة البعث، وخاصة لكبار المسؤولين، ولم يكن ذلك مقتصرا على نهب المال العام وجعل الدولة ومؤسساتها بمثابة ملكيات شخصية، بل من خلال تعميم العمولات والرشى وإعطاء مزايا الاحتكار في التجارة والاستثمار كما في موضوع الخليوي، وتم في هذا المجال نهب عشرات مليارات الدولارات، جعلت بعض قادة البعث السوري وأقرباء لهم بين أغنياء العالم في وقت صارت أكثرية السوريين بين أفقر فقراء العالم. وشملت سياسة النهب التي طبقت في عهد البعث، نهب الأراضي الزراعية التي جرى توزيعها أو بيعها رمزيا لأركان في نظام البعث وأقاربهم، وتم حرمان الفلاحين منها وهو ما حصل في الجزيرة والموصوفة بأنها بين أفضل الأراضي الزراعية في سوريا.

إن فظاعات ما تركته سنوات البعث الطويلة من مآس على سوريا والسوريين، أكثر من أن تحصى وتعد، لكنها ودون أن تعد أو تحصى، تمثل كارثة لم تحدث في تاريخ سوريا، كارثة دمرت حياة السوريين لجيلين على الأقل، وهي تتابع حاليا دمار سوريا من خلال ما تلحقه بالسوريين من قتل وجرح واعتقال وتهجير، ودمار للبيوت ومصادر العيش وللبنى التحتية. ترى أي ذنب ارتكبه السوريون حيال البعث وقياداته حتى استحقوا هذا الجزاء؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : أليس في الدعوة إلى الحوار خروج على ثوابت الثورة والثوار ؟! .. زهير سالم*

من حق كل إنسان بالطبع أن تكون له رؤيته في مستقبل وطنه . وفي طبيعة كل ما يدور فيه . وقد يكون من نافلة القول في المقام الذي نحن فيه أن نؤكد أنه لا يجوز لأي شخص أو فريق أن يفسر موقف مخالفه بسوء نية أو باتهام يدعي فيه لنفسه حرصا وإخلاصا يبخل بهما على الآخرين .

ولا نظن أن من حق أي طرف في الصف الوطني أن يحتكر لنفسه الإحساس بالتعاطف مع الضحايا والتوجع على الدم المسفوك فالألم السوري واحد ، والجرح السوري يدمي قلوب الجميع .

إن الخضوع لدواعي الألم في هذا الصراع المرير هو استجابة مباشرة لما راهن عليه بشار الأسد منذ أن أعلن أنه ذاهب إلى معركة كسر الإرادات . بل إن في هذا الخضوع تشجيعا للمجرم ولحلفائه على المبالغة في العدوان والقسوة لأن ذلك كما يقولون أوشك أن يؤتي ثماره ...

بقلوب يعتصرها الألم والتسليم لقضاء الله نقول لبشار الأسد وحلفائه والمخوفين منه : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل .

عندما نستمع إلى وزير الخارجية الروسي والإيراني يحتجان حتى على تزويد الثائرين برغيف الخبز فإن دلالة موقفهم المباشر تقول : أعينوا بشار الأسد على كسر إرادة هؤلاء المتمردين بحرمانهم وتجويعهم حتى يخضعوا وينزلوا على أمره صاغرين .

من الحق أن نذكر بما يفرضه علينا قول الرسول الكريم : ( المسلمون عند شروطهم ). وعهدنا يجب أن يكون عهد بر ووفاء . ولا يجوز لأحد أن يفكر بالالتفاف على عهدهم مع شعوبهم أو تجاوزه .

 منذ اليوم الأول للثورة أعلنت كل القوى السياسية التحامها بالثوار على الأرض ، وتمسكها بالوفاء لتطلعاتهم ، وتمثيلهم على خير وجه وبقدر المستطاع فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

 كانت كل مطالب الثوار وثوابت الثورة بعد عام واحد من اندلاع هذه الثورة واضحة بيّنة لا لبس فيها ولا غموض . ومن الحق أن نذكر أن هذه الثوابت وإن كانت محل إجماع ثوري فإنها لم تكن موضع إجماع القوى السياسية . بمعنى أن الساحة الوطنية لم تخل من فريق أو هيئة تختلف على هذه الثوابت ، وتقترح بدائل عنها ؛ إلا أن سياق المعارضة الوطنية العام في المجلس الوطني وفي الائتلاف الوطني وفي العديد من القوى والتيارات الوطنية الأخرى كانت فيه هذه الثوابت محل إجماع .وهذا يدفعنا إلى القول إنه ليس من المقبول لمن لا يؤمن بهذه الثوابت – ولا يضير أي إنسان أن يكون له رأي مخالف فيها – أن يتسلل إلى صف المتمسكين بها فيوهنه أو يحدث الخلل فيه . ..

لا يحتاج السوريون الذين يعيشون الحدث والقرح معا أن يشرح بعضهم لبعض حقيقة ما يجري على الأرض السورية . وطبيعة العصابة المستبدة بالإنسان والوطن على مدى خمسة عقود .

ومع أن الحديث عن حل سياسي يظل هو النهاية المتصورة نظريا لكل صراع ، إلا أن خصوصية الحالة السورية ، ولامعقولية الطرف المتسلط فيها يجعل المزاج الثوري يتهم الذين يتحدثون عن هذا الحل من غير السوريين بالعجز عن الفهم أو الإدراك ويقول لهم إن القضية أكبر من ( قبضة عدس ) كما تصورون أو تتصورون . كما يجعله يتهم الذين يتحدثون عنه من السوريين بما هو أكبر من ذلك من تفريط أو استهتار .

الحوار الجاد يكون بين أطراف متساوين وليس بين فريق متسلط وآخر سقف تطلعاته حذاء عسكري داس وجوه السوريين منذ الأيام الأولى للثورة في بلدة البيضة . داسها مدعوما بقوى الشر الدولية والإقليمية التي ينتظر منها اليوم أن تكون ضامنة للحوار ولمخرجات هذا الحوار !!!!!!!!!!!!

والحوار يكون على هدف واضح محدد وليس في ضباب تنفسه ثعابين العالم مموها بالألوان . إن ما كشف عنه فابيوس وزير الخارجية الفرنسي أمس عن انهماك المندوبين الروس والأمريكيين في التوافق على فرق سحرة فرعون من اليمين ومن اليسار يكشف الكثير مما مكثنا أسابيع غير قادرين على فهمه وتفسيره . فوراء الأكمة ما وراءها ، في الوقت الذي يهون فيه على البعض أن يهدر تضحيات الشهداء وأن يعود بالسوريين إلى بيت الطاعة الأسدي إن استطاع .

إن أقل ما يسببه هذا التهويم في سديم الثرثرة عن حوار وحل سياسي بشروط طالما سمعنا أشد منها قبل مدريد وبعدها بل وما نزال نسمع عن شروط السلام ( الجميل ) الكثير .

 إن أقل ما تسببه هذه الثرثرة غير القاصدة هي أنها تمنح القاتل الفرصة للمزيد من القتل ليقتل ، وليدمر أكثر في بنية الإنسان والعمران . ولأننا نواجه حالة عبثية لن يكون إتاؤها إلا الاشتراك في إضاعة المزيد من وقت الثورة والثوار فنحن نواجه حالة من الاشتراك نرفض أن نسميها باسمها في هذا السياق .

 وتمنح هذه الدعوة العبثية المجتمع الدولي – ثانيا - المزيد من الذرائع ليخفي تخاذله وتأخره عن الوفاء باستحقاقات القانون الدولي خلفها . فما أن أطلقت هذه الدعوة حتى أصبحت هذه مضغة بين لحيي كل ماضغ ، ودريئة يختبئ وراءها كل العاجزين والمفرطين والمستهترين .

وثالثا وأخيرا فإن هذه الدعوة الخارجة على ثوابت الثورة والثوار ستسبب من التشققات في صف القوى الوطنية السورية ما جعل كل شبيحة الأسد في السر والعلن ينشغلون بالترحيب بها ، والتصفيق لها ، واتهام كل من يحاول الإشارة إلى مخاطرها وتداعياتها بما لا يعقل ولا يليق..

أيها الشرفاء الأحرار على كل الثغرات قفوا وتأملوا ...

معذرة إلى ربنا ..

لندن : 1 / جمادى الأولى / 1434

13 / 3 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيها العلمانيون والإسلاميون العرب تعلموا من تركيا!

فيصل القاسم

الشرق

11-3-2013

لا شك أن زعيم حركة النهضة التونسية السيد راشد الغنوشي كان موفقاً جداً في تصريحه رداً على وزير الداخلية الفرنسي الذي اتهم الإسلاميين التونسيين بأنهم يحاولون فرض توجههم الديني على المجتمع التونسي. فرد عليه الغنوشي قائلاً: "إن أبواب المساجد والحانات والشواطئ مفتوحة في تونس". وهو لا شك رد مفحم على الذين راحوا يخوفون بلدان الربيع العربي التي تحكمها أحزاب إسلامية من قيام الإسلاميين بفرض تقاليدهم وعاداتهم بالقوة على المجتمع وأسلمته عنوة.

قد يختلف بعض الإسلاميين مع حركة النهضة على اعتبار أنها أقرب إلى النموذج الإسلامي التركي المعتدل جداً منها إلى الحركات التي تسعى إلى فرض نموذج إسلامي خالص على بلدانها. لكن، وبكل صراحة، إذا أرادت الحركات الإسلامية التي دخلت المعترك السياسي بقوة بعد الربيع العربي أن تبقى في الساحة، وتتنافس بشكل ديمقراطي حقيقي مع بقية الأحزاب، عليها أن تحذو حذو المثال التونسي والتركي، لأنهما حزبان إسلاميان ديمقراطيان بامتياز يقبلان بالتعددية التي هي جوهر الديمقراطية. وخير دليل على ذلك أن السيد الغنوشي قال في رده على منتقدي الإسلاميين إن المسجد في تونس لن يفرض أجندته على الناس، بل هو مجرد مرفق من مرافق الدولة، مثله في ذلك مثل الحانة وشواطئ السباحة والسياحة.

كلام السيد الغنوشي طبعاً يجب ألا يؤخذ بمعناه السطحي الذي قد يثير بعض الإسلاميين المتشددين الذين وجدوا في وصولهم إلى السلطة بعد ثورات الربيع العربي فرصة لتحويل المجتمعات العربية إلى مجتمعات ذات لون إسلامي خالص. لكن التصريح في واقع الأمر يؤسس لدولة ديمقراطية مدنية حقيقية يستطيع فيها الإسلاميون أن يحكموا بطريقة لا تنفّر أحداً، ويتناوبوا على الحكم طالما التزموا بمبدأ التعددية المقدس ديمقراطياً.

هناك أمران في غاية الأهمية يرتكز عليهما تصريح السيد الغنوشي، ويجب على جميع الإسلاميين أن يأخذوهما بعين الاعتبار، ألا وهما أن جوهر الديمقراطية أن يكون الحكم فيها مدنياً وقائماً على مبدأ المواطنة التعددية التي تترك شأن المعتقد للشعب، ولا تحاول فرضه على الناس لا بالقوة الخشنة ولا حتى الناعمة، فالمواطنة الحقيقية تعني أن يكون الإنسان حراً في توجهاته السياسية والفكرية والثقافية والدينية والحياتية العامة، فمن شاء أن يرتاد المسجد فليفعل، ومن شاء أن يرتاد الحانة أو الشواطئ فليفعل. وهذا لا يعني أن القوى السياسية في المجتمع لا تستطيع أن تعبر عن توجهاتها الثقافية والفكرية والعقدية، فهذا مسموح به في الديمقراطيات، وبإمكان الجميع أن يتنافسوا ديمقراطياً وسلمياً، والرأي يعود في النهاية إلى الناس، فهم الذين يقررون من يتبعون بناء على سياساته وبرامجه الانتخابية وإنجازاته السابقة. وقد لاحظنا كيف تحول جزء مهم من الشعب التركي إلى مناصرة التيار الإسلامي رغم وجود علمانية صارخة ومتشددة في البلاد منصوص عليها عنوة في الدستور.

