العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15/07/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

انطباعات من القاهرة

هل المطلوب وضع وثائق لا معنى لها ولا وظيفة؟

ميشيل كيلو

السفير

7-7-2012

حضرت للمرة الأولى في حياتي مؤتمرا جامعا للمعارضة السورية في الخارج، شجعني على حضوره أنه عقد في القاهرة، التي لا بد أن تعود إلى العرب ويعود هؤلاء إليها، وشجعني أن جميع أطياف المعارضة وافقت على انعقاده برعاية جامعة الدول العربية، وأنه سبق انعقاده قبول المجلس الوطني السوري أن يكون من المدعوين، كأي فصيل معارض آخر، بعد أن كان يشترط أن يكون الداعي، أو يؤكد أن قبول الدعوة إلى حضور لقاء يضمه، يعتبر نوعا من طلب انتساب إليه. قبل المجلس أن يكون مدعواً كغيره، بعد أزمات مر بها أدت إلى استقالة رئيسه الدكتور برهان غليون وخروج مئات المثقفين والمناضلين والناشطين منه، بعد أن قدموا إليه عرائض ستذكر في تاريخ النزاهة الوطنية والنضال السوري من أجل الحرية، وضد نظام السلطة الشمولي / الاستبدادي، وضد عمل المجلس، الذي تنفرد بتقرير أموره قبضة من المتشددين، يبدو أن عقلها السياسي لم يبلغ بعد درجة من الديموقراطية والقبول الفعلي بالآخر، تجعل التعايش معه ممكناً.

كان على لقاء القاهرة إقرار وثيقتين صاغتهما لجنة تحضيرية مشتركة ضمت مندوبين عن كل تنظيمات المعارضة باستثناء «هيئة التنسيق لقوى التغيير الديموقراطي»، التي لم تحضر لقاء اسطنبول، لكنها جاءت إلى اللقاء الحالي بعدد كبير من أعلى ممثليها. وقد تم إقرار الوثيقتين في نهاية اليوم الثاني، بعد يوم أول لم يبد خلاله الحاضرون أي اعتراض جدي عليهما، مع أنهم قدموا ملاحظات كثيرة جدا، لا لزوم لمعظمها، اتسمت بالتكرار وانصبت على نقطتين أو ثلاث أهمها «الجيش الحر». في مساء اليوم الاول، علم معظم الحاضرين باقتراح أن تكون هناك لجنة متابعة مشتركة من جميع التنظيمات والشخصيات المشاركة في اللقاء، قيل إن الجامعة العربية ستعتبرها قناة تتصل من خلالها مع الفصائل والمجلس، وبالتالي هيئة جديدة لعمل معارض موحد قدر الإمكان، وإن كان مستواها فضفاضاً وقليل الإلزام. عند هذه اللحظة بدأت آلة جهنمية تعمل، على خلفية عبر عنها صوت قال: نحن في المجلس قررنا فصل المستوى السياسي عن المستوى التنظيمي. هذا القول، الذي يخالف كل ما حدث في ثورات العالم، التي قامت كلها على التطابق بين المجالين السياسي والتنظيمي، كان معناه: إن أي تفاهم سياسي نصل إليه مع أطراف المعارضة يجب أن يعبر عنه تنظيميا من خلال المجلس، الذي لا يقبل الشراكة التنظيمية مع أي كان ولأي سبب كان، والحجة: المجلس هو الممثل الشرعي والوحيد للشعب، والإطار الوحيد المتاح أو المسموح به للمعارضة، وكل مس بطابعه هذه يعد مؤامرة على الشعب والثورة، فإذا أراد أحد ما التوصل إلى اتفاق سياسي، وجدنا على أتم الاستعداد لذلك. أما إذا أراد تخطي هذا إلى الإطار التنظيمي، فإنه سيكون في نظرنا متآمرا على المجلس والثورة التي يمثلها والشعب الذي اعتبره الجهة الوحيدة التي تعبر عنه. بعد قليل من هذا التصريح العجيب، أضاف عضو غير إسلامي في المجلس ان المؤامرة بدأت بمقالة في جريدة «السفير» كتبها ميشيل كيلو ونشرت يوم السبت الماضي (30/6)، طالبت باعتبار العلاقة بين المجلس وغيره انتقالية، وقالت إن عليه قبول الآخر وعلى هذا تجاوز أحكامه عنه. قال السيد غير الإسلامي في سياق حملته علي شخصيا وعلى المنبر الديموقراطي: هذه المؤامرة تعبر عن نفسها الآن باقتراح اللجنة، التي لن تمر إلا على جثثنا.

في اليوم التالي: عبر هذا الموقف عن نفسه من خلال التراجع عن القبول الضمني بوثيقتي اللجنة التحضيرية، وخاصة منهما وثيقة العهد الوطني، التي تذكّر الاخوان المسلمون فجأة انه لا لزوم لها، بما أن هناك وثيقة «العهدة الوطنية» التي كانوا قد أصدروها قبل قرابة شهرين/ بعد هذه المقدمة، انهال النقد على «العهد»، وخاصة منه جملة «الدين لله والوطن للجميع»، التي كان مندوبهم في اللجنة قد وافق عليها، ولم تكن موضوع نقاش خاص أو حملة منظمة ضدها في اليوم الأول. من الطرائف أن أحد المتحدثين قال في نقده: إن الدين للمجتمع، وحين سألته خارج القاعة: هل يعني هذا أنه ليس لله، غضب أشد الغضب وكاد يضربني.

أخذ الاعتراض ينصبّ الآن على الوثيقتين ضمن رسالة مبطنة تقول: رأس اللجنة مقابل إقرارهما. إن وافقتم على اللجنة رفضناهما وجعلنا عملها بلا موضوع. والحقيقة انه كان هناك في القاعة أغلبية عددية من غير المجلس، رغم أنه وقع حديث عن نجاحه في تسريب خمسين شخصا من غير المدعوين إليه قبل ليلة من انعقاده، دون أن تعلن عن ذلك، وسط أجواء المؤتمرات التي لا يعرف الناس فيها بعضهم بعضا، ولا يستطيعون التمييز بين المدعوين وغيرهم، ويحضرها عادة أشخاص من خارج السياق. بهذه الأغلبية العددية، كان من الصعب رفض اللجنة، فصار رفض الوثيقتين السبيل إلى منع تشكيلها.

طرح بعض أعضاء وأصدقاء المجلس خلال عشاء عمل تم في نهاية اليوم الاول على مجموعة من ممثليه الرسميين وقادته فكرة اللجنة، فكان رد أحدهم ما سبق قوله حول فصل المجالين السياسي والتنظيمي، وقبول التعامل السياسي لا التنظيمي مع الآخرين، ورد الممثل غير الإسلامي بخطبة غاضبة تعلن التصميم على إحباط المؤامرة وتستخف بالمنبر الديموقراطي السوري وبأعداد المنضوين فيه ـ يبدو أنه نسي في زحمة حماسته وانفعاله أنه ينتمي إلى حزب لا يتجاوز عدد أعضائه مئات قليلة من الأشخاص - ثم تحدث أحد دهاقنة الإسلاميين فأتحف الحاضرين بمحاضرة عن ضرورة الإعداد المنهجي لخطواتهم المهمة، وعن أهمية الحوار في إنضاجها، وقال إن الإعداد والحوار هما اللذان أفضيا إلى إنهاء خصومات تاريخية مزمنة كالعداء بين ألمانيا وفرنسا، وأردف ان إقامته الطويلة في أوروبا علمته هذا الدرس. بعد نهاية حديثه رد الأستاذ هيثم المالح عليه وقال له: لقد دعوتكم مذ خرجت من سوريا إلى الحوار، لكنكم رفضتموه دوما، فهل لك أن تحدد لنا مدة زمنية نتحاور خلالها، كي نصحح ما اقترفتموه من أخطاء ونتفاهم على لغة ومواقف مشتركة تجمع مختلف أطراف المعارضة؟ طبعا: بقي السؤال بلا جواب.

وسط هذا الاستعصاء، الذي «كربج» أجواء اللقاء تماما ودفع بكل شيء إلى المجهول، قفز بعض الإخوة الأكراد إلى ساحة الصراع، وطرحوا مطالب لم يسبق لهم أن قالوا بها، فغدا واضحا أن المؤتمر سيفشل، وأن المعارضة لن تقر الوثيقتين وستخرج من اللقاء أشد اختلافا وانقساما مما كانت قبله. لكنني كنت على ثقة من أنهما ستقران، إن تم إحباط مشروع اللجنة، وهو ما حدث بالفعل، في اللحظة الأخيرة، بعد منتصف ليل اليوم الثاني بقليل، عندما كانت أعصاب الجميع على وشك الاحتراق. أعلن عن قبول الوثيقة الأولى الخاصة بالمرحلة الانتقالية، ففرح الحاضرون ووقف أحد الشباب يردد الهتاف الذي يقول: «الشعب السوري واحد»، فخرج بعض الكرد غاضبين من القاعة، ووقع هرج ومرج شديدان، ونقلت التلفازات المشاهد التي رآها العالم، وتخللتها صرخات غاضبة وشتائم وركلات. عندما سألت عن السبب، قال لي شخص مقرب من الذين تسببوا بالإشكال: السبب داخلي، فالإخوة الكرد كإخوتهم العرب: ليسوا متفقين ولا يريدون أن يتفقوا، ويحاول كل واحد منهم تسجيل نقاط على حساب غيره، عبر مزايدات من طابع قومي.

واليوم، وقد صارت الوثائق وراءنا، وبعد أن وزع حزب الاخوان المسلمين تحفظات جديدة عليهما تختلف عن تلك التي قالها ممثلوه خلال اللقاء، يصير من الضروري الوقوف بكل جدية ومسؤولية أمام مسألتين مهمتين تتصل كلتاهما بوضع المعارضة السورية التقليدية، التي جاءت من الأحزاب.

1- الاتفاق مع الإخوة الكرد على طبيعة المرحلة المقبلة، هل هي ديموقراطية أم قومية. يخرج السوريون من عصر فشل قوميا لأنه لم يكن ديموقراطيا، بل ومعاديا للديموقراطية، إلى عصر ديموقراطي، بينما يريد الإخوة الكرد أن تعدهم الديموقراطية بتلبية مطالبهم القومية المشروعة، وإلا وقفوا جانبا في النضال ضد الاستبداد أو خفضوا دورهم فيه أو صعدوا مطالبهم منه، رغم ما يمكن أن يصيبه من ضعف سياسي في الحالات الثلاث.

2- دمقرطة تنظيمات المعارضة وعلاقاتها وعملها. ليس من المعقول أن يدّعي أشخاص لم يسمع باسمهم أحد طيلة قرابة ثلاثين عاما، ولم ينتخبهم أحد حتى في إطارهم الخاص، أنهم ينفردون بتمثيل الشعب السوري، وأن مجال المعارضة السياسي لا يجوز أن يتسع لغيرهم، وأن على من يريد العمل في الشأن العام أن يلتحق بهم، بشروطهم، التي لم يستشيروا أحدا بشأنها في حينه ولا يعرفها أحد الى اليوم، بسبب طبيعة القلة الإسلامية أو المتأسلمة التي تمسك بالمكتب التنفيذي وتاليا بقراره، الذي تتوهم أنه قرار الوطن، وتريد أن يوافقها الآخرون على أوهامها، وإلا تم تخوينهم على الطريقة اتبعها خلال خمسة عقود حزب البعث، ويبدو أنها معتمدة في تعامل هؤلاء مع الآخر والمختلف، بدلالة مئات الشواهد التي قدمها للرأي العام أشخاص كانوا داخل المجلس، أشهرهم هيثم المالح ووليد البني وكمال اللبواني.

