العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15/9/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بشار الأسد (بدّو هيك)

بدرالدين حسن قربي

في سياقات الحرب المدمرة التي أعلنتها عصابة الأسد وشبيحته على السوريين، تهدّمت مئات المساجد وعشرات الكنائس معها.  وإنما في خصوصية التعاطي مع المكون المسيحي السوري، يسوّق الأسد حماية المسيحيين من الإرهاب الذي يستهدفهم، والذي هو مصدره أساساً وليس غيره، لأن إرهابه يطال جميع مخالفيه ورافضيه بغض النظر عن دينهم وعرقهم ومذهبهم، وليس كما يحلو لبعض حلفائه وشبيحته قوله.  ولعل الأحداث الأخيرة قبل أيام في بلدة معلولا مثالاً.  فالبروباغندا التي صنعها إعلام النظام وحلفاؤه، واضحٌ دجلها وفبركتها، وتؤكد ذلك أحداث موثقة عن نواياه الإرهابية بالمسيحيين وغيرهم فيما حصل من كشف مخطط إجرامي له يراد في لبنان كان يستهدف أكبر شخصية مسيحيّة فيه.

فبشار الأسد بدو هيك، هي الجملة التي قالها النائب اللبناني السابق والوزير ميشال سماحة للشخص الذي يريد التعاون معه والمساعدة ببعض عمليات التفجير في لبنان بهدف إشعال فتَن طائفية.  لطف الله بلبنان وأهله، عجّل بكشف المؤامرة الإرهابية ووضع اليد عليها، عندما تمّ القبض على سماحة في آب/أغسطس 2012 ، والذي مازال معتقلاً في سجن وزارة الدفاع، بتهمة التآمر على أمن الدّولة والتحضير لعمليات تفجيرية.  فقد اعترف بكل شيء، وكشف المستور، وإنما لم ينس أن يقول لمعتقليه ومحققيه: أعترف أنني ارتكبت غلطةً كبيرة، وأنا نادم كثيراً، وأشكر ربي وأشكركم أنكم كشفتم القضية قبل أن تحصل التفجيرات، لكي لا أحمل وزر دم ضحايا أبرياء. 

وبالمناسبة، اعترف سماحة بذهابه إلى سوريا قبل أيام من اعتقاله، وتوجه مباشرة بسيارته التي كان يقودها بنفسه إلى مكتب اللواء علي مملوك في دمشق بأمر من بشار الأسد، وهناك أُخذت منه سيارته، وتم وضع أكثر من 24 عبوة ناسفة مجهّزة تجهيزاً كاملاً، تتراوح أحجامها بين 20 كيلوغراماً وكيلوغرامين من المواد الشديدة الانفجار، وبينها 4 قناني غاز محشوّة كلّ واحدة منها بعشرين كلغ من مادة الـ سي 4.  ورجع بها بهدف تفجيرها أولاً، في موكب البطريرك الماروني لدى زيارته لمنطقة عكار ذات الأغلبية السنية، وثانياً، في تجمعات إسلامية أيضاً خلال إفطارات رمضان تطال مفتي السنّة فيها، وليكون من بعدها اتهام أصوليين إسلاميين بالتفجيرات، ويصار إلى إشعال فتنةٍ مسيحيةٍ إسلاميةٍ في عكار، وسنّية علوية في طرابلس. 

هذا وقد ضُمّ إلى ملف التحقيق بعض مكالمات هاتفية أجراها سماحة مع بثينة شعبان تثبت ان مستشارة الأسد كانت على علم بالتفجيرات. كما ضُمّ إليه ملف بالصوت والصورة، وفيه يتكلم سماحة مع من يريد تكليفه بمهمات التفجير المرادة والمخطط لها: بشار بدو هيك، وأن لا أحد يعلم بما نريد عمله إلا الكبير وعلي مملوك وأنا وأنت، ولكن سماحة نسي ومن معه ومن كلّفه، أن الله يعلم وأنه الأكبر من كل كبير، فأحبط بخفي لطفه مكرهم وإجرامهم.  وإنما رغم تأكد المؤامرة وثبوت ما فيها تخطيطاً وتنفيذاً، فقد تعامى الشبيحة والحلفاء عمّا كان يخطِّط لهم الكبير يقيناً وثبوتاً وتجاوزوه إلى بروباغندا مفبركة. إرهاب عصابة الأسد يطال الجميع مسلمين ومسيحيين، ولايوفّر أحداً منهم، يتاجر بأمنهم وأمانهم ويعتبرها أوراقاً للاستمرار في سلطة متوحشة، تؤكد المؤكد في طبيعة النظام البنيوية المافيوية استبداداً وقمعاً وتجبّراً: الكبير بدّو هيك.  ومع ذلك، ففي الإعلام الذي يكذب في كل شيء، ويدفع بالكذبة الكبيرة دون تردد بالغاً مابلغت، دون ذرة من حياء، ودون أن يرف له جفن أو يتلكلك له لسان، يناطح بها ويواقح بعين قوية، فلا تستغرب خروج شبيحة النظام وسدنته يخوّفون المسيحيين في معلولا وغيرها، ويُلقون بتهم الإرهاب على غيرهم وهم أصله وفصله،  ورغم أنهم صانعوه ووكلاؤه ومصدّروه، ثم يتساءلون بهدف تشكيكنا، رغم وجود الأدلة والثبوتيات والتسجيلات والمستندات ضدهم: معقول يفعل الأسد هيك، وماالفائدة؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التدين وقتل الأبرياء

د. محمود نديم نحاس

5/9/2013

كتب يقول بأن قريبه محافظ على أداء الصلاة، ودفع الزكاة، وصوم رمضان، وقد أدى الحج مع أسرته مرات، وهو حافظٌ للقرآن، وزوجته محجّبة... لكنه يقف مع النظام الأسدي! فما رأي الناس فيه؟ فسألته: هل هو من عامة الناس الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، وهل ينكر أعمال النظام، ولو بقلبه، وهذا أضعف الإيمان؟ فأجاب: بأنه ليس من عامة الناس، بل إنه يحتل منصباً رفيعاً في الحزب والدولة، وأنه يرى الحق مع النظام في قمع المتظاهرين وقتل الأبرياء! وأضاف بأنه متورط مع النظام لأنه عندما التحق بوظيفته كان متواضع الحال، أما الآن فهو من أصحاب الأموال والأراضي والعقارات وأسهم الشركات من خلال الفساد المستشري!

فأجبته بأن أي قاضٍ في الدنيا عندما ينظر في أي قضية مرفوعة أمامه لا ينظر إلى السلوك الشخصي للمتقاضيَين. وقد وقف الخليفة الرابع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أمام القاضي وخسر دعوى ضد يهودي، ولم يتطاول على خصمه ولا على القاضي بأنه وأنه، ولم يحوّل قضية قضائية إلى موضوع ديني، وهو الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث (أرحمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي) فقال عنه (وأقضاهم علي). وبالتالي فإن لباس التقوى الذي يتلفَّع به قريبك لن يحوّله من إنسان مشارك في جرائم النظام إلى إنسان يجب التعاطف معه عندما ستتم محاكمة المجرمين يوماً ما. ونصحته بأن يخبره بأن المحاكم عندما لاحقت أنصار هتلر لم تغادر منهم أحداً.

إننا كثيراً ما نخلط بين حق الله وحقوق العباد. فحق الله تعالى قد يغفره الله ويسامح عليه إذا قبل توبة فاعله. أما حقوق العباد فالتوبة تستلزم رد الحقوق إليهم. ومن الحقوق ما يكون مشتركاً فيها حق الله وحقوق العباد، فالقصاص من القاتل يجتمع فيه حق الله وهو تطهير المجتمع من الجريمة، وحق أولياء المقتول بشفاء غيظهم بقتل الجاني، ولا مجال للتنازل عن هذا الحق إلا أن يعفو أصحابه.

ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مراعاة حقوق العباد ولو في أمر صغير. إذ لما جاءه شيء يشرب منه وكان على يمينه غلام وعلى شماله كبار أصحابه، فبعد أن شرب فإن الحق أن يعطي الإناء لمن على يمينه ليشرب، فاستأذن الغلام في أن يعطي الكبار الذين هم على شماله، لكن الغلام قال: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحداً. فأعطاه الإناء ليشرب لأنه لم يتنازل عن حقه. وهذا في حق الدور في الشرب فكيف في حق الدماء والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (لو أنَّ أهلَ السَّماءِ والأرضِ اشتَركوا في دَمِ مؤمِنٍ لأكبَّهُم اللهُ في النَّارِ).

وإن من حقوق العباد المحافظة على الضرورات الخمس: حفظ الدين، والنفْس، والنسل أو العِرض، والمال، والعقل. فما هي التي حافظ عليها النظام السوري بعد أن أفسد العقائد وأزهق الأرواح بالذبح بالسكين والقتل بالرصاص والبراميل المتفجرة والصواريخ والسلاح الكيماوي المحرّم دولياً، واغتصب الحرائر، واختلس الأموال، وأفسد العقول بالإشاعات والتضليل والشعارات الزائفة من أمثال الممانعة والمقاومة والصمود والتصدي؟

قال السائل: أليس الحاج يعود كيوم ولدته أمه؟ فقلت: يا صديقي في الحديث الصحيح (يُغفَرُ للشهيدِ كلَّ ذنبٍ إلا الدَّيْنَ). فالشهادة في سبيل الله التي هي أعلى ما يناله الإنسان لن تعفيه من قضاء ديونه، فكيف بالأموال المنهوبة؟ هل يغسلها الحج؟ ولقد استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يحرس الغنائم، فمات الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو في النار)، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلَّها، أي أخذها من الغنيمة قبل أن تُقسم، وهي ليست حقه بل حق الجيش كله. وتوفى رجل في خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (صلوا على صاحبكم)، فتغيرت وجوه الناس، فقال: (إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله) ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين. فمن أجل درهمين أخذهما بغير حق أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه، ليكون في ذلك أبلغ زاجر.

فهذه الأحاديث تدل على تعظيم حقوق العباد، لئلا يخدع أحد نفسه فيسهم في سرقة الأموال أو في قتل البشر ثم يقول بأنه يعود من الحج كيوم ولدته أمه. ولعل أكثرنا يحفظ حديث المفلس (أتدرون من المفلسُ؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ، المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال: إنَّ المفلسَ من أمتي من يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ، وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مالَ هذا، فيأخذُ هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه أُخذ من سيئاتهم فطُرِحَ عليهِ ثم طُرِحَ في النارِ)، وحديث (لا يزالُ المؤمنُ في فسحةٍ من دينِه، ما لم يصبْ دمًا حرامًا)، وحديث (كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ مالُهُ وعِرْضُهُ ودَمُهُ).

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : اثنان وعشرون يوما على الضربة تحت الحزام ولا رد

14.09.2013

زهير سالم

تنشغل الولايات المتحدة هذه الأيام بإحياء الذكرى الثانية عشرة لجريمة الاعتداء على برجيها في 11/9. كما تنشغل بترتيل آيات الوفاء لأبنائها من الضحايا الأبرياء الذين قضوا في تلك الجريمة المدمرة . وجميل من الولايات المتحدة إدارة وشعبا أن تفعل ذلك ، وجميل من كل إنسان على الأرض أن يظل يعلن تعاطفه مع الإنسان المقتول ظلما بغير وجه حق ؛ ولكن على قاعدة أن بني البشر تتكافأ دماؤهم ..

بالمقارنة العاجلة بين الجريمة التاريخية التي يقال إن منفذيها مجموعة من ( الإرهابيين ) وبين جريمة الغوطة التي وقعت اثنين وعشرين يوما فقط من هذا التاريخ سيلحظ المتابع أن جريمة الغوطة قد تم تنفيذها من قبل ( رئيس ) لا يزال يتمتع بالصفة الاعتبارية ، ولا يزال له ممثلون يجلسون على مقاعد النوادي الدولية ، وسفراء يمثلونه في معظم عواصم العالم . هذا الفارق وحده يجعل للجريمة الأخيرة في إطار الموقف القانوني الدولي معنى آخر وتجسدا مختلفا . إنها جريمة مكتملة الأركان وليست نزوة من مجموعة من المغامرين أو المتطرفين . وهي من فعل جهة إن سكت ممثلو القانون الدولي على من ارتكبها لأي اعتبار فمعنى ذلك أنهم يشرعنونها ويعطونها بعدا قانونيا، لا يحق لمن قبل بها اليوم أن يستنكرها غدا . لقد طورد مرتكبو الجريمة الأولى ( جريمة الحادي عشر من سبتمبر ) حول العالم ولا يزالون ، فما بال مرتكبي الجريمة الثانية ( جريمة الواحد والعشرين من أغسطس ) لا يزالون يعاملون كرؤساء ودبلوماسيين وسفراء . سؤال يطرحه كل سوري وهو يتابع المشهد المأساة.

ومن جهة أخرى حيث المقارنة بين ضحايا جريمة الحادي عشر والحادي والعشرين ، صحيح أن ضحايا الجريمة الأول هم من حيث العدد ضعف عدد الجريمة الثانية ولكن المقارنة الدقيقة ستبين أن ثلث ضحايا الجريمة الثانية هم من الأطفال تحت سن العاشرة ، ومع إيماننا أن الحياة الإنسانية لا تقاس ( بكم ) ، وأن حياة إنسان واحد تهدر بغير وجه حق تعدل حياة الإنسانية جمعاء ؛ إلا أن المعنى الإنساني في العدوان على هؤلاء الأطفال الذين تباركهم كل الشرائع والأديان ، وبهذا الحجم يبقى له حضوره في قلوب بني البشر أجمعين...

اثنان وعشرون يوما مرت على جريمة الحادي والعشرين ، ورغم أن الجرح لا يزال ساخنا ، وأن تداعياته على الأرض السورية ما تزال حاضرة ؛ إلا أن ( قيادات التفويض ) للمعارضة السياسية السورية التي فوضت أمرها وقرارها للغرب يفعل بها ولها ما يشاء ويحكم لها بما يختار لم تستطع بعد أن تدرك حقيقة الموقف الغربي . ولم تحاول الإجابة على السؤال الذي طرحه المواطن الأمريكي والمواطن الأوربي وبرلماناتهم الممثلة لهم : ماذا لنا في ذلك الصراع ؟ لقد كتب صحفي أمريكي منذ اليوم الأول لهذه الثورة ( لا كلب أبيض ولا كلب أسود لنا في ذلك الصراع..)

إن ما جنته الثورة السورية حتى اليوم من الارتباط المباشر وغير المباشر بأجندات ما يسمى العالم الحر المزيد من التضييق والمزيد من القيود والمزيد من التقارير المنحازة والمزيد من المماطلة والتسويف وإضاعة الوقت والتدخل في الخصوصيات وفرض التشكيلات المعيقة والشخصيات الضامنة ...

بشار الأسد وجد حلفاءه في هذا العالم . وكانوا حلفاء صدق بالنسبة إليه . وجعل كل مواثيق وقوانين ( بان كيمون ) وراءه ظهريا . وراح يقّتلنا رجالا ونساء شيوخا وأطفالا بكل سلاح وصل إلى يده حتى الآن ...

لقد تلقى شعبنا في الحادي والعشرين من آب ( أغسطس ) ضربة موجعة تحت الحزام ولقد تابع العالم أجمع كيف ردت الولايات المتحدة على جريمة الحادي عشر من سبتمبر وما تزال . هكذا يرد من يريد أن ينتصر على كل الضربات تحت الحزام ..

يسألني : هل نقدر ؟! وأجيبه : هل تريد ؟!

لندن : 7 / ذو القعدة 1434

13 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التنازل في السلاح الكيميائي السوري

بروفيسور عبد الستار قاسم

10/أيلول/2013

قدمت سوريا وحُلفاؤها تنازلاً للولايات المتحدة الأمريكية بتقديم اقتراح بوضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية. موسكو أعلنت عن الاقتراح، وسوريا رحبت، ووافقت طهران بتحفظ.

حتى الآن لا نستطيع الحكم على خطورة هذا التنازل ومداه لأن التفاصيل ليست متوافرة. ولهذا لا نستطيع وصفه بالتنازل عن السلاح الكيميائي، إنما في السلاح الكيميائي. وحتى تنجلي الأمور، هناك أسئلة كثيرة مطروحة منها:

ـــــ ماذا يعني وضع الأسلحة تحت الرقابة الدولية؟ هل يعني التدمير الشامل؟ أم وضع أجهزة تصوير في مخازن الأسلحة وأماكن تصنيعها؟ أم نقلها إلى دولة أخرى؟ أم زيارة المفتشين الدوليين لها؟ أم مراقبتها ومراقبة المواد الخاصة بتصنيعها؟

ـــــ ماذا يعني الترحيب السوري بالمبادرة الروسية؟ هل هو القبول بما تراه الدول الغربية؟ أم القبول بمناقشة الأمر؟ أم التخلي التام عن الأسلحة؟

ـــــ هل ستربط سوريا نزع هذا السلاح بنزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة العربية الإسلامية؟

ـــــ هل ستربط سوريا النقاش بما تملكه (إسرائيل) من قوة نووية؟

ـــــ هل المبادرة جادة أم للماطلة؟

ـــــ هل هي لتقديم حجة (لأوباما) للتريث في توجيه ضربة عسكرية، أو لتقديم مخرج له لإلغاء الضربة نهائياً؟

ـــــ وهل هي فخ يجر الغرب إلى الانشغال بنقاش حول المبادرة فتأخذ سوريا مزيداً من الوقت؟

على كل حال، ما حصل هو تنازل وليـس مجرد إنحناء لكي تمر العاصفـة. الإنحناء يتم في قضايا ثانويـة وليـس في قضايا اسـتراتيجيـة، وامتلاك أسـلحـة الدمار الشـامل مسـألـة اسـتراتيجيـة وليسـت أمراً عابراً. لكن التريث في وزن هذا التنازل ضروري، وأسـوأ ما يمكن أن نراه هو تكرار مشـهد حرق الأسـلحـة الكيميائيـة في العراق. وهذا مشـهد سـيُشـكل هزيمـة نكراء جديدة للعرب.

