العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-03-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تاريخ لن يُكتب

د. محمود نديم نحاس

مهما توسعت كتب التاريخ فلن تتحدث إلا عن الأحداث الكبرى، ولن تذكر دقائق كثير من الأمور. لكن من فوائد الإنترنت أنها أتاحت لكل واحد أن يكتب ما عنده من معلومات، فلربما يأتي بعض الباحثين لاحقاً وينبش عن الدقائق والتفاصيل. إنما الكم الهائل من المعلومات في الإنترنت يجعل عملية الوصول إلى كل شيء ضرباً من المستحيل.

من التاريخ الذي لن يُكتب تاريخ الأفراد الذين لم يحتلوا مناصب عالية. لكنهم احتلوا مكانة مرموقة بين أهلهم وذويهم ومحيطهم. ولاشك أن كل قبيلة وكل عشيرة وكل أسرة تحتفظ بتاريخ رجالها، إن لم يكن على الورق ففي الصدور.

كتب صديق ينعي عمته السورية التي وافاها الأجل عن ثلاثة وتسعين عاماً. وأضاف بأنها اضطرت للهجرة من بلدها هرباً من البراميل المتفجرة التي يتم إسقاطها من الطائرات فتهدم البيوت وتقتل البشر! فماتت غريبة عن وطنها.

وحتى هذه اللحظة ليس في رسالته شيء خاص، فهذا حال الملايين من المهجرين والمشردين السوريين! لكنه أضاف بأن عمته هذه سبق أن اعتُقلت يوم كانت في الستين من عمرها، وخضعت لتعذيب شديد. نعم تعذيب شديد لامرأة في الستين! إلى أن نفر الدم من قدميها، وكُسر أنفها تحت التعذيب. وكل ذلك لانتزاع اعترافات يريدها المحقق، وزاد في تعذيبها لأنها لم توافق على الاتهامات الموجهة ضدها، فخرجت غير مُدانة! لكنهم اعتقلوا ولدها الطيار الحربي فأمضى في السجن ربع قرن، هي سنوات شبابه، ليخرج بعدها بريئاً غير مُدان!

لم تنتهِ قصتها هنا. فبعد أن خرجت من السجن لم يهن لها عزم ولم تلن لها قناة، بل ازداد صبرها وجلَدها على مقارعة الظلم والطغيان، فبدأت بالاتصال بأمهات السجناء، وقادت مظاهرة نسائية في مدينة حلب للمطالبة بأبنائهن وبناتهن المعتقلين والمعتقلات! وتمكّنت بعد سعي حثيث من زيارة بنت أختها المعتقَلة رهينة عن زوجها الذي أرادوا اعتقاله فلم يجدوه! ثم إنها سافرت مرات ومرات من حلب لزيارة ولدها الذي كان في سجن تدمر سيء السمعة، ولم يكن يُسمح لها بأكثر من دقائق معدودة فقط، كانت تكفيها لتطمئن عليه وتعطيه ما حملته معها من مأكولات كانت تشتهيها له. وكم مرة سافرت وتحملت مشاق الطريق وآلام الشيخوخة لترجع حزينة خائبة لم يُسمح لها برؤياه. فيالها من أم حنون ومربية فاضلة صابرة محتسبة مهاجرة.

أي أخلاق عربية تلك التي يعاملون بها الناس؟ وأي تاريخ صنعوا لأنفسهم؟ يسجنون امرأة في الستين من عمرها، ويسجنون ابنة أختها رهينة عن زوجها، ويضطرونها للهجرة والتشرد وقد وهن العظم منها وتجاوزت التسعين؟

في يوم هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرت قريش منزله، فلما وجدوا علياً رضي الله عنه نائماً في فراشه انصرفوا عنه ولم يمسوه بأذى! أما اليوم فأخذ الرهينة شيء يسير على من لم يقرأ قول الحق تبارك وتعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية تتخطى مشكلة النظام

بقلم: عبد الستار قاسم

8 آذار2014

بداية أوكد على ما تم توكيده سابقاً وهو أن النظام السوري، كالأنظمة العربية الأخرى، زرع بسلوكياته بذور الثورة والإقتتال. إنه نظام قهري استبدادي قمعي وفاسد وظالم، وكان من المتوقع أن تنفجر الناس في وجهه. وعندما سألني النظام عن احتمالات خروج الناس ضده، كانت نصيحتي أن يبدأ بالتغيير فوراً قبل أن يخرج مواطن سوري واحد في شوارع دمشق يتظاهر ضده. لقد أخذ النظام الكلام باستهزاء على اعتبار أنه نظام قومي ممانع ولا يمكن أن يخرج عليه الناس.

الآن وبعد كل هذه الدماء التي سُفكت وستُسفك في سوريا، هناك إصرار غربي أمريكي وأوروبي وعربي على مواصلة القتال، ولا يلوح في الأفق أن الأقوال الصحافية التي نسمعها على ألسنة مسؤولين غربيين حول الحلول السياسية ستجد طريقها إلى التنفيذ.

باختصار، مواصلة القتال في سوريا تخدم الأهداف الاستراتيجية التالية لكل من (إسرائيل) وأمريكا:

أولا: تكريـس الانطباعات السـيئـة التي تتبلور الآن على المسـتوى العالمي عن الإسـلام؛ لقد حارب أهل الغرب الإسـلام على مدى قرون، وكانت إنجازاتهم متواضعة جداً. اسـتطاعوا بمسـاعدة بعض "فقهاء" المسـلمين الفاسـقين أن يُشـوهوا صورة الإسـلام بعض الشـيء،ولولا تصرفات بعض المسـلمين وسـوء أدائهم في كثير من الأمور لما اسـتطاعوا تحقيق أي إنجاز. الآن في هذه المرحلـة يقوم أبناء المسـلمين الذين يدعون أنهم يُدافعون عن الإسـلام بتقديم أعظم الخدمات (لإسـرائيل) وأمريكا؛ وذلك بتقديم الدليل تلو الدليل للعالم بأن "الإسـلام دين إجرام وسـفك دماء". آلاف المسـلمين الآن يُثبتون للعالم أن المسـلمين يسـوقون سـيارات تحمل متفجرات ويزرعون الموت في الأسـواق والشـوارع المزدحمـة والمسـتشـفيات والمدارس. هؤلاء المسـلمون يوفرون على (إسـرائيل) وأمريكا الجهد والمال والعناء، ويُقدمون خدمات مجانيـة لصد الناس عن الإسـلام ومحاربتـه. والمسألة لا تقتصر على غير المسلمين، بل هناك من المسلمين من بدأ يكره الإسلام بسبب هؤلاء. هؤلاء التكفيريون التفجيريون أشد غباء من النظام السوري وأشد، ومثلما أن النظام لم يستمع أصلاً لنصائح أحد، هؤلاء يعتبرون من ينصحهم كافراً ويجب ذبحه وفق ما يرون أنه السنة النبوية.

الغرب مرتاح الآن وكذلك (إسـرائيل)، فأبناء الإسـلام يُقدمون أفضل هدايا لاسـتقطاب قوى الناس على المسـتوى العالمي لمحاربـة الإسـلام. لم تعد المسألة مقتصرة على مجرد مفتي غبي يقول إن الإسلام يوجب الطاعة للحاكم مهما كان ظالماً، وإنما تمتد لتشمل آلافاً مؤلفة من المجانين الذين لا يخجلون من إعلان أعمالهم الإجرامية على شاشات التلفاز.

أنا أحد الناس الذين بذلوا جهوداً لا بأس بها في البحث في الفكر الإسلامي، وكتبت حوله باللغتين العربية والإنكليزية على أمل أن أوصل رسالة لمن لديهم شك حول رسالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية، وكان تقديري أنه إذا وصلت الرسالة للناس على مدى مائة عام فذلك أمر جيد بخاصة أن وسائل الإعلام الأجنبية لا تهتم بهكذا كتابات. الآن ما قيمـة كل الكتابات الفكريـة حول الإسـلام إذا كان مجرم واحد يقوم بعرض إجرامـه باسـم الإسـلام على شـاشـات التلفاز، ويسـتطيع الوصول بإجرامـه إلى العالم خلال دقائق معدودة، ويسـتطيع صناعـة صورة قبيحـة للإسـلام بسـهولـة!؟ أنا بحاجة إلى مائة عام لإيصال الفكرة وقد أنجح وقد لا أنجح، أما ذلك الجاهل الذي يشل تفكيره في الحور العين يستطيع أن يوصل فكرته إلى كل العالم بنجاح عظيم وبسرعة الضوء.

وهل هذا يخدم الأنظمة العربية؟ نعم لأن الإسلام دين أخلاق، ودين ثورة على الظلم، وبقاء الأنظمة العربية مرتبط تماماً باللاأخلاق وبالفوضى وبغباء الناس. كلما ازداد غباء الناس وتعمقت سذاجتهم، اطمأنت الأنظمة العربية وطال عمرها. طويل العمر طويل عمره بسـبب السـذاجـة التي تُخيم على عقولنا ونفوسـنا..!!

ثانياً: منذ عام 1979 وأمريكا تُحاول مع الأنظمة العربية إشعال فتنة مذهبية في المنطقة العربية الإسلامية لما في ذلك من تمزيق للصفوف، واقتتال يستنزف الطاقات وإضعاف يجعل المنطقة كلها تحت الهيمنة والسيطرة. حاول الأمريكيون جاهدين إشعال الفتنة المذهبية في العراق. نجحوا لبعض الوقت، لكن العراقيين استطاعوا أن يُحاصروها بعض الشيء، وما زالت الجهود العربية مستمرة لإشعال فتنة سنية ـــــ شيعية في العراق. حاولوا إشعال الفتنة أيضاً في لبنان، ولكن اللبنانيين بخاصة "حزب الله" قرر عدم الرد على الاستفزازات والاعتداءات، وحال دون فتنة مذهبية. وما زال "حزب الله" يتلقى التفجيرات دون رد. بالطبع هناك من يقول إن "حزب الله" هو المعتدي لأنه يُقاتل في سوريا، والحقيقة أن المعارضة في سوريا أخذت تتهدد الحزب منذ اليوم الأول للنشاط ضد النظام، وكان واضحاً أن المعارضة ستُهاجم الحزب إذا فازت ضد النظام. حتى أن هذه المعارضة لم تتلفظ بكلمة واحدة ضد (إسرائيل)، ولا حتى حول تحرير الجولان.

الفتنـة السـنيـة ـــــ الشـيعيـة هي أخطر ما يمكن أن يواجهـه المسـلمون لأنها مدمرة وسـاحقـة ماحقـة للجميع على السـاحـة العربيـة، ولن ينجو منها أحد سـواء كان مسـلماً أو غير مسـلم، وهذه بحد ذاتها أكبر خدمـة يُمكن أن يُقدمها المعتوهون الإسـلاميون لأعداء الأمـة.

ثالثاً: حصار المقاومة والقضاء عليها. من الصعب بل من المسـتحيل على (إسـرائيل) والدول الغربيـة والأنظمـة العربيـة أن تتعايـش مع المقاومـة الموجهـة ضد (إسـرائيل)، والجهود تُبذل باسـتمرار من أجل القضاء على المقاومـة في غزة وفي جنوب لبنان. وقد شنَّت (إسرائيل) حروباً ضارية بمساعدة الدول الغربية والأنظمة العربية من أجل القضاء على "حزب الله" و"حركة حماس" و"الجهاد الإسلامي" ولجان المقاومة الشعبية، ولم تستطع. ولهذا رأت (إسـرائيل)، ومعها أهل الغرب، أن أفضل الوسـائل لإنهاك العرب والمسـلمين هي بث الفتن الداخلية لكي يأكلوا بعضهم! ولهذا تُسلط بعض الأنظمة العربية الآن ومعها (إسرائيل) تفجيريين تكفيريين ضد لبنان لعمل فوضى قد تؤدي إلى حرب أهلية يُمكن أن تقضي على "حزب الله" أو تُضعفه إلى حد كبير. وفي الجبهة الجنوبية، يقوم التكفيريون بأعمال تفجيرية في  مصر من أجل أن توجه مصر حرابها ضد "حماس". ولهذا تقوم مصر الآن بتشديد الحصار على "حماس"، وتضعها في ضائقة شديدة تحت حجة الدفاع عن الأمن القومي المصري. الاحتمال كبير أن النظام المصري نفسه متورط في تشجيع هذه الأعمال ليُقدم أوراق اعتماد لأنظمة الخليج ولأمريكا للحصول على مساعدات مالية. دول الخليج وأمريكا و(إسرائيل) معنية بالقضاء على "حماس"، وإذا قامت مصر بالمهة فإنها ستحصل على مساعدات اقتصادية ومالية..!!

تصفية القضية الفلسطينية

النقاط أعلاه تصب في النهايـة في حوض واحد وهو: دعم (إسـرائيل) وتصفيـة القضيـة الفلسـطينيـة. "حزب الله" واعٍ تماماً للمعادلة، لكن المشكلة أن الجانب الفلسطيني لم يقرأ الخارطة جيداً حتى الآن، ومازال يُغلب الحزبية على فكرة حماية معسكر المقاومة في المنطقة! من المفروض أن يعي الجانب الفلسطيني أن القضاء على "حزب الله" لن يوفر "حماس" أو "الجهاد الإسلامي"، وأن هذه حرب تطال الجميع وليس جزءً واحداً فقط. تشـويـه صورة الإسـلام يؤثر سـلباً على القضيـة الفلسـطينيـة، أما الفتنـة الداخليـة فتقضي على الأخضر واليابـس! ربما يقول أحدهم إن القيادة الفلسطينية تقوم بما يلزم من أجل تصفية القضية، لكن يبقى من المهم بقاء المقاومة لبقاء القضية حية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شحنة من السلاح أم من الأفيون..!؟

بدرالدين حسن قربي

أوقف سلاح البحرية الإسرائيلي فجر الأربعاء 5 آذار/مارس 2014 سفينة محملةً بالأسلحة في عرض البحر الاحمر على بعد حوالي 1500 كيلومتر من إيلات كانت في طريقها فيما قال الخبر إلى قطاع غزة.

في تفصيل الخبر حسب الرواية الإسرائيلية أن صورايخ سورية من طراز M302 نُقلت جواً من مطار دمشق إلى إيران، ثم تمّ شحنها بعد إخفائها بأكياس للأسمنت بسفينة ترفع علم بنما، أبحرت من ميناء بندر عباس فالعراق فميناء بورسودان، وقد اعترضتها وحدة من القوات الخاصة الإسرائيلية في المياه الدولية مقابل الحدود بين إريتريا والسودان، وأرغمتها على السير باتجاه ميناء إيلات.

هذا الخبر على الصعيد الإعلامي، يلفتنا فيه أن إسرائيل نشرته بالصوت والصور والوقائع، وأن الآخرين نفوا علاقتهم به جملة وتفصيلاً.  فإيران نفته عبر ناطقٍ من قواتها المسلحة والخارجية أيضاً، معتبرة إياه سيناريو ملفقاً ينم عن السذاجة، كما نفت السودان أيضاً.  وأما حماس فقالت: لاصلة للمقاومة بشحنة الأسلحة المفترضة، ومثلها قالت حركة الجهاد معتبرة إياه إدعاء إسرائيلي كاذب هدفه خلق مبرر لاستهدافها وغيرها من فصائل المقاومة في غزة.  وإنما نتانياهو وحده ذكّرنا بأن إيران ترسل السلاح للمنظمات في غزة عبر شبكة معقدة.

وأما الخبر على الصعيد الشعبي وغير الرسمي وهو المهمّ، لأنه لكل السوريين واللبنانيين والعرب المتشككين بزعم مقاومة المقاومين وممانعتهم من إيران وسوريا وحلفائهما، وهذا هو الدليل الباتع أمام أعينكم (مسك اليد) في ضبط السفينة وشحنتها.  أفبمقاومتهم وممانعتهم بعد ذلك تمارون وتشكّكون وتنكرون..!!

في التعليق على الخبر بين مانشرته المصادر الإسرائيلية وبين نفي الآخرين له وزعمهم تلفيقه، فهناك الكثير من الكلام الذي يقال بين الناس من أنصار الحلف المقاوم وميليشياته، ومن خصومه المشككين به وبمقاومته. وإنما أياً كان الكلام عن الشحنة المزعومة، فإن كل طرفٍ يستفيد منها بما يناسبه.  فالإسرائيلي الذي حرص فيه نتنياهو شخصياً على إعلان الخبر أثناء حضور الاجتماع الموسمي للمنظمة اليهودية إيباك في أمريكا للفت نظر الجميع إلى خطورة النووي الإيراني مما يجب كبحه وعدم السماح به في أجواء التفاهم الأمريكي الإيراني القادم.  وأما الإيراني فمن دون كلام، يريد أن يثبت لكل العرب المشككين بدوره الإقليمي والعربي ودعمه للأسد مالياً وعسكرياً ولوجستياً ومشاركته بقتل السوريين مع حلفائهم وميليشاتهم الطائفية في المنطقة بأن عينه على المقاومة دعماً ومساندة وليس على شيء آخر مما يتكلم به الخصوم عن مشاريع طائفية فيها خصوصاً من بعد بوادر بتفاهمات إيرانية أمريكية كان من مظاهرها لف وبلع شعارات الشيطان الأكبر ورفع شعار الحرب على الإرهاب.  ومثل الإيراني في هذا هو بشار الأسد وشبيحته أيضاً، بأنه في الوقت الذي هو فيه بأمس الحاجة إلى السلاح والعتاد في حربه الداخليه على شعبه، فهو يؤثر المقاومة ودعمها عن نفسه رغم حاجته لها في أحلك ظروفه التي يمرّ بها، كما هي رسالة لكل المشككين بمقاومته والنيل من صدقّيتها، كما أنها رسالة الأسد للمعنيين لنفي الظنون عنه بأنه لم يعد قادراً على لعب الورقة الفلسطينية في وضعه الإقليمي الحالي.

