العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16/6/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نظام سوريا لدى الظواهري ورفاقه المتطرفين!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 9/6/2013

فتحت تطورات الوضع السوري الأبواب على مصراعيها لتدخلات لم يكن يحسب حسابها في تحديد مستقبل سوريا والسوريين، ورسم ملامح النظام السياسي المقبل بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولعل آخر هذه التدخلات ما قاله زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في طبيعة النظام المقبل في سوريا والذي يراه - في جملة ما يراه - نظاما يستند إلى قدرة «الجماعات الجهادية» وفكر «القاعدة»، وهدفه «إقامة خلافة إسلامية مجاهدة».

ويستدعي قول الظواهري أقوالا أخرى، صدرت من دول وجهات مختلفة، حاولت بدورها رسم ملامح سوريا المستقبل، وتحديد الإطار الذي ينبغي للسوريين العيش فيه بعد انتهاء الأوضاع الحالية، ولعل الأبرز في ذلك، ميل معظم القوى والجماعات الإسلامية إلى إعلان أن هدفها إقامة دولة إسلامية، وهو هدف عام تحيط به بعض التفاصيل، فالمطلوب دولة خلافة كما يقول حزب التحرير الإسلامي، أو دولة إسلامية جهادية على نحو ما تسعى إليه «جبهة النصرة». ويجد دعاة الدولة الإسلامية في سوريا على تنوعهم دعما متفاوتا في مسعاهم من أطراف إقليمية ودولية، تتراوح مواقفها ما بين تأييد إقامة نظام إسلامي وعدم ممانعة هذا الهدف.

والخط الثاني من اتجاهات رسم مستقبل سوريا، يمثله موقف النظام الحاكم في دمشق من خلال تأكيد مضيه في حل عسكري أمني، هدفه تكريس نظام استبدادي فاشي، يقوم على سلطة أقلوية - عائلية، وهو في نهاية الأوضاع الحالية، يمكن أن يقوم بإجراءات تجميلية في إطار النظام الحالي، وتتوفر قوى دعم إقليمية ودولية لخيار النظام في رسم مستقبل سوريا والسوريين باعتباره امتدادا للمرحلة الماضية من حكم البلاد.

ومن الواضح أن مستقبل سوريا لدى الظواهري وأشقائه وصولا إلى النظام، يجسد رؤية متطرفة سواء في أفقها المفتوح على «خلافة إسلامية مجاهدة» حسب الظواهري، أو على استمرار نظام الاستبداد الفاشي بكل ما جسده، وهي سياق طبيعي لموجة القتل والتدمير التي انتهجها النظام، ثم جلب إليها عبر العسكرة وفتح الحدود جماعات التشدد الإسلامي، ولا سيما «النصرة» وأخواتها بحيث تكثفت عمليات قتل وجرح وتهجير السوريين ودمار ممتلكاتهم وبلدهم على مذبح مصالح النظام ونزعاته المتطرفة، ونزعات التطرف الديني وأهدافه.

كما استندت الرؤية المتطرفة لمستقبل سوريا إلى ديمومة الصراع واستمراره ودخوله بوابة التوحش غير المحدود، وأخذه منحى الصراع الطائفي، وفتحه الأبواب لكل أنواع ومستويات التدخل الإقليمي والدولي من الأفراد والجماعات إلى الدول والهيئات، مما جعل الجميع بغض النظر عن ماهيتهم وقيمتهم وقدرتهم متدخلين في تحديد ملامح النظام السياسي المقبل في سوريا.

ورغم الفوات السياسي والأخلاقي المحيط بالنظام، والإشكالات المحيطة بجماعات التطرف الإسلامي، فإن المخاوف حاضرة من أخذ سوريا إلى نظام يتوافق أو يتقارب مع رؤية المتطرفين من النظام والجماعات الجهادية في ظل استمرار وتصاعد الصراع العنيف عسكريا وسياسيا في البلاد. إن ثمة مستقبلا آخر للنظام رسمته ثورة السوريين منذ انطلاقتها في مارس (آذار) 2011، أساسه قيام نظام ديمقراطي، تعددي، محكوم بروح التوافق من أجل توفير الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، وهو النظام الذي عبرت عنه هتافات المتظاهرين السلميين الأولى من أجل الحرية ووحدة السوريين وتضامنهم في مواجهة النظام ومن أجل المستقبل، وقد أكدت المعارضة السورية بجماعاتها وتكويناتها السياسية وتنظيماتها العسكرية وخاصة الجيش الحر، تبني نظام ديمقراطي تعددي متناسب مع المطالب الشعبية.

والتأكيد على رؤية ثورة السوريين والمعارضة على خيار النظام الديمقراطي، لا يندرج في باب الآمال والطموحات فحسب، بل هو في باب الضرورات والممكنات؛ إذ هو في الأولى يمثل تلبية لرغبة السوريين في الخروج من تجربة ديكتاتورية دموية، أوصلتهم إلى عمق الكارثة، ويمثل تجنبا في الوقت نفسه للمصائر التي صارت إليها بلدان طفحت فيها الجماعات الجهادية من أفغانستان إلى العراق والجزائر وغيرها، والأمر من ناحية الممكنات منسجم مع طبيعة السوريين الذين إذا تراجعت التدخلات الخارجية في شؤونهم، فإنهم يملكون قدرة كبيرة على معالجات وتحقيق توافقات سياسية، وهو يتيح لفئات واسعة من السوريين المشاركة في نظام سياسي يمثلهم ويعبر عنهم، ويعيد إدماجهم كأبناء وطن واحد يتطلعون إلى مستقبل مشترك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية بين مفتي السعودية والقرضاوي

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 9/6/2013

منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها ونتائجها من جهةٍ ثانية.

فرغم كل التصريحات السابقة التي صدرت عن الرجل فيما يتعلق بحزب الله ورئيسه حسن نصر الله، ودورهما القذر في محاولة قمع الثورة السورية، جاءت هذه التصريحاتُ الأخيرة لتمثل من ناحية تصعيداً غير مسبوق، ولتكون من ناحية ثانية مدخلاً لاجتماع الرأي حول التهديد الذي يمثله الحزب المذكور، ومن ورائه إيران، للأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، قبل تهديدها لأي طائفةٍ بعينها.

فقد وصف القرضاوي رئيس الحزب المذكور بأنه "رئيس حزب الشيطان ونصرٌ للطاغوت".

وتابع في كلمةٍ له، ضمن فعاليات مهرجانٍ لنصرة الثورة السورية في دولة قطر إنه ناصر حزب الله اللبناني وخاصم من أجله علماء السعودية، لكن "تبيّن أن الشيعة خدعوني، وأني كنتُ أقلّ نضجاً من علماء السنة الذين كانوا يدركون حقيقة هذا الحزب".

وبعد أن بيّن أن " الثورة السورية أجلت الحقيقة وبيّنت حقيقة حزب الله وشيعته الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله.."، أعربَ عن أسفه للوقت الذي أنفقه على الدعوة للتقارب بين السنة والشيعة.. واعتبر أن الشعب السوري يجاهد من أجل استرداد حقوقٍ اغتصبها "حافظ الأسد الوحش المتجبر المستكبر الذي أراد أن تكون سوريا عزبةً يتوارثها أبناؤه وحفَدته".

ضاعت بوصلة الثورة الإيرانية منذ زمنٍ طويل.

لبضع سنوات، حاول بعض الإصلاحيين إعادة توجيهها في الاتجاه الصحيح تنميةً للبلاد وبناءً للإنسان، لكنهم لم يفلحوا في ذلك.

لهذا، ورغم محاولات السعودية للتفاهم مع إيران على حدٍ أدنى من مقومات الاستقرار في المنطقة، تبيّن مرةً تلو أخرى أن القيادة الإيرانية ليست بعيدةً فقط عن كل مايمتُّ لأخلاقيات الإسلام بصِلة، بل وإنها لاتعرف للسياسة معنىً خارج ممارسات التقية والكذب والخداع والتلاعب.

ولهذا أيضاً، لم يكن غريباً أن يصدر منذ يومين تصريح مفتي السعودية الذي أثنى فيه على موقف القرضاوي بكل أبعاده، وتحديداً لاعتراف الرجل بالخطأ فيما يتعلق بموقفه السابق من حزب الله. وأكّد المفتي قيمة هذا الموقف حين قال: "وإننا بهذه المناسبة لنشكر لفضيلته هذا الموقف الذي ليس غريباً منه، إذ يُذكّر بمواقف كبار العلماء عبر التاريخ في رجوعهم إلى الحق متى ما استبانوا الموقف الرشد".

لم يرغب سوريٌ واحد في أن تخرج الثورة السورية عن مطالبها المحددة المتعلقة بتحقيق كل معاني الحرية والكرامة، وصولاً لإقامة سوريا الجديدة التي تتسع لجميع أبنائها.

يعرف السوريون خصوصية بلدهم ومجتمعهم، ويدركون طبيعة النظام السياسي الذي يحفظ النسيج الاجتماعي والثقافي لهذا المجتمع، ويحقق فيه الأمن والاستقرار والتنمية.

لكن هوس قادة النظام الإيراني بأحلامهم الامبراطورية يعتاش كما هو واضح على هوسٍ طائفي مقيت كانوا يحاولون إخفاءه في الماضي، عاملين على البحث عن مشروعية مزيفة بأي طريقة.

لهذا، لانستغرب هذه الدرجة السافرة من استعمال إيران وحزب الله للورقة الطائفية. إذ لايجب أن نستهين أبداً بما فعلته الثورة السورية على صعيد تقليص أي مشروعية سياسية وأخلاقية لمشروع إيران في المنطقة. فهذه المشروعية في غاية الأهمية، لأن القوة وحدها لاتكفي أبداً لتحقيق المشروع. وقد هدمت الثورة السورية نهائياً مشروعيةً قضت إيران أكثر من عقدين في بنائها.

وكما ذكرنا سابقاً، تريد القيادة الإيرانية أن تملك دوراً إقليمياً متميزاً وأن يكون لإيران، تحت سيطرتها، وزنٌ مُعتبر، لكنها ستُمنى بفشلٍ تلو آخر مادامت تسير ضد سنن وقوانين الاجتماع البشري. وخاصةً حين تزهد كلياً بعملية التنمية الداخلية وتُبعثر ثورة بلدها في مغامرات خارجية.

تستطيع القيادة الإيرانية الاستمرار في دعم النظام السوري، وهي لاتُقصّر في ذلك كما نرى هذه الأيام، لكنها تفعل ذلك كمن يريد شراء الوقت أكثر من أي شيءٍ آخر. فالنظام السوري انتهى عملياً وسياسياً وإن لم يكن واضحاً وقت وكيفية السقوط على وجه التحديد. والإيرانيون يعلمون أن هناك مستتبعاتٍ كبيرة لهذا السقوط تتعلق بمشروعهم.

ولايمكن هنا إلغاء عنصر يتمثل في وجود حزب الله ودوره. إذ لن يكون هذا الحزب كما هو عليه الآن قطعاً، لأنه يستمد نفوذه من مجموعة عناصر أحدها القوة العسكرية التي يُحاول أن يترجمها قوةً سياسية في واقعٍ يسمح بذلك مثل الواقع اللبناني.

بالمقابل، سيكون لسقوط النظام السوري تأثير سلبي كبير على مسائل الإمداد العسكري لحزب الله. ثم إن سورية تُعتبر عمقاً استراتيجياً في غاية الأهمية بالنسبة للحزب، حتى في ظل وجود مرجعيته في إيران، لأن الجغرافيا السياسية تفرض نفسها في نهاية المطاف. وسقوط النظام سيكون له مرةً أخرى تأثير سياسي عملي ومعنوي هائل يتمثل في غياب العمق الاستراتيجي المذكور.

بناءً على كل هذه الحقائق، لايبدو ثمة خيارات أخرى لدى كل من يريد الوقوف في وجه المدّ الإيراني الذي قد يحاول أن (يهدم المعبد على الجميع) كما يقول المثل.

ثمّة استحقاقٌ استراتيجي يواجه المنطقة بأسرها تصغُرُ معه كل التجاذبات السياسية الجانبية. وقد يكون الاتفاق في الرأي بين القرضاوي ومفتي السعودية مدخلاً إلى توسيع دوائر القناعة بخطورة ذلك الاستحقاق على أعلى المستويات، وبأولوية التعامل معه بشكلٍ جماعيٍ دون أي تأخير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية... قبل وبعد القصير

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 9/6/2013

سقطت القصير، واحتفل بذلك النظامان السوري والإيراني، ووُزِّعت الحلوى في ضاحية بيروت الجنوبية، وهنأَ خامنئي الأسدَ ونصرالله بالانتصار. وما كان الانتصار بالطبع على إسرائيل، بل على سكان بلدة سورية على الحدود مع لبنان. وقد أعلن «نصرالله» عن بدء القتال فيها قبل ستة أشهُر، وقال إنه يقاتل دفاعاً عن اللبنانيين(الشيعة) في تلك الناحية. ثم قال قبل شهر إنه مضطرٌّ لقتال «التكفيريين» على الحدود وفي دمشق، حيث تُنتهْكُ المقدَّساتُ الشيعية والمزارات. وقبل أسبوعين أضاف إلى هدف قتال التكفيريين: منع نظام الأسد من السقوط، لأنه إنْ سقط سقطت المقاومة في سوريا ولبنان وفلسطين!

ليس من النزاهة في شيء التقليل من شأن ضربة القصير، فالضربة قاسية من الناحية المعنوية على الثورة ومؤيديها، ربما أكثر من قسوتها من الناحية العسكرية والاستراتيجية. ويرجع ذلك إلى أن الثوار استطاعوا الصمود هناك، وما تمكنت كتائب النظام من زعزعتهم رغم تقدمها في مدينة حمص. لذلك تدخَّل «حزب الله» بقوة لمساعدة قوات النظام محتجاً بما ذكرناه. لكنّ الواقع أنّ تدخُّله كان ضمن استراتيجية إيرانية روسية مشتركة، بعد أن ظهر أن النظام ما عاد يملك قوات تتحرك على الأرض، بل مراكز عسكرية محاصرة في أنحاء سوريا باستثناء دمشق. قال لنا خبراء إيرانيون وعراقيون قبل ثلاثة أشهر إنه تشكلت قيادة مستقلة للإيرانيين بسوريا بزعامة الجنرال سليماني، وطلبت عشرة آلاف مقاتل من «حزب الله»، ومثلها من المالكي، على أن يتدبَّر الإيرانيون العدد الباقي. و«حزب الله» والآخرون يقاتلون الآن في عدة أماكن في سوريا من حمص وإلى دمشق وإدلب وحلب ودرعا. وقد ثارت ثائرتهم وسقط لهم قتلى كثيرون في القصير بحيث صار عليهم أن يقدّموا للشيعة الحزبيين انتصاراً يبرر هذه الخسائر. وقد ظلت بلدة القصير أسهل الأهداف لاتصالها بقواعدهم في الهرمل وبعلبك. ومن هنا جاءت الاحتفالية الشنعاء بسقوط «القصير»، والتي كان بوتين قد بشّر بسقوطها قبل ثلاثة أيام، باعتبار معركتها معركة تصفية للإرهابيين الذين يسميهم نصرالله «تكفيريين»! وكما سبق القول؛ فإن صمود القصير جعل الثوار أيضاً يبنون عليها آمالاً، ولهذا السبب، فكما أنّ سقوطها صار كسْباً معنوياً للإيرانيين وأنصارهم؛ فإنه انتكاسة لثوار سوريا تؤثر في معنوياتهم ومعنويات سواهم من العرب في بلاد الشام وخارجها!

لكن، وبعد سقوط القصير، والمذابح التي حدثت فيها وما حولها، ما هي الأوضاع التي تجد فيها الثورة السورية نفسها، ويجد فيها العرب أنفُسَهُم؟ منذ أكثر من شهرين تتقدم قوات الأسد على الأرض ببطء. وقد تبين أنّ هذا التقدم هو بسبب دخول قوات «حزب الله»، والتنسيق الروسي الإيراني السوري العراقي من الناحية العسكرية. وقال اللواء وفيق السامرائي وقتَها إنّ النظام وحلفاءه استعادوا زمام المبادأة. وأبرز جهات التقدم كانت في منطقة حمص، ودرعا، وريف دمشق. ويقال إن استعادة النظام لخربة غزالة على طريق درعا دمشق، أهمّ بكثير من الناحية العسكرية من الاستيلاء على القصير. وما حصل اختراق كبير بريف دمشق، لكنْ بعد القصير قد يحاول الحزب الدخول إلى داريا التي قاومت لأكثر من عام حتى الآن. لكنْ ما يخشاه الثوار أكثر هو التحشُّد من حول حلب لاقتحام ريفها، وفك الحصار عن القواعد والمطار، وربما للدخول إليها. وبينما يقول الخبراء الغربيون إن «حزب الله» والإيرانيين يشاركون بألفي مقاتل، يقول «الجيش السوري الحر»: بل إنهم يشاركون بأربعة آلاف مقاتل، مزوَّدين بأسلحةٍ ثقيلة. وهذا التحشُّد في شمال سوريا هدفه تحدي تركيا، مثلما كان التحشد في نواحي درعا بهدف تحدي الأردن والسعودية. وكان وزير الخارجية الإيراني قد جاء إلى تركيا والأردن والسعودية قبل شهر، وربما أبلغ هذه الجهات بأن إيران لن تسمح بسقوط الأسد.

لكنْ ماذا عن الجانب العربي والإقليمي والدولي؟ ليس من عادة القطريين والسعوديين الحديث كثيراً في الشؤون العسكرية، لكنهم في مجلس التعاون الخليجي صعَّدوا اللهجة ضد «حزب الله»، وكذلك فعلوا في اجتماع الجامعة العربية. ومن المفروض أنهم سيزيدون من دعم الثوار بعد أن اتضح أنّ هؤلاء لا يواجهون قوات الأسد فقط، بل ويواجهون قوات إيران و«حزب الله» والمالكي والروس وحتى الكوريين الشماليين! لكن الملاحظ أن الأردن صار أكثر حذراً عندما أُعلن أخيراً عن إمكان تزويد «الناتو» له بصواريخ باتريوت الدفاعية. والأردن مثل لبنان غارق في مشكلة اللاجئين، وكذلك المؤسسات الدولية. وما يقال عن الأردن يقال عن تركيا، إذ لا ندري كيف ستكون ردة فعلها على التحشُّد الإيراني عند حدودها. والموقف الدولي ليس أفضل حالاً. فالروس مصممون على إبقاء الأسد، والأميركيون موافقون على الحل الروسي الذي لا ندري منه غير اسمه: «جنيف 2». وقد اجتمع الأوروبيون بالروس للمرة العشرين دون أن تكون هناك نتائج ظاهرة. بل إن الروس تحدَّوا إسرائيل أن تحاول الإغارة مرةً أُخرى على سوريا، وأنها إن فعلت فسيعطون الأسد صواريخ «اس 300»! وهناك محاولة قوية لتطويق نجاح بريطانيا في إسقاط الحظر الأوروبي على السلاح للثوار، وقد اضطر ذاك الضغط وزيرَ الخارجية البريطاني للقول إنهم لن يعطوا سلاحاً للمعارضة إلا بعد معرفة نتائج جنيف 2 الذي قد لا ينعقد!