لقد لاحظنا كيف أن العاملين في المرافق الترفيهية كالحانات وحتى بيوت اللهو قد صوتوا لأردوغان، لأنهم وجدوا فيه وفي حزبه مثالاً يحتذى في محاربة الفساد والظلم والتنمية والنهوض بالبلاد اقتصادياً. لا يستطيع إنسان في رأسه ذرة عقل حتى لو كان ماجناً إلا أن يبايع حزب أردوغان عندما يراه وقد وضع تركيا على قائمة الدول العشر الأكثر نمواً اقتصادياً في العالم، وفي الوقت نفسه ترك الناس يديرون حياتهم بطريقتهم الخاصة بعيداً عن الابتزاز أو التوجيه الديني الفاقع.

إن الأنظمة الإسلامية كالنموذج التركي والتونسي هي وحدها القادرة ليس فقط على البقاء في المعترك السياسي، بل أيضاً المحافظة على وحدة بلادها، خاصة أن الأنظمة المتشددة التي حاولت فرض النموذج الإسلامي بالقوة انتهى بها الأمر إلى تخريب بلدانها وتفتيتها وتمزيقها. لاحظوا كيف تفكك السودان بسبب السياسات الطائشة التي بدل أن تترك جنوب السودان يعيش على طريقته، حاولت أن تفرض عليه الشريعة الإسلامية رغماً عنه، فانتهى به الأمر إلى الانفصال عن البلاد، لا بل الدخول معها في معارك عدائية لا تنتهي. ولا ننس ما حل بفلسطين بسبب الفشل في عدم المواءمة بين العلمانية والإسلام، فانتهى الأمر بالفلسطينيين إلى دويلتي غزة الإسلامية ورام الله العلمانية. وعلى القيادة المصرية الجديدة أن تتعلم الدرس من السودان وفلسطين، وأن تعلم أن الانقسام في مصر خطير جداً، ليس فقط بين مسلم ومسيحي، بل أيضاً بين القوى الإسلامية والقوى الليبرالية والعلمانية المسلمة.

ليس كل من يدين بالدين الإسلامي يريد أن يعيش بموجب الشريعة الإسلامية. وهذه حقيقة واضحة للعيان في مصر وفلسطين وتونس وسوريا وبقية البلدان العربية. لاحظوا الفرق الهائل في أسلوب العيش الذي يريده سكان قطاع غزة، والأسلوب الذي يريده سكان رام الله. ولاحظوا أيضاً الفرق الشاسع بين أسلوب الحياة الذي تريده القوى المنضوية تحت لواء جبهة الإنقاذ المصرية والأسلوب الذي يريده الإخوان والسلفيون في مصر. على الأحزاب الإسلامية التي تصل إلى السلطة أن تضع هذه الحقائق الصارخة أمام أعينها، وأن تعمل بنصيحة السيد الغنوشي الذي لا يمانع في فتح أبواب المساجد والحانات والشواطئ في آن معاً. ويجب ألا تنسى تلك الأحزاب أننا نعيش في عصر العولمة التي جعلت من العالم قرية واحدة يتعايش فيها كل التيارات الثقافية والدينية والقومية جنباً إلى جنب. وكل من يحاول أن يفرض نموذجه على الآخرين سيخسر المعركة، ويصبح منبوذاً. لاحظوا كيف أن المعارضة المصرية تقف بالمرصاد لحزب الحرية والعدالة الإسلامي رغم أنه حزب معتدل، ويسعى إلى دولة مدنية حسب قوله، مع ذلك فهناك حساسية كبيرة لدى الأطراف الأخرى تجاهه خوفاً من أن يفرض أجندته الثقافية على المجتمع. ولاحظوا أيضاً الهيجان السياسي والإعلامي ضد حركة النهضة التونسية رغم اعتدالها الشديد واقترابها من النموذج التركي، مع ذلك فهي تتعرض لحملة شعواء لمجرد أنها ذات لون إسلامي.

باختصار، على القوى الإسلامية أن تدرك أن أي محاولة لفرض لون واحد على المجتمعات العربية في حقبة ما بعد الربيع العربي ستكون كارثية بكل المقاييس. وهذا الكلام موجه أيضاً للقوى العلمانية والليبرالية التي يجب عليها أيضاً أن تتخلص من أصوليتها العلمانية الصارخة، وأن تتوقف عن شيطنة الإسلاميين لمجرد أنهم يخالفونها في الرأي والتوجه. فليتعلم العلمانيون العرب من جماعة أتاتورك في تركيا الذين بعد تخندقهم وتعنتهم الشديد لعشرات السنين وراء متاريسهم العلمانية المتطرفة، إلا أنهم لم يستطيعوا في نهاية المطاف إلا أن يتعايشوا، ويقبلوا بالتيار الإسلامي من أجل مصلحة تركيا. لذلك، فكما هو مطلوب من الإسلاميين العرب أن يتعلموا من أردوغان، فعلى العلمانيين العرب أن يتعلموا أيضاً من علمانيي تركيا، وألا يضعوا العصي في عجلات الحكومات الإسلامية بطريقة صبيانية شلت الحياة الاقتصادية، وعكرت صفو الشعوب، وأثرت على لقمة عيشها في بلاد مثل مصر وتونس، وجعلتها في حيرة من أمرها كي لا نقول شيئاً آخر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون وعزيمة الاستمرار!

اكرم البني

الشرق الاوسط

11-3-2013

هو سؤال يثار باستغراب بعد عامين من الثورة، عن سر استمرار السوريين في ثورتهم أمام هذا القمع العنيف والمعمم، ومن أين يستمدون قوتهم وعزيمتهم في ظل ما يكابدونه وهذا العدد الكبير من الضحايا والجرحى والمعتقلين واللاجئين، وفي ظل مشهد يبدون فيه كأنهم يواجهون مصيرهم منفردين، ربطا بضعف الموقفين العربي والدولي، فالأول لم يرق إلى مصاف شدة هذه الأزمة وعمقها، والثاني يعاني من تشتت وحسابات سياسية تعوق بناء دور أممي يساهم في المعالجة والحل!

بعد معاناة لم يعرف شعب ثائر لها مثيلا، يفاجئك إصرار غير مسبوق عند الناس على الاستمرار والتغيير، نابع ربما ليس من عمق الرد على اضطهاد وإذلال مديدين وقهر شديد من التمييز والتهميش، أو من رفض عميق لهذه الاستباحة غير المسبوقة من قبل أهل الحكم لحقوقهم وحيواتهم واستخدام كل أصناف الفتك والتنكيل للحفاظ على مواقعهم وامتيازاتهم، بقدر ما هو إصرار الناس على رفض واقع وصل إلى حدود غير مقبولة، تتجاوز كل طاقة على الاحتمال، وصار فيه العيش محالا ورجحت كفة تفضيل الموت على الخضوع!

وما يزيد من دينامية السوريين ويرفع روح الإيثار ودرجة الاستعداد لمواجهة العنف المفرط، شيوع إحساس لدى غالبيتهم بأن ما يحصل هو لحظة للتغيير يصعب تكرارها، ولنقل فرصة تاريخية نادرة للخلاص من منطق القوة والتمييز والغلبة، والأهم حضور إدراك عام بأن أي توقف أو عودة إلى الوراء هو الطامة الكبرى وسوف يمكن الدولة الأمنية من تثبيت تحكمها بمصائر البلاد والعباد ويضع الأجيال القادمة في شروط أسوأ بكثير مما هو قائم الآن، وهنا لعب العجز المزمن لأشد أدوات الفتك والتدمير في قمع الثورة أو محاصرتها دورا إضافيا في منح السوريين كثيرا من الأمل والثقة بقدرتهم على الاستمرار وتحقيق أهدافهم.

إن الحملات العسكرية والأمنية على اتساعها وشدتها لم تستطع أن تثني الناس أو تكسر إرادتها، ولم تنفع مناورات النظام السياسية ودعواته للحوار، أو محاولات استمالة بعض القطاعات الاجتماعية بتوفير حاجاتها المعيشية على حساب حرمان قطاعات أخرى، أو تخويفهم بالفوضى وغياب الأمن وباحتمال استيلاء تنظيمات إسلامية متطرفة على السلطة وفرض ثقافتها وأجندتها على الدولة والمجتمع. والقصد أن عجز الخيار الأمني والعسكري بأسلحته الجبارة عن حسم الأمور وفشله في إطفاء جذوة الحراك الشعبي على الرغم من حجم الدمار والخراب والضحايا، عزز ثقة الناس بأنفسهم وبخياراتهم وبجدوى ما يقومون به، وبأن قضيتهم أصبحت عصية على القمع.

وما زاد الثقة والإصرار وعزيمة الاستمرار، نجاح الثورة في إفشال محاولات تشويهها أخلاقيا والتشكيك بأغراضها السياسية، أو عزلها وإثارة الفتن والتفرقة بين صفوفها وفئاتها، مما يشجع على الاستنتاج بأن لغة الحديد والنار، لم يعد لها أي فاعلية وجدوى، بل صارت تحفز همم الناس أكثر، وتترك أصحابها عرضة للمزيد من ردود الفعل السلبية ولتأثيرات بعيدة المدى في علاقتهم مع المجتمع ومدى تماسك صفوفهم، بدليل تواتر الانشقاقات وظواهر التهرب من المسؤولية التي باتت تسم سلوك الكثير من العاملين في مرافق الدولة ومؤسساتها.

ثمة حافز آخر مكن السوريين وشد من أزرهم، هو طابع ثورتهم التي بدأت ولا تزال في وجهها الرئيسي عفوية، واستمرت رغم شدة الفتك والتنكيل، من دون قوى سياسية عريقة تقودها أو شخصيات تاريخية تتصدر صفوفها، وأنها أينعت بفعل الانتشار الواسع لقيادات ميدانية مختلفة المنابت والرؤى لا تخضع لمرجعية واحدة ويجمعها هدف مشترك هو توظيف الاحتقانات والرفض الشعبي لتعزيز خيار التمرد والاستمرار في الثورة.

صحيح أن المعارضة السياسية على اختلاف أطيافها وضعت نفسها في خدمة الثورة، وصحيح أن ثمة مبادرات لتنظيم صفوفها وتوحيد المواقف تتوالد ولا بد أن يكتب لها النجاح تحت ضغط الحاجة وحجم التضحيات، لكن ربما صحيح أيضا تندر البعض بأنه من حسن حظ الثورة السورية أنها نشأت عفوية واستمرت من دون رأس واضح يديرها أو مخطط يحكمها، وإلا لكانت آلة التدمير الهائلة قد قطعت رأسها ودمرت مخططاتها منذ زمن بعيد.

الرفض العميق للاستبداد وما خلفه من قهر وفساد، ووضوح مطالب الحرية والكرامة واتساع المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، على الرغم من الملاحظات السلبية حول إدارة شؤونها وحول تمثل أهداف الثورة في الحرية واحترام التنوع والتعددية، ثم ديمومة الاحتضان الشعبي وتنوع قياداتها الميدانية، هي حوافز صريحة لهذا الاستمرار المبين للسوريين في ثورتهم.

وإذا أضفنا ما تعممه الثقافة الإسلامية من حب للشهادة وأيضا روح الوفاء للدماء الزكية التي أريقت ولمعاناة الألوف من الجرحى والمعتقلين والمشردين، وما يترتب على ذلك من حرج أخلاقي في التراجع أو إبداء الضعف ونكث الوعود، ومن مسؤولية كبيرة في الاستبسال من أجل استمرار الثورة وحمايتها، ثم الحماسة المنقطعة النظير لمن يفاخرون بأنهم تذوقوا طعم الحرية وصار الموت عندهم سهلا دونها، يمكن أن نقف عند أهم الأسباب التي لا تزال تحفز همم أكثرية السوريين للتغيير وتساعد أيضا على كسر تردد آخرين وضم فئات جديدة إلى الصفوف.

