العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-02-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لا تحلموا بإدخال الأجيال الصاعدة إلى زريبة الطاعة

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/2/2014

عندما تسمع أبواق الديكتاتوريات العربية الآفلة، وهي تتوعد بإعادة الشعوب إلى حظيرة الطاعة بالقبضتين الأمنية والعسكرية، لا شك أنك ستقلب على ظهرك من شدة الضحك لتفاهة هذه التصريحات وسذاجتها ونكرانها للتحولات التي يشهدها الإنسان العربي عموماً والسوري خصوصاً. وكل من يعتقد في سوريا وبقية العالم العربي أن طرق الهيمنة والسيطرة التقليدية مازالت ناجعة في إخضاع الأجيال الصاعدة فهو إما مغفل، أو ابن ستين ألف ناكر.

الكثيرون يركزون في تحليلهم لأسباب الثورات، على الفقر والتهميش، لكنهم ينسون سبباً في غاية الأهمية، ألا وهو أن السموات الإعلامية المفتوحة، وأنظمة التعليم الحديثة لعبت دوراً مهماً جداً في إنتاج أجيال وعقليات ثورية جديدة لا يمكن السيطرة عليها بالطرق الأمنية القديمة، لأنها تختلف تماماً عن الأجيال السابقة التي تربت على الخضوع السياسي والاجتماعي والثقافي.

لا بد من التركيز ونحن نستشرف المراحل القادمة في عالمنا على طبيعة الإنسان العربي الجديد، فهو إنسان لا يمت للمواطن الذي سبقه بصلة، من حيث قدرته على التمرد والعصيان والمواجهة.

لقد درج الإنسان العربي التقليدي على العمل بمقولة: ‘إمش الحيط الحيط، وقل يا ربي السترة’، لأنه تربى على الخنوع والخضوع وتجنب المواجهة، خاصة بعد ما عايشه من قهر سياسي وأمني فاشي ووحشي بامتياز. لكن، لو طلبت من الأجيال الصاعدة أن تسير على الوصفة ذاتها، لضحكت عليك، وسخرت من خنوعك.

وإذا أردت أن تتعرف على الفروق بين الأجيال القديمة والجديدة، فقط قارن نفسك إذا كنت من الجيل القديم، بابنك أو بنتك، التي ولدت في العقود الأخيرة من القرن الماضي، فستجد أنه شتان بين الثريا والثرى. أول ما ستلاحظه أن الجيل الجديد جيل معتد بنفسه وحريته وكرامته، لا يقبل الأوامر، متمرد، ويسخر من كل أنواع السلطة، وأولها السلطة المنزلية. ومن يستطيع أن يُسقط سلطة الأب والأم الديكتاتورية، سيُسقط أعتى الأنظمة السياسية.

يعود السبب في ذلك، بالإضافة إلى التأثيرات التعليمية والإعلامية والثقافية الجديدة، أيضاً إلى أن الجيل القديم – الذي تربى على الذل والهوان – بات هو نفسه يرفض تربية أبنائه وبناته على الخضوع والخنوع، حتى لو تمردوا عليه، فلا يمكن لمن عانى القمعوالقهر بكل أنواعه أن يطلب من ذريته أن تقبل بما كابده وعاناه هو من مذلة وركوع.

لا أدري لماذا ما زالت الأنظمة الأمنية كالنظام السوري الفاشي وغيره تتجاهل المؤثرات الثقافية والإعلامية والتعليمية الجديدة، التي بدأت تصوغ أجيالاً وعقليات جديدة مستعدة أن تزلزل الأرض تحت كل من يحاول تدجينها وإخضاعها. حتى لو امتلكت الدولة الأمنية الساقطة أعتى الأسلحة والأساليب التركيعية الفاشية، فهي لم تعد’قادرة على منافسة وسائل الإعلام الحديثة، وخاصة مواقع التواصل والفضائيات في صياغة العقليات الجديدة.

أتذكر قبل حوالي خمسة عشر عاماً أن المخابرات السورية كانت تعتقل بعض الأشخاص الذين كانوا يشاهدون برنامج ‘الاتجاه المعاكس، لما يحتويه من آراء وأفكار غير تقليدية وشاذة عن النمط المعتاد، ظناً منها أنها قادرة على ضبط الأجيال الصاعدة وتطويعها بالطريقة القديمة، لكنها أدركت لاحقاً، أنها بحاجة’لألوف الفروع الأمنية إذا ما أرادت ضبط الفضاء الإعلامي والتحكم بمشاهدات الشعوب!

باختصار، فقد نجح الإعلام الخارق للحدود في تكسير الهيمنة الأمنية على عقول الأجيال الصاعدة، فبدأ يخرج إلى العلن نمط جديد من التفكير يقوم على التمرد والاستقلالية والتحرر والانعتاق. وهذا النمط لا يمكن لأي قوة أمنية أن تخضعه، لأنه أصبح قادراً على المواجهة، وبات يدوس على المثل الشعبي الذي يدعوه بأن ‘يمشي الحيط الحيط’.

يذكر أحد الكتاب أنه قبل سنتين كان معه في السيارة ابنه الذي لم يبلغ من العمر بعد أحد عشر عاماً، فسأله: ‘ماذا يحدث في ذلك البلد العربي؟ لماذا نشاهد مظاهرات يومية في التلفزيون هناك’، فقال له إن الشعب ثائر على الرئيس، فقال الولد: ‘لماذا’، فرد الأب كي يبسط له الأمور:’لأن الرئيس اعتاد أن يظلم ويقهر الشعب، ويسجن المعارضين لأتفه الأسباب’، فبدأ الولد يتململ في’المقعد الخلفي، وكأنه يستعد لمباراة ملاكمة، ثم أردف قائلاً: ‘ولماذا لا يقتلون ذلك الرئيس الزنديق الحقير؟ لماذا لا تقترب مجموعة من الأشخاص من قصره وتدمره بالقنابل الحارقة التي نلعب بها في ألعاب ‘أكس بوكس و’بلاي ستيشن’؟’ لاحظوا أن أول شيء فكر به الولد عندما سمع بالظلم هو اللجوء إلى المواجهة مع الرئيس الذي يقهر شعبه.

لم يعد رد فعل الأجيال الصاعدة يتسم بالخوف والخنوع والاستكانة، بل لديها ميل جارف للمواجهة والتصدي. يذكر أحد السوريين في هذا السياق أنه عندما سمع بموت حافظ الأسد على التلفزيون، انطلق مسرعاً ليخبر أباه في الحمام، فدق الباب مرات، حتى خرج الوالد من الحمام مرعوباً، فقال للولد: ‘ماذا تريد’، فأجاب الولد:’ مات حافظ، مات حافظ’، فقال الوالد: ‘أخفض صوتك أيها الأحمق’. تصور أن الأب كان يخشى حتى من سماع خبر موت حافظ الأسد، بينما تجد الشباب السوري الجديد لم يترك صورة أو تمثالاً لا لبشار ولا لأبيه إلى وداسها وحطمها. وما زلنا حتى الآن نرى في سوريا مثلاً أن الأب أو الأم تخشى وضع ‘لايك’ بجانب ‘بوست فيسبوكي’، بينما تجد الأولاد يمسحون الأرض بالنظام ورموزه على الارض وصفحات مواقع التواصل.

لاحظوا أن من أشعل فتيل الثورات العربية وقادها هو الجيل الشاب تحديداً في الساحات والميادين، ثم التحقت به الشرائح القديمة. لهذا تدرك الأنظمة الطاغوتية أن الشباب يشكل تحدياً كبيراً بالنسبة لها، لهذا فهي تعمل على إفراغ بلادها من الشباب، كما يفعل نظام بشار الأسد منذ عقود. ففي بعض المناطق تجد أن أكثر من تسعين بالمائة من الشباب مهاجر بدعم وتسهيل من النظام. وقد لاحظنا أن أحد أسباب تخلف بعض المناطق عن اللحاق بركب الثورة هو غياب وجود العنصر الشبابي فيها.

صحيح أن الطبقات السياسية قادرة على تطويع الأجيال’الصاعدة وصياغة عقولها عن طريق المال والإعلام، كما تفعل الأنظمة الغربية منذ صدور كتاب ‘بروبوغاندا’ في أمريكا لإيدوارد بيرنيس عام 1922، لكن طريقة التطويع لن تكون عبر العنف والإخضاع المادي كما يفعل النظام السوري وغيره.

بعبارة أخرى، فإن الأجيال الجديدة مستعدة أن ترد لأجهزة الأمن الإرهابية الصاع صاعات، إذا لجأت إلى أساليبها العنفية القديمة. وكما نرى الآن، فقد بات الشباب السوري قادراً على مواجهة القبضة الأمنية بالقوة، مما جعل الأجهزة الأمنية تنسحب شيئاً فشيئاً من الشوارع، وتلجأ إلى أساليب العصابات القائمة على مبدأ: اضرب وأهرب، لأنها باتت تخشى ردة الفعل في الشوارع. ففي الماضي، كان عنصر أمن واحد قادراً على اعتقال أي شخص من بيته، وترويع الحي بأكمله. أما الآن، فإذا أرادت أجهزة الأمن السورية اعتقال شخص، ترسل له عشرات العناصر المسلحين لاعتقاله، وفي الليل او تستدرجه الى مكان خال، لأنها باتت تدرك أن الزمن الأول تحول.

لم أعد أخشى من الاستبداد في بلادنا، فالأجيال الصاعدة لن تسمح للمستبدين أن يسودوا كما سمحت الأجيال السابقة، لهذا فإن الإنسان العربي الجديد سينتج قيادات جديدة قادرة على التعامل مع الأجيال الجديدة بعقلية الأجيال الجديدة. لهذا لا تحلموا أيها الطواغيت بإدخال الأجيال الصاعدة إلى زريبة الطاعة، التي تربيتم فيها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسلسل جولات جنيف-2

حسين العودات

البيان

الاثنين 10/2/2014

    أظن أن أكثر السياسيين تواضعاً في ثقافته السياسية، وقدرة على التحليل والاستقراء، كان يعرف استحالة وصول مؤتمر جنيف-2 لحل المعضلة السورية، وكان جميع ذوي العلاقة الإقليميين والدوليين، يدركون تعذر الوصول إلى نتائج ذات جدوى، لأن ذلك يحتاج لتحقيق شروط موضوعية، يؤدي توفرها من دون غيرها إلى نتائج ملموسة وحلول واقعية، وهذا لم يتوفر بعد.

ويعرف السياسيون في الدول الكبرى وغير الكبرى، أن نجاح المؤتمرات لا يتحقق بفصاحة اللسان ولا بقوة الإقناع، وإنما بتوفر الشروط الضاغطة، التي يؤدي جدلها إلى نتائج فعالة، وهذا لم يكن يتحقق في الجولة الأولى لمؤتمر "جنيف-2"، الذي عقد في الشهر الماضي، حيث لم تكن الدولتان الراعيتان قد اتفقتا على إطار عام للمقررات المحتملة.

ولا على مشروع يصلح ليشكل تسوية تصدر كونها مقررات عن المؤتمر، فضلاً عن أن كلاً من الطرفين السوريين تقدم بمطالب الحد الأقصى، وعلى ذلك كان لا بد من أن ينتهي المؤتمر إلى ما انتهى إليه، أي إلى لا شيء.

يحاول الروس والأميركان أن يصلوا لاتفاق على قضايا عالمية عديدة، ويرغبون في حلها دفعة واحدة حزمة لا تتجزأ، قبل الاتفاق على حل الأزمة السورية، منها الملف النووي الإيراني، والأزمتان الأوكرانية والجورجية، ونصب الصواريخ في بولونيا، وغيرها من القضايا المتشابكة في أوروبا والشرق الأوسط.

ونظراً لكونهما الراعيين الرئيسين لمؤتمر جنيف، فلا يمكن الوصول إلى نتائج لم يتفقا عليها مسبقاً، والأمر نفسه بالنسبة للأوروبيين، الذين يراعون الموقف الأميركي، وللعرب الذين يأخذونه بعين الاعتبار.

على النطاق السوري الداخلي لم يحسم الصراع حسماً جدياً، فالتقدم العسكري لأي من الطرفين ما زال متواضعاً، وما زال الصراع المسلح بينهما بين تقدم وتراجع، كما لم يقتنع أهل السلطة بالحل السياسي لأنهم لا يرغبون في التسوية السلمية، بل ما زالوا يرفضون أي تنازل عن أي من رغباتهم ومطامحهم.

ولا ترى المعارضة بدورها انقساماتها السياسية والعسكرية والتناقضات التي تنهش جسمها، وما زالت تعتقد بإمكانية تحقيق أهدافها كاملة من دون أخذ الظروف بعين الاعتبار.

وفي الحالات كلها، فإن الظروف المناسبة لم تتوفر ليتوصل الطرفان لحل ناتج عن رغبتهما وجهودهما الذاتية، وما زال الأمر ينتظر واقعياً قراراً دولياً، لم يُتخذ بعد. وفي هذه الظروف والتعقيدات، ليس للفصاحة والمظهرية الكلامية وقوة الحجة أي دور في الوصول إلى حل.