ولا يبدو الثوار السوريون بحالةٍ جيدة. ففضلاً عن التراجع العسكري أو التجمد دونما تقدم في شتى النواحي، هناك نزاعات بين الفصائل الإسلامية المسلحة المتواضعة القُدُرات في القتال، رغم السمعة الأسطورية لـ«جبهة النصرة» وأشباهها. وما يزال «الجيش الحر» سيء التسليح، وكتائبه غير مترابطة كما يجب. وهو مضطر لتقديم كشف حساب كل يوم حتى عن عدم استخدامه للسلاح الكيماوي، فضلا عن أنه لا علاقة له بالتطرف الإسلامي، بينما يبدو النظامُ غير مضطر لشيء بسبب حماية الروس له. وقد تقدم البريطانيون في مجلس الأمن بمشروع بيان يستنكر ما يجري بالقصير، ويطلب ممراً لإجلاء الجرحى، ولم يوافق الروس، وردَّ بوتن نفسه بالهجوم على بريطانيا والأوروبيين، والتبشير بأن الإرهابيين بالقصير في طريقهم للتصفية! وإذا كان مؤتمر جنيف 2 (بحسب البريطانيين) لن ينعقد قبل يوليو؛ فإنه بعد القصير قد لا ينعقد على الإطلاق، لأنّ النظام استقوى، ومُعارضوه يعتبرون الاشتراك استسلاماً.

لقد بدوتُ في هذه المقالة خبيراً عسكرياً، ولستُ كذلك، وإنما أردْتُ وصف الموقف من سائر جوانبه. هناك إصرار إيراني على تجديد الهجوم للاحتفاظ بمناطق النفوذ في العراق وسوريا ولبنان. وهناك إصرار إيراني أيضاً على أن يبدو هذا «الانتصار» باعتباره انتصاراً شيعياً على السنّة وعلى العرب بعد تصاعُد الآمال بخلاص سوريا (والعراق) وربما لبنان. لقد تحول الصراع بين النظام السوري وشعبه إلى صراع إيراني عربي، وشيعي سني، وتركي إيراني، وروسي غربي. وهي صراعاتٌ تتفارقُ وتتداخلُ وتتعدد، لكنها تستقرُّ عند نقطة تتعلق بالصراع على المنطقة وهويتها ودولها ومجتمعاتها بعد الثورات العربية. قال رئيس أركان «الجيش الحر»: لقد خسرنا معركةً، لكننا سنربحُ الحرب. وأملُ كلٍ منا أن تنتصر حرية الشعب السوري بعد هذه المآسي الكبرى، ولن يكونَ ذلك إلا إذا اعتبر العربُ أنفسهم معنيين مثل الإيرانيين وأكثر!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الولي الفقيه يعلن الحرب ويباشرها وعلماء المسلمين يردون حول دعوة علماء المسلمين إلى الجهاد

16.06.2013

زهير سالم

أقدم حسن نصر الله الجندي في الباسيج الإيراني وفي كتائب الولي الفقيه إلى إعلان الحرب بطريقة مباشرة على المسلمين في سورية وسبق ذلك الإعلان بقيام قواته بالانتشار على الأرض السورية في الشمال والجنوب والوسط ..

 

ورغم ما يشكله احتلال قوات نصر الله لأرض دولة جارة وإعلان الحرب على أهلها من خرق للقانون الدولي، وتهديد للأمن والسلم الدوليين ؛ فإن كل هذا لم يلق من مجلس الأمن الدولي ولا من القوى والدول الكبرى رد الفعل الذي يستحق . حيث اكتفى البعض بإصدار إدانات باهتة ، وتعبيرات عن قلق بارد ، وتحذيرات يدرك من يطلقها أنها لن يكون لها أي صدى عملي .

 

وبعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع على انتشار قوات الاحتلال بطبيعتها الطائفية ، وخلفيتها المقيتة ، وشعاراتها المستفزة على الأرض السورية ، وإعمالها ما تملك من سلاح وما تتمتع به من حقد في تقتيل الشعب السوري وتدمير العمران على كل الأرض السورية التقت نخبة كريمة من علماء الأمة في القاهرة لتضع هذا العدوان في أطره الشرعية والسياسية الحقيقية ، ولتعلن تمسكها بوحدة سورية أرضا وشعبا وبهوية هذا الشعب الإسلامية ولتحمل أصحاب المسئولية من قادة الأمة مسئولياتهم ، ولتستصرخ أبناء الأمة أجمع حكاما ونخبا وشعوبا ليقفوا في وجه الهجمة الصفوية على ما رأوه حربا على الإسلام والمسلمين في سورية . رؤية تعززها لامبالاة دولية واضحة بدماء ما يقرب من مائة ألف إنسان سوري قتلوا حسب تقارير الأمم المتحدة نفسها ..

 

يقدر الشعب السوري الثائر من أجل حريته وكرامته ودولته الوطنية عاليا غيرة علماء المسلمين على سورية وشعبها . ويرى فيما بادر إليه علماء الأمة وفيما أعلنوه في بيانهم الختامي مبادرة حيوية تستحق التحية . إن الرسالة الأولى التي يجب أن تستفاد من بيان العلماء المسلمين هي أن يدرك الولي الفقيه وأشياعه في المنطقة والعالم أن الشعب السوري ليس شعبا مخلّى لا أنصار له ، ولا أمة تغضب من أجل العدوان عليه . وأن دماء السوريين لا يمكن أن تهون على أبناء الأمة على محور ( طنجة – جاكرتا ) . وإن المال الإيراني وإن استطاع شراء صمت بعض الصامتين فإنه لن يسكت صوت الحق في أمة كان في السطر الأول من فقهها : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ..

 

إن الذي يجب أن نوضحه في هذا السياق هو أن مفهوم أمة الإسلام للجهاد يفارق إلى حد كبير المفاهيم المشوهة التي حاول العديدون إلصاقها بهذه القيمة الإسلامية العظيمة.

 

إن المفهوم الحقيقي للجهاد المطلوب في سورية هو بذل الجهد لرفع الظلم عن حياة الأبرياء ، ودفع الصائل المعتدي الذي احتل الأرض السورية متحديا القانون الدولي وأعمل سلاح القتل والتدمير في أهلها وبنيانها .

 

إن مفهوم الجهاد في الإسلام ليس مرادفا لمفهوم الحروب المقدسة عند الغربيين . ليس مرادفا لمفهوم الحروب الدينية كانت أو المذهبية التي عرفها الغرب في تاريخه الوسيط والقريب . بل هو مفهوم متعال للدفاع عن وجود الإنسان وحريته وكرامته وصون إرادته من أي شكل من أشكال الإكراه . وهو تجسيد لقول القرآن الكريم (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه .. )) .

 

ثم إن الدعوة العامة لقادة الأمة ولنخبها ولشعوبها إلى المبادرة لنصرة الشعب السوري يجب أن توضع في سياقها العملي المنتج . الساحة السورية لا تحتاج عمليا إلى جهود المزيد من الأفراد غير المنظمين الذين لا يضبطهم ضابط ولا يقود جهادهم قائد !! وكيف يكون الأمر كذلك والمسلمون– حسب قرآنهم - هم أمة الصف الواحد (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ )). إن توافد المزيد من الأفراد إلى الساحة السورية من غير رابط ولا ضابط قد يقود المشهد السوري إلى عكس المطلوب ، فيزيد الساحة اضطرابا والصف انقساما وخذلانا ..

 

لقد زج الولي الفقيه في معركته ضد الشعب السوري بقوات مجهزة منظمة يقودها قادة مدربون وخبراء متمكنون لتحقيق أهداف محددة . لن يفلح المسعى بصد العدوان إلا بتدبير مثله . ولا بد للعلماء المسلمين إذا أرادوا متابعة ما قرروا أن يسعوا إلى بناء قوة منظمة تحت راية الجامعة العربية مثلا أو من يبادر من الدول العربية لمواجهة القوى المجهزة والمنظمة بمثلها لأن الحديد بالحديد يفلح كما قالت العرب .

 

ومع إيماننا أن الولي الفقيه وأتباعه يريدون أن يجروا المنطقة إلى حرب طائفية مقيتة لا تبقي ولا تذر فإننا نحن – المسلمين – جبل الأمة الراسي ، وبحرها اللجي ، وشجرتها الطيبة أصل ثابت وفرع في السماء يجب أن نستعصي على المكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله . ونظل نرفض الانغماس في مستنقع الطائفية المنتن المقيت ..

 

لندن : 6 / شعبان / 1434

15 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

للنظام السوري أفراحه ومسرّاته أيضاً

دمشق ـ عمر قدور

المستقبل

الاحد 9/6/2013

لا تخلو الأيام العصيبة التي يعيشها النظام السوري من مباهج، أو هذا على الأقل ما يوحي به أنصاره أو يروّجون له. التظاهرات التي شهدتها مدن تركية عدة أخيراً لها طعم خاص من بين هذه المسرات، فأردوغان منذ وقت طويل بات يصنّف بألدّ الأعداء، وأي تحرك سياسي داخلي مناهض له سيُرى بمثابة انتصار للنظام في دمشق، وإن لم يكن للأخير يد فيه. هكذا، بصرف النظر عما تؤول إليه الاحتجاجات التركية، تجري الاستعدادات في صفوف الموالين للاحتفال بلحظة إسقاط أردوغان، والتي لا بد أن تكون شبيهة بما يتمناه ثوار سوريا للحظة إسقاط النظام، بل إن شبيحاً تركياً معروفاً هو "معراج أورال" شطت به الأماني فكتب على صفحته في الفيسبوك: "في نهاية حديثي اليوم على قناة سما السورية وجهت رسالة إلى بشار الأسد، قلت فيها: أنا واثق أن نبلك سيدفعك إلى الموافقة على اللجوء السياسي في سوريا لأردوغان وأعوانه".

وأن تستضيف قناة سما السورية معراج أورال فذلك ليس لأنه خبير في الشؤون التركية؛ الرجل من أهل البيت وسبق له أن شارك النظام فرحة كبرى في مطلع أيار الماضي، أو بالأحرى شارك في صنعها والاحتفال بها. أورال واحد من "الأبطال الكبار" لمجزرتي البيضا وبانياس، لم يخفِ دوره فيهما ولم يخجل شبيحة النظام من دوره بصفته أجنبياً، فالمهم حينها هي فرحة الانتصار على المدنيين ونجاح حملة التطهير المذهبي التي تعرضت لها البيضا وبانياس وحلقات الدبكة التي أقيمت على جثث المدنيين، بالمعنى الحرفي لا المجازي.

بالتكامل مع رسالة أورال التلفزيونية دعت وزارة الخارجية السورية "رعاياها" إلى عدم السفر إلى تركيا، ويبدو أنها جادة في الحرص على السوريين خوفاً من الطائرات والصواريخ، وربما الأسلحة الكيماوية، التي لا بد أن أردوغان ينوي استخدامها ضد شعبه!! قبل ذلك سارع وزير الإعلام عمران الزعبي إلى القول: "إن قمع أردوغان للمظاهرات السلمية أمر غير واقعي ويكشف انفصاله عن الواقع.. الشعب التركي الشقيق لا يستحق هذه الهمجية". مضيفاً أن أردوغان يقود بلاده بأسلوب إرهابي ويدمر مدنية الشعب التركي وإنجازاته.. ثم: على أردوغان إذا كان عاجزاً عن اتباع وسائل غير عنفية التنحي، والشعب التركي لديه كوادر كثيرة وعاقلة.

أيضاً لا بد أن أقوال الزعبي هذه تدخل بهجة عظيمة على قلوب المؤيدين لما له من مكانة خاصة لديهم، فهو كان من أبطال شاشتهم غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بصفته الناطق باسم اللجنة الحقوقية التي شكلها النظام آنذاك للرد على لجنة التحقيق الدولية، وبخاصة بصفته محامي "شاهد الزور" في تلك القضية. وكانت اتهاماته التي يكيلها جزافاً لقيادات لبنانية معروفة، سواء بالتضليل أو الاتهامات الجنائية، مبعث حبور كبير لأنصار النظام، ما أهّله لاحقاً ليلعب الدور نفسه ويزفّ لهم "انتصارات" قيادته على الشعب الإرهابي. للإنصاف كان الزعبي سباقاً في مطالبة أردوغان بالتنحي، فغداة تفجيرات الريحانية التي اتهمت فيها تركيا مخابراته بالتخطيط لها قال: "أطالب أردوغان أن يتنحى كقاتل وسفاح، وليس من حقه أبداً أن يبني أمجاده على دماء الأتراك ودماء السوريين".

في الواحد والعشرين من نيسان الماضي، بعد الانتهاء من مجزرة "جديدة الفضل"، رقص مؤيدو النظام وأقاموا حلقات الدبكة في الضاحية المجاورة التي انطلقوا منها لتنفيذ المجزرة، ومن فرط سعادتهم بقتل أكثر من 500 مدني من جيرانهم وثّقوا ذلك الاحتفال ونشروه على اليوتيوب وهم يمنّون النفس باحتفال مماثل إن استطاعوا اجتياح داريّا. ذلك يعيد إلى الأذهان اجتياح داريّا في صيف العام الماضي، وحينها قامت مذيعة النظام المتأنقة بالتجول بين الضحايا، واستجوبت طفلة تتكئ على جثة أمها، واستجوبت امرأة قبل أن تقتلها قوات النظام المرافقة لها؛ صار اسمها مذيعة داريّا، واكتسبت صيتاً كبيراً بين المؤيدين بسبب تحركاتها الرشيقة بين الجثث. كانت فرحة كبرى مؤقتة لأن الثوار عادوا لتحرير المدينة، وعاد الشريط الإخباري لتلك القناة يبث مسرات صغيرة غير مصورة، مفادها القضاء على "الإرهابيين" في داريّا.

ولكن لا يمكننا اتهام مؤيدي النظام بضيق الأفق، فأفراحهم لا تقف دائماً عند حدود قرية هنا أو بلدة هناك، ثمة أفراح تدلل على انخراطهم فيما يحدث في العالم، بل تدلل على اعتقادهم بأن لهم تأثير عميق في المتغيرات الدولية البعيدة. مثلاً في مطلع أيار من العام الماضي راحت صفحات الموالين تشمت بسبب نتائج استطلاعات الرأي التي ترجّح خسارة ساركوزي للانتخابات الفرنسية، وتهلل للفوز المرتقب لهولاند؛ وجه الشماتة هنا أن ساركوزي لا بد أن يكون خسر الكثير من الأصوات بسبب موقفه السلبي من النظام السوري، وهذه الخسارة ينبغي أن تكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه النظام. لا ريب في أن فرحة المؤيدين انكسرت قليلاً بسبب مواقف هولاند من الملف السوري أيضاً، إلا أن هذا لا يطعنها في الصميم إذ لا بد أن يأتي يوم "يُعاقب" فيه هولاند كسلفه، بينما يبقى النظام شامخاً ومنتصراً في دمشق!

على العكس من القنوات الإعلامية الشهيرة، و"المعادية" عموماً، لدى إعلام النظام قدرة على الإتيان بتلك الأخبار التي يجري التعتيم عليها عالمياً، وهي أخبار تبعث على البهجة عموماً. فدائماً هناك في مكان ما من ينتقد السياسة الغربية إزاء النظام ويثني على الأخير وعلى صموده، قد تأتي الانتقادات من مرشح للبرلمان الأرميني، أو من صحافي آذري، أو من منظمة محلية في أمريكا اللاتينية. غير أن الانتقادات الأكثر جلباً للتفاؤل والبهجة تأتي دائماً من معقل الغرب، ومن أصوات يعتّم عليها الغرب لأنها تفضح سياساته العدوانية، قد يكون المصدر مقالة رأي يتيمة في صحيفة معروفة تصدر في لندن أو باريس، وقد تكون فقرة مجتزأة من مقال؛ هذا لا يهم لأن تراكم هذه التفاصيل يؤذن بفرحة الانتصار القادمة على أعداء النظام أينما كانوا.

مباهج ومسرات دائمة غير جديدة على النظام، وطوال عقود كان السوريون مجبرين على تمثّل تلك الأفراح، وكانت وسائل الإعلام تغطّي ما يُسمّى "أفراح الشعب". لا يغيّر في الأمر أن غالبية السوريين باتوا منذ سنتين ينغّصون على الباقين فرحتهم العامرة، بل لعل الفرحة تكون أعظم بالقضاء على أولئك الذين غادروا حلقات الدبكة التي كانت تُعقد تحية للنظام. ثم إن النظام، من وجهة النظر هذه، أبدي بينما الآخرون على مختلف توجهاتهم وأماكن وجودهم زائلون؛ هكذا أتى العديد من الرؤساء المنتخبون في دول أخرى وذهبوا وبقي النظام، هكذا اندلعت حروب ووقعت خسائر باهظة لكن "أفراح الشعب" بقيت ببقاء النظام.

نظام قائم على الفرح، وفي كل يوم تزداد مسراته، وهي بلا شك صارت أعظم منذ اندلاع الثورة، فمع مطلع كل فجر ثمة فرحة لا تُقدر بثمن لمؤيديه إذ يطمئنون إلى بقائه ليوم إضافي، ويعدون أنفسهم بتكرار الفرحة في اليوم التالي. الأمر هنا لا يتعلق بالسياسة فقط، لذا لن يكون مهماً الثمن الباهظ الذي يُدفع لقاء كل هذا الفرح؛ في سوسيولوجيا السعادة ينبغي التركيز فقط على وهم الإحساس بها، فذلك يبشّر بمجيئها، حسب بعض مدارس علم النفس السلوكي، وإن تمت ترجمة هذه المقولة محلياً بالرقص على أجساد الأحياء وجثث القتلى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
عن «اتحاد الديموقراطيين» و«الائتلاف»!

ميشيل كيلو

السفير

السبت 8/6/2013

كلما قام احد بمبادرة سياسية ما في ساحتنا السورية، سارع كثيرون إلى تعطيل عمله وشل حركته. هذا قانون غير مكتوب في السياسة السورية، يلتزم كثيرون به في كل مناسبة وأمر.

عندما عقدنا لقاء التشاور في القاهرة استعدادا لتأسيس «اتحاد الديموقراطيين السوريين»، الذي سمي خطأ «القطب الديموقراطي»، طرحت مسألة «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية»، وما إذا كان الهدف من تأسيس «الاتحاد» هو تحسين شروط دخولنا إلى «الائتلاف». يومها، أكدنا مرارا وتكرارا أن لا علاقة بين الأمرين، وأن «الاتحاد» مسألة استراتيجية وجهتها المجتمع السوري الذي لا بد أن يؤسس تنظيما ديموقراطيا يعبر عن تطلعاته، ويلبي رغبته في أن يكون للخيار الديموقراطي حضوره في الشعب وتمثيله في سياساته العليا، أي في التطورات المقبلة التي ستقرر مصير بلادنا. وبالتالي ما إذا كانت ستذهب إلى نظام ديموقراطي أم ستخرج من أزمتها الحالية لتدخل في أزمة جديدة، باعتبار أننا سنقف أمام كتلتين تاريخيتين يحتمل جدا انهما ستحددان في المستقبل القريب مسارنا ومصيرنا، إحداهما الكتلة الديموقراطية التي لا يجوز أن تبقى مفتتة ومشتتة لا تعبير لها ولا كيان، لأن ذلك سيضع أقدارنا بين أيدي بديل إسلامي ما، لا نعرف اليوم أي شيء عنه غير أنه سيأخذنا إلى استبداد جديد. بالمقابل، ليس انتسابنا إلى «الائتلاف» غير انخراط في صراع سياسي قائم، تفتقر الديموقراطية السورية المنظمة الى وجود تمثيلي فيه يعكس وزنها. وبما أن «الائتلاف» سيحل نفسه بمجرد تأسيس حكومة انتقالية، فإنه يظل كيانا عابرا، وإن كان الدخول إليه يمكن أن يحسن فرص الوحدة بين الديموقراطيين. بهذا المعنى، ليس دخولنا «الائتلاف» مسألة حياة وموت بالنسبة إلى الديموقراطية أو إلى وطننا، بينما قيام اتحاد ناجح وفاعل يضم اوسع قطاعات الديموقراطيين السوريين مسألة كهذه، فمن غير الجائز بأي حال من الأحوال إخضاعها لحسابات وقتية أو عابرة وجزئية كالانتساب إلى «الائتلاف»، ولا بد ان تخضع جميع الحسابات الأخرى لها، باعتبارها أم جميع قضايانا كديموقراطيين.