قيمة السلاح الكيميائي

سلاح الدمار الشامل سلاح ردع أكثر منه سلاح قتال. إنه ليس سلاحاً ميدانياً، وإنما هو سلاح اليأس وربما الانتحار. ولهذا تُطوره الدول للحظة التي تقول فيها "عليَّ وعلى أعدائي." هناك من استعمل سلاح الدمار الشامل خارج هذه القاعدة وبالتحديد الولايات المتحدة التي ضربت اليابان بالنووي، وصدام حسين الذي ضرب الكرد والإيرانيين بالكيميائي.

سلاح الدمار الشامل مهم بالنسبة للعرب وبعض المسلمين، ومن الضروري العمل على تطويره لأن (إسرائيل) تمتلك أسلحة نووية، ولا بد من مواجهتها بردع مماثل إن أمكن وبالكيميائي إن لم يكن بالإمكان تطوير قدرات نووية.

سـوريا لن تسـتعمل السـلاح الكيميائي في أي مواجهـة مع (إسـرائيل) لأنـه من غير المتوقع أن تصل أي حرب قادمـة إلى حد الهاويـة فيُقرر طرف اسـتخدام أسـلحتـه ليقتل غيره وينتحر. لكن وجود قوة اسـتراتيجيـة رادعـة (لإسـرائيل) يبقى أمراً حيوياً للأمن القومي العربي..!!

أوباما مستفيد

(أوباما) في وضع حرج، وهو الذي دفعه للاحتماء بالكونغرس الأمريكي. وسبق أن تم توضيح التحول في ميزان القوى والظروف المختلفة التي تُحيط بالوضع السوري، الأمر الذي يجعل من الضربة العسكرية لسوريا مغامرة عسكرية غير محسوبة. ولذلك من المحتمل أن روسيا تحاول إعطاء (أوباما) مبرراً قوياً لتأجيل الضربة أو إلغائها، وهكذا تفعل الدول الكبرى أحياناً لأن في حرج منافسـيها ما قد يؤدي إلى كوارث عسـكريـة!

وإذا استفاد (أوباما) من الرأي العام الأمريكي، فإنه يكون قد حاز على مبررين لعدم الدخول في مأزق عالمي عسكري واقتصادي. وربما يتحرر من استعباد وزير خارجيته (جون كيري) الذي يُصر على مهاجمة سوريا.

وروسيا مستفيدة

روسـيا مسـتفيدة إن أوقفت الحرب لأنها سـتكون "بطلـة السـلام"، ومن المحتمل أن يحوز (لافروف) بذلك على جائزة نوبل للسـلام كما حاز (أوباما) في سـابق الأيام. وأيضاً سـيكون ذلك تثبيتاً لوضع روسـيا العالمي كدولـة تعود تدريجياً إلى القطبيـة.

وسوريا وإيران مستفيدتان على الأقل في التقاط النفس، وبذل المزيد من جهود الاستعداد والإعداد.

الغاضبون

الغاضبون هم كل الذين يهتفون للراعي الأمريكي لتوجيـه ضربـة عسـكريـة إلى سـوريا لأن هدفهم هو تحطيم الجيـش السـوري وليـس التخلص فقط من السـلاح الكيميائي. دول الخليج والأردن ومملكة المغرب وتركيا وقوى 14/آذار وعدد من القوى الإسـلاميـة منزعجون جداً من التريث الأمريكي، ومن نيـة الغرب مناقشـة المبادرة السـوريـة.

والمشكلة الأساسية لدى الدول العربية إذا لم تشن أمريكا حرباً تتمثل في طُرق صرف الأموال التي رصدتها دول الخليج للإنفاق على الحرب. وأظن أن المسألة ليست معقدة.

الاستجابة للدول الغربية قاتلة

من المهم الانتباه إلى أن الدول الغربيـة، ومعها (إسـرائيل)، لن تتوقف عند حد في مطالبها من سـوريا إن اســتجابت سـوريا بصورة مائعـة وغير مقيدة ومكفولـة من روسـيا والصين للدول الغربيـة في مسـألـة الكيميائي؛ سـيطلب الغرب تدمير كل الأسـلحـة الكيميائيـة، ومن ثم تدمير مصانعها وكل ما يتصل بها من تقنيـة وعلوم، وسـيطلبون التفتيـش في كل الأراضي السـوريـة، وسـيطلبون تفتيـش القصر الجمهوري والمقار الحكوميـة،... إلخ، وسـيعملون على قتل العلماء. إذا اسـتجابت سـوريا فإن حالها لن يختلف عن حال العراق، وسـتكون الأراضي السـوريـة مسـرحاً مفتوحاً (لإسـرائيل) وأمريكا...!!!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 49)

رفعت الأسد يعد لانقلاب عسكري على أخيه حافظ الأسد 1984

محمد فاروق الإمام

يروي العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السابق أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد في مذكراته أحداث محاولة انقلاب رفعت الأسد على أخيه فيقول:

(استشعر الرئيس الأسد أن رفعت جاد في عملية السيطرة على دمشق فطلب مني إحباطها وإشعاره أن المواجهة ستكون عملية انتحارية.

في أوائل شهر شباط من العام 1984م كنت متوجهاً إلى مكتبي في القيادة العامة ولدى مروري قرب حديقة الجاحظ لاحظت عدّة صور ملصقة على الحيطان لشقيق الرئيس «العميد رفعت الأسد» وكانت الصورة تمثله وهو رافع قبضة يده كدليل على القوة والتحدّي,, ولم أكن مرتاحاً نفسيّاً لهذه المناظر المؤذية والغبية وقلت بنفسي طالما أنّني انزعجت منها فلابدّ أنّ الرئيس حافظ الأسد سيكون أشدّ انزعاجاً لأنّ هذا الموضوع يخصّه بالدرجة الأولى قولاً واحداً.

كان الرئيس الأسد الشخص الوحيد الذي يتابع المواضيع الأمنية داخل الوحدة /569/ (سرايا الدفاع) ذلك أنّ العميد رفعت عندما كان يستشعر أنّ أحد ضبّاط الأمن في وحدته يتعامل مع شعبة المخابرات كان يزجّ به في السجن الخاص بالوحدة ولا يعود أحد يعرف عنه شيئاً لذلك أصبحت الوحدة تشكل (غيتو) خاصاً يصعب انتهاكه ومع هذا فقد كان للقائد الرئيس حافظ الأسد بعض الضباط داخل الوحدة يزوّدونه بأخبارها الخاصة عبر قنوات سريّة للغاية لم يستطع حتى رفعت نفسه أنْ يحيط بها, وبدأت تتشكّل القناعة لدى القائد الأسد أنّ رفعت يبيّت شيئاً ما وأنّ الوحدة في حالة استنفار دائم مع أنّ الظروف المحلية لم تكن تستوجب ذلك.

إقصاء قائد الكتيبة (170):

في منتصف شهر شباط عام 1984م وجّه القائد حافظ الأسد بنقل قائد الكتيبة «170» (كان القائد الأسد يهدف من وراء عملية حماية القيادة العامة من سيطرة العميد رفعت المباشرة عليها كما أن تغيير القائد المحسوب شخصياً على رفعت وبخاصة في هذا المركز وفي هذا الظرف يعني أن صاحب القرار في تعيين الضباط ونقلهم هو الرئيس الأسد قولاً واحداً, كما أن نقل هذا الضابط يعتبر أول ثقب في قلعة رفعت الأسد) وهي الوحدة المكلّفة بحراسة مبنى القيادة العامة ووزارة الدفاع وكان قائد الكتيبة العقيد سليم بركات من أتباع العميد رفعت الأسد ومن المحسوبين عليه شخصيّاً وقد تمكّن رفعت من إقناع الرئيس الأسد بتعيين هذا الضابط (رغم قلة كفاءته المسلكية) في فترة نشاط الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات ورغم معرفتي بتفاهة هذا الضابط ويشاركني في الرأي رئيس الأركان العماد حكمت الشهابي ورئيس شعبة المخابرات اللواء علي دوبا فانّنا لم نُبدِ رأينا بصراحة وتركنا الأمر يصدر دونما لفت نظر للسيد الرئيس لأننا كنّا نعلم أنّ رفعت كان هو وراء هذا التعيين وكان الهاجس الأمني هو المسيطر على ذهن السيد الرئيس ولذلك كانت الكفاءة العسكرية تتراجع إلى المرتبة الثانية.

ولمّا كان أول الغيث قطرة فقد صدر الأمر بنقل الضابط المذكور بتاريخ 19/2/1984م وتعيين المقدّم علي يونس عوضاً عنه وتمّ إبلاغ أمر النقل لقائد الكتيبة «170» من قِبل العماد حكمت الشّهابي لأنه يتبع إليه مباشرة وكان ذلك في 18/2/1984م الساعة الحادية عشرة صباحاًَ كما تمّ إبلاغ اللواء علي دوبا من قِبل العماد حكمت أيضاً بأنّ قائد الكتيبة المنقول محظر عليه دخول مبنى القيادة العامة بتاتاً.

غادر قائد الكتيبة «170» مبنى القيادة العامة وهو بحالة غضب شديد وتوجّه مباشرة إلى مقر قيادة العميد رفعت الأسد في القابون وشكا له الأمر وكان توجيه رفعت للضابط بأنّ يعود مساءً إلى قيادة الكتيبة ويتسلّم قيادتها من جديد وكان العميد رفعت يعتقد بداخل نفسه بأن القائد الأسد أصدر أمراً بنقل أربعة عشر ضابطاً من المحسوبين على رفعت الأسد بتاريخ سابق ولم ينفذ منهم أحداً الأمر وسكت الرئيس الأسد على مضض ولو لم يكن هؤلاء محسوبين على شقيقه رفعت لكان مصيرهم السجن أو العزل من الجيش في أضعف الاحتمالات.

في الساعة الخامسة بعد الظهر عاد قائد الكتيبة المنقول العقيد سليم بركات إلى مقر القيادة العامة ولم يمانع الحرس لأنّهم أساساً من عناصره وطلب إلى قادة السرايا أنْ يجمعوا له عناصر الكتيبة بلباس الميدان الكامل وبعد دقائق كان الاجتماع جاهزاً في ساحة الأركان الخلفية فخطب بهم قائلاً: «لقد عيّنت قائداً للكتيبة بتوجيهات من العميد رفعت الأسد ولن أغادر هذه الكتيبة إلا بأوامر شخصية من القائد رفعت الأسد (كان هذا التعبير يروق كثيراً للعميد رفعت ولذلك كان عناصر سرايا الدفاع كافة يردّدون هذه العبارات وكذلك المنافقون من عسكريين ومدنيين.

وعَلِمَ اللواء علي دوبا بالأمر من قائد الكتيبة الجديد فتوجّه مباشرةً بسيارته إلى مقر قائد الكتيبة وطلب إلى العقيد أسعد صباغ والمرافقة أنْ تلحق به وصعد مباشرة إلى حيث يتواجد العقيد بركات وتوجّه نحوه قائلاً: لقد انتهى كل شيء ولم يعد لك مكان في هذه الكتيبة وعليك أنْ تغادر فوراً, وصرخ العقيد بركات وهو شاهر مسدسه: سيدي اللواء لا تقترب منّي رجاءً, فقال له اللواء دوبا: بل سأقترب منك يا ابن الكلب.

وفي هذه اللحظة وصل العقيد صباغ وعناصر المرافقة (أربعة مساعدين مسلّحين بالبنادق الروسية) وقاموا بتجريد العقيد بركات من سلاحه وهتف اللواء دوبا إلى العماد حكمت بأنّ المسألة قد حُلّت, والتفت إلى العقيد سليم قائلاً: أتشهر مسدّسك عليَّ يا سليم فقال له: معقول يا أبا محمد أنْ أشهر مسدّسي عليك, وهنا قام اللواء دوبا بصفع العقيد بركات على خدّه: أنا اللواء علي دوبا ولست أبا محمد سأحاكمك يا سليم بركات, ثم أمر اللواء دوبا بإطفاء الأنوار في الكتيبة وأمر العقيد أسعد صباغ بإنزال العقيد بركات في سيارته وزجّه في سجن الشرطة العسكرية بموقع القابون وانتهت الحادثة دون ضجيج وبقي الذين يعلمون بها محصورين في أشخاص معدودين.

يتبع

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة50)

بداية المواجهة الحامية بين الأسدين

محمد فاروق الإمام

لم يهضم العميد رفعت الأسد هذا الإجراء الذي قام به اللواء علي دوبا، ولذلك قرّر المواجهة بعد نصائح أصدقائه، في الداخل والخارج، التي أخفقت معها الأساليب كافة للسيطرة على قرار الرئيس حافظ الأسد المستقل والذي يخدم المصلحة السورية ويتناغم مع مصلحة الأمة العربية، ولهذا وجدت واشنطن الفرصة مناسبة لكي توجّه عملاءها نحو تصعيد الأمور في وجه الرئيس الأسد، لأنّ شقيقه رفعت سيكون حتماً مطواعاً لسياسة البيت الأبيض وعلى النقيض من شقيقه وفقاً لحساباتهم ومعلوماتهم ومعلومات أصدقائهم, وكما ذكرت فانّ الرئيس الأسد كان الشخص الوحيد في القوات المسلحة الذي يمسك ببعض الخيوط الأمنية في سرايا الدفاع وعندما تأكّد أنّ المواجهة قادمة لا محالة وأنّ رفعت الأسد قد رفع الجاهزية القتالية في سرايا الدفاع منذ أسبوع أي أنّ العملية جديّة وليست عملية اختبارية لتفقّد الجاهزية القتالية للتشكيل.

وفي الساعة الثانية إلاّ ربعاً من صباح 25/2/1984م هتف لي الرئيس الأسد إلى المنـزل وأعطاني التوجيه التالي: «ارتد لباسك العسكري وتوجّه مباشرة إلى مكتبك في القيادة العامة واستنفر التشكيلات الضاربة القريبة من دمشق وارفع درجة استعدادها القتالي إلى الكامل لأنّ العميد رفعت الأسد استنفر سرايا الدفاع بالكامل وهو يعدّ العدّة للسيطرة على دمشق لذلك يجب أنْ تتّخذ الإجراءات كافة لإحباط خططه وليكن في علمك أنّ رفعت الآن جادٌّ هذه المرة في موقفه وأنا أعرف أنّك لا تخاف من أحد ولكن يجب أنْ تضع في اعتبارك أنّ المواجهة قائمة لا محالة ولذلك ليس أمامك من طريق سوى إشعاره بأنّ المواجهة مع الجيش ستكون عملية انتحارية له ولأتباعه كافة.

وفي دقائق معدودة كنت مرتدياً لباس الميدان ووصلت إلى مبنى القيادة العامة الساعة الثانية وخمس دقائق واستنفرت فوراً لواء الصواريخ المحمول على دبابات والذي تبلغ دقّته بضعة أمتار كما استنفرت اللواء (65) المضاد للدبابات والذي يقوده العميد علي هرمز والوحدة «549» (سرايا الصراع ضد الدبابات) والتي يقودها العميد عدنان الأسد (ابن شقيق السيد الرئيس) كما استنفرت قائد الفرقة الأولى اللواء إبراهيم صافي وقائد الفرقة الثالثة اللواء شفيق فياض وقائد الفرقة السابعة العميد علي حبيب وقائد الفرقة التاسعة اللواء عدنان بدر الحسن وتمّ هذا الإجراء في أقل من خمس دقائق وبعد ذلك وصل إلى مكتبي تباعاً اللواء علي دوبا واللواء محمد الخولي وقال لي كلّ منهما: إنّ الرئيس الأسد وضعنا تحت تصرّفك لكي ننجز المهمّة التي كلفت بها، قلت لهما: لقد استنفرت الوحدات والتشكيلات التي سبق ذكرها ودونكما الهواتف على مكتبي فقوما باستنفار الوحدات القريبة من دمشق وبدا مكتبي كأنّه غرفة عمليات وكل واحد منّا يتكلّم مع قائد تشكيل ويطلب إليه رفع الاستعداد القتالي إلى الكامل, وهكذا تمّ استنفار بقيّة ألوية الصواريخ والقوى الجوية والدفاع الجوي وألوية مدفعية احتياط القيادة العامة وسرايا المهام الخاصة في شعبة المخابرات وسرايا الشرطة العسكرية ومفارز مخابرات القوى الجوية, يعني لم نترك قائداً قريباً من دمشق وبإمرته وحدة مقاتلة إلاّ وتمّ رفع جاهزيّته القتالية إلى الكاملة، مع تأكيدنا للضباط كافة أنّ الرئيس الأسد يضع ثقته المطلقة بهم.

