العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15/12/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أيها الطفل السوري... أيتها المعنّفة... أيها المعاق... عذراً

د. محمود نديم نحاس

مرّت بنا للتو ثلاثة أيام احتفل بها العالم كله. فيوم الطفل العالمي في الخامس من نوفمبر، واليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من نوفمبر، واليوم العالمي للمعاقين في الثالث من ديسمبر. لكن سوريا الجريحة كانت لها طريقتها الخاصة بالاحتفال بهذه الأيام.

ربما الهدف من يوم الطفل أن نشعر الأطفال بأنهم يحتلون موقعاً مهماً في حياتنا، وأنهم، وأنهم... لكن هل سيصدقنا أطفال سوريا الذين مرَّت عليهم المناسبة وهم محاصرون جائعون في مدنهم، أو نازحون من ديارهم، في المخيمات، أو في العراء، أو متفرقون في القارات الست؟ وهل نستطيع أن ندبّج الخطب والمقالات لنبيعهم الكلام، وهم لا يجدون ما يأكلون؟ وكيف نقول لهم نحن نهتم بكم وقد رأوا قتل ذويهم بأعينهم، أو حضروا اغتصاب محارمهم وهم يشهدون، أو تهدمت بيوتهم فوق رؤوسهم بعد أن كانوا آمنين، أو تم تغييب آبائهم وأصدقائهم خلف القضبان؟ والإحصائيات تقول إنه منذ بداية الثورة يُقتل طفل كل ثلاث ساعات. ثم ها هو البرد القارس يدهمهم، فقد هربوا من بيوتهم وهم لا يحملون إلا القليل من لباسهم ومتاعهم. ومازالت وسائل الإعلام تردد: العالم كله معكم، لكن جرائم كبرى مثل إحراقهم بالسلاح الكيماوي لم تستجلب سوى إدانة!.

مئات الآلاف من الأطفال النازحين فقدوا فرص التعليم ووجدوا أنفسهم أمام مسؤولية العمل لإعالة أسرهم في ظروف خطرة واستغلالية. وأطفال يولدون نازحين فلا يحصلون على شهادات ميلاد تثبت هوياتهم.

انتابني شعور غريب وأنا أقرأ لكاتب سويدي يسأل: ما الدافع ليقوم أطفال في السويد ببيع ملابسهم وألعابهم والتعاون مع آبائهم وأمهاتهم لطبخ وجبات طعام وبيعها في الأسواق العامة والشوارع وتخصيص ريعها للأطفال السوريين؟ وما الدافع كي تتبارى المدارس الابتدائية بالتبرعات للأطفال السوريين؟ وما الدافع ليخرج الأطفال إلى الشوارع وهم يحملون صناديق خاصة ويحثون المارة على التبرع للأطفال السوريين؟

أما يوم مناهضة العنف ضد المرأة فهل تحتفل فيه السوريات بإعلان مقتل أكثر من اثني عشر ألف من النساء (قتلاً مباشراً أو تعذيباً حتى الموت أو من جراء القصف العشوائي)؟ أم يحتفلن باغتصاب أكثر من ثمانية آلاف امرأة، سواء في مداهمات قوات الأمن لبيوتهن أو في المعتقلات. وهذا الرقم هو الحد الأدنى لأن قضايا الشرف تمنع كثيرات من البوح بأنهن تعرضن للاغتصاب. أم يحتفلن بفقدان المعيل في ظروف حياة قاسية حيث بلغ عدد النازحات في الداخل أكثر من مليوني امرأة يفترشن الأرض ويلتحفن السماء، وعدد اللاجئات أكثر من مليون امرأة خارج الحدود، حيث يشكل العنف الجنسي وفقدان المعيل السبب الرئيسي لنزوحهن؟ أم يحتفلن باعتقال أكثر من خمسة آلاف امرأة واختطاف أخريات للضغط على أقربائهن من أجل تسليم أنفسهم تحت التهديد باغتصاب المختطفات أو تعذيبهن؟ أم يحتفلن باستخدامهن كدروع بشرية لتنفيذ عمليات اقتحام المنازل أو للهروب من نيران الاشتباكات؟ أم يحتفلن بحالات التحرش بهن في بعض دول اللجوء؟ أليست هذه جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب؟

أما أنتم أيها المعاقون الذي جاء اليوم العالمي للمعاقين ليعزز فهم القضايا المرتبطة بكم، وليحشد الدعم لكرامتكم ورفاهكم، وليؤسس لتدابير تحسن من حالتكم، وتوفر فرص التكافؤ لكم، فأقول لكم أبشروا فإن أعدادكم بين السوريين ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً من جراء القصف العشوائي للمدن والقرى السورية، ومن خلال منع الإسعاف عن المصابين، ومن خلال ضرب المستشفيات الميدانية، ومن خلال منع المنظمات الإنسانية من تقديم خدماتها العاجلة، فيضطر الأطباء إلى بتر الأعضاء بعد أن تتعفن بسبب وصول المصابين متأخرين إلى المستشفيات الميدانية أو خارج الحدود. فالمؤسسات الدولية تقدر حالات الإعاقة الدائمة بأكثر من 270 ألف منذ انطلاق الثورة، من بينها بتر الأطراف، والتشوهات الخطرة، والشلل، وتعطّل الوظائف الحيوية، والإصابات الدماغية. ويتساءل أحد المعوقين: إذا كان العالم غير قادر على وقف المجازر بحق الشعب السوري، أفلا توجد منظمة قادرة على تقديم أطراف اصطناعية ومساعدات طبية ومالية للمعوقين؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الظاهر والمخفي في عدد قتلى حزب الله في سوريا

بدرالدين حسن قربي

أعلن حسن نصرالله أمين عام حزب الله اللبناني في مقابلته الأخيرة على قناة OTV التابعة للتيار الوطني الحر، في الثالث من كانون أول/ديسمبر 2013، أنه من أول الأحداث في سوريا الى الآن لم يصل عدد قتلى حزبه إلى رقم 250 ، وهي أقل مما كنا نتوقع.  ورغم أنه حاول مغالطة مستمعيه على طريقته فيما تكلم، ولكن هناك على مقالته مقالات:

أولها: عندما أشار للرقم بقوله من أول الأحداث، فهذا يعني أن مشاركة جماعته لعصابة النظام في القتل والتشبيح كانت من بداية الأحداث وهي ماكانوا ينفونه باستمرار، وأنها لم تكن متأخرة إلى الوقت الذي ابتدأت فيه معارك القصير عندما أعلنوا عن عبورهم الحدود ومشاركتهم فيها

ثانيها: بيانات حزبه الرسمية في نعي قتلاهم تشير إحصائياً إلى 272 قتيلاً حتى تاريخ المقابلة، وهو عدد يتجاوز ماذكره حسن نصرالله على الأقل.

ثالثها: إعلان موقع كلنا شركاء الإلكتروني ( http://www.all4syria.info/Archive/117271 ) منذ يومين تمكّنه من توثيق صور لحوالي 1000 قتيل من حزب الله قُتلوا في مناطق مختلفة من سورية وبينهم عشرات من القادة الميدانيين الفاعلين في الحزب، وَعَدَ الموقع بنشرهم على عشر حلقات تباعاًلكشف كذب إعلانات الحزب عن حجم قتلاه، وتغيير اتجاهه بذهابه إلى المدن السورية بدلاً عن إسرائيل التي يدّعي مقاومتها.

رابعها: إذا كان عدد القتلى الحزب اللاوية قرابة الألف، فإن هناك عدد مصابين بالآلاف باعتبار أن معدل الجرحى عادة مايكون أربعة أضعاف إلى خمسة لكل قتيل، يكون فيهم نسبة غير قليلة من الإصابات الخطيرة والإعاقات ممّا لم يعلنوا عنهم.

خامسها: مكان قتلى الحزب اللاوي وجرحاه بمئاته وآلافه واتساع رقعته الممتدّة من حلب شمالاً إلى درعا جنوباً مروراً بالقصير والقلمون والنبك ودمشق والغوطة، وعبورهم في الداخل السوري مئات الكيلومترات ليمارسوا أعمال القتل المتوحش، مما كان بعضه ذبحاً بالسكاكين وتقطعياً بالسواطير وحرقاً بالنار، فهو تأكيد واضح على عدوانهم وعدوانيّتهم التي تمنح السوريين حق الدفاع المشروع عن أنفسهم في وجه هذه الهمجية، وأن دخولهم جريمة وإجرام مهما كانت الأسباب التي تستروا بها.

وأخيراً،وهو المهمّوالأهم: هل ينفع تدخل الميليشيات الحزب اللاوية بما فيها أيضاً الإيرانية والعراقية وغيرها في إنقاذ نظام مستبد فاسد قاتل انتهى من الأيام الأولى لخروج مئات الألوف من السوريين محطّمين جدران الخوف، ومكسّرين تماثيل الرعب في ساحات المدن وشوارعها منادين بسقوط الأسد وعصابته، أم أن المسألة عندهم هي إشاعة القتل والدمار إنفاذاً لمضمون إنذارهم، الأسد أو حرق البلد، لجعل فاتورة سقوطه على السوريين وقد حزموا أمرهم برحيله والخلاص كبيرة جداً..!؟ أياً كانت الإجابة، فالسورييون قالوا كلمتهم برحيل الأسد وعصابته، وحسموا قرارهم، وكان أمراً مقضياً.  وإنه لممّا لاشك فيه أن لعنة دماء السوريين ستلاحق هذه الميليشيات وقياداتها أياً كانوا، وتكون وبالاً عليهم، فلكل ظالم يوم ولكل مجرم أجل، وساعة الحساب آتية، وويل يؤمئذٍ للمجرمين.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تعالوا إلى جنيف لإنقاذ سوريا: إمكانية نجاح المؤتمر بعد تجاوز الصعاب

د.عبد الحميد صيام

القدس العربي

الجمعة 6/12/2013

جنيف 2 على الأبواب. الأمم المتحدة تحضر للمؤتمر بكل دقة وحذر. الدولتان الراعيتان للمؤتمر، روسيا والولايات المتحدة، تحاولان التوصل إلى اتفاق قبل الاجتماع حول قائمة المشاركين في المؤتمر وحول مستقبل سوريا بعد المؤتمر ولا تريدان للمؤتمر أن يفشل لأن اللوم سيقع عليهما حتى لو لم يكونا يقصدان ذلك. النظام يؤكد أن الأسد باق ولن يلتزم بأية نتيجة إذا لم يوافق عليها الرئيس. أما المعارضة فما زالت منقسمة بين مقاطع للمؤتمر ومشارك بشروط مسبقة أهمها ضمان ألا يكون هناك مكان لنظام الأسد بعد المؤتمر. رغم الصعوبات الجمة فإننا نتمنى على كل الحريصين على سوريا الوطن والشعب والتاريخ والحضارة والمستقبل والعمل على إنقاذ ما تبقى من حبيبتنا سوريا وشامة عروبتنا دمشق ‘فالماء يبدأ من دمشق …والعشق يبدأ من دمشق… والدهر يبدأ من دمشق وعندها وبأرضها تتشكل الأحقاب’.

لقد وصلت الحرب الأهلية داخل سوريا أو الحرب بالوكالة/ سمها ما شئت، وبعد أكثر من 33 شهرا إلى نقطة التوازن، بحيث لم يعد الحسم العسكري ممكنا ولم يبق أمامهما إلا الجلوس الى طاولة المفاوضات والاستعداد لتقديم تنازلات مهمة للخروج من الأزمة القاتلة التي دمرت البنية الأساسية للدولة السورية ومزقت نسيج المجتمع السوري وشردت ثلثه خارجيا أو داخليا وأودت بحياة الآلاف وألحقت الأذى بالموروث الحضاري العظيم لبلد يعتبر موطئ أول حضارة إنسانية بقيت متواصلة لم تنقطع عبر القرون. لهذا تستعد الدول الكبرى الآن لعقد مؤتمر ‘جنيف 2 استكمالا للقاء سابق في نفس المدينة عقد في 30 حزيران/يونيو 2012 صدر عنه إعلان جنيف لحل الأزمة السورية سياسيا. وقد شارك في اللقاء الأول الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر والعراق وغابت عنه كل من إيران والسعودية ومصر. في هذه المرة نعتقد أن الجميع سيكون حاضرا في اللقاء لأن غياب بعض الدول أخطر من حضورها وإبقاء بعض اللاعبين المهمين خارج الملعب قد يؤثر على قواعد اللعبة كلها. كما نتوقع أن تكون نقطة انطلاق جنيف 2 من آخر ما توصل إليه لقاء جنيف 1 أي موضوع وقف إطلاق النار والسماح لمنظمات الإغاثة بالوصول إلى كافة أرجاء سوريا وإطلاق سراح المعتقلين وعددهم بالآلاف ومن ثم الاتفاق على ولوج المرحلة الانتقالية بقيام حكومة ذات صلاحيات فعلية تنقل البلاد إلى مرحلة الاستقرار والإعمار والبناء وتشييد نظام سياسي تمثيلي تعددي يعكس نسيج سوريا الاجتماعي ذا الألوان المختلفة والأطياف المنوعة. ومع كل هذا التفاؤل إلا أن هناك من يشكك في إمكانية عقده في موعده المحدد، وإذا عقد فعلا فقد تشهد قاعة الاجتماعات انهيارا سريعا بسبب تعنت الأطراف وتمترسها خلف مواقفها الثابتة بدون تقديم تنازلات، كما أن خلافات قد تظهر بين أطياف المعارضة المشاركة فتنقسم في ما بينها مما يؤدي إلى انسحاب أطراف منها من جلسات المؤتمر، وفي حال تذليل كل تلك العقبات هل سيتمكن المؤتمر من الاتفاق على حل شامل وحقيقي يخرج سوريا الوطن والشعب من دوامة العنف والقتل والتدمير والتشريد والتجويع والتجاذب الطائفي؟ هذه أسئلة ما زالت قيد البحث والتمحيص، خاصة من قبل اللاعبين الأساسيين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي. لكننا نرى أن هناك أسبابا عديدة تشير إلى إمكانية نجاح المؤتمر.

مؤشرات النجاح

في كل القضايا التي تم توافق دولي حولها، خاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي انتهت إلى اتفاق يؤدي إلى حل النزاع. حدث هذا في البوسنة وكوسوفو وكمبوديا وناميبيا وسيراليون وليبيريا والكونغو وساحل العاج وليبيا ومالي وهايتي وغيرها. أما الصراعات التي لم يتبلور فيها الإجماع فما زالت قائمة كما هو الحال في فلسطين ودارفور وقبرص وكشمير وغيرها. فالاتفاق الحالي بين الدولتين يبدو جادا فعلا رغم بعض التصريحات المتناقضة. كما أن إدارة أوباما تراجعت عن دعم المعارضة بالسلاح والمال، يبدو أن إدارة بوتين أيضا لديها استعداد لإظهار المرونة في مواضيع شائكة مثل مصير بشار الأسد. تلاقت مصالح الطرفين أيضا في حرمان المتطرفين الإسلاميين أي نجاح أو نصر وهم يعلنون كل يوم عن تشكيل جبهة جديدة أو تحالف موسع أو إمارة إسلامية إضافية. وهذه المصلحة قد تشمل أيضا بعض أطراف المعارضة الوطنية والليبرالية من جهة وبعض أطراف النظام من جهة أخرى.

ومن المؤشرات الأخرى التي قد تدفع باتجاه نجاح المؤتمر مصلحة دول الجوار الأربع التي تحولت إلى مراكز تجميع للاجئين السوريين بشكل يفوق قدرات البلاد الاستيعابية، خاصة الأردن ولبنان. توقفت تركيا منذ زمن عن قبول مزيد من اللاجئين. لكن آثار الحرب السورية بدأت تعكس نفسها توترا ومصادمات وانقسامات حادة بين أطياف المجتمع الواحد والبيت الواحد، خاصة في لبنان حيث يشهد شبه مواجهات يومية خاصة بعد الاعتراف العلني بتورط عناصر من حزب الله في الصراع الداخلي في سوريا. إذن من مصلحة الدول المجاورة أن تسعى إلى التهدئة بعد الانعكاسات الحادة للأزمة السورية على الأوضاع الداخلية لكل هذه الدول.

بين السعودية وإيران

هناك طرفان قد يلعبان دورا مهما في نجاح المؤتمر وقد يلعب أحدهما أو كلاهما دورا تخريبيا يوصل المؤتمر إلى فشل مؤكد وهما السعودية وإيران.

الفيتو السعودي على مشاركة إيران، الذي تردده بعض فصائل المعارضة، لم يعد ممكنا بعد توقيع اتفاقية الأنشطة النووية بين إيران والدول الغربية يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وانفتاح إدارة حسن روحاني على العالم بما في ذلك منطقة الخليج. لقد كان أول الزائرين لإيران بعد الاتفاقية وزير خارجية الإمارات العربية الشيخ عبد الله بن زايد مما يعني أن إمكانية ضبط تحركات دول مجلس التعاون على النغمة السعودية لم يعد ممكنا. فكل دولة تنظر إلى العلاقات مع إيران من منظارها الأمني والسياسي والاقتصادي الخاص بها بدون تشبيك تلك المصلحة بموقف أصبح وحيدا في العراء. ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى الكويت فعُمان لتثبت هذا الانفلات بعيدا عن الرؤية السعودية حول الخطر الإيراني التي لا تتماهى إلا مع الرؤية الإسرائيلية. لقد كان الترحيب الكويتي بالمشاركة الإيرانية في مؤتمر جنيف واضحا لا لبس فيه. فإذا ما أضفنا إلى هذا التأييد كلا من المواقف القطرية والعمانية والإماراتية إذن لا تستطيع السعودية أن تدعي تمثيل مجلس التعاون الخليجي. فإذا أرادت أن تشارك في المؤتمر ممثلة لمجلس التعاون فعليها أن تتبنى موقفا وسطا مقبولا من كافة دول مجلس التعاون يرفع الحظر عن المشاركة الإيرانية.

كي لا يفشل المؤتمر

التعنت في المواقف هو ما قد يؤدي إما إلى عدم انعقاد المؤتمر أو فشله في حالة عقده. على النظام أولا أن يترجل عن ظهر الفرس ويعترف أنه لم يعد قادرا على حسم المعركة لصالحة حتى لو جاءت جيوش الملالي بنفسها للحرب إلى جانبه. فالمعادلة الدولية الآن لن تسمح له أبدا أن يخرج منتصرا على خصومه. إن وصف المعارضة السورية بأنها جماعة من الإرهابيين فقط لم تعد تقنع أحدا. إن الغالبية الساحقة من المعارضة السورية هم أبناء الوطن الغيورون على بلدهم وشعبهم وأن دخول مجموعات متطرفة تكفيرية من الخارج لا يعني أن المعارضة كلها كذلك. لقد آن الأوان لمصارحة مع الذات والاعتراف بأن هذا النظام بتشكيلته الأمنية لم يعد يعبرعن مصالح الغالبية الساحقة من أبناء الشعب السوري. ولو أتيحت الفرصة لانتخابات حقيقية فعلا ولو مرة واحدة لما بقيت عائلة الأسد في السلطة 42 سنة.

وعلى المعارضة الوطنية أيضا، على افتراض اتفاقها لحضور المؤتمر في وفد موحد، ألاّ تتسبب في فشل المؤتمر بوضع شروط تعجيزية مسبقة وهي التي فشلت في استقطاب الغالبية الساحقة من الجيش أو تحييده على الأقل كما ساهمت بسبب فرقتها وتشتتها في إغراق الساحة السوريا بالعديد من التيارات والمواقف والجماعات غير المعنية بسوريا ومستقبلها.

وكما أن هناك قوى ليس من مصلحتها هزيمة المعارضة هناك قوى أكثر تشبثا بالنظام وأكثر استعدادا لحمايته من نهاية مروعة كنهاية نظام القذافي. لقد وصلت الحرب شبه الأهلية إلى نقطة التوازن. فهذه فرصة يجب أن يغتنمها الطرفان وأن يشجعهما المجتمع الدولي ودول الجوار والدول المؤثرة على كل طرف من أجل نجاحها فالنار قد تصلي المنطقة بأسرها إن لم تتوقف هذه الحرب الظالمة والتي يتحمل النظام مسؤولية إشعالها وتتحمل دول عديدة مسؤولية إبقاء أوراها مشتعلا. نتمنى على الطرفين الأساسين أن يعطيا فرصة لنداء العقل وأن يسمحا للوسيطين أن يطفئا حرب داحس والغبراء بعد أن ‘تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم’ لأن الخاسر الأكبر سوريا والمنطقة وفلسطين والعرب عموما والمستفيد الأهم من كل ما يجري حصريا هي إسرائيل.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ألف يوم على الثورة السورية ـ1 : سفينة الثورة هل تستوي على الجودي .. تجري بنا أو نجري بها

14.12.2013

زهير سالم

لا يدري الإنسان كيف يقارب مشهد الثورة السورية  وهو يعد الخطوة الألف ، إذا اعتبرنا الأيام مثل خطوات ، على طريق الثورة الطويل . العبارة التقليدية التشجيعية تفتح لنا باب الأمل بالقول : طريق الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة ، والتزم الشعب السوري النصيحة فانطلق بالخطوة الأولى ، نرانا اليوم وبعد الألف ميل ما زلنا في معمعان الطريق !!!

 يلجأ الإنسان أحيانا للكتابة المؤملة المشجعة يخاطب شعبا كريما أعطى فما أكدى ، ليرفع الهمم ويشحذ العزائم ، ولكن لا يجوز أن تنسى أن من بعض واجب الكاتب أن ينير الدرب ، وأن يبصر بعقبات الطريق ، وأن يحذر من عثراته وسقطاته لئلا يصير الناس إلى دوامة تيه كتيه بني إسرائيل أربعين عاما . وألف يومنا في سورية اليوم لا منٌّ ولا سلوى ولكن قتل ودم وتدمير وتشريد ...

ألف يوم على الثورة السورية !!! إن تسألني أين نحن من الهدف ؟ سأجيبك على السؤال بسؤال أدق : أين نحن من الطريق ؟!  وبعد ألف يوم من السير لو كانت المحجة واضحة والسير قاصدا ، فما كان أولى بالسائر أن يبلغ هدفه . أو للرائد أن يحمد السرى لأهله..

وألف يوم على عمر هذه الثورة المباركة ...

 أعطى فيها هذا الشعب الكريم فما قصر ولا توانى ولا بخل . وأعطى من كل شيء ، واحتمل كل شيء . وتنازل عن كل دنياه ليسترجع إرث كرامة سلبه إياه الطغاة ، وتواطأ عليه فيه المتواطئون ؛  وليس لأحد إذ يراجع كلٌّ مواقفه وحساباته أن يعود على أهل درعا أو أهل السويدا أو أهل مشق أو أهل ريفها أو أهل القلمون أو أهل حمص أو أهل ريفها أو أهل حماة أو أهل حلب أو أهل ريفها أو أهل إدلب بسهلها وجبلها أو أهل الساحل أو الرقة أو دير الزور أو الحسكة أو القامشلي أو على أي أرض سورية عامرها وغامرها حاضرها وباديها بعائدة لوم أو اتهام ببخل أو تقصير ...

وألف يوم على هذه الثورة المباركة ..

والحق أحق أن يقال ، بعد أكثر الناس القول على إطلاق في رجالات الجيش العربي السوري سالفة العز والرجولة ..

ولقد انفرد من أبناء القوات المسلحة السورية عن طريقة قيادتها المستنكرة الآلاف بل عشراتها من الأبطال الشرفاء الغيورين من كل الرتب العسكرية ، في وقت كان فيه ما أعز وما أصعب الانفراد !! ولم يكن انفرادهم حين انفردوا ميسورا ، ولا فيئتهم إلى شعبهم حين فاؤوا إليه سهلة ، ولكن كل هذه الطاقات وكل هذه التضحيات لم تجد طريقها ،  لأسباب لا نريد الخوض في تقديرها ، إلى بيدر الثورة ولا إلى حصادها ..

وألف يوم على هذه الثورة المباركة ..

والأسئلة الكبرى ما تزال تدور: مَن ؟ ومن أين ؟ وإلى أين ؟ وكيف ؟

ألف يوم على الثورة المباركة ...

وبعض القوم الذين أسسوا مشروعهم على الوقوف بالأبواب ما زالوا في ريبهم يترددون ...

ألف يوم على الثورة المباركة ..