لا علاقة إذاً بين الانتساب «للائتلاف» وبين تكوين «القطب الديموقراطي». إنهما تكوينين مختلفين من حيث بنيتهما ووظائفهما ومراميهما. ومن انتسبوا إلى «الائتلاف» فعلوا ذلك بصفتهم ديموقراطيين افرادا وليسوا أعضاء في «اتحاد ديموقراطيين سوريين»، يستحيل ان يدخلوا اي مكان او تنظيم باسمه، لسبب بسيط هو أنه لم يولد بعد. لذلك، وعندما تم التصويت وادرجت اسماؤنا في قائمة سميت «قائمة اتحاد الديموقراطيين»، طلبت حذف الاسم واعلمت من يهمهم الامر اننا لسنا هنا كأعضاء في تنظيم لم يوجد بعد. ليس لنا بالتالي حق التحدث باسمه أو تمثيله، بل نحن مجرد ديمقراطيين افرادا، واقترحت أن تسمى قائمتنا «القائمة الديموقراطية»، إذا كان لا بد من اسم يطلق عليها.

هل يتعارض انتساب تكتيكي لديموقراطيين أفرادا مع تأسيس استراتيجي لاتحاد ديموقراطيين سوريين؟ وهل يغلق انتسابهم إلى «الائتلاف» سبل تأسيس «الاتحاد» أو يجعل قيامه صعبا أو غير ممكن؟ اعتقد أن هذين السؤالين على قدر كبير من الأهمية. وابادر إلى التأكيد: إذا كان وجودي في «الائتلاف» سيتعارض مع دوري في إقامة «الاتحاد»، فإنني لن امكث دقيقة واحدة فيه، وسأغادره دون تردد، لأن هدفي ليس دخول لعبة سياسية أنا أصلا منخرط حتى ذقني فيها، بل تأسيس كيان لا مستقبل للديموقراطية في سوريا من دونه، ولا قيمة لأي دور مهما كان كبيرا إلا بدلالته. ليس «الائتلاف» أولويتي، وإذا كنت قد انخرطت في صفوفه فلاعتقادي أن ذلك لا يتعارض بأي شكل مع عملي لإقامة «الاتحاد». وربما كان يجعله أكثر سهولة، ما دام نجاحنا كديموقراطيين افرادا قد يعزز الرغبة في جمع كلمة القطاعات الديموقراطية التي ستنتسب إلى «الاتحاد»، وستناضل لإقامته، ويجعل الطريق إليه سالكا، ليس فقط بسبب الدور المهم الذي يمكن «للقائمة الديموقراطية» لعبه في ما يتخطى «الائتلاف» إلى الواقع، بل كذلك لأن استبعاد الديموقراطيين عن مؤسسات التمثيل المعارض يجب أن ينتهي، امتثالا لحتمية غدت امرا لا مهرب منه، تتطلبها تطورات متنوعة على قدر عظيم من الخطورة، اهمها: تحولات ميزان القوى العسكري لصالح النظام ميدانيا، وقرب انعقاد مؤتمر جنيف وما يمكن أن يتمخض عنه من مخاطر جسيمة سياسيا، ووجود فرصة جدية تتيح للديموقراطيين ممارسة دور مفتاحي من الآن فصاعدا، يستعيدون بفضله بعض الوزن والحضور الذي غابوا عنه منذ تأسيس المجلس الوطني قبل أكثر من عام ونصف العام. مع ما سيرتبط بذلك من تحسين محتمل للأوضاع السياسية العامة في وطننا المنكوب، خاصة بعد أن اخذ «الجيش الحر» موقفا واضحا إلى جانب الديموقراطيين وابلغ الجميع أنه يرى في نفسه حليفا لهم، وقال إنهم حملة القضية الوطنية والنضالية الرئيسيتين. فهل يضر هذا كله بفرص تأسيس «القطب الديموقراطي» أم انه يخلق شروطا أفضل لقيامه ويعطيه زخما اكبر لدى الرأي العام السوري، الذي تنتظر قطاعات متزايدة الاتساع منه قيامه بترقب وتتابع أنشطة من يعملون له بتعاطف وتأييد جديين؟.

بدل المماحكات التي تجعل الدخول إلى «الائتلاف» متعارضا مع تأسيس «اتحاد الديموقراطيين السوريين»، كان من الضروري مناقشة واقتراح خطط عمل وبرامج تنفيذية تمكن «القائمة الديموقراطية» من لعب دور مفصلي داخل «الائتلاف» بالنسبة إلى واقع سوريا السياسي اليوم، وما ينتظرها من تطورات حاسمة خلال الأشهر القليلة القادمة. لكن العقل التعطيلي لا يرى المهم وينصرف إلى الفرعي والثانوي، ويأخذ على الدوام مواقف تقنية الطابع، لا علاقة لها بالواقع السياسي في شموله، لذلك تعجز عن وعي ما يحدث على حقيقته وعن الفعل فيه، بينما يعتريها الخوف مما يمكن ان ينجم عنه من تطور وتغيير، ويجعلها تفضل أن لا تقوم بأي شيء بدل أن تنتقل من مواقعها الراهنة إلى بدائلها المطلوبة.

ليس «الائتلافُ» بديلَ «الاتحاد»، الذي لن يكون هناك اي بديل له، اليوم وغدا. وليس «الائتلاف» مثيلا للاتحاد وليس غاية بحد ذاته، وهو لا يمكن أن يرقى إلى مستواه تحت أي ظرف ولأي سبب، ولا يستطيع أن يكون سبيلنا إليه مهما زادت ادواره وصحت سياساته. وإذا كنا قد دخلنا «الائتلاف» كافراد انتظموا في قائمة واحدة، فلأننا نرى في دخوله ضرورة تمليها تطورات ظرفية على درجة كبيرة من الأهمية. بينما «الاتحاد» ضرورة وجودية، مجتمعية وفوق سياسية، سيقرر نجاحها مصير بلادنا إلى عقود، وربما إلى قرون قادمة، بينما لن تسقط السماء على الأرض أن اختفى «الائتلاف» غدا، وقد يتم استبداله في اي وقت بتنظيم آخر افضل منه بكثير، علما بان دخولنا إليه تم بمعركة ستترتب عليها نتائج مهمة إن نحن احسنا العمل والنضال.

والآن، وقد صارت قصة «الائتلاف» وراءنا، لا بد من أن نتجه بكامل طاقاتنا إلى العمل من أجل تأسيس «اتحاد الديموقراطيين السوريين»، غايتنا التي لا تعلو عليها أو تدنيها غاية، وهدفنا الذي لا يرقى إليه هدف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون والمسلمون الشيعة

فايز سارة

المستقبل

السبت 8/6/2013

لم يكن للسوريين موقف عدائي او متحفظ من المسلمين الشيعة في وقت من الاوقات، وامر كهذا ليس قولاً انشائياً، او امر يقال على خلفية ما يحصل من تطورات في سوريا وبعد التدخل العنيف لحزب الله اللبناني في الحرب الى جانب النظام ضد السوريين، ولا في المساندة التي تتجسد دعماً من ايران وبعض التنظيمات والشخصيات، التي توصف بالشيعية للنظام في حربه الدموية والتدميرية على السوريين وسوريا. انما الكلام تأكيد للمنحى العام الذي نظر فيه السوريون للمسلمين الشيعة، وللطريقة الاخوية، التي تعاملوا بها معهم باعتبارهم ابناء وطن واحد، او اخوة في بلدان اخرى، تنتمي الى الفضاء العربي الاسلامي الذي يجمع العرب والمسلمين بغض النظر عن التفاصيل الماثلة في اطار تلك الهوية، التي تكونت عبر أكثر من الف وخمسمئة عام.

ان اول حيثيات السوريين في موقفهم من المسلمين الشيعة هو ان جزءاً من هؤلاء مواطنون سوريون، حاضرون في الحياة العامة على قدم وساق مع مواطنيهم الآخرين، وهم جزء من النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في العاصمة دمشق ومدن غيرها، كما في القرى البعيدة، وبصفة مستمرة، فقد كان سوريون من الشيعة اعضاء في نادي النخبة في مجالاتها كافة ومنهم آل بلوق وصندوق والنحاس واللحام والروماني، واحتل كثيرون منهم مناصب ومواقع ذات اهمية في البناء السياسي - الاقتصادي والثقافي في سوريا بعد الاستقلال.

وبطبيعة الحال، فان المواقع الدينية للمسلمين الشيعة في سوريا، كانت على الدوام على ذات القدر من الاحترام الذي يحيط بالمواقع الدينية للمسلمين السنة ولغيرهم من اصحاب المذاهب الاخرى، والمنتمين الى بقية الديانات. لقد حافظ السوريون على مدار نحو الف وخمسمئة عام على مقامات وقبور آل البيت في السيدة زينب والسيدة رقية وفي مقبرة الباب الصغير، وكذلك على مقامات شخصيات اسلامية يبدي الشيعة اهتماماً خاصاً بهم، خاصة وان هؤلاء هم موضع احترام لدى السنة السوريين اساساً.

لقد تجاوز السوريون تلك التشاركية التي جمعتهم مع مواطنيهم الشيعة، الى علاقة اخوية مع المسلمين الشيعة الذين حلوا في سوريا على فترات تاريخية مختلفة، ولعل التوقف عند حضور السيد محسن الامين الذي يحمل احد أحياء دمشق اسمه مثال على موقف السوريين من اخوانهم الذين وفدوا من بلدان اخرى، وقد جاء السيد الامين الى دمشق من لبنان وحلّ فيها كواحد من ابنائها، ثم صار واحداً من ابرز علمائها ووجهائها، وفي كل الاحوال لعب الرجل دوراً متعدد الابعاد والمستويات ليس في حياة دمشق، وانما في المستوى الوطني في ابعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وما زالت بعض اثار ذلك الدور ماثلة في دمشق من خلال المدرسة المحسنية التي اسسها محسن الامين في حياته لتكون منارة علم حديث.

وطوال عقود ما بعد الاستقلال، كانت سوريا ملاذاً للحياة وفرصاً للعيش لكثير من المسلمين الشيعة الذين وفدوا اليها من دول الجوار العربي والاسلامي من لبنان والعراق وايران وبلدان الخليج والى الابعد من ذلك، وكان بين من وفد اليها رجال سياسة ومثقفين وفنانيين واكاديميين، فروا من حكام طغاة على نحو ما كان، عراقيون وفدوا الى سوريا منذ سبعينات القرن الماضي هاربين من نظام صدام حسين، وانضم اليهم عراقيون هربوا من الحروب على العراق وبينها حرب ايران في الثمانينات، ثم الحرب الدولية 1991، والغزو الاميركي عام 2003، ولجأ شيعة لبنان مع اخوانهم من طوائف اخرى الى سوريا في خلال حروب اسرائيل على لبنان، والتي تصاعدت وتوسعت منذ بداية السبيعينات، وصولاً الى الحرب الاخيرة في العام 2006، وابدى السوريون على مدار عقود تعاطفاً شديداً وتضامناً بل ومشاركة في محن لبنان وشيعته على نحو خاص في مواجهة اسرائيل وسياستها العدوانية.

وان كان من خلاصة لمسار السوريين على تنوعهم وتعددهم في علاقتهم مع المسلمين الشيعة، فيمكن القول، ان ذلك المسار تميز بعلاقات اخوية وتضامنية الى ابعد الحدود، ولم يكن يشوبها اي بعد صراعي طائفي او ديني من شأنه تصعيد تناقضات وصراعات ضد الشيعة سوريين او عرباً او من بلدان اخرى، غير ان هذه القاعدة التي ترسخت على مدار عقود من عمر الدولة والمجتمع في سوريا، اخذت تتعرض للاهتزاز في العامين الآخيرين، حيث اعلنت ايران - التي تصف نفسها مرجعية للمسلمين الشيعة- وقوفها الى جانب النظام ضد ثورة السوريين ومطالبهم بالحرية والكرامة، وقدمت للنظام كل امكانيات الدعم العسكري والاقتصادي والمالي، قبل أن تنضم اليها جماعات ترتبط بها من حزب الله في لبنان الى مليشيات عراقية بينها قوات بدر وجيش المهدي، وكلها ارسلت خبراء وقوات واسلحة الى سوريا للقتال الى جانب النظام، بل ان اطرافاً بينهم ايران يقومون بحملات تنظيم مرتزقة لزجهم في المعركة ضد ثورة السوريين.

غير ان الاخطر من دعم النظام وشن الحرب على الشعب السوري قتلاً وتهجيراً وتدميراً، يتمثل في حملة دعاوية تحريضية، هدفها تصعيد حمى الصراع الطائفي ووصف السوريين بالقول انهم تكفيريين واصوليين، وانهم يعادون الشيعة ويعتدون عليهم، الامر الذي يوفر بيئة لصراع طائفي، يضاف الى ما تركته مشاركة حزب الله والمليشيات العراقية في الصراع العسكري في سوريا وسقوط مدينة القصير على ايدي تحالف قوات النظام مع حزب الله من أثار على العلاقات بين المسلمين من الشيعة والسنة في سوريا ومحيطها.

ورغم كل التطورات السلبية، التي نتجت، وما سينتج عن مشاركة ايران وحزب الله والمليشيات العراقية في الحرب على السوريين والحملة الدعاوية التحريضية ضدهم. فان ثمة ايمان، بان الجسد الاساسي للمسلمين الشيعة، هو خارج حسابات تلك الاطراف وخارج ما تقوم به من حرب وتحريض على السوريين، ليس فقط لان مسيرة الاخيرين هي مسيرة اخوة وتضامن مع الشيعة، بل لان المسلمين الشيعة وقفوا دائما ضد الظلم، ولايمكن ان يقبلوا الدخول في صراع يدمر وحدة المسلمين وبلادهم، ويدخل اجيالهم القادمة في مستقبل مجهول.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إنها ثورة الحرية وليست حربا مذهبية هالكة!

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 10/6/2013

 

تظل الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) هي المدرسة الأولى والأهم في ابتكار وتقعيد وممارسة أوسع تشكيلة من نمذجات المقتلات، وجعل العنف وحده هو العدو الأكبر والقائد الأعلى، المسيطر على جميع أفرقاء الصراع. ما بعد الحرب جاءت المهالك الأهلوية المتنقلة ما بين أقطار عربية وإسلامية أخرى، كأنها فصول دموية، متبارية فيما بينها بأصناف الفظائع المبتكرة، متخطية بذلك أعلى سقوف المحظورات المتعارف عليها دولياً وتاريخياً.

إنه المآل المفجع الذي تطورت إليه هزائم السياسة العربية الدولانية عامةً، سواء بالنسبة لساحاتها الخارجية، أو إزاء ركام العجز المتنامي في مسائل التنمية الإنسانية والاقتصادية لمجتمعاتها. فالاستقلال الوطني الذي نعمت به شعوبُ الأمة العربية، بالتحرر من الاحتلالات الأجنبية لأوطانها، لم يقترن بمشروع نهضوي متّصف بالواقعية أولاً، وليس بما يذخر به من الوعود المطلقة في كل شيء على طريقة الأدلجات المثالية أو الطوبائية.

لم تتحقق أية معادلة منظورة بين نشأة الدولة العربية المستقلة الجديدة وبين فعاليات مجتمع منطلق الإرادة. إذ أن هذه الدولة عجزت عن توفير الشروط المادية والمعنوية الأولية لنشأة المجتمع الحر. فكان أن تنامى نوعُ التناقض المحوري مجدداً بين قطبيْ (الأمة )، أي الدولة والمجتمع. فلقد أمضت الأمة من عصر تواجدها الحديث، زهاءَ نصف قرن ونيف وهي تعاني من إشكالية هذا التناقض، المتمركزة دائماً حول رفض الحكام الراهنيين والبحث عن حكام آخرين. فلم تنجح الأجوبة المتتابعة والمتصارعة عن سؤال: من يحكم؟ في بناء أية معادلة توازن ممكنة بين المصالح العامة للغالبية العظمى وبين النوازع الفردية والأنانية للفئات الحاكمة. كانت تلك (الأجوبة) جانحة دائماً لدى أصحابها من دعاة التغيير والإصلاح، إلى الإتيان بالأنظمة الأيديولوجية الجاهزة واقتراحها كحلول مباشرة لمعضلات الناس والسياسة والثقافة وشؤون الدفاع. لم يستطع العقل السياسي العربي السائد من مرحلة إلى أخرى أن يكون واقعياً لمرة واحدة. وعندما يمكن لفئة أو زعيم القدرة على مبادرة استعصاء مجتمعي أو دولاني بالحل المعالج لعقده، سرعان ما يداهمه الفشل أو الإحباط أو الغدر، يكون من نصيبه هو وروّاده وأتباعه معه.

هذه هي المسيرة النموذجية لمعظم هذه القلّة/النخبة من بعض شعوب الأمة التي أخذت على عاتقها مهمات التغيير للصالح العام، فلم تُهزم طلائعها الحركية سياسياً فحسب، بل كانت الفجيعة حقاً في هزيمة العقل العمومي أو الجمهوري هذا الذي سوف يرتدّ على أعقابه إلى ما تحت معتقداته البدائية في كل شيء. لا نقول عن ظاهرة الردّة هذه أنها إشارة اليأس الجماهيري من (الأفكار العظيمة)، بل هو التشاؤم من أدعيائها، ومن عازفي ألحانها وشعاراتها. فالفكرة العظيمة، ليست في منطوقها بقدر ما هي في مفعولها، في محصولها المحسوس. هذا الذي لم تستطع أيةُ مرحلة انقلابية أن تحفر له أسساً ثابتة عميقة في تربة تاريخانية النهضة المعاصرة حتى اليوم.

إنها الردة المجتمعية التي هي الأخطر دائماً من كل نكسة سياسية، إذ ربما أمكن بعض التصحيح في الشأن السياسي، بينما لا يتغيّر المجتمع بناء على أوامر فوقية، أو نتيجةَ دعواتٍ نظرية. في هذه الحالة تغدو حتى أشد الحركات السياسية تجذراً أشبه بمويجات عابرة على سطوح الأحداث، فاقدة لإمكانية التدخل في تيارات الجموح العقائدي المستنفرة للقواعد الشعبية في كل مكان.

من هنا لم تعد هذه الردّة ملكَ أصحابها فحسب، إنها تقدم منجماً هائلاً من القوى الخام المتصفة بقابليات لامحدودة للاستغلال البراغماتيكي المتنوع إلى درجة التناقض بين فروعه. ومع ذلك لا يمكن تعميم الحكم بالردّة كما يتصور ويأمل منظّروها، والساعون إلى توظيفها سياسياً و.. (جهادياً). فقد أثبتت أكبر تجربة في مخطط التوظيف هذا، متمثلاً في محاولة استيعاب ثورات الربيع، والانقضاض عليها داخلياً، أثبتت محدوديةَ آفاقها العملية. عاجلاً وليس آجلاً لا تلبث حركات الردّة في المرحلة (الجهادية) أن تستنقع في عمليات العنف الدموي المطلق، وفي المرحلة السلمية بعدها، تتورط أجهزتها في العنف السياسي والإرادي. ما يعني أن الردّة محتاجة إلى إعادة انتاج كل نماذج التقوقعات الانعزالية داخل الغالبية العظمى، المحايدة أو المعقمة ثقافياً وسلوكياً ضد أوبئتها المسمومة.

إذا كانت الردّة قد استطاعت أن تختطف الدين وتحوله إلى طقسنات طوائفية وعنصرية مغلّفة بالتعابير القدسية، فإنها اليوم تركّز جهدها الأكبر في اختطاف الربيع العربي بتوظيف الدين نفسه كوسيلة عقائدية وجماهيرية ساعية إلى تجديد بنية نظام الاستبداد/الفساد الدولاني السابق والمتبقي منه حاكماً متحكماً في حاضر العرب والإسلام ومستقبلهم.

