العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16/09/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

زين الشامي / فضائيات تفوح منها رائحة الدم ...مذيعة تمشي فوق جثث «داريا»!!

الرأي العام

11-9-2012

منذ ايام حجبت ادارتا «عرب سات» و«نايل سات» بث القنوات السورية بصفة نهائية تطبيقا لقرار صدر عن وزراء خارجية الدول العربية قبل شهرين تقريبا، في اطار الجهود المبذولة لعزل النظام السوري بعد تجميد عضوية بلاده في جامعة الدول العربية. وكان طبيعيا ومتوقعا ان تصدر وزارة الاعلام السورية بيانا تدين فيه هذا الحجب، وتعتبره «انحيازا مباشرا للمشروع المعادي لسورية» وتطالب الجهات المعنية بالتراجع عنه.

بكل صراحة ورغم أني صحافي اعمل في مجال الاعلام لسنوات طويلة ورغم أني اعارض بشدة اي سياسة او قرارات تنتهك حرية وحق التعبير للرأي الآخر، فإني للمرة الاولى اشعر ان هذا القرار كان صائبا تماماً وان جامعة الدول العربية تأخرت كثيرا في تطبيق قرارها بحق الفضائيات السورية. فبحكم عملي الصحافي ومتابعتي للكثير من وسائل الاعلام في غالبية الدول العربية والأجنبية لم اجد وسيلة اعلام واحدة تشبه الاعلام السوري لناحية عدم تمثيله للجمهور والشعب الذي ينتمي اليه، انه منسلخ تماماً عن الواقع ويعمل من اجل تلميع شخص واحد هو «القائد» والنظام الذي يخوض معركة دموية ضد شعبه رغم ان هذا الاعلام والعاملين فيه يعيشون على حساب دافع الضرائب السوري، وهنا تصبح المعادلة صارخة: تلفزيونات وصحف وصحافيون يتلقون رواتبهم من الجمهور الذي يتوجهون اليه ثم يباركون قتل هذا الجمهور ويبررون المجازر ضده ويصفونه بالإرهابي أيضاً!!؟؟ هذا لم يحصل في كل العالم، هذا لم يحصل عبر التاريخ.

منذ اكثر من عام وحين عرضت الفضائيات السورية الصور الاولى لضحايا التفجيرات التي ضربت مبنيي الاستخبارات العسكرية وشعبة الأمن الجنائي بدمشق، شعر الملايين من المشاهدين عبر العالم بالصدمة من «وقاحة» الفضائية السورية وفضائية «الدنيا» وفضائية «الإخبارية» حين تنافست جميعها في عرض أشلاء ضحايا التفجيرات. هل تصدقون ان تلفزيونا واحدا في العالم اليوم يعرض على جمهوره ايادي مقطوعة ورؤوسا مهشمة واحشاء القتلى؟؟

طبعا بغض النظر عما اذا كانت تلك التفجيرات هي تفجيرات إرهابية ام مفتعلة من قبل النظام السوري وأجهزة استخباراته حيث كانت هناك شكوك كبيرة بوقوف النظام وراء تلك التفجيرات بعد اكتشاف حقيقة الجهة الوهمية التي اعلنت مسؤوليتها عن التفجيرات. ليس ذلك فحسب كان هناك غش رسمي وكذب مارسته تلك الفضائيات السورية حين ادرجت اسماء الضحايا، لقد كان من بين اسماء الضحايا معتقلون سابقون وهناك من تكرر مقتله مرتين في وسائل الاعلام نفسها تلك، فأحد الاسماء قتل مرة على ايدي مجموعات إرهابية في حمص وفي المرة الثانية بسبب التفجيرات؟

وبكل صراحة انا شخصيا لست متفاجئا بهذا الاعلام السوري رغم أني لم اعمل به يوما واحدا. لقد درست في كلية الاعلام في دمشق واعرف جميع المسؤولين الاعلاميبن، أعرفهم عن قرب شديد بحكم عملي ودراستي، ان وزير الاعلام السابق والمدير العام لوكالة سانا ورئيس تحرير صحيفة الثورة وصحيفة تشرين كلهم درسوا معي على المقاعد نفسها في كلية الإعلام، كلهم اصبحوا في مواقعهم الحالية بسبب ولائهم الأعمى للنظام الحاكم منذ ان كانوا جميعا طلبة في كلية الاعلام، حتى ان احدهم وهو يشغل اليوم منصب رئيس تحرير احدى الصحف كتب بحقي تقريرا الى الأجهزة الامنية يتهمني بأني معادٍ للنظام لأني قلت خلال احد النقاشات المفتوحة وكنت طالبا في السنة الثانية، ان الرئيس جمال عبد الناصر هو قائد تاريخي ومحبوب؟؟ طبعا اعتبر «زميلي» الذي كان يجلس بجانبي وقتها أني ضد النظام لأني لم اقل ان الرئيس حافظ الاسد هو القائد التاريخي والمحبوب؟؟ زميلي هذا هو اليوم رئيس تحرير وحين تخرج في الكلية وجد عملا منذ اليوم الاول وأدى خدمته العسكرية لاحقا في فرع المنطقة التابع للاستخبارات العسكرية حين كان يرأسه اللواء هشام الاختيار الذي قتل في شهر يوليو الماضي في تفجير مبنى الأمن القومي.

أيضاً مدير مؤسسة إعلامية كبيرة رسمية أدى خدمته الإلزامية في ذلك الفرع وكان معروفا وتطرفه الأعمى وولائه الاستخباراتي للنظام، لقد كان رجل امن اكثر من كونه طالبا في جامعة يدرس الصحافة والإعلام.

اوردت هذه القصص الشخصية من اجل ان نعرف حقا من هم الذين يديرون الاعلام السوري، انهم أشخاص بعيدون جداً عن الواقع وعن الجمهور، لا بل ربما هم خصوم وأعداء الشعب السوري وهم اقرب الى رجل الأمن من المواطن السوري.

طبعا آليات التوظيف والعمل في الاعلام السوري تعتمد على موافقة الأجهزة الامنية اولا وأخيرا سواء كان طالب العمل عامل تنظيفات او حارسا او «فراشاً» وصولا الى الصحافي المحرر او المذيع او المذيعة. وايضا وبسبب ذلك علينا ان نفهم وندرك الانتهاك الشائن بحق اخلاق مهنة الصحافة الذي مارسته مذيعة قناة «الدنيا» الفضائية السورية في مدينة «داريا» حين غطت للتلفزيون الذي تعمل به المجزرة التي وقعت في المدينة والتي راح ضحيتها المئات من بينهم الكثير من النساء والأطفال.

ففيما يعتبر من اشد التقارير التلفزيونية انتهاكا للاخلاق المهنية وانتهاكا لما قالت به الأديان السماوية عن حرمة الجسد الميت وما توافق عليه كل منظري وأساتذة الاعلام عبر التاريخ عن ضرورة احترام مشاعر الاطفال وحيواتهم وعدم إقحامهم في الحروب العسكرية والحروب الاهلية او استغلالهم في حروب التحريض السياسي، بخلاف كل ذلك قامت تلك المذيعة حاملة «لوغو» قناة الدنيا بالمشي بين جثث الضحايا وأجرت مقابلات مع ابناء الضحايا واقاربهم، قرب الجثث تماماً وفوقها..او ربما «من موقع الحدث» حسب الاعلام السوري وحسب وجهة نظر تلك المذيعة. لقد شعر الملايين ممن تسنى لهم مشاهدة ذلك التقرير بالخزي والعار من تلك الانتهاكات التي ارتكبتها المذيعة والقناة التي تمثلها او تعمل لها.

بعد كل ذلك، هل كان قرار الجامعة العربية القاضي بحجب الفضائيات السورية قرارا صائبا؟؟ بكل تأكيد كان كذلك، حيث من غير المعقول ان يستمر القاتل بقتله وجرائمه دون عقاب ومن غير المعقول ان يستمر في العمل من يبرر ذلك القتل ويدعو اليه ويحرض على شعب لمجرد انه طالب بالحرية والديموقراطية، فثمة خيط رفيع جداً بين من يقتل وبين من يبرر بلا هوادة وليل نهار ذلك القتل.

=================

وصل الإبرهيمي... مفلساً!

راجح الخوري

2012-09-11

النهار

قياساً بالمواقف الاقليمية والدولية من الأزمة السورية لا يملك الاخضر الابرهيمي الذي بدأ امس مهمته من القاهرة، أي عنصر يعطيه أملاً بالوصول الى نهاية تختلف عن الفشل الذي وصل إليه سلفه كوفي أنان، لهذا كان قد بكّر في وصف مهمته بالمستحيلة.

عندما جاء أنان كان يملك حداً أدنى من التأييد الدولي ومن قبول النظام السوري وكانت دورة القتل على عنفها تسمح بفتح نافذة حوار معقول، لكن الابرهيمي يصل مفلساً، فهو لا يملك شيئاً من هذا، والدليل ان الخلاف بين سيرغي لافروف وهيلاري كلينتون تجدد مع بدء مهمته وان النظام السوري أفهمه سلفاً ان عليه كي لا يفشل الا يبدأ من حيث انتهى أنان، بمعنى ان لا مجال للتغيير والانتقال السياسي فالأسد باق الى الأبد، ولأن دورة القتل تجاوزت كل الحدود الى درجة لم تعد تسمح لأحد بأن يحاور أحداً وسط طوفان حمامات الدم!

وإذا كانت المواقف الاقليمية والدولية الراهنة تعكس نعياً صريحاً لمهمة الابرهيمي، فإن المثير ان ديبلوماسيين في الأمم المتحدة قالوا أمس إنه يريد التأكد قبل الذهاب الى دمشق من أنه سيحظى باستقبال جيد من الأسد رغم أنه يعرف منذ عمل وسيطاً في الأزمة اللبنانية، ان الاستقبالات السورية تبدأ جيدة عادة لكن نهاياتها غالباً ما تكون صادمة وسلبية، فكيف إذا كان جوهر مهمته يتعلق بعملية "الانتقال السياسي" التي يفترض ان تنهي حكم الأسد؟

منذ البداية أعلن الابرهيمي أنه يراهن على قيام تفاهم في مجلس الأمن، مكرراً ان دعم المجتمع الدولي لمهمته أمر ملح جداً، ولكن الانقسام الذي يعطل مجلس الأمن منذ عام ونيف لا يزال على حاله، فمع وصوله الى القاهرة برزت الخلافات الأميركية - الروسية على هامش منتدى فلاديفوستوك، عندما أعلنت هيلاري كلينتون: "لا معنى لاستصدار قرار غير ملزم من مجلس الأمن كما ترغب في ذلك روسيا، يتبنى اتفاق جنيف حول الانتقال السياسي من دون الدعوة الى رحيل الأسد ولا ينص على عقوبات في حال عدم الالتزام به، وإذا استمرت الخلافات مع روسيا فسنعمل مع الدول التي نتفق معها في المواقف على دعم المعارضة السورية من أجل تسريع سقوط نظام الأسد"، فمن أين يأتي التفاهم الدولي الذي يراهن الابرهيمي عليه؟!

قبل وصول الابرهيمي الى القاهرة كان محمد مرسي مشتبكا مع الأسد بعدما وصفه بالقمعي، وفاقد الشرعية الذي لن يبقى طويلاً، وكان رجب طيب أردوغان يبشره بنهاية قريبة، لكن مضمون الحوار الهاتفي بين الابرهيمي وعلي أكبر صالحي مساء السبت كان مناقضاً كلياً لكل هذا، ما يرسخ سلفاً فشل مهمته المستحيلة!

=================

لماذا يجمل الغرب صورة طلاس الابن؟!

محمد فاروق الإمام

الظهور المفاجئ للعميد مناف طلاس على شاشات الفضائيات العربية والأجنبية، واعترافه بأن المخابرات الفرنسية كانت وراء إخراجه من سورية، وتكريره دعاوي انشقاقه منذ أيام الثورة الأولى وتقديمه الدعم التسليحي واللوجستي والمخابراتي للثوار، وقد نفى الملازم الأول عبد الرزاق طلاس جملة وتفصيلاً كل دعاوي مناف، وكلنا يعرف من هو هذا الضابط البطل الذي أعلن انشقاقه عن هذا النظام منذ انطلاق الثورة المباركة وكان القدوة فيما بعد لإعلان المئات من الضباط الانشقاق والانضمام للجيش الحر.

وما سأقدمه الآن هو إعادة مقال كتبته يوم 27 من شهر كانون الأول من عام 2010، لأضع السوريين والعرب والمهتمين بالقضية السورية أمام حقيقة أسرة العماد مصطفى طلاس الذي كان شريكاً للأسد الأب في كل سياساته الداخلية والخارجية على مدى ثلاثين سنة، وابنه مناف هذا كان صديق العمر لباسل الأسد ولبشار الأسد، وأنا لست ممن يحقد بل ممن يحلل ويفند وينصح. وإليكم نص المقال الذي نشرته قبل سنتين تقريباً عن طلاس الأب لتكوّنوا صورة الأبن الذي تربى في حضن وبيئة ذاك الأب، وكان المقال تحت عنوان (طلاس ينوي زيارة طهران ليعلن تشيعه/مبروك عليه وعليهم):

 "بعد غياب طويل - كاد الناس فيها نسيان صورته وشخصه - أطل العماد مصطفى طلاس الذي احتل منصب وزير الدفاع في سورية لأكثر من ثلاثين سنة متواصلة منذ العام 1972 - بعد الإطاحة برفاقه البعثيين فيما سمي (الحركة التصحيحية) التي قادها وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد، وحتى عام 2003 حيث أقاله بشار الأسد الذي تسلم الرئاسة في سورية خلفاً لوالده حافظ الأسد – أطل في لقاء تلفزيوني خاص عبر شاشة تلفزيون الدنيا من خلال برنامج (قبل أن ننسى) ليتحدث - كعادته – عن جمال السيدات السوريات وولعه بهن.. وعن خبرته المميزة في أنواع الطبخ وانتقاء ورود الزينة.

كما تحدث عن الأوسمة والنياشين التي أهديت له أو حاز عليها عن جدارته العسكرية والحربية كما يدعي، وختم حديثه بالقول إنه ينوي زيارة إيران قريباً ليعلن تشيعه على يد ولي الفقيه علي خامنئي.

لقد خاض هذا العماد الهمام حرب عام 1967، وألحقت الهزيمة النكراء بالجيش السوري العقائدي بعد تفريغه من معظم ضباطه وضباط صفه المحترفين الوطنيين الذين كان انتماؤهم للوطن وليس إلى أي تنظيم حزبي او سياسي، والتخلي عن مرتفعات الجولان والقنيطرة قبل احتلالها من قبل العدو الصهيوني، وكان ممن خططوا لحرب عام 1973 التي سماها حزب البعث الشمولي الحاكم في سورية تضليلاً واستخفافاً بعقول السوريين والعرب (حرب تشرين التحريرية) حيث تخلى الجيش السوري عن (34) قرية سورية للعدو الصهيوني والذي وصلت قواته إلى مشارف دمشق (54 كم) لتصبح عاصمة الأمويين تحت رحمة مدفعية العدو الصهيوني، حيث عقد هناك إتفاقية فك الاشتباك بين إسرائيل وسورية برعاية أمريكية، وتخلت إسرائيل بموجب هذه الاتفاقية عن مدينة القنيطرة بعد تدميرها تدميراً كاملاً.

أما عن نيته الذهاب إلى قم ليعلن تشيعه على يد ولي الفقيه علي خامنئي فمبروك عليه بالجماعة التي يريد الانضمام إليها، ومبروك على ولي الفقيه بهذا العماد الضال، فهذا أمر لا يضر أهل السنة والجماعة أو ينقص من قدرهم أو يقلل من عددهم وقد كان محسوباً عليهم وليس منهم!

هذا العماد الهمام كتب مذكراته في ثلاثة مجلدات، الأول 823 صفحة والثاني 895 والثالث 694 صفحة اضافة الى "ملحق" من 120 صفحة صدر في كتاب صغير مستقل حول الصراع بين الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت عام 1984 على امتلاك سورية، وكادت تنشب حرب بين أنصار الشقيقين وتذهب دمشق بمن فيها ضحية لهذا الصراع الأعمى، وقد عجز حافظ الأسد عن تقديم رشوة لأخيه رفعت كي يترك البلاد، بعد ان وجد الخزينة فارغة ليس فيها دولار واحد – كما يقول طلاس بمذكراته - فاستنجد بصديقه معمر القذافي الذي أرسل إليه 25 مليون دولار أرضى بها أخوه رفعت الذي غادر سورية إلى أوروبا لينعم بما نهب وسرق من الخزينة السورية وجيوب الناس بحكم موقعه كقائد لسرايا الدفاع المنوطة بحماية النظام، والنائب الأول لرئيس الجمهورية.

يخبرنا العماد مصطفى طلاس الذي غادر منصبه كوزير للدفاع في مذكراته. يخبرنا مرتين فقط بالنهاية الصريحة الحميمة لعلاقاته الجنسية كعازب مرة مع بدويتين في قريته "الرستن" القريبة من حمص والمحاذية لنهر العاصي في الأربعينات ومرة أخرى مع حسناء في فندق السان جورج في بيروت، كضابط شاب في الخمسينات. فيما يحرص في عشرات الحالات الغرامية الأخرى التي تمتلئ بها مجلداته الثلاثة على الاعتراف بانجذابه الرومنطيقي تارة والجسدي تارة اخرى الى إحدى الحسناوات، دون أن ياتي على نهاية هذه العلاقة.

في هذه المجلدات المدهشة في تنوع رواياتها الشخصية والسياسية والعسكرية والأدبية يطل علينا مصطفى طلاس بصورة مغايرة لصورة وزير الدفاع في نظام حزبي شمولي ديكتاتوري، من المفترض أن يكون جاداً وملتزماً وصارماً كما هي الحال في المؤسسة العسكرية في كوريا الشمالية والصين، لكننا نفاجأ بضابط متحلل وغير مكترث بأي قيم عسكرية أو أخلاقية أو دينية رغم أنه من منبت ريفي محافظ.. فهو يروي "ما يشاء"... "على هواه"... إلى حد بعيد. خصوصاً هواه الشخصي.

لقد سمحت مكانته الشخصية وقربه من الرئيس حافظ الأسد بأن يروي أنه استأذن الرئيس حافظ الأسد في رواية عن قوة الشاب حافظ الأسد في المناطحة بالرأس وهو أسلوب شائع أيام كان معه طالباً في الكلية الجوية في حلب. وكيف أن عصبة الأسد من زملائه كانت تمسك بالتلميذ الخصم خلال مناكفات الطلبة - الضباط، ويتولى الأسد ضربه برأسه على الرأس... وقال طلاس في مذكراته أن حافظ الأسد أجابه عندما استأذن بكتابة هذه المعلومات: "اكتبها أنت، أفضل من أن يأتي يوم وسيكتبها غيرك".

لا شك أن هذه المذكرات هي أطول وأهم مصدر مكتوب عن فترة حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، (اختفت هذه المذكرات بعد أن قامت أجهزة الأمن السورية بجمعها من المكتبات ومنعت تداولها بين الناس لما اشتملت عليه من فضائح عرّت النظام الذي كان العماد أحد أعمدته).

فهذا الرفيق البعثي... قبل دخول الكلية الحربية أي منذ أيام الدراسة الثانوية في حمص... الذي دخل كلية الطيران ثم فصل منها لأسباب تتعلق بنقص مؤهلاته كمشروع طيار - باعترافه - ليحال الى كلية المدرعات التي يروي كيف برع في سلاحها... إلى أن شارك في التخطيط لحرب تشرين التي جمعت سورية ومصر في مواجهة إسرائيل... ثم في التنفيذ... هذا الرفيق البعثي سيقول أشياء كثيرة في السياسة السورية والعربية، غير معروفة، وإذا كانت شائعة أو شبه معروفة في حالات أخرى، فإن صدورها عنه بالذات يعطيها أهميتها باعتبارها في العديد من الحالات - وليس كلها حتما - "رواية" حافظ الأسد أيضا.

بين سردياته المفاجئة اتهامه لعبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني السوري الشهير منذ سقوط الشيشكلي حتى نهاية حكم عبد الناصر، بترتيب اغتيال الضابط عدنان المالكي في منتصف الخمسينات. وهو الاغتيال الذي باسمه ضُرب الحزب السوري القومي في سورية واعتقل عناصره وطوردوا وحوكموا في تلك المحاكمات الشهيرة التي تحولت الى أحد عناصر صعود حزب البعث - والتيار الناصري - في السياسة السورية حتى حصول الوحدة.

إذن يقول مصطفى طلاس الذي كان ضابطا بعثيا صغيرا أن السراج (لا الحزب السوري القومي) هو الذي دبر اغتيال المالكي. (وهذا الاتهمام لم يدعمه العماد باية أدلة او قرائن، فقد كان الغاية من الاتهام هو تبرئة الحزب القومي من جريمة الاغتيال كون هذا الحزب صار أحد حلفاء النظام ويده الطولى في لبنان).

ومن بين "أطرف" وأبلغ روايات المذكرات في الدلالة على التركيبة النفسية - السياسية لمرحلة الخمسينات ولنمط العمل الحزبي - العسكري، صراحة مصطفى طلاس في أنه اقترح على مجموعة من الضباط الصغار حضروا في دمشق اجتماعا عسكريا واسعا بعد اغتيال المالكي، وكان بين هؤلاء الضباط حافظ الأسد، ان يذهبوا الى سجن المزة ويسيطروا عليه ويقوموا بإعدام جميع قادة الحزب السوري القومي المعتقلين هناك (ما هذا التناقض الذي يضع طلاس نفسه في دائرته؟). ويروي طلاس ان الأسد نصحه بأن يأخذ الموافقة من القيادات الأعلى حتى لا تتحمل المجموعة وحدها المسؤولية! ويقول ان الخبر وصل الى رئيس الاركان شوكت شقير بواسطة شقيق أحد ضباط المجموعة... وأن شقير تكلم معه يومها بطريقة تأنيبية.

قد يتساءل المتابع للشأن السوري لماذا لم يرو مصطفى طلاس في مذكراته عن العلاقات الداخلية في الثكنات وعن كيفية المشاركة في الانقلابات الفاشلة قبل 1963 والناجحة دائما بعد 1963 عندما تحولت صداقته مع حافظ الأسد الى ثنائية مهمة عبر "اللجنة العسكرية" التي كانت تشكلت في القاهرة... حتى تسلّم الأسد الحكم عام 1970 مع تحول طلاس الى وزير دفاع دائم عام 1972 الى تقاعده. (شكل اللجنة العسكرية كل من محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، ثم ضموا إليها فيما بعد كل من أمين الحافظ، وسليم حاطوم، ومصطفى طلاس، وعبد الكريم الجندي، ومنير جيرودي، وأحمد المير – سقطت الجولان بيد العدو الصهيوني وكان قائداً للجبهة - وغيرهم).

إلا أنه بحسب المذكرات، من الواضح أن حافظ الأسد أصبح الرجل الأول في سورية من حيث القوة العسكرية، منذ العام 1966 أي مباشرة بعد تصفية الرئيس أمين الحافظ والقيادة القومية (عفلق – البيطار).. فيما كان الأسد - وطلاس - شريكين صاعدين بعد 1963 في التصفيات المتتابعة لزياد الحريري وجاسم علوان ثم محمد عمران فالحافظ فالبيطار - إلى أن بدأ الصراع داخل "القيادة القطرية" فأبعد سليم حاطوم (ثم استدرج لاحقاً من الاردن الى دمشق وأعدم بعد هزيمة 1967) ثم أحمد سويداني ثم عبد الكريم الجندي (الذي يتبنى طلاس واقعة انتحاره)... حتى إبعاد صلاح جديد ونور الدين الاتاسي و"المجموعة الديرية" (دير الزور) كما يسميها طلاس برئاسة يوسف زعين.

يذكر العماد في مذكراته أن الرئيس حافظ الأسد كلفه بمهمة الانخراط في وفد ضم رئيس الاركان حكمت الشهابي لمقابلة العاهل الاردني (الراحل) الحسين، على أن يتولى الشهابي مراقبة رد فعل الملك من عينيه عندما سيخبره طلاس بقرار القيام بحرب تشرين فإذا شعر الشهابي بزوغان معين في نظرات الملك، عليه أن يشير لطلاس بتغيير الموضوع لأن الملك - حسب الأسد - تتيه نظراته حين يكون غير مرتاح لسماع كلام معين.

ويروي طلاس في مكان آخر كيف طلب منه الأسد، بعد محاولة الشيوعيين السودانيين الانقلاب على جعفر نميري أن يذهب - مع وفد - إلى الخرطوم ليقدم له نصائح في كيفية حماية النظام السياسي باعتبار طلاس في نظر الأسد صاحب خبرة في التعامل مع الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية الديكتاتورية!

ويتحدث العماد في مذكراته عن نفسه كمبعد الى مصر أيام الوحدة، حيث يتواصل مع حافظ الأسد وصلاح جديد ومحمد عمران وغيرهم من الضباط السوريين الذين سيشكل بعضهم ما سيعرف لاحقا باسم "اللجنة العسكرية" كتنظيم سري في عهد الوحدة الى استقباله الماريشال غريشكو وزير الدفاع السوفياتي في منزله بدعوة عشاء عام 1969 وكان أصبح رئيساً للاركان، وهو العشاء الذي طلب منه وزير الدفاع حافظ الاسد أن يدعو اليه رئيس الدولة نور الدين الاتاسي مع الأسد فقط دون أي شخص آخر من كبار مسؤولي الدولة، مما يعطي فكرة عن كون الأسد أصبح الأقوى في تشكيلة الحكم الشباطي قبل عام 1970.

في العشاء دخل غريشكو الى مطبخ البيت ليصف أقراص الكبة "المتطاولة" التي حضّرتها السيدة طلاس بأنها "صواريخ عابرة للقارات". كما يروي أن غريشكو عندما قدم له ضابط سوري كبير كتابا ترجمه إلى العربية عن كتاب لضباط سوفيات حول "الإستراتيجية العسكرية" قال للضابط بفجاجة:

"كنت أتمنى أن تهديني كتابا عسكريا ألّفه ضابط عربي حول "الإستراتيجية" ونحن نترجمه إلى الروسية! هذا هو الذي يفيدني!".

رغم رواية طلاس السياسية "المنحازة" لنفسه! فمذكراته ضمت أشياء كثيرة، في الشخصي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري والطائفي، ناهيك عن العربي والدولي.

وبين الانجذابات النسائية لطلاس التي يتركنا قصدا دون ان نفهم نهايتها... قصة له، بدأت بحضور الجنرال جياب (الاسطوري السمعة في حرب فيتنام) مع فتاتين فيتناميتين....

إنها مذكرات للقراءة الكاملة... مادة خام لا غنى عنها لمؤرخي سورية والمهتمين بالشأن السوري.. على الأقل الأربعين عاماً المنصرمة حتى لو غطت المذكرات أكثر من خمسين عاما.

ربما بعد أن تقاعد... سيكمل مصطفى طلاس ما لم يَروِه... بالمطلق: الدخول الى لبنان تجربة الحكم فيه... النظام وصراعه مع جماعة الإخوان المسلمين وموقفه من المجازر التي ارتكبها النظام بحق المواطنين السوريين في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وفترة التسعينيات وربما سوريا بشار الأسد، مع مزيد من الكلام السياسي الأدبي، الشخصي والعام.

نتمنى على العماد قبل ان يدخل نفق ولاية الفقيه أن يتحدث بصدق وصراحة عن ذكرياته وهو أحد أعمدة النظام الذي جاء على ظهر دبابة ضالة وحكم منذ العام 1963 وما زال يحكم، وهذه أمانة نأمل من العماد أن يعطيها حقها وقد بلغ من العمر ما بلغ.

 

مذكرات العماد مصطفى طلاس تستحق القراءة والإمعان في كل ما جاء فيها من غث وسمين لأنها تعطي صورة حقيقية وواقعية عن حقيقة وواقع الضباط السوريين الشخصية والعامة الذين جاء بهم حزب البعث الشمولي - خلفاً لمئات الضباط العاملين والمحترفين غير المسيسيين الذين سرحهم- ليحمي بهم النظام وليس البلاد!!

===========================

في تقدير الموقف : الرهائن ... ........، ......... ، .......... ، و أنا وأنت

زهير سالم*

كانت نواة هذا المقال تعليقا على ما جرى ويجري في ليبية و مصر وتونس احتجاجا على الفيلم السخيف .وتجسدت الرهينة ابتداء في قيادات الربيع العربي التي وجدت نفسها أسيرة واقع لم تستطع أن تجد منه مخرجا . وبعد مقاربة الموضوع بشكل أكبر تبين أن تجسدات ( الرهينة ) أكثر من أن يحاط بها ، وأن الكثير ممن يتحرك حولي وحولك هم رهائن لحالة تملكهم ولا يملكونها ، وأنني وإياك قد نكون بعضا من هؤلاء. راهن ومرهون ومرتهن .

 

 ( يملكوننا ولا نملكهم ) استعارة تاريخية من سيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يعبر عن حاله يوم الفتنة الكبرى . ويوم وجد نفسه محمولا على الموج إلى بيعة لم يكن يتطلع إليها ، ولم يجد لنفسه سعة في التخلي عنها . هل ترانا نعيش اليوم ذلك الواقع بطرائق مختلفة ؟! هل نحن أسرى واقع يملكنا ولا نملكه . أو ركاب قارب على ظهر الموج بلا شراع ولا مجداف ولا ربان .

 

لا أحد من المسلمين يستطيع أن ينافس أخاه في حب رسول الله والغيرة عليه صلى الله عليه وسلم وبأبي هو وأمي . ولكن ما يجري في دول الربيع العربي من ردود فعل غير رشيدة يجعلك تنظر إلى قيادات هذه الدول وكأنها رهائن في أيدي قوى لا تسيطر عليها ، وتتحمل مسئولية أفعالها .

 

نصبح اليوم بعد أن بتنا منذ ثلاثة أيام على قتل وحرق في القنصلية الأمريكية في بنغازي بطريقة لا يقرها شرع ولا عقل ولا خلق ؛ نصبح اليوم على أخبار دهس في السودان وقتل في مصر وفي تونس وفي اليمن ، سبعة شهداء – أراني أقولها شهداء -  ومئات الإصابات من أبناء الوطن الواحد . فلماذا يفترض هؤلاء الغاضبون أن الشرطي الذي يرجمونه بالحجارة وبغيرها هو أقل حبا لرسول الله وأقل غضبا من العدوان عليه .

 

لا أريد أن أوجه الموقف في أي اتجاه ، فأنا غاضب مع الغاضبين ، ورافض مع الرافضين ، ولكن كما أرفض ذلك الفيلم المسيء أرفض أن يُقتل أي إنسان في جريمة لا يد له فيه ، ولم يكن من جناتها ، وأرفض الكراهية على الهوية والغضب باتجاه بوصلة أثبتت انها لم تكن دائما ممغنطة بطريقة سليمة . وأرفض أيضا أن يقتل هؤلاء المواطنون الأبرياء من أبناء السودان ومصر وتونس . وأرفض أن ُنساق جميعا وراء حالة من الفوضى لا يضبطها ضابط ، ولا يتحكم باتجاهها حكيم . وأشعر أن القوى التي ارتفعت على موج الثورة عندما كان موجها ضد المستبدين ؛ أصبحت الآن رهينة هذه القوى التي رفعتها نفسها ، فمن يضبط من ؟ ومن يقود من ؟ ومن يفكر ويقدر لمن ؟ هل تحولت قيادات الربيع العربي إلى ( رهينة ) لواقع يملكها ولا تملكه ، وتجد نفسها مضطرة ( لممارسة القتل ) للسيطرة عليه ؟!

 

وأعود إلى الواقع السوري ويبدو أنه لن يكون من السهل تسمية الحقائق بأسمائها ، وتسمية الحقائق بأسمائها أول الحكمة كما تقول بعض الشعوب وهو الدليل الأول على حالة الارتهان التي نعيش . وربما يجب الاحتراز أكثر ونحن نتحدث عن رهائن وعن ارتهان  فهذا الحديث لا يتعلق بالارتهان إلى قوى خارجية أو داخلية ؛ وإنما يتعلق بالارتهان إلى واقع معقد ومتشابك لا يسع كل من يقاربه أن يصفه بالصراحة والجرأة التي يستحق . ولا يسع من يقاربه إلا أن يغرق فيه .

 

من أين نبدأ ؟ وأين ننتهي ؟ والكل يحاول أن يتماهى مع الواقع رضي أو لم يرض به . وتبرير الواقع ، وإعادة تفسيره ، وترقيعه ، والهروب منه ؛ كل ذلك تعبير عن حالة من الارتهان لا تجرؤ على مواجهة هذا الواقع ولو ( بلا ) دبلوماسية لطيفة  .لا أحد من الرهائن في مراتبهم ودوائرهم المختلفة يملك القدرة على قرار ، أو على تحمل مسئوليته ..

 

وهكذا تتسع دائرة الارتهان وتمتد ، وبعيدا عن الاتهام بسوء النية ، نجد أن العقل الفردي والجماعي ، والعقل السياسي والاجتماعي وأحيانا العقل الشرعي أصبح رهينة لا يقدر على التفكير ولا يمتلك حرية التعبير .

دوامات الارتهان هذه التي لا يكاد يفلت منها أحد ، كما لا يكاد يسيطر عليها أحد تجعل الكثير من القوى التي لا تقبل أن تضع قدمها في موطئ زلق تتردد كثيرا في المراهنة على رهائن سيعتذرون – وإن حسنت نياتهم وحاولوا أن يفوا بوعودهم  - أنهم لا يملكون من أمر الذي يجري حولهم شيئا .

لندن : 15 / 9 / 2012م

===================

«منظور» الإبراهيمي الجديد!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

تحدث المبعوث الدولي والعربي الجديد الأخضر الإبراهيمي، بعد وصوله الى القاهرة، عن ضرورة التوصل الى «منظور» جديد لحل الأزمة السورية والتخلي نهائياً عن خطة كوفي أنان التي بقي يحاول تسويقها على مدى ستة شهور لكنه لم يجد في النهاية بدّاً من أن يستقيل ويتنحى بعدما فشل فشلاً ذريعاً ليس لأنه غير كفؤٍ لهذه المهمة الصعبة بل لأن الروس استهلكوا وقته في مناورات وألاعيب لا زالوا مستمرين بها في حقيقة الأمر حتى الآن.

لم يكشف الأخضر الإبراهيمي عن طبيعة هذا «المنظور»، الذي تحدث عنه، لكن من المعروف أنه أكد عندما كُلِّف بهذه المهمة أنه حتى يقبل بها لابد من أن يكون هناك اتفاق مُلْزِمٌ في مجلس الأمن يضم روسيا والصين ليُصبح بالإمكـان حلُّ هذه الأزمة التي غدت مستفحلة وحقيقة أن التعقيدات التي وصلت اليها الأمور جعلت أنه من غير الممكن القبول بأقل من تنحي بشار الأسد والتفاهم تفاهماً مضموناً على مرحلة انتقالية تفضي الى انتخابات حرة وديموقراطية بإشراف دولـي.

والمؤكد أن الأخضر الإبراهيمي، هذا الدبلوماسي المخضرم المبدع، يعرف أن ترحيب النظام السوري ومعه روسيا وأيضاً الصين وإيران به وبمهمته هو من قبيل ذرِّ الرماد في العيون ومن قبيل فتح أبواب المماطلات مجدداً للإستفادة من عامل الوقت وذلك على غرار ما حصل مع كوفي أنان الذي أُدخل في دوامة الرحلات المكوكية المعروفة بين دمشق وطهران وموسكو التي كانت بمثابة القفز في المكان ذاته فوق حبل مشدود وانتهت الى الفشل الذريع بدون إنجاز ولو بند واحد من خطته ذات الستة بنود والتي تجاوزها الزمن ولا يجوز بذل أي جهد وإضاعة أي وقت لإنعاشها لأن الله وحده هو الذي يحيي العظام وهي رميم.

لا تزال روسيا على الموقف نفسه الذي بقيت تتمسك به منذ بداية هذه الأزمة التي تحولت الى حرب طاحنة أعطاها هذا النظام طابعاً طائفياً ومذهبياً بغيضاً والمفترض أنه بات معروفاً ومؤكداً أن فلاديمير بوتين ومجموعته لا يصْدِقون في حرف واحد عندما يُشْعِرون المجتمع الدولي والعالم بأسره أنهم أصبحوا جاهزين للتخلي عما بقوا يتمسكون به وانه بات لديهم استعداد لـ»بيع» بشار الاسد ونظامه وفق معادلة تحفظ له أمنه وبخاصة في المرحلة الإنتقالية التي هناك إشارات واضحة إليها إن في خطة أنان السالفة الذكر وإن في ما تم التوافق عليه في مؤتمر جنيف العتيد الذي عقدته مجموعة العمل الدولية حول سورية في مطلع يوليو الماضي وغاب عنه وزير الخارجية الروسية.

ولذلك وعندما يستقبل لافروف تكليف الأخضر الإبراهيمي بالدعوة الى العـودة الى مؤتمر جنيف الآنف الذكر وإلى مقرراته فإنه في حقيقة الأمر يسعى الى إستنزاف الوقت وإعطاء نظام بشار الأسد المهلة التي يريدها لإستكمال عمليات الدمار وعمليات ذبـح الشعب السوري التي لم تستثنِ ولا مدينة واحدة من المدن السورية والتي تحولت الى مجازر على غرار ما شهدته في هذا المجال أبشع وأسوأ مراحل وحقب التاريخ القريب والبعيد.

إنه لا ضرورة إطلاقاً لأن يذهب الأخضر الإبراهيمي الى دمشق ما لم تتوقف عمليات ذبح الشعب السوري في هدنة زمنية يتم الاتفاق عليها وما لم يغير الروس موقفهم الحالي ويتخلوا عن تدخلهم العسكري السافر في الشؤون الداخلية السورية وأيضاً ما لم يلتزموا سلفاً باستصدار قرار عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لممارسة ضغط جدي على بشار الاسد ونظامه ليوقف كل هذه المذابح الهمجية التي يرتكبها ويبدي استعداداً جدياً للتنحي والمغادرة وفقاً لما ورد في المبادرة العربية ولما جاء في خطة أنان وما تضمنه البيان الصادر عن مؤتمر جنيف الأخير الذي عقدته مجموعة العمل الدولية.

=================

نصائحهم للسوريّين: عودوا إلى الأسد

الثلاثاء ١١ سبتمبر ٢٠١٢

حازم صاغية

الحياة

لا تنبع أهميّة الثورة السوريّة فحسب من موقع سوريّة وتأثيرها في جوار عريض ومتباين يطال لبنان والعراق وتركيا وما يقع بينها، إنّها تنبع أيضاً من اللطمة التي وجّهتها الى منظومة في التفكير سادت المشرق العربيّ عشرات السنين. فبشّار الأسد لم يخطئ حين فكّر تبعاً لتلك المنظومة، فقال لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركيّة إنّ ثورة لن تقع في بلده. ذاك أنّ الحكم في دمشق ممانع ومناهض للامبرياليّة والصهيونيّة، فمن أين تأتي الثورة إذاً؟

بيد أنّها ما لبثت أن أتت ممرِّغة بالتراب هذه المنظومة ورافعةً لواء البديهة المغيَّبة: الشعب يريد...