والمفارقة أن الجميع يعرف ذلك ويتجاهله، ويخدع نفسه، كما يخدع الآخرين، حتى وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية والرأي العام الإقليمي والدولي، كانت تتحدث عن إمكانية الوصول إلى نتائج، وهي متأكدة من انعدام وجود هذه الإمكانية، وهكذا فالكل يتابع ويقترح ويناقش وينتظر، وهو يعرف أن هذا كله مجرد آمال لن تتحقق.

ويستأنف مؤتمر جنيف جولته الثانية هذه الأيام، والظروف والشروط ما زالت نفسها، وإذا لم يتفق الراعيان فمن غير المتوقع أن يحقق المؤتمر أي نتائج مهما تعددت جولاته، ويبدو أن اتفاقهما بعيد المنال.

كان من الواضح خلال الجولة الأولى، أن الوفد الحكومي مهتم بأمر واحد فقط، هو إبعاد شبح هيئة الحكم الانتقالي عن جدول التفاوض، بهدف إبقاء الحال كما هو، ولذلك رفض تنفيذ "الصغيرات" خشية الوصول إلى الكبيرات.

وفي الوقت نفسه، شغل أمر الوصول إلى إقرار هيئة الحكم هذه معظم اهتمام مفاوضي المعارضة، ما أدى إلى تراخيهم نسبياً في الإصرار على تلك القضايا "الصغيرة" آنفة الذكر، وتركيز جهودهم على الأمر الأهم، وهو تشكيل الهيئة، وهكذا بقي الحال كما هو، وانتهى المؤتمر بلا نتائج، وبقي الشعب السوري يعيش مأساته ويغرق بدمائه.

من البديهي أنه إذا أريد لمؤتمر جنيف وجولاته تحقيق نتائج ملموسة وتسوية حقيقية للأزمة السورية، بإنهاء سيل الدماء، والوصول إلى نظام ديمقراطي عادل مستقر، فلا بد من توفر الظروف المناسبة أولاً، حيث يمكن بعدها الوصول إلى النتائج المرجوة

. ومادام تطور الأزمة خلال ثلاث سنوات، قد نقل حلها إلى خارج البلاد، ووضعها في أيدي روسيا والولايات المتحدة، وهمّش أدوار السوريين على مختلف توجهاتهم (حكومة ومعارضة)، فإن الحل أصبح بالضرورة في يد الدولتين الكبريين.

وليس في يد أحد غيرهما، لأن الجميع يلعبون أدواراً ثانوية مكملة فقط، ولن تحل الأزمة إلا إذا اتفق الكبيران، وما عدا ذلك فإنه يشبه الحراثة في البحر، وما جولات جنيف التي نشهدها، إلا لإعطاء مهلة لكل الأطراف، وإطالة أمد الوقت الضائع.

يبدو أن حل الأزمة السورية سيبقى بعيد المنال، ما لم يقرر الروس والأميركان غير ذلك، وهذان الطرفان ـ لسوء الحظ ـ يصران على حل جميع خلافاتهما الأخرى، قبل الدخول إلى حل الأزمة السورية، بعد أن أدخلاها في المساومة.

وإذا بقيت الأمور على حالها، فعلى السوريين انتظار وصول الراعيين لاتفاقات على خلافاتهما ليأتي دور الأزمة السورية، وريثما يتحقق ذلك فالكل يخدع الكل، ويستهلك الوقت، ويكسب مُهلاً، يدفع الشعب السوري ثمنها غالياً، وعلى الجياع أن يبقوا جوعى، والمشردين في بقاع الأرض المختلفة أن يتعودوا التسول.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : بيان المبادئ الأساسية لاتفاق التسوية السياسية لمؤتمر جنيف الثاني للسلام .. بيان من هذا..؟!

زهير سالم*

يبدو أن بيان المبادئ الأساسية الذي تقدم به الفريق المفاوض في جنيف لم يحظ بما قدره له أصحابه من اهتمام سياسي ، لا في أوساط المعارضة السورية بمختلف مدارسها ، ولا في وسط المعنيين ظاهرا به وهم هنا بشار الأسد وفريقه المدافع عن وجوده وعن قضاياه . بل لم يتحرج هؤلاء الأخيرون أن يعلنوا بطريقة تفتقد الدبلوماسية أنهم ( لم يصغوا إلى وثيقة المبادئ ) موضع الحديث ..

ولولا أنني قرأت في مدخل البيان عبارة تحدد أنها صادرة عن ( وفد المعارضة ) لما استطعت أن أخمن إن كانت هذه الوثيقة بمبادئها فاقدة الهوية صادرة عن معارضة تدّعي أنها تمثل ثورة بلغت تضحياتها ملايين الناس بين شهيد وجريح وطريد ..!!!

افتقدت ( مجموعة الخبراء المحايدين ) الذين صاغوا الوثيقة الإحساس بالانتماء إلى الثورة ، كما افتقدت تكتيك المفاوض ، فخلعت العروس ثوب زفافها على منصة العرس، وسط الناس وقبل أن تصل إلى غرفة النوم !! موضوعية الوجبات السريعة على الطريقة الأمريكية ، أليست هذه هي الصيرورة التي تنتظرهم فلماذا لا يبدؤون بها ؟! ولماذا يتعبون أنفسهم بترتيبات وتعقيدات الحفلة والزفة وثوب الزفاف ...؟

بقدرة قادر تحوّل ( المفاوضون ) أو( المعارضون ) المفترضون إلى خبراء أو وسطاء ليظنوا أو يخالوا أو يحسبوا أن بإمكانهم أن يكتبوا النتيجة المحايدة البريئة في أربعة وعشرين مبدأ أساسيا يظنون أن التغيير في سورية يمكن أن يحدث عبر درجات سلم من النايلون الذي يموهون وإن كانت عتبته من زجاج مطلي بدم الأبرياء  ..

ويتبدى لي – كواحد من أبناء الشعب السوري وبهذه الصفة أكتب – أن  هؤلاء الخبراء ، الذين ينفقون من حساب لا يملكونه ، لم يكتبوا نقاطهم الأربع والعشرين لسورية ولا للسوريين ، ولا للثورة ولا للثوار ، ولا لبشار ولا لفريق لبشار ؛ وإنما كتبوها لطرف آخر هم يعرفونه جيدا ويتطلعون إلى قبوله ورضاه بل وإلي ما سبق قبوله ورضاه  ..

بل لقد اشتملت وثيقة المبادئ الأربع والعشرين فيما اشتملت عليه ( ترصيعات ) من كلام المعلمين الكبار من تصريحات سبقوا لهم أن تفوهوا بها ، وآثر الذين يبتغون عندهم الرضا تكرارها دون وضعها بين قوسين على ما تقتضيه أمانة النقل في البحث العلمي المنهجي من نسب بنات الأفكار إلى أصحابها  ..

وبصفتي – واحدا من أبناء الشعب السوري – أدعي أن التحاف المتقدمين بالوثيقة اسم ( وفد المعارضة ) يدخل تحت عنوان الدعوى العريضة ، والادعاء المذموم وفي قواعد شريعتنا أن ( البينة على من ادعى ) ، فمما أعلم وأتابع أن قوى سياسية أساسية وجماهير غفيرة من رجال الثورة والمعارضة لم تفوضهم ولم توكلهم ولم تؤيد ذهابهم  ولم تر فيهم ممثلين صدق لتطلعاتها ولا لإرادة منتسبيها ، بل بعض هؤلاء إلى التشكيك فيهم أقرب من التفويض لهم  ...

والذي أريد أن أنوه به أن هذا الموقف المجانب لهؤلاء المفاوضين يبنيه أصحابه على معطيات متباينة وخلفيات متعددة ، وأن كثيرا منهم لا ينطلقون في موقفهم  من قاعدة الرفض للحل السياسي ، والبحث عن المخرج الأقرب من الوضع المستحكم الذي آل إليه الأمر في سورية ؛ وإنما ينبع من ظرف المؤتمر ، ومن مقدماته ، ومظلته والداعين إليه والداعمين والمستجيبين له ...

إن أهم ما افتقدته وثيقة المبادئ هو الظهير العملي الذي يمنح كل هذا الكلام المرصوف بعناية قوته وقدرته ..

سيقول الخبراء الأذكياء : ضمانة المجتمع الدولي !!!!!!

ولو كان المجتمع الدولي يريد أن يكون له دور في سورية مجتمعا لما كنا نعيش هذا الاستحكام في الإغلاق بعد ثلاث سنين ..!!

ولو كان ( أصدقاؤهم ) الذين كتبوا لهم البيان الوثيقة يريدون أن يتصرفوا منفردين لما كنا نعيش هذا الإغلاق بعد ثلاث سنين ..!!

ولو كان المجتمع الدولي مجتمعا أو منفردا يريد أن يكون له دور في شأننا لأعاننا على عقد هذا المؤتمر في شامنا ، وليس في جنيفهم ، كما تحاور أهل اليمن في يمنهم . نذكرهم أن الأستاذ عبد العزيز الخير اعتقل بعد عودته من زيارة لكبير الداعين إلى المؤتمر أي بعد عودته من موسكو ..

التعويل على المجتمع الدولي هو حجر سنمار في هذا البناء الهش ، ومن جرب المجرب فعقله مخرب ، ومن جرب المجرب حلت به الندامة .كما تعودنا أن نقول

الأخطر في الدلالة ، والأعظم في الجناية ، أن تقرأ الوثيقة المأساة أو الوثيقة الجناية فلا تجد ذكرا ( للثورة ) ولا ( للثوار ) ولا ( للجيش الحر ) ولا لكتائبه المسلحة . بينما تقرأ بالمقابل ضمانات وتعهدات للظالم المستبد حبيب الفناء عدو الحياة . ولكل من وما يلوذ به أو ينبثق عنه أو يدور في فلكه حتى لتخال أن الوثيقة بنقاطها الأربع والعشرين قد كتبت وأخرجت في أحد استديوهات علي مملوك أو رامي مخلوف ..

مثل واحد أضعه بين يدي القارئ عن تصور صانع الوثيقة ( للجيش الحر ) وعن المصير الذي يرسمه لقادته وكتائبه ومنتسبيه ولله الأمر من قبل ومن بعد 

فحسب وثيقة المفاوضين البررة !! أنصحك أن تراجع ( 1 )  من النقطة السادسة من الوثيقة العتيدة والتي تنص على مايلي : ( توطيد الهدوء والاستقرار الكاملين فيجب على جميع الأطراف أن تتعاون مع هيئة الحكم الانتقالي لكفالة وقف أعمال العنف بصورة دائمة ويشمل ذلك اكمال عمليات الانسحاب وتناول مسألة نزع سلاح المجموعات المسلحة وتسريح أفرادها أو إدماجهم في الجيش والقوات المسلحة أو في قطاعات الخدمات العامة والمدنية )

أولا – وهكذا تم شطب مؤسسة ثورية عتيدة هي مؤسسة الجيش الحر بكل كتائبها ومنتسبيها وتحول اسم الجيش الحر الجيش الذي دافع عن أهلينا و أعراضنا إلى ( المجموعات المسلحة ) ، ويرسم هؤلاء لهذه ( المجموعات المسلحة) المصير الآتي :

نزع سلاحها ..

وتسريح أفرادها

أو إدماجهم في الجيش والقوات المسلحة ( أي وضعهم تحت إمرة ضباط بشار الأسد  ليغتالوهم من الخلف كما فعلوا أول مرة ..)

أو ( إدماجهم ) في قطاعات الخدمة المدنية ..

وبالمقابل وهذا هو الانحياز القاتل تضمن الوثيقة البائسة التي تقدم بها من يزعم أنه معارض ، تضمن هذه الوثيقة لجيش بشار الذي قتل واغتصب ودمر ما يلي ( الفقرة ( 111) من النقطة السادسة )

( استمرار المؤسسات الحكومية والموظفين من ذوي الكفاءات فمن الواجب المحافظة على خدمات المؤسسات العامة وإعادة تقييم دورها ووضع خطط للرقي بها وفق المعايير المهنية العالمية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان ... ويشمل ذلك فيما يشمل الجيش والقوات المسلحة وهيئات وأفرع الاستخبارات ودوائر الأمن ..)

أخشى أنني لو علقت على هذه الكلمات ألا أقول قولا سديدا . وإنما سأترك للقارئ أن يعلق على هذه التصورات وعلى هذه الوعود : وأن يتصور كيف يمكن الارتقاء بأداء الفروع الأمنية في مجلات التعذيب أو القتل أو الاغتصاب ولا تنسوا وفق المعايير المهنية الدولية ووفق معايير حقوق الإنسان ؟!

15 / 2 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وسيناريو المحكمة الدولية

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 11/2/2014

بعد شهر ونصف الشهر تقريباً يكون قد مضى على الانتفاضة الثورية السورية ثلاثة أعوام، وهذه الفترة الزمنية ليست قصيرة وليست ضئيلة في أعمار الأحداث الاجتماعية الكبرى، وفي مقاييس التحولات التاريخية المعقدة، وفي المقابل، فإن العقود الخمسة التي سبقت هذه الأحداث المعقدة والتحولات بقدر ما أسهمت في إبراز أهمية الاستحقاقات التي طرحتها تلك الانتفاضة على الشعب السوري، فإنها تبدو الآن أكثر تعقيداً واضطراباً وإشكالية. يظهر ذلك الآن بعد مرور مؤتمر جنيف دون أن تظهر بارقة أمل في الوصول إلى نتائج مثمرة على طريق حل سلمي إيجابي قد يجنّب سوريا ما لا تحمد عقباه من مزيد المآسي والخراب.