ربيع سورية تتكالب عليه مختبرات الردّة في مختلف أصنافها، هناك من هو في صفّه، وهو عدو مقيم بين أبطاله. وهناك منها كذلك من يجازف بالرهان الطائفي والعنصري وحده بديلاً عن أمجاد ‘المقاومة’ والممانعة’، والمضي بهذا الرهان المشؤوم إلى هاويته المطلقة في قتل الربيع نفسه، واستعداء كل الآخرين ضده، ما يجعل العقيدة الحقيقية الموجهة لثقافة الردّة وقبائلها تتفرّع جميعها من معين واحد هو العنف فحسب، هو مبدأ الحق للقوة، وليس العكس أبداً، أي ألا يُعطى للحق أيةُ سلطة على انفلات الهمجية من عقالها. فكيف إذن يمكن للربيع أن يظل واعداً مبشراً شعوبَه بمواسم النهضة الشاملة المصححة، إن لم ينزع عن براعم حقوله أشواكَ العصور المظلمة المتهالكة، فليس مركّب الاستبداد/الفساد مشخصاً فقط في المتسلطين الحاكمين، ذلك أن معين الغذاء الذي تنهل منه الردّة أخطرَ مشاريعها هو هذا المركب نفسه، متغلغلاً في خبايا كل نفس بشرية أمّارة بالسوء قبل أن تتبين ما هو الخير الحقيقي. من الزيف (العقائدي) المسلّح بالعناوين القداسية.

كأن هذا الربيع العربي مدعوّ في كل جولة من مسيرته، المظفّرة، رغم كل منعطفاتها الملتبسة، إلى إعادة غسيل باقة من الأفكار، ومعرضٍ من الوجود والشخصيات، ومحْفلٍ من التسميات والتصنيفات، آتية إليه من ماضي التجارب الخائبة في مجملها. لكنه يكاد يصل إلى يقين حمله في جوهره منذ انطلاقة نواياه الأولى في القلوب الشابة الصافية، وهو أن يكون نداء على الحرية باسمها وحده. إنها تمارينه الصعبة المتوالية، تقدم في دروسها المزيد من الثقة بالبديهية المركزية، ما أن يعلو نداء الحرية فوق صخب الأدلجات جميعها، فقد تتالى هذه الأدلجات وتتساقط تجاربها العاجزة خلف بعضها، ليبقى في نهاية الطريق وجه الحرية ساطعاً على ظلمات المفارق التائهة.

حتى لا يرّن هذا الكلام طوبائياً في الأسماع فقط، نشير إلى ملاحظة هي بمثابة واحدة من أبلغ عناصر المصداقية في ثوراتنا الربيعية الراهنة، وهي أن الردّة بكل ما تمتلكه من ذخائرها الأجنبية والإقليمية والقروسطية، تصرّ على تحويل الثورات العربية إلى مسلسل الحروب الأهلية العبثية، لكن هذا الرهان الجهنمي مازال محتاجاً إلى حشد جميع شياطين العالم والتاريخ كيما يحقق فارقاً نوعياً. ولقد كاد هذا النوع من الحشد أن يقدم عن ذاته عيّنةً أخيرةً في الميادين الشامية المجيدة، أنتج نصراً عجيباً هو أشبه ما يكون بهزيمة الهزائم كلها لأبطاله الميامين..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التسوية السياسية السورية بين الداخل والخارج

حسين العودات

البيان

الاثنين 10/6/2013

لم تعد توجد أهمية تذكر وذات فعالية في حل الأزمة السورية، للأطراف السورية المتعددة والمتنوعة والمتناقضة أحيانا، كالمعارضة السياسية الداخلية أو الخارجية أو المسلحة، أو حتى أهل السلطة ورموز النظام السياسي القائم، وغدا الحل الممكن والفعال في أيدي دول أخرى تحاول كل منها أن "تتعكز" على طرف سوري داخلي، وتؤكد أن لديها تفويضا من هذا الطرف أو ذاك..

وتتحاور هذه الدول، وتتفق وتختلف، وتضع شروطا وترد على شروط، وتأمر وتنهى، وتشارك الأطراف السورية في إبداء الرأي، وفي الإعلان (مجرد الإعلان فقط) عن قبول هذا الموقف الدولي أو ذاك، وتوهم نفسها أحيانا.

كما يفعل أهل السلطة والنظام غالبا، أنهم لن يقبلوا من مؤتمر جنيف إلا أن يكون سوريا محضا، لا تتدخل فيه الدول الأجنبية، بينما تعتقد مجموعات كبيرة جدا من المحللين والسياسيين والرأي العام الداخلي والعربي والدولي، أن الأطراف السورية (المعارضة والموالية) ليست هي من يقرر، وأن الحل الحقيقي يقع في أيدي الدول الأخرى، العربية والدولية، وأن آراء المعارضة أو قادة السلطة لا تقدم ولا تؤخر.

وفي ضوء ذلك، يتابع الجميع تصريحات وزيري الخارجية الأميركي والروسي، على أساس أنها من "أم العروس وأبيها"، وما الأطراف الداخلية (المتناقضة والمتصارعة) إلا "بيادق" في أيدي هؤلاء اللاعبين لا أهمية جدية لها سوى تبرير مواقف الكبار.

ويرى هؤلاء المراقبون أن الحل خارجي ويرتبط باتفاق عدد من الدول الأخرى وتحقيق مصالحها، فالشروط الموضوعية للحل تقتضي بالضرورة موافقة إيران (وتوابعها)، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وبعض الدول العربية.. وقبل ذلك كله موافقة إسرائيل، دون أن ينتبه أحد لرأي الشعب السوري.

وإن لم توافق هذه الدول أو تتوافق، فمن المتعذر إيجاد الشرط الموضوعي المطلوب والضروري للوصول إلى تسوية شاملة وراسخة. فالحل، إذن، لم يعد يرتبط فقط بالشأن السوري الداخلي، بل يرتبط أيضا ويتداخل مع مصالح هذه الدول والتجمعات ومواقفها،.

وإن لم تتحقق هذه المصالح لكل منها (جزئياً على الأقل) فإن حل الأزمة السورية لن يأتي قريبا، وسيل الدماء سوف يستمر.. إيرانياً، تصبح التسوية ممكنة عندما تعترف جميع الأطراف الإقليمية والدولية بإيران شريكا حقيقيا في المنطقة، وتوافق على مصالحها ودورها الإقليمي..

وروسياً، لن تكتمل الشروط الموضوعية للتسوية في سوريا، ما لم تتحقق مصالح الروس في احتفاظهم بالقاعدة البحرية في طرطوس، وتسهيل تواجد أسطولهم في المتوسط، وقبولهم لاعبا ذا شأن في شؤون المنطقة وسياساتها المستقبلية.. أما أوروبا والولايات المتحدة، فإنهما ترغبان حلاً يؤسس شرقا أوسطيا حليفا لها، ودودا دافئا، أقرب إلى قبول سياساتها منه إلى مناقشتها، يحافظ على المصالح الغربية في بلاده

كما تشترط أن لا يكون أي دور أو أهمية أو شراكة "للفئات المتطرفة" التي تسميها عادة "الإرهابية"، في شؤون سوريا أو في شؤون المنطقة، إضافة إلى مراعاة الموقف الإسرائيلي ومطالبه من النظام السوري المقبل.

أما بعض الدول العربية، فغالبا لا تملك أوراقا وتأثيرا في الشروط الموضوعية المطلوبة للتسوية التاريخية، باستثناء عطفها على الشعب السوري، ودعم المعارضة ماليا وتسليحيا، وإغاثة الشعب المنكوب، وبالتالي فإن همها الأساس هو الخلاص من النظام السوري القائم، الذي مارس العنف والقتل والتدمير ضد شعبه، والعداء مع الدول العربية، حيث لم تعد موجودة أية إمكانية للقاء معه ثانية.

أما الأهم في شروط التسوية التاريخية، فهو قبولها من الجانب الإسرائيلي، الذي يرغب في أن يتم تدمير كامل شامل لسوريا؛ تدمير نسيجها الاجتماعي وتحويلها إلى طوائف وإثنيات ومجموعات متقاتلة، وتدمير بنيتها التحتية كاملة ومؤسسات القطاع العام، وقواعد الجيش السوري، وخاصة أسلحته الصاروخية والكيميائية، أي إعادة سوريا قرنا إلى الوراء في مختلف المجالات.

وترى إسرائيل أن إطالة الصراع العسكري بين السلطة والمعارضة كفيل بتحقيق هذا الهدف، ولا شك أن السلطة باستمرارها في ممارسة العنف تساعد على ذلك.

وعند اكتمال هذا التدمير الشامل توافق إسرائيل على التسوية. إذا صحت آراء هذا الفريق الذي يرى أن الخارج هو المؤهل لتحقيق تسوية تاريخية في سوريا، وأن شروطها الموضوعية تقتضي أن تقبل بها هذه الأطراف الدولية، فإن التسوية المنشودة مرتبطة بتوافق الجميع، وبالوصول إلى مساومة (تاريخية أيضا) بين هذه الأطراف.

أما الداخل السوري (نظاما ومعارضة) الموهوم بأن موقفه هو الذي يحسم التسوية، فما هو، في نظر هؤلاء، سوى مخدوع لا يعرف بدقة ما يدور حوله. ولعل الخطأ الرئيس الذي ارتكبته المعارضة السورية وأصدقاؤها، هو موافقتها على نقل معالجة الأزمة السورية إلى خارج الحدود، والاعتقاد بأن الخارج كفيل بحلها، وها هي تستعصي أو تسلم نفسها للدول الأخرى، حيث تصعب الآن إعادتها للداخل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رسالة إلى من يهمهم الأمر

المعركة في سورية ..

لم تعد معركة الشعب السوري وحده

وعلى قيادات الأمة أن تأخذ المبادرة

زهير سالم*

روسيا تدخل الحرب ضد الشعب السوري بكل ثقلها ...

السياسيون الروس يديرون المعركة السياسية على المستوى الدولي بكل أبعادها ..

الخبراء الروس العسكريون والأمنيون يديرون المعركة على الأرض بقدرات دولة عظمى وتقنياتها وطاقاتها ..

السلاح الروسي يتدفق على عصابات بشار الأسد بلا توقف . وسط حالة من تجاهل كل المعايير الدولية والحقوق الإنسانية ...

إيران تدخل الحرب ضد الشعب السوري ..

إيران توظف دبلوماسيتها لخدمة بشار الأسد إقليميا . وتعمل على تفتيت مواقف الدول المؤيدة للشعب السوري ومشروع ثورته . الدبلوماسية الإيرانية المدهونه بزبد البترو –دولار الإيراني غزت حتى الآن دولا ذات ثقل منها مصر وتونس والسودان واستطاعت التأثير في مواقفها .

والمال الإيراني اشترى الكثير من الأقلام والمنابر الإعلامية . واستطاع أن يتفوق عند كتاب ، اعتُبروا لفترة طويلة أنصارا لمشروع الحرية وحقوق الإنسان ، على دماء أطفال سورية وأعراض نسائها ..

وإيران على الأرض تدخل المعركة بقياداتها الثورية – الباسيج – الذين يباشرون مع الروس وعلى مستويات أكثر انتشارا في إدارة عمليات القتل والتعذيب والتصفية على كل الأرض السورية ..

وبعد طول تردد وتربص قررت قواعد الولي الفقيه البشرية في العالم أجمع ، عن كشف مشاركتها العملية في القتال ضد الشعب السوري ، ضد عقيدته وثقافته وحريته وحقه في الحياة . نعتقد وتعتقدون أن رفع الشعارات الطائفية في القصير لم يكن من ضرورات الدفاع عن مشروع المقاومة والممانعة .

قواعد الولي الفقيه تنطلق من إيران ومن العراق ومن لبنان ومن كثير من الأقطار التي لن يعجز المرء عن تسميتها ..

ربما نضطر في السياق إلى توضيحين ضروريين :

الأول ان انضمام أولياء الولي لفقيه إلى المعركة لا يمكن أن يقارن بحركة المتطوعين الأفراد من أبناء الأمة الإسلامية ؛ ذلك أن المتطوع الفرد يتسلل إلى ساحة المعركة لواذا ، وهو في الغالب الأعم لا يملك عتاد المقاتل ولا تجهيزاته ، بينما جنود الولي الفقيه هم في الغالب جنود مدربون على مستوى النخبة . وهم مجهزون بأعلى مستوى التجهيز ، تفتح لهم الأبواب وتحدد لهم المهام من قبل قيادات مركزية روسية أو إيرانية  تدير المعركة على الساحة وهذا ما يفتقده الفريق الأول ..

والثاني هو مبادرة المجتمع الدولي إلى تصنيف الفريق الأول ضمن قائمة الإرهابيين للتضييق عليهم ، وتجفيف منابعهم ، والحد من حركتهم بينما الفريق الثاني ما يزال – مع الأسف – يتمتع بالشرعية الدولية خلا عبارات استنكار خلبية  لا تسمن ولا تغني من جوع ..

لن ننسى في سياق تقويمنا للدور الإيراني أيضا موضوع السلاح الإيراني المكمل لما تتأخر روسيا عن تأمينه والذي يتم برحلات يومية جوية وبرية عبر العراق ...

كما لا يجوز أن ننسى الخزانة الإيرانية المفتوحة لتمويل المعركة الإيرانية على الأرض السورية بكل أبعادها ..

إن هذه الحرب ببعديها الدولي ( الروسي ) والإقليمي ( الإيراني ) لم تعد كما يصرح أصحابها بلا ملل معركة لدعم بشار الأسد بل هي معركة للدفاع عن مصالح استراتيجية ومستقبلية لأصحابها ..

الروس والإيرانيون كلاهما يمتلكون مشروعا استراتيجيا مهددا ليس للشعب السوري وحده  بل مهددا للمنطقة بأسرها ..

ولا يخفي المشروع الصفوي ببعديه الطائفي المذهبي والقومي رغبته في استعادة مجد فارس وإنعاش المشروع الشعوبي ضد الإسلام العقيدة والشريعة وضد الأمن القومي العربي في كل قطر من أقطار الأمة ..

نظن أن الدول المعنية بالتهديدات الإيرانية هي الأقدر على تقدير أبعاد هذه التهديدات المستقبلية ..

وهي الأقدر على تقدير الخطر الناشئ عن قدرة الدبلوماسية الإيرانية على استمالة دول ذات ثقل عربي كبير مثل ( مصر ) و( الجزائر ) و ( السودان ) و ( تونس ) و ( العراق ) و ( لبنان ) وغيرها وتحويلها عمليا من حاضنها العربي إلى الصف الإيراني مما يحدث خللا لا حدود له في الصف العربي وفي معادلة الصراع ..

وكذلك هي الأقدر على تقدير الخلل الناشئ عن تخلي المجتمع الدولي في إطار الدول الكبرى عن اتخاذ مواقف جدية ذات مصداقية للتصدي للمشروعين الروسي والإيراني على الأرض السورية ، مهما تكن أسباب هذا الموقف : الخوف من التشدد أو الخوف على إسرائيل . أو الحرص على الخادم الأمين . أو الحرص على إبقاء الشعب السوري بعيدا عن قراره ..

لن تزعم المعارضة السورية بكل وحداتها أنها تملك التأهيل والخبرة والطاقة لتخوض معركة هذه أبعادها وقواها وأدواتها منفردة . نؤمن أن المعارضة السورية الثورية والسياسية هي الحامل العملي لمشروع الثورة ، ولكنها لن تستطيع أن تتحمل من أمرها أكثر مما يتحمله بشار الأسد وهو يستبد بطاقات الدولة السورية ...

المعركة لم تعد معركة الشعب السوري وحده . هي معركة أمة وعلى قيادات الأمة الحقيقية أن تأخذ زمام المبادرة كما الروس والإيرانيين تماما لإدارة معركة تاريخية سيكون لها ما بعدها ..

لندن : 3 / شعبان / 1434

12 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الشيطان

عدنان كامل صلاح

المدينة

الثلاثاء 11/6/2013

في الوقت الذي ارتفعت فيه الصيحات منبهة إلى خطر تحويل الحرب الدائرة في سوريا بين النظام والشعب إلى حرب طائفية دخل حسن نصر الله وحزبه في المعركة بردائه الطائفي .. بداية بالمشاركة في معارك على الحدود ، دعماً لنظام الأسد ، ثم انتقل بعدها إلى داخل سوريا معلناً أنه سيحارب إلى جانب الطاغية ونظامه لقمع الشعب السوري وتطويعه لمصلحة الطغمة الحاكمة محاولاً تقديم أسباب واهية لذلك .

الكثيرون هالهم ما يفعله حسن نصر الله ، فهو ليس سورياً ونظام دمشق يتلقى السلاح والمال والرجال من إيران عبر العراق ، وحزب نصر الله جرى إعداده لحروب عصابات لن تضيف الكثير لقوات النظام السوري ، وروسيا دعمت نظام دمشق بكل الوسائل الممكنة وتمركز أسطول بحري عسكري تابع لها على الشواطىء السورية تأكيداً لهذا الدعم ، وأميركا ، بإدارة أوباما ، تخاذلت وسلمت عملياً الملف السوري لموسكو ..وهكذا لم يكن نظام الأسد مهدداً بسقوط سريع يتطلب دعماً إضافياً عاجلاً ترسله إيران إليه متمثلاً بحزب حسن نصر الله .. السبب الوحيد الذي يجعل إيران ترسل حزب نصر الله الى سوريا هو السعي لزيادة الاحتقان الطائفي وتعريض المنطقة لمخاطر حرب طائفية .

وكان أن أطلق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ، مفتي عام المملكة نداءً عاماً دعا فيه : " الجميع ، ساسة وعلماء ، أن يتخذوا من هذا الحزب الطائفي المقيت ، ومن يقف وراءه ، خطوات فعلية تردعه عن هذا العدوان ، فقد انكشف بما لا يدع مجالاً للشك أنه حزب عميل لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة " .. ودعا سماحته " علماء العالم الإسلامي كافة إلى التآزر والتعاضد والتعاون في لحظة تاريخية حرجة للأمة الإسلامية تستدعي من الجميع صفاء القلوب والتعاون على كل ما يضمن لهذه الأمة وحدتها وقوتها ".

واستنكرالشيخ يوسف القرضاوي ما يفعله حزب حسن نصر الله وقال : "دافعت عن من يسمى حسن نصر الله ، وحزبه ، حزب الطاغوت وحزب الشيطان ، ووقفت أمام مشايخ السعودية أدافع عنهم ، ويبدو أن مشايخ السعودية كانوا أنضج مني " .. ويوم الأحد الماضي نشرت صحيفة ( المدينة) ما قاله المفكر الإسلامي محمد عمارة ، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ، من أن "حزب الله ينفذ الأجندة الإيرانية ولا علاقة له بالمصالح العربية بل وحتى المصالح الإسلامية لو لم تأت التعليمات من المرشد الأعلى للثورة في إيران ..فحزب الله يتبع ولاية الفقيه خامنئي ، فهو يأمرهم بقتل السنة ويأمرهم بما يريد".

وتأكيداً لطائفيتهم وزيادة في إلهاب المشاعر سارع أفراد حزب نصر الله إلى توزيع الحلوى وإطلاق النار في الهواء في المناطق الشيعية من لبنان وخاصة في الضاحية الجنوبية ببيروت وذلك احتفالاً ( بسقوط ) مدينة القصير السورية التي حررها الشعب السوري , وقام مسلحو الحزب الذين دخلوا ( القصير) بالتجول في سياراتهم داخل المدينة المهدمة وإطلاق الأناشيد الدينية التي تمجد رموزهم المذهبية وكتبوا على جدران المدينة شعاراتهم الطائفية .

