العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16/12/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الطريق إلى الثورة

مازن كم الماز

2012-12-07

القدس العربي

عندما هزم عبد الناصر ونظيره السوري حافظ الاسد في ما سمي يومها بنكسة يونيو حزيران كان على جيل الشباب، خاصة الطلاب، أن يحاول فهم سبب الهزيمة .. يومها أطلق يوسف شاهين عصفوره، محاولا هو أيضا أن يفهم كيف أدى الفساد والاستبداد الذي ارتبطا معا وتطورا معا نتيجة للحكم المطلق العسكري، وكيف انتهيا إلى الهزيمة .. أطلق شباب الجامعات المصرية يومها العنان لمظاهراته وهتافاته بالحرية والصمود، مخترقا أحد أهم محرمات النظام الناصري، لكن هذه الجرأة المفاجئة التي انتابت الشباب بطلابهم وعمالهم تركت أيضا أثرها العميق على النخبة الحاكمة .. بينما اختار قسم من النظام المضي في حرب الاستنزاف بكل آلامها وخسائرها وانتصاراتها، 'تعلم' قسم آخر من الحكام العسكر هو أيضا درسه من الهزيمة، بعد سنوات سيقوم هؤلاء بنقل البندقية إلى الكتف الآخر وبإعلان نهاية الحروب في المنطقة، حروبه هو، وسيتصالح مع خصمه السابق، الخارجي طبعا.. في نهاية الثمانينيات تكرر المشهد بتفاصيل مختلفة، الأنظمة التي اعتبرت نفسها 'اشتراكية' لعقود، وهي تترنح تحت انتفاضات شعوبها وتسقط بالجملة. جزء من البيروقراطية الحاكمة يغير 'قناعاته' أيضا بين ليلة وضحاها ويصبح جزءا من الأنظمة الجديدة أو، كما في روسيا وعدد من دول الاتحاد السوفياتي السابق، سيبقى هو الحاكم الفعلي لكن بمبررات إيديولوجية 'جديدة'، وطنية أو ليبرالية أو نيوليبرالية هذه المرة ..

يومها صمدت الأنظمة العربية المشابهة، لأسباب مختلفة، عقد حافظ الأسد 'مساومة تاريخية' مع الأمريكان، شارك بموجبها بتغطية حرب الخليج الأولى التي مثلت الإعلان الفعلي عن النظام العالمي الجديد مقابل حكم مطلق في لبنان، تركت القوات الأمريكية الظافرة في حرب الخليج حرس صدام الجمهوري وقوات نخبته تنسحب سليمة بينما ذبح آلاف الجنود العراقيين وهم ينسحبون على غير هدى من الكويت، ومن ثم اكتفت بالتفرج على قواته هذه وهي تسحق انتفاضة 1991 في جنوب وشمال العراق .. فقط بعد أن أكملت تلك القوات سحق الانتفاضة باستخدام المدفعية والدبابات والمروحيات ستفرض أمريكا منطقة حظر جوي في الشمال ثم ستضيف إليها منطقة حظر أخرى في الجنوب، إضافة إلى حصار اقتصادي مؤلم دفع ثمنه الباهظ جدا الشعب العراقي، سيمنح المنتصرون في حرب الخليج الأولى صدام حسين 12 عاما أخرى مؤلمة على عرش العراق .. كانت هذه الأنظمة تتحول بسرعة الآن إلى أنظمة عائلية، وأخذت تستخدم السياسات النيوليبرالية لكي تنقل ملكية الكثير من مؤسسات الدولة، التي كانت خاضعة لها (أي للبيروقراطية الحاكمة) لكن بشكل غير مباشر من خلال سيطرة الأخيرة المطلقة على جهاز الدولة، إلى 'رجال أعمال' مرتبطين مباشرة بها (رامي مخلوف، طريف الأخرس، أحمد عز، هشام طلعت مصطفى، آل الطرابلسي زوجة الرئيس التونسي، الخ) أي إلى ملكيتها المباشرة .. وبدأت هذه الأنظمة عملية إعادة توزيع متسارعة للدخل الوطني، كان هدفها الأساسي الانقضاض على الحصة الكبيرة نسبيا للكادحين من الموازنة العامة التي كانت تخصص لتغطية تكاليف عمالة كبيرة نسبيا تابعة 'للقطاع العام الحكومي' ولتغطية نفقات منظومتي تعليم ورعاية صحية شعبيتين كانتا رغم مستواهما الضعيف توفران هذه الخدمات بشكل ما لغالبية الناس ..

ستؤدي سيطرة رجال الأعمال الجدد وخصخصة البلاد عمليا لصالح رأس البيروقراطية الحاكمة بالضرورة إلى إنتاج 'جيل ضائع'، وجد نفسه دون عمل، دون تعليم لائق، بكلمة، دون أمل، دون مستقبل .. منذ الأيام الأولى لظهور الستالينية، عملت البيروقراطية الحاكمة على تفسير الصراع على الشكل التالي : إما هي أو الإمبريالية أو العدو الوطني أو الطبقي في الداخل .. زعمت أنه ليس للناس أي خيار آخر سوى الاستسلام لطغيانها ولاستغلالها، وأن مقاومتها تعني بكل بساطة الخيانة، أي الوقوف مع العدو القومي أو الطبقي أو الوطني .. قامت الستالينية، وأشكالها العربية والعالم ثالثية، على القمع الوحشي للجماهير تحديدا، على دولة بوليسية حقيقية، لكن أيضا على حكمة أساسية هي تحريم أي نقد وتجريمه، فهي لم تتسامح أبدا أبدا مع أي شكل من أشكال المقاومة الشعبية أو التنظيم الشعبي المستقل عنها، كانت القاعدة الرئيسية للحياة في هذه المجتمعات هي أن على كل شيء أن يمر من خلال أجهزة 'أمنها' وأن يبقــــى دائما تـــحت رقابة هذه الأجهزة التي تغلغلت في بنية المجتـــمع كالأخطبوط بل كالسرطان .. هذه الطبيعة القمعية التي بدت مستقرة إلى ما لا نهاية والهدوء الظاهري في الداخل دفع البيروقراطية الدولتية الأمنية العسكرية الحاكمة لأن تتصرف بكل شيء بدرجة عالية من الثقة بقدرتها على مواصلة وتوسيع نهبها وقمعها دون ظهور أية مقاومة جدية لها، سادة كل المنافذ على الناس ...

تمتع ريف دمشق مثلا بنهضة عمرانية بدأت في الثمانينيات ترافقت مع اتساع دمشق نفسها وهجرة قسم من أهلها إلى تلك الضواحي، سرعان ما ارتفعت الأبنية الإسمنتية مكان الحقول الزراعية ذات الدخل السنوي المتواضع وارتفعت معها أسعار الأراضي والبيوت هناك وشهدت المنطقة تحسنا ماديا مهما (حدث مثل هذا في مناطق أخرى كدرعا مثلا لسبب مختلف هو وجود عدد كبير من سكان المنطقة ممن يعملون في الخليج)، لكن البيروقراطية الحاكمة التي رصدت هذا التحسن في الوضع المادي والمعاشي لأصحاب تلك المناطق أرسلت إلى هناك مجموعة من أفسد موظفيها بغرض أساسي، هو محاولة تحويل القسم الأكبر من مكاسب هذا الوضع المعاشي الجديد إلى رصيد الحكام والمالكين الفعليين للبلاد، قام هؤلاء بفرض أشكال غريبة عجيبة من الضرائب المحلية بقصد نهب السكان المحليين وفي النهاية سيجبر الفساد المنفلت الناس هناك على العودة بمستواهم المعاشي لعقود إلى الوراء وسيقوم هؤلاء الموظفون الفاسدون المرتبطون بأعلى هرم السلطة في كثير من الأحيان بالاستيلاء على ممتلكات الناس هناك بأشكال مختلفة وبطريقة مستفزة جدا، كان الغضب يتزايد ولو أنه بقي تحت الرماد، حتى قام شاب تونسي بإحراق نفسه فانفجر كل شيء.

' كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عبد الرحمن الكواكبي وتشريح آليات الاستبداد

شمس الدين الكيلاني

المستقبل

8-12-2012

انتسب الكواكبي (1854/1902) إلى تيار الإصلاحية الإسلامية تلك.أكد، أكثر من أي مفكر فيها، على أن الاستبداد هو رافعة التأخر العربي - الإسلامي. وأن علاج هذا الأمر وما يستتبعه، هو مفتاح لتقدم العرب والمسلمين. أتى كتابه (طباع الاستبداد )كصرخة مدوية في فضاء الاستبداد المديد الذي رقد طويلاً في دنيا العرب .لذا لم يحتمل معانيه وقوة حجته المستبدون، فدفع الكواكبي حياته في ظل السلطان عبدالحميد مسموماً جزاء في زمن عبد الحميد،كما فوجئ الأديب زكريا تامر بالعزل فوراً من رئاسة تحرير مجلة المعرفة السورية، ومن بعدها صار مهاجراً، لأنه تجرأ على وضع مقطعٍ من كتاب طبائع الاستبداد في مقدمة المجلة في عام 1980.

وإذا كان كتابه "طبائع الاستبداد" قد تمركز على نقد استبداد الحكومات الإسلامية بدلالة مشهد السلطة العثمانية المتعثرة، فإن كتابه (أم القرى) صب نقده على العلاقات القائمة بين الأمم الإسلامية، لحساب تصور آخر، مقابل، يقوم على استرجاع دور العرب الريادي في ترتيب البيت الإسلامي، وفي تقدمه، إلا أن كلا من الكتابين يكمل الآخر ويتشابك معه.

فيحيلنا منطق "طبائع الاستبداد" إلى الدعوة للرجوع إلى الإسلام في نقاوته الأولى، الإسلام القائم على الحكمة والعزم، والمحكم لقواعد الحرية السياسية، التي تتوسط الديمقراطية والارستقراطية،كما ظهر في حكومة الخلفاء الراشدين ، ثم ما لبث هذا الطراز النبوي أن أخذ بالتناقص" وصارت الأمة تبكيه، وسيدوم بكاؤها إذا لم تنته إلى تعويضه بطراز شوري وهو ما اهتدى إليه الغرب".

هكذا، يحيلنا الكواكبي إلى وعي ضرورة إحياء الاجتماع الإسلامي على نحو جديد، يعتمد على قيادة العرب له، وهو موضوع (أم القرى) الذي لم يخف فيه اعتقاده بأن من واجب العرب أن يقوموا بالدور الرئيسي للنهضة .ويجمع المؤتمرون على إعادة مركز الثقل إلى العرب، وذلك بتنصيب خليفة عربي من نسب قرشي، يختاره ممثلون عن الأمة، وتكون له سلطة دينية على المسلمين،بجانب السلطات المدنية للدول القائمة ،ففصل بذلك بين السلطتين الدينية والزمنية.

وجمع الكواكبي في خطابه بين إعلاء الدور الريادي للعرب ، وبين إعلاء القيم الدستورية والشورى. فتفرد بين مفكري النهضة والإصلاح الديني بتشديده على مخاطر الاستبداد وعلى ضرورة الحياة الدستورية الشورية لخروج العرب من دائرة الانحطاط. لذا. خصّص كتابه "طبائع الاستبداد" على موضوع واحد وحسب، هو الاستبداد، معترفاً بأن فكره قد استقر "بعد بحث ثلاثين عاماً على أن أصل الانحطاط هو الاستبداد السياسي، ودواؤه هو الشورية الدستورية".

وعرَّف علم السياسة بأنه "إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة" يقابله تعريفه للاستبداد، بأنه "التصرف بالشؤون المشتركة بمقتضى الهدى"، ودرس (الاستبداد) للتعرف على سبيله وأغراضه، وسيره وعلائمه، ودواؤه. وشرح بأن تعريف الاستبداد في اللغة: (غرور المرء برأيه). أما في الإصلاح السياسي، فهو "تصريف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة ". وتوصف الحكومة بالاستبداد "عندما تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب" .أما مصدر الاستبداد، من الناحية التاريخية ،فهو "غفلة الأمة وتقاعسها عن محاسبة الحاكم " .

ويتجلى الاستبداد في جملة الظواهر لا تقتصر على الناحية السياسية، وأول ضحايا الاستبداد بعد أن ضرب في الفرد صدقه مع نفسه، هو الدين، وذلك لإفساده لأهم متمميه: الأخلاق، تاركاً قسمها الثاني: العبادات لأنها تلائمه في الأكثر. فيحول الأديان إلى مجرد عبادات لا تفيد في تطهير النفوس. فالانحراف السياسي يقود إلى الانحراف الديني، وهو ما يظهر في انتشار البدع، التي شوهت الإيمان والأديان. علماً، أن الإسلام مثل كافة الأديان، يقوم على كلمة "لا إله إلا الله". معنى ذلك أن الإنسان لا يعبد سوى الصانع الأعظم. وينزع القداسة عن كل سلطة أخرى: دينية أو حاكمة. وبحدوث التشاكل بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، يتبادل المستبد والمنافقون من رجال الدين أوصاف التقديس والتجميل على حساب الناس. فيتساءل الكواكبي مستنكراً: من يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام وتنزيلهم من المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، والصبر عليهم إذا ظلموا؟

ثم يضرب الاستبداد السلوك الأخلاقي فيضعفه ويفسده، فبعد أن أفقد في الفرد ثقته بذاته وقاده إلى الإحساس بالصغار ،سهّل على المستبد أن يدفع الفرد أيضاً ليتبنى أحكامه عنه: تصغيره لقدراته، واعتناق قيم الرضوخ للاستبداد. فيسهل عليه الانقياد الأعمى مثل الهوام تترامى على النار، حيث يتحول الناس إلى أنانيين فاقدي العزم خالين من الشرف والناموس.

ولا يتوقف خطر الاستبداد، عند الكواكبي، على حاضر الأمة فحسب، بل يتعداه لينال مستقبلها، عندما يُميت فيها إرادة الرقي والتقدم التي من مظاهرها الترقي في الجسم: صحة وتلذذاً. والترقي بالعلم والمال، وفي النفس بالخصال والمفاخر. و بالعائلة استئناساً وتعاوناً، وبالعشيرة عند الطوارئ ، والترقي بالإنسانية، وهذا منتهى الرقي. إذ إن الاستبداد "يقلب السير من الترقي إلى الانحطاط، ومن التقدم إلى التأخر، ومن النماء إلى الفناء حتى يبلغ بالأمة حطة العجماوات، فلا يهمها غير حفظ حياتها الحيوانية فقط".

هكذا يقدم لنا الكواكبي لوحة قائمة على الاجتماع السياسي العربي الذي يحكم الاستبداد، ويرهن رقيه وتقدمه باستلهام الحرية والشورى، ولقد أطلق صرخته المدوية في وجه قومه، منذ قرن قائلاً: يا قوم هداكم الله، إلى من هذا الشقاء المديد، والناس في نعيم مقيم، وعز كريم، أفلا تنظرون؟ ما هذا التأخر، وقد سبقتكم الأقوام ألوف المراحل، حتى صار ما بعد ورائكم أماماً،أفلا تتبعون؟".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غموض "الكيماوي" السوري

منار الرشواني

الغد الاردنية

8-12-2012

ثمة ما يدعو إلى الارتياب المشروع تماماً في توقيت تصاعد الحديث عن استعداد بشار الأسد لاستخدام مخزونه من الأسلحة الكيماوية ضد الثوارالسوريين. أحد المبررات المحقة لهذا الارتياب هو نشر مقابلة العميد المنشق مناف طلاس مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية تحت عنوان "الأسد مستعد لاستخدام الغاز السام"، في ذات اليوم (وهو 2 كانون الأول (ديسمبر) الحالي) الذي نشر فيه الصحفيان ديفيد سانغر وإيريك شميت تقريرهما على موقع "نيويورك تايمز" الأميركية عن "تحريك سورية أسلحتها الكيماوية" (فيما ظهر التقرير في نسخة الصحيفة الورقية في اليوم التالي)، مع أن من البدهي أن المقابلة أجريت قبل أيام من تاريخ نشرها. بعد ذلك مباشرة، بدأت تتكاثر التقارير الصحفية التي يستند كل منها إلى مصادره الأميركية الرسمية الخاصة؛ دبلوماسية واستخباراتية، والمؤكدة لذات الخوف والتهديد (على سبيل المثال، تقرير مجلة "ذي أتلانتك" الأميركية، وتقرير مجلة "وايارد" الأميركية أيضاً، في 3 كانون الأول).

هنا يبدو الاستنتاج الأبسط والأكثر إغراء هو أن حرب تضليل إعلامية أميركية قد بدأت تمهيداً لتدخل عسكري غربي مباشر في سورية، وبما يذكر مباشرة بذات عملية التعبئة الإعلامية ضد أسلحة صدام حسين للدمار الشامل، التي بررت غزو العراق ولم يتم العثور عليها أبداً.

لكن في المقابل، يبدو صحيحاً أيضاً، بل ومرجحاً، ما يذهب إليه "بول وليامز" و"جيه. تريفور أولبريك" و"جوناثان ووربويز" في مقالهم المنشور على موقع مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، يوم الأربعاء الماضي، بأن رد فعل الإدارة الأميركية على مزاعم استعداد نظام الأسد لاستخدام السلاح الكيماوي ضد الثوار، إنما كان مزيداً من الطمأنة للأسد بعدم وجود نية للتدخل العسكري المباشر طالما أن قتل السوريين يتم بأسلحة تقليدية؛ أي أن استخدام السلاح الكيماوي، وليس عدد القتلى على يد النظام والذين زادوا على الأربعين ألفاً، هو فقط ما سيفتح المجال لتدخل عسكري غربي مباشر.

يضاف إلى ذلك، وبما يمنح مصداقية فعلاً لاستعداد نظام الأسد لاستخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري، وصول الحرب بين النظام والثوار إلى مطار دمشق الدولي، وبما يفترض أن يمهد لـ"معركة دمشق" الحاسمة التي يتم الحديث عنها علانية منذ فترة ليست بالقصيرة. وليكون التلويح بالأسلحة غير التقليدية تعبيراً عن موقف اليائس الذي لم يعد لديه ما يخسره.

لكن، هل ما يزال نظام الأسد يملك فعلاً زمام أمره، حتى للإقدام على خيار شمشون "عليّ وعلى أعدائي"؟

هنا يبدو ضرورياً استحضار روسيا في المشهد، باعتبارها المقرر النهائي الآن لمصير الأسد. وبدلاً من الحديث عن مؤامرة أميركية-غربية للتدخل العسكري المباشر بذريعة الأسلحة التقليدية، لم لا يكون صحيحاً أيضاً افتراض مؤامرة روسية لابتزاز الغرب بسلاح الأسد الكيماوي بعد أن تأكد سقوطه مع وصول المعركة إلى قلب دمشق؟ ألا يمكن في هذا السياق قراءة عودة الدور الروسي النشط عبر "المحادثات البناءة" المفاجئة بين وزير الخارجية سيرغي لافروف ونظيرته الأميركية هيلاري كلينتون، يوم الخميس الماضي؟

في النهاية، فإن كل السيناريوهات والفرضيات تحتمل الصحة طالما أن الروس والأميركيين يلتقون على مبدأ أن "السياسة لا تعرف الأخلاق". وبالتالي، فلا قيمة لكل الدم السوري المسفوح، إلا ورقة مفاوضات لا مانع حتى من تعظيمها.

manar.rachwani@alghad.jo

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب البرنامج السياسي ... عقل جديد لعصر جديد .. زهير سالم*

إن من أبسط استحقاقات الربيع العربي أن ينقلنا من حزب الزعيم وحزب الفكرة وحزب الشعار إلى حزب البرنامج السياسي . حين نستمر في التفكير تحت سقف (الماقبل ) لن نفلح في الإنجاز تحت سقف ( المابعد ) . ثمة فالق بين السقفين وليس فارقا فقط . العصر الديمقراطي الحقيقي ليس عصر صندوق يوصلني إلى مقعد البرلمان . والبرلمان ليس منبرا للتدريب على الخطابة أو تسجيل المواقف وإظهار البراعات . بل عدد الأصوات في صندوق الاقتراع هو بطاقة العبور إلى امتحان عسير يقال على إثره هذا (( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ )) . يوم لا ينفع فيه الصدق وحده كما يظن الصادقون بل لا بد مع الصدق من البصيرة والمعرفة والخبرة و الجد والجهد.

 

لقد انكشفت العصر الشعاراتي وانكشفت أحزابه في المراحل السابقة عن عورات مخجلة . ولعل من نعمة الله على دينه ودعوته أن لم يمكن لجماعة دعوية إسلامية في المناخ الشعاراتي شيئا من سلطان. ولن يكون من الحكمة في شيء أن يسعى أهل الصدق إلى الامتحان قبل أن يحكموا شرائط النجاح . من أمثلة الفقهاء المشهورة من تطبب وهو لا يحسن الطب فهو آثم وهو ضامن أيضا . هذا فيمن يغامر بحياة فرد في شخصه أو في عضو من أعضائه ، فكيف بمن يراهن على حياة شعب أو أمة ؟ !

 

إن حصاد التجارب للحكومات التي التحفت اسم الإسلام السني أو الشيعي في أكثر من قطر ليست أقل إخفاقا من تجارب الذين التحفوا العلمانية والقومية .

 

إن تجربة فاشلة على كرسي الحكم هي أقسى في تداعياتها وانعكاساتها على الفكرة والدعوة وعلى العقول والقلوب والضمائر من أي محنة نزلت بالدعوة والداعية على مدى قرن مضى . الناس يتعاطفون مع الضحية ، ويقسون سلفا على صاحب السلطان .

 

 وأكثر الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل ...

 

أخشى أن أكون قد انجرفتُ للحديث عن ربح وخسارة للمبالغة في قرع جرس إنذار. الفاجعة الوطنية من أي تجربة عاثرة ستكون أكبر من أي فاجعة تحل بفريق .

 

 حين نجد أنفسنا أمام استحقاق عصر ديمقراطي يجب أن ندرك ونعترف أن قضايا هذا العصر لا تعالج بكاريزما الأشخاص . ولا بتهوج الشعارات ، ولا برنين عبارات الخطباء والمصلحين ، ولا بإلقاء اللوم على المتآمرين والمستعمرين واقتصاد السوق اللعين . ..

 

لقد خلف الاستبداد والفساد وراءه عبئا ثقيلا . وفي الوقت الذي كان فيه الخوف يكمم الأفواه ؛ سنواجه اليوم الألسنة الحداد واستحقاق أن الناس تريد كل شيء وفي وقت واحد . وعلى الهوية سيكون هناك جنود مجندة تفتح النار على كل من يرفع شعارا لا يوائم المتربصين ..

 

 وأكثر الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل

 

العبء الثقيل يقتضي الشراكة فلنفكر بعقلية الشريك يبحث عن شريكه . وانتشار الفساد وآثاره تقتضي المعالجة النوعية فلنستعد لكل داء بالدواء . حزب البرنامج الذي يجمعنا على المتفق عليه المرحلي يجعل قاعدة الفعل الوطني أوسع ، وعقول وقلوب وسواعد المتعاونين على رفع العبء أوثق وأرشد .

 

في مجتمعنا هناك رواسب أحزاب . رواسب أفكار كثير منها فقدت ظلها . والتمترس وراءها سيجعلنا كمن ما يزال يتمترس وراء فرز يوم صفين في عصر لا علي ولا معاوية فيه .