ليس الغرض من عرض حوافز استمرار السوريين في ثورتهم تقديم أمل كاذب أو شحنة تفاؤل، بل للتأكيد على أن هذا الشعب المنكوب قد تجاوز مرحلة الانتكاس ووصل لنقطة لا عودة منها، وأن خطر إجهاض ثورته أو كسر شوكتها صار وراءه، وللتذكير أيضا بأن هذا الشعب الذي طالما صنف في خانة الاستثناء عند الحديث عن الانتفاض والثورة، يثبت للعالم أجمع اليوم أنه شعب حر، وأنه مثلما كابد وواجه طيلة عقود ظلما وشروطا لا ترحم، فهو يزخر بطاقة لا تنضب وباستعداد استثنائي للتضحية، حتى تحقيق حلمه في مجتمع الحرية والكرامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسلسل خلافات المعارضة السورية.. المؤسف

اليوم السعودية

11-3-2013

مجدداً تدخل أطراف المعارضة السورية في دوامة الخلافات فيما يتعلق بتشكيل حكومة. وفي الحقيقة فإن أعجب الخلافات هي الخلافات التي تدب في أوساط المعارضة السورية، لأنها خلافات مجانية وليس لها مناسبة ولا سبب ولا طعم ولا رئحة، بالنظر إلى أن سوريا تتمزق وسيناريوهات التقسيم والالتهام تفصح عن نفسها يومياً، والسوريون يواجهون آلة قتل إيرانية روسية عاتية وجبارة لا ترحم صغيراً ولا كبيراً ولا امرأة ولا رجلاً ولا توقفها محرمات أو مبادئ، وعملية التطهير تعمل ليل نهار، واللاجئون السوريون يلتحفون السماوات ويجولون في فجاج الأرض. ومع كل ذلك تجد أطراف المعارضة السورية مناسبة ووقتاً للخلاف والهرج والمرج حول منصب أو أسلوب او كلمة.

والخلاف حول تشكيل الحكومة ليس خلافا طارئاً ولا جديداً وما بات مستغرباً إذ المعارضة السورية منذ سنتين لا تتخلص من خلاف حتى تلقي نفسها في آخر، وكأن أعضاء المعارضة زبائن منتديات فكرية يتناقشون في رفاهيات الحياة وفلسفاتها، إلى الدرجة التي يعتقد فيها المرء أن سبب تأخر انتصار الثورة هي خلافات المعارضة نفسها. فهذه الخلافات أعطت لنظام الأسد ورعاته وقتاً ثميناً لإعاقة انتصار الثورة، وأعطتهم الفرص الذهبية لترتيب مواقفهم وشراء الوقت لنظام الأسد، وأعطتهم الفرصة لممارسة مساوماتهم الدولية في وقت مريح، فيما غبار المعارضة السورية يثور في العواصم العالمية وفي القنوات التلفزيونية.

والذي يعود إلى المشهد السوري منذ اندلاع ثورة التحرير في درعا، يجد أن المعارضة أخذت وقتاً طويلاً حتى بدأت على شكل هيئة وأخذت وقتاً حتى شكلت المجلس الوطني ووقتاً أطول حتى وافقت على البدء بالدفاع المسلح عن النفس بعد أشهر عجاف يتلقى السوريون رصاص النظام بصدورهم وأيديهم العزلى. ثم مضى وقت طويل حتى تكون الائتلاف الوطني السوري. وحتى الائتلاف لم تشكله لمعارضة طواعية أو من باب الحاجة والضرورة وإنما شكلته بضغط دولي. والعجيب أيضاً أن المعارضة السورية تحتاج لضغط دولي حتى تقتنع بفكرة الوحدة، فيما وحشية النظام ورعاته موحدة وتمارس قتلاً يومياً للسوريين وتدميراً حاقداً للمدن السورية.

وسبق أن أخفقت المعارضة في محاولة تشكيل حكومة، والآن تدب الخلافات حول حكومة جديدة، على الرغم أيضاً من وجود ضغط عربي لتشكيل هيئة تمثيلية تسلم مقعد سوريا في الجامعة العربية.

والمخيف إنه إذا كانت المعارضة تتنازع وتتخالف على لا شيء، فكيف يمكنها أن تتفق على حكومة سورية في الداخل تدير بلداً وثروات وتبرم معاهدات وتخطط لبناء سوريا الحرة الجديدة المستقلة وتواجه تغولات الأعداء ومؤامراتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن مستجدات المشهد السوري...

أكرم البني *

الثلاثاء ١٢ مارس ٢٠١٣

الحياة

ثلاثة متغيرات تستحق الوقوف عندها بينما تبدأ الثورة السورية عامها الثالث: أولها، إعلان النظام عن استعداده للحوار مع جميع أطراف المعارضة بمن فيهم حملة السلاح ومن دون أية اشتراطات، لا في المكان (دمشق) ولا بإدانة مسبقة للدور الخارجي، ليبدو الامر كأنه استمرار للتحول الذي أكره عليه بتبني الخيار السياسي في معالجة الأزمة. ينطوي هذا على اعتراف واضح ومتأخر بفشل الخيار الأمني والعسكري الذي طالما دافع عنه ووظف من أجله ولا يزال مختلف أصناف الأسلحة وأكثرها فتكاً، وعلى انكشاف لادعاءاته حول المؤامرة الكونية والعصابات الارهابية المسلحة. وكلمة انكشاف لا تعني ظهور أمر مجهول الى العلن بقدر ما تعني انهيار القدرة الإعلامية على التمويه والكذب وعلى تشويه الحوافز السياسية الثورة وطابعها الوطني.

وهذا الاعلان لا يجوز تصنيفه اليوم، ومع أنه يحتمل ذلك، في باب المناورة والالتفاف وربح الوقت لأنه نتاج توازن جديد على الأرض أظهر اتساع الهوة بين ما تدعيه السلطة وتتمناه وبين ما تستطيعه، بدليل ظواهر الارتباك والاضطراب التي رافقت عرضه وتفسيره بين مسؤول وآخر، وتالياً لأنه نتاج محصلة انحسار سيطرتها وتواتر خسائرها العسكرية وتراجع قدرتها على تأمين حاجات الناس وأهمها الأمن والأمان في ظل وضع اقتصادي بات على حافة الانهيار.

ولا يغير هذه الحقيقة استمرار عنفها المفرط والإيحاء بأن زمام المبادرة ما زال بيدها لاستعادة ثقة أوساطها بها بعد النتائج المأسوية التي أوصلت البلاد اليها.

هو أمر مهم أن يعلن النظام التزامه الخيار السياسي وأن يتراجع عن ادعاءاته بالقوة والقدرة على الغلبة وعن دعواته للحرب والسحق، ربما لأن ما مر من زمن فاض بالعنف والتدمير كان أكثر من كافٍ، كي تبدأ أوساط النظام والأهم حلفاؤه بالاقتناع بلا جدوى طريق العنف وأنه يكبدهم المزيد من الخسائر المجانية، حتى وإن كان حظ الخيار السياسي ضعيفاً أمام تعنت النظام وإصراره على خوض الصراع كصراع وجود وإفناء، وأمام ما يثار عن ترتيبات في المناطق الجغرافية والاجتماعية الداعمة له لتمكين سيطرته هناك في حال تعذرت السيطرة على كل البلاد، ما يفسر تركيزه على الحسم في مدينة حمص بعد خسائره في الشمال وريف دمشق، لما لهذه المدينة من أهمية إستراتيجية في بقاء سورية موحدة وتخريب مشروع الكانتونات والدويلات.

المتغير الثاني، هو واقع المعارضة وجديد أدائها ودورها، إن لجهة تقدم مكونها العسكري على الأرض وسيطرته الكاملة للمرة الأولى على مدينة كاملة، كمدينة الرقة، وهو ما يعزز فرصها في التمدد ويمكّنها من فتح قنوات أوسع للحصول على الدعم والإمدادات اللوجستية والإنسانية، وإن لجهة تنامي حضورها السياسي ليصح القول إنها أصبحت لاعباً يحسب حسابه، بدليل ما سبّبه إعلان استعدادها للحوار مع أطراف في النظام من إحراج، ثم مسارعة مختلف الأطراف العربية والدولية لإقناعها بالعدول عن تعليق مشاركتها في مؤتمر روما لأصدقاء الشعب السوري احتجاجاً على صمت العالم تجاه قصف مدينة حلب بصواريخ سكود. والأهم الثقة الواضحة التي منحها لها الحراك الشعبي، وبها سقطت كل محاولات تخوينها أو الاستهزاء والطعن بمبادرتها، ربما بسبب ما تحوزه قيادتها الجديدة من صدقية، وربما بسبب توقيت مبادرتها التي جاءت بعد فترة استعصاء طويلة ولامست معاناة الناس ولنقل غازلت رغبتهم في الخلاص من هذا المخاض المؤلم، وبدت كأنها تخترق جداراً كتيماً وتحرك أملاً، والأهم لأنها أظهرت المعارضة بصفتها الطرف الأكثر مسؤولية وحرصاً على المجتمع والوطن، الأمر الذي يفتح الباب على دور سياسي أقوى لها سيكون غالباً بمنأى عن أجواء التنافس المرضي والاتهامات التي وسمت الفترة السابقة.

يتعلق المتغير الثالث بما تصح تسميته بتبدل جزئي في موقف واشنطن من الوضع السوري، بصفتها القاطرة التي تجر كل مواقف الدول الغربية والعربية، جوهره غض النظر عن تزويد المعارضة بالسلاح والعتاد المتطور، وإظهار الرغبة في التواصل المباشر مع قياداتها السياسية والعسكرية في إشارة إلى اجتماع مرتقب لرئيس الائتلاف الوطني وقائد الجيش الحر مع الرئيس أوباما، ما يمنح المعارضة، بلا شك، دفعة قوية لتعديل توازنات القوى قبل أي تفاوض محتمل مع أطراف من النظام.

صحيح أن الولايات المتحدة تنظر بريبة إلى الثورة السورية ومسارها المسلح، وما قد يخلفه استمرار المخاض العسكري من نتائج غير مرغوبة، أبرزها تفكك الدولة وانتشار الجماعات الجهادية المتشددة، وصحيح أن تشرذم المعارضة السورية، بخاصة العسكرية منها، والنتائج الكارثية لانهيار الدولة في العراق، دفعت واشنطن للتنسيق مع روسيا ودعم المبعوثين الدوليين لتمرير حل سياسي يضمن الحفاظ على الدولة السورية وأجهزتها ومؤسساتها، وهو ما وصفه جون كيري في شهادة أدلى بها أمام الكونغرس بأهون الشرور، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة عوامل جديدة ظهرت بعد جولة وزير الخارجية الأميركي في المنطقة وحضّت إدارته على تعديل سياساتها، منها ضغوط قوية مارستها أطراف عربية وإقليمية لدعم المعارضة السورية جدياً ربطاً بضمانات عن تحجيم المتطرفين ومنع وصول السلاح إلى أياديهم، وربطاً بالحرج من عنف سلطوي مفرط يتصاعد كل يوم ضد المدنيين بصورة تثير الهلع، ومنها جديد موقف بعض حلفاء النظام على حدود لبنان والعراق ومجاهرتهم بدعمه عسكرياً، ومنها ربما تفضيل إحداث تغيير سريع في التوازنات القائمة لمحاصرة نذر امتداد الصراع السوري إلى بلدان الجوار وتأثيره في استقرار المنطقة والأمن الاسرائيلي.

والحال، هل تسوغ هذه المستجدات القول بأن البلاد تقف على مشارف مرحلة جديدة تحتل فيها المعالجة السياسة الحيز الأكبر، وتكف خلالها أيادي النظام عن الفتك والتنكيل، أم أن مثل هذا القول هو إفراط في التفاؤل أمام حقيقة تفقأ العين كل لحظة، بأن لغة الحديد والنار هي اللغة السائدة وأن لا صوت سيعلو على أصوات القنابل والقذائف؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقلنة الثورة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

13-3-2013

قال حكيم صيني قديم هو صان تسو ما معناه: هناك قانون للحرب يمكن تسميته «قانون الجهد العقلاني»، يدعو للالتزام بأن يكون عائد أي جهد بشري متكافئا مع حجمه ونمطه، وإلا فإن بذله لا يكون مسوغا بل يعتبر جهدا ضائعا. بالتزامك بهذا القانون، أنت لا تسمح لنفسك مثلا بإطلاق نيران مدفع على ذبابة، ولا تهش جيشا معاديا بكشاشة ذباب، لأنه ستكون هناك في الحالتين نتائج لا تبرر جهدك، وتجعل بذله ضربا من حماقة ستتكلل حتما بالفشل.