مدينة ( القصير ) بلدة صغيرة أستولى عليها الثوار منذ حوالي سنة ، سكانها بضعة آلاف فقط ( حوالي خمسين ألف شخص ) ، عشرة آلاف منهم مسيحيون والبقية مسلمون ، ولم تكن لهذه المدينة خلال السنة التي سيطر فيها الثوار أي شكوى طائفية ، كما أن إعادة النظام القائم الاستيلاء عليها لم يتطلب كل هذا الكم من العتاد والرجال ، حيث ضربت المدينة بالطائرات والمدفعية وراجمات الصواريخ ، وهاجمها الآلاف من المرتزقة الذين تمولهم إيران ، ومنهم حزب حسن نصر الله ، في مقابل مقاومة بطولية من المدافعين عنها الذين كبدوا المهاجمين الكثير من القتلى والجرحى ودافعوا عنها لحوالي شهر كامل.

علماء المسلمين أطلقوا صرخة الجهاد ضد الظلم الواقع على شعب سوريا .. والأمم المتحدة أعلنت عن تقديرات رهيبة للمأساة التي يعيشها السوريون ، وقالت إنها بحاجة إلى خمسة بلايين دولار لجهود المساعدات الإنسانية ( أضخم رقم طلبته الأمم المتحدة لهذا الغرض منذ إنشائها ) ، وقالت إن نصف السكان يحتاجون للعون ، وأنها تتوقع ارتفاع عدد اللاجئين إلى مليونين ونصف .. فهل يجب أن تبتلى الأمة بحرب طائفية تحركها إيران ؟ أم أن هناك مخرجاً مما يدفع حزب الشيطان اللبناني الأمة إليه ؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ارتباك سوري حيال الاحتجاجات التركية

وائل السواح

الحياة

الثلاثاء 11/6/2013

كتب أحد الناشطين السوريين على الفايسبوك: «ذهب السوريون إلى ساحات الصدام في تركيا ليستنشقوا الغازات المسيلة للدموع، فقد سمعوا بها في بلادهم ولكنهم لم يجربوها». الناشط كان يشير إلى أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد واجه المحتجين السلميين في بداية الانتفاضة السورية بالرصاص الحي، ولم يستخدم الغازات المسيلة للدموع أو خراطيم المياه في تفريقهم. وهو أيضاً يريد أن يقارن بين الطريقة الوحشية للنظام السوري في مواجهة المحتجين وطريقة رئيس الوزراء التركي أردوغان التي يلمّح بأنها طريقة ناعمة لم تؤد إلى الكثير من الخسائر البشرية.

ليست المقارنة سليمة. بالتأكيد إن قتل عشرات الأشخاص في الأيام الأولى للثورة السورية هو أفدح وأكثر همجية وبربرية من مقتل متظاهرين ثلاثة في تركيا. ولكن من حيث المبدأ، كلا النظامين واجه متظاهريه بعنف غير مبرر، لا سياسياً ولا أخلاقياً ولا إنسانياً.

بدأت الاحتجاجات السورية من مدينة درعا بعد أن عذَّب رجل أمن مريض أطفالاً صغاراً وأهان آباءهم وأمهاتهم، وبدلاً من أن يعاقبه النظام ويعتذر إلى الضحايا وعائلاتهم، دعم الرجل المريض واعتبر المحتجين متطرفين دينيين لديهم أجندة طائفية.

أما في تركيا فبدأت الاحتجاجات التركية من حديقة «جيزي بارك» في ساحة تقسيم الشهيرة دفاعاً عن سياسة حمقاء يمكن أن نشتمّ من ورائها راحة فساد، كانت وراء قلع أشجار في واحدة من أعرق ساحات المعمورة لتغيِّر معالم الساحة التاريخية وتهيئ لبناء سوق تجارية مكان الحديقة العامة. خسائر الأتراك في الأسبوع الأول ثلاثة قتلى. خسائر السوريين في الأسبوع الأول كانت نحو مئة قتيل. نائب رئيس الوزراء التركي اعتذر لمقتل شاب في التظاهرات، وأكد أن «حكومتنا تحترم أنماط الحياة المختلفة وتقيم لها اعتباراً». وفي الوقت نفسه، سارع الرئيس التركي إلى طلب لقاء رؤساء الأحزاب المعارضة للتباحث معهم في حلول لتفاقم الأزمة. في المقابل، ألقى الرئيس السوري خطاباً غطى عليه الضحك والسخرية من السوريين ومطالبهم، وأعطى الضوء لمزيد من القتل والتعذيب.

من جانب، المقارنة إذاً غير واقعية بين نظام قتل من شعبه ما معدله ألف ومئة مواطن في الأسبوع، ونظام أدت الاشتباكات في ظله إلى مصرع ثلاثة مواطنين في أسبوع. ولكن المقارنة تغدو مرفوضة أكثر إذا ما كان الهدف منها تبرئة النظام التركي من الاستخدام المبالغ فيه للعنف، بحجة أن عنفه لا يقارن بعنف جاره الجنوبي. المقارنة هنا لا تجوز. ففي البلاد الديموقراطية التي تدعي تركيا أنها واحدة منها، يعتبر الحق في التظاهر حقاً أساسياً للمواطنين، ولا يمكن السلطات مواجتهه بالعنف. أضف إلى ذلك أن حكومة أردوغان هي التي تسببت في التظاهرات من خلال قراراتها التي ستغير وجه مدينة من أعرق مدن العالم من أجل مصالح تجارية ضيقة. وهي أيضاً اتخذت خطوات إجرائية تحد من الحريات الأساسية للمواطنين، بما يعتبر مخالفة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللدستور التركي نفسه. وهي تعمل فوق هذا وكله على تغيير الدستور نفسه ليمنح صلاحيات أكبر لشخص أردوغان، مذكرةً إيانا بمحاولات حكومة الإخوان المسلمين في مصر تفصيل دستور على مقاس الرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين.

الأحداث التركية كانت مناسبة للسوريين للانقسام من جديد. فالنظام السوري فشل في إبداء سعادته الغامرة للتظاهرات، وأكد «وقوف سورية مع الشعب التركي». واتهم وزير الإعلام السوري عمران الزعبي رئيس الوزراء التركي بقيادة بلاده بـ «أسلوب ارهابي». واستعار اللغة التي استخدمت لإدانة الرئيس الأسد وتوصيفه من أجل رد الصاع للزعيم التركي، فقال إن «قمع رجب طيب أردوغان التظاهرات السلمية أمر غير واقعي ويكشف انفصاله عن الواقع»، وطالب أردوغان بالتنحي واللجوء إلى «الدوحة التي قد تستضيفه». ونصحت وزارة الخارجية السورية بأسلوب كاريكاتوري المواطنين السوريين بعدم السفر الى تركيا خلال هذه الفترة «حفاظاً على سلامتهم وأمنهم... والعنف الذي مارسته حكومة اردوغان بحق المتظاهرين السلميين من أبناء الشعب التركي»، بينما كتبت صحيفة «الوطن» الموالية للرئيس الأسد أن «السحر انقلب على الساحر. فبعد عشرات التصريحات التي لم تخرج عن حد التنظير لانتقاد سورية، أطلق رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان العنان لقواته باستخدام الهمجية والقوة المفرطة ضد آلاف المتظاهرين السلميين في عشرات المدن التركية لتوقع مئات الجرحى والمعتقلين بين صفوفهم».

في المقابل، أبدى الناشطون السوريون المعارضون للنظام قلقهم من التطورات التركية، لأن ذلك قد يتسبب في إضعاف موقفهم، فالنظام التركي في نهاية النهار مساند لقضيتهم، وأي إضعاف له في المرحلة الراهنة يشكل إضعافاً لهم. وقالت مواقع إخبارية معارضة إن شبيحة سوريين يشاركون في تظاهرات المحتجين، مذكرة بأن هذه التظاهرات هي «للمطالبة ببيع الكحول»! وأن جُلّ المشاركين في التظاهرات هم «من أتباع حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، المعروف عنه توجهاته العلمانية، ومناصرته للنظام السوري».

وغصت مواقع التواصل الاجتماعي بمواقف تصب في النهاية في طاحونة أردوغان، سواء أعلن الناشطون هذا الموقف صراحة أم داروه. واعتمدت غالبية المعلقين السخرية كأسلوب في تأييد أردوغان، مركزة أساساً على استخدام خراطيم المياه. وقارنت ناشطة بين «الرش بالمياه في عزِّ الصيف والرش بصواريخ سكود في عزِّ الشتاء». وفي هذه الأثناء غاب صوت المعارضة السورية تماماً عن ذكر ما يجري في تركيا. وعلى رغم أن ثلاثة أرباع المعارضة السورية تقيم على الأراضي التركية، فقد آثرت الصمت على ما يجري.

لا أحد يرغب اليوم أن يكون في موقع المعارضة السورية. فقد خسرت للتو معركة مهمة جداً في القصير أمام قوات النظام و «حزب الله»، أمام صمت مريب من المجتمع الدولي وأصدقاء سورية؛ والعالم بدأ يحول أنظاره عما يجري في سورية؛ والقادة الغربيون أنفسهم الذين أعلنوا سقوط شرعية الأسد وطالبوه بالتنحي يبحثون اليوم عن سبل للتواصل معه؛ والدول الإقليمية المساندة للمعارضة منقسمة على بعضها بعضاً، وينعكس انقسامها انقساماً آخر في صفوف المعارضة التي لم تجد حتى اللحظة وسيلة لتوحيد الداخل مع الخارج، والمعتدلين مع الراديكاليين، والمدنيين مع العسكريين. وتأتي التطورات التركية لتترك المعارضة السورية في حَرَج أخلاقي، فهي إن دعمت الحراك التركي كما ينبغي للمعارضة أن تفعل، خسرت سياسياً وعسكرياً، وإن دعمت النظام في مواجهة مطالب المحتجين المشروعة، خسرت أخلاقياً. ولا يبدو أن ثمة مخرجاً، ما لم يثبت أردوغان أنه مختلف عن الحكام العرب الذين طالما انتقدهم، فيبادر إلى تفهم المطالب المشروعة للمحتجين وتلبيتها، فيعطي بذلك مثالاً حسناً يمكن المحتجين السوريين أن يشيروا إليه بالبنان.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اقتراحان لإخماد حرب القرن

د.طيب تنزيني

الاتحاد

الثلاثاء 11/6/2013

مع تعاظم غير مسبوق لاستخدام السلاح في سوريا، يجد المرء نفسه أمام حالة قد تنتهي بهذه الأخيرة إلى مصائر خطيرة، يبرز منها اثنان، التدمير الكامل بالمعنى الجغرافي الطبيعي، وتقسيمها إلى عدد من المناطق أو المحاور السياسية الجغرافية أو الطائفية وغيرها. وليس من قِبل المبالغة أو التهويل أن نقول بأن حدوث المصيرين الاثنين أو الواحد منهما، أمر تحتمله الأحداث القائمة على قدم وساق. ومن ثم، فإن بذل جهود إنقاذية قصوى حيال سوريا الوطن يمثل الحد الأدنى من الواجبات المطروحة على أبنائها وأصدقائها. وقد قُدمت مبادرات ومشاريع وخطط واقتراحات من الداخل والخارج أُريد لها أن تطفئ نار الموت المشتعلة، لكن واحداً منها لم تتح له فرصة النجاح، فظل الأمر مفتوحاً، بل وربما يبشّر بازدياد رهان الحرب وحشية وباستمرارها إلى أجل مفتوح وغير مسمّى.

من هنا، يصبح ذا مشروعية كبرى أن تفكر المجموعات الوطنية الشريفة في اجتراح حلول جديدة، تسهم في إسكات أصوات المدافع والطائرات، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن السياسة والحرب كلتيهما لا تُغلقان احتمالات الدخول في تنازلات ومساومات تمر عبرها إجراءات ما قد توصل إلى السلم الأهلي عبر قناتين اثنتين، قناة العدل وقناة الخروج بسوريا موحّدة وديمقراطية مدنية وعصرية. أما القناة الأولى فنعني بها التأسيس لمحاكم وطنية برقابة دولية تنجز مهمة عظمى لعلها تنتج حالة من الإجابة على السؤال التالي: منْ مِن الأطراف المتنازعة كان هو الذي لجأ إلى الحل العسكري، في وقت كان فيه كبح جماح النزاع ممكناً بل وسهلاً؟ إن محاكمة عادلة لمن تسببوا في إشعال السلاح البسيط إلى المعقد، يمكن أن تخلق حالة من الرضا والتوازن في أوساط الجميع، وتأتي القناة الثانية لتقدم نفسها بصيغة الموادعة بين كل الأطراف. وهنا بالضبط، يصح التحدث عن مصالحة وطنية قائمة على العدل والشعور بضرورة إيقاف شلالات الدم، وذلك على نحو يُطيح بالنزعة الثأرية وبالطائفية البغيضة لما يعمق مفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني في حياة الأطراف كلها. أما القناة الثانية فتعلن عن نفسها بصيغة إطلاق سراح الفئات الثلاث من المعتقلين، دون تأجيل. وتبرز الفئة الأولى من هؤلاء بشخوص السياسيين، الذين اعتُقلوا وزُجّ بهم في السجون، بسبب مواقفهم وآرائهم السياسية. أما الفئة الثانية فهي تشتمل على سجناء الرأي المخالف لرأي المعبّرين عن النظام المهيمن. وأخيراً تعلن الفئة الثالثة عن نفسها ممثّلة بمن نطلق عليهم «سجناء الضمير» وهؤلاء هم الذين أعلنوا عن مواقفهم المتضامنة مع من دافعوا عن السجناء كلهم، الذين دخلوا بسبب تضامنهم الحضاري والإنساني والأخلاقي معهم.

وإذا وضعنا القناتين المذكورتين في حسبان الصراع الدموي في سوريا، فإننا سنتجه بيدنا إلى أهم نتيجة تتأتّى عن القناة الأولى، هي معرفة مَنْ أعطى أوامر القتل الناري، ومّن نفذه بعد أن سوّغه؟ أما ما يمكن وضع اليد عليه في سياق تطبيق القناة الثانية وتعميق نتائجها التي تندرج في إطار العملية الجديدة في المجتمع، فيتحدد في اكتشاف أهمية السعي إلى التأسيس لنظام اجتماعي سياسي جديد.

إن حراكاً معمقاً على صعيد اجتراح الحلول الواقعية والممكنة يبقى حاسماً في سبيل بلوغ سِلم أهلي في سوريا، مع التأكيد على أن ما يحدث في سوريا ليس هو، في الأساس، مؤامرة كونية يشترك فيها سلفيون وجهاديون ومجموعات مسلحة، وإنما هو حالة طبيعية من إعادة بناء سوريا العربية بعد عقود مديدة، وإن كان هؤلاء قد ظهروا في سياق الأحداث في سبيل الإطاحة بالمشروع الناهض إلى الإصلاح نحو الحرية والديمقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحداثة والديمقراطية والثورة السورية

فراس قصاص

القدس العربي

الاربعاء 12/6/2013

لم يكن الربط بين الحقيقة الدينية وتلك السياسية، وبين العلاقة مع السماء في تأثيرها على الاجتماعي السياسي وما يجري على الأرض، أكثر وضوحا مما كشفت عنه اصطفافات الثورة السورية الداخلية والإقليمية، فالمحور الأكثر جذرية في فصل المواقف وتغايرها، وحتى تناقضها، لم يرسم جوهريا إلا من خلال اختلاف النظر إلى المقدس، ووفقا لتباين طرق اشتغال ذاك المقدس على الوعي التاريخي والمخيال الجماعي للأطراف المختلفة، لا يخرج موقف المجتمعات الشيعية في العراق وإيران، الداعم حتى النهاية للنظام في سورية، ولا التورط العسكري لحزب الله اللبناني مدعوما بغالبية الشيعة اللبنانيين، في القصير وغيرها من بقية المناطق السورية، عن هذا التوصيف، ولا تبتعد عنه دول ومجتمعات الخليج العربي، حين ساندت الشعب السوري الثائر الذي يتقاطع معها في غلبة المذهب السني سوسيولوجيا عليه، حتى الاستقطاب في المجتمع التركي يبدو مستجيبا للتقسيم ذاته. فغالبية السنة تؤيد الثورة ومعظم العلويين يدعمون نظام بشار الأسد، كل ذلك يظهر جليا إلى أي حد تؤثر قروسطية الوعي الإسلامي في حياة إنسان المنطقة، وفي فاعليته الاجتماعية ومواقفه السياسية، بل في مجمل تعاطيه مع ذاته ومحيطه ووجوده كله. على أن الجديد الذي أثارته الاصطفافات تلك لم يكن نبشها للمسكوت عنه في الوعي العربي الإسلامي، إنما واستثناء، تدفع تلك المواقف المختلفة من الحدث السوري إلى السطح والمباشر الاجتماعي، أزمة القطيعة التاريخية التي يعيشها إسلام الشرق الأوسط عن الحداثة العقلية التي اجتاحت العالم الغربي منذ عصر الأنوار، كما تبرز الأهمية القصوى لمباشرة تجديد ديني جذري، تنافح عنه كقيمة أساسية، عوامل اجتماعية وخطابات سياسية تستهدف هذه المجتمعات، بما يقود الى اعادة توحيد الوعي العربي الاسلامي وردم الهوة الطائفية المؤدية الى اثار اجتماعية صراعية، الامر الذي يمنح في المحصلة، للمختلفين حول النظر إلى الإسلام مواقف متسامحة إزاء بعضهم البعض، ويصوب رؤيتهم للجوهر الديني، بحيث يستقر في الضمير والعقل فوارا بالمعنى، متعاليا عن المصالح السياسية، وغير ملوث بالصراعات المزرية على الهيمنة .

بيد أن ما تقدم من اختلاف الحقائق المتحصلة تبعا لتفارق المنظورات المذهبية لا يضيع بالضرورة الحق الموضوعي والحقيقة الواقعية لما يحصل في سورية، فالحقيقة العلمية الموضوعية القابلة للتوثيق أن النظام السوري مستبد وشمولي الى درجة مروعة، ولو أن العقل الديني السائد في سورية والمنطقة كان أكثر انفتاحا على قيم الديمقراطية وشرعة حقوق الإنسان، التي أمست ذات مسحة كونية، وأكثر تصالحا مع انجازات العقل الحديث وفتوحاته الإنسانية، لا سيما في حقل القيمة، لما حصل هذا التجاذب الحاد حول الحدث السوري، ولا انقسمت المواقف السياسية إزاءه تبعا للهوية الدينية والطائفية، ولما كان مطلب إسقاط النظام وشرعيته محل سؤال، بل، لما نجح النظام السوري أساسا في بناء علاقات اقليمية ولا منظومة عسكرية أمنية متماسكة حول استبداده، إلى المدى الذي بدت عليه طوال عامين من مواجهتها للحراك الشعبي السوري.