في ملخص الخبر ثبوتاً ونفياً، فإن الشحنة أياً كانت، فهي ليست أكثر من شحنة أفيون يراد لها أن تخدّر العقول وتصرف الناس عن الجرائم التي يرتكبها أدعياء المقاومة والممانعة وميليشياتهم في سوريا؛ فهم بها يُغطّون على مجازرهم وأفعالهم المتوحشة بحق السوريين وتهجير الملايين منهم، على طريقة القراصنة واللصوص الذين يتصدقون، والنهّابين والفاسدين الذي يظنون أنهم ببناء دور العبادة يُطهّرون أموالهم ويتطهرون. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ترشيح معاذ الخطيب لرئاسة سورية

د. عوض السليمان

فرنسا

القدس العربي

الاربعاء 5/3/2014

لا أخفي أنني كنت، ولا أزال، ضد وجود السيد معاذ الخطيب في ائتلاف المعارضة، ليس لعدم خبرته ولعشرات الملاحظات التي يمكن أن نقدمها حوله فحسب. ولكن أيضاً لإدراكنا أن هذا الرجل وبسبب فقر مدقع في معرفته السياسية يقع كل مرة في مطب الدفاع عن ‘شرعية الأسد’. فلا يزال صوته يجلجل عندما قال في بداية الثورة إنه ‘يثق بحكمة السيد الرئيس بشار الأسد في حل هذه القضية’.

نذكر جميعاً أن السيد معاذ الخطيب وافق على فكرة قبوله برئاسة الائتلاف الوطني على مبدأ إسقاط الأسد وعدم الاعتراف بشرعيته، كما وعد فور استلامه لمنصبه الجديد بالاستقالة إن لم يحدث تقدم واضح على الأرض في مصلحة الثورة، إلا أنه لم يف بذلك حتى مع استخدام صواريخ سكود.

وقد أعلن السيد الخطيب أنه لن يحاور إيران وروسيا تحت أي ظرف، ولم ينته المحللون من التعليق على موقفه حتى أعلن عن الموافقة على الحوار معهما والتقى وزير خارجية البلدين.

سريعاً أيضاً نسي السيد الخطيب موقفه الصارم تجاه الأسد ودعا في الشهر الأول من العام المنصرم إلى الحوار معه مقابل إطلاق سراح المعتقلين ومنح جوازات سفر للسوريين في الخارج.

كما يستغرب من الرجل إصراره على إلقاء كلمة المعارضة السورية في مؤتمر الدوحة علماً أنه استقال قبلها، وتلك قضية تدل على مواقف فردية واضحة، تماماً كحال استقالته التي جاءت بناء على خلافات شخصية داخل الائتلاف وحكومة هيتو.

لا أستطيع أن أفهم الحملة التي تطالب بترشيح السيد معاذ الخطيب لرئاسة الجمهورية إلا على أنها حملة تهدف إلى إضفاء الشرعية على بشار الأسد كرئيس لسورية. فمن المعلوم، وحتى في حال، حصول الخطيب على عشرة ملايين مؤيد، فإن بشار الأسد هو الذي سيغتصب كرسي الحكم في سورية عملاً بعقيدته الدينية ومحافظة على مكاسبه الطائفية واستجابة للدعم الغربي لاستمراره في الحكم. وإذا كان ذلك معلوما سلفاً، فماذا يعني ترشح معاذ الخطيب لرئاسة الجمهورية غير أنه يقول للعالم بشرقه وغربه إن الأسد رئيس شرعي لسورية وأنه خاض انتخابات نزيهة ضد مرشحين أخر، وأنه فاز بتلك الانتخابات.

وهي فرصة لمساعدة المجتمع الدولي ليثبت أركان حكم الأسد في دمشق بوصفه قد جاء بطريقة ديمواقراطية، تنافس فيها مع معارض سياسي. ناهيك عما ستحدثه هذه القضية من تركيز إعلامي قد يتلاشى معه تسليط الضوء على قضايا عديدة تتعلق بالثورة السورية بشقيها السياسي والميداني. وقد حدث ذلك سابقاً في كل مرة طرح فيها السيد الخطيب مبادرة من نوع ما.

بكل حال فإن كل تلك الأخطـــاء التي تؤكد أن الرجل لا علاقة له بموقعه اليوم، وبما حمل أو حُمّل، لا تساوي هذه الفضيحة الجديدة التي أقدم عليها أو وقف وراءها أو تجاهلها على الأقل. وقد نصحت السيد معاذ الخطيب سابقاً أن يستقيل من هرم المعارضة، وأنصحه اليوم أن يتوقف عن الخوض فيما لا يعرف، وأن يتنحى جانباً عن الأمور السياسية فهناك آلاف الطرق التي يستطيع أن يساعد فيها على إسقاط الأسد، من دون أن يؤذي ثورة الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : ترحيب بالإفراج عن راهبات معلولا ولكن .. هكذا عاملنا الراهبات فكيف عاملوا المعتقلات !؟

12.03.2014

زهير سالم

قبل أن نعلن ترحيبنا باستعادة الراهبات المحتجزات من دير ( مار تقلا ) لحريتهن ، نحب أن نؤكد استنكارنا الأصلي لعملية احتجازهن . وعملية تحويلهن إلى ورقة مساومة . وأن حرصنا على حرية كل امرأة سورية لا يزيد عن حرصنا على حريتهن . وأننا نحن الأولى بهن وبكل مواطن ومواطنة سورية من بشار الأسد وعصابته المأفونة ..

أما وقد فرضت الحرب القاطعة الظالمة ، التي سعرّها بشار الأسد على السوريين قانونها القاطع ، ومنطقها المعوج ، وأساليبها الملتوية ؛ فإننا أمام النصر الأبيض الذي حصل عليه المجتمع السوري أجمع بإطلاق سراح نساء سوريات راهبات وغير راهبات من محتجز أو من زنازين لم يكن من اللائق أن يكن فيها يسعدنا  أن نعلن ترحيبنا وتأييدنا بالخطوة ومباركتنا للناجيات أجمع الراهبات والأمهات والأخوات والزوجات نعمة الحرية داعين الله أن ينعم السوريون أجمع بالحرية والكرامة والأمن والعدل ..

وإذا كنا قد سبق وأعلنا رفضا واستنكارا لاحتجاز راهبات بريئات من قبل مجموعة ثورية سورية فمن باب أولى أن نثبت في السياق نفسه استنكارنا وإدانتنا لاعتقال النساء السوريات والرجال السوريين من قبل عصابة من المجرمين الغارقين في الإثم والجريمة ، اختطفوا اسم الدولة السورية وادعوا تمثيل أمنها وشعبها . وستكون جريمة هؤلاء أبشع وإدانتهم أشد حين نتابع أدعياء تمثيل الدولة السورية يساومون على حرية بنات هذه الدولة وأبنائها ويعقدون الصفقات المخجلة كالتي رأينا في سوق النخاسة الإنسانية والدولية ..

لا يجوز في السياق الذي نتحدث فيه أن نغفل عن الشهادة الصريحة والصادقة التي تقدمت بها الأخوات الراهبات وهن يقلن ( شهادة أمام الرب ...) ثم يفضن بالحديث عن المعاملة الطيبة التي لقينها من ( الجبهة ) المحتجزة لهن ، على الرغم من طبيعة الأسئلة المستزلّة ومن الجو العام المحيط ..

أولا: ينبغي علينا أن نقوّم إيجابيا هذا الصدق الديني والصدق الاجتماعي في الشهادة التي تقدمت بها الأخوات الراهبات . وندعو الله أن يرزقهن الثبات على هذه الشهادة بعد أن يخضعن ما سيخضعن له في أجواء الاحتجاز الجديد في السجن الرهيب الكبير الذي تعيشه كل السوريات وكل السوريين ..

ثانيا: وبكل الوضوح والصدق والعرفان نقول للرجال الأوفياء من الثوار المحتجزِين: لقد أثبتم بما بذلتم من بر وقسط لأخواتكم المحتجزات أنكم كنتم الأفقه بشريعة ربكم ، وبسنة نبيكم ، وبسيرة سلفكم الفاتحين أبي عبيدة وخالد ومن والاهم ,,,

ثالثا: لقد تابعنا العديد من وسائل الإعلام ومن المراسلين والمراسلات يقفون على رؤوس الراهبات يسألونهن : كيف كانوا يعاملونكن ؟ هل كنتم تؤدون صلواتكن ؟ ماذا قالوا للصلبان المعلقة على صدوركن ؟ كيف ؟؟ كيف ؟؟ كيف؟؟ وكانت الأجوبة التلقائية الصادقة كلها تسير في الطريق الذي لا يشتهي السائلون ...

كان عدد الراهبات بضع عشرة راهبة وعلى الضفة الأخرى كان هناك مائة وثلاثون امرأة سورية ..

هن أيضا من البشر .. وهن أيضا ، وإن كن مسلمات ، من بني الإنسان تشملهن على ما يزعمون مواثيق حقوق الإنسان ..

وهنّ لم يكن محتجزات كما كانت الراهبات بل كنّ معتقلات وقل في العالم من لا يعرف الفرق ، وهنّ لم يكن في عهدة عصابة ( كما يزعم الزاعمون والخراصون ) بل كن في عهدة ( نظام ) له منبر في النادي الدولي يفتري من فوقه على الله وعلى الناس الكذب ..

وهنّ لم يسألهنّ أحد !! لم يبال بمعانتهن أحد !! ولو سئلن لأجبن بشهادة أمام الرب : لن يرضى عنها أحدٌ يهمه بصدق رضى الرب ..

لندن : 10 جمادى الأولى / 1435

11 / 3 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقف روسيا في جنيف!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 5/3/2014

قبل جنيف بأشهر كثيرة، بدأت قوات النظام سلسلة حملات عسكرية حققت نجاحات جزئية أقنع تراكمها روسيا أن النظام شرع يلوي ذراع المقاومة المسلحة. هذه الحملات كان بين مقاصدها تجاوز جنيف وإلغاء ضرورته، عبر تغيير علاقات وموازين القوى على الأرض لصالح النظام، الذي سيحل المعضلة السورية ويجعل أي تفاض حولها باطلا ولا لزوم له!

وكان النظام قد قبل وثيقة جنيف1 بينما كان جيشه يتعرض طيلة أربعة أشهر ونيف لهزائم عسكرية متتالية، عملت روسيا خلالها على تعطيل تنفيذ التفاهم الدولي حول الحل السياسي بافتعال خلافات مع بقية دول مجلس الأمن الدولي حول تفسير نصوصه، دامت عاما وأربعة أشهر أعاد الأسد أثناءها تنظيم وتدريب قواته بإشراف إيراني ومدد روسي، وأدخل أعدادا كبيرة من مرتزقة حزب الله وكتائب أبي الفضل العباس إلى سوريا، حيث أسهمت في إحداث ما وقع من تبدل نسبي على الأرض لصالح النظام. بتحسن أوضاعه العسكرية، بدأ النظام يعلن تحفظات متزايدة على وثيقة جنيف، ويرفض الحل الذي اقترحته، وملخصه انتقال سوريا من وضعها الاستبدادي الراهن إلى نظام ديمقراطي بديل. عندما جاء موعد انعقاد جنيف، كان الوضع الميداني قد اختلف عما كان سائدا حين أقر الخمس الكبار وثيقة الحل في جنيف، فغير النظامان الأسدي والروسي نظرتهما إليها وقراءتهما لها، واتخذا موقفا موحدا منها، وتنكرا لها وللآلية التي اعتمدها قرار مجلس الأمن رقم 2118، وجعلت تطبيقها الشامل والفوري ملزما للطرفين، بدءا بتشكيل "هيئة حاكمة انتقالية" تضم ممثلين عن المعارضة والنظام وقوى أخرى، وتشرف على الانتقال الديمقراطي الذي قررته.

تغير الوضع فتغير الموقف، وظن الروس أن لقاءاتهم مع المعارضة وضغوطهم عليها سترغمها على الاستجابة للتطور الميداني والسياسي الجاري، وقبول قراءتهما للحل، التي تتجاهل الهيئة الحاكمة أو تحولها إلى مسألة ثانوية تعالج في فترة لاحقة، كما قال لافروف في موسكو، تلي انضمام المعارضة إلى النظام في مكافحة الإرهاب كأولوية بديلة للهيئة، رغم أن مكافحة الإرهاب لم ترد في أي نص، سواء في وثيقة جنيف أو في قرار مجلس الأمن 2118، الذي ركز على البدء بالهيئة وبلوغ الانتقال الديمقراطي بوصفه النتاج الحتمي للتفاوض، الذي سيحقق مطالب الشعب السوري، وليس بين مهامه إنقاذ النظام والإبقاء على الأسد، وإجبار المعارضة على قبول ما يتعارض مع نص وثيقة جنيف واحد، كالقراءة الأسدية - الروسية التي تشوه نصها وروحها، وتحول دون منح السوريين ما يطلبونه ويضحون في سبيله من حرية وعدالة وكرامة، بعد وقف عنف السلطة وجيشها.

ذهب النظام إلى جنيف لإسقاط الوثيقة التي تحمل اسمها وقرار مجلس الأمن. وجاء الروس للتنكر لما كانوا قد وافقوا عليه في الوثيقتين، ولجعل الحل ينطلق من الواقع الميداني وليس من النصوص، وإبطال ما أقر من حقوق للسوريين على الورق، وإلغاء دور دول مجلس الأمن الأخرى في بلوغها، وإجبار المعارضة على السفر إلى دمشق بشروط المهزوم، للانصياع للحل الذي يريده النظام. كان هذا على وجه التقريب ما قاله أو لمح إليه لافروف في موسكو، عندما تعامل بعنجهية مع وفد الائتلاف، وخاطبه كجهة هزمت وانتهى أمرها، ولم يبق لها من خيار غير قبول أي شيء يقدمه بشار الأسد لها بالشكر والامتنان، قبل أن تنزل بها هزيمة ساحقة، آتية لا ريب فيها.

قبل انعقاد مؤتمر جنيف، جرى في باريس لقاء ضم الدول التي تعد نفسها "صديقة" للشعب السوري. خلال هذا اللقاء، قال عضو في الائتلاف إن النظام والروس يرفضان حل جنيف، ولا بد لإجبارهما على قبوله من تحريك الوضع العسكري، وأردف أن الثورة السورية ستهزم إذا ما أضيف إلى الجمود العسكري جمود سياسي سينتجه جنيف إن طالت مفاوضاته، أو تحايل الروس على القرارات الدولية حول حقوق السوريين وإقامة نظام بديل لنظامهم الحالي. أقر "الأصدقاء" ما قاله ووعدوا بتلبية ما طلبه من تحريك للوضع العسكري يفتح باب الحل السياسي، لكن روسيا هي التي حركت الوضع العسكري وسعت لكسر توازناته، ودعمت سعيها برؤية تلغي جنيف وتتبنى حلا يثبت النظام ويبقي على الأسد.

واليوم، نقف نحن، ويقف الغرب والعرب، أمام سؤال: ما العمل للرد على إفشال جنيف وترجيح كفة النظام عسكريا؟ هل بوسعنا أن نواجه روسيا والنظام الأسدي من الآن فصاعدا بما درجنا عليه من سطحية وانقسامات؟ وهل ينجح الغرب والعرب في ردعه ومواجهته بما دأبوا عليه من وعود؟

بلغ التطور لحظة مفصلية حاسمة سيقرر موقفنا حيالها ما إذا كنا نريد أن ننتصر أو نهزم. هل نعي هذه الحقيقة، وندرك حقا أننا لن ننتصر بما أدمنا عليه من خفة وارتجال؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بوتفليقة والأسد: خرافة الرئاسات إلى الأبد

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 7/3/2014

الواقعة تعود إلى يوم 21 آب (أغسطس)، سنة 2005، حين كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مجتمعاً، في الجزائر العاصمة، مع ريشارد لوغار، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي.

تناول بوتفليقة شؤون المنطقة، من العراق ما بعد صدّام حسين، إلى ليبيا، مروراً بمصر والسعودية؛ لكنّ اهتمامه الأكبر (على ما نقلت برقيات ‘ويكيليكس، بعدئذ) انصبّ على إقناع لوغار بجدوى الانفتاح مجدداً على نظام بشار الأسد، خدمة لمصالح أمريكا في المقام الأوّل، وكذلك للحدّ من نفوذ إيران في المنطقة، وتحويل ‘حزب الله’ من مجموعة عسكرية إلى حزب سياسي ممثّل في مجلس النوّاب اللبناني.

برهة أخرى، في تأكيد هذه العلاقة الخاصّة بين نظامَيْ العسكر في الجزائر وسوريا، لأنها في الواقع سيرورة مركّبة تتجاوز العرى الشخصية الوثقى بين بوتفليقة وكلّ من الأسد الأب والأسد الابن؛ كانت سلسلة المواقف التي اتخذتها الدبلوماسية الجزائرية بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، خلال اجتماعات الجامعة العربية، وخاصة التحفّظ على الفقرة الثالثة من قرار الجامعة، لشهر تموز (يوليو) 2012، والتي طالبت الأسد بالتنحي عن السلطة. التكملة المنطقية لهذه البرهة كانت هتاف المتظاهرين في سوريا: ‘خاين خاين خاين! بوتفليقة خاين!’؛ وقيام بعض المتظاهرين الجزائريين، في الجزائر، باستعارة واحدة من لافتات بلدة كفرنبل الشهيرة، تقول: ‘إلى النظام الجزائري: سيل الربيع العربي قادم… فأين المفرّ؟’.