تلك اللطمة استهدفت، إذاً، طريقة في تمثيل الناس والنيابة عنهم في معزل عن استشارتهم. واغتصابٌ تمثيليّ كهذا يلازم كلّ نزعة إيديولوجيّة متطرّفة في زعمها امتلاك الحقيقة، بحيث لا يعود جائزاً تعريض تلك الحقيقة المزعومة للانتخاب والاستفتاء وسائر التقنيّات التي تقاس بموجبها ميول البشر وأهوائهم.

هنا كان طبيعيّاً أن يلجأ النظام، من رأسه التنفيذيّ حتّى أخمص قدميه التلفزيونيّ، إلى نظريّة المؤامرة. هذا هو التفسير «العلميّ» لحركة شعب دامت حتّى الآن أكثر من عام ونصف العام، مخلّفة آلاف الضحايا ومتسبّبة في نزوح الملايين وتهجيرهم.

ما هو طبيعيّ في سلوك النظام طبيعيّ كذلك في سلوك مثقّفين لجأوا هم أيضاً إلى المؤامرة أداةً للتفسير. ذاك أنّ هؤلاء يشاركون بشّار الأسد الانتساب إلى المنظومة الملطومة إيّاها، وبالطبع يفوقونه صياغةً وبلورةً لها، وإن كانوا يأخذون عليه شيئاً من الانحراف نحو «النيو ليبراليّة»! وهم يشاركونه، فوق هذا، تمثيل الحقيقة في معزل عن أهلها وإراداتهم.

واقتراحات هؤلاء على السوريّين إنّما تنمّ عن درجة ولائهم لتلك المنظومة التي عوّل بشّار عليها لتجنيبه الثورة عليه. ومن ذاك القلي بالزيت نفسه، تستعاد صور ورموز تمتدّ من عبدالناصر إلى غيفارا، ومن الأخير إلى جورج حبش...، وتتمدّد من استرجاع الحرب الباردة إلى التثبّت عند الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، «المصيريّ» طبعاً، وهذا ناهيك عن أغانٍ وفولكلوريّات فائقة القدرة على تحريك الأخشاب.

لكنّ المعنى الفعليّ لهذه الاقتراحات الفصيحة ليس إلاّ العودة إلى ما قبل الثورة وإلى ما قبل لطمها المنظومة المقدّسة، أي، في آخر المطاف، الرجوع الطوعيّ إلى الزمن الأسديّ.

وهذا الافتراق عن الواقع الفعليّ، بما فيه من دم ودمع وخراب، ومن إصرار لا عودة عنه، هو ما يسبغ على تلك الاقتراحات طابع التبشير الذي ينضح بالذكريات والنوستالجيا بقدر ما يفتقر إلى تحليل الأسباب التي قضت على تلك الذكريات بأن تصير ذكريات. فمن لا يريد أن يلاحظ تغيّر العالم، ماضياً في ترداد اللغة نفسها واعتماد الطرق ذاتها يغدو، في أحسن أحواله، مبشّراً يدقّ الأبواب فيواجهه الناس بإغلاقها في وجهه، ويتعاملون معه بما يتراوح بين إبداء الإضجار وإبداء الشفقة. غير أنّه قد يكون، في أسوأ أحواله، مبشّراً خبيثاً يدفعه الصدّ والانقطاع عن العالم إلى أفعال شريرة أو إرهابيّة يُعوّل عليها أن تردّنا بالقوّة إلى ذاك العصر الذهبيّ الآفل. وما بين ميشال سماحة وجورج غالاوي وروبرت فيسك وبضعة مدوّنين وفايسبوكيّين، نلقى النماذج الخلاّقة.

=================

عن مقابلة الأسد الأخيرة: «رسالة وداع» سياسية!

محمد مشموشي *

الثلاثاء ١١ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

أن يبدأ رئيس دولة (بشار الأسد في هذه الحال) مقابلته مع قناة تلفزيونية في بلاده بالقول إنه يتحدث إلى مواطنيه من قصر الرئاسة وليس من أي مكان آخر، فهو إنما يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات عن أسئلة الناس. أول هذه الأسئلة: هل صحيح أنه يتحدث من المكان الذي ذكره؟ ثم من أي من القصور الرئاسية المتعددة التي يمتلكها؟ وثانيها: هل كان يخاطب سكان العاصمة الذين يعرفون جيداً أين يقيم وينام ويعقد اجتماعاته ويجري مقابلاته، أم الرأي العام خارج دمشق وحتى خارج سورية كلها؟ وثالثها، والأهم من ذلك كله: هل يظن أنه يقنع بكلامه هذا حلفاءه المحليين والخارجيين بأنه لا يزال الحاكم الوحيد والمطلق لبلده كما كان في السنوات الماضية؟

وأن يقول، في المقابلة ذاتها مع قناة «الدنيا»، «إن وضوح الصورة بالنسبة للقسم الأكبر من السوريين، وتالياً تغير المزاج الشعبي ضد المسلحين (هل يعترف هنا بأن المزاج الشعبي كان معهم سابقاً؟) قد ساعد في عملية الحسم خلال الأشهر الأخيرة»، ثم ليضيف مباشرة «أن القضية هي معركة إرادات... وأن الوضع أفضل، إلا أنه لم يتم الحسم بعد لأنه في حاجة إلى وقت»، ففي ذلك ما يتعذر فهمه عملياً وحتى تصديق أنه يمكن أن يصدر عن رئيس دولة.

إذ كيف ساعد «تغير المزاج الشعبي» على الحسم في الأشهر الأخيرة، بينما «لم يتم الحسم بعد» لأنه في حاجة إلى وقت؟ وكيف، في المقابل، يمكن التوفيق بين ما قاله عن «التقدم» في معركة الإرادات هذه و «الوضع الأفضل» للسلطة وبين ما أوردته القناة نفسها، قبل المقابلة وبعدها، من أنباء عن «العصابات المسلحة» التي تتعامل «الجهات المختصة» معها (تعبير جديد غير مفهوم، إلا إذا كان المقصود جيش «الشبيحة») في دمشق وحلب كما في غيرهما من المدن والبلدات السورية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟

مع ذلك، فذروة الكلام الرئاسي تأتي هنا. «كنا نعرف بتخطيط بعض المسؤولين للانشقاق، وقد سهلت لهم الرحيل (صدق أو لا تصدق!)، وتلك عملية إيجابية لأنها عملية تنظيف ذاتي للدولة والوطن». بل وأكثر، فهو يضيف قائلاً: «هذه المرة، تحرك العدو من الداخل... وأي سوري يقوم بتنفيذ مخطط أجنبي ومعاد إنما يتحول إلى عدو».

ما هو المضمون الفعلي لهذا الكلام؟

واقع الحال أنه، بعد سبعة عشر شهراً من الثورة السورية تحولت فيها ممارسات النظام إلى حرب إبادة للشعب، بات مطلوباً من رأس هذا النظام أن يخاطب الداخل أقله لتبرير ما يحدث من جهة، وليبلغه بأنه لا يزال في موقع القيادة من جهة ثانية. ودليله تعمد الأسد منذ الدقائق الأولى للمقابلة نفي ما كان قاله في جلسة افتتاح مجلس الشعب قبل شهور من أن المتظاهرين لم يحملوا السلاح إلا في شهر رمضان من العام الماضي. الآن، ذهب الأسد إلى أنهم لا بد كانوا مسلحين، وإن بأسلحة خفيفة، لأن القتلى الذين سقطوا قبل شهر رمضان ذاك لا يمكن أن يكونوا قد سقطوا بهتافات المتظاهرين السلمية ولا طبعاً بدعواتهم إلى المطالبة بالإصلاح.

وعلى المستوى الخارجي، الإقليمي والدولي معاً، فقد أصبح لزاماً عليه كذلك الظهور في العلن، فضلاً عن إعادة تأكيد أنه لا يزال يمارس سلطته على البلد ثم مطالبة الأصدقاء والحلفاء – خصوصاً روسيا والصين – بمهلة إضافية عله يتمكن خلالها من توجيه ضربة قاضية للثورة (نتقدم، كما قال، لكن الحسم يحتاج إلى وقت)، وتصعيد حملته على الغرب «الذي يريد تدمير سورية... بعد أن فشل، في فترة انفتاحه علينا بين عامي 2008 و2010، في ضرب علاقتنا بالمقاومة وإيران».

وفي اعتقاده أنه، بمواقفه هذه، إنما يشد على يد صديقه فلاديمير بوتين الذي يشاركه النظرة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً، وإن من زاوية لا تتصل بالمقاومة ولا بإيران، كما يشد عزيمة حلفائه في محور «المقاومة والممانعة» باعتباره ونظامه ضحية التزامهما المحور المذكور في مواجهة طلبات الغرب وضغوطه عليه للابتعاد عنه.

ولم يكن خافياً، طيلة الدقائق التي استغرقتها المقابلة، أن رسالتَي الأسد إلى الداخل السوري وإلى الخارج الإقليمي والدولي كانتا عبارة عن إجابات معدة سلفاً على أسئلة لم توضع في ما بعد إلا من أجل استجرار تلك الإجابات، ولا شيء غير ذلك. وفي سياقها، كان لافتاً عدم التطرق إلى مواقف عدد من الدول العربية من الثورة والنظام، وبالتالي تحييده في الردود، والاكتفاء بالحديث عن دول الجوار من زاوية «أن بعض دول الجوار يقف مع سورية لكنه ربما لا يستطيع أن يسيطر تماماً على تهريب الإمدادات اللوجيستية إلى الإرهابيين، وبعضها يغض النظر عن ذلك أو ينأى بنفسه، وبعضها يساهم في هذا الموضوع»... ونقطة على السطر!

أين الحملة المسعورة، على ألسنة مسؤولي النظام وفي إعلامه وإعلام حلفائه منذ شهور، على السعودية وقطر وباقي دول الخليج؟ بل أين ادعاءات هؤلاء منذ اللحظة الأولى لبدء الثورة عن «المؤامرة الخارجية الغربية... والعربية»، وعن «الحرب الإعلامية»، فضلاً عن «العصابات المسلحة» الممولة والمسلحة والمدارة من قبل الخارج العربي تحديداً؟

مقابلة الأسد هذه أذيعت يوم الأربعاء في 29 آب (أغسطس) الماضي. أي في الوقت ذاته الذي كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعلن أن هناك 3,5 مليون نازح سوري في بلادهم ونحو نصف مليون نازح في الدول المجاورة (ما بين خمس وسدس عدد السكان البالغ 23 مليوناً)، وكانت مدن مثل حمص والرستن وحماة والبوكمال ودرعا والرستن ودوما وغيرها تعلن مناطق منكوبة، بينما تنشغل مؤسسات إغاثة دولية، حكومية وغير حكومية، بالبحث عن أماكن لمئات الآلاف من الطلاب السوريين المشردين عشية بدء العام الدراسي، وتتداعى بلدان العالم وجمعياته الإنسانية لجمع التبرعات المالية والغذائية والطبية، فضلاً عن الخيم والأغطية والملابس، لزوم الشعب السوري الشارد في البراري وعلى الطرقات هرباً من الطائرات والمدافع والدبابات تلاحقه بنيرانها وقذائفها من مدينة إلى مدينة ومن بيت إلى بيت. هل قال رئيس الدولة هذا، أي مقارنة بين محتوى المقابلة والواقع على الأرض، غير أنه يوجه «رسالة وداع»، بالمعنى السياسي للكلمة، ليس إلى بلده فقط وإنما إلى قصر الرئاسة الذي أصر على أنه يتحدث من بين جدرانه؟

=================

سوريا المغلوبة على أمرها

الشرق الاوسط

فؤاد مطر

11-9-2012

كنا نتمنى وقد اشتدت المحنة السورية وبات حديث القتل والقصف واكتشاف المجازر المتنقلة وما يتلازم مع هذا المشهد من لقطات خاطفة لأطفال ينزفون وأمهات يندبن فلذات الأكباد هو السائد، أن تكون القمة السادسة عشرة لحركة عدم الانحياز في طهران مناسبة لاستدارة ذات الهدف الإنساني من جانب الدولة المضيفة، بحيث تغتنم مشاركة مائة وعشرين دولة في المؤتمر فترفع الحظر المفروض على رموز المعارضة الإيرانية وتحفِّز بذلك الرئيس بشَّار الأسد على أن يعيد النظر في رؤيته للأزمة وتصنيفاته الظالمة بعض الشيء لبعض أطياف المعارضة السورية وفي علاجه الأمني الذي أضاف المزيد من الضرر بعدما اعتقد أنه سيكون مجرد علاج تأديبي للخارجين على طوعه لا يلبث المنتفضون أن يلوذوا بالصمت والصبر معا على نحو ما حدث سابقا في زمن والده إزاء الانتفاضة الحموية في الثمانينات. كما كنا نتمنى لو أن أهل الحكم الإيراني أثبتوا وبما لا يدع مجالا للشك بعد الآن أن مشروعهم النووي سلمي كما سائر المشاريع النووية في دول كثيرة. والإثبات الذي نقصده هو دعوة المؤتمر بكامل رؤساء الوفود أو بمن ينتدبون ومن بينهم الأمين العام للأمم المتحدة وسائر أمناء المنظمات الإقليمية المشاركة إلى القيام بجولة على المنشآت النووية. لكن ذلك لم يحدث فأضيف إلى الانطباع السائد بأن المشروع النووي الإيراني إنما هو سلمي لفظا وتبريرا لكنه السلاح الذي تُسرع إيران الخطى في إنجازه كما استعجالها لإنتاج كل أنواع الأسلحة ذات الطابع الاستراتيجي وصولا إلى إمكانية إطلاق قمر صناعي في حال كان محلَّلا شرعا.

لم يفعل أهل الحكم الإيراني ما يأمله الرأي العام العربي والإسلامي والدول الصديقة، وظهروا سواء من خلال المداولات أو التصريحات التي رافقت انعقاد المؤتمر، أنهم يفضلون الانحياز على عدمه. والانحياز إلى التعقيد بدل حلحلة الأزمات.

زيادة في التوضيح نقول إنه لو كان أهل الحكم الإيراني يريدون للسوريين استقرارا وبحيث تكون سوريا دولة صديقة وليست على الحال التي هي عليه، لكانوا أخذوا بنصيحة الإمام علي (رضي الله عنه) التي لخصها بالقول: «صديقك من نهاك وعدوك من أغراك». لكن عندما لا ينهى أهل الحكم الإيراني الرئيس بشَّار ويصدر عن كبيرهم المرشد آية الله خامئني الذي كان ترؤسه للقمة مناسبة لمئات المشاركين من كل دين ولون وقومية كي يتعرفوا عن قرب على هذا الوحيد في العالم الذي يحكم باسم الدين ولا راد لأمره، يصبح من الطبيعي أن يقول الرئيس المصري محمد مرسي وقد لاحظ تجاهُل كل من المرشد خامئني والرئيس أحمدي نجاد للأزمة السورية في كلمتي الافتتاح ما قاله حول الموضوع الملتهب، وبعبارة لا لف فيها ولا دوران وهي: «الثورة في سوريا هي ضد النظام الظالم وأن الوقوف مع نضال أبناء سوريا ضد نظام قمعي فقد شرعيته واجب أخلاقي مثلما هو ضرورة سياسية واستراتيجية». وكأنما مرسي، الحديث العهد في الرئاسة والذي جاء إلى القمة مؤكدا صلابة سلطته أمام المؤسسة العسكرية المصرية العريقة ذات الدور الوطني والبطولي إزاء مواجهة إسرائيل، أراد بما قاله إفهام دول عدم الانحياز بأن إيران التي ستترأس القمة لمدة ثلاث سنوات لا تقوم بالسعي الذي يهدئ الوضع في سوريا وأنه بما قاله أراد إخراج أهل الحكم الإيراني من لامبالاتهم هذه من دون إضمار نية الإحراج لهم، أو لعله أراد إلقاء علامة استفهام في شأن تأجيجهم للصراع من خلال المساندة الميدانية والمالية والعسكرية للنظام السوري التي تجعل المواجهة حالة نزف يومي ومن خلال التصريحات التي يدلي بها مسؤولون وتحمل في طياتها تشجيعا للرئيس بشَّار على أن يتصرف بما تحبذه الثورة الإيرانية وليس بما من واجبه القيام به لإطفاء اللهيب المتزايد إحراقا للبلد ناسا وعبادا.

وفي استطاعة الرئيس مرسي الرد على الذين اعترضوا على كلامه حول المحنة السورية وتوصيفه للنظام بأنه «ظالم» ورأوا فيه أنه إحراج لها أمام مؤتمر طالما تاقت الثورة الإيرانية إلى انعقاده في عاصمتها كونه يخفف من وطأة العزلة الدولية المفروضة عليها بسبب تطلعاتها النووية وتدخلاتها في دول الجوار، بالقول إنه من قبل أن يأتي إلى طهران كان زار الصين وأنه عشية انتهاء تلك الزيارة كانت وكالة الأنباء المرموقة «رويترز» تبث عبْر شبكتها الإخبارية مقابلة معه هي الأولى التي يجريها مع وكالة أخبار دولية منذ أن فاز برئاسة مصر في يونيو (حزيران) 2012، قال فيها: «آن الأوان لكي يقف هذا النزيف في سوريا لكي ينال الشعب السوري حقه كاملا ولكي يذهب من المشهد هذا النظام الذي يقتل شعبه..».. ولم يُبد أهل الحكم الصيني اعتراضا على قوله هذا كما الاعتراض الضمني من جانب الثورة الإيرانية التي صدمَنا ذلك التلاعب بكلام مرسي بحيث عند ترجمتها الفورية تم استبدال كلمة سوريا بكلمة «البحرين» ولم يخفف من مهزلة هذا التصرف اعتذار إيران لاحقا.

لقد انتهى أمر القمة في طهران إلى أن ما كان الرئيس بشَّار يتوقع حصوله عليه لم يحصل، بل إنه بدل أن يوظف الحكم الإيراني - بما لديه من قدرات - المؤتمر لإدراج موقف يخفف وطأة العزلة عن الحكم السوري فإن القمة انتهت عمليا إلى أنها قمة التبرؤ من أي مساندة لموقف النظام مقابل وقفة بالغة الأهمية عبَّر عنها الرئيس المصري الذي جاء رد وزير الإعلام السوري عمران الزعبي عليه لاحقا (الأحد 2 سبتمبر/ أيلول 2012) انفعاليا وغير ذي تأثير. بل إن الذي سمعناه من الوزير هو أشبه من حيث النتائج بما تتسبب به إحدى الطلعات الجوية لطائرة حربية تأمرها غرفة العمليات بعِلْم الرئيس بشَّار أو بتفويض سابق وشامل بقصف أحد الأهداف في واحدة من المدن والبلدات السورية الخارجة على الطوع، ذلك أن القصف يحقق الأذى بالفعل لمن هم في بيوتهم أو متاجرهم أو حقولهم إلا أنه يضيف المزيد من الإساءة إلى سمعة النظام لأنه يطارد بالسلاح الجوي إلى جانب الأسلحة الأرضية منتفضين عليه، مع أن الأمر لا يستوجب مثل هذه الجسارة التي دخلت شهرها العشرين ولا بوادر حسم لها سوى في كواليس كبار اللاعبين في الساحات العربية – الإقليمية - الدولية.

وكما كنا نتمنى أن تفعله إيران ولم يحصل وبذلك بقي النظام البشَّاري في ورطته وبقيت سوريا الوطن والشعب مغلوبة على أمرها، فإننا كنا نتمنى أن يخرج الوزير الزعبي على أهل الإعلام الداخلي والخارجي بكلام لا يندرج في الأسلوب نفسه الذي سبق أن اعتمده المتحدث الرسمي المغيَّب الدبلوماسي جهاد المقدسي فكان المردود مثل كلام الوزير الزعبي من حيث إلحاق الأذى بالهيبة بنسبة إلحاق صاروخ من طائرة حربية على أرض سورية الأذى بأفراد سوريين. ونقول ذلك على أساس أن الوضع ليس بالتبسيط الذي قرأناه في كلام الأخ عمران كما أنه ليس مناسبا اعتماد سياسة التهزيء والكيدية في هذه الظروف ضد الأشقاء العرب ومنهم الشقيق لبنان المستضعَف ماضيا وحاضرا إنما ليس دائما على ما يأمل المرء. إذ يكفينا تعكيرا لصفو العلاقات ذلك التشبيه الذي صدر ذات يوم بفعل «زلة لسان» من الرئيس بشَّار حول «أشباه الرجال». هذا إلى أن ردا يأتي من الرئيس بشّار على موقف الرئيس مرسي في قمة طهران ربما يكون مقبولا إنما ليس من وزير في حق رئيس. وإلى ذلك، فإن الوضع السوري بتداعياته المأساوية لا يتطلب سوى الأخذ بالتسوية العاقلة على نحو ما حصل في اليمن، وها هي الدول المانحة ترفد عهد «يمن التسوية الخليجية» بالمليار دولار الأول من أصل الستة مليارات، وفي اليوم نفسه (الثلاثاء 4 سبتمبر 2012) ها هو الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي تنحى لكنه لم يغادر البلاد يترأس (كما الرئيس السوداني الراحل جعفر نميري فعل بعد إنحائِه) اجتماعا للحزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي ما زال رئيسه - والرئيس حزبيا - لرئيس الدولة عبد ربه هادي الذي بمقتضى التسوية العاقلة ترأَّس البلاد، وبصرف النظر عما إذا كان الرئيس السابق يفعل ذلك لإثبات الوجود أم لتأكيد أن الحكمة يمانية وتنفع في ساعة الشدة يقاسيها الحاكم كما أنها خير وصفة كان من مصلحة الرئيس بشَّار الأخذ بها ما دام جاءه العرض مرة وثانية وثالثة على صينية من الضمانات، لكن الحليف الإيراني أحبط المحاولة.

أما كلام الوزير الزعبي فيكفي التأمل في مفردات عباراته للاستنتاج بأنه كلام يقال في غير زمانه وغير ظروفه. ومن هذه العبارات إلى مسألة «اللحية» التي أشرنا إليها قوله: «الدم السوري برقبة الرئيس المصري محمد مرسي» و«أين مصر من إغلاق البوابات بوجه الفلسطينيين ومن الارتهان الأميركي وأين هي من كامب ديفيد، وأين مرسي من الغاز المصري المصدَّر إلى إسرائيل ومن القضايا القومية» و«هنالك قنوات فضائية شريكة في سفْك الدماء» و«إن المعارضة السورية تمتلك أسلحة إسرائيلية الصنع وهناك العديد من الاغتيالات نُفِّذت في سوريا مستهدفة شخصيات وخبراء وعلماء تحمل بصمات الموساد الإسرائيلي» و«إن نجاح مهمة المبعوث الأخضر الإبراهيمي يتوقف على قيام دول محددة كالسعودية وقطر وتركيا بالالتزام علنا بنجاح خطة النقاط الست والتوقف فورا عن إرسال السلاح وإغلاق معسكرات التدريب والإيواء للمقاتلين وعندها سنختبر نوايا الجميع..»..

نخلص إلى القول: إن استحضار الرئيس بشَّار لسنوات الماضي الجميل يوم كان موضع رعاية الأشقاء العرب واهتمام المجتمع الدولي كان يكفي يوم بدأت الانتفاضة من درعا للمبادرة إلى اتخاذ إجراءات لتدارُك الموقف حفاظا على رونق تلك السنوات وبشائر عوائدها الوفيرة. لكنه لم يتصرف كرجل دولة ولم يستنجد كمسلم بالآية الكريمة «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادِلْهم بالتي هي أحسن». وبذلك تسير سوريا على طريق الدولة المغلوبة على أمرها.. أو ما هو أخطر من ذلك. عسى ولعل يُصلح الأخضر الإبراهيمي هذا العطار الوسيط الأممي اليعربي المسلم عند قدومه إلى دمشق بعد أيام، ما أفسده العناد السوري المشترك (النظام والمعارضة)، وعلى هدْي الآية الكريمة «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما». وإننا لنتفاءل بالخير لعلنا نجده ومعنا الشعب السوري الذي لا يستحق قساوة هذه المعاناة ومذلة هذا البلاء.

=================

سوريا واجتماع الرباعية بمصر!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

11-9-2012

أصدرت الخارجية المصرية بيانا يوم أمس يقول إن وفود اللجنة الرباعية المكونة من السعودية وتركيا وإيران قد وصلت للقاهرة من أجل التباحث حول الملف السوري، وذلك استجابة للمقترح المصري الذي أطلق أواخر شهر رمضان الماضي في قمة مكة للتضامن الإسلامي. والحقيقة هناك كثير من الأسئلة التي يجب الإجابة عنها من قبل المعنيين بالأمر حول تلك اللجنة الرباعية.

أولا، هناك اللجنة الوزارية العربية المكلفة بمتابعة التطورات في سوريا، برئاسة قطر، وهي المنبثقة عن قرار صادر عن الجامعة العربية ومهمتها متابعة الملف السوري، عربيا ودوليا، وهي اللجنة التي انبثق عنها جل المقترحات والمبادرات العربية تجاه الأزمة السورية، بدءا من تكليف الدابي، مرورا بالمبعوث الأممي والعربي السابق كوفي أنان، وصولا إلى الأخضر الإبراهيمي اليوم. فهل تقوم اللجنة الرباعية المقترحة من قبل مصر بإلغاء اللجنة الوزارية العربية تلك، أو تقوم بنسف كل قراراتها، خصوصا في ظل وجود الإيرانيين؟ وماذا عن الدول الأعضاء في اللجنة الوزارية العربية التي ترأسها قطر؟ بل وما جدوى سفر الأخضر الإبراهيمي لدمشق طالما أن هناك لجنة رباعية أخرى يتم العمل على تفعيلها بالملف السوري؟

ثانيا، كيف يستقيم التئام اللجنة الرباعية، السعودية وتركيا ومصر وإيران، بينما طالب الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد نبيل العربي في اجتماع الجامعة الأخير بضرورة العودة لمجلس الأمن مجددا في الشأن السوري؟ بل كيف يتوافق ذلك مع تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية المهمة بعد لقائها نظيرها الروسي حيث قالت كلينتون إنه في حال سعي الروس إلى تعطيل اتخاذ قرارات فاعلة في مجلس الأمن ضد الأسد فإن أميركا ستتحرك مع حلفائها لدعم المعارضة السورية؟ فهل تكون اللجنة الرباعية معطلة لذلك التحرك، وهي تطرح مبادرة جديدة، مما يعني منح مزيد من الوقت للأسد؟

ثالثا، كيف يمكن إنجاح المبادرة الرباعية، السعودية التركية الإيرانية المصرية، والأسد يرفضها تماما، ويرى فيها امتدادا للموقف المصري الأخير الواضح تجاه سوريا، والذي أعلنه الرئيس المصري لأول مرة، منذ اندلاع الثورة السورية، وذلك من خلال كلمة مرسي في طهران، بمؤتمر عدم الانحياز، وما طرحه أيضا في كلمته بالجامعة العربية بالقاهرة؟

رابعا، كيف تفهم دعوة إيران، وتركيا، لمناقشة الأوضاع في سوريا وكثيرا ما ردد العرب أنهم يريدون حل مشكلاتهم دون السماح لإيران تحديدا في التدخل فيها؟ فكيف تدعى إيران اليوم للجلوس حول طاولة مفاوضات حول سوريا، خصوصا أن العرب قد اعترضوا مسبقا على مقترح لكوفي أنان يقتضي إقحام إيران في الملف السوري، كما اعترض العرب قبل وقت غير بعيد على مقترح للأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى لعقد اجتماع إقليمي للتقارب بين دول المنطقة، وإيران وتركيا، فكيف يستقيم ذلك الآن، خصوصا أن طهران ليست دولة جارة لسوريا مثل تركيا، وليست طرفا في الحل، بل هي داعم أساس للأسد، فلماذا يشرعن تدخل إيران في سوريا الآن، ولمصلحة من؟

كل ما هو أعلاه أسئلة تتطلب إجابات من المعنيين، وذلك خشية أن يصل الحال إلى أن نقول إن على العرب توحيد مبادراتهم، وجهودهم تجاه سوريا، بعد أن كان يقال إن على المعارضة السورية توحيد صفوفها! فهل من إجابات مقنعة؟

=================

كابوس الأسد

حسين شبكشي

الشرق الاوسط

11-9-2012

سيفيق العرب يوما ما ليدركوا حجم الخديعة التي كانوا يعيشونها مع نظام الأسد. سيفيق العرب ويدركون حجم وكبر المؤامرة التي كان يمارسها هذا النظام في بلاده وفي المنطقة. سيفيق العرب يوما ويعلمون تماما ماهية الدور الذي كان يقوم به النظام السوري في المنطقة ولصالح مَن وما هي النتائج التي تسبب فيها. الكل مذهول من حجم الحقد والانتقام والكراهية الكامنة في قلب القائمين على هذا النظام بحق شعبه، لا يمكن أن تكون هذه التصرفات الوحشية والقتل والعقاب الجماعي بحق المدن والقرى والمواطنين بلا أي تمييز.. كل الأسلحة والوسائل لمجازر من القمع والقتل.

نظام الأسد «أُوجد» لأسباب وأهداف وهو مستمر لذات الأهداف والأسباب.. دمر سوريا اقتصاديا، وكسر شعبها الفخور بنفسه، وجعل الخوف والقلق والشك والريبة هي السمات الأساسية لمعيشته، أشغل الشعب بالانغماس في شعارات رمادية مغيبة للعقول عن الثورة الاشتراكية والمقاومة، ولم يكن النظام جادا قط في تحقيق أي من هذه الشعارات بشكل عملي على أرض الواقع كما اتضح لاحقا. كل الجرائم والاغتيالات التي بقيت «خوفا» مقيدة ضد مجهول بحق الساسة في لبنان والقيادات الفلسطينية بات واضحا جدا من خلفها ومن قام بتنفيذها. نظام جند آلاته الاقتصادية والسياسية والفكرية والأمنية والعسكرية لغرض واحد فقط هو قمع الشعب السوري إلى أقصى درجة وإعاشته في جو من الذعر والرعب لا يفيق منه، وإذا لم يقو على تحمله ترك البلاد أو دفع الثمن بالسجن أو بحياته.

لم يقدم نظام الأسد أي محاولة محترمة لإثبات جديته بتحرير أرضه المحتلة من إسرائيل، بل بقيت هضبة الجولان آمن الحدود مع إسرائيل بلا جدال، مما دعاها إلى ضمها رسميا وهي متأكدة أن قرار الضم هذا لن يلقى أي مقاومة عسكرية سواء رسمية من الجيش أو من مقاومة شعبية، لأن النظام الأسدي سيمنع ذلك بشتى الطرق والوسائل والأساليب.

بقاء نظام الأسد حاكما لسوريا ليس خطأ في عرف السياسة وعلومها، وانتهاكا لحقوق الإنسان، ولكنه خطيئة بكل المعاني الأخلاقية والتعاليم الدينية، فهذا الحجم من الإجرام ومن الشر يجب الخلاص منه والقضاء عليه، لا الحوار معه ومهادنته، وليس بأقذر من هذا النظام وإجرامه إلا من يبرر له ويجد له الأعذار ويؤيده بكل الطرق والأساليب. التواطؤ في القضية السورية يأخذ أشكالا مختلفة، فها هي تتحول من قضية سياسية لمواجهة نظام مجرم يبيد شعبه بالصواريخ والدبابات والطائرات ويحرمه من الخبز والماء ويشرده ويجوعه، إلى قضية إغاثة ولجوء.

بدا واضحا أن سياسة التشبيح السوري ليست سلاحا للاستخدام الداخلي فقط، فها هو التشبيح السوري ومن يؤيده يهدد تركيا بتفجير الحراك الكردي داخل بلادها، وكذلك توتير العلاقة مع الكتلة العلوية داخل تركيا، وهما كتلتان يزيد عددهما على العشرين مليون نسمة في دولة ديمقراطية مثل تركيا، وأي توتر في العلاقة بينهما وبين الكتلة الحاكمة سيؤثر على الاستقرار العام للبلاد، واستمر التشبيح ليصل إلى الأردن عن طريق بعض المخيمات الفلسطينية التي اخترقها النظام المخابراتي للأسد وبدأ يحرك الشارع الأردني بعنف شديد ضد الحكومة ليقلقها ويهددها ويوترها في تهديد مبطن من السوريين بأن هناك مزيدا من التوتر سيطالها لو استمرت في تأييد الثورة السورية حتى وإن كان هذا التأييد خجولا ومحدودا. سيفيق العرب يوما ما ويدركون حجم الخديعة ومدى الجريمة وهول الخيانة التي مورست من نظام الأسد بحق شعبه وبحق بلاده، وأن حجم الدمار الذي طال الإنسان السوري عبر أربعة عقود يفوق كثيرا حجم الدمار الخرساني في المباني والمرافق والمدن والقرى.

هذا الكابوس إلى نهاية، وهذه الشرذمة التي احتلت سوريا لسنوات طويلة أشبه بعقود سوداء من الزمن سترحل، ولكن هناك وعيا جديدا يجب أن يصل لمنع خطف البلاد مجددا تحت مسميات واهية وشعارات وهمية وأهداف مضللة.

كابوس حكم الأسد يلفظ أنفاسه الأخيرة.. نعم قيلت هذه الجملة من قبل ولكن نظاما بهذا الإجرام حشرجته تستهلك وقتا أكثر من غيره!

=====================

خطة جنيف والأزمة السورية

تاريخ النشر: الإثنين 10 سبتمبر 2012

عائشة المري

الاتحاد

يزداد الوضع في سوريا ضبابية، فبعد 18 شهراً من الصراع قتل ما يزيد على 20 ألف شخص أو يزيد، ودمرت قرى ومدن، وازدادت الهوة اتساعاً بين الحكومة السورية والمعارضة، فيما الأعمال الوحشية التي يرتكبها الجانبان في تصاعد، واتخذت أشكالًا مروعة، ودخلت سوريا في دوامة الانتقام والتطرف الطائفي. ومع تصاعد الدعم الإقليمي والدولي لجماعات المعارضة، تغيرت موازين القوى على الأرض بين المعارضة والحكومة، مما أدى إلى تصعيد الاقتتال، وتحولت الحرب الأهلية إلى حرب طائفية، وبدأت العناصر الدينية تملأ الفراغ وعززت من وجودها على الساحة السورية وانتشرت التقارير التي تشير إلى تغلغل عناصر من تنظيم "القاعدة" في صفوف الثورة السورية، مما يدعم حجة النظام السوري، بأن المجموعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية، هي التي تحاول تقويض الأمن في البلاد، فيما تؤكد المعارضة السورية رفض وجود عناصر من تنظيم "القاعدة" في صفوف الثورة السورية، لما قد يشكله ذلك من تهديد للثورة السورية.

استمرار الأزمة أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وبدأت آثار الأزمة السورية تمتد بشكل جلي إلى دول الجوار الجغرافي حيث تدفق اللاجئين إلى تركيا والأردن ولبنان.

وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن دول الجوار تستضيف نحو 124 ألف لاجئ سوري مسجل، إضافة إلى تشريد حوالي مليون شخص من مناطق سكنهم إلى مناطق أخرى داخل البلاد. لقد استنفذت الأساليب الدبلوماسية، ودخل الملف السوري في حلقة مفرغة، ولعل التوصيف الأمثل للحالة السورية ماذكره أحد المحللين بالقول بأن الشعب السوري ومنذ البداية يرفض التدخل الأجنبي في بلاده "خوفاً من التطورات التي مرت بها دول مجاورة كالعراق ولبنان أو حتى أفغانستان. لكنهم الآن باتوا يخشون من واقع قد يضم كل هذه السيناريوهات معاً ". كل ذلك فيما لايزال مجلس الأمن يشهد انقسامات حادة بين أعضائة بشأن الحالة في سوريا.

لقد لخص الرئيس الروسي الموقف من سوريا بقوله "إننا نتفهم جيداً ضرورة التغيير في سوريا. لكن هذا التغيير يجب أن لا يكون دموياً"، وقال بأن "اجتماع جنيف خرج بـ"خريطة طريق" متكاملة لإعادة الاستقرار لسوريا. وأعلنت روسيا على لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف السبت الماضي بأنها ستطلب من مجلس الأمن تبني خطة جنيف بشأن الأزمة في سوريا الداعية لوقف إطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية. وكانت مجموعة العمل حول سوريا المكونة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وثلاث دول عربية هي العراق والكويت وقطر، إضافة إلى تركيا، والأمين العام للجامعة العربية، وأمين عام الأمم المتحدة ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، قد اتفقت في 30 يونيو في جنيف على مبادئ انتقال سياسي في سوريا تستند الى خطة عنان، ولا تنص على دعوة الرئيس السوري بشار الأسد للتنحي. خطة تفتح الطريق أمام انتقال يقوده السوريون بهدف إنهاء الصراع وتحدد الخطوات الرئيسية لخطة الانتقال، وتشمل تشكيل حكومة انتقالية تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة، وإطلاق عملية حوار وطني شامل، ومراجعة الدستور والنظام القانوني الحاليين، وبعد أن يتم الانتهاء من المراجعة الدستورية، يجب الإعداد لانتخابات حرة ومفتوحة أمام الأحزاب وتحدد الخطة الخطوات والإجراءات اللازمة من أجل التنفيذ الكامل لخطة عنان، بما فيها الوقف الفوري للعنف بكافة أشكاله، رغم فشل خطة عنان المدعومة دولياً قد فشلت في وقف العنف في سوريا واستقالة "عنان" من مهمته.

ورغم أن أعضاء مجلس الأمن لايزالون غير متفقين على خطوات إنهاء الصراع الدائر في سوريا، يبدو جلياً أن مفاتيح حل الأزمة لازالت بيد روسيا بعد الحديث مجدداً عن "الحل السياسي" كمخرج وحيد للأزمة السورية، وتصب المبادرة المصرية الرباعية التي تضم كلا من مصر والسعودية وتركيا وإيران، التي دعت إليها مصر لحل الأزمة السورية، في إطار الحلول السياسية لحل الأزمة السورية.

=================

مستقبل سوريا * اسامة الشريف

الدستور

10-9-2012

تجاوزت الأزمة السورية نقطة اللاعودة من حيث تعليق الآمال على حل سياسي ينهي الصراع المحتدم بين النظام الحاكم والثوار المناهضين له بما يحفظ وحدة سوريا ويحقق انتقالا سلميا للسلطة. باتت مراكز الابحاث القريبة من دوائر صنع القرار في الغرب تفكر في احتمالات راديكالية تتحدث عن تقسيم البلاد ضمن جيوب طائفية مع استمرار النزاع العسكري لأشهر وربما سنوات.

ويبدو جليا ان المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة قد فقد ثقته بقدرة المجلس الوطني السوري على توحيد صفوف السوريين وتمثيلهم بعد ان اشتد الصراع داخل اروقة المجلس وتم استبعاد القوى الليبرالية والعلمانية لصالح سيطرة شبه كاملة للاخوان المسلمين. وكذلك فان ما يسمى بالجيش السوري الحر، وهو غطاء فضفاض للثوار المسلحين الذي يقاتلون جيش النظام في انحاء مختلفة من البلاد، يعاني من اختراق واضح من قبل مقاتلين جهاديين عربا واجانب ومن ضمنهم متشددون تابعون لتنظيم القاعدة. وقد نشهد انشقاقات في بنية الجيش الحر نتيجة صراع قوى وطنية وجهادية داخله.