إذن، جاء ما جاء، ولعله ظهر أن الحل الذي قدمناه في اللقاء التشاوري قبل أقل من ثلاث سنوات، أي في بدايات الأزمة، ربما كان ينطوي على احتمالات إيجابية قابلة للتجاوب مع واقع الحال. ففي اللقاء التشاوري المذكور، أعلن في سياقه الأخير الدعوة إلى حل ربما حمل طابعاً تسووياً، تمثل في النقاط الحاسمة التالية بعد تفويت الفرصة القائمة على مثل هذا الطابع التسووي: إيقاف لغة السلاح التي لجأ إليها النظام، الإفراج عن سجناء الرأي وسجناء الضمير والسجناء السياسيين، والعودة إلى القانون في التعامل مع التأسيس لتعددية سياسية وطنية ومدنية، بما في ذلك الفصل بين السلطات. ولخصنا ذلك وغيره من نقاط أخرى بمطلب «تفكيك الدولة الأمنية»، مقابل التمكين لدولة مدنية رعائية، بما تنطوي عليه عن مبدأ تداول السلطة الوطنية.

كانت تلك الدولة الأمنية مثار حوار داخل المؤتمر وخارجه، وقد حصل أن نُشر على صفحة الغلاف من مجلة «بلدنا» (مانشيت) بعنوان (تيزيني: يجب أن تفكك الدولة الأمنية)، لكن سحبت المجلة من التداول، ثم جرى منع ظهورها في اليوم نفسه، وبكيفية تتعارض مع منظومة حرية الصحافة والإعلام.

وفي سياق مناقشة ما جاء في العرض الذي قدمته داخل المؤتمر وخارجه، هذا المؤتمر الذي شارك فيه بفاعلية الأستاذ فاروق الشرع، برز في قولي وأقوال أخرى أن الحاضنة لتلك النقاط وأخرى غيرها نراها ماثلة في التأسيس لمحكمة دولية تتجسد مهمتها في محاكمة من رفع السلاح في وجه السوريين، ورفض الانصياع لشريحة الرأي العام، خصوصاً لأولئك الذين استخدموا السلاح في وجه الآخرين، وأعطوا الأوامر لاستخدامه. وقد تحدثنا عن ضرورة ذلك بالترافق مع تحريم الثلاثية التالية: الدعوة إلى الثأرية في مواجهة ذلك كله أولاً، وتحريم الطائفية في سوريا، بما فيها من تعددية، وسيتحدد في الحفاظ على إخوة السوريين ضمن وحدة الشعب السوري في كل أصقاعه وعلى نحو يركز فيه على منظومة حقوق الإنسان، بما في ذلك العدالة والمساواة بين الجميع، والتأسيس لمؤتمر ثقافي سياسي يحافظ على تلك المبادئ ويطورها في المدرسة والجامعة وكل المؤسسات الثقافية الوطنية.

ثانياً: أما المحرَّم الثالث، فيتجسد في الدفاع عن وحدة سوريا التاريخية والثقافية العربية ضمن منظومة الوطن العربي.

من العار أن يسعى أحد لتفتيت سوريا وطنياً، وإقصائها من مكانها التاريخي والجيو سياسي عن لحمتها القومية مع البلدان العربية أساساً. ومن يعمل على النظر إلى القضية السورية انطلاقاً مما يمكن أن تكون منها وإليها، بدلاً من النظر إليها في سياقها المحتمل، أي ابتداء مما نراه بداياتها، تكوين منصة العدالة أولاً وثانياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سيرة شبّان حيّ حمصي وموتهم كتيبة شهداء البيّاضة

عارف حمزة

المستقبل

9/2/2014

صور كثيرة يمكن شرحها بألم عن كتيبة شهداء البياضة، التي استشهد جميع أفرادها تقريباً مؤخراً في حمص، وعن حيّ البيّاضة نفسه كمكان كان يعيش فيه على الأقل مائة ألف نسمة. علينا أن نعرف كم هو كبير هذا الحيّ الحمصيّ. وعلينا أن نعرف أين ذهب أولئك المائة ألف من البشر، وما هي المصائر التي تجرّعوها. أكثر سكانه كانوا من البدو، ولكن هذا لا يعني أنّهم طووا خيامهم ورحلوا لمكان آخر؛ فالصور والأخبار التي كانت تأتينا من ذلك الحيّ تكشف حجم زلازل الوحشيّة التي ضربت هناك؛ صرنا نرى الشوارع المحروثة بحقد بين الحارات، بعدما كانت تحجبها الأبنية بعلوّها. بنايات مالت على نفسها وتدمّرت. وبنايات مالت كي تقع في حضن بنايات أخرى. وبنايات بقي هيكلها العظميّ من الحديد الملبوس بقطع من اللحم فقط. وهكذا سنعرف، من أحوال تلك الأبنية ودمارها، أنواع الأسلحة التي حظيت بها لتلقين ساكنيها معنى الخضوع.

بقي من سكان ذلك الحيّ، إضافة للأحياء المحاصرة الأخرى، ما يُقارب من 1500 شخص فقط من المدنييّن، بينهم نساء وأطفال . وهم محاصرون منذ أكثر من ستمائة يوم. وما عدنا نعرف شيئاً عنهم، وعن أحوالهم. وهذا يعني أنّه اعتقل وقتل وهجّر أكثر من ثمانية وتسعين ألف شخص!

تشكيل كتيبة شهداء البيّاضة

جميع مقاتلي شهداء البيّاضة كانوا في بداية الأمر مجموعة صغيرة من الشباب الذين آمنوا بالثورة. ما يُقارب من عشرين شخصاً كانوا ينظّمون المظاهرات في الحيّ، ويشاركون في تظاهرات الأحياء الأخرى. وكان عبد الباسط الساروت، حارس مرمى منتخب شباب سوريّا لكرة القدم وحارس مرمى نادي الكرامة الحمصيّ، هو المغنّي ومؤدّي ومؤلف الكثير من شعارات تظاهرات الثورة هناك. وكان من بينهم من يدقّ على الطبل. وآخر يوزّع الأعلام. وآخر يكتب اللافتات. وآخران يُصوّران تلك الأيام التي كان فيها سكان في ذلك الحيّ المدمّر... وهكذا كانوا مجموعة من أبناء الحيّ الأصدقاء الذين آمنوا بثورة الشعب السوريّ على الاستبداد منذ بدايتها. وشاركوا في جميع التظاهرات، إلى الوقت الذي فكّروا فيه بحمل السلاح الخفيف بعدما تعرضّ المتظاهرون للإعتقال والقتل.

نصف تلك المجموعة التي تشكّلت في البداية لاقت حتفها طوال عامين ونصف تقريباً في المعارك الصغيرة التي خاضوها ضد قوّات النظام والأمن والشبّيحة، لفكّ الحصار عن المناطق المحاصرة، وهي قسم من حيّ القصور وقسم من حيّ جورة الشيّاح وحمص القديمة، من خلال حرب الشوارع.

كانت تلك الكتيبة التي حاربت خصوصاً على "جبهة شارع القاهرة" في حيّ الخالديّة يزداد عدد مقاتليها ببطء كلّما استشهد عدد منهم. وقد وصل عدد شهداء تلك الكتيبة، إلى ما قبل العمليّة الأخيرة، إلى استشهاد /75/ مقاتلاً من مقاتلي كتيبة شهداء البيّاضة وحدهم.

ومن المعروف أنّ عبد الباسط ساروت، الذي استشهد أخوه محمد وليد الساروت على جبهة الخالديّة بتاريخ 11/11/2011، كان يشترط للحصول على التمويل اللازم في عدم أخذ الأوامر من الجهة، أو الأشخاص، التي تريد تمويل مقاتليه بالأسلحة والذخيرة، بل كانوا أحراراً في عملهم هناك.

ومن المعروف أيضاً أنّ الكتيبة حقّقت انتصارات صغيرة طوال عمليّاتها ضد مقاتلي جيش النظام؛ فالنظام لم ينتصر سوى في المعركة الأخيرة التي سمّيت بمعركة المطاحن.

عمليّات فك الحصار

في شهر أغسطس/آب من عام 2012 سيخرج الساروت من قلب الحصار، من خلال مجرور صحي، نحو الريف الشماليّ لمحافظة حمص؛ ليؤمّن مقاتلين وذخيرة لزيادة الضغط على النظام؛ لفكّ حصاره الحديديّ عليها. وهناك سينصدم بقلّة الحماسة لدى ثوار الريف الشماليّ بالذهاب إلى حمص. وهذا ما يمكن لمسه في جميع الأرياف المحيطة بحمص وحماه، حيث لم تأت سوى نجدة واحدة من ثوّار حلب تكسّرت عند مشارف القصير. فالنظام حشد قوّات هائلة هناك؛ ومن خيرة مقاتليه من المغاوير والحرس الجمهوريّ والمظلييّن، فيما عدا ما يُعرف "بجيش الدفاع الوطنيّ" المكوّن من شبّان وشابات من الطائفة الحاكمة. وهذا الجيش الوطنيّ يستخدمه النظام كدروع بشريّة إذا صحّ التعبير؛ فهم ذوو خبرة قتاليّة محدودة، ويقودهم في ذهابهم لمقتلهم بسهولة، في الاقتحامات العديدة الفاشلة، خبرتهم في الضغينة، والأحقاد الطائفيّة التي زرعها فيهم النظام، وحسب.

المجرور الصحيّ الذي سلكه الساروت إلى الريف الشماليّ سيكشف النظام أمره في اليوم التالي، وبالتالي صارت عودته من الطريق ذاتها مستحيلة. وهو الطريق الوحيد الذي كان يأمنه الساروت هناك، بالرغم من كثرة الأنفاق التي حفرها المقاتلون هناك في حمص، وخاصة في الخالدية وباباعمرو والبيّاضة، إلا أنّها كانت قد اكتشفت من قبل النظام وتمّ تدميرها، أو أصبحت غير مأمونة على الإطلاق.

العمليّة الأولى لفكّ الحصار كانت بالاتفاق والتنسيق مع المجلس العسكري لجبهة حمص، وكانت الخطة تقتضي بالتسلل إلى حي دير بعلبة وتكوين خلايا نائمة هناك، لحين بدء العمليّة. وكان عدد مقاتلي كتيبة شهداء البيّاضة /47/ مقاتلاً فقط.

في بداية شهر اكتوبر/تشرين الأول من عام 2012 دخلت مجموعة من المقاتلين (مجموعة الحاج حسن ومجموعة زياد العفنان بالإضافة لكتيبة شهداء البيّاضة) إلى حي دير بعلبة. وقاموا بحفر الأنفاق على طول جبهة شارع "الستين" للوصول من خلالها إلى حيّ البيّاضة أولاً، ومن ثمّ إكمال العمليّة إلى باقي الأحياء المحاصرة. وكان على المجلس العسكريّ، وفق الاتفاق، أن يدخل حي دير بعلبة للاشتباك مع قوات النظام المتمركزة عند كليّة الكيميا، وبالتالي تصبح عمليّة تسلل الكتائب الأخرى من الأنفاق للوصول إلى البياضة سهلة، ولا يمكن كشفها من النظام، في الوقت نفسه تكون عناصر الجيش الحرّ قد تحرّكت من جبهة شارع القاهرة باتجاه الحيّ أيضاً. أي أن بداية العمليّة، وإشارتها السريّة، ستكون بتحرّك المجلس العسكريّ للاشتباك مع قوات النظام داخل حي دير بعلبة. وانتظر الجميع لأسابيع من دون أن يتحرّك المجلس العسكريّ!

في نهاية شهر تشرين الأول المذكور قرّرت الكتائب المتواجدة في حي دير بعلبة، والكتائب المتواجدة في حيّ الخالديّة، التوجّه إلى حيّ البيّاضة، وفتح طريق، سيكون وسيلة إمداد بالأسلحة والذخيرة والأغذية والأدوية، لفك الحصار. وبالفعل تحرّك الطرفان بقوّة نحو الحيّ المحاصر، وزادت وتيرة وقوّة الاشتباكات، وشعر النظام بخطورة الوضع، وخطورة وصول مقاتلي الكتائب إلى حيّ البيّاضة، وخطورة إمكانيّة فك الحصار هناك، وتفكيرهم بالتوجّه لتحرير حمص كلّها؛ فقام باستخدام صواريخ برؤوس كيميائيّة، غاز الأعصاب، في ضرب حيّ البيّاضة والمقاتلين. استشهد قائد العمليّة "أبو أسعد الشركسيّ" مع سبعة من مقاتليه، بالإضافة لاستشهاد مقاتل من كتيبة شهداء البيّاضة، مع كثير من الإصابات للمقاتلين الآخرين، منها تلف عين أحد المقاتلين.

انسحب المقاتلون من المكان باتجاه الريف الشماليّ، بعد اشتباكات كبيرة مع قوّات النظام، ومقاتلي حزب الله اللبناني.