العسكر، والأجهزة الأمنية، والتركيبة العائلية في إدارة الاقتصاد والكثير من مراكز القرار في هرم السلطة، فضلاً عن النزوعات العقائدية ‘البعثية’ داخل حزب ‘جبهة التحرير الوطني’، وقهر المجتمع والسياسة بذريعة ‘الحملة على الإرهاب’، ثمّ الخشية من انتقال رياح ‘الربيع العربي’ لتعصف بأركان النظامين، والسلطات الواسعة التي يمنحها ‘الدستور’ في البلدين لمنصب الرئاسة، بين عناصر أخرى مشتركة… كل هذه أتاحت ذلك المستوى المتقدّم من التضامن، التبادلي، بين بوتفليقة وعسكر الجزائر عموماً؛ ونظام ‘الحركة التصحيحية’ في سوريا، كما ورثه الأسد الابن من أبيه، وتابع نهجه وأعرافه. يكتب الصحافي الجزائري كامل داود: ‘إذا تعرّضتم لي، فسينهار الشرق الأوسط وينزلق إلى الفوضى، يقول السوري بشار الأسد. إذا تعرّضتم لي، فإنّ ‘القاعدة’ سوف تُلحق الخراب بالمنطقة، يقول الجزائري بوتفليقة. أنا ضامن أمن التزويد بالطاقة، يضيف الجزائري. أنا ضامن أمن إسرائيل، على النقيض من المظاهر، يجيب السوري’!

لم يكن ينقص، إذاً، إلا إعلان بوتفليقة (76 سنة)، ولكن بلسان رئيس وزرائه عبد المالك سلال، العزم على الترشيح لولاية رابعة، اعتماداً على التعديل الدستوري الشهير، لسنة 2008، الذي ألغى تقييد شغل المنصب بولايتين، فجعله مدى الحياة، ما دام الشعب راضياً سعيداً! ولولا ما يتردد، همساً بالطبع، عن ضيق صدر الجنرال محمد مدين، رئيس الاستخبارات المعروف باسم ‘توفيق’، بهذا الترشيح؛ لأقرّ المرء بأنّ مجمّع النظام الحاكم منخرط، كالبنيان المرصوص، خلف بوتفليقة. لقد بدأت المؤشرات الأولى عندما شنّ عمار سعداني، الأمين العام لـ’جبهة التحرير’، هجوماً غير مسبوق على مدين، فاتهمه بتنظيم ‘حملة فضائح وأكاذيب’ ضدّ أعوان بوتفليقة؛ ثمّ استُكملت المؤشرات حين صوّت الحزب على ترشيح ‘المجاهد عبد العزيز بوتفليقة’ لخمس سنوات رابعة…

وكما أنّ انتخابات 2004 و2009 جلبت لبوتفليقة نسبة 85 و90 في المئة، على التوالي؛ فإنّ نسبة 97 بالمئة كانت نصيب الاستفتاء على مشروع ‘الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية’؛ الذي اقترحه الرئيس الجزائري لطيّ العقد الدامي الذي عاشته الجزائر بين 1992 و2003، وأسفر عن أكثر من 150 ألف قتيل وآلاف المفقودين؛ ثمّ أصبح الميثاق، في 28 شباط (فبراير) 2006، قانوناً رسمياً، موازياً لأحكام ‘الدستور’، وركيزة ثانية في سلطة بوتفليقة. غير أنّ الإشكالية الأولى في ذلك الميثاق/القانون تمثلت في نقص فادح بصدد ملفّين حاسمين وأساسيين: المفقودين (إذْ لا ينصّ الميثاق على أية أوالية ملموسة تضمن الكشف عن مصائرهم)؛ وملفّ محاسبة الجنرالات، والمافيات الأمنية، أو أية جهات حكومية سلطوية ارتكبت أعمال الخطف والاعتقال التعسفي والتنكيل بالمواطنين، فضلاً عن ممارسة الفساد ونهب البلاد (العكس هو الصحيح، لأنّ الميثاق يقول لهم، عملياً: عفا الله عمّا مضى!).

في جانب آخر، وفي استحقاق لا يقلّ أهمية عن العفو والتسامح والمصالحة، ينطوي الميثاق على ما يشبه الشرعنة التامة لرواية وحيدة عن ذلك العقد الجزائري الدامي؛ هي سردية السلطة كما سردتها قبل التصويت على الميثاق، إذْ لن تكون بعده أية رواية أخرى… تحت طائلة القانون! والأمر ينقلب إلى ما يشبه التحريم التامّ في المسألة الأكثر حساسية ومأساوية، أي ملفّ المفقودين، كما في النصّ العجيب الذي يمهّد للبند 4: ‘إنّ الشعب الجزائري صاحب السيادة يرفض كلّ زعم يقصد به رمي الدولة بالمسؤولية عن التسبب في ظاهرة الافتقاد. وهو يعتبر أن الأفعال الجديرة بالعقاب، المقترفة من قبل أعوان الدولة الذين تمت معاقبتهم من قبل العدالة كلما ثبتت تلك الأفعال، لا يمكن أن تكون مدعاة لإلقاء الشبهة على سائر قوّات النظام العامّ التي اضطلعت بواجبها بمؤازرة من المواطنين وخدمة الوطن’.

وللمرء أن يراهن أنّ تسعة أعشار ضباط الأسد، في صفوف أجهزته الأمنية وقوّاته الموالية وفصائل الشبيحة ومفارز الميليشيات الطائفية، سوف يراودهم الحلم باعتماد فقرة مماثلة، وبالحرف، في سورية. فإلى جانب الطابع الديماغوجي الذي يكتنف صياغة النصّ، فإنّ منطوقه كان كافياً لتبرئة ذمّة القتلة بذريعة السيادة الوطنية؛ والحفاظ على حصانة الدولة بأسرها، وسمعتها، وشرفها، كاملة تامة، منيعة معفاة من كلّ وازرة! غير أنّ ما حدث في الجزائر، يوم 11 كانون الثاني (يناير) 1992، كان انقلاباً عسكرياً صريحاً نفّذه جنرالات الجيش ومؤسسات الحكم المدنية المتحالفة مع مختلف أجهزة السلطة. وباسم الدولة وحفاظاً عليها، بذرائع صيانة السلم الأهلي ودرء الأخطار المحدقة بالوطن، انقضّ الجيش على المؤسسات بدءاً من رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد، وانتهاء بأصغر مجلس بلدي. كما فُرض قانون الطوارىء، وألغى نتائج الانتخابات التي حققت فيها ‘جبهة الإنقاذ’ انتصاراً صريحاً؛ فانفتح الباب عريضاً على السيرورة (الطبيعية والمنطقية) للتحوّلات الكبرى في الحياة السياسية عموماً، وتصاعدت خيارات العنف ضمن تيارات الإسلاميين وأجهزة السلطة العسكرية والأمنية على حدّ سواء.

ويخطىء مَنْ ينسى أنّ عمليات الإرهاب في الجزائر كانت خير ساتر للسلطة في تمرير المشاقّ الاجتماعية الناجمة عن الشروط التي فرضها ‘صندوق النقد الدولي’ على البلد، بحيث بات الجزائري العادي رهينة هاجس البقاء على قيد الحياة، قبل هاجس الإلتفات إلى شجون وشؤون المعاش اليومية. ذلك، بمعنى آخر، كان شكلاً معقداً و’غير مرئي’ من أشكال دعم برامج السلطة الحاكمة، بما في ذلك التواطؤ الصامت مع أساليبها القمعية التي لم يكن لها أي نصيب ملموس من النجاح في الحدّ من استفحال العنف الدامي. ولعلّ العكس هو الذي صار صحيحاً فيما بعد، حين أخذ الإرهابيون يعملون في وضح النهار وبسهولة أكثر، وتبدلت نوعية الضحية: من رموز السلطة السياسية والأمنية والعسكرية، إلى الجزائري العادي، الشيخ والطفل والمرأة.

كذلك يخطىء مَنْ ينسى أنّ حمامات الدم المفتوحة تلك، ودورة العنف الإرهابي الأهلي الأبشع في التاريخ الجزائري الحديث بأسره، كانت أو تظلّ مسألة جزائرية داخلية تبرّر القول: وماذا في وسع العالم أن يفعل حين يقتل الجزائري شقيقه الجزائري، في حرب أهلية طاحنة تدور رحاها منذ عقد ونيف؟ فليس بجديد القول إن فرنسا غارقة حتى أذنيها في المعضلة الجزائرية، لأسباب تاريخية كولونيالية معروفة، ولكن أيضاً بسبب التراث الأحدث لمجموعة المواقف الفرنسية بعد انقلاب 1992. والفرنسيون يسددون اليوم ديون الأمس القريب، خصوصاً حين أدركوا أنّ ضغط تلك الديون أخذ يترجم عواقبه في عمليات تصدير العنف إلى داخل أنفاق المترو في قلب باريس، حيث يودي الإرهاب بأرواح فرنسية بريئة، تماماً كما أودى ويودي بأرواح جزائرية بريئة.

من جانبها، وفي الموقف من الإسلام السياسي كما في الموقف من أية قضية أخرى شرق أوسطية، ظلت واشنطن على عهدها في خدمة المصالح القومية الأمريكية، فضلاً عن ضمان أمن إسرائيل العسكري والسياسي والاقتصادي، وتوسيع دائرة المغانم الستراتيجية الناجمة عن احتلال العراق. وهكذا، كان في وسع البيت الأبيض غضّ النظر عن حمامات الدم وتلال الجثث الأهلية في الجزائر، بل و’التطنيش’ التامّ المذهل عن حقيقة أنّ الجزائر كانت تشهد إرهاباً من نوع أعمى، أشدّ قسوة وبربرية من أيّ إرهاب تزعم الولايات المتحدة أنها تخوض حرباً شاملة لاستئصاله. وتناسى أشخاص مثل ريشارد بيرل، وبول ولفوفيتز ودونالد رمسفيلد وكوندوليزا رايس، أنّ شعار الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر كان يسير هكذا: ‘لا حياد في الحرب، وباستثناء الذين معنا فإن الآخرين كافرون’. ولكن كيف كان لهؤلاء أن يتذكروا مثل هذا الشعار، إذا كانوا هم أنفسهم قد صاغوا، وأطلقوا على لسان رئيسهم، الشعار المانوي الشهير: مَن ليس معنا فهو ضدّنا؟

وبهذا المعنى كان يُفهم إصرار رجل مثل حسين آيت أحمد على الربط بين مشروع بوتفليقة في المصالحة الوطنية (حيث أنّ أهداف المشروع الكبرى كانت، في يقينه، تهدف إلى تبييض الجنرالات بما يتيح استمرار تحالفهم مع بوتفليقة، تمهيداً لتعديل الدستور ومنح الرئيس الحالي عدداً لانهائياً من الولايات الرئاسية، أسوة بأشقائه الرؤساء العرب… وهذا ما جرى بعدئذ، بالفعل!)؛ وبين ما تحظى به سلطة بوتفليقة من تأييد فرنسي وأمريكي صريح، لعلّه بدا فاضحاً أحياناً. وإذا كان آيت أحمد قد بالغ، في كثير أو قليل، حول طبيعة هذا الدعم؛ فإنّ الثابت، مع ذلك، أنّ الديمقراطيات الغربية تنفست الصعداء بعد انقلاب 1992، حين صادر الجيش الجزائري صندوق الاقتراع (طوطم الديمقراطية الغربية!)، ودفع الجزائر إلى بركة الدم. وحدث، استطراداً ومراراً، أنّ الديمقراطيات إياها انتقلت سريعاً إلى ما هو أدهى من تنفّس الصعداء: إلى مدّ المافيا العسكرية بأسباب البقاء اللازمة، لا لشيء إلا لكي تسيل أنهار جديدة من دماء الجزائريات والجزائريين!

المقارنات بين الجزائر وسوريا، ثمّ بين بوتفليقة والأسد استطراداً، وافرة متزايدة ضاربة الأطناب؛ وليتها اقتصرت على محض نزوع استبدادي إلى إعادة إنتاج خرافة رئاسات مديدة لانهائية، مفتوحة إلى أبد الأبد.

 ‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلفة "وهم" الانتصار في سورية

وليد شقير

الحياة

الجمعة 7/3/2014

"سيتعيّن علينا أن نبذل جهداً فائقاً من أجل أن نحيّد لبنان عن التداعيات الأمنية للحرب الدائرة في سورية ومنع امتدادها إليه".

بهذه العبارة لخص سفير إحدى الدول الكبرى في بيروت قبل زهاء سنة سياسة المجتمع الدولي في لبنان، غداة إعلان الأمين العام لـ "حزب الله" في شهر نيسان (ابريل) الماضي دخول الحزب رسمياً المعارك في سورية. بدا السفير حذراً حيال مدى قدرة الدول الكبرى على تحقيق هذا الهدف. ولعل هذا الحذر ما زال قائماً الآن مع انتهاء أعمال اجتماع مجموعة الدعم الدولية للبنان.

والحذر طبيعي عند هذه الدول لمجرد أن الحرب السورية مستمرة في أبشع صورها وسط ما يعتبره معظم الديبلوماسيين الأجانب في لبنان "وهماً" عند النظام السوري ورأسه بأنه قادر على تحقيق انتصار على معارضيه.

ومع ذلك، فإن المراهنة على قدر من التحييد للساحة اللبنانية تعود الى استمرار التوافق الغربي – العربي – الروسي – الإيراني على عدم انتقال المعارك الى لبنان.

انعقاد مؤتمر باريس لدعم لبنان دليل على أن هذا التوافق الدولي ما زال قائماً وأن همه أن يبقى لبنان واقفاً على رجليه وألا تفرغ مؤسساته بالتوازي مع تقويض المؤسسات في سورية. إلا أن المؤتمر يُعقد في ظروف فائقة الصعوبة في ظل اقتناع قادة الدول المشاركة فيه، مثل اقتناع اللبنانيين، بأن مساعدة لبنان الفعلية تتم بحل سياسي للأزمة السورية. وهو أمر متعثر بل يبدو بعيداً لأن اجتماعات جنيف – 2 الأخيرة انتهت الى فشل، مع توقعات بأن معاودتها بين النظام والمعارضة ستأخذ أشهراً، بعد الإخفاق في إقامة هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات تشرف على العملية السياسية.

هذا الواقع خفّف من طموحات المجموعة الدولية الداعمة للبنان من محاولة "احتواء" تداعيات الأزمة السورية على أرضه، الى محاولة خفض نسبة الأضرار والخسائر التي سيصاب بها نتيجة تصاعد الأزمة، التي ستنتج مزيداً من تدفق النازحين إليه، وبالتالي مضاعفة أعبائه الاقتصادية، والانعكاسات الأمنية. فوهم الانتصار عند النظام سيقود الى كلفة أكبر على سورية نفسها، وبالتالي على لبنان. وعلى رغم التوافق الغربي مع موسكو وطهران على حفظ الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان فإنهما لا تساعدان كثيراً في مواجهة أوهام النظام بالتفوق في سورية، وهما وقعتا في ما وقع فيه خصومهما عندما توهموا بقدرة المعارضة على الانتصار ضد النظام بالقوة.

هناك اقتناع راسخ لدى الدول الغربية بأن الأشهر المقبلة هي المدى الزمني لاختبار خيبة الأمل في المقلب الآخر، أي عند النظام نفسه وروسيا وإيران و "حزب الله"، بقدرتهم جميعاً على الانتصار ضد المعارضة السورية، فالدول الغربية تعي ذلك لأنها تنوي تقديم المساعدات للمعارضة بما يسمح لها بالصمود لمنع النظام من سحقها ومن دون أن تتمكن من التفوق على النظام في المقابل. والمدى الزمني لهذا الاختبار الجديد هو الأشهر الستة المقبلة، والتي ستمتد على الأرجح الى ما بعد مرور الاستحقاق الرئاسي السوري حيث يتوقع أن يترشح الرئيس بشار الأسد ويفوز في انتخابات مزورة وأن يفشل في إيهام "الرأي العام" الدولي بأنه استطاع أن يربح المنصب بعد منافسة ولو صورية. فالتفتيش جارٍ عن مرشح منافس له صفة "المعارض"، بعدما أحجم أي من الوجوه المعارضة عن الاشتراك في المسرحية.

وفي الانتظار قد تنجح قوات النظام في احتلال منطقة يبرود، بعد جهد مضن، وتكبّد خسائر كبرى في الأرواح وفي المنشآت سواء كان ذلك بين السوريين أو بين مقاتلي "حزب الله". وستكون الكلفة عالية جداً، لأنها ستطلق مرحلة جديدة من الكراهية بين السوريين وستحفز المعارضة على الانتقام وتدشن لحقبة جديدة من الصراع العسكري، تجعل الأسد عاجزاً عن حماية الأقلية العلوية، فضلاً عن الأقليات الأخرى أيضاً، في شكل يفقده كل ادعاءاته. وهذا كله سيرتب إنعكاسات أمنية إضافية على لبنان ومزيداً من الإرهاب وتصاعد العمليات ضد مناطق الحزب ونفوذ إيران فيه. وسيكون للبنان نصيبه من تلك الكلفة العالية أيضاً. ليزيد ذلك من خيبة الأمل عند الحزب وطهران حيال "وهم" الانتصار الذي يتحكم بهما وبجمهورهما، مثلما سبق أن تحكم بخصومهما في السابق. وثمة من يسأل: هل تدرك طهران أن تلك الانعكاسات الأمنية للحرب في سورية على لبنان، باتت تفرض على سفيرها في بيروت حذراً في تحركاته قياساً الى تحركات نظرائه الغربيين، والسفير الأميركي بينهم، في الأشهر الأخيرة؟ وكيف سيكون عليه هذا الحذر في الأشهر المقبلة إذا استمرت مشاركة إيران و "حزب الله" في الحرب السورية؟

مواجهة الكلفة العالية لاستمرار الحرب على سورية، في لبنان، هي المبرر الأساسي لقيام المجموعة الدولية بدعم لبنان. وإذا كان همها خفض الخسائر فهل إيران و "حزب الله" وروسيا معهما يمكنها المساعدة في ذلك؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مع دخول الإنتفاضة عامها الرابع المرأة السورية تواصل التضحية.تهرب السلاح وتقاتل وتنقل الرسائل

إبراهيم درويش

القدس العربي

الجمعة 7/3/2014

لندن ـ ‘القدس العربي’ التطورات الأخيرة بين دول الخليج وقطر ستؤثر قطعا على دعم الثورة السورية، فالخلاف الذي خرج للعلن بعد جلسة عاصفة يوم الثلاثاء لدول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة السعودية الرياض نتج عنه إعلان كل من السعودية والبحرين والإمارات سحب سفرائها من الدوحة. وهو تطور لافت للإنتباه ويشي بأزمة عميقة لدول المنظومة هذه التي ولدت في الثمانينات إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية.