لكن ذلك لا يعني ان النظام قادر على تحقيق حسم عسكري في ظل الانقسام الواضح بين مختلف فئات الشعب السوري وبعد ان دمر النظام مدنا وقرى باكملها، وتورط في مجازر ضد المدنيين، وتسبب في نزوح مئات الآلاف داخل وخارج سوريا، وخلق مواجهات طائفية. اضف الى ذلك احتمال انتقال الأزمة الى دول الجوار وعلى رأسها لبنان المعرض اكثر من غيره لحدوث اضطرابات طائفية على خلفية الاحداث السورية. وهناك مؤشرات على تأثر العراق بتلك الاحداث ايضا بعد عودة التفجيرات الانتحارية الى مناطق في بغداد وغيرها. كما ان تركيا متخوفة من زج النظام السوري بالاكراد على جانبي الحدود في الأزمة المتدهورة.

على المستوى السياسي لا يملك المبعوث الخاص للامم المتحدة والجامعة العربية الاخضر الابراهيمي فرصة حقيقية لاحداث اختراق والتوصل الى تسوية بعد ان اخفق سلفه كوفي انان في مهمته. كما ان فرص نجاح مبادرة اقليمية كتلك التي طرحتها مصر مؤخرا تبدو ضعيفة في ظل تباين مواقف روسيا والولايات المتحدة وتشكيك دول الخليج بالدور الايراني.

ما يحدث على الأرض يوميا سيقرر مسار الاحداث في الوقت الذي لا يحظى المجلس الوطني السوري باعتراف دولي او حتى بشرعية توافقية داخل سوريا نفسها. سيناريوهات المرحلة القادمة تتحدث عن تدخل اجنبي محدود لفرض مناطق عازلة بحجة حماية المدنيين وايقاف مد اللاجئين العابرين للحدود وربما للسيطرة على مخازن للاسلحة الكيماوية. كما تتحدث عن تشكل جيوب طائفية خالصة للعلويين (في شمال غرب البلاد) واخرى للسنة والدروز، ما يعني عمليا تفكيك الدولة السورية على شاكلة يوغسلافيا السابقة، أي البلقنة. في هذه الاثناء يعاني النظام من انهيار متسارع لاقتصاده واستنزاف لقدراته العسكرية.

مستقبل المنطقة واستقرارها على المحك والقراءات الاخيرة للازمة السورية لا تنسجم مع آمال السوريين الذي انتفضوا مطالبين بالحرية والعدالة، وهي بالقطع لن تعود بالنظام الحاكم الى فترة ما قبل الثورة. وسواء بقي النظام ام اندحر فان سوريا ستتحول الى ساحة صراع لقوى متنافرة على المستويين الاقليمي والدولي قد تؤذن بتغيرات جيوسياسية جوهرية لم تشهدها المنطقة منذ تقسيم سايكس-بيكو الأشهر!.

التاريخ : 10-09-2012

=================

تدفق اللاجئين من يدفع الثمن؟

د. فهد الفانك

الرأي الاردنية

10-9-2012

تركيا تأخذ موقفاً صريحاً من تأييد الثورة ضد النظام السوري وتعتبر طرفاً في الصراع ، ومع ذلك تدّعي أن طاقتها على استقبال اللاجئين السوريين تقف عند ماية ألف لاجئ ، فأين تقف طاقة الأردن على استقبالهم ، وهو يأخذ موقف الحياد الإيجابي ولم يتورط في الصراع.

يقدر الاقتصاد التركي بمقياس الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 700 مليار دولار أي 25 ضعف حجم الاقتصاد الاردني. وبهذا المقياس التركي لا يستطيع الأردن أن يستقبل أكثر من أربعة آلاف لاجئ سوري.

تركيا التي تعتبر طرفاً منحازاً في الصراع الجاري في سوريا عليها أن تتحمل تبعات موقفها وتستقبل كل ما يرد إليها من اللاجئين ولكنها لا تفعل ، أما الأردن الذي يتمنى لسوريا حلاً سياسياً مقبولاً لجميع الأطراف ، فإنه لا يضع حداً لتدفق اللاجئين الذي جاء أكثرهم للحصول على الطعام والدواء وليس لأنهم مستهدفون.

سوريا ليست ممتنة لدول الجوار التي تستقبل اللاجئين السوريين ، بل يتهم إعلامها تلك الدول بإساءة معاملة اللاجئين واستغلالهم لأغراض سياسية وإعلامية واعتبارهم غطاء للتدريب والتدخل. واللاجئون أنفسهم ليسوا ممتنين وقد تظاهروا ضد الأمن الأردني وقدموا مطالب تعجيزية وسببوا قدراً من الفوضى والاضطراب لمجرد التأخير في تقديم إحدى وجبات الطعام.

استقبال اللاجئين الذين يصلون بملابسهم الشخصية له تكاليف باهظة اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية ، لا يستطيع الأردن أن يتحملها ، خاصة وأن الأشقاء الذين اعتادوا على دعم الأردن مالياً جمدوا معونتهم تاركين الأردن تحت رحمة صندوق النقد الدولي والدائنين. ويبدو أن لديهم شروطأً أقسى وأخطر من شروط صندوق النقد الدولي الذي وافق على عدم طلب أية إصلاحات أو إجراءات غير مقبولة شعبياً.

المساعدات الدولية التي ترد إلى البلدان التي تستقبل اللاجئين تكون في العادة مؤقتة كأداة تخدير لبلع الطعم ، ثم ينسحب المانحون تدريجياً ويجد البلد الذي استقبل اللاجئين أمام مسؤولية جسيمة دون معين ، كما تدل تجربة الأردن مع وكالة الغوث الدولية التي سهلت استقرار اللاجئين خارج بلادهم ، وبعد أن استقروا أخذت بالانسحاب التدريجي.

ما زال السذج الذين لا يدركون أعباء المشكلة وتداعياتها يتحدثون عن تقاسم لقمة الخبز وشربة الماء ، وواجب الأخوة والضيافة ، مع أن المشكلة أكبر وأخطر من ذلك بكثير .

الأخطاء التي يمكن أن ترتكبهـا الحكومة الأردنية اليوم في التعامل مع الوضع السوري غير قابلة للإصلاح غدأً ، بل إن إصلاحها قد يكون أعلى كلفة.

=================

لا أصدقاء للشعب السوري!

أكرم البني

الشرق الاوسط

10-9-2012

«الصديق وقت الضيق» هو أشهر الأمثال الشعبية التي تؤكد معنى الصداقة وضرورتها في المصاعب والمحن، المعنى الذي للآسف لم يظهر عند من يسمون أنفسهم أصدقاء الشعب السوري، فليس من معاناة أشد اليوم مما يعانيه هذا الشعب المنكوب، وليس من لحظة تلح فيها حاجته للدعم والمساندة أكثر من اللحظة الراهنة!

لقد حيرت السوريين سياسات الحكومات المهتمة بشأنهم، ذلك أنها أوحت، بعد أن تكرس توغل النظام في لغة العنف والتنكيل، بأنها لن تترك الشعب الثائر وحيدا في الميدان، وأنها ستكون جزءا من الحل كما حصل في الثورات العربية الأخرى، لكن الأمر بدا على العكس تماما وظهرت مفارقة غريبة حين أصبح المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية، جزءا من المشكلة وسببا في استمرارها وتفاقمها.

لم يقرن أصدقاء الشعب السوري أقوالهم بأفعال، ثمة صرخات كثيرة منددة بالقمع واستنكارات وإدانات بمختلف اللغات لكنها لم تتجاوز برودة الكلمات، أحيانا من باب رفع العتب، وأحيانا لامتصاص الضغط الأخلاقي الناجم عن مشاهد مروعة لا يحتملها عقل أو ضمير، وأحيانا كي لا يذكر التاريخ أن الإنسانية لاذت بالصمت بينما آلة الموت والدمار تعمل بأقصى طاقتها.

لماذا تترك سوريا لهذا المصير المرعب؟! وإلى متى سيبقى العالم كأنه لا يكترث بما يحصل من فظائع وأهوال، وكأنه بشعوبه وحكوماته يتفرج على الفتك اليومي، دون أن يتحرك جديا لمنعه، أو على الأقل للتخفيف منه؟! ألا تستحق صداقة الشعب السوري ردا لوقف نزيف الدم المستمر ولعب دور إنساني بسيط في حماية أرواح المدنيين؟! أولم يفسر ما قاله الرئيس أوباما عن خط أحمر يستدعي ردعا في حال استخدم النظام أسلحته الكيماوية، بأنه ضوء أخضر لاستخدام كل وسائل الفتك دون هذا المستوى؟! وهل يعتقد أصدقاء سوريا أن حججهم وذرائعهم لتبرير سلبيتهم يمكن أن يصدقها أحد، وأنهم على كثرتهم وما يملكونه من قوة ونفوذ لا يستطيعون محاصرة الموقف الروسي أو فرض حل ينهي العنف ويكرس مطالب الناس؟!

هم يتذرعون مرة بمجلس الأمن العاجز عن اتخاذ قرار موحد ويمنحونه قدسية لا يستحقها، مظهرين إصرارا على العمل من خلال مؤسسات الأمم المتحدة واحترام قراراتها ومبادراتها، وكأنها صارت الهدف والمعيار وليس دورها في حفظ الأمن وحماية أرواح المدنيين، دون أن ننسى أن دول الأطلسي أو روسيا نفسها أقدمت على لعب دور حاسم في بعض بؤر التوتر العالمي وضربت عرض الحائط بصيغ وقرارات مجلس الأمن.

ومرة عبر المبالغة بخطر تسلل جماعات «القاعدة» إلى بلاد الشام وسعيها لقطف ثمار الحراك الشعبي، وكأن استمرار المعارك ولغة السلاح وهذا الفتك المروع ليست العامل الأهم في جر مختلف أنواع المتطرفين إلى الساحة السورية بصفتها الفرصة الأهم لوضع برامجهم موضع التنفيذ.

ومرة بإلقاء اللوم على العمل المعارض والادعاء بأن تفككه وتشتت رؤيته السياسية يعيقان تقدم الموقف الدولي، وإظهار الخشية من بديل مقبل يهدد الاستقرار في المنطقة وحقوق الأقليات، ونسأل أين توفر نموذج لمعارضة موحدة ومتماسكة في بلدان استدعت دورا أمميا؟ وهل قبض الشعب السوري غير الريح بعد أن توصلت المعارضة إلى توحيد خطابها وأهم قواها؟ ونسأل أيضا ألا يهدد ما وصلت إليه سوريا اليوم استقرار المنطقة وقد باتت باعتراف الجميع ساحة اضطراب مفتوحة، تصدر الأزمات ومئات آلاف المهجرين؟

فأي صداقة للشعب السوري حين يستمر هذا الصمت الشعبي والرسمي المريب تجاه فتك وتنكيل لا يعرف حدودا، أو حين يتأفف البعض من زيادة أعداد اللاجئين على أراضيه مستسهلا معاملتهم معاملة لا تليق بالبشر، أو حين يغدو المواطن السوري غير مرغوب في بلدان «أصدقائه» وتحاصره العيون بارتياب، أينما ذهب وأينما حل؟

إن من يدعون أنهم أصدقاء الشعب السوري لا يقدمون له سوى الدعم اللفظي والتغني بشجاعته وبعض الوعود الخلبية، ولا يغير من هذه الحقيقة حدة هجومهم على الموقف الروسي وعلى أشكال الدعم الإيراني، ولا تكرار المطالبات برحيل النظام، ولا تشديد العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية ضد أهم الشخصيات السلطوية، ووضع ثقلهم وراء محاسبتها على ما ارتكبته.

في المقابل أثبت أصدقاء النظام السوري صداقتهم له، وكانوا جادين في تقديم كل أسباب الدعم، السياسي والعسكري والمالي، لاستمراره، فساعدوه على تعطيل جميع المبادرات العربية والدولية لمعالجة الأزمة وتفريغها من محتواها القائم على تغيير النظام وإرساء مرحلة انتقالية تقوم على أسس ديمقراطية، واستخدموا الفيتو ثلاث مرات ضد أي قرار يدين العنف السلطوي، وساهموا في إجهاض مختلف المبادرات العربية والدولية، ثم منحوا النظام المهل لتصعيد ممارساته القمعية التي وصلت حد العقاب الجماعي وتدمير المدن والأحياء بشكل عشوائي، وعملوا على تغطية أفعاله وتبريرها بتبني روايته عن عصابات مسلحة وقوى إرهابية سلفية تنفذ مؤامرة خارجية تستهدف دوره الممانع!

التغيير مقبل والمسألة مسألة وقت، هي عبارة يكررها أصدقاء الشعب السوري لحجب زيف سياساتهم ومواقفهم، وتاليا، رغبتهم بعدم استعجال الحسم، ما يشعر السوريين بأن وراء هذا التعاطي مع محنتهم، تقف رغبة خفية ومضمرة بترك الصراع مفتوحا لأقصى مدة ممكنة، كأن هؤلاء الأصدقاء يريدون لصديقهم أن يدمر بلده تدميرا ذاتيا وأن يعيش في دولة منهكة ومفككة، أو كأنهم ينفذون من حيث يدرون أو لا يدرون خيارا طالما حلمت به إسرائيل في إيصال هذا البلد إلى حالة من الإنهاك والاهتراء تشغله عنها، أو كأنهم يريدون استنزاف عدوهم الإيراني على حساب دماء السوريين ومستقبل أجيالهم، دون أن يتكبدوا أي عناء.

ليس من بلد نضجت فيه الدوافع الأخلاقية والقانونية لفعل أممي حاسم يوقف العنف المفرط كما سوريا، وليس من شعب حفز شروط التغيير بقواه الداخلية الصرفة ودون عون «الأصدقاء» وأبدى استعدادا لدفع أغلى الأثمان من أجل نيل حريته وكرامته، كما الشعب السوري.

=====================

إشكالات "اتفاق جنيف" مع الشعب السوري

2012-09-09 12:00

الوطن السعودية

تشير تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى أن بلاده تسعى لمنح النظام السوري مزيدا من الوقت على احتمال أنه يستطيع إخماد الثورة أو تحقيق مكاسب على الأرض تجعل المعارضة تنزل قليلا في سقف مطالبها، أو وضع المعارضة في ورطة أمام المجتمع الدولي إذا رفضت إنهاء الأزمة.

وحين يعلن لافروف أمس أن روسيا ستدفع مجلس الأمن الدولي للمصادقة على اتفاق جنيف من أجل انتقال سياسي في سورية خلال اجتماع يعقد الشهر الجاري، فهو أولا يتجاهل الشعب السوري الثائر الذي دفع عشرات الألوف من الضحايا من أجل الخلاص من نظام قمعه طوال أربعة عقود، ولافروف نفسه صرح من قبل، أكثر من مرة، أنه لا يحق لأحد التدخل في الشأن السوري، لأن الشعب هو من يقرر مصيره ويحدد من يحكمه. وكأنه لم يسمع بالجموع المليونية التي كانت قد حسمت أمرها وقررت وراحت تتظاهر ضد النظام في مختلف المدن، ليظهر لافروف كمن يعيش خارج الواقع، فيما هو في الحقيقة يتواطأ مع النظام ضد الشعب.

إلى ذلك، يعلم لافروف كما يعلم النظام أن الحل لم يعد لدى المعارضة ولا النظام ولا المجتمع الدولي "المتفرج على المشهد"، فالأمور تطورت ووصلت إلى ما كان يرسم له النظام منذ بداية الثورة وهو حمل البعض للسلاح ليبرر قتل المتظاهرين، غير أنه صعق حين هبّ عشرات الألوف من المنتمين للجيش السوري الحر للدفاع عن أهلهم في كل المدن والقرى، واكتشف أن ما خطط له صار واقعا، لكن بصورة أكبر بكثير مما أراد. فالجنود المنشقون عن جيش النظام يتزايد عددهم مع مرور الأيام، وفيما جيش النظام يتناقص تدريجيا فإن استخدامه للأسلحة المدمرة على مواطنيه يزداد، أما الدبلوماسية الروسية فتريد إعادة "اتفاق جنيف" الذي تبنته إلى الأضواء، وهي تعلم يقينا أن الشعب السوري يصعب تقبله لخطة انتقال سلمي سياسي للسلطة لا تتضمن تنحي "بشار الأسد" ومحاكمة القاتلين وسقوط النظام وبناء نظام جديد يحترم الإنسان وحقوقه. لذلك فإن "اتفاق جنيف" بصيغته الروسية مجرد منح النظام وقتا إضافيا لقتل المئات كل يوم، حتى وإن ادّعى النظام لاحقا تعاونه لإنجاحه.

==================

لا تدخّل عسكري في سوريا من دون الولايات المتحدة

المستقبل

الاحد 9 أيلول 2012

مجلة "الاكسبرس" الفرنسية (3 ايلول 2012) طرحت على الجنرال جان باتريك غافيار، القائد العسكري للعمليات الحربية، أسئلة عن احتمالات التدخل العسكري في سوريا وأشكاله. هنا نص المقابلة:

[ بماذا يختلف التدخل العسكري في سوريا، لو حصل، عن التدخل الغربي في ليبيا عام 2011؟

ـ الجيش الليبي أضعف من الجيش السوري، سواء من ناحية التجهيز بالمعدات أو بعدد الأفراد أو بالتدريب. القدرات الدفاعية السورية، خصوصا الدفاعات المضادة للطائرت، هي بدورها قوية جداً. فالسوريون يملكون عددا كبيرا من صواريخ أرض جو وأنظمة التقاط الصواريخ الجوية. أما أفراده، فقد علمهم الروس، وهم يتقنون جيدا استخدام معداتهم. الجيش التركي أدرك ذلك على حسابه الخاص، عندما خسر طائرة فانتوم في حزيران الماضي بنيران القوات السورية النظامية.

[ ما هي إمكانات نجاح تدخل عسكري غربي في سوريا؟

ـ من دون مشاركة الولايات المتحدة، يصعب علينا تصور هذه الامكانية. بما ان الطاقة القتالية السورية فعالة، فان التدخل يتطلب طاقات قتالية مقابلة متفوقة عليها. وسوف تكون الأولوية في هذه الحالة تدمير القدرات الجوية السورية، وهو ليس بالأمر الهيّن، نظرا لعدد صورايخ أرض جو التي سوف تواجهه والتدريب الجيد الذي يتمتع به الجيش السوري، خصوصا على مستوى مراكز القيادة. حتى منطقة حظر جوي تفترض تفوقا جويا لا تتمتع به القوات الفرنسية والأوروبية، خصوصا على مستوى طائرات الأواكس وطائرات التزويد بالوقود، وتتطلب أيضا قدرات استخباراتية عالية، ومعدات الكترونية، خصوصا عند استخدام الطائرات من دون طيار.

ـ يبدو هكذا تدخل صعباً من دون المشاركة الأميركية...

ـ الطريقة الوحيدة للتغلب على الدفاعات الجوية هي استخدام الطائرات الخفية، مثل طائرات اف 22 الأميركية، شرط ان تترافق مع ضربات صاروخية بحرية. ولكن الاميركيين منشغلين الآن بالحملة الانتخابية وهم من جهة ثانية بصدد الانسحاب من أفغانستان، ولا يبدو انهم مستعدين لخوض هكذا مغامرة.

من دون القدرات الأميركية، ليس بوسع أي قوة غربية ان تفرض تفوقها الجوي، وأن تحافظ على هذا التفوق. هذه المشكلة كانت أصلاً مطروحة في ليبيا. وسوف يكون الأمر أكثر صعوبة في سوريا. قد تأتي هزيمة النظام من داخل الجيش السوري نفسه، الذي قد يصيبه الوهن والهزيمة؛ وهذا بدوره مشروط بتزايد أعداد المنشقين عن الجيش النظامي.

[ كيف يمكن تحييد السلاح الكيميائي؟

ـ ان اشكالية السلاح الكيميائي معقدة، يصعب حلها، لأن الأهم فيها هو معرفة موضعها في الوقت الصحيح، الحيّ، ما يتطلب طاقات فضائية واستطلاعية عالية الأداء. اذا كشف عن استخدامها، فسوف يكون لزاما علينا إرسال قوات خاصة إلى الموقع الذي وضعت فيه، وسوف يفترض بنا أن نكون قادرين على "محاصرتها" بغية جرّها الى مكان آمن. هذه المهمة الدقيقة جدا سوف تتطلب ايضا التمتع بتفوق جوي، على الأقل في المرحلة الأولى من العملية. لا يمكننا تصور عملية من هذا القبيل من دون الأميركيين.

[ ما رأيك بطلب تركيا إقامة منطقة آمنة؟

ـ ينطوي هذا الاقتراح على "تطويق" الفيتو الصيني والروسي.

من الناحية الإجرائية، فان منطقة كهذه سوف تسمح باجلاء العديد من اللاجئين، وسوف تبعد التهديدات السورية النظامية عن الحدود التركية. ولكن الأسد يعارض بقوة هذه الفكرة.

أما من الناحية العسكرية، فان مهمة كهذه تتطلب قوى عسكرية أرضية عديدة، بمعنى آخر... إنزلاق عسكري غربي محتمل. يجب أن لا ننسى أن قوات التحرير السورية المعارضة ترفض قدوم قوات أرضية غربية إلى سوريا.

أخيراً، فان منطقة حظر جوي سوف تكون ضرورية لحماية اللاجئين والقوات العسكرية البرية المعارضة. وفي هذه الحالة، نعود إلى الإشكالية الخطيرة القائمة على تفوق المضادات السورية النظامية...

==================

في تقدير الموقف : مسلمون لا إسلاميون ... ملة أبينا إبراهيم حنيفا هو سمانا المسلمين .. احذروا مظلات العزل وحفر الرجم .. زهير سالم*

مسلمون ... والرب واحد ، والكتاب واحد ، والرسول واحد ، والقبلة واحدة ، والأمة واحدة ، والموقف فسيح فعرفة تضم الأشتات من كل فج عميق .

مسلمون ...ونحن من هذه الأمة ومن سواد ناسها كموجة في بحر هاجها الشوق فارتفعت ولم تنفصل ، ومهما بعد بها المدى فحدها شاطئ أمة لا تتعداه ، منها خرجت وإليها تعود ..

مسلمون والإسلام مظلة سابغة جامعة تظلل كل من أمسك منها بطرف. وبساط الملة محمدي مديد يتسع لكل من أوى إليه. مسلمون والقوم لا يشقى لهم جليس ، ولا بهم خليط ؛ فيهم السابق ومنهم المقتصد والظالم لنفسه ، يعان على نفسه ولا يعان عليه . ومن أحب أن ينأى عن المظلة والبساط فليبحث لنفسه عن اسم أو راية أو عنوان .

 

كنا يوما نسير في مدينة حلب مع شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبوغدة رحمه الله تعالى وأحسن نزله – كان ذلك في مطلع الستينات وكان الشيخ رحمه الله تعالى يومها يحمل همّ مشروع لتوحيد علماء المدينة في موقف واحد لمواجهة مخططات البعث – فسأله أحدنا من هي جماعة المسلمين ؟ وكانت قد انتشرت أفكار المفاصلة بين الجماعة المسلمة والمجتمع الجاهلي . نظر الشيخ رحمه الله حوله فرأى دكاكين النجارين والحدادين وكان يحرص على السلام على كل من يمر به منهم ، فقال مشيرا بيده : جماعة المسلمين هذا وهذا وهذا وأشار إلى أصحاب الدكاكين من حوله ..

 

أسوق هذه الواقعة كعنوان لفقه سياسي يرفض كل أشكال الانفصال عن المجتمع ، أو التميز عن سواده العام ، أو عزل الدعاة إلى الإسلام عن أمتهم أو عن مجتمعهم بأي نية حدث ذلك أو تحت أي عنوان كان .

 

 وأعود إلى مذكرات الدعوة والداعية للإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى لأشير إلى حرص كان حاضرا في ذهنه رحمه الله عند اختيار اسم الجماعة على البقاء تحت المظلة العامة السابغة للأمة ( الإخوان المسلمون ) لا تنازل عن شرف التسمية ، ولا استبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير .

 

 ( مسلمون ) ونتمسك بالإسلام عنوانا وهوية ومظلة تظللنا كما تظلل كل مسلم من أبناء مجتمعنا ، وتمتد بنا إلى أبناء أمة أكد لنا قرآننا أننا وإياهم أمة واحدة (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )) .

 

والإسلام الدين والمنهج عنوان جامع وهوية ذاتية لا تتناقض مع ما عداها من عناوين قومية أو وطنية إلا في أذهان الحرجين الضيقين الذين لا تتسع عقولهم أو نفوسهم لحقائق الوجود الإنساني بتجلياته وآفاقه المتعددة.

 

لقد شهدت منطقتنا منذ قرن الاستعمار الغربي أشكالا من عمليات التفكيك وإعادة التركيب واختراع المظلات والهويات لإعادة الفرز والدمج والرفع والخفض على أسس وبطرائق لا تخفى عن المبصرين. ولم يكن الذي جرى من تفكيك وإعادة تركيب ؛ لمصلحة إنسان هذه المنطقة في صيرورته العامة أو أفقه البعيد. لقد قادت تلك العمليات المعقدة مجتمعاتنا من حالة الالتحام تحت المظلة الأوسع إلى مزالق التفتيت والتهميش والإقصاء .

 

ويعتقد الذين يقومون على مشروع صناعة المظلات المريب أنك إذا أردت أن تسوّق منتجا ثقافيا أو سياسيا فسمه اسما براقا جميلا واستعن لترويجه بخبراء الدعاية والإعلان من ساسة ومثقفين وشعراء و أدباء وفنانين ومصورين ، وإذا أردت أن تشوه حقيقة وتغالط أصحابها عنها فسمها بغير اسمها ثم سلط عليها خبراء التشويه .

 

لقد عشنا عقودا يرمز فيها إلى المسلمين : بالرجعيين والمتخلفين والجموديين والماضوين والغيبيين ، ولعقائد الإسلام بالخرافات والأساطير ، ولقيمه وأخلاقه بالعادات البالية والتقاليد الجامدة ..

 

 وما يزال المسلمون حتى هذه الأيام كلما خرجوا من غمرة يجدون أنفسهم أمام أخرى في جهد جدلي لعدو لا يكل ولا يمل عن اصطناع اللافتات التي يحارب الإسلام ودعاته ومشروعه من ورائها ..

 

 واليوم وحين يستعيد الإنسان المسلم وعيه بذاته ، ووعيه بدينه ، في تجلياته الفسيحة وبدرجات التزامه الرحبة وأنه ( لا يخرج مسلم من الإسلام إلا بنقض ما أدخله فيه ) ، وينكشف غبار المعركة مع ما أسموه الرجعيين والجموديين والمتخلفين والعادات والتقاليد عن هزيمة نكراء واضحة وفادحة لأحد أطرافها ؛ يجد المسلمون أنفسهم أمام مصطلحات جديدة تريد تفتيت مجتمع المسلمين وأن تجعل القرآن عضين .

 

يجد المسلمون أنفسهم اليوم أمام إسلامَين. إسلام سياسي وإسلام غير ذلك . والمسلمون الأمة الواحدة فرقا ومزقا مسلمين وإسلاميين وأصوليين وأحيانا متشددين وإرهابيين .

 

نؤمن بالإسلام الدين الواحد الذي جاء به محمد رسول الله من رب العالمين . إسلام واحد بأركانه وشرائعه وحقائقه . وقد تمثل دعاة الإسلام في تاريخهم الطويل مع مجتمعاتهم حقيقة قوله تعالى (( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) . وكان من الطبيعي أن تشتق هذه ( الأمة – الجماعة ) في كل عصر من العصور لبوسها من طبيعة العصر ومن حاجة المجتمع ومن واقعه .

 

 ولم يكن الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وزيد بن علي وجعفر الصادق وأبو يوسف والأشعري والماتريدي والغزالي والجويني وعبد القادر الكيلاني والعز بن عبد السلام وابن تيمية إلا أئمة في دين هم من سواد أتباعه منهم يخرجون وإليهم يفيئون وعنه وعنهم يدافعون وينافحون . من سواد مجتمعاتهم خرجوا وإليه كانوا يأرزون .

 

وحين يسمي البعض اليوم حملة مشروع الإسلام والقائمين على أمره ( عقيدة وشريعة ومنهج حياة ) بأي اسم غير اسمهم الأول والحقيقي ( المسلمون ) فيجب أن نتنبه أن هذه التسميات هي تسميات ( عزل ) و ( تقليل ) و ( إفراد ) و ( تفتيت) فلا يجوز لمسلم مبصر أن يذهب مع المريبين حيث يريدون ..

 

وحين ينسب البعض اليوم مشروع الإسلام العظيم برحابته وسماحته وآفاقه إلى حزب أو فئة أو مجموعة أو تيار أو أشخاص فإنه يمهد بذلك للنيل من هؤلاء الذين ينسب إليهم أنهم يزعمون أنهم وحدهم أصحاب هذا المشروع . إن مشروع الإسلام هو مشروع كل المسلمين ، ونصرته حق في أعناقهم جميعا ؛ وإن تفاوتت حظوظهم في الفهم أو الولاء أو الالتزام أو في النصرة . المشروع الإسلامي العام ليس مشروعا حزبيا . والإسلام ليس إرثا شخصيا أو فئويا هذا ما يجب أن نتجنبه ونجنبه دين الله تعالى في كل المواقف ..

 

 في عصر صراع الهويات وتجاذب أصحاب المصالح والعلاقات وبعد عصر من طروحات المفاصلة والتميز والاستعلاء وأحيانا ادعاءات الوصاية والقوامة على الإسلام آن الأوان لحملة المشروع الإسلامي ليعودوا إلى البيت بتواضع وخفض جناح ؛ ليس فقط لأن حضن المجتمع هو الرحم الأدفء الذي خرجوا منه بل لأن الذين يحاولون اليوم تمييزهم بالاسم أو بالوصف أو بالدور إنما يريدون عزلهم على منصة أو رجمهم في حفرة ...

 

الثورات الوطنية المجتمعية اليوم تستقطبنا جميعا للانصهار تحت العناوين الجامعة . سيكون من الأسهل على المجتمع المدني الموحد الذي نسعى إليه في ظل ثورتنا الوطنية أن تصهر الوحدات الكبرى التي تعايشت معا على مدار التاريخ . ولا نريد عنوانا إضافيا للتفتيت ولو كان تحت عنوان ( الإسلاميين ) وحسبنا تسمية أبينا إبراهيم ((مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)).

لندن : 11 / 9 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

شهادات من جحيم المعتقلات السورية

الثورة على لسان أنثاها المستقبل

- الاحد 9 أيلول 2012

المستقبل

صبر درويش

"تفضلي معنا بلا شوشرة" يصرخ رجل الأمن بعد اقتحامه، هو وباقي أفراد الدورية، المكتب الذي تعمل فيه السيدة عتاب.

في الحقيقة، لا توجد أرقام إحصائية دقيقة حول عدد المعتقلين في السجون السورية، إلا أن الرقم المتداول يقترب من المائتي ألف معتقل. يتوزع على كافة الفئات العمرية، بدءاً بالأطفال دون سن الخامسة عشرة، وصولاً إلى الكهول، كما أن الاعتقال طال النساء أيضاً إلى جانب الرجال، ولو بأعداد أقل بكثير، وبذلك يكون الاعتقال قد طال أغلب أفراد المجتمع السوري من دون استثناء.

داخل أقبية المعتقل عالم آخر، عالم يصحّ أن نسميه بالجحيم؛ تقول عتاب: "بعد أن أصبحت داخل السيارة قام رجال الأمن بمصادرة جميع أشيائي الشخصية، ومن ثم قاموا بعصب عيني، عندها علمت بأنني ذاهبة إلى المجهول.. بعد أن وصلنا إلى أحد الأفرع الأمنية تم تقييد يدي، فيما ظلت عيناي معصوبتين، وأجبرت على الوقوف ووجهي للحائط لمدة أربع ساعات، بعدها أدخلوني إلى غرفة التحقيق. هناك قام المحقق بطرح بعض الأسئلة عليّ، وعندما لم يلقَ الإجابة التي ترضيه باشر بالصراخ وتوجيه أقذع الألفاظ لي، وأمر عناصره بضربي على يدي، وعلى بعض الأماكن الأخرى من جسدي. وعندما لم يجدِ ذلك نفعاً، قاموا برميي في إحدى الزنازين، حيث الإضاءة الخافتة ورائحة أوجاع من مروا قبلي تملأ المكان.. وبقيت هناك ثلاثة أيام".

تقول عتاب إنها شخصياً لم تتعرض لتعذيب شديد بالمعنى الجسدي للكلمة، إلا أن سماعها لأصوات التعذيب القادم من الخارج، وأصوات الأنين، والتوسلات.. كل هذا كاد يصيبها بالجنون. تقول: "بكيت وبكيت لا لشعوري بالاشتياق لعائلتي ولعالمي المفقود، بل على هؤلاء الشبان الرائعين، الذين كانوا يخضعون للتعذيب لساعات مطولة لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم طالبوا بالحرية.. كنت أتساءل كيف لهؤلاء أن يختزنوا كل هذا الحقد؟ ألم يكونوا أطفالاً في يوم من الأيام؟ ألم يرضعوا حليباً من أمهاتهم؟" تتابع بسخرية مريرة.

تشير أغلب الشهادات التي حصلنا عليها إلى أن الوضع في المعتقلات السورية يقترب من مفهوم "جرائم ضد الإنسانية" فهنا، داخل هذه الأقبية، لم يعد من تمييز على مستوى التعذيب، كبيراً كان المعتقل أو صغيراً، رجلاً أو امرأة. يقول أبو الحكم، وهو ممن أفرج عنهم مؤخراً: "رأيتهم بأم عيني، رأيتهم كيف أجبروا النساء على ارتداء البيجامات كي يخضعوهن للتعذيب، حتى إنني صادفت إحدى المعتقلات وقد وضعوها في "الدولاب" وبدأوا بجلدها".

ليس التعذيب داخل المعتقلات السورية بالشيء الجديد حقاً، فمن خبر مرحلة الثمانينيات يدرك تماماً الخبرة التي اكتسبتها أجهزة المخابرات السورية في قمع الناشطين السياسيين؛ إلا أن الجديد نسبياً- في المرحلة الراهنة يتجسد في الوحشية المنفلتة من عقالها، التي راحت تتعامل فيها أجهزة الأمن مع المعتقلين، في ظل صمت عالمي ودولي، راح يشجّع النظام السوري على الإيغال في سلوكه الوحشي.

يحدثنا أبو الحكم بمرارة واضحة: "ما رأيته كان شيئاً مثيراً للرعب، ترى الأظافر كيف تتطاير من شدة الضرب، تتكسّر أطراف الأصابع، تتشوّه الوجوه بفعل التعذيب، تتأذى الأماكن الحساسة من الجسد كالأعضاء التناسلية، أو حلمتي الثديين.. يجري اغتصاب الرجال بعصي وأدوات مخصصة لذلك على مرأى من الجميع، ومن يبقى صامداً ولا يفارق الحياة يصبح الموت مطلباً له لأنه أفضل من هذا الجحيم".

لا شيء يدعو إلى التشكيك في هذا الوصف، فعشرات الشهادات، بل المئات منها، راحت تؤكد الوحشية التي تمارسها الأجهزة الأمنية على المعتقلين، والغاية من كل ذلك كسر روح هؤلاء الشبان وتدمير إراداتهم؛ والعمل هذا يقوم وفق أسس منهجية فبعد أن تنتهي فترة التحقيق، والتعذيب الجسدي المرافق له، تبدأ عملية ما دعوته في مكان آخر "بالتعذيب الناعم".

بعد انتهاء التحقيق يحشر العشرات من المعتقلين داخل غرفة صغيرة، وبسبب الازدحام الشديد يصبح كل شيء هناك يعمل وفق مبدأ "الورديات"، إذ لا مكان يتسع لجلوس أو نوم الجميع، فيتناوب المعتقلون على ذلك، هناك من ينام وهناك من يجلس ومن يبقى واقفاً. في بعض الأحيان لا تتجاوز حصة الفرد من النوم ساعة واحدة على مدار اليوم. الوقت هناك يمر ببطء شديد، والعالم يتضاءل حتى يكاد يتلاشى.. إنه عالم من التفاصيل المميتة.

يقول أبو الحكم: "كان الخروج إلى الحمام يشكل عبئاً كبيراً علينا، فمن جهة يستمر السجانون بضربنا ونحن في طريقنا إلى الحمام، ومن جهة أخرى لا يسمح للمعتقل بالدخول لأكثر من عشرين ثانية، فنضطر، وبسبب حالات الإمساك الدائمة، إلى وضع خرطوم المياه في فتحة الشرج، حتى ينزل كل شيء وبشكل سريع". يرتجّ صوت أبو الحكم وهو يحدثنا، ويقول: "هناك الكثير من التفاصيل الأخرى التي يصعب عليّ روايتها، والحديث عنها".

تتنوع أساليب التعذيب الناعم، إذ يقول أحد المعتقلين: "في إحدى المرات وضعوا لنا على ما يبدو مادة مسهلة في الطعام، وخلال دقائق قليلة بدأت تظهر حالات الإسهال، وبما أننا كنا ممنوعين من الخروج إلى الحمامات، رحنا نفرغ حاجاتنا بقمصاننا الداخلية أو أي كنزة أو قميص يمكن ربطه واستخدامه. بعدها رحنا نكوّم تلك المخلفات بالقرب من الباب، كانت القذارة والروائح الكريهة شيء يصعب تحمله، وكثيرون منا أصيبوا بالجفاف نتيجة ذلك".

كل ما ذكرناه لا يعدو كونه غيضاً من فيض، ومن المؤكد أن كل تلك التفاصيل ستوثّق على أيدي خبراء ومختصين، ولكن من المؤكد أيضاً أن تجربة الاعتقال في السجون السورية تجربة لن تنسى بالنسبة لمن كتب له النجاة منها. إنها تفاصيل سترافق المعتقلين لسنوات طويلة.

إنها جريمة عابرة للسنوات والأجيال.

==================

أفكار إسرائيلية وسيناريوات محتملة

ماذا في جعبة اليوم التالي لسقوط النظام السوري؟

الاحد 9 أيلول 2012

المستقبل

ماجد الشّيخ

من بين تقديرات مؤتمر هرتسليا الأخير (كانون الثاني 2012)، هناك تقدير أن إسرائيل تعيش هواجس حقيقية وجدية في عين العواصف، بل في قلبها. فقد رأى الجنرال احتياط داني روتشيلد وطومي شتاينر أنه خلال العام الفائت وقعت في العالم ما أسمياها "سلسلة أحداث دراماتيكية وسيرورات تشكيلية"، تخلق على ما يبدو نقاط تحول استراتيجية تغير الواقع، خصوصا في المحيط الاستراتيجي لإسرائيل. وقد أشار جدول أعمال مؤتمر هرتسليا إلى ثلاث سيرورات تأسيسية أساسية، تقيم علاقة تبادلية مركبة في ما بينها وتبلور الواقع الاستراتيجي لإسرائيل في هذا الوقت: الأزمة الاقتصادية العالمية، الهزة السياسية - الاجتماعية في الشرق الأوسط (الربيع العربي، حركات الاحتجاج العالمية من قبيل احتلوا وول ستريت، ومن ضمنها الاحتجاج الاجتماعي في إسرائيل) و"السيرورة العالمية للمجد المدني".