لا بد اليوم من طريقة لتطبيق مضمون الوثيقتين، ومن إيجاد مستوى تنظيمي يضم المجلس وغيره من المعارضة، سيكون ديموقراطيا بقدر ما يتخطى المحاصصات والعقليات التآمرية. ولا بد من أن يغير المجلس عقليته، ويتخلى عن غروره وأوهامه، أو أن يجد لنا طريقة ما من الطرق العبقرية التي تشبه الطريقة غير المسبوقة في أي عمل ثوري، والقائمة على فصل السياسة عن التنظيم في ثورة حوّلها النظام إلى حرب حقيقية كاملة الأبعاد. هذه االطريقة، سأقبلها دون تردد وسأفوض المجلس بتمثيلي وبالتحدث باسمي في كل ما يتعلق بها وبالمسائل المتفرعة عنها.

هل يحدث هذا؟ إذا كان حدوثه مستبعدا وقعنا في ما كنا ننتقد الجامعة العربية والأمم المتحدة بسببه: وضع وثائق لا يعرف أحد آليات تطبيقها، وليس لها حامل سياسي قادر على تنفيذها، وبالتالي وضع وثائق لا معنى لها ولا وظيفة. هل هذا ما يريده المجلس؟ لا أحد غير المجلس يستطيع الرد على هذا السؤال. فهل سيرد؟ أتمنى من كل قلبي أن يرد.

كاتب سياسي ـ سوريا

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سورية ومحيطها والتقسيم

السبت ٧ يوليو ٢٠١٢

مصطفى زين

الحياة

كل المناشدات التي أطلقتها المعارضة السورية للدول الغربية والعربية لإطاحة النظام عسكرياً على الطريقة الليبية (بعض المنظرين الغربيين استوحوا النموذج البوسني) لم تلق استجابة. الأسباب كثيرة، أهمها أن سورية بموقعها الإستراتيجي مختلفة كلياً عن ليبيا أو البوسنة، حدودها مفتوحة على العراق القابل للإنفجار من جديد، وهذا ما لا يريده الأميركيون، ومتداخلة مع لبنان المهيأ أكثر من أي وقت مضى للعودة إلى الحرب الأهلية (مسارها الجديد سيأخذ الطابع المذهبي). وعلى حدودها الأردن الذي يخشى انتقال المعركة إلى داخله وإعادة إحياء «خيار الوطن البديل» إذا عمّت الفوضى ودخلت إسرائيل طرفاً في إعادة رسم خريطة المنطقة، وهجر الفلسطينيون أو نزحوا طوعاً إليه. من هنا موقف عمان المرتبك وغير الواضح مما يدور لدى جارتها، على رغم بروز مؤشرات، خلال الأسبوعين الماضيين إلى حسم خيارها لمصلحة المعارضة.

وقبل هذا كله، سورية على الحدود الفلسطينية ولديها أرض محتلة، ولن تنتظر الدولة العبرية طويلاً، إذا سقط النظام، كي تضمن لنفسها مساحة في الترتيبات الجديدة، يساعدها في ذلك كثير من العوامل التي استجدت خلال السنوات القليلة الماضية، وواقع النزاع المذهبي في المنطقة، فضلاً عن هزيمة الدولة الممانعة وتحولها، مرة أخرى إذا سقط النظام، إلى «مكونات» تتنازع السلطة والنفوذ. وقد بدا ذلك واضحاً خلال مؤتمر القاهرة برعاية الجامعة العربية حين اختلفت «الأجنحة» المعارضة على الحصص، وانسحب الأكراد احتجاجاً على عدم الإعتراف بخصوصيتهم، واعلن أكثر من طرف معارضة البيان الختامي وعدم الإعتراف بشرعية المؤتمرين.

أما سورية النظام فغائبة عن مؤتمرات «اصدقائها» في اسطنبول وتونس والقاهرة وباريس، ولم تكن السبب في فشل كل هذه المؤتمرات. وغابت (غيبت) عن مؤتمر جنيف الذي حضرته الدول المعنية بالأزمة وغير المعنية، الصغيرة والكبيرة، المؤثرة وغير المؤثرة، والذي اتخذ قرارات لن تنفذ، على رغم كل ما قيل عن تغيير الموقفين الروسي والصيني.

أما الإصرار على اتخاذ قرارات في مجلس الأمن تحت الفصل السابع، أعني إصرار الجامعة العربية، فكمن يطلب المستحيل في ظل الإنقسام الدولي والصراع الحاد على الموقع الجيوـ استراتيجي لسورية بين الأعضاء الدائمين في المجلس، أو بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين وروسيا ومعهما دول «بريكس» من جهة أخرى. فالمطالبة بالبند السابع من دون اللجوء إلى القوة العسكرية، على ما جاء في بيان الجامعة، فمن قبيل الإعتراف بالعجز وتعويضه بالتصعيد الكلامي الذي لا يفيد المعارضة ولا يخيف النظام. قوة هذا البند في تهديده باستخدام السلاح.

تكمن نقطة الضعف الأساسية لدى المعارضة في عدم توحيد رؤيتها حول هدف أساسي للتمرد، غير إطاحة الأسد. وفي عدم وضوح استراتيجية الفصائل المعارضة، المتكاثرة كالفطر، لما بعد سقوط النظام. لا يكفي طرح شعارات الديموقراطية والحرية والتعددية، فعلى أهمية هذه الشعارات يبقى تطبيقها رهناً بديموقراطية المطالبين بها، وهذا ما لم يظهر في كل المؤتمرات التي عقدت. أهمية سورية بموقعها الجيوـ استراتيجي. وقد استخدم النظام الحالي، والأنظمة السابقة هذا الموقع، بنجاح أحياناً، في تكريس دمشق لاعباً أساسياً في محيطها، وفي الأطراف التي تعتبرها جزءاً من بلاد الشام. في لبنان، وفلسطين، والأردن. وفي المحيط المباشر، أي العراق.

الصراع الآن على هذا الموقع وليس على الديموقراطية، على أهميتها. فإما سورية الموحدة ذات الحضور الفاعل أو سورية الضعيفة المجزأة طائفياً وعرقياً، لكل دولة، صغيرة أو كبيرة، تأثيرها في توجهاتها.

خطر التقسيم والفوضى العارمة يخيم على سورية، وعلى محيطها أيضاً.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

كلام جنيف تمحوه باريس

سميح صعب

2012-07-07

النهار

بين مجموعة العمل حول سوريا في جنيف ومؤتمر "اصدقاء الشعب السوري" في باريس مسافة تساوي المسافة السياسية بين واشنطن وموسكو وصراع بين مفهومين مختلفين لحل الازمة السورية. فالغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً ماضيان في خيار تسليم السلطات في الشرق الاوسط الى الاسلام السياسي في نقيض لسياسة معتمدة منذ 60 عاماً كانت قائمة على دعم انظمة الحكم التي نشأت عقب مرحلة الاستعمار سواء العسكرية منها ام شبه العسكرية.

لم تمض ايام على صدور بيان جنيف في حضور روسيا والصين حتى أتى بيان باريس لمجموعة "اصدقاء الشعب السوري" ليقول بوضوح ما التبس في بيان جنيف ألا وهو ان المطلوب تغيير النظام في سوريا وليس تأليف حكومة تجمع النظام والمعارضة. وذهبت هيلاري كلينتون ابعد حين دعت الى تدفيع موسكو وبيجينغ ثمن عدم انضمامهما الى الغرب والعرب في العمل على تغيير النظام في سوريا. وهذه لغة جديدة تستعيد لغة الحرب الباردة.

في المقابل، رسمت روسيا رؤيتها للحل في سوريا واعلنت صراحة انها لن تدخل في لعبة تغيير الانظمة في الشرق الاوسط، خصوصا ان موسكو تخوفت منذ بداية ما يسمى بـ"الربيع العربي" من وصول الاسلام السياسي الى الحكم في دول الشرق الاوسط مع ما يعني ذلك من احتمال نشوء انظمة دينية متطرفة تتسبب بصراع طويل بين السنة والشيعة فضلاً عن المصير المجهول الذي ينتظر الاقليات وفي مقدمها المسيحيون. ناهيك بما يمكن ان تحمله الانظمة الاسلامية الناشئة في المنطقة من دفع للحركات الاسلامية المتشددة في جمهوريات آسيا الوسطى وحتى داخل روسيا.

من هنا لم يكن وقوف موسكو ضد تغيير النظام بالقوة في سوريا مبنياً على قراءة سياسية متسرعة تراعي المصالح القريبة المدى او مبنياً على فائدة المصالح المادية التي ترى انه يمكن تعويض ما يمكن ان تخسره موسكو من سوق السلاح السوري، وانما الثابت ان موقف الكرملين استند الى قراءة استراتيجية تجاوزت المنطق الاميركي البراغماتي حيال تطورات الشرق الاوسط.

ولئن انطلق المنطقان الاميركي والروسي من مفهومين متناقضين، ليس من السهل التوصل الى قواسم مشتركة حيال الازمة السورية. وربما مصدر الدهشة الاميركية ان واشنطن لم تكن تتوقع ان يتمسك الروس بمعارضتهم تغيير النظام في سوريا الى حد يمكن ان يعرّض العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا لخطر جدّي للمرة الاولى منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1991.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

انشقاق طلاس يضيء على وضع الجيش

روزانا بومنصف

2012-07-07

النهار

تكشف مصادر سياسية في بيروت ان المملكة العربية السعودية رفضت طلبا روسيا في الاونة الاخيرة من اجل زيارة يقوم بها وفد روسي الى المملكة للبحث في العلاقات الثنائية في مؤشر يتصل على الاغلب بالموقف الذي تعتمده روسيا من الازمة السورية وتناقضه مع الدول العربية التي ترغب في انهاء الازمة السورية برحيل النظام. وهذا الجانب من الانعكاسات المباشرة للموقف الروسي قد يكون من الاسباب التي ساهمت في بعض التحول في روسيا في اجتماع جنيف لجهة الموافقة على مرحلة انتقالية تنقض كل الخطوات الاصلاحية التي يقول الرئيس السوري انه اعتمدها خلال سنة ونصف من الازمة في سوريا. الا ان المصادر نفسها تعتقد ان روسيا قد تكون تلقت ضربة قوية بانشقاق العميد في الحرس الجمهوري مناف طلاس القريب من الاسد كما بالنسبة الى انشقاق طيار مع طائرته الى الاردن اخيرا. وهي ضربة توازي من حيث وقعها تلك التي وجهها هذا الانشقاق الى الرئيس السوري نفسه. اذ ان هذا الحادث يمكن ان يزيد الخشية من انشقاقات اضافية تربك الجيش النظامي الذي تعول روسيا على بقائه وتراهن على ذلك لا بل تعمل عليه كوسيلة من اجل استمرار مؤسسات النظام وعدم انهيارها. بحيث ان تسارع وتيرة هذه الانشقاقات قد يساهم في سحب اوراق بسرعة من يد روسيا في الوقت الذي تتساءل فيه جهات دولية ما اذا كانت روسيا يمكن ان تمون فعلا على الرئيس السوري من اجل تنحيه في حال اقتنعت روسيا بذلك مظهرة شكوكها ازاء هذا الامر من دون ان تكشف معلوماتها في هذا الاطار. لكن وفي ظل تسليط الضوء على اجتماع اصدقاء سوريا في باريس امس وتأكيد الدول الكبرى ضرورة تطبيق ما اتفق عليه في جنيف قبل اسبوع بين الدول الخمس الكبرى وبعض الدول الاقليمية المعنية بالازمة السورية، فان هناك جزءا يتعلق بممارسة روسيا ضغوطا على الاسد من اجل القبول باتفاق جنيف تماما مثلما طلبت روسيا من الدول الغربية ممارسة ضغوط على المعارضة من اجل القبول بالاتفاق نفسه. وقد مارست روسيا ضغوطا قبل اشهر على النظام من اجل القبول بخطة النقاط الست التي اقترحها كوفي انان وهو قبلها نتيجة هذا الضغط ليعود فينقضها بعد حين ويفرغها من مضمونها باقرار انان نفسه الذي حمل النظام اساسا مسؤولية فشل خطته. وقد يتبين في نهاية الامر وفق ما تقول هذه المصادر ان من مصلحة روسيا اقناع الاسد بالموافقة على اتفاق جنيف والتعامل معه بايجابية علما ان النظام السوري اصدر بيانا رحب به بهذا الاتفاق وعطف عليه وجود ملاحظات عليه، لكن المسألة تتعدى المواقف العلنية الشكلية او الاقوال الى الافعال خصوصا ان التجربة مع النظام السوري لا تتوقف على ما يعلن من مواقف بل على ما ينفذ منها. ولا يعتقد احد انه سيفعل اي تنفيذ الاتفاق لانه لن يقبل باي حكومة تنزع منه صلاحياته وتحصرها في الحكومة ولو كانت مشتركة بين السلطة والمعارضة. وتاليا فهو سيسعى الى كسب الوقت ليس الا.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أسسوا "المنطقة الآمنة" في تركيا أو الأردن