وكما يقول سايمون هندرسون فقد كان نجح المجلس في توحيد دول الخليج الست وأبقاها خارج الصراع ذاك، وحافظ المجلس في أوج قوته على مصالح الدول النفطية والأمنية.

لكن المجلس لم يخل من توترات داخلية طفت أخيرا بين عمان وقطر من جهة وبقية الدول وتتعلق بالموقف من إيران ومن الثورات العربية. وفي الوقت الذي لم تستدع فيه الكويت سفيرها، لأن أميرها كان يأمل بالتوسط بين مصر وقطر قبل انعقاد القمة العربية في الكويت هذا الشهر.

ويرى هندرسون مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن الخلاف العلني يعتبر انتكاسة للسياسة الأمريكية، وسيزيد بندا إلى زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما هذا الشهر للرياض التي كان يأمل أن يطمئن السعوديين حول سوريا وإيران. وسيضطر البيت الأبيض على ما يقول لإضافة المتاعب الخليجية لبنود المحادثات.

ويشير إلى أن المسؤولين الأمريكيين ربما عرفوا بالخلاف قبل خروجه العلني ذلك أن الرئيس أوباما تحدث هاتفيا مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي العهد الإماراتي، وبحسب بيان فقد تبادلا القضايا الإقليمية والتحديات الأمنية المشتركة.

ومع أن الخلاف الجديد مع قطر مرتبط كما يقول بالربيع العربي، ودعم الإسلاميين، خاصة الإخوان المسلمين إلا أن إيران التي تتقاسم معها قطر أكبر حقل غاز طبيعي في العالم تعتبر من أسباب النزاع.

ويرى تقرير في صحيفة ‘دايلي تلغراف’ أن الخلافات لن تؤدي للقطيعة بين قطر ودول الخليج إلا أنه سيؤثر بالتأكيد على طرق دعم المعارضة السورية، خاصة أن كلا منهما يدعم طرفا في المعارضة السورية. وكانت الولايات المتحدة والدول الغربية قد عبرتا عن أملهما بتعاون مشترك بين الدولتين في القضية السورية.

ويأتي الخلاف وسط تغييرات في الملف السوري من ناحية اللاعبين فيه أمريكيا وسعوديا ووعود الدعم، وتقدم للقوات الحكومية المدعومة من حزب الله في منطقة القلمون.

وتركز السعودية في الفترة الأخيرة على ما يطلق عليها الجبهة الجنوبية لإيصال المساعدات للمقاتلين، ويأمل قادة الجماعات أن يؤدي تغيير في قيادة الجيش الحر لإنعاش الجبهة وزيادة الضغط على النظام السوري.

 

حملة الربيع

 

وفي هذا السياق تشير مراسلة مجلة ‘نيوزويك’ الأمريكية جانين دي جيوفاني إلى إن المقاتلين يعدون لحملة الربيع التي يأملون أن تقودهم نحو العاصمة دمشق وفي هذه الحملة تقول إنهم بحاجة لكل جهد سواء كانوا من الرجال أوالنساء.

وفي هذا التقرير تتحدث عن دور المرأة السورية في الإنتفاضة المسلحة، مشيرة إلى أنه في الشهر الماضي نشرت بعض الصحف اللبنانية تقريرا عن قيام قوات الأمن اللبنانية بالقاء القبض على امرأة سورية ‘أم جمال’ في بلد النبي شيت في سهل البقاع، جنوب لبنان. وبحسب التقارير الصحافية فقد تم اعتقال أم جمال بتهمة التعاون مع جبهة النصرة لأهل الشام والتي ترتبط بتنظيم ‘القاعدة’، وتعتبر من الجماعات القوية في الساحة السورية، وأعلنت في الفترة الأخيرة مسؤوليتها عن سلسلة من الهجمات نفذها ناشطون تابعون لها في لبنان. واعترفت أم جمال أثناء التحقيقات بأنها كانت تحاول تجنيد فتيات ‘للقيام بأعمال تخريبية’، وبعد اعتقالها بأيام نفذت النصرة عملية انتحارية على حاجز حدودي قرب بلدة الهرمل القريبة من سوريا.

وتشير مجلة ‘نيوزويك’ التي تحدثت عن المقاتلات في الثورة السورية إلى أن أعدادهن ليست دقيقة، وهذا نابع من كون الجماعات المسلحة غير متماسكة وهي عبارة عن فصائل متنافسة فيما بينها كل طرف يتلقى دعما من جهة.

ولم تنس المجلة الإشارة أيضا إلى ذكرى العام الثالث من الثورة التي ستحل هذا العام، بدون أية بارقة على نهاية الحرب، خاصة بعد فشل مؤتمر جنيف 2 ولم تتوقف المعاناة الإنسانية على الرغم من تمرير مجلس الأمن قرار 2139 الذي دعى كافة الأطراف إلى تسهيل مرور المواد الإغاثية للمناطق المحاصرة. ومع دخول الثورة عامها الرابع وحديث الناشطين عن ‘حملة الربيع التي سيحاول المقاتلون فيها الزحف نحو العاصمة دمشق والسيطرة عليها، فهناك حاجة لمقاتلين كثر سواء من الرجال أوالنساء، وهناك أعداد من الأجانب تم تجنيدهم لهذا الغرض، فقد أصبح طرفي النزاع خاصة النظام يعتمد على المقاتلين الأجانب القادمين من لبنان والعراق وإيران. وبحسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان فعدد النساء المقاتلات في الحرب السورية يصل إلى 5.000 امرأة.

ولا يعرف عدد المقاتلات الأجنبيات- المتطوعات مع أن تقارير غربية تتحدث باستمرار عن سفر فتيات للجبهة السورية لنقل الدعم، أوالزاوج من المقاتلين الجهاديين أو المغامرة مثلما يفعل بعض الشباب الأوروبي.

وأخبار سفر البنات الغربيات عادة ما تهم الصحف الشعبية ففي كانون الثاني/يناير قالت صحيفة ‘دايلي ميل’ أن الأمن البريطاني ألقى القبض على فتاتين وهما تحاولان تهريب أموال والسفر للمشاركة في الجهاد.

وتنقل جيوفاني عن لينا الخطيب، مديرة مركز كارنيغي الشرق الأوسط في بيروت قولها ‘منذ مدة بدأت جبهة النصرة بالإعتماد على النساء لنقل المتفجرات من سوريا إلى لبنان’ ذلك أن النساء عادة ما لا يجلبن انتباه قوات الأمن على الحدود أو في المناطق المحافظة ومناطق سيطرة حزب الله التي تعتبر هدفا لجبهة النصرة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تعتمد فيها جماعات مرتبطة بالقاعدة على النساء ولكنها في الحالة السورية تعتبر تطورا جديدا في الحرب التي بدأت تنتقل آثارها إلى لبنان.

وتقول الخطيب إن ذلك يظهر محاولات النصرة لمواصلة دعم حملتها الساعية لوضع ضغوط على حزب الله من أجل إجباره على وقف دعمه لنظام بشار الأسد.

دوافع القتال

 

وتتساءل كاتبة التقرير جانين دي جيوفاني ما الذي يدفع النساء نحو ساحة القتال؟ وتنقل عن شادي حميد من معهد بروكينغز قوله إن ‘الحرب هي المكان التي يتساوى فيه الجميع، ففي حركات التحرير والمقاومة عادة ما تلعب المرأة دورا مهما ‘فقد تكون في ساحة القتال أو تقوم بنقل الدعم اللوجيستي، أومراسلة أوتمارس دور المجند للحرب، وعادة ما تأخذ الحرب أولوية على دور المرأة التقليدي والذي يعتبر مهما بالنسبة لجماعات تقليدية مثل النصرة’.

ومن هنا فدور المرأة السورية في الحرب لا يختلف عن دور زميلاتها في حروب أخرى، وتنقل هنا عن رفيف الجويجاتي، عضو وفد المعارضة في محادثات جنيف-2 قولها إن المرأة السورية حملت السلاح منذ بداية الإنتفاضة أي في عام 2011 ‘وكانت المرأة تعمل في أكثر من مجال خلال الثورة، من الإعتصامات، للتظاهرات وتقديم الدعم الإغاثي للقتال على الجبهات’.

وتقول جيوفاني إن نساء سوريات عرفن بقيادة تظاهرات مثل الممثلة فدوى سليمان التي قادت تظاهرة ضد النظام في حمص، إلا أن هناك نساء قمن بتهريب السلاح تحت لباسهن. وفي بداية العام الحالي أكد قيادي في الجيش الحر أن النساء يقمن بتشكيل كتيبة خاصة لهن. وفي مدينة حلب تلعب مقاتلات كرديات دورا في أمن المناطق وتلقين تدريبا على القنص والعمليات القتالية.

ونقلت عن مقاتلة قولها ‘لا ننظر لأنفسنا كنساء من ناحية الذكورة والأنوثة’، ولكن ‘ننظر لأنفسنا كمقاتلات من أجل وطننا’.

 

الخوف من النصرة

 

وهذا لا ينفي وجود مخاوف من أيديولوجية جبهة النصرة التي تدعو لإقامة دولة إسلامية وهي بهذا تختلف عن أهداف الجماعات الأخرى، ففي حالة انتصار الجبهة وحصولها على مناطق نفوذ واسعة في سوريا ‘فستختفي المرأة، وسيطلب منها تغطية الجسم من الرأس للقدم مثل ما حدث في أفغانستان، ولن يسمح لها بالخروج من البيت أو إرسال أبنائها وبناتها إلى لمدارس.

هذا الموقف يفسر على ما يبدو بحث الجبهة عن متطوعات أجنبيات في لبنان ومن الدول الأخرى، وحتى وقت قريب كانت تركيا تعتبر المعبر الرئيسي للمقاتلين والمتطوعات إلى سوريا. وبحسب ستفين إمرسون، المدير التنفيذي لمشروع التحقيق عن الإرهاب فإن التقارير التي تتحدث عن عمليات جمع أموال في لبنان لصالح جبهة النصرة ‘تثير دهشة’ الإستخبارات الأمريكية، وأضاف ‘ المال والسلاح والمقاتلون هم ثلاثة أشياء يعتمد عليها كل طرف للبقاء في الأهلية السورية’.

ويقول إن ‘الأسد لا يعاني من نقص من هذه الأشياء وهذا يعود لحزب الله وإيران’ فمن السهولة دخول سوريا من لبنان.

ويعلق أن ‘اعتقال امرأة تقوم بجمع المال لصالح النصرة يؤكد بحث الجماعة عن طريقة غير تقليدية وأكثر دهاء للحصول على أموال جهادية’.

وبنفس السياق تقاتل النساء إلى جانب الأسد حيث يعتمد النظام عليهن من أجل حراسة وإدارة نقاط التفتيش والحواجز.

 

الحرب والأنثى

 

وتشير جيوفاني إلى أن جذور ‘تأنيث’ الحرب تعود إلى دول أمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط ومناطق أوروبا حيث اعتمدت الأحزاب السياسية الثورية على المرأة للقيام بعدد من المهام.

وعملت المرأة في مجال الإستخبارات ولحمل الرسائل والقتال وللقيام بمهام انتحارية. ووجدت القيادة الشيشانية أن المرأة أفعل في الفتل من الرجال، فقد ركز الفريق الأمني الذي كلف بتأمين الحماية للألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي الروسية على ما أطلق عليه ‘الأرامل السود’ اللواتي قتل أزواجهن أثناء الحرب الشيشانية والراغبات بالإنتقام.

وكما لعبت النساء دورا كقناصات في البوسنة والشيشان، وبقدرة أحسن من الرجال.

وفي الستينيات من القرن الماضي جندت الحركات الراديكالية الأمريكية مثل ‘الفهود السود’ و’ويذرمين’ النساء وكذا حركة ‘الألوية الحمراء’ الإيطالية وحركة ‘ايوسكادي تا اسكاتسونا’ في الباسك الإسبانية وبادرمانيهوف الألمانية.

وبحسب كارالا كاننيغهام من مؤسسة ‘راند’ الأمريكية التي قامت بالبحث في الظاهرة فالمرأة المقاتلة أو الإرهابية هي بمثابة ‘ امرأة غير مرئية’.

وتقول إن المرأة لعبت دورا مهما في ‘ربع العمليات القتالية التي جرت في مصر والعراق وإسرائيل ولبنان والشيشان وسريلانكا والمغرب وفلسطين.

وتقول ‘حسب أبحاثي ففي منتصف عام 2008 نفذت المرأة 21 عملية إنتحارية في الأسواق العراقية ومناطق أخرى يسيطر عليها الشيعة’. و ‘أظهرت الأبحاث الأخرى أنه منذ عام 2002 نفذت النساء في سريلانكا وتركيا والشيشان نسبة 50 من العمليات الإنتحارية’. وقد أدت مشاركة النساء الكبيرة إلى إلهام الكثيرات ومنهن الفلسطينية آيات الأخرس بنت الثامنة عشرة من العمر، وطالبة المدرسة التي فجرت نفسها في سوبر ماركت في القدس قبل عدة سنين.

ومثلها مثل بقية المقاتلات اللواتي نفذن عمليات فقد اندفعت بنت مخيم الدهيشة بدافع وطني واحتجاجا على ظروف القهر والإضطهاد التي يمارسها الجيش الإسرائيلي حيث قامت في 29-3- 2002 بعملية انتحارية في متجر ‘كريات هايوفيل’ في القدس الغربية.

وفي الشهر الماضي أعادت قوات الإحتلال رفات الشهيدة الأخرس بعد سنوات من الرفض ومطالب متكررة من منظمات حقوق الإنسان حيث كان باستطاعة عائلتها عقد جنازة مناسبة لها بعد سنوات طويلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أصبح العالم على حافة الحرب؟

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 7/3/2014

مَن يقرأ تاريخ الحرب العالمية الأولى ويتأمل أسباب اندلاعها، يشعر بالقلق من أن يتورط التاريخ في إعادة نفسه، فقد بدأت روسيا الحرب الأولى في بداية القرن العشرين، ويخشى العالم أن تبدأها في هذا القرن عبر موقفها الراهن في أوكرانيا، حيث يبدو الرئيس بوتين باحثاً بإرادة وتصميم عن استعادة دور قيادي لروسيا في العالم، وقد شجعه على ذلك ما بدا من ضعف وتردد في المواقف الأميركية والأوروبية في القضية السورية.

وإذا كانت البشرية قد عانت من كوارث الحرب الأولى قبل مئة عام بسبب التقدم العلمي الذي جعل البشر يواجهون لأول مرة في التاريخ قصفاً يأتي من السماء، وأسلحة كيميائية تستخدم لأول مرة، ثم يواجهون في الحرب الثانية موتاً جماعياً بسبب التقدم العلمي الذي وصل إلى اختراع القنبلة الذرية، فإن هذا التقدم اليوم وصل إلى حد إمكانية تدمير الكرة الأرضية في حروب تعبر القارات، ولن يقلل من عدد الضحايا درع صاروخي، ولا توازن رعب. ولئن تمكن عقلاء القادة في العالم من نزع فتيل الحرب فإنهم لن يتمكنوا من إيقاف العودة إلى أجواء الحرب الباردة. وتبدو القضية السورية مفتاحاً وامتحاناً لرؤية المستقبل، وقد صارت توأم قضية أوكرانيا، فبوتين وهو أهم شخصية محورية في هذه التراجيديا الدولية، تمكن من إفشال مؤتمر جنيف كي يربح موقعاً على ضفاف المتوسط، ولم يخطر له أنه قد يخسر شبه جزيرة القرم، وقد خسر فعلياً على رغم الحشود العسكرية، فالشعب الروسي ذاته لن يسمح لبوتين بأن يجره إلى دمار اقتصادي وسياسي لمجرد مقاومة حق الشعب الأوكراني في اختيار مستقبله، وانتخابات مايو القادمة ستكشف حقيقة الموقف الشعبي رغم وجود جذور ثقافية روسية عند جزء كبير من السكان الشرقيين، لكن الشعب الأوكراني يختزن في ذاكرته تاريخاً طويلاً عانى فيه من طمس هويته وإقصاء لغته وضمه قسراً إلى الحظيرة الروسية على مدى قرون. ومع مطلع القرن العشرين ذاق هذا الشعب مرارة المجاعة والهجرات الجماعية وبقيت تطلعاته إلى التخلص من الاستبداد الروسي كامنة على رغم حصوله على الاستقلال مطلع التسعينيات. ولكن روسيا ترى جذورها في كييف وتخشى انفلات الغرب الأوكراني من قبضتها. واليوم يعيش الأوكرانيون هاجس التقسيم، فقد يكون حلاً لا مفر من القبول به لتفادي وقوع الحرب، وقد حدث سابقاً أن انفصل الغرب الأوكراني عام 1920 وظهرت دويلات أوكرانية منها جمهورية غرب أوكرانيا الشعبية وجمهورية هوتسول وظهرت حركة فوضوية تدعى الجيش الأسود في جنوب أوكرانيا، وهذا يذكر السوريين بظهور دول سورية في فترة الانتداب الفرنسي.