في شهر مارس/آذار من عام 2013 جاءت الأخبار بتحرير حيّ الخالديّة من قبل مقاتليّ الجيش الحرّ، وجاءت بذلك فرصة محاولة الاقتحام الثانية التي فشلت أيضاً بعد سماعهم، وهم في الطريق لمساندة إخوتهم، خبر استعادة قوّات النظام لحيّ الخالديّة بعد ثمان وأربعين ساعة فقط من تحريره.

في شهر حزيران من عام 2013 استطاع مقاتلو الكتيبة إيجاد ثغرة في منطقة البساتين ليصلوا إلى حيّ الخالديّة، واشتبكوا مع قوّات النظام هناك حتى سقوط حيّ الخالديّة في شهر تموز للعام نفسه، فانسحب مَن بقي من المقاتلين حيّاً باتجاه مناطق الحصار الأخرى.

معركة المطاحن واستشهاد كتيبة شهداء البيّاضة

طوال هذه الأشهر كانت العائلات الباقية في حمص، وكذلك مقاتلو "لواء الحق"، ويتراوح عددهم بين سبعمائة إلى ألف مقاتل، وهم من خيرة المقاتلين في الاقتحامات، ويعتبر أكبر لواء أعلن تأييده للجبهة الإسلاميّة، كانت تعاني من انعدام كلّ شيء.

بعد انقطاع كل سبل الإمداد لتلك العائلات، وأيضاً لكتيبة شهداء البيّاضة والمقاتلين من بعض الكتائب الأخرى، قرّروا مهاجمة النظام، وتحديداً في منطقة المطاحن، لتأمين الطحين والحليب والمواد الغذائيّة من مناطق النظام المحيطة بالمناطق المحاصرة.

كانت الخطة تقتضي بتسلل ثلاثمائة مقاتل، على دفعتين، عبر أحد الأنفاق، (مجرور صحي)، من حيّ جورة الشيّاح إلى حي "التأمينات"، وذلك للمرّة الأولى، التي توجد فيها مطاحن تحت سيطرة قوّات النظام والجيش الوطنيّ. وكانت العمليّة تهدف إلى أخذ أسرى، بغية التفاوض عليهم لإدخال مساعدات غذائيّة وطبيّة وإطلاق سراح المعتقلين، وسلاح وذخيرة. ولكن كان المطلوب بالدرجة الأولى أن يكونوا قريبين من أماكن النظام، وتأمين غذاء للعائلات المحاصرة منذ أكثر من ستمائة يوم.

في ذلك الوقت كان قد بقي من كتيبة البيّاضة خمسون مقاتلاً شاركوا في المعركة الأخيرة، وكلّهم من الشبّان الذين لا تزيد أعمارهم عن ثلاثين عاماً، مع مقاتلين تنقص أعمارهم عن الثمانية عشر عاماً.

المجموعة الأولى التي تسلّلت كانت مؤلّفة من /150/ مقاتلاً، وكانت تتقدّم تلك المجموعة كتيبة شهداء البيّاضة كاملة. واستطاعت الوصول إلى مكان قريب جداً من قوّات النظام التي استطاعت كشف تلك المجموعة، إما عن طريق تجسسّها على شبكات الاتصال أو من خلال كاميرات المراقبة الحراريّة المنتشرة بكثرة حول أماكن تواجدها أو، وهو احتمال ضعيف، من خلال وشاية أحد ما بالعمليّة، ومحاصرة المجموعة في مكان معين والاشتباك معها لأكثر من عشر ساعات؛ حيث بدأ الاشتباك الساعة الثانية من فجر الخميس 9/9/2013 واستمر حتى الرابعة قبل مغيب الشمس، وفي الوقت الذي كان مقاتلو المجموعة، الذين حمل كل واحد منهم معه "تمرتين" فقط كطعام، يقاتلون بالبي كي سي والكلاشينكوف وقذائف الآربي جي، استخدمت قوّات النظام الدبابات والهاون والرشاشات..

خسائر كبيرة للطرفين

قوّات النظام بدت مستعدة للقتال، وكأنّها كانت تعلم بكلّ التحرّكات، والمفاجأة التي أرادت المجموعة تفجيرها في أوصال قوّات النظام انقلبت على المجموعة نفسها، وجعلت المجموعة المقاتلة تتحصّن في كتل بنائيّة والاشتباك منها مع قوّات النظام. ويبدو أنّ قوّات النظام استطاعت تحديد أماكنها بدقة من خلال الكاميرات الحراريّة. ولعدم قدرتها على اقتحام ذلك المكان؛ قامت بتفجير الكتلة البنائيّة تلك باسطوانة مملوءة بمادة "تي إن تي" الشديدة الانفجار.

تلك الإسطوانة كان يبدو مفعولها مثل مفعول القنبلة الفراغيّة حيث لم يبق من الكتل البنائيّة سوى الأعمدة فقط، أي تمّ تهديم البناء من الداخل مع بقاء العوارض فقط.

عدد مقاتلي كتيبة شهداء البيّاضة في هذه المعركة كان خمسين مقاتلاً، وهو جميع مقاتليها هناك، واستشهد منهم /45/ مقاتلاً، بينما نجا خمسة مقاتلين فقط، منهم قائد الكتيبة عبد الباسط الساروت، الذي حمل أحد الجرحى وعاد به لإسعافه، وكذلك المسعف أبو علاء والمقاتل أبو سفيان ومقاتلان آخران كانا مصابين.

المجموعة الأولى إذن، والتي كانت مكوّنة من 150 مقاتلاً، منهم المقاتلون الخمسون لكتيبة شهداء البيّاضة، استشهد منهم /63/ مقاتلاً، بينما المجموعة الثانية لم تلتحق بالقتال بسبب كثافة النيران، واكتشاف مكان التسلل بعد انسحاب بقيّة مقاتلي المجموعة الأولى من خلاله.

بعد انتهاء المعركة بيومين عاد ثلاثة مقاتلين من تلك المجموعة الأولى، كانوا قد استطاعوا الاختباء في سقيفة أحد الأبنية من دون طعام وماء، إلى المناطق المحاصرة منهكين من الألم والحزن.

النظام كعادته في كلّ المعارك التي خاضها في حمص بالذات لم يعلن عن خسائره. إلا أنّ تسريبات وصلتنا من شهود عيان بأنّهم رأوا شاحنتين مملوءتين بالجثث عائدة لقوّات النظام.

وكعادته أسرف النظام في فرحه بالقضاء على أولئك المقاتلين الشرسين والإرهابييّن الذي جاؤوا لفكّ الحصار عن المدنييّن المحاصرين، وأخذ الغذاء والأدوية وحليب الأطفال لهم.

كان الأمل كبيراً في أن يجدوا بين القتلى عبد الباسط الساروت، ولكنّ الذي داوم على قتال النظام هناك منذ أكثر من عامين ونصف لم يكن بينهم. وفي التصوير التلفزيونيّ بدا جنود النظام مندهشين وصامتين وهم ينظرون إلى جثث أولئك الأبطال الذين لم يكن هناك من طريقة أخرى لقتلهم سوى بتفجير المكان وتدميره، وليس مواجهتهم بشجاعة يعرفون بأنّهم يفتقدونها.

 

أسماء الشهداء

 

1 الشهيد أحمد الساروت.

2 الشهيد عبد الله الساروت.

3 الشهيد عبد الناصر أحمد المغربل.

4 الشهيد مهند الدروبي.

5 الشهيد محمود رسلان.

6 الشهيد بشير البابا.

7 الشهيد أيمن ياسر عبد الهادي.

8 الشهيد أحمد النجار.

9 الشهيد بلال خضرو أبو عبد الله .

10 الشهيد أيمن الجندي.

11 الشهيد وليد الحسن الملقب بأبي خالد السعن.

12 الشهيد أبو محمد شام.

13 الشهيد طارق مريحاوي.

14 الشهيد أحمد عبد المجيد المجاور.

15 الشهيد شريف عبد الحكيم الرفاعي.

16 الشهيد عمر نوّاف الصالح.

17 الشهيد زكريا مصطفى الصويص.

18 الشهيد محمد فرحان شرف الدين.

19 الشهيد حسام المصري.

20 الشهيد أمير داغستاني.

21 الشهيد منذر الحلاق.

22 الشهيد حمزة المصري.

23 الشهيد أيهم عبد الله المكحل.

24 الشهيد عبد الوارث البيطار.

25 الشهيد محمد الزعبي أبو حسام.

26 الشهيد عصام الراجح.

27 الشهيد محمد أيمن الرفاعي.

28 الشهيد فرحان عز الدين.

29 الشهيد عبد الغني النجّار أبو محمد شام.

30 الشهيد علي النعيمي.

31 الشهيد طاهر الصغير.

32 الشهيد يحيى الصغير.

33 الشهيد طه الصغير.

34 الشهيد عبد المالك المظلوم.

35 الشهيد عبد الناصر الصالح.

36 الشهيد عبد العزيز حجّو.

37 الشهيد عبد القادر فاضل.

38 الشهيد حازم العابد.

39 الشهيد وليد الشيخ الملقب أبي خالد.

40 الشهيد عبد الفتاح محمد فتحي دبدوب.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تعتذر طهران عن محرقة الأسد؟

مصطفى فحص

الشرق الاوسط

9/2/2014

يواصل الرئيس الإيراني الجديد الشيخ حسن روحاني منذ انتخابه، العزف على وتر المصالحة الثقافية والاجتماعية مع الغرب، وعدم اختصارها في المستوى السياسي، ويعمل وفريقه الحكومي على مخاطبة مشاعر الأوروبيين والأميركيين، في واحدة من أكثر المسائل إلحاحا على الصعيدين الإنساني والأخلاقي، بالنسبة إلى المجتمعات الغربية، فيبدي تعاطفا صريحا مع المأساة اليهودية جراء المحرقة النازية.

في «دافوس» استغل الرئيس روحاني حفاوة المنظمين، وذهب بعيدا في إشارات التحول الإيراني، مواصلا صفعاته السياسية لخصومه في الداخل، التي يقدمها كرسائل إيجابية للخارج، عند رده على سؤال حول الموقف من المحرقة النازية أثناء حديثه لقناة «سي إن إن» الأميركية بقوله «إن كل جريمة ضد الإنسانية بما في ذلك الجريمة التي ارتكبها النازيون بحق اليهود هي ذميمة ومدانة». كلام روحاني الجريء عن المحرقة، يمحو كل ما حاول سلفه الرئيس أحمدي نجاد تكريسه، من نفي وطعن بواقعة تاريخية مسلَّم بحصولها، وإن اختلف الكثيرون على حجمها وتفاصيلها.

وفي ميونيخ سار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على خطى رئيسه، وجهد من أجل التسلل من كل النوافذ والأبواب التي فتحتها اتفاقية جنيف النووية مع دول 59/2/20141، فكان أكثر شجاعة وصراحة حتى من رئيسه، وخاطب الذاكرة الألمانية والأوروبية من على منبرها، حين أكد أنه «ليس لدى بلاده شيء ضد اليهود وأن الدولة تكن لهم احتراما كبيرا داخل إيران، وفي الخارج لا نشعر بأننا مهددون من أحد»، وهو الذي لم يعترض على وجود وزير الدفاع الإسرائيلي في الصف الأول أثناء مشاركته في أعمال مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ، ووصف ظريف المحرقة النازية على قناة «فينكس» الألمانية بأنها كانت «مأساة وحشية ومشؤومة ينبغي ألا تتكرر».

عندما كان الوزير ظريف يخاطب بمودة الغرب والأوروبيين عبر يهود العالم، بكلام يصل إلى السمع الإسرائيلي عن طريق الإعلام الغربي، كانت وسائل إعلام إيرانية وعربية تدور في فلك إيراني آخر، ينتمي إلى ماض ينقرض، مصرة على تغطية المحرقة الأسدية في حلب، مستمرة في تشويه صورة الثورة السورية وتكفيرها، من خلال الخلط المتعمد واللئيم، بين قواها السلمية والإفرازات المتخلفة للنظام عليها، واختراقات القوى المتطرفة لصفوفها، وتحويلها إلى حرب أهلية كما أراد النظام مبكرا، مصورة إياها بأنها إرهاب يهدد العالم، في تقاطع مع قنوات إخبارية عالمية ممولة أو مملوكة من رجال أعمال يهود، لا تختلف مواقفهم السلبية من ثورة الشعب السوري، عن مواقف البعض في طهران.

إن حلب من أقدم المدن المأهولة (القرن السادس ق.م)، وثالث مدن السلطنة العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة، قصفها جيش هولاكو المغولي ستة أيام بالمنجنيق قبل احتلالها عام 1260م، وذبح أهلها، ثم دخلها المغول ثانية عام 1271م وفتكوا بأهلها ذبحا وقتلا، إلى أن دخلها تيمورلنك عام 1400م، وأمر بتدمير مساجدها وقلاعها ونفذ جنوده فيها واحدة من أكبر المجازر في تاريخها، وتنقل الكتب التاريخية أن تيمورلنك، أمر ببناء تلة من جماجم المذبوحين الذين زاد عددهم على 20 ألفا.