وبالنسبة لإسرائيل، تصعب المبالغة في أهمية منظومة العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة في هذه الآونة. فالهزة في الشرق الأوسط كان يفترض أن تبرز القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة لواشنطن والغرب، لكنها لم تفعل. وقد ذهب روتشيلد وشتاينر إلى أنه لا يمكن التهرب من الانطباع بأن الولايات المتحدة ترى في إسرائيل بخطواتها المستقبلية "خطرا استراتيجيا" أكثر مما تراها "حليفاً استراتيجياً". فالصورة التي أعطيت لحكومة إسرائيل الحالية في أوروبا وفي الولايات المتحدة، بالغة القسوة، والانتقادات ضدها في العالم ليست نزيهة دائما. لكن من ناحية إسرائيل، هذا إخفاق دبلوماسي مدوّ، لجهة "أن نطرد من المدينة وأن نأكل السمك النتن"، حسب تعبيرهما.

وعلى الرغم من تطمينات قوى الإسلام السياسي ورعاتها هنا وهناك، فقد رأى روتشيلد وشتاينر، إن تحول الشرق الأوسط إلى معقل للإسلام السياسي الراديكالي، المرتكز على دعم جماهيري متين، وضع حدا لتوقعات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وإنشاء علاقات استراتيجية مع دول مركزية في المنطقة. كذلك رأيا إن التقديرات الإسرائيلية بشأن المخاطر الكامنة في الهزة التي يعيشها الشرق الأوسط والتي أثارت انتقادات دولية ثاقبة، تزداد تحققا، فيما خابت التقديرات المتفائلة الغربية. ومقلق على وجه الخصوص نفوذ الإسلام السياسي الراديكالي، البارز جدا ليس فقط في دول تجري فيها انتخابات. وبالحذر المطلوب يمكن التقرير أنه، لا تتوفر ظروف تسمح بتحول واستقرار سياسي - اجتماعي - اقتصادي في دول جرت وتجري فيها انتخابات وتبادل سلطة، ربما عدا المغرب. وعدا ذلك، فإنه في السنوات المقبلة قد تشهد خريطة الشرق الأوسط تغييرات: إذ لا يمكن اعتبار سلامة الوحدة الإقليمية لعدد من الدول، بينها سوريا والعراق ولبنان واليمن، أمراً مضموناً. وفي معظم الحالات، سيكون لهذه التغييرات المحتملة آثاراً إقليمية لا بأس بها. كما أن مستقبل اثنتين من جارات إسرائيل في الشمال، سوريا ولبنان يكتنفه الغموض. في حين يقوم النظام السوري برئاسة بشار الأسد، بمساعدة نشطة من إيران وحزب الله، وعلى ما يبدو أيضا بمساعدة روسية في الميدان السياسي، بكل ما يقدر عليه للبقاء في سدة الحكم.

وتشير معظم التقديرات المنشورة، إلى أن نهاية نظام الأسد قريبة، وأن الأمر مسألة وقت. ومع ذلك، فإن غياب رد الفعل الدولي والعربي الجدي ضد الوسائل الوحشية التي ينتهجها النظام السوري منذ شهور طويلة، لا تشهد فقط على إفلاس روسي، وإنما تشكل أيضا إسنادا للنظام وتزيد عزمه على الاستمرار في محاولة قمع الانتفاضة بكل طريقة ممكنة. وعلى خلفية انعدام الوحدة في صفوف المعارضة السورية، وقدراتها العسكرية المحدودة مقابل القوة العسكرية الأكبر للنظام، يتوقع استمرار سفك الدماء. ومن دون تدخل عسكري دولي، لا يبدو في الأفق، ستكون هزيمة النظام السوري على ما يبدو صعبة وأطول من المعركة في ليبيا. ومنذ نشوب الاضطرابات في سوريا، تمنح تركيا رعايتها وتقدم مساعدات مادية للمعارضة، وبذلك تعمل على موضعة نفسها كعامل قوة مهم في بلورة مستقبل سوريا ما بعد الأسد. لكن، لا شيء يؤكد قدرة تركيا على المحافظة على سوريا موحدة.

سيناريوات سلبية

وأخيراً وفي ما يتعلق بالسيناريوات المحتملة، وجميعها سلبية بالنسبة لإسرائيل، رأت دراسة لمركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، أن السيناريو الاول: تفتت الدولة السورية واندلاع حرب أهلية طائفية ومذهبية لا تعرف الرحمة، والثاني أن النظام الحاكم يُحكم سيطرته على محور دمشق ـ حمص ـ حلب، وأن تبقى سورية تتصرف كدولة، والسيناريو الثالث هو إسقاط النظام ووصول قيادة جديدة، على فرضية توحد المعارضة، والرابع انتشار الفوضى العارمة في جميع أنحاء سورية، وسقوط الأسد وعدم وجود البديل لإدارة البلاد، الأمر الذي سيُحول سورية إلى حلبة للنزاعات من قبل قوى متشددة، تعمل بتأييد من الخارج، مثل إيران، السعودية، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. أما السيناريو الخامس، فهو تدخل عسكري خارجي بعد وقوع حادث دراماتيكي، وهذه العملية العسكرية ستؤدي إلى سقوط الأسد، وبحسب وجهة النظر الإسرائيلية فإن جميع السيناريوات التي ذُكرت تضع إسرائيل أمام تحديات جديدة، تجلب لها تهديدات لم تكن في الماضي، وتحديدا تحوّل هضبة الجولان إلى منطقة مشابهة لسيناء، ولكن الخوف الأكبر لدى تل أبيب هو حصول حزب الله على أسلحة غير تقليدية من سورية، أو وصول هذه الأسلحة إلى تنظيمات متطرفة، أو قيام حزب الله، بإيعاز إيراني بشن هجوم على إسرائيل.

وأخيراً، وبالتزامن مع تقديم التقرير الاستخباراتي السنوي للحكومة الإسرائيلية، أبرزت وسائل الإعلام الإسرائيلية يوم الإربعاء 29 آب/أغسطس الماضي، التصريحات التي أدلى بها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال (أمان)، الجنرال أفيف كوخافي، والتي أكدت على أنها عرضت صورة قاتمة لما ستواجهه إسرائيل خلال العام الجاري، وحسب صحيفة "إسرائيل اليوم" فقد قال رئيس الاستخبارات العسكرية إن إسرائيل ستواجه في السنة المقبلة شرق أوسط غير آمن، وغير مستقر ومتوتر، وتُسيطر عليه الجماعات الإسلامية المتطرفة، على حد تعبيره.

حرب قصيرة الأجل

وفي السياق، فإن منطقة الشرق الأوسط ملزمة بمواجهة تحديات وأزمات كثيرة، منها الداخلية ومنها الإقليمية، الأمر الذي يؤدي إلى رفع درجة الحساسية لدى اللاعبين، مما قد يقود المنطقة إلى حرب، حتى من دون تحضير مسبق. ولفت الجنرال إلى أن التقرير الاستخباراتي السنوي هو نتيجة عمل دؤوب وطويل، أساسي وشامل، شاركت فيه جميع الهيئات المختصة في جمع المعلومات.

وحذر كوخافي من أن هناك أكثر من 200 ألف صاروخ وقذيفة صاروخية مختلفة المدى موجهة إلى إسرائيل، ومنها صواريخ قادرة على إصابة أهداف في عمق الأراضي "الإسرائيلية" وفي منطقة تل أبيب الكبرى. وأن هذه الصواريخ موجودة في سورية ولبنان وإيران، ويتم إخفاؤها في مناطق مأهولة بالسكان في لبنان. وأشار إلى أن الرؤوس الحربية لهذه الصواريخ والقذائف هي أكثر فتكا وأكثر دقة. وفي الشأن الإيراني قال إن كمية اليورانيوم التي تمتلكها طهران حاليًا تمكنها من إنتاج 4 قنابل نووية، وذكر انه بعد اتخاذ القرار بإنتاج القنبلة النووية ستحتاج إيران إلى فترة سنة واحدة لإنتاجها. وتوقع كوخافي أنْ تجعل الهزة، التي تضرب الشرق الأوسط، هذه المنطقة أكثر عداوة لإسرائيل.

أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال بيني غانتس، فقد أعرب عن قلقه العميق من تعاظم القوة العسكرية للدول المجاورة، مشيراً إلى أن أسلحتها تغطي جميع أنحاء إسرائيل، وزعم أن كلاً من غزة ولبنان تعتبران أكبر مخازن للأسلحة، وأن منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تسلحاً في العالم، ونحن المستهدفون الرئيسيون من هذا التسلح. وتابع غانتس موضحًا أنه إذا اندلعت الحرب المقبلة؛ الأمر الذي لا نحبذه أن نرى أنفسنا أمام جيوش ضخمة التسلح موجهة ضدنا. وتوقع أن تكون الحرب القادمة قصيرة الأجل، حيث أن هدف العدو سيكون موجها إلى قلب المدن، من أجل إحداث الخوف والفزع. ما دفع صحيفة "معاريف" للتعليق على تصريحات رئيس الأركان، موضحة أن غانتس بذلك يعترف بأن العدو أينما وجد، يستطيع أن يوجه صواريخه إلى أية نقطة في إسرائيل، وربما لن يكون هناك مكان محصن، بما في ذلك الأماكن الإستراتيجية التي تقوم بإمداد البلاد بالماء والكهرباء.

تحديات جديدة

أما الجنرال غيورا آيلاند، فقال إن سقوط نظام الأسد، ودخول سورية في حقبة طويلة من عدم الاستقرار والصراعات الداخلية، من شأنه أن يضعف سورية، ويزيد من نفوذ إيران داخلها، ويضاعف احتمال إقدام مجموعات مختلفة على استفزاز إسرائيل. لافتًا إلى أنه صحيح أن هذا السيناريو لن يزيد الخطر العسكري السوري على إسرائيل، لكنه سيؤثر في استمرار الهدوء على الحدود الإسرائيلية ـ السورية، كما تطرق الجنرال إلى حزب الله اللبناني قائلاً: إن العوامل التي من شأنها أن تكبح حزب الله هي اليوم أقوى بكثير من تلك التي كانت موجودة في نهاية سنة 2010.وعلى الأرجح، سيسعى حزب الله لتفادي مواجهة مباشرة مع إسرائيل في المستقبل المنظور، لافتًا إلى أنه ثمة احتمال ضئيل أن تحاول سورية تحويل الأنظار عما يجري في داخلها، من خلال إقناع حزب الله وإيران بالعودة إلى أعمال الاستفزاز على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. كما يمكن، في ظل الأوضاع الراهنة أن يؤدى غموض الوضع في سورية إلى عدم الاستقرار في لبنان، لكن هذا يبقى احتمالا ضئيلاً للغاية.

هكذا في منطقة تهتز على وقع العديد من زلازل الثورات العربية وارتداداتها، واهتزاز عروش وكراسي انظمة تسلطية واستبدادية، ومخاطر سقوط بعضها على إسرائيل، اعتبرت العديد من مراكز الأبحاث والدراسات والتقديرات الخاصة بالوضع في المنطقة، أن إسرائيل باتت تعيش في قلب العواصف، من دون يقين بإمكانية خلاصها أو نجاتها بالعودة إلى ما كانت عليه الأمور، وبالتالي انتقالها إلى ضفة من استقرار قصير أو متوسط المدى. لكن الصورة الأكثر قتامة هي صورة الوضع السوري، وهو ينتقل من ضفة إلى أخرى في يوم تال لسقوط النظام، وهي الصورة التي يُشار إليها كونها صورة شرق أوسط غير مستقر وغير آمن، بحسب تعبير رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وفي القلب من تلك الصورة صورة تحديات جديدة غير مسبوقة، تتناقض وتلك الصورة التي عاشتها إسرائيل أكثر استقرارا وأمنا في السابق، تحت حماية حراسها من الأنظمة الاستبدادية.

==================

تهافت الخطابات المعادية للثورة السورية

المستقبل -

الاحد 9 أيلول 2012

ماجد كيالي

يخلو معظم الخطاب السياسي المعادي للثورة السورية من الفكرة والجدية والعمق، بل انه يتميز بالخفّة والضحالة والزيف، باتكائه على مجرّد الردح المعيب، وكيل الاتهامات، وطرح الادّعاءات، بحيث يمكن تمييز اصحابه بإنكار الواقع، والإنحطاط الأخلاقي، وضحالة الأفق السياسي.

أهم ميزة لهذا الخطاب أنه لا يرى شعب سوريا، او لا يريد ان يراه، حتى لا يرى مطالبه المشروعة بالحرية والكرامة والمشاركة السياسية. فعند هؤلاء هذه مجرد قضايا ثانوية، او ليست في جدول الأولويات، لأن سورية عندهم مجرد موقع جيوبوليتيكي، أو مجرد ساحة للصراع الدولي والإقليمي، وضمن ذلك فهي مرصودة لمشروع المقاومة. واستتباعا لذلك، فإن هؤلاء غير مستعدين لرؤية عذابات الشعب السوري ومعاناته، في ظل نظام الاستبداد والفساد الذي تحكم في البلد لأكثر من أربعين عاما، فهمش شعبها، وبدد مواردها، ومصادر قوتها، من دون أن يتمعنوا ولو قليلا بالفكرة ذاتها، أي فكرة المقاومة بدون مجتمع، او مقاومة في ظل مجتمع يكابد الحرمان ومعاناة الحرية ومن الحقوق السياسية!

طبعاً لا يهّم هؤلاء في النقاش الخاص بالصراع والمقاومة، لا يهمهم البتة، حقيقة ان النظام السوري لم يطلق ولا رصاصة من جبهة الجولان منذ أربعين عاما (اي منذ حرب تشرين 1973)، ولا انه انهى قواعد الفدائيين منذ وقتها، كما ولا يهمهم كل المساومات والمعادلات التي تشتغل على الضد من هذه الفكرة، منذ دخول هذا النظام الى لبنان في مواجهة الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، ولا مشاركته في "حفر الباطن" (1991) ضد العراق، ولا غير ذلك من حسابات. بل إن هذه العقلية مستعدة ان تتسامح مع هذا النظام حتى مع انكشاف ما كان يدبره مع ميشال سماحة، من تفجيرات، تفتح على صراعات اهلية في لبنان، فكل شيء يهون عندهم في سبيل بقاء هذا النظام.

ويطيب لهؤلاء استدعاء خطاب المؤامرة في الدفاع عن النظام السوري، على رغم ان هذه المؤامرة لا يبدو انها تشتغل بالطريقة المناسبة، وحتى بعد مرور 18 شهرا على اندلاع الثورة السورية، وكل هذا القتل والخراب في انحاء سوريا، باستخدام الدبابات والمدفعية والطائرات، فضلا عن الشبيحة وأجهزة الأمن ورجال القناصة.

لا يعني ذلك أنه لا يوجد قوى دولية وإقليمية وعربية تتوخى الخلاص من النظام القائم في سوريا، فهذا النظام لم يترك طرفا لم يعاده، في سياق سعيه لإرضاء طموحاته بفرض نفسه لاعبا إقليميا، لكن هذا شيء، وقيام تلك الدول بخطوات فاعلة لإسقاط هذا النظام، شيء آخر، وكما بات معلوما فهذا لا يحصل لا بالطريقة العراقية أو الصربية، ولا بالطريقة الليبية، ولا بأي طريقة. وهذا يعني أن السوريين، في حقيقة الأمر، إنما يخوضون صراعهم بصدورهم العارية، وأن المساعدات التي تقدم لهم، لا تتناسب البتة مع المستوى المطلوب، الذي قد يمكّنهم من تحقيق مكتسبات ملموسة على الأرض، فحتى الآن لم تتوفر لهم حتى مضادات طائرات، فما بالك على منطقة عازلة او منطقة حظر جوي، لا سيما ونحن نتحدث عن انقضاء عام ونصف. وبعد 30 الف شهيد وربع مليون معتقل وأزيد منهم لاجئين، وحوالى مليون ونصف مليون متشرد في الداخل، وخسائر مادية تقدر بعشرات بلايين الدولارات، نتيجة الدمار الحاصل في المدن السورية.

ويبدو التهافت في قمته في الخطاب المذكور في الحديث عن مصادر التمويل من الدول الخليجية، باعتبار ذلك عيباً، او مأخذاً، على الثورة، لكأن هذه الثورة محرّم عليها أي مصدر تمويل، وهو ادعاء متهافت وينطوي على سخافة، لا سيما حين يجري ربط التمويل باعتبارات مذهبية او سياسية. وفي الواقع فإن اصحاب هذا الخطاب يحاولون التذاكي بتناسي واقع ان الثورة الفلسطينية المسلحة كانت تعتمد في مواردها على الدول النفطية الخليجية، وليس على الكرملين أو بكين أو هافانا، وأن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان يعطي من هذه الاموال النفطية، و"اليمينية"، للفصائل اليسارية وللأحزاب الشيوعية، والقومية؛ فضلا عن ذلك فإن المال الإيراني هو ايضا مال نفطي وتنطبق عليه ذات الاشتراطات المتأتية من المال الخليجي.

ويأخذ اصحاب هذا الخطاب على الثورة السورية جنوحها نحو العسكرة، ويطيب لهم سبغها بالطابع الطائفي، والتهويل ببعض مظاهر التدين فيها، لكأن الشعب السوري ينبغي ان يكون نرويجيا، مثلاً. وفي الحقيقة فهذه ليست سوى ذرائع، لأن هؤلاء اصلا ضد الثورة على النظام الاستبدادي، حتى لو كانت سلمية وعلمانية وحداثية، وهي أيضا مجرد ادعاءات لإرضاء الذات، والتغطية على التنكر لعذابات السوريين، وعلى القتل والتنكيل والتدمير الاجرامي الذي يتعرضون له. وهذا يمكن تبينه من حقيقة ان هؤلاء كانوا ضد الثورة منذ لحظة بدايتها، اي عندما كانت التظاهرات سلمية خالصة، في درعا والقابون وبرزة والزبداني والميدان والحجر الاسود وحمص وحماه وبانياس والرستن، فهؤلاء لم ينبسوا ببنت شفة حينما سحقت تلك التظاهرات بالدبابات. كذلك فإن هؤلاء لم يصدر عنهم اي شيء يدين القتل والتدمير الذي ينتهجه النظام، ولم يظهروا اي حساسية اخلاقية إزاء معاناة السوريين وعذاباتهم.

والحال فإن المعادين للثورة السورية النبيلة والمدهشة. لا يستحقون أي نقاش، فهم لا يبحثون عنه أصلا، فلديهم وجهات نظرهم المسبقة، والجاهزة، لذا لايهمهم ان النظام الذي يدافعون عنه بات له 42 عاما يحتكر الحكم في سوريا، بالحديد والنار، ولا أنه حوّل هذا البلد العريق والحيوي الى مزرعة خاصة يجري توارثها بين الاباء والأبناء، ولا أن العائلة الحاكمة تتحكم بحوالى 25 مليونا من السوريين، وتحرمهم حقهم في الحرية والكرامة الى الأبد، بل انهم يسبغون نوعا من الشرعية على كل ما يقترفه النظام من جرائم، ومن أعمال مشينة، رغم كل ما تقدم.

ومن الأصل فإن هؤلاء ينكرون حقيقة ان النظام الذي يدافعون عنه حوّل "المقاومة" الى مجرد كذبة، وشعارا للاستهلاك، والتوظيف، والابتزاز عربيا وإقليمياً ودولياً، فضلاً عن اعتباره لها مجرد حجة للتغطية على مصادرة الحريات ونهب البلاد والعباد، وهو الأمر ذاته الذي فعله بشعاراته الأثيرة المتعلقة بالوحدة والحرية والاشتراكية.

بالمحصلة فإن ما يهم اصحاب الخطاب المعادي للثورة السورية مجرد القضية، وبقاء سوريا كساحة صراع، فهذه هي عدة الشغل (قل النصب)، فليس مطلوبا اكثر من ذلك، أما الشعوب ومصائرها فليست على رأس جدول الأعمال، على أي حال.

==================

سوريا.. ثورة أم حرب؟

حين يهدم الحرّاس الهيكل ليصيروا كهنته

نجيب جورج عوض

المستقبل/ الاحد 9 أيلول 2012

لا يسع المراقب لتطورات الثورة السورية في الشهرين الماضيين بالتحديد إلا أن يستنتج أن كافة الحلول السياسية للأزمة السورية قد آلت للفشل، فقد راحت تتهاوى أصوات الداعين لحلول سياسية أو المؤيدين لضغوط دولية أوعربية أوأقليمية أواتفاقيات ومبادرات متعددة الأطراف أو أو، كما تتهاوى أوراق الخريف على الطرقات الخاوية. دخلت الثورة السورية شتاء طويلاً جداً يخنقه الدم والموت والعنف والعنف المضاد والقتل. بدأت الثورة كحراكٍ سلمي لشعبٍ متعطشٍ إلى الحرية والكرامة والمستقبل، وتحولت إلى معاناة قاسية وقمع وعنف عسكري أمني دفع المواطنين إلى الدفاع اليائس القسري عن النفس والحياة والعرض والعائلة والحق بالوجود الإنساني بكل الوسائل التي طالتها اليد، وأولها السلاح. إلا أنها راحت تتحول في الشهور الأخيرة إلى حرب ضروسٍ طاحنة لا صوت فيها يعلو فوق صوت المعركة، ولا كلمة فيها إلا للسلاح والموت، ولا قانون فيها إلا قانون "إما قاتل أو مقتول"، ولا "ثائر" فيها بل "مقاتل"، ولا "متظاهر" فيها بل "مقاوم"، ولا هدف لها سوى تحطيم النظام المجرم السفاح والبشع والانتقام منه. أما صوت الثورة الأساس المنادي بالحرية والعدالة والكرامة والديموقراطية والدولة المدنية فقد اختنق بيد الدمار الكامل والشامل لسوريا البلد والشعب والكيان والدولة.

في الفترة الراهنة، ترافق خفوت صوت الثورة في قلب تعالي قعقعة المعركة وصراخها مع اندحار الخطاب الثوري السياسي، والعمل الدبلوماسي والعلاقاتي والتخطيطي الفاعل والملحوظ لمختلف المعارضات السورية، بل وانحسار الاهتمام والإصغاء في الأوساط السورية والعربية والعالمية لكل ما يمت بصلة لخطاباتها المعلنة. حدث هذا النكوص المبين بيد أولئك المعارضين أنفسهم قبل سواهم، والذين، بدل أن يحموا الثورة ويدعموها ويقفوا في الصفوف الأمامية لعملية من أجل الاشراف عليها وإرشادها، باتوا اليوم يقفون بالكاد في الصفوف الخلفية الهامشية ويحاولون بالجهد الجهيد أن يقدموا أنفسهم كأتباع وخدام ورعايا عملية استبدالها بالقتال والمعركة المفتوحة، التي بات فيها المواطن السوري دريئة الصراع الميداني الأولى والمسدد الأول والأساس لفاتورة المعركة من دمه وحياتها، من ممتلكاته. وبات مصير المعركة، من مصيره ومن لقمة عيشه، لا بل ومن وجود الإنسان السوري برمته. من يراقب الإعلام العربي المرئي والمسموع والمكتوب يلاحظ انحسار حضور الوجوه المعارضة السياسية، وعدم اكتراث أي طرف من الأطراف، المعنية بالشأن السوري، بالاستماع لرأيها، أو بالالتفات لمحاولاتها، وجهودها المناهضة للنظام، أو لأي شيء تقوم به من نشاطات ولقاءات ومحاولات، وما تطلقه من مواقف وبيانات. كل أوساط الإعلام العربي والعالمي تركز اهتمامها وتسلط أضواءها هذه الأيام على نقل تقارير الكتائب المقاتلة على الأرض، وعلى تسويق خطاب التنسيقيات الداخلية، كونها تعمل على تماس مباشر مع المقاتلين والكتائب المسلحة، في حربها الضروس مع النظام. بات المقاتلون هم الناطقون باسم سوريا الثائرة، ولم يعد هناك صوت مدني فعلي يمثل صوت الثورة. ما عاد أحد يكترث لمؤتمر أو لبيان أو للقاء أو لموقف أو لرأي يصدر عن أي طرف من أطراف المعارضة السورية، الداخلية والخارجية. وما عاد لهؤلاء حضور ملحوظ أو ذو قيمة يعوَّل عليه في مشهد الحالة السورية الحالية.

أسمح لنفسي بالقول إن انتصار السلاح وتفرد خيار المعركة بالساحة لا يبرهن، في الواقع، على أنَّ الثورة السورية نجحت بالاستمرار والحفاظ على وجودها كل هذه الشهور في وجه النظام المجرم، أو أنها برهنت للعالم على نجاحها الباهر، في الوقوف في وجه الآلة العسكرية الدموية الساحقة. لا شك أن النظام السوري كبنية وككيان وكتأثير قد سقط أمام الثورة السورية الشعبية العظيمة، ولا شك أنه بدأ هذا السقوط المبين منذ لحظة درعا الخالدة. ولكن، الدليل على هذا لا تمثله الحرب الدائرة اليوم في كل مدن وقرى وشوارع وأطراف سوريا بين الكتائب المقاتلة تحت اسم "الجيش السوري الحر" وقوات النظام. فالسؤال الأساسي هنا هو: هل تلك الكتائب هي الثورة، وهل "الجهاد المسلح" و"الثورة" شيء واحد أو وجهان لعملة واحدة، أم أنهما ضدان وحالتان مختلفتان بالطبيعة والذهنية والهدف، ناهيك عن المآلات والنتائج؟ جوابي على هذا السؤال هو أن انتصار السلاح وخيار المعركة في سوريا يعلن في الدرجة الأولى عن فشل سياسي واستراتيجي وعملاني كامل وذريع وفاضح، لا بل وتاريخي، لكل أطياف وأجسام وتيارات وشخصيات المعارضة السورية، سواء الخارجية منها أو الداخلية، مجالس أم هيئات، أجسام أم حراكات، أفراد أو شخصيات أو رموز، قديمة تقليدية أم شابة راهنة، أصيلة أم طارئة. كلها فشلت فشلاً ذريعاً في خدمة الثورة ورعايتها أو في خلق هوية سياسية وشعبية ووطنية وقيميَّة لها. فشلت المعارضة السورية، لا بل وفشلت فكرة المعارضة السياسية في سوريا وسُلِبَت وجودها في ساحة الثورة السورية، التي تحولت إلى حرب.

بالكاد، بل وبالجهد الجهيد، نسمع اليوم عن أي موقف سياسي أو دبلوماسي أو ثوروي جديد أو حقيقي، يمكن التعويل عليه من أي طرف من أطراف المعارضة السورية، ولا حتى طرفيها الأكثر بروزاً. فهيئة التنسيق غرقت في الرمال المتحركة لهوسها بانتزاع اعتراف بوجودها ودورها وفاعليتها في الثورة من قبل أطراف المسألة في الداخل والخارج. أما المجلس الوطني فغرق بدوره في الرمال المتحركة لأدائه الغوغائي المراهق سياسياً والمتهافت مؤسساتياً والفضائحي تنظيمياً وبشرياً. أما باقي التيارات المعارضة والأفراد فلم نأخذ منهم سوى التنظير والسفسطات والنرجسيات واحتقار العقول، إما انطلاقاً من، أو بالتعويل على، اللعب بالعواطف وتحفيز المشاعر والغرائز بكل أنواعها، أو إغراق الرأي السوري العام في ثقب أسود من الكلام الفوقي والتنظيري أوالاستهلاكي أوالمنافق أوالمخادع أو المهادن أو المتملق.

لم يعد صناع القرار في العالم، كما هو واضح، يستمعون لأي من تلك المعارضات أو يعّولون عليها أو يأخذونها بعين الاعتبار. خرجت المسألة السورية برمتها من يد من قدموا أنفسهم على أنهم الممثلون الوحيدون الرسميون للثورة السورية أمام الجميع؛ من يد من كان يُفترض بهم أن يكونوا فعلاً لا قولاً الرافعة السياسية والتنظيمية والتمثيلية والمؤسساتية والتأسيسية والتقويمية الأساس للثورة السورية. غرقت الثورة السورية في بحر الدم والموت والدمار الشامل، وغرقت معها كل المعارضات السورية وادعاءاتها التمثيلية والمرجعية في طوفان المعركة. نجح النظام بإصراره على القتل والعنف والإجرام بأن لا ينحدر لوحده إلى هاوية موته، بل أن ينحدر إليها ويدُفن في مزبلة التاريخ هو ومعه كل المعارضات السورية، مُخرِجاً إياها، كما نفسه، من معادلة المستقبل في سوريا.

واحدة من أهم دلائل انهيار المعارضات السورية وفشلها الفادح والذريع هو حلول ما يسمى بالجيش الحر محلها في قلب دائرة التخطيط وصنع القرار حول سوريا ما بعد الأسد. طلع علينا الجيش الحر ومجالس الكتائب المسلحة منذ فترة بمشروع متكامل عن سوريا ما بعد الأسد فيه بنود ومشاريع سياسية وقانونية ومدنية وتشريعية واقتصادية ودولتية تتعلق بطبيعة السلطة في سوريا الانتقالية. بات الحوار اليوم في غرف العمليات المتعلقة بالحرب في سوريا والتخطيط لمجرياتها ومراحلها يدار من قبل رجال الأمن والمخابرات والعسكر والمقاتلين والمخططين العسكريين الاستراتيجين الأجانب والمحليين. بات مصير سوريا بين يدي المقاتلين والكتائب المسلحة؛ لا مصير الصراع مع النظام فقط، بل، وهذا هو الأخطر، مصير سوريا في المستقبل. كل ما كان يفترض بالمعارضات السياسية أن تقوم به وبتطويره وبلعبه من دور تخطيطي وحواري وتأسيسي وعملياتي كي يكون هو بنية سوريا البديلة، يقوم اليوم القادة المشرفين على العمل العسكري الحربي بالإشراف عليه والتقرير فيه (ولنتذكر أن المقاتل يعرف كيف يواجه الموت، لا كيف يصنع الحياة). بات "الجيش الحر" ومجالس قيادات الكتائب المسلحة تلعب دور الصانع والراعي لعملية خلق سوريا القادمة، ولم تعد مجرد مدافعٍ عن الشعب وحارسة له (أية حراسة وحماية والشعب بات دريئة تلك الكتائب وخط دفاعها الأول؟) باتت الأوساط الدولية الداعمة للحراك السوري تتعامل مع الكيانات المقاتلة، ممثلة بمن يمولها ويدعمها وينظر لها ويمدها بالديمومة، لا كأداة لإسقاط النظام فقط، بل وكعرَّاب وصانع البديل الوحيد والواقعي والقادر لسوريا المستقبل. باتت حلقة التفكير والتخطيط والتحضير لسوريا ما بعد الأسد تضم فقط من جعلوا من المشروع البديل عن النظام في سوريا مقاومة مسلحة، لها استطالات تمثيلية تأتمر بها وتخدم مشروعها، كما تخدم من حوّل الثائرين في سوريا إلى مقاتلين والصرخة السلمية الحرة إلى سلاح مقاوم واستشهادي.

نعم، لم يعد هناك ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة في سوريا. هناك فقط حرب مفتوحة، شعواء ومدمرة. نعم، لم يعد هناك صرخة حرية في سوريا، بل صرخة "النصر أو الشهادة". نعم، لم يعد هناك النظام الذي نعرفه في سوريا، فهو انهزم وسينهار قريباً إلى غير رجعة. ولكن لم يعد هناك أيضاً أي حضور فعلي أو ملموس لأي نوع من أنواع المعارضات السياسية والمدنية في قلب فضاء إرهاصات ومآلات المشهد السوري. حاول النظام أن يلعب دور شمشون وأن يهدم الهيكل عليه وعلى المعارضة المعادية له. ولكن، للأسطورة التوراتية الشهيرة نسخة مختلفة في سفر سوريا: من هدم الهيكل على رأس شمشون وأعدائه، بل على رؤوس الجميع، كانوا حراس الهيكل؛ أولئك المنوط بهم حماية الهيكل من عنجهية شمشون ومحاولته تهديم الهيكل على رؤوس الجميع. حراس الهيكل السوري هم من هدمه على رؤوس الجميع. وقريباً سنسمع أنهم لم يعودوا حراسه فقط، بل باتوا كهنة الهيكل الجدد، والناطقين بدينه والحاملين لمفاتيح أبوابه.

تمضي سوريا نحو موت ودمار وحالة من النهلستية الوجودية والانطولوجية والدولتية والمصيرية الشاملة والمؤجلة الختام على الطريقة الديريدائية (من جاك دريدا) حيث الخاتمة تكمن دوماً في عدم تحققها، وتأجيل وصولنا إليها وانفلاتها من أفق إدراكنا، أخروياً ولا نهائياً. وكلما استمرت هذه الحالة، ترسخت أكثر حقيقة تفكك المعارضات السياسية، من جهة، وحقيقة تعزيز الواقع المسلَّح والعسكري وهيمنته على صنع القرار ومشروطاته، وسيطرته لا على الواقع الميداني فقط، بل وعلى المشهد السياسي والدولتي المستقبلي لسوريا ما بعد الأسد. في ظل هذا الواقع الجديد المهيمن، وفي قلب سيرنا في تشييع جنازة كل المعارضات السورية، أو إذا شاء البعض، في ضوء وقوفنا أمام مشهد الحرب الدائرة في سوريا وازدحام الشوارع السورية (أو ما بقي منها) بالمقاتلين والكتائب وجولات القتال حتى الموت، عوضاً عن امتلائها بالمواطنين السلميين الأحرار والتظاهرات والاعتصامات والحراكات الجماعية التي بدأت بها الثورة وأدت إلى هزيمة الخوف والخنوع إلى الأبد في قلوب الناس.. يتساءل أمثالي الذين وقفوا من دون تحفظات، وبكل الروح والعقل والطاقات والقيم والوطنية التي تضج داخلهم، هل مازالت الثورة السورية على قيد الحياة؟ هل من سينتصر على نظام القتل والإجرام والفساد والوحشية هو ثورة شعب سوريا البطل، أم معارك مجاهدين وصراع مقاتلين؟ هل سيعيد بناء الهيكل خدامه الأصيلون المدنيون السياسيون والمواطنون الأحرار السلميون، أم حرّاسه الذين هدموه على رأس من قرر أن يحطمه على نفسه وعلى كل من يعاديه؟ أي سوريا ستخرج من جعبة المقاتل الحربية ومن جيوب بزة المجاهدين؟ أي سوريا ستولَد من المعركة الجهادية، بدلاً من النضال الثوروي السياسي؟ أي سوريا يمكن أن يؤسسها المقاتلون بعد أن فشل المعارضون في خدمتها؟

في سوريا المستقبل، أنا السوري الليبرالي المسيحي، الذي يؤمن بعلمنة الدولة وتعدديتها ومدنيتها الصرفة، والذي يدعو لاحترام أديانها وحريتها، في سوريا المستقبل تلك لا أخاف من الإسلام السياسي، بل يرعبني السلاح السياسي؛ لا أخاف من المعارضة الأيديولوجية، بل أخاف من أدلجة التسلح وتدغيم (من دوغمائية) العسكرة؛ لا أخاف من الثوار وأحلامهم مهما كانت جامحة وحماسية، بل أخاف من عنجهية المقاتلين واشتراطاتهم؛ لا أخاف من التنافس على السلطة ومن انتصار من لا يحمل مبادئي وأفكاري وتصوري لسوريا المستقبل، بل أخاف من الذي ينتصر بفضل سلطة الاقتتال وسطوة الأقدر على الجهاد، لأنَّ من لا يعرف سوى الجهاد والقتال لا يحمل لا أفكار ولا تصورات بل مسلمات وفرائض؛ لا أخاف من تعدد وشرذمة الرؤى والمشاريع السياسية، بل ارتعد من دمج كافة المشاريع واختزالها بعقيدة جديدة، يفرضها من يعتقد أنه بسبب قتاله وتضحيته بالغالي والثمين في أرض المعركة نال صكاً بملكية البلد، وبتقرير مصيرها، وبات يعتقد أنه وحده يقرر لمن يعطي وماذا يعطي؛ لا أخاف على سوريا ما بعد المعركة من هيمنة بدائل سياسية أحادية أو جمعية أو"نيو-شمولية" يقودها جموح جارف للسلطة، بل أخاف على سوريا من أن لا تتمكن من الخروج أبداً من ذهنية وظروف وقوانين وردود أفعال حالة المعركة ومنطق الاقتتال و"العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم". أحلم بسقوط النظام البارحة قبل الغد وأنتظر خروج رموزه إلى مزبلة التاريخ، ووصولهم إلى قوس العدالة. لكنني أرتعد وأنا أرى في الأفق كابوس سقوط وأفول المعارضات في سوريا، وفشل مشاريعها الثوروية. يخيفني أفول شمس الثورة، وبزوغ ليل المعركة الداكن. يخيفني أن حراس الهيكل بدأوا يعدّون أنفسهم ليصيروا كهنته. 

===================

الأسد يدير سوريا كما أدار لبنان

الشرق الاوسط

9-9-2012

طارق الحميد

من يتأمل كيفية إدارة بشار الأسد للأزمة بسوريا سيلحظ أن طاغية دمشق يدير المعركة هناك، معركة البقاء بالحكم، كما أدار النظام الأسدي، الأب والابن، الأوضاع في لبنان طوال العقود الثلاثة الماضية، واللافت أن النظام الأسدي لا يفعل ذلك بالأطراف السورية بل ولا حتى بدمشق!

بالأمس نشرت وكالة «رويترز» تقريرا مروعا عما سمته انتشار الميليشيات المسلحة في دمشق، ولجميع الطوائف، من مسيحيين، ودروز، وعلويين، وانتشار ما سمته نقاط التفتيش، واللجان، بالأحياء الدمشقية، المحسوبة على النظام الأسدي الذي يقوم بتوزيع الأسلحة على تلك الجماعات، وبث كل ما من شأنه الفرقة بينهم، أي الطوائف، ومحاولة إيهامهم بأن المعارضة والثوار ما هم إلا إرهابيون سُنّة مدعومون من الخارج، حتى إن بعض هؤلاء الشباب، بحسب ما نقلته «رويترز»، اكتشفوا لاحقا أن من قتلوهم ما هم إلا ناشطون معارضون ولا يحملون السلاح! كل ذلك يتم في العاصمة السورية اليوم على يد نظام الأسد الذي يقوم ببث الفرقة، والتشرذم الطائفي بالعاصمة السورية، فقط من أجل محاولة الصمود والبقاء بعد أن بات الثوار يخوضون مع الأسد معركة النهاية في أهم مدينتين؛ حلب العاصمة الاقتصادية، ودمشق العاصمة السياسية.

ولذا، فبعد أن دمر الأسد جلّ سوريا فها هو اليوم يخوض معركة تمزيق النسيج المجتمعي لدمشق، وهو ما فعله الأسد، الأب والابن، في لبنان على مدى ثلاثة عقود؛ ففي لبنان أدار الأسد المعركة بالأكاذيب، والترهيب، والتصفيات، وضرب الأطراف بعضها ببعض، وتسليح هذا ضد ذاك، وترسيخ الانقسام الطائفي، ومن باب «فرّق تسد»، كما أدار لبنان بالتواطؤ مع جماعات خلقت لهذه الأهداف، وأبرز حالة هنا حزب الله، كحزب وليس الطائفة، واستخدم النظام الأسدي بعض الفلسطينيين لنفس الأمر، سواء بالمخيمات، أو حركة حماس الإخوانية، كما استخدم النظام الأسدي الإعلام، والمال، بلبنان أسوأ استخدام، والحق أنه أفسد كل شيء بلبنان؛ المؤسسات، والقيادات، والأحزاب، وها هو الأسد يفعل الأمر نفسه اليوم بدمشق. وبالطبع فإن ما يفعله الأسد اليوم بالعاصمة الدمشقية يعني أن الأسد نفسه قد أدرك أن النهاية اقتربت، وأنه بات يواجه قدره المحتوم، لكن ما يفعله بدمشق اليوم يعني أيضا أن التئام النسيج الدمشقي الاجتماعي، والسوري ككل، سيكون أمرا صعبا، ومعقدا، كلما تأخر سقوط الأسد الذي يقوم اليوم بأعمال لا تقل خطورة عن تحريك الأسلحة الكيماوية التي تشغل الغرب، مما دفعهم إلى وضع خطوط حمراء للأسد قد تستوجب التدخل العسكري في سوريا.