سركيس نعوم

2012-07-07

النهار

دعا السيناتور الجمهوري الاميركي جون ماكين، بعد لقائه رئيس "حزب القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع قبل يومين في معراب، الى "دعم الجيش السوري الحر بالأسلحة" والى "توفير منطقة آمنة له كي يتمكن من تنظيم شؤونه". طبعاً لا تُلزِم هذه الدعوة الإدارة الاميركية الديموقراطية. فهي لا تزال تتعاطى بكثير من الحذر مع الأزمة السورية بل الثورة السورية على نظام الرئيس بشار الاسد. ولا تزال ترفض رسمياً على الأقل تزويد الثوار الأسلحة اللازمة تلافياً لنشوب حرب أهلية ومذهبية داخل سوريا. ولا تزال ترفض القيام بعمل عسكري لاسقاط النظام المذكور، وتدعو في الوقت نفسه الى تنحّي بشار الاسد وسقوط نظامه. علماً انها تعرف ان ذلك من الصعوبة بمكان إذا لم تُشن حملة عسكرية نظامية ومنظمة على النظام المذكور. كما انها لا تزال تأمل في احتمالات عدة قد لا يكون حصولها سهلاً مثل تغيير من داخل النظام، او مثل انهيار جيش النظام بفعل توسّع حركة الانشقاق عنه وشمولها ابناء العصبية الاقوى التي يعتمد عليها الاسد وهي الطائفة العلوية.

لكن ذلك كله يجب ان لا يدفع لبنان وشعوبه الى الاطمئنان. ذلك ان الادارة الاميركية ورغم موقفها الرسمي السلبي تغضُّ النظر عن تزويد حلفائها العرب والاتراك ثوار سوريا السلاح اللازم، وعن تدريبهم المنشقين عن الجيش والمتطوعين في "الجيش الحر". وهذا يعني ان الادارة قد تغضُّ النظر ايضاً عن تحويل او بالأحرى عن محاولة تحويل شمال لبنان المتاخم لسوريا منطقة آمنة لـ"جيشها الحر" أي قاعدة عسكرية وتدريبية ولوجستية له، وفي الوقت نفسه مستشفى لافراده المصابين ومقراً للنازحين قسراً عن بيوتهم في سوريا. علماً ان بعض هذه الامور يحصل في الشمال المذكور، ولكن على نحو فوضوي وغير منظم حتى الآن وربما غير خطر، سواء بسبب أوضاع لبنان المتردية او بسبب غياب القرار النهائي عند الاسد من جهة وعند اعدائه العرب والمسلمين والدوليين. ومصلحة لبنان بل مصلحة شعوبه كلها رغم تفاقم العداء في ما بينها تقتضي رفض تحويل لبنان ساحة مكملة لساحة الثورة السورية والقمع الأسدي لها. إذ من شأن ذلك، وبسبب اصطفاف نصف اللبنانيين مع نظام الاسد ونصفهم الآخر مع الثائرين عليه، وقبل هذا بسبب عداواتهم التاريخية الضاربة عميقاً في التاريخ، تدمير البلاد على رؤوس الجميع. وهذا الموقف يجب ان يُبلِغه الجميع في لبنان الى اميركا "الديموقراطية" اليوم والتي قد تصبح "جمهورية" مطلع السنة المقبلة. وما أدراك ما الجمهوريين بالنسبة الى الاسد وحلفائه في المنطقة، والى حليفتها تركيا والى اشقائه في المنطقة. ويجب ايضاً ان يقولوا لها ان المنطقة الآمنة في لبنان و"للجيش السوري الحر" تعني نشوب حرب اهلية فيه، وتعني دخول جيش سوريا الى قسم من اراضيه من جديد، والى تدخل اسرائيل عسكرياً فيه. ذلك ان دولته تنحلّ ومؤسساته منقسمة فعلياً وعاجزة عملياً وشعوبه متناحرة على السلطة، في حين ان لدى اميركا خيارات اخرى مضمونة اكثر بالنسبة الى المنطقة الآمنة، اولها تركيا الدولة الكبرى صاحبة الجيش القوي والعضو في حلف شمال الاطلسي، وثانيها الاردن المتماسك اكثر من لبنان على الاقل وصاحب الجيش القوي والحماية الاميركية، وعند الضرورة الاسرائيلية.

طبعاً لا يعني ذلك اننا مع نظام الاسد، فنحن مع التغيير نحو الديموقراطية الحقة في سوريا وضد القمع الذي يمارسه على شعبه. ولا يعني اننا مع استمرار انفلات السلاح والمسلحين في لبنان وضد قيام الدولة الواحدة العادلة الديموقراطية القوية صاحبة السيادة على الأرض والشعب والمؤسسات. ولا يعني ايضاً اننا نتهم اميركا باستعدادها لاستعمال لبنان اذا احتاجت اليه في معركتها وحلفائها مع نظام الاسد. علماً ان مصالحها قد تدفعها الى ذلك ولا سيما عندما تثبت شعوب لبنان المتناحرة للمرة الالف ربما عجزها عن التفاهم، وعن بناء دولة، وديمومة ولاءاتها الى الطوائف والمذاهب و"الخارج" الحامي لها وإن على حساب الولاء للوطن وجاهزيتها للانتحار في سبيل "اجنداته" المتنوعة.

في اختصار اذا كان السيناتور ماكين يريد إنهاء مأساة شعب سوريا عليه بإقناع ادارته باعتماد الخيار العسكري المباشر، او بالتوصل مع سوريا الى حل لكل القضايا الخلافية بينها وبين اميركا. علماً ان معلومات قريبين من المحور السوري – الايراني تفيد ان اتفاقاً بين موسكو وواشنطن تمّ على مرحلة انتقالية من سنتين "يرحل" بعدها الاسد ويقوم نظام سوري جديد، وعلماً ايضاً ان "شائعات" تُرمَى في واشنطن عن بحث جديّ في اتفاق كهذا.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

في تقدير الموقف : في مجازر العصابات الأسدية .. عنان : ألا تعرف القاتل من هوية المقتول لعلها صعبة عليك !!! .. زهير سالم*

عدو الشعب السوري كوفي عنان يدين ( القتال الذي جرى في التريمسة ) !! كلام له معنى لا نجد وقتا للتعليق عليه ، إلا أن نقول إن هذا الرجل قد أسفر عن وجه قبيح . وجه قاتل سفاح مرد على التستر على مجرمي الحرب في كوسوفا وفي رواندا وفي العراق وهو اليوم يغرز أنيابه الزرق في جسم الشعب السوري بلا خجل ولا حياء ...

 

عدو الشعب السوري هذا يصف ما حدث في التريمسة بأنه ( قتال !!! ) . وهو قتال لأن بعض أبناء البلدة حاولوا أن يردوا عن أعراضهم وأعناقهم الدبابات الروسية والمدفعية الروسية والطائرات الروسية والقذائف الروسية بما يصل إلى يد الإنسان من عصا أوحجر .

 

لقد كانت نظرية عدو الشعب السوري كوفي عنان والتي تقدم بها صريحة إلى ما يسمى ( مجلس الأمن ) ، أن السلاح يجب أن يبقى في يد واحدة هي حكومة بشار الأسد ، لتذبح وتقتل كما يحلو لها . تذبح مرة ( براي حسين ) كما يصر على ذلك الإيرانيون الذين يتأبطهم كوفي عنان يسارا ، وتذبح أخرى ( براي مسيح ) كما يصر على ذلك المسئولون الروس بزعمائهم وأساقفتهم هنا وهناك وهنالك أيضا ، والذين يصر عدو الشعب السوري كوفي عنان أن يتأبطهم يمينا .

 

السؤال الأهم في السياق ... والذي يدفعنا إلى طرحه واقع دولي وإقليمي يصر على أن يسبح في فلك النظام الذي ما انفك يتحدث عن عصابات إرهابية سلفية وعن تنظيم للقاعدة إرهابي يفتك في أديم المسلمين السوريين . الأعجب والأغرب أن تنظيم القاعدة هذا لا يقتل غير المسلمين ، ولا يغتصب غير المسلمات ولا يهاجم غير قرى المسلمين ليذبح بالسكاكين أطفالهم . .. !!

 

والسؤال الأهم هو أي إرهابيين وأي سلفيين وأي تنظيم قاعدة هذا الذي يوفر الأمن والأمان والعيش الرغد للقرى العلوية وغير العلوية  المتاخمة للحولة ولكرم الزيتون وللتريمسة ويفتك بالقرى المسلمة وفي أجساد الأطفال المسلمين وفي أعراض النساء المسلمات في سورية ؟!

 

أي سلفيين هؤلاء ؟ أي تنظيم قاعدة هذا الذي يحاول أن يختبئ وراءه بشار الأسد والمروجون لمشروعه والمدافعون عنه والمتماهون معه مرة تحت شعار الخوف على الدولة ، وأخرى تحت شعار الخوف من الشعب السوري من ( أولاد الإسلام ) المتوحشين !!! كان نظنها ثقافة قد انقرضت فإذا بها ما تزال حية يرددونها على منابر الديمقراطية والديمقراطيين .

 

وهذا الكلام لتوضيح الحقائق وليس للتحريض على أحد . هذا الكلام لنقول لكل المجرمين الوالغين في دماء أبناء شعبنا ، ولكل المتواطئين معهم ... كفى فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وتجاوز الحزام الطبيين . كفى ولتكفوا جميعا أيها الطائفيون أيها المدافعون عنهم أيها المتسترون وراء جدرهم الواطئة عن دمائنا وعن أعراضنا ... كفوا فإن الذين يلعبون بالنار سيكونون أول من يحترق بها .

 

ولنؤكد أن الذين ينفذون هذه المجازر في سورية هم إرهابيو بشار الأسد الطائفيين . نكرر هم إرهابيو بشار الأسد الطائفيون . ولنساعد كوفي عنان على الفهم الذي لا يستطيعه فيما نظن . نقول له لتتعرف على حقيقة القاتل عليك أن تنظر إلى هوية المقتول . أظنها صعبة قليلا على رجل مثلك.

لندن في 13 / 7 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

مشكلة تركيا في سوريا

فايز سارة

السفير

7-7-2012

تحتل تركيا الحيّز الاكبر من فضاء الجوار السوري، اذ هي صاحبة أطول حدود بين البلدين، وهي التي تضم أعدادا كبيرة من عناصر سكانية لها امتداد في سوريا، ومنها تنبع أكبر مصادر المياه السورية الجارية، وهي أكثر بلدان الجوار التي لها علاقات اقتصادية وسياسية مميزة على مدار العقد الماضي. هذه ليست سوى مؤشرات في الواقع، ثمة صلات اخرى، لعل الابرز فيها طموحات تركية من أجل ان تكون سوريا بوابة علاقات تركيا في الشرق الاوسط.