 

لن أستبعد أن يجد العقل السياسي السوري مرتكزاته الجديدة . بل لعل من غرض هذا المقال الدعوة إلى ذلك . غرض هذا المقال أن يرفع مظلة جامعة يدعو كل من يقتنع أن يبادر إلى رفعها . مظلة تحدد برنامج عمل لمواطن يؤمن بالثوابت الراسخة في حياة السوريين ويريد أن يجد أعوانا أو أن يكون عونا على الحق الذي يريد ...

الأربعاء 12/12/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار وخيار شمشون والعالم المشغول بالكيماوي!! * ياسر الزعاترة

الدستور

8-12-2012

طوال الأسبوع الماضي لم نسمع غير جدل الأسلحة الكيماوية في سوريا، حتى أن الغضب الذي رشح عن جهاد مقدسي، أحد أهم أبواق النظام (انشق وقالوا أقيل) قد جرى تفسيره بإشارته إلى وجود تلك الأسلحة في تصريح له قبل شهور قليلة، لكأن الكيان الصهيوني كان في حاجة إلى إشارة من هذا النوع كي يعلم بامتلاك النظام لتلك الأسلحة!!

لم تبق دولة غربية، وصولا إلى مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وتبعا لذلك مسؤولي الأمم المتحدة إلا وحذر النظام من استخدام تلك الأسلحة، وشملت الزفة مسؤولين من روسيا أكدوا أنهم تلقوا تأكيدات من النظام بأنه لن يستخدمها.

كنا إذا أمام زفة نفاق دولي غير مسبوقة، ظاهرها الحرص على أرواح السوريين من الأسلحة الكيماوية، وباطنها تصويب الأنظار إلى تلك الأسلحة الكيماوية كي لا تقع في “أيدٍ غير أمينة” قد تستخدمها ضد الكيان الصهيوني، وقد رأينا أفواجا من المخبرين والخبراء (دعك من طائرات التجسس) يتدفقون إلى الحدود السورية لمراقبة حركة النظام السوري على هذا الصعيد. نقول نفاقا دوليا لأن ما فعله النظام بالشعب السوري طيلة 20 شهرا لا يقل سوءا عن استخدام الأسلحة الكيماوية، فقد دمر البلد من أقصاه إلى أقصاه وقتل 40 ألفا من السوريين، إلى جانب مئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين، وأكثر من ذلك من المشردين.

يحدث ذلك بعدما بات الجميع على قناعة بأن النظام يتداعى يوما إثر آخر، وأن سيطرته على الأرض تتقلص بشكل سريع، حتى أن مطار دمشق لم يعد آمنا لهبوط الطائرات، فيما يفكر النظام في فتح مطار زراعي في محافظة اللاذقية، الأمر الذي استدعى بالضرورة السيناريو (ب) كما صاغه العقل الإيراني ممثلا في الدولية العلوية.

الروس وهم حلفاء بشار تحدثوا صراحة عن رجل فقد الأمل في النجاة أو الهرب، ما يشير إلى ميله إلى خيار شمشمون (تدمير البلد على رؤوس من فيه)، وقد ذهب محلل روسي إلى أن فرصته في الفرار لم تعد متوفرة لأن القادة العلويين (27 ألف ضابط) في الجيش، بحسب صحيفة الغارديان البريطانية لن يسمحوا له بذلك، هم الذين يحيطون به بعد أن فرَّ معظم الضباط السنة، باستثناء قلة قليلة (1400) من أصل (4000) يبدو أنهم يتواجدون في الثكنات ولا دور لهم عمليا في القتال.

في هذه الأجواء، مال الروس إلى تقديم تنازلات سياسية تمثلت في إجراء حوار في دبلن مع واشنطن بحضور الأخضر الإبراهيمي من أجل البحث عن مخرج، لكنهم عادوا وقالوا على لسان رئيس الكتلة البرلمانية لحزب بوتين في الدوما إن قدرتهم على التأثير في قرارات بشار باتت محدودة، الأمر الذي يعني أن طهران، وربما القلة التي تحيط به هي الأكثر تأثيرا في قراره.

ويبدو أن هدف لقاء الروس والأمريكان هو الحديث عن اليوم التالي، أكثر من الحديث عن سيناريو حل سياسي، وإن لم يغيبوا هذا الاحتمال في حال تمكن النظام من الصمود لأسابيع أخرى تكفي للبحث عن مخرج، والواضح أن واشنطن لا تريد للقوى الإسلامية ذات الحضور الكبير في الثورة، على الأرض وبين أعضاء الائتلاف الوطني وقيادة الخارج، لا تريد لهم أن يتحكموا بالوضع الجديد، وفي هذا السياق جاءت خطوة وضع جبهة النصرة في قائمة الإرهاب، مع أن الأمر يتجاوزها كما يبدو إلى عموم الإسلاميين.

حراك سياسي وعسكري محموم من الصعب الجزم بطبيعة نهايته بشكل واضح، لاسيما أن خيار شمشون يمكن أن ينطبق على تصعيد التدمير واللجوء إلى خيار الدويلة العلوية، رغم أملها المعدوم بالبقاء، أو تصعيده أكثر فأكثر بحثا عن مخرج سياسي يرتبه الروس مع الغرب إذا تمكنوا من ذلك.

سيعتمد ذلك كله على تمدد الثوار على الأرض، ومن ثم قدرتهم على استباق أي حل سياسي بإسقاط النظام، مع ما يترتب عليه من فوضى لاحقة لا بد من التفكير بكيفية ضبطها بسرعة، ومن ضمن ذلك الحفاظ على السلاح الكيماوي الذي هو ملك الشعب السوري أيضا، وكذلك حال سائر المؤسسات والأسلحة والممتلكات.

الأسوأ أن تصعيد حالة الفوضى سيكون خيارا مناسبا لأركان النظام حتى لو أيقنوا بسقوطه، ربما لأنهم يعتقدون أن ذلك قد يخفف الضغط عليهم، كما سيكون في صالح إيران التي تريد مزيدا من الفوضى كي يُدمَّر البلد ويغدو عاجزا عن التأثير على منجزاتها في العراق ولبنان.

ما يجري جرائم بشعة يتواطأ على تنفيذها النظام المجرم وشبيحته، ومن يلتفون حوله من العسكر والأمنيين، وكذلك روسيا وإيران، بل وأيضا الغرب الذي لا يعنيه سوى السلاح الكيماوي لأجل الكيان الصهيوني. ولا بد تبعا لذلك من حراك تركي عربي يحول دون المزيد من القتل والتدمير، ويؤمِّن انتقالا للسلطة يصب في صالح الشعب السوري.

إنهم لا يريدون لهذه الثورة النبيلة أن تقطف ثمار انتصارها على نحو معقول، بل يريدون لها أن ترث بلد مدمرا تسوده الفوضى، لكن السوريين سيتمكنون من لملمة جراحهم والنهوض من جديد رغم بشاعة المؤامرة.

التاريخ : 08-12-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تطهير المعارضة السورية

مصطفى زين

السبت ٨ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

خضع المعارضون السوريون، قبل البدء بعملية التدمير المنهجية للدولة والمجتمع، لاختبارات أميركية وأوروبية كثيرة، اضطلعت بها مراكز أبحاث وأجهزة استخبارات، لمعرفة قدرة هذا أو ذاك على مواجهة النظام، ومدى تأثيره في محيطه، وكيف يمكن دفعه إلى مزيد من التصلب، وما مدى الإفادة منه في زعزعة الوضع. واقتصرت الاختبارات على مجموعة من المثقفين وزعماء الأحزاب والطوائف. وهذا أمر طبيعي تلجأ إليه الدول الكبرى، تمهيداً لرسم سياساتها.

في المقابل، كان النظام يُخضع معارضيه لعملية تدجين، مستخدماً أساليبه المعروفة في القمع والسجن والنفي، غير مبال بتأثير ذلك في سمعته الدولية والمحلية.

نتذكر في هذا الإطار ربيع دمشق، وسجن مثقفين معارضين وردود الفعل على اعتقالهم، وحملات التضامن معهم، ونتذكر أيضاً أن النظام حاول فتح حوار مع بعضهم وفشل، لأنه لم يكن صادقاً في مسعاه، ولم يكن مستعداً لتلبية أبسط ما يطالبون به، فخضع سلوكه هو أيضاً للدراسة، وكتبت آلاف الدراسات والأبحاث، بعضها صادق وجادّ وكثيرها مجرد ادعاءات، إما معه أو ضده.

الآن، أصبحت الإختبارات عملية، ولم يعد سراً أن «كتائب» من الاستخبارات والوحدات الخاصة انتشرت في محيط سورية وداخلها، من تركيا إلى لبنان والأردن والعراق، والمهمة واحدة: تقويم الأداء العسكري والسياسي للمعارضة المسلحة، تمهيداً لاختيار ما يناسب خطط ما بعد سقوط النظام، أو تحضيراً للحوار معه، بعدما حُجِّم تأثيره في الداخل والخارج، وبعدما أصبحت سورية، نظاماً وأحزاباً وجماعات دينية وعرقية، تدور في فلك هذه الدولة أو تلك، خصوصاً أنها فقدت غطاءها الجامع، أي العروبة، التي أضحت عبئاً على «الربيع العربي» وتحالفاته، من تونس إلى مصر.

خلصت الاستخبارات إلى أن فشل «المجلس الوطني» في مهمته تجلى في عدم قدرته على أن يكون له حضور فاعل على الأرض، وفي عدم رضوخ الجماعات المسلحة لأي من قراراته، وفي الفوضى المالية والتسليحية في صفوف المعارضين، لذا نعته وزيرة الخارجية الأميركية، واستبدل بـ «الائتلاف الوطني»، الذي خضع منذ إنشائه لاختبارات كثيرة لم ينجح في أي منها. لم يستطع توحيد المسلحين تحت قيادة واحدة، ولم تتوافق مكوناته على برنامج سياسي يرضي رعاته، ويشكل خريطة لإعادة توحيد السوريين.

والواقع أن فشل التجربتين، «المجلس» و»الائتلاف»، يعكس الواقع على الأرض، فـ «الجهاديون» يسعون إلى القضاء على أي طائفة أو جهة تخالف شرعهم، والإخوان المسلمون يقاتلون لإلحاق سورية بربيعهم، و»الجيش الحر» مكون من شراذم المنشقين والمدنيين ولا هدف له سوى إسقاط النظام، فضلاً عن أنه لا يتبع جهة محددة، فضباطه يتلقون المساعدات المالية والعسكرية بناء على «بلاء» كل منهم في القتال، فيلجأون إلى تدمير كل ما يقع في طريقهم لإثبات جدارتهم أمام الممولين.

بعد فشل كل هذه الاختبارات، تدخلت الولايات المتحدة في محاولة لوضع حد للفوضى، تمهيداً لاعتماد قيادة قادرة على جمع شتات المسلحين، وبدأت الضغط على كل الجهات لتطهير صفوفها من أعدائها، فوضعت «جبهة النصرة» على قائمة الإرهاب، وقد تضع جماعات أخرى على هذه القائمة لحرمانها من المساعدات المالية والعسكرية، فعملية التطهير مستمرة في صفوف الحلفاء، والحروب مستمرة، وتدمير سورية مستمر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استباحة الطبقة الوسطى في سورية

طلال المَيْهَني *

السبت ٨ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

لا تحظى الطبقة الوسطى بقسط وافر من القراءة المتأنية ضمن المشهد السوري. والمقصود بالطبقة الوسطى، في هذا المقال، هي تلك التي تتصف بموقع اجتماعي/اقتصادي يضم خليطاً من الموظفين، والمعلّمين، والعمّال المَهَرَة، والتجّار والحرفيين، والصناعيين الصغار والصاعدين تحت مسمى البرجوازية الصغيرة في التجمعات المدينية.

ومع أن هذه الطبقة كانتْ تاريخياً ذات طابع تقليدي ومحافظ سياسياً، إلا أن تأثيرات الانفتاح الثقافي المتسارع، ووجود هامش معقول لحرية السوق السورية حتى أواخر الخمسينيات، كانت تبشّر بمستقبل واعد لأن تتحول هذه الطبقة إلى حامل حقيقي لنهضة حداثية شاملة. لكن شكّل مجيء دولة الوحدة كردّ على المد الشيوعي، وما حملته من إرث ناصري، ومشاريع أيديولوجية حالمة، ضربةً مؤلمةً للنضج التدريجي لهذه الطبقة. بدأ ذلك بمصادرة حقوق الملكية الفردية بطريقة تَعَسّفية عبر التأميم والإصلاح الزراعي (أثر أساساً على البرجوازية الكبيرة). وتلا ذلك فترة أكثر راديكالية وَسَمَت الستينات مع صعود الجناح البعثي لصلاح جديد الذي اتّبع سياسةً تأميميةً قاسية، وحصر العمل النقابي والحزبي في قوالب مستنسخة عن الحزب الحاكم الأوحد، مع تغييرات اجتماعية كانت صادمةً في حينها بالنسبة لبعض الشرائح المحافظة.

أدى تحطيم البرجوازية الكبيرة إلى توجّس البرجوازية الصغيرة، وتشكيل رضّ عميق في الثقة بين السلطة كمفهوم مجرّد وبين المجتمع بمكوناته المختلفة. وترافق ذلك مع ظهور القطاع العام الذي حمل في جعْبته بذور تنكسّه في غياب التنافسية، وصادر السوق لحساب السلطة التي تماهَتْ بدورها مع الدولة وقامتْ بتغييبها بشكل مشوّه. وأثّر ذلك على نوعية المنْتَج الذي بدأ بالانحدار على كل المستويات، وسيطر الخوف من إمكانية المصادرة وفق «قوانين اعتباطية» تصدرها سلطة فَرَضَتْ نفسها عنفياً فوق القوانين.

ولو عدْنا إلى ما قبل البعث وتمعّنا في بنية الطبقة الوسطى وامتداداتها لوجدنا حالةً من الانشطار السياسي والجغرافي. كان هذا جليّاً مثلاً في التفاف البرجوازية الحلبية حول حزب الشعب، مقابل التفاف نظيرتها الدمشقية حول الحزب الوطني. وقد شكّل هذا الانشطار ثنائيةً قطبيةً وَسَمَتْ المشهد السوري لعقود. وفي مرحلة ما بعد قدوم البعث، ترسّخ هذا الانشطار وازداد عمقاً ليأخذ شكل التشظي، مما ولّد انقطاعاً في نسيج هذه الطبقة التي تَمَوْضَعَتْ شظاياها بشكل كانتوني ومبَعْثَر، عوضاً عن تواصلها المتجانس على امتداد الوطن، وترافق ذلك مع تجاوز الروابط الأهلية وعدم تعويضها بقيم مدنية، مما قد يفسر الخوف واللاتجانس في ارتكاسها تجاه أي تغيير (في دمشق وحلب).

سعى حافظ الأسد إلى استمالة الطبقة الوسطى بخاصة في دمشق، في حين حاول ابنه التقرب منها في حلب كتعويض عن إهمال مزمن في عهد الأسد الأب. ومع بتر العمل النقابي والحزبي بعد تجميده إيديولوجياً، وكبْت الحريات، ومصادرة السوق، نجح النظام في خلق تحالف مبَطن مستند إلى مصالح مشتركة مع الطبقة الوسطى الضعيفة أصلاً، مما منحها فرصة النجاة من الفناء والتهميش الكامل، ووفّر لها فرصة البقاء والاستمرار في مستوىً شبه مقبول (نسبياً). لكن بقيت الثقة مفقودةً، فالتحالف المبَطن لم يعدو كونه تقارباً مصْلحياً حَذِراً في ظل وضع هش وغير سليم تعاقدياً، دون أن يضمن الديمومة.

وبرزتْ، في عهد الأسد الابن، طبقة برجوازية طفَيْلِية وحوتِيّة، لا ترتبط ببقايا البرجوازية التقليدية، حيث ضمّتْ تشكيلةً جديدةً من المتسلقين الذين استفادوا من الفساد المستشري والقوانين المثقوبة والمفَصّلة على المقاس. مع الإشارة إلى أن علاقة هؤلاء مع السلطة تتجاوز التحالف المبَطن لتغدو علاقةً عضويةً ذات أساس وجودي ومتَمَاه ومعتمد، منشأً وتوسعاً، على وجود السلطة.

كان لكل هذه العوامل المذكورة انعكاسات خطيرة على الطبقة الوسطى بصيغتها البرجوازية الصغيرة الحرة، حيث أعاقت نضجها، وبَتَرَتْ اهتمامها بالشأن العام (والسياسة خصوصاً)، وجعلتها تستثني نفسها تلقائياً من أي تغيير يصيب البلاد، منطلقةً من قاعدة الحفاظ على مصالحها الآنية والمكافِئة للبقاء على قيد الحياة، ومستندةً إلى تجربة تاريخية قاسية لا تودّ تكرارها. ومن الناحية العملية يبدو أن النأي عن الشأن العام كان شرطاً ضمنياً للسماح لهذه الطبقة بالاستمرار. هذا الانكفاء الشامل شلّ الاهتمام بما هو خارج حدود الشأن الخاص، وعزّز الأنانية والانتهازية ذات التركيز المفْرِط على الذات، على حساب رابطة المواطنة التي تم حصرها في شعارات مجوّفة، وجعل جزءاً مهماً من هذه الطبقة مكوّناً رئيسياً للشريحة الصامتة في المشهد السوري الحالي.

ومع تهميش شرائح واسعة في المجتمع، خاصةً الشرائح التي لم تهتم السلطة بعقد (أو الاستمرار بعقد) تحالفات مبَطنة أو ظاهرية معها (لغياب المصلحة من وجهة نظر السلطة)، نما سخط ترافق مع تقلص الطبقة الوسطى وسيرها نحو اضمحلال تدريجي، وجعل ذلك من التغيير في سورية قضيةً مرتبطةً بشكل رئيسي بالطبقات المهمشة أو النخبة المثقفة (إنْ وجِدت)، دون أن يكون للطبقة الوسطى دور نَشِط يتناسب مع كفاءتها وموقعها كونها هشّة ورهينة للاستقرار الكاذب الذي يشيعه المستبد، مما أظهر اصطفافها السياسي في حلّة رمادية.

التغيير البنّاء والإيجابي في سورية صعب وبطيء ومشروط بتذليل الكثير من العقبات، ومنها تحرير الطبقة الوسطى، التي استبيحتْ تاريخياً، وتحويلها من طبقة منكسرة منكمشة عاجزة عن الفعل، ومكتفية بأخذ دور المتفرج المتألم على وطن يغرق، إلى طبقة مستنيرة وفاعلة في تحقيق التغيير، وفي الحفاظ عليه وحمايته بعد تحقيقه. وفي رأيي فالطبقة الوسطى الحرة هي الأمثل لقيادة أو توجيه أي تغيير بأقل الخسائر، مع تقليل جرعة الألم، وتحقيق السلم الأهلي، والحفاظ على هياكل الدولة في الحاضر، والارتقاء بها في المستقبل. ولعل ضعف الطبقة الوسطى في سورية، وغيابها عن المشهد، كان أحد العوامل الكثيرة التي تضافرتْ لتنتج ما آل إليه الوضع السوري. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجدل البيزنطي

حسين العودات

التاريخ: 08 ديسمبر 2012

البيان

بقيت المعارضة السورية منذ بدء الانتفاضة حتى الآن تناور وتداور وتختلف حول وحدتها وبرنامجها وقيادتها، كما اختلف أهل القسطنطينية حول جنس الملائكة إن كانوا ذكوراً أم إناثاً، وكادت تقوم بينهم حرب أهلية، مما سهل للقائد التركي محمد الفاتح احتلالها وإسقاط الإمبراطورية البيزنطية، ومنذ ذلك الوقت ذهب مثلاً القول (بالجدل البيزنطي). ويبدو أن المعارضة السورية تعيد الكرة بشكل مختلف وبما يتناسب مع ظروف العصر، وقد أدى اختلافها إلى تنحيتها جانباً وسلبها أي قدرة حقيقية على التأثير في الأزمة السورية وفي مستقبل النظام السوري، رغم محاولة هذه المعارضة أن تتحول من المجلس الوطني السوري إلى هيئة ائتلاف قوى المعارضة والثورة.

تشكل المجلس الوطني في الشهر التاسع من عام 2011 خلال أيام، وكان عبارة عن تجمع شخصيات وطنية سورية تعيش في المهجر متحالفة مع بعض التنظيمات السياسية الأخرى، وعلى التحديد مع الإخوان المسلمين وإعلان دمشق، وكان تشكيله المتسرع رداً على تشكيل هيئة التنسيق الوطنية التي كانت قد شُكلت في الداخل السوري قبل شهرين من ذلك التاريخ.

ولم تُتح الفرصة للمجلس الوطني بسبب استعجال تشكيله، لإعداد برنامج شامل يسير في هديه، فتبنى موضوعاً واحداً وحيداً كبرنامج هو الدعوة للتدخل العسكري الأجنبي لإسقاط النظام الاستبدادي السوري، دون أن يهتم بإعطاء الأولوية لوحدة المعارضة مع الحراك الشعبي، وبوضع برنامج نضالي داخلي من شأنه تفكيك النظام السياسي و إسقاطه.

ودون حتى أن يأخذ في اعتباره أن التدخل العسكري الأجنبي ليس قراراً يتخذه هو وإنما تتخذه دول لها مصالحها وحساباتها واستراتيجياتها، واستمر المجلس الوطني مصراً على تحقيق هذا الهدف وبيع الوهم للشعب السوري دون امتلاك شروطه الموضوعية، واعتقَد أنه هدف في متناول اليد وأن التدخل العسكري قادم، وسيـأتي فرسان المجلس الوطني في إثره على أحصنة بيضاء ليحكموا سوريا، ولذلك رفضوا واقعياً مباشرة أو مداورة، أي وحدة للمعارضة السورية، ليستأثروا هم وحدهم بوراثة النظام.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف تنازلوا كثيراً لدول أخرى، وأذعنوا لمطالبها، ونقلوا حل الأزمة السورية إلى الخارج، وأشغلوا أنفسهم بالسفر والمؤتمرات والتصريحات التلفزيونية الاستعراضية والنارية، واعتقدوا أن هذا الحراك يحل المشكلة ويسقط النظام ، ولكن قيادة المجلس الوطني ما لبثت أن أدركت أن المسألة أكثر تعقيداً مما تظن وأن الفجوة ازدادت بين المجلس وبين أطراف المعارضة الأخرى وبينه وبين الحراك الشعبي ثم بينه وبين المعارضة المسلحة، وبقي وحيداً في ميدانه، مرتهناً لمن يقدم له المساعدات.

حتى أعلنت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية بنفسها فشله، وبدأ المجلس يتصدع ويتفكك وكاد أن يتلاشى، إلى أن اضطر لإعادة هيكلته أمام انعقاد مؤتمر هيئة الائتلاف الصاعدة والمدعومة من الدول نفسها التي كانت تدعمه، وقبل بالترضية بأن يكون ثلث أعضاء الجمعية العمومية للائتلاف من بين أعضائه.