تمزيق النسيج الاجتماعي بسوريا، واليوم في دمشق، على الطريقة التي كشفها تقرير «رويترز»، يعني أن الضرر سيكون كبيرا، ولمرحلة مقبلة قد تطول، سواء على سوريا، أو لبنان، أو العراق، أو المنطقة برمتها، ولن تكون تركيا بمعزل عن ذلك، وهذا كله يستوجب تحركا دوليا، يشارك فيه الغرب والعرب الآن من أجل ضمان التسريع بإسقاط الأسد الساقط لا محالة، فإذا كان العرب، والمجتمع الدولي، لا يريدون نموذجاً سورياً مشابهاً للنموذج اللبناني أو العراقي، فلا بد من التحرك الآن، وعلى غرار الدبلوماسية الفرنسية النشطة، والمتقدة.

==================

متى كانت الأقليات مضطهدة؟

الشرق الوسط

9-9-2012

ميشيل كيلو

لم تضطهد الأقليات السورية في الماضي. لو أخذنا الكرد لوجدناهم من مؤسسي الدولة السورية الوطنية، ومن الذين تولوا أعلى المناصب فيها: من أول رئاسة وزارة إلى أول رئاسة جمهورية وأول رئاسة أركان جيش. لم يتعرض الكرد للاضطهاد في بلاد تعرّب خلال تاريخها كرد كثيرون، كما تكرّد بالمقابل عرب كثيرون ضمتهم القبائل التي عرفت بالموالي. لكنهم عانوا الأمرين بدءا من عام 1963، عندما وضع النظام خطة بالغة اللؤم والإجرام قامت على فصل وتطويق مناطق يعيشون فيها عبر ما عرف بـ«الحزام العربي»، الذي أحل قبائل عربية محلهم، وبدل أسماء قراهم وبلداتهم، وجعلهم جسما غريبا ومعاديا في وطن كانوا دوما جزءا تكوينيا منه، خدموه بإخلاص وتفان كسائر المخلصين من أبنائه، بينما حرض بقية السوريين عليهم بذريعة أنهم غرباء غادرون يتحينون فرص الانقضاض على الوطن، ولا بد من تعريضهم لقمع مكثف ووقائي يسعى إلى الحد من أذاهم ويقضي على شرورهم.

مثلما حرض نظام العسكر البعثي الشعب ضد المواطنين الكرد من أبنائه، حرض جميع السوريين بعضهم ضد البعض الآخر، وأثار شكوكا مدروسة وموجهة بينهم، زرعت وعززت أحكاما مسبقة متنوعة ومؤثرة حيال الآخر، وسمت وعي العامة ولعبت دورا مهما في تكوين آرائهم ومواقفهم، التي صار من السهل على أهل النظام شحنها بأي قدر يريدونه من العداء حيال غيرهم من المواطنين. لم يستطع النظام كسب المواطنين، بعد دوره في هزيمة العرب وسوريا خلال عدوان يونيو (حزيران)، ولم يحقق أي وعد من وعوده بل حقق عكسها، فلعب لعبة «فرق تسد» الاستعمارية، ورسم استراتيجية كاملة لتمزيق المجتمع قامت على تأليب المواطنين بعضهم ضد بعض، واستغلال أي نقطة من نقاط الخلاف أو الاختلاف وجدها بينهم أو نجح هو في إحداثها، طائفية كانت أو طبقية أو فئوية أو مناطقية أو تاريخية، ولا غرض له غير تحويل مجتمع سوريا إلى جماعات متنافرة متصارعة يمنع عليها الالتقاء حول أي مبدأ جامع أو فكرة مشتركة غير تلك السخافات المتعلقة بصحة سياسات النظام وعبقرية وعصمة قائده الفريد من نوعه بين خلق الله، وحتمية الولاء له في سائر الظروف والأحوال، والانقياد له انقياد العميان باعتباره الأساسي والباقي الذي يدين الشعب الزائل والعديم الأهمية بذاته له بكل شيء، بما في ذلك وجوده.

هذه الاستراتيجية كانت جوهر سياسة النظام الداخلية خلال قرابة نصف قرن، وقد استمات لغرسها في وعي المواطنين بجميع وسائل السيطرة والتدجين، ليصير من الطبيعي أن يرى السوريون أي شيء يصدر عنه وكأنه أمر طبيعي لا يتسع عالم الواقع والاحتمالات لأي أمر طبيعي أو منطقي آخر سواه، بل إن سوريين كثرا صدقوا ما كان النظام يقوله عن خلود الأسد الأب، «قائدنا إلى الأبد»، وعندما مات مروا بأزمة حقيقية، أو أنهم لم يصدقوا أصلا أنه مخلوق يموت، واستمروا في الإيمان بخلوده، خاصة في بعض الأوساط التي كانت قريبة منه في الحرس الجمهوري، والتي كانت تسميه «المقدس».

حين بوغت النظام بوحدة الشعب خلال انتفاضته الأخيرة، لم يجد رأسمال قابلا للاستثمار غير ما زرعه فيه من فرقة وأحدثه من تمزق، فكان أول ما راهن عليه هو الطائفية، وقد تبين من أول يوم أنه رسم خطة محكمة الغرض لإثارة نعراتها، فكان يرسل الأمن إلى القرى المسيحية والعلوية لتخويفها من جيرانها السنة، ويرسل إلى القرى السنية من يخوفها من جيرانها العلويين والمسيحيين، ويعلن في الحالتين استعداده لحراسة الخائفين، أي لاحتلال قراهم وبلداتهم للسهر على إثارة عوامل التفجر والاقتتال بينهم. هذا ما فعله مثلا في الغاب، حيث خوف أهل الصقيلبية المسيحية من جيرانهم أهل قلعة المضيق السنة، وبالعكس، حين ذهب وفد من الصقيلبية إلى قلعة المضيق لاستيضاح الأمر، التقوا في الطريق بوفد من القلعة آت إليهم لمعرفة الأسباب التي تدفعهم إلى مهاجمة بلدتهم. عندما تبينت حقيقة ما جرى للوفدين، عاد كل منهم إلى بلدته محاولا التخلص من المخابرات التي انتشرت فيها.. وفي النهاية، عندما فشل النظام في إثارة الناس بعضهم ضد بعض، بطش بأهل القلعة، التي لم يجد قسم كبير منهم مكانا يذهبون إليه غير منازل إخوانهم وأصدقائهم مسيحيي الصقيلبية.

لم ينجح النظام في إثارة فتنة طائفية بين السوريين، رغم ما وزعه من سلاح ونشره من أكاذيب. في الآونة الأخيرة، بدأ خوف الناس من المستقبل يتراجع، ووقع تحول حقيقي في مواقفهم من السلطة وسياساتها، وصدرت مواقف واضحة عن جهات كنسية مهمة تدين العنف وتطالب بوقفه وبإيجاد حل يلبي مطالب الشعب، ونشرت أرقام فائقة الدلالة حول حجم مشاركة العلويين والمسيحيين والدروز في الحراك الثوري، وحصتهم الوازنة من قتل وقمع السلطة، وشروع بعضهم في تشكيل كتائب للجيش الحر أو للمقاومة الشعبية، ودورهم في إغاثة السكان داخل المناطق المنكوبة وخارجها، بينما انخرط أهل السلمية الإسماعيليون في الحراك بقوة وكثافة منذ بدايته، وتعرضوا لحملات قتل وقمع متتابعة، حتى إنهم تحركوا قبل مدينة حماه، ولعبوا دورا مهما في تحريكها.

يعرف السوريون اليوم فضائح وفظائع حقيقية عن سياسات النظام التمزيقية والتفريقية، ويشعرون بأهمية انتمائهم المشترك بالنسبة إلى نجاح مطالبتهم بالحرية أو إسقاط نظام العنف الفئوي، الذي ورط أبرياء من طوائف وفئات مختلفة في سياسات ألحقت بهم أفدح الضرر، لكنهم يكتشفون اليوم أن علاقاتهم وأحوالهم قبل النظام كانت أفضل بكثير منها بعده، وأنهم لم يكونوا مضطهدين قبل السلطة الحالية، وأن ظاهرة الطائفية كانت في طريقها إلى التلاشي والاختفاء أمام روح وطنية جامعة، في حين جعل هو الطائفية حامل نظامه وأداة لقتل أي وطنية عليا تضم الجميع تحت لوائها من دون تمييز أو تفرقة.

ليس تاريخ سوريا مع النظام غير تاريخ الاضطهاد الذي مارسه ضد جميع مكوناتها الوطنية والدينية والإثنية؛ تاريخ إحياء العصبيات المتخلفة والدنيا، التي كانت تتراجع وتذوب، فليس من الخطأ إطلاقا القول إن الأقليات لم تعرف الاضطهاد قبله، وإن اضطهادها سيزول بزواله، وإنه ستقوم بعده علاقات ندية بين المواطنين جوهرها احترام خياراتهم الشخصية وحمايتهم قانونيا وتربيتهم على خيارات عامة تحفظ النسيج الوطني وتعزز تماسكه.

سينتهي اضطهاد الأقليات بنهاية نظام الفتن الطائفية وتوريط السوريين في نزاعات وصراعات كانوا يتجاوزونها بنجاح، وإلا لما صار حافظ الأسد وأعداد هائلة من الشباب العلوي ضباطا في الجيش، ولما تمكنوا من المشاركة في قلب السلطة والاستيلاء على الحكم. وستنتهي الأقليات والطوائف، لأن النظم الديمقراطية لا تقر بوجود أقليات غير سياسية، وترى في الطائفية مجرد انتماء خاص إلى مذهب ينضوي تحت الانتماء العام إلى المجتمع والدولة ولا يحل محله أو يراه بدلالته. عندئذ، سيكون للمواطن الحق في أن يكون من طائفة معينة من دون أن يكون طائفيا، وستشرق شمس زمن سوري جديد لن يعرف التمييز بين المواطنين، وسيحمي القانون حقوق السوريين المتساوية مهما كانت خياراتهم الخاصة أو الذاتية، وستواصل سوريا مسيرتها نحو المجتمع الواحد، الحصين ضد الفرقة والتمييز والانقسام، وسينقلب ما فيها من تنوع إلى مصدر ثراء وطني لا ينضب. عندئذ، سيعرف السوريون أن نظام الأسد لم يحمهم بل عرضهم لأفظع الأخطار وتلاعب بحياتهم ومصالحهم، وأنهم لا حماية لهم خارج الحرية والعدالة والمساواة.

==================

«بيان جنيف» والحل السحري

الأحد ٩ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

يبدو أن المقتلة السورية مستمرة، وستزداد اتساعاً مع انعدام أفق الحل السياسي الذي يعتبر شرطه الأساسي الوقف الملزم للقتل. ومع اقتراب أي موعد يتعلق بالأزمة السورية يزيد النظام حجم القوة المستخدمة ضد المعارضة والمدنيين. وذلك ليس فقط انسجاماً مع استراتيجية الحل الأمني المعتمدة منذ بدء الأزمة، وإنما أيضاً من أجل إظهار أنه لا يزال قوياً وتمكن المراهنة على استمراره.

وإذا كان سلوك النظام في ذاته يحمل أسباب عدم قدرته على استعادة زمام المبادرة السياسية والميدانية، وعلى العودة على حكم البلاد كما كان قبل اندلاع الحركة الاحتجاجية، فإن التعثر الدولي أمام توافق على حل ملزم يرتبط بالهاجس الروسي في الحفاظ على موطئ قدم مضمون في سورية، كتعبير عن الاعتراف بالمصالح الروسية في المنطقة.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يرغب في ضمان سلامة القيادة السورية في أي حل ممكن، يتزامن مع اعتراض وزير خارجيته سيرغي لافروف على العقوبات المفروضة على كل من إيران وسورية، لأنها تضر بمصالح الشركات الروسية خارج البلدين.

أي أن روسيا، في سبيل حماية مصالحها، لا ترى سوى النتائج من غير أن تدقق في الأسباب، علماً أنها شريك في مفاوضات الملف النووي الإيراني وأبدت أكثر من مرة نقدها لسلوك طهران في إدارة هذا الملف. فمن أجل رفع العقوبات عن إيران عليها أن تحصل منها أولاً على الضمانات الضرورية في شأن برنامجها النووي العسكري الذي جاءت العقوبات لمنعه. ومن أجل رفع العقوبات عن سورية، عليها أن تقنع النظام بالتراجع عن الحل الأمني واستخدام القوة المفرطة، وهو السلوك الذي حمل الغرب لفرض عقوبات علها تؤثر في القدرة العسكرية على القتل والتدمير.

فالمشكلة الروسية هي، في هذا المعنى، مع حلفائها الذين تدافع عنهم، وإن كانت تبدي تحفظاً بين وقت وآخر على سلوكهم.

وفي عودة موسكو إلى طرح «بيان جنيف» كحد أدنى يمكن التوافق عليه في مجلس الأمن، استمرار للالتباس الحاصل بين مصالحها الاستراتيجية والسياسية والتجارية وبين «سلامة» القيادة السورية، إذ منذ صدور «بيان جنيف»، قبل أكثر من شهرين، والذي شكل بالمناسبة نهاية مهمة كوفي أنان ونقاطه الست، ازداد حجم القتل في سورية على نحو مروع. وعمد النظام إلى استخدام كل ترسانته التقليدية في مهاجمة المدن وأحيائها وأريافها، على نحو جعل هذه المدة الأكثر دموية وتهجيراً ودماراً في مواجهة المعارضة. علماً أن النظام يعلن باستمرار أنه يوافق على بنود هذا البيان، في تكتيك سياسي يتعارض كلياً مع سلوكه الميداني.

وإذا كان البيان، لدى صدوره، لم يتحدث عن رحيل النظام، فإن سلوك قيادته منذ ذلك الحين وما تقوم به قواته، كما توثقه الهيئات الدولية والإنسانية، يفرضان بالحد الأدنى التساؤل عن مدى القبول في استمرار النظام، إن لم يكن الدفع في اتجاه محاكمات مرتكبي جرائم موثقة ضد الإنسانية.

بذلك، يتحول «بيان جنيف»، كما تريده موسكو، حلاً سحرياً لطمس عناصر المعضلة السورية ولإغفال أسبابها ولإخفاء آثار نتائجها الكارثية. ولن يكون في مقدور مثل هذه الحلول التي تريد التوفيق بين مصالح استراتيجية و «سلامة» النظام، التقدم ولو خطوة واحدة نحو إنهاء المأساة، حتى لو صدرت عن مجلس الأمن، ما لم تتضمن عنصري الإلزام والمحاسبة.

==================

الحرب في سورية.. استراتيجية تجفيف خزان الدم المقابل

الوطن السعودية

7-9-2012

حتى لا ينهك الجيش النظامي في هذه الحرب غير التقليدية، ويصبح لقمة سائغة لأي تدخل خارجي؛ فقد استخدم مبدأ الاقتصاد في القوى، إذ يستخدم الآن حوالي أقل من 15% من قوته الفعلية، ولم يستنفر قوته الاحتياطية من المجندين والسلاح حتى الآن

الحرب الشرسة والضروس التي تدور رحاها الآن في سورية، قل أن شهدنا مثيلا لها في تاريخنا الحديث. حيث جمعت بين حرب العصابات وحرب المدن، والحرب النظيفة والحرب القذرة في آن معاً، وقد تضم إليها الحرب التقليدية لاحقاً. العالم أجمع انهمك بدون هوادة في العمل كساحات خلفية، بسرية وعلانية، لإمداد مسرحها الملتهب مادياً وسياسياً ودبلوماسياً وبالمقاتلين والسلاح أحياناً، ومعلوماتياً وإعلامياً وعقائدياً ومعنوياً. وقد أخذت الحرب في سورية منحى خطيرا، حيث يتطاحن فيها عديد من الإرادات المحلية المستعرة المؤمنة بأهدافها والمصرة على تحقيقها، مهما كلف الأمر. وقوى دولية تورطت في تحريك دفتها وإقليمية انغمست في مستنقعها، وكل منها رهن مصداقيته بها وراهن على قبض حصته الثمينة من غنائم ما بعدها، ظاناً بأنها لن تطول، ولن تكلف ما كلفته من نزاع دولي طال أمده، وتلاعب بأعصاب الجميع، وفوق كل هذا وذاك سفك الدم السوري الطاهر، بكل كرم وسخاء، حيث أصبح المزيد منه، ركيزة رهان النصر فيها من عدمه. في تناولي لهذا الموضوع المتداخل والمركب، بنفس الوقت، سأحاول شرح معطيات الصراع العسكري من النواحي النظرية والاستراتيجية والتكتيكية، من وجهة نظر عسكرية بحتة. هذا مع محاولتي لعزل المعطيات السياسية والدبلوماسية المحلية السورية والإقليمية والدولية بقدر الإمكان، من أجل عدم التشويش على فهم القارئ وإيضاح طبيعة ما يجري على الأرض السورية من احتراب عسكري، بقدر ما تسمح لي به الساحة والمساحة والمعلومات المتاحة.

عند دراستي لأي حرب أو تدريسها لطلبتي في الكلية العسكرية، فإني أستخدم ما أسميته بـ"معادلة الحرب"، لفهم معطياتها ومجرياتها والتوصل لأسباب النصر والهزيمة فيها. ومعادلة الحرب تتكون من فهم نقاط قوة (إيجابيات) ونقاط ضعف (سلبيات)، كل طرف فيها؛ حيث النصر يكون فيها للطرف الذي يفهم سلبياته وإيجابياته وإيجابيات خصمه وسلبياته، قبل بدء المعركة، ثم في أثناء المعركة، يحرم خصمه من استخدام إيجابياته ويركز في الضغط على سلبياته، وبنفس الوقت، يستخدم هو إيجابياته بأقصى درجة ممكنة ويحرم خصمه من استغلال سلبياته بقدر المستطاع. وهنالك معادلة أخرى أسميتها بمعادلة "روح الشرق وروح الغرب في الحرب"، فالشرق دوماً ضعيف في إمكانياته المادية والتنظيمية، ولذلك يستعيض عنها بروحه الشرقية التي تستمد قوامها من الدين والوطنية والقومية والأيديولوجية، والغرب يستعيض عن ضعف الروح المعنوية، بالتنظيم الدقيق والتدريب المتواصل والانضباط الصارم، واعتماده على كثافة النيران، والاشتباك عن بعد قدر المستطاع، ويعول على مقدرته على الصمود والتعويض المادي. وهذه المعادلة تصدق كذلك على الحرب في الشرق أو الغرب عندما تكون بين جيش غير نظامي وجيش نظامي. وبالعودة إلى سورية، فلا بد من فهم سبب ارتفاع سعر الرهان عليها، كموقع استراتيجي حساس بالنسبة للشرق وللغرب. فقبل حوالي 2500 سنة، ذكر المؤرخ اليوناني هيرودوتس، في كتابه الذي يعتبر أول كتاب في التاريخ، بأن من يسيطر على سورية فقد يسيطر على ثلثي العالم. وحسب نظريته التاريخية العسكرية، بأن الأبطال الذين يخوضون الحروب وينتصرون، هم من يصنع التاريخ. وبأن اليونان لا تستطيع السيطرة على فارس والشرق بشكل عام، إلا من خلال بناء قوة عسكرية ضاربة وسيطرتها على سورية. وهذا بالتحديد ما فعله الإسكندر المقدوني، بعد 100 عام من وفاة هيرودوتس. وثبتت صحة مقولة هيرودوت في القديم وتأكدت صحتها الآن، بعد حيازة منطقة الشرق الأوسط على ثلثي احتياطي العالم من الطاقة، النفط والغاز. وهذا ما جعل ويجعل الاحتراب على سورية كموقع، من نوع كسر العظام، وتهشيم الجماجم، وأن ينقسم العالم عليها شرقاً وغرباً، وتتداخل الأوراق لدى محيطها الإقليمي، كما تنبأ بذلك هيرودتس. وهكذا فقد فرض على سورية موقعها الحساس، من القدم حتى الآن، بأن تكون دوماً منخرطة فيما يجري في محيطها من ناحية، ومن ناحية أخرى بأن تتبنى استراتيجية الدفاع من خارج حدودها، وذلك بدعم المقاومات وإنهاك خصومها المحتملين، قبل وصولهم إليها، وهذا ما جعلها شبه متمردة، ومطلوب إخضاعها حية أم ميتة.

لتقييم ما يجري في سورية من اقتتال عسكري، لا بد من فهم كل طرف في الحرب وإمكانياته العسكرية والمعنوية ومن ثم عرضها حسب معادلتي الحرب المادية والمعنوية أعلاه. الجيش العربي السوري يعتبر الآن ثاني أكبر جيش عربي، بعد الجيش المصري، من ناحية العدد والعتاد، حيث يبلغ عدده، 220 ألفا، واحتياطي 280 ألفا، ويعتبر الجيش السوري، الجيش العربي الأول عقائدياً. للجيش السوري، خبرة طويلة في الحروب العربية الإسرائيلية وحرب إسرائيل على لبنان 1982 والحرب الأهلية اللبنانية من 1975 حتى 1991. أي أن الجيش السوري لديه خبرة طويلة وغنية في الحروب التقليدية وغير التقليدية، قاتل جيوشا نظامية وقاتل وطارد ميليشيات غير نظامية، ودعم ودرب وجهز وخطط لجيوش مقاومة غير نظامية. الجيش السوري، هو جيش نظامي من ناحية التنظيم والتسليح والتدريب، بنفس الوقت يقاتل ضمن عقيدة قتالية أيديولوجية شعبية، مستمدة من أيديولوجية ومبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي السوري.

الطرف الثاني في الحرب هو الجيش السوري الحر، الذي يبلغ تعداده حوالي 60 ألف مقاتل، ومكون من جنود وضباط منشقين من الجيش السوري النظامي ومتطوعين من الشعب السوري وكذلك مقاتلين عرب وأجانب لهم خبرتهم القتالية ضد الجيوش النظامية في أفغانستان والعراق وليبيا والجزائر واليمن، ويتبنى عقيدة الجهاد، كعقيدة قتالية. والجيش السوري الحر مسلح بأسلحة قتالية خفيفة ومتوسطة، ويستخدم تكتيك حرب العصابات وحرب المدن، في قتاله للجيش النظامي. وهدف الجيش الحر من القتال، كما يعلن، هو الدفاع عن الشعب السوري من قمع الجيش النظامي وإسقاط الحكومة السورية، التي فقدت بالنسبة له شرعيتها التي تلطخت بالدم السوري. وهدف الجيش السوري النظامي، كما يعلن، هو حماية أمن سورية من الخونة والعملاء بالداخل والتصدي لأي تدخل خارجي غاشم منتظر.

حتى لا ينهك الجيش النظامي في هذه الحرب غير التقليدية وتتبدد قواه على الجغرافيا السورية، عن طريق حرب العصابات وحرب المدن، ويصبح لقمة سائغة لأي تدخل خارجي؛ فقد استخدم مبدأ الاقتصاد في القوى، وهو عدم استخدام أكثر مما يحتاجه في تصديه للجيش الحر، فهو يستخدم الآن حوالي أقل من 15% من قوته الفعلية، ولم يستنفر قوته الاحتياطية من المجندين والسلاح حتى الآن. وعليه، قرر بألا تكون الجغرافيا الداخلية، هدفا للقتال عليها، كما هو المعروف عن القوات النظامية، ولكن أخذ يقاتل حسب تواجد قوات الجيش الحر، يتخلص منها بالقتل والتدمير ثم ينسحب من المكان، ويعود مرة أخرى وثالثة لنفس المكان أو غيره إذا عادت إليه ويقاتلها، وهكذا، أملاً في القضاء عليهم والتخلص منهم كعدد في نهاية المطاف. وطبعاً الجيش الحر، بدأ يمتلك قواعد دعم ومساندة في تركيا ولبنان والأردن ويزداد عدداً وعدة، مما ينبئ بطول الحرب والمزيد من الدعم والتدخلات الخارجية مع وضد، وفي المحصلة المزيد من الدم السوري الطاهر. وفي الحرب أكثر من قضية، وللمقال بقية..

عبدالرحمن الوابلي 2012-09-07 1:18 A

=================

الشعب السوري وصيد الثعالب...

عبدالله محمد الناصر

الرياض

7-9-2012

منذ سنوات خرجت مظاهرة حاشدة في بريطانيا تنديد واعتراضاً على صيد الثعالب بالكلاب، لما في ذلك من وحشية تتعارض مع الأخلاق والأعراف الإنسانية.. لأن الإنسان السوي يجب أن يكون رحيماً حتى مع الحيوانات، وإن كانت في درجة الثعالب..!! وقد كانت هناك عادة قديمة في بريطانيا لصيد الثعالب بهذه الطريقة لها ما يشبه الطقوس..!! حيث يجتمع عشرات النبلاء وقد ركبوا خيولهم تحيط بهم الكلاب المدربة، وما أن يصلوا إلى منطقة الصيد حتى يبدأ قائد حملة الكلاب بالنفخ في بوقه. إيذانا بالبداية فتأخذ الكلاب في الانطلاق لإخراج الثعالب، وتنفيرها، وتنفيجها من جحورها، ومكامنها.. فإذا انطلق الثعلب مذعورا لحقته الكلاب الضارية، وأخذت تطارده، وهو يجري، ويراوغ إلى أن يقع فريسة بين يديها فتحوله أشلاء... وبسبب هذه الطريقة البشعة، وغير الأخلاقية، تكاثرت وتوالت الاحتجاجات والمظاهرات الحاشدة، إلى أن تم تجريم طريقة الصيد هذه رغم أنوف النبلاء، واحتجاجاتهم.. هذا العالم الغربي الرقيق الرحيم ذي الضمير الحي، الذي تتمزق قلوب أهله رحمة ورأفة بالثعالب المسكينة، يرى ويسمع ويشاهد المجازر الجماعية وحرب الإبادة ضد الشعب السوري، ويتفرج على الإعدامات الميدانية، وعلى قتل الأطفال الرضع، والشيوخ العجزة، الشبان، والصبايا، الكبار، والصغار، فيواجه ذلك كله بالصمت المريب، وكأن الذين يقتلون، ويبادون، ليسوا بشراً، ولا ينتمون إلى العائلة الإنسانية، إلى درجة أن الإنسان لا يصدق، ما يرى ويشاهد من صمت وصمم في سمع الضمير العالمي، هذا الضمير المتملق الكاذب، هذا الضمير المتحجر، بل الميت أمام سفك، ونزف دماء العرب، والعمل على تمزيق أوصالهم، وتقطيع، وتفخيخ أراضيهم، وتحويل بلدانهم إلى جحور أرانب مذعورة... هذا العالم الديموقراطي المتحضر الذي صنع إسرائيل، وغرسها شجرة خبيثة في قلب الوطن العربي، وراح يسقيها بالمال، والسلاح والفيتو، وكل ما يخطر على البال من أنواع الحماية والتأييد... هاهو يتفرج على شعب يباد بوحشية وإجرام !! كلا. فالوحشية أرحم وأقل شراسة وعنفاً لأن الوحوش لا يمكن أن تمارس هذا الفتك ببعضها... فشعب يباد وبشكل صارخ، وبكل أنواع الإبادة، والعالم الإنساني الرحيم، زارع إسرائيل، ومحتل العراق ومستنزف الخيرات، يرابط بعيونه على أطراف الشام، يراقب المشهد، بإنسانية خاصة، وحرية خاصة، وديموقراطية خاصة، تزغرد للموت وهو ينتزع أرواح هذا الشعب البائس المضطهد الحزين، لسبب ديموقراطي وجيه وهو : عدم تمكين السنة في بلاد الشام من اختيار وتقرير مصيرهم.. أيها السادة كلكم شاهدتم، وتشاهدون مكر العالم المتحضر، وثعلبيته، وغدره في التعامل مع العالم العربي، والشعب السوري اليوم بخاصة... أليس عالماً شاذاً،وعالما ضالاً، وعالماً مجنوناً هذا العالم الذي يحرم صيد الثعالب، ويبيح إبادة شعب كامل بطائرات الميج والسوخوي. وبالمدافع والصواريخ والقنابل الفراغية ويشعل النيران في البيوت والحقول، والغابات بشكل جنوني مفزع...؟! لقد أصبحت كلمات الديموقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان كلمات مزرية وممسوخة وقبيحة. وماجنة مجانة بغي تدعي النسك والطهارة...

=================

سوريا ومتاهة المستقبل

تاريخ النشر: الجمعة 07 سبتمبر 2012

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

مفجع أن يفقد الخبر المأسوي السوري أهميته، وأن يصير عادياً مهما تصاعد عدد الضحايا كل يوم ، فبعد شهور من بدء النزيف، وتحوله إلى شلال دم ، لم يعد كثير من العرب والمسلمين والإنسانيين يهتم لصور الأشلاء الممزقة والأجساد المرمية في الشوارع والأزقة، والرؤوس المقطعة والمذبوحة بالسكاكين، فضلاً عن الذين يدفنون تحت الأنقاض، وربما دفن كثير منهم أحياء، والمفجع أن أكثر الضحايا هم من الناس البسطاء الذين وجدوا أنفسهم فجأة في ساحة حرب، ومن يتأمل صور الضحايا والتعليقات التي ينشرها الناشطون على صفحات الإنترنت يعجب كيف تفجرت سوريا بمشاعر الحقد والكراهية، وكيف تنمو النزعات الطائفية التي صار الانتماء إليها قسرياً في المواجهة ، وهي نزعات يضرمها الجنون العاصف الذي جلبه العنف حين أخفقت أغصان الزيتون في أن تحقق دعوتها إلى التغيير بالطرق السلمية الحضارية.

لقد كان عنوان مقالتي السابقة (من ينقذ سوريا؟)، وأعلم أنه لا أحد سينقذها سوى الله، فالدول الكبرى تبدو غير معنية حقيقة بما يعانيه الشعب السوري، وهي تقيم ندوات ومؤتمرات أحياناً لفض العتب الأخلاقي، وتقدم مبادرات تمد أمد الفجيعة، وتمد وسائل الإعلام بما يصلح للتحليل أو التهليل، حتى بات مكروراً، ولا يأتي بجديد غير المزيد من الفواجع التي فقدت الإثارة أيضاً.

ومع تصاعد الأحداث الدامية يكبر التخوف من أن يطول أمد الصراع الذي صار مسلحاً بين فريقين هما أبناء جسد واحد، هو الجيش العربي السوري الذي خدم كل الشباب السوريين فيه خدمة وطنية إلزامية، وكان الضمانة الكبرى لأمن الوطن وسلامة المجتمع وسيادة الدولة، لكن الانشقاقات المتوالية التي تكون منها الجيش الحر جعلت الجيش السوري ينشطر إلى مكوناته المذهبية، وهو الجيش العقائدي العلماني الذي انكشف عنه الغطاء، فإذا هو يشعل تحت الرماد مشاعر الانتماءات الصغيرة التي باتت تهدد المستقبل.

ولم تنجح الهتافات التي نادت شهوراً في التظاهرات (الشعب السوري واحد ) بإثبات كونها حقيقة، وقد تساءلت في مقالاتي السابقة مرات عما إذا كان وهماً ما كنا نعيشه من زهو بوحدتنا الوطنية وإشادة بالتماسك الاجتماعي، والعيش المشترك، وهي تساؤلات تهدف إلى تذكير الناس بأن الجامع بينهم هو الانتماء إلى الوطن أولاً، وكان الخطر في تحول قضية الشعب من مطالبة بالإصلاح والتغيير إلى صراع طائفي، وهي غلطة تاريخية ستمد ظلالها القاتمة على المستقبل.

وقد تحدث المحللون طويلاً عما سموه سيناريوهات المستقبل في سوريا، بعضهم رأى أن شبح التقسيم يلوح حلاً محتملاً في الأفق ولا بديل عنه، وأن هناك دولاً ستدعم هذا الحل الذي ستهلل له إسرائيل، لأنه سيحقق لها حلماً كان عسير المنال، وهو إضعاف سوريا وإخراجها من ساحة الصراع العربي الإسرائيلي، وهي التي كان تحرير فلسطين هدفها المعلن وحامل الشرعية الوطنية لسياساتها الداخلية والخارجية، وأي اجتراء على التقسيم سيفتح شهية بعض الأقليات والإثنيات للمطالبة بنصيب من الكعكة السورية التي ستكون سامة آنذاك.

وربما يجنح بعض المحللين إلى افتراض اتساع رقعة التقسيم، التي قد تعيد النظر في الحدود التي رسمها سايكس وبيكو قبل نحو مائة عام، وهذا يعني تغيراً في الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة ، وهو احتمال يهدد لبنان والأردن والعراق وتركيا، ويفتح بوابات الجحيم على المنطقة كلها.

وأما السيناريو الثاني، فهو يتوقع أن يتمكن النظام من الانتصار على معارضيه وإجبارهم على الاستسلام، وهذا يستدعي مضاعفة العنف واتساع رقعته، وإراقة شلالات مريعة من الدماء، وهدم كل ما في البلد من عمران وبناء، وعندها سيكون الانتصار على الجثث والأشلاء، وسيواجه العالم مشكلة اللاجئين السوريين، وسيكونون بالملايين ممن لن يجرؤوا على العودة إلى وطنهم حيث تلاحقهم تهم الخيانة والإرهاب.

وأما السيناريو الثالث فهو يفترض استمرار الصراع وتصاعده، مع بقائه غير متكافئ عسكرياً، لكنه سيكون قابلاً أن يتحول إلى حرب داخلية طويلة الأمد، يمكن الاستمرار فيها على الطريقة اللبنانية سنوات يعتاد فيها السوريون على مواجهة الموت اليومي، ويتعايشون فيها مع أصوات الانفجارات والقنابل، وتتحول عبرها سوريا إلى ساحة حرب دولية تشارك فيها قوى عالمية، ولا تتوقف الحرب فيها إلا بالدمار الشامل، وبتحول سوريا إلى أرض يباب.

ويتوقع السوريون أن يتفاعل العالم بجدية مع قضيتهم حين تنهار البنى التحتية تماماً، ويعم الخراب، وتعود سوريا بلداً متخلفاً يحتاج إلى مائة عام من الإعمار، فضلاً عما سيكون قد لحق بالشعب من فواجع لا شفاء لها.

ويبدو أن سيناريو الحوار لم يعد مدرجاً بين الحلول، وكنت أجده الحل الأمثل لكن تطور الأحداث جعله خياراً مشروطاً من المعارضة والسلطة معاً ، لكن الحوار على كل حال سيكون خاتمة المطاف، فلابد من تفاهم تفرضه الضرورة في النهاية.

إن أخطر ما في الموقف اليوم هو ما يشعر به السوريون من حالة الإهمال الدولي، ولئن كانت بعض الدول العربية قد سارعت بقبول التلاميذ السوريين اللاجئين في مدارسها الحكومية لهذا العام الدراسي، فإن استمرار حالة اللجوء في أوضاع معيشية غير إنسانية أمر مفجع لكل سوري، فلابد من تدخل جاد على الأقل لإنهاء حالة التشرد في الداخل والخارج، وفصل الشتاء يقترب، ومعاناة السوريين أكبر من أن تحتمل أو تطاق، وليس معقولاً أن يدخل السوريون في الشتات أو المنفى وبينهم مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ.

ويبدو أسوأ ما في الموقف الراهن أن يكون الاحتكام إلى السلاح هو الحل الوحيد المتاح، والعالم يتفرج على السوريين وبعضه يصفق للقاتل، وبعضه يتعاطف مع المقتول، لكن القاتل والمقتول سوريان وأية خسارة على الجبهتين هي خسارة لسوريا وشعبها، وقد بات أمراً فظيعاً توصيف النصر كما يراه المؤيدون في انهيار العمارات ومقتل المئات تحت الأنقاض، أو قصف قرية أو حي من الأحياء بالمدفعية والطائرات، كما هو توصيف مريع للنصر على الضفة الأخرى في قتل جنود بسطاء يؤدون الخدمة العسكرية في الجيش السوري، ما يجعل الصراع مفتوحاً على حافة الجنون.

صحيح أن صوت الحكمة يخفت أو يصمت حين يعلو صوت أزيز الرصاص، ولكن حين تغيب الحكمة ويبقى الجنون وحده يكون خيار شمشون وحده النهاية المريعة المفجعة، وهو كما علمنا التاريخ خيار الخاسرين.

=================

الحرب الأهلية السورية لن تقع!

د. نقولا زيدان

المستقبل

7-9-2012

الاعتقاد السائد في العديد من الأوساط السياسية العربية والدولية، والنظام الأسدي بدوره يروّج له حتى لو كان على الرمق الأخير، ان الأزمة السورية طويلة جداً هو اعتقاد خاطئ، ويدحض هذا الاعتقاد ويطرحه جانباً تطور الأحداث والمعارك الميدانية الضارية المستعرة الآن حيث تواجه المعارضة الثورية بما في ذلك الجيش السوري الحر والجماهير المسلحة نظاماً متداعياً مترنحاً ارفضت من حوله الناس ولم يتبقَ له سوى أداته العسكرية وكتائبها وفرق الإعدام والتصفية أولئك الشبيحة الأوغاد. هذا هو الانقسام الفعلي القائم في سوريا الآن وهو لا يصنع حرباً أهلية. فبالرغم من الطبيعة الفئوية لتركيبة القيادات الآمرة للوحدات العسكرية من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين الممسكين بالقرارات حيث راكم النظام الأسدي على امتداد أربعين سنة آمرين جرى انتقاؤهم وتعيينهم من الأقليات الدينية والمذهبية وهم في غالبيتهم من الموالين له ضمن طائفته، فإن الحرب الأهلية لم تقع. فالمضايقات والتحرشات المشكو منها على الصعيد الوطني، في احياء المدن وشوارعها وأريافها لم تتفاقم لتصبح مذابح جماعية وتنكيلاً بالجملة ولا تهجيراً لفئة دون أخرى وجماعات دينية وأثنيات كما جرى ذلك ببشاعة لا توصف في الهند (1947 وبيافرا (نيجيريا في السبعينات) ولا رواندا وغيرها. إنه لمن الثابت قطعاً أن المجازر التي تم ارتكابها مؤخراً هي من فعل عسكر النظام وفرق الشبّيحة الأنذال. كما ان الانشقاقات الطوعية والانضمام للثورة قد طاولت نخباً وقيادات وشخصيات بل عناصر وافدة في أحيان كثيرة من هذه الأقليات نفسها. وقد أسقط في يد النظام الأسدي وهو يمارس التعبئة المذهبية والتحريض الديني والتهويل والتخويف عندما راح يشاهد ما تبقى له من رصيد يتلاشى أكثر فأكثر. ولم نشهد قط في سوريا تهجيراً جماعياً (exode massive) لهذه الأقليات نحو البلدان المحيطة بل طاولت حركة الهجرة غالبية سورية من كل الفئات اضطرت لمعاودة النزوح تبعاً لسير المعارك. فلا مسيحيو حلب ولا المناطق العلوية ولا وادي النصارى تعرضوا للقتل وللنزوح كما تروّج الدعاية الأسدية.