اضافة إلى ذلك يبدو أن المأزق الذي أصاب الثورة السورية والانسداد الحاصل في مسارها السياسي والاجتماعي هو في الحقيقة جزء من انسداد ثقافي معرفي اكبر وأكثر جذرية، بما يحيل إلى قاعدة تصح كثيرا في المجتمعات العربية والإسلامية، وهي أن القطيعة مع الديمقراطية في عموم المنطقة ليست الا تفرعا للقطيعة مع الحداثة وامتدادا لها، وأن كل تقدم على صعيد القطع مع قروسطية الوعي الديني بتجديده العميق وانفتاحه على قيم العقل الحر والحديث، هو تقدم حقيقي صوب التحرر من جميع أشكال القهر، وعلى رأسها الاستبداد السياسي. كما يصح أيضا في سورية، أنها رغم انفجارات الدم والوجع فإن الثورة السورية بوصفها كشفا لازمات المجتمع السوري البنيوية، وتهشيما لسلطة الاستبداد السياسي فيه، هي أيضا سعي مفتاحي صوب الحداثة وتحرير حقيقي للإنسان، وإحياء لجدلية الصراع الاجتماعي الذي تتشكل وفقا لصيرورته ونتاجاته قيم الاعتراف بالآخر، بوصفها القيم الأهم التي تؤسس للديمقراطية وتؤدي إليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

براثن حزب الشيطان الإيراني تنهش الشرق الأوسط ؟

داود البصري

الشرق القطرية

الاربعاء 12/6/2013

إعلان حزب نصر الله الشيطاني التخلي عن التقية السياسية والانخراط الواضح والعلني والصريح في تنفيذ الإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط، والتدخل بشكل نهائي في مسار مناهضة الثورة الشعبية السورية والانغماس في التنفيذ الميداني للخطط الإيرانية في السياسة الهجومية وفي تعزيز المواقع الإقليمية وفي دعم الانقسامات الطائفية وفي تكريس حالة الحرب المذهبية الكريهة في الشرق، هو تعبير واضح ومؤكد عن الخلاصة النهائية للسياسة الإيرانية التي تطورت من حالة الدفاع المستكين للهجوم المتحرك المستند لتراكمات وخبرات وإمكانات حركية تراكمت على مدى ثلاثة عقود ونيف من عمر التحالف بين نظامي دمشق وطهران!، وهو تحالف سياسي وعسكري وطائفي قديم جدا يعود لعام 1980 حينما برز انحياز الموقف الرسمي السوري لصالح الدعم والتأكيد للسياسة المنهجية الإيرانية التي باشرت وقتذاك وبعد الأحداث العاصفة التي شهدتها إيران اعتبارا من عام 1977 ومن ثم انهيار وتلاشي واضمحلال نظام الشاه السابق، تبلور ما عرف حينذاك بمنهج (تصدير الثورة الإسلامية)!! والذي فرض حالة جديدة ونمطا متغيرا من الصراع الإقليمي الحاد أدى في نهاية المطاف لاندلاع نيران الحرب العراقية/ الإيرانية (1980/1988) والتي كانت أكثر الحروب الإقليمية بشاعة وأطولها مدة منذ الحرب الكونية الثانية!!، وقتذاك وفي ظل حالة الصدمة القومية كان من الغريب جدا أن نرى وقوف النظام البعثي السوري ضد خصمه اللدود النظام البعثي العراقي السابق! وهو موقف كانت له دلالاته المستقبلية الرهيبة! خصوصا وأن نظام الخميني وقتذاك لم يكن يخفي أبداً تطلعه للهيمنة على العراق عبر إصراره على عدم إيقاف الحرب مع العراق إلا بتحقيق شرط إسقاط نظام صدام حسين الذي كان وإقامة الجمهورية الإسلامية في العراق! وهو شرط تعجيزي في ظل موازين القوى التي كانت سائدة حينذاك!! كما أن الإيرانيين كانوا يرفعون شعارا بأن (طريق القدس يمر من كربلاء!) ورغم حدة تلكم الشعارات الطائفية الواضحة فإن نظام حافظ أسد ورغم شعاراته القومية والبعثية تحديدا وقف بجانب النظام الإيراني استخباريا وعسكريا وسياسيا وشهد التحالف الاستراتيجي وقتذاك قمته عبر التنسيق الاستخباري الكامل مع إيران لاحتضان الجماعات والأحزاب الشيعية العراقية التي تدعمها طهران وحيث دخلت المخابرات السورية على الخط لتنظيم عمليات إرهابية كبرى هزت الشرق في ثمانينيات القرن الماضي كانت مسرحها بيروت والكويت والسعودية، إضافة لتمكين الإيرانيين من تأسيس مشروعهم الذهبي في لبنان وهو إنشاء منظمة (حزب الله) على أنقاض حركة أمل الشيعية التي تراجع دورها وتأثيرها لصالح حزب الله الملتزم بالطاعة التامة والكاملة للولي الإيراني الفقيه، وكان لوقف الحرب العراقية/ الإيرانية عام 1988 وانشغال العرب والعالم بكارثة الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 وتداعياتها الإقليمية الكبرى الدور المهم في التغطية وغض النظر عن البرنامج الإيراني الطموح في لبنان والذي تمكن في النهاية وبالتعاون التام مع النظام السوري من إنشاء دولة حزب الله في لبنان بتشكيلاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية وداخل الدولة اللبنانية وبما جعل ذلك الحزب أقوى من الدولة نفسها التي تقف اليوم حائرة أمام مساحات القوى والتأثير الهائلة التي يمتلكها ذلك الحزب داخل الكيان اللبناني الهش والقابل للانفجار والتهشيم! وبرغم الانسحاب العسكري السوري وإنهاء الاحتلال السوري للبنان عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري إلا أن ذلك الوجود لم ينته فعليا أو يتلاشى بسبب وجود حزب الله الذي تعتبر دمشق حاضنته وقاعدته الخلفية وظهره اللوجستي وهي علاقة جدلية لا تنفصم بين الحزب ونظام آل الأسد الذين تعززت سطوتهم على لبنان بفضل نشاط وتبعية وتغلغل ذلك الحزب في الحالة اللبنانية وبما قلل كثيرا من الآثار السلبية للانسحاب العسكري الذليل من لبنان.

 

لقد كان واضحا للغاية بأن وجود حزب الله اللبناني واستمرار سطوته واختطافه لدولة اللبنانية مرتبط أساسا بسلامة النظام السوري وبالتالي فإن الثورة السورية الهادفة لإسقاط ذلك النظام تعني أساسا توجيه ضربة إستراتيجية قاصمة لظهر وبنية ووجود ذلك الحزب!، وهو أمر كان من الطبيعي والمنطقي أن يجعله في موقف عداء صريح وحاسم لتلك الثورة، وأن يجعل من مسألة دخوله للحرب ضدها والمغامرة بسمعته في الأوساط الإسلامية والمراهنة على حفظ وسلامة نظام آل الأسد مسألة مقدسة لكونها تنبع أولا من رغبة الولي الإيراني الفقيه، كما أنها مسألة دفاعية ووجودية محضة ثانيا، فلا يمكن لحزب الله أن يقف موقف المتفرج أو المحايد في هذه القضية، فالمسألة في أن يكون أو لا يكون ولا توجد منزلة بين المنزلتين في هذا الملف الحاسم!! وقيام الحزب بدخول الحرب وإبراز أنيابه ومخالبه والمباشرة بنهش لحوم الشعب السوري الحر هو النتيجة المنطقية لكيان طائفي غريب تغذى ونما وتجبر واستطال على الدعم الإيراني طيلة ثلاثة عقود كاملة من الحشد والتنظيم والتعبئة والإعداد لليوم الموعود الذي طال انتظاره وهو إعلان قيام جمهورية الولي الفقيه ليس في لبنان فقط بل في عموم الشرق! وهو المخطط الإيراني الطموح والصبور والمتدرج، معركة حزب الله والعصابات الإيرانية من عراقية وغيرها في الشرق اليوم هي معركة تقرير الشكل المستقبلي للمنطقة برمتها، وكسر التحالف الشيطاني الفاشي/ الإيراني هو المهمة المقدسة لأحرار الشرق.. وإلا فالتمسوا الكوارث القادمة.. إنها معركة الوجود التحرري للشرق برمته، فحزب الله ماض في نهش لحوم الأحرار ومنهمك في تنفيذ الأهداف الإيرانية حتى تقرير الشكل النهائي للصراع الإقليمي الشرس، وحماية الثورة السورية هو في المحصلة حماية للأمن والسلام ولمستقبل المنطقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يعقد مؤتمر ‘جنيف 2 من أجل الحل السياسي في سورية؟

سهيل حداد

القدس العربي

الخميس 13/6/2013

ما زالت أجندة المؤتمر الدولي المزمع انعقاده في جنيف أواخر الشهر الحالي تحت رعاية أممية متمثلة بالقطبين الأمريكي والروسي، تبحث عن حلول وهمية ومخارج سياسية ميتة للأزمة السورية المتفاقمة بكل المفاهيم والمعايير الانســـانية والأخلاقية، تحاول أن تجمع التقاطعات في ظل الخلافات العميقة والمتناقضة، بين معظم الأطراف السياسية السورية المتناحرة (النظام والمعارضة ) والمتعلقة بسياسة التجاذبات الدولية والإقليمية، حـــول شكل وطبيعة ومشاركة ودور وأجندة وحتى علم وشعار طاولة الاجتماع من جهة، والتوافق الاقليمي حول مشاركة الدول الفاعلة والمنغمسة في الصــــراع الدموي السوري حتى النخاع، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتحديد حجم مشاركتها ودورها الإقليمي في المرحلة القادمة من جهة ثانية، وطبيعة التفاهـــم حول حجم وقوة الكباش الدولي الظاهري، بين الكومبارس الأمريكي الذي يختبئ وراء الذرائع والحجج الواهـــية منذ انطــــلاقة الثورة السورية، تجنــــباً للعب أي دور مهم وحاسم في هذه المرحلة، قبل ضمان تحقيق أجندته السياسية والعسكرية والإستراتيـــجية أمام الدب الروسي الصاعد نجومية في الساحة السورية والدولية من جهة ثالثة.

في ظل هذه المعطيات والخلافات المتناقضة والرؤى المتباعدة بصورة جذرية حول جميع نقاط المؤتمر بمختلف أشكالها وأبعادها ومسمياتها، ينعدم الحل المرتقب بشكل نهائي ومطلق في تحقيق أي اختراق سياسي للأزمة السورية المركبة. فما هي أهداف انعقاد مؤتمر جنيف الحقيقية إذاً في ظل غياب الأفق وانعدام التوافق السياسي؟ ما هي جدوى مشاركة المعارضة السورية في مؤتمر يولد من الخاصرة ميتاً؟ وما هي أسباب موافقة حضور النظام السوري إلى المؤتمر، بدون أي تحفظات على مشاركة من وصفهم الأسد بالإرهابيين والقتلة والعصابات المسلحة والخونة والتكفيريين؟ كيف يمكن لمؤتمر جنيف أن يخرج بالمعجزات السياسية وأن ينزع صواعق الألغام المتناثرة في كل الزوايا الحادة، كيف استطاع الدب الروسي تحقيق وفرض أجندة النظام السوري السياسية على طاولة مؤتمر جنيف القادم؟

لا شك أن الأزمة السورية باتت معقدة ومركبة بشكل لا يدعو إلى التفاؤل نهائياً، حذرنا منذ البداية من خطورة التدويل وأن يبقى الحوار والحل سورياً، وبسبب حماقة النظام وإجرامه وتصميمه على اللجوء إلى الحلول الأمنية، ورفض كل المبادرات الداخلية الوطنية ولغة العقل والحكمة المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد ومحاسبة المجرمين، لم يقتنع حتى بالمبادرات الفردية العربية والتركية المطالبة بحكم علاقات الأخوة والصداقة والتحالف والشراكة، من التراجع والتخلي عن الحلول العسكرية والقتل والاعتقالات، لجأ إلى الوعود التسويفية للنأي عن الإصـــــلاح الحقيقي والحلول السياسية المــــجدية لنزع فتيـــل الأزمة، فشل في التعاطي مع مبادرة الجامعة العربية بغض النظر عن طريقتها وأهدافها، ودخل في لعبة استهلاك الزمن تحت غطاء المبادرة العربية للمضي قدماً في إخماد الثورة السورية بالحديد والنار، الأمر الذي أدى إلى المزيد من المجازر والقتل والاعتقالات وتعميق التدخل العسكري والأمني بشكل أكبر وأوسع، مما أدى إلى تدويل القضية السورية والاستلقاء في أحضان مجلس الأمن. فهل كانت احدى أجندات خطة النظام السوري الوصول إلى مجلس الأمن في حال تعذر إخماد الثورة السورية، بغية خلط الأوراق والاختباء وراء عودة الدب الروسي الواقف على المفترق الدولي للدخول مجدداً عبر البوابة السورية إلى ‘عالم متعدد الأقطاب’؟

لقد حقق الروس بعض الأهداف المهمة على حساب نزيف الدم ومعاناة الشعب السوري الأعزل منذ انطلاقة الثورة السورية اليتيمة حتى الآن، كما استطاعت السياسة الروسية مؤخراً من تحقيق اختراق ونجاح سياسي مهم، تجسد في إقناع الأمريكيين وحلفائهم بالعودة إلى مرجعية مؤتمر ‘جنيف 1 والبناء عليه في حل القضية السورية، اضافة إلى تمكنهم من تحقيق انجاز آخر تمثل في وضع أجندة مؤتمر ‘جنيف 2 وفق رؤية حليفهم النظام السوري، الذي يحقق مكاسب ميدانية وإستراتيجية بدعم من عناصر حزب الله اللبناني وبعض الجماعات الطائفية العراقية، وبتسليح روسي ـ ايراني نوعي متطور لحسم الصراع في بعض المناطق المهمة، والسيطرة على أكبر مساحة جغرافية ممكنة، قبل انعقاد القمة الروسية ـ الأمريكية من ناحية، وانعقاد مؤتمر ‘جنيف 2 أواخر هذا الشهر من ناحية ثانية. فما هي الاختراقات التي تمكن الروس من إقناع الشريك الأمريكي في فرضها على أجندة المؤتمر المقترح واستخدام نفوذها على المعارضة السورية للموافقة عليها:

1ـ حضور المؤتمر بدون تحقيق شعار اسقاط النظام السوري بالقوة العسكرية ومحاكمة الأسد ورموز نظامه، ورفض أي حوار أو مبادرة سياسية مع النظام وأركانه.

2ـ عدم النقاش في وزارات الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية والمالية في مؤتمر ‘جنيف 2 .

3ـ موافقة مشاركة المعارضة في المؤتمر الدولي تحت بند الفصل السادس غير الملزم، عكس شرط المعارضة السورية السابق أن يكون تحت بند الفصل السابع الملزم باستخدام القوة العسكرية لتطبيق بنوده.

4 ـ ألا يكون المؤتمر حواراً مع النظام السوري حول الحلول السياسية التي تفضي إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني، تقود البلاد في المرحلة الحالية حتى الانتخابات الرئاسية القادمة تحت سلطة وصلاحيات الأسد، بل أن يكون المؤتمر تفاوضياً حول تشكيل حكومة وطنية لنقل السلطة من نظام الأسد إلى المعارضة.

5ـ ألا تشارك المعارضة في أي مؤتمر يحضره ممثلون عن نظام الأسد، خاصة ممن تلوثت أيديهم بدماء السوريين، والتصميم على إسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه، وها هي المعارضة المهزوزة هيكلياً ستحضر المؤتمر، رغم تصريحاتها الرنانة بعدم الحضور ليس بموافقتها وإرادتها، وإنما للأسف وفق تصريحات وتأكيدات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة جون كيري بأن المعارضة السورية ستحضر المؤتمر بدون أي تحفظات.

6 ـ ألا تشارك المعارضة في أي مؤتمر لا تتوفر فيه ضمانات دولية تنص على تخلي الأسد عن السلطة والتنازل عن جميع صلاحياته للحكومة الوطنية الانتقالية. ولعل تصريحات الأسد الأخيرة لقناة المنار اللبنانية وضحت تماماً الرد المباشر، ان النظام في سورية نظام رئاسي وليس حكوميا وفق الدستور السوري، وهذا يعني أن أي تنازل عن صلاحيات الرئيس بحاجة إلى تعديل الدستور والاستفتاء عليه أولاً ـ هل فهمت المعارضة السورية لغز معنى الاستفتاء الشعبي الذي قصده الأسد، أم نعطيها معجماً حديثاً تعتمد عليه في الترجمة؟ ثانياً ان الأسد لن يتخلى عن السلطة وباق حتى الانتخابات الرئاسية القادمة، وفي حال رغب الشعب السوري ببقائه فسيترشح لدورة رئاسية ثالثة. والسؤال هنا ما هي المتغيرات التي ستطرأ على مزاج شعبية الأسد التي يعتمد عليها حالياً (وهو في أوج نشوة تحقيق الانتصارات والمكاسب السياسية والعسكرية منذ انطلاقة الثورة السورية) كذريعة لبقائه في السلطة، حتى لا يستند اليها مجدداً في ترشحه للدورة الرئاسية القادمة؟ ثالثاً ـ حسب تصريحات الأسد أيضاً فان أي نتائج تتمخض عن المؤتمر غير ملزمة وستخضع لاستفتاء شعبي.. هل أدركت المعارضة ما معنى هذه التصريحات بشكل جيد؟.. نأمل ذلك.

7ـ عدم المشاركة في أي مؤتمر ما لم يوقف النظام قصف المدنيين وارتكاب المجازر الجماعية والاعتقالات التعسفية وإطلاق سراح المعتقلين ومحاكمة المجرمين.. فما هو المبرر للمشاركة في ظل ازدياد القتل والإجرام، بل بمشاركة حزب الله اللبناني والجماعات العراقية الطائفية المتطرفة وبمشاهدة وشهادة جميع ‘أصدقاء الشعب السوري’؟

والسؤال الذي يطرح نفسه مجدداً لماذا تخلت أمريكا عن أجندة المعارضة لصالح الروس وأجندة النظام السوري؟ إن الأسد يعرف ما يريد، وأعد العدة اللازمة لتحقيق ما يريد، حدد الهدف وطريقة الوصول إليه، يدرك أنه لن يستسلم ولن يقبل بمشاركة المعارضة تحت أي مسمى في السلطة والحكم والقرار، مهما كان الثمن ومهما بلغ عدد الضحايا، ولعل تصريحه لقناة المنار اللبنانية مؤخراً خير دليل على عدم الاعتراف بوجود معارضة، وأن موافقته على حضور مؤتمر جنيف، ليس للجلوس مع المعارضة، وإنما للحوار مع أسيادهم وفهمكم كفاية. لقد أصبح حكم عائلة الأسد جزءا من تاريخ سورية شئنا أم أبينا، إنه ‘حكم الطائفة’ ولن تتخلى هذه الطائفة عن رمز حكمها كما يتخيل أو يراهن البعض، حتى يكون مصيرها شبيه بمصير حكم الطوائف في التاريخ. فهل فهمت المعارضة السورية فلسفة الأسد وتمسك طائفته وحلفائه به في الصراع الدائر في سورية؟ هل أدركت الفخ الدولي القادم بإمكانية تحميلها فشل مؤتمر جنيف أو الانصياع للدخول مجدداً في بيت الطاعة؟

لن ينتج مؤتمر جنيف أي حلول سياسية، بل المزيد من منح الفرص للنظام السوري في تصفية الثورة السورية حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة، استنزاف حزب الله وإيران في الساحة السورية، اضافة إلى الانقسامات والصراعات في صفوف المعارضة السورية، المزيد من معاناة الشعب السوري المنكوب، مراقبة تطور الأوضاع في ايران خلال وبعد الانتخابات الإيرانية، انتظار توفر المناخ الملائم للتوافق الدولي الذي يضمن مصالح الجميع في سورية. لم يدرك النظام السوري ولا حتى المعارضة الضعيفة المفككة، أن تصميمهما على متابعة صراع كسر الإرادات وتحويله إلى إلغاء الآخر من أجل الفوز بالسلطة والبقاء والوجود تحت شعارات نبيلة وأهداف عريضة، كانت على حساب تدمير الوطن، وإذلال الشعب السوري بتهجيره خارج دياره، وعدم تأمين متطلباته واحتياجاته الأساسية والضرورية، وعدم ضمان أمنه وحمايته من الخطف والقتل والاغتصاب والتشرد، وتفشي الجوع والحرمان والمرض والبطالة والجريمة، وغياب الرعاية الصحية والتعليمية والقانونية، وازدياد إمبراطوريات الفساد والرذيلة، وهيمنة تجار الأزمات، وإقامة الكيانات العشائرية والقبلية والعرقية تحت ادعاءات ومسميات مختلفة للحصول على مكتسبات سياسية، وهدر للثروات لصالح مجموعات وجماعات طفيلية، وفرض الأتاوات على الشعب المنكوب.