ان أهمية سوريا بالنسبة لتركيا، كانت بين العوامل الدافعة لتحسن العلاقات التركية ـ السـورية، الامر الذي انعكس تعاوناً سياسياً وأمنياً في القضايا الثنائية والاقليمية، ومنها الموضوع الكردي بشقيه الثنائي والاقليمي، وفي الصراع العربي الاسرائيلي وتفرعاته الفلسطينية والسورية، وكذلك في تطوير العلاقات الثنائية، التي لم تشمل فقط المبادلات التجارية الطامحة بالوصول الى خمـسة مليــارات دولار سنوياً، بل ايضاً الى تبادل الاستثمارات، وتعاون في مجالات علمية وتقنية متعددة الجوانب، وهو ما أحدث انقلاباً في الطابع العام للعلاقات التركية ـ السورية المملوء بالشك والريبة والعلاقات المحدودة، ونقله الى مستوى أفضل من التعاون الواسع المتعدد المجالات.

غير ان المسار الايجابي لعلاقات تركيا مع جارها السوري تعرض لانكسار شديد في ضوء انطلاق حركة الاحتجاج والتظاهر التي بدأت في آذار (مارس) العام 2011، حيث طلب القادة الاتراك بعدها الى أقرانهم السوريين معالجة الوضع بالطرق السياسية بدل سياسة العنف والمعالجة الامنية ـ العسكرية للاوضاع الجديدة، وهو ما رفضه السوريون باعتباره تدخلاً غير مقبول في شؤونهم الداخلية، ومنه فتح المجال لنمو الخلاف وتصعيده من الجانبين، وخاصة من جانب الاتراك الذين اعتبروا ان ما تشهده سوريا أمر يهمهم، وانه سيكون له تأثيرات على أوضاعهم الراهنة والمستقبلية، وكلها اعتبارات مفهومة، وتستحق التوقف عندها.

وبالاستناد الى التقدير التركي بخطورة الوضع السوري على تركيا، فقد ذهب الاتراك الى تصعيد موقفهم وصولاً الى تبني سياسة تساعد في إسقاط النظام في سوريا، وصاغوا منظومة عملية وإجرائية تنسجم مع هذا التوجه، جاء في سياقها تقديم مساعدة للمعارضة، وخصوصا المنتمين الى الجماعات الاسلامية وأبرزهم الاخوان المسلمون، ودعم تشكيل المجلس الوطني السوري الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له، وفتح الابواب لاستقبال اللاجئين السوريين، بمن فيهم عسكريون انشقوا عن المؤسسة الامنية العسكرية السورية، وانخرطوا في الجيش السوري الحر الذي تقيم قيادته في تركيا. وتتهم السلطات السورية الاتراك بأنهم لا يوفرون الملاذ والممر الآمن للمعارضين السوريين المسلحين فقط، بل يساعدون في تدريبهم وتقديم الاسلحة والذخائر لهم، وهي أمور ساهمت في توترات عسكرية على حدود البلدين وصولاً الى عملية إسقاط الطائرة العسكرية التركية من جانب السوريين مؤخراً، وهو تطور جعل المواجهة السورية ـ التركية محتملة وممكنة نتيجة توافر عوامل سياسية وعسكرية دافعة.

لكن توافر العوامل السابقة، لا يكفي لقيام تركيا بدخول حرب مع سوريا، وأهم الاسباب في ذلك يكمن في علاقات وروابط أنقرة الدولية، التي يمكن أن تقدم تغطية ومؤازرة سياسية وعسكرية لتركيا نتيجة عضويتها في حلف شمال الاطلسي، اذ هي ملتزمة بالتشاور معه، وأقرب للالتزام بالقرارات التي يتخذها، ومن الواضح انه لا تتوافر إرادة لدى الحلف لدعم تركيا ومساندتها في حرب على سوريا، ولا لدخول الحلف في حرب على الاخيرة، وهو ما أكدته ردات فعل قيادة «الناتو» والدول الاعضاء فيه في أعقاب إسقاط القوات السورية الطائرة التركية.

ورغم ان من المستبعد دخول تركيا حرباً مع سوريا خارج دعم دولي وإقليمي من الحلف الاطلسي، أو بالاستناد الى قرار من مجلس الامن الدولي تحت البند السابع، فإنه لا يمكن الركون الى ذلك مطلقاً، بسبب حساسية الأوضاع على جانبي الحدود وتداخلها واحتمالاتها تطورها من جهة، ونتيجة إحساس العسكريين وعموم الاتراك بالإهانة التي لحقت بهم جراء ما قامت به السلطات السورية من انتهاكات عبر الحدود، والتي كان آخرها إسقاط الطائرة، وللسببين معاً، فإنه لا يمكن استبعاد حصول مواجهات عسكرية تركية - سورية في أي وقت، يمكن ان تكون بداية لحرب بين الجانبين خلافاً لمعظم التوقعات التي ظهرت في الآونة الاخيرة.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أول علامة على الاستياء الشديد بين كبار الضبّاط السنّة

ضربة موجعة للأسد: هروب العميد طلاس

تاريخ النشر: السبت 07 يوليو 2012

الاتحاد

أفادت وسائل إعلام سورية محسوبة على السلطة يوم الخميس الماضي بانشقاق ضابط كبير في الجيش السوري كان أحد المساعدين المقربين من عائلة الأسد، وفراره إلى تركيا، فيما يمكن اعتباره أول تصدع كبير في الدائرة الداخلية للنظام. وكان موقع "خطوات في الاتجاه الصحيح"، الموالي للحكومة، أول من نقل خبر انشقاق العميد مناف طلاس الذي يرأس قوة الحرس الجمهوري النخبوية في الجيش السوري، وهو ابن وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس.

ويبدو أن انضمام العميد مناف إلى صفوف المعارضة هو أول انشقاق لمسؤول كبير في الجيش السوري منذ اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد قبل أكثر من 15 شهراً. وسرعان ما تناقلت الخبر وسائل إعلام أخرى مثل الموقع الإلكتروني لصحيفة "طرطوس توداي" المساند للنظام، حيث نقل تقريراً نشرته شبكة الشام الإخبارية يقول إن طلاس اختفى من العاصمة السورية دمشق ولم يظهر له أي أثر أكثر من يومين، لكن الصحيفة امتنعت عن نشر تفاصيل إضافية عن الانشقاق نظراً لحساسية الموضوع.

وفي يوم الجمعة دخل على الخط دبلوماسي أميركي مجهول الهوية، أكد نبأ انشقاق الضابط السوري الكبير، حيث أخبر وكالتي "أسوشياتدبريس" و"رويترز"، نقلاً عن مصادر قريبة خبر وصول طلاس إلى تركيا يوم الخميس الماضي، وأنه في طريقه إلى فرنسا للالتحاق بوالده العميد السابق مصطفى طلاس حيث يعيش منذ فترة.

ومع أنه لم يتسنَ التأكد من صحة هذه التقارير الإخبارية التي تتحدث عن انشقاق أول ضابط مقرب من النظام، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي التي تديرها المعارضة، نقلت الخبر وتداولته فيما بينها على نطاق واسع، بل ذهب البعض إلى وضع صور تظهر الرئيس بشار يقف إلى جانب العميد المنشق في دلالة على العلاقة بينهما، وبالتالي جسامة الحدث الذي يضرب تماسك النظام في العمق حسب ناشطي المعارضة السورية.

ووفقاً للعقيد عارف حمود، المتحدث باسم "الجيش السوري الحر" في جنوب تركيا، واثنين من الضباط المتمردين داخل سوريا، فقد قام "الجيش السوري الحر" بمساعدة العميد مناف طلاس بالعبور إلى تركيا يوم الخميس المنصرم. وفيما تحفظ حمود على ذكر مكان وجود العميد المنشق، إلا أنه أكد عدم وجوده في معسكر خاص بالمنشقين السوريين في مدينة أنطاكيا التركية، ما يجعل مسألة انضمامه إلى المعارضة ومشاركته في عملياتها أمراً غير مؤكد. وقد سعت المواقع الإلكترونية التابعة للحكومة أو الموالية لها إلى التقليل من شأن هروب العميد مناف طلاس، قائلة إن ذلك لن يؤثر على الوضع في سوريا التي يواصل فيها النظام حملته العسكرية ضد معاقل المعارضة في محاولة لسحقها. بل إن موقع "طرطوس توداي" اتهم طلاس بالتعاون مع السفير الأميركي الذي غادر سوريا، روبرت فورد، قائلاً إن سوريا هي أفضل حالاً بدونه، وأضاف الموقع أن "الاستخبارات السورية كان بإمكانها احتجازه لو أرادت، لذا فإن قراره الانشقاق لن يؤثر علينا، كل ما هنالك أنه سيصبح عبئاً على كاهل الحثالة والخونة المختبئين في تركيا".

ونقل موقع "خطوات في الاتجاه الصحيح"، الموالي للحكومة، عن مسؤولين أمنيين قولهم: "الوضع في الميدان تحت السيطرة، ولا يوجد شيء يمكن أن يوقفنا عن استئصال الإرهابيين من البلد".

لكن يبدو أن الموقع اعترف من جهة أخرى بأهمية هروب ضابط بمستوى العميد مناف طلاس، مؤكداً أن "الخبر وقع كالصدمة على الشعب السوري الذي كان دائماً متأكداً من ولاء عائلة طلاس للأمة".

ويُذكر أن مصطفى طلاس، والد الضابط المنشق، كان أحد الضباط المقربين من الرئيس الراحل حافظ الأسد، وكان يعمل معه لسنوات طويلة كوزير للدفاع، ثم بعد ذلك ساعد في تمهيد الطريق أمام نجله بشار لخلافة والده.

لكن طلاس الأب غادر سوريا إلى باريس حيث ظل هناك منذ بداية اندلاع الاضطرابات في سوريا. هذا فيما يعيش أحد أبنائه في الخليج، بينما انضم ثالث إلى صفوف المعارضة ليقود إحدى أهم الكتائب المقاتلة في "الجيش السوري الحر" بالقرب من حمص، وهو ما يعني أن الانشقاق الأخير ليس مفاجئاً، كما يدعي الإعلام التابع للنظام. وفي حال تأكد هروب العميد مناف طلاس إلى تركيا ثم إلى باريس، فإن ذلك يمثل أول علامة على مدى الاستياء داخل صفوف العديد من كبار الضباط السنّة الذين ما زالوا يقفون إلى جانب النظام مع الضباط العلويين.

وفي هذا الصدد يقول "جوشوا لانديس"، الخبير في الشؤون السورية، إن العميد طلاس هُمش مؤخراً من قبل الضباط العلويين لأنه كان "يدافع عن سياسة التفاوض مع المعارضة وإبداء المرونة وتقديم تنازلات"، مضيفاً أنه "تم استبعاده على يد القيادة العسكرية، ومنذ ذلك الوقت وهو يبحث عن مخرج من سوريا. ولو تأكد فعلاً هروبه من سوريا، فسيكون ذلك ضربة موجعة للنظام".

وتأتي تلك التقارير حول انشقاق الضابط الكبير في الوقت الذي تواصل فيه القوات السورية شن حملة عسكرية بالطائرات المروحية على بلدة "خان شيخون" التي تعتبر جبهة مهمة في مساعي الحكومة لاستعادة أراض سيطر عليها المتمردون شمال المحافظة (إدلب). أما في دمشق التي اندلعت فيها أعمال عنف خلال الأسابيع الأخيرة لتمتد إلى قلب العاصمة، فقد قال رئيس البعثة الأممية إلى سوريا، الجنرال روبت مود، إن العنف وصل إلى "مستويات غير مسبوقة".

ليز سلاي

أنطاكيا، تركيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

التدخل العسكري في سوريا!