وأعلمت الرئيس الأسد بالوضع في الجيش وأنّ الوحدات والتشكيلات القريبة من دمشق أصبحت جاهزة لتلقّي أيّة مهمّة وشكرني على هذا الانجاز وأوصاني بالمتابعة, وهنا لابدّ من أنْ أقول كلمة حول ذاكرة الرئيس الأسد بأسماء التشكيلات وأرقامها, فلم يترك سريّة أو كتيبة أو لواء أو فرقة في القوات المسلحة إلاّ وذكرها وطلب استنفارها وعندما كنت أقول له: لقد تمّ الأمر سيدّي، وبعد خمس دقائق يرنّ جرس الهاتف والمتكلم كان بالطبع الرئيس الأسد الذي كان يذكّرني بوحدة جديدة وكنت أقول له لقد تمّ استنفارها ولم تهدأ المكالمات والاتصالات إلاّ قرابة السابعة صباحاً حيث طلبت من الرئيس راجياً أن يخلد إلى الراحة ويأخذ قسطاً من النوم وقلت له مازحاً: «بقي رب العالمين لم نستنفره بعد»!, فقال ضاحكاً: لأنّه معنا، طيّب الله يعطيك العافية (أجرى القائد الأسد معي في تلك الليلة أكثر من مئة اتصال هاتفي ولو أنني استخدمت آلة التسجيل لحصلت على وثيقة نادرة تبرهن مدى قوة واتساع ذاكرة الرئيس الأسد ولكن يبدو أن هذا الموضوع أصبح يتمتع بإجماع عربي ودولي.

كان اللواء علي دوبا واللواء محمد الخولي قد استأذنا في الساعة الرابعة صباحاً للنوم في مكاتبهما وبقيت وحدي في المكتب أتلقى اتصالات السيد الرئيس, وفي إحدى المكالمات قلت للرئيس: صحيح أنّنا غيّرنا قائد كتيبة الحراسة لكنّنا لا نعرف الألغام التي وضعها رفعت في الكتيبة كما أنّ حراسة القيادة القطرية القريبة من مبنى القيادة العامة هي من سرايا الدفاع ولذلك فان أمننا القريب لا يوحي بالاطمئنان فهل تسمح لي بأن أنقل فوجاً من الوحدات الخاصة ليكون احتياطاً قريباً في يدي,, فقال لي: هل تستطيع ذلك دون أن تخبر اللواء علي حيدر (وكان الرئيس الأسد يعلم بأنّ هناك تنسيقاً كاملاً بين شقيقه رفعت وعلي حيدر) فأجبته أنّني قادر على ذلك ولمّا سألني أي فوج مغاوير سوف تُحضر من لبنان؟ أجبته: الفوج «35» الذي يقوده العميد صبحي الطيب ورئيس أركانه العقيد محسن سليمان, فأجاب: أشك في أنّك سوف تنجح في هذه المهمة، فقلت له أنا على يقين من النجاح طالما أنّني مغطّى بأوامرك,, فقال: استخدم صلاحيّاتي المطلقة في هذا المجال وتمنّى لي التوفيق.

يتبع

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

رسالة إلى الرئيس بوتين

ميشيل كيلو

السفير

السبت 7/9/2013

الآن، واميركا على وشك القيام بضربة عسكرية ضد النظام السوري لا يعرف أحد بالضبط ما الذي ستتمخض عنه، وان كانت مؤشرات كــثيرة توحــي بان نتائجها يرجح ان تكون خطيرة العواقب على سوريا الدولة والمجتمع كما على المنطقة العربية وموازين القوى بين دولها، وبان روســيا لن تســتطيع أو تقدر على التصدي لها، وجر اميركا إلى صراع لا نهاية له، في منطقة هي الأكثر حساسية وحيوية في العالم، يصير من الضروري القيام بشيء اسعــافي يجنب سوريا ضربة قد تكون قاضية، ستتلقاها خلال ايام على يد القوة العسكرية الأعظم في التاريخ، بعد أن انزل نظامها بها كارثة وطنية وإنسانية شاملة لا سابقة لها في تاريخها وتاريخ المنطقة العربية والعالم الحديث .

لهذه الاعتبارات، ولافتراضي بأن موقفكم من سوريا، الذي انحاز إلى نظامها وتجاهل تماما شعبها ومصيره البائس، وفهم الأزمة بطريقة خاطئة يحار المراقب في إيجاد مسوغات له، اود أن اتقدم منكم باقتراح قد يخرجنا جميعا من معادلات قاتلة ربما فقدنا خلال الايام والاسابيع القادمة السيطرة عليها، يقوم على ما يلي: تخرجون انتم بشار الاسد ومجموعته السياسية والعائلية من السلطة وسوريا، ونطلب نحن من الولايات المتحدة الامتناع عن تسديد ضربتها إلى النظام، إلى السلطة القائمة وجيشها، فإن لم تستجب اعلنا بكل صراحة ووضوح معارضتنا لاي عمل عسكري تقوم به، وطلبنا من شعبنا وجيشنا الحر مقاومتها، في حال اصرت على القيام بما لا نريد.

السيد الرئيس: اعتقد أن هذا الاقتراح يحفظ ماء وجهكم، ويوفر عليكم حرج الامتناع عن نصرة بشار الاسد ونظامه، وقد يبقي على شيء من علاقاتكم ومصالحكم في بلادنا بعد زوال حكمها الحالي، ويحول بين الأصولية، التي تخشونها ونرفضها، وبين زج وطننا في فوضى مسلحة لن يكون من السهل تصديكم لها حتى في بلادكم، ويحفظ بعض توازن العلاقات والمصالح بينكم وبين الولايات المتحدة في منطقتنا وخارجها، ويحول بين واشنطن وبين جني ثمار أخطائكم السورية وإزاحتكم إلى خارج بلادنا وبقية بلدان المنطقة، إن هي تدخلت عسكريا واحرزت انتصاراً ساحقاً على نظام مهلهل، لم يعد يقوى حتى على مقاتلة «الجيش الحر» إلا بشق الأنفس، وفي مناطق بعينها، ولعلكم راقبتم بذعر تهاوي حلقة جيشه القيادية في خان العسل ومطار منغ ولمعركة الساحل وما تلاها من معارك، وفهمتم أنه بدأ انحداره النهائي، وأن الخلاص من الشخص الذي تسبب بهزيمتكم في بلادنا ربما كان افضل الحلول لبلوغ حل سياسي نرحب به ونتعهد بتنفيذه، إن قام على تطبيق البنود الستة التي توافقتم عليها في جنيف واحد، وهي البنود التي كانت قد قدمتها المعارضة السورية للنظام، ثم قُبِلت من الجامعة العربية قبل ان يتبناها في ما بعد كوفي عنان، وعلى قيام حكومة انتقاية تتولى صلاحيات الاسد، تنقل سوريا من نظامها الحالي إلى نظام ديموقراطية وحريات بديل هو مطلب الشعب السوري وهدف ثورته، والحل الحقيقي والمنشود لمعضلة تهدد وطننا ومنطقتنا وامن وسلام العالم، لن يكون لكم أي دور فيها، إن انتم واصلتم دعم الأسد ونظامه، وواظبتم على تحدي شعبنا المصصم على بلوغ حريته، مهما تطلب ذلك من تضحيات.

يقول الاميركيون إن الضربة ستقع خلال ايام. هذا يعني أن لديكم اياما قليلة كي تلعبوا دورا ايجابيا يسهم في خروجنا جميعا من مأزق طال واستحال حله باسلوبكم العنيف، الذي لم يحترم حقوق السوريين ولم يتفق مع مسؤولياتكم كقوة عظمى تجاه شعوب العالم عامة وشعبنا بصورة خاصة. بادروا إلى العمل، رحلوا الاسد وبطانته من سوريا إلى حيث تريدون، وسنقوم من جانبنا باعلان قبول حل سياسي يضع حدا لمأساة طالت وحان إخماد نارها المستعرة، التي شرعت تلتهم كل شيء عندنا، ويمكن لشررها ان يصل الى كل مكان من العالم، بما في ذلك بلادكم.

السيد الرئيس: هذا افضل خيار لكم، وليس من يخاطبكم محبا لبلادكم ومؤيدا لسياساتكم أو معجبا بنظامكم، لكن العقلانية السياسية تدفعه إلى مخاطبتكم، كي لا تسقط بلاده بين ايدي اميركا ويكون لكم دور في المحافظة على استقلالها وسيادتها، وبالتالي على شيء من مصالحكم فيها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة الأبهظ ثمناً دموياً

التعويض فقط في خلاص السوريين

ماجد كيالي

المستقبل

الاحد 8-9-2013

لم تكن المجزرة المروعة في الغوطتين الأولى من نوعها، فقط تميزت هذه المجزرة بأنها الأكبر بين مثيلاتها، وبأن السلاح المستخدم فيها محرّم دولياً، حتى بين الجيوش المتعادية والمتحاربة، وبأنها استجرّت ردود فعل دولية، غير مسبوقة، قد تحدث فرقاً في مسار الصراع المرير الجاري في سوريا وعليها، منذ عامين ونصف.

ففي مناطق الغوطتين، شرقي وغربي دمشق، استشهد نحو 1400 من السوريين، في يوم واحد (21/8)، بواسطة القصف بصواريخ محمّلة بمواد كيماوية، منهم 399 في زملكا، و261 في حمورية، و 168 في دوما، و151 في كفر بطنا، و100 في المعضمية، و70 في سقبا.

ويتبيّن من تفحّص خريطة المجازر الجماعية، والتي ارتكبتها بعض الوحدات العسكرية التابعة للنظام، أو جماعات الشبيحة، في الثلاثين شهراً الماضية، أن ثمة عشرات المجازر. ومثلاً، ثمة مجزرة ذهب ضحيتها اكثر من 400 من السوريين في جديدة عرطوز جنوبي دمشق (نيسان 2013)، ومجرزة راح ضحيتها أكثر من 300 شخص في حمص (شباط 2012)، وثلاثة مجازر قتل في كل واحدة منها أكثر من 200 شخص، في تريمسة وداريا (تموز وآب 2012) وفي البيضا (أيار 2013)، و 13 مجزرة ذهب ضحية كل واحدة منها أكثر من مائة شخص، في جسر الشغور (حزيران 2011) وكفر عويد (كانون الأول 2011)، وفي دمشق وحمص وحلب والحولة والديابية وداريا (2012). أيضاً، ثمة 58 مجزرة لقي في كل واحدة منها أكثر من 50 شخصاً مصرعهم، جرت في القبير والمعضمية وقطنا ودوما وزملكا وداريا وحمص وإدلب ودمشق وحلب (2012) ودير الزور وحماه (2011)، ونحو 153 مجزرة لقي أكثر من 25 شخصا مصرعهم في كل واحدة منها في مختلف مدن سوريا وأريافها، أغلبها في العام 2012.

المروع أن هذه المجازر ترتكب بعد قيام النظام بقصف المناطق المعنية بالطائرات، أو بالمدفعية والصواريخ، وبحجة وجود الجماعات المسلحة التابعة للجيش الحر فيها، كما انها ترتكب غالبا بواسطة القصف بالبراميل المتفجرة، أو بالقذائف الصاروخية، كما بالرش الجماعي بالرصاص، أو بالقتل بالأسلحة البيضاء، بعيدا عن نظر الاعلام، ومن دون تمييز، وعلى أساس الهوية الطائفية.

وبالإجمال، وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فقد لقي 110 آلاف شخص مصرعهم خلال الثلاثين شهراً الماضية في سوريا، بمعدل قدره 3700 شخص شهرياً، معظمهم قتل بواسطة القصف الأعمى للمناطق السكنية من الجو والبر، بواسطة الطائرات والدبابات والمدفعية بمختلف أنواعها، ما يفسّر هذا العدد الكبير، وهذا الحجم المهول من الدمار، وتشريد ملايين السوريين داخل سوريا وخارجها.

واستطاع "مركز توثيق الانتهاكات في سوريا" ( http://www.vdc-sy.info )، تنظيم جداول بأسماء نحو 72 ألف من الشهداء من ضحايا النظام، مع طريقة قتلهم، ومكان وتاريخ ذلك، كما استطاع، وبالمعايير ذاتها، توثيق اسماء 11124 شخصاً من النظام لقوا مصرعهم في المواجهات مع الجماعات المسلحة ولاسيما "الجيش الحر"، وذلك خلال الثلاثين شهراً الماضية.

أما حسب صفحة "إحصائيات الثورة السورية" على فيسبوك ( https://www.facebook.com/Syrian.Revolution.Statistics?fref_*ts

 ) فقد بلغ عدد ضحايا النظام السوري، من منتصف آذار 2011 وحتى 31 آب 2013، نحو 90,246 شهيداً (منهم 1610 شهداء من الفلسطينيين)، بينهم ثمانية آلاف طفل، وأزيد من سبعة آلاف امرأة، و 2800 قضوا تحت التعذيب، وبلغ عدد الجرحى نحو 143 ألف، وعدد المعتقلين نحو 247 ألف، وعدد المفقودين نحو 89 ألف، وعدد اللاجئين خارج سوريا نحو 2,5 مليون، وعدد النازحين داخلها أزيد من 6.5 مليون.

ومن ناحية التفاصيل، فقد بلغ متوسط عدد الضحايا، حتى في أشهر الثورة السلمية، وهي الأشهر الثمانية الأولى للثورة، من آذار حتى تشرين الأول 2011، برصاص اجهزة الأمن والشبيحة، نحو 600 من السوريين شهرياً، وهو عدد كبير جداً. وقد ارتفع هذا العدد، منذ تشرين الثاني 2011 إلى حزيران (2012) من 1000 الى اكثر من ألفي ضحية شهرياً، وذلك بحكم التحول نحو الثورة المسلحة. ومنذ تموز (2012) حتى الآن، ومع تصعيد النظام لحربه ضد المناطق الحاضنة للثورة، باستخدام الطائرات وقذائف المدفعية والدبابات، تضاعف عدد الضحايا، إذ بات يزيد عن 4000 شهرياً، ضمنهم 6800 في شهر آب (2012)، وبذلك بات هذا الشهر هو الأكبر من حيث عدد الشهداء، يليه في ذلك شهر سبتمبر، مع نحو 5500 شخص لقوا مصرعهم خلاله. (وهذه المعطيات مستخلصة إحصائيات "قاعدة بيانات الثورة السورية" http://syrianshuhada.com/default.asp?a_*st&st_*8 )

وبديهي أن هذه الاحصائيات بحاجة إلى توثيق، وهو عمل صعب ومضني ومتعذّر، على الأغلب، بسبب الظروف الأمنية، وبسبب تعمد النظام التعمية على مايجري، ولعل هذا يفسر الفارق بين الأعداد الموثّقة والأعداد المتداولة في وسائل الإعلام، أي أن الرقم الواقعي أكثر بكثير من الرقم الذي تم توثيقه.

هكذا باتت الثورة السورية تعرّف بكونها الأبهظ ثمناً بين مجمل ثورات "الربيع العربي"، فهي الثورة الوحيدة التي ووجهت بهذا القدر من العنف المفرط، والذي وصل حد القصف من الطائرات والدبابات، وبصواريخ السكود، وبالكيماوي. وحتى بالقياس إلى الثورة الليبية، التي كانت لقيت اسناداً من قوى خارجية، اسهمت في تحييد أسلحة الطيران والمدفعية، فإن ثورة السوريين، بدت بمثابة ثورة يتيمة تماماً. وكما شهدنا فقد تركت هذه الثورة طوال عامين ونصف من دون أي غطاء، ومن دون اية مناطق آمنة، أو عازلة، وحتى أنها حرمت من الدعم بالسلاح المناسب، الذي كان يمكن ان يساعدها على مواجهة قصف الطيران على الأقل. ومعلوم أن الدعم الذي تلقاه السوريون من "الأصدقاء" لم يرق أبداً إلى المستوى الذي يمكنهم من مواجهة النظام، ولا إلى مستوى الدعم الذي يتلقاه هذا النظام من حلفائه، لاسيما من روسيا وإيران، ومعهما حزب الله اللبناني، ولواء أبو الفضل العباس العراقي.