إن النظام والمعارضة لا يدركان خطورة اللعب على الأوتار السياسية الدولية المتحركة، الروس ينتظرون السيناريو القادم الذي يتيح لهم نشر القواعد العسكرية في معظم أرجاء الأراضي السورية، لضمان بقاء الاسد وحماية وجود نظامه الأمني والعسكري، وأمريكا قد لا تعترض من حيث المبدأ، شرط ضمان أمن اسرائيل وتحقيق الاستقرار والسلام وفق الرؤية الاسرائيلية ‘الأمن مقابل السلام’ لم يتعلم النظام ولا حتى المعارضة المشرذمة من التجارب والأخطاء القاتلة التي ارتكبوها بحق الشعب السوري، وجعلوه الضحية الأكبر التي تدفع ضريبة الثورة، لم يدركوا بعد خطورة ومعاني أبعاد المؤامرات، من خلال المراهنة على المؤتمرات الدولية الساعية إلى وضع الدولة السورية القادمة في نهاية المطاف، تحت مظلة وصاية القرارات الدولية الصارمة والمحددة لدور سورية في المرحلة القادمة، عربياً وإقليميا ودولياً، والأكثر خطورة هو حق التدخل وفق الشرعية الدولية بترتيب وتنظيم هوية وتكوين الشعب السوري، بحجة حماية الطوائف والأقليات، وبالتالي تحديد دوره ووظيفته وكتابة تاريخه وثقافته برؤية غير عربية، ولكن بأياد ومساهمات عربية من جديد.

فهل يدرك الطرفان أسباب انعقاد مؤتمر ‘جنيف 2 والتقارب الأمريكي ـ الروسي ومخاطره على سورية المستقبل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«البعث الروسي» إذا وبَّخ دمشق

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 13/6/2013

حين تنفض موسكو يدها من أي مسؤولية أخلاقية عن المساهمة في قتل السوريين بسلاح روسي، لا تجد غطاءً لذريعة تنفيذ عقود عسكرية مع النظام في دمشق، سوى توزيع اللوم يميناً ويساراً... فالنظام تأخّر في استيعاب رسالة «الاحتجاجات»، ولو استوعب في الوقت المناسب «لما كان ما كان».

وإذا كان غريباً أن هذا التأنيب «الناعم» الذي احتمى به الرئيس فلاديمير بوتين، ليبرر عملياً موقف الكرملين من المجازر في سورية، يأتي بعد سقوط حوالى مئة ألف سوري نحراً أو قتلاً بالقذائف والصواريخ، فالمأساة أن يحاول بوتين خداع نفسه وتضليل السوريين والعرب والغرب، بالمَخرَج السحري من أبشع كارثة إنسانية في العصر الحديث... أن يطَمْئن الضحايا الى امتلاكهم ورقة تقرير مصير النظام!

... وهل فعلها «البعث الروسي» في الشيشان ليمتثل لها «البعث» السوري؟

يفرط بوتين في لوم الغرب على تسويق برنامج الديموقراطية الذي يراه توريطاً للمنطقة العربية، من العراق إلى ليبيا وسورية وغيرها. تُفرط أميركا- أوباما في لوم الكرملين على شلل مجلس الأمن، وتغييب الإجماع الدولي، وحماية نظام الأسد، لكن المريب أخيراً، الذي لا يصب إلاّ في قناة تفتيت ما بقي من إرادة للمعارضة السورية، هو تسريب إشارات أميركية الى انقلاب ميزان قوة، يجعل تنحي الرئيس الأسد مستبعداً في مرحلة قريبة، كذلك تلميح استخباراتي الى احتمال كسب النظام المعركة قريباً.

والحال أن الانغماس الإيراني في منع هزيمة القوات النظامية، وتوزيع طهران الأدوار مع «حزب الله» الذي يصرّ على أنه يقاتل «الإرهابيين والتكفيريين» في سورية، جعلا إيران في قلب مواجهة شاملة مع الغالبية في المنطقة العربية... ليس فقط لأن غالبية العرب من السنّة بل كذلك لأن ما يُسمى نهج «تصدير الثورة» لم ينأَ عن شبهة التحريض، من البحرين الى اليمن ضد السلطة، وفي العراق ولبنان لتثبيت «مكاسب» الحلفاء، وفي سورية لمنع تفكيك «محور الممانعة والمقاومة».

وبعيداً من التطرف أو المغالاة في اتهام السياسة الخارجية الإيرانية باستغلال شعارات الدفاع عن فلسطين وسورية والمقاومة، لمد شرايين التشيّع السياسي، وإحكام قبضة طهران على العراق وسورية ولبنان، تذكّر «حكمة» التريث لدى إدارة الرئيس باراك أوباما في حسم أمرها وقرار تسليح المعارضة السورية، بما فعلته واشنطن حيال ابتلاع إيران القرار العراقي... قضماً وتحت أبصار الجيش الأميركي.

المريب منذ شهور طويلة هو تحريض الثورة السورية على العسكرة، ثم تركها لمواجهة مصيرها في بحر الدمار والدماء، فيما الكرملين يمتنع عن أي خطوة تُقنع النظام السوري بوقف آلة القتل... وطهران وسواها، لا يضيرهم دخان المذهبية، كلما نشبت معركة دفاعاً عن الأماكن الدينية في سورية. والكارثة أن يكون السؤال: بأي ثمن سيبتلع الفم الإيراني «قلب العروبة»؟ أي سورية ستكون نسخة ثانية للعراق، مضرّجة بالدماء والخراب، على خطوط المصالح الدولية؟

لعبت طهران طويلاً على أوتار القضايا العربية، من باب «التضامن الإسلامي». في قلب البركان السوري الآن، محاولة أخيرة لاستخدام إيران «الأوراق» التي تمكّنها من قطف ثمار «التضامن»!... رابضة على إحدى ضفتي الخليج، تمدّد حضورها الى جوار إسرائيل، ولن تسمح بإخماد البركان على حساب وجودها على شاطئ المتوسط.

تلعب طهران كل الأوراق، ولو اقتضت المعركة اللعب على خطوط التماس المذهبية، وإثارة النعرات والطوائف، ورعب الأقليات باسم حمايتها. وباستعداء دول الخليج العربي، نجحت حتماً في تحضير خرائط المنطقة للمواجهة الشاملة.

تتريث أميركا امام المأساة السورية، فالكل يشارك في القتل، تخشى فرنسا كسر المعارضة، تنقضّ إيران مطمئنة الى أن العالم يستمرئ دور المتفرج وتوزيع النصائح، وبيانات رثاءٍ لشعب... أما إسرائيل فوجدت أخيراً ما يضمن أمنها لعشرات السنين: مذابح المسلمين الصاخبة بديلٌ للحدود الصامتة بلا مدافع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صبحي الطفيلي: حزب الله كتيبة إيرانية

محمد فاروق الإمام

استمعت كما استمع الملايين إلى حديث الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام السابق لحزب الله يوم الخميس 6 حزيران الحالي في برنامج (استديو بيروت) التي تقدمه الإعلامية المتمكنة (جيزيل خوري) على شاشة العربية.. استمعت إليه بكل شغف واهتمام كوني أستمع إلى إنسان عروبي منصف أبت عليه كرامته أن يكون بيدقاً بيد كهنة قم، رافضاً بكل إباء وشمم أن يكون أحد أبواق دعاة ولاية الفقيه أو أحد محرفي القرآن والعابثين بالسنة المطهرة، ارضاءً لخامنئي ومخططاته الصفوية التي تهدف إلى إعادة إيقاد نار فارس على جثث أطفال ونساء وشيوخ سورية، مستظلاً بمظلة التشيّع لعلي رضي الله عنه وعلي منه ومن تابعيه براء، فكلنا يذكر خطبته العصماء وهو يتبرأ ممن يدّعون حبه والتشيّع له، ومما جاء في خطبته قوله:

"اللهم إني مللتهم وملوني وسئمتهم وسئمونى فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني"

"يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة – والله – جرَّت ندماً، وأعقبت سدما. قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتمونى نغب التًّهمَام أنفاساً، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان".

 وخطب علي رضي الله عنه مرة وهو يضع المصحف على رأسه داعيا على من تشيع له: "اللهم قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه، اللهم قد أبغضتهم وأبغضوني، ومللتهم وملوني، وحملوني على غير خلقي وطبيعتي، وأخلاق لم تكن تعرف لي، اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء، اللهم قد كرهتهم وكرهوني، فأرحني منهم وأرحهم مني".

وهذا العلامة الشيخ صبحي الطفيلي يؤكد على ما قاله علي رضي الله عنه قبل 1400 سنة عن هذه الفئة الضالة الباغية التي تدعي نصرته والتشيع له بقوله: "إن حزب الله بتدخله في سورية، استفز العالم بأسره، ونخر الأمة الإسلامية، وفتح باب الفتن".

وتابع: "تصرفنا في سورية بطريقة استفزت كل الدنيا، طلبنا ممن يخالفنا بأن يقاتلنا في سورية، وكأننا نستعدي 1.3 مليار مسلم". وأضاف: "ما كنت أتصور أن يتحدث حسن نصر الله بهذه الطريقة".

وأكد الطفيلي أن "حزب الله تعرض لهزيمة عسكرية في القصير، فقد تكبد خسائر رهيبة في المقاتلين، ولم يدخل المدينة إلا بعد انسحاب العناصر المقاومة منها لنفاد الذخيرة، فلم يكن هناك أمامه فعلياً قوة ليهزمها وينتصر عليها".

وقال إن "مشروع حزب الله، كحزب مقاوم يدافع عن الأمة ويعمل من أجل وحدة العالم الإسلامي سقط، فلم يعد الحزب الذي يدافع عن الأمة، بل بات ينخر الأمة، ودخل حرباً مذهبية، وفتح الباب أمام مرحلة شرسة من الفتن".

وأوضح الأمين العام السابق لحزب الله أن "إيران سيطرت منذ فترة على قرار حزب الله، واتخذت قرار مشاركته في حرب القصير" وأنه يمثل الآن "كتيبة إيرانية".

وكان للطفيلي مقابلة مع شاشة الـ "م تي في" في برنامج بموضوعية يوم الجمعة 7 حزيران الحالي قال فيها: "هناك مسؤول في حزب الله هددني بأن يضربني الطيران العسكري السوري".

وأن "حزب الله يحارب في سورية في حين أن الشيعة هناك ليسوا بحاجة لمن يدافع عنهم وهو يتحمل مسؤولية كل قتيل".

وأن "دخول حزب الله الى سورية يخدم العدو الإسرائيلي".

وأن "حزب الله اليوم يحارب في سورية والكويت والسعودية والإمارات".

وإن "الإسرائيلي اليوم أحرص الناس على حزب الله لأنه يتورط بالقتال في سورية، وهو يشكل عامل تفرقة، في حين أننا دعاة وحدة".

وأن "مقام السيدة زينب ليس بحاجة لدفاع حزب الله عنه، لأن أهل السنة يحبونها مثلنا وأكثر".

وأن "الأميركي هو من يحمي النظام السوري من السقوط الآن، ولكنه سيقبل لاحقًا، عندما يأتي بعملاء له".

وقال "لا.. الفتنة السنية - الشيعية ليست قدرًا، ونحن سنقاتلها بما أوتينا من قوة".

الشيخ صبحي الطفيلي تكلم من قلب يعتصره الألم خوفاً على مستقبل المنطقة التي باتت تغلي كغلي الماء في المرجل، وأرجع كل ما يحدث فيها الآن لتدخل حزب الله في الحرب الدائرة في سورية إلى جانب النظام الذي يذبح شعبه ويدمر الحياة في كل مفاصل الدولة السورية، ووقف إلى جانب الظالم ضد المظلوم وإلى جانب الجلاد ضد الضحية وهذا يخالف مبادئ العدل والإنسانية التي نادى بها الحسين بن علي في ثورته وقضى على مذبحها شهيداً، وكان الأجدر بحسن نصر الله أن يتمثل موقف الحسين في كربلاء لا موقف قاتليه، وبالتالي فإن نصر الله حول معركة القصير إلى كربلاء سنة تستصرخ العالم الإسلامي الذي يضم مليار وثلاثمائة مسلم لينتصروا لإخوانهم السنة في سورية الذين يذبحوا على يد ميليشيا حسن نصر الله والحرس الثوري الإيراني وجماعة أبو الفضل العباس وكل أتباعهم في العالم الذين تقاطروا على سورية الجريحة ليشربوا من دماء أهلها وينهشوا لحوم أبنائها ويرفعوا رايات الشرك والكفر على بقايا قباب ومآذن جوامعها!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 30)

بداية الصدام بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام البعث الحاكم

انتفاضة حماة الشعبية واعتصام الجامع الأموي بدمشق

وزير الداخلية (فهمي العاشوري) من إذاعة دمشق: (لو وقفت الكعبة في طريقنا لهدمناها).

محمد فاروق الإمام

في عام 1954م نشأت في صفوف جماعة الإخوان المسلمين مدرسة جديدة الطرح والتوجه تميزت بالنزق وفورة الشباب، تبنته مجموعة تمردت على الجماعة وشقت طريقاً خاصاً بها، ونمت هذه المدرسة ككرة الثلج وكثر أتباعها، حتى باتت عبئاً يصعب على الجماعة لجمها أو وقف أنشطتها، وبالتالي أخفقت قيادة الجماعة في التحكم بتصرفاتهم أو وقفهم عند حدهم، أو حتى معرفة ما ينون وما يبيتون من عمل، ولم يكن أمامها من حل سوى فصل أعضاء هذه المدرسة الذين تعرفت على بعضهم، وبقيت مجموعة لم تتعرف عليهم بقوا في ضمن صفوف الجماعة.

وفوجئت الجماعة كما فوجئ الجميع بانتفاضة حماة الشعبية في نيسان عام 1964م والتي استمرت نحو تسعة وعشرين يوماً، وكان يقود هذه الانتفاضة (الشيخ مروان حديد).

بدأت الانتفاضة على شكل إضراب طلابي قاده مروان حديد المسؤول عن التنظيم الطلابي للإخوان في ثانوية عثمان الحوراني إحدى أكبر ثانويات مدينة حماة. وتحول الإضراب إلى عصيان شارك فيه طلاب ناصريون واشتراكيون، وهم من خصوم الإخوان التقليديين. واستمر – كما قلنا – 29 يوماً. واعتصمت مجموعة مروان حديد بجامع السلطان الكبير واشتبكت مع وحدات من الجيش الذي خف لإنهاء العصيان.

يقول المراقبون المحايدون عن الدوافع التي حدت بمروان حديد ومجموعته من القيام بهذه الانتفاضة أن العوامل الإيديولوجية لعبت دوراً كبيراً في قيادة شباب الإخوان المتطرفين للعصيان، فقد أصيب الشباب بالذعر من جراء طرح يسار البعث في مؤتمريه القومي السادس والقطري الأول عام 1963م لبرنامج اقتصادي واجتماعي وثقافي راديكالي، وتخوفوا بشكل خاص أن يؤدي تطبيق هذا البرنامج إلى إلغاء مادة التربية الإسلامية والأوقاف وقانون الأحوال الشخصية. وساهمت مقالات زكي الأرسوزي التي كان يؤكد فيها مفاهيمه التقليدية التي طرحها منذ الأربعينيات عن أن (الجاهلية هي العصر الذهبي للأمة العربية) في استفزاز الشباب الإخواني.

لقد أبرز هذا العصيان نجاح العناصر الراديكالية في الجماعة في إنضاج مدرستهم، ليطفو على السطح تنظيم جديد حمل اسم (كتائب محمد)، وهو سلف تنظيم (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين) لاحقاً.

لم تكن قيادة الجماعة – كما قلنا – على علم مسبق بما خطط له مروان حديد، وفوجئت بالعصيان كما فوجئ به الآخرون، ولذلك بقي العصيان محلياً ولم يخرج عن حدود مدينة حماة، بالرغم من استمراره 29 يوماً، فقد تكتمت عليه وسائل الإعلام الرسمية الوحيدة التي يمتلكها النظام، كما منعت أجهزة الأمن الدخول أو الخروج من حماة أثناء العصيان. واتخذت الجماعة قراراً ملزماً بعدم التحرك أو الإقدام على أي عمل طائش لا تحمد عواقبه، مما جعل العصيان يمنى بفشل ذريع، لتؤكد الجماعة مجدداً أنها لا تؤمن بالوصول إلى السلطة بغير الوسائل الديمقراطية والسلمية ولو كلفها ذلك خمسمائة عام من الانتظار. ويؤثر عن الأستاذ عصام العطار قوله: (إن مثقفاً لديه أهم من كتيبة دبابات).

وأخفق عصيان مروان حديد الذي جوبه بالحديد والنار وقصف جامع السلطان الذي اعتصم به وتم اعتقاله وتصفية عدد كبير من أتباعه.

ولم يمر هذا الأمر دون تحرك جماهيري قاده الشيخ حسن حبنكة في حي الميدان الوطني، والشيخ أحمد الإمام (الشيخ المجهول) في جامع بني أمية حيث خطب في المصلين المحتشدين خطبة نارية ضمنها فتواه بهدر دم رأس النظام (أمين الحافظ) الذي تطاول على بيوت الله (كما جاء في فتواه التي أهدرت دمه).

اعتصام المسجد الأموي بدمشق

احتدمت الخلافات داخل حزب البعث بين مؤيد للفريق أمين الحافظ ومؤيد للواء صلاح جديد والذي اعتبر صراعاً ما بين يسار الحزب ويمينه.

ولكن الفريق أمين الحافظ وتسرعه بمبادرة غير محسوبة لدفع عدد من الضباط المحسوبين عليه لاعتقال المقدم مصطفى طلاس قائد اللواء الخامس في حمص، والذي كان الشرارة للاستعجال بالقيام بحركة مضادة في 23 شباط عام 1966م، وقيام مجموعة من الضباط المناوئين لأمين الحافظ بهجوم على القصر الجمهوري واعتقال أمين الحافظ بعد معركة دامية بين المهاجمين وحرس القصر، وأحكم هؤلاء سيطرتهم على دمشق.

تبنى رجال حركة 23 شباط خطاباً يسارياً متطرفاً يمكن أن يوصف بيسار اليسار، وهذا أرعب المجتمع السوري المحافظ، مما أدى إلى شبه اعتصام مدني عفوي في الجامع الأموي بدمشق، قوبل باقتحام المدرعات العسكرية لحرم الجامع والفتك بالمعتصمين المدنيين العزل، في حين أعلن وزير الداخلية (فهمي العاشوري) من إذاعة دمشق أنه (لو وقفت الكعبة في طريقنا لهدمناها).

ولم يكن للجماعة أية علاقة أو معرفة أو علم بهذا الاعتصام، كما كان الحال في اعتصام حماة. فقد تم هذا العصيان بدعوة من الشيخ حسن حبنكة أحد كبار علماء دمشق. ومع هذا فقد قام البعثيون الجدد بحملة اعتقالات واسعة شملت كافة القيادات السياسية المعارضة، وطالت حملتهم (جميع أفراد الصف الأول في جماعة الإخوان المسلمين).. ولم يتم الإفراج عنهم إلا بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967م.

وما لبثت السلطة أن قامت باعتقال من أفرجت عنهم إثر تشكيل المعارضة الناصرية والقومية (الجبهة الوطنية التقدمية) عام 1968م، مع أن الإخوان لم يكونوا طرفاً فيها رغم دعوتهم للمشاركة.