أمام الإفلاس الداهم والنهائي الذي يواجهه نظام بشار الأسد عمد الأخير للعب ورقة أخيرة هي في غاية الخطورة ألا وهي خطب ود حزب العمال الكردستاني (PKK) حيث جرى اقحامه وزجه في معارك ذات توقيت خاطئ ومشبوه تهدف في حقيقتها إثارة المتاعب بوجه الجيش التركي وزعزعة الأمن على الحدود التركية الجنوبية الشرقية. وما هو مريب هو أن تتناسى قيادات حزب العمال الكردستاني هذه الفضيحة الأسدية المدوّية التي تورط فيها الأسد الأب عندما عقد صفقة مشبوهة مع أنقرة دفع ثمنها قائده عبدالله أوجلان. فقد تم، تحت ضغط الحشود التركية العسكرية، إجلاؤه مع عناصره عن البقاع اللبناني أيام عهد الوصاية السورية علينا الى دمشق ثم الى روما التي رفضت ايواءه فاضطر للسفر الى نيروبي (كينيا) طلباً لتأشيرة يونانية حيث كان بانتظاره كمين منصوب وطائرة عسكرية تركية. فضيحة تركت ظلالاً مشينة بحق نظام الأسد الأب قيل يومها فيها الكثير عن تورط يوناني وإسرائيلي كانت ضربة موجعة للشعب الكردي، تبعتها ضربات أخرى وجهت في غير اتجاه.

ويرتسم في الحال السؤال المحق التالي: كيف تصدق قيادات الـ(PKK) أن النظام الأسدي بمرحلتيه الأولى والثانية هو الصديق للقضية الكردية والمدافع عنها وله تاريخ أسود حافل بتسديد الفواتير لمصلحة الأميركي مقابل السكوت الأميركي عن استمراره في احتلال لبنان واستغلاله وضخ خيراته ومقدراته لينعم بها قادة النظام الفئوي في دمشق. ألم يتعرض أكراد سوريا كإخوتهم في عراق صدام حسين وسائر دول الجوار للاضطهاد والملاحقة والتغييب والتهميش وطمس هويتهم القومية والدينية وتسليط أجهزة المخابرات السورية على نخبهم ووجوههم الوطنية. فلمصلحة من هذه المعارك الدائرة بين حزب العمال والجيش التركي في اللحظة التاريخية الراهنة. ألمصلحة القضية الكردية أن يجعل "حزب العمال" من عناصره القتالية حرساً لحدود نظام فاشي يمعن في اخوتهم الأكراد وسائر الشعب السوري قتلاً وذبحاً وتشريداً؟ ويمتنع بل يتحفظ الجيش التركي عن اجتياح المناطق السورية المتاخمة لحدوده هناك ذلك أن حلف "الناتو" غير راغب الآن في مواجهة عسكرية قد تؤدي الى نزاع اقليمي ودولي. ولم تفلح حتى اللحظة النصائح الكردية التي وجهتها الأحزاب الكردية الأخرى في ثنيه عن مغامرته العسكرية المشبوهة.

إن تجديد رئاسة عبد الباسط سيدا للمجلس الوطني وضم أطياف وأحزاب جديدة سورية الى هذا المجلس يعني في هذا الوقت إيلاء العامل الكردي في الصراع القائم مع النظام أهمية خاصة مع المزيد من رص صفوف المعارضة السورية. ويقف المجلس الوطني السوري حجر عثرة أمام محاولات النظام الأسدي جرّ البلاد الى حرب أهلية شاملة. وتتوقف بنضج ملحوظ علاقة المجلس بالجيش السوري الحر، خاصة أن هذا الأخير هو الذي يقود المعارك البطولية بوجه الجيش النظامي، وهو الذي يعطل تحول حرب التحرير المشرفة الى حرب أهلية مدمرة. ولعله من المحبط بمكان أن نلاحظ أنه في كل مرة تخطو الثورة السورية خطوة الى الأمام، تأتينا من واشنطن تعويذة النصائح الممجوجة الداعية للمعارضة لتوحيد صفوفها الخ...

فأية غضاضة أن تبقى بعض فصائل المعارضة خارج المجلس الوطني؟ فالثورة الفيتنامية كانت جبهة أي عدة فصائل، وكذلك الثورة الجزائرية بل المقاومة الفرنسية التي قاتل فيها الشيوعيون والديغوليون والوطنيون المستقلون جنباً الى جنب الاحتلال النازي لفرنسا. فإن كان الأميركي قد بدأ يعيش معركة الرئاسة، وهو يرجئ اتخاذ قراراته المهمة بانتظار نتائجها، فحريّ به ألا يُنحي باللائمة على المعارضة السورية باستمرار وكأنه يخفي ميلاً دفيناً لعدم رؤية الثورة السورية تحقق إنجاز النصر. ولسنا ندري لماذا يذكرنا هذا التلكؤ الأميركي بالطروحات الفرنسية الطوباوية الداعية لإنشاء مناطق عازلة أو آمنة غير قابلة للحياة ما دامت بحاجة الى غطاء جوي ودفاعات جوية ما يعني مواجهة عسكرية مع سلاح الجو السوري ومن ورائه الإيراني وربما الروسي أيضاً.

إن قادة الثورة السورية يعلمون جيداً ان معركتهم قاسية وطويلة، لكنها ليست صعبة المنال ولا هي طويلة جداً، فقد أنجز الكثير ولم يتبقّ سوى القليل. ولعل الأخضر الإبراهيم قد جاء ليشهد ويمهر بإمضائه الفصل الأخير.

=================

لجانُ طوارئ لسوريا

النهار

7-9-2012

في موازاة الصمت الدولي المريب، ماذا يمكن أن يُقال عن الصمت العربي الذي لا يشكو من قلّة الريبة، ولو مطعّماً وموشّى باجتماعات فاشلة من هنا، وتصريحات لا تغادر خانة رفع العتب من هناك؟

صحيح أن الرئيس المصري محمد مرسي دعا في افتتاح اجتماع وزراء الخارجيّة العرب إلى رحيل القيادة السوريّة، على أساس أن الوقت هو وقت التغيير، إلا أنه لم يطرح أيّة أفكار، أو اقتراحات للشروع في ورشة التغيير.

حتى "المجموعة الرباعيّة" التي اقترحت القاهرة إنشاءها، لم يحدّد لها الرئيس المصري موعداً للقاء والتعارف، أو برنامج عمل لا يختلف في مضمونه عن "المهمّة المستحيلة" التي انتدب لها الأخضر الابرهيمي.

موقفٌ تعاطفيّ يتّسم بالحماسة، لكنه لا يقدّم ولا يؤخّر، ولا يختلف عن تفسير الماء بعد الجهد بالماء...

ليس مطلوباً من الدول العربيّة، مجتمعة ومنفردة، ارتداء الدروع وسرج الخيول وامتشاق الرماح استعداداً للدخول العملي في صلب المأزق السوري، ولو على سبيل الفصل بين جيش النظام والجيوش الحرّة المنتشرة في المدن والأرياف المشتعلة.

كل ما هو مطلوب إزاء هذا الجحيم، الذي يكتسح الناس والأبنية وكل ما هو قائم فوق الأرض، خطوة عملانيّة تترجم الاهتمام العربي بالناس على الأقل. بأولئك الذين لا ناقة لهم ولا جمل، وليس في مقدورهم الاحتماء من القصف الجوّي والبرّي وهمجيّة الشبّيحة.

أما بالنسبة إلى الفارين من فرسان الموت والقتل الجماعي، والمشرّدين في البراري والغابات، والمهجّرين خلف الحدود أو عند تخومها حيث يفترشون التراب ويلتحفون السماء، فكيف يستطيع العرب والعالم بأسره أن يكتفوا بالتفرّج على مأساتهم القاسية، وإبداء الأسف الجماعي للإبادة الجماعيّة؟

أين دعاء الشرق، وأمجاد يا عرب أمجاد، وبلاد العرب أوطاني، أينكم جميعاً ممّا يتعرّض له الشعب السوري منذ 17 شهراً، والمدى الزمني والدموي والتدميري مفتوح على أشهر مقبلة مع المزيد من المذابح المفجعة التي تقشعر لهولها الضمائر والأبدان؟

في انتظار الحلول غير المرئيّة، لا بدّ من الشروع فوراً في تشكيل "لجنة طوارئ عربيّة"، "لجنة انقاذ عربيّة"، لجنة عناية عربيّة"، بل لجان عربيّة متعدّدة تهب حالاً وسريعاً لنجدة الناس بما يفتقرون إليه من مواد غذائيّة، من أدوية، من مستشفيات ميدانيّة، من أطباء وممرّضين، من مسعفين، من خيم وأغطية وما إليها.

هذا الكلام المائي البليد اللزج من شأنه مضاعفة آلام المأساة التي تفتك بمعظم فئات الشعب السوري، وتضع الآلاف والملايين منه أمام سيوف الشبيحة وسيوف الإهمال واليأس في عراء يفترش النار ويلتحف القذائف والصواريخ بكل أنواعها.

حالاً وسريعاً لبّوا نداء سوريا واستغاثتها. وبالأفعال واللجان والمساعدات.

=================

دائرة العنف والدم في سوريا

صالح خريسات

الرأي الاردنية

7-9-2012

استعيد في ذاكرتي الآن، جملة من الخطابات السياسية، التي ظل الرئيس الراحل حافظ الأسد، يرددها في كل مناسبة وطنية أو قومية، وهي أن العنف، والمقاومة، والكفاح المسلح ، هي السبيل الوحيد للقضاء على الاستعمار والاستبداد واستعادة الحقوق المغتصبة.

ومن بعده جاء الرئيس الحالي بشار الأسد، ليردد العبارة نفسها، ولكن في قالب جديد، وهو أن هذا الاستعمار الذي قام على العنف، لا يمكن الخلاص منه إلا بالعنف. ولذلك رفض كل أشكال التسوية مع إسرائيل، على الرغم من أنه لم يطلق رصاصة واحدة، تجاه العدو .

وهو يقول أيضا، أن الجماهير المستعبدة، تشعر بهذه الحقيقة، ولكن شعورها هذا لا يصير إلى كفاح مسلح فورا، ذلك أن الأحزاب السياسية، والشخصيات البرجوازية والمنتفعة من النظام، تستبعد فكرة العنف والمقاومة، بل تخشى العنف. ويصفها الرئيس السوري بأنها عنيفة في أقوالها، معتدلة في مواقفها، لا يزيد نشاطها على مقالات وخطب، تتحدث عن حقوق الإنسان وتقرير المصير.

وأنا أعتقد أن السيد الرئيس يصف الرجال من حوله . فهذه الأحزاب التي صنعها النظام لنفسه، لا تدعو إلى العنف، لأنها لا تهدف إلى قلب الأوضاع التي أنشاها النظام رأسا على عقب، ولا تطمح باستلام مقاليد الحكم من يد المستبد الظالم. كل ما تريده هو أن تفاوض النظام، وتنتهي معه إلى تسوية تحتفظ فيها بمصالحها .وهذا ما قامت به بعض الشخصيات في مؤتمرها الساذج الذي عقدته في دمشق، بمباركة من النظام الحاكم، وحراسة رجال الأمن.

والواقع أن الجماهير الوطنية في سورية، كانت تخشى النتائج التي يمكن أن تنجم عن لجوء الشعب إلى العنف، وتخشى النتائج التي قد تنجم عن هذا الإعصار الجبار،كما حدث في ليبيا مثلا، واليمن.

وقد ظل الوطنيون يخشون فكرة الصدام المسلح مع النظام وأعوانه، واستمر خوفها على الجماهير البريئة، أن تكنسها هذه الريح العاصفة، فما فتئت تقول للنظام ما زلنا قادرين على أن نوقف المذبحة، اذا أنت تواضعت لله قليلا وأدركت أن الشعب يريد إسقاط النظام.

ومن حسن الحظ، أن الجماهير ما تزال تثق بقوتها، وتثق بالشخصيات الوطنية التي تقودها الآن، إلى نعيم الحرية والديمقراطية الحق، ولطالما عرضت على النظام المصالحة من موقع القوة، ونصحته بعدم استخدام العنف، وأخذ العبر مما جرى في تونس وليبيا ومصر واليمن .

لقد دخلت سورية الآن فوضى الحرب الأهلية، وانتهكت فيها كل أشكال حقوق الإنسان، من أجل أن يستمر هذا الرجل الفاشل في الحكم ويحافظ على دولة أبيه. إن سورية الآن تحترق، والشعب السوري يغرق في بحر الدم، وليس في المنظور القريب ما يفيد بنهاية هذه الحرب، بعد أن وصل الرئيس السوري إلى نقطة ألا عودة .

والحل الآن، إما أن يترك الرئيس البلاد ويرحل إلى دولة تقبل به، أو تستمر الحرب ويتحرك الشعب كله لمواجهة النظام بالعنف نفسه، طلقة بطلقة، وصاروخ بصاروخ، ولا ندري كيف يمكن أن ينتهي هذا كله، أو يسارع النظام بإيجاد حل أو تسوية، تقبل بها الجماهير، ولا نحسبها تقبل الآن بأقل من محاكمة النظام ، بعد أن مارس في حقها كل أشكال القتل والتعذيب.

إن كل الأصوات التي تنادي الآن بالتعاون مع النظام، ومنحه فرصة أطول لإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، أصوات غير معتدلة، وهي بالتأكيد منحازة إلى الاستبداد والظلم وقهر الشعوب. لكن وعي الجماهير يكتشف كل يوم، أن هذه الأصوات التي تدعي الوطنية، وتدعي الحفاظ على حياة الشعب من الموت والهلاك، تتواطأ على الشعب مع جلاديه، في مرحلة الانتصار والتخلص من الاستبداد، حتى لكأن مهمتها، هي أن تحول دون انتصار الجماهير، على الرغم من حجم التضحية، وعدد الشهداء الذين سقطوا برصاص جيش النظام وحراسه.

إن إجهاض الثورة في سورية، بتسوية تحقق مصالح النظام في البقاء في السلطة، على حساب الشعب والسيادة الوطنية والديمقراطية الحقيقية، أمر خطير له ما بعده من تصفيات، وإعدامات، ومحاكمات، جرى مثلها كثير، في النظام السوري السابق واللاحق.

فعلى المجتمع الدولي، أن يكف عن مثل هذه الممارسات التي تطيل أمد الحرب، وتزيد في معاناة الشعب السوري المنهك. لا سيما وان معاناته بدأت تنتشر وتعم دول الجوار، ومن المحتمل إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، أن تشهد المنطقة كلها، فوضى ودمارا، بمباركة من الرئيس السوري ونظامه .

=================

مؤتمر وطني لانقاذ سوريا * عبدالمجيد جرادات

الدستور

7-9-2012

تقوم مجموعة من أحزاب المعارضة والفعاليات السياسية السورية بالتحضير لعقد مؤتمر وطني خلال الأسبوع المقبل في العاصمة دمشق بقصد وضع ترتيبات جادة لانقاذ الشعب السوري من محنته، وهنالك من يرى أن هذه الخطوة تأتي في وقتها المناسب، بعد أن أدرك الجميع، بأن التدخلات الخارجية كانت سببا ً مباشرا ًبإذكاء الخلافات الداخلية، وإن الشعب السوري هو المتضرر الوحيد في نهاية المطاف.

في مؤتمر دول عدم الانحياز الذي استضافته الجمهورية الايرانية قبل أيام وشاركت فيه 120 دولة، على مستوى الرؤساء أو وزراء الخارجية، تقرر أن تتشكل لجنة من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وإيران وتركيا، لمتابعة الملف السوري، وفي تلك الأثناء، قررت هيئة الأمم تكليف الدبلوماسي الجزائري العريق “ الأخضر الابراهيمي” بمهمة متابعة ما يدور في سوريا بعد أن تأكد السيد كوفي عنان أن احتمالات الدخول في حوار داخلي بين السوريين أنفسهم ليست واردة، وبالرغم من تتابع المبادرات التي تنطلق من مبدأ الرأفة بالشعب السوري، إلا ّ أن موقف عواصم الغرب والشرق، يبقى متمركزا ً حول حرص كل جهة على حيوية مصالحها المستقبلية، وهذه هي الحقيقة التي نأمل أن يتنبه لها الحكماء في سوريا.

ما نعرفه أن قناعات رموز النخب السورية الذين يعدون لعقد مؤتمرهم الوطني بقصد الخروج من نفق أزمتهم المظلم، قد تبلورت على ضوء الاعتبارات التالية :

أولا ً: تسببت المواجهات الميدانية بين قوات النظام، والمعارضة المسلحة، بوقوع خسائر بشرية جسيمة من الطرفين، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ومنجزات الدولة في معظم المدن والبلدات السورية، وهي معادلة مرعبة، لأن تهدئة الخواطر، وإعادة الاصلاح، بعد أن يشعر حملة البنادق بالتعب والارهاق، تحتاج لفترة طويلة من الزمن، وهذا ما كانت تطمح له الجهات التي يعجبها أن تصبح سوريا دولة منهكة اقتصاديا ومفككة اجتماعيا ً، بعد أن عرفت أن الشعب السوري مكتفٍ بانتاجيته، ومصادر دخله القومي.

ثانيا ً: يتسم الخطاب الإعلامي الذي يصدر من العواصم الأوربية، أو الدول الشرقية، حول المشهد السوري، بنزعة التحريض، أكثر من مبدأ الرغبة بتوخي الدقة التي تعين الشعوب على تحقيق أهدافها المنشودة، ولمن كان يتابع حركة الثورات العربية منذ إنطلاقتها في تونس، يجد أن الضخ الإعلامي في الغرب، يبدأ بتسريبات حول تجميد الأموال المودعة خارج الوطن، والعائدة للرئيس ومن هم حوله، وبعد أيام يقولون انه على الرئيس أن يرحل بعد أن فقد شرعتيه، والنتيجة أن الشعوب المستهدفة، هي التي تدفع الثمن، في حين أن تراكم الأحداث، وتداخل الأدوار، يحول دون معرفة أدق التفاصيل بالنسبة إلى الأموال المنهوبة.

لماذا تأخر المبعوث الأممي الجديد ( الأخضر الابراهيمي) بالمجيء إلى سوريا ؟، وهل سيكون بوسع اللجنة الرباعية المشكلة من دول الاقليم أن تبادر بتوجيه نداء لجميع حملة السلاح في سوريا بقبول هدنة لحين الدخول في تفاصيل الحلول ؟ : ما يهمنا التأكيد عليه بمناسبة الحديث عن المؤتمر الوطني هو : رفع شعار كل السوري على السوري حرام.

=================

من «رباعية مرسي» إلى «ترويكا نجاد» * عريب الرنتاوي

الدستور

7-9-2012

مجموعة الاتصال الرباعية التي اقترح تشكيلها الرئيس المصري محمد مرسي، لن توفر لطهران “البضاعة” المطلوبة...سيما بعد المواقف “الحاسمة” التي أطلقها الرئيس “الإخواني” ضد النظام السوري، ودعواته المتكررة لرئيسه بالرحيل والتنحي...هنا سيجتمع ممثلو القوى الإقليمية الأربع والأكثر نفوذاً...هنا لا “هوامش للمناورة” أمام إيران، ثلاث دول من أصل الدول الأربعة، تلتقي حول “التنحي” و”الرحيل”، وترى بخلاف ما ترى إيران، ترى في دمشق رؤوساً قد أينعت وحان قطافها.

ستستجيب إيران لدعوة مرسي إن وجهت إليها، وستجلس على مائدة “الرباعية الإقليمية” الجديدة، فليس من عادة إيران أن تهرب من مواجهة الأصدقاء والخصوم، ودبلوماسيوها باتوا خبراء وأستاذة في فن إدارة الوقت وتقطيعه، وفي “المفاوضات من أجل المفاوضات”، بدلالة المفاوضات الماراثونية حول برنامجها النووي، التي بدأت منذ سنوات، ولم تصل إلى أية نتيجة بعد.

لكن “الدبلوماسي الإيراني” سيكون أكثر ارتياحاً في مكان آخر....على مائدة “الترويكا” التي تشكلت في أعقاب قمة عدم الإنحياز الأخيرة في طهران، من الرئاسات الثلاثة للحركة: السابقة والحالية واللاحقة، أي من مصر وإيران وفنزويلا، سيكون لإيران صوت أعلى و”أوزن”.

“رباعية” مرسي لن تترك لإيران هوامش مناورة واسعة...السعودية تريد تفكيك محور إيران وهلالها، وفي نفوس قادتها شيء من “أنصاف الرجال”...أردوغان يريد أن يدخل المسجد الأموي كما دخله أسلافه أول مرة، وأن يتلو ورفاق حزبه صلاة الشكر لله على رحيل الأسد ونظامه...أما الدكتور مرسي القادم من رحم الإخوان “المقاتلين” في سوريا، فإنه لن يتردد في القاهرة، في قول أضعاف ما قاله في طهران...إذن، هامش المناورة ضيق، ومساحة الإتفاق محدودة.

“ترويكا” نجاد، توفر مجالاً أرحب لممارسة لعبة الذكاء والإرجاء الإيرانية...هنا ستتبدل المواقع...الدبلوماسي المصري سيواجه نظيرين متفقين ومتحالفين في الحرب ضد الإمبريالية والإستكبار...وهي حرب تقترح لسوريا ونظام الأسد مكاناً محورياً على خطوطها الأولى...بخلاف الحال في “رباعية” مرسي، حيث سيكون الدبلوماسي الإيراني كما “اليتيم على مائدة اللئام”، وبصورة ستذكره حتماً باجتماعات زملاءٍ له مع مجموعة (5 + 1).

من سوء طالع الدبلوماسية الإيرانية، أن “رباعية مرسي”، هي الأفعل في معالجة الملف السوري من “ثلاثية نجاد”..بل يمكن القول أنها الإطار الأكثر ملاءمة وقدرة على معالجة الملف السوري...لا قيمة مضافة يمكن لفنزويلا أن تضفيها على حركة الأزمة السورية وحراكها، سلماً أم حرباً...لا قيمة لهذا الإطار خارج الإطار المعنوي والأخلاقي...وستكتشف طهران أن رئاستها لقمة عدم الإنحياز، لن تزيد أو تُنقص من دورها ونفوذها على الأرض، وأن المسألة برمتها تندرج في سياق “حرب الصورة والعلاقات العامة” لا أكثر ولا أقل.

إيران لا شك تدرك ذلك تمام الإدراك...ربما هي الآن في مرحلة إعادة “تقدير الموقف”...ربما هي بصدد التفكير في إنفاذ “الخطة ب”...فالنظام في دمشق، لم يعد مقبولاً من أحد، واستمرار التنطع لحمايته وتعويمه، بات حملاً ثقيلاً على الدبلوماسية الإيرانية، التي لن تمانع أبداً في “التخفف” منه، وإلقائه عن كاهلها، إن توفرت لها بدائل تحفظ لها “حداً أدنى” من مصالحها في المنطقة.

هنا، تكتسب تأكيدات مرسي برفض التدخل الأجنبي في سوريا، أهمية خاصة في طهران...هنا يمكن لإيران مع مصر والسعودية وتركيا، البحث عن صيغة تحفظ “الأسدية من دون الأسد”...أليست هذه هي مضامين المبادرة الخليجية في اليمن التي يُراد إعادة إنتاجها سوريا ؟!

خيار كهذا، في حال تم بناء التوافق الإقليمي عليه وحوله، يمكن أن يسوق دولياً بسهولة ويسر...روسيا ستحذوا حذو إيران في البحث عمن يُبقي لها “حداً أدنى” من مصالحها في سوريا وأكنافها...الصين لن تشذ عن قاعدة التوافق، والغرب القلق من أسلحة سوريا وأصولييها وشرارات حريقها الذي طال واستطال، يمكنه العيش مع صيغة كهذه.

“رباعية” مرسي يمكن أن توفر الحل الذي أخفق مجلس الأمن في توفيره، إن توفرت “النوايا والإرادات” الإقليمية لذلك...لكن مشكلة “الرباعية الإقليمية”، كما “الخُماسية الدولية”، دائمة العضوية في مجلس الأمن، تكمن في اصطدام المصالح وتضاربها..في صراعات الأدوار، المعلنة والمضمرة بين أعضائها، ما يعني أن الوقت ما زال مبكراً للتفاؤل.

=================

صور المثقف في مرايا الانتفاضة

موسى برهومة *

الجمعة ٧ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

ما من قضية شطرت الثقافة العربية المعاصرة كالانتفاضة السورية التي طرحت للمرة الأولى، بهذه القوة والاندفاعة، مسألة الضمير الإنساني، وجعلتها في صلب عملية التمييز بين عضوية المثقف وجوهريته، وبين زيفه وبراغماتيته وتعدد أقنعته.

الانتفاضة السورية أضفت غلالات كثيفة على بؤرة شديدة الحساسية في عصب المثقف العربي الذي أضحى يحشد ما تيسر من أدوات التبرير لتظهير موقفه سواء كان مؤازراً للثورة، ومتضامناً مع عذابات البشر الذاهبين إلى حتفهم على مذبح الحرية والكرامة، أو كان مقتنعاً بفكرة «المقاومة والممانعة» وأن ما يجري في سورية إنما هو «مؤامرة كونية»، هدفها «تفكيك دول المنطقة لمصلحة الحلف الأميركي الإسرائيلي الناتوي».

وبعيداً من كون بشار الأسد قد ارتكب بحق شعبه فظائع أين منها ما فعله البرابرة الهمجيون في سالف التاريخ، فإن لمقاربة الحالة السورية الدامية وجوهاً متعددة تنعكس في مرايا المثقف، وتتجلى في اصطفافاته. ولأن صور المثقف، عموماً، تكشف عن ذلك الفرد الريادي المؤثر في محيطه، والخلاق في مضماره، والقائد الموجّه حين يكون منخرطاً في عمل مطلبي، فإن ذلك يقتضي أن ينحاز إلى الفكرة البسيطة التي تتأسس على موضوعة الناس/ البشر/ الجماهير/ المجاميع/ الكائنات الآدمية... ولما كانت هذه المجاميع البشرية هي وقود الحرب الدائرة في سورية، ولما كان ما يجري مع هؤلاء البشر يقذف بهم رجالاً ونساء وأطفالاً وشيوخاً وجرحى ومعتقلين وضحايا إلى منافي التيه والضياع والتمزق، فإن آلة المثقف يجب أن تستيقظ لتتنبه إلى فظاعة ما يجري، ولترصد آلام المعذبين الذين لم يفعلوا شيئاً ليستحقوا عليه هذا المصير المؤلم. وإذا ما بلغ عدد هؤلاء مئات الآلاف، فإن على الآلة أن تسارع إلى التقاط اللحظة المنكسرة، وترميمها حتى تتضح الصورة، ويكتمل معمار الفكرة؛ فكرة القتل، ونسف البيوت الآمنة، ودكّ المساجد والمشافي بالمدافع، وقصف الأحياء والعمارات والأزقة بالطائرات، واقتلاع حنجرة المغني، وتكسير أصابع الرسام، وقتل التشكيلي، وتفجير رأس المخرج السينمائي، ومطاردة لاعب كرة القدم.

إن من الضروري تجميع قطع الفسيفساء هذه لتتضح الصورة أكثر. أليست هذه إحدى وظائف المثقف وانشغالاته؟

أما من يتلهى عن هذه الوظيفة، ويستعيض عنها بمناكفة الوقائع والاحداثيات ومعاندة اللحظة التاريخية، والتقنّع وراء شعارات بلهاء، فإنه يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية، وعن دوره الطليعي، وعن مهمته النقدية. ليس مثقفاً أبداً ذلك الذي لا تهز ضميره الإنساني الصور المروّعة والحكايات الفظيعة والمآلات الجهنمية لشعب يُقتلع من أرضه وتاريخه وماضيه لمصلحة ديكتاتور يقود عصابات تقتل الأبرياء وتقطّع أوصالهم، وتغتصب الأبكار أمام مرأى أمهاتهن، وتحز أعناق الأطفال بسكاكين صدئة من الوريد إلى الوريد. المثقف بطبيعته منحاز لأنّات المستضعفين، واستغاثات الملهوفين. أما إن تغافل عن ذلك، وانحاز إلى مصالحه مع النظام وتحالفاته وامتداداته وشعاراته، فإنه يخون وعيه، ويجعل كلماته، وأفعاله، وماضيه، ومكابداته مع عسف السلطات، كلها في حيّز الماضي، وفي أسر المتحف.

الذي يحرر المثقف ويعيده إلى صوابه هو انحيازه الى تلك الصرخات التي تمزق قلوب الصخور. وبهذا الانحياز تتحقق كينونته، ويتجذّر مشروعه الأخلاقي.

=================

إنهم لا يصدقون أنفسهم

الجمعة ٧ سبتمبر ٢٠١٢

وليد شقير

الحياة

يُتخَم الخطاب المدافع عن النظام السوري بالحديث عن مواجهة المشروع الأميركي - الإسرائيلي في معرض شرح وقوف أصحابه الى جانب النظام السوري وتبرير تجاهلهم المجازر التي يرتكبها والفظاعات التي يسببها. ويتكاثر في المقابل التذمر والاتهام للإدارة الأميركية بترك الثوار السوريين لمصيرهم في مواجهة النظام وعدم مبادرة واشنطن الى التدخل في سورية لإسقاط بشار الأسد أسوة بما فعلته في ليبيا.

إلا أن الخطابين يناقضان الواقع المعروف الذي لا حاجة الى كبير عناء لاكتشافه. فالسياسة الأميركية الخارجية تمليها حال الغيبوبة التي دخلتها واشنطن بفعل الحملة الانتخابية الرئاسية. هذا بالمعنى الآني. إلا أن هاتين القراءتين تجانبان واقع التغييرات في السياسة الخارجية الأميركية حيال المنطقة التي تقلّص درجة اكتراثها بها، وتحيلها الى مرتبة دنيا من سلم أولوياتها الدولية.

وكل من الخطابين لا يريد أن يصدق أن الولايات المتحدة تنكفئ عن المنطقة لأسباب عدة بينها النقلة الاستراتيجية التي قررتها واشنطن بتوجيه اهتمامها الى المحيط الهادئ بهدف منافسة الصين على النفوذ في الدول المحيطة بها، وتقاسم خيرات هذا النفوذ معها، إضافة الى إخفاقاتها الكبرى في العراق وأفغانستان وفلسطين. وهذا أمر يتعدى موضوع الانتخابات الرئاسية في عمقه واستراتيجيته.

الخطاب الأول، خطاب الممانعة والتصدي الذي ينسب كل شيء الى المخطط الأميركي - الإسرائيلي، لا يصدق أصحابه أنفسهم حتى أنهم هزموا السياسة الأميركية في العراق ولبنان وغزة، ويعتقدون بأن عصراً آخر بدأ. والخطاب الآخر الذي ينسب التلكؤ الأميركي الى التآمر على الشعب السوري بالتعاون مع إسرائيل لأن مصلحة واشنطن تقضي ببقاء نظام الأسد، لا يريد أن يصدق أصحابه أن انتفاضة الشعب السوري، وقبله شعوب تونس ومصر وليبيا واليمن، حصلت على رغم الدعم والتفويض الأميركيين والغربيين لنظام الأسد والأنظمة الأخرى على مدى عقود وأن ثورة الناس للكرامة هي التي غيّرت في الموقف الدولي وفرضت التغيير. كما أن هؤلاء لا يريدون أن يصدقوا أن تراجع الدور الأميركي يفترض أن تحل مكانه معادلة إقليمية جديدة، لشعوب المنطقة دور أساسي فيها، طالما أن هذه الشعوب انقلبت على حكامها الذين كانوا يحظون بالدعم الخارجي، وأن هذه المعادلة هي التي يفترض أن تتحكم بشؤون الإقليم ومشاكله، من نوع عودة مصر الى ممارسة ثقلها التاريخي في إدارة شؤون المنطقة. أصحاب هذا الخطاب أيضاً لا يصدقون أنفسهم وأنهم ثاروا على الاستبداد والطغيان بقواهم الذاتية ومن دون دعم، لا الولايات المتحدة ولا غيرها، وأن هذا يرتب نوعاً جديداً من العلاقة مع الدول الكبرى، ودورها في صوغ مستقبل المنطقة.

وواقع الأمر أن الإدارة الأميركية منكفئة الى أزمة الاقتصاد، الى درجة أن ما يعيبه البعض عليها لعدم تجرؤها على إطاحة الأسد، يعتبره البعض في واشنطن، حكمة عالية، خصوصاً أن بعض العسكريين هناك يعتقدون أن الرئيس الأميركي الذي يقرر الذهاب الى الحرب "وجب عرضه على الطبيب لفحصه".

ينحصر الاهتمام الأميركي بسورية من زاوية إشغال إيران، صاحبة النفوذ الأقوى في بلاد الشام بالأزمة السورية نظراً الى أنها تهتم بإضعاف التأثير الإيراني في المنطقة أكثر من أي شيء آخر، بعد أولوياتها الداخلية ونقلها اهتماماتها الخارجية من الشرق الأوسط الى المحيط الهادئ. وهي لذلك تترك للأزمة أن تأخذ مداها مع حرصها على مجموعة "توصيات" تشكل بالنسبة إليها ضوابط لتطورات الصراع الدائر في سورية: حفظ الأقليتين العلوية والمسيحية لأن هذا يساعد في إعادة تركيب المجتمع السوري بعد التغيير في النظام، عدم تفكيك مؤسسة الجيش السوري تجنباً لتجربة فرط الجيش العراقي التي كلفت الكثير بعد غزو العراق، الحؤول دون تمركز تنظيم "القاعدة" في سورية، وإيجاد الآليات التي تسمح بالتحكم بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي لدى الجيش السوري، بحيث لا تُستخدم ولا تنتقل الى أيدي "حزب الله"، أو متطرفين إسلاميين، وأخيراً دعوة المعارضة الى التوحّد سواء في تشكيلاتها السياسية أم العسكرية. وفي كل ذلك تعتمد واشنطن على الدول النافذة إقليمياً، في انتظار أن تعدّل روسيا موقفها حيال النظام وتلعب دوراً في تغييره.

الدور الأميركي في سورية أقرب الى الاستقالة منه الى الانخراط في الأزمة، حتى إشعار آخر. ولذلك فإن تصوير الأمر على أن ما يحصل هو مواجهة مع المخطط الأميركي فيها، هو تضخيم وتهويل يهدف الى تغطية موقف يتماهى مع النظام السوري ضد شعبه، لأن سقوطه يضعف موقع إيران التفاوضي مع واشنطن.

=================

الثورة السورية: «الخير والشرّ» أم «المع والضد»؟

سامر فرنجية *

الجمعة ٧ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

بين تحرير فرنسا من الاحتلال النازي وصعود محاكم رسمية لمقاضاة عملاء نظام فيشي، مرّت فترة زمنية قصيرة قُتل خلالها آلاف العملاء وتمّ الاعتداء على حوالى عشرين ألف امرأة من جانب مقاومين ومنتقمين. هذا القتل والقمع الشعبي والعشوائي لم يتوقف إلاّ مع بروز محاكم رسمية أخذت على عاتقها عملية التطهير الإداري والسياسي، وشكّل نقطة سوداء في سجلّ المقاومة الفرنسية وأساطيرها. والحال أن تلك الممارسات كانت بربرية وغير أخلاقية، سقط ضحاياها بالآلاف، بعضهم لمجردّ الاشتباه بعمالتهم. غير أنها مع كل قذارتها، لم تُسقط تلك المرحلة السوداء أخلاقية المقاومة الفرنسية. فهذه «الفوضى من الشجاعة» كما سمّاها أندريه مالرو، وهي أحقّية معركة التحرير من النازيين أو شرعية الدولة الجديدة المنبثقة جزئياً من تلك الممارسات والأساطير.

تُظهر التجربة الفرنسية التباس علاقة الأخلاق بالسياسة وتعقيدها. وتلك التجربة ليست معزولة. فوراء كل أمّة أو دولة أو مؤسسة أو هوية، ممارسات تفتقر الى الحد الأدنى من الأخلاق، تجعل ميزان «الخير والشرّ» غير قادر على التقاط دلالات الحدث التاريخي. هذا لا يعني نفياً لأية علاقة بين السياسة والأخلاق، ولكنه يعارض مبدأ استنتاج الواحد من الآخر، وكأن التاريخ مجرّد ثنائيات أخلاقية تتصارع.

الكلام عن علاقة الأخلاق بالسياسة فرضته الحملة «الأخلاقوية» التي أُطلقت منذ فترة ضد الثورة السورية. فمع ازدياد الأخبار عن انتهاكات بعض الثوار وجرائمهم، قامت حملة نقد للحراك السوري، أرادت أن تتحرر من ثنائية «المع والضد» القامعة للنقد، لاستبدالها بثنائيات أخلاقية، كتلك القائمة على «الخير والشرّ». ومفاد تلك الحملة أنه مع كل سقوط أخلاقي للثورة، يتضاءل الفارق بين النظام والمعارضة، ليصبح من المستحيل التمييز بينهما. هكذا بدأ يتحجج بعض المحرجين من الثورة (وبعض فاقدي الشجاعة في موقفهم الداعم لبشار الأسد) بهذا التراجع الأخلاقي لإطلاق شعار الضد، أي ضد النظام والمعارضة سويةً.

لكن تلك المقولة، المريحة سياسياً للمحرَجين، غير دقيقة. فلمن تهمّه الأخلاق، لا بد من اتباع معيار واضح (إن وُجد)، يمكن من خلاله معايرة الواقع. فإذا لم يعد ممكناً إنكار جرائم بعض الثوار، فهذا لا يبرر إطلاقاً معاملتهم كمرادف أخلاقي للنظام الذي يتبع عملية إبادة منهجية لشعبه. كما أن من يريد اتباع هذا المنطق الأخلاقي، لا بد من أن يعيد معاينة أكثرية التجارب التاريخية، لكي يستنتج أن لا فارق بين مقاوم ومحتل، معارض وسلطة، ضحية وجلاد. فمن هذا المنطلق، لن تنجو أية حركة تحرر وطني، أكانت فلسطينية أم عربية أو عالمثالثية، من هذا النقد. والغريب هنا، أن جماعة المحرجين الممانعين، أيتام فرانز فانون ومقدمات سارتر العنفية، لم يطبّقوا معاييرهم الأخلاقية إلاّ على خصومهم، وكأنهم يعترفون بقصورهم الأخلاقي وتفوّق الخصم على هذا الصعيد، أكان إسرائيلياً أم أميركياً أم غربياً.