الآن، وبالنظر إلى هذه الكلفة الباهظة، من النواحي البشرية والمادية والمعنوية، ربما يصعب على الإنسان، من الناحية الأخلاقية، أن يوازن بين الثورة كضرورة وبين كلفتها، لكن هذه الموازنة لم تعد تفيد بعد أن حصل ماحصل، إذ بات التعويض عن كل ذلك يكمن فقط في خلاص السوريين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الانتصار على حطام سوريا

 فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 8-9-2013

لو كنت مكان مؤلفي القواميس والمعاجم اللغوية لرفعت دعوى عاجلة ضد النظام السوري فوراً، لأنه أساء إساءة بالغة لمعنى كلمة "انتصار"، لا بل قلبها رأساً على عقب. وهذا النظام ليس أول نظام عربي يقوم بتحريف معنى "الانتصار" كي يدّعي الفوز على خصومه، فقد سبقه إلى ذلك العديد من الأنظمة "القومجية" ومشتقاتها، فلا ننسى أن النظام الناصري وصف من قبل هزيمته النكراء عام 1967 على أيدي إسرائيل بأنها كانت مجرد "نكسة"، مع العلم أن إسرائيل وقتها سحقت العديد من الجيوش العربية خلال ستة أيام، لا بل احتلت أجزاء واسعة من مصر وسوريا والأردن وفلسطين. مع ذلك خرج علينا القومجيون رافعين علامات النصر، بالرغم من أن أنوفهم قد تم تمريغها بالتراب شر تمريغ. ولعلنا نتذكر ما قاله وزير الخارجية السوري آنذاك عبد الحليم خدام بعد سقوط الجولان في أيدي العدو الإسرائيلي، فبدل الاعتراف بالهزيمة البشعة، رفع خدام علامة النصر قائلاً: "ليس المهم أن نخسر جزءاً كبيراً من أرضنا لإسرائيل، المهم أن النظام الحاكم صمد صموداً "عظيماً" أمام الأعداء". يا للصمود! تصوروا كيف يفكر هؤلاء!

صحيح أن مصر وسوريا أبليتا بلاء أحسن في حرب تشرين عام 1973، إلا أن النتيجة لم تكن أفضل بكثير من هزيمة 1967، فقد وصلت جحافل الغزاة الصهاينة إلى محيط العاصمة دمشق، مما جعل شاعراً كبيراً كنزار قباني يتحدث عن "خازوق دُق بأسفلنا من جبل الشيخ إلى سعسع". أما تحرير القنيطرة المزعوم فقد كان مجرد مسرحية تم إخراجها بالتنسيق مع إسرائيل للأسف. وقد دفعت سوريا مقابل ذلك المشهد المسرحي الهزيل المتمثل برفع العلم السوري فوق القنيطرة ثمناً كبيراً جداً تمثل في اتفاقية سلام غير معلنة بين دمشق وتل أبيب ما زالت مستمرة منذ 1973. وقد ذكر أحد الباحثين الأمريكيين بالحرف الواحد أن "سوريا هي أول بلد عربي يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل قبل مصر والأردن والفلسطينيين، لكنها كانت معاهدة سلام غير معلنة، إلا أنها كانت معاهدة سلام كاملة الأوصاف، بدليل أن سوريا لم تسمح منذ ذلك الحين بإطلاق رصاصة واحدة على ما تسميه بـ"العدو الصهيوني". وكان الاسرائيليون يتندرون دائماً بأن منطقة الجولان هي أهدأ وأجمل منتجع سياحي، لأنه يحظى بحماية كبرى من طرف الإسرائيليين والسوريين على حد سواء." وقد دارت الأيام لتؤكد كلام الباحث الأمريكي، فقد هدد رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري في بداية الثورة السورية في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية بأن "استقرار إسرائيل من استقرار سوريا". وقد كان يهدد الإسرائيليين بأنه إذا لم يلتزموا بمعاهدة السلام "غير المعلنة" بين دمشق وتل أبيب، فإن سوريا ستفتح الحدود للمقاتلين الفلسطينيين كي يهاجموا إسرائيل. وقد لاحظنا كيف تم فتح الحدود من قبل النظام السوري أمام مجموعة من الشباب الفلسطيني الذي عاد محملاً بالتوابيت بعد أن قتلته القوات الإسرائيلية.

ليس هناك أمة في العالم تصور هزائمها وتواطئها مع الأعداء كانتصارات، كالعرب، وخاصة القومجيين منهم. ولعلنا نتذكر أيضاً كيف رفع حسن نصر الله علامة النصر بعد أن كادت إسرائيل أن تحول لبنان إلى "أكياس من الرمل"، كما توعد أحد الحاخامات. فبالرغم من أن حزب الله لم يتمكن من تحقيق أي نصر على إسرائيل سوى تكسير بعض النوافذ في إسرائيل، وقتل عدد بسيط من الجنود، إلا أنه خرج على العالم يتفاخر بـ"نصره الإلهي". وقد تهكم أحدهم ذات مرة قائلاً:" إذا كان النصر الإلهي" قد كلفنا كل هذه الخسائر في الأرواح والماديات، فكيف كانت ستكون نتيجة "النصر الدنيوي". ربما كنا قد أصبحنا في خبر كان. وتهكم آخر على انتصارات حزب الله قائلاً: " إذا انتصرنا مرة أخرى على إسرائيل، فهذا يعني زوال لبنان عن بكرة أبيه. أرجوكم كفانا انتصارات".

وكعادته التاريخية، هذا هو النظام السوري بعد ثلاثين شهراً من الدمار الهائل الذي ألحقه بسوريا، يعلن بين الفينة والأخرى، أنه انتصر على "المؤامرة الكونية"، وصمد صموداً اسطورياً، مقارنة بنظام زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر. لا أدري لماذا تناسى أن مبارك وبن علي لم يطلقا الرصاص على الشعبين التونسي والمصري، بينما لم يترك النظام السوري سلاحاً تقليدياً أو محرماً دولياً إلا واستخدمه ضد الثوار السوريين والشعب عندما خرج إلى الشوارع للتظاهر السلمي. أي نظام في العالم يستخدم ربع ترسانته العسكرية ضد شعب أعزل يمكن أن يصمد عشرات السنين، وليس ثلاثين شهراً كما يدعي أنصار النظام.

 ما أبشع تلك الأبواق وهي تتشدق بأن "النظام صمد، وانتصر". وهل الصمود على أشلاء وطن نزح أكثر من نصف سكانه، وتشرد الملايين من أهله في الدول المجاورة انتصار بربكم؟ هل ترون عشرات الألوف من السوريين المرميين في الحر والصقيع في مخيمات الأردن وتركيا انتصاراً؟ هل ترون انهيار الاقتصاد السوري وعودة البلاد خمسين عاماً إلى الوراء انتصاراً؟   كيف تسمون إزالة مدن وقرى عن الخارطة كحمص ودير الزور وريف دمشق ودرعا انتصاراً؟ ألا تشكل محافظة حمص ثلث مساحة القطر السوري؟ أين اصبحت تلك المحافظة العريقة بعد أن حولتها دبابات الأسد وطائراته وبراميله وسلاحه الكيماوي إلى أنقاض تذّكر بأنقاض الحرب العالمية الثانية؟ هل تدمير وطن وذبح شعبه يسمى انتصاراً؟ هل ينتصر الإنسان على وطنه، أم على أعدائه؟ لماذا تطبلون وتزمرون لاسترجاع قرية مثل قرية "القصير" الحمصية، كما لو أنكم حررتم فلسطين؟ أليست "القصير" قرية سورية أولاً وأخيراً، فكيف تنتصرون على القرى والمدن السورية؟ ألا يشعر النظام بالخجل عندما يرى ثلاثة أرباع سوريا وقد خرجت من تحت سيطرته؟ هل هذا هو الانتصار الذي يتشدق به في وسائل إعلامه؟

كم هم مضحكون أولئك الذي يعزون "انتصارهم المزعوم" في سوريا إلى التفاف الشعب حول قيادته. هل فعلاً سبب "صمودكم" التفاف الشعب حولكم، أم تدميركم للبلد والشعب معاً هو من جعلكم "تصمدون"، وأي صمود؟

ها هي سوريا الآن تواجه العدوان الخارجي بعد أن أجهز عليها العدوان الداخلي. مع ذلك، فـ"الصامدون" في بلدنا يريدون أن يعطوا للخارج فرصة للإجهاز على ما تبقى من سوريا. قد تتعرض سوريا، لا سمح الله، لضربات مرعبة من الخارج رداً على استخدام النظام للسلاح الكيماوي، وقد يتفكك الجيش وما تبقى من الدولة السورية، فهل ستعتبرون ذلك أيضاً من "انتصاراتكم وإنجازاتكم التاريخية"؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«معلولا» وإطار الصراع في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 8-9-2013

ما حدث في معلولا، ربما حدث في مدن سورية أخرى، أو هو يشبه ما حدث في بعض المدن، لكن بعض ما قيل كان مختلفا. قوات من الجيش الحر، دخلت المدينة بعد أن اجتاحت حاجزين لقوات النظام بالقرب من المدينة، كانا يتحكمان بخطوط المواصلات والنقل في المنطقة، ويتركان بصماتهما الثقيلة في حياة سكان المنطقة والمارين فيها، حيث كانت عناصرهما يمارسون عمليات الاعتقال والإذلال والابتزاز والتشبيح على المواطنين، ولا تسلم منهم ممتلكات الآخرين من السلب والانتهاك والسرقة، وبعد أن جالت قوات الجيش الحر في بعض أحياء المدينة في محاولة لإرسال تطمينات لسكانها بالأمان، انسحبت تجنبا لهجمات قوات النظام الجوية والمدفعية على المدينة وسكانها على نحو ما حدث في مدن أخرى، إذ يستغل النظام دخول الجيش الحر إلى أي مدينة أو قرية لقصفها وتدميرها تحت حجة مقاومة الجماعات الإرهابية والمتطرفة المسلحة وما إليها من تعابير.

وتكاد تتطابق محتويات رواية الجيش الحر مع الرواية التي تناقلتها معظم وسائل الإعلام العربية والغربية عما حدث في المدينة، وهي تتقاطع في قسمها الأول مع رواية تقدمها أوساط رسمية ومؤيدون للنظام وقلة من وسائل الإعلام، إذ هي أضافت للرواية بعض التفاصيل، أبرزها الادعاء أن قوات الجيش الحر، اعتدت على دور للعبادة ورموز دينية، واقتحمت بيوتا لسكان المدينة، واعتدت على بعض سكانها قبل أن تنسحب من المدينة.

وللاختلاف الأخير بين الروايتين أهمية كبيرة. يتجاوز فكرة تناقض الروايات والكذب فيها للقيام بوظائف أخرى أساسها تسعير حمى الطائفية والصراعات الدموية في سوريا، وهو سلوك درج عليه النظام، وقام المؤيدون والمنحبكجية به على أوسع نطاق، وروجت له بعض وسائل الإعلام.

ومعلولا مدينة صغيرة وقديمة في جبال القلمون القريبة من دمشق، ذات أكثرية مسيحية، وللمدينة قيمة تاريخية ودينية بالنسبة للسوريين وللعالم، إذ هي بين أقدم المدن وفيها بعض أقدم الآثار المسيحية في العالم، وما زال سكانها من المسيحيين والمسلمين يتكلمون السريانية القديمة، التي كان يتكلمها السيد المسيح. وعاش المسيحيون والمسلمون في معلولا، وغيرها من المدن والقرى المجاورة التي تماثلها طوال قرون، من دون أن يطغى أحدهم على الآخر، وهم في عيشهم تعاونوا وتفاعلوا كبشر ومواطنين، وأعطوا المنطقة طابعا حضاريا وثقافيا مميزا، قل وجود مثيله في العالم.

ونظرا لخصوصيات المدينة، جرى استغلال دخول الجيش الحر إليها لإشاعة الأنباء عن اعتداءات قام بها في المدينة، وهو ما نفته مصادر دينية بينها بيلاجيا سياف القيّمة على دير مار معلولا أبرز الأماكن المسيحية في المدينة، بخلاف تصريحات أخرى من خارجها، هي امتداد لمنهجية بدأها النظام ومؤيدوه منذ انطلاقة الثورة السورية بالقول، إن الثورة ذات طابع إسلامي متشدد، وإن القائمين بها يأخذون البلد إلى صراع ديني بين المسلمين والمسيحيين، وهي تتناغم مع إشاعتين جرى تعميمهما؛ الأولى، أن الصراع في سوريا صراع بين الطوائف بين المسلمين السنة والعلويين، والثانية، أنه صراع بين العرب والأكراد، بخلاف الطبيعة الأساسية للصراع باعتباره صراعا بين السلطة والأكثرية الشعبية من كل المكونات الدينية والمذهبية والقومية في سوريا.

وتطرح عملية دخول الجيش الحر إلى مدينة معلولا، فكرة الدخول إلى مدن وقرى سورية أخرى من قبل تشكيلات عسكرية سواء كانت تابعة للجيش الحر أو غيره، وعما إذا كانت هناك ضرورات استراتيجية تتعلق بالصراع مع النظام تفرض ذلك الدخول أو عدمه، وقد تكررت حالات الدخول من دون أي مبررات، بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى التمركز داخل تلك المناطق من دون دواع منطقية، مما جعل تلك المناطق في جملة أهداف النظام فقصفها بالطائرات والدبابات والمدفعية وحولها إلى ساحات قتل ودمار، بدل أن تكون ملجأ وملاذا للمهجرين القادمين من بقية المناطق، فازدادت معاناة هؤلاء إضافة إلى معاناة سكان تلك المدن والقرى، وجرى استغلال النظام لعمليات الدخول في مناطق ذات هويات دينية أو مذهبية أو إثنية، بحيث أثار عوامل الفرقة والصراع بين سوريين، ليسوا في صف النظام، وهم في الغالب الأعم من مؤيدي الثورة وأنصارها على نحو ما حصل في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية ذات الوجود الكردي، وجرى استغلال ذلك من جانب النظام بتصوير سوريا وكأنها في أتون حرب أهلية.

إن ما حدث في معلولا، وما حدث مثله في السابق، يطرح ضرورة التفكير العملي والجدي من جانب الجيش الحر والتشكيلات العسكرية في أهداف مثل هذه العمليات وجدواها، لأن استمرارها، يمكن أن يأخذ العلاقات بين المكونات في الجماعة الوطنية إلى علاقات حذر متزايد، بل يمكن أن تتحول إلى علاقات صراع، كما أنها سوف تأخذ التشكيلات المسلحة والثورة إلى مواقف تناقض غاياتها، وهذا بعض ما يشتغل عليه النظام ومؤيدوه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التغيير الأميركي والضربة الأميركية

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 8-9-2013

تغيرت الأجواء بالولايات المتحدة تماماً. فقد استدعى الرئيس الأميركي زعماء الكونجرس من إجازاتهم، وخاضوا أمام الإعلام وفي أجواء مفتوحة نقاشات هائلة يومي الثلاثاء والأربعاء. وستظل النقاشات دائرة حتى يوم 9/9 عندما ينعقد الكونجرس للتصويت. وما كان الموضوع الحزبيات ومن هو «ديمقراطي»، ومن هو «جمهوري»، بل صار التفوق الأخلاقي الأميركي، والمسؤولية الأميركية عن أمن العالم وسلامه وتوازناته. وقد بدا «الجمهوريون» متحمسين أكثر من «الديمقراطيين» للتدخل العسكري في سوريا، وطالبوا بأن تكون الضربة أكبر وأوسع. سافر الرئيس الأميركي إلى السويد، ليمضي بعدها إلى سان بطرسبيرج لاجتماع قمة العشرين، وليلتقي الرئيس الروسي بوتين. وقد يكون بين عوامل الحماس وشبه الإجماع أنّ الأميركيين أرادوا أن يذهب رئيسهم لاجتماع العشرين، وللقاء الروسي، ووراءه دعم كبير، يستطيع به أن يحقّق إنجازاً ملائماً من أجل هيبة أميركا، ودورها في العالم، سواء حصلت الضربة أم لم تحصل. لقد تغيّر الموضوع بالفعل، وما عاد الأسد ظاهراً ولا حتى الإيرانيين، والإسرائيليون هم الموضوع، بل صار الموضوع ماذا جرى لهيبة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، سواء في سوريا وأزمتها، أم في فلسطين، أم في النووي الإيراني.

أتى أوباما إلى موضوع الضربة العسكرية للنظام السوري من المدخل الأخلاقي، ويبدو أنه يعرف الشعب الأميركي أكثر بكثير مما يعرفه الصحفيون والإعلاميون الأوروبيون وبعض الأميركيين. هؤلاء الإعلاميون عادوا للحديث الذي لم يتوقف عن تردد أوباما، وأنه لا يريد على الإطلاق العودة إلى خوض الحروب في المشرق والعالم الإسلامي كما فعل بوش الابن. وأسْرف الإعلاميون في تحليل تأثير تصويت مجلس «العموم» البريطاني على الرأي العام الأميركي. فبريطانيا ذات تأثير أخلاقي كبير على الأميركيين. والإعلاميون معذورون إلى حدٍ ما، لأنّ أوباما تردد بالفعل في الملف الفلسطيني، وفي الملف العراقي، وفي الملف النووي الإيراني، وفي التغيير المصري أخيراً. بيد أنّ اللافت للانتباه أنه أتى إلى الملف الكيماوي السوري من مدخلين: المدخل الأخلاقي، ومدخل المصلحة القومية الأميركية، ولذلك ما عاد من المفيد رؤية الأمر تقليدياً في ضوء تصرفاته في الملفات السابقة. وقد قال وزير الخارجية كيري في مطالعته المعروفة المؤيِّدة للضربة إنها ستكون أيضاً رسالةً إلى إيران وكوريا الشمالية! فإذا كان الكيماوي الأسدي يستدعي تدخلاً عسكرياً للمحاسبة والإيقاف؛ فإنّ النووي يستدعي بالضرورة تدخلاً أوسع وأكبر. وهكذا فإذا أردْت أن تنتصر في المعركة فافعل فِعْل عنترة بن شداد: كنتُ إذا رأيتُ رجلاً ضعيفاً ضربتُهُ ضربةً يرتعد لها قلب الشجاع!