وبعض المحللين يبحثون عن المتشابهات والمتناقضات بين القضيتين السورية والأوكرانية، ويتهكم بعض السوريين بمرارة على الضجيج المدوي استنكاراً لمقتل مئة من المواطنين الأوكران برصاص القناصة الذين احتلوا أسطح المباني وأطلقوا النار عشوائياً على المتظاهرين، بينما لم يشهد العالم دوياً مماثلاً إلا بعد سقوط مئة ألف مقتول في سوريا، مع تقديرنا لخطر مقتل إنسان واحد. كما يتهكم بعض السوريين على التباين بين موقف الجيشين، والبرلمانين، وعلى الاستجابة الأميركية والأوروبية للتحدي الروسي. ويرى كثير من السوريين أن تورط بوتين في عداء واضح للغرب قد يصرفه عن الاهتمام بسوريا، على رغم تصريحات الروس المتشددين بأن روسيا متمسكة بسوريا بذات الأهمية التي تراها لأوكرانيا، فحضورها في المتوسط الذي صار معسكراً للغرب، وعلى مقربة من تركيا التي تحتضن رادارات "الناتو" مهم كأهمية جزيرة القرم التي تعتبر خطاً أحمر بالنسبة لروسيا، وهم بذلك يردون على احتمال حدوث مقايضة بين القضيتين، وهذا احتمال ضعيف لأن الروس والأميركان وخلفهم أوروبا لم يختلفوا بجدية حول الموقف من سوريا. ولم تظهر الولايات المتحدة مواقف جادة فقد اكتفت بالتصريحات، وهذا لا يعني رغبتنا في التدخل العسكري الذي نرفضه، ولكن كان بوسع الولايات المتحدة أن تحد من تكرار تمثيليات "الفيتو" الروسي في مجلس الأمن. ولم يكن دعم أصدقاء سوريا يكافئ موقف روسيا وإيران على الضفة الثانية. وما يزال هذا التباين في الموقفين قائماً، فالروس يدعمون حلاً سياسياً هدفه إجبار المعارضة السورية على الخضوع المطلق للنظام، والاكتفاء بمقعد وزاري أو بحضور تمثيلي هش مقابل دماء ما يقارب مليون شخص من الضحايا الذين لا يوجد إحصاء دقيق لعددهم لأن الجثث تعفنت تحت الأنقاض أو حشرت في مقابر جماعية مجهولة، فضلاً عن تشرد شعب في أكبر هجرة ونزوح شهدهما العالم وقد اقترب العدد من عشرة ملايين شخص فقدوا منازلهم، وفوق هذا مئات الآلاف من المعتقلين والملاحقين وأغلبهم ممن عبروا عن رفضهم للعنف في مواجهة المظاهرات في وسائل التواصل الإلكتروني. ولم يبد النظام أية بادرة تشير إلى رغبته في إيجاد حل قابل للتحقق، مثل إطلاق سراح المعتقلين وإصدار عفو عام عن الملاحقين. وليس سراً أن روسيا تتحمل مسؤولية هذا الفشل الذريع لمؤتمر جنيف وهي راعية له، ولم يعترض أحد من قادة الغرب على موقفها الذي تصاعد في التعنت، واكتفى مجلس الأمن بتحويل القضية السورية الدموية إلى قضية مساعدات إنسانية، ولا ننسى أن بان كي مون دعا للتحضير لجولة ثالثة من المفاوضات، وبراميل الموت الجماعي تواصل تصعيد حرب الإبادة العشوائية.

ولئن كان بعض المحللين يرون أفقاً لربط القضية السورية بالقضية الأوكرانية، فإنني أخشى أن تجيء حلول ضد مصلحة الشعب السوري، مثل التقسيم في القضيتين، أو المراضاة في المتوسط مقابل دخول أوكرانيا الاتحاد الأوروبي. فالروس والأميركان يتفقون على أهمية سوريا ضمن نظرية الأمن الإسرائيلي، وهما يتفقان كذلك على خطر تنامي الإرهاب في سوريا، وخطر انقلاب السحر على الساحر مستقبلاً، وهذا ما بدأ يحدث في الشمال السوري حيث مكن النظام حركات التطرف لإيقاع الثورة السورية في تهمة الإرهاب، وتم تسليم مدينة الرقة بطريقة تمثيلية باهتة التقطت فيها صور تذكارية بين محافظ المدينة وأمين فرع الحزب فيها مع الثوار الذين استولوا على الرقة دون أية مقاومة، وسرعان ما أطلقوا اللحى وأعلنوا دولة الشام والعراق "داعش"، وتكرر الأمر ذاته في محافظة الحسكة حين أتاح النظام لبعض الأكراد أن يقيموا كياناً مستقلاً، وصرفت الأنظار الدولية عن الثورة وعن مطالب الشعب بالحرية والكرامة إلى متابعة حروب صغيرة بين الجيش الحر وبين فصائل متطرفة تبحث عن خلافة إسلامية أو عن انفصال إثني. وتعلق النظام ببند مكافحة الإرهاب بدعم روسي، متجاهلاً مآسي الشعب المشرد الذي تفاءل ببارقة أمل تنهي عذاباته فازدادت فجائعه، وسيكون أكثر فجائعية للعالم كله أن يتعرض لخطر الانجرار إلى حرب كبرى من أجل أن يبقى لروسيا نفوذ في أوكرانيا، أو على شواطئ المتوسط.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صراع دولي على سوريا أم اتفاق على تدميرها؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/3/2014

يتحجج الذين يريدون إطالة أمد الدمار في سوريا بأن القضية ليست مجرد صراع بين نظام ومعارضة، بل هي صراع دولي على سوريا بين أمريكا وحلفها من جهة وروسيا وأتباعها من جهة اخرى بما فيهم إيران.

لكن لو دققنا في الصراع المزعوم بين الشرق والغرب على سوريا، نجد أنه مفتعل. فلو كان صراعاً فعلياً بين المحور الأمريكي وشركاه والمحور الروسي وشركاه، لما سمحت أمريكا وإسرائيل بدخول حزب الله وإيران وأذنابها بهذه القوة والفجاجة إلى سوريا.

ولو كانت أمريكا فعلاً في صراع مع المحور الروسي على سوريا، وتريد أن تنتصر هي ومحورها بما فيه قوى المعارضة السورية لقامت بتسليح حلفائها في الداخل السوري بالسلاح النوعي، الذي يقلب الموازين على الأرض. لكنها حتى الآن تعارض تزويدهم بمضادات طيران. وهو ما يشير إلى أنها ليست حليفة لهم، ولا هي في صراع مع الروس والإيرانيين، الذين يدعمون النظام بالغالي والرخيص.

بعبارة أخرى، فإن التردد الأمريكي والغربي والإسرائيلي في حسم الوضع السوري لا يدل على أنهم في صراع مع روسيا وايران والنظام، فلو كانت المعركة بين الطرفين الروسي والامريكي في سوريا معركة كسر عظم، كما كانت في أفغانستان ذات يوم، لكانت أمريكا زودت المقاتلين السوريين بصواريخ مضادة للطيران، كما فعلت مع المجاهدين الأفغان، وكان لتلك الصواريخ من طراز (ستنغر) الدور الحاسم في إخراج سلاح الطيران السوفييتي وقتها من المعركة وهزيمة الروس.

ولا ننسى كيف كانت أمريكا تضغط على حلفائها العرب والإقليميين لدعم المجاهدين الأفغان بمليارات الدولارات. وتذكر بعض المصادر أن دول الخليج وحدها دفعت أكثر من عشرين مليار دولار كمساعدات للمقاتلين الأفغان لدحر الدب الروسي. فهل تدعم أمريكا المقاتلين السوريين، الذين يتصدون لنظام الأسد وحلفائه الروس بنفس القوة؟ بالطبع لا.

الكل يعلم الآن أنه لو توفرت لمقاتلي المعارضة السورية صواريخ مضادة للطائرات لحسموا المعركة منذ زمن، خاصة وأن الطائرات السورية تشل قدرة قوى المعارضة بالبراميل المتفجرة وغيرها.

إذاً، وعلى ضوء هذا التقاعس الامريكي في مواجهة الحلف الروسي في سوريا يمكن القول إن الطرفين متفقان، وليسا متصارعين على سوريا. ومن الواضح أن الاتفاق بين الحليفين الروسي والأمريكي هو على تدمير سوريا وتهجير شعبها لأغراض لا يعلمها إلا الله!

روسيا تدعم النظام بكل أنواع الأسلحة، وايران تساعده على الأرض لإحداث أكبر قدر من التدمير، وأمريكا وحلفها تزود المعارضة بسلاح لا يحسم المعركة، بل يجعلها تستمر بغرض استمرار التدمير.

بعبارة أخرى، المطلوب في سوريا من الأمريكان والروس استمرار القتال وليس الانتصار، بدليل أنه كلما دخلت قوات المعارضة منطقة حاصرها جيش الأسد، ودمرها، فانتقل مقاتلو المعارضة إلى منطقة أخرى كي يلاحقهم جيش النظام ويدمر المنطقة الجديدة، حتى يأتي الدمار على كل أنحاء البلاد!

كم هم سخفاء أولئك الممانعجيون والمقاومجيون وهم يقولون إن الصراع الدائر الآن: في أي حلف يجب أن تكون سوريا، في محور المقاومة والممانعة المدعوم روسياً، أو في المحور الآخر المدعوم أمريكياً؟!

لا شك أنه طرح سخيف، لا لشيء إلا لأن أمريكا وروسيا أقرب إلى التحالف في سوريا منهما إلى الصراع. ويجادل البعض في هذا الإطار بأنه لا يمكن لأي شخص فيه ذرة من العقل أن يتوقع انتقال السيطرة على سوريا أصلاً الى المعسكر الغربي.

وهذا الأمر لا تريده أمريكا ولا إسرائيل، لأن سوريا بلد على حدود فلسطين، وأي تغير في جهة التبعية، سوف يؤدي إلى خلل سياسي كبير. بعبارة أخرى ، فإن أمريكا وحلفاءها ومنهم إسرائيل تبارك لروسيا وحلفائها بقاء سوريا ضمن سيطرة قوى الشرق بزعامة روسيا، لأن روسيا هي من أخلص الخدم لإسرائيل، وبالتالي فإن بقاءها مسيطرة على سوريا يعني أنها تبقى محافظة على أمن اسرائيل، وتبقى حالة العداء الصوري لإسرائيل طافية على السطح في السياسة السورية لتبقى صمام الأمان، كالذي يقوم به حلف المقاومة والممانعة .

وكي نوضح الأمر أكثر، فلا بد للجميع أن يعلموا أن لب الصراع على سوريا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن إسرائيل. فحتى لو بقيت سوريا في المحور الروسي – الإيراني (الممانع)، فهذا لن يضير أمريكا ولا إسرائيل، لأن روسيا أكبر حليف لإسرائيل، وأكبر وأقوى لوبي في إسرائيل هو اللوبي الروسي، ولا يمكن بالتالي أن تسمح روسيا بأي خطر يهدد أمن إسرائيل. وهذا يعود بنا إلى فكرة أن سوريا ليست محل صراع بين الشرق والغرب، بل الهدف من الصراع الصوري بين المحورين الروسي والامريكي على سوريا تدمير سوريا وإنهاكها كي تنام إسرائيل قريرة العين.

إن إظهار روسيا على أنها قوة عظمى في الشرق وحفاظها على حلفائها ودفاعها عنهم في الشرق الاوسط تحديداً هو أصلاً مطلب إسرائيلي – أمريكي. فبدل أن تدخل إسرائيل وأمريكا في كل كبيرة وصغيرة في الملفات الساخنة داخل الدول العربية ‘المعادية’ لإسرائيل، تستلم هذه المهمة روسيا، التي تظهر على أنها معادية للسياسات الامريكية في الشرق الاوسط، بينما هي في الحقيقة أكبر حلفاء اسرائيل، وتربطها بأمريكا علاقات مصالح كبيرة خلف الكواليس، بحكم أن اللوبي الصهيوني هو من يدير أمريكا وروسيا في آن معاً.

وعندما تحتوي روسيا كل الدول العربية، التي لم تظلها العباءة الامريكية في المنطقة، فهذا يعني أن روسيا تخفف الضغط عن أمريكا وإسرائيل في احتواء هذه الدول ومتابعة كل كبيرة وصغيرة فيها، وتتحكم بسياساتها، بما يوافق ويخدم المصلحة الروسية والامريكية والاسرائيلية معاً.

أخيراً، عندما أرى هذا الغرام بين روسيا وإسرائيل أتساءل: كيف يمكن أن تكون روسيا حليفاً ‘للمقاومين والممانعين’، وفي الوقت نفسه في حلف استراتيجي مع اسرائيل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثقافة (ضابطاً) للسياسة في الثورة السورية

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 9/3/2014

الثقافة (ضابطاً) للسياسة في الثورة السورية«السياسة أهمﱡ بكثير من أن تُترك للساسة وحدهم».

لامفر من التفكير مراراً وتكراراً بهذه المقولة.

والأهم، في هذه المرحلة تحديداً من عمر الثورة السورية، إعادة النظر في تعريف (السياسة) و(الساسة) وفي علاقة المُصطَلَحَين بالثقافة والمثقفين.

ثمة وهمٌ حاولَ، ولايزال، ارتداءَ لَبوسَ الحقيقة في أوساط الثورة يتمثل في حصر تعريف السياسة بممارسات معينة.حتى أصبحت تعني عند الكثيرين المهارة في المناورات التنظيمية والحزبية، والقدرة على (حَبكِ) الصفقات الداخلية والخارجية، و(الشطارة) على حشد الأتباع والمريدين، والذكاء في استقراء الرأي العام الشعبي، أو الهمس الخارجي، والعمل بمقتضى أحدهما أو كليهما. إلى غير ذلك من قضايا مشابهة، قد يفرض واقعنا الراهن أن تكون جزءاً من عالم السياسة، لكنها بالتأكيد ليست إلا كما هي عليه: (جزءاً) جانبياً منها لا أكثر.

يقفزُ الوهم المذكور فوق حقيقةٍ كبرى تتمثل في ضرورة ارتكاز السياسة إلى رؤيةٍ ثقافية متماسكة وشاملة قادرة على قراءة واقع الاجتماع البشري السوري والإقليمي والعالمي بكل مكوناته في هذه المرحلة، تستحضرُ في نفس الوقت، تجارب الدول والحضارات عبر التاريخ. رؤيةٍ تمتلك الأدوات الذهنية والعلمية المطلوبة لصياغة أطر التعامل مع ذلك الواقع وفق جدول محسوبٍ وواقعي للحاجات والأولويات، وبمرونةٍ تحمل طيفاً من البدائل والخيارات.

باختصار، تُغفل (السياسة) بمعناها السائد في أوساط الثورة أن الرؤية الثقافية هي الحامل وهي المصدر لأي رؤية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية يمكن لها أن تحقق أهداف الثورة.

لاحاجة هنا لكثيرٍ من التنظير، وإنما يكفي العودة لأمثلةٍ عملية قامت فيها دولٌ وحضارات على عاتق قادةٍ امتزج في شخصياتهم (السياسي) بـ (الثقافي) بشكلٍ لايكاد المرء يميز فيه الحدودَ بين الصفتين.

ثمة اختلافٌ في الأساليب والوسائل والغايات، لكن قيام الدول والحضارات اعتمد في النهاية على تزاوجٍ وثيقٍ بين الأمرين.

لاحاجة لنعود لألفيات البشرية القديمة، وإنما يكفي النظر في تجربة البشرية من الآباء المؤسسين لدولة المدينة المنورة إلى الآباء المؤسسين للتجربة الأمريكية.

ثمة أسئلةٌ كبرى تواجه الثورة السورية لايمكن أن يُجيب عليها من يتصدون للعمل السياسي بالمفهوم السائد. لايمكن لهم أن يفعلوا ذلك وحدَهم في أقل الأحوال.

وإذ تمر الثورة بمرحلةٍ انتقاليةٍحضارية في غاية الحساسية، فإن تحديها الأكبريكمن في الحفاظ على التوازنات النظرية والعملية المطلوبة لعبورها بسلام.

لكن هذا لم ولن يحصل بسهولة.

لأننا، كسوريين، نَتعلّم في هذه الأيام،ولأول مرةٍ في تاريخنا المعاصر، ألف باء فقه الموازنات والأولويات.

فنحن نحاول أن نعمل على هدم منظومةٍ سياسية وثقافيةٍ واجتماعيةٍ قديمة، وبناء منظومةٍ أخرى مكانها في نفس الوقت.

نحن نحاول أن نوائم بين أفكارنا السابقة والمستجدة في نفس الوقت.

نحن نحاول أن نستجيب لنداء العاطفة ومقتضيات العقل في نفس الوقت.

نحن نحاول أن نأخذ بعين الاعتبار خصوصية واقعنا وعالمية الأحداث والأفكار والمواقف من حولنا في نفس الوقت.

نحن نحاول أن ننطلق من الرؤية الشرعية ومن الرؤية السياسية ومن الرؤية العقلية العلمية المعاصرة في نفس الوقت.

نحن نحاول أن نعيش مع الجماهير فلا ننعزل في أبراج التنظير العاجية، دون أن نزهد في أهمية الفكر والكلمة والثقافة.

باختصار، نحن نحاول كسوريين، بعد زمنٍ طويل من السُّبات، أن نعاود الدخول في تاريخٍ كنّا نعيش على هامشه.

لكن التحدي / الفرصة أن هذا يحدث وسط ضجيج أزمةٍ عالميةٍ معاصرة هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. أي أننا نحاول هذا وسط ظروف غير مثاليةٍ على الإطلاق، لامجال فيها لأن نأخذ ما نحتاج من الوقت، ونُسخّر ما نتمنى وجوده مثالياً من الجهود والإمكانات والطاقات بشكلٍ يساعدنا على حركةٍ تتوافرُ فيها ضمانات أكبر لتحقيق الأهداف.