وساحتها  تعج بالتضحيات العظيمة ، والطاقات المضيعة ، والجهود والمبعثرة ، والسفينة تجري بأهلها في موج كالجبال بلا مجداف ولا شراع ولا ربان ..

فهل تستقر على الجودي بتقدير العزيز العليم كما استقرت بتقديره من قبل سفينة نوح عليه السلام ..

14/12/2013م

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

شارع الفساد العالمي: ذو اتجاهين.. يشتري الطاغية والمعارض

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 6/12/2013

جرياً على عادتها، في هذا التوقيت من كلّ عام، نشرت منظمة ‘الشفافية الدولية’Transparency International تقريرها السنوي عن مؤشرات الفساد والإفساد في العالم، والذي يرتّب الدول استناداً إلى درجة محدّدة من 100. الدول الخمس الأولى جاءت على النحو التالي: الدانمرك (91 درجة)، نيوزيلندا (91)، فنلندا (89)، السويد (89)، النروج (86). لافت، هنا، أنّ سنغافورة، الدولة الآسيوية، هي التي احتلت المرتبة السادسة؛ وسبقت، بالتالي، ديمقراطيات غربية عريقة، مثل ألمانيا (12: 78)، والمملكة المتحدة (14: 76)، والولايات المتحدة (19: 73)، وفرنسا (22: 71). لافت، كذلك، أنّ إسرائيل (‘واحة الديمقراطية’ الوحيدة في الشرق الأوسط، طبقاً للخطاب الغربي الشائع) جاءت في المرتبة 36، بـ 61 درجة؛ وسبقتها دولتان عربيتان، هما الإمارات العربية المتحدة (26: 69)، وقطر (28: 68).

مؤشرات العالم العربي الأخرى تعطي هذه الحصيلة، في المواقع الوسيطة من اللائحة: البحرين (57: 48)، عُمان (61: 47)، السعودية (63: 46)، الأردن (66: 45)، تونس (77: 41)،؛ أمّا في المواقع السفلى، فإنّ اللائحة تشير إلى التالي: مصر (114: 32)، لبنان (127: 28)، اليمن (167: 18)، سورية (168: 17)، العراق (171: 16)، ليبيا (172: 15)، السودان (174: 11). ملاحظ، بذلك، أنّ الفساد ما يزال يضرب أطنابه في دول ‘الربيع العربي’؛ وأنّ دولة العراق، التي تفاخر الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن بأنها، جرّاء الغزو العسكري الأمريكي، ستنقل ‘فيروس الديمقراطية’ إلى المنطقة بأسرها، ليست البتة في موقع تُحسد عليه. ولكي يبقى المرء في منطقة الشرق الأوسط، لافت أنّ ‘ديمقراطية مسلمة’ مثل تركيا، تأتي في موقع وسيط (53: 50)؛ مقابل ‘ديمقراطية مسلمة’ أخرى، لكنها ‘ممانعة’ هذه المرّة، تأتي في مراتب دنيا، مثل إيران (144: 25).

تقارير ‘الشفافية الدولية’ الأخرى، التي لا تقلّ أهمية ودلالة، هي تلك التي ترصد الدول الأكثر إفساداً، أي الأكثر سخاءً في منح الرشاوى للدول أو الجهات المتعاقدة أو الأفراد؛ واللائحة تتصدرها روسيا، ومجموعة الدول الآسيوية الأساسية (الصين، هونغ كونغ، ماليزيا، اليابان، تايوان، كوريا الجنوبية)؛ ثمّ معظم الديمقراطيات الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا…). ومن المثير أنّ حقول منح الرشوة تتركّز في قطاعات تنموية بالغة الحساسية، مثل الزراعة والصناعة الخفيفة والإنشاءات المدنية، أو في ميادين الصحة العامة والطبّ والصيدلة! وأمّا القطاعات الاجتماعية والسياسية والحقوقية الأكثر تأثراً بمؤشرات الإفساد (وليس الفساد وحده)، فإنها التالية: الأحزاب والقيادات السياسية (4 في المئة)، البرلمانات ومجالس التشريع (3,7)، الشرطة والجهاز القضائي (3,6)!

وفي حملاتها ضدّ الفساد والإفساد، تتكيء منظمة ‘الشفافية الدولية’ على ما يُعرف باسم ‘اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد’ UNCAC، والتي وقعت عليها 140 دولة من أصل 168 (ونعدّ، من العالم العربي: الجزائر، البحرين، مصر، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، ليبيا، موريتانيا، قطر، السعودية، سورية، الإمارات العربية المتحدة، واليمن). وترى المنظمة أن هذه الاتفاقية ‘أداة حاسمة للإصلاح السياسي في المنطقة، لكن بعض الدول تفقد هذه الفرصة السانحة’؛ متعامية ـ عن سابق حياء دبلوماسي أو سابق قصد، على الأرجح ـ أنّ معظم هذه الأنظمة لا تقتات على الفساد، فحسب؛ بل تديمه وتشيعه وتصونه وتنوّع أنساقه. ومع ذلك… لا بدّ للمنظمات الدولية من أن تعمل، أو توحي بأنها تعمل!

المنظمة غير حكومية، كما يتوجب الإيضاح، وتضع على عاتقها أمر إماطة اللثام عن مؤشرات الفساد والإفساد في العلاقات الاستثمارية والتعاقدية بين دولة ودولة، أو بين دولة وفرد، أو بين شركة عملاقة ودولة وفرد، أو بين هذه الأطراف جميعها حين تشترك في شبكة معقدة من الصلات والمصالح والمنافع المتبادلة. وهي تشدد على نوعين من الأولويات العامة، هما سهولة توفير المعلومة وشفافية الإنفاق، وعلى أولويات محددة بينها نظام قضائي حرّ لمعالجة الفساد، ومواثيق دولية، واهتمام بالتربية والتعليم. ‘لقد آن الأوان لإيقاف أولئك الذين يرتكبون أفعال الفساد ولا يقعون تحت طائلة القانون. الثغرات القانونية وانعدام الإرادة السياسية لدى الحكومات تسهّل الفساد، داخلياً كان أم عابراً للحدود، وتدعونا لبذل أقصى الجهود لمكافحة حصانة الفاسد’؛ تكتب الكندية هوغيت لابيل، رئيسة هيئة مديري ‘الشفافية الدولية’، في التوطئة لتقرير 2013.

لكنّ أماني لابيل، مثل تقارير منظمتها، تظلّ أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة! فالفساد (كما الإفساد) ليس شارعاً وحيد الاتجاه؛ وثمة الفاسد والمرتشي وقابض العمولات، وهنالك أيضاً وبالتساوي: المفسد والراشي ودافع العمولات. وتقارير المنظمة تسجّل هذه الحقيقة، بل هي تتكىء عليها بصفة أساسية حين تتحدّث عن العواقب البنيوية الوخيمة التي تلحق بالاقتصادات النامية جرّاء شيوع الفساد في أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالتنمية. والتقرير الرائد في هذا الصدد، الذي وضعه باولو ماورو في سنة 1995، أشار إلى أنّ الدول الأكثر فساداً تشهد القليل فالأقلّ من توجّه ناتجها القومي الإجمالي إلى الاستثمار، والقليل فالأقلّ من معدّلات النموّ. وهذه الدول تستثمر في قطاع التربية والتعليم أقلّ بكثير من استثمارها في قطاعات إنشائية، لأنّ هذه الأخيرة توفّر فرصة سمسرة لا توفّرها الاستثمارات الأولى.

وفي المقابل، ومنذ عام 1997، تشهد مؤسسات ودوائر وفروع ‘البنك الدولي’ و’صندوق النقد الدولي’ مراجعات جذرية تتناول مسائل الفساد والإفساد، تسفر أحياناً عن صياغات متسارعة وقرارات دراماتيكية بالغة الخطورة، تبدو إدارية تقنية من حيث الشكل، ولكنها من حيث المحتوى الأعمق تظلّ سياسية واقتصادية وفلسفية أيضاً. إنها، كما يُقال لنا، ‘حرب شعواء’ ضدّ الفساد المالي، أو ضدّ استشراء ‘سرطان الفساد’، ولم يعد في وسع المؤسستين اللتين تتحكمان في أموال العالم (والعالم الفقير، لمزيد من الدقة)، الصبر على هدر الأموال العامة، والرشوة، والاختلاس، وتخريب الاقتصادات الوطنية، وعرقلة ‘برامج التعديل الهيكلي’ SAP بوصفها ‘إنجيل الإصلاحات’ المقدّس في عرف خبراء المؤسستين.

لكننا نعرف أنه في جميع بلدان العالم (نعم: جميعها، بلا استثناء)، هنالك رجال يستمدون ألقابهم من النسبة المئوية التي يحصلون عليها لقاء توقيع، أو تسهيل إبرام، مختلف أنواع العقود مع مؤسسات استثمارية صغيرة أو كبيرة، محلية أو عابرة للقارات. هنالك ‘المستر 5 بالمئة’، أو ‘المستر 10، أو حتى ‘المستر 15. وكان التنظير الرأسمالي البراغماتي قد اعتبر، مراراً في الواقع، أن حصة هذا ‘المستر’ ليست جزءاً طبيعياً لا يتجزأ من كلفة التنفيذ، فحسب؛ بل هي حصة حيوية لا غنى عنها في سياق تذليل المصاعب البيروقراطية التي تعترض الإجراءات الإدارية على اختلاف مستوياتها، من توقيع العقود ذاتها وصولاً إلى الاستلام النهائي للمشروع والمصادقة على سلامة تنفيذه. بمعنى آخر، كان أصحاب هذا التنظير لا يرون غضاضة في تقديم الرشوة، ولا يخشون في ذلك أية عواقب قانونية أو سياسية أو أخلاقية.

أكثر من ذلك، مضى زمن غير بعيد (أواسط الثمانينيات في الواقع) كانت فيه دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل ‘هارفارد بزنس ريفيو’ تعتمد ما يشبه الفلسفة ‘الثقافية’، المستندة إلى مقاربة ‘أنثروبولوجية’ أيضاً، في تفسير شيوع الرشوة والفساد في بلدان العالم الثالث: هذه ‘مكوس لا تُدفع للفرد وحده، بل للقبيلة بأسرها؛ وثمة شبكة من المصالح المشتركة بين الأفراد والقبائل تستدعي تحصيل نصيب غير مباشر من الثروات، يُوزّع على أفراد القبيلة، أو يُصرف في تحسين سُبل عيشها داخل المؤسسة الأكبر للدولة. فما الذي جرى لكي تنقلب هذه الفلسفة بغتة؟ ولماذا يتمّ إعلان الانقلاب من منابر أعلى مؤسستين رأسماليتين في الكون بأسره؟

يقول المسؤولون: لأن المستر 5 أو 10 أو 15 بالمئة بات اليوم ‘المستر 30 بالمئة’ ليس أقلّ، وهذا أكثر بكثير مما يحتمله أي منطق اقتصادي في حساب الكلفة، لأنه ببساطة ثلث الميزانية في أي مشروع، من جهة؛ وهو معدّل سنوي عالمي يتراوح بين 500 و1000 مليار دولار، من جهة ثانية! وهكذا أعلنت ‘الشقيقتان’، وهي التسمية التاريخية لكلّ من ‘صندوق النقد الدولي’ و’البنك الدولي’، أنّ مختلف الاتفاقات القادمة مع دول العالم سوف تكون مشروطة ببنود صريحة حول مكافحة الفساد، وضمانات صريحة أكثر حول ‘ترشيد’ اقتصاديات الاستثمار. اللباقة وحدها منعت هؤلاء المسؤولين من القول: لا بأس من ‘المستر 15 في الحدود القصوى، ولكن لا تسامح أبداً مع ‘المستر 30! بمعنى ثالث، لا بأس من الفساد والإفساد، شرط أن يكونا في حدود المعقول.

وبطبيعة الحال، قد لا يعترض أحد على سياسات كهذه، حتى إذا كانت تكافح ‘المستر 30 وتغمض العين عن ‘المستر 15. ولكنّ الحال مشروطة بوضع الجميع على قدم المساواة في تطبيق هذه المعايير أولاً، ثمّ بعدئذ الأخذ بعين الاعتبار جملة الأسباب الأخرى الأعمق وراء استشراء هذه الظواهر في الاقتصادات النامية بصفة خاصة (غياب الديمقراطية، التخلف البنيوي في الهياكل المعنية بإدارة الإقتصاد، غياب المؤسسات الرقابية المدنية المستقلة، التخلف التكنولوجي، انعدام التكافؤ بين العقد والمتعاقد، وما إلى ذلك). وهكذا كان ينبغي على ‘الشقيقتين’، ومنذ عام 1997 حين جرى التوقيع على ميثاق شرف لمحاربة الفساد، أو منذ زمن ليس بالبعيد حين أقرّت الأمم المتحدة اتفاقية مكافحة الفساد؛ أن تلوّحا بالبطاقة الصفراء، ثم بالحمراء حين يقتضي الحال، في وجه مافيات المال القذر أياً كانت جنسياتها وجغرافياتها ونسبها المئوية وأرصدتها، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.

ويبقى أنّ تقارير ‘الشفافية الدولية’، رغم منافعها الكثيرة، عاجزة في الواقع عن تعديل شرط مركزي يحكم ظواهر الفساد والإفساد: أنها تعَوْلَمت بدورها، ولم تعد تقتصر على ثقافة سياسية دون غيرها، أو على نظام اقتصادي دون آخر، أو على الدكتاتوريات دون الديمقراطيات. أكثر من هذا، هيهات للمنظمة أن ترصد ‘المال السياسي’، الذي لا يُفرَغ في أفواه الطغاة، وزبانيتهم من حولهم، فقط؛ بل يشتري أيضاً ذمم بعض المعارضين، فيُخرس ضمائرهم حين ينفق على مؤتمراتهم الحاشدة وفنادقهم الفارهة. فإذا جاز للمنظمة أن تضع نظام بشار الأسد في المرتبة 168، من أصل 175 دولة على لائحة الفساد الدولية؛ فأنّى لها أن تستجمع من المؤشرات الملموسة ما يكفي لتحديد ترتيب هذا أو ذاك من ‘المعارضين’ السوريين، في لوائح المبيع والشراء!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أكذوبة الاهتمام بالمسيحيين

07.12.2013

وليد فارس

يرسم الجيش الحر خطط اقتحامه للمناطق أو تحريره للحواجز, بحسب إستراتيجية بسيطة باتت معروفة للجميع, وهي قطع طرق الإمداد على النظام, والتقدم نحو العاصمة المدن أكثر فأكثر, والسير نحو العاصمة دمشق.

في طريقهم نحو تحقيق هدفهم يواجه ثوار سورية –عموماً- ثلاثة شرائح من الناس, منهم من هو مؤيد للنظام يدعمه بكل ما أوتي من قوة, وهذا عدو محارب مهما كان توجهه, ومنهم من هو مؤيد للثورة يتقاسمون معه آلامهم وأمالهم, ومنهم من هو رمادي يتركونه يمينهم أو شمالهم من غير أن يؤنبوه, لكنهم بلا شك يحاولون أن يكسبوه في صفهم.

عندما دخل الثوار معلولا -في المرتين- لاسيما المرة الثانية, التي اختفى فيها راهبات ظهر فيما بعد أن الثوار قدموا من دمائهم لحمايتهن, كما تحمَّل –قبلها- ثوار مدينة حمص الكلفة الباهظة لإخراج المدنين المسيحيين من مدينة حمص المحاصرة, وفي صدد قدم الثوار أكبر نموذج على طريق تمسكهم بالحق الذي خرجوا من أجله, وأظهروا أن إنسانيهم وأخلاقهم هي رسالة عملية مترجمة على الأرض مع الجميع, ورموا الكثير من الصور الرائعة بالتعامل مع السوريين المسيحيين هناك.

لم يمضي كثير من الوقت لأنسى, كل تلك الرسائل والاستفسارات, من كنائس ومنظمات إنسانية وإعلامية ومكاتب الأمم المتحدة وحتى وزارات الخارجية, للكثير من الدول التي استنكرت دخول الثوار إلى صدد ووقبلها وبعدها (في المرتين) إلى معلولا, وغيرها من القرى والمناطق المسيحية, ولاتزال هذه المؤسسات والحكومات تركض وراء الأمر بتلك اللهجة والمنهج الذي أقل ما يوصف به أنه تميزي.

في مدينة حمص المحاصرة عشرات العائلات من المسيحيين, رجال دين ومدنين قرروا البقاء بين جيرانهم وفي بيوتهم, ولم يتخلوا عن أحيائهم, هاهي خمسمائة وثلاثين يوم تقريباً مضت على حرمانهم من الطعام والدواء, يأكلون أوراق الشجر ويقتاتون على ما تبقى لهم من موؤن وأمل, دون أن تهتم بهم وزارات الخارجية ذاتها, التي اتصلت من أجل مناطق أخرى دخلها الثوار بشكل طبيعي نتيجة إستراتيجية واضحة يسيرون عليها منذ فترة.

لقد قصفت الطائرات بيوتهم, وأكلت نار الصواريخ المنهمرة كنائسهم, وأصيب منهم من أصيب بشظايا قذائف الهاون, واستهدفتهم قناصات النظام مرات ومرات, بل وإن منهم من غادر الحياة من غير أن يستنكر العالم دمائه التي لا تختلف عن دماء أي كائن بشري أخر!.

ربما لن نناقش موقف النظام من هذه القضية, لأن الجميع بات يعلم اليوم أنه يستخدم الجميع, في لعبة سخيفة رسم خيوطها منذ اليوم الأول لإزكاء نار الفتنة الطائفية, وتقديم نفسه على أنه راعي للأقليات, وشاركه فيها أخوته في الوزر والدم في روسيا وإيران, لكن! يتساءل البعض, هل تعتبر تصرفات المنظمات الدولية والحكومات المتابعة للشأن السوري تصرفات تميزية!؟ أليست –هذه التصرفات- قائمة على أساس امتلاك أوراق ضغط اتجاه الثوار والنظام في سورية؟, وهل تتعدى تلك المشاعر -التي تترجم على أنها استنكار لبعض الأفعال- اكتساب المزيد من القوة والتدخل وتعزيز المصالح الخاصة بتلك الدول؟.

إذاً: على العالم اليوم- حكومات ومنظمات- أن يقيّم درجة الانكشاف الأخلاقي العالية, التي وصل إليها أمام الناس, وإنه لابد من تدراك للموقف عاجلاً, وفي هذه الأثناء سيبقى الثوار مركزين على هدفهم العام, في السير نحو إسقاط النظام وبناء مستقبل أساسه الحرية والعدالة.

حمص المحاصرة, 5-12, 2013

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا سمحت روسيا وإيران بتدمير سوريا؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 7/12/2013

سنتفق جدلاً مع القائلين إن هناك ‘مؤامرة كونية’ على سوريا لتدميرها، وتشريد شعبها، وإضعاف جيشها وتفكيكه، وتجريدها من سلاحها التقليدي والاستراتيجي. وسنتفق أيضاً أن المؤامرة نالت من سوريا فعلاً، حيث تمت تسوية العديد من المدن والقرى السورية بالأرض على الطريقة الروسية في الشيشان، فيروي سكان الريف في محافظة إدلب وحدها فقط أن عدد القرى المدمرة هناك يزيد على ألف قرية، بحيث بدأ الناس يمرون بجانب تلك القرى ويتساءلون: ‘ماذا كان اسم تلك القرية؟’.

ولا داعي للحديث عن ريف دمشق وحلب ومحافظة حمص بأكملها، التي تشكل مساحتها فقط ثلث مساحة سوريا، ناهيك عن تدمير دير الزور والرقة وريف حماة ودرعا. وحدث ولا حرج عن مئات الألوف من القتلى، ناهيك عن مئات الألوف من المعتقلين والمفقودين. أما عدد النازحين واللاجئين فقد زاد عن نصف سكان سوريا. والجيش السوري لم يكن له ليستعين بالميليشيات العراقية واللبنانية والإيرانية والباكستانية والأفغانية واليمنية والروسية والكورية لو كان ما زال قادراً على القتال. زد على ذلك أن سوريا تجردت من سلاحها الكيماوي الاستراتيجي لتصبح بلا أنياب. وهناك حديث عن تجريدها من الصواريخ والسلاح البيولوجي، لكن بالتدرج. بالإضافة إلى ذلك أصبح النسيج الوطني السوري، والجغرافية السورية ذاتها مهددة بالتفكك، إذا لم تكن قد تفككت. وحدث ولا حرج عن الاقتصاد السوري الذي يحتاج لعشرات السنين كي يعود إلى ما كان عليه عام 2010.

ماذا يريد حلفاء النظام السوري كروسيا وإيران أكثر من هذه الكوارث الإنسانية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية؟ لماذا تركوا سوريا تصل إلى هذه المرحلة من الدمار والخراب والانهيار إذا كانتا فعلاً حليفتين للنظام في سوريا؟

لنتفق مع النظام أن هناك قوى كثيرة عربية وإقليمية ودولية تريد الإجهاز عليه وعلى سوريا، فأين كان حلفاؤه من كل هذه المؤامرات؟ وإذا كانت سوريا مهمة جداً لروسيا وإيران، فلماذا سمحتا بتدميرها وإنهاك جيشها وتجريدها من أسلحتها الاستراتيجية وإضعاف قوتها العسكرية؟

 

لو اتفقنا جدلاً أن ‘الإرهابيين’ والمتآمرين هم من دمروا سوريا، فلماذا سمحت حليفتا النظام روسيا وإيران بنجاح مخطط التدمير منذ البداية؟ هل كانت روسيا وإيران لتسمحا بذلك لو لم تكن لديهما مصلحة في ذلك؟

إذا كنت تحب شخصاً لا بد أن تغار على مصالحه وتحميها، فهل فعلت إيران وروسيا ذلك في سوريا التي تدعيان الغيرة عليها؟ من يحب شخصاً لا يسمح بقتله أو على الأقل بإضعافه وتقطيع أوصاله وإنهاكه، لكن روسيا وإيران سمحتا بتخريب سوريا.

أتباع النظام في سوريا يتهمون كل من انتقد النظام مجرد انتقاد بأنه مشارك في تدمير سوريا. لكن لماذا لا يوجهون الاتهام أيضاً لحلفاء النظام الكبار؟ لماذا لا يسألون موسكو وطهران، لماذا لم تحبطا مشروع تخريب سوريا إذا كانتا تريدان مصلحتها ومصلحة النظام فعلاً؟ أليس الروس والإيرانيون أكبر المستفيدين من دمار سوريا؟

لقد أثبتت الأيام أنهم كأعداء سوريا، كانوا يتاجرون بها بصفاقة. ولعل ما كتبه أحد الكتاب الذي يقتبس اقواله دائماً مؤيدو النظام في ‘مدونة هاني’ أكبر إدانة لروسيا وإيران اللتين استخدمتا المحنة السوريا لأغراض خاصة جداً.

يقول هاني: ‘الصفقة الكيماوية الخاصة بسوريا هي مجرد جزء من التفاهم الشامل الأميركي- الإيراني (هي كانت بداية هذا التفاهم). أنا توقعت مسبقا أن إيران في النهاية ستتنازل، وستقبل بتقديم ضمانات لإسرائيل في مقابل التوصل إلى تسوية مع الأمريكان، وهذا هو ما حصل بالفعل. الصفقة الكيماوية الخاصة بسوريا كانت الضمانة التي قدمتها إيران لإسرائيل.

سوريا لم تكن طرفاً في الصفقة الكيماوية أبداً. هذه الصفقة هي ظاهرياً صفقة أمريكية- روسية، ولكنها في العمق صفقة إيرانية – إسرائيلية. والروس والأمريكان ليسوا أكثر من وسطاء في ما يتعلق بهذه الصفقة تحديداً. وقد طلبت أمريكا من إيران قبل أي شيء آخر نزع السلاح الكيماوي السوري. وهي لم تقبل أن تتفاهم مع إيران قبل نزع الكيماوي.

والسبب هو أن أمريكا أرادت تقديم ضمانات وتطمينات استراتيجية لإسرائيل، لأن الأمريكان يعتقدون أن التفاهم مع إيران غير ممكن دون تقديم ضمانات استراتيجية لإسرائيل، ولهذا السبب هم أصروا على تدمير سوريا ونزع كل أسلحتها قبل الشروع في التفاهم مع الإيرانيين، وإيران وافقت.