ولنُلق نظرةً عجلى على السياسات الأميركية العسكرية والاستراتيجية في عهدي بوش وأوباما. في الرئاسة الأولى لبوش جرى خوضُ حربين في أفغانستان والعراق. وقد بدت الحرب الأُولى ضروريةً بسب هجوم بن لادن و«القاعدة» على الولايات المتحدة وهو قابع في أفغانستان. أما الحربُ الثانيةُ على العراق فما بدت ضروريةً على الإطلاق. لكنّ الولايات المتحدة خسرت استراتيجياً في الحربين رغم الانتصار العسكري الأوَّلي. خسرت في أفغانستان لأنّ «طالبان» قرينة «القاعدة» ربحت الحرب عملياً، والولايات المتحدة مضطرة للتفاوُض معها(وليس مع حكومة كرزاي التي نصّبتها). وخسرت في العراق، لأنها غادرت بلداً مضطرباً عام 2010/2011 وهو ما يزال كذلك حتى اليوم. وما دامت الخسارة قد وقعت على طرف، فمن هو الطرف الذي انتصر أو استفاد؟ المستفيد الأكبر من التصرفات الأميركية في أفغانستان، وفي العراق على الخصوص: إيران وحدها. فقد زالت «طالبان» من وجهها مؤقتاً، وزال من وجهها صدام ونظامه إلى الأبد. وقد اضطرت الولايات المتحدة وهي تخرج من العراق أن تعترف لإيران بمناطق نفوذ في العراق وفي سوريا وفي لبنان. وقد اعتقد الإسرائيليون لأول وهلة أنهم مستفيدون بضرب قوة العراق، وبالهدنة أو السلام مع «حزب الله»، الذي لم يعد للتحرش بهم منذ عام 2006. لكنْ يظهر الآن، بل ومنذ عام 2011 أنّ الإسرائيليين والأميركيين خسروا معاً في الملف النووي، وفي انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة. وما توقفت الخسائر الأميركية الاستراتيجية عند هذا الحدّ. إذ رغم الاستتباع للسياسات الإسرائيلية، فإنهم عجزوا أيام بوش وأيام أوباما عن التقدم خطوةً واحدةً باتجاه حلّ النزاع المتفاقم. لأنّ الإيرانيين كما دخلوا في النووي المهدِّد، دخلوا أيضاً في الصراع ضدّ إسرائيل حاملين الراية الفلسطينية. وجاءت الأزمة السورية أخيراً لتُدخل الروس على الخطّ، وليتراجع الأميركيون أمامهم على طول الخطّ. فقد دعم الروس ودعم الإيرانيون وعسكرهم وأتباعهم نظام الأسد، وقالوا علناً إنهم يفعلون ذلك في وجه الولايات المتحدة. وقد عَّلل كثيرون منا في البداية تردد أوباما في معالجة الحرب في سوريا، بأنّ إسرائيل ما قبلت بإسقاط النظام السوري، لأنه هدَّأ الجبهة معها على مدى أربعين عاماً وأكثر! بيد أنّ هذه «الفائدة» إنْ كانت (وهي ليست مؤكَّدة)، لا تُعادلُ ما حصل من تراجع في الملف السوري للهيبة الأميركية والمصالح الأميركية، تجاه إيران وتجاه روسيا الاتحادية. وبالنظر إلى هذه الخيبات كلّها، والتي تسبّب بها بوش الابن لكنّ أوباما تابعها أو حصد نتائجها، جرى الحديث كلَّ الوقت عن خيبة الولايات المتحدة وانسحابها من المنطقة، والتوجه نحو الشرق، نحو الصين والمحيط الهادئ.

وكلُّ هذا، ونحن لم نذكر بعد الخاسر الأكبر من وراء حروب بوش، و«سلامات» أوباما! الخاسر الأكبر بالطبع هم العرب. فقد خاض بوش الحروب ضدَّهم عَلَناً باعتبارهم جزءاً من الإرهاب «القاعدي»، وقد حاول أوباما إرضاءهم بالخطابات العاطفية الطويلة والمتصالحة، دون أن يفعل شيئاً على الأرض: في الملف الفلسطيني، وفي الملف السوري، وفي ملفّ التخريب الإيراني بسائر أنحاء المنطقة.

وما اهتم أحد في الإعلام بالخسائر العربية، بل كان همُّ الإعلاميين التأكيد على انكفاء أوباما للداخل، ومماحكاته مع «الجمهوريين»، وانتهاكات روسيا والصين ضد الهيبة الأميركية والمصالح الأميركية في ملفّات متعددة. وقد لاحظ كثيرون أنّ أوباما أراد مدخلاً للعودة الظافرة ولو معنوياً، بالإعلان عن دعمه لحركات التغيير العربية. لكنه خاب في مصر، وأُحرقت أعلامُه، وبدا ضعيفاً ومتهالكاً في الأزمة الليبية وفي الأزمة السورية. وقد عنى هذا كلُّهُ أنه لا بد من أجل استعادة الهيبة من عمل عسكريٍّ من طبيعة مختلفة عن طبائع حروب بوش على الإرهاب! لا بد من «حرب عادلة» بالمعايير الأخلاقية. وهكذا فقد دخل على الأزمة السورية متأخّراً ولكنْ من مدخلين يمسّان الحساسيات العميقة للشعب الأميركي: المدخل الأخلاقي، ومدخل المصالح والهيبة. وبالإضافة لذلك، فإنه يصنعُ شيئاً للعرب الذين تضرروا من سياسات القوة أيام بوش، وسياسات الانكفاء أيامه. لقد استخدم الأسد الكيماوي من العيار الثقيل، بعد أن كان قد استخدمه من العيار الخفيف طوال عامٍ ونصف العام. وصرخ الأوروبيون ثم ركدوا، أما الأميركي فحسبها جيداً ودخل من مدخل أميركي ظاهر، وليس من مدخل الصراع مع روسيا أو مع إيران. وتردد الأميركيون ثم هبّوا ليقفوا إلى جانب رئيسهم المحارب للمرة الأُولى في ولايتيه، بيد أنّ التغيير في السياسات الأُوبامية ما حدث في سوريا فقط، بل حدث في المفاوضات الإسرائيلية/الفلسطينية التي وصلت إلى جولتها السابعة دون أن ينتبه إليها أحد!

ستحصل الضربة الأميركية في الغالب بعد هذا الاستنفار، لكنها حتى وإن لم تحصل فإنها شفت أميركا من خوفها بسرعة كبيرة، وليس كما حصل في فيتنام. لقد عادت لتملي المعايير الأخلاقية للنظام العالمي (معاقبة من يستخدم أسلحة الدمار الشامل) التي أهملها الآخرون، وفي الطليعة الروس والصينيون، والبريطانيون المصوّتون في مجلس العموم! وقد لا يكون أوباما عميق الفهم في أزمات الشرق الأوسط، لكنه بالتأكيد عميق الفهم للشعب الأميركي ومحرّكاته.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أبراج عاجية من أجل سورية

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 9/9/2013

يُقال ـ ليس دون وجه حقّ، وليس بمعزل عن تجارب الواقع، وبراهين مقترنة بوقائع حاسمة فاصلة ـ إنّ من الحكمة ابتعاد الفلسفات الكبرى، وكبار ممثّليها استطراداً، عن التفلسف حول قضايا سياسية واضحة؛ خاصة تلك التي تنطوي على مزيج من أقصى المآسي وأقصى الآمال، كما في الانتفاضات الشعبية ضدّ أنظمة الاستبداد والفساد، ونماذجها العربية الراهنة بصفة خاصة. وقد يصحّ انطباق هذا القول، في المثال الأحدث عهداً، على الفيلسوف السلوفيني والناقد الثقافي الشهير سلافيو جيجيك؛ بصدد تنظيراته لخصائص ‘الربيع العربي’ عامة، والانتفاضة السورية مؤخراً، بمناسبة احتدام الأجواء حول احتمال ضربة عسكرية ضدّ النظام السوري.

ففي مقالة بعنوان ‘سورية صراع زائف’، نشرتها صحيفة الـ’غارديان’ البريطانية قبل ثلاثة أيام، كتب جيجيك: ‘كلّ ما كان زائفاً في فكرة وممارسة التدخل الإنساني انفجر بشكل مكثف بخصوص سورية. حسناً، هنالك دكتاتور سيء يستخدم (كما زُعم) الغاز السامّ ضدّ سكان دولته ذاتها ـ ولكن مَن الذي يعارض نظامه؟ يبدو أنّ ما بقي من المقاومة الديمقراطية ـ العلمانية غارق الآن، كثيراً أو قليلاً، في فوضى المجموعات الإسلامية الأصولية التي تساندها تركيا والمملكة العربية السعودية، مع حضور قوي لمنظمة القاعدة في الخلفية’. وفي المقابل، واستكمالاً للصورة الموازية، على جانب النظام، يتابع جيجيك: ‘سورية بشار الأسد ادّعت أنها دولة علمانية على الأقلّ، ولهذا فلا عجب أنّ المسيحيين والأقليات الأخرى تميل اليوم إلى الاصطفاف معه ضدّ المتمردين السنة’.

سكت جيجيك دهراً، إذاً، عن وقائع الانتفاضة السورية (هذه، بالمناسبة، أوضح مساهماته حول ملفّ يتفجر منذ 30 شهراً)، ثمّ نطق سردية تبسيطية مسطحة وسطحية، أسوأ من الكليشيهات الأردأ التي ساقها النظام ذاته في توصيف الصراع. ولهذا فإنّ الأسد، عند جيجيك، وليس قاتل أطفال وقائد ميليشيات وآمر مجازر جماعية، ومسلِّم سورية لوحدات ‘الحرس الثوري’ الإيراني و’حزب الله’ وغلاة الطائفيين الأجانب. هو، أيضاً، ليس ‘العلماني’ الزائف، وريث نظام قام على التزلف للأديان، وتجنيد الطوائف، واعتماد سياسات التمييز والتفريق والمحاباة، ، في آن معاً؛ بل هو، ببساطة، محض ‘دكتاتور سيء’… التوصيف الوحيد الذي يطلقه فيلسوف عصرنا، على أحد أشرس طغاة عصرنا!

فاضح، أكثر، أنّ جيجيك يبدو كمَن أعاد النظر في أطروحاته السابقة، والمبكرة التي اقترنت بانتفاضتَيْ تونس ومصر تحديداً، حول الدور ‘التحرري’ الذي يمكن أن يلعبه الإسلام السياسي؛ ونقده، المكمّل، للتنميطات الغربية التي وحّدت الليبراليين والمحافظين الجدد، حول التشكيك في القوى الإسلامية داخل تلك الانتفاضات. إنه اليوم لا يرى، في سورية مثلاً، ذلك الاجتماع السياسي والاقتصادي والإثني والثقافي المعقد، الثائر على نظام استبداد وفساد معقد وتعددي المكوّنات بدوره، في برهة تاريخية محلية وعربية وإقليمية فارقة ومعقدة هي أيضاً؛ بل يكتفي بما يفعله أي مراقب خامل كسول، مدمن على التمثيلات المسبقة الكسيحة: أنّ الصراع في سورية يدور بين النظام (بوصفه حامي الأقليات) من جهة، وجموع السنّة (ولا يتذكر جيجيك أنهم أغلبية الشعب الساحقة)، من جهة ثانية؛ وهو، إلى هذا، صراع زائف أيضاً!

والحال أنّ مقالة جيجيك هذه تعيدنا إلى زميله المفكّر الفرنسي ما بعد الحداثي جان بودريار، الذي كتب مقالة شهيرة بعنوان ‘حرب الخليج لن تقع، قبل اندلاع عمليات ‘عاصفة الصحراء’؛ اعتبر فيها أنّ ‘حرب الخليج لن تبلغ الدرجة 2 أو 3 على مدرّج ريختر لقياس الزلازل، فالتصعيد غير حقيقي وأشبه باختلاق الزلازل عبر إساءة استخدام معدّات القياس. ثم كتب بودريار مقالة ثانية، لم تصبح أقلّ شهرة في الواقع، بعنوان ‘حرب الخليج لم تقع، وذلك بعد أن اختتم الحلفاء ستة أسابيع من القصف غير المسبوق في العراق: صواريخ من كلّ الأنواع تُطلق من البحر أو الجوّ، وطائرات مقاتلة بعيدة المدى، وأخرى لا تُرى بالرادار، وقاذفات وحوّامات مضادة للدروع، ومدفعية أرضية، وقنبل فراغية، وخارقات دروع خرافية…

كلّ ذلك تحت سمع وبصر مشاهِد تلفزة كوني، أتيح له أن يتابع دقة إصابة الهدف على شاشات تذكّر بلعبة الـ’نينتندو’؛ ومع ذلك أصرّ بودريار أنّ مرصده الفلسفي، المنتصب أعلى برجه العاجي، لم يبصر من تلك الحرب إلا ‘الهلوسة الجماعية’ فقط! صاحبنا جيجيك، موضة هذه الأيام، كما كان بودريار موضة مطالع تسعينيات القرن الماضي، لم يبصر حصيلة انتفاضة شعبية أسفرت، حتى الساعة، عن أكثر من 120 ألف ضحية، و215 ألف معتقل، وقرابة مليونَيْ لاجىء؛ ونظام استخدم القاذفة والحوامة والدبابة والراجمة والزورق الحربي والمدفعية الثقيلة والصاروخية، بما في ذلك صواريخ الـ’سكود’، فضلاً عن أسلحة الدمار الشامل…؛ وأبصر، من برجه العاجي المتسامي، أنّ الصراع… زائف!

‘كمأساة أوّلاً، وثانياً كملهاة’، عنوان اختاره جيجيك لأحد أعماله، مستعيداً عبارة كارل ماركس الشهيرة حول عاقبتَي التاريخ حين يشاء تكرار دروسه أحياناً؛ ومنطلقاً منها في رصد مفارقات النظام الكوني خلال العقد الأوّل من هذا القرن. وليس يسيراً أن يقاوم المرء إغراء استعارة العنوان إياه، في توصيف هذا الطراز من التقلبات التي انساق إليها أمثال جيجيك، منذ أن داهمتهم الانتفاضات العربية من حيث لم تحتسب مراصدهم، في أبراجها العاجية العالية!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : حتى لا نضل ولا ننسى .. إنهم مستعدون للتنازل لإسرائيل وليس لشعب سورية

14.09.2013

زهير سالم

ولأن هذا الكلام للتاريخ حتى لا تضل شعوبنا ولا تنسى ولا يخدعها بعد اليوم مخادع ، يجب أن نحدد ابتداء من هم هؤلاء المستعدون للتنازل لإسرائيل وليس لشعب سورية ؟؟ فنقول إنهم كل هؤلاء الذين رحبوا بالمبادرة الروسية على مستوى صراعنا : بشار الأسد وعصاباته وإيران بمرجعياتها الدينية والسياسية وأتباعها من زعانف حزب الله وغيره ، ينضاف إليهم قادة وجماهير المتفيقهون على كل الأرض العربية ..

وقولنا يتنازلون لإسرائيل ، لأن الأصل في السلاح الكيماوي أنه سلاح ردع استراتيجي امتلكته سورية أصلا لمواجهة تهديد ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية . وأسلحة الردع في حقيقتها أسلحة لتلحظ وليس لتستخدم ،هي استراتيجية دولية في محاولة لإنشاء ما يسمى توازن الرعب في عالم لا مكان فيه للضعفاء . كلمة ردع تعني منع الآخر من التفكير في الجريمة ولا تعني أبدا الوقوع فيها .

وهذا السلاح لا يخص الشعب السوري ولا ثورته ولا مشروعه الوطني في شيء . ولم يكن لهذا السلاح أن يذكر بحال في سياق صراع وطني بيني داخلي ، لا على سبيل التهديد ولا على سبيل الاستخدام .

  وبعد أن اختار بشار الأسد وزمرته أن يجعل من هذا السلاح جزء من الصراع ، وورقة تراهن عليها القوى الخارجية ، وجد الأسد نفسه في مصيدة حقيقية جراء ما اقترفت يداه فاختار أن يتنازل عن مصالح سورية وعن سيادتها في أخص الخصوصيات التي توازن التحدي مع العدو الإسرائيلي ، بدلا من تحمل مسئولية الحفاظ على الأمن القومي السوري  ولو أدى ذلك تضحيته بنفسه ، أو إلى ذهابه إلى محكمة جنائية دولية .

بشار الأسد وحلفاؤه المذكورون أعلاه يقررون أن يتنازلوا للإسرائيليين بدلا من أن يتنازلوا لشعب في سورية في صراع سيفرض عليهم المزيد من الهزائم ، بمعنى المزيد من التنازلات . والتنازل لإسرائيل عند هذه الزمرة له سوابقه التاريخية ، فقد كان التنازل عن الجولان والسكوت عن الاحتلال كل هذه العقود جزء من بقاء هذه الزمرة المنكودة في الحكم هذه السنوات الطوال  ..