هذا القانون يسري على كل شيء. إن مدخلاته هي الجهد ومخرجاته هي النتائج التي تنجم عنه، فإن كان هناك تعادل بينهما جاز بذله، وإلا كان جهدا ضائعا. بكلمات أخرى: عندما يقتل في معركة ثلاثة أضعاف العدد الضروري لكسبها، يصير ممكنا القول: إن الجيش الذي تكبد هذا العدد المبالغ به من الخسائر هو إما سيئ التخطيط، أو التدريب، أو التجهيز، أو التنسيق، أو القيادة. ولهذا توجد هوة بين ما بذله من تضحيات وما حققه من نتائج. ولو كان القائمون عليه حريصين على جنودهم لما كبدوهم هذا الحجم من الخسائر، الذي لم يكن ضروريا لتحقيق الانتصار، لو اختلف تخطيطه وتدريبه وتجهيزه وتنسيقه وكانت قيادته عقلانية تمتلك علاقة موضوعية ومتوازنة بين الجهد المبذول من قبل جندها وعائده. يخبرنا التاريخ: أن قادة سياسيين وعسكريين فقدوا مراكزهم وحوكموا بسبب لاعقلانية أفعالهم، وأن اقتصادات انهارت نتيجة الفارق بين ما كان يبذل فيها من مال وجهد وبين ما تعطيه من عائد، أي لأن مدخلاتها كانت أكبر من مخرجاتها.

هناك من المفكرين من اعتبر العلاقة بين حدي هذا القانون معيارا يقاس من خلاله نجاح أو فشل أي فعل أو عمل إنساني، بينما لاحظ آخرون وجود هذا القانون حتى في الطبيعة، حيث تحكم الغرائز السلوك وتوجهه، ودللوا على صحة رأيهم بالقول: إن أحدا لم ير جماعة من الأسود تهاجم فأرا أو تنصب له كمينا، ولم يتح لأحد رؤية جماعة من اللصوص يخططون لسرقة متسول فقير ومشرد.

أسوق هذه الأفكار بمناسبة حديث سمعته من أحد خبراء الاستراتيجية والصراعات المسلحة، أكد فيه أن خسائر الثوار السوريين كبيرة بالمقارنة مع حققوه على الأرض، وأنها كانت تكفي لبلوغ إنجازات أكبر بكثير من تلك التي تم الوصول إليها. هذا الخبير أعاد كثرة خسائر المقاومين إلى عامل جوهري هو افتقارهم، رغم ما يمتلكونه من شجاعة، إلى الوحدة، وحسن القيادة والتنسيق فيما بينهم في آن معا.

صحيح أن قصة السلاح تلعب دورا في هذا السياق، وخاصة في ظل افتقار المقاتلين إلى غطاء جوي وأسلحة مضادة للدروع ومدفعية، إلا أن حروبا مماثلة دارت بين مقاتلين يشبه وضعهم أوضاع مقاتلي الجيش الحر، وقوات مدججة بالسلاح الحديث كقوات النظام الأسدي، كانت أقل تكلفة من الحرب الدائرة اليوم على الأرض السورية، لأن هؤلاء المقاتلين أفادوا من إجراءات الحرب السلبية كالتحصينات والحفر ومراكز الحماية المسبقة الإعداد والعمليات العسكرية القادرة على تشتيت جهد عدوها وتغطية مجمل ساحات المواجهة معه.. الخ.

ملخص القول: لا بد من عقلنة العمل الثوري لجعله أقل تكلفة مما هو عليه اليوم، ولإقامة نوع من التوازن المقبول بين التضحيات المبذولة فيه والنتائج العملية المترتبة عليه، وهو مفقود اليوم، وبصورة خاصة بعد دخول الوضع الميداني في حال من الركود الأرضي المصحوب بتصاعد أعداد ضحايا العنف الرسمي من المقاتلين والسكان، الذي بدأ يترجم نفسه إلى ما يشبه عجلات سيارة تدور في فراغ وتعجز عن تحريكها رغم تسارع دورانها وتعاظم الضغوط على محركها وهيكلها. وللعلم، فإنه لا مجال لعقلنة هذا العمل بغير توحيد القوى المقاتلة على الأرض، وإقامة تنسيق منظم وعلاقات إمرة وانضباط بينها، وإخضاعها لقيادة موحدة وغرفة عمليات مركزية تتلقى الأوامر منها وتشرف على تحركاتها ومعاركها، فالوحدة بين المقاتلين وهيكلة عملهم وتنظيمه عوامل غدت مصيرية بالنسبة إلى الثورة والشعب، لكونها تستطيع امتصاص الكثير من النتائج السلبية الناجمة عن تمزق المعارضة السياسية وتشتتها التنظيمي، ولأن الجيش الحر هو قوة الثورة التي يتوقف مصيرها على سلامة أدائها، المرتبط بين أشياء أخرى بالحرص على حياة المقاتلين وبالعمل على تجنيبهم عمليات لا لزوم لها، ومخاطر لا قبل لهم بمواجهتها، تنبع جميعها من افتقار العمل المقاوم والسياسي إلى العقلانية، التي تجعل منه عملا فاعلا وناجحا بأقل قدر من الخسائر والتضحيات.

تقف سوريا اليوم عند نقطة مفصلية من تطورها، ستذهب في أعقابها إما إلى ما بعد الاستبداد ونظامه، إن هي عقلنت نضالها ضده، أو إلى ما بعد دولتها ومجتمعها الحاليين، في حال أخفقت في دحر الاستبداد والتخلص منه. بهذا المعنى، ليست عقلنة نضالها ترفا أو تضييع وقت، كما قد يعتقد كثيرون، بل هي خيار قدري لا بد من اتخاذه، إن كنا نريد تحقيق أهدافنا في الحرية والعدالة وحفظ كرامة مواطننا وشعبنا. إلى هذا، تعتبر اللحظة الراهنة ملائمة لعقلنة دورنا في صراع يقترب تدريجيا من الحسم، ستمس حاجتنا بعده إلى أعلى درجات التطابق بين جهودنا والنتائج العملية التي ستترتب ميدانيا عليها، كي لا تطول معاناة الشعب وينتابه الشعور بأن تضحياته لم تقابل بما تستحقه من رعاية، في حال سمحنا لأجواء التسيب والفوضى السائدة اليوم في المجال المقاوم بالتسلل إلى إدارة شؤوننا في المرحلة التالية للنظام.

لم يفت الوقت بعد لعقلنة عملنا، فالنظام لم ولن يقرر وقف حلوله الحربية، والشعب لن يتخلى عن حقه في المقاومة قبل تحقيق أهدافه. وعلى الجملة: أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا، كما تقول الحكمة المعروفة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من دفاتر الظلم

تاريخ النشر: الأربعاء 13 مارس 2013

د.خالص جلبي

الاتحاد

في عام 1965 كنت شاباً في السنة الأولى من كلية الطب، حين تناهى لأسماعنا نبأ انطلاق مظاهرة من المسجد الأموي الكبير، فذهبت مع الذاهبين، ولم تخطر في بالي المخاطر التي قد أتعرض لها، ومنها القتل، وهو ماشهدناه في عتبة المسجد، حث رأينا جثة مسجاة يقفز فوقها خمسة آلاف فار من الفزع والرعب.

احتشدنا ونحن حوالي خمسة آلاف شخص، وأشرف علينا من نظمنا في شريط رباعي من الأشخاص، ودرنا الدورة الأولى في صحن المسجد وكان كبيراً، ثم الدورة الثانية ولم نكمل الثالثة حين سمعنا صوت انفجار مدوي، وانخلعت بوابات المسجد المغلقة تجاه سوق الحميدية والمسكية في نهايته. قفز الشبيحة ورجال الأمن بالأسلحة، ولاحظت فوهة دبابة كانت وحشاً حديدياً مرعباً، وكان جند الشيطان من كل حدب ينسلون. كانت مواجهة عجيبة بين نسر وعصفور في قفص مغلق، أو ديناصور لاحم وكومة محدودة من نمل في حفرة.

أدركنا يومها أن البعثيين ضربوا بوابة المسجد بمصفحة عسكرية. ما زلت أتذكر ذلك الضابط وهو يحمل مسدسين يلوح بهما! معطف جلدي طويل، جزمات جلد بخلفيات مهاميز للخيل، ويد تمتد إلى المسدس.

اشتد إطلاق الرصاص فهربنا مذعورين إلى أي مكان نحتمي فيه من زخات المطر الناري. وأذكر جيداً كيف تكومنا فوق بعضنا البعض مثل التلة الصغيرة!

حاولنا الهرب إلى داخل المسجد، لكن القنابل كانت على أشدها داخل حرم المسجد... شممت رائحة البارود... لا أدري لماذا تحركت ذكريات الحرب العالمية والحرب الأهلية الأميركية من عمق المخيلة.

لقد نجح الأسد في شيء واحد هو إدخال الرعب إلى نفوس لا يحصيها عدد، وزادهم إيماناً بأن جهنم موجودة لا ريب فيها. هائل، مرعب، مريع... الكلمات -كما يقول الفيلسوف فتجنشتاين- ترسم صوراً سوريالية، لكن مواجهة الواقع تطبع الحواس بخيارات وخيالات لاتزول أبداً. بعدها ساقونا ضرباً بالنعال واللكمات والأكواع. حملوا الرقم الألفي من البشر جميعاً إلى المسكية، حيث احتشدنا في مكان اتصال سوق الحميدية المسقوف مع بوابة الأموي، وكانت المسافة قصيرة لاتتسع لأكثر من مائتي شخص، لكننا كنا خمسة آلاف، ولم أفهم طاقة الإنسان في التحمل والاستيعاب.

حشرونا في مساحة ضيقة، وعملوا ممراً جانبياً فارغاً يتمخطر فيه العساكر. أتذكر أحدهم وهو ينفث دخانه في وجوهنا، وكنا صياماً. إنه تقليد أسطوري؛ شتم الرب وإهانة المقدسات وتحطيم المآذن. لذلك من المهم جداً للثورة الحالية أن تعيد تركيب أخلاقية الجيش كي لا يكون عصا في يد الأوامر حتى لو كان في ذبح أمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه!

حيا الله الجنود الذين أحيوا سيرة بلال برفض الطاعة في المنكرات وسفك الدم. كنا في ضيق وكرب نكاد نختنق من الزحام، وكأننا في يوم الحشر قد لجمنا العرق واللهاث والخوف الكبير أمام وحوش البرية.

كان أمامي فتى شامياً صغيراً أشقر الشعر جميل القسمات، بالكاد يتنفس، فحملته وتذكرت جان فالجان من رواية البؤساء، وهو يحمل حبيب كوزيت في مجاري باريس السفلية. لم اجتمع به لاحقاً ولعله الآن يخوض تجربته مع الثورة أظنه الآن في الخمسينيات. ثم حملونا جميعاً ككتلة لحمية متراصة إلى الشاحنات التي شكلت قطاراً لنقل أسرى الحرب... إلى سجن المزة العسكري. وفي السجن الرمادي الرهيب، في اليوم الرهيب، استقبلني ضابط صارم القسمات وقال: استعد للموت ضرباً بالرصاص. فكانت الجرعة السيكولوجية الأولى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عامان وبداية عصر جديد

تاريخ النشر: الأربعاء 13 مارس 2013

د. طيب تيزيني

الاتحاد

انقضى عامان من عمر الانفجار الكبير، الذي هز سوريا من أقصاها إلى أقصاها، وكان ذلك يوم الخامس عشر من مارس 2011، ففي هذا اليوم برزت ثلاثة أحداث: أولها التجمع النسائي في ساحة المرجة بدمشق، حيث يوجد مكتب وزير الداخلية السوري الذي كان قد ضرب موعداً يلتقي فيه مع ذلك التجمع، بهدف البت في شأن الإفراج عن رجالهن وأبنائهن، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. أما الحدث الثاني فظهر بصيغة شعبية مؤثرة، حيث أهان شرطيٌ بائعاً جائلاً في سوق الحميدية بدمشق، على نحو حوّل هذا الأخير إلى بركان أعلن عن الثأر لكرامته. وأخيراً جاءت التظاهرة التي انطلقت من ساحة المرجة وظهر فيها عدد من الناشطين والناشطات، احتجاجاً على ممارسات «الدولة الأمنية» في تكريس الاستبداد والفساد وما يتصل بذلك. وكانت أخبار مدينة درعا قد هيّجت عواطف وعقول الناس ضد أعمال مُذلة مُهينة مارستها مرجعيات حزبية وأمنية في المدينة، دونما مساءلة أو عقوبة لها، وتطايرت شرارات الحدث في أنحاء سوريا عموماً، وأعقبت ذلك دعوة تطالب بمساءلة المسيئين. وكان ذلك بمثابة تساقط الخوف والرعب في حياة الناس والعزم على الخروج إلى الشارع.