وفي عصرنا الحديث، زمن الثورة الرقمية، يشاهد العالم بأسره سقوط البراميل المتفجرة فوق رؤوس الأهالي في حلب، لتقتل في أقل من أسبوع قرابة 300 سوري بينهم 75 طفلا، فيما يشبه تكرارا حيا للمذبحة النازية بحق اليهود، التي ما زالت تقض مضاجع الأوروبيين، ولمشاهد المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني عشرات المرات وبحق الشعبين المصري واللبناني وغيرهما.

لقد كانت محرقة حلب أولى بالإدانة في هذه اللحظة التاريخية، وإذا كانت إدانة المحرقة النازية هي الأداة التي تستخدمها القيادة الإيرانية الجديدة، من أجل تحسين صورة إيران في الغرب، وتسريع وتيرة عودة طهران إلى أحضان المجتمع الدولي، وتحقيق مقبولية المؤسسات الدولية لها، فإن تجاهل مجازر حلب وكل المدن السورية، أو الرضا بها أو المشاركة فيها مباشرة أو بالواسطة، نقطة سوداء يصعب محوها والخلاص من تداعياتها.

كابرت إسرائيل طويلا. أنكرت وتنكرت لحق الشعب الفلسطيني، ثم عادت فأذعنت بعد قرابة نصف قرن، ومهما حاولت التهرب من مواجهة الحقيقة فلن تفلح، ولم يفلح أحمدي نجاد في نفيه للمحرقة النازية، فهل تفلح إيران أو بعض إيران في تجاهل حق الشعب السوري في تحقيق حريته وكرامته؟ إن أمام الرئيس روحاني وفريقه الحكومي مهمات كبرى لإنقاذ الدولة الإيرانية، وتفاهماتها المطلوبة مع الجميع والعرب خصوصا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المقاتلون الأغراب في سوريا.. قتل ودمار وتطرف

فايز سارة

الشرق الاوسط

9/2/2014

يشكل المقاتلون الأغراب في سوريا واحدة من المشاكل القائمة في الواقع السوري، بل يمكن القول إنهم أصبحوا واحدا من الموضوعات التي تحتاج إلى معالجة في إطار معالجة القضية السورية، وهو أمر يتطلب الوقوف عند هذه الظاهرة ومقاربة تفاصيلها وحيثياتها ومحصلة دورها، وكلها تدفع باتجاه عمل جدي لإخراج المقاتلين الأغراب من سوريا الذين تزايدت أعدادهم في السنوات الثلاث من تطورات الصراع الداخلي.

وحسب أكثر التقديرات شيوعا حول حجم المقاتلين الأغراب في سوريا اليوم، فإن ميليشيات حزب الله اللبناني وشقيقتها المنتمية إلى لواء أبو الفضل العباس وجماعات أخرى تقاتل في صف النظام، هي الأكبر والقوة الأكثر حضورا وتسليحا وتذخيرا وتمويلا وتنظيما في المناطق التابعة لسيطرة النظام، ويزج النظام بهذه الميليشيات في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر من أجل إعادة الإمساك بها، وطرد قوات المعارضة منها على نحو ما حدث في الحرب الأخيرة على القلمون وقبلها على القصير في حمص ومناطق أخرى.

والقوة الثانية من المقاتلين الأغراب في سوريا، حاضرة في صفوف جماعات التطرف الإسلامي في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وأبرزها جماعتان تنتميان إلى «القاعدة»، أولاهما تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجبهة النصرة لبلاد الشام، وتوصف «داعش» وقريبا منها «النصرة» بأنها الأكثر عددا وتسليحا وتمويلا وتنظيما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وأغلب عملياتها العسكرية تتم في تلك المناطق أو في حوافها.

وإذا كان من المعروف أن مقاتلي ميليشيات حزب الله الذين يبلغون عدة آلاف يأتون من لبنان ومثلهم مسلحو حركة أمل، فإن الآلاف من مقاتلي لواء أبو الفضل العباس ولواء ذو الفقار وجيش الإمام المهدي، وفدوا من العراق، إضافة إلى مقاتلين آخرين يتبعون تنظيمات شيعية، يأتون من بلدان عربية وإسلامية كثيرة بينها اليمن وأفغانستان، إضافة إلى ميليشيات من جماعات «سياسية» تناصر نظام الأسد في حربه على السوريين بينهم الحزب القومي السوري الاجتماعي والحزب العربي الديمقراطي من لبنان وميليشيات الجبهة الشعبية القيادة العامة الفلسطينية التابعة لأحمد جبريل، وكلها تضاف إلى مقاتلي الحرس الثوري الإيراني، وهي قوات رسمية إيرانية تقاتل في صف النظام.

وتنوع الوافدين إلى سوريا من مناصري النظام، يقابله تنوع الذين وفدوا من جماعات التطرف وأنصار «القاعدة» وأخواتها بحجة الانتصار للشعب السوري ومحاربة النظام، وهي الحجة التي تخفى خلفها المشروع الظلامي لـ«القاعدة» في إقامة «دولة إسلامية» والذي كانت له تعبيرات ما زالت تفاعلاتها المدمرة تتواصل في أكثر من بلد، كما في أفغانستان والعراق.

لقد جاء «متطوعو» التطرف من أنحاء العالم المختلفة، بينهم أكثر من ألفين قدموا من أوروبا وحدها، وحسب التقديرات، فإن أضعاف هؤلاء قدموا من بلدان عربية وإسلامية بينها العراق وبلدان الخليج العربية واليمن وبلدان شمال أفريقيا بما فيها مصر، كما جاء بعضهم من بلدان إسلامية منها أفغانستان وجوارها ومن الشيشان.

ورغم أن مجيء «المتطوعين» كان بمبادرة وبمساعدة تنظيمات القاعدة وأخواتها، فإن أجهزة استخبارية وأمنية دخلت على خط مساعدتهم وتسهيل أمر وصولهم إلى سوريا، لكن الدور الأهم كان دور العراق وروسيا وإيران، حيث الأولى عملت على تهريب مئات «القاعديين» المسجونين في السجون العراقية وخاصة من سجن أبو غريب، بينما جرى انتقال متطرفي الشيشان تحت رعاية المخابرات الروسية، وقامت المخابرات الإيرانية بتسهيل انتقال عناصر «القاعدة» القادمين من أفغانستان إلى سوريا عبر العراق.

لقد حمل كل الوافدين الأغراب إلى سوريا على اختلاف ما يعلنون، أجنداتهم التي لم تكن لها علاقة بأجندة الشعب السوري وثورته الهادفة إلى دولة ديمقراطية، توفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، واستخدم هؤلاء السلاح سواء في مؤازرتهم لقوات النظام في إعادة إحكام قبضته على سوريا والسوريين على نحو ما كانت عليه ميليشيات حزب الله، أو أنهم سعوا إلى إقامة «دولة إسلامية» على نحو ما يرفعه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجبهة النصرة، وفي الحالتين تقاربت، وغالبا تماثلت، سلوكيات وممارسات الوافدين ضد السوريين. ولم يكن من الصدفة أن تشكيلات الجيش الحر وضباطه والناشطين السلميين في الإعلام والحراك الثوري والمدني، كانوا عرضة للقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، وأن المعالم والمؤسسات السورية كانت عرضة للتدمير والنهب على أيدي عناصر تلك الميليشيات والجماعات.

إن وجود المقاتلين الأغراب وما يقومون به في سوريا، يمكن تلخيصه في ثلاث كلمات، هي: قتل ودمار وتطرف. وكلها تذكي نيران الصراعات في سوريا، وتدفعها للانتشار في المحيط الإقليمي والدولي، وهذا يجعل مهمة إخراج المقاتلين الأغراب مهمة تتجاوز جهد السوريين إلى جهد إقليمي ودولي مطلوب، ليس في إطار معالجة القضية السورية وحلها فحسب، بل أيضا في إطار معالجة ظاهرة الإرهاب التي يكثر المجتمع الدولي الحديث عنها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والرهان على جديد الموقف الروسي!

أكرم البني *

الحياة

الاربعاء 12/2/2014

يتفق الكثيرون على أن روسيا الطرف الأكثر تأثيراً اليوم في المشهد السوري، ليس فقط لأنها الأقدر على التحكم بقرار نظام مكّنته من الصمود والاستمرار، واستخدمت الفيتو مرات عدة لحمايته ولتعطيل دور المجتمع الدولي حتى في المستوى الانساني، وإنما أيضاً بسبب تراجع أداء السياسة الأميركية التي فقدت الكثير من حيويتها على الصعيد العالمي.

لكنهم قليلون من يعتقدون بحصول تبدل في الموقف الروسي من الصراع الدائر في سورية، وانتقاله، في الأشهر الأخيرة، من حالة الدعم المطلق والمتعدد الأشكال للنظام، إلى دعم مشروط بإنجاز تسوية سياسية، قد تطاول تركيبة السلطة وبعض رموزها، لكنها تحافظ على كيان الدولة ووحدة المجتمع وتتوسل مشاركة أطراف من المعارضة في تخميد الصراع ومعالجة آثاره، ودليلهم الضغوط المتنوعة التي تمارسها قيادة الكرملين لحضّ النظام على حضور الجولات المتعاقبة لمؤتمر «جنيف 2» ولإعلان موافقته على بنود «جنيف 1» كأساس للتفاوض، ثم محاصرة محاولات إفلاته من المهل المحددة لتسليم مخزونه من السلاح الكيماوي، فضلاً عن الاهتمام بفتح قنوات نشطة مع المعارضة السورية، آخرها دعوة وفدها المفاوض لزيارة موسكو، والأهم ما يشاع عن حصول اجتماع في مدينة بيرن السويسرية، بين روسيا ودول الغرب حضرته إيران وغايته رسم خطة طريق مقبولة من الجميع تضع حداً لصراع دامٍ يوشك على إتمام عامه الثالث.

وعند هؤلاء ثمة دوافع كثيرة لتبدل موقف موسكو، تبدأ بطول أمد الصراع وتزايد الضغط والحرج الاخلاقي عليها من تغطية عنف منفلت لم يقف عند حدود، مروراً بتحسبها من الغرق في مستنقع استنزاف واستقطاب قد لا تستطيع الخروج منه، بخاصة أنها أدركت أن النظام عاجز عن إدارة الأزمة أو إحداث نقلة نوعية في التوازنات القائمة، بينما تنزلق البلاد نحو حرب أهلية واسعة ويشتد عود الجماعات الجهادية فيها، ومروراً بتنامي الخوف من تأثير الصراع السوري في شحن المشاعر الطائفية للشعوب الاسلامية المجاورة لها وفي شمال القوقاز، والنذير تواتر العمليات الاسلاموية الانتحارية في أماكن متعددة من روسيا، وانتهاءً بتصاعد خشيتها من امتداد الصراع بصورته الطائفية والإثنية إلى البلدان المحيطة بسورية، ما يهدد مصالحها وعلاقاتها مع العرب ودول المنطقة، ويلحق الضرر بالأمن الإسرائيلي الذي بات يحتل موقعاً رئيساً في سياسة موسكو الشرق أوسطية.

ويضيف أصحاب هذا الرأي أسباباً مستجدة، منها تبلور وجه للمعارضة السورية يطمئن قيادة الكرملين ويشجعها على التعاون معها والإفادة منها لمواجهة صعود التيارات الجهادية المتشددة، ومنها الفوبيا الروسية من وصول الاسلام السياسي إلى الحكم وعلى مصير الأقليات السورية، في ظل تراجع لافت لقدرة النظام على حمايتها، ومنها ما يثار عن حصول توافق بين روسيا وإيران لطي صـــفحة صراع بـــات يستنزف قواهما، ربطاً بما تظـــهره طهران، بعد انتخاب حسن روحاني رئيساً، من مرونة واستعداد لنبذ منطق المكاسرة وتقديم التنازلات، ومنها أخيراً ضغط الأحداث المتصاعدة في أوكرانيا على موسكو، ما يخفف موضوعياً من قدرتها على التفرغ للشأن السوري.

وفي المقابل، يعتقد آخرون بأن حماسة قيادة الكرملين للحل السياسي وضغطها على السلطة السورية لقبوله، لا يشكلان تحولاً في الموقف، بل محاولة لذر الرماد في العيون أو مناورة غرضها تخفيف ردود الأفعال المتنامية ضد موسكو عبر الإيحاء بأن سياستها غير منحازة وتسعى جدياً الى وقف حمام الدم الجاري ومعالجة الأزمة.