يكذب وليد المعلم حين يقول إنهم  يفعلون ذلك حرصا على أرواح المواطنين السوريين ،  فأين كان هذا الحرص عندما أبادت هذه الزمرة  أطفال سورية بالكيماوي ، وحين دمرت سورية بقصف الطيران والصواريخ الاستراتيجية ؟ أين كان هذا الحرص عندما أطلق هؤلاء المجرمون براميل الباردود العشوائية والقنابل الفراغية والعنقودية المتشظية على بيوت المدنيين الآمنين ..؟!

إن من أهم ما يجب أن نؤكده باسم هذه الثورة المباركة أننا كنا ومازلنا وسنبقى حريصين على تحييد مقومات الدولة السورية ومؤسساتها الأساسية عن ساحة الصراع . بل نحن نؤكد أننا نضع في رأس أولوياتنا حماية هذه المقومات متمثلة في الإنسان والعمران وما أنجزته الدولة السورية عبر القرون من مؤسسات خدمية وبنى تحتية ومقومات وجودية مدنية وعسكرية . ويقابل هذه الحقيقة تحميل زمرة بشار الأسد و والمحتل الإيراني مسئولية العدوان كما مسئولية التفريط بهذه المقومات ..

إن إقدام الزمرة الأسدية أولا على الزج بالجيش السوري في المعركة ضد المواطنين ، وإقدامه على استخدام السلاح الوطني ضد الشعب الذي اشترى هذا السلاح من عرقه وجهده ، ثم إقدام هذه الزمرة على شن حرب الإبادة على الشعب السوري كما تابع العالم أجمع في قرى الغوطة ؛ يصم هذه الزمرة بجريمة الخيانة العظمى ، ويحملها المسئولية التاريخية عن هذه الجريمة . ويجب أن تعي هذه الزمرة وكل من يتعاون معها أن ما بعد جريمة الإبادة في الغوطة لن يكون كما قبلها .

كما إن إقدام الزمرة الأسدية على التنازل للعدو الإسرائيلي مباشرة عن مقوم من مقومات الأمن القومي السوري ، امتلكه الشعب السوري بجهده وعرقه سيكون شكلا آخر من أشكال الخيانة العظمى يضاف إلى السجل الخياني التاريخي لهذه الزمرة التي سيأتي يوم حسابها وحساب كل الذين ما زالوا يخفقون في ركابها قريبا ...

إن الشعب السوري مع تطلعه لأن تكون دول شرق البحر الأبيض المتوسط  نظيفة من كل أشكال أسلحة الدمار الشامل ، يتحفظ على التوقيع على أي اتفاقية دولية لا تشمل كل دول المنطقة وتتعامل معها على قدم المساواة . وسيكون إقدام هذه الزمرة المنهارة نفسيا على التوقيع على أي اتفاقية خارج السياق الإقليمي المذكور شكلا آخر من أشكال التفريط والخيانة . إن من حقنا أن نعلن رفضنا لأي اتفاقيات أوصفقات أقدمت عليها هذه الزمرة منذ 15 /3 / 2011 أو يمكن أن تقدم عليها بعد

 

إن التنازل الخياني للعدو الإسرائيلي عن مقوم من مقومات الأمن القومي السوري مهما غلفه هؤلاء الخائنون بالصلف الذي تعودوا أن يغلفوا به كل جرائمهم وهزائمهم وخياناتهم يكشف لكل الباحثين عن الحقيقة من أبناء هذه الأمة فحوى دعاوى المقاومة والممانعة التي ما زالوا يتشدقون بها مع حلفائهم الصفويين .

هذه الخيانة العظمى لم تكن مبادرة روسية - كما يزعمون وإنما هي مناورة وصفقة تم ترتيبها مع الصهاينة ولم يغب عنها ابن العلقمي وحملها وليد المعلم معه من دمشق

لندن : 6 / ذو القعدة / 1434

12 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الضربات الكيميائية والتدخل العسكري

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 9/9/2013

سار الصراع بين النظام السوري وقوى الثورة في ثلاث مراحل ضبطت وحددت مآل هذه الثورة، التي بدأت كصراع سلمي وتحولت إلى صراع مسلح تقليدي، ثم إلى صراع مسلح كيميائي. أما الأول فاستمر ستة أشهر تقريباً لم يخرج عن كونه «سلمياً»، في حين ظل الصراع بين الفريقين في المرحلة الثانية قائماً على استخدام أسلحة تقليدية، كان فيها السلاح الجوي ذا تأثير أكثر فاعلية وخطراً من أي سلاح آخر. ويلاحظ أنه في هذه المرحلة كان ثمة شبه إجماع في أوساط الثورة (الانتفاضة) على رفض التدخل الخارجي العسكري من قبل الغرب وكذلك من قبل الآخرين، بمن فيهم العرب.

وقد جاء ذلك الرفض لدينا في سياق التحدث عن اللاءات الأربعة التالية: الطائفية، والثأرية، والتقسيمية، والتدخل الخارجي، وكنا أوضحنا هذا الأخير، حين ميزنا بين التدخل الخارجي للمساعدات السلمية ومنها الطبية والغذائية والاحتياجات السكنية وغيرها من طرق، وبين التدخل الخارجي العسكري المسلح من طرف آخر، ورفضناه رفضاً قاطعاً وكلياً. ولاحظنا أن هذا النمط من التدخل كان مرفوضاً من مجموعات واسعة في سوريا وفي العالم العربي. وهو (أي هذا النمط) يبدأ بتاريخ التدخل الخارجي الأجنبي منذ العصر الاستعماري الحديث الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والأميركي، والصهيوني بطبيعة الحال. وقد لاحظ الكثيرون من الباحثين وأطراف كبيرة من الجماهير العربية التمييز بين ما اعتبر «استعماراً قديماً وآخر حديثاً». ولم يكن هنالك أدنى شك حول ذلك، وقد استمرت منظومة المفاهيم السياسية الاستعمارية على هذا النحو في العالم العربي ومن ضمنه سوريا.

أما ما اتصل بالتدخلات الأجنبية الخارجية التي اقترنت بصيغة غير تقليدية من السلاح، وهو الذي سيدخل التاريخ باسم السلاح النووي أو بسلاح التدمير الشامل أو بالسلاح الكيميائي، فلم يكن له علاقة مباشرة بالعالم العربي، إلا إذا أدخلنا العراق في هذه العلاقة، رغم ما يحفّ الأمر من التباسات ربما ما زالت قائمة.

هكذا إذن نلاحظ أن ما يتصل بالحديث عن أسلحة «غير تقليدية» في العالم العربي يبدأ بظهور سلاح كيماوي مؤخراً مع استخدام سوريا له في الحرب بين النظام القائم والانتفاضة، التي تحولت إلى ثورة، وها هنا يمكننا التحدث عن تاريخ حديث جديد لاستخدام السلاح المحرّم دولياً، وهو الكيماوي. ففي شهر أغسطس 2013، أعلن النظام السوري الحرب الكيماوية على المنتفضين، بحيث أدى ذلك إلى قتل 1600 طفل وامرأة ورجل، ها هنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام حدث هائل في تأثيره التدميري ومن ثم في تجاوزه للخط الأحمر الذي وضعته «الولايات المتحدة» حيال ذلك الواقع.

يهمنا من ذلك الإشارة إلى أن الحديث عن تدخل خارجي في الشأن السوري الراهن يتصل، تحديداً، بالسلاح المحرّم دولياً (السلاح الكيماوي) الذي استخدمه النظام السوري ضد مواطنين مدنيين في الغوطتين الشرقية والغربية. وهذا حين يتم فإنه لا يعني تدخلاً من قبل من يرفضه ويدينه ويقف في وجهه، ها هنا تختلف المقاييس وقواعد اللعبة، فاستخدام السلاح المذكور يُدخل في المحظورات، في حين يُعتبر اللجوء إلى مواجهته بمساعدة دول أخرى إنما هو أمر مشروع حتى في الشرائع الدولية الممثلة بما تجسده منظمة الأمم المتحدة. ومن الناحية العملية، فإن اللجوء إلى هذه الأسلحة إنما هو خرق لكل الشرائع المحلية والإقليمية والدولية، هذا بالرغم من أن الأسلحة التقليدية قادت - في حالات معينة - إلى نتائج تصل إلى مستوى نتائج الحرب الكيماوية. وهذا ما يجعلنا نشدد على أن الحروب بأسلحة قاتلة مدمرة تلتقي في أنها جميعاً تمثل خرقاً لحقوق الإنسان، مع اختلاف في وسائل القتل ودرجاته ومخاطره.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الشعب السوري وحيد في مواجهة مجتمع دولي بلا أخلاق !

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 11/9/2013

مرة أخرى تثبت الولايات المتحدة ومعها الغرب والمجتمع الدولي أنهم مازالوا مستمرين في تخليهم عن الشعب السوري، وأنهم غير جادين في وضع حدّ لمعاناته أو التخفيف منها على الأقل، رغم كثرة الجعجعة التي تصدر عنهم، ومرور أكثر من عامين ونصف العام على الأزمة.

كان العالم قد حبس أنفاسه في الآونة الأخيرة بسبب ما كان يعتقد عن عزم الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري تؤلمه أو تهدّ كيانه، لتجاوزه الخطوط الحمراء باستخدامه السلاح الكيماوي بالغوطة، وفق محددات الرئيس الأميركي أوباما، ومن ثم تفضي إلى أمل بحل سياسي يستبعد بالضرورة الأسد والقيادات العسكرية والأمنية التي تلطخت أيديها بالدماء معه،.. لكن سرعان ما تبخرت هذه الآمال التي تعلق بها السوريون، ليحل محلها مبادرة روسية اختصرت الأزمة بوضع أسلحة سوريا الكيميائية تحت مراقبة دولية، سبقها تصريح لوزير الخارجية الأميركي كيري مؤداه أن موافقة سوريا على تدمير مخزونها من السلاح الكيماوي قد يجنبها الضربة العسكرية، وتلاها موافقة وليد المعلم وزير الخارجية السوري وبسرعة على المبادرة وكشف أوباما بنفسه بموازاة ذلك أنه بحث مع الرئيس الروسي احتمال طرح مبادرة من هذا النوع، وأكد في تصريحات له أنه يعطي الأولوية للحل الدبلوماسي بشأن الأسلحة الكيماوية. وهو ما يكشف أن ما تم عبر سلسلة الأيام الأخيرة دبّر بليل بين اللاعبين الكبار لتحقيق أكثر من غاية تخدم مصالحهم، متجاهلة مصلحة الشعب السوري المتضرر الأكبر من إجرام الأسد ونظامه.

كان قتل نظام الأسد بغير السلاح الكيماوي أكثر من مئة ألف سوري، وشرد الملايين بين نازح ولاجئ، وسيستمر على هذا المنوال بعد قبوله بالمبادرة الروسية. لقد رضخ للمطالب الأميركية الغربية، وقبل بتدمير ما كان يعتبره سلاحا استراتيجيا، من أجل النجاة من ضربة تطيح به، والبقاء في كرسي الحكم، وسيبقى يمارس مسلسل قتل شعبه فيما يستمر الغرب والمجتمع الدولي مقابل ذلك بإغماض العين عن أفاعليه.

للأسف هذا التحرك الأميركي الدولي الذي كان يفترض أنّ في ظاهره الرحمة تبين أن في باطنه العذاب الكبير للشعب السوري لأكثر من سبب:

ـ منح النظام السوري تفويضا دوليا للأسد لمواصلة قتل الشعب السوري، وارتكاب المجازر بحق المدنيين العزل بكافة الأسلحة المتاحة، باستثناء الكيماوي، وربما بوتيره أكبر وأشرس، وغضّ الطرف عن مجازره وجرائمه السابقة.

ـ تدمير سلاح استراتيجي رادع، دفع السوريون ثمنه من جيوبهم، وكان يفترض أن يخلق نوعاً من التوازن مع التفوق العسكري الإسرائيلي. يتم ذلك إرضاء للكيان الصهيوني.

ـ إطالة عمر النظام السوري، وإدخاله في منظومة الحل السياسي التي سيجري التحرك بها بموازاة المبادرة السورية وتقوية موقفه وموقف حلفائه في منطقة وبخاصة روسيا وإيران وحلفائها في المنطقة (منها حزب الله في لبنان)

ـ إيجاد مخارج وحلول لجهات دولية على حساب عذابات السوريين، ونقصد بذلك حفظ ماء وجه الرئيس الأميركي أوباما الذي كان في مأزق حرج، وذلك بعد تخلي البريطانيين ودول أوروبية أخرى عن الدخول في تحالف دولي معه لضرب سوريا، وطلبه من الكونغرس تفويضا في مسالة الضربة، مع صعوبة حصول ذلك، وصعوبة موافقة الرأي العام الأميركي على ذلك.

ـ إدخال الأزمة السورية ضمن مزاد التسويات والترتيبات الجديدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في إطار لعبة المصالح وتقاسم النفوذ.

لكن رغم ذلك فإن التطورات المتعلقة بالضربة الأميركية ثم المبادرة الروسية كان لها إيجابيات على مبدأ " رب ضارة نافعة " لعل من أهمها

ـ أكدت على حيازة النظام للأسلحة الكيمائية، واستخدامها ضد شعبه، وليس كوسيلة لحفظ أمنه القومي وردع أعدائه.

ـ أكدت على القوة الهلامية لهذا النظام الذي سارع للتنازل عن أمور تدخل في إطار سيادة دولته مقابل مصالحه الشخصية (الحفاظ على كرسي حكمه).

ـ أن الشيء الوحيد الذي يصلح للتعامل مع هذا النظام هو لغة القوة.

ـ حجم التبعية التي يخضع لسلطانها النظام السوري وتحديدا، للروس والإيرانيين.

ـ أهمية عدم تعويل الشعب والمعارضة السورية على الغرب لحل مشكلتهم أو التخفيف من معاناتهم، فقد أثبتت التجارب المتراكمة والشواهد المتكررة، أن المصالح هي التي تحركه وليست القيم الأخلاقية أو الإنسانية أو حفظ حقوق الإنسان، أو الحرص على القوانين الدولية..

ـ ضمان استقلالية قرار الثورة السورية، بحيث لا يكون لأحد منّة عليها، وتوفير حافز إضافي لتوحيد صفوف الثوار والمعارضة بشقيها السياسي والعسكري، واستشعار أهمية الاعتماد الرئيسي على الله ثم على الذات.

بعد عامين ونصف العام، من المعاناة والتضحيات يجد الشعب السوري نفسه وحيدا، دون أي عون يذكر من المجتمع الدولي الذي تدّعي كثير من دوله أنها نصيرة له، بينما تبحث في حقيقة الأمر عن مصالحها الضيقة، ولا تتحرك إلا بناء على ذلك، وتتفاهم مع خصومه لأجل تسويات غالبا ما تكون على حسابه. لكن رغم أن ثورة هذا الشعب قد تكون الأكثر تضحية، فالأمل أن تكون الأكثر تأثيرا ونصاعة في محيطها بإذن الله.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

السوريون في عين العاصفة!

أكرم البني *

الحياة

الاربعاء 11/9/2013

تتعدد آراء السوريين وتختلف مواقفهم من احتمال تعرض البلاد لضربة عسكرية، جراء اختلاف إصطفافاتهم وتباين ردود أفعالهم وإجاباتهم عن أسئلة مقلقة، حول جدية الغرب في تنفيذ تهديداته، وحول حدود الضربة وقوتها وزمنها، وما قد تخلفه من نتائج على الصراع الدائر ومسار تطوره.

ثمة من هم على يقين بأن لا ضربة عسكرية قريبة ولا من يحزنون، ودليلهم التردد والتناقض في المواقف الرسمية الغربية والإحالات إلى مؤسسات تشريعية تعرف كيف تلتهم الوقت، كمجلس العموم البريطاني والكونغرس الأميركي، وما لغة التهديد والوعيد سوى زوبعة في فنجان، إما لأن الدول الغربية تخشى الدخول في معركة غامضة ضد النظام وحلفائه وتتحسب من الانجرار إلى مستنقع يماثل حالها إبان احتلال العراق، وإما لامتصاص ضغط الرأي العام من صور مروعة لضحايا سلاح كيماوي سبق واعتبره الرئيس أوباما خطاً أحمراً، وفي الطريق تحسين الموقف الأميركي في قمة العشرين لحض الطرف الروسي على تسخين المعالجة السياسية للصراع السوري قبل فوات الأوان.

والأوان، يراه آخرون، ضربة عسكرية محدودة غرضها تأديبي. فمع ازدياد الحرج الأخلاقي والسياسي من استخدام أحد أسلحة الدمار الشامل، بات من الضروري إظهار العصا الغليظة كرسالة صريحة من المجتمع الدولي بأنه لن يقف مكتوفاً تجاه من يتجرأ ويتجاوز وسائل الصراع التقليدية، ويخلص هؤلاء إلى نتائج مثيرة للقلق حول قدرة النظام على تحمل هذه الضربة وتوظيفها إعلامياً، مرة بتنشيط الشعارات الوطنية ضد العدو الأجنبي للطعن بشعارات الحرية والكرامة، ومرة بالنيل من سمعة المعارضة وتشتيت صفوفها عبر مغازلة قوى يحتل الهم الوطني ومواجهة التدخلات الخارجية الأولوية لديها، ومرة بتحويل الأنظار عن المأساة الداخلية وما خلفه العنف المفرط من ضحايا وخراب، لتحرير الذات من المسؤولية وتحميل ما جرى ويجري للآخر المتواطئ، بما في ذلك شحن الدعاية الرسمية عن المؤامرة الكونية التي تتعرض لها البلاد بسبب موقفها المقاوم والممانع، وعن دول استعمارية لفقت قضية الكيماوي كي تسوغ مشاركتها المباشرة في الصراع حين استشعرت تحول ميزان القوى لمصلحة النظام، ولا يقيم أصحاب هذا الرأي اعتباراً لدوافع موسكو في إحجامها عن الدخول في حرب مع الغرب من أجل سورية، أو لدلالات تصريح رفسنجاني الأخير وما رشح عن تردد طهران، فهي عندهم مجرد مناورات، وحين تقع الواقعة لن تتخلى روسيا وإيران عن مصالحهما الكبيرة في المنطقة ولن تخذلا النظام، وربما تنتهزان هذه الفرصة لقلب الطاولة على رؤوس الجميع.