أتى إهمال النظام في سوريا لأخذ مسألة المحاسبة على سبيل الجد، صدعاً أول في هذا النظام، ودون الانتباه إلى ذلك من قبل، كان قد سجل نقطة أولى حاسمة، هي تشكُّل وهْم الوجود خارج التاريخ، بحيث يصح ما سوّق له على امتداد أربعة عقود ونيف، وهو أنه «حالة أبدية»، وإذن، من أين جاء هؤلاء «الدهماء الأغراب» الذين راحوا «يتطاولون» على «السادة». ولعلنا نضبط مصادر هذا القصور العقلي اللاتاريخي، فنرى التالي: قوة عسكرية رادعة شكّلها النظام، أساساً، من المليارات التي سُحبت من الناس باسم الضرائب المدنية والأخرى العسكرية ذات «المصدرية الكفاحية» المؤسسة على مفهوم «الممانعة والجهادية». ومن ناحية أخرى يتجلى ذلك القصور اللاتاريخي في الاعتقاد بأن التاريخ العربي (والعالمي حسب فوكوياما) قد أُغلق بإطلاق، ليبقى مفتوحاً بصيغته الغربية العولمية، أما الصيغة الثالثة للقصور المذكور فتفصح عن نفسها من موقع أن الشعب السوري قد أَلِف العبودية الجديدة بفعل قانون الاستبداد الساحر، قانون الاستبداد الرباعي: استئثار قطعي وشامل بالسلطة والثروة والإعلام والمرجعية المجتمعية السياسية. وأخيراً نواجه الصيغة الرابعة الكبرى للقصور التاريخي، وتتمثل في أن «الربيع العربي» يحمل ما قد يُؤذن بتفكك تلك الصيغ الأربع من القصور التاريخي.

أما القاعدة التي تنطوي على إمكان حدوث ذلك التفكك، فهي انطلاق مشروع عربي نهضوي وتنويري ثوري يقف في وجه التحالف الدولي المناهض لذلك «الربيع العربي»، خصوصاً منه الصيغة السورية، وهنا نكتشف الضرورة أو الضرورات القصوى لنجاح هذا الأخير والثورة السورية تأتي -ضمن الملابسات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بها والمخترقة لها- ربما كحالة فريدة؛ فالفيتوات التي قُدمت في وجه سوريا في الأمم المتحدة تُظهر ذلك بقوة.

إن مرور عامين على الثورة السورية قد يكون حَدثاً كونياً، بمقدماته وخواتيمه، ومع ذلك نقول إن البحث في تلك الأخيرة لا يزال يطرح بل ربما يفرض من الأسئلة والإشكاليات والمعضلات الكبرى والصغرى، ما يحتم علينا أن نبذل جهوداً عظمى في سبيل ذلك، وسوف نفعل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دلالات وتناقضات لجوء النظام السوري للفتاوى الدينية

علي الرشيد

أخر مشاركة: 13/03/2013

الشرق

أثارت الفتوى التي أصدرها مجلس الإفتاء في سوريا بالدعوة للجهاد إلى جانب قوات النظام السوري، من أجل الوقوف ضد كل من يستهدف سوريا ويقف ضدها، باعتباره فرض عين ليس على السوريين فحسب، وإنما على كل الدول العربية والإسلامية.. أثارت علامات الاستفهام لجهة الأهداف التي تقف وراءها، والمغالطات التي تضمنته فحواها، وتوقيتها، والآثار المترتبة عليها، وما كشفت عنه من تناقضات مع مواقف سابقة للنظام السوري.

لقد كانت الفتوى مفاجئة في بلد كسوريا، لأن دور مؤسسة الإفتاء ينحصر في الإجابة عن الأسئلة الشرعية فقط، بعيدا عن أي اهتمام بالجانب السياسي، أو ما يتصل بموضوعات ممارسة الحكم وإدارة شؤون البلاد، والسبب أن سوريا تعدّ نفسها دولة علمانية، لا يتدخل الدين وفق منطقها ووفق أصحاب هذا التوجه في السياسة وبالشأن العام للدولة وتسيير الأمور فيها من جهة، وقد فاخر بشار الأسد بأن نظامه من آخر معاقل العلمانية في المنطقة محذرا العالم من مغبة سقوطه، ولأن النبرة القومية والاشتراكية هي التي تطبع الخطاب السياسي والإعلامي للنظام السوري، حتى لا نكاد نعثر على مفردة دينية أو إسلامية فيه من جهة ثانية، وقد كان ملاحظاً كيف أخطأ المذيع في قراءة الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة غير مرة، في نص خبر الفتوى، على اعتبار أن الأمر ليس معتادا بالنسبة له ولأمثاله في المؤسسة الإعلامية الرسمية، ولأن تاريخ النظام على مدار أكثر من أربعة عقود حافلٌ بتجفيف منابع الدين والالتزام في المؤسسات التربوية والثقافية، ومحاربة ما يعتبرها جماعات إسلامية أصولية سواء السياسية منها أو ما يصفها بالمتشددة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين من جهة ثالثة.

وفي حين كان النظام ينتقد الخطاب الجهادي للجماعات التي كجبهة النصرة وغيرها وينعتها بالإرهاب، وخطاب بعض المشايخ والعلماء العرب لاسيَّما من منطقة الخليج ويتهمهم بالتحريض والعنف لأنهم يجرّمون ما يقوم به، أو يحثون على نصرة الشعب السوري وتقديم العون له، فإن من المفارقات الغريبة أن يستخدم هذا النظام نفس الأسلوب والمفردات ليحث الشعب السوري والشعوب العربية والإسلامية على الوقوف بجانبه، والدفاع عمّن يستهدفه، وكأنه بصدور هذه الفتوى تتحول تهمة الإرهاب لتصبح أقرب للنظام نفسه.

ومما أثار الغرابة أن الشعب السوري والشعوب العربية والإسلامية لم يسمعوا بمثل هذه الفتوى الدينية إلا عندما استهدف النظام نفسه، ولكننا لم نسمع بفتوى مماثلة تدعو للنفير العام من أجل تحرير الجولان ـ وهي أرض سورية ـ والذي احتل قبل أكثر من 45 عاما، فضلا عن أننا لم نسمع فتوى مماثلة لتحرير فلسطين والأراضي المحتلة.

لكن لماذا صدرت هذه الفتوى، وتحديدا في هذا التوقيت أي بعد عامين من الثورة السورية، وما الآثار السلبية التي ستترتب عليها؟

الأمر على صلة بوضع النظام الحرج، خصوصا ما يتعلق بعجز قوته العسكرية، وقوة من يدعمونه من الحلفاء الروس والإيرانيين والمليشيات التي تدور في فلكهم عن مواجهة الثورة، التي تحقق مزيدا من الانتصارات يوما بعد يوم، بفضل الله، رغم قلة العتاد والإمكانات، وعلامة أكيدة على قرب احتضاره. ولعل الأمر مرتبط بما يلي:

ـ احتياجات جيش النظام المتزايدة من الجنود والمخزون البشري بسبب طول أمد المعركة ضد الثوار، وكثرة الانشقاقات عنه، والتخلف عن الالتحاق بالعسكرية الإلزامية، وكثرة القتلى في صفوفه، لاسيَّما في الآونة الأخيرة، وبدء تضجر الطائفة العلوية التي استخدم النظام أبناءها وقودا لحربه، ورفضها سحب المتخلفين من أبنائها عن العسكرية والاحتياط صراحة، ومطالبة بشار الأسد بالاعتماد على أبناء الطائفة السنية في مواجهة الثورة. وهناك إحصاءات تقدر عدد القتلى من أبناء الطائفة العلوية بعشرين ألف ضابط وجندي ورجل أمن. والتبرير من أجل التوسع في مليشيات اللجان الشعبية الموالية له في الأحياء لاسيَّما بدمشق، ومليشيات أخرى شبه عسكرية تسمى جيش الدفاع الوطني، وتضم نساء، وقد ظهرت في حمص، رغم أن هذه المليشيات اتهمت من قبل مجلس حقوق الإنسان بجنيف مؤخرا بارتكاب جرائم قتل جماعي موثقة.

ـ شرعنة مشاركة مزيد من قوات الحرس الثوري الإيراني خصوصا فيلق القدس وعناصر حزب الله وغيرهم من المليشيات المؤيدة للنظام وإيران في العراق وغيرها، ممن ليس لهم دخل أصلا بثورة السوريين ضد حاكمهم المستبد، وتوقع زيادة عددهم، مع حاجة النظام لمن يسانده، واحتمالات نشوب اقتتال طائفي، خصوصا مع عدم تمكن بشار الأسد من السيطرة على دمشق، واللجوء لخيار الدولة العلوية، بحيث تكون عاصمتها حمص، وبمباركة إيرانية.

سيكون لهذه الفتوى انعكاسات سلبية كثيرة من أهمها أنها ستقود إلى قتل المزيد من سفك دماء المدنيين والثوار السوريين، مع إصرار النظام السوري على مواصلة خطه الدموي وارتكاب المجازر البشعة، وتبدو أقرب للاعتراف الضمني بتبني النظام السوري للإرهاب، لأنها تحث على قتل السوريين المشاركين بالثورة في بلادهم، كما تزكي نار حرب طائفية محتملة، تكون الخشية منها أكبر مع قرب سقوط النظام، وفقده للسيطرة على زمام الأمور في البلاد.

نظام مجرم في كل مواقفه، سواء عند لبسه للبوس العلمانية، أو عند ارتدائه لثوب الفتوى الدينية، والشعب السوري والعالم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لرحيله والتخلص من شروره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة الثالثة) ... محمد فاروق الإمام

تنفيذ انقلاب 8 آذار 1963م

في ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة 8 آذار 1963م، طوقت الدبابات والسيارات المدرعة الإذاعة ومباني الحكومة، وتركزت في الساحات العامة. وأعلن المقدم سليم حاطوم، الذي احتل مبنى الإذاعة البيان الأول لقيام الانقلاب. وتم القبض عل العديد من السياسيين ورجال الحكومة البارزين، وتمكن رئيس الوزراء خالد العظم من الإفلات واللجوء إلى السفارة التركية بدمشق. وليتسلم حزب البعث السلطة الحقيقية في سورية.

تشكلت حكومة البيطار التي تضم كل القوى التي عارضت حكم الانفصال، واحتل البعثيون نصف حقائبها (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي الدروبي وإبراهيم ماخوس). كما اشترك فيها عن القوميين العرب (هاني الهندي وجهاد ضاحي). وأعضاء من حركة الوحدويين الاشتراكيين (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد).

وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كلاً من: (العسكريون: لؤي الأتاسي وزياد الحريري-غير بعثيين- فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي-بعثيون- أما المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحمودي الشوفي).

وعلى الصعيد العسكري سمي (لؤي الأتاسي) قائداً أعلى للجيش، واللواء (زياد الحريري) رئيساً للأركان العامة، واللواء (راشد القطيني) نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار: اللواء أمين الحافظ-بعثي- وزيراً للداخلية، واللواء محمد الصوفي-ناصري- وزيراً للدفاع.

ويلاحظ في هذا المجال، أن أحد مؤسسي هذه اللجنة حافظ الأسد لم يظهر في الواجهة ولم يحتل أي منصب واكتفى بقيادة القوى الجوية ليبقى متابعاً للعبة اللجنة العسكرية من وراء الكواليس، ساعياً لتثبيت أكبر عدد ممكن من الضباط الموالين في صفوف الجيش وخاصة القوى الجوية.

بعد ثلاثة أيام من نجاح البعثيين في انقلابهم، أي بتاريخ 11 آذار تحرك الناصريون داخل الجيش للإطاحة بالبعثيين. ولكن لم يُقدر لمشروعهم النجاح. وأدى إخفاق تحركهم إلى تصفية عدد كبير من ضباطهم، دون إثارة أية ضجة. ولم يصدر النظام البعثي الجديد أي بيان حول هذه الحركة.

قوائم تسريحات الضباط التي أصدرتها

قيادة حركة آذار 1963م

1-بعد وقوع الحركة بخمسة أيام فقط، أي بتاريخ 13 آذار 1963م صدرت نشرة عسكرية أخرجت من الجيش مئة وأربعة ضباط وهم من كبار ضباط الجيش، افتتحت بالفريق عبد الكريم زهر الدين، واختتمت بالمقدم بسام العسلي.