أصبح صلاح جديد شبحاً مرعباً لجميع أطياف المعارضة يمينها ويسارها ووسطها.. مما جعل هؤلاء يقفون إلى جانب وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد في صراعه مع صلاح جديد بما عرف بـ(أزمة الحزب) عام 1969-1970م، دون تخطيط أو اتفاق مسبق.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 29)

سجون النظام البعثي وحفلات التعذيب الوحشي فيها

محمد فاروق الإمام

الرفيق أحمد أبو صالح يروي لنا في شهادته الأخيرة ما كان يجري في السجون في عهد حكم البعث من تعذيب وحشي وتحطيم لإنسانية الإنسان فيها، والتي لم يستثنى فيها حتى الرفاق الذين كانوا في سدة الحكم يوماً ما، فكما يتساوى في جهنم الطغاة كذلك كان الحال الرفاق في سجون البعث!!

أحمد منصور: قبض عليك أنت بعد ثورة العراق اللي قامت في 18 لـ31 تموز 68، قبض عليك وعذبت، كيف كان.. كيف ما تعرضت له في السجن من تعذيب ؟ أغسطس/آب 68 قبض عليك.

أحمد أبو صالح: يا سيدي، التعذيب في السجون السورية الآن أعتقد أنه أشد من ذي قبل، ومع ذلك عندما اعتقلت أنا وأدخلت غرفة فيها أشخاص باعرف جلهم منهم العقيد محمود الحاج محمود اللي قلت لك عضو مجلس قيادة الثورة وكان مسؤول مخابرات، أنا لم أعرفه عندما دخلت لأن شعره أصبح شائبا أكثر من شعري، الآن، وشفت على أنه فيه قطن يعني قطع صغيرة ظننتها أسنانه لأنه كان تمه مطبق، قال لي واحد من الموجودين، قال لي أبو طموح ما عرفت أبو الحاجي ؟ مين أبو الحاجي، قال لي العقيد محمود، الحاج محمود ؟ قال نعم، جيت هنا انتقلت لجنبه أبو الحاجي مرحبا ما جاوب، رجعت لمحمود نصير هذا اللي. قال لي ما بيسمع علي صوتك، عليت صوتي، أبو الحاجي شو قصتك ؟ قلعوا لك أسنانك ؟ ظنيت أنا، أجبني بجملة واحدة وقال لي يا أبو طموح اعترف وإلا مصيرك مثل مصيري، هذا محمود الحاج محمود، وفيه آخرين طبعا وفيه جاسوس عليهم حاطين له العنب والفواكه و.. ضابط أيضا رتبوا له أمره يبعتوه على الملحق العسكري مثل شو واعترف بعدين..

أحمد منصور: أنت كيف عذبوك ؟ قل لي بقى أشكال التعذيب اللي صارت ؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي، أول وسائلهم اللي استخدموها معي واستخدموا أمر وأدهى وأقسى منها مع غيري، أنا استخدموا معي الدولاب.

أحمد منصور: أيه الدولاب دا ؟

أحمد أبو صالح: بيحطو الإنسان بيحطو له ساقينه داخله، داخل الدولاب وبيدخلوا له رأسه أيضا، دولاب سيارة (كاوتشوك) وبيتركوه، طبعا أشلون بيتخدر جسمه كله لأن الدم ما بيعود بيسري يصل إلى الأطراف من تحت وللرأس وإلى آخره، ومع ذلك بيدحرجوا الدولاب وبيجلدوا الشخص اللي داخل الدولاب، بيجلدوه بقسوة وعنف، يعني بكابلات داخلها.. داخل الكابل الكاوتشوك فيه سلك فولاذي معقوف بحوالي طول 6,5 ميليمتر هذا في كل مرة بيخترق الجسم في 6,5 ميليمتر بعدين بيربطوا أحاليل السجناء بأسرة من حديد، وبيطلبوا منهم يجروها وبيعزفوا مثل زي واحد بيعزف على وتر عود بيعزفوا، وبعدين بيحطوا الدولاب برقبة السجين وبيخلوه يهرول وفي كل مرة، في كل شوط بيضيفوا شي كيلو جرام بيظل بيهرول، وعم بيزيد بالدولاب، بيحطوها.. وفي مقدوره يصمد هوه والدولاب، بيسقط، بيزدادوا ضرب فيه.. في جسمه، وحتى يسقط يصير بحالة غيبوبة، ممكن يرجعوه يزتوه بالزنزانة، بعد ما يزتوه الزنزانة بيحسوا أنه صحي، إنه في طاقة، بيجيبوا له ورقة وقلم ناشف، وبيقولوا له أكتب مذ.. مثلا.. أصبحت برات الحكم، أو مذ من سنة كذا حتى اليوم شو صار معاك، يا أخي حدد لي، ما فيه تحديد، دا تكتب كل شيء، كتبت إنه زارني أحمد منصور، جابوا أحمد منصور، أحمد منصور ما بيعرف شو أنا حكيت عليه وشلون إجه هو ؟ كمان بيعطوه، بيعذبوه وبيعطوه ورقة، وبيقولوا له اكتب، شايف، بعدين قصة مثلا إنه تقف على رجل واحدة ورافع الرجل الثانية، وأيديك لفوق، ووجهك للجدار، بحيث ما تشوف السجان إنه صار وراك أو صار بعيد عنك، مجرد ما تغير رجل برجل، أيضا بيجلدوك، وأنا أقول لك قد لا تصدقني، إني أنا كنت أنام في حالات كثيرة وأنا مرفوع اليدين، وإحدى الرجلين وأنام رأسي يلتوي على كتفي، فكيف فسر لي يا أبو طموح يمكن مالها تفسير عندك ؟ إنه كيف سجين يعذب، وجسمه كله قروح وجروح، وقادر ينام وهو على رجل واحدة، وأكثر من ذلك أنا راح أموت من الجوع، أكلت خبزات شاخخ عليها واحد مصاب بمرض.. بمرض السكر، كان يناشدهم، يصيح لهم، أرجوكم أنا مريض، معي سكر، طلعوني، ما يطلعوه على المرحاض، يبول داخل الزنزانة، أخدونا بعد لوين.. حطوني بالزنزانة، الخبز الموجود كله شخاخ، بعد.. بعد أيام راح أموت من جوعي، اضطريت غصب عني.. غصب عني آكل الخبز المبتل بالبول مع الأسف الشديد، بعدين، آسف يعني إنت اللي سألتني يعني، بالمرحاض بيطلعوا الإنسان مرة واحدة، بيتركوا باب المرحاض مفتوح، حتى ما يشرب منه، وكيف ممكن الإنسان يروح على المرحاض، وباب المرحاض مفتوح، وعشرة من الزبانية عم.. عم يراقبون من شان ما يشرب ميه، يعني هاي غيض من فيض، قصصه كثيرة، قصص، يعني فيه كثيرين مثلا بنقوله، أمين الحافظ، عدنان الحافظ من التعذيب من الطابق الثالث أراد أن يرمي نفسه من الشباك على الحديقة، وهجم على البلور واتجرحت إيديه، ولولا مسكوه من ساقه كان نزل، مات بالحديقة، والكهرباء يجيبوا الإنسان، جابوني كذا مرة، يسطحوه على البلاط، وهو عاري، غطاء هذا اللباس الداخلي، ويربطوه من رجله وبأيده بأسلاك الكهرباء، وبيتحكموا بالفولتاج، هم اللي بيتحكموا، بيظلوا بيزيدوا الفولتاج لحتى الإنسان يعني يبدأ يتصبب عرقه، ويرتجف جسمه كله، وبعدين يغمى عليه، فحسين زيدان وقت اعترف علي كان تعرض لكل هذه الوسائل، وأنا بعد 57 يوم من التعذيب قررت الاعتراف لأنه ما عدت أقدر..

أحمد منصور كملت 57 يوم.

أحمد أبو صالح: لعلمك أستاذ أحمد، توصل الأمور لدرجة إنه الإنسان بيختل، ما عادت موازينه بتكون دقيقة، صمدت ها الفترة كلها بعدين قررت إنه أنا لازم احكي..

أحمد منصور: 57 يوم !!

أحمد أبو صالح: 57 يوم أنا عاري، وبزنزانة من.. من الزنك.. من الزنك، وبالشتاء.. بالشتاء بالزنك يعني درجة الحرارة تصير 10 تحت الصفر ممكن، أو 5 تحت الصفر وأنا عاري، وما فيه.. ما فيه شيء داخل الزنزانة، أنا أجمع أوراق السندويشات أحيانا بيعطونا كل يوم 3 سندويشات، الصبح واحدة، والظهر واحدة، والمساء واحدة، أجمع الورق المصرور فيها الساندويش من شان يعني أحطها تحتي من البرودة، ما في برد يعني، حتى بعد 57 يوم، (…) لحافظ الأسد، هو اللي قال له عبد الكريم الجندي، قالوا أبو حسين بيكفي إذا كل ها المدة ما طلع منه شيء، ما.. ما عنده شيء، معناها اتركوه يا أخي حله بيكفي، فاليوم اللي أنا كنت مقرر أعترف، ولم أدرك ما حدث، لأنه المشرف الملازم إبراهيم بركات من النصيرية هو راح بيشرف على التعذيب، ومحمد حربة أيضا نصيري، هو اللي أيضا عم بيعذب، قال لهم بس اكتفوا، ما عادوا يستمروا أنا قررت أعترف، وصرت أصيح، يا أخي باحكي خلاص، أنا راح أحكي، راح أحكي، وأنا باحكي ها الكلام وانفتح الباب ودخل هذا الملازم، وقال لهم بيكفيه تعال، فرفعوا التعذيب، طلعت حلقوا لي وجهي، جايبين لي بنطلون وقميص، وجابوا لي فواكه، وبعد ساعة جات أم طموح وبنتي أنا، وعندها رفعوا التعذيب، بعد 57 يوم، وقت اللي اكتشفوا بعد فترة أنه في محاولة هرب أخذوني للشيخ حسن وعاودوا أيضا بالشيخ حسن للتعذيب، هذا سجن مشهور بحلب (هو في دمشق وليس في حلب) في قلب تربة.. تربة موتى وبضمنها في هذا السجن، بجدران عالية جدا، وكله زنزانات كان معي جورج حبش، كان معي عصام المحايري، كان.. كان معي بوشناق، مجموعة يعني من ها الشخصيات، كان معي شيخ مسكين، لحيته طويلة، حرقوا له إياها حرق،.. حرقوها، فصرنا نصيح له نحن من الزنزانة يعني المسكين هيك، يبكي أنه.. إنه لها الدرجة إنه يحرقوا له لحيته، لأنه إله لحية، ويسبوا محمد، ويسبوا الله (قاتلهم الله)، ويقولوا أنتم أخطر من الإسرائيليين، أنتم يا سنة أخطر علينا من الإسرائيلين.

أحمد منصور: أيه اللي ممكن يوصل إنسان إلى أنه يفعل في إنسان آخر مثل هذه الأشياء التي ربما لا يحتمل الإنسان أن يسمعها، فضلا عن إنه يشاهدها، أو إنه هو - لا قدر الله - تحصل له ؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي يعني أنا بتقديري إنه الناس اللي تربوا على الحقد، والكراهية والتعبئة ضد جهة ما، وبيكونوا هم بسطاء ومتخلفين، وعايشين على قمم الجبال، يعني بيصيروا أقرب إلى الوحوش.

أحمد منصور: الأنظمة العسكرية كلها تمارس مثل هذه الأفعال التي تتحدث عنها، هذا لم يحدث في سورية فقط ؟

أحمد أبو صالح: صح مع الأسف الشديد، لأنه ما فيه حقوق للإنسان، فيه حالة طوارئ يحكمها في..

أحمد منصو: كل الأنظمة العسكرية اللي تسلطت على رقاب الشعوب العربية، مارست مثل هذا وأكثر، وكلها كما ذكرت - جابت خبرتها من ألمانيا الشرقية، من يوغسلافيا، ومن الاتحاد السوفييتي ومن دول كثيرة، لتمارس التعذيب ضد أبناء الوطن، الذين من المفترض أنهم جاءوا لخدمتهم، وليس للقضاء عليهم، انتهاك آدميتهم، وانتهاك إنسانيتهم، وبعد ذلك يتحدثوا عن الحضارة وما وصلوا إليه..

أحمد أبو صالح: هذا صحيح.

أحمد منصور: أما تعتقد معي أن أي نظام حكم، مهما ادعى أنه قام بإنجازات، إذا قضى على الإنسان وعلى قيمته، وعلى إنسانيته، وعلى رجولته، وفعل فيه هذه الأفاعيل، أما يستحق أن يدون كنظام إجرامي في حق هذا الشعب ؟ مش معقول، أنا باتكلم بشكل عام.

أحمد أبو صالح: يا أستاذ أحمد.. أنا.. أنا.. أنا من القائلين الآن، إنه هاي محكمة العدل الدولية في لاهاي، يجب أن يحال إليها كل الحكام العرب بلا استثناء، وكل من والاهم، لو حدث ذلك لوجدت كل هذه الأنظمة ومن يدور في فلكها موضوعين في السجون مثل (ميلوسوفيتش) وأمثاله.

أحمد منصور: وأنت أيضا شاركت في الحكم فترة، وكان هناك مظالم كثيرة.

أحمد أبو صالح: صح شاركت وكان في هناك تعذيب، وإن كان أقل درجة لكن كان موجودا، لكن كما قلت لك، كنت أحاول عندما أطلع أن يعني أتصرف كإنسان، لست حاقدا، والآن أنا أتكلم وأنا لست حاقدا على أبناء هذه الطائفة النصيرية، لأنه أبناء الطائفة النصيرية أناس عايشين على رؤوس الجبال، لا يعرفون ماذا يفعل من يحكم باسمهم، ما بيعرفوا وهم معظمهم فقراء، اللي استفادوا حفنة من الناس، ركبوا الطائفة، واستغلوا الطائفة لتنفيذ مآربهم، وهادول الحرس القديم والحرس الجديد وإلى آخره، هادولي كلهم مخضبة أيديهم بالدماء، لذلك هادولي مثلا رأيي أنا لا يمكن بشكل من الأشكال أن يصدروا عفوا في يوم من الأيام، لأنه قتلوا عشرات الألوف، وانفقد أيضا 15، 20 ألف إنسان مفقودين حتى اليوم، وتشرد مئات الألوف، طب كيف ممكن يصدروا عفو هؤلاء ؟ مستحيل، لأنه إذا أصدروا عفو تنكشف كل الحقائق، أنا بنت اخوي، عم تنتظر زوجها اللي صار من سنة 82 ما بتعرف مصيره، واحدة أخرى عم تنتظر زوجها عدنان، وكثيرين على شاكلة هؤلاء الناس ما بيعرفوا مصير ابنائهم أو أخوتهم ما بيعرف، الآن فيه بصيدنايا 500 معتقل من الإسلاميين، مضى على اعتقالهم أكثر من 20 سنة وأهلهم ما بيعرفوا كيف عايشين، حتى تبين على أنه هادول المساكين فقدوا اعتبارهم، فقدوا شخصيتهم، اهتز تفكيرهم، حتى طلب إليهم أن يصوموا، ما أدركوا قيمة الصيام، مع العلم شوف بكل بلاد الأرض، بيجي المعتقل السياسي بيصوم عن الطعام حتى يحرك قضيته، يحرك منظمات حقوق الإنسان، في سورية المساكين اللي مضى عليهم ربع قرن بالسجون، ما عادوا على استعداد حتى يصوموا، وهم فقدوا كل شيء ليش؟ لأنه فقدوا اعتبارهم، فقدوا إنسانيتهم، يعني كل ها السنين، ووسائل التعذيب التي استخدمت معهم، وصلوا لدرجة أنهم يعني انشل تفكيرهم، ما عاد له قيمة، قصة الصيام، والإضراب عن الطعام، حتى مواطنا، حتى المحامي والمهندس والطبيب وصلوا لدرجة إنه فقدوا أمنهم بالتغيير بعدما تذكر ويمكن أو قرأت قبل مثلا 20 سنة، طلعت كل النقابات المهنية بقيادة الأطباء والمهندسين والمحامين، وقاموا الشارع كله، لكن قمعوا قمع يعني ما بيتصوره عقل إنسان فيه عنده ذرة إنسانية.

أحمد منصور: أنا آسف أنا دائما أحاول السيطرة على مشاعري وعلى عواطفي، لكن لا أعتقد إنه فيه إنسان يستطيع أن يستمع إلى هذه الأشياء ولا يتأثر.

أحمد أبو صالح: بالعكس أبديت إنسانيتك أنت، عبرت تعبير صادق وأمين عن... إنسانيتك.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بسم الله الرحمن الرحيم

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

المكتب الإعلامي

الدوحة في 27 رجب 1434هـ

الموافق: 6 /6/ 2013م

بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

يندد فيه بمجزرة القصير التي ارتكبها النظام السوري والإيراني ومليشيات حزب الله

ويدعو جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة إلى التدخل العاجل لحماية الشعب السوري من الإبادة الجماعية

ويدعو الشارع الإسلامي إلى التظاهر يوم الجمعة 14 يونيو 2013 استنكار للهجمة المنظمة ضد الشعب السوري من النظام الأسدي وحلفائه وإدانة التواطؤ الغربي وصمته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:

فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تابع بقلق شديد، تطور الأحداث في الساحة السورية وبخاصة ما وقع في مدينة القصير التي تعرضت للإبادة والتخريب من طرف الجيش السوري، بدعم إيران وأذنابها من مليشيات "حزب الله" اللبناني، مما يكشف الوجه الحقيقي لهذا الثلاثي بعد سقوط القناع عنه، حيث استعمل هذا الثلاثي الجبان كل إمكاناته العسكرية المتطورة، البرية منها والجوية، مما أدى إلى سقوط العديد من القتلى، وهدم المنازل على أصحابها، والسيطرة على المدينة بعدما أصبحت خرابا، نتيجة القصف الجوي المتتالي عليها.

وأمام هذا الوضع الخطير فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يدعو ويؤكد ما يلي:

أولاً: يدين الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بأقصى عبارات الإدانة الجرائم البشعة، والممارسات الوحشية، التي ارتكبها النظام السوري ضد شعبه، بدعم النظام الإيراني وأذنابه في لبنان، وبخاصة في بلدة القصير، ويعتبر هذا التواطؤ إعلانا للحرب ضد كل المسلمين في العالم الإسلامي وليس في سوريا.

ثانياً: يدعو الاتحاد الأمة الإسلامية إلى القيام بواجب النصرة تجاه إخوانهم في سوريا، الذين يخوضون اليوم معركة من أشرس المعارك، ويتعرضون لحرب إبادة منظمة، بالتعاون مع القوى الصفوية الدموية والمتوحشة، فالله الله أيها المسلمون: عربا وعجما، شرقا وغربا، لا تتقاعسوا في نصرة إخوانكم، وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} [الأنفال:82]، وأن الفئة الباغية الظالمة قد تميزت وبانت وانكشفت، فلا تترددوا في قتالها حتى تفيء إلى أمر ربها، وتعود إلى رشدها.

ثالثاً: يدعو الاتحاد علماء الأمة ومفكريها وسياسييها، وأحزابها إلى جعل يوم الجمعة 14/06/2013م يوم غضب ونصرة الشعب السوري، من خلال المظاهرات وخطب المنابر، والاعتصامات السلمية، والدعاء وكل الوسائل المتاحة لاستنكار الهجمة الشرسة، التي يقودها النظام السوري والإيراني وأذنابه في لبنان ضد الشعب السوري الأعزل.

{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227]، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أ.د علي القره داغي

الأمين العام 

أ.د يوسف القرضاوي

رئيس الاتحاد

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com