ويسأل هؤلاء، أين الحرج الأخلاقي الضاغط على موسكو وهي التي ترعى ما يجري من فتك وتنكيل في سورية طيلة أعوام، عداك عن أنها ذاتها لم تتوان عن ممارسة عنف مشابه في الشيشان، أو حين يعلن أحد مسؤوليها إبان التحضير لمؤتمر «جنيف 2» أن زمن التنازلات والصفقات لم ينضج بعد، وعلى الشعب السوري دفع ثمن الانتظار؟ وأيضاً، أين الجديد في نظرة الكرملين إلى المعارضة السورية، بينما إعلامه لا يزال يشهّر بها، بصفتها معارضة مشتتة وموزعة بين تطرف عسكري لأمثال دولة الاسلام في العراق والشام وجبهة النصرة والجبهة الاسلامية وبين مدنيين تضج صفوفهم بخلافات شخصية على المناصب والزعامة، وتوظيف ذلك كذريعة للتمــسك بالـــنظام وإلقاء اللوم على المعارضة والطعن بأهليتها؟

ثم أين المؤشر على تبدل موقف موسكو من السلطة القائمة، وألا يفضي التدقيق في النهج الروسي من الأزمة السورية إلى الاعتراف بأن التحالف مع ايران وركائزها في المشرق العربي هو تحالف عمـــيق وعازم على البقاء من خلال الإبقاء على النظام في دمشق ودعمه بكل السبل، ولا تغير هذه الحقيقة بل تعززها أحداث أوكرانيا، لأنها تزيد الحاجة الى الاستــقواء بهذا التحالف، بخاصة أنه قد أذاق موسكو حلاوة النفوذ العالمي ومنحها فرصة الظهور كطرف ندّي للغرب في المشهد الدولي؟

لكن روسيا تعرف الثمن الباهظ لهذه الندّية وتعي أن تحررها من أعباء دورها العالمي كان أهم رافعة لتتجاوز أزماتها الداخلية، وربما تدرك، أن ليس من منفذ اليوم، لمن يريد استعادة مكانته الدولية ســـوى احترام إرادة الشعوب وحيوات البشر وحقوقهم، لا تشجيع منطق القوة والابتزاز والغلبة.

يصح القول إن الأوضاع السورية لم تعد مجرد ثورة محلية للمطالبين بالحرية والتغيير ضد حماة الوضع القائم، بل أصبحت مسرحاً للتدخلات الخارجية، وتالياً يصح رهان البعض على جديد الموقف الروسي في فك عقدة الاستعصاء القائم، لكنه يبقى رهاناً قاصراً ما لم يتعزز بإرادة حازمة للمجتمع الدولي، والتي لن تتبلور إلا في حال التقت جدياً مصالح الطرفين الروسي والأميركي عند وقف تغذية الأوهام بالقدرة على الحسم العسكري، وعند فرض حل سياسي يضع حداً لعنف منفلت ويفتح الباب أمام تنفيذ خطة طريق للتغيير الديموقراطي تمكن الشعب السوري المنكوب من تقرير مصيره.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وفد ائتلاف وطني!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 12/2/2014

كان من المسلَّم به أن وفد الائتلاف إلى جنيف يجب أن يكون وفدا وطنيا يمثل القوى السياسية والعسكرية والتيارات الثقافية والمصالح الاقتصادية الناشطة في إطار الثورة والعاملة لها، بغض النظر عن موقعها الجغرافي: أكان داخل سوريا أم خارجها.

هذه الضرورة أملتها اعتبارات متنوعة، منها استحالة هزيمة النظام بقوة أي طرف بمفرده من أطراف المعارضة، مهما راكم من قوة وبلغ من تمثيل، وحتمية توحيد مواقف ورهانات المعارضة من أجل خوض معركة تفاوضية لا تقل تعقيدا عن المعركة العسكرية الدائرة على الأرض، التي توجد اليوم في مرحلة توازن يجعل من الصعب حسم الصراع بواسطتها، إن بقي الجيش الحر وقوى المقاومة المسلحة على حالهما، وتواصل دعم روسيا وإيران الكثيف جدا للنظام بالمال والسلاح والرجال، ولم تتغير سياسات الغرب عامة وأميركا خاصة تجاه سوريا، وبقي الأوروبيون طرفا محدود التأثير على الصراع، والأميركيون جهة تدير بدماء السوريين أزمة محلية وعربية وإقليمية ودولية، فإذا ما أضيف إلى هذا المسار العسكري الراكد مسار سياسي مماثل، حلت الكارثة بسوريا والسوريين. لتحريك المسار السياسي وإضفاء دينامية ما عليه، تمس الحاجة إلى اتفاق قوى المعارضة الفاعلة حقا على برنامج تفاوض وطني مع النظام، وإلى تحريك المسار العسكري بقوة، وتعزيز التفاعل الإيجابي والمتبادل بين الشعب وتنظيمات المعارضة، وخاصة منها الائتلاف، وتفعيل وتنظيم الأنشطة المدنية والسلمية لثوار الداخل ومهجري الخارج، وتعبئة الطاقات الوطنية لمعركة فاصلة ستلي حكما فشل المسار التفاوضي المتوقع.

لا يمثل وفد الائتلاف إلى مفاوضات «جنيف2» قوى الساحتين السياسية والعسكرية السورية. ولم يذهب إلى التفاوض برؤية توافقية صاغتها هذه القوى مجتمعة. لا يعني هذا أن رؤيته ليست صحيحة، بل يعني أنها من صياغته وحده، وأنه لم تجرِ مشاركة القوى السياسية والعسكرية الفاعلة في وضعها.

على الجملة، تنقسم المعارضة السورية إلى فصائل ثلاثة: فصيل يتمثل في المعارضة المعترف دوليا بها، وتعدّ شرعية لهذا السبب، كالمجلس الوطني والائتلاف، رغم ما بينهما من خلافات ومشكلات. وفصيل تمثله تنظيمات سياسية داخلية قليلة الأهمية والتأثير، يستثنى منها «إعلان دمشق»، الملتف حول فريق يقوده الأستاذ رياض الترك، و«هيئة التنسيق» التي يشكل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي بقيادة الأستاذ حسن عبد العظيم قوامها الرئيس، وكانت تضم قوى هامشية انفكت عنها. وفصيل ثالث داخلي أساسا، هو قبضة الثورة الضاربة وحاضنتها الشعبية، يضم قوى عسكرية ومدنية متنوعة إلى حد التناقض، تنضوي تحت تسميات جامعة كالجيش الحر والمجالس المحلية واللجان الشعبية ولجان التواصل والتنسيق... إلخ، فضلا عن رموز عسكرية وسياسية وازنة لها دورها ومكانتها. لن يغير كثيرا من هذا التصنيف الأولي وجود بقايا تكوينات داخلية وخارجية، يمثلها اليوم أفراد - وأحيانا فرد واحد - يرغبون في لعب دور سياسي ما.

أعتقد أن تمثيل المعارضة سيكتمل إلى حد بعيد، إذا ما دخلت قوى المقاومة والحراك المدني، المنضوية في الفصيل الثالث، إلى جانب «إعلان دمشق» و«هيئة التنسيق»، إلى ميدان التفاوض، بشراكة وطنية جامعة مع الائتلاف، تراعي مواقف الجميع وتضع خطة تفاوضية قابلة للتنفيذ وتتفق والقرارات الدولية ووثيقة جنيف واحد، يحملها ويساندها قطاع اجتماعي واسع.

جاء الائتلاف إلى طاولة التفاوض من انقسام مؤسف تتخطى أبعاده الداخل السوري إلى الصراعات العربية - العربية، التي لعبت دورا كبيرا في تأسيسه، لكنها أزاحته جانبا بعد أسابيع من إقامته، حين أبعدته عن هيكلة الجيش الحر وتأسيس الأركان والمجلس العسكري، وما رافقهما من وضع أيديها عليهما. هل يجب أن تنتظر وحدة قوى الائتلاف وحدة الموقف العربي، المستبعدة إلى اليوم رغم ما حل بسوريا من دمار وموت؟ كانت علاقات الائتلاف مع قوى الفصيل الثالث علاقات بين مقاومين غير موحدين وبين مرجعهم السياسي المفترض، الذي يقيم معهم صلات غير ملزمة مع أنها تنضوي في إطار هدف متوافق عليه بصورة عامة هو إسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي - تعددي وحر. هنا، توجد مشكلة جدية هي أن القوى التي لا توافق على المقصد الثاني من التوافق ترفض جنيف، خشية أن يحول الحل السياسي التفاوضي بينها وبين إقامة نظام إسلامي في سوريا المقبلة. هذه القوى يمكن العمل للحصول على دعمها لإسقاط النظام، من خلال طاولة التفاوض أيضا، بينما يواجه العمل التوحيدي صعوبات حقيقية فيما يتعلق بـ«إعلان دمشق» و«هيئة التنسيق»، لأسباب تتصل أولا بتقصير الائتلاف في التواصل مع الداخل عامة ومعهما بصورة خاصة، وبامتناعه عن محاورتهما والتعاون معهما في بلورة وتنفيذ برنامج إصلاح وطني شامل يطاول بنيته ودوره والشراكة الوطنية المطلوبة بين مختلف أنماط المعارضين، وما هما بحاجة إليه أيضا من إعادة نظر في أدوارهما وبنيتهما وسياساتهما.

بدخول قوى الفصيلين الثاني والثالث إلى ميدان التفاوض، ستتغير بنية ومهام وخطط وفد المعارضة إليه، وسيتحول إلى وفد وطني بمعنى الكلمة، وإن بقي غلافه البراني مرتبطا باسم الائتلاف. عندئذ، لن يأتي الآخرون إلى المفاوضات كي يتبنوا رؤية طرف بعينه، وسيزول ما بين المعارضين من أحكام مسبقة وخلافات، وسيكون هناك أمل حقيقي في الانتصار على النظام!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العرى الوثقى في براميل حلب: من مجزرة حماة إلى اغتيال الحريري

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 7/2/2014

نوبات انفلات فاشية النظام السوري من كلّ عقال، كما حدث خلال الأيام الماضية في حرب البراميل المتفجرة ضدّ مدينة حلب وبعض بلدات الغوطة (وهي التي سيكتشف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مؤخراً فقط، أنها أعمال ‘بربرية’!)؛ لا تحتاج إلى توقيتات خاصة، حتى إذا كانت تعبّر عن حال من السعار العنفي الاستقتالي، الذي يصيب النظام بين فينة وأخرى، لأسباب لا تكون بواعثها اعتبارات عسكرية أو سياسية أو معنوية بالضرورة. ولكن، في المقابل المشروع تماماً لأنه منطقي، كيف يمكن للمرء أن يهمل الترابط بين هياج الحقد الوحشي الهمجي هذا، في هذه الأيام تحديداً؛ وذكرى مناسبة سابقة لانفلات فاشية النظام، تظلّ قياسية من حيث الوحشية المعممة، ومعيارية في الحقد الجَمْعي: مجزرة حماة، في مثل هذه الأيام من شباط (فبراير) 1982؟

ثمة عروة وثقى، مع الاعتذار من الشيخَين، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده؛ تربط بين هذا الانفلات الراهن للفاشية العارية، وذلك الانعتاق من كلّ محظور في تدمير مدينة عن بكرة أبيها؛ وكما أُريد لمدينة حماة 1982 أن تنقلب إلى أمثولة في الأمدية القصوى التي لن يتردد حافظ الأسد في الذهاب إليها لإنقاذ نظامه، وتلقين السوريين درساً في القمع والقتل وإبادة البشر أسوة بالحجر؛ كذلك يسير الأسد الابن، في حلب 2014، على خطى أبيه؛ ومثله يفعل ضابط مجرم حرب مثل سهيل الحسن، حين يقتدي بضباط مجرمي حرب من أمثال رفعت الأسد ومعين ناصيف وعلي حيدر وهاشم معلا… وهذه واقعة جديدة لتأكيد مقولة الابن، التي ردّدها على مسمع أهل النظام منذ الساعات الأولى التي أعقبت توريثه: ‘الأسد يحكمنا من قبره’!

وكما أنّ صحافة ‘العالم الحرّ’، في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، منشغلة بأخبار ‘داعش’ و’الجهاديين’، أكثر بكثير من اكتراثها بأخبار المجازر المفتوحة التي يرتكبها النظام في حرب البراميل المتفجرة؛ كذلك كانت الحال، جدّ متشابهة، في تغطية مجازر حماة، وسورية عموماً، خلال أعوام 1979  1983. وهكذا، كان جون كيفنر، مراسل صحيفة ‘نيويورك تايمز الأمريكية الذي نقل خبراً غامضاً حول ‘أحداث في حماة’، قد أضاف  من باب ‘الموضوعية المهنية’، أغلب الظنّ!  تصريحاً لوزير إعلام النظام آنذاك، أحمد اسكندر أحمد، يفيد بأنّ المدينة تشهد ‘حملة تفتيش’ ينفذها بعثيون وبعض عناصر الأمن ‘بحثاً عن أسلحة وعصابات إرهابية’. من جانبه، كان السفير الأمريكي في دمشق، روبرت باغانيللي، قد أدّى واجب الحدّ الأدنى الذي أتاحته سياسة رونالد ريغان، الرئيس الأمريكي يومذاك، في الموقف من أنظمة الاستبداد العربية عموماً، ونظام الأسد خصوصاً؛ فأصدر تصريحاً مقتضباً يقول إنّ ‘السلطات السورية عزلت مدينة حماة عن العالم الخارجي’، بسبب ‘وقوع اضطرابات خطيرة’.