جاء الائتلاف الذي عُقد في الدوحة، وريثاً للمجلس الوطني ويبدو أنه بدأ يسير في الخط نفسه الذي سار عليه المجلس الوطني، أي أنه لم يهتم كثيراً حتى الآن في برنامجه بوحدة فصائل المعارضة ولم يشر إليها، وأخذ ينادي بطلب الدعم العسكري الأجنبي، وتجاهل وضع برنامج سياسي شامل متعدد الجوانب لحل الأزمة السورية، كما تجاهل إقامة علاقات جدية مع الحراك الشعبي، ومع فصائل المعارضة الأخرى، وخاصة المعارضة المسلحة. وهكذا يكاد يقع في أخطاء المجلس الوطني، كما سار الخطوة الأولى في التحول إلى هيئة بيروقراطية، يهتم أولاً بتشكيل اللجان، وبعقد المؤتمرات وإطلاق التصريحات النارية دون تأثير جدي في الأزمة السورية.

وهكذا، وأمام أخطاء المعارضة الداخلية والخارجية وعجزها عن وضع برنامج نضالي وممارسته، تحول حل الأزمة السورية إلى يد القوى المسلحة المتصارعة، أعني الجيش السوري من جانب والمعارضة المسلحة من جانب آخر، وتهمش دور القيادة السياسية للنظام من جهة وقيادة المعارضة السياسية من جهة أخرى، فما زالت المعارضة تبحث عن جنس الملائكة ونُحيت جانباً، دون أن يبقى لها أهمية جدية في حل الأزمة، وتكاد تفقد دورها الذي لا غنى عنه.

إن حل الأزمة السورية المستعصية يتوقف الآن على الحسم العسكري كما يبدو، وقد أصبح الحسم الآن حكراً للصراع العسكري، وإذا ما انتصرت المعارضة المسلحة (ولاشك عندي بأنها ستنتصر) فهي التي ستحدد طبيعة المرحلة الانتقالية وحيثياتها وإجراءاتها، والمراحل التي ستمر بها وطبيعة النظام السياسي المقبل وهيكليته، وكل ما يتعلق بسورية في المرحلة المقبلة، وليس المعارضة السياسية هي التي ستقرر ذلك، ولعل القول بغير هذا هو حراثة في البحر، ولغو لا يؤدي إلى أي قرار.

لعل المفارقة أن سورية تمر بأصعب أزمة في تاريخها، وفصائل المعارضة السورية التي ناضلت عشرات السنين ضد هذا النظام الاستبدادي القمعي، والتي اكتسبت خبرات هامة من خلال نضالها، لم تستطع حتى الآن، أن توحد جهودها، وتقرر برنامجاً موحداً شاملاً لمواجهة هذا النظام، ومازالت تتناقش في تحديد جنس الملائكة، أعني تتجادل في شروط وحدتها أو توحيد جهودها، لتصد عن الشعب السوري غائلة الاستبداد والقمع والقهر والتدمير، ومازالت تنتظر الخارج كي يقرر مستقبل الشعب السوري، بدلاً من أن تعتمد على إمكانيات شعبها بالدرجة الأولى ، فلن يكون الدعم الخارجي سوى عامل مساعد فقط .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيماوي الأسد

عامر أرناؤوط

عكاظ

8-12-2012

أثارت ردود فعل الخارجية السورية النافية عزمها استخدام الأسلحة الكيميائية ضد شعبها حملة غربية ــ عربية متواصلة ومركزة حذرت من خطر انتقال واستخدام هذه الأسلحة بفعل تصدع وتداعي النظام هناك. هذه الردود النافية تحمل تأكيدات قطعية بوجود هذا الخطر الداهم المحتمل، وتزيد من فرص التصعيد الإقليمي والدولي باعتبار أنها تقوض الأمن فيه، وتشكّل خطرا استراتيجيا على دول المحيط السوري سواء القريب جغرافيا من مناطق تخزين هذه الأسلحة، أو الذي يمكن أن يكون عرضة لمرماها بفعل ضعف الدولة السورية، وتفسخها وانحلال قدرتها على الإمساك بمساحة الوطن السوري.طبعا هذا التصعيد الإعلامي غير المسبوق مهد موضوعيا لنشر صواريخ الباتريوت على الحدود التركية ــ السورية، ويمكن أن يشكل مادة إجماع دولي قد يخترق هذه المرة الفيتو الروسي ــ الصيني انطلاقا من قناعة ربما أصبحت لدى روسيا والصين أن النظام السوري فقد قدرته على الحكم، وبات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، فهل يمكن أن يفعلها بشار الأسد كما فعلها علي المجيد في العراق؟ ليتحول بشار بعدها إلى بشار « كيماوي الأسد» أم أن هذه الأسلحة خرجت أساسا من سيطرته وربما تتحضر بفعل التفاهم الروسي ــ الأمريكي للدخول ولو خارج القرارات الدولية لحماية بلده أولا، وتجنيب المنطقة ويلات استخدام متهور محتمل. فإن كان الاستخدام أمرا واردا في أي لحظة فأعتقد أن اللعبة اقتربت من خط النهاية، وأن الأسد الذي يسمع عقارب ساعة النهاية تضج بها أذناه ربما يفاجأ بمقرب منه يتركه لكن هذه المرة ليس بهدوء جهاد المقدسي إنما بصخب يطيح برأسه محققا العدالة للسوريين، ومنتصرا للآلاف من المظلومين هناك فالعدل يقول: القاتل يقتل ولو بعد حين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيرالله خيرالله / الأسلحة الكيمياوية ... فصل أخير في سورية!

الرأي العام

12-12-2012

فجأة عادت الاسلحة الكيمياوية السورية الى الواجهة بعد غياب دام نحو ثلاثة اشهر. لا تمنع هذه العودة التساؤل هل في الامكان استخدام هذه الاسلحة لابادة قسم من الشعب السوري...او على الاصحّ الانتصار عليه؟ الأكيد أنّ الاسلحة لن تحمي النظام. الثورة السورية اكبر بكثير من الاسلحة الكيمياوية ومن ايّ اسلحة اخرى. انها ثورة حقيقية تثبت كلّ يوم أنّ الشعب السوري لا يمكن اخضاعه وأنّ ليس في استطاعته تحمّل الذلّ والقهر والعبودية الى ما لا نهاية باسم شعارات فضفاضة لا تنطلي الاّ على السذّج من نوع «المقاومة» و«الممانعة» و«الكرامة» وما شابه ذلك.

كذلك، لن تساعد الاسلحة الكيمياوية في اقامة الدولة العلوية وهي البديل من سيطرة العائلة الحاكمة على كلّ سورية، كما كانت عليه الحال منذ العام 1970. فالاسلحة الكيمياوية يمكن ان تساهم، في حال استخدامها، في تسريع سقوط النظام الذي تخرج من تحت سيطرته يوميا مساحات من الاراضي والقرى والبلدات والمدن والمواقع العسكرية المهمّة.

كانت المرة الاولى التي اثيرت فيها قضية الاسلحة الكيمياوية السورية، في مرحلة ما بعد اندلاع الثورة، في ايلول- سبتمبر الماضي. صدر فجأة تحذير عن الرئيس باراك اوباما من النتائج التي ستترتب على لجوء النظام الى هذا السلاح. تبيّن لاحقا أن كلام الرئيس الاميركي الذي تلاه كلام مشابه صدر عن وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك جاء بعد نقل كمية من المواد الكيمياوية في آب- اغسطس من قاعدة قريبة من دمشق يخزّن فيها هذا النوع من الاسلحة الى منطقة قريبة من مدينة طرطوس الساحلية.

نامت قضية الاسلحة الكيمياوية ثلاثة اشهر ثم عادت الى الواجهة قبل ايّام بعد اشتداد المعارك في ريف دمشق واحياء تعتبر جزءا لا يتجزّأ من العاصمة، بل في قلب دمشق.

هناك بكل بساطة هاجس اميركي- اسرائيلي من احتمال انتقال الاسلحة الكيمياوية الى لبنان في حال فقدان النظام سيطرته عليها او في حال كانت لديه رغبة في اشعال المنطقة تنفيذا لشعار «عليّ وعلى اعدائي ياربّ». وقد رفع هذا الشعار رجل الاعمال الابرز وصاحب النفوذ الواسع في سورية ويدعى رامي مخلوف (ابن خال الرئيس بشّار الاسد) في لقاء مع الصحافي الاميركي اللبناني الاصل انطوني شديد نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» قبل ما يزيد على سنة. وكان مؤسفا ان انطوني شديد، الذي كتب بعض افضل التحقيقات عن النظام السوري وطريقة تصرفه واستحالة تغيير اساليبه، قضى في شباط - فبراير الماضي اثر أزمة ربو تعرّض لها في طريقه إلى الداخل السوري، راكبا على بغل، عبر الحدود الشمالية للبنان.

كان مثيرا بعد ايام من اطلاق اوباما تحذيره الاوّل في شأن الاسلحة الكيمياوية خروج الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله الى العلن كي يؤكّد ان حزبه لا يمكن ان يلجأ الى استخدام السلاح الكيمياوي وذلك لاسباب مرتبطة بالشرع. ترك كلام نصرالله ارتياحا لدى الاوساط الدولية التي كانت تخشى من انتقال المخزون الكيمياوي الى الحزب الايراني الذي يسيطر على اجزاء لا بأس بها من الاراضي اللبنانية، اضافة الى امتلاكه كميات كبيرة من الصواريخ المتوسطة المدى.

تبدو عودة قضيّة الاسلحة الكيمياوية الى الواجهة مجددا دليلا على أن معركة دمشق تقترب من نقطة الحسم. صحيح ان النظام حشد آلاف الجنود و«الشبّيحة» ومئات الدبابات لمنع وصول الثوار الى العاصمة، لكنّ الصحيح ايضا أنه يدرك أن عليه المباشرة في البحث عن بديل. ما لا يدركه النظام أنّه تأخّر كثيرا في ذلك وأن البديل الوحيد امامه يتمثّل في الرحيل اليوم قبل غد. هل لا يزال في الامكان ايجاد بلد على استعداد لاستقبال العائلة؟ الجواب بكلّ بساطة أن روسيا لا تزال مكانا مناسبا لذلك. لم تكن الدولة العلوية يوما بديلا يمكن الاعتماد عليه، حتى لو نقلت كل الاسلحة الكيمياوية اليها. حتى روسيا بدأت في استيعاب هذه المعادلة، في حين لا تزال ايران تراهن على انها قادرة على السيطرة على لبنان من جهة وتأمين منفذ لهذه الدولة الى الاراضي التي يسيطر عليها «حزب الله» في منطقة البقاع من جهة اخرى.

هذا الرهان على الدولة العلوية ساقط حتما لسبب في غاية البساطة عائد الى أن حمص ما زالت صامدة على الرغم من تهجير عشرات الآلاف من اهلها وتدمير قسم منها.

عمليا، تحوّلت الاسلحة الكيمياوية الموجودة في نحو ثلاثين موقعا الى عبء على النظام السوري. كان مطلوبا أن يعترف مسؤول سوري بوجودها، وهذا ما فعله الناطق الفار جهاد مقدسي، كي يتوفّر غطاء دولي لنشر حلف الاطلسي صواريخ «باتريوت» على طول الحدود التركية. هذه الصواريخ ستوفّر بطريقة او بأخرى حماية لمنطقة يمكن أن يلجأ اليها السوريون الهاربون من النظام وقمعه. بكلام اوضح، ستكون هذه الصواريخ جزءا من منظومة تضمن قيام منطقة يحظر على سلاح الجوّ السوري التحليق فيها.

ما الكلام عن الاسلحة الكيميائية سوى فصل جديد من فصول الازمة السورية التي هي في الاصل ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته. قد تكون الفصل الاخير او الفصل ما قبل الاخير من الازمة التي تتجاوز حدود الكيان السوري والتي تشير الى أن عملية اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط بدأت فعلا وأنّ ما بدأ بالزلزال العراقي لن يتوقف عند الحدود السورية التي عرفناها...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

علويّو أميركا!

مرح البقاعي *

الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

في مناسبة أقيمت في متحف الهولوكوست بواشنطن أخيراً، صرّح السفير الأميركي بيتر غالبريث، الذي شهد المذابح التطهيرية في يوغوسلافيا السابقة، ما مفاده أن «المذابح المقبلة في العالم سترتكب بحقّ الطائفة العلويّة في سورية»!

نشرت هذا التصريح الملتبس صحيفة النيويورك تايمز في مقال كتبه (للمفارقة) المدير التننفيذي للمركز الدولي لمبدأ مسؤولية حماية المدنيين، سيمون آدمز، وهو المبدأ الذي يفترض أن يكون الحامل القانوني الأممي لحماية مدنيي سورية من إرهاب الدولة المنظم الذي راح ضحيّته قرابة خمسين ألف مدني قضى 90 في المئة منهم نتيجة القصف الجوّي للمدن والبلدات بالطائرات القتالية.

منذ قيام سلطة الأسد الأب في 1970 وحصرْها في قبضته مستعيناً بأفراد من أسرته وأسرة زوجته من آل مخلوف وشاليش، استطاع الرأس المدبّر لحروب الإبادة الجماعية التي يشنّها الأسد الابن بالنيابة عن أبيه اليوم، أن يسوّق للغرب فكرة حماية الأقليات في سورية بريادة علوية، وآلة حرب أسديّة، مارست التطهير المذهبي المنظّم منذ أحداث حماة في 1982 وصولاً إلى الأعمال العسكرية المفرطة على الأراضي السوريّة كافّة منذ اندلاع الثورة السوريّة الماجدة في 2011.

لم تدرك الولايات المتحدة الرسمية، المصابة بعقد تاريخية عدة، على رأسها إخفاقات فييتنام والبوسنة والعراق، لم تدرك الطبيعة التوفيقية والاندماجية بين مكونات الشعب السوري، بنسيجه العرقي والقومي والديني والأيديولوجي، الذي تجلّى بأعلى صوره في وحدة الهدف السوري في إسقاط نظام الأسد برموزه السلطوية الاستبدادية. تلك الصور تنأى بالطائفة العلوية عن ممارسات حفنة من جلّاديها كانت أولى ضحاياهم من صلبها النخبوي: صلاح جديد مثالاً!

نعم، لقد استطاع حافظ الأسد، بالتفاف سياسي منفذه الحالة الإقليمية الاستثنائية للمعادلة الأمنية الإسرائيلية، أن يحدث اختراقاً باهظاً في مناعة الغرب السياسية التي رجّحت كفّة الاستبداد الأسدي في لبوسه الطائفي قبالة أمن الجار الإسرائيلي الحليف المتنامي والمزدهر بفعل جبهته الشمالية الأهدأ في التاريخ العالمي الحربي، والتي كان الضامن لها حال اللاحرب واللاسلم التي أحكم من خلالها الأسد الأب سلطته على سورية وعلى الدماغ السياسي الأميركي في آن.

ولم تأتِ سياسات الابن بشار إلا تمكيناً واستتباعاً لنقلات أحجار الشطرنج التي أوثق عروتها حافظ الأب متّخذاً من ذراع «الصمود والمقاومة» أداة شرعية لدسّ الأفيون في عروق العالم العربي والإسلامي الذي ما زال بعضه يرى في نظام دمشق العروة الوثقى في وجه الحلم الإسرائيلي في المنطقة، غاضّاً الطرف عن السرطان الجديد بأذرعه المتطاولة باتجاه منابع الغاز والنفط العربية: إيران - الحليف العقائدي والاستراتيجي لآل الأسد (المتشيّعين بحكم المصلحة).

الأمر الأفدح يكمن في الاصطفاف الفرنسي، عن جهل أو دراية، في الخانة الأميركية لهاجس الأمن الأقلويّ w سورية ما بعد ثورة 2011، والذي يتبدّى في الموقف الملتوي من الدعم غير المشروط لهيئات الحرام السياسي للمعارضة السورية، الدعم الذي يترنّح بين نقيضيه الإعلامي المطلق والإجرائي المقنّن. وليس بعيداً من الهاجس الأميركي هذا ما جرى في لقائي بمعاون وزير الخارجية الفرنسي لشؤون الشرق الأوسط، السفير فرانسوا جيرو، في مكتبه بباريس، الذي بادرني بمطالبة واضحة من المعارضة السورية بالإعلان عن تطمينات لأبناء الطائفة العلوية بحفظ أمنهم وسلامتهم إثر سقوط النظام.

حين كتب صديقي (العلوي بالمولد) الراحل سعدالله ونوس، مسرحية «الفيل يا ملك الزمان»، أراد أن يشير إلى استباحة «الملك» وامتهانه للشعب المرهوب من خلال التلويح بالقمع الطائفي، وبأدواته، في إطلاقه للفيل الباطش. هذا الفيل أعيد إطلاقه، تكراراً، وفي غير مرة هدّد فيها الشعب السوري العظيم عرش طاغية سورية الأكبر حافظ الأسد ومن بعده الأصغر، وعادت وأفلتت عنانه مستشارة القصر الرئاسي السوري، بثينة شعبان، حين بشّرت العالم بالاقتتال الطائفي في سورية في الأشهر الأولى من الثورة السلمية بالفطرة، ابتداءً، والمسلّحة، لاحقاً، بفعل الضرورة التي فرضها العنف الحكومي الممنهج.

وعلى رغم طغيان هذا العنف المدجّج بصنوف الأسلحة الحربية الثقيلة وبجحافل الشبّيحة والمرتزقة الذين ينتمون إلى عقيدة صناعة الموت وحسب، فقد كانت حوادث الانتقام على المستوى الطائفي نادرة ومعزولة تقتصر على ظواهر متطرفة تمّ استيعابها وتقويمها بالسرعة القصوى على يد حراس الثورة المخلصين. وسيستمر هؤلاء في حماية الثورة، فكراً وممارسة، من التحوّل بفعل الاستبداد إلى ذلك «الفيل» الذي إنما أراده به ونوس مقتلاً للجلّاد لا للضحيّة.

فصل المقال في رسالة الثورة وقواها الدفاعية عن حقوق الإنسان السوري - منبع الفعل الثوري ومصبّه - إلى الولايات المتّحدة الأميركية وفرنسا، ومن حذا حذو مخاوفهما، في دعوة عاجلة لقراءة مجريات التأريخ السوري الذي يصوغه الشعب بدم أبنائه، لا سياسات الأمر الواقع الذي تفصّله السلطة على مقاس استمرارها الباهظ، قراءة متأنية وعادلة، في الهواء الطلق، بعيداً من قبّة متحف الهولوكوست.

* كاتبة سورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. أميركا والإرهاب

طارق الحميد

الشرق الاوسط

12-12-2012

لا شك أن كل محب لسوريا الدولة، وكل متعاطف مع الثورة السورية، يدرك خطورة تفشي الإرهاب، والمجاميع الإرهابية، هناك، بل إن العقلاء حذروا، ومنذ بدء الثورة السورية، من ذلك الخطر. لكن اللافت اليوم أن واشنطن تعلن وضع «جبهة النصرة» المقاتلة في سوريا على لائحتها السوداء. وقد يقول قائل: ما الغريب في هذا؟

الغريب بالطبع أن واشنطن تضع مجموعة مقاتلة على لائحة الاتهام قبل أن تعترف أساسا بالمجموعة الأهم اعترافا رسميا وهي الائتلاف السوري. وبالطبع يتردد أن أميركا تنوي الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري في اجتماع المغرب، لكن الملاحظة هنا أنه كان من الأولى بواشنطن أن تعترف بالائتلاف السوري الشرعي أولا، وكان الأولى أيضا، وهذا ما طالب به العقلاء منذ اندلاع الثورة السورية، أن تبادر واشنطن للاقتراب من المعارضة السورية أكثر، وتحديدا الجيش الحر. فكلما كان هناك تنظيم واضح متماسك للثورة، قل منسوب الإرهاب والإرهابيين في سوريا. فمع تواصل جرائم النظام الأسدي الوحشية، يجب أن لا نستغرب تطرف حتى المعتدل، فمقتل ما يزيد على أربعين ألف سوري من شأنه أن يفقد العاقل صوابه.

ولذا فقد كان من الأحرى بواشنطن أن تبادر سريعا، وكما فعل العرب، والأوروبيون، بالاعتراف بالائتلاف الوطني السوري كممثل وحيد للشعب السوري، فمن شأن ذلك أن يقطع الطريق على الإرهاب، والإرهابيين، اليوم، وحتى بعد سقوط الأسد، وبالطبع فإنه لا ضامن لعدم ظهور مجاميع إرهابية بعد سقوط الأسد، لكن على الأقل ستكون الكتلة السورية العقلانية هي صاحبة اليد العليا، كونها الأقوى والمعترف بها، ليتسنى لها دحر هؤلاء الإرهابيين.

فتأخر واشنطن في اتخاذ الحلول الناجعة في سوريا هو الذي سيدفع إلى زيادة الإرهابيين، وهو ما يعقد الأمور، خاصة أن واشنطن أظهرت قلقا كبيرا على الأقليات في سوريا، وفي الوقت الذي كانت الأكثرية هي التي تعاني من جحيم الأسد، والقضية هنا ليست قضية أقلية مقابل أكثرية، بل هي قصة عدم وضوح الرؤيا الأميركية في هذا الملف بمنطقتنا، حيث التناقض الصارخ بين مواقف واشنطن في العراق، مثلا، في قصة الأقلية والأكثرية، ومواقفها كذلك تجاه الدستور المصري المطروح، ورغم اعتراض الأقليات، وشريحة لا يستهان بها من المجتمع المدني المصري. فما تحتاجه المنطقة، ومن جميع القوى الدولية المؤثرة بما فيها أميركا، هو المساعدة على ترسيخ الاستقرار، ووفق شروط منصفة، وعادلة، لكل المنطقة، وهي شروط مستحقة، وليست بدعة، مثل حفظ الحقوق للجميع، وحماية الدولة، لأن انفراط عقد دول المنطقة ستكون له عواقب وخيمة على أمن المنطقة، والمجتمع الدولي، وكذلك نصرة المظلوم، والحالة السورية تمثل أكبر نموذج صارخ للتقاعس الأميركي، حيث لا يعقل أن يقتل الأسد شعبه وأميركا تتحدث عن حماية الأقليات، وتقوم بإدراج مجموعة إرهابية سورية على القائمة السوداء قبل أن تعترف أساسا اعترافا كاملا بالائتلاف الوطني السوري.

ولكي لا يفسر الأمر هنا على أنه نصرة لما يسمى بجبهة النصرة، فإن المقصود وبلغة واضحة هو أن الأجدى بالأميركيين أن يعترفوا أولا اعترافا كاملا بالائتلاف الوطني السوري؛ فالاعتراف بالعقلاء يقلل من مخاطر الأشرار، وأيا كانوا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من حزب الزعيم وحزب الفكرة إلى حزب البرنامج  .. )حزب إزالة الأنقاض (.. زهير سالم*

الحزب السياسي : هو مجموعة من الناس تجتمع لتتعاون على تحقيق هدف سياسي عام مشروع . يتحرك الحزب وسط المجتمع الذي ينتمي إليه لإقناع الناس بهدفه وبصحة برامجه وموثوقية رجاله . فإذا نجح في ذلك في أي دورة انتخابية أصبح من حقه أن يوظف كل إمكانات الدولة ومواردها في خدمة المشروع الذي يتحول بالاختيار الانتخابي من برنامج حزبي إلى برنامج وطني .