باختصار، فإن الصفقة الكيماوية السورية هي ربح استراتيجي صاف لإسرائيل. أما الصفقة النووية الإيرانية فهي الثمن الذي قبضته إيران مقابل تسهيل الصفقة الكيماوية السورية!

لا يوجد تشابه بين ‘الصفقتين’. الصفقة الكيماوية هي تنازل من سوريا للغرب لحساب إيران، والصفقة الثانية هي تنازل من الغرب لإيران. ما حصل هو أن الغرب خفف حربه على إيران في مقابل الضمانات التي قدمتها إيران ـ بالوساطة الأمريكية ـ الروسية على حساب سوريا لإسرائيل.

 

باختصار، لقد اتفقت ايران مع امريكا على تدمير سوريا، وتجريدها من سلاحها الكيماوي، وإنهاك جيشها كضمان لأمن إسرائيل مقابل الاتفاق مع الغرب على النووي وإعادة تأهيل إيران دولياً واقتصادياً.

الكلام أعلاه ليس صادراً عن المعارضة السورية كي نشكك في مصداقيته، أو نقول إنه مغرض، بل صادر عن مدونة معروفة بأنها مؤيدة، أو متعاطفة مع النظام السوري. ولذلك فهي تفضح إيران وروسيا اللتين تتشدقان بالدفاع عن سوريا. ويذهب أحد المدافعين عن النظام السوري إلى القول بحسرة إن ‘أول شعار طرحه الرئيس الإيراني الجديد روحاني بعد وصوله إلى السلطة كان شعار: ‘إيران أولاً’. وقد طبقه بحذافيره على حساب سوريا’.

لقد استغلت إيران وروسيا المحنة السورية أسوأ استغلال على الطريقة ‘الماكيافيلية’ الانتهازية، مثل أعداء سوريا وأكثر، خاصة وأن الطريق كان سالكاً أمام الإيرانيين والروس أكثر من أعداء سوريا بفضل ارتباطهم بالنظام.

باختصار، فإن ‘المتآمرين’ على سوريا ليسوا فقط خصوم النظام، بل أقرب حلفائه المزعومين الذين استغلوا الأزمة السورية لعقد الصفقات وتمرير الاتفاقات وإعادة رسم المنطقة على أشلاء ودماء السوريين ووحدة وطنهم.

والأيام ستكشف مدى خطورة اتفاق ‘كيري – لافروف’ حول سوريا الذي يشبهه البعض باتفاقية ‘سايكس-بيكو’ سيئة الصيت، إن لم يكن أخطر.

أخيراً علينا الاعتراف بعد كل ما حصل في سوريا أن الرابحين الوحيدين من مأساتها هم إسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران. أما السوريون نظاماً وشعباً ومعارضة فهم أكبر الخاسرين.

وإذا كان حلفاء النظام سمحوا بكل هذا الدمار، وتاجروا بسوريا ‘على عينك يا تاجر’، فكيف نلوم أعداء سوريا والمتآمرين عليها؟ لك الله يا سوريا! لقد كنت فريسة تناهشها الحلفاء والأعداء على حد سواء.

 

‘ كاتب واعلامي من سوريا

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا قررت إسرائيل دعم بقاء الأسد؟

فايز سارة

المستقبل

السبت 7/12/2013

خصصت صحيفة اميركية كبرى صدر صفحتها الاول مؤخراً لاعلان قرار اسرائيل بدعم بقاء على بشار الاسد على رأس النظام في سوريا. والخبر في اعلانه هو تأكيد لما كان معروفاً منذ ان حسم الرسميون الاسرائيليون قرارهم في الموقف من القضية السورية، بعد ان كانت القضية والموقف من صراع النظام مع الشعب السوري محل تفكير ونقاش في الداخل الاسرائيلي سواء في مستوى الشخصيات والاحزاب السياسية او في الموقف الرسمي للدولة الاسرائيلية.

النقاش الاسرائيلي حول القضية السورية، بدأ مع انطلاق ثورة السوريين في ربيع العام 2011، وانقسم الاسرئيليون بين مؤيدين لتحرك السوريين ضد نظامهم الدموي الذي طالما وصفه الاسرائيليون بالاستبدادي والداعم للارهاب، فيما اتجه اسرائيليون آخرون لموقف يؤيد النظام في معركته ضد الشعب السوري انطلاقاً من مصلحة اسرائيل، وهو موقف لم يكن الفريق الاول بعيد عنه، لكن من منطلقات اخرى.

ورغم ان النقاش الاسرائيلي قد استمر طويلاً، وتناول تفاصيل وحيثيات في الصراعات السورية وتطورها، وتأثيرها على اسرائيل ومستقبل الصراع العربي الاسرائيلي بما فيه موضوع الجولان والقضية الفلسطينية، فقد كانت الارجحية في الموقف لصالح الجهاز الامني الاسرائيلي الذي لاحظ مبكراً مصلحة اسرائيل العليا كعادته بصورة واضحة وبدون رتوشات، واتخذ موقفاً بدعم نظام الاسد والتعامي عن مجريات الاحداث في سوريا، وهو في هذا ترك ظلال رؤيته في سياسة الحكومة الاسرائيلية من جهة وفي علاقاتها مع حلفائها ولاسيما الولايات المتحدة، ولايمكن عزل الرؤية الاسرائيلية هذه في تأثيراتها على الموقف الاميركي المميز بتردده بين حدي الصراع والتراخي في الموقف من الاسد وسياساته وممارساته.

ان الجوهري في الموقف الاسرائيلي الذي حسم امره لصالح بقاء الاسد (ونظامه في الاغلب) هو ان الازمة السورية، كرست وطورت موقف النظام في الصراع العربي الاسرائيلي من حيث شكلية الصراع مع اسرائيل من جهة وجوهرية الموافقة على سياساتها العامة، دون ان يعني ذلك عدم خوض صراعات جزئية لها علاقة باطراف الصراع، وليس لبه او جوهره، كما في الصراع حول لبنان او في دعم اطراف داخل الساحة الفلسطينية، مما يديم القضية ولا يحلها، والمقابل الاسرائيلي كان في مسايرة النظام السوري دون السكون عن سياسة عن بعض سياساته، والقيام بعمليات تأديبيه عسكرية كلما اقتضى الحال، وشعر الاسرائيليون ان النظام يخرج عن التفاهمات الضمنية.

غير ان سياق سياسة النظام مع انطلاق الثورة السورية، اخذ يتغير ويتبدل. اذا اضاف النظام الى سياسته القيام باعمال من شأنها الذهاب بكل القوة السورية عبر تدميرها في المستويات كافة في معركته من اجل البقاء في السلطة ليس الا، وهي سياسة تستجيب لمصالح اسرائيل القريبة والبعيدة بالنتيجة، وفي هذا السياق يمكن ملاحظة المفاصل الاساسية لممارسات نظام الاسد:

ادت ممارسات النظام الى ادخال قوة النظام الصلبة ممثلة بالجيش السوري والأجهزة الامنية في صراع مكشوف مع الاكثرية الشعبية، الامر الذي جعل قوة النظام الصلبة، لا تكشف فقط قدراته للخارج واسرائيل، وانما ان يتم وضعها في مجرى الاستهلاك، حيث جرى تدمير جزء كبير من القوة العسكرية السورية التي خسرت كثيراً من عناصرها البشرية، وتدهورت بشكل خطير قوتها الجوية والمدرعة وسلاحي الصواريخ المدفعية، اضافة الى خسارتها للسلاح الكيماوي الذي طالما اعتبره النظام الجزء الاهم في قوة الردع السورية، عندما وافق على تسليمها وتدميرها وفق برنامج دولي.

الامر الثاني، ان ممارسات النظام الدموية، ادت الى ايقاع اكبر الخسائر بالشعب السوري. وفي المستوى البشري ادت تلك الممارسات الى قتل وجرح واختفاء نحو مليون سوري اغلبهم من العناصر الشابة والكادرات النوعية، كما ادت الى تهجير نحو عشرة ملايين سوري، توزعوا مابين مهجرين داخل سوريا ولاجئين في دول الجوار وجميعهم، يعيشون اوضاعاً تحت مستوى الحد الادني للحياة الانسانية في المسكن والغذاء والصحة والتعليم وغيرهم، بل انه لايمكن القول، ان الباقين من السوريين الذين لم يهجروا، ان حالتهم افضل بكثير من المهجرين، واغلب هؤلاء يعانون من اوضاع حياتية صعبة رغم الجهود التي يبذلها النظام لتمييزهم، وجعل حياتهم افضل باعتبار اغلبيتهم من مؤيدي النظام او الساكتين عن سياساته الدموية خوفاً او محايدة.

اما الامر الثالث، فكان تدمير القدرات المادية واللوجستية للدولة وللمجتمع في سوريا. وبفعل ممارسات النظام تحول الشكل النسبي للدولة الى كيان عصابة مهووس بالامن والحفاظ على السلطة، وتحويل كل ما يمكن من سياسات لتخدم فكرة بقاء النظام ورئيسه ليس الا، وانطلاقاً من هذا الدور للدولة العصابة، صار التدمير سلوكاً يومياً ومطلوباً للاجهزة العسكرية والامنية، التي تم توسيعها الى الحد الاقصى بخلق تشكيلات عنفية جديدة كان منها الشبيحة وجيش الدفاع الوطني، قبل ان يتم استيراد ادوات عنفية خارجية من مليشيات حزب الله اللبناني ولواء ابو الفضل العباس وقوات الحرس الثوري الايراني وغيرهم، وتم تدعيم القوة التدميرية كلها بخبراء روس وايرانيين ومن مصارد اخرى.

لقد عملت تلك القوى على تدمير البنى المادية للمجتمع بما فيها من مساكن واسواق تجارية ومنشآت انتاجية وخدمية في المجالات كافة، بل هي اضافت الى ماسبق تدمير المنشآت والمؤسسات العامة، دون ان تستثني من ذلك الشركات والمؤسسات التي تملكها الدولة اضافة الى المدارس والمشافي والجامعات ودور العبادة وغيرها، كما تم تدمير وتعطيل القسم الاكبر من البنى التحتية من طرق المواصلات وشبكات المياة والكهرباء والصرف الصحي، وجزء من الممارسات الاخيرة تم القيام بها بهدف اخضاع واذلال سكان مدن وقرى، او جاءت في سياق سياسة انتقامية.

ان اعمال العنف والتدمير التي قام بها النظام، استهلكت بعضاً من الامكانات المستقبلية للشعب السوري بمافيها من اتفاقات منظورة او مخفية مع حلفاء النظام، لكن الاهم في نتائج ممارسات النظام هو تدمير قدرات سوريا المتراكمة عبر مراحل سابقة، والامر في الحالتين سوف يتطلب كثيراً من الوقت والجهد والمال، ورهن مستقبل سوريا من اجل اعادة بناء البلد وعودة المهجرين واللاجئين عندما يحين الوقت، مما يعني انه لم يتم اضعاف سوريا في خريطة المنطقة وفي ميدان الصراع العربي الاسرائيلي، وانما اخراجها لعقود من دائرة الصراع مع اسرائيل.

ان المحصلة العامة لسياسات وممارسات النظام خاصة منذ انطلاق الثورة السورية، تؤكد انه ماكان بامكان اسرائيل الموصوفة باعتبارها العدو الرئيس لسوريا القيام بما قام به نظام الاسد، ولان النظام على هذا النحو، فهو يستحق ان يسعى الاسرائيليون للابقاء، ليس على النظام فقط، وانما على رأس النظام ذاته.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا ضحية "حلفائها" قبل أعدائها!

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 8/12/2013

سنتفق جدلاً مع القائلين إن هناك "مؤامرة كونية" على سوريا لتدميرها، وتشريد شعبها، وإضعاف جيشها وتفكيكه، وتجريدها من سلاحها التقليدي والاستراتيجي. وسنتفق أيضاً أن المؤامرة نالت من سوريا فعلاً، حيث تمت تسوية العديد من المدن والقرى السورية بالأرض على الطريقة الروسية في الشيشان. ويروي سكان الريف في محافظة إدلب وحدها فقط أن عدد القرى المدمرة هناك يزيد على ألف قرية، بحيث بدأ الناس يمرون بجانب تلك القرى ويتساءلون: "ماذا كان اسم تلك القرية؟".

 ولا داعي للحديث عن ريف دمشق وحلب ومحافظة حمص بأكملها التي تشكل مساحتها فقط ثلث مساحة سوريا، ناهيك عن تدمير دير الزور والرقة وريف حماة ودرعا. وحدث ولا حرج عن مئات الألوف من القتلى، ناهيك عن مئات الألوف من المعتقلين والمفقودين. أما عدد النازحين واللاجئين فقد زاد عن نصف سكان سوريا. والجيش السوري لم يكن له ليستعين بالميليشيات العراقية واللبنانية والإيرانية والباكستانية والأفغانية واليمنية والروسية والكورية لو كان مازال قادراً على القتال. زد على ذلك أن سوريا تجردت من سلاحها الكيماوي الاستراتيجي لتصبح بلا أنياب. وهناك حديث عن تجريدها من الصواريخ والسلاح البيولوجي. وبالإضافة إلى ذلك أصبح النسيج الوطني السوري، والجغرافية السورية ذاتها مهددة بالتفكك، إذا لم تكن قد تفككت. وحدث ولا حرج عن الاقتصاد السوري الذي يحتاج لعشرات السنين كي يعود إلى ما كان عليه عام 2010.

ماذا يريد حلفاء النظام السوري كروسيا وإيران أكثر من هذه الكوارث الإنسانية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية؟ لماذا تركوا سوريا تصل إلى هذه المرحلة من الدمار والخراب والانهيار إذا كانتا فعلاً حليفتين للنظام في سورية؟ لنتفق مع النظام أن هناك قوى كثيرة عربية وإقليمية ودولية تريد الإجهاز عليه وعلى سوريا، فأين كان حلفاؤه من كل هذه المؤامرات؟ فإذا كانت سوريا مهمة جداً لروسيا وإيران، فلماذا سمحتا بتدميرها وإنهاك جيشها وتجريدها من أسلحتها الإستراتيجية وإضعاف قوتها العسكرية؟ لو اتفقنا جدلاً أن "الإرهابيين" والمتآمرين هم من دمروا سوريا، فلماذا سمحت حليفتا النظام روسيا وإيران بنجاح مخطط التدمير؟ هل كانت روسيا وإيران لتسمحا بتدمير سوريا لو لم تكن لديهما مصلحة في ذلك؟

إذا كنت تحب شخصاً لابد أن تغار على مصالحه وتحميها، فهل فعلت إيران وروسيا ذلك في سوريا التي تدعيان الغيرة عليها؟ من يحب شخصاً لا يسمح بقتله أو على الأقل بإضعافه وتقطيع أوصاله وإنهاكه، لكن روسيا وإيران سمحتا بتخريب سوريا.

أتباع النظام في سوريا يتهمون كل من انتقد النظام مجرد انتقاد بأنه مشارك في تدمير سوريا. لكن لماذا لا يوجهون الاتهام أيضاً لحلفاء النظام الكبار؟ لماذا لا يسألون موسكو وطهران لماذا لم تحبطا مشروع تخريب سوريا إذا كانتا تريدان مصلحتها ومصلحة النظام فعلاً؟ أليس الروس والإيرانيون أكبر المستفيدين من دمار سوريا؟ لقد أثبتت الأيام أنهم كأعداء سوريا، كانوا يتاجرون بها بصفاقة. ولعل ما كتبه أحد الكتاب الذي يقتبس أقواله دائماً مؤيدو النظام في "مدونة هاني" أكبر إدانة لروسيا وإيران اللتين استخدمتا المحنة السورية لأغراض خاصة جداً. يقول هاني: "الصفقة الكيماوية الخاصة بسوريا هي مجرد جزء من التفاهم الشامل الأمريكي- الإيراني (هي كانت بداية هذا التفاهم). أنا توقعت مسبقا أن إيران في النهاية ستتنازل، وستقبل بتقديم ضمانات لإسرائيل في مقابل التوصل إلى تسوية مع الأمريكان، وهذا هو ما حصل بالفعل. الصفقة الكيماوية الخاصة بسورية كانت الضمانة التي قدمتها إيران لإسرائيل. سوريا لم تكن طرفاً في الصفقة الكيماوية أبداً. هذه الصفقة هي ظاهرياً صفقة أمريكية-روسية، ولكنها في العمق صفقة إيرانية-إسرائيلية. والروس والأمريكان هم ليسوا أكثر من وسطاء فيما يتعلق بهذه الصفقة تحديداً. وقد طلبت أمريكا من إيران قبل أي شيء آخر نزع السلاح الكيماوي السوري. وهي لم تقبل أن تتفاهم مع إيران قبل نزع الكيماوي. والسبب هو أن أمريكا أرادت تقديم ضمانات وتطمينات إستراتيجية لإسرائيل، لأن الأمريكان يعتقدون أن التفاهم مع إيران غير ممكن دون تقديم ضمانات إستراتيجية لإسرائيل، ولهذا السبب هم أصروا على تدمير سورية ونزع كل أسلحتها قبل الشروع في التفاهم مع الإيرانيين. وإيران وافقت. باختصار، فإن الصفقة الكيماوية السورية هي ربح استراتيجي صاف لإسرائيل. أما الصفقة النووية الإيرانية فهي الثمن الذي قبضته إيران في مقابل تسهيل الصفقة الكيماوية السورية. لا يوجد تشابه بين "الصفقتين". الصفقة الكيماوية هي تنازل من سوريا للغرب لحساب إيران، والصفقة الثانية هي تنازل من الغرب لإيران. ما حصل هو أن الغرب خفف حربه على إيران في مقابل الضمانات التي قدمتها إيران ـ بالوساطة الأمريكو ـ روسية على حساب سورية لإسرائيل". باختصار، لقد اتفقت إيران مع أمريكا على تدمير سوريا، وتجريدها من سلاحها الكيماوي، وإنهاك جيشها كضمان لأمن إسرائيل مقابل الاتفاق مع الغرب على النووي وإعادة تأهيل إيران دولياً واقتصادياً.

الكلام أعلاه ليس صادراً عن المعارضة السورية كي نشكك في مصداقيته، أو نقول إنه مغرض، بل صادر عن مدونة معروفة بأنها مؤيدة، أو متعاطفة مع النظام السوري. ولذلك فهي تفضح إيران وروسيا اللتين تتشدقان بالدفاع عن سورية. ويذهب أحد المدافعين عن النظام السوري إلى القول بحسرة إن "أول شعار طرحه الرئيس الإيراني الجديد روحاني بعد وصوله إلى السلطة كان شعار: "إيران أولاً". وقد طبقه بحذافيره على حساب سوريا". لقد استغلت إيران وروسيا المحنة السورية أسوأ استغلال على الطريقة الماكيافيلية الحقيرة مثل أعداء سوريا وأكثر، خاصة أن الطريق كان سالكاً أمام الإيرانيين والروس أكثر من أعداء سوريا بفضل ارتباطهم بالنظام. باختصار، فإن "المتآمرين" على سوريا ليسوا فقط خصوم النظام، بل أقرب حلفائه المزعومين الذين استغلوا الأزمة السورية لعقد الصفقات وتمرير الاتفاقات وإعادة رسم المنطقة على أشلاء ودماء السوريين ووحدة وطنهم. والأيام ستكشف مدى خطورة اتفاق "كيري-لافروف" حول سوريا الذي يشبهه البعض باتفاقية "سايكس-بيكو" سيئة الصيت، إن لم يكن أخطر.

أخيراً علينا الاعتراف بعد كل ما حصل في سوريا أن الرابحين الوحيدين من مأساتها هم إسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران. أما السوريون نظاماً وشعباً ومعارضة فهم أكبر الخاسرين.

إذا كان حلفاء النظام الذين صدعوا رؤوسنا بالتعاطف والتضامن معه، قد سمحوا بكل هذا الدمار، وتاجروا بسوريا على عينك يا تاجر، فكيف نلوم أعداء سورية والمتآمرين عليها؟ لك الله يا سوريا! لقد كنت فريسة تناهشها الحلفاء والأعداء على حد سواء.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الإسلام المطلوب في سوريا الجديدة

وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 8/12/2013

بعيداً عن ضغط التفكير الأيديولوجي، وانطلاقاً من واقعية يتطلبها الحال، ويقول بضرورتها السوريون جميعاً على اختلاف انتماءاتهم المتنوعة. يمكن التأكيد أن (الإسلام) سيكون، بأي شكل من الأشكال، عاملاً مؤثراً في مسار الثورة الراهن وفي رسم صورة سوريا الجديدة، ليس فقط على مستوى الهوية الوطنية، بل وعلى مستوى التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

المؤسف في الموضوع إن غالبية عظمى ممن لا (يقبضون) الإسلام من السوريين مثقفين ونُشطاء، وأقولُها بالعامية لدلالاتها، يتعاملون مع هذه الحقيقة باستخفاف وسطحية لا يحتملهما المقام. فهم أولاً وآخر يعيشون هاجس الهوس بكيفية تخفيف ذلك التأثير أو إلغائه، في محاولةٍ هي أشبه ما تكون بالغرق في أحلام النهار.

يأتي هذا للأسف على صورة مناورات سياسية، وتحالفات محلية وإقليمية ودولية، بل وأحياناً على شكل تقية أصبح الجميع ماهراً في استعارتها وتطبيقها من المذهب الشيعي الذي يشكون منه.

ونادرة جداً هي المحاولات من قبل تلك الشريحة لقبول الحقيقة المذكورة أعلاه، ولفهم خلفياتها المُعقدة، والتعاون على استيعابها، بحيث يكون الإسلام المطلوب في سوريا إسلاماً حقيقياً يُطلق طاقات البناء والتعمير، ويؤكد معاني العدل والحرية والكرامة والمواطنة والتعددية، ويكون تصديقاً عملياً لقيمه الحضارية الكبرى.

في مقابل هذا، نركزُ بشكل متزايد في هذه المقالات على كل ما يتعلق بالمُراجعات في الفكر الإسلامي بأي طريقة، وصولاً لتحقيق الهدف المذكور أعلاه.

ويأتي في هذا الإطار استعادة أدبيات قديمة نسبياً لتلك المراجعات، كان يمكن لها أن تصل بنا لواقع مختلف اليوم، لو أن أهل الحركة وأصحاب الجماعات والتنظيمات أولوها شيئاً من الاهتمام والتفكير في وقتها.. وهذا موضوع نعود إليه لاحقاً.

من هنا، نقتبس فقرات مطولة نسبياً من تقديم الأستاذ عمر عبيد حسنة لكتاب بعنوان (في فقه الدين فهماً وتنزيلاً) للدكتور عبدالمجيد النجار نُشر قبل خمسةٍ وعشرين عاماً! ليتأمل المهتمون من السوريين في دلالاته ويعملوا بمتطلباته، خاصة منهم القوى الفاعلة على الأرض عسكريين ومدنيين. يقول الكاتب:

"لقد كان المجتهد جزءا من الحياة يتعامل معها ويحترف بحرفها ويخوض معاركها ويكون لمشاهداته ومعاناته الميدانية نصيبٌ كبير من فقهه، أما عندما انفصل المجتهد عن مجتمعه، وابتعد عن هـمومه فقد فاته الإدراك الواعي لمشكلاته، فجاءت اجتهاداته اجتهادات نظرية مجردة، تنطلق من فراغ، وتسير في فراغ، مما جعل بعض المفكرين يطلقون عليها مصطلح (فقه الأوراق) لأنها تكونت بعيدا عن واقع الناس وميدان نشاطهم. فأي قيمة للحكم تبقى إذا لم ينزل على محله وكيف يعرف محله دون دراسة وعلم؟! لذلك نرى من لوازم الاجتهاد اليوم، الاستيعاب المعرفي الشامل للواقع الإنساني، وهذا لا يتأتى كله من مجرد المعايشة، والنزول إلى الساحة - الأمر الذي لابد منه - وإنما النزول، والتزود قبله، بآليات فهم هـذا الواقع، من العلوم الاجتماعية التي توقفت في حياة المسلمين منذ زمن، ذلك أن عدم الاستيعاب والتحقق بهذه الشروط اللازمة لعملية الاجتهاد، أدى إلى انفصال أصحاب المشروع الإسلامي، عن واقع الحياة، وإن لم ينفصلوا عن ضمير الأمة، التي لا تزال ترى في المشروع الإسلامي بوارق الأمل للإنقاذ والتغيير.