2-وبتاريخ 16 آذار - أي بعد ثمانية أيام من وقوع الحركة - صدرت نشرة أخرى، أخرجت من الجيش 150 ضابطاً، هم الطاقة الفعالة في الجيش (قادة الكتائب ورؤساء عمليات الألوية وقادة سرايا)، وكان المقدم خليل مصطفى - مؤلف كتاب سقوط الجولان - واحداً من الذين شملتهم النشرة.

3-ثم تتابعت النشرات، تسرح، وتحيل على التقاعد، وتنقل إلى الوظائف المدنية، حتى بلغ مجموع الضباط الذين أخرجوا من الجيش حتى أيار 1967م، لا يقل عن ألفي ضابط من خيرة ضباط الجيش المحترفين كفاءة وقدرة وعطاء وحيوية، مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف القدامى المحترفين للعمل العسكري، والجنود المتطوعين الذين يشكلون الملاك الحقيقي الفعال لمختلف الاختصاصات في الجيش.

4-حتى لا يقال إن قيادة حركة آذار تسرح ضباط الجيش، استبدلت بالذين أخرجوا من الجيش (وخاصة الضباط) أعداداً كبيرة جداً من ضباط الاحتياط (الذين سبق لهم أن أدوا خدمة العلم) وجميعهم تقريباً من البعثيين حتى أصبح معظم ضباط الجيش ممن لا خبرة لهم ولا معرفة ولا لياقة بدنية.

ملاحظ:

(التحقت بالجيش (خدمة إلزامية) يوم 20 تموز 1963م، وأُخضعت  لدورة عسكرية في مدارس قطنا، وهناك في هذه المدارس لم يكن بين العشرات من الضباط وضباط الصف ما يصل إلى عدد أصابع اليدين من الضباط وضباط الصف العاملين، فقد كان معظم الضباط وضباط الصف ممن التحقوا بخدمة الاحتياط من الضباط وضباط الصف البعثيين، وكانوا في معظمهم من المدرسين سابقاً، المترهلة أجسامهم، وكبيري السن، والذين كانوا لا يعرفون ألف باء العسكرية، وبعد انتهاء الدورة التي دامت لأكثر من أحد عشر شهراً، وتخرجت (ماجور دوره) أي الأول، ورغم ذلك أفرزت للخدمة في الجبهة (الجولان سابقاً) قبل أن يفرّط نظام البعث وجيشه العقائدي به ويسلمه للصهاينة دون دفع أو مدافعة. وفي القطعة التي خدمت بها  - في غير اختصاصي - التقيت أحد الضباط وكان قائداً للنقطة وقد استدعي من وظيفته كمدير مدرسة لقرية الشيخ علي (محافظة طرطوس)، وقد كشف لي سراً - عن غير قصد - أنه عند استدعاء ضباط احتياط للعمل في الجيش، نزل من الجبل ألف ضابط، معظمهم انخرطوا في الجيش. في حين صرح لي أحد ضباط الصف، والذي كان - كما قال - يعمل صياداً للسمك في مدينة صيدا اللبنانية، استدعي مع نحو ثلاثة آلاف ضابط صف بعد انقلاب8 آذار 1963م ليلتحقوا بالجيش، وكلهم كما قال لي من الجبل من محافظتي طرطوس واللاذقية).

(وفي هذا السياق تحضرني قصة وقعت لي مع قائد نقطتي الذي كان سابقاً مدير مدرسة في الشيخ بدر وهي نفس بلدته. فقد قام الطيران الإسرائيلي يوم 3/11/1964م بضرب الجبهة لمدة ثلث ساعة متواصلة، وقد ألقى العشرات من قنابل النابالم المحرمة.. وفي بداية قدوم الطائرات الإسرائيلية هرول هذا الضابط مسرعاً وبطريقة ملفتة للنظر نحو (البلوكوس) – الملجأ -  فوقع منه مسدسه فلم يلتقطه، وسارعت أنا بالتقاطه وتقديمه له. وعند اقتراب الطائرات الصهيونية من نقطتنا، طلبت منه إعطائي الأمر بإطلاق النار عليها، وكررت طلبي لمرات عدة.. وكنت أشاهد الطيار الصهيوني الذي كان يقترب بطائرته حتى يكاد يلامس الأشجار الكثيفة التي كانت تغطي نقطتنا.. وكان يؤنبني قائلاً: إياك أن تطلق النار لأنك ستتهم بالخيانة لأنك كشفت النقطة وستعرضنا جميعاً للهلاك. لم أعد احتمل مشاهدتي للطائرة وطيارها.. وبين يدي مجموعة من ثلاثة رشاشات (م/ط 7/12)، فقمت بتوجيه هذه الرشاشات نحو السماء ورشقت أول طائرة اقتربت من النقطة.. وفعلت ذلك ثلاث مرات، وكنت في كل مرة أجبر الطيار على الإقلاع العامودي والفرار من سماء نقطتنا.. وكنت أسمع عويل ذلك الضابط الجبان وصراخه وتفوهه بعبارات الكفر والشتم والتهديد والوعيد، وقد خارت قواه، يهددني ويتوعدني بالويل والثبور.. بعد انتهاء العملية الصهيونية وخروج القائد الهمام من مخبئه، توجه إلي بكلمات نابية قاسية.. أقلها نعتي بالخيانة والعمالة.. في حين انقسم أفراد النقطة بين مؤيد ومندد بما قمت به. وقام القائد برفع تقرير إلى قيادة الجبهة طالباً إيقاع أقصى العقوبة بحقي.. ولكن قائد الجبهة في حينها اللواء فهد الشاعر منحني شهادة تقدير مع إجازة 12 يوماً.. وتبين لي فيما بعد أنه لم تطلق على هذه الطائرات في كل مواقع الجبهة طلقة واحدة إلا ما كنت قد أطلقته أنا).

1-لقد رافق عمليات التسريح حل بعض الوحدات المقاتلة، وتشكيل وحدات غيرها على أسس حزبية بحتة.. وبذلك أصبح الجيش عبئاً ثقيلاً على كاهل الشعب.. بدل أن يكون درعاً يدفع عنه وحصناً يذود عن حياضه.. ويحفظ أمنه وكرامته وحرياته.

2-توجت مرحلة تصفية الجيش بالأحكام الجائرة التي أصدرتها محكمة أمن الدولة التي كان يترأسها المقدم صلاح الضلي.. حيث تم إعدام عدد كبير من الضباط كان في مقدمتهم: (العقيد أركان حرب كمال مقصوصة والعقيد هشام شبيب والنقيب معروف التغلبي والنقيب ممدوح رشيد والملازم نصوح الجابي والمساعد بحري كلش).

3-بالإضافة إلى القتل والإعدام والتسريح غصت السجون بالمئات من الضباط والآلاف من باقي العسكريين.. وكان من أبرز هؤلاء المعتقلين: (اللواء محمد الجراح واللواء راشد قطيني والفريق محمد الصوفي والفريق عبد الكريم زهر الدين واللواء وديع مقعبري والعمداء مصطفى الدواليبي ونزار غزال وأكرم الخطيب وموفق عصاصة ودرويش الزوني وممدوح الحبال والعقداء هيثم المهايني ومحيي الدين حجار وحيدر الكزبري).

 

القيادة القومية لحزب البعث تجهل تحرك الانقلابيين

حتى ساعة قيام الانقلاب ونجاحه لم تكن القيادة القومية ولا كل الاتجاهات الحزبية الأخرى على علم بتحرك 8 آذار. وهذا ما يؤكده الدكتور منيف الرزاز الأمين العام الثاني للحزب في كتابه (التجربة المرة) حيث يقول: (هذه الحركة محض عسكرية، حضّرت لها ونفذتها مجموعات من الضباط المتحالفين، وعند نجاحها دعي الحزب إلى تبؤ الحكم وتشكيل حكومة برئاسته. ولم يكن لهؤلاء الضباط برنامج محدد المعالم. وإنما وضعوا لهم هدفاً آنياً وحسب، وهو إسقاط النظام الانفصالي في سورية، على ان يبحثوا فيما بعد عن أسس للتفاهم مع الثورتين العراقية والمصرية.

لقد بقيت العلاقات زمناً طويلاً بين حزب البعث والجيش غامضة ومتناقضة إلى أبعد الحدود. يقول الرزاز: (لم يقم حزب البعث هو نفسه بتحقيق الثورة، ولكنه رسمياً هو الذي يحكم سورية).

(يتبع)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة الرابعة) ... محمد فاروق الإمام

خريف شهر العسل بين البـعث والناصـرية

منذ الساعات الأولى لنجاح حركة البعث في دمشق، أعلنت القاهرة تأييدها لهذه الحركة التي أنهت حكم الانفصال في سورية.. ولكن حكام مصر كان يقلقهم من غير شك أن يروا حزب البعث.. وهو الحزب الذي حاربته القاهرة بجميع الوسائل في السابق.. يمسك بزمام الأمور ويتربع على سدة الحكم في دمشق، بعد شهر فقط من استلامه الحكم في بغداد، وتشكيل جبهة بعثية في كل من سورية والعراق معاً. كذلك فوجئ الضباط الناصريون بنجاح حركة 8 آذار. لأنهم لم يتصوروا أن حلفاء البارحة - بعد نصيحتهم بعدم تنفيذ مخططهم - تجرؤوا واستمروا في تحركهم بهذه السرعة، لهذا فإنهم لم يعلنوا تأييدهم للحركة العسكرية إلا بعد مدة من نجاحها.

على أية حال فقد تشكلت حكومة البيطار الأولى في العهد الجديد.. من كل القوى القومية الوحدوية التي قادت المعارضة ضد النظام الانفصالي. فمن البعثيين شارك كل من: (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي دروبي وإبراهيم ماخوس). وعن حركة القوميين العرب: (هاني الهندي وجهاد ضاحي). ومن الوحدويين الاشتراكيين: (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية المتحدة: (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد). وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كل من:

العسكريون: (لؤي الأتاسي وزياد الحريري - غير بعثيين - فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي - بعثيون).

المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحمودي الشوفي).

وعلى الصعيد العسكري، سمي الأتاسي قائداً أعلى للجيش، واللواء زياد الحريري رئيساً للأركان العامة، واللواء راشد القطيني نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار هما: اللواء أمين الحافظ - أصبح فيما بعد رئيساً للجنة العسكرية - (بعثي) وزيراً للداخلية واللواء محمد الصوفي (ناصري) وزيراً للدفاع.

يمكننا أن نلاحظ بوضوح، أن المؤسسين والمحركين الأساسيين للجنة العسكرية هم (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد) لم يحتلوا بادئ الأمر واجهة المسرح السياسي. بل استمروا في متابعة لعبتهم من وراء الكواليس، وسعوا تدريجياً لتثبيت مواقعهم داخل القوة الحقيقية الوحيدة في البلاد (الجيش).

في هذه الظروف الداخلية والعربية.. وجدت حركة البعث نفسها في مواجهة صريحة مع النظام الناصري. ولقد فرض عليها أن تدخل مع الناصرية بمجملها، في معركة مفتوحة كان مسرحها دمشق. فقد كان هدف القاهرة الأساسي.. هو عودة الوحدة السورية-المصرية قبل أي شيء آخر. وعلى هذا الأساس عبأت الجماهير السورية والعربية في سبيل تحقيق هذه الغاية، مع نجاح حركة 8 آذار تشكيل حكومة البيطار.

وهكذا ارتفعت صور الرئيس عبد الناصر ورفرفت أعلام الجمهورية العربية المتحدة في جميع أنحاء البلاد. وعمّت المظاهرات الشعبية والعمالية والطلابية؛ التي كان يقودها القوميون العرب والوحدويون الاشتراكيون العاصمة دمشق وكبرى المدن السورية حلب.. وهي تهتف هتافات واحدة (وحدة، وحدة، عبد الناصر). وبصريح العبارة فقد بات الشارع تسيطر عليه (القوى الناصرية). ومما يزيد (الطين بلة) فإن البعثيين في السلطة لم يكن لهم حتى ذلك الوقت؛ أي تنظيم سياسي أو حزبي يواجهون به الظروف المستجدة ويعدلوا من موازين القوى لصالحهم. لذلك عمدت سلطات البعث منذ الأيام الأولى إلى منع كل تظاهرة مهما كانت طبيعتها أو إلصاق صور أي زعيم عربي كان، وكان يقصد بذلك منع إلصاق صور عبد الناصر.