ولا يخفى على أحد أن محاولة الدخول في التاريخ في وسط هذه الظروف ستكون من أشق المحاولات وأكثرها صعوبة وتعقيداً، وسيغلب عليها التجربة وتكرار المحاولات والتناوب بين الخطأ والصواب من قِبل الجميع وفي مختلف المجالات.

لكن وجه الحديث عن (الفرصة) في الموضوع هو أن تلك الظروف والأحداث تساعد كثيراً على رؤية الإشكالات الحقيقية بشكلٍ واضح وشفاف ومُباشر. كما أن فيها فرصةً لطيّ المسافات، وتجاوز صور التغيير الروتينية البطيئة جداً، دون أن يعني هذا بطبيعة الحال حرق المراحل، أو الوقوع في استعجالٍ كثيراً ما يؤدي إلى الخُسران والندامة. وهومايعود بنا مرةً أخرى إلى استحضار مسألة الموازنات والتوازنات التي يبدو أنها يجب أن تكون شعار المرحلة في كل مجال وعلى كل صعيد.

هنا يأتي دور المثقف السياسي ودور السياسي المثقف.

لامجال هنا لليأس والإحباط، ولا للزهد والتواضع، ولا للتكبر والنُخبوية والاستعلاء.

لكن هذا الدور يجب أن يستفيد أيضاً من تجارب قلةٍ من المثقفين دخلوا تجربة السياسة بوضعها الراهن، والأملُ أنهم خرجوا منها بدروس تُفيد الجميع في عمليات التصويب والإصلاح.

ليست المسألة مسألة منافسة على زعامةٍ سياسية شخصية أو مؤسسية. ولا المطلوب هنا تشكيل جسمٍ آخر يكون بديلاً للائتلاف الوطني أو غيره. وإنما التفكير بشكلٍ خلاقٍ وعملي لتجاوز الجمود الكبير الواضح في المسار السياسي، وهو جمودٌ يحصل فقط في غياب الفكر السياسي المحترف. فضلاً عن الحاجة لوقف الاهتراء والمظاهر الشاذة في مشهد المعارضة السياسية والعسكرية بشكلٍ عام.

ثمة حاجةٌ لرؤيةٍ جديدة تحقق هذه الأهداف. وليس كثيراً على السوريين أن يصلوا إليها، خاصةً إذا عملوا لتصحيح معادلة السياسي والثقافي، وأعادوا تحريرها بالشكل المطلوب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نساء سوريا: معاناة الحد الأقصى!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 9/3/2014

أمس، كان العالم يحتفل بيوم المرأة العالمي، وهو احتفال يعكس حسًّا إنسانيا بالأوضاع الصعبة التي تعانيها المرأة في عالم اليوم، ليس فقط من باب المعاناة الناتجة عن تدني مكانتها في المجتمع، وتردي أوضاعها الاقتصادية والمعاشية، وقلة مشاركتها في الحياة العامة، سواء في إطار إدارة المجتمع وأنشطته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولجهة هامشية حضورها في الأنشطة الثقافية والفكرية، وكل ذلك بعض محصلة الطبيعة الذكورية للمجتمع في واقعه الراهن، وما يفرزه ذلك من دور أكبر للرجال على حساب المرأة ودورها. وإذا كان الاحتفال بيوم المرأة هو إقرارا بالواقع المتردي للمرأة، فإنه أيضا تذكير بضرورة إصلاح الواقع بصورة جذرية بحيث تتحقق العدالة في الحياة، وتسود المساواة بين الرجال والنساء.

والتردي العام في أوضاع المرأة في عالمنا المعاصر، يصبح مضاعفا في أوضاع نساء بعض دول العالم، خاصة البلدان التي تضربها ظواهر الفقر والمرض والتخلف، والأبشع مما سبق، يحصل في البلدان التي تطحنها الحروب والصراعات المسلحة من أجل مصالح متناقضة، حيث تنهار قيم وعادات وتقاليد، لتحل محلها القوة والعنف، وتنطلق الغرائز في أبشع صورها، وغالبا في الأحط منها، وهذا يترك أثره الشديد على النساء والأطفال بصورة أساسية، لأن القسم الأكبر من النساء ولأسباب ودواع كثيرة، يؤثرن على أنفسهن عائلاتهن ولا سيما الأبناء والإخوة والآباء والأزواج، فتكون حصتهن في الحياة والاحتياجات في تلك الظروف أقل بكثير مما يمكن أن تكون.

وحالة السوريات اليوم قد تكون الأصعب في عالم اليوم، بل قد تكون أقسى الحالات التي مرت نساء العالم بها في التاريخ المعاصر. فبعد ثلاث سنوات من حرب النظام على السوريين، وخاصة النساء اللاتي اشتركن في الثورة على النظام وساهمن في فعالياتها، كانت حصة السوريات فظيعة في نتائج تلك الحرب، حيث عانت النساء من الاعتقال والقتل، بما في ذلك حالات القتل تحت التعذيب، ومن الانتهاكات بما فيها حالات الاغتصاب، ودفعت السوريات على دروب التشرد والهجرة واللجوء عبر العالم، وقدر لأعداد كبيرة من النساء العيش في مناطق محاصرة تحت القصف وفقدان الدواء والغذاء، وكلها أدت إلى موت نساء في ظروف خارجة عن التصور.

ولم تقتصر معاناة السوريات على ما قام به نظام القتل والتدمير والتهجير، بل امتدت إلى معاناة أفرزتها النزعة المتطرفة، التي أطلقتها جماعات التطرف الديني من «القاعدة» وأخواتها سواء ما وفد إليها وتمدد فيها، مثل دولة العراق والشام (داعش)، وما تأسس فيها وشارك فيه وافدون مثل جبهة النصرة، وقد أشاعوا قيما وسلوكيات جسدت اضطهادا مزدوجا للنساء، منعهن حتى من ممارسة دورهن الذي كرسوه في العمل العام في مواجهة النظام ودعم صمود المجتمع ضد آلة النظام وشبيحته، وأعادت قيم المتطرفين وسلوكياتهم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام حياة النساء إلى ما قبل الحقوق الأساسية للإنسان ومنها الحق في الانتقال والقول والعمل والحياة بصورة طبيعية، وبالمحصلة لم يكتف المتطرفون بممارسة أغلب سلوكيات النظام، وإنما أضافوا إليها ممارسات لا تقل بشاعة في انتهاك حق النساء في حياة طبيعية تحت واجهات «دينية».

إن تردي حياة السوريات في ظل ما يحيط بالوضع السوري من صراعات وعنف لا يمثل نهاية المطاف. فما يصيبهن من معاناة، يبدو بلا حدود في قسوته ونتائجه الكارثية. فأغلب السوريات وجدن أنفسهن في مواجهة تحديات صعبة لم تكن تخطر لهن في وقت سابق، والأمر في هذا لا يقتصر على متابعة حياتهن في العمل والتعليم مثلا أو على إعالة الأسر ورعايتها في ظل غياب معيلها، فهذا أمر موجود وإن صار أكثر شيوعا وقسوة في ظل ظروف استثنائية، تكرس اليوم واقعا مريرا تعيشه السوريات، بات من الضروري ليس معالجته فقط، وإنما إعادة تطبيع حياة السوريات وكل السوريين!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن سورية والحدث الأوكراني: المرونة والتشدد في التعاطي الروسي

أكرم البني

الحياة

الاحد 9/3/2014

ليس مستغرباً أن يثير التغيير الحاصل في أوكرانيا بعض التفاؤل في نفوس المتابعين بألم لما يجري في سورية. فثمة رهان بأن تفضي التطورات هناك إلى إضعاف سياسة روسية نشطة تدافع عن الوضع السوري القائم ضد أي مشروع للتغيير، بالتالي إلى تمكين الغرب من مواجهة صعود دور موسكو، باعتبار أوكرانيا وسورية متشابهتين في حسابات السيطرة والنفوذ العالميين، بصفتهما موقعين إستراتيجيين أكثر من منفعتهما الاقتصادية. فالأولى حاضنة لأنابيب الغاز المغذية لأوروبا ومدخل لحصار روسيا من الغرب، والثانية قريبة من منابع النفط ومن دولة إسرائيل، ولعبت تاريخياً دوراً حاسماً في استقرار المنطقة.

ولكن، ثمة من يعتقد بأن الأحداث التي تشهدها الخاصرة الروسية هي من الخطورة بحيث تزيد تشدد قيادة الكرملين واندفاعاتها الهجومية، بالتالي من تمسكها بالحلقة السورية في مواجهة ما تعتبره سعي الغرب إلى إضعافها والنيل من محاولاتها استرجاع نفوذها، مرجحاً أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً بين الطرفين، تكون الورقة السورية واحدة من بين أوراق اقتصادية وديبلوماسية وسياسية وربما عسكرية أيضاً، توظفها موسكو لتطويق تداعيات الحدث الأوكراني ولمنع كييف من متابعة مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تبدأ أوكرانيّاً بالسيطرة عسكرياً على منطقة القرم الاستراتيجية، وتستمر سوريّاً بالإمعان في دعم النظام وتمكينه، بما في ذلك إهمال النقاط التوافقية لبيان «جنيف - 1» وتهميش ما قد يترتب على «جنيف - 2» من فرص أخرى لمعالجة الأزمة السورية. ولا يغير هذه الحقيقة التنازل المحدود الذي قدمته موسكو في مجلس الأمن بتمرير قرار أممي يسهِّل دخول المساعدات إلى المناطق المنكوبة، بل يؤكدها تصلبها المفاجئ في مفاوضات «جنيف - 2» رداً على تصاعد الحراك الشعبي الأوكراني المناهض لها.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ثلاث نقاط تدعم خيار التشدد: أولاها، رهان موسكو على استمرار انكفاء السياسة الأميركية، ما يجهض آمال الشعب الأوكراني بالتحرر، ربطاً بتقديرها أن الغرب سيتحسّب من دعم كييف إلى نهاية الشوط، وهو العارف بأنها تعاني أزمة اقتصادية خانقة وديوناً متراكمة تشكل عبئاً كبيراً عليه. النقطة الثانية، بنية قيادة الكرملين وعراقة نهجها في اللجوء إلى تصدير أزماتها الداخلية عبر صراعات النفوذ الإقليمي والعالمي، وثالثتها، الخوف من انتقال العدوى الأوكرانية إلى البيت الروسي وإلى بلدان حليفة لموسكو في الجوار ما يربكها ويهدد مشروع الاتحاد الأوراسي الذي تطمح إلى إرساء دعائمه، كعتبة لاسترداد هيبتها وسطوتها.

وعود على بدء، يرجح كثيرون في المقابل، أن تهدئ الأزمة الأوكرانية الفوران الروسي، وتساعد موسكو في تحسس حقيقة حجمها ووزنها العالميين، بالتالي إبداء المرونة في التعاطي مع بؤر التوتر بما في ذلك الملف السوري. ويعتقد هؤلاء بأن قيادة الكرملين تعرف جيداً أن الشراكة والتعاون مع الغرب هما الطريق الأسلم لمستقبلها بدلاً من الانبهار بانتصارات هشة ومكلفة، مثلما تدرك خطورة التظاهر بأن روسيا باتت دولة عظمى كما كانت أثناء العهد السوفياتي لمجرد أن أميركا التي كانت تستفرد بمكانة الدولة العظمى أصابها بعض الوهن وتراجع دورها، وتدرك أيضاً أن استخدام نبرتها « السوفياتية « في التحدي، لا يمكنه، حتى إشعار آخر، أن يتجاوز حدوداً ترسمها موضوعياً توازنات القوى القائمة على الأرض.

صحيح أن الملف السوري وفر لقادة الكرملين فرصة الإيحاء بأن سياستهم تمكنت من إرجاع روسيا إلى موقعها كقوة عظمى، وأجبرت العالم كله على التعامل معها على هذا الأساس، لكن الصحيح أيضاً أن روسيا اليوم ليست مؤهلة اقتصادياً وسياسياً للعب دورها القديم والعودة لاحتلال موقعها كقطب عالمي منافس، ولنقل غير مستعدة لدفع فاتورة جديدة لسباق التـــسلح والتنازع على النفوذ بعد أن جربت هذا الخيار طويلاً ولم يــفضِ إلى نتيجة، سوى مفاقمة الأزمات والمعاناة. والقصد أن روسيا اليوم ليست روسيا السبعينات والثمانينات، وما يجري من مناوشات بينها وبين الغرب أشبه بلعبة عض أصابع لن تتعدى حقل «التنازع الآمن» على بعض حصص السيطرة والنفوذ، والمرجح أن يأخذ هذا التنازع منحى أقل تشدداً ولنقل أكثر مرونةً، بعد التصدع الخطير في مكانتها ووزنها جراء خسارة الموقع الأوكراني.

ويخلص أصحاب هذا الرأي إلى أن الهاجس الرئيس لدى قيادة الكرملين هو ضمان استقرار مصالحها عبر سياسة براغماتية تتحسب من دفع تحدي المواجهة مع الغرب إلى حده الأقصى، بخاصة في الشأن السوري الذي استنزفها سياسياً ومعنوياً، بل أنها على العكس ستعزز خيارها المرن بالانتقال من التفرد في تقرير مصير الصراع الدموي هناك إلى تفضيل المشاركة الأميركية والتعاون جدياً معها هذه المرة لوضع مخرج يضمن لروسيا مصالحها، بدل أن يفضي تفردها إلى خسارة كل شيء والخروج من المنطقة وهي تجر أذيال الخيبة وازدراء شعبياً واسعاً.

فموسكو التي عقدت العزم على دعم النظام السوري بكل الوسائل وراهنت على قدرة الآلة القمعية على الحسم ومنحتها المهل والفرص، تشعر، اليوم، والنار تستعر عند عتبة دارها، بأن تورطها بالصراع السوري سيطول وتزداد تكلفته مع ما يشاع عن وصول دعم عسكري للمعارضة المسلحة.

وبين احتمالَي المرونة والتشدد في التعاطي الروسي مع الملف السوري، يبدو النظام في دمشق أكثر تحرراً من ضغوط موسكو، وأكثر قدرة على التوغل في العنف والمجاهرة برفضه للحل السياسي. فقيادة الكرملين لن تكون بعد الحدث الأوكراني بالقدرة ذاتها على فرض موقفها على النظام، ويزيد الأمر تعقيداً، إدراك الأخير حاجة موسكو لورقته كي تحسّن موقعها التفاوضي مع الغرب، ثم قوة خيار استقوائه بموقف طهران في حال عارضت معالجة سياسية لا تلبي طموحها ولا تساعدها في تخفيف الحصار الاقتصادي وحدّة أزمتها المتفاقمة مع الغرب، وفي انتزاع اعتراف عالمي وأميركي بدور ونفوذ إقليميين طالما سعت إليهما.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ضغوط السلاح والسياسيات الإقليمية

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 9/3/2014

زار وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إقليم كردستان، واجتمع بالبارزاني، وتحدث إلى الصحفيين ببضع كلمات باللغة الكردية تقرباً إلى الأكراد. ومع أنه كان قد زار طهران بصحبة أردوغان قبل أسابيع، واصطحب معه إلى كردستان العراق وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، فإن أنصار المالكي ببغداد سرعان ما هاجموا أوغلو باعتبار أنه يريد زيادة الفتنة بين الأكراد والحكومة العراقية. طهران تريد أن يستمر المالكي في الحكم لفترة ثالثة. ولأن الانتخابات قريبة، فإن المالكي ضغط بشدة على خصومه السياسيين بالداخل من الشيعة وغيرهم. في الجهة الشيعية عمدت طهران لزيادة الضغط على مقتدى الصدر حتى خرج عن طوره من جديد. أما آل الحكيم، فاستجابوا للضغوط الإيرانية واقتربوا من المالكي. وازدادت ضغوط المالكي على الأكراد بشأن تصديرهم للنفط عبر تركيا دونما إذن من الحكومة المركزية. وآخر إجراءاته ضدهم إيقاف نصيب الأكراد من الميزانية العامة مما اضطرهم لعدم دفع مرتبات الموظفين هناك. ورد الأكراد بقطع مياه السدود الموجودة بالمنطقة الكردية عن الأقاليم الشيعية بشمال العراق ووسطه وجنوبه. ومنذ شهرين يشن المالكي حملة عسكرية على «داعش» بالرمادي والفلوجة. إنما الطريف أنه عمد قبل ذلك إلى فض الاعتصامات الاحتجاجية السلمية في تلك الأقاليم، والمستمرة منذ عام ونيِّف. وكانت النتيجة أن اتهمه خصومه من السياسيين السنة، بأنه يسلك سلوكاً طائفياً لجمع الشيعة من حوله قبل الانتخابات. وأنه إنما ينفّذ أجندة إيرانية. وكان الرجل قد افتتح تلك الحملة بخطاب من كربلاء تحدث فيه عن الصراع المستمر بين أنصار الحسين وأنصار يزيد، وأن بينهما بحوراً من الدم! وفي الوقت نفسه ترك الجنرال الإيراني قاسم سليماني يُرسلُ آلاف «المتطوعين» العراقيين للقتال إلى جانب بشار الأسد. وآخِر القادمين من العراق إلى سوريا «قوات بدر» التي كانت تابعة لـ«المجلس الأعلى» (آل الحكيم)، ثم احتضنها سليماني وفصلها وعين لقيادتها الخزعلي والعامري. والعامري هو وزير النقل في حكومة المالكي القائمة. وكان أردوغان قد دخل مع طهران في صراع على سوريا طوال السنتين الماضيتين، مستعيناً بقطر. لأنه يريد سيطرة الإسلاميين في دول المشرق العربي ومصر. وردت طهران بإثارة أكراد تركيا، كما أثارت العلويين الأتراك ضدّ أردوغان. وقد اضطره ذلك مع زيادة الخصومات بالداخل التركي، إلى الذهاب لطهران للمصالحة. والذي يبدو أن جولة وزير الخارجية التركي هذه المرة إلى كردستان المقصودُ بها ليس إثارة الأكراد، بل التوسط بينهم وبين المالكي بتكليف من طهران!