 

ومع أن الحياة الحزبية في صيغها القائمة هي ظاهرة حديثة نسبيا في تاريخ الحضارة الإنسانية ، إلا أن تطورا مهما ما يزال يعالج فكرة تكوين الأحزاب وتطوراتها البنيوية .

 

 في الأزمات العامة يكون الهم العام في الغالب موحدا للقوى والتيارات . فينشأ في عهود الاستعمار ما يعبر عنه بأحزاب الاستقلال أو جبهات التحرير أو الكتل الوطنية . وفي هذه المراحل غالبا ما يكون مدار الحزب الراعي لعملية التحرر من الاستعمار على الرموز الوطنية التي تقود عملية النضال. والرمز أو الشخص الذي يتزعم الحزب قد يكون زعيما اقطاعيا أو اقتصاديا أو جهويا أو دينيا حسب بنية المجتمع الذي يتحرك فيه .

 

مع الأسف لا يزال الكثير من أبناء مجتمعاتنا يشعرون بدينونة داخلية مبررة مسبقة لمثل هذه الرموز . في دراسة سياسية لتركيبة المجموعات الماركسية في الجنوب اليمني لاحظ أحد المحللين الفرنسيين على سبيل السخرية أن أغلب زعامات الجماعات الماركسية التي حكمت الجنوب ، كانت من أسر تدعي أصلا شرف الانتماء لطبقة السادة . ( آل البيت ) .وأنه حتى الجماهير الماركسية كانت تشعر بالارتياح إلى زعيم من السادة يقودها  تحت شعار ( لا إله ... )

 

تزدهر أحزاب الأفراد أو الأسر بازدهار قياداتها . نستطيع أن نلمح مثل هذه الزعامات بوضوح في لبنان حيث يتداخل الأسري بالعشائري والطائفي . وفي الباكستان حيث يظل الأمر السياسي بعد موت الزعيم ممتدا إلى البنين والبنات .

 

ثم مع تطور الأفق الثقافي والفكري ما زال هذا الموقف يلقي ظلاله على الخلفية النفسية لصناعة القيادات أو القبول بها في مجتمعات وجماعات لا تزال كفة المعطى الفكري  فيها خفيفة.

 

في شكل آخر من أشكال التعبيرات الحزبية نجد الأحزاب العصبوية على خلفيات كثيرة تسعى لإثبات وجودها والدفاع عن مصالحها لتحقيق المزيد من المكتسبات لمنتسبيها . والعصبيات قد تكون عصبيات مصالح اقتصادية أو اجتماعية أو طائفية أو قومية أو جهوية . إن أصحاب هذه العصبيات سيكونون قادرين على التواصل لرعاية مصالحهم على اختلافها عندما يكونون قلة محدودة دون أن يحتاجوا إلى تشكيل حزب أو نقابة إلا لإكساب نضالهم الطابع المدني القانوني . يرى المفكرون في قيام الأحزاب والتجمعات على أساس هذه العصبيات دليلا على انحلال الأمة وتمزقها وذهاب ريحها .

 

في مجلى آخر من مجالي الحياة الحزبية انتشرت بعد الحرب العالمية الأولى تقريبا فكرة ما أطلق عليه الأحزاب العقائدية ( الايديولوجية ) والأحزاب القومية التي امتدت فكرتها إلى عالمنا العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر لتزدهر هذه الأحزاب بفكرها عقائد ومبادئ ورؤى وتطلعات على مدى القرن العشرين  . ثم لتجد كبوتها محليا بعد الخامس من حزيران . وعالميا بسقوط الاتحاد السوفياتي مخلية المجال على المستوى العالمي للفكر الليبرالي ، الذي أعلن انتصاره من طرف واحد بكتاب ( نهاية التاريخ ) وعلى المستوى الإقليمي للفكر الإسلامي الذي عانت قياداته على مدى قرن محنا مستمرة أكسبته صلابة ومنعة وجماهيرية وفي الوقت نفسه أعطته عبرا ودروسا عملية نظن أنه قد آن الأوان ليستفيد الجميع منها ..

 

هذه العرضة السريعة والمجملة لأشكال الحياة الحزبية لا تسعى للتأشير على نمط من الأنماط السابقة على أنه صح أو خطأ . إن استحقاقات الثورة العربية اليوم بكل بهائها وزخمها وتجاربها المؤلمة والمبشرة تضع أمام أبناء الجيل حقائق لابد منها . وأول هذه الحقائق أن الحياة الحزبية المنظمة هي أساس الحياة الديمقراطية . الديمقراطية التي يعبر عنها في النهاية رقم في صندوق الاقتراع . وعلى كل صاحب مشروع حريص على نفاذه أن يقدم للناس ما يقنعهم وما يتيح له أن يحتفظ بقناعتهم على المدى الطويل ...

 

إنه في تنظيم حزبي أو تجمع أو مجموعة عمل لخدمة مشروع عام من الضروري أن نستفيد من سمعة الرجال أصحاب المصداقية الجمعية مهما تكن خلفية هذه المصداقية . ومن الضروري أن يوظف مد العقائد والأفكار بأبعادها الروحية والعقلية  وانعكاساتها على الحاضر  والمستقبل . ومع ذلك يبقى واقعنا الوطني وواقعنا القومي كأمة تريد أن تنبعث من تحت الأنقاض بحاجة إلى الحزب السياسي الذي يجمع الطاقات ويوحدها على برنامج عمل واضح الأبعاد ، محدد الخطوات ، يعلن عن نفسه بكلام موزون مقفى بسقف زمني لكل ما يطرح من أهداف ..

 

لبناء الحزب الوطني الحامل لعبء مرحلة ما بعد ..يجب أن يتوقف حديث الشعر والرؤية والحلم . وأن يترك الوقوف على شواطئ البحر للمسبحين والعاشقين . استمتعنا طويلا بالحلم ولكن أوطاننا بقيت خرابا .

 

نعم يجب أن يتوقف الحديث عن الأحزاب الحالمة والأفكار الحالمة والمشروعات الأفكار الطوباوية ....

 

إن أول ما تحتاجه سورية اليوم حزب برامجي يأخذ على عاتقه إزالة الأنقاض : أنقاض الأفكار وأنقاض العواطف وأنقاض الإنسان وأنقاض العمران .  والتأسيس لبناء مجتمع المستقبل ودولة المستقبل .

 

إن الانتساب إلى حزب إزالة الأنقاض ووضع حجر الأساس في زوايا التكوين والتعليم والصحة والإتقان العام . والأهم من كل ذلك التأسيس لعلاقة الإنسان بالإنسان . عمال الباتون وعمال المطافي وجنود الحروب في خندقهم المشترك رغم اختلافاتهم يدركون أسرار هذه العلاقة .

 

هل سيكفي خمس سنوات لمثل هذا البرنامج . سأقبل رأس من يفعل ذلك في عشر سنوات . ..

 

الأحد 9/12/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف ننقذ سوريا؟

جاكسون ديل

الشرق الاوسط

12-12-2012

أكثر ما يثير المخاوف بشأن سوريا، من وجهة نظر الغرب ربما يكون الفجوة بين السيناريوهات المخيفة التي يناقشها المسؤولون بشأن ما قد يحدث فيما بعد واستراتيجياتهم الضعيفة للحيلولة دون ذلك.

تمثل سوريا في الوقت الراهن بالنسبة لإدارة أوباما صومالا ثانية إلى حد ما - غير أنها في قلب الشرق الأوسط، وتمتلك ثالث أكبر مخزون من الأسلحة الكيماوية في العالم. وقد حاول أحد المسؤولين مؤخرا التنبؤ بالمستقبل القريب لهذه الحرب التي ستتحول فيها من حرب أهلية بين طرفين إلى حرب تشترك فيها جميع الأطراف، يقاتل فيها السنة الأكراد وسيقاتلون سويا العلويين من بقايا جيش بشار الأسد، حيث تسيطر جبهة النصرة التابعة لـ«القاعدة» على أجزاء حيوية من البلاد، وحيث لا يأتي خطر استخدام الأسلحة الكيماوية من النظام بل من أي قوة أخرى تسيطر على مستودع الأسلحة الكيماوية.

وكان لمسؤول فرنسي بارز في واشنطن الأسبوع الماضي وجهة نظره الخاصة، حيث قال إنه بعد خسارة معركة دمشق سيلجأ الأسد وقواته إلى انسحاب على مرحلتين، الأولى إلى وسط مدينة حمص ومناطقها النائية على طول الحدود اللبنانية، ثم كملاذ أخير إلى معقل العلويين على الساحل الشمالي لسوريا. وأضاف أن ذلك قد لا يحدث خلال أسابيع، لكنه قد يتطلب شهورا.

إذا، كيف يمكننا وقف هذا؟ أقامت الولايات المتحدة وفرنسا وبعض الدول العربية والحلفاء الأوروبيين، مؤتمرا دبلوماسيا هذا الأسبوع في مراكش، المغرب، طمعا في تعزيز التحالف السياسي المعارض الذي توصلوا إليه الشهر الماضي، المعروف باسم التحالف الوطني السوري. وقد تعترف به إدارة أوباما مؤخرا بها كحكومة سورية شرعية. ستظهر الكثير من الوثائق حول جبهة النصرة، والتي ستضاف إلى قائمة المنظمات الإرهابية بوزارة الخارجية.

لم يقتنع أحد أن ذلك سيوقف السيناريوهات المرعبة من الحدوث، أهم الأسباب في ذلك أن التحالف لم يتوصل بعد إلى بناء روابط قوية - غياب القيادة والسيطرة - مع العشرات من وحدات مقاتلي الثوار عبر البلاد، على الرغم من أن تشكيل مجلس عسكري للمقاتلين خلال الأسبوع الماضي كان خطوة في الاتجاه الصحيح. يحصل التحالف على المال من فرنسا وعدد من الحكومات الأخرى، لكن محامو وزارة الخارجية أكدوا أن الولايات المتحدة لا يمكنها تمويل منظمات الثوار بشكل مباشر. في الوقت ذاته ازدهرت وحدات «القاعدة» بإسهامات غير مباشرة من بعض الدول.

وجهة النظر الأميركية بشأن نجاح استراتيجيتها تعتمد على مجموعة استثنائية من الأحداث غير المتوقعة. أولا، سيسيطر التحالف على قوات الثوار، ثم تجبر روسيا والمنشقون العلويون الأسد على التنحي، ثم تكون هناك مفاوضات تؤدي إلى اتفاق حول حكومة انتقالية.

وربما يكون السيناريو الأكثر ترجيحا هي أن تتحسن حظوظ الغرب وينهار نظام الأسد في دمشق في وقت قريب. خلال هذا الفراغ الناشئ سيحصل التحالف على اعتراف العالم الخارجي وستسير سوريا في نفس مسار ليبيا الهش، حيث تتعايش الحكومة مع مجموعة من الميليشيات، التي يرتبط بعضها بـ«القاعدة». والاختلاف هو أن أي تدفق للإرهابيين والأسلحة لن يؤثر على مالي بل على إسرائيل وتركيا والعراق والأردن.

السبب الرئيسي في أن ذلك مستبعد الحدوث هو أن أسوأ سيناريوهات الغرب تبدو معقولة بالنسبة للأسد والنخبة العلوية، وراعيهم الأساسي، إيران. فترى الطائفة الحاكمة الأقلية أن الاحتماء داخل معقل محصن، أفضل من المخاطرة بالتعرض للإبادة على يد السنة الراغبين في الانتقام. أما إيران الشيعية فتفضل أن تكون أحد اللاعبين في إحداث الفوضى في سوريا، عن أن ترى حليفا استراتيجيا يتحول إلى الكتلة السنية المناوئة لها.

إذا اتخذت الحرب السورية هذا المسار المتوقع، كيف ستحمي الولايات المتحدة وحلفاؤها مصالحها؟ يبدو أنه لا تتوافر لدى المسؤولين خطة، سوى الأمل في ألا يقع السيناريو الذي يفكرون فيه. الخطوة الأوضح تتمثل في الحرص على أن تكون القوات التي يفضلها الغرب - غالبية وحدات مقاتلي الثوار - جيدة التسليح على الأقل ومسلحة بقدر العلويين والجهاديين. لكن حتى الوقت الراهن تؤكد الولايات المتحدة على العكس، برفضها تقديم المساعدات العسكرية للثوار العلمانيين على الرغم من تسليح الحكومات الإسلامية لمجموعات الثوار المفضلة لديها.

بالنسبة للأسلحة الكيماوية، يأمل الغرب في ألا يكون الأسد جادا بشأن استخدامها، على الرغم من التقارير المتواترة بشأن مزج سلائف غاز السارين في القنابل. لكن ماذا إن فعل؟ حذر الرئيس أوباما مرة أخرى الأسبوع الماضي من عواقب - لكن هل الولايات المتحدة مستعدة للقيام بعمل عسكري سريع في حال وقوع هجوم مفاجئ بالأسلحة الكيماوية؟ وإن لم تكن كذلك، فكيف ستتمكن من وقف الفظائع التي ترتكب؟

أضف ذلك إلى الأسئلة التي لم يتمكن حضور مؤتمر «أصدقاء سوريا» في المغرب من الإجابة عنها.

*خدمة «واشنطن بوست»

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جبهة النصرة اليوم والجيش الحر غدا

2012-12-10

القدس العربي

من نافل القول ان الغرب تفرج على الشعب السوري وهو يقتل على مدار عشرين شهراً، ولم يحرك ساكناً لرفع الظلم عنه، قصفت بيوته بالبراميل المتفجرة، وغمست لقمته بالدماء، وذبح أطفاله بالسكاكين. ليس لم يحرك الغرب ساكناً فحسب، بل تصرف بأسلوب خبيث بحيث يطيل عمر نظام الأسد، بقصد إنهاك سورية وتحضير البديل المناسب الذي يتمكن من خدمة الكيان الصهيوني على وجه الخصوص.

اليوم تتغير الأمور على الأرض، فقد استطاع الجيش الحر أن يصل إلى دمشق ويسيطر على بعض أجزائها، وتتحرك قواته في الغوطة الشرقية كلها بمنتهى الحرية، وقد يستطيع السيطرة قريباً على مطار دمشق الدولي.

أمريكا بمخابراتها وأقمارها الصناعية، أدركت أن النظام السوري انتهى وأن الغلبة الآن للثوار، وإن النصر قريب لا محالة. ولما كانت هذه الثورة قد انتصرت وحدها دون مساعدة المجتمع الدولي، وبالتالي فلن يسمع الثوار أحداً، ولن يطيعوا أمريكا أوغيرها. أراد الغرب أن يدخل بسرعة على خط الثورة السورية ليكون له نصيب فيها ويستطيع التحكم بها.

إشارتان واضحتان تؤكدان ما أذهب إليه، الأولى تصريحات كلنتون بأن الإدارة الأمريكية تعتبر جبهة النصرة منظمة إرهابية. والغريب في هذا، أن جبهة النصرة تقاتل جيش العدو الأسدي في سورية، ولا تقاتل أمريكا ولا تتعرض لمصالحها، ولاتهدد سفاراتها أو تستهدف مدنييها. وفوق ذلك فكيف تعتبر أمريكا أن الأسد فاقد للشرعية ويقتل شعبه وتعتبر في الوقت نفسه أن الجبهة المدافعة عن الشعب السوري والمقاتلة باسمه منظمة إرهابية. ثم من أولئك الذين اشتكوا لأمريكا من جبهة النصرة ومن تصرفاتها، وما هي المصالح العالمية أو الإقليمية التي هددتها هذه الجبهة أو اعتدت عليها.

جبهة النصرة تفتح الأفران في سورية من أموالها، وتوزع أكثر من عشرين ألف ربطة خبز يومياً، وتعالج المصابين، وترسل الحالات الخطرة على حساب أعضائها إلى خارج البلاد ليحصلوا على العلاج. وباختصار فإن الولايات المتحدة، أرادت من هذا الإعلان، أن تستبق نصر السوريين الذي ساهمت فيه جبهة النصرة مساهمة فعالة، بطريقة تمكنها من التدخل عسكرياً وسياسياً حال سقوط النظام، لتضمن مصالحها في البلاد من خلال اعتبار جبهة النصرة خطرا على مصالح أمريكا في المنطقة.

الحديث اليوم عن إرهاب جبهة النصرة، معناه بشكل واضح أن الولايات المتحدة ستبدأ قريباً بالإشارة إلى إرهاب الجيش الحر كله، ثم ستقف ضده وتقاتله وتألب العالم عليه، فليس الجبهة في خطر بل الجيش الحر برمته. ولهذا وجب على قادة الكتائب جميعهم رفض هذه التصريحات واستنكارها.

الإشارة الثانية، هي تلك التصريحات المحمومة التي تعبر عن الخوف من استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية. والحقيقة فإن الغرب يفضح نفسه بهذه التصريحات فهو يقول: إنه يجوز قتل الشعب السوري بالطائرات والمدفعية ويجوز ذبحه بالسكاكين ولكن ليس بالسلاح الكيماوي.

قد يكون صحيحاً أنه لا يوجد أصلا لدى بشار الأسد أي أسلحة من هذا القبيل، وإلا لاستخدمها منذ اللحظة الأولى. وقد يكون صحيحاً أنه استخدمها في الخالدية وبابا عمرو في بداية الثورة، حيث غضت أمريكا الطرف عنه. لكن الصحيح الثابت، أن أمريكا توحي للعالم، أنها ستكون مضطرة للتدخل في حال الاقتراب من خطها الأحمر الجديد، لحماية الشعب السوري، وما تريد بذلك إلا اختطاف الثورة من أصحابها. وأعتقد أن التقارير التي تنشرها الصحافة الأمريكية حول تجهيز الأسد لغاز السارين، هي مقدمة ذلك التدخل، و قد توحي أمريكا للأسد أن يفعلها ثم تنقلب عليه وتجد حجة التدخل.

مرة أخرى لا نستغرب الأمر من أعدائنا، ولكننا نستغرب خاصة أن ائتلاف قوى المعارضة لم يصدر بيانا حتى اللحظة يستهجن فيه تصريحات الإدارة الأمريكية حول جبهة النصرة، وحول مغزى الحديث عن الأسلحة الكيماوية الآن. في الوقت الذي صمتت فيه أمريكا عن تذبيح الشعب السوري كل هذه المدة.

أما العار كل العار فهو لبعض السوريين من أدعياء المعارضة الذين رحب بعضهم سراً وبعضهم علناً بتصريحات الخارجية الأمريكية حول جبهة النصرة، في الوقت الذي تقاتل فيه هذه الجبهة لحماية السوريين كلهم من بطش النظام وجبروته.

د. عوض السليمان - فرنسا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رجال دولة أم عصابة سلطة في سوريا؟

د. عبد الله تركماني()

المستقبل

11-12-2012

هل يمكن لدولة أن تهاجم مدنها كما تهاجم قوات سلطة آل الأسد المدن السورية ؟ وما هي الحاجة إلى الدبابات والمدرعات والمدافع والطائرات؟ وإذا كان حجم " الإرهابيين " صغيراً، كما تدّعي السلطة، فلماذا تقصف المدن والأحياء؟ وكيف نفسر أنّ أرقام الضحايا من قتلى، ومصابين، ومفقودين، ولاجئين، ومعتقلين وصلت إلى مئات الآلاف؟

من المؤكد لكل بصر وبصيرة أنّ من يحكم سوريا ليسوا رجال دولة بأي حال من الأحوال، وإنما مجرد عصابة تحكم باسم الدولة. وللأمر صلة بشيء واحد قائم جوهرياً على العنف، لأنّ بنية مصالح هذه السلطة قائمة على الامتياز، ودوامها معتمد على الاستثناء، فإما أن تسود سيادة مطلقة على ما كان الحال طوال أكثر من أربعين عاماً، أو تبيد وتستأصل تماماً.

لقد أوغلت أجهزة السلطة الأمنية في دم السوريين وأعراضهم وممتلكاتهم وحياتهم طوال عقود، بحيث سيطر على قياداتها شعور بأنّ مصيرها مرتبط بمصير سلطة آل الأسد. كما عملت السياسة الطائفية للسلطة على إحكام سيطرتها على أبناء الطائفة العلوية الكريمة واستخدامهم أداة لخدمة بقائها واستمرارها، وتعمل اليوم على إثارة خوف أبناء الطائفة، وأبناء الأقليات الأخرى، من الصعود السني الموهوم، الذي سيهدد وجود الطوائف السورية غير السنية وامتيازات بعضها.

وحين تسقط هذه السلطة ويتم فتح سجلها القذر، سيعلم الجميع مدى تجذر النظام المافيوزي اسدي ومدى تشعب خدماته لأعداء الشعب السوري، وكلها غير مشروعة ولا قانونية. وستكشف الأيام القادمة أنّ اسد الأب اختار أن يتصرف كزعيم عصابة ضيق افق ومحدود الطموح، كل همه أن يورّث سوريا ولاده من بعده. كما أنّ وريثه برر مجازر شبيحته حين قال عن القتل، بحجة أنّ سوريا مريضة وتحتاج إلى عملية جراحية " عندما يدخل الطبيب الجراح إلى غرفة العمليات، ويفتح الجرح، وينزف الجرح، ويقطع، ويستأصل، ويبتر... ماذا نقول له تبت يداك هي ملوثة بالدماء ؟ أم نقول له سلمت يداك لأنك أنقذت المريض؟ ".

إنّ الوريث بشار لا يعتبر الشعب مصدراً لشرعية الحكم، وإنما موضوعاً له، وبما أنه كذلك فهو مصدر للفتنة والاحتجاج والثورة. والسقف الوطني بالنسبة إليه لا يرتكز على المواطنة وما تنطوي عليه من حقوق في الحرية والعدالة والمساواة أمام القانون، وإنما هو أولاً الحكم، وثانياً "حقه" هو المكتسب، وربما "الطبيعي"، للبقاء في سدته، أي أنّ الوريث غير الشرعي يختزل الوطن في شخصه.

بل أنه يتلاعب بالمكونات الطائفية والمذهبية والعرقية من خلال تحريض بعضها على البعض الآخر، وتشكيل ميلشيات منها تحت اسم " الشبيحة " دفاعاً عن سلطة آل الأسد " حامية الأقليات ".

لقد عطل هذا الواقع القسري المفروض على سورية، نتيجة غياب رجال دولة أكفاء في موقع القرار وانعدام حس القيادة الواعية وعدم وجود أدنى وازع أخلاقي مسؤول لدى صنّاع القرار، كافة مواقع التنمية والعمل والفاعلية والإنتاج لدى المواطن السوري، وضاقت به سبل الحياة والعيش حتى بأدنى مقوماته، وبدأ الجميع بالبحث عن ملاذات آمنة من هول البطش المفروض عليهم.

إنّ الحلقة الضيقة المتنفذة في سلطة آل الأسد لم تقرأ فحوى التغيّرات التي فرضها ربيع الثورات العربية، ولم تستوعب أبعاد الشعارات التي رفعها الشعب السوري " الشعب يريد إسقاط النظام " و " الشعب السوري ما بينذل " ومطالبته بالحرية والكرامة. ولهذا السبب فإنّ محنة الشعب السوري استمرت منذ عشرين شهراً، وهذا الأمر يبدو أنه لا يهم العصابة الحاكمة في شيء، لأنها تعتقد أنّ هدف البقاء في السلطة يتحقق بالقتل والدمار والتشريد، وتلك عقيدة فاشية انتحارية مغلقة.