ومن ناحية أخرى فإن العناصر الناصرية المشاركة في الحكم، والتي تعتمد في قوة وجودها على هذا التيار الشعبي العام، ألحت في طلب الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، دون قيد أو شرط.

وأخذت الأسئلة تطرح نفسها لمعرفة ما إذا كان النظام الجديد ضد التقارب أو الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة؟ ألن تطرح حكومة البيطار علناً في بيانها الوزاري الذي نشر بعد ست أيام من نجاح حركة البعث بان مهمتها الأولى هي إقامة (وحدة-اتحادية) بين مصر وسورية والعراق، على أسس ديمقراطية شعبية.. وباعتماد مبدأ القيادة الجماعية، ألم ترسل من أجل ذلك في اليوم نفسه وفداً رسمياً إلى القاهرة لإجراء محادثات من أجل الاشتراك في المحادثات الوحدوية بين مصر وسورية والعراق؟.

في الحقيقة أن الصراع بين البعثيين والناصريين هو صراع على السلطة. يؤكد الدكتور جمال الأتاسي وزير الإعلام في حكومة البيطار الأولى للنظام الجديد: (إن الخلافات لها علاقة بالسيطرة على الحكم وبالنفوذ الذي سيحصل عليه كل طرف في المؤسسات القيادية والرسمية والشعبية لحركة 8 آذار).

وهكذا فإن القوى الناصرية في سورية معتمدة على الحملة الإعلامية التي تبثّها القاهرة، كانت تعمل عل عدم ترك أية مهلة للبعثيين وعدم تمكينهم من تثبيت أقدامهم في الحكم وإجبارهم على الدخول في أسرع وقت في المحادثات مع عبد الناصر.. في حين لا يزال فيه البعثيون يعانون من الضعف الشديد من ناحية التأييد الشعبي.

لقد عمل البعثيون دون تطبيل وتزمير منذ الساعات الأولى لتفادي ضعف التأييد الشعبي على تقوية موقعهم وجودهم في الوحدات العسكرية.. وذلك حتى يعوضوا عن ضعفهم العددي.. ويجابهوا الضغوطات الداخلية والخارجية التي يتعرضون لها. فأخذوا بتعاونهم مع الضباط المستقلين.. يبعدون عن الجيش العناصر التي أيدت الانفصال.. وكذلك العناصر الناصرية. وفي نفس الوقت أصدروا قراراً بالعزل المدني.. شمل عدداً كبيراً من السياسيين اليمينيين واليساريين.. بتهمة تأييد النظام الانفصالي وشمل كل من: (ناظم القدسي وخالد العظم ومأمون الكزبري ومعروف الدواليبي وصبري العسلي وسهيل الخوري وأكرم الحوراني وخليل الكلاس وعبد الغني قنوت ومصطفى حمدون وخالد بكداش).

وتسلم الضباط البعثيون بشكل أو بآخر قيادة معظم القطاعات العسكرية.. والتي من خلالها تمت بهم السيطرة الكاملة على الجيش.. الذي بدونه لن يستطيع الناصريون القيام بأية حركة أو انقلاب.

وبالفعل فإننا نجد أن الضباط الناصريين الذين كانوا يحتلون المراكز القيادية في الجيش.. قد سحب البعثيون البساط من تحتهم وتركوهم أشبه ما يكونون بالممثلين.. الذين يقومون بأدوار عسكرية في فلم حربي.. أي كانوا يحملون الرتب الفخرية.

أيضاً يجب أن لا ننسى دعم البعث العراقي للبعث السوري الخارجي.. الذي كانت له أهمية كبرى في مثل الظروف التي مر بها البعث السوري. ففي الأيام الأولى لنجاح حركة آذار.. وصل إلى دمشق وفد عراقي بقيادة علي صالح السعدي.. أمين سر قيادة القطر للحزب.

وعلى أثر المحادثات الرسمية بين البلدين. أعلن البيان المشترك السوري-العراقي في 11 آذار (أن المباحثات بين الطرفين تطرقت إلى الخطوات التي يجب اتباعها للدفاع عن الثورتين السورية والعراقية). وفي مؤتمره الصحفي.. يشير السعدي صراحة بأن القضية ليست قضية إقامة محور بين القاهرة وبغداد ولا بين بغداد ودمشق. ونقول من عندنا ولا محور بين القاهرة ودمشق.

المحــادثات الثلاثيـة

   بعد نجاح حركة 8 آذار 1963م بستة أيام.. أي في 14 آذار.. جرت المحادثات في القاهرة بين مصر وسورية.. ثم انضمت العراق إليهما.. من أجل وضع الأسس لوحدة اتحادية. وإذا لم نتتبع هذه المفاوضات بالتفصيل.. أو اقتطاف بعض المقاطع من المناقشات التي تضمنتها.. غير أن هذه المناقشات قد أظهرت بصورة واضحة النوايا الخفية لكل فريق.. وكذلك السرعة الفائقة التي طرحت معها وعولجت بها القضايا الأساسية.

لقد ترأس جلسات المحادثات بين الوفود الثلاثة الرئيس عبد الناصر الذي كان في وضع القوة نسبياً.. وبالتالي نجح ببراعة.. أمام الرأي العام العربي.. في إخفاء ثغرات الضعف في حكمه ونظامه.. ووجد البعثيون أنفسهم في جو مثقل وحالة مشتتة وضع أقرب ما يكون إلى وضع المتهم.

لقد كان كل المشتركين في هذه المناقشات يناورون.. فهم جميعاً يتحدثون عن الوحدة العربية وعن آمال الجماهير العربي.. وفي حقيقة الأمر.. كانوا جميعاً بعيدين كل البعد عن هذه الاهتمامات.. مما جرّهم الحوار إلى ما يشبه (حوار الطرشان).

برز خلال المناقشات موقفان متعارضان: عبد الناصر أبدى عدم استعداده لعقد وحدة مع سورية يحكمها البعث وحده.. حيث ألقى عبد الناصر مسؤولية إخفاق الوحدة السورية-المصرية على البعثيين.. الذين وصل توجيه الاتهام إليهم إلى درجة (الخيانة). ومن الناحية السورية.. فإن البعث السوري.. بعد أن استخلص العبر من أخطائه التي ارتكبها في 1957-1958م عند قيام الجمهورية العربية المتحدة.. كان مصمماً على عدم الخضوع لأي ضغط مهما كانت طبيعته. فهاهو البعث يحكم قبضته على دمشق وبغداد.. بعد عناء كبير تعرض فيها إلى المزيد من العقبات والمحن.. وهو لا يريد أن يترك دمشق وبغداد لعبد الناصر. وإذا كان لابد من وحدة فإنها لن تقوم ضدهم أو بدونهم.

وبالفعل.. فقد رجحت كفة البعثيين في النهاية (ولو كان نظرياً على الأقل).. ففي 17 نيسان وقعت الوفود المصرية والسورية والعراقية ما سمي (ميثاق القاهرة).. والذي أعلن عن قيام دولة اتحادية بقيادة جماعية في مدة لا تزيد عن خمسة أشهر بين مصر وسورية والعراق تحت اسم (الجمهورية العربية المتحدة).. عاصمتها القاهرة. وكل قطر في هذه الدولة الجديدة يبقى محتفظاً بمؤسساته واستقلاله السياسي والداخلي. وتكون السلطة التشريعية والسلطة العليا مناطة بالمجلس القومي في الدولة الاتحادية الجديدة.. وهو مؤلف من مجلسين: مجلس نواب إقليمي منتخب انتخاباً مباشراً عن طريق الاقتراع السري العام.. ويضم في كل قطر عدداً من الممثلين حسب نسبة السكان.. ومجلس اتحادي يضم عدداً متساوياً من الأعضاء في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة. والمجلس القومي هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية ونوابه الثلاثة. والقوانين والتشريعات لا تصبح سارية المفعول إلا بعد الموافقة والتصديق عليها من قبل المجلس الإقليمي والمجلس الاتحادي. وأخيراً فإن مجلس الوزراء إنما يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة أمام المجلس القومي.

لم يتمالك البعثيون دهشتهم عندما وقع عبد الناصر على (ميثاق 17 نيسان). فهم لم يكونوا ليتصوروا أن رئيس الدولة المصرية سيقبل باتفاق يحد من صلاحياته ويقيم نظاماً اتحادياً مبنياً على أسس من القيادة الجماعية. لذلك فإن مخاوفهم كانت كبيرة لاعتقادهم بأن عبد الناصر عندما وقع هذا الميثاق.. قد أعطى نفسه مهلة خمسة أشهر.. يسعى خلالها لتغيير موازين القوى في دمشق وبغداد لمصلحته.

ومما كان يزيد من هذه المخاوف والشكوك تحركات الناصريين في دمشق ونشاطهم السياسي على الصعيد الداخلي.. المرتبط بتعليمات يتلقوها من القاهرة.. ولم يكن ذلك سراً. فالناصريون منذ الأيام الأولى قد حاولوا أن يثيروا المتاعب والاضطرابات في وجه النظام البعثي.. وطالبوا بإقامة وحدة فورية مع مصر.. ونظموا لهذا الغرض المظاهرات الشعبية في البلاد كلها.. لكي تمارس ضغوطاتها على السلطات الحكومية البعثية.

وفي نفس الوقت فقد كانت التنظيمات الناصرية تطالب بإشراكها في الحكم مناصفة. وهذه المنظمات هي: (حركة القوميين العرب، وحركة الوحدويين الاشتراكيين، والجبهة العربية المتحدة).. وكانت تلح على البعث أن يقبل مبدأ توزيع المناصب في الحكم معه على قدم المساواة. وهذا يعني أن البعث يجب أن يحتل فقط ربع المقاعد في المجلس الوطني لقيادة الثورة.. وأن يحمل ربع الحقائب الوزارية.

وقد صرح بهذا الصدد (نهاد القاسم).. زعيم الجبهة العربية المتحدة قائلاً: (إن القوى الوحدوية لا تضع إلا شرطاً واحداً وهو أن يقبل البعث مبدأ المساواة مع كافة المجموعات الوحدوية التي وقعت ميثاق القاهرة).

ونظراً للأوضاع السياسية والعسكرية التي وصل البعثيون بها إلى الحكم.. فإنهم وجدوا أنفسه معزولين تقريباً.. من ناحية التأييد الشعبي.. وفي كل المناطق السورية سواء في الريف أو المدن.

ورغم التأييد الشعبي الذي كانت تحظى به التنظيمات الناصرية فإنها كانت تدخل في الغالب في معارك جانبية بشكل مبعثر. وفي خضم الصراع الوحدوي الإعلامي الذي وصلت إليه من العنف الهستيري.. فإنها لم تستطع أن توحد صففها وتقيم تنظيماً سياسياً متجانساً أو تحدد برنامجاً موحداً. وهكذا فقد فسحت المجال لخصومها بإزالتها مجموعة بعد أخرى.

في أثناء المحادثات الثلاثية وقبل توقيع (ميثاق 17 نيسان).. وقعت صدامات في سورية بين المتظاهرين الناصريين من جهة وبين رجال الشرطة والجيش من جهة أخرى. وفي أوائل نيسان صدر أمر عسكري بمنع التجول في جميع أنحاء البلاد.. ويمنع التجمعات وحمل السلاح تحت طائلة العقوبات الشديدة.. وقد أحدث منصب جديد وهو نائب الحاكم العرفي.. وعهد به إلى وزير الداخلية (اللواء أمين الحافظ).. يخوله ممارسة كافة السلطات الواردة في نصوص الأحكام حول حالة الطوارئ. وأول عمل قام به هو إغلاق المدارس والجامعات حيث تتمركز التنظيمات الناصرية.

في شهر أيار من نفس السنة.. وصل الجو السياسي إلى درجة عالية من التوتر أصبحت معه القطيعة أمراً لا يمكن تلافيه بين حلفاء الأمس: القوى الناصرية والحكم البعثي في سورية.. فقدم الوزراء الناصريون (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد وهاني الهندي وجهاد ضاحي وسامي صوفان وسامي الجندي) استقالاتهم من حكومة البيطار احتجاجاً لرفضها توزيع الحقائب والمناصب في مختلف أجهزة الدولة بالتساوي. وفي نفس الوقت تقدم ثلاثة وزراء بعثيين استقالاتهم وهم (جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور وسامي الدروبي).