ويمتد المسرح الطهراني الإيراني خلال السنوات الماضية إلى سوريا ولبنان واليمن. ولإيران أفعال تقسيمية في دول عربية أخرى مثل البحرين والكويت. وما تزال عاملة في ارتهان غزة و«حماس»، لأنها تريد الاحتفاظ وهماً وإيهاماً وابتزازاً براية «المقاومة» لإسرائيل! بينما المعروف أن الجيب الذي أقامه الأسد وسليماني بغزة عام 2007 كان المقصود به زرع شوكة في خاصرة مصر، التي تتهم «حماس» الآن بالإرهاب. ونعود إلى البلدان العربية التي تملك إيران فيها تنظيمات طائفية مسلحة، وهي سوريا ولبنان واليمن. ففي هذا الشهر يبلغ عمر الثورة السورية على الأسد ثلاث سنوات. ومنذ أكثر من سنتين بدأت طهران ترسل السلاح والمال والرجال إلى النظام السوري. ويبلغ عدد كتائب الحرس الثوري الإيراني بسوريا العشرة آلاف. أما الميليشيات الشيعية التي سلحها سليماني ودربها وأرسلها بمساعدة المالكي فيبلغ عددها الثلاثين ألفاً. وهي تضم «متطوعين» شيعة من تسعة بلدان أهمها لبنان والعراق. و«حزب الله» متوطّنٌ منذ ثلاثة عقود بلبنان، وله نفوذ كبير في مؤسسات الدولة والجيش. وعنده مواطن شاسعة مقفلة. وقد تصاعد التوتر بين الشيعة والسنة بالبلاد، نتيجة أعمال الحزب بالداخل، ونتيجة إرساله آلاف المقاتلين إلى سوريا. وفي اليمن يلعب الإيرانيون في الشمال من خلال الحوثيين، وفي الجنوب من خلال الانفصاليين. والبلدان الأربعة هذه (العراق ولبنان واليمن وسوريا) تكاد الحياة فيها تتعطل، والخراب ينتشر، والقتل لا يتوقف، بسبب التدخل الإيراني. والبحرين أفضل حالا بقليل بسبب الحماية الخليجية.

إن التدخل الإيراني المسلح والسياسي والطائفي الانقسامي هو التحدي الرئيسي الذي يواجهه العرب في المشرق والخليج. ولا مخرج من هذا الداء الفظيع إلا بالتعاون العربي لدعم شعوب تلك البلدان، وحمايتها من القتل اليومي، من جانب الإيرانيين ومن جانب مليشياتهم، ومن جانب خصومهم أيضاً! ولا عمل عربي في هذا السبيل إلا من جانب دول الخليج. وقد صار للإيرانيين حزب عربي مكوَّن من عدة أنظمة، تعمل على تمييع كلّ خطوة لإعادة الاستقرار. بيد أن المذنب الأكبر في استمرار هذه الأوضاع بعد إيران إنما هو السياسات الدولية. فالروس والصينيون ظلوا سنتين ونصفاً يحولون بالفيتو دون إدانة النظام السوري القاتل لشعبه. وبالطبع فإن الروس ما ساعدوا في مؤتمر جنيف-2 ولن يعملوا شيئاً لإنفاذ القرار الدولي للممرات الإنسانية. وهذا فضلا عن السلاح الثقيل والخبراء الروس في سوريا. والولايات المتحدة من جانبها كشفت الغطاء عن الأوروبيين الذين كانوا يريدون التدخل بعد القصف بالكيماوي، وما عملت شيئاً غير شتم النظام السوري، وشتم خصومه «الإرهابيين».

ولنذهب إلى عامل التهديد الثاني للاستقرار العربي: الجهاديون وأحزاب الإسلام السياسي. فقد اكتسب الجهاديون بعض القبول بين الشباب من قبل باعتبارهم الذين واجهوا الولايات المتحدة في كل مكان. بيد أنهم قتلوا بالدواخل العربية وما يزالون، ودمروا سمعة العرب والمسلمين لأجيال قادمة. وهم في موجتهم الثانية خلال السنوات الأربع الماضية أشدّ إجراماً وأكثر فتكاً وتقسيماً. وبخاصة أنهم يعطون أعمالهم الإجرامية نكهة طائفية مثيرة للاشمئزاز. فهؤلاء لابد من مكافحتهم، باعتبارهم خطراً حاضراً مثل المليشيات الإيرانية. بيد أن الخطر الاستراتيجي يأتي من الإسلام الأصولي الآخَر الذي سميتُه في بحوثي إسلاماً سياسياً. فقد كوَّن هؤلاء عبر عدة عقود تيارات وأحزاباً صارت واسعة الانتشار في أَوساط المتعلمين. وفكرتهم عن الدولة لا تختلف عن فكرة «ولاية الفقيه»، وإنما هم يستبدلون بالإمامة الشريعة والمرشد. وهم يحصرون «الشرعية» بهم، بمعنى أن «الدولة الإسلامية» الموعودة لن تقوم إلا إذا تولَّوا هم السلطة. وقد اكتسبوا أو اكتسب بعضهم سُمعة لدى الغرب عبر عدة عقود، بأنهم لا يمارسون العنف، لكنهم عادوا لممارسته عندما أُزيلوا من السلطة بمصر.

ويرجع النجاح النسبي لتيارات الإسلام السياسي بعد الثورات، إلى أنهم أحزاب منظمة وأكثرها تحت الأرض. بيد أن هناك عاملا آخر هو «تحويل المفاهيم»، بمعنى أنهم نجحوا في إقناع شرائح بشعاراتهم مثل: الإسلام دين ودولة. والشرعية والشريعة. وتطبيق الشريعة.. فأعطوا لكل ذلك معاني سياسية، وأسسوها على الدين، وربطوا شرعية الدول والأنظمة بها. ولذا لابد من عمليات إصلاح ديني للخروج من دعاوى الجهاديين، وتنظيمات الصحويين.

هذان تحديان كبيران: التحدي الإيراني، والتحدي الصحوي (الجهادي والتنظيمي)، وهما تحديان لابد أن يقوم بأعبائهما الجميع. فالدول يكون عليها الدفاع عن الأمن العربي والسيادة العربية. أما نحن فينبغي أن نعود للتواصل والتعاون والتآزر، واستحداث نهوض ديني يُخرج الناس من النزاع مع دينهم ودولهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رؤساء بلا حدود

حسين العودات

البيان

الاثنين 10/3/2014

ربما كانت مدة بقاء معظم الرؤساء العرب في السلطة هي الأطول قياساً لمدد ولايات الرؤساء في العالم (باستثناء رؤساء كوريا الشمالية وزيمبابوي).

فقد استمر الرئيس القذافي على رأس السلطة اثنين وأربعين عاماً، ولم يتركها مختاراً، بل احتاج الشعب الليبي إلى التضحية بخمسين ألف قتيل ثمن تنحيته عنها (حسب الأرقام الليبية الرسمية)، ولولا ذلك لبقي رئيساً حتى اليوم. وأمضى الرئيس زين العابدين بن علي أربعة وعشرين عاماً رئيساً لتونس بلا منازع، حتى "هرب" أمام ثورة التونسيين.

واستمر حكم الرئيس محمد حسني مبارك ثلاثين عاماً في مصر، ولم يترك كرسي الرئاسة إلا تحت ضغط الثورة الشعبية المليونية التي قدمت بدورها مئات القتلى ثمن مغادرة الرئيس للقصر الرئاسي في مصر الجديدة. وفي السودان بقي المرحوم جعفر النميري ستة عشر عاماً متمتعاً بسلطته يرسم ويعدم (رحم الله محمود محمد طه)، وها هو الرئيس البشير يمرر عامه الخامس والعشرين رئيساً مؤمناً.

والرئيس علي عبد الله صالح بدوره، لم يكتف بأربعة وثلاثين عاماً في سدة الرئاسة اليمنية، بل طلب المزيد لولا انتفاضة الشباب اليمني. كما لم يكتف المرحوم صدام حسين بثلاثة وأربعين عاماً حاكماً للعراق (بين نائب رئيس ورئيس)، إلى أن دهمه الغزو العسكري الأمريكي. ومكث المرحوم حافظ الأسد رئيساً ثلاثين عاماً، ولم ينتزعه من كرسي الرئاسة سوى الموت، وسلم السلطة لابنه الرئيس بشار الأسد قبل أربعة عشر عاماً وما زال.

وقرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية رابعة، بعد خمسة عشر عاماً من قيادة الجزائر، دون أن يأخذ في الاعتبار وضعه الصحي. ولن ننسى الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع الذي استمر حكمه واحداً وعشرين عاماً، قبل أن تنقلب عليه مراكز قوى موريتانية أخرى.

وإن استمر الحال العربي على ما هو عليه الآن، فإن عدداً من الرؤساء العرب الجدد سيلتصقون بكرسي الحكم سنوات طوالاً، مع أن معظم الرؤساء كان يؤكد في مطلع عهده أنه لن يستمر في المنصب الرئاسي أكثر من دورتين انتخابيتين (أو حتى يزيل آثار العهد البائد)، وحتى الرؤساء المؤقتون صاروا يتحولون في بلاد العرب إلى رؤساء دائمين، بل أبديين.

ليست المشكلة في تولي الرئيس كشخص منصب الرئاسة مدة طويلة وعدة دورات انتخابية، فقد يكون هذا الرئيس أو ذاك أفضل من غيرهما، لو كان القانون سائداً، ومؤسسات الدولة تعمل بكامل صلاحياتها، وفصل السلطات متحققاً، ومعايير الدولة الحديثة مطبقة، وحقوق الشعب في الحرية والديمقراطية والمساواة والتنمية محترمة.. لو كان الأمر كذلك فليأت رئيساً كائناً من كان.

لكن استمرارية رئاسة الرئيس تهيئ الشروط الموضوعية ليصبح هو الدولة، فلا تعود لمؤسسات الدولة أهمية تساوي توجيهات الرئيس، ويستولي (بالضرورة) على السلطات الثلاث، فيصبح (فعلياً) هو المشرع والمنفذ والموجه للقضاء، وصاحب المكرمات، والعبقري والآمر والناهي، والقائد العسكري الفذ، بل المثقف الذي لا مثيل لعمق ثقافته، لأن هذه الصفات هي النتيجة الحتمية لغياب الديمقراطية والحرية والنقد والرأي الآخر، ولعدم ممارسة المؤسسات دورها.

ولو طبقت هذه المعايير لن يعود بإمكان الرئيس تجديد رئاسته تلقائياً وبدون منافسة، أو بالحصول على ثقة الشعب بانتخابات مشكوك في صحتها، فغياب هذه المؤسسات هو "عدة الشغل" لتجديد الرئاسة، وهو الذي يعطي القدرة للرئيس ليجدد انتخابه بعدد المرات التي يريد.

عندما يستولي الرئيس على مقاليد السلطة، ويهيمن على جميع جوانب الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا يعود للرأي العام ولا للرقابة أي دور، يتلاشى دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ولا يعود لها ولا لغيرها أي تأثير في تنمية المجتمع وحياة الناس، وتسهل بذلك سيطرة السلطة (أي الرئيس ومن حوله) على الدولة برمتها، ويصبح الرئيس فعلاً "هو الدولة".

وعندها لا تخرج مؤسسات الدولة والحكومة عن سلطته أو عن إرادته (وتوجيهه)، وفي ضوء ذلك يدخل في عمق قناعته ووعيه أنه عبقري عصره، وأنه لا بديل له من جهة، وأن قراراته فائقة الصحة والدقة والنفع من جهة أخرى. يكون لمثل هذه السلطة الرئاسية معايير وأساليب خاصة في العمل، فتهميش المؤسسات يؤدي إلى تهميش الكفاءات ونظام اختيار "الكوادر أطر الدولة"، ويصبح الولاء للرئيس فقط هو المعيار، كما يصبح تولي المناصب في الإدارة يتم على حساب الكفاءة.

ولأن ذلك كذلك تنتشر الانتهازية والفساد والرشوة، ويتولى انتهازيون بعض مفاصل الدولة وإداراتها ومؤسساتها، ويصير الأقوى هو الانتهازي والمقرب، وليس الأعلى في المنصب، وترى عندها في قيادات الإدارة والدولة ومؤسساتها وسلطاتها على مختلف درجاتها، كثيرين لا يستحقون مواقعهم، يسعون وراء المصالح الشخصية والذاتية، ورأسمالهم الوحيد هو مدح النظام والرئيس وتبرير ما لا يبرر، وليذهب الشعب ومصالحه إلى الجحيم.

ينعكس هذا الحال وهذه الظروف والشروط والمواصفات التي تتفشى في المجتمع، على تفكير الرئيس نفسه والحاشية التي حوله، فلا يعود يشعر بضرورة ممارسة الديمقراطية والحرية وتطبيق تكافؤ الفرص، ولا بأهمية الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وتعددية الآراء، وتختفي العملية الجدلية برمتها في الحكم والدولة والنشاط العام.

وعندها يتعمق اعتقاد الرئيس (وحاشيته) أنه لا بديل له، ويرفض أي معارضة لحكمه وسلطته ونظامه السياسي، لأن البديل في رأيه تآمر على البلاد، ولا يرى أفضل من حكمه وسلطته، فالخير كله فيهما، والشر كله فيمن يطالب بالتغيير أو بالتطوير أو بالإصلاح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العرب و"القيصر" الجديد

مصطفى الفقي

الحياة

الثلاثاء 11/3/2014

عندما وصل ضابط الاستخبارات الشاب فلاديمير بوتين إلى موقع المسؤولية الأولى في روسيا الاتحادية تساءلنا جميعاً من يكون ذلك الرئيس الجديد الذي لا يمثل "الصورة النمطية" لحكام الكرملين، فالرجل الجديد لا ينتمي الى الشريحة العمرية لحكام الاتحاد السوفياتي السابق أو روسيا الاتحادية، فضلاً عن تاريخٍ غامض شأن كل من عملوا وتميزوا في الأجهزة الأمنية وبرعوا في العمل السري، وصعد "القيصر الجديد" إلى سدة الحكم بجسدٍ رياضي ووجهٍ صارم وملامح لا يمكن قراءة ما وراء صاحبها، وأعاد ترتيب الأوضاع في بلاده الواسعة المترامية الأطراف التي تشترك في حدودٍ جغرافية مع عدد كبير من الدول الآسيوية والأوروبية فضلاً عن الثراء الواضح في الموارد الطبيعية والتراث الضخم لحكم القياصرة القدامى الذي جعل "الدب الروسي" يسعى دائماً نحو المياه الدافئة ويحاول الخروج من دائرة البحار المغلقة. إن "روسيا الاتحادية" كيان ضخم يملك جيشاً مقاتلاً عبر التاريخ فضلاً عن التميز في تصنيع السلاح حتى أصبحت تلك الدولة القوية نداً معاصراً للولايات المتحدة الأميركية بثرائها وقوتها العسكرية، وعندما بدأت أحداث الثورات البرتقالية في شرق أوروبا بدأ بوتين حركة غير عادية في الكرملين وتذكر الناس وقتها أيام ربيع براغ عندما دخلت المدرعات السوفياتية الشوارع التشيكية العام 1968، وها هي الظروف تتكرر وتتحرك الثورة ضد الرئيس الأوكراني فلا يتحمل "القيصر الجديد" المشهد المستفز على حدوده المباشرة ويبدأ في احتلال المطارات المشتركة ويوجه إنذاراً عملياً للولايات المتحدة الأميركية والقوى الداعمة للثوار. إننا أمام تطور خطير في العلاقات الدولية المعاصرة يعيد شيئاً من أجواء الحرب الباردة ويذكرنا بالإنذار الروسي أثناء العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 ويؤكد لنا من جديد أن "القيصر" يتحرك بل ويتحدى بعد اتصال تليفوني عاصف مع الرئيس الأميركي أوباما قال خلاله بوتين إن بلاده لا تحتمل العبث على حدودها! وقد استقبل البيت الأبيض إنذار بوتين بجدية واضحة إذ إن القيصر الذي يتناوب مقعدي السلطة مع رئيس وزرائه أصبح مثلاً للحاكم القوي الذي أعاد الهيبة المفقودة لبلاده الواسعة، ولعلنا نتابع أصداء مواقفه الصلبة لحماية الأمن القومي الروسي خصوصاً أن معظم سكان شرق أوكرانيا هم من أصول روسية ويتحدثون لغتها لذلك فإن "القيصر الجديد" بوتين الغامض يكاد يضع العالم على حافة مواجهة عسكرية بعد أن دخل بالمناخ الدولي إلى أجواء الحرب الباردة ورغم أن بعضهم يتحدث أحياناً باستخفاف عن مستوى معيشة المواطن الروسي قائلين إنه يقترب من نظرائه في دول العالم الثالث ولكن الفارق هو وجود ترسانة عسكرية هائلة وقوة نووية رادعة، ويهمنا في هذا المقام أن نبحث في الوضع العربي داخل الفكر الاستراتيجي للقيصر الروسي ونستعرض ذلك في المحاور التالية:

أولاً: لقد وقف الاتحاد الروسي بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين موقفًا فاعلاً تجاه الثورة السورية وأصبح طرفاً مباشراً فيها حفاظاً على مصالحه الإستراتيجية التي تتمتع بتسهيلات بحرية على شاطئ المتوسط قرب اللاذقية وهو أمر حيوي لدولة كبرى عانت كثيراً من البحار المغلقة، لذلك نشطت الديبلوماسية الروسية منذ بداية الأزمة السورية في محاولة للحفاظ على الوضع القائم والاكتفاء بإدارة الأزمة من دون الوقوف إلى جانب الثوار خصوصاً أنه لم يتم فقط تدويل الأزمة السورية ككل ولكن جرى أيضاً تدويل المعارضة وتحولها إلى مجموعاتٍ قتالية من خارج الحدود السورية، ولقد استخدم القيصر الجديد بوتين الصراع في سورية لأن أطرافاً دولية عدة دخلت في محاولات فاشلة لإنهائه فاستغلت موسكو ذلك لتحقيق مكاسب دولية وإقليمية والدخول في مقايضات مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب لأن المصالح هي الفيصل وليست المبادئ على الإطلاق! وها هي الأزمة السورية تراوح مكانها وتزداد تدهوراً والقيصر الروسي يرقب عن كثب باحثاً عن مصالحه المباشرة ولو أدى الأمر إلى التضحية بحكم بشار الأسد وأسرته.