تاريخ النشر: السبت 07 يوليو 2012

الاتحاد

المؤتمر الدولي الذي عقد في جنيف الأسبوع الماضي بهدف التوصل إلى اتفاق حول طريق لحل الأزمة والعنف المتصاعد في سوريا، أفرز مقترحات فضفاضة حول حكومة انتقالية من غير المرجح أن تحقق أي شيء. ورغم هذا الإخفاق، وتقارير جديدة لمنظمة "هيومان رايتس ووتش" حول تعذيب ممنهج للمعارضين من قبل نظام الأسد، والدعوات المستمرة إلى التدخل من قبل كثير من النشطاء، ومن ذلك الجيش السوري الحر، فإنه من غير المحتمل أن يكون ثمة أي تدخل أجنبي مسلح في سوريا على شاكلة ما حدث في ليبيا.

فالوضع التكتيكي في ليبيا جعل التدخل سهلاً نسبياً: ذلك أن كل ما كان مطلوباً من أجل تجنب مذابح للمدنيين في بنغازي هو التصدي لقوات القذافي على طريق واحد نحو شرق البلاد بمحاذاة ساحل الأبيض المتوسط يفضي إلى تلك المدينة. وهو ما تم القيام به فعلاً، فأنقذت الأرواح. والحال أن مثل هذا الوضع غير موجود في سوريا، حيث سيتعين على الطائرات والصواريخ أن تهاجم تشكيلات للجنود تحيط بعدة مدن وبلدات إضافة إلى تحديد مواقع قواعد الميليشيات المدعومة من الحكومة والتي تعد أقل وضوحاً.

ثم إنه إذا كان النظام الليبي السابق غير شعبي لدى الجميع تقريباً في العالم العربي والغرب، فإن سوريا بشار الأسد هي آخر حليف متبق لروسيا في المنطقة، وأهم حليف لإيران.

عدد من الاتفاقيات الدولية الموقعة منذ عام 1945 قد يبدو أنها تمنح الشرعية لتدخل أجنبي، وبخاصة لمحاولات منح مساعدة فعلية للضحايا الذين يهاجَمون من قبل الحكومة السورية وميليشياتها. فالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يرخص لمجلس الأمن الدولي أن يتخذ عن طريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. وقد أشار وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيس، إلى هذا الفصل في الثالث عشر من يونيو الماضي عندما قال إن فرنسا ستدفع مجلس الأمن الدولي إلى تطبيق خطة كوفي عنان للسلام ووقف إطلاق النار. غير أن الفيتو الروسي المحتمل في مجلس الأمن يجعل من تبني مثل هذا الحل أمراً مستبعداً.

ليُترك بذلك دعاة التدخل أمام خيار "كوسوفو" فقط: عمل لحلف "الناتو" مستقل عن الأمم المتحدة. والحال أنه حتى في أزمة كوسوفو، فإن الهزيمة الصربية اعتمدت على سحب روسيا أخيراً دعمها لميلوسوفيتش بقدر ما اعتمدت على حملة القصف الجوي التي قام بها الناتو.

كما أن اتفاقية حظر الإبادة الجماعية لعام 1948، والتي وقعت من قبل كل البلدان تقريباً، لم تمنع أي إبادة جماعية من الوقوع، سواء في كمبوديا أو جواتيمالا أو رواندا أو السودان. وفي جميع الأحوال، فإن المستشارين السياسيين قد يقولون إن هذه الاتفاقية لا تنسحب على سوريا وذلك باعتبار أن المستهدَفين من قبل النظام لا يستوفون معايير الاتفاقية: فهم ليسوا "مجموعة وطنية أو إثنية أو عرقية أو دينية"، وإنما خصوم سياسيون "فقط"، وهم فئة غير واردة في الاتفاقية.

ولعل ما ينسحب على الحالة السورية أكثر هو قرار "مسؤولية توفير الحماية" الذي تم تمريره بالإجماع في الأمم المتحدة عام 2005، والذي يعترف بمسؤولية كل الحكومات في حماية مواطني أي بلد آخر يتعرضون لهجوم من قبل حكومتهم. غير أن قرار "مسؤولية توفير الحماية" يترك عدة سبل للدول للتهرب من الاضطرار للتدخل على نحو فعال، تَهربٌ تبين أنه الخيار المفضل في حالات مثل السودان.

وقد منع الأسد بنجاح الصحافة الدولية من دخول البلاد وتسبب في فشل مهمة المراقبين الأمميين من خلال قيود وحماية غير كافية بشكل متعمد. ولم يستطع مديرو وسائل التواصل الاجتماعي الهواة التعويض عن مثل هذه العرقلة على نحو فعال. كما أن زعماء العالم ربما يكونون مترددين في خلق سياسة تدخل بناءً على قتل أطفال، مثلاً، بينما لا تُعرَف فيه بشكل واضح الجهة التي ارتكبت أعمال القتل تلك. وربما يكونون قد تعلموا درساً من الأطفال الرضع الذين قيل إنهم قُتلوا في الكويت عام 1990 على أيدي جنود صدام حسين، وفق شهادة لدبلوماسيين في الكونجرس، وعندما حاول المحققون تأكيد هذه القصص بعد طرد العراق من الكويت عام 1991، تبين أنها قصص مفبركة.

ورغم خطابها المندد بالنظام السوري، فثمة أيضاً سبب للشك في أن واشنطن ترغب حقاً في سقوط الأسد، وذلك لأن نظامه هو "الشيطان الذي نعرفه"، وهو شيطان لديه نقاط ضعف مثبتة: طرده من لبنان، وهزائمه أمام إسرائيل. وعلاوة على ذلك، فإنه يمتلك جيشاً محترفاً ووفياً في معظمه، وقاعدة دعم سياسي محددة ووفية في معظمها في خمُس السكان: الأقليتان العلوية والمسيحية. وبالمقابل، فإن "الجيش السوري الحر" وخصوماً آخرين للأسد هم أقل حرفية وتوحداً بكثير، ولديهم قاعدة دعم سياسي أكثر تقلباً، وهي من الأغلبية السنية في البلاد.

وعليه، فالأرجح أن تقييماً للسياسة الأميركية والدولية تجاه التدخل في الحالتين الليبية والسورية لن يجدي شيئاً لزعزعة ثقة الحكومة السورية في قدرتها على الاستمرار وسط أسوء وأقسى أنواع القمع. والشعب السوري نفسه، وبشجاعة مستمرة تدفع عدداً متزايداً وإن كان لا يزال صغيراً من الضباط السوريين إلى التخلي عن النظام، هو الوحيد الذي سيُقنع الأسد بأن الوقت قد حان لاختيار طريق أقل دموية.

جون هابل ويس

كاتب وأكاديمي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سورية.. والفرصة الأخيرة

المصدر: صحيفة «إيزفيستيا» الروسية

التاريخ: 07 يوليو 2012

البيان

وقع وزراء خارجية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأوروبي والعراق وقطر والكويت وتركيا، في جنيف خطة جديدة لإنقاذ سورية.

وهذه هي الفرصة الأخيرة أمام نظام بشار الأسد. وإذا لم تطبق هذه الخطة فسيكون السيناريو الليبي بانتظار سورية. لقد تبين أن التوصل إلى الاتفاق لم يكن أمراً يسيراً، فكل بلد يسعى نحو مصالحه الخاصة، وسورية ليست إلا أداة لتحقيق هذه المصالح. تعتبر الوثيقة الجديدة التي وقعت في جنيف نسخة معدلة بعض الشيء عن «خطة عنان» التي أقرت في آذار/ مارس الماضي.

لقد جاءت التعديلات الرئيسية باقتراح من الجانب الروسي، وبناء على ذلك اعلن الصحفيون الغربيون فوراً أن البيان الذي أقر في الاجتماع يعد «انتصاراً دبلوماسياً لروسيا». ويتلخص إنجاز دبلوماسية موسكو الرئيسي بالتوصل إلى بيان في جنيف ينص على وقف إطلاق النار من قبل الجانبين المتحاربين كليهما، بدلاً من توجيه هذا الطلب إلى نظام الأسد أولا، كما كان يجري سابقاً.

وتجدر الملاحظة إلى ان الذين سيقومون بإقناع أطراف النزاع هم «الرعاة»، فالغرب مثلاً يدعم المعارضة السورية في الخارج، ولذلك يجب أن يقنعها بقبول التفاوض. أما بلدان الخليج فسوف تتكفل بالمعارضة المسلحة داخل سورية، بينما روسيا والصين ستتفاوضان مع الأسد.

أما منسق العملية كلها فهو كوفي عنان. تقرر في جنيف أيضا أنه لا يحق لأحد أن يملي على السوريين كيف يجب أن يكون نظام حكمهم. وعلى السوريين أنفسهم أن يقرروا إبقاء الأسد أو انتخاب شخص من أنصار القيم الديمقراطية. وهذا الشرط أيضاً من إنجازات روسيا. إن الخطوات الملموسة لاستعادة السلم في سورية تبدو على النحو التالي: بعد أن تتوقف العمليات الحربية ينبغي على السوريين تشكيل «حكومة انتقالية» تتمتع بصلاحيات السلطة التنفيذية.

ويمكن أن يشارك فيها أعضاء من الحكومة الحالية، وكذلك ممثلو جميع الأحزاب والمجموعات المعارضة. وبعد ذلك مباشرة يجب أن تبدأ المرحلة الانتقالية على أن ينظم خلالها استفتاء عام أو شيء من هذا القبيل كأساس لإعادة النظر بالدستور ومنظومة القضاء. وبعد ذلك تجرى انتخابات «حرة ونزيهة تعددية».

اما السؤال المطروح فهو: إلى اي حد يمكن أن يطبق عمليا ما اقترحه الدبلوماسيون في جنيف؟ إن البند الأول المتعلق بوقف إطلاق نار متزامن من قبل جميع الأطراف وسحب القوات الحكومية من المدن، هو الذي يثير أكبر قدر من الشكوك، فحتى لو قام كل «راع من الرعاة» بالضغط على «رعيته» فما هو الضمان أنهم سيصغون له؟ لقد تشكل في سورية خلال الأشهر الأخيرة العديد من المجموعات المسلحة على رأس كل منها قائد ميداني مستقل. ومن المرجح أن هؤلاء لن تستهويهم جميعا العودة إلى الحياة السلمية. وإذا لم تتمكن أطراف النزاع السوري الداخلي من الاتفاق هذه المرة فعندئذ سيدخل جنود الناتو هذا البلد، ولن يلوم السوريون إلا أنفسهم.