ومن المؤكد أنّ الحل الأمني لن ينفع سلطة رعناء دخلت في معركة وجودية مع شعبها، الذي أعطاها فرصاً عديدة كي تصلح وتعمل وتنمّي وتخدم شعبها ومجتمعها.. ولكنها لم تفعل بسبب عدم وجود نية أصلاً ولا إرادة لفعل الإصلاح والبناء. فعند انتقال الربيع العربي إلى سوريا، ارتكب رأس السلطة ثلاثة أخطاء في تقويمه للوضع: أولها، اعتقاده بأنّ أجهزته الأمنية قادرة على التحكم في مصير الشعب السوري إلى الأبد. وثانيها، أنه " محبوب " من قبل الشعب السوري ولن يثور ضده. وثالثها، أنّ اصطفافه مع إيران قد يشفع له أمام الرأي العام العربي للاستمرار في قمع شعبه باسم " الممانعة ". واتضحت فداحة خطأ رهاناته على رفضه التكيّف مع مطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة، إذ لم يدرك جوهر التغيير الحاصل في الوجدان السوري الذي لم يعد يقبل استفراد شخص أو عائلة بالسلطة، كما لم يعد يقبل بقمع الشعب باسم " الممانعة ".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية «آخر معاقل العلمانية»!

ماهر مسعود *

الثلاثاء ١١ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

من الصعب التعامل بجدية مع الكلام الذي صرح به بشار الأسد حول سورية وتوصيفه لنظام حكمه بالذات كآخر معاقل العلمانية في المنطقة العربية، إلا ضمن الفهم الذي قدمه «الأسد ذاته» بعد ربيع دمشق 2001 حول المجتمع المدني. فبعد أن أغلق المنتديات، وأشهرها منتدى الأتاسي، ووضع القسم الأكبر من القائمين عليها في السجون وحاكمهم «مدنياً» في محكمة أمن الدولة العسكرية، خرج الرجل للإعلام ليقول إن في سورية مجتمعاً مدنياً يعود لآلاف السنوات قبل الميلاد.

آخر معاقل العلمانية إذاً هي ذاتها أول معاقل المجتمع المدني في التاريخ، ولكن ولأجل التاريخ أيضاً فإن ما فعله نظام الأب والابن في سورية يرقى لجرائم ضد المجتمع المدني والعلمانية معاً. فالمجتمع الذي يبدأ فيه الطفل حياته الدراسية كـ «رفيق طليعي»، ثم يكبر ليصبح رفيقاً حزبياً تحت قيادة «الرفيق المناضل»، هو مجتمع شبه عسكري ومحاصر أمنياً «بالرفاق المخبرين» في جميع مؤسساته المدنية والعسكرية. والمجتمع الذي لا يُفسح فيه المجال للتجمع العلني الحر خارج إطار الجامع هو مجتمع غير قابل، بحكم الوضع لا الماهية، لأن يفعِّل أي هيئة أو مؤسسة مدنية خارجة عن المراقبة والخوف والمحاسبة، وغير صالح لإنتاج مؤسسات مجتمع مدني مستقلة عن سلطة الدولة، وتكون إحدى وظائفها الأساسية أن تنافس وتراقب سلطة الدولة وخروقاتها تجاه المجتمع المدني.

أما الدولة العلمانية التي يفصح الأسد بأن نظامه آخر معاقلها، ويستجدي الغرب كي يبقى حاكمها إلى الأبد، ويستنجد بملالي طهران كي يثـــبت حكمه «العلماني» ذاته عليها، ففوق كونها لا تختلف عن دول «المنطقة» ولو بتشريع علماني واحد يعتد به (كقانون الأحوال الشخصية أو دين رئيس الجمهورية)، فإننا لو اتكأنا على التعريف الذي خلصت إليه الجهود الطويلة لمفكر علماني كبير من طراز صادق جلال العظم سنجده يقول: «إن العلمانية هي الحياد الإيجابي للــــدولة تجاه جميع مكوناتها الدينية والعرقية والمذهبية»، أما في سورية فــقد بقيت الدولة خلال عقود أربعة حيادية، ولكن تجاه الأسد وحده وعائلته المتواضعة، أما تجاه الشعب السوري فكانت تتدخل في كل شيء، حتى أصبحت رحلة في الطبيعة ولأجل الطبيعة تحتاج لقرار سياسي.

الدولة العلمانية التي يصفها الأسد هي المقابل الموضوعي الصحيح والفقير للدولة الإسلامية أو الدولة الدينية التي يقصدها ويدافع عنها عتاة السلفية في المنطقة أيضاً، فكلاهما يعتمد «الخلافة» والتوريث أساساً لنظام الحكم، وكلاهما يعادي الديموقراطية والاحتكام للشعب والإرادة العامة، إضافة لكون كلاهما «ممانع» أيضاً ويضع سلة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعانيها مجتمعاتنا خارج حدوده «الزمكانية» ووجوده «النقيّْ»، ويحمِّلُها بالجملة للغرب والإمبريالية وإسرائيل.

عندما تحدث جورج طرابيشي عن توأمة العلمانية والديموقراطية خَلُص إلى نتيجة مفادها أن العلمانية من غير ديموقراطية تتحول إلى نظام «الاستبداد العلماني» وعماده المخابرات والمعتقلات «العلمانية» وأساليب التعذيب المُعلمنة، بالإضافة للجيش «العقائدي» حامي حمى النظام من مجتمعه بالذات كما أثبت «جيشنا الباسل» في سورية. وأما الديموقراطية من دون علمانية فتختزل إلى صناديق الاقتراع التي تُبقي المجتمع على انقساماته العمودية القديمة، وتحافظ على وجود الكيانات القائمة في حالة ما قبل الدولة، وتفضي إلى انعدام الاندماج السياسي في مشروع الدولة الوطنية. ولكن على عكس التوأمة والترابط التي يحبها طرابيشي فإن ما يقترحه الأسد هو الانفصال والطلاق البائن بين العلمانية والديموقراطية «التي تحتاج لأجيال قادمة لتعيشها» بينما يعيش الشعب السوري في جنة العلمانية الأسدية المطلقة والمؤبدة.

ليس هناك مبررات واقعية أو تاريخية (وقد بات للثورة السورية والربيع العربي تاريخ)، للخوف على مستقبل شكل الدولة أو حتى مضامين علمنتها، فعلى رغم الصبغة الإسلامية لعموم الثورات إلا أن طابعها الشبابي أفضى لحضور عدة عوامل مطمئنة تفرض نفسها باستمرار وتجعل من غير الممكن إغفالها، فارتباط الشباب بالعلم والعالم (ثنائية اشتقاق العلمانية) جعلت مطالبهم دنيوية بالدرجة الأولى وأدواتهم هي أفضل استخدام لمنتجات العلم وأدوات الاتصال الحديثة، كما أن انفجار الثورات خارج إطار الأيديولوجيات السابقة عليها فعل مفعول الصدمة التي تلقاها اليسار التقليدي وما زال يعيش اختلاجاتها وآلام ابتعاد الواقع عن عقائده المحنطة، ثم تلقاها اليمين الديني بأجنداته القديمة ذاتها، لتحاصره بكماشة الاستحقاقات الدنيوية للدولة المعاصرة في زمن العولمة من جهة، واستحقاقات الروح الشبابية التي أنتجت الثورة ذاتها وجعلتها معادية بالجوهر للاستفراد بالسلطة وأيديولوجيا الواحد؛ حتى لو كان «مستبداً عادلاً»، من جهة ثانية.

إن مسار الثورات العربية ينحو نحو علمنة السلطة، لا بفصلها عن الدين كما هو متعارف عليه، بل بفصلها عن المقدس، دنيوياً كان أم دينياً، فرفع الغطاء الشعبي والاجتماعي عن قداسة السلطة والحاكم المقدس هو الخطوة الأولى لاستعادة أرض السياسة و «دَنيوتها»، من سماء السلطة وغيوم المتسلطين ورفعتهم الظالمة، أما علمنة القوانين الناظمة لحياة البشر وعلاقاتهم الخاصة، فتلك خلاصة أخرى لمسار مختلف لم يكن له يوماً موطئ قدم في «آخر معاقل العلمانية».

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انهيار كتلتـ «ـنا» السوفياتيّة في دمشق

حازم صاغيّة

الثلاثاء ١١ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

ثمة من يرى أن الأثر الذي سيخلفه سقوط نظام الأسد على المشرق العربي وجواره سيكون مشابهاً لذاك الذي خلفه تهاوي ‏الاتحاد السوفياتي على بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، وذاك أن موسكو الشيوعية كانت صانعة الحدث في البلدان المذكورة، ‏وأمسكت من خلال كتلتها الاشتراكية وحلف وارسو والنُّخب الشيوعية فيها، بمقدرات تلك البلدان وتحكمت بمصائرها.

أما سورية الأسدية، وعبر استعاضتها عن الداخل الوطني الممعوس بخارج إمبراطوري، فكانت هي الأخرى صانعة ‏الحدث اللبناني، ومساهمة أساسية في صناعة أحداث الفلسطينيين والعراقيين والأردنيين، ومؤثرة في صناعة الحدث ‏التركي.

وانكسار ذاك النظام سوف ينهي الاصطناعي والمفتعل والقسري لصالح وضع أكثر «طبيعية»، وإن كانت «طبيعيته»، في ‏منطقتنا لا تخلو من غموض كبير.

التشبيه ذاك لا يخلو من وجاهة، بل إن وجاهته هي التي تفسر أوجهاً أساسية من التعقيد الراهن للوضع السوري، كما تشكل ‏أحد أهم الأسباب وراء التحول من ثورة سورية إلى أزمة سورية يُطنب العالم وإعلامه في تقليبها على سائر الأوجه.

لكن الدقة تستدعي الاستدراك: فأغلب الظن أن التحول السوري لن ينعكس على الجوار مثلما انعكس التحول الروسي على ‏ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وهنغاريا، بل أن يحصل ذلك على طريقة أشبه بما عرفته يوغوسلافيا، أي أننا لسنا مرشحين ‏لأن نشهد ما يعادل الوحدة الألمانية بعد تحطيم جدار برلين، بقدر ما نحن مرشحون لأن نشهد التفكك الذي عانته إمبراطورية ‏تيتو. كذلك لسنا مرشحين لقيام أوضاع ديموقراطية تولد فوراً، على غرار ما حصل في ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا ‏وبولندا، ولا لتفريع سلمي للبلدان، على غرار الانفصال النموذجي بين القوميتين التشيكية والسلوفاكية، بل قد ننتهي سالكين ‏الطريق المعقد، وربما المعبد بالدم، الذي عرفته صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة من أعمال يوغوسلافيا السابقة.

والأمر ليس «مؤامرة» بالطبع، ولا هو «سايكس بيكو» جديداً، على ما يقول بعض المتحذلقين الذين لا يملون الإنشاد الكسول ‏للأغاني الهرمة. إنه الخدمة الكبرى التي أسدتها الثورة السورية للحقيقة المحجوبة والكامنة في تواريخ البلدان وتراكيبها وفي ‏درجة الاندماج المتحققة بين جماعاتها، فما بعد العثمانية، التي تجمع بيننا وبين يوغوسلافيا السابقة، فرضت هناك وتفرض ‏هنا طرقاً التفافية إلى الحرية والتقدم، قياساً بما عرفته البلدان الأخرى الأكثر أوروبية في أوروبا الوسطى، والذين يقولون إن ‏الثورة السورية ما كان ينبغي أن تحصل كي لا نواجه حقائقنا القاهرة هذه، هم كمثل القائلين إن الكتلة الشرقية ما كان ينبغي ‏أن تتفسخ كي لا تحصل الحرب اليوغوسلافية: فالأمر في الحالتين بمثابة توق قوي إلى العيش في الكذب والاصطناع و... ‏الاستبداد.

أما وأن الثورة السورية تقترب من النصر، فيما مقاتلوها يقاتلون في قلب دمشق، فهذا يملي ضرورة الاستعداد للمرحلة ‏المقبلة التي قد لا تقل صعوبة، وأغلب الظن أن تزيد صعوبتها. وهنا لا بد من شحذ شفرة النقد في ما خص بناء الأوطان ‏وعلاقات الجماعات ومكافحة التعصب وتوسيع رقعة التسامح الديني والإثني، فالثورة إذ تحل مشكلةً كان لا بد من حلها، ‏سوف تخلق مشاكل يستحيل تجنب مواجهتها، والطابع الالتفافي للتقدم في العالم ما بعد العثماني، في يوغوسلافيا السابقة ‏وفي المشرق العربي، إنما يحض على العقل والنقد حضاً استثنائياً، تعويضاً عن الافتقارات العظمى والاستثنائية التي ينطوي ‏عليها الواقع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الأقليات في سوريا!

اكرم البني

الشرق الاوسط

11-12-2012

الحديث عن الأقليات في سوريا، يعني هذه الأيام الحديث عن مخاوفها من الثورة، إن لجهة الفوضى المحتملة والمرافقة عادة لعملية التغيير ولتراجع دور الدولة أو لجهة خطر وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، والخشية من مظاهر التضييق والتنميط المرافقة لهذا النوع من الحكومات، التي تحاول عادة فرض أسلوب حياتها وثقافتها على المجتمع، ما يهدد هوية هذه الأقليات وحقوقها وطرق عيشها!

تشكل الأقليات الإثنية والدينية في سوريا نسبة تصل لنحو 40 في المائة من عدد السكان إلى جانب العرب السنة، وتتألف من شتى مذاهب المسلمين غير السنة والمسيحيين وقوميات تتباين ثقافاتها مع العرب، كالأكراد والشركس والتركمان والأرمن والآشوريين، وقد شاركت جميعها في التحرير والاستقلال وبناء دولة وطنية جامعة، وأيضا في التعرض لمختلف أصناف القمع والاضطهاد من النظام الحاكم بغية تطويعها وتسخيرها لخدمة مصالحه ولتوسيع قاعدته الاجتماعية، وإذ لزمت في غالبيتها الصمت والخضوع لإملاءات السلطة خلال عقود طويلة تحت هواجس شتى، لكن تاريخها شهد حركات ونشاطات مناهضة لسياسات الاستبداد من خلال أحزاب وشخصيات معارضة عربية وكردية ومن شتى المذاهب الدينية عانت من السجون والإفقار والمنافي. والحال، لم تكن في سوريا مشكلة أقليات وأكثرية، لولا تواتر حالات التمييز القومي أو الطائفي من قبل السلطة لضمان الولاء على حساب الرابطة الوطنية والسياسية ومعايير الكفاءة والنزاهة، ولولا استجرار وتشجيع ردود فعل وولاءات من الطبيعة نفسها! فقد لعب السوريون، من مختلف المكونات القومية والدينية، دورا متكاملا في بناء دولتهم وتاريخها الحديث، وشكلت عندهم قيم المواطنة والمساواة قاسما مشتركا كما غلبت انتماءاتهم إلى الأحزاب الحداثية على أي انتماء، وطبعا من حسن الحظ أن وقفت مشكلة الأقليات والأكثرية ولوقت طويل عند حدود الاستئثار بتوزيع المناصب والامتيازات، ولم تتحول إلى تعبئة سياسية تخوض الصراعات وفق مشاريع فئوية خاصة وتاليا إلى تخندقات متخلفة خطرة، مشحونة بالإقصاء المتبادل وبرغبة عمياء في إضعاف الآخر والنيل من قوته وحقوقه على حساب الهم الوطني العريض!

هناك أسباب موضوعية وبنيوية في الخصوصية السورية لغلبة مسار الانصهار الوطني في مواجهة نوازع التفرقة والتمييز، فالمجتمع لا يملك رصيدا من الأحقاد والمواجهات الحادة بين مكوناته يستحق التوظيف والاستثمار، ثم إن درجة الوعي العام للشعب السوري والتفافه المزمن حول مهام وطنية وقومية عريضة تركت أثارا إيجابية على تضامنه ووحدته واندماجه، وأضعفت تاليا البنى العصبوية التقليدية وإمكانية تبلورها في مشروع سياسي خاص، كما ساعدت في تمكين بناء دولة وطنية نأت عن المحاصة السياسية الطائفية، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أهمية التداخل الجغرافي بين مكونات المجتمع المختلفة وندرة وجود معازل أو أماكن نقية تحسب على أقلية أو أكثرية، فإن الأكثرية، حالها كحال الأقليات، ليست موحدة ثقافيا أو سياسيا، فما يجمعها هو الرابط الديني وإيمانها العفوي التقليدي، لكن تفرقها اجتهادات متنوعة في فهم علاقة الدين بالحياة، كما انتماءاتها المختلفة، إلى أطر سياسية، قومية أو ليبرالية أو شيوعية أو غيرها، عدا عن الدائرين في فلك السلطة، من المحازبين والمستفيدين، ونضيف أن الانتفاضة الشعبية التي تنتمي كتلتها الرئيسة إلى الإسلام بصفته دين الأغلبية، تنطوي على تنوع وتعددية لافتين، فإلى جانب العرب والأكراد، هناك مشاركة متفاوتة تبعا لكل منطقة من مختلف الطوائف والمذاهب، والأهم أنه لم تسمع أصوات وازنة تدعو إلى حكم الشريعة ودولة الخلافة، بل لا تزال هتافات المحتجين في أكثريتها تميل إلى الشعارات المناهضة للطائفية وإعلاء قيم المواطنة وأسس العيش المشترك!

ولكن، ثمة حيثيات ونواقص ذاتية لتمكين المسار الوطني تزداد حضورا وإلحاحا طردا مع هذا التوغل المريع في القمع والتنكيل ضد المحتجين، وإصرار أهل الحكم على إنكار مطالب الناس وإظهارهم كأدوات تآمرية وطائفية، منها أولوية الحفاظ على أخلاق الثورة وروحها الوطنية والتحسب جيدا من دفع الاصطفافات تحت وطأة العنف المفرط إلى مكان خاطئ يفتح الباب أمام صراعات فئوية ممزقة ومدمرة، ومنها ضرورة التمسك بدور الدولة ومؤسساتها وأولوية الاحتكام إلى القضاء والقانون، فتغيير السلطة يجب أن لا يقود إلى تفكيك الدولة أو الإطاحة بدور مؤسساتها كوعاء لإدارة المصالح المتنوعة للمجتمع، ومنها الارتقاء بدور المعارضة السياسية ووحدتها وقدرتها على تمثيل مختلف القوى والفعاليات بعيدا عن المحاصصة والحسابات الضيقة، وبالنتيجة تقديم بديل مقنع يحظى بثقة الجميع، والأهم تشجيع المبادرات لتشكيل لجان أهلية مناهضة للطائفية والتمييز كما شهدنا في بعض المناطق والأحياء المختلطة، تعزز أسس التعايش والتسامح والتكافل وتساهم في حماية أرواح الجميع وممتلكاتهم ومحاصرة نوازع النزوح على أسس طائفية أو مذهبية! وإذ نعترف أن مسألة الأقليات ومخاوفها هي شماعة يستخدمها المتمسكون بمصالحهم ليبرروا صمتهم ويستخدمها المجتمع الدولي ليبرر سلبيته ويستخدمها النظام ليتوغل أكثر في القمع والتنكيل، نعترف أيضا بأن مخاوف بعض الأقليات من الفوضى والتطرف الإسلامي هي مخاوف حقيقية، والقصد أنه لا يمكننا لوم هذه الجماعات على خوفها وإحجامها، أو معالجة الخوف بالإدانات والاتهامات، بل بالإقدام الشجاع للحد من التجاوزات والخروقات وروح الثأر والانتقام التي تنشأ في ظل غياب دور الدولة والقانون، ولمحاصرة التطرف والانحرافات الطفولية الحالمة بانتصار أناني وتقاسم المغانم. وهنا ينبغي الاعتراف بأن المتخوفين من التغيير ليسوا فقط الأقليات العرقية والدينية، بل قطاعات عريضة من أبناء الطبقة الوسطى وقطاع من المثقفين والكتاب والمبدعين، لكن هذا التخوف المشروع يجب ألا يقود نحو المزيد من السلبية بل بتحويله إلى حافز إيجابي يشجع هؤلاء على مزيد من المشاركة في الشأن العام، على قاعدة أن التغيير يفتح الطريق لمقارعة الآخر المختلف في مناخات الحرية وعبر المؤسسات السياسية والدستورية، فالسياسة صراع وصيرورة وآفاق، ودون نجاح الثورة لا يمكن فتح صيرورة وآفاق تنهض بسوريا سياسيا نحو الوطن التعددي والديمقراطي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لن نتخلى عن روسيا ولن تتخلى روسيا عنا

محمد علي بيراند

الشرق الاوسط

11-12-2012

إذا كنت تتساءل عن نتيجة زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإسطنبول قبل أيام، يمكنني أن ألخصها لك: «لم يكن محور تركيز الزيارة منصبا على بشار الأسد، أو صواريخ الباتريوت، بل على الجهود الرامية لزيادة حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين البالغ 35 مليار دولار إلى 100 مليار دولار».

كانت المحادثات، في ذلك الجانب، مثمرة جدا.

يجب أن أقول الآن من البداية: إنه لو كانت هناك أزمة حقيقية بسبب سوريا وصواريخ الباتريوت، ما كان بوتين ليقوم بزيارة إلى إسطنبول.

نحن بشكل عام نبخس تقدير العلاقات التركية - الروسية، فيما قد وصلت العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين إلى ذلك المستوى الذي على الرغم من أنه ربما توجد فيه آراء مختلفة بين العاصمتين وتوجهان انتقادات لبعضهما البعض في مواضيع معينة، لا يستطيع أحد أن يكسر هذه السلسلة من المصالح.

لن تتخلى روسيا عن تركيا، ولن تتخلى تركيا عن روسيا. ربما يكون موضوع مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد مجرد أمر تافه عند مقارنته بهذه المجموعة الضخمة من المصالح المتبادلة بين البلدين.

علاوة على ذلك، فإن مشكلة روسيا ليست مع تركيا.

في واقع الأمر، موسكو في مواجهة مع واشنطن. إن موسكو لا ترغب في أن تتدخل واشنطن في إدارات الدول الإقليمية وتحاول تغيير القائد كما تشاء. في لعبة الاستراتيجية الكبرى، ترغب في تقليص نفوذ الولايات المتحدة. إن معارضتها لصواريخ الباتريوت ترجع إلى هذا السبب. فهي تعلم أن هذا النظام يعتبر نموذجا قديما جدا ولا يشكل بأية صورة مصدر تهديد؛ لكنها تتخذ رد فعل لأنها لا ترغب في أن يأتي حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى المنطقة. بالطبع، منذ أن دخلنا نحن أيضا اللعبة، تتلقى تركيا نصيبها من الانتقادات.

أثناء هذا الاجتماع، أعلن عن أنه قد تم التوصل إلى إجماع بشأن مستقبل الأسد.

في واقع الأمر، لم يحدث ذلك بعد. لا يمكن الوصول إلى حل لقضية بشار الأسد في محادثة بين تركيا وروسيا، ولكن من خلال محادثات بين روسيا والولايات المتحدة. دعونا لا نركز على مثل هذه القضايا. فلنركز على التجارة؛ من المؤكد أننا سوف نخرج أحسن حالا.

كان أردوغان محقا في تعنيفه إسرائيل.