أسبوعية ال’إيكونوميست’ البريطانية، التي لا تقلّ عراقة عن زميلتها اليومية الأمريكية، كتبت (ولكن بعد قرابة شهرين على المجزرة!) أنّ ‘الرواية الحقيقية’ لما جرى في مدينة حماة ‘لم تُعرف بعد، ولعلها لن تُعرف أبداً’. وإذْ اعترفت بأنّ المدينة صارت ‘خرائب’ بعد أن قُصفت بالدبابات والمدفعية والطيران طيلة ثلاثة أسابيع، وأنّ ‘جزءاً كبيراً من المدينة القديمة قد هُدم تماماً، وسُوّي بالجرافات’؛ فإنّ المجلة لم تتحدث البتة عن مجزرة، وأسهبت في توصيف الصراع على النحو الأكثر غموضاً وركاكة في آن: متمردون، ضدّ قوّات حكومية! ولم تكن ال’إيكونوميست’ أفضل حالاً من موقف الحكومة البريطانية، وتحديداً مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء آنذاك، رغم الجفاء الظاهر الذي كان يهيمن على العلاقات البريطانية  السورية في تلك الحقبة.

صحيفة ‘ليبيراسيون’ الفرنسية شذّت عن القاعدة، للإنصاف، وذلك بفضيلة الروح الفدائية التي تحلّى بها أحد كبار مراسليها، سورج شالاندون، الذي خاطر بحياته وتسلل إلى حماة باسم مستعار (شارل بوبت)، وصفة كاذبة (باحث في الآثار)؛ فكان أوّل صحافي أجنبي يدخل المدينة الشهيدة، ويسجّل بأمّ العين الكثير مما حاق بأهلها وبعمرانها، القديم قبل الحديث، من قتل وتخريب وتدمير. ‘الأموات أخذوا يُعدّون بالآلاف أوّلاً، ثمّ بالمئات، ثمّ بالآلاف خلال الساعات الأولى فقط. لقد رافقني أحد وجهاء المدينة، فتنقلنا من بيت إلى بيت، ورأينا العائلات الثكلى، والجثث التي تُجرّ من الأقدام، أو تُحمل على الأكتاف’؛ كتب شالاندون، متقصداً أن يخنق في داخله روح الروائي، هو المتمرّس في السرد القصصي والحائز على جوائز مرموقة في هذا المضمار، لكي ينتصر لواجب الإخبار الحقيقي الصرف، الأشدّ وقعاً في النفس الإنسانية من أي أفانين تخييلية.

وكما يعمد الأسد الابن اليوم في حلب، تقصد الأسد الأب إنزال العقاب بمدينة حماة في صفاتها كافة، البشرية والاجتماعية والعمرانية والتراثية، على مستوى الأفراد والعائلات، والشوارع والأحياء، الأطفال والنساء والشيوخ قبل اليافعة والشبان والرجال… على سبيل الأمثلة، انطوت مجزرة حيّ ‘حماة الجديدة’ على تجميع الأهالي في الملعب البلدي، ونهب بيوتهم، ثمّ العودة إليهم وقتل قرابة 1500، بنيران الرشاشات؛ في مجزرة حيّ ‘سوق الشجرة’، قُتل 160 مواطناً، رمياً بالرصاص أو دفناً تحت الأنقاض، وحُشر 70 آخرون في متجر لبيع الحبوب، جرى بعدئذ إشعال النار فيه؛ مجزرة ‘حي البياض’ شهدت قتل 50 من المواطنين، وإلقاء جثثهم في حفرة مخصصة لمخلفات معمل بلاط؛ في مجزرة ‘سوق الطويل’، تمّ إعدام 30 شاباً على سطح السوق، و35 آخرين حُشروا في متجر للأدوات المنزلية؛ مجزرة ‘حي الدباغة’: حشر 35 مواطناً في منشرة للأخشاب، وإشعال النار فيها؛ مجزرة ‘حي الباشورة’: إعدام عائلات بأكملها، من آل الكيلاني والدباغ والأمين وموسى والقاسية والعظم والصمام وتركماني؛ وهكذا تكرّرت، أو تنوّعت، التفاصيل الرهيبة في مجازر أحياء العصيدة والشرقية والبارودية ومقبرة سريحين والمستشفى الوطني…

كذلك تقصّد الأب، يومها، في حماة، كما يحذو حذوه الابن اليوم، في حلب؛ تنفيذ مجزرة صريحة واضحة، صاخبة ومعلَنة، بالدم البارد، عن سابق تصميم وتصوّر؛ لكي تبدو، من حيث الشكل، بمثابة الخطّ الأخير الفاصل في المعركة بين النظام والفصائل الإسلامية المسلحة. ولهذا فقد وافق على إعطاء القادة العسكريين نوعاً من التفويض المطلق، وترخيصاً صريحاً بأن تُستخدم كلّ الأسلحة، وكلّ طرائق القمع والردع والعقاب، حتى إذا اقتضى الأمر تهديم أحياء بأكملها، أو إلحاق أضرار جسيمة بالمساجد والكنائس. أمّا من حيث المضمون، فقد كانت المعركة أعمق، وأوسع نطاقاً؛ لأنها، بحسب البريطاني باتريك سيل، كانت ‘الفصل الأخير في صراع طويل مفتوح’، وهذا يفسّر الوحشية الرهيبة للعقاب الذي فُرض على المدينة. فوراء النزاع المباشر كانت تكمن العداءات القديمة متعددة المستويات بين الإسلام والبعث، والسنّة والعلويين، والريف والمدينة’. وبالطبع تغاضى سيل، صديق النظام، عن طبائع أخرى كامنة في بنية الاستبداد والفساد والتجنيد الطائفي والحكم العائلي التوريثي.

بيد أنّ عروة وثقى ثانية تحيل حرب البراميل الراهنة إلى سياقات سابقة، إذْ كيف لا يذهب المرء إلى الذكرى التاسعة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري؛ تلك العملية التي نُفّذت في حينها على خلفية متماثلة تخصّ ضائقة النظام، وإنْ كانت أقلّ مسّاً بمصائره الوجودية. القتيل، للتذكير، كان قد تحوّل إلى الشخصية الأهمّ في المعارضة اللبنانية لهيمنة النظام، الأمنية والعسكرية والسياسية، على معادلات لبنان؛ وباتت أوراق القوّة العديدة، المحلية والإقليمية والدولية، التي استجمعها تدريجياً، بمثابة عوامل ضغط شديد على الأسد وحلفائه اللبنانيين.

والأرجح أنّ ‘الدماغ’، الذي خطّط لعملية الاغتيال، زانَ كفّتَيْ الربح والخسارة على النحو التالي: إذا كان وجود النظام السوري في لبنان سوف يتقلّص أو يضعف،أو ينتهي بانسحاب تامّ ذات يوم؛ فإنّ الوجود السياسي ينبغي أن لا ينحطّ إلى درجة تضع سورية على هامش المسألة اللبنانية، فتخسر دمشق آخر ما تملك من أوراق قوّة. المطلوب، إذاً، إزاحة هذا الرجل عن المشهد، ومن الخير أن تتمّ الإزاحة بطريقة توجّه الرسالة القوية التي تقول ببساطة رهيبة: نحن استقرار لبنان، ولا استقرار في لبنان دون هيمنتنا!

اليأس، دافع الظهر إلى الجدار، والباعث على السلوك الانتحاري، كان خيط ارتباط النظام السوري باغتيال الحريري؛ خاصة وأنّ الأسد الوريث، المريض بعُصاب ‘المقاومة’ و’الممانعة’، وجد نظامه في خطّ الدفاع الأخير، ولم يتبقّ لديه ما يخسره أكثر، أو لم يعد لديه ما يكسبه إلا عن طريق المقامرة القصوى. ساعة اغتيال الحريري كان مطلوباً من الأسد أن يضبط الحدود مع العراق، ويجمّد نشاطات قيادات ‘حماس والمنظمات الفلسطينية المقيمة في سورية، ويهدىء ‘حزب الله’ اللبناني على الجبهة مع إسرائيل ويضبط صلاته بإيران وشيعة العراق أيضاً، ويضغط على الفصائل الفلسطينية الموالية كي تقبل ما يقترحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من هدنة مع الإسرائيليين… كلّ هذا كان كثيراً على نظام ظلّ يلبّي هنا وينحني هناك ويخدم ذات اليمين وذات الشمال، فلا يلقى من واشنطن جزاءً وفاقاً أو مثوبة أو حتى ترضية بسيطة!

مهدي دخل الله، وزير إعلام الأسد آنذاك، قدّم خدمة ثمينة لكلّ حائر في أمر العروة الوثقى التي تربط النظام باغتيال الحريري: ‘هذه الفوضى الأمنية في لبنان سببها انسحاب الجيش السوري من أكثر من منطقة في لبنان وكذلك الانسحاب الأمني السوري’؛ وأيضاً: ‘استقرار لبنان الأمني مهدد فعلاً حالياً’، و’من يريد انسحاب الجيش السوري بشكل كامل من لبنان عليه أن يعزز استقرار لبنان ككل’. في شرح أبسط لهذه التصريحات الميلودرامية، ثمة رسالة مفضوحة: تريدون منّا الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي 1559، بحيث ينتهي إلى انسحاب قوّاتنا من لبنان؟ سنفعل… ولكن بعد أن نعيد لبنان إلى حال أسوأ ممّا كانت عليه حين دخلناه سنة 1976، وبعد أن نشعل فتنة تردّ البلد إلى أسوأ سنوات الحرب الأهلية!

هي، في تنويعات سورية، أشدّ وحشية وهمجية  و’بربرية’، لكي يرضى جون كيري!  مضامين الشعار الأشهر الذي اعتنقه النظام منذ تظاهرة الحريقة، في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات، وحتى اليوم: ‘الأسد، أو نحرق البلد!’. هذا بافتراض أنّ التاريخ سوف يتسامح مع هذا العصاب، القاصر أنّى ذهبت أقاصيه الهمجية الوحشية، الآيل حتماً إلى سقوط واندحار واندثار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قبل العودة إلى جنيف

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 7/2/2014

اختلفت رؤى السوريين حول ما تم إنجازه في الجولة الأولى من المفاوضات بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، بعضهم رأى جلوس الوفدين متحاورين إنجازاً بحد ذاته، وآخرون رأوا إنجازاً أن يوافق النظام على وثيقة جنيف 1 ثم يكشف تهربه من استحقاقاتها، ويشيد كثير من أنصار الثورة السورية بخطاب رئيس الائتلاف الذي نجح مدخله الإنساني في روايته المثيرة لقصص قتل الأطفال وهم في الطريق إلى مدارسهم فقد هز الضمائر التي تبلدت، كما يشير المراقبون إلى أن الجولة الأولى أعطت انطباعات جيدة عن أداء وفد المعارضة، وعن حسن تمسكه بالموضوع الرئيس في المفاوضات، ودعوته الصريحة إلى التمسك بمبادئ جنيف 1 وعدم الضياع في متاهات التفاصيل التي تجاهلت القضية الأم، وحاولت تحويل المؤتمر من كونه بحثاً عن حل سياسي للقضية السورية بشموليتها وبكونها ثورة شعب ضد الاستبداد، إلى مؤتمر لمكافحة الإرهاب.

كما أن من الإيجابيات تحسن صورة المعارضة دولياً بعدما تشوهت بفعل الانشقاقات والتجاذبات التي أضعفتها، وكان قبولها بالتفاوض تعبيراً عن حسن استجابتها لقرارات مجلس الأمن، ولرغبة المجتمع الدولي، وإقراراً واضحاً بأنها معارضة سياسية تهدف إلى السلمية، وأن جرها إلى القتال كان إرغاماً حين سدت في وجهها السبل وبات الشعب مضطراً إلى الدفاع عن نفسه بعد أن أصر النظام على القمع الدموي وما سماه الحل الأمني.

ولم يغب عن المجتمع الدولي عامة أن المعارضة السياسية تقف ضد الفصائل المتطرفة التي باتت إرهابية حقاً، وقد كشفت الأحداث التي سبقت المؤتمر أن "داعش" مثلاً تحارب الجيش الحر، وأنها مطمئنة آمنة من جانب النظام، وهي التي تزوده بالنفط من الحقول التي تسيطر عليها، وهو يهادنها ما دامت تحارب الجيش الحر، وتقتل وتسفك باسم الدين. وقد بات كثير من المراقبين يرون أن "داعش" هي مجرد جناح عسكري آخر مثله مثل "حزب الله"، وهما يستخدمان الرايات الدينية وإن اختلفت مذاهبها لمجابهة الثورة وتقديم صورة بشعة عن البديل الذي يقدم على أنه هو البديل القادم الأشد فظاعة وقسوة. وقد نجحت "داعش" في البداية في جعل فئات من الشعب تترحم على القاتل الأول أمام بشاعة الثاني على رغم أن الجريمة في النهاية واحدة، فالشعب يموت بالعشرات يومياً إن لم يكن بالمئات.

وكان من إيجابيات المؤتمر افتضاح فشل المجتمع الدولي برمته في إنهاء حصار الموت جوعاً على عدة مناطق محاصرة في سوريا، وكان عجيباً ذاك الإصرار على القتل جوعاً أمام البشرية كلها. كما أن تصعيد القصف بالبراميل المتفجرة عشوائياً على حلب وريفها في ذات أيام التفاوض نسف مصداقية التوجه إلى الحل السلمي، وجعل المراقبين الحياديين تقنياً يشعرون بحالة من الخزي الداخلي أمام أنفسهم ولاسيما أن أكثرية الضحايا تحت الأنقاض كانت من الأطفال، وقد جاء نشر آلاف الصور عن ضحايا التعذيب وقد ظهرت مع فترة المؤتمر فضيحة للإنسانية جمعاء.