مثل هذا الاحتمال وارد جدا، ولم يكن من قبيل الصدف أن أعلن وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ أن سورية إن لم تقبل الخطة الحالية فقد تفرض عليها عقوبات معينة، طبعا إذا وافقت على هذه العقوبات كل من روسيا والصين.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سوريا .. أزمة نظام أم أزمة بديل؟

أ. نجيب الخنيزي

عكاظ

7-7-2012

بات جليا بأن المرتكزات الأساسية للنظام السوري، وفي جوانبها وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والأخلاقية، أخذة بالتداعي، على الرغم من كل الإجراءات القمعية والمجازر التي ارتكبتها قواته وشبيحته، والتي خلفت وفقا لمصادر حقوقية سورية ودولية مستقلة وآخرها تقرير هيومن رايتس ووتش، أكثر من 16 ألفا من القتلى بينهم أكثر من 11 ألف مدني، إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين، ومئات الآلاف من المهجرين في داخل وخارج سوريا. الجدير بالذكر أنه قبيل اندلاع الانتفاضة السورية في 15 مارس 2011م، وعلى غرار العديد من الزعماء العرب المطاح بهم، استبعد بشار الأسد في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في 31 يناير 2011م تكرار سيناريو تونس ومصر، وبرر ذلك بقوله إن سوريا في وضع أفضل من مصر، لأنها لا تقيم علاقات مع إسرائيل. كما استبعد الأسد تبني إصلاحات سريعة وجذرية، معللا ذلك بحاجة بلاده إلى «بناء المؤسسات» وتحسين التعليم قبل انفتاح النظام السياسي، وحذر من أن المطالب بالإصلاحات السياسية السريعة قد يكون لها ردة فعل سلبية «في حال لم تكن المجتمعات العربية جاهزة لها». كما هو معروف بأن الرئيس بشار الأسد خلف والده حافظ الأسد إثر وفاته في عام 2000، بعد أن تجاوز العقبة الدستورية المتعلقة بعمر الرئيس (40 سنة) من خلال تعديل تلك المادة الدستورية بشكل سريع من قبل مجلس الشعب، وتم تخفيض السن إلى 38 سنة وهو ما يناسب عمر بشار الأسد. استهل بشار الأسد حكمه بوعود إصلاحية كثيرة في ما سمي مجازا (ربيع سوريا)، وقد استبشر بها الشعب السوري ونخبه السياسية والثقافية، غير أنه تبين بعد فترة وجيزة بأن تلك الوعود الإصلاحية مجرد سراب، ولذر الرماد في العيون من أجل تثبيت وترسيخ سيطرته المطلقة وحكمه الفردي، بمعاونة بطانته الفاسدة التي تضم حفنة من المقربين والمنتفعين التي حولت سوريا وخيراتها بمثابة مزرعة لها من خلال أنشطتها وممارساتها المافيوية المسنودة بجهاز أمني/ مخابراتي قوي لا يرحم، وذلك على حساب مصالح الأغلبية الساحقة من الشعب، وخصوصا عبر ما سمي بالانفتاح الاقتصادي منذ أواسط العقد الماضي. ووفقا للمعطيات الإحصائية فإن أكثر من 50 % من السكان دون خط الفقر، ونسبة العاطلين من العمل تصل إلى 30 %، لذا ليس غريبا أن تكون شرارة الانتفاضة في المناطق والمدن الأكثر تهميشا وفقرا، مثل درعا وحمص وأدلب وحماة. اعتقد الأسد الابن بأن في مقدوره محاكاة أسلوب الأسد الأب، في إنهاء وقمع الاحتجاجات عن طريق القمع والعنف الأعمى كما حصل في السابق، متناسيا المثل القائل «بقاء الحال من المحال» وبأن اليوم غير البارحة، والأساليب التي نجحت في السابق، من مناورة وشعارات الصمود والتصدي ومواجهة إسرائيل وحماتها، للتغطية على الجرائم، ضمن ظروف وأوضاع داخلية وإقليمية ودولية والتي كانت مواتية في مرحلة الحرب الباردة لم تعد موجودة (بالرغم من الموقف الروسي والصيني والإيراني الداعم) بصورتها السابقة، كما أن ثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، تجعل من العسير إخفاء الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري أمام أنظار الرأي العام العالمي. النظام السوري في أزمة جدية وهو أمر مؤكد، ومن تجليات أزمته المستفحلة هروبه الى الأمام، والحديث الممجوج عن خطوات الإصلاح بهدف كسب الوقت، والذي لم يعد يقنع حتى حلفاءه في الداخل والخارج، وقبل كل شيء توسيع وتعميم خياره القمعي والأمني كحل وحيد للخروج من أزمته، والذي يصل إلى مستوى جرائم الحرب ضد المدنيين العزل.. لدى التطرق إلى التعقيدات التي تمر بها الثورة السورية، يتعين ملاحظة وجود قاعدة شعبية مهمة لاتزال مؤيدة للنظام، أو مترددة في مواجهته، من منطلق مصالحها المباشرة، إلى جانب تأثير الممارسات القمعية والوحشية للأجهزة الأمنية والعسكرية والشبيحة، التي منعت مدنا مهمة من المشاركة بقوة في الحراك الثوري حتى الآن مثل دمشق وحلب، كما لا يمكن إغفال وجود تداخلات إقليمية (إيران) ودولية (روسيا والصين) لاتزال مؤيدة للنظام السوري، غير أن كل ذلك عرضة للتغيير والتبدل التي تمليها المصالح. الأزمة المستفحلة تطال النظام في الصميم، وفي مفاصله الأساسية، وستطال شبكة علاقاته الإقليمية والدولية طال الوقت أم قصر، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أزمة البديل التي تعبر عنها المعارضة السورية المشتتة والمنقسمة على نفسها

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

لافروف: رحيل الأسد.. ليس دعابة

فهيم الحامد

عكاظ

7-7-2012

قبل أيام وفي إحدى إطلالات صديق النظام السوري وزير الخارجية الروسي لافروف الإعلامية قال «إن دولا طلبت من موسكو (في إشارة لألمانيا) منح حق اللجوء السياسي لبشار الأسد»، وهو ما اعتبرته «دعابة». حيث رد لافروف على نظيره الألماني فيسترفيله في مؤتمر صحافي «لقد اعتقدنا أنها دعابة، ورددنا عليها بدعابة: ما رأيكم، أنتم الألمان، أن تأخذوا الأسد بدلا منا».

ويبدو أن الرد على تصريحات لافروف جاء سريعا وبشكل جماعي وصادما. عندما تبنى مؤتمر أصدقاء سورية في باريس أمس في بيانه الختامي الذي صادقت عليه أكثر من مائة دولة غربية وعربية بوضوح وبشفافية إلى ضرورة «رحيل» بشار الأسد، وليس إعطائه حق اللجوء السياسي، بل إن أصدقاء سورية ذهبوا إلى خطوة متقدمة نوعية تؤكد ضرورة استخدام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ضد النظام.

إن ثورة الكرامة التي انطلقت منذ أكثر من سنة ضد نظام الاستبداد وصلت ذروتها، بل هي في نهايتها لاستئصال النظام السرطاني الأسدي. لقد أرسل مؤتمر باريس أقوى رسالة ليس فقط إلى بشار وإنما إلى روسيا، إن رحيل الأسد لم يعد دعابة على الإطلاق، وإنما هو مطلب للمجتمع الدولي. إذ حان الوقت لوضع حد لبربرية النظام الأسدي الجائر الذي اختار الطريق الدموي، وعليه أن يتحمل ثمن الدماء التي سالت في سورية، والمضي نحو تنفيذ بنود مؤتمر جنيف.

كما حان الوقت لاستصدار قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الأزمة في سورية، وعزل النظام الذي أصبح من الواضح أنه يترنح خاصة بعد انشقاق أحد القيادات المهمة في المؤسسة العسكرية وهو العميد مناف طلاس، نجل وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس الذي خدم لفترة طويلة في عهد الرئيس حافظ الأسد، حيث اعتبر انشقاق طلاس التطور الأهم منذ بدء حركة الاحتجاجات في منتصف مارس 2011. ومن المؤكد أن لدى طلاس معلومات نوعية واستراتيجية حول وضع الجيش السوري يمكن أن يستفيد منها الجميع وليس الجيش الحر فقط.

والذي نأمله أخيرا أن تستمع روسيا والصين لصوت الحكمة والعقل، والعودة إلى الإجماع الدولي، وعدم الرهان على نظام زائل عاجلا أم آجلا . وفي نفس الوقت تنفيذ قرارات مؤتمر باريس لكي لا يصبح البيان الختامي حبرا على ورق، والحفاظ على الشعب السوري الذي يتعرض حاليا لحرب إبادة من النظام.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سوريا ثورة قيَم

عبدالله بن بخيت

الرياض

7-7-2012

تقترب تنبؤاتي حول القضية السورية من صحتها. مئة ألف قتيل قبل أن نصل إلى نهاية نظام الطاغية. لكن علينا ان ندرك دائما أن كل قطرة دم لها قيمتها. تصارعت أوروبا على مدى التاريخ. أزهقت دماء كثيرة لكن ما حدث في الحرب العالمية الثانية لن يتكرر إلا إذا كان هدف الحرب القادمة زوال أوروبا من الوجود. اربعون مليون قتيل. دمار شبه كامل. شلل اقتصادي. أوبئة أمراض إلخ. لم تدفع أوروبا هذا الثمن المريع من أجل إسقاط طاغية فقط. أوروبا ما بعد الحرب لم تعد هي اوروبا ما قبل الحرب. جوهر الإنسان الأوروبي تغيّر. قطع صلاته مع الماضي. صار لم يعد له وجهة سوى المستقبل.

السوريون يقدمون ضحايا. الموت في سوريا لا يميز بين الأبرياء والمقاتلين، بين الأطفال والشباب. صار كاسحا. يؤكد هذا أن العودة إلى البداية أضحت مستحيلة. لم يعد أمام الشعب السوري إلا مزيد من التضحية. عبروا اكثر من نصف الطريق. ضفة النصر صارت أقرب من ضفة الاستسلام. يتوقع البعض والآخر يتمنى أن تشتعل حرب أهلية في سوريا. أطمئن هؤلاء أن سوريا ليست افغانستان أو لبنان. طبيعة الثقافة السورية مختلطة: أديان وأعراق وثقافات. اعتادوا العيش معا آلاف السنين. من يظن أن حربا أهلية ستندلع في سوريا أو طائفة سوف تنقض على اخرى يعيش تحت ظلال الوهم. ما عجزت عنه فرنسا لن يستطيعه الأسد أو الطائفيون من الطرف الآخر. بذلت فرنسا كل الجهود لتقسيم سوريا إلى دولة طوائف واخفقت. لن يقتطع الأسد دويلة يحكمها هو وعائلته ولن تفلح جهود المتطلعين الثيوقراطيين من انجاز هذا المشروع. سوريا القادمة دولة مدنية، يحكمها دستور يتيح لكل الطوائف حق العيش الإنساني الكريم مع احترام حق التصويت. تجربة تركيا وتجربة مصر ماثلتان للعيان. بلوغ الأحزاب الإسلامية الحكم عن طريق الاقتراع والاحتكام للشعب يعني زوال الفكر الثيوقراطي (الدولة الدينية).

رئيس مصر الإخواني أعلن بكلام لا لبس فيه أن مصر دولة مدنية وأن جميع أبناء مصر مواطنون. وسبقه إلى ذلك رئيس حزب النهضة التونسي. بعض المراقبين يتملكه الخوف من أن يختطف الإخوان المسلمون الحكم في سوريا وتتكرر مأساة الشعب الإيراني. ما الذي يجعل الإخوان المسلمون في سوريا مختلفين عن إخوانيهم في الدول العربية الأخرى. الأهداف واحدة والتراث واحد والتطلعات مشتركة. يستحيل انتاج الثقافة الإيرانية في سوريا. التجربة الإيرانية فريدة من نوعها في الثقافة الإسلامية. تنظيم رجال الدين الإيرانيين ثيوقراطي بالأساس. محكوم بهرمية لا تختلف من حيث الفكرة عن هرمية الكنيسة في العصور الوسطى، تتميز باستقلالية مالية ودرجات دينية ولا تملك حسا دنيويا يربطها بالعصر. الإخوان المسلمون في العالم العربي سياسيون بغلالة دينية تحضر وتغيب عند اللزوم. يستعيرون الدين وقت الحاجة، والشعب السوري شعب ليبرالي بطبيعته أو أميل إلى الليبرالية من بقية الشعب العربي. يملك عمقا ثقافيا أسهم في بناء الحداثة العربية. رغم كل شروط الدكتاتورية وقهرها حافظ المثقف السوري على دوره الريادي في صناعة الوعي والإبداع والفن في العالم العربي. إذا تحررت سوريا سيتحرر الفكر العربي على المستوى النوعي. العرب قادمون على ازدهار ثقافي وحريات تمهد للثورة القيمية.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أنان يهاجم الخليجيين ويدافع عن الروس!

الشرق الاوسط

عبد الرحمن الراشد

7-9-2012

منذ تسميته مبعوثا دوليا ظننت أنني تعجلت بالتحذير منه. زعمت حينها أن كوفي أنان شخصية جيء بها لإطالة أمد النظام. قلت إنها فصل هزلي آخر في مسرحية الجامعة العربية والأمم المتحدة. كوفي أنان كان أمينا عاما للأمم المتحدة وخرج منها بفضيحة اتهام ابنه في قضية المتاجرة بعقود النفط مقابل الغذاء في زمن العقوبات الاقتصادية على نظام عراق صدام. وبعد أشهر ثلاثة من الفشل، والمزيد من الدم، اتضح أن أنان بالفعل دمية جيء بها لصالح المجموعة التي تريد شق الصف الدولي، وإنقاذ نظام الأسد بإطفاء الثورة السورية.