هؤلاء الذين يقرأون المقال يعون جيدا أنني أهتم بالعلاقات التركية - الإسرائيلية، وأرى أن هاتين الدولتين لديهما الكثير لتمنحاه بعضهما للبعض. كذلك، فإنني من بين هؤلاء الذين يرغبون في أن تعود العلاقات الحالية بين البلدين إلى طبيعتها. في واقع الأمر، كنت ضد التقريع البغيض من جانب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لشيمعون بيريس في دافوس. انتقدت حديثه. وفي حادثة أسطول «مافي مرمرة»، جنبا إلى جنب مع إدانة وحشية إسرائيل، أوضحت أنه كان من الخطأ أن ينطلق الأسطول من الأساس.

الآن، عليّ أن أقول إن إسرائيل – على وجه الدقة، حكومة بنيامين نتنياهو – أصبحت على درجة مفرطة من الوحشية والتهور والفساد إلى حد أنها تستحق موقف أردوغان. إذا استمرت على هذا النهج، فلن تكون ثمة وسيلة يمكنها من خلالها أن تطبع علاقاتها مع تركيا. في مثال حديث، منحت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، من خلال عدد معقول من الأصوات، متنفسا لفلسطين. وعلى الرغم من أنه لم يحدث أي تغيير ملموس على أرض الواقع، فإن هذا التصويت قد أصاب إسرائيل بالجنون.

لقد أعلنت إسرائيل أنها ستقيم 3000 مسكن جديد للمستوطنين اليهود في أكثر المناطق المتنازع عليها في القدس، على أرض تنتمي للفلسطينيين.

لم يكن هذا كافيا؛ فقد قررت أيضا استرجاع ضرائب قيمتها 100 مليون دولار كانت قد حصلتها بالنيابة عن الإدارة الفلسطينية. وسوف تضيف هذا المبلغ إلى حساب ديون الطاقة الخاص بالفلسطينيين، على نحو يحكم على الفلسطينيين بالمجاعة.

لقد تجاوزوا المدى إلى حد أن أوروبا نفسها ثارت عليهم. فبعض الدول تستعد لسحب سفرائها؛ ورد الفعل العالمي يتزايد.

نتنياهو لا يعبأ. فالأمر المهم بالنسبة له هو الانتخابات المزمع إجراؤها في يناير (كانون الثاني). حتى إنه لا يناقش فكرة أنه في يوم ما لن يكون قادرا على الحصول على الدعم السابق من جانب الولايات المتحدة. على النقيض، ترتكز إسرائيل في موقفها على واشنطن وتمضي قدما بما يتوافق وهذا الموقف. إذا سألت العرب، فلن تجدهم مهتمين بدرجة كبيرة، بل إنك ستجد أيديهم مغلولة في الأموال التي يمنحونها. إنهم لا يدفعون بأنفسهم إلى صدارة المشهد، حتى مثل أردوغان.

الآن أعلن أنه ما دام نتنياهو يحكم، فقد أسقطت إسرائيل تماما.

* بالاتفاق مع صحيفة «حرييت» التركية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مرحلة انتقالية أم انقلاب على أبواب دمشق؟

جورج سمعان

الإثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

دخلت الأزمة في سورية منعطفاً حاسماً، سياسياً وعسكرياً. المقاتلون يكسبون المزيد من الأرض والمواقع العسكرية والقواعد الجوية، ويلوّحون بالإطباق على دمشق، ويتلقون بعضاً من الأسلحة النوعية. والنظام على عنفه لضمان تفوقه والحفاظ على ممر آمن إلى الساحل الغربي. وبات في موقف دفاعي، لذلك بدأ يحرك أسلحته المحظورة. والائتلاف المعارض يبحث في القاهرة في تأليف حكومة موقتة لإدارة المناطق المحررة شمالاً وشرقاً وجنوباً. والولايات المتحدة وروسيا تستعجلان ديبلوماسيتهما بحثاً عن حل سياسي يسابق الحسم العسكري في العاصمة، لعلهما يتوصلان إلى فرض مرحلة انتقالية تخفف الخسائر التي قد تنجم عن انهيار مفاجئ وفوضى واسعة. وهما لم تكفا منذ اندلاع الثورة عن إبداء الحرص على الاهتمام بمصير الأقليات الدينية والإثنية في هذا البلد. ولم تكفا عن التحذير من تداعيات انهيار الدولة بجيشها وأمنها ومؤسساتها على الداخل ووحدته، وعلى الجيران وما يتعداهم، وسط اصطفاف إقليمي ودولي واسع وحاد يفاقم حدة الأزمة.

ثمة تطورات كثيرة دفعت واشنطن وموسكو إلى معاودة اللقاء للبحث عن آلية مشتركة لمقاربة الأزمة. وليس تحريك النظام السوري أسلحته الكيماوية - على خطورته - وحده ما حرك مخاوف العاصمتين والمجتمع الدولي برمته. سبقت ذلك موافقة حلف «الناتو» على نشر صواريخ «باتريوت» على الحدود الجنوبية لتركيا. وهو قرار تأجل اتخاذه إلى حين تحرر الرئيس باراك أوباما وإدارته من عبء الحملة الانتخابية الرئاسية. وبعثت هذه المبادرة الأطلسية الحرارة في الكرملين وعززت هواجس الرئيس فلاديمير بوتين من اقتراب صواريخ الغرب من حدود روسيا الجنوبية. وهو لم يتوقف بعد عن تكرار اعتراضاته الشديدة على نشر رادارات الدرع الصاروخية في تركيا. ولا يسقط من حساباته تدخلاً عسكرياً قد تفرضه مغامرة النظام باللجوء إلى أسلحة محرّمة إذا شعر بأن معركة العاصمة شارفت الحسم.

ولكل من واشنطن وموسكو أسبابٌ ودواعٍ أخرى تتعلق بمصالحهما الإقليمية تدفعهما إلى معاودة التواصل بعد جمود. كان لا بد من إعادة التواصل بعدما ارتاحتا من معركتهما الانتخابية الرئاسية. إلى ذلك، ثمة عوامل مشتركة عجلت في لقاء وزيري الخارجية هيلاري كلينتون وسيرغي لافروف الخميس في دبلن ثم لقاء مساعديهما في جنيف أمس الأحد... بعد شهرين من التمنع والانتظار. لعل أبرزها هذه الدينامية العسكرية للمقاتلين الذين يهددون بإسقاط دمـــشق، مثـــيرين مزيداً من المخاوف والارتباك من حصول مفاجأة ما تطيح كل الحسابات والتوقعات. ولم يكن سفير الولايات المتحدة لدى دمشق روبرت فورد آخر المحذّرين من أن العنف في سورية كلما استمر أفاد المتطرفون من ذلك!

بالطبع من المبكر القول إن موسكو بدلت موقفها جذرياً، أو إنها تخلت عن تقديم الدعم السياسي والعسكري إلى النظام. لكنها لا تخفي شعورها باحتمال خسارتها سورية. وثمة معلومات تتحدث عن استعدادات في قاعدة طرطوس لمواجهة يوم الانهيار وتداعياته المحتملة على عسكرييها وعائلاتهم التي يشاع أن بعضها بكر بالرحيل. لذلك كانت العودة إلى البحث مع واشنطن عن سبل قيام مرحلة انتقالية قد توفر مكاناً لبعض أركان النظام الذين لم ينخرطوا في القتال. وتتيح ربما مشاركة بعض رموز المعارضة الداخلية التي لم تتمكن لا هي ولا طهران من فرضها بديلاً أو شريكاً رئيساً لمعارضة الخارج التي تمثلت بالمجلس الوطني ثم بالائتلاف الحالي. لعل ذلك يساعدها على ضمان شيء من مصالحها الموروثة من أيام السوفيات في هذا البلد، خصوصاً قاعة طرطوس، القاعدة الوحيدة في المنطقة. ولعلها تتوصل مع الإدارة الأميركية إلى تفاهم يتيح لهما معاً ممارسة ضغوطٍ متوازية على طرفي الصراع لجرّهما إلى حل سياسي يشجع المحيطين بالرئيس بشار الأسد على التخلي عنه. فلا يبقى غير إيران التي قد تُمنى بخسارة فادحة ما لم تبدِ استعداداً جدياً لحوارٍ بينها وبين واشنطن في شأن ملفها النووي والقضايا الإقليمية الأخرى، بسقفٍ منخفضٍ من الطموحات والمطالب والشروط.

تعرف موسكو أن المعارضة السورية بكل أطيافها لا يمكن أن تقبل بحوار مع النظام. وتعرف أن للنظام موقفاً مماثلاً من المعارضة. لكنها تعوّل على تفاهم مع واشنطن التي لم تعلن بعد اعترافها بالائتلاف العريض للمعارضة، كما فعلت باريس ولندن وغيرهما من الدول الأوروبية ودول مجلس التعاون الخليجي. لذلك إن تفاهماً كهذا قبيل اجتماع مراكش حيث ينتظر أن تعترف الإدارة الأميركية بالائتلاف، قد يبعث بإشارات إيجابية إلى استعداد روسيا للتوجه نحو مجلس الأمن لتبني قرار يدفع نحو قيام مرحلة انتقالية... شرط أن تبدي المعارضة - بدفعٍ وضغطٍ من الإدارة الأميركية - استعداداً مماثلاً لحوار من أجل إرساء هذه المرحلة انطلاقاً من صيغة جنيف التي أقرتها الدول الكبرى في حزيران (يونيو) الماضي، والتي لم تعد صالحة بمعظم بنودها في ضوء التطورات التي شهدتها الأزمة في الأشهر الخمسة الماضية.

وتعرف روسيا بالطبع أن ما حرك الموقف الأميركي ويحركه من الأزمة هو السؤال عن اليوم التالي لسقوط بشار الأسد. من سيحكم دمشق؟ لا ترغب واشنطن ولا شركاؤها، ولا موسكو بالتأكيد، في أن ترى سقوطاً مدوياً للدولة وللمؤسسات العسكرية والأمنية يجر مذابح وعمليات ثأر واسعة، لا تعود فيها الكلمة، لا لـ «الجيش السوري الحر» ولا للائتلاف المعارض. بل تكون الأرض ملكاً للمجموعات المسلحة المتشددة بكل أطيافها. الأمر الذي يقود ليس إلى نموذج صومالي، كما حذر ويحذر الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي - العربي الخاص الذي شارك في لقاء دبلن، بل إلى نموذج سوري فريد فيه ما فيه من «خصائص» النموذج الصومالي واللبناني والعراقي والليبي... والمالي أيضاً!

إلى ذلك أيضاً، تعتقد دوائر غربية عدة بأن توصل واشنطن وموسكو إلى تفاهم يؤسس لمرحلة انتقالية قد يشجع كثيرين من مؤيدي النظام، سياسيين وعسكريين، إلى الابتعاد عنه والانقلاب عليه. الأمر الذي يعجل في عزلته وسقوطه. وليس جديداً تنامي موجة التململ والاستياء في صفوف الطائفة العلوية، خصوصاً في أوساط رموز خدمت في إدارة الأسد الأب وباتت اليوم تخشى على مصير الطائفة برمّتها إذا انهار النظام. وكان بعض هذه الرموز عبّر في بداية الأزمة عن عدم ارتياحه إلى الحل العسكري الذي نهجه الرئيس بشار الأسد وحلقته الضيقة. لكن الأجهزة التي تقود الوحدات القتالية كان صوتها أعلى، لإدراكها أنها ستكون أولى ضحايا أي اتفاق على مرحلة انتقالية لنقل السلطة. كما أن مغالاة أطياف في المعارضة وانحراف وحدات قتالية متشددة نحو أعمال انتقام مذهبية أخمدت هذه الأصوات المعترضة.

والسؤال هنا: هل يمكن أن يساعد توحيد أطياف الوحدات العسكرية المعارضة بعد قيام الائتلاف السياسي، هؤلاء المعترضين على خيارات النظام داخل الطائفة وخارجها ممن لا يزالون يلتفون حوله، على انقلاب يطيح الرئيس، إذا شعروا بقرب النهاية التي ستهدد بتحويلهم جميعاً ضحايا؟ قد لا يجرؤ الرئيس الأسد على استخدام الأسلحة الكيماوية لأنه سيحكم على نفسه بالإعدام. فالمجتمع الدولي الذي يلح على مرحلة انتقالية تضمن اليوم التالي لرحيله تحول دون إطلاق أيدي المتطرفين وجماعات التشدد - كما حصل غداة الغزو الأميركي للعراق - وتقي البلاد شر المذابح والمجـــازر الانتقامية والثأرية، لن يقف مكتوفاً أمام الفوضى والحروب المذهبية. وقد لا يبقى الرئيس الأسد في سورية إذا أحكم المقاتلون عليه الحصار. فهل يجازف أو يكابر وقد شاهد ما حل بالعقيد معمر القذافي وما حل ويحل بالرئيس حسني مبارك؟ وهل ينتظر معارضوه المكتومون في حلقته الواسعة وفي طائفته والخائفون من تطرف بعض المعارضة حتى يصل المتطرفون إلى أبواب القصر؟ ألا تشعر أطياف المعارضة بمسؤوليتها عن مساعدة هؤلاء المعترضين وضرورة توفير كل الضمانات من أجل دفعهم إلى الخروج على النظام؟ وعندها ينزاح الحديث عن تفتيت سورية وتهديد وحدتها، وربما أصبح الحديث عن قيام انقلاب أمراً ممكناً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النسيج الوطني السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا تصدقوا كذبة النظام السوري..

الرياض السعودية

التاريخ: 10 ديسمبر 2012

مأزق الأسلحة الكيماوية السورية، بدأ يأخذ بعداً دولياً، فالسلطة أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» أن الجيش الحر سيطر على وحدة لهذه الأسلحة، وهي ذريعة فيما لو حدث استخدام لها، فالمبرر والتهمة سيقعان على هذا الجيش، والسلطة لا أحد يقبل منها مثل هذا الادعاء، طالما فقدت مصداقيتها، ولا تملك الدليل بحيث تحدد الموقع والمكان وهي التي طالما اعتمدت إنكار امتلاكها سلاحاً من هذا النوع، ثم عادت وقالت إنه في حال تعرضها لأي هجوم خارجي سوف تستخدم مخزونها لردع تلك القوى..

الأسد ونظامه داخل الحلقة الضيقة، وفي حالة إقدامه على الانتحار قد يستخدم سلاحه الكيماوي، وقبل أن تحدث الكارثة ،على الأمم المتحدة التحقق أولاً من قول السلطة فقدانها تلك الترسانة من خلال الجيش الحر أولاً، والذي لابد إما أن يعترف بحيازته ذلك أو تفنيد ما ذكرته السلطة، بالطلب من المنظمة الدولية، إرسال مندوبين للتحقق من ذلك، حتى لا تعلل السلطة أي إجراء مدمر لخصمها وتضع العالم أمام حيرة من أقدم على بدء الهجوم..

من قتل ودمر بنية سوريا وتراثها وشرد المواطنين، وعمل على القيام بما لا يتصوره الإنسان، ليس لديه المناعة لعدم استخدام أداة الإبادة الشاملة، ولذلك فالمسؤولية الأخلاقية تفرض على القوى الكبرى متابعة ومراقبة ما قد يتجاوز الاتهامات إلى الفعل، ورجل بجنون الأسد ووفق سوابق ما قام به والده من إبادة في حماة أو السجل الأسود للنظام فيما بعده يفرض الاحتراز وبالتالي فتأمين سلامة الشعب السوري قضية أخلاقية ومسؤولية دولية..

ولو افترضنا صدق السلطة مع استحالة ذلك، ونتيجة الضغط العسكري عليها العمل على ضرب القوى المهاجمة بهذا السلاح غير التقليدي، ثم رد الجيش الحر بنفس ما يمتلكه فإن الإبادة المتبادلة ستكون مأساوية، وطالما أمريكا وحلفاؤها يهددون باتخاذ إجراءات رادعة وهي التي لم تتضح كيفيتها، فإن روسيا تقع عليها المسؤولية الأكبر، لأنها الداعم والصوت صاحب القدرة على لجم السلطة، أما أن تحدث الكارثة، فروسيا شريك بها لأنها تعلم حجم الجريمة وسكتت عليها..

المواثيق الدولية تحرم استعمال هذه الأسلحة، لكن إذا تذكرنا أنه تم استخدامها في حروب مختلفة ودون حساب لها، نجد أن التصريحات والتهديدات لحكومة دمشق، قد لا ترتدع بناء على استخدامات سابقة، لكن الحصول على تعهد منها برعاية روسية، وتهديد فعلي لرد مباشر ربما يوقف المأساة القادمة، وتعاملت معها بسلبية رغم فهمها القوانين الرادعة..

إيران، هي الأخرى، قد لاتبالي أو تشجع حليفها أن يدافع عن حكمه بأي وسيلة يراها، ومعنى ذلك أنها لا تعترف بحياة وسلامة الشعب السوري، وإذا كانت شريكاً بتوريد أو تصنيع هذا السلاح، فإن العقوبة عليها يجب أن تكون متساوية مع الفاعل، وهي مثل روسيا لا تزال تراهن على إمكان بقاء النظام طالما الحرب سجال، لكن الأمر يتعدى هذا التصور والأماني إلى خرق قانون دولي له موقفه الرادع والمحاسبة لأي دولة أو عدة دول عملت على استخدام سلاح مدمر..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا ودائرة الخطر

أنور ماجد عشقي

عكاظ

10-12-2012

مع نهاية عام 2012م وفي الأسبوع الأول من الشهر الأخير، حدث تحول في الموقف الروسي وتغيير على الأرض في سوريا. وتم لقاء جمع بين كل من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري ونظيرها الروسي لافروف، والمبعوث الدولي إلى سوريا الإبراهيمي في العاصمة الإيرلندية دبلن، حيث فاجأت موسكو العالم بوصفها النظام السوري بأنه أصبح عاجزا.

لم يكن اجتماع دبلن خاصا بأحداث سوريا بل كان بمناسبة اجتماع وزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فقد وصلت الأحداث في سوريا إلى حدود حلف الأطلسي مما دعاه إلى نشر صواريخ باتريوث في تركيا، لكن القلق أخذ يساور الجميع من احتمال استخدام بشار السلاح الكيماوي، لهذا كان التعجيل بتحقيق السلام في سوريا أمرا ملحا.

لقد جاء التغيير في الموقف الروسي مشجعا على التفاهم حول البحث عن مخرج للأزمة السورية برعاية دولية، هذا الموقف الذي اعتبر استجابة للتطورات الميدانية التي تشير إلى تقدم قوات المعارضة في معارك دمشق وريفها ، حيث اعتبرت معركة الحسم.

ومع اقتراب ساعة الحسم فإن المخاطر تتصاعد فإذا لم ينجح التدخل الدولي، فإن الموقف قد يتحول إلى كارثة ويستخدم النظام السلاح الكيماوي لكن الورقة الأخيرة في يد النظام هو نقل الأزمة إلى لبنان وهو ما تشير إليه الدلائل.

فالنظام في سوريا أخذ يدفع مع إيران في تأزيم الوضع بين 8 آذار و 14 آذار مما قد يعجل بالصدام بين الضاحية الجنوبية في لبنان، والضاحية الشمالية فيها، لإدخال حزب الله في حلبة الصراع، مما يجعل طرابلس تنضم إلى الثوار في سوريا وحزب الله إلى النظام.

إن المؤشرات تقول بأن الوضع في لبنان سوف ينخرط في الأزمة السورية.

إن على الحكومة اللبنانية أن تتدارك الوضع وتجمع الفرقاء من الطرفين على طاولة واحدة لتوقيع ميثاق الشرف بالتعاون وعدم التصعيد وتشكيل حكومة وفاق وطني، وبهذا تكون لبنان نأت بنفسها عن الأحداث وأنقذ قادتها بلدهم. والسؤال هل بدأت ساعة الحسم في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لم يتعلم بشار الأسد من مصير صدام والقذافي؟

عطاء الله مهاجراني

الشرق الاوسط

10-12-2012

في أيامنا هذه، يبدو لي إن كان بإمكاننا الحديث عن مستقبل نظام بشار الأسد، ومستقبل سوريا كدولة والسوريين كأمة عظيمة. ما مستقبل سوريا؟ نحن نشاهد مدينتي دمشق وحلب تبدوان مثل مدينتي أشباح. ونسبة تتراوح ما بين 80 و85 في المائة من الشوارع في وضع المراقبة الأمنية، وتمتلئ بالمتاريس. ولا تقوم المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات بعملها بشكل طبيعي.

يبدو لي أننا نواجه ونشاهد الأشهر الأخيرة لنظام الأسد. على سبيل المثال، يتحدث رئيس وزراء روسيا، ديمتري ميدفيديف، الذي تحدث في جلسة منعقدة بكامل هيئتها لاجتماع آسيا - أوروبا في لاو يوم الثلاثاء الموافق 4 ديسمبر (كانون الأول)، بصراحة شديدة عن قلقه الشديد حيال سوريا:

أكد ميدفيديف قائلا: «الموقف في سوريا يثير مخاوف هائلة. يستند موقف روسيا على فكرة أن مستقبل تلك الدولة ينبغي أن يكون في أيدي الشعب السوري لا أن ترسمه هياكل دولية أو أي قوى أخرى. وتتمثل المهمة الكبرى اليوم في العثور على وسائل لمعاونة الشعب السوري في تحقيق هذا». يبدو أنه لا يمكننا تفسير مفرداته، نظرا لأن ثمة غموضا والتباسا يكتنفانها. من هو شعب سوريا؟

إضافة إلى ذلك، فإنه في إيران، يبدو أن ثمة شيئا قد تغير بالمثل. نحن الآن نواجه بعض الشخصيات العسكرية المميزة التي تتحدث عن سوريا ما بعد الأسد. فمثلا، يرى القائد ساردار علايي، القائد السابق للقوات البحرية الإيرانية أنه حان الوقت الذي يتوجب فيه على طهران تغيير موقفها بشأن بشار الأسد. نشرت مقابلته في موقع الدبلوماسية الإيرانية، ومدير هذا الموقع سياسي إيران ذائع الصيت، هو صادق خرازي، المقرب من آية الله خامنئي، وأخته هي زوجة ابن خامنئي.

حينما كنت في القاهرة، للمشاركة في اجتماع رابطة الكتاب السوريين، أخبرني المهندس وليد الزعبي، بأن محمد حبش، عضو البرلمان السوري – الذي يعيش الآن في المنفى في دبي – التقى مستشار خامنئي لشؤون السياسة الخارجية، علي أكبر ولايتي. في طهران، حدثه ولايتي قائلا: «إيران ليست مصرة على حماية بشار الأسد مهما كان الثمن!».

نحن نواجه وجها جديدا للحقيقة. أتذكر عندما سئل بشار الأسد عن مبارك والقذافي، ارتسمت على وجهه ابتسامة وهو يتحدث للتلفزيون الألماني، في يوليو (تموز) 2012، معتبرا «ما حدث في مصر مختلفا عما يحدث في سوريا.. لا وجه للمقارنة».

فضلا عن ذلك، فقد رفض أي مقارنات مع ليبيا؛ حيث تمكن الثوار بدعم من الغارات الجوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) من إسقاط النظام. وقتل القائد الليبي معمر القذافي أثناء محاولته تفادي مقاتلي المعارضة. وقال بشار في المقابلة التي أجريت معه: «حينما نصف ما حدث للقذافي، فهذا عمل وحشي همجي، إنها جريمة».