وربما كان من محاسن المؤتمر كذلك أن المعارضة عبرت دولياً عن مطالب الشعب وتمسكت بمطالبها بفك الحصار وإطلاق سراح مئات الآلاف من المعتقلين وبإنهاء القتل تحت التعذيب، وإنهاء القصف اليومي للمدن والأرياف، وبعودة المهجرين، وبحل سياسي يفضي إلى آمال الشعب كله بالحرية والكرامة والديمقراطية، بينما كان الوفد الرسمي يمثل شخصاً ويبحث عن مبررات لشرعنة قتل الشعب بذريعة كونه شعباً إرهابياً وخائناً.

وربما كان من الإيجابيات السياسية ذاك التحول التدريجي في موقف موسكو التي بدأت تقول إنها وسط بين الطرفين، ولم تعد تقدم نفسها إعلامياً على أنها الحامية المتشددة والمحاربة العلنية للشعب السوري، وبدت تفسيراتها لمبادرتها بجنيف 1 مضطربة ومترددة حول ماهية الهيئة الانتقالية، وقد التقطت المعارضة هذه اللحظة التحولية الخافتة وأجرت مباحثات في موسكو بدت إيجابية على صعيد الشكل فقط، ومن الممكن أن ترتقي بالتدريج على صعيد المضمون.

وعلى الجانب الآخر من الرؤى حول المؤتمر تبدو النتائج العملية غير ذات شأن، فبعض المحللين يرون أن المؤتمر لم يقدم شيئاً، وأن وفد النظام نجح في التهرب من مواجهة الأسئلة الكبرى عبر ما يتفوق فيه مما يسمى فن التعمية والسفسطة، وكان المؤتمر فرصة لأعضاء الوفد للتنافس في تقديم الولاء الشخصي.

وعلى الصعيد الدولي بدا موقف الولايات المتحدة بارداً أكثر من برودة الطقس في سويسرا، وقد استمعت إلى رسالة السفير الأميركي للشعب السوري فوجدتها نوعاً من فض العتب، والرجل يعبر عن موقف بلاده التي بدأ بعض السوريين يظنون أنها تتريث وتنتظر أن يتهدم كل شيء في سوريا كيما تتدخل بقوة سياسية، وأنا أرجو ألا يكون هناك حل عسكري يزيد الطين بلة كما يقال، ولكنني أرجو إيجاد حل سياسي صارم قبل تحول سوريا إلى مقبرة جماعية للسوريين.

وإزاء الإخفاق الكبير في مفاوضات الجولة الأولى بدأ بعض السوريين يعتقدون أن الحوار العلني في جنيف هو للتصدير الإعلامي ولترضية الضمائر التي تشعر في أوروبا وفي العالم كله بأن الصمت والإهمال بات محرجاً (ولاسيما بعد أن عبر الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه مرات ومرات!)، ولكن الاتفاقات السرية ربما تحدث في مكان آخر، ومن يعتقدون بذلك هم الذين لا يصدقون ما يحدث من عبثية أمام الموت اليومي الذي يحصد الناس بمئات الآلاف، والفاجعة السورية تتفاقم إلى حد ضاقت به دول العالم، وبات النزوح السوري أكبر من أن تتحمله الدول البعيدة فضلاً عن المجاورة، وباتت قضية أطفال سوريا المحرومين من المدارس تثير اهتماماً دولياً، فثمة جيل بالملايين سيواجه المستقبل محروماً من التعليم، محروماً من بيئة أسرية (وقد تشتت الأهل، عدا من قتلوا أو اعتقلوا أو فقدوا) وهؤلاء قد لا يجدون عملاً في المستقبل سوى الانضمام إلى منظمات انتقامية سيسمونها ثورية ولكن العالم سيسميها إرهابية. ولنا أن نذكر أن إهمال المجتمع الدولي لقضية الفلسطينيين ثلاثة عقود من الزمن بعد نكبة 48، فاجأت العالم في السبعينيات بجيل فلسطيني أقلق العالم وأجبره على أن تصير قضية فلسطين محور كل لقاءسياسي دولي.

إنني على رغم الأسى الفاجع والمرارة القاسية سأبقى متفائلاً بتقدم أفضل في الجولة الثانية من حوار جنيف2، وأرى أن تشارك طهران إذا ما وافقت على مبادئ جنيف 1، فالسياسة فن الممكن والمتاح، وعلينا أن نطمئن من يخشى التغيير أننا نطالب بحرية وكرامة ولا نطالب بحروب وانتقام، وأن حلول العدالة الانتقالية هي التي تعالج المشكلات الناجمة. والهدف الأهم أن يتوقف شلال الدم على الجانبين في أسرع وقت، ولست أطلب أن تستمر الثورة إلى آخر طفل سوري، فتنجح العملية وتموت سوريا، لابد من إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن هذا يتطلب أن يتكافأ المتفاوضان في الولاء لسوريا أولاً وللشعب وحده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على أبواب الجولة الثانية...

علي العبدالله

الحياة

الجمعة 7/2/2014

من الطبيعي ان تكون الفترة الفاصلة بين اختتام جلسات الجولة الأولى ل "جنيف2 " وانطلاق الجولة الثانية فترة تحرك نشط لطرفي الصراع والدول الراعية لتقويم الجولة الاولى ولاستكشاف أفق المستقبل وما اذا كانت ثمة تطورات او تغيرات في المواقف المحلية والإقليمية والدولية. فقد شهد مؤتمر الامن الاوروبي في ميونيخ عشرات اللقاءات الثنائية والمتعددة، ناهيك عن الندوات على هامشه، لبحث نتائج "جنيف2" واحتمالات حل الصراع، كما شهدت الفترة تحركات لوفد الائتلاف وبخاصة زيارته الى روسيا واجتماعه مع وزير خارجيتها ومساعديه.

ولعل اهم ما تم في هذه الفترة لقاء بيرن الذي ضم، وفق ما سرب، روسيا وإيران والائتلاف السوري، ومشاركة اميركية غير رسمية وفق قول نُسب الى السفير الاميركي روبرت فورد.

اتفقت التقديرات على تواضع نتائج الجولة الأولى من "جنيف 2" حيث لم تحقق نتائج ملموسة، لا في الميدان الإنساني ولا في إقامة الهيئة الحاكمة الكاملة الصلاحيات التي ستدير المرحلة الانتقالية، واعتبرت إنجازها الوحيد حصولها وعدم انسحاب أي من طرفي الصراع، واتفاقهما على مرجعية بيان "جنيف1"، مع تباين في رؤيتهما بخصوص أولويات المفاوضات.

لقد اعتبر عقده انجازاً هاماً لأنه كرس خيار الحل السياسي من دون النظر الى المعطيات الميدانية حيث واصل النظام عملياته العسكرية وتوسع في استخدام البراميل المتفجرة للإجهاز على ما تبقى من أحياء وبلدات ومواطنين. صحيح ان جلسات الجولة الأولى لم تكن مثمرة، فالفجوة بين وفدي النظام والائتلاف واسعة. فالأول لم يأت ليفاوض بل ليستنزف خصومه ويمنح قواته مزيداً من الوقت للقضاء على المقاتلين وتدمير ما بقي من البيئة الحاضنة للثورة لإحراج الائتلاف ودفعه الى الانسحاب، أو لتحقيق حسم عسكري وإنهاء مبرر التفاوض. لكن الاهم هو الموقف السلبي الذي اتخذته الدولتان الراعيتان، بخاصة الجانب الروسي الذي غادر وفده جنيف بعد انتهاء جلسة الافتتاح وترك موظفين من الدرجة الثالثة لمتابعة الجلسات، حيث لم يُبذل جهد مناسب لدفع الطرفين المتفاوضين الى تحقيق إنجاز على صعيد الميدان الانساني ووقف القتال، كما لم يضغطا على النظام لوقف القصف بالبراميل المتفجرة. وقد برر البعض هذا الموقف السلبي بوجود قناة تفاوض موازية هي الأساس، في اشارة الى ما أشيع عن لقاء تم في العاصمة السويسرية بيرن، ومفاوضات جنيف "الشكل الخارجي" للتفاوض.

فهل تريد موسكو الإبقاء على استعصاء مفاوضات جنيف بينما هي تفاوض الائتلاف سراً على مصالحها في سورية؟ لقد سُربت قائمة مطالب موسكو في لقاء بيرن كثمن لتنفيذ بيان "جنيف1" جاء فيها: الالتزام ببقاء القاعدة الروسية في طرطوس، وبعقود النفط والعقود العسكرية والاتفاقات والمعاهدات السياسية بين البلدين، وبالديون الروسية على النظام بما في ذلك ثمن الاسلحة التي سلّمت اليه أخيراً، وإعطاء الروس حصة 50الجمعة 7/2/20141 من أعضاء مجلس الامن القومي السوري الذي سيتشكل في اطار الحل. وتأكد توجه موسكو السلبي من المفاوضات في تحفظها على مناقشة قضية الوضع الانساني في سورية في مجلس الامن الدولي وتهوينها من عدم التزام النظام بالجدول الزمني لتسليم الاسلحة الكيماوية.

فالحرص على نجاح المفاوضات وبلوغ حل سياسي تنفيذاً ل جنيف1 واستثمار انجاز إطلاق المفاوضات، تستدعي فتح ممرات للتقدم وأولها وقف القتال ورفع الحصار عن المدن والبلدات والقرى وإدخال المواد الغذائية والأدوية، فما جدوى جلسات التفاوض ما لم يُشع النظام مناخاً ايجابياً للبدء بتنفيذ بنود السيد كوفي انان الستة فيبعث الامل في نفوس المواطنين.

لن تكون المفاوضات سهلة، فكل التقديرات تشير الى مفاوضات صعبة وطويلة مع عدم استبعاد الفشل في ضوء موقف النظام الرافض لأي تخلٍ عن السلطة بالقبول بإقامة هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات، والصراعات الاقليمية والدولية على سورية، وهذا يستدعي التوجه الى مجلس الامن لإصدار قرار لوقف اطلاق النار وفتح ممرات آمنة لإدخال الاغذية والأدوية وإعادة الكهرباء والماء الى كل المناطق، وإخراج المقاتلين الأجانب، كل المقاتلين الأجانب، كي يُفتح الطريق امام التفاوض ويصبح بلوغ اتفاق سياسي في متناول اليد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي شخصي حول مؤتمر جنيف 2

09.02.2014

د. محمد أحمد الزعبي

من الدكتور محمد أحمد الزعبي إلى : الأخ الأستاذ أحمد عاصي الجربا رئيس الائتلاف الوطني السوري المحترم ، الإخوة في قيادة الائتلاف المحترمون ، بعد التحية ، أستميحكم عذراً في إبداء رأيي الشخصي حول مؤتمر جنيف 2 كمواطن عربي سوري ، والذي هو التالي :

لا أعتقد أنه من الحكمة ، أن تستمر المعارضة السورية في التفاوض مع نظام بشار الأسد في جنيف أو في غيرها بصورة مجانية ، أي :

1. مع استمرار طيرانه بقتل أهلنا الآمنين المسالمين في بيوتهم ، وتدميرها بالبراميل المتفجرة فوق رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ ،

2. مع استمرار محاصرته عدداً من المدن والقرى ، والقضاء المتعمد على كل من فيها جوعاً وعطشاً ومرضاً ، وقتلاً بصواريخ سكود وباهاونات ،

3. مع استمرار قصفه المستشفيات الميدانية ، وتدميرها فوق رؤوس كل من المرضى والأطباء والمسعفين

4. مع استمرار تهجيره لملايين السورين سواء داخل حدود سوريا أو خارجها ،ولأسباب غير وطنية وغير قومية وغير أخلاقية ، بل لأسباب مشبوهة لم تعد خافية على أحد

أعرف نوع ومقدار الضغوط العربية والإقليمية والدولية التي تمارس عليكم لحضور هذا المؤتمر ، ولكني أعرف أيضاً ، أن الورقة الوحيدة التي بيد المعارضة السورية هي هذه ال"لا" التي سوف تحرج الجميع ، وتضعهم أمام الحقيقة التالية : + إما أنكم تريدون ولكنكم عاجزون ، + وإما أنكم لستم عاجزين ولكنكم لاتريدون .

وتنتهي المعارضة السورية بهذا من " لعبة " ( أصدقاء الشعب السوري !! ) ، وتنتقل إلى مرحلة " مالنا غيرك يا الله " ، أي مرحلة الاعتماد على الذات ، وتحول سورية إلى جزائر ثانية ، أي إلى بلد المليون شهيد . هذا مع العلم أن مثل هذه النتيجة ، سوف تكون خارجة عن يد الائتلاف والمجلس و هيئة التنسيق وكافة ذوي الياقات البيضاء من المقيمين في الداخل أو الخارج ، وسوف تحرج العدو والصديق في آن واحد ، والله أعلم .

‏السبت 08 شباط 2014

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com