والتغيير لابد له من إدراك المراد الإلهي أولا ومن ثم آليات فهم المجتمع بالمستوى نفسه، حتى يتم الإنجاز.

لقد تعاظم المد الإسلامي إلى آفاق لم تكن بالحسبان، لكن لابد من الاعتراف بأن حركة الاجتهاد لترشيد تدين هـذا المد، ووضع البرامج والأوعية الشرعية لحركته، لم تكن بالمستوى المطلوب، ولا الموازي لحركة المد الإسلامي، ذلك أن الجماهير المسلمة آمنت بالإسلام، لكنها لم تبصّر بالواقع وكيفية التعامل معه، وتقويمه بنهج الدين. لقد امتُلكت القاعدة الإسلامية العريضة وافتُقدت القيادة الواعية الرشيدة الفقيهة، فلحقت بها إصابات بالغة ليست كلها بسبب أعدائها، وهذا يقتضي ديمومة النظر وبذل الجهد والاجتهاد في كل وقت وعصر للإفادة من الخطاب الإلهي في تقويم مسالك الناس ومعالجة مشكلاتهم وفق الهدي الديني، ذلك الاجتهاد (الفقه) الذي يمكن أن نمثل له بدور الطبيب، الذي يدرس حالة المريض، ويحدد أسباب المرض وآثاره، ويختار له من مجموعة الأدوية المحفوظة في الصيدلية، ما يناسبه ويعالج حالته، دون أن يكون لذلك آثار جانبية قد تعيق شفاء المريض، أو تضاعف مرضه، أو تفضي إلى الإصابة بمرض آخر. فالصيدلي الذي يحفظ الدواء ويعرف مركباته يبقى عاجزا عن المعالجة؛ لأن المعالجة لا تكفي فيها معرفة الدواء، وإنما تتطلب المعرفة الدقيقة بحالة المريض وما يناسبه وما لا يناسبه من الدواء، والمقادير المطلوبة، والزمن المقدر، والتوازن بين أكثر من دواء إلخ. فمنهج النقل والحفظ للخطاب الإلهي أقرب ما يكون إلى عمل الصيدلي، ومنهج الفهم والفقه من هـذا المنقول أقرب ما يكون شبها بعمل الطبيب، وقد لا تفيد كثيرا كثرة الصيادلة، ومعامل الدواء، إذا انعدم وجود الأطباء؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى وضع الدواء في غير محله، فيهلك المريض من حيث يراد له الشفاء والنجاة.

هـذه هـي المشكلة اليوم التي يعاني منها الواقع الإسلامي، وهي مؤشر مؤرق بسبب غياب فقهاء المجتمعات، وفقهاء التربية، وفقهاء التخطيط، وفقهاء استشراف آفاق المستقبل، وفقهاء علوم الإنسان، فقهاء الحضارة عامة، الذين يشكلون عقل الأمة، ويعرفون كيف يغترفون من هـذا الإسلام، لمصلحة الأمة في واقعها المعاصر، وكيف يتعاملون مع هـذا الإسلام، ويعودون بالأمة إليه.

ويصير الأمر أكثر لزوما بعد الإحباطات الكثيرة التي تعرض لها العمل للإسلام، بسبب العجز الواضح في فقه الحركة والميدان، وإبداع البرامج العملية التي تترجم القيم والمبادئ الإسلامية وتنزلها على واقع الناس المعاصر، في ضوء رؤية ذات دراية وفقه، وتتأكد وتتعاظم مسؤولية المشتغلين بالقضية الإسلامية في أن يطرحوا الأمر بجدية وموضوعية، بعيدا عن الحماس والتوثب، وخروجا على الأسوار الحزبية وممالأة الجماهير، وردود الأفعال، والأساليب التعبوية، التي أدت دورها كاملا في مرحلة إعادة الانتماء للإسلام والتي باتت لا تفيد كثيرا في مرحلة الانطلاق إلى الأمام".

انتهى النقل ويبقى تعلقٌ لابد منه: ثمة من يريدون إقامة "دولة إسلامية" اليوم قبل الغد في سوريا، وحري بهؤلاء تحديداً، وكل من يفكر بالإسلام حلا بشكل عام، أن يفكروا كثيراً في دلالات الكلام السابق ومقتضياته، بعيداً عن الحماس والاندفاع تحت أي مسمى من المسميات.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الدور الخارجي في التطرف السوري!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 8/12/2013

ليس من باب الاكتشاف القول إن الأميركيين بين الأكثر قلقا من نمو التطرف في سوريا، وهو أمر أكدته إحدى كبرى الصحف الأميركية مؤخرا في عنوان مثير، مشيرة إلى أن «المجموعات الجهادية تربح على الأرض في اضطرابات الشرق الأوسط»، وهو عنوان لا يكشف القلق الأميركي فقط، إنما يؤكد حقيقة صعود التطرف الجهادي في بلد قارب الثلاث سنوات من حرب يشنها نظام مستبد ودموي على السوريين، أمعن فيهم خلالها قتلا وجرحا واعتقالا وتهجيرا، إضافة إلى تدمير ممتلكاتهم وإمكاناتهم الفردية والمجتمعية.

لقد بدا واضحا، منذ انطلاق الثورة على النظام، ولجوء الأخير إلى العنف العاري ضد السوريين، بروز مخاوف جدية من جانب المعارضة السورية، من أن عنف النظام وإرهابه سوف يقود البلاد إلى حمّام من الدم والدمار، وأن استمراره بالتزامن مع انفلات أمني، سيؤدي إلى نمو التطرف؛ سواء جاء عبر تسلل جماعات وأفراد من الجهاديين إلى الداخل، أو نتيجة نمو التطرف بأنويته المحلية، التي لم تجد لها فرصة للظهور والتمدد في مراحل سابقة نتيجة البيئة السورية المعارضة للتطرف، أو بسبب القمع السلطوي لتلك الأنوية وتوجهاتها.

غير أنه، وبفعل استمرار حرب النظام على السوريين، وعدم قدرة الثورة والمعارضة على إسقاطه بالطرق السلمية والمدنية، ومع توجه النظام إلى تشجيع التسلح والعسكرة في البلاد، تحول الصراع إلى صراع مسلح بين النظام والمعارضة، مما أفسح المجال لظهور تشكيلات مسلحة بدأ جهاديون يتسللون إليها، وبعضهم أخذ يؤسس أنوية لتنظيمات تخصهم، ثم جاء تسلل الجهاديين من الخارج عبر بلدان الجوار، بسبب فلتان حدودها مع سوريا، ونتيجة غض نظر السلطات السورية عن مرورهم، وهي التي كانت تؤيد بصورة ضمنية مجيئهم إلى البلاد وقيامهم بما يمكن أن يقوموا به، طالما أن ذلك يخدم استراتيجيتها في تعميم العنف من جهة، وفي الإيحاء بأن ثورة السوريين ذات طبيعة متطرفة، وأنها مؤامرة خارجية يمثل المتطرفون واجهتها وإحدى أدواتها.

ووسط تطور عام للقضية السورية، لا بد من ملاحظة التأثيرات الخارجية على القضية، وهي تأثيرات تنقسم إلى محورين كان لهما أثر كبير على تصاعد التطرف. وإذا كان الدور الذي قام به المعسكر المؤيد للنظام، وفي طليعته روسيا وإيران، واضح ومعروف، لأنه يدعم الطرف الأكثر حضورا في التطرف لطبيعته، وبما له من مؤسسات وأجهزة حاضرة في مسار الإرهاب، فإن الطرف الآخر المعادي للنظام لعب دورا مختلفا، لكنه في النتيجة ساعد في حضور الإرهاب وتصاعده في سوريا.

إن المعسكر الدولي الروسي - الإيراني وآخرين، عزز تطرف النظام وممارسته الإرهاب، من خلال تغطيته ودعمه سياسيا، وخاصة على المستوى الدولي، ولعب دور داعمه في المجالين الاقتصادي والعسكري بتوفير كل إمكانيات المضي في الحرب على الشعب، ثم زادت دول هذا المعسكر تقديم خبراتها الأمنية والتسليحية والتقنية بالتزامن مع دفع أدوات إيران من ميليشيات حزب الله اللبناني ولواء أبو الفضل العباس العراقي، للقتال إلى جانب النظام، كما أنه لا يمكن التغاضي عن وصول جهاديين شيشان إلى سوريا بمعزل عن الموقف الروسي، الأمر الذي يعني أن هذا المعسكر لعب دورا مزدوجا في دعم التطرف والإرهاب مرة للنظام وأخرى لجهاديين من «خصومه».

ولم يكن المعسكر الدولي الآخر الأقرب إلى مناصرة ودعم الشعب السوري وقضيته بعيدا عن تعزيز الإرهاب في سوريا، لكن نتيجة دوره السلبي في التعامل مع القضية وأطرافها وتفاعلاتها، ولعل الأبرز في التعبير عن ذلك ما ظهر عليه الموقف الأميركي صاحب التأثير والدور المركزي. فرغم تعاطفه المعلن للثورة السورية ومعارضته نظام الأسد بسياساته وممارساته الدموية، فقد أدى تردده وتذبذب مواقفه إلى إطالة أمد الأزمة وتعقّد الصراع، وعدم فاعلية الموقف الدولي ومواقف دول أصدقاء الشعب السوري، التي تآكلت كتلتها وخف زخم مواقفها في دعم القضية السورية، وانخفاض مستويات دعمها، بما في ذلك المساعدات الإنسانية وتلك التي كان يُفترض أن تُقدم للجيش الحر، وقد دخلت الأخيرة حيز السياسة الذرائعية، مما كرس عدم مصداقية، خاصة في الموقف الأميركي، الذي من دونه كان من الصعب على الدول المنضوية في هذا المعسكر الذهاب إلى مواقف لا تحظى بموافقة واشنطن ورضاها.

لقد أفسح الموقف العام وغير الجدي لهذا المعسكر الفرصة أمام النظام ليستمر في سياساته وممارساته المتطرفة، وإشاعة العنف وأعمال الإرهاب، وسمح بالمزيد من توافد الجهاديين من قيادات وكوادر «القاعدة» وأخواتها إلى سوريا، واستغلالهم لأجواء الإحباط واليأس لتنمية البؤر المحلية المتطرفة، ثم توليد التشكيلات الجهادية، وبينها جبهة النصرة ودولة العراق والشام (داعش)، التي ما لبثت أن انتشرت في أنحاء واسعة من شرق وشمال البلاد، على حساب تشكيلات الجيش الحر والثوار، وسط معاناة الأخيرة من نقص الأسلحة والذخائر والإمداد، مقابل وفرة الموارد والأسلحة لدى تشكيلات جماعات التطرف، التي من المؤكد أن مواردها وأسلحتها وذخائرها تمر عبر دول الجوار المحسوبة على هذا العسكر.

المحصلة العامة للدور الخارجي في ظهور التطرف السوري وتعزيز وجوده وتوسعه، أنه كان سببا رئيسا، الأمر الذي يعني أن مواجهة التطرف السوري، سواء كان تطرف النظام أو التشكيلات التابعة لـ«القاعدة»، مهمة أساسية للقوى الخارجية، وما لم تقم هذه القوى، على اختلافها، بدورها في مواجهة التطرف، فإن الأخير سوف يتوسع ويزداد حضوره وتأثيره، ليس في سوريا فحسب، وإنما في محيطها الإقليمي، وانتقالا إلى المحيط الدولي، ولا شك أن هذه المهمة تتطلب من حيث المبدأ وقف إرهاب النظام، ووقف التدخلات الخارجية المسلحة في الشؤون السورية، ولا سيما تدخل إيران وأدواتها، إضافة إلى منع تدفق قيادات وكوادر «القاعدة» وأخواتها إلى الداخل، وتأكيد ضرورة خروج ما هو موجود من تلك العناصر إلى الخارج، ثم الذهاب إلى تجفيف مصادر دعم تشكيلات التطرف، وأغلب هذه المصادر مكشوفة، ومنع دول منخرطة في القضية، بينها العراق، من تقديم الدعم المتعدد الأوجه لتشكيلات التطرف وللنظام السوري في آن معا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

توجهات أميركية جديدة في الشرق الأوسط

حسين العودات

البيان

الاثنين 9/2/2013 

أصبحت القناعة متوفرة لدى السياسيين والمراقبين والصحافيين، بوجود توجهات أميركية جديدة في الشرق الأوسط، بشكل واضح وصادم أحياناً. فالرئيس أوباما لم ينفذ أي شيء مما وعد به العرب في خطابه في القاهرة في يونيو 2009، فبعد أن كان ضد الاستيطان في ذلك الخطاب، أصبحت سياسته خرساء تجاهه، وبعد حماسه لحل الدولتين في فلسطين، ما لبث أن تجاهله...

وقد عبر عن حماسه لتطبيق الديمقراطية في البلدان العربية فأدار ظهره لها، هذا فضلاً عن خطوطه الحمراء تجاه ما يجري في سوريا، وتجاه السياسات الإيرانية الإقليمية والنووية وغيرها.. ويبدو أن هذه السياسة ليست نتيجة تردد أو قصر نظر أو سوء رؤية. وربما يصح وصفها بأنها نتاج مرحلة انتقال من حال إلى حال، وهذا أكثر صحة وأصدق من وصفها بالتردد.

يبدو أن الإدارة الأميركية تبنت فعلاًَ سياسة جديدة تجاه الشرق الأوسط، وبدأت تنفيذها دون إحداث صدمة أو استعراض قد يثير ردود أفعال سلبية.

وتتمثل ملامح هذه السياسة بإعادة التقسيم الوظيفي بين دول المنطقة غير العربية، وتحديد مناطق نفوذ جديدة لهذه الدول، وتشكيل شرق أوسط جديد يتواءم مع هذه السياسة، التي سيكون العرب، أنظمة سياسية وشعوباً، هم الخاسرون الرئيسيون فيها لحساب إسرائيل وتركيا وإيران، وهي الدول ذات النفوذ إقليمياًَ.

تقضي توجهات السياسة الأميركية المقبلة، بتسهيل توسيع النفوذ الإيراني في منطقة الخليج وأفغانستان، ومساعدة إسرائيل في فرض هيمنتها على بلاد الشام، وإبقاء مصر حيادية ومحيّدة تجاه محيطها وعمقها العربي، وإشغالها بقضاياها الداخلية عن الاهتمام بما هو خارج حدودها، ومساعدة تركيا على مد نفوذها بشكل أوسع وأقوى في دول وسط آسيا (السوفييتية سابقاًَ).

وبذلك يتكرس النفوذ الإقليمي لإيران وإسرائيل وتركيا، وتكون السياسة الأميركية من وراء الجميع وفوق الجميع، وتبقى مصالحها محفوظة من جميع هذه القوى، دون أن تخسر جندياً واحداً أو دولاراً واحداً، وتنزع عن كاهلها الانشغال بالقضايا العربية المعقدة القائمة الآن، وتتخلص من تسخير الجيوش ودفع مئات مليارات الدولارات التي أصبحت ترهق ميزانيتها وتربك اقتصادها.

تتأكد هذه الافتراضات من خلال مظاهر وإجراءات عديدة، اتخذتها السياسة الأميركية في السنتين الأخيرتين. فقد وقفت متفرجة على آلام الشعب السوري وعنف إجراءات النظام ودمويته، على أمل أن يدمر السوريون بلدهم دون أن تتدخل.

وقد سرب بعض موظفي وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً لبعض السياسيين السوريين، أقوالاً أصروا على أنها "آراء شخصية"، مفادها أن حل الأزمة السورية يرتبط بتعهد قادة المعارضة (ولو كان تعهداً سرياً)، بألا تكون سياسة النظام المقبل تجاه إسرائيل معادية، بل أن تكون حليفة وصديقة تقبل بالمصالح الإسرائيلية وبالنفوذ الإسرائيلي في بلاد الشام. وهذا في حدود ما أعلم - رفضه المعارضون السوريون رفضاً باتاً.

ويشاع من طرف آخر، أن "الغزل" الإيراني الأميركي الجديد، هو تمهيد لاتفاق بين الطرفين، عرضت السياسة الأميركية مشروعه على إيران في محادثاتهما السرية، ومع أن إيران لم ترفضه ولم تقبله، في انتظار أن تعرف بدقة مستقبل نفوذها في سوريا وفي لبنان أمام الهيمنة الإسرائيلية المقبلة، وهل ستكون شريكاً أم مسكوتاً عن مصالحها؟

أم ستخرج من البلدين صفر اليدين، ويتراجع نفوذ حزب الله ليصبح حزباً لبنانياً سياسياً فحسب؟ وهذه المصالح يمكن معالجتها على أية حال، وصولاًَ إلى تسوية تقبلها إيران. أما تركيا فلا منازع لنفوذها المقترح الذي يعني إبعادها عن البلدان العربية، وعليها فقط ألا تهدد المصالح الاستراتيجية الروسية في هذه المنطقة، باعتبارها حزام روسيا الجنوبي ونقطة انطلاقها إلى آسيا، إضافة لوجود قاعدة إطلاق الصواريخ الفضائية فيها.

يقال إن هذه التوجهات الاستراتيجية الأميركية الجديدة، لا تلاقي إجماعاً من قبل مراكز اتخاذ القرار الأميركي (البيت الأبيض، وزارة الخارجية، والبنتاغون) والجهات المؤثرة فيه (الكونغرس، مراكز الدراسات، منظمات المجتمع المدني)، لأن رئيسة مكتب الأمن القومي ومكتبها لا يؤيدان هذه الاستراتيجية، وتتحفظ عليها وزارة الدفاع الأميركية، خوفاً من أن تؤدي إلى ترحيل قواعدها العسكرية في المنطقة وإلغاء وجودها فيها..

وبالتالي، تجريدها من مواقع قوة هامة قريبة من طرقات مرور النفط ومن حدود روسيا. يلاحظ المتمعن في هذه التوجهات المقترحة - إن صحت - أن البلدان العربية هي الخاسر الأكبر من تطبيقها، وأنها ستكون بالضرورة بلداناً تابعة إلى أمد مقبل طويل، بسبب هشاشة معظم أنظمتها السياسية وتناقضاتها الحالية، فضلاً عن تنامي إنتاج النفط من الصخور الزيتية في الولايات المتحدة..

حيث بلغ الإنتاج الأميركي منه هذا العام ما يساوي الكميات المستوردة، ما يهدد بتراجع قيمة النفط العربي وأسعاره، وهو السلعة الأساسية التي تشكل مصدر القوة للمنطقة العربية ومصدر دخلها الرئيس.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

موقفنا : هذه الأصوات المسيحية لماذا فقدناها أم فيها " إنَّ " ؟!

14.12.2013

زهير سالم

كلما أصاب شرر الثورة السورية بعض مسيحيي سورية بوميضه تتعالى الأصوات المسيحية من شرق العالم وغربه ، بالويل والثبور وعظائم الأمور . من الحبر الأعظم في حاضرة القديس بطرس إلى كنائس الشرق بمطارنتها وبطاركتها إلى مطارنة سورية ولبنان وفلسطين ومصر وأثيوبية تنطلق جوقة موسيقية واحدة تعزف سيمفونية الخوف على المسيحية والمسيحيين ، وجودهم ومصالحهم وحاضرهم ومستقبلهم وإنسانهم وعمرانهم . وينضم إلى هؤلاء مباشرة ساسة وإعلاميون ، يعرفون كيف يوظفون الحدث وينتهزون الفرصة ، ويعبرون عن مكبوتاتهم الفرويدية المتنسكة في مضامير التخوف والرثاء ؛ ليتمايل بعدُ المجرم المبير بشار الأسد وزبانيته على هذه الألحان طربا ...

ومهما غُلّفت هذه الأصوات في صورها البلاغية المنمقة على أيدي خبراء التجميل المحترفين بالدعوات الظاهرة إلى السلام وإلى المحبة وإلى الحوار فهي في جوهرها دعم للقاتل ، وتأييد له ، وتعبير عن فرح خفي بما يقع على أبناء الشام من قتل وتدمير وحرب إبادة .

ذلك  أن الذي يسوي في خطابه بين الضحية والجلاد ، والذي ينظر إلى ربع مليون إنسان سوري كأنهم لم يكونوا شيئا مذكورا ، والذي يرى أن هذا المجرم المبير بعد كل الذي أوقع في سورية والسوريين ، وبعد كل الذي هدم من العمران والمساجد والمآذن والكنائس ما زال صالحا لصنع سلام أو لاشتراك في حوار هو مجرم قاتل مثله بل يزيد عليه أنه يلقي على كلماته رُواء مما قال الله عن الحب والتسامح والسلام . ياأبناء الأفاعي لم تأتون إليّ  صفعهم بها يوحنا المعمدان

ولقد بلغ الأمر ببعض المطارنة السوريين من رجال الدين ورجلاته أن وقفوا أنفسهم على رحلات سياحية مقدسة تجوب عواصم العالم المسيحي القديم منه والجديد على طريقة بطرس الناسك ، وبدون حمارته هذه المرة ، تثير الأحقاد والضغائن ، وتنبه الغافلين ، وتحذر المتساهلين وتطلب النصرة والعون والتأييد للقاتل المبير بشار الأسد وعصابته .

وتجاوز الأمر أكثر لنرى حبلا للشر موصولا يمتد من حاضرة القديس بطرس – الحواري الحق الذي نحب ونوالي – إلى طهران الولي الفقيه ليستأنف الكيد التاريخي دوره في طعن أبناء الشام في أبسط حقوق إنسانيتهم ، وللإيقاع بهم من جديد في فخ القنانة والعبودية حيث امتص الغول الطائفي البشع على مدى نصف قرن كل خير عندهم وطمس كل جميل في حياتهم ...

وابتداء نقول ..

إنه لا أحد على الأرض السورية ، وفي ركب الثوار السوريين الصادقين يريد سوء بالمسيحية ولا بالمسيحيين لا في وجودهم ولا في مصالحهم ولا في حاضرهم ولا مستقبلهم . وإن كل قيادات الثورة السورية لا تزال ترمي عن قوس واحدة في الدفاع عنهم وفي إدانة أي عدوان أو بغي أو سوء

يتقصدهم أفرادا أو جماعات أو مؤسسات أو كيانات أو بنى دينية أو حضارية . بل إننا في سورية لنفخر على العالم كله بالنبي العربي وبالمسيح السوري خصوصية لسيدنا المسيح بل لنا لا نتنازل عنها . فنرجو ألا يزاود أحد على الثورة السورية في الحرص على المسيحية ولا على المسيحيين .

ولقد ظل مجتمعنا السوري على مدى وجود المسيحية ، بعد أن أمعن الأباطرة الرومان في حوارييها ورسلها تقتيلا وصلبا وتشريدا ، الحاضن الحقيقي لدعوة المسيح ولحواري المسيح . اختلفت الدول ، وتبدل الساسة ، والأيام دول ، وظل أبناء المجتمع السوري الأصيل الواحد مترابطين متضامنين ، لم يشحن صدورنا بغيظ فرسان جاسوا خلال ديارنا باسم الصليب فارتكبوا كل ما يرتكبه الهمجي بشار الأسد اليوم نسينا صليبهم وسميناهم الفرنجة ، وبرأنا أبناء مجتمعنا من جرائرهم واستأنفنا عيشنا يظلله الإخاء والحب و السلام ويعانق رجع الناقوس فيه صدى الأذان .. ثم نضيف وإنه لا يستنكر لا في شرع ولا في عقل ولا في سياسة أن يظهر أهل ملة ودين قلقهم وتخوفهم على أبناء ملتهم ودينهم بالحق والمعروف الذي جاءت به الأديان ؛ لذلك فنحن لم نكن لنستنكر هذا الضجيج المسيحي من روما إلى موسكو ومن موسكو إلى أنطاكية ومن أنطاكية إلى بيروت لو أنه جاء خالصا للدفاع عن المسيحية والمسيحيين ولكن أليس من حقنا أن نسأل أين كانت هذه الأصوات الحمية يوم كان حافظ الأسد وزبانيته غازي كنعان ورستم غزالة يسومون مسيحيي لبنان كل أنواع الشر والسوء والهوان مما نستحي من ذكره ونعف عنه ؟! أين كانت الأصوات المسيحية هذه يوم لم يبق لمسيحيي واحد في لبنان حرمة بيت لا ظاهرة ولا باطنة ؟!