لسوء الطالع، سوف يتم التوصل لحقيقة أن نظام بشار على شاكلة نظامي صدام والقذافي. يمكننا تصنيف قادة العرب في ما يتعلق بالربيع العربي إلى ثلاث فئات:

1 - صدام والقذافي وعلي عبد الله صالح.

2 - مبارك وبن علي.

3 - الملك عبد الله الثاني، ملك المغرب.

يتبين لنا أن بشار، دون أدنى شك، قد سجل اسمه، في القائمة الأولى. بإمكاننا القول إنه سيكون أسوأ من علي عبد الله صالح. ويكمن السبب الرئيسي والجوهري وراء ذلك في دعم كل من روسيا وإيران لنظامه. إنها بكل تأكيد مراهنة لا سياسة. فيما يتعلق بميدفيديف وبعض الساسة الإيرانيين البارزين، ثمة سؤال غاية في الأهمية يطرح نفسه ألا وهو: هل تخلوا عن بشار؟

يظهر الموضوع الثاني المهم على السطح، وهو هل سيستخدم النظام السوري الأسلحة الكيماوية ضد الشعب؟

في 23 يوليو (تموز)، حينما قام أمين عام الأمم المتحدة بزيارة رسمية إلى بلغراد، سأله مراسل صحافي في مقابلة أجراها معه قائلا: «سيدي الأمين العام، لقد تأكد أن سوريا تمتلك أسلحة كيماوية وتهدد باستخدامها في حالة شن هجوم خارجي. هل يمكنك التعليق على هذا؟»

أجاب الأمين العام قائلا: «قرأت أن هناك احتمالية أن تميل سوريا لاستخدام الأسلحة الكيماوية، لكنني لست قادرا على التحقق من أنه من الصحيح أن سوريا تمتلك كمية ضخمة من الأسلحة الكيماوية. الأمر الذي يشكل أهمية هو أن سوريا تعتبر واحدة من الدول التي لم توقع على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة الكيماوية. إن الدول قاطبة لديها التزام بعدم استخدام أي أسلحة دمار شامل، سواء أكانت موقعة على الاتفاقية أم لا. سيكون من المستهجن أن يفكر أي شخص من داخل سوريا في استخدام أسلحة دمار شامل، مثل الأسلحة الكيماوية. وإنني آمل في أن يراقب المجتمع الدولي هذا عن كثب، بحيث لا تحدث مثل هذه الانتهاكات. في ما يتعلق بالموقف ككل، بشكل عام، فإن الأمم المتحدة تقوم بالتنسيق والتشاور مع جميع الأطراف المعنية، بدءا من جامعة الدول العربية. سوف أناقش هذا الأمر مجددا مع نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية. ويقوم فريقنا رفيع المستوى بتنسيق جاد في هذا الشأن».

مجددا، في الدوحة، تحدث بان كي مون عن هذه القضية. وفي يوم الأربعاء، الموافق 5 ديسمبر (كانون الأول)، حث النظام السوري على عدم استخدام مخزونه من الأسلحة الكيماوية، محذرا من «عواقب وخيمة» إذا ما لجأ بشار الأسد إلى استخدام مثل تلك الأسلحة التي تندرج تحت فئة أسلحة الدمار الشامل.

«إنني أناشدهم مجددا بأقوى لهجة ممكنة بضرورة ألا يفكروا في استخدام هذا النوع من أسلحة الدمار الشامل المميتة»، هكذا تحدث بان كي مون إلى وكالة «أسوشييتد برس»، على هامش مؤتمر المناخ في قطر. «لقد حذرت من أنه إذا حدث في أي حال من الأحوال إن تم استخدام تلك الأسلحة، فستكون هناك عواقب وخيمة. وينبغي أن يوضعوا في موضع المساءلة»، هكذا تحدث عن النظام السوري.

لقد أشار النظام السوري مرارا وتكرارا إلى أنه سيستخدم أسلحته الكيماوية والبيولوجية في مواجهة أي هجوم خارجي، بينما أضاف أنه لن يستخدمها ضد شعبه. اليوم، تبدو الروح المعنوية لبشار الأسد متدنية. فالثورة تقوى شكيمتها يوما بعد يوم، وبات صوت المدافع قريبا من مقر إقامة بشار الأسد عن أي وقت مضى.

الآن، يسمع صوت الثورة من مطار دمشق الدولي!

إذا ما استخدم بشار الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، فهذا معناه أنه سيصبح ثاني صدام في الشرق الأوسط. وسيكون هذا هو المسمار الأخير في نعشه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنتم لا تحمون الأقليات في سوريا

إن حداً أدنى من الواقعية في التحليل يُظهر أن هذا النوع من (الضغط) المتواصل هو الذي يمكن أن يصل بالمسألة إلى حدّ الانفجار

د. وائل مرزا

الأحد 09/12/2012

المدينة

هذا النداء الصريح في عنوان المقال موجهٌ لطرفين: بعض الدول في النظام الإقليمي والعالمي، وبعض رموز المعارضة السورية.

فمنذ عامٍ ونيّف، تخرق آذاننا (نصائح) حماية الأقليات وضرورة وجود (تمثيلٍ) واضحٍ لها في كل جسمٍ من أجسام المعارضة. يجري هذا في العلن كما يتكرر في اللقاءات والاجتماعات الخاصة،ويُسمع من السفراء إلى الرؤساء مروراً بالوزراء وبعض المثقفين والكُتّاب من كل حدبٍ وصوب.

بل إن من ينظر إلى الصورة من الخارج سيعتقد أن كل مسؤولٍ صغيرٍ وكبير في السفارات ووزارات الخارجية ومكاتب الرئاسة وأجهزة الأمن من أستراليا إلى كندا، ومن روسيا إلى البرازيل، يقضي ليله قلِقاً على الأقليات في سوريا، مشغولاً بحاضرها ومستقبلها، ساهراً على حمايتها ورعايتها وضمان مصالحها.. ولولا أن المرء يعرف تاريخ بلده وواقعه الاجتماعي والثقافي لحسبَ أن الدنيا بأسرها مشغولةٌ بهذا الهمّ، اللهم إلا الشعب السوري نفسه، والأكثرية فيه على وجه التحديد!

هكذا، عشنا مع هذا (الموّال) طيلة الأشهر الماضية. لم يشفع للشعب السوري ومعارضته شيءٌ في هذا المجال. فلا تاريخ التعايش ينفع، ولا المواثيق والعهود التي وقّع عليها الجميع تُفيد، ولا الإصرار على وجود التمثيل يُعطي نتيجة. وظلّ الأمرُ وكأن الشعب والمعارضة مُدانان إلى أن يثبت العكس. ولايعلم إلا الله ماهو أصلاً ذلك العكس وكيف يمكن إثباته.

لكنّ الأمر بلغ في الآونة الأخيرة درجةً تُثير الريبة والقلق. فقد قالت العرب قديماً، إذا زاد الشيء عن حدّه انقلب إلى ضدّه. خاصةً وأن الأقليات التي نتحدث عنها لم تعد تقتصر فقط على تلك الشرائح من المجتمع السوري ذات الخلفية الدينية أو المذهبية والعِرقية المختلفة عن خلفية الأكثرية، وإنما بات تعريفها يشملُ أيضاً بعض التوجهات السياسية التي يبدو أنها أُدخلت في هذا الإطار..والخطير أن بعض رموز المعارضة نفسها صارت تعيش هذا الهاجس إلى درجة أنه أصبح محور التفكير والممارسة السياسية في كل محفلٍ ومشروعٍ ومناسبة.

قد يكون ممكناً الصبرُ على هذا الواقع العجيب لو أن مثل هذا الأمر يضمنُ فعلياً حماية الأقليات وتمثيلها العادل، فهذا مطلبٌ سوريٌ بامتياز وحاجةٌ وطنية استراتيجية قبل أن يكون اكتشافاً وصل إليه الآخرون. لكن حداً أدنى من الواقعية في التحليل يُظهر أن هذا النوع من (الضغط) المتواصل هو الذي يمكن أن يصل بالمسألة إلى حدّ الانفجار.

فمن ناحية، تُظهر هذه الطريقة في التعامل مع الموضوع درجةً،كأنها مقصودة،من الإمعان في تجاهل ماتتعرض له الأكثرية،وتهدف إلى (فرك الملح في الجرح) كما يقول المثل الشامي.. فالإخراج الحالي يُجبر الناس إجباراً على المقارنة بين صمتٍ عالمي على قهر الأكثرية باسم الأقلية لعقود، يقابله إبداءُ حرصٍ على الأقليات، نعتقد أنه كاذبٌ ومزيف، وإن بدا ظاهرياً كبيراً وغير مسبوق. وهذه عمليةٌ تحمل في طياتها كماً مقدراً من خلط الأوراق وخلق الأجواء التي تدفع إلى الانفجار دفعاً، بينما يدّعي أصحابها أنهم يعملون لغير ذلك.

ومن ناحية ثانية، هناك خطورةٌ كبيرة في الوضع الحالي، حيث تُوضع الأقليات في سوريا بهذه الطريقة في موقعٍ لاترضاه هي قبل أن يرضاه لها غيرها. فهذا الإخراج المُبتذل يُعطي أوراقاً لمن يريد أن يصطاد في الماء العكر، ليقول بأن هذه الأقليات تستنجد بالغرب والنظام الدولي، ولاتجد الحماية إلا من خلالهما. وأن الأقليات لاتثق بكل المعطيات والحقائق الحضارية الكامنة في التاريخ السوري، وأنها لاتثق بأن شعب سوريا قادرٌ على المحافظة على هذا التراث، وعلى أن يقوم بفرض إسقاطه المعاصر بعد انتصار الثورة ثقافياً وقانونياً ودستورياً وبكل طريقة ممكنة. هذا فخٌ يجب أن تفكر به كل الأطراف ذات العلاقة إذا كانت صادقةً فيما تدّعيه، والأقليات السورية أكبر وأوعى من أن تفكر بهذه الطريقة. وإذا كان ثمّة قلائل يُعدّون على أصابع اليد يمارسون عمليات التخويف من خلال اتصالاتهم مع بعض الدوائر الدولية.. فإن على هؤلاء أن يُدركوا حجم الإساءة التي يقومون بها تجاه سوريا وأهلهم فيها.

ثمة معنىً آخر يكمن في مثل هذه الممارسة ويحتاج إلى تأملٍ عميق. فالموقف المذكور يوحي وكأن الأقليات في سورية لايمكن أن تعيش آمنةً مطمئنة إلا في ظلّ الديكتاتوريات وأنظمة القمع، وهذا يخالف الحقيقة إلى حدٍ كبير. فالحقيقة الصارخة توضح أن عدد مسيحيي سورية بدأ يتناقص مع تسلّم حزب البعث للسلطة. يذكرالباحث رضوان السيد أن أكثر من مليوني مسيحي هاجروا من سورية خلال العقود الخمسة الماضية، أي بدءاً من تاريخ انقلاب البعث. ويقول عبده سيف في كتابه (الطوائف المسيحية في سورية) أن «الوجود المسيحي أخذ يتطور خلال الحقبة العثمانية الممتدة على أربعة قرون بنسبة كبيرة. ففي عام 1517، كان المسيحيون 7% من مجموع عدد سكانها، وأصبحوا يشكلون في 1918 أكثر من 20%»!..

وفي هذا دلالاتٌ على طبيعة العلاقة بين الأكثرية والأقليات لايجوز القفز فوقها بتبسيطٍ واختزال.

مرةً أخرى، لابأس من التذكير. لكن ثمة فارقاً كبيراً بين ذلك الأمر وبين ممارسةٍ تكاد تصل إلى درجة الوصاية القبيحة. نحن نتحدث ياسادة عن شعبٍ لايحتاج أن يعلّمه أحد دروس التعايش من الألف إلى الياء وكأنه طارىءٌ على هذا الموضوع!

وإذا كانت بعض أطراف النظام الإقليمي والدولي تغفل عن الحقائق المذكورة أعلاه لسببٍ أو آخر، فإن من الخطير أن يقع ساسة المعارضة السورية في هذا الفخّ، وأن يكونوا سبباً لتفجير الأوضاع، فيصبحوا جزءاً من المشكلة في حين يعتقدون أنهم جزءٌ من الحلّ المنشود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف على محك الثورة

عمر العبد الله()

المستقبل

9-12-2012

يزداد الصراع في سوريا دموية مع كل يوم يمر من عمر الثورة السورية، فينتشر الموت أكثر على طول الأرض السورية وعرضها. وتستمر، مع كل الدماء، المحاولات السياسية لإيجاد مخرج للأزمة، التي أصبحت الشغل الشاغل للعالم. وآخر إبداعات العالم في هذا المسار هو ما تسرب عن خطة المبعوث العربي الدولي السيد الأخضر الإبراهيمي عن تنحي الأسد وتولي وزير دفاعه قيادة المجلس العسكري في سوريا، وكأن الشعب السوري مشكلته مع الأسد شخصية.

هذا النوع من الطروحات لا تزيد الأزمة إلا تعقيداً، فالشارع السوري يرفض أي نوع من الحلول، التي يمكن أن تبقي النظام أو أحد أركانه في السلطة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعارضة، لكن الأخيرة قد يدفعها الضغط الدولي إلى القبول بحلول وسط لا ترضي السوريين، ولا تصل إلى الحد الأدنى من قناعاتهم. وفي حال صحت هذه الأخبار المسربة فإن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية سيجد نفسه في مأزق خطر للغاية، فهو بين نار القبول بحل وسط يبقي جزءاً من النظام تحت اسم الحفاظ على الدولة من الانهيار، ونار الشارع المنتفض المستعد للإطاحة بأي جهة يمكن أن تقبل بهذا النوع من الحلول.

صحيح أن المشكلة السورية أكبر من أن تحل بطريقة عسكرية بحتة، فهذا سيؤدي إلى دخول البلاد في نفق له بداية ولا تعرف له نهاية، ويحتاج إلى جانب سياسي مدعوم داخلياً وخارجياً قادر على إدارة الدولة سياسياً، في ظل مستقبل مجهول لا أحد يدري إلى أين يمكن أن يتجه، وهذه هي المسؤولية الحقيقية الواقعة على عاتق الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي تمكن رغم عمره القصير من كسب أول معاركه وهي اعتراف عدة دول به كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري.

هذا الطريق هو الأصعب بالنسبة إلى الائتلاف، من حيث الحفاظ على ثوابت الثورة السورية ومن حيث تحقيق المكاسب السياسية على الصعيد الإقليمي والدولي، وهو الطريق ذاته الذي سلكه المجلس الوطني السوري، فرغم كل المشاكل التي واجهت المجلس الوطني السوري، من ضعف في الأداء وتقصير تجاه الشارع ،إلا أنه حافظ على ثوابت لم يقبل أن يتنازل عنها وهي إسقاط النظام وتفكيك أجهزته الأمنية ورفض الدخول في أي نوع من الحلول السياسية، التي تبقي على النظام، ما أدى إلى تهميش المجلس بالكامل وخروجه من الحياة السياسية لسوريا ويمكن القول أن الائتلاف الوطني اليوم على محك أول تجربة حقيقية له مع الثورة، فإما أن يحافظ على التوجه نفسه الذي أدى إلى إعلان وفاة المجلس الوطني، أو أن يسلك الطريق الآخر ويعلن وفاته بنفسه وخروجه من أي مستقبل سياسي لسوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صرخة "أنا إنسان ماني حيوان"

"كوجيتو" الكينونة في ثورة السوريين

عمر كوش

المستقبل

9-12-2012

شكلت الصرخة التي خرجت من أعماق أحمد عبد الوهاب: "أنا إنسان ماني حيوان"، كوجيتو الثورة السورية بامتياز، ودخلت قاموسها الفلسفي، بوصفها المفهوم - الحدث المؤسس للثورة، التي انبثقت عن حراك احتجاجي سلمي عام، انطلق في الخامس عشر من آذار/ مارس 2010، كي يعبر عن رفض السوريين استمرار العيش في ظل حكم النظام المستبد القائم، ومازال ينشد الحرية والكرامة حتى يومنا هذا.

وأحمد عبد الوهاب، إنسان ينشد الحرية واسترجاع الكرامة، مثله مثل عامة السوريين. ليس فيلسوفاً ولا عالماً، بل ولد في الثورة السورية ومعها، حيث وجد كينونته - مثل كثير من السوريين - معها، وتحول إلى أيقونة من أيقوناتها، بعد أن دشنت عبارته كوجيتو كينونة الثورة، بوصفها مفهوماً رصفت مركباته مقام الثورة، ودمج عناصره الذات والذاكرة، وأعلن أكتشاف الأنا والصوت واللسان، الأمر الذي يشي بأن "أنا" المحتج باتت حاضرة ليس فقط في صرخاته، بل حاضرة كذلك في لغة الشعارات والكتابات، التي خطها أطفال درعا ومبدعو كفرنبل وشباب بستان القصر وجامعة حلب والميدان والقابون والزبداني ودوما وحمص وإدلب وقامشلو ومختلف شوارع وساحات الثورة في سوريا.

وإن كانت اللغة أحد المكوِّنات الأساسية التي لا تشكل وسيلة للتواصل بين الناس فحسب، بل إطارًا يحدد المفاهيم الثقافية والسياسية والاجتماعية، التي تشكل المنظومة الفلسفية لمجتمع ما، فإن من ضمن هذه المفاهيم ما يرتبط إلى حد ما بمسألة "رمزية" اللغة، وهي مسألة يغوص فيها عامة الناس، من دون إدراك أو بشكل لاواعٍ. وهي تحضر دوماً في العبارات المكتوبة في أكثر من خطاطة وشعار.

ويمكن أن نستخرج من صيغة: "أنا إنسان.. ماني حيوان" معاني ومركبات ودلالات كثيرة لا حصر لها، ونحملها بحمولات متعددة، تتكاثر أو تتكثر مكوناتها وتتوالد الواحدة من الأخرى، بتغير الفعل وزمنه والفاعل وضميره، أو بتغيير صيغة الجملة. ذلك أن اللغة العربية، شأنها شأن كثير من اللغات، تمتلك سياقات كثيرة بمعنى واحد أو بمعان كثيرة. وهذه القدرة الهائلة على استخراج التعدد والاختلاف في المعاني والدلالات اسماها الفلاسفة، القدرة على التفلسف، بوصف الفلسفة حركة اللامتناهي في السرعة والانسراع والتحليق والانبساط والاحتواء والتخطيط والتأطير .. إلخ، وما ليس هذا، وليس ذاك.

في هذه الصيغة يؤسس كوجيتو الثورة السورية مفهوماً فلسفياً، أو لنقل مفهوماً فلسفياً للثورة، يمكن استعراض مستويين يؤطرانه. يتجسد الأول في صيغة: "أنا إنسان"، التي تجمع بين الذات والوجود الإنساني، إذ حين تمتهن الكرامة، يعتصر القلب ألماً، ويصرخ الإنسان بكل جوارحه: أنا إنسان، أنا بني آدم، بوصفها مقولة تأكيد وجود حرّ. أما المستوى الثاني، فيتحدد في صيغة "ماني حيوان" التي تنفي عن الإنسان الفرد صفة الحيوانية، ليس انتقاصاً من الحيوان، بل تمييزاً عنه، بامتلاك الكرامة. ومن يمتلك الكرامة يشعر بوجوده الإنساني المعزز، ويتحرر من العبودية، حيث الكرامة والحرية، هما مركبا التأسيس في الثورة السورية، جمعتهما أنا الثائر كي تجسد كينونته، فالوجود هنا وجود كينونة، والكرامة هي كرامة إنسان سوري، امتهنت كرامته على مدى أكثر من أربعة عقود خلت، لذلك نهضت الثورة على كينونة حرةّ، رافضة للذل والإهانة، الأمر الذي يفسر أن شعار التأسيس الأول، انطلق منذ الشرارة الأولى للثورة في صيغة "الشعب السوري ما بينذل" من ساحة "الحريقة"، من قلب العاصمة دمشق، ثم وجد أقلمته في مدينة درعا في صيغة "الموت ولا المذلة"، ثم ترادف مع شعار "حرية..حرية.."، وراحت جموع المحتجين تردده في سائر أحياء المدن وشوارع البلدات والمناطق السورية.

يحيل المستوي الأول للكوجيتو على الذات الإنسانية الحرّة، التي يكتمل وجودها في المستوى الثاني، ويتراص معه على مقام الثورة، بوصفه وجود كينونة كريمة أيضاً، ولا أسبقية بين مكونات الكوجيتو، بل ترابط لا يحيل إلى بناء تراتبية ما، حيث الكرامة والحرية هما شرطا تحقق الكينونة، فيما الثورة باتت حدثاً، متعدد الأفعال، يجد تحققه في الحرية والتحرر، أي شرط تحقق للكينونة، بوصفه شرط وجود الذات، وناظم علاقتها ووجودها بالآخر، والعالم والأشياء، وضمن ذلك وجود الوطن والبشر والإقليم والتاريخ . . إلخ.

وعلى الإجمال، فإن مفهوم الثورة يحيل إلى قول إشاري حواري، يأخذ صيغة جملة اسمية، ويحتوي على مكونات الكينونة والحرية والكرامة، وتنغلق في:" أنا إنسان ماني حيون"، كي تنفتح مكوناته ومركباته، بوصفها قيماً تستند إلى الموروث الإنساني، وليس فقط موروثنا الثقافي، أما مرجعه فيعود إلى الحداثة وإنجازاتها المعرفية المتعددة.

غير أن الحروف الواضحات، والغامضات كذلك، التي تحيل إلى المفهوم، إنما تحيل إلى اللغة التي تقول الأشياء. أشياء الوطن. الوطن موجود في الثورة. الثورة لا تنتظر أحداً ولا شيئاً، بل، لا تعرف الانتظار، فمن تأخرت ولادته، فإن لا أحد ينتظره، ذلك أن الماضي يمضي كما هو، لا يُقاد ولا يقود، ولا يتبقى منه غير آثار قد تذوب ولا تذوب، وذكريات قد تمحى ولا تمحى.

وفي الإنشاء الثوري أو لنقل الخلق الثوري، يستخدم الإنسان الكلمات والحروف، ويركبها جمالياً ليخلق منها صياغات تعجنها الأحاسيس والإنفعالات، وهذا يجعل اللغة ترتعش وتثغثغ، أو حتى تغني وتهتف وتصرخ، وهو ما يميز شعارات الثورة السورية، إذ نجدها تستبدل الانفعالات ومختلف المؤثرات، من مشاهد ووجوه ورؤى وصيرورات، بحقول أو مركبات أحاسيس تحل محل اللغة، فتنشأ بذلك لغة أخرى داخل اللغة. لغة اللغة هذه، تنادي شعباً للمجيء وأرضاً أو وطناً كي يستريح، ولأجل ذلك يطوع المحتج لغته، يبعثرها ويجعلها تهتز ويحضنها ويداعبها. وقد يمزقها كي يحصل منها ما يريد من أحاسيس تجسد العذاب الإنساني المتجدد على مدى أكثر من عشرين شهراً خلت من عمر الثورة.