المعروف أن للسوريين حساسية خاصة تجاه المسألة الوطنية والتدخل الأجنبي بعد تجربة العراق، لكن حين يثار الجدل حول الضربة العسكرية ربطاً بصراع مدمر طال، وبمعاناة إنسانية شديدة، وبانسداد الأفق أمام أي بديل يمكن أن يردع آلة القمع ويضع حداً لعنف منفلت، تسمع آراء جديدة ما كنت لتسمعها سابقاً تعترف بحاجة البلاد اليوم الى تدخل أممي فاعل يخرجها مما هي فيه.

ليس غريباً أن يعلن سوريون عبارات واضحة عن تضامنهم وتأييدهم للضربة العسكرية، فهي عند المتضررين من عنف النظام رجاء طال انتظاره كي ترد عنهم بعض القهر والظلم، بخاصة أولئك الموجودين في المدن المحاصرة والمناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة ومن النازحين واللاجئين في بلدان الجوار، فضلاً عن الكثيرين ممن بدأوا يستشعرون خطورة القادم وأنه أكثر سوءاً إن طال أمد الصراع الدموي، ويتطلعون الى دور دولي رادع يوقف العنف ويضع البلاد على سكة المعالجة السياسية.

وإذ تتفق أوساط سياسية وثقافية على تحميل النظام مسؤولية ما يحدث وأن إفراطه في العنف واستجرار الدعم الخارجي شكلا حافزاً صريحاً لتدخل الغرب عسكرياً، لكن بعضهم يرفض الضربة العسكرية ويحذر من تداعياتها في إجهاض الحل السياسي وتعزيز قوى التطرف والعنف لدى السلطة والمعارضة في آن، بينما على العكس يحذر آخرون من ضررها إن جاءت ضعيفة أو غير ناجعة وسمحت للنظام بالتقاط أنفاسه وتوظيف استمراره في الحكم كانتصار وبرهان على قوته وجدوى مواجهاته، وبين هذا وذاك ثمة من يأمل بأن تكسر الضربة المحدودة الاستعصاء القائم حتى لو دفع الصراع نحو المجهول، أو من يحدوه رهان بأن تفضي، في ظل الإنهاك المتزايد للقوى العسكرية والموقف المتردد لحلفاء النظام، إلى تفكيك الدائرة الضيقة المتمسكة بخيار العنف، وبلورة قوى من داخل تركيبة السلطة نفسها تزداد قناعة بضرورة المعالجة السياسية، وتبادر الى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يخشى الكثيرون من أن تفتح الضربة العسكرية الباب أمام الفوضى وانفلات الاقتتال الأهلي من غير رادع، إن مع انهيار دور الدولة وقدرة مؤسساتها على ضمان حياة الناس وحاجاتهم، وإن في منح الجماعات الاسلاموية المتطرفة الفرصة للنيل من الآخر المختلف ووضع أجندتها موضع التنفيذ من دون اعتبار لحقوق الناس وكراماتهم، وتحسباً من الفوضى، تسمع اصواتاً قوية تطالب بمزيد من الجهد لربط الردع العسكري الخارجي بإرادة أممية تضمن استقرار الأوضاع وترعى تنفيذ خطة طريق انتقالية تستند إلى المعايير الدولية لحقوق الانسان والقواعد الديموقراطية التي تمكن الشعب السوري من تقرير مصيره.

أين وصلت أحوالنا وأي غد ينتظرنا؟! هو سؤال قلق يتكرر على لسان غالبية السوريين بغض النظر عن اصطفافاتهم ومواقفهم، وكأن ثمة إحساساً عاماً بدأ يتملكهم جميعاً بالهزيمة والضياع وبرغبة صادقة في الخلاص من هذه المحنة، وربما هو شعور مشترك يتنامى من خطورة تصاعد العنف وما يخلفه من خراب ودمار وأعداد تتزايد من الضحايا والمعتقلين واللاجئين، أو هي خشية وحسرة بدأت توحدهم من استباحة بلادهم وتحويلها إلى ساحة صراع على النفوذ بين مختلف الأطراف الاقليمية والعالمية، وربما هو العجز والتوجس من راهن غامض ينزلق من أياديهم نحو الأخطر، ومن مستقبل لم تعد صياغته شأناً داخلياً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

السوريون سيختارون العيش المشترك

ميس الكريدي

الشرق الاوسط

الاربعاء 11/9/2013

تلعب الحالة التاريخية للشعوب دورا كبيرا في حركتها وتطور العلاقة المركبة بين الأفراد فيما بينهم والأفراد والمجتمعات، وينظم هذه العلاقات عقد اجتماعي. هذا العقد الاجتماعي والحالة التاريخية للشعوب هما حاملا وجود، يميزان سوريا التي شهدت الحالة المدنية ومفهوم الدولة عبر جدلية تاريخية مررت كل الغزاة المعتدين من دون أن تكون هناك إمكانية فعلية للمساس بهذه الكتلة القادرة على الاحتواء والتلاقح الفكري، ولم تفقد خصوصيتها.

في خضم الحالة التي تعيشها البلاد في المرحلة الحالية، من خلال إصرار النظام على قمع الثورة السورية وإخمادها ولو كان تدمير سوريا هو الثمن ومحاولات الأطراف الإقليمية لي عنق السوريين وثورتهم، لم تظهر في سوريا الحالة الانشطارية الحادة التي لا عودة عنها. بل كانت دائما هناك مؤشرات إيجابية على أن زوال الظرف الاستثنائي القهري الذي يعيشه السوريون وحده يمكن أن يستعيد كثيرا من المشهد الجامع الأساسي.

إن الخيار التمزيقي خيار الأنظمة الاستبدادية لأنها تسيطر على البلد بمنطق قطاع الطرق والبلطجية. وبالتالي، تحرص على تفكيك اللحمة الشعبية والتلاعب بالمكونات الوطنية الموجودة لضمان بقائها القائم أصلا على غصب السلطة في سوريا. واستطرادا، هذه الأنظمة لا تقيم وجودها على مرتكز وطني أو فعل مؤسساتي ممنهج يضمن الوصول إلى فكرة المواطنة والتساوي أمام القانون.. لأن هذه الأخيرة تهدد الوجود القائم لهذا الشكل من الأنظمة أصلا. ومن هنا يصبح النظام القوة الدافعة والفاعلة في مشهد التحريض الطائفي، وكل ما عداه هي قوى منفعلة بالحدث وتبني ردود أفعالها تبعا لممارسات النظام. وهكذا، فالنظام ركّز على إلباس معركته مع الشعب لبوسا طائفيا يجعل منه طرفا ضمن معادلة أكبر، هي حالة الهروب إلى الأمام، التي لا يملك سواها ليتستر خلف شماعات هو أوجدها أمام الغرب والعالم.. وتتيح له ديمومة أكبر واستمرارية، واستخدام بعبع التطرف في وجه العالم.

إن العيش المشترك حالة أصيلة مزروعة في أذهان السوريين لم تتمكن من نزعها كل هذه الصراعات بدليل الحوارات الكثيرة التي نخوضها الآن، والتي تؤدي دائما لنتيجة حتمية بين الجميع بعموم الشعب هي التأكيد على استعادة القرار السوري ورفض الأجندات، ويمكن أن تشكل حالات نزوح العائلات من إثنيات وأطياف ومكونات مختلفة في مدن كثيرة في سوريا مثالا واقعيا على إمكانية استمرار العيش المشترك رغم كل التصعيد السياسي والعسكري والإعلامي. إذ لم يصل الشقاق الاجتماعي لحالة رفض مطلق، خصوصا بين الفئات التي توصف بالصامتة والتي تشكل أغلبية معتدلة في سوريا. ومن هذا المنطلق فإن الحالة السورية الجامعة تتطلب شروطا وعوامل أساسية لا بد من الوقوف عندها:

1 - نبذ الخطاب الطائفي والتأكيد على الحالة الوطنية وفكرة المواطنة واستعادة الشكل الوطني للصراع بين مستبد مجرم وزمرته الحاكمة والشعب المظلوم الذي ذُبح على يد النظام.

2 - أن تتوصل القوى السياسية الفاعلة والفعاليات الدينية والعشائرية وكل القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المهمة إلى القبول بصيغة سياسية تكفل وتضمن العيش المشترك والتعايش السلمي.

3 - رفض كل أشكال التطرف التي تؤدي لتفكيك المجتمع السوري.

4 - سوريا الجديدة هي سوريا الدولة وسيادة القانون وتحديد آليات الانتقال إلى الديمقراطية ونشر ثقافة وعي الديمقراطية.

5 - تهيئة الظروف لنهج العدالة الانتقالية وتفعيل آليات المصالحة الوطنية مباشرة لحظة سقوط النظام.

6 - تشكيل لجان للسلم الأهلي وتفعيل دورها وتمكينها داخل سوريا.

7 - رأب الصدع في المجتمع السوري بين المدينة والريف، والعمل الممنهج لاستعادة لحمة النسيج الوطني.

8 - الإدماج والمشاركة في كل مراحل البناء في سوريا بحيث يشترك كل أطياف ومكوّنات الشعب السوري في بناء وطنهم، الذي لا يحمل اسمه إلا عندما تصير المواطنة هي الصفة الحقيقية التي تجعل الجميع متساوين في العقد الاجتماعي الجديد.

9 - الجاهزية الكاملة لحظة سقوط النظام وبدء المرحلة الانتقالية للبدء بمشاريع إعادة الإعمار لما لها من أهمية على قبول الآخر نتيجة رفع جزء من المظلومية وهي الدمار.. خاصة أنه الجزء الوحيد الممكن استعادته.

وطبعا ضمن التفاصيل يمكن إدراج كل الآليات الممكنة لترميم الجراح، والوصول إلى إنتاج الصيغ الضامنة للعيش المشترك. ومن هنا فإن معظم الإشارات عن تفكيك سوريا بمجملها لا تعدو في أحسن الحالات أن تكون أفكارا لمن ليسوا أصحاب المبادرة والقدرة على تنفيذ هكذا أفكار. عموما، إن السوريين بمختلف مشاربهم مع أو ضد النظام .. يمين.. يسار.. مكوناته يختارون الوطن السوري، بل وينبذون كل ما هو دون ذلك. وأما أولئك المرتهنون لأجندة النظام من «شبّيحة» متفلتين من أي مسؤولية وطنية فهؤلاء هم أدوات لمرحلة اتخذت شعارا لها «الأسد أو نحرق البلد» ولا يعبرون بحال من لأحوال عن كنه وأهمية الشعب المتحضر.. الشعب السوري.

* كاتبة وناشطة سورية

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا غير أوباما سياسته؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 11/9/2013

جاءت ردود الفعل المباشرة التي صدرت عن باراك أوباما حيال استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد غوطتي دمشق مخيبة لآمال سوريين كثيرين، كانت أغلبيتهم تتوقع أن يأمر بشن ضربة عسكرية ضد النظام تقضي عليه، وتوفر المزيد من دمائهم.

بعد أن حدد العالم مواعيد للضربة، وألقى وزير خارجية واشنطن خطابا قويا ومتوازنا ضد النظام، كشف فيه بالوقائع والبينات ما فعله هذا ليلة قرر استخدام أسلحة كيماوية لإبادة سكان آمنين يقطنون في الحزام البشري الملاصق مباشرة لدمشق، قرر أوباما إحالة الأمر إلى الكونغرس، على الرغم من إعلانه أنه قرر الضربة، وأن صلاحياته الرئاسية تتيح له التصرف من دون عودة إلى مجلسي السلطة التشريعية الأميركية.

لماذا فعل أوباما ما فعله؟ هناك أجوبة افتراضية متنوعة على هذا السؤال، منها:

- أنه أراد دعم الكونغرس في حال جوبه الأميركيون برد إيراني أو سوري يستوجب تصعيد الموقف، عقب الضربة الأولى التي يعتزم توجيهها إلى نظام الأسد. يريد أوباما أن تكون أميركا موحدة في موقفها من أي تطور، ويعتقد أن دعم الكونغرس يحميه من ضغوط حزبية داخلية ورد فعل الرأي العام، الذي قد ينقسم بسبب عمليات عسكرية قد تنقلب إلى حرب تتعارض مع عقيدته الاستراتيجية، التي تركز على الداخل الأميركي، وتقوم على تعبئة حلفاء واشنطن في مناطق الصراع، بحيث يتولون الدور الرئيس في أي حرب. يريد أوباما أقل قدر من الانغماس في صراعات العالم، التي يخشى أن تستنزف قدرات بلاده مهما بلغت من الضخامة، ويعلل خشيته برؤية تؤكد أن الإمبراطوريات تستنفد طاقاتها في حراسة ممتلكاتها التي تتحول من مصدر قوة إلى مصدر ضعف لها، فمن الضروري أن تعرف متى تتوقف عن القيام بمغامرات تبدد قدراتها من أجل أهداف تستحيل المحافظة عليها. هذه النظرة جعلت أوباما يمارس سياسة تقتصد في استخدام القوة خارج أميركا، وتعطي الأولوية لتراكم وتعظيم القوة داخلها، لأن هذه هي ضامن بقاء الإمبراطورية، التي تستطيع عندئذ استعمال قدراتها على فترات متقطعة، لكنها تتكفل بإبقاء العالم في حدود ترسمها هي له، تخدم مصالحها.

- تظاهرت رغبة أوباما في أقل قدر من التورط خلال عامين ونيف، وها هو ينتقل إلى موقف جديد خطوته الأولى قرار بتسديد الضربة العسكرية إلى النظام، والثانية موافقة الكونغرس والرأي العام الأميركي عليها، لأن موافقتهما تتيح له الرد، وظهره محمي بوحدة الطبقة السياسية، على أي تصعيد محتمل، سواء جاء من إيران أم من الخلايا الأسدية الإرهابية. مع موقف الجامعة العربية الذي يوفر غطاء عربيا إسلامي الأبعاد للضربة، التي ستترجم إلى نمط من العمل الميداني سيكون صاعقا وقويا فلا يترك أي مجال لرد أو لتصعيد مقابل، وسيقلص بصورة جدية أو كاملة فرص أي دور إيراني أو روسي في المنطقة بأسرها؛ اليوم وفي مقبلات الأيام.

اتخذ أوباما قرار الضربة بعد أن تفرج بدم بارد خلال عامين ونيف على المأساة السورية، اعتقادا منه بأن أوضاع التدخل نضجت من كل جوانبها، فقد اكتمل تدمير سوريا وبدأ نظامها يتهاوى، وبان إفلاس الدورين الإيراني والروسي وعجزهما عن إنقاذ النظام وحسم الصراع لصالحه، واكتملت شروط فك العقد الناجمة عن تقاطع وتشابك خيوط المصالح والصراعات الدولية والإقليمية والداخلية، وحان وقت «قش» الطاولة أميركيا وتحقيق التغيير من خلال ضربة «سولد» كاملة فورية، بموافقة الكونغرس وسلاح جيش أعد خططه منذ زمن طويل، وانتظر الأمر بالتحرك، وتصميم لن يعرف بعد اليوم أي تردد، لأن التردد يضيع فرصة انتصار حاسم ستسقط ثماره في حضن واشنطن، التي لن تواجه مقاومة جدية. بقرار الضربة، أزاح أوباما روسيا جانبا ودفعها إلى موقع الخسران، وكذلك فعل بإيران، بينما انفتح طريق دمشق أمامه بغباء بشار الأسد ونزعته السلطوية المرضية التي بلغت حد الإجرام، في حين ستفسح موافقة الكونغرس، التي تبدو شبه مضمونة، المجال لتحقيق أهداف معلنة وأخرى لم يعلن عنها، ستظهر خلال الأيام والأسابيع المقبلة، داخل سوريا وخارجها.

والآن، ما هي حدود الضربة؟ وهل ستسقط النظام؟ أعتقد شخصيا أنها ستكون غير محدودة، وموجهة لتكون رصاصة رحمة تطلق على رأس بدأت تتهاوى بعد معارك خان العسل ومنغ والساحل، ومن المؤكد أن نظامها لن يقوى على مقاومة ضربة أميركية مركزة، وأن أحاديث مسؤولي دمشق عن أسلحة ستفاجئ العالم ليست غير محاولة يائسة وأخيرة لإقناع أتباعه بالانتحار!