أين كانت الأصوات المسيحية هذه يوم كان موظف أمني صغير قادر على جرجرة قادة المسيحيين اللبنانيين السياسيين منهم والدينيين إلى مقره في عنجر، دون أن يتمعر دفاعا عنهم في هذا العالم وجه رجل دين أو رجل دنيا ...

أين كانت هذه الأصوات ؛ ونحن نسمع صوت ميشيل عون اليوم يجاهر أن سيجهز حملة إلى سورية للدفاع عن المقدسات المسيحية ؛ يوم فر ميشيل عون مثل ...إلى السفارة الفرنسية ثم إلى فرنسة ليعيش في المنفى وأنفه راغم في الوحل أكثر من عقد من الزمان دون أن يجرؤ صاحب القداسة الشرقي أو الغربي أن يطالب ولو مجرد طلب بعودة رجل مسيحي إلى وطنه شرده منه علوي سوري قاتل ومأجور ..!!

إذا كانت الغيرة على المسيحية والمسيحيين هي وراء كل هذا الضجيج المسيحي فأين كان هذا الضجيج يوم اكتشف الأمن اللبناني الجريمة الكئيبة الكالحة المنكرة لبشار الأسد وعلي مملوك وبثينة شعبان وميشيل سماحة لاغتيال رموز المسيحية في لبنان البطرك ( صفير ) والبطرك ( الراعي ) ولإحداث أخطر فتنة بين المسلمين والمسحيين في القرن الحادي والعشرين ؟! نتساءل اليوم بكل الجد ما سر الصمت على الجريمة ، ما سر تمويتها في أدراج القضاء ؟ ما معنى أن يشارك مسيحي في مكانة وزير سابق في جريمة ضد رموز المسيحية في لبنان ؟ من كان يقف وراءه من رموز المسيحية العالمية أيضا ، وليس فقط مملوك وبثينة وبشار ؟ ولماذا تم اغتيال ضابط الأمن المسلم السني – والحديث يجب أن يكون على المكشوف – الذي اكتشف الجريمة وحمى رموز المسيحية من القتل فكوفئ على ذلك بالقتل !!!! ولماذا لا يزال البطرك بطرس الراعي يبكي حبا لقاتله بشار الأسد وعلي مملوك وبثينة شعبان أيضا ؟!

هل هذه الأصوات التي نسمعها اليوم حول العالم هي أصوات حقيقية في الدفاع عن المسيحية والمسيحيين أم أنَّ فيها إنَّ ؟!

المسيحية أهل الشام الأحق بها فالمسيح مسيحنا . والمسيحيون نحن أهلهم وهم في خير ما وقيتموهم شروركم وآثامكم . ومن أراد أن يقارب ملف هذه الثورة فليقاربه بخير أو فليدع ...

11 / صفر / 1435

13 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

حرسي علي.. الأسد!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 9/2/2013

في غمرة المتبارين حول الانتفاضة السورية، أو المتكالبين عليها، من زاعمي الخبرة الجيو ـ سياسية في شؤون وشجون الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلام عموماً، ومدّعي الدراسة والدربة والدراية في أدقّ تفاصيل تاريخ سورية واجتماعها واقتصادها وثقافتها؛ لم يكن ينقص إلا… أعيان حرسي علي، دون سواها: المواطنة الصومالية ـ الهولندية، مؤلفة ‘العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل’، أحدّ أشدّ الأعمال ركاكة وغثاثة وتلفيقاً واختلاقاً حول الإسلام؛ وبطلة شريط ثيو فان غوغ ‘خضوع، الذي ظهرت فيه شبه عارية وقد خُطّت على جسدها آيات قرآنية، وأسفر عن اغتيال المخرج واختباء ‘النجمة’ بعد وضعها تحت حراسة أمنية مشددة…

ماذا أبدعت هذه العبقرية عن الانتفاضة السورية؟ أو، بالأحرى، ما الذي يمكن أن تخرج به قريحتها الضحلة، سوى التنميطات الركيكة التي لم تعد مكرورة وفارغة وجوفاء، فحسب؛ بل صارت أقرب إلى النفخ في قربة مثقوبة، أو تشغيل أسطوانة مشروخة كانت نشازاً في الأصل. ما يجري في سورية، وخاصة سقوط مئة الف ضحية (لإنّ الستّ حرسي علي ما تزال واقفة عند هذا الرقم) ليس ناجماً عن وحشية النظام، ولا عن استخدام جميع صنوف الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك صواريخ الـ’سكود’ والقاذفات والأسلحة الكيميائية؛ بل هو نتيجة طبيعية لامتناع ‘الثقافة الإسلامية’ عن ‘قبول الآخر’، وعجز المسلم عن تقديم التنازلات لأخيه المسلم، وانعدام مبدأ التفاوض في الشريعة!

‘في سورية، تندلع حرب أهلية تتزايد باضطراد طبيعتها الطائفية. وفي تونس، تتعاظم الاحتجاجات ضدّ الحكومة الإسلامية، في أعقاب اغتيال سياسي علماني آخر. وفي ليبيا يتفاقم العنف بين الميليشيات المتنافسة. وهناك، كما في العراق، نشهد السيارات المفخخة واقتحام السجون’؛ وأمّا ‘فرصة تدخّل غربي فعّال’ للمساعدة في إسقاط النظام، فإنها ‘نُسفت بسبب سيطرة المجموعات الجهادية على الحرب ضدّ الرئيس بشار الأسد”؛ تكتب حرسان علي، على سبيل توصيف مآلات ‘الربيع العربي’، في تعليق نشره موقع ‘هفنغتون بوست’ الإخباري الأمريكي. وبفضل علومها النيّرة، ومعلوماتها التاريخية الفذّة، نكتشف أنّ النزاعات الدينية التي تشهدها المنطقة ليست عائدة إلى الانقسام السنّي ـ الشيعي (إذْ لا ترد هذه الثنائية على بال حرسي علي، البتة)؛ بل هي ناجمة عن… سقوط الإمبراطورية العثمانية!

مفيد أن يعود المرء بالذاكرة إلى صيف 2006، حين استقالت الحكومة الهولندية ودعت إلى انتخابات برلمانية مبكرة، بعد انهيار ائتلافها الليبرالي جراء انسحاب الحزب الأصغر في التحالف، احتجاجاً على سعي وزيرة الهجرة ريتا فردونك إلى سحب جواز السفر الهولندي من النائبة حرسي علي. ورغم أنّ فردونك كانت تطبّق القانون بحذافيره، على نائبة يحدث أنها تمثّل الحزب الليبرالي ذاته الذي تنتمي إليه الوزيرة، خصوصاً بعد أن أقرّت حرسي علي علانية بأنها خالفت القوانين المرعية وقدّمت معلومات كاذبة في استمارة طلب اللجوء؛ إلا أنّ البرلمان صوّت على قرار يطالب فردونك بإيقاف إجراءات سحب الجواز، الأمر الذي امتثلت له الوزيرة.

كادت القضية أن تنتهي هنا، إذاً، مع تسجيل نقطة لصالح الديمقراطية ضدّ البيروقراطية، خاصة بعد رضوخ الوزيرة العنيدة؛ لولا أنّ حرسي علي برهنت على عناد أشدّ وأمضى، فلم تكتفِ بالاستقالة من البرلمان، وإنما أدارت ظهرها للبلد بأسره، ويمّمت شطر الولايات المتحدة، لتلتحق بالمعهد اليميني المحافظ ‘أمريكان إنتربرايز؛ حيث عملت ـ صدّقوا ما تقرأون! ـ ‘خبيرة’ في شؤون الإسلام! ‘شهادات الخبرة’، التي جعلت المعهد يسارع إلى توظيفها، نهضت على هذا التقريظ (الذي لفّقه أحد الناطقين باسم المعهد، دون أدنى خجل من التخابث الرخيص في حشر الألقاب الدينية كيفما اتفق): إنها ‘إبنة الإسلام المتمردة على آيات الله’!

مفيد، كذلك، استعراض الشريط التالي، من وقائع حياة هذه المهاجرة: 1992، تصل إلى هولندا، من الصومال، وتحصل في زمن قياسي على اللجوء السياسي بسبب ما تعرّضت له من اضطهاد على يد الإسلاميين في الصومال؛ 1997، تُمنح الجنسية الهولندية، دون مشكلات تُذكر، وفي زمن ماراثوني بالقياس إلى الغالبية الساحقة من الحالات المماثلة؛ 2002 يضمّها الحزب الليبرالي إلى لائحة مرشحيه للبرلمان، فتضطرّ عندها إلى الإقرار بأنها قدّمت معلومات مضللة في طلب اللجوء والجنسية؛ 2003، تفوز في الانتخابات، وبعد سنة فقط تظهر في شريط ثيو فان غوغ… أيّ مسار ‘مهني’ و’أكاديمي’، ذاك الذي أهّلها للعمل ‘خبيرة’ إسلام ومسلمات ومسلمين، في المعهد الأمريكي العريق، الحصين المنيع الذي لا يدخله إلا ثقاة المحافظين والمرضيّ عنهم من أهل اليمين!

ولكن لِمَ العجب، إذا كانت الدورية الشهيرة ‘فوريين بوليسي’، التي يصدرها معهد كارنيغي الأمريكي الشهير، اختارتها في المرتبة 37 من لائحة الـ 100 شخصية الأكثر تأثيراً في الوظيفة الحساسة التي يطلق عليها الغرب تسمية ‘المثقف العمومي’؟ ثمّ ما الغرابة ـ من سيدة لم تنتج إلا ركاكة الأقوال عن الشريعة، والعزف على ذات الأوتار التي تطرب خواف الغرب من الإسلام، وتغذية بعض نزوعاته العنصرية ـ في أن تخاطب سفاح سورية بـ’الرئيس، فيصفّق لها إعلامه، ويتلهف شبّيحته على نسبها إلى آل بيته، ولعلها بذلك تكتسب كنية جديدة: أعيان حرسي علي… الأسد!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الطبقة الوسطى السورية والدولة الدينية

غسان الامام

الشرق الاوسط

الثلاثاء 10/12/2013

تزوج كارل ماركس فتاة بورجوازية نبيلة وجميلة أخلصت له. وتحملت معه فقره وشقاء إقامته المتواضعة في مهجره الرأسمالي بلندن. فخانها مرارا. بل وأنجب من خادمتها. واضطر صديقه ومموّله الوفي رجل الأعمال الإنجليزي إنجلز إلى أن يتبنى ابنه غير الشرعي، كي لا يجرحا عواطف الزوجة. لكن ماركس ظل وفيا لطبقة البروليتاريا التي أخطأ في الرهان عليها، كالطبقة الاجتماعية المدعوّة للثورة على طبقة زوجته وصديقه الرأسمالية.

لا أومن بالصراع الدموي للطبقات. غير أن مفكري الاقتصاد الرأسمالي استفادوا من ابتكار ماركس "لفرز" المجتمع إلى طبقات، في جعل الطبقة الوسطى هي المستهلكة والمهندسة لاقتصاد الوفرة الرأسمالي، فيما حولت طبقة البروليتاريا النظام الشيوعي إلى دولة بيروقراطية مرعبة. وكان عليها أن تنتظر، للطرافة البالغة، طبقتها الوسطى، لتحقيق ثورة بلا دماء. وبلا رصاص.

كنا كلما سألنا الرفاق الماركسيين الذين شمُّوا الهواء بانتظام في بلغاريا وروسيا، حدثونا بفخر وإعجاب عن المنجزات التي وُضع من أجلها الرفيق لينين للعرض في تابوت زجاجي ما زال حبيسا له. ثم فاجأنا القوميسار. المتمرد بوريس يلتسين بتوريث الدولة الجديدة إلى الضابط المخابراتي فلاديمير بوتين الذي يسلح بشار بأسلحة الدمار التي قتل ويقتل بها عشرات الألوف من أبناء الطبقة الوسطى في حلب. حمص. حماه...

قصف بشار الطبقة الوسطى السورية التي لم تتمرد عليه. ولم تنضم إلى الثورة الريفية/ الجهادية التي اجتاحت المدن المذكورة. أما الطبقة الوسطى الدمشقية فهي تعتقد أن بشار يحبها حبا جمّا. وليس مستعدا لتدمير أحيائها فوق رؤوسها، كما فعل بالمدن المذكورة.

تحت عسف نظام طائفي جائر، بلا أية ثقافة فكرية، أو رؤية اجتماعية، نشأت في سوريا، خلال السنوات الخمسين الأخيرة، طبقة وسطى عريضة، في المدن الكبيرة والبلدات المحيطة بها التي تحولت إلى مدن صغيرة. كان ازدهارها النسبي من صناعتها الذاتية. فقد اعتمدت على جهدها، في تحصيل المال من الخليج، أو من الاتجار بالأرض التي تمتلكها.

ولم تكن هذه الطبقة الميسورة الحال نسبيا والنشيطة جدا في العمل. والتجارة. والبناء العقاري، بأحسن حالا من النظام، على مستوى الفكر. والثقافة. غياب الثقافة حرمها من القيم الفكرية والسياسية التي تنطوي عليها الطبقة الوسطى الأوروبية، في الإيمان العميق بديمقراطية الدولة والمجتمع، والاستعداد للموت في الدفاع عن الحرية السياسية والاجتماعية، كما فعلت وضحّت بعشرات الملايين في الحرب العالمية الثانية، لإسقاط الفاشية العنصرية.

بدأت الحرية الدينية تأخذ بُعدا نفسيا في أوروبا منذ بدء ازدهار الطبقة الوسطى، خلال القرون الثلاثة الأخيرة، فيما تعرضت الطبقة الوسطى السورية والعربية إلى "غزو" ديني مكثف! الطريف هنا غض النظام النظر عن التربية الدينية المكثفة والسرية التي مارستها المرجعية التقليدية الدينية والمرجعية السلفية و"الجهادية"، فيما مُنع الحزب الإخواني من ممارسة نشاطه، بعد نجاح النظام في استئصاله مؤقتا بمجزرة حماه (1982).

عقد النظام وفاقا شفهيا مع المؤسسة الدينية التقليدية وَفَّرَ نوعا من الحرية الدينية. لاقى ذلك ترحيبا لدى الطبقة الوسطى السنية في المدينة الكبيرة، وليس في الريف المتذمر الذي لاقى لا مبالاة النظام في الاهتمام بالخدمات، لا سيما في تخطيط وخدمة المدن الصغيرة، فكان البناء العشوائي سمة التشويه الغالبة على التوسع العمراني فيها.

غير أن المرأة السورية هي التي تعرضت إلى "غزوة" دينية حقيقية. خلال السنوات الخمسين الأخيرة، نتيجة لنجاح التنظيمات الدينية التقليدية والسلفية والجهادية، في جعل البيت شبه السري مركزا للتلقين الديني. وتم غسل دماغ المرأة السورية الأمية أو شبه المتعلمة، من أي أفكار عن الادعاءات المبالغة عن "تحرر" المرأة العربية.

اشتراكية النظام تحولت إلى رأسمالية متوحشة. شراهة النظام في ابتزاز الطبقة الوسطى المزدهرة أفقدت هذه الطبقة قيم الطبقة الوسطى الأوروبية في احترام القانون. فبات ساذجا أو غبيا، في عرف الرأي العام، كل من لا يتعامل بالرشوة مع المجتمع والغير، لتحقيق الربح الفاحش. وتقدمت العائلة والطائفة لتستغلا الاقتصاد المدني والعسكري (استيراد. تصدير. مقاولات وتوريدات الجيش. وقوى الأمن).

حلف الطبقة البورجوازية التجارية والصناعية لم يهتز مع العائلة والطائفة. فاستفاد كبار المتمولين السنة والشيعة المسيطرين على الغرف التجارية والصناعية أيضا من رأسمالية النظام "الاشتراكية"، في تحقيق أرباح واستثمارات توقفت مع نشوب الثورة وتدمير المصانع. وتفجرت بالهرب إلى الخارج.

أما تجار الجملة والتجزئة من الطبقة الوسطى الذين نجح آباؤهم في قلب نظام عبد الناصر، وإنهاء الوحدة القومية مع مصر، من خلال تحريض أبنائهم الضباط متوسطي الرتب في الجيش (1961)، هؤلاء ليس لهم أبناء اليوم في الجيش الطائفي لتغيير الوضع. وبالتالي فتجارة البازار أصيبت بكارثة حقيقية، بانعدام الأمن. وتدمير الأسواق. والمصانع. التذمر شديد لكن مكتوم تحت الضغط الأمني.

الثورة المسلحة ليست من قيم الطائفة الوسطى. فهي جبانة بالمقارنة مع ثوار البروليتاريا الريفية أو العمالية. كان الحل بالهرب إلى الخارج مع كبار البورجوازيين حاملين معهم أموالهم. هذه المرة ليس إلى لبنان كالعادة، وإنما أيضا إلى أوروبا واسكندنافيا (دول الشمال).

تريفت الثورة وتأسلمت. غزا الريفيون الفقراء والبسطاء مدينة الطبقة الوسطى التي هي أيضا مدينة النظام الفاسد وبطانته السنية التجارية والدينية. قتل الشيخ سعيد رمضان البوطي أكبر الدعاة الدينيين التقليديين الذي فتح له النظام دكانة تلفزيونية دينية، لاستعادة ولاء الطبقة الريفية الفقيرة، بعد فوات الأوان، وللمحافظة على سكوت الطبقة الوسطى.

هذه هي حال الطبقة الوسطى السورية، في عصر النظام الطائفي الغارب. فكيف ستكون حالها وموقفها، إذا تمكنت الثورة الريفية من إقامة نظام ديني أو "جهادي"؟ من سوء حظ الجبهات الإسلامية و"الجهادية" أن خطف راهبات دير معلولا قدم صورة عالمية سلبية للمشروع السلطوي الديني في هذا البلد العربي.

المسيحية السورية فصيل لا ينفصل عموما عن الشريحة العليا من الطبقة الوسطى. فهي تكاد تلامس في الثراء الطبقة البورجوازية التجارية والصناعية المرتبطة مصلحيا بالنظام الراهن. ولعل بطاركة المسيحية الشرقية يصدرون بيانا مشتركا عن "حياد" المسيحيين السوريين، في الصراع الطائفي البشع الذي هو الآن المرحلة الحاضرة في الحرب السورية. والغرض من البيان طمأنة الثوار المتأسلمين، إلى أن المسيحية لن تكون عميلة للنظام.

تحدثت طويلا عن إشكالية التنظيم الديني المتسيس، في الثلاثاء الماضي. وها هو "خطف معلولا" يبلور مجددا عجز المشروع السياسي السلطوي الديني، عن ضمان المساواة في المواطنة للطوائف الدينية غير الإسلامية التي ضمنتها لها، نظريا أو عمليا، الدولة المدنية الحداثية، وضمنتها لها الدولة العربية المستقلة.

أيضا، هل تقبل الطبقة الوسطى السورية المستوطنة للمدن الكبيرة مشروع الدولة الدينية؟ هذه الطبقة تقبلت وتعايشت مع نظام طائفي جائر لم يتعرض اجتماعيا لتقاليد غالبيتها السنية الدينية. وهي تعرف سلفا أن أي نظام ديني معتدل أو جهادي متزمت سيشهر السيف في وجهها، كما يفعل مع الطبقة الوسطى السورية في المدن الكبيرة التي هدمها النظام.

الغالبية والأقلية في سوريا ضمنت لها الدولة المدنية والطائفية التقيد بالأحوال المدنية الشخصية لأديانها، في كل ما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث. من هنا، فلن يكون مشروع الدولة الدينية عبئا كبيرا عليها، إلا إذا مارس التدخل بالفرض والإكراه غير المألوفين لدى السنة السورية.

لست متفائلا. فالصراع في سوريا قد يستمر، على الأرجح، حتى ولو سقط النظام الطائفي. الطبقة الوسطى هي التي ستكون ضحية الصراع، لأنها ستتمرد عاجلا أو آجلا، عندما تعرف أن الدين المتسيس ليس كافيا وحده لضمان أمن واستقرار البلد الذي يحكمه.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية: جمهورية جديدة أم صوملة؟

أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 10/12/2013

بين حدين أقصيين رسم الأخضر الإبراهيمي مستقبل سورية، إما جمهورية جديدة غير طائفية، ديموقراطية وتعددية، وإما بلاد ممزقة يتنازعها أمراء الحرب، محذراً من تحولها إلى "صومال كبير" إن فشلت التسوية ولم يتفاوض السوريون على الحل السياسي. فإلى من يوجه الإبراهيمي تحذيره قبل وقت قصير من الموعد المقرر أممياً لانعقاد مؤتمر جنيف2؟!.

ربما إلى الدول الغربية وفي مقدمها أميركا، في ظل ما يشاع عن استمرار الخلاف في بعض نقاط بينها وبين روسيا حول مؤتمر جنيف ومسار المرحلة الانتقالية وطابع القوى المرشحة لقيادتها والتنازلات المفترض أن يقدمها النظام السوري.

موسكو تبدي إصراراً لافتاً على حصر تنازلات النظام في أضيق حدود لإبقاء مفتاح الحل في يدها، ولا مانع بعدها من تقديم بعض الضمانات والتسويات، منها مثلاً ما تسرب عن غزل مع أطراف من المعارضة السورية وعن تطمينات قدمت مؤخراً للعربية السعودية، لتخفيف تحفظاتها على محتوى التوافق الذي يتشكل حول سورية ومؤتمر جنيف.

إصرار موسكو يغذي التعويل على مرونة واشنطن في إنجاح التوافق، إن على سهولة تراجعها عن اشتراطاتها، وإن على قدرتها في تطويع المعارضة السورية، وهي مرونة باتت تسوغها تحت عنوان القيادة عن بعد أو من الخلف، وانعكست انكفاءً وتردداً وتناقضات سياسية في التعاطي مع تطورات الصراع السوري، وآخر دليل موقفها الجديد من الدور الإيراني في سورية. فما رشح عن مسؤولين أميركيين كانوا يعتبرون طهران طرفاً في المشكلة، وعليها سحب قواتها الداعمة للنظام، وتبني وثيقة جنيف1 كشرط لدعوتها إلى جنيف2 صاروا يجاهرون اليوم بأنها جزء من الحل وأن ثمة ضرورة لمشاركتها في المؤتمر من دون اشتراطات تذكر.

ومع أن الاستعصاء المزمن للصراع السوري وعجز أطرافه المنهكة عن الحسم أفقد مكوناته الداخلية قدرتها على لعب دور مقرر، وعزز أدوار القوى الخارجية وحتمية التفاوض عبر مؤتمر جنيف، ليس فقط للبحث عن حل سياسي في سورية، بل لطي ملفات شائكة معظمها لا علاقة له بالشأن السوري، لكن وللأسف لا تزال أهم الأطراف الأممية ترسخ الانطباع بأنها غير متعجلة للحسم ويهمها تحصل نقاط من خصومها من دون اعتبار لآلام السوريين وما يكابدونه.

في سياق آخر، ربما يعني الإبراهيمي في تحذيره بعض الأطراف العربية والإقليمية المؤثرة في الصراع السوري لحضها على إعادة بناء مواقفها واصطفافاتها، بدءاً من بلدان الجوار التي تنامت مخاوفها من مخاطر امتداد العنف والتطرف الإسلاموي إلى مجتمعاتها، وقد بدأت نذره تتضح وتتكاثر، مروراً بالسعودية كي تحذو حذو تركيا في المسارعة لبناء تفاهم مشترك مع إيران يعيد تقاسم الأدوار والنفوذ ويمتص انعكاسات الاتفاق الإيراني الغربي على مصالحها واستقرار الخليج، انتهاءً بإسرائيل التي لا يخفى على أحد وزنها المؤثر في مواقف البيت الأبيض والكرملين من الشأن السوري، ودورها في التشجيع على إبقاء الجرح مفتوحاً حتى استنزاف هذا البلد وتركه نهباً للدمار والتفكك فلا تقوم له قائمة لعقود من الزمن.

في المقابل، يبدو كأن غاية التحذير هي المعارضة السياسية السورية بسبب ضعفها وتشتتها ووضوح تعويلها على الخارج في إحداث تغيير، في رهان على تجاوز خلافاتها من المشاركة في جنيف2 وتالياً تلكؤها وارتباكها في التعاطي مع الدعوة لتشكيل وفد موحد يشارك في المؤتمر يضم أهم المكونات مختلف أطيافها في الداخل والخارج، وأيضاً على إعلان موقف حاسم من تنظيمات إسلاموية متطرفة دخلت جسم الثورة وتمكنت من مد نفوذها وتحاول، قمعاً وإرهاباً، خلق واقع ميداني يخدم أجندة خاصة مناهضة للديموقراطية والدولة المدنية.