الآن، طفح الكيل من هذا المندوب حتى خرج وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد عن هدوئه وانتقد أنان على الملأ قائلا: إنه أمر معيب أن المكلف بمهمة المبعوث الأممي في سوريا، لا يحضر مؤتمرا عن سوريا فيه نحو نصف ممثلي حكومات العالم!

بعدها رد أنان على الشيخ عبد الله في حديث لصحيفة الـ«لوموند» كشف فيه بوضوح عن ميوله.. اتهم صراحة دول الخليج، ويعني السعودية والإمارات وقطر. قال «القليل يقال عن الدول الأخرى (يقصد الخليجية) التي ترسل السلاح والمال ولها وزن على الأرض»! يعني أنها من تسلح الثوار. طبعا، أنان يتجاهل أنه لم يطبق أهم بنود مبادرته، ولم يطلب معاقبة النظام السوري التي تقضي بوقف عملياته العسكرية وسحب آلياته من المدن، ثم يطلب من العالم ترك الناس يذبحون!

ويستغفل أنان العالم محتجا في مقابلته على التركيز في النقد على روسيا.. يقول: «التركيز على روسيا يزعج الروس كثيرا.. ما يفاجئني أن الكثير من التعليقات تركز على روسيا، فيما تذكر إيران بدرجة أقل»! إن تخصيص روسيا بالنقد فلأنها عضو دائم في مجلس الأمن، أما إيران فلا قيمة لها في مسار القرارات الدولية. ولولا روسيا - لأن الصين لن تعارض - لكان التدخل الدولي حتميا منذ الصيف الماضي لوقف الإبادة من قبل قوات النظام. بسبب روسيا، وليس إيران، المأساة مستمرة في سوريا حيث قتل آلاف الأبرياء ويشرد الآن مليون ونصف المليون إنسان سوري.

ثم يطالب أنان بإدخال إيران إلى طاولة التفاوض حول مستقبل سوريا، هذا مقبول لو كان الهدف إقناع نظام الأسد بإجراء إصلاحات، لكننا تجاوزنا هذه المرحلة وبات الحل الوحيد التوجه نحو حل سلمي ينهي النظام الحالي بأقل قدر من الضرر، وهذا أمر لن تلعب فيه إيران دورا إيجابيا. وربما يكون لها دور مستقبلي إن أثبتت حسن تصرفها لاحقا بالتعاون مع النظام البديل.

ثم يتبنى أنان موقف روسيا في مساندتها رفض التدخل لوقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الأسد، حيث يقول إنه تم خداع روسيا والصين في ليبيا بتبني مبدأ «مسؤولية الحماية» للمدنيين وتحول إلى عملية لتغيير نظام القذافي. وتناسى أنان الظروف المحيطة بالقرار الدولي، فقوات القذافي كانت فعلا تقوم حينها بعمليات تشابه ما تفعله قوات الأسد اليوم، من قتل وتدمير وتشريد لمئات الآلاف من الناس. وبالتالي لم يكن القذافي جالسا في بلد آمن، بل كانت ليبيا في حمام دم لا بد من إيقافه حماية للمدنيين، ولولا قرار مجلس الأمن تلك الليلة لكانت قوات القذافي قد دمرت مدينة بنغازي المحاصرة.. هذه حقيقة وليست حيلة.

إن التدخل الدولي في سوريا بات ضرورة لحماية الشعب السوري، وضرورة لحماية المنطقة، واستباقا لوقف تفكيك تلك المنطقة إلى دويلات، ومنعا لظهور جماعات إرهابية في فراغ انهيار نظام الأسد.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

بشار الأسد وشعب سوريا

الشرق الاوسط

عطا الله مهاجراني

7-9-2012

أجرت الصحيفة التركية «جمهورييت» مؤخرا مقابلة مع الرئيس بشار الأسد، التي فسر فيها الأوضاع الحالية في سوريا من وجهة نظره الخاصة. بداية، كان أمرا لا يمكن تصديقه بالنسبة لرئيس مثل بشار الأسد، أن يتحدث أحد أنصاره في البرلمان السوري زاعما أن سوريا والمنطقة لا تكفيان بشار، وأنه يجب أن يحكم العالم بأسره! وجعلني هذا أسترجع مقولة شهيرة لنابليون بونابرت. قال بونابرت إن كل شخص يمكنه ترويض زوجته، فهو قادر على ترويض دولة بأكملها، لكن كل شخص بإمكانه إدارة شؤون نفسه، بإمكانه إدارة شؤون العالم أجمع!

من الواضح جدا أن بشار عاجز عن إدارة سوريا. وهو يدعي أن السواد الأعظم من المتظاهرين قد خرجوا إلى الشوارع لأجل المال! يقول: «المخطط ضد سوريا مر بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى هي مرحلة المظاهرات.. جزء كبير من هذه المظاهرات كان مدفوعا.. في بداية الأزمة كان سعر المتظاهر عشرة دولارات.. الآن أصبح 50 دولارا أو مائة دولار حسب المنطقة ولكن كانوا يتوقعون أن يكون هناك فعلا ثورة حقيقية من خلال المظاهرات وثورة سلمية، كما حصل في مصر وتونس، حتى شهر رمضان الماضي فشلوا في تلك المرحلة.. انتقلوا بعدها لخلق مناطق في سوريا تسيطر عليها العصابات المسلحة بشكل كامل على طريقة بنغازي في ليبيا؛ فجرب الجيش هذه المحاولة التي استمرت حتى شهر مارس (آذار) الماضي حيث فشلوا في المرحلة الثانية.. فانتقلوا لعمليات الاغتيال الفردية وارتكاب المجازر بحق المدنيين، بالإضافة لمهاجمة مؤسسات الدولة بالمتفجرات».

يعتبر هذا النوع من التبرير شهيرا جدا. قبيل اندلاع الثورة في إيران، عندما كان المتظاهرون يخرجون إلى الشوارع والميادين بأعداد ضخمة، أشار رئيس الحكومة العسكرية (الجنرال أزهري) إلى أن هؤلاء الأفراد أتوا من دول أخرى. وحينما كان الناس يرددون صيحة الله أكبر كل ليلة من أسطح المنازل أو من خلف النوافذ، زعم أن تلك الأصوات منبعثة من أجهزة تشغيل أشرطة الكاسيت!

وبعد اندلاع الثورة، حينما بدأ بعض الكتاب والصحافيين في انتقاد الحكومة، قال آية الله جناتي، الإمام الذي كان يؤم المصلين في صلاة الجمعة، إنهم قد تلقوا 20 مليون دولار من أميركا. وفي مصر، بدا واضحا أن أحمد شفيق قد فاز بأكثر من 10 ملايين صوت، غير أن معارضيه ادعوا أنه دفع مبلغا ضخما من المال للمصريين كي يصوتوا لصالحه. يمكننا أن نجد كثيرا من الأمثلة المماثلة. وهذا يعني أن الحكومات تعتقد دائما أنها تنتهج المسار الصحيح، بينما ينتهج الشعب المسار الخاطئ.

في خمس دول، كنا نواجه خمسة أنواع مختلفة من الأساليب فيما يتعلق بالمنهج الذي اتبعته الحكومات في التعامل مع شعوبها. في تونس، في أعقاب قيام محمد بوعزيزي بإحراق نفسه موقدا شرارة مظاهرات عارمة اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2010، فر بن علي إلى السعودية. لقد أدرك بن علي وإدارته أن الشعب لم يقبل حكمه، ومؤخرا، تقدم هو وزوجته، ليلى الطرابلسي، باعتذارهما لأسر الضحايا في تونس، وطلبا من الشعب الصفح عنهما.

وفي مصر، استغرقت عملية خلع حسني مبارك وقتا أطول، مما أسفر عن سقوط عدد هائل من الضحايا المصريين في ميدان التحرير. وبعد 18 يوما، أعلن مبارك تخليه عن منصبه.

وفي اليمن، أعلن عبد الله صالح، أنه سيظل في منصبه حتى نهاية مدة رئاسته، وقتل كثيرا من اليمنيين. وفي ليبيا، استخدم العقيد القذافي القذائف ضد شعبه، وادعى أن المتظاهرين يتعاطون عقاقير هلوسة. رأيناه في آخر أيامه، وشاهدنا بأعيننا ما حدث له. كل هؤلاء الحكام استخدموا مفردات متشابهة وأساليب خطاب متقاربة. ووجهت الاتهامات إلى شعوب مصر وتونس واليمن وليبيا جميعها بأنها قد وقعت ضحية لخداع من قبل دول أجنبية، بتلقي دولارات أميركية، إلى ذلك من الاتهامات الأخرى المشابهة.

إن أسلوب تعامل سوريا مع شعبها في الوقت الراهن يعد أسوأ رد فعل على احتجاجات شعبية. كانت ليبيا حكومة ودولة مستقلة بذاتها، وكان القذافي هو زعيم قبيلته، كان موقفه وأفعاله والخطاب الذي استخدمه غريبا. على الجانب الآخر، درس الأسد في المملكة المتحدة، ولا يبدو شخصا أحمق، ولهذا يظهر على السطح سؤال، ألا وهو: لماذا يدعي أن شعبه يتلقى 10 دولارات أو 50 أو 100 دولار نظير المشاركة في مظاهرات ضد نظامه؟ ألم يدركوا أن النظام يستخدم المدفعية في قصف مدنهم ومنازلهم؟ لماذا يفر أفراد الشعب إلى تركيا ولبنان؟ هل الإقامة في مخيمات اللاجئين أسهل بالنسبة لهم؟ كل هذا يوضح أننا ندور في حلقة مفرغة إذا ما حاولنا فهم موقف وسلوك النظام السوري، أو على الأقل بشار الأسد، في ضوء تسليمنا بأنه صانع القرار الرئيسي في سوريا. أعتقد أن بشار الأسد في أضعف فترات حياته وحكمه؛ أولا: يظن أن شعبه يتلقى دولارات من أجل المشاركة في المظاهرات، ثانيا: يعتقد أن سوريا في أفضل حال ممكن!

لدى ديفيد أوين كتاب مهم يحمل اسم «في المرض وفي السلطة». وفي هذا الكتاب، يركز على الأمراض الجسدية التي أصيب بها حكام الدول المختلفة، مثل شاه إيران والرئيس الفرنسي ميتران، اللذين توفيا جراء إصابتهما بمرض السرطان. لكني بصفة شخصية أعتقد أن المرض العقلي أسوأ تأثيرا. فالقذافي لم يكن مصابا بمرض جسدي، لكنه كان مجنونا بلا شك. والرجل المجنون يخالجه اعتقاد قوي بأنه محور العالم. إنه أيقونة الحقيقة. رأيت عنوانا فرعيا باللغة العربية على شاشة التلفزيون السوري. كان مأخوذا من زعم بشار الأسد أن النظام السوري يسير على النهج الصائب.

ليس ثمة أدنى شك في أن بشار الأسد سوف يعثر على الحقيقة في المستقبل، وسوف يعتذر في نهاية المطاف للسوريين، ولكن ذلك سيكون بعد فوات الأوان.

الآن قد ندمت وما ينفع الندم!

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

إيران والنظام الأسدي: حلف غير مقدس

عكاظ

عبدالله السلطان

9-7-2012

اتحدت مصالح فرس إيران ومصالح الرئيس بشار الأسد من منطلق طائفي وعرقي، وتبعا لذلك اتحدت رؤاهم واستراتيجياتهم ضد العرب، خاصة أهل السنة، فتحالف الطرفان ضد الشعب السوري وثورته، وتوحد شبيحة بشار وجيشه وأمنه مع مليشيات إيران (الباسيج وفيلق القدس ...) لإحباط انتفاضة السوريين السلمية، التي لولا الظلم والطغيان الذي مارسه الرئيس حافظ الأسد وابنه بشار لعقود على السوريين لما قامت ثورتهم.