استثناء الأخلاقويين الجدد من النقاش لن يلغي المعضلة الأخلاقية التي أبرزتها الممارسات الشنيعة لبعض الثوار. غير أن طرح تلك المعضلة يحتاج إلى تحديد هوية الفاعل الذي يمكن تحميله مسؤولية تلك الارتكابات الأخلاقية. فالثورة ليست فاعلا موحَّداً يمكن شجبه أو إدانته، بل هي عنوان فضفاض أعطي لتحرك واسع لا توحِّده إلاّ معارضته للطاغية. ذاك أنه في مقابل كل تجاوز طائفي أو جريمة شنيعة، هناك آلاف صرخات «سلمية» تُطلق ومقاومات سلمية تُمارس وغرائز تُقمع. فاللجوء إلى التحليل الكمّي لن يفيد هنا... فالثورة سلمية وعنفية، شجاعة ومجرمة، طامحة للحرية وللقمع المذهبي. الثورة، كما كتب ياسين الحاج الصالح، «عملية حية»، وما لا يُحتمل هو «نقل أخلاق جاهزة (ووعي جاهز) إلى ثورة يفترض أنها مجردة منهما» أو «الاكتفاء الفكري والأخلاقي للثورة، والموقفان أقرب إلى بعضهما بعضاً مما يبدو». هذا ليس للقول إن حيوية الثورة تعفيها من المحاسبة الأخلاقية، بل العكس تماماً، وهو أن المحاسبة الأخلاقية هي في الانخراط في الثورة والعمل لنحتها وتصحيحها وتجديدها. فإذا لم تكن الثورة فاعلاً تمكن محاسبته بتجرّد، كذلك فإن ما يسمّى «الجيش السوري الحر» فاقد لصفة الفاعل، كما كتب حازم الأمين. فالكلام عن مسؤولية الجيش الحر «نقاش من خارج سورية، يُخترع فيه هذا الجيش وتُرسم صور له وتُحدد وظائف افتراضية لـ «كتائبه». يُقال مثلاً إن «الجيش الحر فعل ذلك»، فيتصور المرء جيشاً وقيادة وقراراً، وهذا ليس حقيقة ما يجري.

والحال ان أول ما أصاب هذا الجيش هو اسمه!». وهذا التوضيح لحقيقة الجيش الحر لا يعني إعفاءه من مسؤولياته تجاه ارتكابات بعض عناصره، بل بالعكس، دفعه لتحمّل عبء أفعاله ولتحوله جيشاً يمكن أن يحاسب أخلاقياً.

من خلال سحب صفة الفاعل عن الثورة أو الجيش السوري الحر، أعاد الكاتبان موضعة النقاش من مجرّد معاينة أخلاقية باردة إلى مسألة سياسية تواجه الثوار قبل خصومهم المحرجين. فبدل السؤال المبتذل عن أخلاق الثورة، وهو سؤال مجرّد لن ينجو من تشكيكه أي عمل سياسي مهما كان نبيلاً، يجب طرح السؤال عن منطلق المعاينة الأخلاقية هذه. فلتلك المحاسبة الأخلاقية منطلقان، يعيدان توكيد أولوية «المع والضد» على «الخير والشر». المنطلق الأول هو حاضر الثورة، وينطلق همّه الأخلاقي من داخل المعترك، ليواجه معضلاته كتحدّيات سياسية تُحلّ بالممارسة وليس من خلال التنظير. بلغة أخرى، ثنائية «الخير والشرّ» ليست بديلة عن تلك القائمة على «المع والضد»، بل مضمونها. فالأخلاق هي في الممارسة السياسية، وليس في المحاكمة المجرّدة من أي انتماء.

أما المنطلق الثاني لمعاينة الثورة، فهو في المستقبل. بهذا المعنى، مستقبل سورية هو ما سيقرر ما إذا كان سقوط هذا الكمّ من الضحايا من جميع الأطراف، مدخلاً الى سورية ديموقراطية ومستقرة أو قتلاً عبثياً لا يولّد إلاّ قتلاً إضافياً. قد يبدو هذا الكلام ماكيافيلياً في برودته، وتلويناً على المقولة المبتذلة من أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. غير أنه عكس ذلك، فهو تراجيدي في اعترافه بالواقع الذي لم تعد توجد أساطير لستره. فالحراك الحالي واقع بين أسطورة الثورة، التي سقطت مع مرور الزمان، وأسطورة الدولة التي تبرّر ماضيها بمستقبلها، والتي لم تولد بعد. الثورة «ما وراء الخير والشر» تنتظر مستقبلها لتحديد أخلاقيتها. فلا معنى للكلام عن أخلاقية الثورة السورية من جانب من لا يشاركها المصير واليوميات والمآسي.

إن أخلاقية الثورة هي نوع المستقبل الذي يُبنى اليوم في المعترك الثوري من جانب مناضلين يضحّون بحياتهم من أجل غد أقلّ بؤساً. ومعاينة الثورة المجردّة كلام فارغ، يشبه من يناطح التاريخ من مكان بعيد، وبدل ثنائية «الخير والشر» الأخلاقية، يجب التمسّك بالثنائية النضالية والنقدية القائمة على «المع والضد». وهذا ليس منعاً للنقد، بل تسييس له لإعطائه بعض المعنى وتحريره من جيوش النقاد الأخلاقويين.

=================

لا تنفخوا في دفاعات بشار.. وخذوا الحقائق

وفيق السامرائي

الشرق الاوسط

7-9-2012

قرأنا وسمعنا ما كرره عسكريون أميركيون عن تعقيدات فرض حظر جوي، لمساعدة الثوار في حماية المدنيين من نيران قوات السلطة في دمشق، ولم يثبت ما يدفع إلى القناعة بكلمة واحدة من كل ما تحججوا به من الناحية العسكرية. وقد لا يختلف في الرأي المخالف للادعاءات معظم القادة والمحللين العسكريين. فعن أي دفاع جوي سوري قوي ومتطور يتحدثون؟ وماذا بقي لجيش السلطة مما يمكنه من تهديد إجراءات أممية أو قوات تحالف قوي تريد استعادة السلام الإقليمي؟

الدفاع الجوي في سوريا ليس أكثر قوة وتقدما من الدفاع الجوي العراقي، الذي لم يسقط سوى طائرة هليكوبتر واحدة عام 2003، وليس أكثر تقدما من الدفاع الجوي اليوغوسلافي، الذي لم يسقط طائرة واحدة في حرب وقف المجازر الحكومية. وأين كان الدفاع الجوي السوري عندما دمر الطيران الإسرائيلي مفاعل دير الزور عام 2007؟ وهل نسي العسكريون الأميركيون المعارك الجوية في سماء لبنان قبل ثلاثين عاما، التي خسر فيها الطيران السوري أكثر من ثمانين طائرة مقاتلة ونحو عشرين قاعدة صواريخ أرض - جو؟!

أما ما روج عن إسقاط طائرة الاستطلاع التركية، فالحقيقة التي لم تذكر هي أن هذه الطائرة من جيل الستينات والسبعينات، ولا تعد من الطائرات الحديثة حتى لو أدخلت عليها تحسينات، وموجود مثلها في القوة الجوية الإيرانية منذ بدايات السبعينات. فضلا عن أنها كانت في مهمة تدريب روتينية، ولا اختلاف حتى لو كانت في مهمة استطلاع، ونصب لها كمين في حافات الأراضي السورية. ولم تعد الكمائن الأرضية بصواريخ مضادة للجو ممكنة كما كانت قبل بضعة أشهر، بعد أن تم تحرير مساحات شاسعة من الأراضي السورية.

نعم القوات السورية صرف عليها الكثير من أجل حماية النظام، غير أن المعادلات تغيرت، بعد اشتعال ثورة الشعب، وانشقاق وتمرد عشرات آلاف الجنود، وربما وصل عدد الضباط المنشقين للآلاف. ولو كانت القوات البرية محافظة على قدراتها لما فقدت المبادرة على الأرض، ولما تحولت إلى قصف لا سابق له. ولم يعد أحد في حاجة لتحليل وتوضيح، فإن أحاديث بشار الأخيرة تدل على الهلع والغوص في التدمير، وليس على الثقة والقوة كما تروج أقلام أجيرة ومحللون جهلة. غير أن الموقف مشحون بالمخاطر، في ظل العدوان على الشعب، بإسناد قوى الشر الأحمر والأصفر. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي والصادقون من أصدقاء سوريا، لتعزيز قدرة الدفاع الشعبي، فإن السوريين سيتعرضون لكارثة أكبر، على الرغم من أنهم يحققون انتصارات مستمرة وسينتصرون في النهاية. فالدلائل كلها تشير إلى حصول قوات السلطة على أسلحة جديدة أكثر فتكا، وليست مصنعة محليا. والتحرك الأممي المطلوب لا يعادل إلا نسبة قليلة مما تطلبته عملية إسقاط القذافي. فأم النزهات ستكون في الأجواء السورية، وليس في غيرها، وسيكون في وسع المحللين الفاشلين الصعود إلى طائرة هليكوبتر لمشاهدة الوقائع على الأرض.

مرة أخرى، لا بد من الإشارة إلى عدم واقعية المبالغة في الخوف من سيطرة القوى المتشددة على الثورة، إلا أن التقاعس في مساندة شعب مصمم على نيل حريته قد يدفع أشخاصا إلى قبول العون من أطراف مرفوضة. كما أن رفع شعارات معينة وإطلاق مسميات دينية على بعض التشكيلات القتالية ليسا بعيدين عن ثقافة الشعوب. ففي المحن والأزمات يلجأ الناس والمستضعفون منهم خصوصا، إلى الجانب الديني. فحتى الملحدون ينسون أنفسهم ويصيحون في حالات الفزع والخوف والصدمة وأحيانا الفرحة «يا الله»، أو «يا الهي»، أو «يا ربي»، وهذا ليس تبسيطا سطحيا للوقائع. فقد تعرفت على ثقافة الشعب السوري وحضارته خلال سنتين عشتهما هناك. وإذا ما انزلق السوريون إلى التطرف لا سمح الله، فسيكون التخاذل والتقاعس والتآمر سببا كبيرا في ذلك.

إن ما يجري ليس حرب تحرير، بل حرب إبادة يشنها نظام دموي، وإذا كانت أميركا خائفة من التورط، فإن الوضع لا يتطلب جنديا أميركيا واحدا. فالمطلوب هو حظر جوي يمكن فرضه تدريجيا في المساحات المحررة، أو تزويد كتائب ثورية محددة بالأسماء - مؤلفة من العسكريين المنشقين حصرا - بقاذفات صواريخ واستعمالها في كمائن أرض - جو متقدمة، وسيرى المحللون بأمهات عيونهم ما سيحدث من إيجابيات سريعة.

=================

تركيا نجم وحيد في سماء سوريا

مصطفى أكيول

الشرق الاوسط

7-9-2012

بينما أكتب هذا المقال تكون أعداد اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى تركيا قد تجاوزت 80 ألفا ويتوقع وصول المزيد يوميا. وتنقل وسائل الإعلام بشكل متكرر الاضطرابات بين هؤلاء الضيوف، الذين يعيش بعضهم في مخيمات اللاجئين منذ أكثر من عام، وبعض السكان المحليين. في هذه الأثناء، يدين النظام السوري، الذي كان صديقا في السابق لأنقرة، الآن ما تفعله تركيا، واصفا إياه بدعم الإرهاب، في الوقت الذي ترسل فيه إيران، خير صديق لذلك النظام الدموي، تهديدات غير مباشرة لتركيا. أضف إلى ذلك ما يقوم به حزب العمال الكردستاني، من الهجوم على أهداف تركية جديدة كل يوم تقريبا، بمساعدة محتملة من الاستخبارات السورية والإيرانية.

خلاصة القول إن الحكومة التركية تواجه معضلة كبرى هذه الأيام في ما يتعلق بسوريا، فنظام بشار الأسد الوحشي، وزبانيته من الشبيحة أثبت أنه قادر على الاحتمال أكثر مما توقعت أنقرة. ومن ثم تبين أن الدعم التركي للمعارضة السورية، بما في ذلك الجيش السوري الحر، كان مكلفا لتركيا إلى حد بعيد.

ربما كان ذلك سببا في الانتقادات الواضحة التي وجهها خبراء السياسة الخارجية للحكومة التركية، وبخاصة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، هذه الأيام، الذي اتهم «بحبه للمغامرة» وتوريط البلاد في مشكلات هي في غنى عنها. أكد البعض منهم أنه ما كان لتركيا أن تزج بنفسها للتدخل في شؤون الدول الأخرى. حتى إنهم عبروا عن سعادتهم عندما لم تجدِ مناشدة داود أوغلو الأخيرة في مجلس الأمن لإنشاء منطقة عازلة محمية جنوب الحدود التركية - السورية.

بيد أنني أختلف مع هذا التوجه كلية، واتفق معهم في نقطة واحدة فقط وهي أن الحكومة التركية تواجه مأزقا بالغ الصعوبة إزاء الوضع السوري الآن. لكني أعتقد أيضا أن تركيا تقوم بالأمر الصائب، الذي هو بالنسبة لي أهم من الحصول على المكاسب.

كانت تركيا تقوم بواجبها تجاه الثورة السورية في إحدى المراحل الرئيسية من الصحوة العربية، التي بدأت في تونس ثم انتقلت إلى مصر وبعدها إلى ليبيا. سقط الديكتاتوريون الذين جثموا على صدور هذه البلاد طويلا واحدا تلو آخر، وبدأت العمليات الديمقراطية في كل منها. كان ذلك أفضل ما حدث للشرق الأوسط خلال ما لا يقل عن قرن، واتخذت الحكومة التركية الجانب الصائب للتاريخ بدعمها الشعوب، لا الحكام الطغاة العرب.

النموذج ذاته تكرر في سوريا، والاختلاف الوحيد هو أن النظام السوري أكثر تعطشا للدماء من الأنظمة الأخرى التي سقطت، ولديه الكثير من الأصدقاء المنافقين (مثل إيران وروسيا) الذين يريدون استمرار هذا النظام، في تجاهل تام لأرواح الأبرياء. علاوة على ذلك، لا يوجد ما قد يدفع الغرب، الذي دعم - على أقصى تقدير - الصحوة العربية بفتور، للتدخل في الصراع كما فعل في ليبيا التي يسهل قيادتها (والغنية بالنفط).

لهذا السبب، تبدو تركيا الآن أشبه بنجم وحيد في سماء المجتمع الدولي في دعمها الثابت للثورة السورية. (هناك بطبيعة الحال المملكة العربية السعودية وقطر، لكنهما تعملان في إطار مختلف). وبوصفي تركيا، أرى هذا سببا لعدم إدانة حكومتي، بل الفخر بدورها في العالم.

وختاما، حتى أولئك الأتراك الذين يهتمون فقط بالفوز في السياسة الخارجية - وإن تناقضت مع القيام بما هو صواب - أحمل لهم خبرا سارا وهو أن نظام الأسد سيسقط آجلا أو عاجلا، وحينئذ ستكون سوريا الناشئة الحرة والديمقراطية صديقا قويا لتركيا، التي على الرغم من كل الضغوط التي تواجهها هذه الأيام، لا تزال تثبت أنها صديق للشعب السوري.

* بالاتفاق مع صحيفة «حرييت ديلي نيوز» التركية

=======================

إلى "العالم".. السوريون ملوا "الكلام"

2012-09-06 12:00 AM

الوطن السعودية

منذ اشتداد الأزمة في بلدهم، والسوريون لا تنفك أسماعهم عن سماع التصريحات، التي تعبر عن الاستياء والاستنكار لما يتعرضون له من مذابح ومجازر يومية، أحسنها حالا تلك التي تخرج بحصيلة يومية لا تتجاوز الـ100 قتيل، في وقت يتجاوز فيه عدد القتلى في بعض الأيام حاجز الـ250 قتيلا.

يوم أمس، لم يكن مختلفا عن الأيام التي مضت على السوريين ميدانيا، عدا أنه أسهم في فضح جرائم نظام الأسد، وذلك بعد روايات أهالي حلب عن منع قوات النظام لسيارات الإطفاء من إخماد حريق شب بفعل واحدة من الأفعال الجرمية التي ارتكبها النظام، وكأنه في ذلك يريد إحراق المدينة بمن فيها.

ومع استمرار التطور الميداني للأزمة، يستمر الساسة في إطلاق الخطب والتصريحات "الكلامية"، فالرئيس المصري محمد مرسي، قال من على منبر الجامعة العربية إن "نظام الأسد لن يدوم طويلا"، فيما اتهم رجب طيب إردوغان، في الاجتماع العام لحزب العدالة والتنمية نظام الأسد بأنه تحول لـ"دولة إرهابية"، وقبلهما كان الموفد الجديد للأزمة السورية الأخضر الإبراهيمي ـ الذي يرى أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون أن "مهمته شاقة ولكنها غير مستحيلة" ـ قد قال "إن حصيلة الخسائر البشرية في سورية "هائلة" والدمار وصل إلى نسب كارثية، والآلام كبيرة جدا".

مجمل التصريحات السابقة، رغم أهميتها لتقوية الموقف الدولي ضد الأسد، إلا أنها عمليا غير مفيدة للسوريين، الذين يرزحون تحت وطأة القتل والتشريد والتجويع كل يوم، بل كل ساعة، فلا هي التي ستجنبهم مدافع الطائرات ولا طلقات الرشاشات.

الوضع في سورية اليوم، لا يحتاج للأقوال بقدر الأفعال.. فالأزمة أكبر من أن تحتويها أروقة السياسة العالمية في ظل تعنت كل من موسكو وبكين، ومن خلفهما طهران ووكلاء الأخيرة في كل من العراق ولبنان في دعم نظام الأسد، دون اكتراث بما تقوم به قوات هذا الأخير بحق الشعب السوري الأعزل، ولعل الخطوة التي أعلن عنها قائد المجلس العسكري الأعلى في الجيش السوري الحر العميد الركن مصطفى الشيخ، من إعادة هيكلة الجيش لضمان توحيد العمل على الأرض، تكون كافية لأن يقتنع المجتمع الدولي بدعم "المعارضة المسلحة" بعد تصفيتها من الميليشيات التي تسعى لتشويهها، وتقف سببا خلف تردد كثير من الدول العظمى بتقديم المساعدة العسكرية اللازمة للإطاحة بالأسد.

=================

رأي الراية..موقف عربي موحد

الراية

6-9-2012

يستحق الشعب السوري بعد نحو عام ونصف العام من ثورته المطالبة بالحرية والديمقراطية والتغيير والتي واجهها النظام السوري بالقمع والقتل موقفًا عربيًا موحدًا يدعم ثورته ومطالبه العادلة ويؤسس لموقف دولي من خلال مجلس الأمن وبموجب الفصل السابع لوقف العنف والقتل والمجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري بشكل يومي في مختلف المدن والبلدات السورية.

إن الموقف العربي الموحد الذي ظهر خلال اجتماعات مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري بشأن ما يجري في سوريا والقرارات التي اتخذت بهذا الصدد يجب أن تشكل بداية لتحرك عربي فاعل وواسع على المستوى الدولي وعلى مستوى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن للضغط من أجل إنهاء الانقسام الدولي بشأن سوريا وإيجاد توافق دولي يمكن المجلس من اتخاذ قرار ملزم للنظام السوري بوقف العنف والقتل ويسمح للمنظمات الدولية الإنسانية للعمل بدون شروط لإغاثة المدنيين السوريين خاصة النازحين منهم.

إن هدف تحقيق الانتقال السلمي للسلطة في سوريا يجب أن يكون في صلب مهمة المبعوث الخاص المشترك الأخضر الإبراهيمي كما أن الإسراع في تشكيل حكومة انتقالية تتمتع بجميع الصلاحيات وتضم قوى المعارضة داخل وخارج سوريا، والقوى الثورية وعلى رأسها الجيش الحر وسلطة الأمر الواقع الوطنية في سوريا، أصبح قضية ملحة لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها.

الواجب الديني والقومي والأخلاقي يحتم على الدول العربية حكومات وشعوبًا ومنظمات مجتمع مدني أن تقوم بواجبها لنجدة وإغاثة الشعب السوري الذي يستحق من أمته كل الدعم والمساعدة في هذه المحنة التي يمر بها.

إن الدول والحكومات العربية مطالبة بسرعة الوفاء بالتزاماتها المالية في الصندوق الخاص بالإغاثة الإنسانية التابع للجامعة العربية والمخصص للسكان السوريين المتضررين داخل سوريا وفي دول الجوار خاصة مع تواصل لجوء المواطنين السوريين إلى دول الجوار وبأعداد كبيرة بسبب المعارك الشرسة واستخدام النظام للطائرات والأسلحة الثقيلة في قصف المدن والبلدات السورية ما أدى إلى تصاعد أعداد الضحايا بشكل كبير خلال الأسابيع القليلة الماضية.

الموقف العربي الموحد والداعم للشعب السوري ومطالبه العادلة يحمل مجلس الأمن الدولي كجهة يقع على عاتقها مسؤولية حفظ الأمن والسلم الدوليين سرعة التحرك لوقف العنف والقتل واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لإجبار النظام على وقف استخدام الخيار العسكري في حربه ضد الشعب السوري وتقديم كل المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إلى العدالة الدولية.

=================

هل يمكن تقسيم سوريا؟

تاريخ النشر: الخميس 06 سبتمبر 2012

د. وحيد عبد المجيد

الاتحاد

أصبح الحديث عن تقسيم سوريا وإقامة دولة علوية، إذا أيقن نظام بشار الأسد باستحالة استعادة سيطرته على البلاد كاملة، رائجاً في أوساط سياسية وإعلامية عربية ودولية كما لو أنه احتمال راجح. وبين هذا الحديث، وكلام آخر يناقضه ويجزم بعدم إمكان التقسيم تحت أي ظرف، يبدو السؤال عن مستقبل سوريا تائهاً بين تصورين مختلفين ومتعارضين يرى أنصار كل منهما أنه الأكثر صواباً.

ويرتبط هذا السؤال، جغرافياً، بوجود تركز نسبي للطائفة العلوية التي يستند عليها النظام في منطقة الساحل والجبال (جبال العلويين الممتدة من عكار جنوباً إلى طوروس شمالاً) حيث مدن اللاذقية وطرطوس والأرياف والجبال المتاخمة لها، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من هذه الطائفة في ريف حمص وحماة.

كما يقترن السؤال، تاريخياً، بالظلم الذي تعرض له العلويون في مرحلة الحكم العثماني ومحاولة فرنسا إقامة كيان لهم في بداية الانتداب على سوريا عندما منحتهم حكماً ذاتياً عام 1923. لكن للتاريخ أوجهاً عدة في هذه الحالة، كما في كثير من الحالات. فالتاريخ يُنظر إليه عادة من أكثر من زاوية، ويُقرأ ومن ثم يُكتب بأكثر من منهج. والحال أن العلويين لم يكونوا استثناء في الظلم الذي أصابهم تحت الحكم العثماني، لكن نصيبهم من ذلك الظلم الذي طال الجميع تقريباً كان أكبرَ، وارتبط بتهميش استثنائي، ربما لأنهم الأقلية الوحيدة التي لم تحظ بحماية خارجية.

غير أنه إذا كان عدم تمتعهم بأية حماية من دولة أجنبية كبرى جعلهم أكثر تعرضاً للظلم، فقد دفعَ تياراً رئيسياً في أوساطهم إلى تفضيل الاندماج في الكيان السوري ورفضِ النزعةِ الاستقلالية التي حاول الانتداب الفرنسي خلقها لديهم عبر إقامة "حكومة اللاذقية" التي عُرفت باسم "دولة العلويين" عام 1923. ويختلف المؤرخون في دلالة تلك التجربة التاريخية، إذ يعتبرها بعضهم مؤشراً على وجود أساس لدولة علوية بينما يرى آخرون أن قصر الفترة التي استغرقتها (من 1923 إلى 1936) يمكن أن يكون دليلاً على فشلها واضطرار فرنسا للتراجع عنها تحت ضغط التيار الوحدوي في هذه المنطقة. وقد لقي ذلك التيار دعماً قوياً من الرأسمالية الوطنية الناشئة حينئذ في دمشق وحلب والتي كان بعض أقطابها من العلويين.

ويعني ذلك أن التاريخ لا يقدم إجابةً حاسمةً على السؤال عن إمكان إقامة دولة علوية. وقل مثل ذلك عن واقع سوريا اليوم، حيث تختلف التقديرات بشأن قابلية هذا البلد للتقسيم وحول مدى توفّر الشروط الأساسية اللازمة لاستقلال المنطقة المرشحة لأن تكون دولة علوية. فهناك اتجاهان مختلفان، لكل منهما أسانيده. ويستند الاتجاه الذي يرجح إمكان إقامة دولة علوية يتمترس فيها أركان نظام الأسد على ثلاث ركائز أساسية، أولاها وجود أغلبية علوية في منطقة الساحل والجبال على نحو يجعلها ملاذاً لأبناء الطائفة الذين سيفرّون من باقي أنحاء سوريا خوفاً من الانتقام في حال سقوط دمشق بيد "الجيش الحر". والمتوقع، من وجهة النظر هذه، أن يتفاقم تأثير "فزاّعة" الانتقام التي يستخدمها النظام السوري منذ بداية الانتفاضة لضمان ولاء العلويين له.

وثمة ركيزة ثانية للاتجاه الذي يتوقع إمكان تقسيم سوريا، وهي أن المنطقة المرشحة لإقامة دولة علوية ليست جدباء اقتصادياً، بل ثرية زراعياً وقابلة للتطور صناعياً ومفتوحة على العالم عبر مرافئ كبيرة، ومن ثم فهي تمثل قاعدةً معقولةً لمشروع الدولة، خصوصاً في ظل امتلاك أركان النظام الحالي أموالاً طائلةً تكفي للصمود إلى أن يتم إكمال مقومات هذا المشروع، فضلاً عن الدعم القوي الذي يمكن أن تلقاه من روسيا وقاعدتها العسكرية التي ستكون ضمن "حدود" الدولة الجديدة.

وترتبط الركيزة الثالثة التي يقوم عليها سيناريو الدولة العلوية بإمكان حدوث توافق دولي عليه، تكون روسيا طرفاً رئيسياً فيه إذا استحال التوصل إلى حل سياسي أو عسكري للأزمة. فيذهب بعض من يرون الدولة العلوية ممكنةً إلى أن تقسيم سوريا قد يصبح هو "أفضل الممكن" أو "أقل الخيارات سوءاً" إذا تُركت الأزمة لتفاعلاتها الداخلية التي لا يمكن أن تنتج حلاً آخر. وعندئذ يصير هذا التقسيم هو السبيل الوحيد لحقن الدماء المتدفقة بغزارة ولوقف سيولة العنف في إطار "حدود طائفية" قد تجد لها شرعية نتيجة الإنهاك الذي سيصيب الجميع ذات يوم.

غير أن الاتجاه الثاني الذي يستبعد احتمال تقسيم سوريا ويؤكد انعدام أساس لقيام دولة علوية، يستند بدوره على ركائز لا تقل قوةً، بل ربما تزيد إذا أخرجنا احتمال التوافق الدولي على تقسيم اضطراري من دائرة التحليل، لأن هذا الاحتمال هو السند الأقوى لسيناريو التقسيم وإقامة دولة علوية.

ولعل أهم ما يستند عليه الاتجاه الذي يستبعد سيناريو التقسيم هو هشاشة الوضع الاقتصادي في المنطقة المرشحة لإقامة دولة علوية فيها، فقد تراجع النشاط الاقتصادي الرئيسي، وهو الزراعة، نتيجة رداءة السياسات الزراعية في العقدين الأخيرين وارتفاع مستوى التلوث الذي أضر بمساحات هائلة من كروم الزيتون ودفع آلاف الزراعيين إلى سوق العمل اليدوي ضعيف المردود في المدن. ولا توجد في الوقت نفسه صناعة يمكن الاعتماد عليها. فباستثناء معمل أسمنت طرطوس ومحطة بانياس الحرارية، ليست هناك مشاريع صناعية كبيرة أو متوسطة.

كما يجادل المعترضون على سيناريو التقسيم بأن الحديث عن تجانس التكوين الطائفي في هذه المنطقة مبالغ فيه، فطرطوس هي المدينة الوحيدة التي توجد فيها أغلبية علوية، لكنها لا تتجاوز 60 في المائة مقابل 30 للسنة و10 في المئة للمسيحيين. كما أن الأغلبية العلوية في الأرياف والجبال تتخللها أقليات متفاوتة من المسيحيين والسُنة والإسماعيليين.

كما يستند استبعاد سيناريو التقسيم على اعتقاد قوي بأن معظم العلويين في مدن الساحل وأريافه وجباله لن يقبلوه رغم "فزاّعة الانتقام". فلا مصلحة لهم في أن يظلوا أسرى حكم أفقرهم إذا اطمأنوا إلى أن تغييره لن يمثل تهديداً لهم. وفضلاً عن تاريخ الاندماج العلوي في الكيان السوري، لم يستفد معظم العلويين شيئاً من نظام الأسد الأب والابن.

وهكذا تفيد المقارنة بين حجج من يرجحون سيناريو التقسيم ومن يستبعدونه بأن العامل الدولي الإقليمي قد يكون هو العامل المُرجح، لأن المقومات الداخلية لهذا السيناريو تبدو ضعيفة ولا تكفي لحمل مشروع إقامة دولة طائفية بدون توافق بين القوى الأساسية في المنطقة والعالم على أنه لا سبيل آخر لوقف مسلسل العنف وحمامات الدم.

=================

ثورة سوريا ومعيد القريتين!

تركي الدخيل

الرياض

6-9-2012

بعد أن نشبت الحرب الأهلية في لبنان (من 13 أبريل 1975 حتى 13 أكتوبر 1990)، وُصفت بأنها "لوحة سوريالية". لم يعد أحد يميز الذي يجري، ومن يقتل من؟ اختلطت الأمور، بين الفلسطينيين واللبنانيين والتدخل الإسرائيلي، وأصبحت لبنان محطة لأكبر شبكات استخبارات في العالم. كل من أراد أن ينفذ أي عملية يأتي إليها. صارت لبنان، حينذاك، موئلاً لكل العصابات والكوارث المالية والسلوكية. بعد انتهاء الحرب بقي شبح الحرب ماثلاً أمام اللبنانيين. فحتى في العقود التجارية، بات يُنص في عقود البيع والإيجار، على أن حالات الحرب لا تُحمّل المالك أو البائع مسؤولية نشوب حرب!

هذه الحالة من "اللا استقرار"، تسبب النظام السوري في كثير منها، فقد كان حريصاً أن يبقي لبنان ورقةً بيده، لتحسين الشروط في أي صفقة، ليقايض به المجتمع العربي تارة، والمجتمع الغربي تارة أخرى!

وهكذا الحال في الحالة السورية حالياً، فالفلتان الكبير الذي يرعاه النظام السوري بات لوحةً "سوريالية" بين الحروب الداخلية والجزئية بين الطوائف أو بين المختلفين، وبين الحرب الكبيرة بين الثوار وجيش النظام السوري. بين قوات بشار الباغية والطاغية، وبين الجيش الحر الذي هو تشكيل لمجموعة من الفصائل المتوزعة بلا قيادة مركزية مباشرة لها، بل تتخذ من طريقة حرب الشوارع صيغة أساسية لاستنزاف النظام السوري وجيشه الطغياني. المشكلة السورية تجاوزت الحل، فصار الحل مقتصراً على سقوط النظام، وثمن ذلك، دماء الأبرياء من السوريين، وسط فرجة العالم وعدم تدخله الكافي في الأزمة.

الأخضر الإبراهيمي يعرف أنه جاء إلى الحج بعد أن رجع الناس، وهو مثل "معيّد القريتين"، لن ينفق أكثر من المشي وتكاليف الطيران. وقد اعترف بذلك حين قال:" أعلم مدى صعوبة المهمة. وكيف أنها شبه مستحيلة. لا يمكنني القول إنها مستحيلة، بل هي شبه مستحيلة. ونحن لا نفعل الكثير. وهذا في حد ذاته عبء كبير، يقولون فعلاً، الناس يموتون وماذا تفعلون أنتم؟ ونحن لا نفعل الكثير. هذا في حد ذاته عبء كبير، أشعر كأنني أمام جدار من الطوب باحثاً عن شقوق ربما تسفر عن وجود حل. أتولى هذه المهمة وعيناي مفتوحتان مع عدم وجود أي أوهام"!

بآخر السطر، الثورة السورية تجاوزت إرادة الأمم، وأصبحت بيد الثوار، سقوط النظام مقبلٌ لا محالة، لكن المخيف جداً لكل متابع، الثمن الباهض من الدماء لهذا السقوط، والسكوت الدولي عن هذه المجازر الآثمة!

=================

كلمة الرياض

أوهام الحلول لا تسقط دكتاتورية الأسد..

يوسف الكويليت

الرياض

الذين يسيرون بوهم نهاية سلمية للوضع السوري، مرة بدعوة للحوار بين المعارضة والدولة، يتبعها إيقاف لإطلاق النار، إلى إرسال مبعوثين دوليين مدركين أن الفشل هو النتيجة، والتمنع عن التدخل العسكري، أو إيجاد مناطق عازلة، كل هذه الوصفات فقدت قيمتها، لأن حكومة الأسد، أمام التخاذل الدولي تسير باتجاه تدمير سوريا وقتل أهلها، لأن كابوس رؤية النهايات التي رافقت الدكتاتوريات التي أطاح بها ثوار الربيع هاجس الأسد ومن يتحالف معه في الداخل حيث إن ما ينتظر القتلة نفس الجزاء الذي لحق بمن رعوا تلك الحكومات وكرسوا سلطتها..

المتحالفون من الخارج، ربطوا مستقبل سياساتهم في المنطقة بدعم نظام الأسد، إذ بسقوطه ستنتهي فرضيات وجود محاور تواجه الغرب، وهو ما تدرك تبعاته روسيا التي لا تزال تستولد النظام السوفيتي وعقلية الدولة العظمى التي لديها القدرة على كسب الجولة حتى لا تترك المواقع الحساسة ساحة لعب لدول حلف الأطلسي، ومع أن روسيا تعترف أن الأسد ببقائه في الحكم، أو زواله، فهو منته بقوة الضغط الشعبي الذي مهما كانت قدرة النظام، فعلاقته بالوطن انتهت، والذين لا يزالون يتعامدون معه ويناصرونه، يعرفون أيضاً أن القضية وجود وعدم، وحتى الذين لديهم نوايا التخلي عن النظام بقوا خوفاً من تصفية عائلاتهم، لكن ذلك ليس فرضية أزلية طالما النظام هو من يسجل خسائره كل لحظة..

مجلس الجامعة المنعقد بالقاهرة يسجل دعماً معنوياً للشعب السوري، وهو يمثل الآراء لكل دولة والتي لا تلتقي على اتجاه واحد، فهناك من يمتنع عن توضيح موقفه، وآخر يساند النظام، وثالث داعم للثورة بشكل علني، وقد تعودنا على هذه السياسات العربية منذ ما يزيد على نصف قرن حين توزعوا على الدوائر العالمية بين تقدمي ورجعي، واشتراكي ورأسمالي ثم الآن الخلافات تبنى على التضاد بين نظام وآخر، وليس للمصالح التي تربط بلداً بآخر..

الشعب السوري العظيم، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، شهد التهجير والقتل والسجون وكلها معاناة يتفرج عليها العالم ممن يدعي حماية حق الإنسان بالأمن والحرية والعيش الكريم، لكن الرؤية في الداخل تمنح الأمل الكبير رغم جبروت القوة للأسد، فاستدعاء الاحتياطي دلالة أن النظام بدأ يفقد أفراده، بالهروب والعصيان والانشقاق، ورغم وصول الإمدادات العسكرية والبشرية من إيران والعراق، وحزب الله فقد أصبح الجيش الحر، رغم محدودية تسليحه والمساعدات التي تصل إليه، قوة فككت عرى النظام..

التاريخ يعتبر السجل المخيف، وخاصة للدول العربية التي ساندت أو صمتت على جرائم الأسد، وسينصف الداعمين لأنهم انحازوا للشعب كحق طبيعي مدفوعين بعمق الإخاء معه، والقضية هنا لا تتعلق بمذهب أو قومية، أو تحالف تحت مظلة أو دوافع دول خارجية، وإنما الواجب الأخوي، لأنه لا يمكن لمن يعيش المشهد ويرى المناظر المأساوية أن يكون بصف الجلاد، وضد شعبه الذين هم أخوة لحم ودم وتاريخ.

وهم إنقاذ سوريا بدون إجبار الأسد التنازل بالقوة، مجرد حلم يسبح في سراب الحلول، لأن الطاغية لا يهزم إلا بقانون ما يوازيه من قوة، وغير ذلك عبث سياسي وتهريج دبلوماسي..

=================

الإبراهيمي .. مهمة الضحية والجلاد

فهيم الحامد

عكاظ

6-9-2012

لا ندري كيف نقرأ اعتراف الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي والعربي الجديد إلى سورية بصعوبة مهمته التي نعتقد أنها «انتحارية» في إنهاء مأساة الشعب السوري.

فالدبلوماسي الجزائري صاحب التجارب المتعددة والمهمات السياسية المعقدة من لبنان وهايتي وجنوب أفريقيا وصولا إلى أفغانستان والعراق عرف بشخصيته الحازمة، إلا أنه هذه المرة دخل في منطقة حقل ألغام وفي مهمة وصفها بنفسه أنها مستحيلة.

ولأن الحياة كلها آمال فهناك بصيص من الأمل أن يستطيع الإبراهيمي تحقيق بعض الاختراقات في الأزمة السورية وتغيير الصورة النمطية التي رسمها سلفه عنان حول سوداوية المشهد.

ولأن الإبراهيمي يدرك تماما عقلية بشار الابن ولأنه تعامل وبشكل لصيق مع حافظ الأسد (الأب) فإنه قد ينجح في بلورة خطة العمل لحل الأزمة، خصوصا أنه يعي تماما ماذا يمثل له الفشل في هذه المهمة الانتحارية.

وسيكتب لمهمة الإبراهيمي الذي تعاملت معه في ملف أفغانستان النجاح إذا تمكن من تحديد من هو الجلاد ومن هو الضحية في هذه الأزمة، لأن العرب والمجتمع الدولي على السواء لم يعودوا يطيقون ما يجري من قتل وتدمير على الأرض السورية، خاصة مع مرور أكثر من عام ونصف العام للأزمة دون وجود أي أفق للحل.

وسيفشل فشلا ذريعا في حالة دخوله في دوامة وقف إطلاق النار والحوار بين المعارضة والحكومة السورية؛ لأن القضية ستعود حينها إلى المربع صفر .

ويتساءل الجميع ماذا يحمل الإبراهيمي في جولته الأولى الأسبوع المقبل للجامعة العربية ودمشق، وهو يدرك أن الجامعة العربية تعلم من هو الجلاد والضحية منذ انطلاق الثورة السورية، ولكنها لا تعلم ماذا سيقول لنظام الأسد في دمشق.

إن ثمة متغيرات دولية تتقاطع مع مهمة الإبراهيمي، خاصة الموقف الروسي والصيني وهما الدولتين اللتان تحملان مطرقة الفيتو بالإضافة للدعم الإيراني للنظام.

وهناك أيضا تغيير في قواعد اللعبة السياسية، إذ أن الإبراهيمي يلعب هذه المرة في ملعب مختلف عن الملاعب التي دخل في دهاليزها وأروقتها، حيث اختلطت الأوراق السياسية والمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، لذا من الضروري أن يسعى لتحديد أولويات حل الأزمة التي تكمن في رحيل النظام والانخراط في وضع رزنامة التفاوض وهندسة عناصرها والحرص على عدم إعطاء الفرصة للنظام السوري لتعطيل الحل وإعطاء الوعود لإطالة أمد الأزمة .. ربما تكون هذه الرؤية مثالية، لكنها أحد الطرق السليمة للخروج بالحل.