بينما يبدو غريباً أن يكون هدف التحذير هو النظام السوري نفسه كي لا يندفع من جديد وراء حسابات خاطئة ويتعنت في موقفه من المعالجة السياسية ويعزز خياره الحربي ورهانه على تحقيق "انتصارات" يعتقد أنها تعيد رسمه كطرف مقرر.

فالإبراهيمي يدرك أكثر من غيره أن الأمور ما كانت لتذهب إلى هذا العنف والخراب وخطر الصوملة لولا إصرار النظام على إنكار الأسباب السياسية لحراك الناس وتصويرهم كأدوات إرهابية ومتآمرة يحل سحقهم، ويدرك تالياً انتماء السلطة في سورية إلى نوع السلطات العاجزة عن قبول أية مساومة على بقائها، وتخوض معركتها في الحكم إلى النهاية كمعركة وجود أو لا وجود، وتتصرف أركانها وكأن ليس من رادع يردعها في توظيف ليس فقط مختلف أدوات القمع والفتك، وإنما أيضاً كل أشكال المناورات السياسية، في رهان واهم على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

مغازلة أحلام الناس بجمهورية الحرية أمر مفسر، والتخوف من الصوملة وتفكك البلاد أمر مبرر، ولكن ما هو غير مفسر أو مبرر، غياب التأكيد على أولوية وقف العنف الدامي وما يخلفه من ضحايا ودمار ومشردين ومسؤولية النظام في إطلاق آلته القمعية والتدميرية لتعمل بأقصى طاقتها، ثم الاستهتار بالواقع المذري لملايين من السوريين، فاقت معاناتهم كل الحدود، وقد فقدوا أهلهم وممتلكاتهم، وأكرهوا على العيش كلاجئين مذلولين في بلدان الجوار ونازحين معوزين في وطنهم بحثاً عن ملاذ يركنون إليه.

إذا كان ثمة تخوف من مخاطر تمدد القوى الإسلاموية المتشددة في سورية، فإن الرد هو توجيه الدفة نحو المسار الصحيح، نحو العمل الجدي بداية، لوقف العنف الذي يغذيها ويعزز وجودها، وتالياً تحذير الجميع ومناشدتهم للإسراع في وضع حد لصراع دموي طال يدفع الأمور مع كل يوم يمر إلى تطورات لا تحمد، وقد لن ينجو أحد من عقابيلها.

والحال، صدق الإبراهيمي في تحذيره من خيار الصوملة على الوطن السوري، لكن هل تشي مواقفه مما حصل ويحصل في البلاد، عن صدقية تجاه خيار الجمهورية الجديدة، الديموقراطية والتعددية؟!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

من أطفال كرم الزيتون إلى أطفال النبك...رسالة إلى ثوار حمص

11.12.2013

وليد فارس

هاهما عامان كاملان مضيا على عمر مجزرة كرم الزيتون, المجزرة التي ذبح فيها أكثر من ثمانية عشر طفلاً من أطفال الحي, هاهي الكرة تعيد نفسها على بعد مائة كيلو متر جنوباً في مدينة النبك.

ولا ينسى الإنسان ماحصل بينهما من مجازر, مجازرَ شككت العالم في انتماء مرتكبيها للبشرية, فما مجزرة الحولة ولا العدوية في حمص ببعيدة عن ذاكرتنا, مجازر تلو المجازر تعطي للعاقل مزيداً من الإثباتات, أن مرتكبيها حيوانات متكلمة على هيئة بشرية.

لقد أطلق الثوار كلمتهم في حرية ينشدونها, ولو تخلوا عن تلك الكلمات لأتتهم الدنيا بين أيديهم, ولما حصل ما حصل ولما قامت الدنيا فوق رؤسهم ولم تقعد, كل هذا يحدث أمام مجتمع دولي نكتشف يوماً بعد يوم أنه صامت مشلول أمام جرائم النظام, ومتتبع فطن لهفوات الثوار وأخطائهم.

تمسك النظام بإجرامه ووجوده, كذب وافتراء, قتل واغتصاب وذبح, رشاويٍ دولية وإعطيات لكل من يحاول أن يقف في طريقه, دعم إقليمي على أساس طائفي بغطاء الممانعة والمقاومة, وأي شيء وبدون حدود في سبيل وجوده وبقاءه.

يحاول النظام أن يفعل أي شيء في سبيل تمكينه, يحاور, يتقدم, يتراجع, لكنه يبقى متعطشاً للدماء, وتبقى رائحة أطفالنا تفوح أمامه, كما تفوح رائحة الدم لفريسة ذئب جائع يترقب بسكون.

لا يمكن أن يستوي بنظر عاقل من أطلق كلمته وحافظ عليها, بل ودفع في سبيلها دماً ومالاً وروحاً وصداقة وأهلاً وأحبةً, مع من باع في سبيل بقاءه أهله وأرضه وسلاحه وقراره وكشف عن وجهه الحقيقي, لا يمكن أن يكونا طرفان أبداً ولا يمكن أن يستوي الضبع الخبيث النتن, مع الإنسان الذي ينشد حقاً تقره الدنيا كلها.

إن الحر لا يغتسل في ماء نهر مرتين, وإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين, وإن العاقل من اتعظ من مواقف أخرى يشاهدها فكيف بمواقف مرة عليه, وإن الخائن لا أمان له ولا عهد, والمجرم لا كلمة له ولا وعد:

لكنما أصنامنا بشرُ، الغدر منهم خائفٌ حذرُ

والمكرُ يشكو الضعف إن مكروا، فالحرب أغنية يجن بلحنها الوترُ، والسلم مختصرُ.

فاجمعوا أمركم وتوكلوا على من لا يخذلكم واعلموا أن السيف بعد الله هو ملجأكم وأن الكلاب الضالة والذئاب المتوحشة لا راد لها إلا الرصاص.

حمص المحاصرة, 10-12-2013

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بشار الأسد .. رئيساً لسوريا 2014!

11.12.2013

أحمد مصطفى الغر

للأوطان أحيانا فترات صعبة تمر بها ، وفترات رخاء وعز وهناء ، كانت سوريا هكذا .. بلد حضارة و تاريخ فى ماضيه .. جنة الشام ، ثم إنتكاسة من بعد رخاء .. لكن يبدو أن الانتكاسة قد طالت مدتها نسبيا !

 

في قلب بلاد الشام توجد "سوريا" أو "سورية" .. كيفما تحب أن تكتبها ! ، قصة أخرى لحكاية شعب صنع ثورته ليقضي على براثن الحكم الفاسد ويقتل مشروع توريث كان التخطيط له يتم على قدم وساق حتى تم تتويجه بخلافة بشار لأبيه حافظ ، خرج الشعب السورى يطالب بكرامة وحرية ولقمة عيش كريمة، خصوصاً وأنه يرى من حوله بلدان عربية مماثلة استطاعت أن تسقط أنظمتها الفاسدة، خرج الشعب مسالماً ، أرادها ثورة بيضاء حتى لا تفسد بياض الربيع العربي، وربما هذا ما كان يريده ثوار ليبيا أيضاً لولا جنون القذافي الذي فرض عليهم حمل السلاح للدفاع عن النفس أولا والتخلص من مرتزقته وكتائبه التي لا ترحم ثانياً.

 لكن داء سوريا هو رئيس يريد أن يبقى في الحكم إلى آخر لحظة من عمره، رغم أنه هو نفسه من خرج ليعلن أن الحفاظ على سوريا هو أسمى وأهم واجباته التي وهب حياته لها، فكيف سيحقق ذلك إذا كان بقاؤه في الحكم هو لب المشكلة التي قد تودي بسوريا وبشعبها على حد السواء؟! ، تطول ممطالة بشار وتكثر جرائمه ومعها تطول معاناة سوريا ، ولعل تلك المعاناة هى أخر ما قد يذكره أجيال سوريا المستقبلية عندما يقلبوا فى صفحات كتب التاريخ ليستعرضوا تاريخ الأباء و الاجداد.

 " هو زاهد فى الحكم ، ويريد العودة الى مزاولة مهنة طب الاسنان " ، هكذا ردد مفتى الديار السورية أكثر من مرة متحدثا عن بشار الأسد ، لكن مع كل مرة يردد فيها المفتى هذا الكلام فإن عدداً جديداً من قتلى الثورة السورية يسقط ، و أسماءاً اخرى يتم ضمها إلى قوائم الشهداء ، فهل ترك الرئيس للحكم و عودته إلى مزاولة طب الأسنان تستدعى كل هذه الدماء ؟! ، فحتى الأحياء من أبناء سوريا لا يأمنون على حياتهم من أن تصيبهم رصاصة غادرة من رجال النظام ، نحسبهم عند الله شهداء برغم كونهم احياء .

فمشاهد القتل لا تختلف كثيراً عن تلك التى كنا نشاهدها مع بدايات أحداث الثورة الليبية عندما جلب القذافى المرتزقة كى يساعدوا كتائبه لقتل و ترويع أبناء شعبه ، أولئك الذين طالبوا بحرية كانت ممنوعة فى عهده وكرامة مهدرة ، ودولة مفقودة الأركان ، وهيبة أضاعها بتصرفاته الجنونية .

 

سيقرأ أبناء المستقبل كم عانى أباؤهم فى شبابهم لتخليص الوطن من الانفراد بالحكم .. وتوارثه، وجعل منصب رئاسة الجمهورية حكرا على اسرة بعينها دون غيرها ، بل ويتم توريثه من بعده لأبنائه كجزء من التركة والميراث ، وبالرغم من كل ما تشهده سوريا ألان .. فإن الامر لا يخلو من الطرائف الممزوجة بالحسرة .. عندما أعلن المبعوث الدولى الأخضر الابراهيمى أن بشار الأسد قد أخبره أنه ينوى الترشح لفترة رئاسية مقبلة لرئاسة سوريا من خلال الانتخابات التى ستجرى العام المقبل!

ففى عز الوقت المتأزم على الأرض .. نجد لب المشكلة و جوهرها يعلن عن بقائه لمدة أطول ، وهو ما يعنى أن الأزمة ستطول ولن تنفرج قريبا من خلال المساعى السلمية والدبلوماسية، أو ربما لن تنفرج أبدا من خلال ذاك الطريق ، و ربما بعد أيام تبدأ حملة دعائية تدعو ما تبقى من مواطنين على الارض السورية لانتخاب بشار الأسد ، وقد تنتشر بوستارت تحمل عبارة (بشار الأسد .. رئيسا لسوريا 2014 ! ) ، فقط للعلم فإن بعض صفحات الفيس بوك قد أنشئت بالفعل لهذا الغرض ، فهل من سخرية وإستخفاف أكثر من هذا ؟!

فى الواقع إن هناك ما يرسخ فى عقلية الرؤساء أنهم خلقوا ليكونوا رؤساء ، هناك " حاشية " حولهم تقنعهم بأن حال البلاد سيكون أسوأ فى حيال غيابهم عن السلطة ! ، فيقتنع الرؤساء تحت ضغط " حاشية النفاق " ، و مطالبة وهتاف المأجورين من أتباعهم إلى البقاء فى السلطة ، مدة قد تطول .. لكنها نادراً ما تقصر ، ويبقى الموت هو المنقذ الوحيد للبلاد لتخليصها من هكذا رؤساء ، لكن فى زمان وصفه البعض بــ " الربيع العربى " ، عرفت الشعوب العربية بعد ان إستفاقت من غفوتها أن هناك منقذ آخر يمكن ان تتخذه وسيلة أيضاً للتخلص من الطغاة ألا وهى " الثورات " ، وبالرغم من غليان الشارع العربى منذ الشرارة الاولى التى أشعلها البوعزيزى فى تونس ، فإن كل رئيس يخرج على شعبه ليؤكد أنه مصمم على البقاء من أجل الحفاظ على أمن الوطن و إكمال مسيرته الاصلاحية التى بدأها منذ عقود ! ــ عن أي إصلاح يتحدثون ؟!

 

أتمنى خلاصا قريبا لسوريا من وضعها الحالى ، بأن تنتهى الأزمة وتنجح الثورة ليكتمل عقد الربيع العربى الأبيض ، لكن هل يبدو ذلك قريباً ؟! .. هذا ما ستجيبنا عليه الأيام القادمة .

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

في ضرورة اللامركزية الموسّعة لسوريا

د. عبدالله تركماني

المستقبل

الاربعاء 11/12/2013

بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام يمكن القول: إنّ مفاعيل تعقيدات الثورة السورية لا تزال تنطوي على احتمالات عديدة، فقد يفضي الحراك الدولي والإقليمي إلى حل سياسي ما، لكنه سيرفع الستار حينئذ عن سوريا مختلفة، تتنازعها الخلافات المتنوعة. فقد كان التشكيل التاريخي للدولة السورية عند بدايات القرن العشرين مهلهلاً وضعيفاً إثر تفكك الإمبراطورية العثمانية، وبقيت منذ سنة 1946 تحمل جملة هائلة من التناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية من دون أن تلتفت إليها نخبها السياسية والفكرية لتعترف بحجم معضلاتها كي لا تُتهم في وطنيتها، فضيعت فرصاً ثمينة لإيجاد حلول عملية خلاقة بعد الاعتراف بها.

لقد فشل نظام حزب البعث، على مدى 50 عاماً، في بناء دولة لكل مواطنيها. وبالتالي، فإنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن تشويه صورة الدولة المركزية إلى حد جعل شرائح واسعة من المجتمع السوري تتطلع إلى صيغ حكم بديلة، قاسمها المشترك تقليص دور السلطة المركزية.

وتبدو سورية اليوم، بعد 32 شهراً على ثورة الحرية والكرامة، ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي وعصية على التوحد الوطني ضمن دولة مركزية، مما يتطلب البحث عن صيغ أكثر جدوى لإعادة بناء الدولة السورية الحديثة في ظل الجمهورية الثالثة القادمة. وبما أنّ السلطات المركزية المتعاقبة لم تستطع النهوض بعبء مهام بناء الدولة الوطنية الحديثة، فإنّ العقلاء يعتقدون بأنّ اختفاء رائحة الموت من سوريا مشروط اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالدعوة الصريحة إلى إقامة نظام لامركزي موسّع يكفل الوحدة الوطنية الطوعية.

فبعد أن تغيّر العالم من حول النخبة الثقافية والسياسية، وتغيّرت الظروف الداخلية والخارجية، وصارت سوريا في دائرة تحديات جديدة وشديدة التعقيد، فإنّ على الفاعلين السياسيين إعادة النظر في كثير من مسلماتهم وأنماط تفكيرهم وطرائق عملهم وعلاقاتهم، وإطلاق أفكار وآليات جديدة باتجاه مشروع مستقبلي لسوريا، يتجاوز حمى الانقسامات والصراعات، وقد تكون الأنظمة اللامركزية، بما فيها النظام الكونفيديرالي، أحد خيارات المشروع.

إنّ الأمر يتطلب بلورة عقد وطني جديد يخلق مساحة لمشاركة قوى سياسية واجتماعية واقتصادية في العملية السياسية الوطنية. وهذا يستدعي أن يتناول الحل السياسي القادم المواضيع والمسائل الأساسية كافة التي تهم جميع المكوّنات السورية الرئيسية، من خلال انخراط الجميع في عملية صياغة العقد الوطني الجديد. على أن تواكب هذه العملية السياسية ضمانات دولية وإقليمية في إطار الأمم المتحدة، توفر الضمانات لإنجاحها وتثبيت نتائجها وحماية هذه النتائج.

إنّ الخيار ليس بين المركزية الطاغية، أو التقسيم، أو الفيدراليات الطائفية، بل هو بين هذا كله وبين نظام ديمقراطي حقيقي، تُضمن فيه صلاحيات الحكومة المركزية، في المجالات الكبرى كالخارجية والدفاع والعملة وإدارة الموارد الاقتصادية الرئيسية، حكومة قادرة على حل القضايا المعلقة والشائكة. إنه أيضاً النظام الذي يضمن، في الوقت نفسه، أوسع الصلاحيات للمحافظات والمناطق والنواحي.

ولعل الأمر المهم هنا، هو أنّ الثورة وضعت سوريا أمام مرحلة جديدة لم تعد تقبل بصيغة الدولة التسلطية التي قامت على المركزية وسلطة الحاكم الأوحد، ووضعت جميع السوريين أمام امتحان الديمقراطية والحرية والتعددية، وهذه مفاهيم ينبغي أن تتجسد في العقد الاجتماعي الجديد القادم والقوانين الكفيلة بحفظ الحقوق وممارستها في إطار دولة المواطنة.

وفي الواقع، تتطلب العقلانية التعامل مع الجدل السوري الجاري بشأن حدود النظام اللامركزي من زاويتين مهمتين: أولاهما، على أنه يقدم الحل لمشكلة مزمنة هي مشكلة المكونات القومية والدينية ضمن الدولة السورية الواحدة. وثانيتهما، أنه يقدم الحل لإشكالية الحكم في دولة يصعب قيادتها مركزيا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: إذا كان نظام اللامركزية الإدارية يقدم الحل لهاتين المشكلتين المزمنتين سورياً فألا يستحق من الجميع التوقف عنده وإعطاء الفرصة له بعيداً عن الشعارات الجاهزة والتي تساويها بالتقسيم والخيانة؟

والمهم - قبل كل شيء السير نحو حل سياسي يفتح الأفق أمام تحقيق المصالحة الوطنية، واستعادة هيبة الدولة، وإنهاء المظاهر المسلحة وحل الجماعات والميليشيات خارج نطاق القانون والعقد الاجتماعي الجديد، ونبذ العنف ووضع حد للجوء إلى الثأر والانتقام والالتزام بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية، وذلك سيكون المدخل الصحيح للخيارات المفتوحة. مع العلم أنّ هناك اتفاقاً عاماً بين علماء السياسة على أنه لا يمكن الاعتراف بأنّ نظاماً سياسياً ما هو نظام ديمقراطي إذا لم يتوافر فيه شكل أو آخر من أشكال الحكم المحلي. بل إنّ الديمقراطيات تقارن على أساس مدى نضج نظام الحكم المحلي فيها، وإن كان الحكم المحلي سمة للنظم الديمقراطية فإنّ القيم المتجذرة في عقول ونفوس الأفراد داخل الوحدة المحلية هي التي تحكم على ما إذا كانت هذه المسألة لها معنى حقيقي أو مزيف، فلا يمكن أن نكتفي قولاً بأن "المحليات هي مدارس الديمقراطية"، أو مرحلة التعليم الأساسي لها، والتي تؤهل الفرد لممارسة السياسة على المستوى الوطني، بل ينبغي أن تكون القيم السياسية السائدة داخل الوحدة المحلية قيماً إيجابية في اتجاه الديمقراطية. ذلك أنّ العمل المحلي يحتاج إلى قدر كبير من المشاركة، سواء في انتخاب أعضاء المجالس المحلية أو في المساهمة في المشاريع التنموية التي يتم إنشاؤها داخل الوحدة المحلية، أو الرقابة على الأعضاء ومحاسبتهم على أدائهم ومطالبتهم بتقديم كشف حساب إلى هيئة يكونها الناخبون، تناقشهم في الأعمال المزمع القيام بها وتراجعهم في أوجه القصور، وتساعدهم على تلافيها، وقيمة المشاركة تتطلب وجود قدر مرتفع من قيمة الحرية. والحرية والمشاركة يضمنان قدراً من العدالة في توزيع الموارد والأعباء المحلية، ويحفظان للمواطنين حقهم في المساواة أمام المجالس والنظم المحلية.

وإذا كان النظام المحلي له هذا الدور المهم في تحقيق الوحدة الوطنية الطوعية، فإنّ القيم السياسية الحديثة هي بيت القصيد في هذه العملية، فالمشاركة السياسية مثلاً تقوّي الوحدة الوطنية السورية، والمشاركة عن طريق اللامركزية تسمح للولاءات الفرعية بأن تعبر عن نفسها دون كبت، ما يؤدي إلى التخفيف من وطأتها فلا تصبح معضلة في سبيل تحقيق الوحدة الوطنية.

() باحث استشاري في مركز الشرق للبحوث

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أطفال سوريا أمانة بحجم مستقبل الشام الجريحة

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 11/12/2013

عندما تنظرون إلى أولادكم وهم حولكم، في أمن وأمان، وسلامة واطمئنان، تجتمعون بهم تحت سقف واحد، تحيطونهم برعايتكم، وتهتمون بشؤونهم المادية والمعنوية، وتسعون لتوفير سبل الحياة الطيبة لهم، وتخططون ليكون مستقبلهم زاهرا، أرجوكم في هذه اللحظات أن تتذكّروا أطفال سوريا المقهورين، وعددهم وصل إلى الملايين، بعد انقضاء ألف يوم من عمر الثورة السورية، ممن يهيمون على وجوههم بين صحراء اللجوء وبيداء النزوح.

المحنة في سوريا تبدو طويلة، وهي حقيقة مؤلمة لابد من الاعتراف بها، وهو ما يعني أن جيلا كاملاً ولد من رحم هذه المعاناة، أو نشأ أو سينشأ في ظل آلامها ومعاناتها الفظيعة، الأمر الذي يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية، على اعتبار أن الأطفال والناشئة والشباب هم الأمل المرجو للمجتمعات والأمم، وبالتالي فإن إهماله أو تجاهله أو غضّ الطرف عما لحق ويلحق به، يرقى إلى أن يكون جريمة إنسانية بحق الشعب السوري ومستقبله المنظور، تضاف جرائم التقصير الذي يلحق عارها بكل ذوي القربى أو غيرهم عبر العالم، على مستوى اللحظة الراهنة، والماضية التي مضت عليها قرابة ثلاث سنوات.

ثمة تحذيرات أممية من أن تتسبب الأزمة السورية بخلق جيل من السوريين المدمّرين، حرم الكثير منهم من التعليم، وأي مظهر من مظاهر الحياة الأسرية أو الطفولية العادية، ومن هذه التحذيرات تحذير وكالة الأمم المتحدة للاجئين الذي جاء فيه: "على العالم أن يتحرك لإنقاذ جيل من الأطفال المصدومين نفسيا والمعزولين الذين يعانون من الكارثة، وإذا لم نتحرك بسرعة فإن هذا الجيل من الأبرياء سوف يصبح من الإصابات الدائمة للحرب".

الأرقام مهولة بالفعل، والصور مؤثرة، وهو ما يتطلب من الجميع، أفرادا ومنظمات إنسانية ومؤسسات تطوعية، أن يفكروا بشكل مختلف وأن نضع الطفولة والشباب في صدارة أولوياتنا، وأن تتبنى مشروعات تنموية طويلة الأجل، تهتم بتعزيز الجانب النفسي وبناء القدرات والتعليم واستنفار الطاقات والعزائم، وإطلاق المبادرات الواسعة لصالحهم.

ولإدراك حجم الكارثة بحق الطفولة في سوريا، وأهمية التحرك لإنقاذها وإنقاذ مستقبل سوريا.. أضع بين يديكم بعض الإحصاءات والحقائق الهامة:

- أعداد الأطفال السوريين اللاجئين هم نصف عدد اللاجئين السوريين إلى دول الجوار عموما (أي 1.5 مليون طفل)، وعدد الأطفال السوريين النازحين عن ديارهم نصف عدد النازحين عموما (أي ما يزيد على 3 ملايين طفل)، وهو ما يشكل في الخلاصة حوالي 5 ملايين طفل سوري (بنسبة تصل إلى 20% من إجمالي عدد السكان في سوريا).

 ورغم هذه الأرقام والحقائق المؤلمة فإن ما يوجّه للطفولة السورية محدود للغاية، ولا يكاد يلبي سوى الحدود الدنيا من الاحتياجات الضرورية الماسة، فيما تبقى القضايا الأخرى، كمشاريع الدعم النفسي والتربية والتعليم والصحة والثقافة والترويح، محدودة للغاية.

ومن خلال متابعتي الشخصية فإن الجمعيات المحلية المتخصصة بمجالات الطفولة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، كما أن المشاريع التي توجهها الجمعيات الإنسانية العربية والدولية الخارجية، محدودة للغاية والأمر يحتاج لعمل الكثير، والتخصص بصورة أكبر مطلوب في هذا المجال.