ثانياً: لقد شعر القيصر الجديد بأن ما جرى في مصر بعد 30 حزيران (يونيو) 2013 هو بمثابة نجاحٍ حصدته الديبلوماسية الروسية من دون أن تسعى إليه أو تشارك فيه، لذلك تطلعت روسيا الاتحادية إلى مصر بعد سقوط حكم "الإخوان" باعتبارها جائزة كبرى خصوصاً عندما اكتشف الكرملين أن المملكة العربية السعودية تدعم بشدة الوضع الجديد في مصر وتؤكد ذلك علانية للقوى الدولية المختلفة، حيث كانت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان لموسكو بمثابة نقطة تحول فتحت شهية الروس تجاه مصر حيث أوفدت موسكو وزيري الدفاع والخارجية إلى القاهرة في رسالة واضحة إلى من يهمه الأمر بأن موسكو داعمة سياسياً وعسكرياً للوضع الجديد في مصر، وقد ردت القاهرة بزيارةٍ مماثلة ولكن أهميتها جاءت من أن وزير الدفاع المصري الزائر لموسكو هو المشير عبد الفتاح السيسي الذي يقترب من موقع الرئاسة بإرادة ملايين المصريين الذين طالبوه بالترشح وألحوا في ذلك عبر الشهور الأخيرة، ولا شك في أن الروس ينظرون إلى مصر وما حدث فيها باعتباره عامل توازن لما يمكن أن يكونوا قد خسروه في سورية منذ اندلاع ثورتها على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة، ولا شك في أن العلاقات بين القاهرة وموسكو تستدعي سنوات التعاون المشترك بين البلدين في العهد الناصري، ولكن الاختلاف هذه المرة هو أن الجانب الأيديولوجي لا يتقدم كمؤشر يدفع به الروس لاحتواء مصر كما حاولوا في ستينات القرن العشرين، فالدنيا تغيرت والحركة الشيوعية تراجعت وأصبحت العلاقات بين الدول محكومة بالاستثمارات ورأس المال المتبادل والأفواج السياحية المتدفقة وليست محكومة بشعارات أيديولوجية أو أفكار عقائدية، ولقد شهدنا في السنوات الأخيرة حرباً باردة ذات طابع اقتصادي احتدمت بين أوروبا والولايات المتحدة وكانت ساحتها منظمة التجارة العالمية، لذلك فإننا نرى أن الصراع - أيديولوجياً أو سياسياً أو اقتصادياً - هو جزء من العلاقات الدولية على مر العصور حتى نكاد نراه جزءاً من ناموس الوجود ذاته، ولا شك في أن المصريين يرحبون من جانبهم بالتعاون مع موسكو عسكرياً وديبلوماسياً خصوصاً أن واشنطن تبدو داعمة لجماعة "الإخوان" وفلولها متجاهلة إرادة الشعب المصري وتمسكه بهويته التاريخية وحرصه على تماسكه الاجتماعي ووحدته الوطنية!

ثالثاً: إن العلاقات بين روسيا الاتحادية ودول الخليج العربي قد بدأت تتنامى في العقود الأخيرة لأنها لم تكن كذلك في ظل الاتحاد السوفياتي السابق حيث كانت هناك أسباب أيديولوجية تحول من دون التقارب الخليجي السوفياتي، ولكن الأمر اختلف الآن وأصبح لمعظم دول الخليج علاقات كاملة مع موسكو ربما تتأثر أحياناً بقضية عرقية دينية مثل قضية الشيشان ولكنها في مجملها قد ازدهرت، وأنا ممن يظنون أن العلاقات السعودية الروسية حاكمة في هذا الشأن فالسعودية هي أكبر دولة خليجية فضلاً عن أنها هي الدولة الإسلامية الأولى ولا يخفى علينا الحساسيات التاريخية التي حكمت الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية تجاه التجمعات الإسلامية، لهذا فإن الأمر في ظننا لم يكن سهلاً إذ إن التحولات التي جرت في التوجهات الديبلوماسية للمملكة وشقيقاتها في الخليج خلال السنوات الأخيرة قد غيرت المسار وجعلتنا أمام حالة من التعددية من دون الاعتماد ديبلوماسياً على الغرب وحده، ولا شك في أن علاقات موسكو بدول الخليج إنما تضع دائماً إيران كطرف ثالث بحكم الجوار الجغرافي المشترك لها ولدول الخليج مع ايران.

رابعاً: يجب أن نتنبه إلى أن علاقة روسيا الاتحادية "بالإسلام علاقة مضطربة إلى حد كبير حتى أن أحد القياصرة الروس في القرن التاسع عشر قد عرض على الكنيسة الأرثوذكسية في مصر أن يكون حامياً للأقباط ويومها سأل بطريرك مصر مبعوث القيصر: هل سيموت هذا القيصر في يوم من الأيام؟ فقال له المبعوث: نعم، فرد البطريرك: إذن فنحن في حماية من لا يموت. إنه الرب الذي يحمينا، ولا شك في أن النظرة الروسية التقليدية للإسلام لا تخلو من تحفظ ولا تبرأ من رواسب تاريخية قد تتجاوزها روح العصر خصوصاً أن روسيا الاتحادية تضم أقليات مسلمة لعل أبرزها الشيشان، فضلاً عن جوار تاريخي مع الدول الآسيوية الإسلامية التي نطلق عليها مجازاً اسم "دول الكومنولث الروسي" منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتقسيم الدولة الكبرى.

خامساً: لا يجب أن يغيب عن إدراكنا ذلك الصراع الروسي التركي الطويل وما خلفه من آثار سواء بالنسبة إلى حركة التجارة الروسية من خلال الوصول إلى بحار مفتوحة ومن خلال الصراع التاريخي على حركة المضائق، ولذلك اتصفت العلاقات التركية الروسية بالمد والجزر خصوصاً أن تركيا اختارت منذ عقود عدة أن تكون عضواً في حلف الأطلسي وأن تتعامل كجزء من الغرب يتطلع لعضوية الاتحاد الأوروبي، والذي يعنينا من ذلك هو أن روسيا القيصرية قد تناولت العالمين العربي والإسلامي من خلال نظرتها للإمبراطورية العثمانية التي كانت تضم وسط آسيا وشمال إفريقيا وتمتد من منابع النيل جنوباً إلى الحدود الأوروبية شمالاً، فالعلاقات قديمة بين الروس والعرب وتمثل تراكماً على امتداد قرون عدة.

هذه قراءة عامة في ملف العلاقات العربية الروسية التي مرت بمراحل متعاقبة بين الصعود والهبوط حتى استقرت حالياً على النحو الذي نراه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسيحيّون وعلويّون و"حماية أقليّات"

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 11/3/2014

مع الفرحة بإطلاق سراح راهبات معلولا في سوريّة، كائنةً ما كانت الصيغة التي حكمت تحريرهنّ، حضرت في ساحة التبادل الإعلاميّ والكلاميّ عواطف صادقة ونبيلة كالرغبة في أن يُطلق سراح جميع المخطوفين والمخطوفات في سوريّة، كائناً من كان المخطوف وكائناً من كان الخاطف. كذلك حضرت مواقف حيال "جبهة النصرة" ومثيلاتها الإرهابيّة والتكفيريّة التي غدت، لا عبئاً ثقيلاً على الثورة فحسب، بل عبئاً قاتلاً على المجتمع السوريّ برمّته.

لكنْ أيضاً حضرت بقوّة تلك النظريّة، التي لم تغادر ساحة التداول أصلاً، عن النظام السوريّ بوصفه "حامي الأقلّيّات الدينيّة"، أمّا آخر البراهين القاطعة فتحريره بعض أسراه كرمى لراهبات معلولا.

وسط هذه المعمعة نقل "المرصد السوريّ لحقوق الإنسان" ما يفيد بوجود "استياء شديد في مناطق في محافظات طرطوس واللاذقيّة (غرب) وحمص وحماه (وسط)، تقطنها غالبيّة من الطائفة العلويّة، من قيام النظام بعمليّات تبادل مختطفين إيرانيّين أو لبنانيّين، مقابل الإفراج عن معتقلين ومعتقلات في سجونه، بينما رفض في حالات كثيرة، عمليّات تبادل مختطفين مدنيّين من أبناء الطائفة العلويّة، مقابل الإفراج عن معتقلين من معتقلاته وسجونه، وأيضاً رفض عمليّات تبادل أسرى من القوات النظاميّة وعناصر من "قوات الدفاع الوطنيّ" الموالية له من أبناء الطائفة العلويّة، مقابل الإفراج عن معتقلين".

وما تشي به الفقرة أعلاه يقول بكلّ الوضوح اللازم أنّ المسألة لا هي "حماية أقليّات دينيّة" ولا من يحزنون. فنحن، هنا، أمام استخدام آخر للنظريّة التي قام عليها النظام الأسديّ منذ ولادته في 1970، ومفادها تغليب الخارج، بصفقاته و"أوراقه" وبيعه وشرائه، على الداخل، لا سيّما بناء علاقات صحّيّة بين جماعاته الأهليّة. ذاك أنّ الاستعداد لـ"التضحية" في سبيل تحرير الراهبات يخدم خطّة النظام في مخاطبة الرأي العامّ الغربيّ وفي إقناعه بـ"إنسانيّته" وبأنّه "يحمي الأقلّيّة المسيحيّة" من التعصّب والإرهاب. ولا تُنسى صرخة بثينة شعبان، إبّان مؤتمر جنيف 2، مخاطبةً ما يتراءى لها أنّه "الغرب": ألستم مسيحيّين؟

والحال أنّ الشكّ في هذه العواطف حيال راهبات معلولا جائز تماماً حين يكون صاحب العواطف أخصّائيّاً في استخدام البراميل المتفجّرة والأسلحة الكيماويّة وإلقائها على الأطفال والنساء وباقي المدنيّين الأبرياء، فضلاً عن استعمال سلاح التجويع على نطاق واسع، وفقاً لآخر التقارير الصادرة عن "منظّمة العفو الدوليّة" (أمنستي إنترناشونال).

لكنّ الشكّ في العواطف تلك يقوم على ما هو أبعد، أي على التكوين التراتبيّ – الطائفيّ الذي رعاه وعمّقه نظام "حماية الأقلّيّات الدينيّة". فحين يظهر "استياء شديد" في مناطق يقطنها علويّون، فهذا يُظهر أمرين متلازمين:

فأوّلاً، ينمّ ذلك عن فائض التمثيل الذي يمارسه النظام حيال أبناء الطائفة العلويّة. فهو "يمون عليهم"، وهم "في جيبه"، أي أنّه يملكهم إلى حدّ لا ينطبق حتّى على المسيحيّين ممّن يقال إنّ أكثريّتهم تواليه. وفائض التمثيل هذا كاشف لا يخطىء في دلالته على طائفيّة النظام وعلى تصوّره للمجتمع السوريّ مجتمعاً من المعازل الطائفيّة تحكم العلاقةَ بها سياسات التقريب والتبعيد.

وثانياً، ولأنّ العلويّين لا يمكن استخدامهم كسلعة خارجيّة، على ما هي حال المسيحيّين من جهة والإيرانيّين من جهة أخرى، يُترجَم فائض التمثيل، في المنعطفات الحرجة، فائضاً في التفريط بهم وبحقوقهم وحياتهم. إنّ "الطليعة" هنا، ومرّة أخرى، تخون "البروليتاريا" التي قرّرت أن "تمثّلها"، أو أنّ مَلاّك العبيد، حين استبدّت به الحاجة، باع من يعتبرهم عبيده.

ونظام يفترض هذه المراتبيّة المحكمة بين الطوائف، وداخل الطائفة الواحدة، كما يعمل بموجبها ويسعى إلى تكريسها، ليس النظام الذي يقال فيه إنّه "حامي الأقلّيّات الدينيّة".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا ويوم المرأة العالمي

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 11/3/2014

عاشت البشرية يوم السبت المنصرم 8 مارس يوم المرأة العالمي، اليوم الأكثر رهافة وحناناً وعطاء، أو الذي نفترض أنه هو ما ينبغي أن يكون كذلك. ولكنه - للأسف يعادل عمق الكون وشموله - ليس كذلك؛ بل هو يوم يكاد أن يكون حمّالاً للأسى ورمزاً للشقاء اللذين تعاني منهما البشرية، وبنحو خاص النساء والأطفال والكبار. وإذا دققنا في الأسباب الكامنة وراء ذلك، وجدناها كثيرة فاحشة مفجعة، أما السبب الأخطر والأكثر إيلاماً فيتمثل في الحروب التي تشتعل بين الشعوب وبين فرقاء من شعب واحد. وهذا غالباً ما يكون أكثر شراسة وديمومة حين تختلط الأسباب وكذلك حين تتسع دائرة المتحاربين، ويتحول البلد الخاضع للحرب إلى ميدان قتال بين عدة فصائل ومن بلدان متعددة، كما هو الحال الآن في سوريا.

ونحن جميعاً نعلم أن وراء الحروب تمكث مصالح كبرى وصغرى، وفي حالات كثيرة تغيب أو تُغيّب تلك المصالح، لتزيد الاضطرابات وأنواع المصادمات، وشيئاً فشيئاً، تتسع الحرب، كما هو الحال في سوريا، وفي بلدان عديدة أخرى إلى درجة الشمول الجرمي بشراً وحيواناً، ويكون النزوح والهروب والبحث عن مكان آمن من نصيب النساء والأطفال والشيوخ، وفي سياق ذلك، تتعاظم عمليات القتل والاغتصاب للأطفال من الجنسين وللنساء.

أما هذا العام فقد اندلعت حروب أو أحداث عربية في سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرها، وكأن ما يُدعى "الربيع العربي" أصبح قدراً أو ما أصبح كذلك. لقد سقط مئات الألوف من النساء والرجال والأطفال. ونلاحظ أن المصالح المادية الجشعة والرغبات الإجرامية في السلطة تتسع راهناً تحت إطار الحرب الباردة الجديدة، مع الاتجاه إلى تحويل السلاح خصوصاً منه ذلك النوع الثقيل والمحظور دولياً مثل القنابل العنقودية والبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي: إن عالماً من السلاح يتعاظم ليسهم في منح المعادلة العولمية طابعاً أكثر شراسة وعنفاً، فالقول بأن العولمة هي السوق الكونية المجسدة للسلعة والمال، أصبح قابلاً لتوسيعه في مرحلتنا بأن نضيف إلى العامليْن السابقين عاملاً آخر ثالثاً هو السلاح. وهذا ما نواجهه في الحرب السورية والأخرى.

إن ترك السلاح في أيدي سادته وسادة المال والسلطة يؤسس لحالة من زعزعة العالم قد تترك آثاراً لا تنمحي لعقود أو - وربما ليس ثمة مبالغة في القول: لنصف قرن! ها هنا لا يمارس السلاح وحده الدور الماحق، بل هنالك كذلك المنظومات الأخلاقية الجديدة أو المستجدة، والتي تقوم على الحقد على الشعوب وعلى توسيع ذلك وتعميقه في اتجاهات الثأر والطائفية والعرقية في حياة أولئك الآخرين. فيكون ذلك بمثابة تأسيس لأممية فاشيّة جديدة، أي لحاضنة كونية لسونامي لا يبقي على شيء ولا يذر. ولقد سبق وشاهدنا شيئاً قريباً من ذلك مع تفكك المنظومة الاشتراكية في مرحلة أواخر القرن العشرين، كان ذلك هائلاً في تأثيراته على العالم أجمع. ولقد أتى ذلك بمثابة بدايات لتفكك الدولة الليبرالية، بما احتضنته من معالم ديموقراطية هنا وهناك. كانت المرأة قد عاشت خطاً هابطاً صاعداً متنقلاً من مرحلة "العشيقة أو الزوجة" إلى مرحلة "الكادحة في السوق"، وأخيراً إلى الكفاح "ضد أنثوتها المستباحة وكفاحيتها العاثرة".

إن ذكرى بداية ثورتها قبل ثلاث سنوات (في 13 - 03 - 2011) إن هي - في صيغتها السورية، إلا رصدٌ لتاريخها الصاعد من بؤسها وخذلها إلى حُلمها الطافح آمالاً وردية.

معنى "تحرير المرأة" في يوم عيدها في هذا العام هو مواجهة الموت والاضطهاد والاغتصاب والتهجير على أيدي غلاة الطائفية والإجرام والفاشية (وهم الأقلية)، إن قوى الحرية والحداثة وللعدالة والتنوير هي المدعوة إلى تجسيد الحاضنة الاجتماعية التاريخية لتحرير المرأة من استباحتها مع جموع الملايين من الأطفال والشيوخ.

إن المعنى والمغزى الحقيقين لمناسبة عيد المرأة العالمي إنما يتجليان في خلق مجتمع سوري يتمثل حقاً معاني الديمقراطية بما تشترطه من تعددية وتقدم.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com