لن يتردد أوباما بعد الآن، وسيسدد ضربته سواء وافق الكونغرس أم لم يوافق. أما حجته فستكون المحافظة على صدقية أميركا ومصالحها في المنطقة والعالم، وحماية البشرية من مخاطر السلاح الكيماوي.

أخيرا، من المرجح أن ينهار النظام خلال العمل العسكري أو بعده بقليل، وأن تدخل سوريا في طور جديد يصعب اليوم التكهن بملامحه، سيكون من علاماته الإقليمية تغييرات محتملة في العراق وخروج نظام الملالي من العالم العربي وبداية انهياره في إيران، وتهاوي حزب الله اللبناني.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فوضوا أوباما لضرب الأسد

احمد الجربا وسليم ادريس

الاتحاد

الخميس 12/9/2013

بين كل الانتفاضات الشعبية في التاريخ الحديث، حظيت ثورة الشعب السوري بأكبر درجة من التوثيق. فعلى مدار عامين ونصف، عُرض القمع العسكري الوحشي لنظام الأسد أمام العالم في شهادات وصور ومقاطع مصورة التقطتها الهواتف المحمولة للسوريين المذعورين، ثم فيما بعد وعلى نحو متزايد، في تقارير لصحفيين دوليين محترمين.

ولا شيء أهم من أن نتذكر أن الشهور الأولى من الثورة تردد في صداها شعارات بملء القلب تقول "الشعب السوري واحد" و"سلمية". حتى عندما صعدت قوات الأمن التابعة للأسد قمعها من إطلاق النار الحي إلى الضربات الجوية، ظل المحتجون يرددون وهم يحملون الأعلام والزهور بل وزجاجات الماء البارد ليقدمونه لقوات الأمن نفسها المكلفة بسحقهم. ودفعت الوحشية المنهجية باردة الدم للأسد السوريين إلى الدفاع عن أنفسهم والمقاومة المسلحة. ولو لم يعص آلاف من الجنود الشجعان أوامر النظام لقتل المحتجين ولم ينشقوا كي يشكلوا الجيش السوري الحر- وانضم إليهم تدريجياً مدنيون يدافعون عن أسرهم- لاستمر العنف الذي لا يصدق الذي مارسه الأسد دون رادع، لأن القمع لم يولد إلا لعدم اكتراث عام في المجتمع الدولي.

وأقنعت لامبالاة العالم وعدم حسمه الأسد بأنه لا يقهر وزادته جسارة في أن ينفذ فظائع بربرية في شعب أعزل. وشن الأسد أكثر هجماته الكيماوية دموية في 21 أغسطس الماضي في مناطق من دمشق ليقتل أكثر من 400 طفل ونحو 1000 من البالغين. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي استخدم فيها الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبه ولن تكون المرة الأخيرة إذا لم يُمنع من ذلك.

ولم يلتفت أحد لعدد من التحذيرات، فقد كررت "نافي بيلاي"، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في فبراير الماضي دعوتها التي أطلقتها لأول مرة في ديسمبر 2011 بإحالة الأسد إلى المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية. وناشد أنطونيو جوتيرس، مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، المجتمع الدولي قائلا الأسبوع الماضي: "سوريا أصبحت أكبر مأساة في هذا القرن وكارثة إنسانية مخزية، بعد أن أصبحت المعاناة والنزوح بلا مثيل في التاريخ الحديث"

ورغم كل الأهوال، فالوضع اليوم أقل سوءاً، مقارنة بما كان يمكن أن يحدث لو لم يتم التصدي للأسد أو يُحمل مسؤولية جرائمه. فقد استغرق سعي المليون الأول من السوريين للجوء في الدول المجاورة عاماً كاملاً، لكن هروب المليون الثاني من وحشية الأسد، لم يستغرق إلا ستة شهور. فما حجم الخروج الجماعي بعد أن ينجو الأسد بفعلته في المذابح الكيماوية؟ فنحو ثلث سكان سوريا تقريباً بلا مأوى ومعوزون وعدم التحرك سيعزز نطاق الكارثة البشرية واليأس سيغذي التشدد خاصة إذا تم تنفيذ الهجمات الكيماوية.

ويبين التاريخ أن الأسد لا يفهم إلا الضوء الأخضر أو الأحمر ولا شيئا بينهما. فتقاعس العالم عن التحرك والحماية التي يوفرها له حلفاؤه، منحته، حتى الآن، حصانة ضد ما يمارسه من إرهاب في حق شعبه ومنطقته. ولا يعزز تردد أقوى دول العالم قوة نظام الأسد الشرير، فحسب بل يعزز أيضاً قائمة أولويات المتطرفين من الإرهابيين الذين يحذون حذو "القاعدة"، ويتسللون إلى سوريا من الشرق. فهم لا يقاتلون الأسد فحسب، لكن الأهم من ذلك، يقاتلون أولئك الذين يعارضون الأسد.

وكلما ظل نظام الأسد خارجا عن نطاق السيطرة، كلما استغل المتطرفون الوضع وتزعزع استقرار المنطقة برمتها.

اعترف أكثر من 100 دولة بينها الولايات المتحدة بالائتلاف السوري باعتباره ممثلا شرعيا عن الشعب السوري. وبموجب هذا الاعتراف، نطالب الكونجرس والشعب الأميركي أن يعرقل القدرات التدميرية للأسد. من فضلكم فوضوا أوباما ليتخذ إجراءاً ضد الأسد ليمنعه من السير في دربه الدموي. ومع تجاوز حصيلة القتلى 100 ألف، يتواصل مسعانا لتحرير بلادنا من هذا النظام القاتل وحماية شعبنا، لكن لا يستطيع أحد إلا الولايات المتحدة منع الأسد من استخدام أسلحته الكيماوية مرة أخرى.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تدخل إنساني في سورية وليس عسكرياً

رضوان زيادة *

الحياة

الخميس 12/9/2013

ربما يثير بعض المعارضين للضربة العسكرية ضد نظام الأسد تاريخ التدخلات العسكرية والفوضى التي تعقبها، ربما يكون هذا صحيحاً، لكن يجب أن نحدد الهدف من التدخل في سورية، إذ ليس لأهداف عسكرية أو اقتصادية، بل هو في جوهره تدخل من أجل الإنسانية.

ربما يستخف البعض في ذلك، ويقول إن الدول لا تتدخل إلا من أجل مصالحها، وهذا صحيح بكل تأكيد، لكن هذه المصالح تتقاطع، واليوم تقاطعها يعتمد بشكل رئيسي على وقف المأساة في سوريا خاصة بعد استخدام الأسد للسلاح الكيماوي.

فقد عادت قضية التدخل الإنساني في سورية إلى الضوء بسبب ازدياد عدد الضحايا لمدنيين بشكل كبير وتضاعف عدد اللاجئين والصور المربعة التي أتت من الغوطتين بعد استخدام الأسد للسلاح المحرم دولياً ضد المدنيين، لقد ترسخ مبدأ حماية المدنيين تحت ضوء مذاهب ومبادئ القانون الدولي المطبق مسؤولية الحماية والتي يطلق عليها اختصارا باللغة الإنكليزية (R2P) . منذ بداية الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 قتلت القوات الأمنية السورية ما لا يقل عن مئة ألف شخص وربما يزيد العدد عن ذلك بكثير. هاجمت قوات الأسد المدنيين باستمرار، وقصفت المناطق السكنية الكثيفة بالمدفعية، ونشرت القناصين والطائرات المروحية الحربية في المدن، واستخدمت الصواريخ الباليستية ضد المناطق السكنية، وقامت بتعذيب المحتجين الذين تم اعتقالهم، وأخيراً استخدمت السلاح الكيماوي ضدهم. كل هذه الأفعال تقع تحت مسمى جرائم ضد الإنسانية كما عرّفها نظام روما الذي أقامته المحكمة الجنائية الدولية (ICC).

مسؤولية الحماية: هو مبدأ من مبادئ القانون الدولي أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يمثل هذا المبدأ تطوراً عميقاً في الطرق التي يتخذها القانون الدولي لمعالجة الأزمات الإنسانية. وبموجب مبدأ مسؤولية الحماية، فإن الدولة لا تملك السيادة المطلقة. وتعتبر الدولة متخلية عن سيادتها عندما تفشل في حماية مواطنيها من الإبادات الجماعية، أو التطهير العرقي، أو جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية. واعتُبرت سورية غير ملتزمة بالواجب المكلفة به بموجب مسؤولية الحماية عندما قامت بشن الهجمات المستمرة على المدنيين العزل من دون أي شروط أو قيود. وبذلك تنتقل مسؤولية حماية المواطنين السوريين العزل إلى المجتمع الدولي.

في تقرير للأمم المتحدة نشر عام 2009 قام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بتوصيف الأركان الثلاثة التي يقوم عليها هذا المبدأ، أولاً: "تقع على عاتق كل دولة مسؤولية دائمة بحماية سكانها –بغض النظر إن كانوا يحملون جنسيتها أم لا- من الإبادات الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، وكل من يحرض على تلك الجرائم السابقة". ثانياً: يقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية تقديم المساعدة للدول على الامتثال لواجباتهم الواردة في الركن الأول. ثالثاً: إن ظهر بشكل واضح فشل دولة في حماية شعبها، فيجب على المجتمع الدولي أن يستجيب لذلك بشكل حاسم وفي الوقت المناسب، بالاستناد إلى الفصول السادسة، والسابعة، والثامنة من ميثاق الأمم المتحدة، وباتخاذ التدابير المناسبة سلمية كانت أم غير ذلك. بالإضافة إلى ذلك ، يمكن في حالات الطوارئ عقد تحالفات دولية مشروعة لوقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، حتى بدون موافقة مسبقة من مجلس الأمن.

ما يحصل في سوريا من حرب ضد المدنيين يوافق معايير مبادئ مسؤولية الحماية للتدخل الإنساني. وتعدى الأمر في سورية حماية المواطنين فحسب، حيث قام الرئيس السوري بشار الأسد بمهاجمة الأحياء السكنية بصورة كثيفة باستخدام الدبابات، والمدفعيات، والطائرات المروحية المقاتلة. ويقع الآن على مجلس الأمن واجب الأخذ بعين الاعتبار خيارات أكثر حزماً وقوة بعد فشل الخيار السلمي في حماية المواطنين. وعلى الرغم من أن خيار إعطاء الإذن لمجلس الأمن بالتحرك لمعالجة الملف السوري هو الأنسب، إلا أنه يبدو أنه مستحيل سياسياً. وبالنظر إلى الظروف الملحة التي تتطلب تحركاً فورياً يحق للمجتمع الدولي أن يتخذ التدابير اللازمة لحماية الشعب السوري تحت مبدأ مسؤولية الحماية، فالحاجة الآن إلى تطبيق مبدأ حماية المدنيين ضمن تحالف دولي يشكل من خارج إطار مجلس الأمن وربما تحت مظلة أصدقاء الشعب السوري.

 * مدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فخ بوتين بـ«أسنان» الأسد

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 12/9/2013

سيد الكرملين، القيصر الجديد الذي خطف مجلس الأمن منذ أكثر من سنتين، يمكنه أن يتباهى أمام الرئيس الأميركي باراك أوباما، بأن «مبادرته» في ربع الساعة الأخير، أنقذت سيد البيت الأبيض من نكسة كبرى في الكونغرس الذي لا يميل إلى ضرب سورية. والحال أن فلاديمير بوتين ينقذ النظام السوري إذ يقايض عملياً بقاءه بأسنانه «الكيماوية». أما مسألة الضمانات التي تمتلكها موسكو لتنفيذ دمشق ما أعلنت قبوله في شأن رقابة دولية على أسلحتها الكيماوية، فقضية قد تشهد من الإجراءات والمراوغة والتسويف، ما يجعل التلويح الأميركي بالخيار العسكري ورقة منسية.

أنقذ بوتين ماء وجه أوباما، لكنه قصف الخيار العسكري الأميركي - الفرنسي، وآمال المعارضة السورية باقتراب الفصل «الحاسم» من الحرب مع نظامٍ ما زال يمتلك من الصواريخ والطائرات الحربية والبراميل المتفجّرة ما يمكّنه من استكمال خططه للقضاء على الثورة أو «الإرهابيين» بالتعريف الروسي - الإيراني. وإذا كان صحيحاً ان واشنطن لا تسعى في كل الأحوال إلى إطاحة النظام السوري بالقوة، فالصحيح كذلك أن ما سُمّي «المبادرة» الروسية، سيجعل ليل سورية وثورتها أطول، لأن الغرب - و «بفضل» موسكو - سيكون اختصر مِحَن السوريين بترسانة كيماوية، وحوَّل الصراع مع النظام والحرب على البشر والحجر إلى شأن داخلي «عادي»، ومنازلة مملّة، البقاء بعدها للأقوى.

هدية بوتين أتاحت لأوباما أن يؤجل تجرّع الكأس المُرَّة لأي نكسة في الكونغرس، حيث الحاضر الأكبر العراق وأفغانستان، مهما كرر الرئيس الأميركي أن الضربة المؤجلة والمرتَجِفة ستبقى محدودة جداً، ما دام الهدف مجرد رسالة عقاب. وهو سارع في البداية، إثر ضرب الغوطتين بالأسلحة الكيماوية، إلى التقاط «الخط الأحمر» معتبراً أن النظام السوري تجاوزه بالفعل هذه المرة، وهدَّد أمن إسرائيل والولايات المتحدة. في خطابه ليل الثلثاء - الأربعاء تحدث أوباما عن المشاهد المروّعة لأطفال ينازعون، ولم يتساءل بالطبع عن قدرة الحليف الأول للنظام السوري، روسيا، على إرغامه على وقف القتل بوسائل غير كيماوية، ضحاياها تجاوزت مئة ألف. ويدرك الجميع في المنطقة، أن النظام سيسرّع وتيرة الحسم العسكري مع المعارضين المسلّحين، إذا نجحت إدارة الكرملين للأزمة في طي صفحة الضربة الأميركية.

إلى جنيف، سيحمل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم الاقتراحات التطبيقية لـ «المبادرة» التي انتزعت من المعارضة السورية أقوى ورقة راهنت عليها لقلب ميزان القوة في الصراع. سيقدّم لافروف الى الوزير الأميركي جون كيري الضمانات الروسية لنزع «الأسنان» الكيماوية للنظام السوري على مراحل، لا يمكن أن تستجيب أي مهلة إنذار، قياساً إلى التجارب السابقة لدمشق في تعاملها مع الأمم المتحدة (من مفوضية اللاجئين إلى فرق تقصي الحقائق). ومهما اندفعت باريس إلى إبقاء الضربة العسكرية خياراً، فالأكيد أن موسكو أثبتت أن لا احتمال وارداً يجعلها تتخلى عن صدّ أي مسعى غربي لتحرير مجلس الأمن من عصا «الفيتو» الروسي.

لم تكن مجرد مزاح عبارة التشفي التي أطلقها مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، بعد إحباط سريع لمشروع القرار الفرنسي في المجلس، إذ أبدى نشوة انتصار لأن «الجميع سيبقون واقفين على أصابعهم»... على إيقاع الكرملين!

فعلَها بوتين في دفاع شرس عن بقاء النظام السوري، فنسي الجميع سريعاً تسليم الكرملين علناً بأنه لن يخوض حرباً لحماية بشار الأسد ونظامه. تلك كانت ببساطة، في رأي أوساط عربية، محاولة استدراج خبيثة وناجحة، أوهمت واشنطن وباريس برفع الغطاء الروسي عن دمشق، وبأن الطريق إلى ضربها باتت نزهة، حتى كانت مفاجأة «لا» البريطانية التي حشرت فرنسا وحيدةً في زاوية القرار الأميركي... وما إن ظن أوباما أن صفعة «الضربة المحدودة» للنظام السوري باتت في متناول يده وبنانِه، ليمحو ما علِق بصورته من اتهامات بالعجز والتردد بعد «مهزلة» الخطوط الحمر، حتى باغته الروسي بصفقة ربع الساعة الأخير: نزع «الكيماوي» في مقابل نزع فتيل التهديد ببديل لنظام الأسد.

والسؤال اليوم، بعد خيبة المعارضة السورية ونكبتها بحلف دمشق - موسكو - طهران، وبتراخي الغرب وذعره من التورط في رمال الشرق الأوسط وصراعاته المفخخة، هو: هل يقرّ كيري لزميله لافروف بقبول شرط بوتين لإطلاق المبادرة «الكيماوية» على سكة التنفيذ، أي تخلي أوباما نهائياً عن خيار الضربة؟

ألا تُصدِم المعارضة دعوة الوزير الأميركي الرئيس السوري الى «أن يغتنم فرصة محاولة صنع السلام»، كأنه يعيد إليه الاعتبار ويُشرِكه في الحل؟

أوباما الذي «تعلّم من العراق»، تجنَّب إلى حين، الكأس المرّة، ولم يتطوّع هو ولا فرنسوا هولاند أو ديفيد كامرون لإقناع أي سوري بأن الحل السياسي للحرب والثورة والصراع مع النظام، ممكن ولو بعد عام 2014.

كؤوس الثوار فارغة إلا من مرارات الوعود الغربية، والخِدع الروسية، ودماء شعب ستبقى رهينة، إذا أوكلت واشنطن إلى موسكو ايضاً تهيئة مسرح «الحل» في «جنيف 2».

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com