يحتاج الأطفال منا أكثر من ذلك.. على سبيل المثال لا الحصر مشاريع كفالة الأيتام وأسرهم، وكفالات طلاب العلم، مشاريع الدعم النفسي بسبب ظروف القصف والمجازر، ترميم المدارس وبناء مدارس جديدة وتوفير مستلزماتها من تأثيث ومناهج، مشاريع التطعيم والتحصين الصحي، وغيرها كثير.

أعجبتني مبادرات كثيرة اطلعت عليها، منها على سبيل المثال لا الحصر: توفير المناهج من قبل الهيئة السورية للتربية والتعليم (علّم)، مبادرة "كتاب من القلب إلى القلب" لدار نشر (الأصابع الذكية)، إصدار مجلة للأطفال توزع في الداخل السوري (زيتون وزيتونة)، تركيب أطراف اصطناعية لأطفال بترت أيديهم أو أرجلهم.. ولكن سنبقى بانتظار مزيد من المبادرات والمشاريع النوعية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

نجاح "جنيف 2" رهن الالتزام بوثيقة "جنيف1"

بسمة قضماني

الحياة

الاربعاء 11/12/2013

من حق الشعب السوري والمعارضة السياسية والعسكرية أن تشكك في نيات الدول التي تدعو الى مفاوضات في جنيف، فأسبابنا عديدة للتخوف وثقتنا معدومة بجميع الأطراف ان كانت تزعم انها صديقة او انها تدعم الإجرام وتقاتل الى جانب النظام.

اذا كان القرار هو الذهاب الى جنيف فلا بد ان نكون على أتم الاستعداد والوعي كي لا نقع رهينة لأي جهة أقوى منا أو نساق الى قرارات لا نريدها. إن إطلاق مسار تفاوضي قد يشكل فرصة لا بد من تقييمها ووضع استراتيجية للاستفادة من كل ما يمكننا ان نتسلح به من نصوص وضمانات تجنبنا مخاطر لا بد ان نواجهها.

من حيث المبدأ فإن رفض المسار التفاوضي ليس في مصلحة المعارضة ذلك لأن الشعب السوري حاول المستحيل لسنوات طويلة قبل الثورة وبعد اندلاعها للتوصل الى تغيير سلمي. وعندما تعرض للقتل يئس من المسار السلمي وحمل السلاح لكنه لم يهوَ يوماً ان ينجر الى حرب يقاتل فيها السوري سورياً آخر ليحصل على حقوقه ويستعيد كرامته، وأي سوري وطني يتمنى ان يتوقف الاقتتال الذي زج النظام الشعب فيه.

اليوم وبعد النكبة التي تعرض لها شعبنا في كل المناطق الثائرة تصعد أصوات من داخل المدن المنهكة مثل دوما وداريا وحمص وحلب لتقول انها مستمرة في المعركة لكنها ترى في المفاوضات وسيلة جديدة إضافية (وليست بديلة) لمواجهة النظام.

كيف نتجنب المخاطر؟

أولاً بالإصرار على ان تكون هناك مرجعية واضحة لمؤتمر "جنيف 2" وهي وثيقة "جنيف"1 وإلا فلا داعي لتسمية المؤتمر "جنيف 2". لماذا "جنيف1" ؟ لأن الفريق الذي جلس ساعات طويلة لإعداد وثيقة "جنيف1" في حزيران (يونيو) 2012 كان يضم كبار المسؤولين الروس والأميركيين، وحرص الطرفان على تضمين البيان صيغة لا تتحدث صراحة عن رحيل النظام لكن كل بنودها تؤكد استحالة بقاء بشار الأسد. لذلك تشكل الوثيقة أفضل مرجعية ممكنة من حيث المضمون لأن الضبابية تسمح بجمع الأطراف على طاولة المفاوضات ومن حيث الطابع الإلزامي بما أن أكبر دولتين صاغتاها ثم وقع عليها وزير الخارجية الروسي لافروف إلى جانب هيلاري كلينتون. وخرج لافروف فور انتهاء الاجتماع الى المؤتمر الصحافي ليؤكد ان الوثيقة لا تعني بأي شكل من الأشكال رحيل بشار ولكن يبقى ان الوثيقة موجودة ومعتمدة من الطرفين وقد اتفقت روسيا والولايات المتحدة غداة إبرام اتفاقية نزع الأسلحة الكيماوية السورية على الدعوة الى مؤتمر "جنيف2" على أساسها.

اما في حال الذهاب من دون أي مرجعية فهناك تخوف مشروع عند المعارضة من الوقوع في التجربة الفلسطينية عندما ذهب الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي الى أوسلو في 1992 حيث قبلت منظمة التحرير الفلسطينية بالدخول في مفاوضات غير مشروطة ومن دون مرجعية لتجد نفسها بعد عشرين عاماً لم تطبق سوى المرحلة الأولى التي نص عليها إعلان المبادئ والذي اتضح انه لا يتضمن أي ضمانات لباقي المراحل.

ثانياً، نتجنب مخاطر العملية السياسية بالتمسك بنص وثيقة "جنيف1" حرفياً، فالوثيقة تقول بوضوح ان من حق المعارضة ان ترفض أسماء يطرحها النظام في وفده المفاوض في جنيف، كما من حق النظام ان يفعل حيال وفد المعارضة. لذلك لم يخالف رئيس الائتلاف أحمد الجربا نص "جنيف1" بقوله انه "يؤكد التزامه المطلق بأن هيئة الحكم الانتقالية لا يمكن أن يشارك فيها الأسد أو أي من المجرمين المسؤولين عن قتل الشعب السوري".

ثالثاً، لقد اختار الديبلوماسيون الذين صاغوا وثيقة "جنيف1" المفردات بعناية وأشاروا الى تشكيل جسم حاكم انتقالي واستبعدوا عمداً كلمة الحكومة ليتجنبوا أي التباس حول تحديد من يملك السلطة الفعلية. ذلك لأن الحكومة في نظام سياسي رئاسي هي جزء من السلطة التنفيذية تعمل بإمرة الرئيس الذي يتمتع بأهم الصلاحيات التنفيذية، وبما ان النظام السوري وفق الدستور السوري هو نظام رئاسي (وهذا طبعاً على الورق فقط) فكان من المتوقع ان يفسر النظام وثيقة "جنيف1" على انها تقاسم للسلطة التنفيذية بين الرئيس والحكومة وبذلك يعتبر بشار الأسد نفسه باقياً في منصبه ومتمتعاً بصلاحيات دستورية واسعة وتكون الحكومة جهة منفذة لسياساته.

وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مؤخراً في إعلانه عن موعد 22 كانون الثاني (يناير) لعقد مؤتمر "جنيف2" أن هدف المفاوضات هو تشكيل هيئة تنفيذية انتقالية كاملة الصلاحيات بما فيها القرار بما يخص الجيش والشرطة والأمن وأجهزة المخابرات. وهذا ما يجب الاستناد إليه كتأكيد لمعنى وثيقة "جنيف1".

رابعاً، بالإصرار على إلغاء الانتخابات الرئاسية في ربيع 2014. فإن تشكيل هيئة تنفيذية انتقالية كاملة الصلاحيات يعني عملياً خلق واقع سياسي ودستوري جديد يصبح نظام الأسد بموجبه نظاماً سابقاً. فالهيئة الحاكمة ستكون سلطة سيدة نفسها لا تخضع لأي جهة وهي التي ستضع الإطار القانوني والجدول الزمني لمختلف مراحل الفترة الانتقالية وهيئاتها بما فيها التحولات في المنظومة الأمنية والعسكرية لسورية وموعد وآلية رحيل الأسد وتحديد مواعيد جديدة لانتخابات تشريعية (هيئة تأسيسية للدستور ثم برلمان) ورئاسية لا يمكن ان تنظم قبل عام او عامين بعد تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية. وبمجرد ان يتم تشكيل الجسم الانتقالي لن يعود هناك مبرر للحديث عن موعد الانتخابات الرئاسية ولا اذا كان الأسد او غيره سيترشح لأن هذا الاستحقاق يسقط بطبيعة الحال وليس هناك مبرر لا للنظام ولا للمعارضة للحديث عنه او عمّن يستطيع الترشح او من يراقب هذه الانتخابات.

بعض المسؤولين من دول داعمة للشعب وللثورة تتحدث بحسن نية عن انه يمكن استخدام موعد الانتخابات لإخراج سيناريو تقبل به الدول الداعمة للنظام بإزاحة بشار في ربيع 2014 من دون ان يظهر رحيله على انه تغيير للنظام نتيجة ضغوط داخلية او خارجية. الا ان ذلك قد يترك المجال للنظام والدول التي تسانده في اي وقت تتعثر فيه المفاوضات - وهذا سيحصل بطبيعة الحال - للتحجج بأن المفاوضات في مأزق وبالتالي لا بد من إجراء الانتخابات او ان يطرح تمديد الفترة الرئاسية لسنتين كما هو منصوص عليه في الدستور الحالي.

لا بد للمعارضة ان تجهض هذا السيناريو الخطير الآن وذلك بالعمل فوراً على مطالبة الجهات الراعية للعملية التفاوضية بأن تعلن ان الانتخابات الرئاسية ملغاة بطبيعة الحال لأن المفاوضات نفسها تهدف الى رسم مسار جديد من خلال تشكيل هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

معارضات سوريّة: سياسة برؤوس عائمة

جبر الشوفي

الحياة

الاربعاء 11/12/2013

يلفت نظر المتتبع للمشهد السوري كثرة الرؤوس السياسية والإعلامية الطافية على وجه الحدث، وشدة دورانها في مدارات للفراغ والعقم واللاجدوى، والأمر لا يتعلق تماماً بمدى صحة ما يقولونه أو عمق ما يحللون، وهم ليسوا مبدعين في ذلك ولا مجترحين للسائد على كل حال، إنما، على ما يبدو لي، هم مجرد رؤوس عائمة على السطح، من دون أجساد حاملة لها أو دافعة بها ومعها.

لا شكّ أنّ هذه الحالة السائدة، من الانقطاع بين الرأس والجسد السياسيين، سبب أساسي لما تبدو عليه معارضاتنا، من الهشاشة وفائض الكلام وقلة الجدوى، سواء أكانوا تنظيمات أو أفراداً أو مؤسسات، وأنّ هذا الوضع المؤسف هو النظير المكافئ لانقطاع مزمن بين المجتمع المدني، بوصفه بنية تحتية منتجة للسياسات وضامنة لصحتها واستمرارها، وبين المجتمع السياسي بوصفه أوعية الصهر والتنقية والدفع، ولكن هل هذا مبرر كاف، ليستكين المرء ويعفي نفسه من مسؤولية البحث والمتجدد لابتكار الوسائل وآليات العمل واجتراح الحلول الصعبة لزمننا السوري الأصعب.

ما حجة هذا الاستئثار والإلغاء والتهميش، وشهوة التصدّر واحتكار حق التعبير عن الرأي، وتلميع الوجوه وإعادة تكرير العتيقة منها وترويجها، وتقريب الأزلام والطيّعين الموافقين والفاسدين المؤدّبين أدباً قد لا يفترق عن تأدّب الخوف من السلطة أو على الموقع والمصلحة؟! وما حجة هذا التثبت والتشبث بالخطأ، ليغدو ملازماً لكل توجه أو عمل، في أوساط سياسيينا (الرؤوس والمرؤوسين) يكررون به أنفسهم بأشكال ممجوجة ثقيلة على كاهل السوريين ووجدانهم، وهل لذلك علاقة باستمرار بروز ظاهرة الرؤوس الحامية العائمة، مع غياب كامل أو شبه كامل لحواملها السياسية والاجتماعية وانحسارها في أضيق المساحات وأقلها.

ينطبق هذا الواقع على "واجهة السحارة" السياسية في المشهد السوري المعارض، حيث يمكن لأي تفكيك لبنية جسمين سياسيين أساسيين هما المجلس الوطني السوري وائتلاف قوى الثورة والمعارضة، أن يجد أجوبة شتى لتحدٍّ واحد. فالمجلس الوطني الذي ناءت قياداته بحمل جسمه المترهل والمشتت بين تمثيله لأطياف عشوائية ومرتجلة، أدخلت بموجب "طبخة الرعيان" المسماة إعادة الهيكلة، يتوجه الآن إلى إعادة تلميع وجوهه الرئيسية في المكتب التنفيذي، وتقليص جسمه بما يرشق حركته واندفاعه وتربصه ربما بانهيارات متوقعة أو محتملة للائتلاف، المنطوي عملياً على ائتلافات لا تأتلف، لا سيما عند مختنق جنيف2 وتداعياته، في ظل مشاكل وهنات لم تكن الصفعة الشهيرة إلا إحدى مظاهرها وتجلياتها.

وإذا كان وهن السياسيين السوريين في المعارضة، يكمن في كون معظمهم لا يستند على أسس متينة وبنية صلبة لتنظيم سياسي، وإذا كان حظهم من النجاح والتواصل والدعم ضئيلاً، ومن القدرة على التأثير على سياسات الدول أضأل، وإذا كانوا لم يجسدوا روح الجماعة التي يدّعون تمثيلها، ولم يحوزوا رضاها، وهم بعد ذلك وقبله لا يعترفون بأنهم باتوا شيوخ السياسة وعواجيزها، ولا عكاز عندهم يتوكأون عليه سوى مصلحة الثورة وأهدافها، وسوى الدم السوري والهوية الوطنية السورية، وهم لا زالوا يصرون على وضع جيل الشباب تحت عباءاتهم، على حين يرفض الشباب هذه الوصاية والأوصياء عليها، بل ينفرون منهم ومنها، فماذا يتبقى من السياسة وهي عصارة عقل المجتمع ووعيه وحكمته أمام التثبت والرفض؟!

يبقى تعويم الشعارات وإسفاف الدوران عند خط نظر العوام من دون عمق في التحليل، ولا علو في التحليق، ويبقى أن الساسة مجرد رؤوس عائمة، فهي لا تمتلك فعلياً قدرة التأثير على عشرة رجال مسلحين أو مدنيين، أو حتى عاملين في الخدمات والإغاثة، عداك عن الإعلام وترهله وبؤس أدواته ومنفذيه، حيث يبدو غياب الحرفية والعمل المؤسسي. والأمر أكثر كارثية إذا فتشنا عن تحالفات فعلية أو عن ائتلافات سياسية وازنة تعدل الميزان المائل نحو البندقية المشتتة الولاءات، والأيديولوجيات المتربصة بالهوية الوطنية السورية، بعدما قدم السوريون، أهل الهوية الوطنية الحقيقيون، آلافاً مؤلفة من الضحايا، وبعد أن دمرت آلة النظام المجرمة بنية البلاد وجعلتها غير قابلة للعيش وشروط الحياة.

إن غياب القيادة وتعذّر الإجماع الوطني على أسماء (رموز) لها حضور فعلي، في المشهد السوري المأسوي، يرتبط أشد ارتباط، بغياب الجسد السياسي، خلف هذه الرؤوس اللائبة الباحثة عن أجسادها، وفي ظني أن العلة تكمن هنا في غياب هذا الجسد الوسيط وتفككه وتوزع تأثيراته، بعد أن تشظّى وانتشرت رماله المتحركة على الساحة السورية وفي بلاد المهجر، ولم يستطع أن يكون مشاركاً فعلياً في الحدث اللاهب المتفجر، ومال بطبيعته إلى ما تأسس عليه من حياة الأبراج والأوهام، ومن التلظي بالصمت والحياد، وتفضيل السلامة على كل مخاطرة ومغامرة مجهولة العواقب، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مسار السياسة، بوصفها عملاً مدنياً سلمياً، مبنياً على الوعي والإيمان والصلابة المبدئية، لا ينهض نهوضاً حقيقياً، إلا بالبناء على أسس التنظيم وبنيته الداخلية المتماسكة، ولهذا رأينا وما زلنا نرى سرعة تفكك تلك الكيانات المرتجلة التي اتخذت لنفسها أسماء تيارات أو تجمعات أو أحزاب، وهي لا تمتلك هذه البنية ولا أدواتها ووسائلها، ومن هنا أيضاً تطفو على سطح حياتنا سياسة السبّ والقذف والاتهامات الجاهزة، عند من لا يمتلكون بنية ذهنية متوازنة ولا يعتمدون التحليل والتركيب واستخلاص النتائج.

كنت وما زلت أحاول ضبط العقدة المستعصية علينا، أو ما يسمى القطبة الخفية في الثوب، واعتقدت وما زلت أعتقد أن العثور عليها وضبطها، هو من مهام النخبة الفكرية والسياسية ولكن أية نخبة هذه؟ قد يجيبنا غرامشي على بعض هذا التساؤل، ولكن الإجابة الحقيقية الكاملة لا يمكن أن تكون، إلا في إيجاد المثقف العضويّ المنخرط في عمل بحثي واقعي له كل عوامل الاندماج في الواقع وكل مواصفات التفاعل معه وتفعيله.

من أجل هذا ومن أجل إخراج هذه الوسيط المرتجل والمتخبط العشوائي من فوضاه، ومن أجل مستقبل وطني ديموقراطي لسورية الموحدة أرضاً وشعباً، نحتاج إلى تنظيم حقيقي لـ "الصف الثاني" أي الوسط الاجتماعي والفكري لأنه بمثابة العمود الفقري، ليس بمعنى موقعه في نهج الاعتدال ورفضه للتطرف وميله إلى السلم والتعايش فقط، بل لأن ما هي عليه هو حصيلة انفلاش الطبقة الوسطى وتضعضعها وتزع وزنها الراجح، المعدّل لكل اختلال أيضاً، ولأنه يجب أن تُنظّم وتُبنى لتعود مجلىً من مجالي القيم الوطنية والاجتماعية والفكرية، والاحتياط الضروري لتقديم الكفاءات المهنية والعلمية والسياسية، وحامل شعلة التنوير والتأثير إلى عامة المجتمع.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية من دولة مارقة إلى دولة فاشلة

رضوان زيادة

الحياة

الخميس 12/12/2013

قديماً قالت العرب «الغزاة يجلبهم الطغاة «. ولا ينطبق هذا الوصف اليوم كما ينطبق على الدول العربية، خصوصاً العراق وليبيا وسورية، إذ تطرح علينا سورية اليوم السؤال ذاته الذي طرح مراراً وتكراراً مع العراق وليبيا وهو هل يمكن تغيير النظام من دون تفتيتٍ لأسس الدولة ومؤسساتها؟ بالتأكيد يحمل هذا السؤال براءة من نوع وهل امتلكت هذه الدول أصلاً مؤسسات حتى تستطيع الحفاظ عليها، أم إنها كانت مجرد واجهات لبنية تركيبية قائمة على عنف السلطة الأعمى بصرف النظر عن شرعيتها السياسية والاجتماعية، وأن هذه المؤسسات الوهمية كانت مجرد غلالة لأنظمة قبلية وعائلية بالغة الشَّخْصَنَة أنجبت أنظمة شديدة القمعية عسيرة على المقاومة بالعمل السياسي المدنيّ فضلاً عن التغيير بالوسائل السلمية. بل إنّه لم يحدث أن تمّ إسقاط أيّ من الأنظمة العربية المذكورة من دون عاملين: أحدهما التدخّل الأجنبيّ وثانيهما تدمير مؤسسات الدّولة وبناها. فقد تماهت عائلة الأسد في مؤسسات الدولة السورية التي انبثقت عقب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي بحيث أصبح الفكاك عنها هو المستحيل بعينه وترافق ذلك مع تغيير جذري في التركيبة الاجتماعية السورية بهدف حماية عائلة الأسد وموقعها في هرم السلطة السورية فكاد يصبح مستحيلاً إسقاط النظام من دون ذهاب مؤسسات الدّولة معه.

كانت سورية وخلال سنوات حكم عائلة الأسد دولة هشّة وضعيفة بالمعنى السياسي والاجتماعي والمؤسساتي وكانت مؤشرات فشلها أكثر بكثير من مؤشرات قدرتها على النمو والتحول الديموقراطي، فقد فشلت سورية أو لنقل تعمدت عائلة الأسد تحطيم الإرث المؤسساتي الضعيف الذي نشأ بعد الاستقلال من دولة تأسست على الفكرة الجمهورية إلى دولة يمكن توريثها من الأب إلى الابن من دون أي مقاومة سياسية تذكر، من برلمان منتخب شهد أكثر المعارك السياسية سخونة في تاريخ الشرق الأوسط حول صلاحيات الجهاز التنفيذي ورئيس الدولة آنذاك شكري القوتلي حتى منعه من رفع راتبه من 500 ليرة إلى 700 ليرة وإصلاح سيارته التي تتعطل يومياً مرات عدة لقطع المسافة القصيرة من قصر المهاجرين إلى قبة البرلمان بسبب الأوضاع في فلسطين، إلى رئيس مطلق الصلاحيات كما في دستوري عام 1973 وعام 2012 إذ يستطيع أن يمارس صلاحياته السوبر التنفيذية كاملة فضلاً عن التشريعية في ظل عدم انعقاد مجلس الشعب، فضلاً عن القضائية بصفته رئيس مجلس القضاء الأعلى. لقد تعمدت عائلة الأسد تحطيم هذا الإرث الذي كان مصدر فخر السوريين جميعهم بكل طوائفهم وتلويناتهم السياسية والأيديولوجية، لأنه السبيل الوحيد القادر على السيطرة على مقاليد السلطة والحفاظ عليها لعقود وعقود وتوريثها من الآباء إلى الأبناء.

وما زالت آلة القتل الأسدية الكيماوية وغير الكيماوية تفتك بالسوريين وتشردهم، وما زال العالم متواطئاً معه في تفتيت سورية وتحويل شعبها العزيز الكريم إلى شعب جائع متسول يعيش ثلثه الآن تحت خط الفقر المدقع، فسورية اليوم بكل تأكيد في منتصف المرحلة الانتقالية، فهي حتماً لن تعود سورية الأسد لكننا لا نعرف على وجه الدقة أية سورية ستكون.

قد يحاجج البعض أن الثورة السورية قادت إلى أن تكون سورية بلداً محطماً ودولة فاشلة، في تعريف للدولة الفاشلة بأنها تقوم على «تنافس المجموعات على استخدام المؤسسات الرسمية لأغراضهم الشخصية. فإذا سيطرت مجموعة ما على أدوات الدولة، فإنها تُقْحِم عناصرها في المناصب المهمة وتبدأ باستنزاف ثروات البلد. وعوضاً عن تشكيل سياسة قد تشجع النمو، تعمل العُصْبَة الحاكمة على التحكم بالأصول المالية لتكوين الثروات، وتُقَّيد الأسواق، وتحرم جمهور الناخبين من بعض حقوقهم المشروعة وحتى أنها تخدع الأجانب من أجل تقديم مساعدات أكثر. فالمجموعات التي تكون خارج السلطة ترى أن الدولة غير شرعية وتسعى إلى تجاوزها. وحين يمتد التعاون عبر روابط العشيرة، فإن هذا التعاون غالباً ما يكون لمصالح موقتة، مثل تنافس العصابات ذات الخلفيات المختلفة لنيل المكاسب في ظل غياب القانون عموماً داخل المجتمع، ليمتص الأموال من كل شيء، بدءاً من مشاريع بناء الدولة مروراً بمناجم الذهب وحتى من الصراعات. في مثل هذه الحالات يمكن التلاعب بتمزق الانتماءات لمكاسب شخصية أو سياسية قصيرة الأمد، ما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين المجموعات».

وهكذا فهو يلخص أن سورية أشبه بالدولة الفاشلة. «فهذه البلدان لا يمكنها إنشاء المؤسسات القوية التي يفترض أن تعطي الدولة حركة سياسية اجتماعية ديناميكية وبيئة مؤسساتية غير رسمية، لأن القلة، إن وُجدت من الشعب إما أن تتظاهر بالولاء للدولة أو أن لا يكون لديها أي حافز لاحترام قوانينها. ولا يمكن إصلاح الحكم الفاسد في هذه البلدان بمجرد إحداث خطوات اقتصادية واسعة أو إصلاحات إدارية لأن الخلل الوظيفي فيها بسبب قضايا أساسية عميق جداً. وفي شكل عام، فإن مثل هذه الدول، في أيٍّ من حالاتها، لديها نُدرة في الموظفين الكفوئين والشرفاء الراغبين في دعم نظام موضوعي، الأمر الذي يعتبر مطلباً لازماً لتقديم إصلاحٍ فعال».