ولكن في الجيش بلغت التصفية أرقاماً خيالية بحق الضباط الناصريين.. ويأتي في مقدمتهم: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان، واللواء محمد الصوفي وزير الدفاع، والرائد حسين القاضي رئيس الشعبة الثانية، والرائد جميل فياض قائد قوى الأمن الداخلي).

يقول الدكتور سامي الجندي أحد مؤسسي حزب البعث، وكان قد تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب آذار: (إنه بعد أن أسندت إليه مسؤولية وزارة الإعلام بثلاثة أيام، زاره (الرفاق) في مكتبه من أبناء طائفته مطالبين بالتخلص من أبناء دمشق وحلب وحماة وتعيين أبناء الطائفة في وظائفهم مكان المسلمين) – يقصد السنة -.

أمام هذه التطورات لم تبق القاهرة مكتوفة الأيدي.. بل شنت حملة إعلامية عنيفة ضد البعث السوري مع تجنب ذكر البعث العراقي. وفي المقابل رد البيطار على تهجمات القاهرة. وتدخل السياسي المغربي (المهدي بن بركة) واتصل بالمسؤولين في سورية والعراق ومصر.. واتفق مع البعثيين السوريين على النقاط الأربعة الأساسية التالية:

1-عودة الضباط الناصريين المسرحين إلى الجيش السوري.

2-تشكيل جبهة قومية موحدة تضم كل القوى الوحدوية.

3-عقد مؤتمر قمة بين مصر وسورية والعراق في 23 تموز.

4-التحضير لاجتماع عام يشترك فيه الاتحاد الوطني للقوى الشعبية في المغرب والاتحاد الاشتراكي العربي في مصر وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب البعث العربي الاشتراكي.

ولأجل تحقيق هذا الهدف فقد وصل وفدٌ سوريٌ إلى القاهرة برئاسة اللواء لؤي الأتاسي.. ويضم المقدم محمد عمران والمقدم فهد الشاعر والدكتور سامي الجندي وزير الإعلام. وقد طلب عبد الناصر أثناء محادثاته مع أعضاء الوفد - بالإضافة إلى عودة جميع الضباط الناصريين إلى الجيش - إنشاء حركة سياسية واحدة.. يشترك فيها كل القوى الاشتراكية العربية وتتخلى عن أية تسمية.. سواء كان ذلك اسم الاتحاد الاشتراكي العربي أو البعث أو أي حزب آخر. وبالتالي فإن عبد الناصر طلب بأن تكون هذه الحركة الجديدة تحت قيادته الشخصية.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السفر بَرْلك السوري الجديد .. بدرالدين حسن قربي

من يتابع مسيرة الشيخين البوطي وحسّون مع نظام الأسد والدٍ وولد، يدرك خطورتهما معاً في تسويغ فاشيّة هذا النظام وفساده بطريقة من الطرق لعشرات من السنين، ويُدرك أسباب محاربة الاثنين للثورة السورية بكل قوتهما بما لايقل تأثيراً عن أحدٍ من أكبر مجرمي النظام المتوحش، فكان حسّون في ميدان التصريحات واللقاءات، والثاني في الدرس والخطابة.

ومن ثمّ فلم يكن غريباً قول البوطي في إحدى خطبه: إني أعتقد أنه ليس في العالم كله بلد تُطبّق الإسلام بحقيقته وجوهره وتعاليمه الكريمة وتسامحه، كما تطبقه اليوم الدولة السورية بارك الله بقيادتها وشعبها.  كما لم يكن غريباً امتداحه لجيش نظامٍ يقتل شعبه ويشرّده ويهجّره في حرب لامثيل لها في تاريخ العالم، فيقول فيه: جيشنا القائم ولله الحمد على تنفيذ ما ينبغي أن يُنفَّذ، وإننا لنخجل من الله أن نكون جالسين في بيوتنا ننظر إلى جهود هؤلاء الأبطال ونحن جالسون لا نفعل شيئاً. واللهِ ليس بين أفراد هذا الجيش وبين أن يكونوا في رتبة أصحاب رسول الله إلا أن يَرْعَوا حق الله في أنفسهم وأن يُقْبِلوا إلى الله وهم تائبون.  وكذلك، لم يكن غريباً أن يدعو السوريين في خطبة الجمعة الأخيرة من شباط الماضي للجهاد خلف أميرهم بشار الأسد، التي بدت وكأنها دعوة لدعم نظام بشار الجزّار في قتل السوريين وسفك دمهم، وإلا فعن أي جهادٍ يتحدث فضيلة الشيخ، والأمير وأبو الأمير لم يطلقا طلقة واحدة خلال أربعين عاماً تجاه محتلي أرضنا ومغتصبيها.

جديد الأحداث السورية وارتفاع حدتها في توالي ضربات المعارضة المسلحة على قوات النظام وشبيحته في مواقع كثيرة خصوصاً منها العاصمة دمشق، وسقوط مدينة الرقة واحتجاز مديري أجهزتها الأمنية ومحافظها مع سقوط دراماتيكي شهده العالم على الفضائيات لواحد من أكبر تماثيل الأسد الأب في سوريا، أحدث فيما ظهر للناس ضربة نوعية في جسد النظام المتداعي والآيل إلى السقوط، والتي بدا أثرها بالاستنفار الديني غير المسبوق لشيخَي النظام وأبواقه الآخرين.

فقد دعا الشيخ البوطي في خطبة الجمعة الماضية السوريين للاستنفار والنفير العام ليكونوا مع جيش بشار الأسد في الدفاع المزعوم عن سوريا.  ثم رَدِفَه في الكلام في اليوم التالي وئام وهاب يتوعدنا بنصف مليون احتياط من الإيرانيين قادمين من نواحي شتّى للدفاع عن أرض المقاومة والممانعة (نظام بشار).  ثم تلاه بيان المفتي حسون يدعو السوريين إلى الجهاد باعتباره بات فرض عين على جميع السوريين وكل الدول العربية والإسلامية. 

ومن الخطبة إلى التصريح والنداء، ومع بدء قنوات التلفزيون الرسمي على وقع فتوى الجهاد فرض عين، مرحلة إعلامها الجهادي في استخدام أساليب تنظيم القاعدة في نشر آيات القرآن، والأناشيد الإسلامية والرسائل المحرّضة على الجهاد ضد المعارضة، فإن المسألة لاتعدو التغطية على شبيحة موجودين مسبقاً وبأشكال شتّى، وعلى جديدهم القادم من إيران وحزب الله للمساعدة في إنقاذ نظام دمويٍ يتداعى مع آخر أدواته، وتبشّر السوريين بسفر برلك جديد، مسؤولوه مشايخ سلطة يرون مصلحتهم في الدفاع عنها وحمايتها من شعبها الثائر، يلتقطون فيه الطلاب من جامعاتهم ومدارسهم بحجية فتاويهم وفرْضية دجلهم، ممّا يذكّرنا بسفر برلك قبل مئة عام، كان يُلتقط فيه الشباب بالجملة ودون استثناء من الشوارع والطرقات ويؤخذون عنوة إلى ساحات الموت وهم ينظرون، ممن لم يرجع منهم إلا القليل القليل. 

فياأيها السورييون..!! احذروا سفر برلك مافيا الأسد، محمولاً على مقولات ونداءات تستّرت بالدين، يزجيها إلينا مشايخ عملوا لسنين طويلة على مساندة نظام قامع فاسد مستبد مجرم، وهم اليوم يُلقون حبالَ سحرهم أطواقَ نجاة إليه، وأفاعٍ للناس يريدون لها أن تسحر أعينهم على رقص فتاويهم وخداع عمائمهم.  وإنما ليس بعيدٍ سيجدون أن عصا ثورة السوريين ثعبان مبين، تلقف كيدهم وإفكهم وفتاويهم، وأن بحرها الهادر ينشق كالطَّود العظيم، يبتعلهم ويذهب بهم إلى سواء الجحيم، وهم يتنادَون فيما بينهم فرعوناً طاغياً وشيخاً دجّالاً، وتاجراً أفّاكاً وشبّيحاً مجرماً، ولهم فيها شهيق وزفير، وينادُون فيها وإنما بعد فوات الآوان، آمنّا برب السوريين وثورتهم.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=nB-c57_x_Ac

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=8yRoQ6Sagtw

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=BZGDMjIOVmE

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=n6t5LV0WnsQ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لكل ظالم يوم ولكل مجرم حكاية .. بدرالدين حسن قربي

16مارس2013

لمن لايعلم، فإن جريمة قصف جامعة حلب الساعة الواحدة ظهراً يوم الثلاثاء الأسود 15 كانون الثاني/يناير 2013 غطّت بتداولها الإعلامي الكبير على مجزرة أخرى كانت أفظع منها وأشد توحشاً.  بدأت قبلها بساعة واحدة، حيث تمّ اقتحام قرية الحَصْوِية التي لايتجاوز عدد سكانها الألفين والواقعة شمال مدينة حمص والقريبة منها حد الملاصقة، وذلك من قبل قوات الأمن والشبيحة بزعم تفتيشها والبحث عن إرهابيين.  بلغ عدد ضحاياها قرابة مئة وخمسين بما فيهم الأطفال والنساء ممن تنّوع قتلهم مابين ضرب بالرصاص وذبح بالسكاكين وحرق بالنار، وقد شمل ذلك أيضاً إبادة عوائل بأكملها واغتصاب أكثر من أربعين من النساء.  وفي استكمال فظاعات المشهد ووحشيته، فقد ذكر شهود العيان أنه تم إحراق العديد من المنازل وحظائر الحيوانات وبعض الأراضي الزراعية، كما تمّت سرقة الكثير من محتويات المنازل وأخذ مالدى أصحابها ونسائها من النقود والمصوغات الذهبية.  تمّ التعتيم على المجزرة الوحشية لتضاف إلى الكثير من المجازر الآثمة التي يرتكبها نظام متوحش جزّار، يجترح كل يوم عذراً جديداً يغطي به فظائع جرائمه.

جديد مجزرة الحصوية التي غطّى عليها إعلام التشبيح والشبّيحة، أنه تم إلقاء القبض على كبير آمريها ومرتكبيها وأعظم وحوشها بعد شهرين بالتمام والكمال من قبل الجيش الحر.  وعلى يقين بأن الله يمهل ولا يُهمل، فإن الذي حصل أن قائد عمليات الفوج 41 في القوات الخاصة بمحافظة حمص العقيد باسم محمود حمود وقع في كمين محكم لإحدى الكتائب في حي الوعر في المدينة، فانهارت عزائمه وارتعدت فرائصه، وأحاطت به جرائمه، واعترف من خلال التحقيق معه أنه كان قائد مجزرة الحصوية، بل وأضاف مقراً ومعترفاً بأنه قام بالتشبيح والقتل بعدة مناطق من حمص وريفها من القصير وتر معلة والرستن ودير بعلبة وتلبيسة، كما اعترف أنه قاد جبهة حي القرابيص بحمص مدة شهرين واغتصب فيها عدداً من الحرائر، وأنه مثّل بجثثهن من بعد قتلهن.

ماعليكم، المهم أن وحشاً جزّاراً انعدم فيه الضمير وانتفت منه الإنسانية وقع في شر أعماله، وأرواح ضحاياه وعيونهم من عالم الغيب ترنو إلى عدالةٍ تثأر لهم وتأخذ حقهم، يتوهم المجرمون أنها لاتطالهم ولا تصل  إليهم.

مجزرة جامعة حلب وصمة عار تضاف إلى سجل نظام متوحش دموي، وأبلغ منها وفي نفس اليوم مجزرة الحصوية، التي تم القبض على قائد شبيحتها لينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة.  الأمل بالله كبير أن يتم القبض على مرتكب مجزرة حلب وغيرها من المجازر، لينالوا حسابهم العادل، والأمل أكبر وأكبر أن يفرح السورييون قريباً بالقبض على كبير الشبيحة وكبير مجرميها، فلكل ظالم يوم، ولكل مجرم حكاية، وويل يومئذٍ للمجرمين.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=gFPZNVrHVvY

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=iTD90acPLYk

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=QfXkE2FbY_U

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com