=================

بشار ونصر الله يقاتلان لتقسيم سوريا؟

علي حماده

2012-09-06

النهار

قبل أشهر، وفي اثناء معركة بابا عمرو في حمص، قال احد كبار اصدقاء بشار الاسد في لبنان، ان الاخير يخوض حربه ضد الثورة ليس على قاعدة استعادة سوريا كما كانت في الرابع عشر من آذار ٢٠١١، اي عشية الثورة، وانما على قاعدة الانكفاء الى حدود دويلة علوية مطعمة ببعض الاقليات المسيحية، على ان تمتد حدودها من شمال دمشق لجهة حمص الى حدود لواء الاسكندرون لتشمل شريطا ساحليا جبليا يكون بمثابة طبعة مشابهة لخريطة لبنان جنوبا. اضاف صديق بشار وهو يشرح لمحدثه، ان معركة حمص لا تهدف الى السيطرة عليها بمقدار ما تهدف الى محوها عن الخريطة لفتح معبرين: الاول وهو الاهم نحو البقاع اللبناني من شماله حيث معقل "حزب الله" الذي يعمل بلا كلل على خلق معبر عقاري ديموغرافي وامني منه الى عمق الجنوب عبر البقاعين الاوسط والغربي، حيث عمليات شراء اراض عائدة الى مسيحيين جارية على قدم وساق. اما المعبر الثاني فيمر نحو الشريط الممتد الى الشرق من دمشق وريفها، نزولا الى تخوم محافظة درعا، الامر الذي يوفر مساحة واسعة للتواصل بين الدويلة العلوية ودويلة "حزب الله".

واوضح صديق بشار اللبناني ان النظام في سوريا يعمل على تدمير كل سوريا الواقعة خارج نطاق الدويلة العلوية، ويقوم بتفريغ كل نقاط الوجود الديموغرافي السني الواقعة ضمنها او في محاذاتها لإيجاد منطقة عازلة. اما بالنسبة الى المدن الكبرى، اي دمشق وحلب، فقال الصديق عينه: سيقاتل فيها، ولكنه اذا فقدها سيدمرها ولن تقوم لها قائمة قبل عقود! بالطبع كان الصديق المشار اليه يتحدث الى شخصية سياسية غير مناوئة لبشار، ومن هنا لم يبخل عليه بالشرح المستفيض ليبين له ان ثمة خيارات مفتوحة امام النظام في سوريا مما يؤدي الى اطالة امد الحرب هناك.

في مكان آخر كان احد اركان النظام السابقين في سوريا يقول لاصدقاء لبنانيين التقاهم في اوروبا قبل اشهر عدة، ان بشار ليس صاحب "الخطة باء" وعنوانها الانكفاء الى دويلة علوية متصلة بلبنان الواقع تحت سيطرة ""حزب الله"، بل القيادة الايرانية التي تعمل على خطين الاول: محاولة كسب معركة سوريا باسرها. والثانية: رسم حدود الدويلة العلوية بالدم والنار بحيث تكون جاهزة لاحد احتمالين: إما ضمن صيغة سوريا فيديرالية، وإما مستقلة تماما. وقد حذر الركن السابق في النظام في سوريا محدثيه اللبنانيين مما يحضّر له بشار لمنطقة الشمال اللبناني بالتنسيق الكامل مع "حزب الله" وبعض الاجهزة الامنية اللبنانية العاملة بامرة من "حزب الله"، وهي لا تحتاج الى تعريف. واشار الى ان الساحة التي يعملون على اشعالها لاختراقها وتهجير قسم كبير من سكانها نحو الساحل والجنوب هي عكار انطلاقا من الجهة المحاذية لقضاء الهرمل وصولا الى البحر عبر شريط يمر قرب الحدود الدولية بين لبنان وسوريا! جرى هذا الحديث قبل عامين!

خلاصة الحديثين: بشار الاسد والسيد حسن نصرالله يقاتلان لاقامة الدويلة العلوية. فما مدى صحة هذا الكلام؟

=================

إدارة أميركية - روسية للمذبحة السورية؟

راجح الخوري

2012-09-06

النهار

عندما قال البيت الابيض للوفد الوزاري العربي الذي زار واشنطن بعد اصطدام "مبادرة الجامعة العربية" بالفيتو الروسي ان اميركا لن تتدخل لحل الازمة "فلماذا لا تدعون الروس يشنقون انفسهم بحبال الاسد"، تأكدت النظرية التي طالما اشارت اليها هذه الزاوية، وهي ان لا شيء يوازي التغاضي الاميركي عن المذابح في سوريا إلا الانحياز الروسي الى النظام، وهو ما يجعل من الاثنين شريكين في الازمة الدموية!

الآن بعد مضي تسعة اشهر على هذا الكلام وبعد "الشراكة" الاميركية -الروسية في افشال كوفي انان، بدليل "خلافهما" الشكلي في جنيف على توقيت خروج الأسد من السلطة، بات واضحاً تقريباً ان الحسابات الخلفية الروسية والاميركية تتلاقى ضمناً وربما تتفق على ان ما يجري في سوريا يقع في باب "مصائب قوم عند قوم فوائد"، بمعنى ان استطالة الأزمة سيؤدي الى:

بالنسبة الى اميركا، سينهك النظام وينهار في النهاية وتدمر قاعدة الجسر التي اوصلت نفوذ طهران الى المتوسط، وهذا أمر مفيد يوفر المزيد من الوقت، اولاً لفحص ما ستأتي به رياح "الربيع العربي" وخصوصاً في مصر، وثانياً لأن الادارة الاميركية منغمسة في الانتخابات ولا تستطيع الآن تحمل صورة جندي اميركي او مقاتلة تسقط في سوريا، وثالثاً لأن لا مانع من ان يحصد الروس كراهية العرب والمسلمين من خلال تأييدهم للنظام، ورابعاً لأن في وسع واشنطن بعد الانتخابات ان تدخل على خط الحسم!

اما بالنسبة الى روسيا فقد كان المطلوب اولاً توفير المزيد من الوقت لحليفها الاساسي في المنطقة ليحسم عسكرياً بعدما اقفل الابواب على اي حل سياسي بما يحفظ لها قاعدتها في طرطوس وراداراتها التي ترصد الاميركيين في تركيا وينهض بدورها الاستقطابي.

كما ان استطالة الازمة قد تجعل من سوريا ارضاً للجهاد ومقصداً لعناصر التطرف والارهاب، فما المانع عند موسكو من اتاحة مزيد من الوقت للنظام لتصفية هؤلاء الذين يقرعون ابوابها الخلفية في الشيشان ودول البلقان، وما المانع ايضاً عند واشنطن من ان يتم ذبح هؤلاء على يد نظام يحفر في المحصلة قبره بيده، بينما يتولى الروس حراسته بالفيتو والتسليح ومنع اي تدخل عسكري يساعد في انهاء المشكلة؟

نعم اميركا وروسيا شريكان مضاربان في ادارة المذبحة السورية، ويكفي ان نستمع الى سيرغي لافروف يقول عشية لقائه مع هيلاري كلينتون في فلاديفوستوك: "كل منا يريد ان تصبح سوريا ديموقراطية، لكن واشنطن تريد هذا عبر تنحية الاسد ونحن نريد ترك هذا الامر للسوريين". وهذا الترك لا ينفي قبول موسكو حتمية التنحي، لكن بعد أن ترتوي الارض بأنهر الدماء وتترع سوريا بالكارثة!

=================

أهم خطوة للمعارضة السورية!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

6-9-2012

إذا ثبت فعلاً أن كل المجموعات العسكرية التي إنشقت عن جيش بشار الاسد قد توحدت في إطار واحد هو: «القيادة العامة للجيش الوطني السوري»، التي تضم اللواء الركن محمد حسين الحاج علي قائداً عاماً والعقيد الركن الطيار قاسم سعد الدين من الداخل والعقيد رياض الأسعد واللواء عدنان سلو والعميد الركن مصطفى الشيخ، فإن هذا يعني تطوراً هاماً سيؤدي الى ضبط الأمور في ساحة المواجهة وسيمنع التسربات المتطرفة، التي استغلت حالة «الانفلاش» والفوضى التي أرادها النظام وشجعها وفتح الأبواب أمامها ليثبت صحة إدعائه بأنه يقاتل مجموعات إرهابية، من التأثير على مجريات الأحداث وحرف هذه الثورة العظيمة حقاً عن مسارها.

جاء هذا التطور الهام جداً، الذي يجب الحفاظ عليه وحمايته من اختراقات النظام الاستخبارية، بمباركة عربية وبدعم أميركي وبتوافق فرنسي- تركي كما ذكرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية التي قالت أن 400 ضابط من مختلف الرتب قد اجتمعوا في «أنطلوس» التركية لمدة ثلاثة أيام وأنجزوا هذه الخطوة التي إن هي صمدت فإنها ستصبح محطة رئيسية على صعيد تقريب لحظة الحسم ووضع سوريا على بداية مرحلة واعدة جديدة.

لقد بدأت سوريا، التي بقيت أحداثها إن في التاريخ القديم وإن في التاريخ الجديد تحدد توجهات هذه المنطقة، بالإنزلاق نحو الحرب الأهلية الشاملة كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس الأول وحقيقة أن تبعثر قوى المعارضة وبخاصة الخارجية قد ساعد النظام في دفع الأمور في هذا الإتجاه وبحيث أنه بات من غير الممكن إنكار أن أبشع المجازر التي ارتكبت وبخاصة في مناطق ريف دمشق وفي بعض مناطق حمص وحماة واللاذقية وإدلب أيضاً قد اتخذت طابعاً طائفياً كان لحزب الله اللبناني ولفيلق القدس التابع لحراس الثورة الإيرانية دوراً رئيسياً فيه.

إنه من الطبيعي أن يكون هناك كل هذا التشرذم في البدايات فالثورة السورية تشكلت في الميدان خلال كل هذه الشهور منذ إنطلاق الشرارة الأولى من مدينة درعا الحورانية الباسلة ثم وأن أكثر من أربعين عاماً سحق خلالها هذا النظام المستبد الشعب السوري ودمَّر إرادته السياسية جعل هذه الثورة الفريدة تبدأ وتستمر بدون تنظيم مخطط وموجه وقائد وجعل التشكيلات الوطنية التي يجري الحديث عنها الآن بما في ذلك العسكرية منها، وهي الأساس، تنشأ على أرض المواجهة وأفسح المجال لكل هذه المجموعات الحقيقية والوهمية التي تشكلت واتخذت إسم المعارضة الخارجية.

لكن ومع ذلك فإنه ما كان من المفترض أن يتأخر توحيد التشكيلات والتنظيمات العسكرية، التي ولحسن الحظ كلها كانت تعتبر نفسها «الجيش السوري الحر»، كل هذا الوقت الذي استغله النظام بارتكاب كل هذه المجازر التي بدأت متنقلة وأصبحت شاملة لدفع الأمور نحو الحرب الأهلية بطابع طائفي والذي استخدم كمبرر، إن من قبل بعض العرب وإن من قبل بعض الدول الغربية، لعدم اتخاذ موقف مبكر حاسم كان بالإمكان أن يحول دون وصول الأوضاع الى ما وصلت إليه وكان بالإمكان أن يعجل في إنهيار هذا النظام وتخلي حلفائه عنه وفي مقدمتهم روسيا وجمهورية إيران الخمينية.

والآن وبعد هذه الخطوة الهامة جداً فإن المنتظر أن تأتي خطوة تشكيل الحكومة الانتقالية، التي أصبح تشكيلها ضرورة وطنية ملحة ومطلباً دولياً ضاغطاً، من قبل «الجيش الوطني السوري» الذي تم الإعلان عن تشكيله قبل يومين والذي هو المتواجد فعلاً على الأرض في الداخل وفي كل المناطق والذي من المفترض أن القرار الأول بالنسبة لهذه المسألة ذات الأهمية القصوى هو قراره وبالطبع بالإستعانة بكل الرموز الذين تخلوا عن مواقع قيادية رئيسية واختاروا الانشقاق والتخلي عن بشار الاسد ونظامه والإلتحاق بشعبهم والإلتزام بقضيته العادلة وبالتنسيق مع المجلس الوطني الذي أثبت حضوره دولياً وعربياً وأصبح يضم معظم التشكيلات والقوى الخارجية.

===============

تحدّيان للمعارضة: حكومة انتقالية وقيادة عسكرية موحّدة

الخميس ٦ سبتمبر ٢٠١٢

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

ليس مستغرباً أن يغدو تنظيم صفوف المعارضة السورية أولوية الأولويات لمختلف العواصم المعنية بالأزمة والمهتمة بنصرة الشعب الســــوري في كفاحه من أجل حريّته، وفي إسقاط النظام، وبالأخص في «اليوم التالي» للسقوط. وعلى رغم أن وتيرة التحركات الراهنة للدول الغربية تسارعت، وتوحي بأنها جدية وتبحث في تفاصيل التفاصيل، إلا أن التلكؤ والتأخير اللذين هيمنا عليها طوال عاــم كامل ألحقا بالمعارضتين المدنية والعسكرية أضراراً كارثية. يمكن استحضار أسبابٍ وتبــــريراتٍ شتــــى لتفسير هذا التباطؤ الدولي، إلا أنــــه بلغ عملياً، أو يوشك أن يبلغ، الاستنتاجات والعــــواقـــب التي كانت معروفة وكان يخشاها ويحذر منها. فالوقت المضاع زاد في إيهام النظام بأنه باق طالما أن المعارضة لم تستطع أن تطرح بديلاً منه.

كان مطلع آب (أغسطس) 2011 شكل بداية الانتقال من الانتفاضة المحض سلمية الى المواجهة المسلحة مع طلائع المنشقّين الذين رفضوا المشاركة في قتل أهلهم، ولم يكونوا قد خططوا حينذاك للانتظام في قتال ضد «رفاق السلاح». في الأثناء كانت تركيا بلغت اليأس من النظام وخياراته، اذ عملت على بلورة اطار تنظيمي للمعارضة بغية تفعيل حوار بينها وبين النظام. وبعد شهر، أي قبل عام تقريباً، أُعلنت في اسطنبول ولادة «المجلس الوطني السوري». في اليوم نفسه، بل قبله وبعده، اشتعل السجال بين المعارضين، وكان مبرراً ومفهوماً لأنهم تيارات وأشياع، لكن استمراره على المنوال نفسه أدّى عملياً الى تعطيل المعارضات بعضها بعضاً، لدوافع لم تكن دائماً مفهومة قياساً الى الهدف المنشود.

في ذلك الوقت، كانت التظاهرات السلمية، أيام الجمعة، اخترقت كل السقوف، وحسمت خياراتها: «إسقاط النظام»، «حماية المدنيين»، «المجلس الوطني يمثلنا»، «نعم للتدخل الخارجي»... كان تمثيل «المجلس» والمراهنة عليه مرتبطين حصرياً بما يمكن أن يحققه، اذ لا يمكن التعويل على المعارضات الداخلية حتى الوطنية منها، لأن سقف مطالبها ظلّ دون ما رفعه شباب الثورة وتنسيقياتها. فـ «هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي» سُجنت في مواقف حددتها منذ الشهر الثالث للأزمة وتأخرت في تنقيحها (خصوصاً بالنسبة الى وجود «الجيش السوري الحرّ» ودوره). أما الموقف الأخير الذي تنأى فيه «الهيئة» بنفسها عن «الطرفين» فيبدو كأنه تموضع لإحراز موقع خاص في مهمة الأخضر الابراهيمي، إلا أنه وشى ببعد عن الواقع وتسبب بـ «تشققات» في صفوفها.

لكن «المجلس الوطني» نفسه تعرّض أيضاً لمصاعب، اذ أُلقيت عليه مسؤولية لم يكن مهيأً لها ولا قادراً عليها، ثم إن تركيبته أظهرت قصوراً: 1) في استيعاب العدد الأكبر من القوى والشخصيات، و 2) في ايجاد تصور عملي للائتلاف والتكافل والتواؤم بين الداخل والخارج، و 3) في تبديد سمعة الهيمنة علـــــــيه من الجماعات الاسلامية أو «الاخوانية» الكفيلة بـ «تطفيش» الكثير من الطاقات المستعدة للمساهمة في جهود الثورة، والأهم 4) في بناء خطة «مركزية» وتوزيعٍ للأدوار تنخرط معه القوى الفاعلة الأساسية كافة في العمل للهدف الجامع المحدد: الانعتاق من هذا النظام... وعلى رغم أن الانشقاقات المتعددة هزّت صورة «المجلس» وأفقدته أشخاصاً، بعض منهم ذوو صدقيـــــــة، إلا أنه استطاع أن يصمـــــد بفعل الحاجـــــة الدولية اليه، اذ دعمتــــــه «مجموعة أصدقاء سورية» وذهبـــــت الى حـــد اعتباره «ممثلاً» للشعب السوري، لكن «شرعية» تمثيله ما لبثت أن اهتزّت تحديداً حين قال «الداخل» إنه خيّب آماله، إلا أنه لم يُسقطه بل صار يعتبره كياناً مساعداً، وأبقاه تحت الاخــــتبار. فإذا برهن فاعليته في اتصالاته الخارجية تزداد صدقيته، وإلا فإن البديل هو «الداخل» نفسه.

كانت القوى الدولية تتطلع الى أن يتمكن «المجلس» من استنساخٍ ولو جزئي لتجربة «المجلس الوطــــني الانتقالي» الليبي، لتتمكّن من العمل معه ومن خلاله، إلا أنها اصطدمت بوقائع عدة: ان «المـــجلس» السوري محدود الاتصالات بالداخل، ولا وجــــود له في «ملاذ آمن» (بنغازي مثلاً) في الأراضي السورية، ولا ارتباط محكماً بينه وبين «الجيش الحـــرّ» على رغم محاولات في هـــذا السبيل، ثم إن قوى المعارضــــة الأخرى لم تظهر التضــــامن المذهـــل الذي التزمته فصائل المعارضة الليبية على رغم تبايناتها التي انكشفت لاحقاً بعد تحقيق الهدف.

غير أن العاهات والعيوب التي تُنسب الى «المجلس» السوري لم تكن سرّاً ولعله أكثر من يعرفها، فهو أول كيان معارض تفرزه الثورة ولم يكن ممكناً اطلاقاً أن يولد في الداخل وإلا تعرّض أفراده للتصفية الجسدية. وعلى رغم إدراكه تنوّع الساحة السورية وتعقيداتها، اعتقد «المجلس» ومن ساهموا في انبثاقه أنهم يقدمون «أفضل الممكن» في ذلك الوقت لمساعدة الشعب السوري على تفعيل ثورته، ولعلهم توقعوا الاعتراضات والمآخذ التي أثيرت، إلا أن عاماً دموياً كاملاً لم يبدُ كافياً لإنهاء تمترس المعارضات كلٌ في موقعها. والأسوأ أن المعنيين عجزوا عن اطلاق الحوارات الحرّة لمد الجسور بين مختلف التيارات على رغم أنهم أكدوا مراراً ضرورتها. لذا انزلق السجال أحياناً الى اتهامات بـ «خيانة الثورة» أو «العمالة للنظام» على رغم فوات الأوان على مثل هذه التفاهات... فمن تعامل وخان أصبح تحت الضوء، ولم يعد النظام يثق إلا بالعملاء المستوردين، من ايران وأذنابها طبعاً، وحتى من اوكرانيا على ما يقال.

بديهي أن «المجلس» راهن على المساندة الخارجية لإعانته على تجاوز مصاعبه، الذاتية منها والموضوعية، فاصطدم هو الآخر بوقائع عدة: ان القوى الدولية دخلت في انقسام حاد واستعادت مناخ الحرب الباردة وتقاليدها، وأنها استهلكت وقتاً طويلاً قبل أن تقتنع بوجوب تغيير النظام ووقتاً أطول لتقتنع بأن هذا التغيير لن يتم سلمياً أو بحل سياسي، وأنها تعاني من «اللعنة العراقية»، بل غرقت في التداعيات الروسية والصينية للحدث الليبي، وأنها عانت أيضاً وخصوصاً من جهل عميق بالوضع السوري وسطحية صلاتها بعناصره وخريطته الاجتماعية.

وهكذا أقبل «المجلس الوطني السوري» على القوى الدولية ناشداً أن تعينه، فإذا بها تنشد معـــونته، وبعدما تعرفت اليه اقتنعت بأن أي تفكير فـــــي التدخل، بغضّ النظر عن حجمه وشكله، يستلزم كياناً أكبر من هذا «المجلس» وأكثر تنظيماً وفاعليةً على الأرض. هنا، أي قبل بضعة شهور، زاد التفاتها الى الجانب العسكري للمعارضة، وعوّلت على «المجلس» ليكون صلة الوصل مع «الجيش الحرّ»، فلاقى «المجلس» الصعوبات نفسها سواء في تحقيق تفـــاهمات مع العسكر أو بالأخص في كون العسكر أنفسهم مجموعات غير موحدة ولا يعرف بعضها الآخر.

وبدوره راهن «الجيش الحرّ» على القوى الدولية لتعينه، فإذا مدّته بالسلاح والعتاد يمكنه أن يوحّد أكبر عدد من المجموعات العسكرية تحت لوائه، وإلا فإنه سيبقى مجمداً في ملاذه التركي. وكما فعلت العواصم مع «المجلس» ومكوّناته، أرادت أيضاً أن تعرف مع أي عسكريين تتعامل، والى من سيؤول السلاح متى توافر، وما هي احتمالات وقوعه في أيدي جماعات يمكن أن تكرر التجربة الأفغانية فتنشئ ما يعادل «القاعدة» وفروعها. وبعد الاتصالات الأولية مع القادة المعروفين لـ «الجيش الحرّ» وتحليل ما أنجزوه، توصلت القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، الى أن هذا «الجيش» يحتاج الى قيادة وتراتبية واضحتين، فهناك منشقّون ذوو رتب عالية لا يستطيعون العمل تحت إمرة من هم أدنى رتبة حتى لو كانوا يتمتعون بميزة أنهم مؤسسو هذا الجيش.

خلال اجتمــــاعات عمل طويلة عقدت أخيراً، أتيــــــح لمعارضين عسكريين ومدنيين أن يلمسوا مدى التحوّل الحاصل في المقاربة الاميركية، واستــــطراداً الغربية، لقضيتهم. كانت هناك مصارحة مفتوحــــة عــــن خريطة الطريق والأهداف، لكن أيضاً عن الواجبات العاجلة والملحّة: حكومة انتقالية تستعين بكبار المنشقّين السياسيين، وقيادة عسكرية موحدة يديرها كبار العسكريين المنشقّين. تحدّيان جدّيان يضعان المعارضة أمام لحظة الحقيقة وعلى الطريق لتنحية بشار الأسد.

* كاتب وصحافي لبناني

=================

المعارضون التقليديون والدور المرتقب سوريّاً

أكرم البني *

الخميس ٦ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

كشفت حمّى الدعوات لتشكيل حكومة انتقالية حجم الأمراض والسلبيات التي لا تزال تعتمل في المشهد السوري المعارض... ولوهلة بدا الأمر وللأسف كأن ثمة تسابقاً للحصول على منصب وأن هناك كعكة يراد تقسيمها ومراكز وامتيازات يتم توزيعها.

وهنا لم يعد يجدي نفعاً لتبرير بشاعة هذا المشهد التذكير بما عانته الأحزاب المعارضة طيلة عقود من جور السلطة وظلمها، أو بتصحر الحياة السياسية ونجاح القمع في تفتيت المجتمع وقتل روح الايثار فيه، كما لا يشفع لها القول إن الثورة أخذتها على حين غرة ووضعتها أمام امتحان مفاجئ في قيادة حراك شعبي واسع يطالب بالتغيير الجذري، كما لا يخفف عنها القول بأن ليس لديها ما تفعله سياسياً في مواجهة سيادة منطق العنف، وأن خياراتها في الشروط القائمة محدودة جداً، حيث يسد النظام كل طرق المعالجة السياسية، ويستمر تواطؤ المجتمع الدولي مخيباً آمال المراهنين على دور حاسم له.

لقد استبشر الناس خيراً حين أقرت غالبية قوى المعارضة السورية وبرعاية الجامعة العربية وثيقتي «العهد الوطني» و «خطة الطريق للمرحلة الانتقالية»، وكان الرهان أن يشكل ذلك منعطفاً وحافزاً لرص صفوف المعارضة وتوحيد خطابها، وتمكينها من دورها التاريخي في سد الفراغ السياسي، والتفاعل مع الثورة الشعبية المطالبة بالحرية ومدّها بكل أسباب الاستمرار والدعم، لكن لم يمر زمن طويل حتى عادت حليمة الى سيرتها القديمة وبدأنا نسمع إعلانات من هنا ومبادرات من هناك، للالتفاف على هاتين الوثيقتين والتحرر منهما، لتؤكد هذه الممارسات، حقيقة ان المعارضة التقليدية وبكل اطيافها لم ترق إلى مستوى التحديات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، وأنها لا تزال تدور في حلقة مفرغة، عاجزة عن معالجة مواطن الخلل في تشتتها وتبعثر جهودها، في إشارة الى حالات التنافس المرضي والمؤذي بين أهم أطرافها، والى من تحكم سلوكه المصالح الحزبية الضيقة، أو من لا يزال يدّعي ملكيته للحق التاريخي في الزعامة، فيحاول مرة التلويح بسيف تضحيات الشارع والاستقواء بها لفرض رأيه، ولا يخجل مرة من استخدام وسائل متخلفة يعيبها على غيره في السيطرة ومحاصرة الآخر المختلف.

وإذ نعترف بأن الحراك الثوري خلق في تفجره شروطاً للعمل السياسي لم تكن المعارضة التقليدية لتحلم بها، وكان وراء نقلها من خانة اليأس والإحباط إلى حيوية المشهد السياسي والإعلامي، فذلك لم يمكّنها من مواكبة ثورة الناس، بل بدت على طول الخط كأنها خلفهم مكتفية بملاحقة مبادراتهم والتغني بشجاعتهم وباستعدادهم الفريد لتقديم التضحيات، عاجزة عن إيجاد طرائق للتواصل والتفاعل معهم، أو على الأقل كسب ثقتهم، ومخفقة في أن تكون تكثيفاً سياسياً وأخلاقياً لما في هذه الثورة من حيوية، ومنها التعامل الشفاف والجريء مع ما يظهر من سلبيات وتجاوزات، ووضع آليات تصحيح وحماية لها.

وطبعاً لا يمكن المعارضة أن تعالج هذه الثغرة وتنجح في نيل ثقة الناس ودعمهم ما لم تنجح في إظهار نفسها طرفاً متميزاً، يشكل قدوة ومثلاً يحتذى في الحضور في ساحات الصراع وتقديم المبادرات بوتيرة سريعة لتلبية مطالب الحراك الشعبي وتغذيته بالتوجهات والخبرات السياسية والمعرفية، والأهم تقديم إجابات شافية عن أسئلة ملحّة تشغل بال الناس حول سياق عملية التغيير وشروطها وما يكتنفها من منزلقات ضمن خصوصية المجتمع السوري بتعدديته وحساسية موقعه الاقليمي والعالمي.

وبلا شك، لا نستطيع القول إن العمل المعارض لم يحرز تقدماً ملموساً على صعيد إثارة قضايا الثورة السورية ومعاناتها في المحافل العربية والدولية، أو لم ينجح في جهوده الاعلامية المساندة للثورة، بخاصة احتلال بعض المعارضين حيزاً كبيراً من المشهد الاعلامي لدعم التغيير وإدانة العنف المفرط وتفنيد أكاذيب الاعلام الرسمي وادعاءاته عن مؤامرة خارجية وعصابات مسلحة، لكن مثل هذه الجهود لا تكفي أمام تصاعد الفتك والتنكيل والأثمان الباهظة التي يتكبدها الناس يومياً، بل إن حالة العجز عن الحسم العسكري والصعوبة في تسجيل نتائج سياسية على الأرض تضعان الثورة أمام تحدٍ قديم وجديد، هو كسب الرأي العام الصامت، كشرط لحسم الصراع، والأمر لن يتحقق إلا عبر فضح أوهام النظام بشأن قدرته على الاستمرار بالعنف، وطمأنة المجتمع السوري وقطاعاته المترددة إلى المستقبل.

والحال، لـــن تنمو الثــــقة بالتغيير في الخصوصية السورية، ويشتد عود الثــــورة وترسخ أقدامها في الأرض وتُصان من الانزلاق إلى مزيد من العنف وإلى صراعات متخلفة تحرفها عن أهدافها، إذا لم تتوسع دائرة انتشــــارها وتزداد نسبة المشاركين فيها وتكسب المزيد من فئات المجتمع، وما يعزز هذا الكسب تطلع المعارضة كي تثبت للجميع، أنها على اختلاف فئاتها ومذاهبها وطوائفها وقومياتها ومشاربها الإيديولوجية قادرة على التوافق وعلى احترام تنوعها والاحتكام الى قواعد العملية الديموقراطية السلمية، وأنه يمكن الوثوق بها لتجنيب البلاد احتمالات الفوضى والصراع الأهلي.تستحق المرحلة الحساسة التي تمر الثورة بها ليس مخاطبة الوعي فقط وإنما أيضاً التشديد على المناشدة الأخلاقية، مناشدة المعارضة على اختلاف فصائلها بمراجعة سياساتها ومراقبة أفعالها بصورة حازمة، وبأن تبدي أعلى درجات الايثار والاستعداد للتسامح والتعاون والتكافل، وتجالد للظهور بصورة تنسجم مع شعارات التغيير والحرية والمساواة التي ترفعها، واضعة في الحسبان أن الشارع يراقبها بدقة وانتباه، ويُخضع مواقفها وسلوكها لمحاكمة وتقويم فوريين!

لا يضير المعارضة السورية ما فعله بها الماضي القمعي أو أن تكوّن أحزاباً وتجمعات لها وجهات نظر متعددة وبرامج متنوعة، لكن يضيرها ويعيبها ألا تستطيع معالجة أمراضها وبخاصة عجزها المزمن عن الاتفاق، بعد عام ونصف عام من عمر الثورة، على الأهداف العامة المتعلقة بتغيير النظام وسمات المرحلة الانتقالية لإرساء الديموقراطية، وألا تصب كل جهودها في مهمة بسيطة لا تقبل التأجيل هي تمكين الثورة وتصويب مسارها.

* كاتب سوري

=================

سوريا.. عنوان فشل دبلوماسي

طارق الحميد

الشرق الاوسط

6-9-2012

من يتأمل المواقف والتصريحات الرسمية الصادرة عن المجتمع الدولي والعربي، تجاه الأزمة السورية، ويقارنها بما تقوم به قوات الأسد على الأرض من قتل وتنكيل، ومواقف كل من روسيا والصين، تحديدا، الداعمتين لطاغية دمشق، فإنه سيلمس مدى الفشل الدبلوماسي في معالجة الأزمة السورية.

وأبرز مثال هنا هو الموقف الصيني المعطل لأي جهد في مجلس الأمن، وصحيح أن الصينيين لا يقدمون للأسد دعما موازيا لما يقدمه الروس، لكن موقف الصين يعزز الموقف الروسي، ويشكل غطاء لموسكو وهي تتصرف بتعنت من أجل حماية مجرم دمشق، رغم كل ما يرتكبه من جرائم بحق السوريين. فمن المفهوم أن لا تصدر عن لقاء وزيرة الخارجية الأميركية ونظيرها الصيني أي انفراجة تجاه الموقف في سوريا، وذلك نتيجة تعقيد العلاقات الأميركية الصينية نفسها. بل إن البعض يرى أن الصين تقف خلف روسيا في مجلس الأمن فقط من أجل مناكفة الأميركيين، وإنه في حال غيرت موسكو موقفها فإن بكين لن تتعنت. وهذا حديث كان من الممكن قبوله قبل عام من الآن، لكن من غير المفهوم أن لا يكون هناك جهد عربي لثني الصين عن موقفها هذا في مجلس الأمن، خصوصا مع ما يفعله الأسد اليوم في سوريا من كوارث.

ولذا، فإن الغريب هو الموقف العربي العاجز عن إقناع الصين بضرورة أن تنأى بنفسها عن دعم الأسد، وذلك حماية لمصالحها في المنطقة ككل، خصوصا أن لبكين مصالح كبيرة مع المنطقة تفوق مصالحها مع النظام الأسدي. وبالطبع فإنه ليس مطلوبا من الصين تأييد قرار أممي ضد الأسد، أو تسليح وتمويل المعارضة، بل إن كل المطلوب هو أن تمتنع بكين عن اتخاذ أي قرار في مجلس الأمن من شأنه تعطيل اتخاذ مواقف دولية حاسمة ضد الأسد. المطلوب اليوم إقناع الصين بضرورة عدم دعم الأسد، وإن لم يغير الروس موقفهم، فالأهم عربيا، وبالطبع دوليا، فضح الموقف الروسي، وجعل موسكو تقف وحيدة مع الأسد، لا أن تكون الصين شريكة لروسيا مما يخفف الضغوط على موسكو وهي تدعم الأسد وهو يقوم بارتكاب جرائمه ضد السوريين.

إقناع الصين ليس بالأمر الصعب، خصوصا أن وزير خارجيتها يقول - وبعد محادثاته مع السيدة كلينتون - إن بلاده تؤيد التحول السياسي في سوريا، مما يشير إلى أن الموقف الصيني ليس بالمتشدد كالموقف الروسي المبني على دوافع دينية طائفية، وليس مصالح عسكرية، أو اقتصادية كما يقال. ولا أعتقد أن القضية أيضا هي قضية منع أميركا من التدخل في الشؤون الداخلية لروسيا، وإلا فكيف نفهم أن الرئيس الأميركي أوباما كان من أوائل المهنئين للرئيس بوتين بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة، ونسمع السيدة هيلاري وهي تقول لنظيرها الصيني إنها «فخورة بقوة وصمود ما بنيناه معا في علاقتنا»!

وعليه، فإن المطلوب اليوم - ومن العرب تحديدا - هو إيصال رسالة واضحة للصينيين مفادها أنه لا مبرر للإطالة بالمتاجرة السياسية بدماء السوريين، وأن على بكين أن تقف مع الشعب السوري، وحفاظا على مصالحها في سوريا والمنطقة. على العرب فعل ذلك وعدم الاكتفاء بما يمكن أن تفعله واشنطن لنا.

=================

هل خذلت إيران وحزب الله الأسد؟

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

6-9-2012

هكذا يظن الرئيس السوري المحاصر بشار الأسد. صحيح، رغم ما فيه من تناقض، أن نقول إن إيران تدعم الأسد بالمال والنفط والمقاتلين والسلاح، وفي نفس الوقت ندعي أن إيران، ومخلبها حزب الله، تخليا عن نظام بشار الأسد في محنته العظمى!

رغم الدعم الضخم الذي لم ينقطع من طهران إلى دمشق، لا بد أن الأسد ليس قانعا ولا راضيا عن أداء حلفائه. لا بد أنه يشعر بالغضب منهم؛ فهو يتوقع منهم ما هو أكبر من الدعم. فمنذ عام وهو يلوح بأحداث كبرى في المنطقة، وانهيارات لا تخطر على بال، وخطوط حمراء ستسقط، قامت في زمن الهدنة الماضية، لكن لا شيء من هذا حدث، فالحريق ظل محصورا في بيته!

الأسد كان يتوقع من الإيرانيين الاشتباك مع دول الخليج والضغط عليها لوقف دعم الثوار السوريين، وكان يتصور أن حزب الله سيهرع لقتال إسرائيل في حرب تشابه حرب عام 2006 تشغل المنطقة، وتجبر الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على الكف عن تأييد الثورة السورية لأنها وراء الفوضى الشاملة.

خيبته كبيرة؛ لم يهاجم الإيرانيون الخليج، واكتفى حزب الله بمظاهرة على العشب الأخضر المقابل لشبك الحدود مع إسرائيل، غنى ورقص المتظاهرون فيها فقط ولم يطلق ملتحو أفراد الحزب الرصاص على أحد.

ولم يبق للأسد سوى عميل صغير، أحمد جبريل، مسؤول ما يسمى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القيادة العامة، عله يفتح جبهة ضد إسرائيل، لكنه فشل، حيث قاتله الفلسطينيون في مخيماتهم، داخل سوريا، وانضموا صراحة إلى الثورة.

وعبر جبريل عن تمنيات الأسد في مقابلة تلفزيونية قائلا، إن القيادة الإيرانية أبلغته بأنها لن تترك سوريا تتعرض لعدوان، وأنها قالت: «نحن أبلغنا الأتراك أكثر من مرة وحذرناهم ألا يلعبوا بالنار، وأي تدخل هو خط أحمر في هذا الشأن».

واضطرت وسائل الإعلام السورية الرسمية إلى ترويج الشائعات، علها تجبر حلفاءه وخصومه على الاصطدام، حيث روجت تصريحا، نسبته إلى رئيس مجلـس الشورى الإيراني علي لاريجاني، بأن «سقوط نظام الأسد في سوريا هو سقوط الكويت وافهموها كما شئتم». لكن، لم يثبت أن لاريجاني نطق بهذا التهديد. كما نسبت كلاما مماثلا لمسؤولين روس عن حرب تحرق الأخضر واليابس، وأن روسيا تهدد الدول المعادية لنظام الأسد؛ أيضا لم نجد لهذه التصريحات أثرا. ثم روجت حديثا مزعوما مع هنري كيسنجر يقول فيه إن سقوط نظام الأسد سيفيد إسرائيل التي ستحتل المزيد من الدول العربية، طبعا المقابلة المكذوبة ظهرت في مطبوعة ساخرة، وسارعت دمشق لتسويقه!

ما الذي كان يتوقعه الأسد من حلفائه ولم يفعلوه؟ كان يظن أن الإيرانيين والروس سيتعاونون على فتح جبهة قتال مع تركيا لتخويف حكومة أردوغان وإجبارها على إبعاد التنظيمات السورية التي تمثل الخطر الأكبر عليه، لكنهم لم يفعلوا.

كان يطمع في حرب في الخليج حول البحرين والسعودية والكويت، وتهديد أنظمتها السياسية تحت مبررات طائفية، لكن شيئا من هذا لم يحدث.

وكان يرجو أن يستيقظ صباحا ليجد الأردن أو مصر تطلب نجدته ضد عدوان إسرائيلي بسبب عمليات مدبرة، لكن مضت الأشهر والعالم مشغول بحدث واحد وهو سقوط نظام الأسد، حتى بات سقوطه محتوما. وكنت كتبت من قبل أن حسن نصر الله أذكى من أن يدمر قدراته من أجل إنقاذ نظام ساقط، وهو وإن كان قد أرسل رجاله ليقاتلوا إلى جانب قوات الأسد وشبيحته، فإنه تجاهل تمنيات الأسد بفتح معارك داخل لبنان أو مع إسرائيل. وهذا ما حاول هو تنبيه الجميع إليه عندما تبرأ من اختطاف السوريين والتركي في لبنان، وقال: افهموها كما تشاءون، لا سلطة لنا على الخاطفين الشيعة. الروس والإيرانيون وحزب الله يعرفون أن نظام الأسد ساقط منذ نحو عام، وكل ما يريدونه تخفيف الأضرار التي قد تلحق بهم ومصالحهم لاحقا، أو دعم وضع جديد لسوريا بعد رحيل الأسد، مثل تفكيك سوريا إلى دويلات يتحالفون مع بعضها، أو إذكاء الحرب الأهلية لينشغل السوريون بأنفسهم لسنوات لاحقة.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com