وقد دخل العديد من الشعارات والكتابات في كنف العقل الثوري، بعد أن أزاحت عن طريقها براثن العقل السلطوي، ثم انتقلت من بعد لتتراص على مقامات تشييد، جسدها سوريون في تظاهراتهم وهتافاتهم وحركات أجسادهم. وجرت الإحالة في أكثر من شعار إلى الذاكرة السورية والتاريخ السوري. على أن يفهم من كلمة سوريا، سوريا البشر والإقليم والبيئة المكتنفة. لكن الجديد الذي قدمته الثورة السورية، لا ينحصر فقط في كوجيتو الكينونة، بل يمتد إلى حركات الأجساد، والكرنفالات المرافقة لها، وتسونامي الأجساد البشرية، ويمتد أيضاً إلى معنى أن كل إنسان في الثورة هو مشروع شهيد، وإلى معنى أن كل إنسان يشيع أحد رصفائه، يعلم أنه قد يأخذ مكانه في تابوت التشييع.

ولا تغادر مقامات الثورة ولغتها تأثيرات ثورات الحرية والكرامة العربية، أو ما عرف بثورات الربيع العربي، لكن ما يميزها هو فرادتها في مواجهة أعتى نظام ديكتاتوري في حاضر العرب وماضيهم، الأمر فرض عليها ما لم يفرض على غيرها من تضحيات ومسارات مكلفة. ولعل ارتباط مفاهيمها يمتد إلى جذور عميقة، تمتد إلى الثقافة الشعبية، وتنهل من معين الحداثة، ومن خزانها، المعرفي والحسي، السياسي والاجتماعي، ومن التراث الشعبي، وترتبط بالزمن السوري الضارب عميقاً في التاريخ، وفي الوجدان، حيث الأشواق والأمنيات والأحلام تكمن دافئة في ثنايا الذاكرة الجمعية.

يبقى أن الثورة السورية ليست تاريخاً، بل إن التاريخ سيذكرها طويلاً، بوصفها فعل مقاومة، مقاومة الاستبداد والاحتلال والذل والعبودية والهوان. وهي لم تنتظر أحداً سوى ابنائها، ولم يشهدها توافق المعارضة المرتهنة ولا حساباتها. وترفض أي وصاية عليها؛ ولا حاجة للتوسط ما بين العالم وبين الثورة، وإن هذا التوسط إن وجد، فهو مفروض بالقوة من قبل سلطة ما، سلطة القوى الدولية، وهو يقيد الثورة ويضر بها. وقد برهنت المعارضة أنها تعتاش على التفوه باسم الثورة، وكثيراً ما تغيب الصيرورة عن محافل المؤتمرين منها والساعين للصعود على الثورة، في انتظار أوامر أصحاب معيارية حقوق الإنسان، من أميركيين وروس وفرنسيين وعرب وسواهم. ذلك أن معيارية ساسة الدول لا تقول شيئاً عن أشكال المعاناة اليومية، المحايثة للإنسان السوري وتضحياته، إنما تُخفي شعوراً بالعار أمام الكارثة الأسدية، والجرائم التي تخلفها في كل يوم. وهذا ما يشكل دافعاً قوياً وخفياً للثورة.

إنه عار أصحاب المعيارية، ومعهم أصحاب التوافقات السياسية، بإنسانيتهم، عار تجاه الضحايا. يمتدّ إلى انحطاط الحياة الملازمة لمساومات المعارضين، وإلى انتشار أنماط من التفكير والحياة ترى في الكارثة السورية كعكة قابلة لالتهام، وفرصة لتضخيم الذات وتسمينها.

وعار أن يصبح الائتلاف هو الإبداع، والمُعارض هو المفهوم، وأن يدخل المفهوم في حواسيب الدول، كي يغدو منتوجاً قابلاً للبيع في الأحداث الدامية التي أمست معارضاً. العارض هو المعارض السياسي. وعلى الثورة أن تدخل كلية المصالح الدولية، التي تخرّج ساسة، يدعون الحرص على الأقليات ويتاجرون بها، كي يحققوا إجماعاً على استمرار جريان نهر الدم السوري.

ومع ذلك، فإننا إذا تفحصنا اليوميات السورية، سنقف على قدر هائل من المعاناة والتضحيات، التي تجعلنا نستشعر مجيء المستقبل المنشود. إنها صيرورة الزمن الآخر الذي لم يأت بعد، أو صيرورة الغير، التي لن تتحقق إلا في عالم الأغيار، لذلك لن نطلب سوى القليل كي نحمي أنفسنا من السديم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل الكلام عن السلاح الكيميائي هو ذريعة للتدخل؟

المستقبل

9-12-2012

الأميركيون يرفضون التكلم عن السلاح الكيميائي الذي بحوزة ايران النووية. ولكن حول سوريا، لم يترددوا، وتكلموا بطلاقة عن الكيميائي السوري، بل أعلنوا ان استخدامه هو من "الخطوط الحمراء" التي لا يتوجب على الأسد تجاوزها. بقساوة لم نعهدها، حذر اوباما من ان "اللجوء الى السلاح الكيميائي أمر غير مقبول على الإطلاق". وأضاف: "إذا ارتكبتم الخطأ المأساوي واستخدمتم هذا السلاح الكيميائي، فان ذلك سوف يكون له مضاعفات خطيرة، تتحملون أنتم تبعاتها". تلك هي الكلمات التي أرسلها باراك اوباما الى الأسد منذ أيام.

الأميركيون عبّروا عن قلقهم بعد ورود أنباء تتكلم عن قيام قوات الأسد بتجميع المواد الكيميائية تمهيدا لاستخدامها عسكرياً. والأرجح ان غاز "السارين" هو على رأس المواد السامة التي تحوَّل لهذا الغرض. و"السارين" هو أقوى السموم التي اخترعها الانسان. وهي مادة لا لون لها ولا رائحة. الباحثون الألمان هم الذين اخترعوه، عام 1939، في سياق اشتغالهم على مبيدات للحشرات. وفي العام 1995 استخدمته طائفة "أووم" اليابانية اثناء عملية ارهابية قامت بها في مترو أنفاق العاصمة طوكيو.

غاز "السارين" يشلّ الجهاز العصبي ويؤدي الى الموت الناجم عن توقف القلب والتنفس في آن معا. واذا استخدم بجرع قليلة يتسلل الى القصبة الهوائية او بمجرد اللّمس.

وبحسب المدونة المتخصصة للكاتب دنجر روم، فإن السوريين "بلغوا مستوى من التركيب لا ينقصه سوى تحميله على ظهر طائرة والقاء حمولته جواً". ولكن الكمية التي معهم قليلة. من هنا قلق البيت البيض، من أن النظام الذي، كلما ضاق الخناق عليه، فكر باستخدام هذا السلاح ضد شعبه. انه سيناريو كارثي، لم تلتفت اليه دمشق كثيرا. فبحسب وكالة الانباء الرسمية سانا، أعلنت وزراة الخارجية السورية بأنها "لن تستخدم هكذا سلاح ضد شعبها، إن كانت تملكه".

اما الاسرائيلي ايلي كارمون، المتخصص باستراتيجية محاربة الارهاب، فيقول بهذا الصدد ان سوريا لن تستخدم هذا السلاح. واذا قامت، برأيه، فسوف يكون ذلك مثل الضوء الأخضر للتدخل الاجنبي. كيف نفسّر إذن التحركات المشيرة الى هذه النوايا؟ يجيب ايلي كارمون بأن هذه التحركات لا تعبّر إلا عن "صراع من أجل البقاء" من جانب النظام السوري. ويتابع: "انهم يسحبون من مخزون السلاح الكيماوي لينقلوه الى الجيب العلوي غرب البلاد، ليحموا أنفسهم من مجزرة محتملة".

أما مورو ديفارغ فله رأي آخر: يقول ان كل الموضوع هو "خدعة قام بها الأسد". اذ ان غاز كهذا معقد وخطر. قد يكون مستخدمه أول ضحاياه، وذلك بحسب اتجاه الريح. ولكن، يختم "إذا بلغ الأمر بالأسد حدّ الشعور بالنهاية الحتمية، فسوف تكون ضربة يوجهها الى نفسه، سوف يوقع بذلك على قرار نهايته، ولن يجد مكانا في الخارج يلجأ اليه".

بما أن سوريا ليست عضوا في منظمة منع استخدام الاسلحة الكيميائية، فاننا لا نملك أية معلومات رسمية عن مخزونها. على كل حال فان الحماسة المفاجئة ضد احتمال استخدام "سلاح الدمار الشامل"، تذكرنا بحماسة مماثلة عام 2003 في العراق. والحال، انه بعد سقوط صدام لم يجد أحد اثرا لهذا السلاح.

مركز الدرسات حول الحد من الأسلحة يقول في تقرير له ان سوريا تملك على الأقل أربعة او خمسة مصانع سلاح كيميائي، تقع في دمشق وحلب وحماه. والمخزون الذي راكمه النظام من هذا السلاح يتضمن أيضا سموماً تقليدية مثل الخردل والسارين والفي إكس، وجميع هذه السموم تؤدي الى الموت (...).

[ أرمين آريفي- مجلة "لوبوان" الفرنسية (4 كانون الأول 2012)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أكراد سوريا وأقرانهم العراقيون؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

9-12-2012

يلعب النموذج العراقي دورا مؤثرا في رسم الملامح المستقبلية عند بعض الأكراد السوريين وخاصة لجهة سعيهم إلى قيام كيان فيدرالي في سوريا على غرار ما هو قائم في العراق، يكون فيه مكان وسياسة يخصان الأكراد، وقد تبدى هذا التوجه واضحا في المطالب التي رفعتها الحركة الكردية السورية خلال العام الماضي، وحاولت تعبئة الأكراد خلفها، ووضعتها في سياق الشروط، التي تحكم علاقاتها مع قوى المعارضة السورية في إطار رسم ملامح مستقبل البلاد.

وعلى الرغم من أن من حق الأكراد وغيرهم من السوريين التعبير عن رؤيتهم للمستقبل ولشكل حضورهم ودورهم فيه، فإن من الحق أيضا بناء تلك الرؤية على أسس موضوعية وذاتية، تكفي لتحقيق تلك الرؤية، وجعلها ممكنة من الناحية الواقعية بأقل قدر من الخسائر والتضحيات والجهود حتى، الأمر الذي يفرض التوقف عند بعض المعطيات المحيطة بواقع الأكراد السوريين وأقرانهم العراقيين في مفاصل وتفاصيل تتعلق بموضوع الفيدرالية وإمكانياتها.

تعيش الكتلة الرئيسية من أكراد العراق في منطقة شمال العراق، والتي باتت تؤلف اليوم إقليم كردستان العراق، وهي منطقة متصلة جغرافياً، يعيش فيها نحو خُمس العراقيين، وقد ترسخ فيها الوجود الكردي طويلا وثمة مدن إقليمية ذات أكثرية كردية منذ زمن طويل مثل أربيل والسليمانية، فيما وضع أكراد سوريا يكاد يكون مختلفا في كثير من المعطيات السابقة، إذ لا يشكل الأكراد أكثر من عشرة في المائة من السوريين، وهم أكثر انتشارا في الأنحاء السورية من انتشار أشقائهم في العراق، على الرغم من وجود كثافات لهم في مناطق معينة، لكنها لا تشكل منطقة امتداد جغرافي واحد. وإذا كانت القامشلي هي المدينة الإقليمية عند أكراد سوريا، فهي مدينة مختلطة كما هو معروف وأكثريتها الكردية غير حاسمة، إضافة إلى أن القامشلي التي نشأت في ثلاثينات القرن العشرين ليست بالإرث الكردي كمدن في شمال العراق، وإنما هي أقرب إلى كركوك، التي يجري عليها صراع عربي كردي تركماني.

والنقطة الثانية، تتضمن أن الحركة الكردية في العراق، تمثل المرجعية الأهم للأكراد على مستوى المنطقة، وهي متمركزة في ثلاثة تنظيمات كبرى، أولها حزب رئيس كردستان العراق مسعود برزاني الحزب الديمقراطي، وحزب رئيس جمهورية العراق جلال طالباني الاتحاد الديمقراطي، والحركة الإسلامية، تضاف إليها قلة من تنظيمات صغيرة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، بينما الوضع مختلف لدى الحركة الكردية في سوريا، إذ هي تضم أكثر من خمسة عشر حزبا وجماعة أغلبها محدود الأعضاء، متوافقة شكليا ومختلفة واقعيا على الرغم من كل المطالبات من أجل وحدة تلك الجماعات التي صدرت عن أوساط كردية وعربية سورية في سنوات العقد الماضي. وإن كان ثمة جماعة كردية قوية وفاعلة في سوريا، فهي حزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط فكريا وسياسيا وتنظيميا بحزب العمال الكردستاني (P.K.K)، وهي جماعة مغايرة للتوجهات الكردية السائدة في كردستان العراق وفي أوساط الأحزاب الكردية السورية، بل إن الأمر الأهم في واقع أكراد سوريا الراهن، أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الوحيد الذي يملك ميليشيات مسلحة، وقد جرى استخدام هذه القوة في الفترة الماضية ضد قيادات كردية ومواطنين أكراد وغيرهم من السوريين، ولم تغير اتفاقية هوليير 2012 بين الاتحاد والمجلس الوطني الكردي الطابع الاختلافي بين الطرفين من جوانب مختلفة.

والنقطة الثالثة، تمثلها سياسة كردية عراقية، تقوم على معطيات واقعية، ليس في كردستان فقط، بل في العراق عامة، وهذا أمر ليس وليد سنوات الكيان الكردي الراهن هناك، أي سنوات ما بعد سقوط نظام صدام حسين، بل قبل ذلك بكثير، وهي سياسة تجد لها صدى واقعيا وعمليا في أنحاء العراق الأخرى، ولها دعم ومساندة من جماعات وقوى سياسية عراقية موجودة في عموم العراق ولدى كل مكوناته، فيما السياسة الكردية في سوريا حديثة بمعناها الشامل والواسع سواء في منطقة الانتشار الكردي أو في عموم سوريا، وهي سياسة في غالبها لا تقوم على معطيات واقعية بل افتراضية، أي على ما ينبغي أن يكون، إضافة إلى أن الجماعات والأحزاب الكردية، تعاني من شكوك وحذر في علاقاتها مع كل الأحزاب والجماعات الأخرى في سوريا بما في ذلك قوى تدعم بصورة غير محدودة مطالب الأكراد السوريين وحقوقهم، وهي قوى قالت منذ نحو عشر سنوات، إن قضية الأكراد، لا تخص الأكراد وحدهم، بل هي قضية وطنية سورية بامتياز، وحلها هو واجب السوريين جميعا.

إن طموح أكراد سوريا إلى تجسيد ما تم لأكراد العراق، يتطلب التدقيق فيما عليه الوضعان من اختلافات، قد تضع الوضعين في سياقين مختلفين. وبالتأكيد فإن الاعتماد على وجود حالة معينة في العراق أو في أي مكان آخر، لا يعني أن بالإمكان تجسيدها واقعيا لا في سوريا، ولا في أي مكان آخر من العالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أخطاء قاتلة.. الطائفية

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

9-12-2012

ليس المقصود بالطائفية هنا تلك التي رعتها ونمتها السلطة السورية خلال نيف ونصف قرن، وجعلت لها وظيفة محددة، مزدوجة الطابع، هي:

- أن تكون حاملها ما قبل المجتمعي، المحدث أمنيا والموضوع في خدمتها بغض النظر عن أية ظروف أو شروط.

- أن تلعب دورا تمزيقيا بالنسبة إلى القاع المجتمعي، وتحول بالقوة إن لزم الأمر دون وحدة السوريات والسوريين ضد السلطة أو في مواجهتها.

هاتان الوظيفتان بينت الأزمة السورية الراهنة كم نجحت السلطة في تحقيقهما، وكم ألزمت المواطنات والمواطنين بهما. وعلى عكس ما كان متوقعا أو شائعا، فقد ظهر واضحا فشل السلطة في ما كانت تعد نفسها به من تحويل الصراع المجتمعي ضدها إلى صراع؛ فاقتتال طائفي بين المواطنين، يجعل منها حكما في عراك كانت طرفا فيه.

ما أعنيه بالطائفية في هذه المقالة هي تلك النزعة الموجودة لدى أطراف وازنة في المعارضة نحو تطوير طائفية بديلة أو نقيضة لطائفية السلطة الرسمية، وهي نزعة ظلت خارج النقاش السياسي أو الوطني العام، رغم أنها خطيرة إلى درجة أنها يمكن أن تفضي إلى إنجاح خطط النظام في إثارة حرب أهلية وطائفية عامة، لكونها تمثل الوجه المقابل لطائفيته وتملي على أتباعها سلوكا مشابها لسلوك السلطة، إن توطدت وسادت حلت كارثة لا حدود لها بسوريا، قد تؤدي إلى إنهاء وجودها بوصفها دولة ومجتمعا موحدين.

مثلما تنفي السلطة عن نفسها الصفة الطائفية، وترى فيها تهمة تعاكس في مضمونها ومحتواها بنية النظام «العلماني» القائم، تنفي المعارضة عن نفسها هذه الصفة وترى فيها تهمة ظالمة لا مبرر لها، بحجة أن القوى الديمقراطية تكون غير طائفية بحكم بنيتها ووظيفتها، ومثلها القوى الإسلامية التي تؤمن بوحدة المؤمنين. لا يعني ما سبق أن القوى الديمقراطية والإسلامية تتقصد أن تكون طائفية، على غرار ما فعلته السلطة، بل هو يعني أحد أمرين:

- إما أنها لا تثق بالطائفة التي تعتقد أن النظام يعتمد عليها، ولا تحبذ وجود المنتسبين إليها بين أعضائها، خشية أن يخترقها النظام بواسطتهم. ومع أن جميع أحزاب المعارضة السورية تنفي عن نفسها تهمة الطائفية، فإن الممارسة التي تقصي أبناء طوائف بعينها عن صفوفها تعتبر شائعة بينها، وتأخذ غالبا شكل أحكام مسبقة لدى أعضائها، أو «توجيهات داخلية» مسكوت عنها تحذر من التراخي التنظيمي وازدواجية الولاء في حال قبول أفراد مما يسمونها «طوائف النظام» بين صفوفها. يعزز أصحاب هذه التوجيهات مواقفهم بالحديث الصحيح عن الحضور الأمني الكثيف بين المنتسبين إلى بعض الطوائف المحسوبة على النظام.

- أو أنها قررت إقصاء من تسميهم «الطائفيين» عن صفوفها، كي لا يسمموا أجواءها الخاصة بصفتها معارضة، أو يشوهوا صورتها لدى الرأي العام المعادي للنظام، الذي يتبنى قسم غير قليل منه مواقف طائفية ضد هؤلاء. إلى هذا، هناك في المعارضة جماعة سياسية طائفية حقا، لا تقبل انتساب أعضاء من جميع الفئات السورية إليها، وتقصر عضويتها على أبناء مذهب بعينه، فالطائفية هنا عضوية ولصيقة بالتنظيم، تبرر مرة بكون أتباع المذهب المعني هم أغلبية وهذه لا تكون في العادة طائفية، ومرة أخرى بأن هؤلاء يروجون أفكارا عامة ويعملون في سبيل مقاصد سياسية واجتماعية تخص جميع المواطنين، فلا يعقل أن يكونوا طائفيين أو أن تنطبق عليهم تهمة الطائفية.

ومع أن طائفية المعارضة ليست في شدة ووضوح طائفية النظام، فإنها موجودة بالطريقة المسكوت عنها التي سبق ذكر بعض أوجهها، وتلك التي أملتها السلطة على السوريين، وتحول بينهم وبين التطرق إلى موضوع الطائفية وتجعله محرما لا يجوز الاقتراب منه، لأن ثمن ذلك مرتفع سياسيا وباهظ أمنيا، بما أن النظام ينقض دون إبطاء أو تسامح على أي مواطن يلفت الأنظار إلى الظاهرة أو يبرز خطورتها، ويفتك به بحجة تقويض الوحدة الوطنية، واختلاق مواضيع زائفة تضر بطابع السلطة العلماني وتضعف البلاد والعباد، وتخدم بالتالي الأجانب. ولعله من بلايا الطائفية السورية أنها لم تكن في أي يوم موضوع حوار مفتوح أو تأمل صريح أو معالجة جدية داخل سوريا، وأن السلطة ومعارضيها يتعاملون معها وكأنها غير موجودة، مع أنها أساس رئيسي في بناء الأولى وتحدث تأثيرا سلبيا جدا بالنسبة لقدرة الثانية على بناء نفسها كمعارضة ديمقراطية حقا، أو كمعارضة فاعلة ومؤثرة وواعدة. ورغم إحساس المعارضة بأهمية المسألة، فإنها لم تطرحها وتناقشها بصورة معلنة في أي يوم، ولم تجعل منها نقطة مركزية أو دائمة على جدول أعمال التنوير الفكري والمعرفي، الذي لطالما قالت إنها تريد إيصال مفرداته ومضامينه إلى المجتم. هكذا، حدث أن النظام واصل الاعتماد على الظاهرة الطائفية باعتبارها عاملا مفتاحيا في استقراره الداخلي، بينما أحجمت المعارضة عن التطرق إليها أو التصدي لها، رغم تفاقمها في الواقع، وتقدمها في كل مكان ومرفق، داخل أجهزة الدولة العسكرية والأمنية، وفي بيروقراطيتها، وبالنسبة لقدرتها على تهميش المعارضة وجعلها برانية. تجاهلت المعارضة في برامجها وأنشطتها مشكلة شقت العباد وهددت البلاد، تتصل أوثق اتصال بحياة السوريين الوطنية والشخصية، مع أنها لم توجد لها مكانا بوصفها مشكلة سياسية بالغة الخطورة والحساسية في سلم أولوياتها أو ضمن المعالجات التي تقترحها لأمراض الدولة والمجتمع، ولم تجد في نفسها الجرأة على التصدي لها والحد من تأثيرها الفعلي، لأسباب بينها بنية عضويتها ذات الطابع الذي يرجح غلبة طائفية لصالح مكون معين من المكونات الوطنية، مع كل ما ترتب على ذلك من تشوهات طالت مجمل الحياة الوطنية.

تعاملت المعارضة مع مشكلة الطائفية وكأنها غير موجودة، رغم اقتناعها الصحيح بأنها تحتجز الحياة السياسية وتمنح النظام أرجحية تجعله الطرف الوحيد المؤثر حقا داخل الواقع السوري، الذي يخترقه ويضعفها دون أن تتجرأ حتى على الدفاع عن نفسها، خشية أن يتهمها النظام الذي رعى الفرقة الداخلية على أسس مذهبية وفئوية بالطائفية وتقويض الوحدة الوطنية وخيانة العلمانية.

في الزمن الجديد، الذي نتجه إليه بفضل تضحيات شعبنا، سيكون من الجنون تجاهل مكان ودور الطائفية في حياتنا العامة، ومن الخيانة حقا الامتناع عن معالجة وتصحيح آثارها الكارثية على وجودنا الوطني، والإحجام عن إرساء أسس تحول دون استغلالها من جديد لتقويض المصالح العليا للدولة والمجتمع، بعد أن بات جليا أن تجاهل المشكلة لا يلغيها، بل يفضي إلى تفاقمها بطريقة تحول أكثر فأكثر دون السيطرة عليها، رغم أنها تفتك بالأمن المجتمعي وتبطل كل ما يقوم عليه الشأن العام من قيم وأسس جامعة، وتفسد نفوس الأفراد والتنظيمات السياسية والواقع الإنساني في آن معا!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com