إذاً، قاد حكم الاستبداد الطويل سورية إلى أن تكون دولة فاشلة عبر تجويف وانهيار مؤسساتها الرسمية وتحطيم نسيجها الاجتماعي وتفككه باتجاه عصبيات قبلية وطائفية وإثنية. لقد استطاع الأسد تحويل سورية من بلد ذي تاريخ في الثقافة السياسية الديموقراطية بعد الاستقلال إلى بلدٍ تسوده العصبية القبلية المتأصلة في الثقافة السياسية التي رعاها وبناها الأسد بهدف تحطيمها، ومن ثم إقناع الجميع بأنه الوحيد القادر على جمعها معاً وحكمها ومنع نشوءأي بناء بيروقراطي سياسي لمؤسسات الدولة قادر على كسب ولاء الشعب السوري. وتعميق ذلك عبر تغيير البنى الاجتماعية بسبب سنوات الاستبداد الطويل من خلال إقحام عناصرها في المناصب المهمة الأمنية والعسكرية التي بدأت باستنزاف ثروات البلد في وقت مبكر. وهذا ما قاد إلى خلل اجتماعي خطير كان من المستحيل على سورية أن تبقى كما هي من دون تغييره، فالتركيبة الأمنية والعسكرية التي تحتكرها طائفة محددة ستولّد من دون أي شك طال الزمن أو قصر مقاومة تهدف إلى تصحيح هذا الخلل السياسي والاجتماعي، وهذا بالضبط ما يفسر سبب اندلاع الثورة السورية ويبررها، وهو محاولة تعديل هذا الخلل في التركيبة الاجتماعية والسياسية عبر إصلاحه بالوسائل السلمية من خلال التظاهرات التي قادها أبطال لا مثيل لهم عبر التاريخ على الإطلاق، ففي كل لحظة نكون فيها شهوداً على آلة العنف الأسدية نكون شهوداً على أبطال قرروا الخروج للاحتجاج سلمياً وهم يعرفون أن مصيرهم الوحيد هو القتل، لا خيار آخر، لا بديل آخر، وعلى رغم ذلك يستمرون في التظاهر، هؤلاء سيخلدهم التاريخ السوري كأبطال الاستقلال الثاني الحقيقيين، كأبطال ندين لهم في الحقيقة بكل شيء، بحريتنا وبالأمل الذي صنعوه لنا.

بيد أن الأسد فشل في قراءة مغزى هذه التظاهرات بكل إصرارها وتحديها الذي لا مثيل له، ورفض أن يكون شريكاً للسوريين في تصحيح هذا الخلل الاجتماعي وهو أن 5 في المئة من السكان تتحكم بمصير شعب بأكلمه، وذلك بالوسائل السياسية والسلمية، فها هو يتصحح لكن بأسوأ الوسائل الممكنة وهو الخيار الذي استبعده السوريون ورفضوه، على رغم التضحيات الغالية التي دفعوها، لكن في النهاية أجبرهم الأسد على هذا الخيار، ومن خلاله يتم تصحيح هذا الخلل الاجتماعي، ووظيفتنا أن نقود هذا التصحيح بكل قوة ممكنة كي لا يقود إلى خلل آخر يدفع سورية إلى سنوات من الفشل والفوضى وعدم الاستقرار.

* مدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ألف يوم في الشتات السوري

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 13/12/2013

لا أحد يدري متى ينتهي الشتات السوري، وكم ألف ليلة وليلة أخرى من ليالي الفواجع ستمر قبل أن تنتهي المأساة السورية الكبرى، ولئن كان العرب شغلوا في القرن العشرين بالقضية الفلسطينية، فإنهم يواجهون في هذا القرن تداعيات القضية السورية التي ستغير خريطة الصراعات في المنطقة وربما في العالم كله.

وقد بدأت تداعيات هذه التغيرات تظهر بانكفاء واضح لحضور الولايات المتحدة وأوربا وظهور لامع لدور روسيا التي وجدت في هذه القضية فرصتها للنهوض من الكبوة المريرة التي واجهتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

كما أن إيران وجدت في القضية السورية فرصة استعراض القوة، وتأكيد الحضور كقوة إقليمية، فأما إسرائيل، وهي التي تلعب دور الغائب الحاضر فهي التي تمكنت من أن تحول كل انتصارات الشعوب العربية إلى انتصار لها وهزيمة ماحقة للعرب جميعاً مستفيدة من شتاتهم الفكري والطائفي ومستغلة أذرعها القوية الخفية داخل الأنظمة العربية، التي واجهت الغضب الشعبي بعنف مريع.

أما الخاسر الأكبر في هذا الصراع، فهو الشعب السوري الذي وجد نفسه في العراء وخسر دولته واستقراره، وكل ما بنى وأنجز على مدى مائة عام منذ أن أعلن ثورته السورية التي سمها الكبرى معلناً استقلاله عن الدولة العثمانية، ومبتدئاً بناء دولة عربية افتقدها نحو أكثر من ألف عام.

وأنا لا أتحدث هنا عن مشروعية الثورة السورية الراهنة أو عدمها، وإنما أستعرض توصيف النتائج، مدركاً أن لكل الثورات التي تفجرها الشعوب أثماناً باهظة، لكن ما يحدث في مجريات الثورة السورية يذكرنا بالطرفة الشهيرة التي تقول (نجحت العملية لكن المريض مات)، والخطر اليوم أن يتحول الصراع في سوريا إلى سلسلة حروب طائفية وإقليمية لانهاية لها، وأن يغيب فيها طرفا الصراع الرئيسيان (النظام والثورة)، وقد بدأ غيابهما على صعيد عملي، فلم يعد الثوار أصحاب حضور أو قرار في الشارع السوري الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وغاب عنه الشباب الثائرون الذين حملوا رايات مسالمة تطالب بالحرية والكرامة، وحل محلهم غرباء يدعون الإسلام ويحملون رايات وملامح متطرفة تنطبق عليها مواصفات المجموعات الإرهابية التي يتفق العالم على محاربتها.

كما أن النظام، وهو الطرف الثاني في الصراع غاب كذلك عن سلطة القرار، وحلت محله قوى الدبلوماسية والأسلحة الروسية والجيوش الإيرانية و"حزب الله" والمجموعات الإرهابية القادمة من العراق بذريعة الدفاع عن المقدسات الشيعية والباحثة عن الثأر التاريخي، ولم يعد الجيش السوري النظامي يمتلك السيطرة الكاملة حتى على مناطق نفوذه، كما أن الجيش الحر المنشق عن النظام لم يجد من يدعمه مالياً وعسكرياً بعد أن حاصره الغرب وطالبه بأن يصوب بندقيته نحو الكتائب الإسلامية.

ولم تكن الانشقاقات الكردية خارج السياق، فقد وقع فريق من الأكراد في الفخاخ المنصوبة لاصطياد الثورة، وتم إغراء بعضهم لتفتيت الوحدة الوطنية، وهكذا وجد الثوار أنفسهم في غمرة صراعات لا شأن لهم بها، ولم يخرجوا من أجلها، وسرقت منهم بوصلة الثورة، وبدأ كثير منهم يتهجم على المعارضة السياسية المقيمة في الخارج ويكن لها عداء أكبر من عدائه للنظام، ويحملها وزر الانحرافات التي تهدد مصير الثورة، وتشتت شمل المعارضة وتشتت مواقف الداعمين لها، ووجد السوريون أنفسهم ضائعين في التيه والشتات، وأصيبوا بخيبة أمل مفجعة حين اكتشفوا أن المجتمع الدولي معني بأمن إسرائيل فقط، وهدفه تدمير الأسلحة الكيماوية السورية (خوفاً من أن تصل ذات يوم إلى يد أعداء إسرائيل الحقيقيين)، وتمت معاقبة السلاح، ولم يعاقب من استخدمه وارتكب الجرائم الكبرى.

وبدأ السوريون يعتقدون أن المجتمع الدولي الصامت حتى اليوم يريد أن يرى سوريا أرضاً خراباً، ولا يجد السوريون تفسيراً لهذه الإرادة الدولية غير تقديم سوريا قرباناً على المذبح الإسرائيلي، فليس من صالح أحد غير إسرائيل أن يرى سوريا دولة فاشلة غير قادرة على النهوض لعقود قادمة، ولئن كان صدام حسين قاد العراق إلى هذا المصير حين أقدم على احتلال الكويت فقدم الذريعة للغزاة، فإن النظام السوري كفاهم مؤونة الغزو ودمر سوريا وشرد شعبها، وهدم كل البنى التحتية فيها، ويبدو من المفارقات التاريخية أن تكون سوريا قد خاضت خمس حروب كبيرة ضد إسرائيل دون أن تخسر فيها جميعاً جزءاً يسيراً مما خسرته من خلال الحل الأمني الذي ارتآه النظام لمواجهة المظاهرات التي بدأت مطالبة بالإصلاح.

لقد فقد الشعب السوري حتى شتائه الدموي الثالث نحو مليون ضحية، بين مقتول وفقيد ومعتقل ومجهول تحت الأنقاض، كما أن المنظمات الدولية تقدر عدد النازحين في الداخل ممن فقدوا مساكنهم بنحو خمسة ملايين، وتقدر عدد اللاجئين والمشردين في بلاد اللجوء والهجرة بخمسة ملايين أخرى، وهكذا يكون نصف الشعب السوري قد تعرض لمآس كبرى، والنصف الباقي يعيش ظروفاً لاإنسانية لم ينج منها إلا عدد قليل ممن احتموا بالنظام واحتمى بهم ولكنه حملهم وزر الدم السوري.

ويبدو أن دول العالم الكبرى قررت أن تترك السوريين يواجهون مصيرهم، وبدا أن المتعاطفين من المجتمع الدولي يهتمون بالأقليات فقط، فأما الأغلبية السُنية المستضعفة، فلا نصير لها حتى من أهلها، وبدأت بعض المجتمعات في الغرب تتعاطف مع النظام خوفاً من أن يصل إلى السلطة الإسلاميون المتطرفون الذين عجزت استخبارات دول العالم كلها عن فهم قدرتهم على التسلح في الخفاء، كأن أسلحتهم وأموالهم وعتادهم تنزل عليهم من السماء فلا أحد يعرف مصدرها وينابيعها المتدفقة، بينما تستطيع هذه الاستخبارات أن تضبط أية مكالمة هاتفية بين زوجين، ولا يجد كثير من السوريين تفسيراً لذلك سوى أن قادة المجتمع الدولي الذي تسيطر عليه الصهيونية وجدوا الفرصة التاريخية لتحويل بوصلة الصراع في المنطقة من كونه (الصراع العربي الإسرائيلي) إلى (الصراع السُني الشيعي) أو (الصراع العربي الفارسي) وإزاء ما يحدث من جرائم مريعة ومستفزة بات كثير من أهل السُنة يرون عدوهم قادماً من الشرق، وبات كثير من غلاة الشيعة يرون في أهل السُنة قتلة الحسين (كما يعتقدون ) خطراً أشد عليهم من خطر إسرائيل.

وقد بات مثيراً للاستغراب أن يصير الاهتمام بعقد مؤتمر جنيف ثانوياً وأن يتحول الحديث عنه إلى ساحة خطابات وتحليلات وتصريحات بينما الشعب السوري يموت.

والعجب أن يجد السوريون كل هذا العداء من الروس، فلم يكن الشعب السوري عدواً لروسيا ولم يطرح أي شعار يعاديها، بل هو حريص على الصداقة معها ومع كل دول العالم. وكذلك لم يكن الشعب السوري يكن أي عداء لإيران بل كان يجد فيها قوة داعمة لقضيته الفلسطينية، وكان السوريون يعلقون صور حسن نصر الله في بيوتهم، وكانوا يرونه يقاوم ويمانع إسرائيل، ولم يخطر لهم أنه سيقاوم ثورتهم من أجل حقهم في الحرية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

شيعة العراق في سورية: من المستنقع إلى الحمأة؟

صبحي حديدي 

القدس العربي

الجمعة 13 ديسمبر 2013

شريط الفيديو، الذي نُشر مؤخراً على موقع ‘يوتيوب’، يُظهر مجموعة شبّان عراقيين من أنصار مقتدى الصدر، يرتدون اللباس العسكري المموّه، ويحملون رشاشات ومسدسات، ويهزجون بحميّة دينية طافحة، مطالبين بأخذهم إلى الشام، لمحوها من الوجود.

قبل هذا، انتشرت صورة فوتوغرافية لمقاتل عراقي شيعي، يقتاد مواطناً سورياً في ستينيات عمره، من أبناء مدينة النبك، لكي يعدمه رمياً بالرصاص. صورة ثالثة تبيّن مسلحاً عراقياً، باللباس المموّه، وسط نفر من زملائه، يحمل رزمة من النقود لاح أنه قبضها لتوّه لقاء ‘خدمة’ ما، أو نهبها خلال عملية عسكرية. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، خاصة مع احتدام المعارك في منطقة القلمون، تكاثرت أشرطة وصور مماثلة، تكشف سلسلة من المظاهر والأفعال والممارسات الفاشية المقترنة بالميليشات العراقية المساندة لنظام بشار الأسد.

المرء يخال، للوهلة الأولى، أنّ هؤلاء نفروا إلى سورية (أو إلى ‘الشام’ تحديداً، كما يقولون)، خفافاً وثقالاً، دفاعاً عن المقدّسات الشيعية، وفقاً للأكذوبة الكبرى (التي أطلقها حسن نصر الله، الأمين العام لـ’حزب الله’، وتتردد اليوم على كلّ شفة ولسان في أوساط هذه الميليشيات المذهبية)؛ وذلك بعد أن طهروا بلدهم، العراق، من ‘التكفيريين’ و’الإرهابيين’ و’المتشددين’ و’الغلاة’… أجمعين! لكنّ الأخبار تتناهى، كلّ يوم في الواقع، فلا تفيد إلا العكس: أي عودة عمليات ‘القاعدة’ على نحو أشدّ، وأوسع نطاقاً، وأكثر تعقيداً من حيث التكتيك العسكري، خاصة في الجانب الذي يخصّ تنفيذ عدد متزامن من العمليات المتباعدة جغرافياً. كذلك فإنّ أوضاع التنظيمات السياسية العراقية، ذات الطابع المذهبي الصريح أو المستتر، ليست البتة في وضع مريح يتيح لها التفرّغ لأداء ‘تكليفات شرعية’ على أراضي الآخرين.

وبالطبع، ليس جديداً ـ وهو أمر مؤسف، في المحصلة ـ أن يقول المرء إنّ ما يجري في العراق بعد مرور عقد على ‘التحرير’ هو بعض تجليات المعادلة الجدلية العسيرة وراء غزو عسكري سهل، مارسته قوّة عظمى، نصّبت أنصارها وأزلامها في سدّة الحكم، دون التبصّر في معضلات السلام الأهلي الذي يعقب الغزو. ولقد قلنا من قبل، مثل سوانا في الواقع، إنّه سوف يتعين على الغازي الأمريكي مواجهة معضلات عاجلة تحتاج إلى حلول عاجلة، وذلك قبل أن يجد نفسه عالقاً أكثر فأكثر في وحول المستنقع العراقي، وقبل أن يصبح وجهاً لوجه أمام المعضلات الكبرى للشطر الأصعب في سيرورة الغزو: هضم العراق، البلد والحضارة والتنوّع الفسيفسائي المعقد، وبلوغ درجة دنيا من السلام الذي لا مناص من بلوغ بعضه قبل إعلان الظفر الشامل.

وفي مطلع نيسان (أبريل) 2003، حين سقطت العاصمة العراقية بغداد في قبضة الغزو الأمريكي، كان دويل ماكمانوس، الكاتب في صحيفة ‘لوس أنجليس تايمز? الأمريكية، قد نقل عن ضابط في قوّات الـ’مارينز? قوله، بعد دقائق من توغّل دبابات وحدته في قلب بغداد: ‘ها قد وصلنا. نحن الكلب الذي اصطاد السيّارة.

ماذا سنفعل بها الآن’؟ وفي الواقع كان الضابط الأمريكي (الحصيف، الحكيم، المتطيّر شرّاً، كما يلوح) يعيد باللغة اليانكية صياغة الحكمة الشهيرة التي أطلقها في مطالع القرن التاسع عشر كارل فون كلاوزفيتز، الضابط البروسي الشهير وأحد أعظم أدمغة التفكير في شؤون الحرب ومعضلات السلام الذي يلي الانتصار العسكري: ‘في الحرب ليس ثمة نتيجة نهائية’.

وكان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، الابن، بحاجة إلى هذه المغامرة العسكرية في العراق، ليس لأنها بدت ‘نبيلة وضرورية وعادلة’، كما سيقول؛ بل لأسباب ذاتية تخصّ إنقاذ رئاسته الأولى ومنحها المضمون الذي شرعت تبحث عنه بعد مهزلة إعادة عدّ الأصوات في فلوريدا، وبالتالي صناعة ـ وليس فقط تقوية ـ حظوظه للفوز بولاية ثانية. وكان بحاجة إلى هذه الحرب لأنّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي شنّها، لثلاثة أسباب ستراتيجية على الأقلّ: 1) تحويل العراق إلى قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تخلّص أمريكا من مخاطر بقاء قوّاتها في دول الخليج، وما يشكّله هذا الوجود من ذريعة قوية يستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضدّ الولايات المتحدة، وتشجيع ولادة نماذج جديدة من ‘القاعدة’ وأسامة بن لادن؛ و2) السيطرة على النفط العراقي، التي تشير كلّ التقديرات إلى أنه الآن يعدّ الإحتياطي الأوّل في العالم، أي بما يتفوّق على المملكة العربية السعودية ذاتها؛ و3) توطيد ‘درس أفغانستان’ على صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُردّ ولا تُقاوم.

آنذاك قال بوش في ‘الديمقراطية العراقية القادمة’ ما عجزت عن تدبيجه أقلام أكبر الكذبة المنافقين من رجالات ‘المعارضة’ العراقية، فلم يترك زيادة لأي مستزيد بينهم: ‘إنّ عراقاً محرراً يمكن أن يبيّن قوّة الحرّية في تحويل تلك المنطقة الحيوية عن طريق تقديم الأمل والتقدّم إلى حياة الملايين. إنّ اهتمام أمريكا بالأمن، وإيمانها بالحرية، يقودان معاً إلى اتجاه واحد: إلى عراق حرّ ومسالم’.

وأغلب الظنّ أنّ هذا لم يكن الرأي الفعلي السائد في أروقة البيت الأبيض الداخلية، على صعيد الصقور مثل الحمائم، لأنّ الجميع كانوا يعرفون حقّ المعرفة أنّ أوّل انتخابات حرّة في العراق سوف تجلب أغلبية شيعية مطلقة، وستُدخل إيران من البوابة الأعرض، إذا لم تكن مرشحة لإعادة إنتاج كوارث شبيهة بما حدث في الجزائر بعد فوز ‘جبهة الإنقاذ الاسلامية’. فوق هذا وذاك، هل كان أحدهم يتنبأ آنذاك بما سيجري في، أو ربما سمع لتوّه باسم، مدينة الفلوجة؟ هل كانوا، بمعزل عن السيستاني والحكيم، قد سمعوا باسم مقتدى الصدر؟

ولقد كُتب الكثير في وصف انقلاب السحر على الساحر الأمريكي، ولعلّ من الدالّ أن يقتبس المرء توصيف الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما: هذه الحرب، الأطول من الحربين العالميتين الأولى والثانية، والأطول من الحرب الأهلية الأمريكية، جعلت أمريكا أقلّ أماناً، وأضعفت نفوذها في العالم، وزادت من قوّة إيران، وعزّزت حركة ‘طالبان’ وكوريا الشمالية وتنظيم ‘القاعدة’… ما لم يقله أوباما هو أنّ هذه هي الحال الكلاسيكية التي أخذت تنتهي إليها جميع حروب الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة، بوصفها أسوأ مَن يستخدم الجبروت العسكري، وبالتالي أردأ مَن يتعلّم دروس التاريخ.

ويكفي استعراض ‘طرائق’ محاربة ‘القاعدة’ في العراق، والتي تباحث فيها أوباما مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مؤخراً، لكي يدرك المرء الحدود القاصرة التي انتهت إليها عملية اصطياد السيارة، وفق تعبير الضابط الأمريكي المتشائم.

آنذاك، أيضاً، لم يتلكأ رجل مثل هنري كيسنجر في إطلاق صفة ‘الحرب الأهلية’ على أعمال العنف، والإفتاء بأنّ تقسيم العراق على أسس إثنية قد يكون المخرج؛ هو الذي أنبأنا قبلئذ أنّ احتلال العراق كان محض تفصيل في تخطيط أعلى يستهدف لجم الإسلام المتشدد! ففي مقالة مسهبة بعنوان ‘دروس من أجل ستراتيجية مخرج’، نشرها أواخر آب (أغسطس) 2005، كتب حكيم الدبلوماسية الأمريكية يقارن بين فييتنام والعراق: ‘من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة.

فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة Episode في الصراع ضدّ الإسلام الجذري (…) الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي بعيد النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزى العميق أكثر ممّا كان لفييتنام. فلو قامت، في بغداد أو في أيّ جزء من العراق، حكومة على شاكلة الطالبان أو دولة أصولية راديكالية، فإنّ موجات الصدمة سوف تتردّد على امتداد العالم المسلم’…

آنذاك، ثالثاً، كان ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي الأمريكي، قد سطّر مذكّرة سرّية أثار فيها الكثير من الشكوك حول كفاءة المالكي، رغم أنه غضّ البصر عن ملفات كثيرة تخصّ الفساد وسوء إدارة العوائد النفطية والارتهان لإيران… والإنصاف يقتضي القول إنه ما من سبب كان يدعو هادلي إلى التحامل على المالكي، ليس لأنّ رئيس الوزراء العراقي كان رجل الاحتلال المفضّل في المنصب، فحسب؛ بل لأنّ هادلي ساق جملة من الحقائق البسيطة عن الرجل؛ بينها هذه مثلاً: ‘صحيح أنّ نواياه تبدو طيبة حين يتحدث مع الأمريكيين، إلا أنّ الواقع في شوارع بغداد يوحي بأنّ المالكي إما جاهل لما يجري، وبالتالي فهو يسيء تقديم نواياه، أو أنّ قدراته ليست بعد كافية لتحويل نواياه الطيبة إلى فعل’.

إذا كانت تلك حال رئيس الوزراء الممثل لكتلة الأغلبية البرلمانية المنتخَبة ديمقراطياً، تحت الاحتلال بالطبع؛ فما الذي يمكن أن تسير إليه قدرات الإرهابيين الذي يقودون مفارز الخطف، والإعدام على الهوية، وإحراق البشر أحياء؟

وكيف يمكن للساسة، الذين يتغنى المالكي بقدراتهم على الحلّ والربط متناسياً أنه يقف على رأسهم، جامعاً تمثيل السلطة التشريعية (بوصفه رجل الأغلبية البرلمانية) والسلطة التنفيذية في آن؛ أن يتمكنوا من تربيع دائرة الدم الجهنمية هذه، إذا كانت الحال بأسرها تسير حثيثاً إلى الهاوية؟

وكيف لمعجزة كهذه أن تقع إذا كانت الحال الراهنة في العراق، حيث البون شاسع شاسع بين النوايا في القلوب وعلى الألسن، والجثث في الشوارع والقبور الجماعية ليست طارئة ونتاج العنف غير المسبوق في الأشهر السابقة، بل هي سيرورة متصلة مترابطة كما سيفكر أيّ عاقل؟

أليس المرء، لا سيما إذا مارس رياضة الربط بين الظواهر سنة بعد سنة وشهراً بعد شهر، لكي لا نقول أسبوعاً بعد أسبوع، مخوّلاً ببلوغ خلاصات جلية حول بدء تلك الحال، ومسيرها، ومآلاتها الراهنة؛ كما تتجلى، على سبيل المثال الأبرز، في تشجيع ورعاية هؤلاء المرتزقة، الهمج الجدد الذين ينفرون إلى الشام، بهدف تدميرها ومحوها عن وجه الأرض؟ وهل في الإمكان تصدير الأزمات والمآزق الداخلية إلى الجوار، واصطناع حمأة صراعات شيعية ـ سنّية في سورية، بينما الأقدام عالقة لتوّها في مستنقعات سياسية واجتماعية واقتصادية ومذهبية وطائفية… تكبّل العراق المعاصر؟

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com