في البداية واجه بشار الانتفاضة بالقمع مقلدا الأسلوب الإيراني في التعامل مع التظاهرات السلمية المطالبة بالإصلاح. لكنه تفوق في شن حملات التطهير العرقية والطائفية، وإقامة المجازر، وضرب الأرياف والقرى والمدن بالأسلحة الثقيلة: الدبابات والمدافع والطائرات، مما جعل الآلاف من السوريين الناجين يفرون للدول المجاورة خوفا من الموت.

فبدلا من حمايتهم فتك بشار ونظامه بهم وشردهم. فأصبحت جرائم بشار ضد السوريين الأبرياء، بكل المقاييس، جرائم ضد الإنسانية، وترقى لإحالتها للمحكمة الجنائية الدولية. فماذا بعد إقامة المجازر تلو المجازر ضد السوريين الأبري، ولازالت مستمرة؟.

يبدو أن بشار أخذ المشورة والأسلوب الروسي في مساواة المدن السورية بالأرض كما فعلت روسيا في مدينة غروزني عاصمة الشيشان. وروسيا، لها مصالح خاصة بها في سوريا: عسكرية واقتصادية وسياسية...، كذلك من مصلحة روسيا الوقوف بجانب بشار ونظامه لخوفها، كما قال وزير خارجيته، سيرغي لافروف، من وصول الإسلاميين إلى حكم سوريا.

ولتزييف الحقائق والتشويش على ما يجري في سوريا، صدرت تصريحات إعلامية سورية شملت الاتهامات بأن من وراء أعمال العنف إرهابيون، ومرات أخرى من وراءها متطرفون إسلاميون، أو عملاء لدول أجنبية...، كما اتهمت القاعدة بأعمال العنف الجارية في سوريا، مع العلم أن بشار ونظامه هم الذين سمحوا سابقا للقاعدة بعبور الحدود السورية للعراق.

وما قام به جيش بشار وأمنه وشبيحته ومرتزقة حزب الله وإيران من أعمال عنف ضد السوريين الأبرياء يزيد على ما يمكن تصوره من أعمال قامت بها القاعدة في أي مكان.

وأخيرا، صدرت تصريحات النظام الأسدي وإيران وحزب الله على السواء بأن الصراع السوري طائفي وذلك لصرف نظر الرأي العام العربي والدولي عن انتفاضة السوريين السلمية. وإصرار بشار وأعوانه على العامل الطائفي يراد به من جانب آخر تخويف الأقليات السورية كي تنضم لمعسكره بدلا من أن تتعاطف مع المتظاهرين.

هذا مع أن البعد الطائفي، إلى جانب مصالح أخرى، دفع إيران وبقوة للوقوف بجانب بشار والتحالف معه بسبب طائفته وبسبب الرغبة من جانبها في استثمار هذه العلاقة الطائفية لتحقيق مطامعها السياسية والقومية.

ومن ذلك التعمق في لبنان وغزة ومصر إلى جانب الرغبة في الإطلال على البحر الأبيض المتوسط.

ومهما تلقى بشار من دعم إيراني وروسي وغيره فلا يمكن إيقاف الثوار السوريين دون نيل حقوقهم، ولا يمكن لبطشه بهم أن يستمر، ولا أن يكتب لنظامه البقاء، وكما يروى أن الإمام علي بن أبي طالب رضي عنه قال: «إن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم» ، ولا بد من نهاية للحلف غير المقدس لبشار والإيرانيين الفرس.. والله أعلم.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

المجتمع الدولي والمسؤولية العاجلة لحماية السوريين

الوطن القطرية

التاريخ: 09 يوليو 2012

تزداد معاناة الشعب السوري وسط استمرار النظام في اتباع سياسة القمع، دون أن يحفل بتواتر الإدانات الإقليمية والدولية ضده، لأزيد من عام كامل.

ويوميا، تحمل الأنباء المزيد من التصريحات التي تحذر من مغبة بقاء الأوضاع في سوريا على ما هي عليه، وسط تعرض المدنيين لقتل مبرمج تنفذه آلة القمع العسكري والأمني للنظام. وفي هذا السياق، فقد حذرت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية، أمس، الحكومة السورية من «هجوم كارثي»، قائلة إنه «كلما أمكن إيجاد نهاية أسرع للعنف، وبداية لعملية تحول سياسي، فلن يقل عدد القتلى فحسب، بل ستكون هنالك ثمة فرصة لإنقاذ سوريا من هجوم كارثي، سيكون خطيرا للغاية، ليس على سوريا وحدها لكن على المنطقة».

إن الأزمة بكل أبعادها الأمنية والإنسانية في سوريا، تتفاقم يوما بعد يوم. ووسط هذه الحالة غير المقبولة، فلابد من أن تتكثف الجهود الإقليمية والدولية للتوصل إلى الحلول المنشودة للأزمة، بالشكل الذي يقوم على تأمين الحماية للمدنيين في سوريا وتحقيق تطلعات الشعب السوري في اختيار النظام السياسي الذي يريده، في إطار من الحرية والديمقراطية.

إن كافة المؤشرات، تؤكد بأن إفساح المجال للنظام السوري للاستهتار بمتطلبات حل الأزمة، سيخلف المزيد من المجازر الدموية في سوريا، إذ إن النظام يظن بأنه يستطيع أن يواصل مراوغته، لكل ما يصدر عن الشرعية الدولية من قرارات، تطالبه بوقف العنف، ووقف استهداف المدنيين. ومن هذا المنطلق، نرى أنه بات ضروريا أن يقوم المجتمع الدولي بالدور المناط به، لوقف مجمل المآسي الإنسانية الراهنة التي يتعرض لها الشعب السوري، بصورة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

بوتين والقبض على الماء والنار بيد واحدة!

الحياة

جورج سمعان

الإثنين ٩ يوليو ٢٠١٢

أول ما يلفت في مقاطعة روسيا والصين «مؤتمر أصدقاء الشعب السوري» في العاصمة الفرنسية، هو أن اتفاق جنيف الذي أبرم قبل أسبوع بين الدول الخمس الكبرى وممثلين عن الأمم المتحدة والجامعة العربية وتركيا والعراق، لم يكن اتفاقاً. لو كان كذلك لكان يفترض ألا يعقد مؤتمر باريس. أو على الأقل لكان على المقاطعين أن يحضروا، وفي مقدمهم السيد كوفي أنان الذي لم يجد وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد عذراً لغيابه «المعيب»!

في أي حال لم يكن السوريون ينتظرون مؤتمر «الأصدقاء» ليعرفوا أن ما توصل إليه لقاء جنيف ولد ميتاً. ألا تكفي كثرة التفسيرات المتناقضة التي تولاها موقعو الاتفاق بعد دقائق من ارفضاضه. كأنه لم يكن! ولو كانت روسيا مهتمة بمصلحة الشعب السوري ولا تدعم النظام، كما تكرر، لكان عليها أن تحضر لتشرح للسوريين و «أصـــدقائهم» كيف تحرص على مصلحة هذا الشعب لعلهم يقتنعون... أو يقنعونها. ولو كانت الإدارة الأميركية مهتمة بوقف إهدار الدم السوري لكان عليها مقاطعة جنيف وحتى باريس، فلا تكتفي بما تكرره السيدة هيلاري كلينتون من تصريحات منذ أشهر.

ومثلها «الأصدقاء» الذين حضروا مؤتمر باريس. لم يكفوا عن مناشدة الرئيس فلاديمير بوتين التخلي عن النظام في دمشق ورأسه، أو مناشدته الحفاظ على مسحة أخلاقية في سياسته الخارجية. لقد فات هؤلاء أن يتذكروا ما يفعله الزعيم العائد إلى الكرملين بخصومه. لم يتردد لحظة في زج عشرات الصحافيين ورموز المعارضة المتنامية لإدارته في السجن. لم يرأف بخصومه في الداخل فلماذا يرأف بالمعارضة السورية مهما بلغ حجمها واتساعها، ومهما علا صوتها وكبرت تضحياتها؟ لم تتورع حكومته قبل ثلاث سنوات عن تفكيك جورجيا واقتطاع أبخازيا وأوسيتيا وإخراجهما من سلطة تبليسي، فلماذا يستمع إلى التحذيرات من تفكك سورية وتفتيتها؟

صحيح أن مؤتمر باريس الذي ضم ممثلين لأكثر من مئة دولة يبعث برسالة قوية إلى دمشق وموسكو وبكين. ويؤسس لاحتمال تحرك أممي واسع خارج إطار الأمم المتحدة، إذا فرضت التطورات ذلك مستقبلاً أو تعثرت الصفقات. وهو ما يقلق روسيا التي تشدد على وجوب التحرك في إطار المنظمة الدولية ومواثيقها. لكن الصحيح أيضاً أن الأميركيين والأوروبيين يكتفون بمناشدة روسيا التخلي عن نظام الرئيس بشار الأسد. ويكررون أن وجهتهم هي مجلس الأمن، من دون التلويح بأي «سلاح» يمكنهم من دفع الكرملين إلى التفكير في تبديل موقفه. هكذا، كأنهم يرتاحون إلى الوقوف بباب المجلس في انتظار أن تتلطف موسكو بفتحه! مع العلم أن هذه تدرك في قرارة نفسها، كما يدرك كل الذين يقفون خلف النظام في دمشق استحالة بقاء هذا النظام.

إزاء هذا الوضع قد يهدر وقت طويل قبل أن يتوقف هدر دماء السوريين. قد يستغرق حوار الطرشان الدوليين، أو الحوار الروسي - الأميركي، وقتاً يفاقم تعقديات التسوية، فيما العنف المتصاعد يستدرج «القاعدة» وأخواتها إلى ساحة مفتوحة، كما نبّه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري. وهذا ما يحوّل الأزمة السورية كتلة من التعقيدات. إنها ساحة مفتوحة لشتى أنواع الاشتباكات والتدخلات... وشتى أنواع الصفقات. باتت جزءاً أساسياً من شبكة العلاقات الدولية المعقدة تعقيداً يتجاوز قدرة الأطراف السوريين على دفع المجتمع الدولي، خصوصاً موسكو وواشنطن إلى تغيير موقفيهما.

سعت موسكو ولا تزال إلى الإمساك الكامل بالورقة السورية، إمساكاً يعزز حوارها أو صراعها مع الولايات المتحدة. لأن امتلاك المفتاح السوري يعني امتلاكاً لشبكة معقدة من العلاقات والمصالح في المنطقة كلها. لذلك، حاول الرئيس بوتين في جولته الأخيرة على المنطقة أن يثبت ما يمكن تسميته «مثلث» مصالح لروسيا، من طهران إلى تــــل أبيب – رام الله فدمشق. وهو يــــدرك أن سقوط سورية في يد تركيا يعني أن حلف «الناتو» بات يطوق بلاده في هـــــلال واسع يمتد حتى دول الخليج، فضــــلاً عن شمال أفريقيا بعد التغييرات التي أفرزها «الربيع العربي» في كل من مصر وليبيا وتونس. مثلما يدرك أن سقوط هذه الورقة في يد إيران يخل بموقع روسيا في هذا الإقليم، ويضعف موقفها حيال أميركا.

ولا جدال في أن موسكو تضع العلاقة مع واشنطن فوق أي اعتبار. وستستخدم بلا تردد الورقة السورية في حوارها أو صراعها معها. تماماً كما فعلت في السنوات الأخيرة في الملف النووي الإيراني. لذلك، لم تخل علاقاتها بطهران من اضطراب وذبذبة. ويعود ذلك بالطبع إلى أن إيران لا يمكنها الانضواء تحت جناح موسكو لتغادر عباءة الخميني وشعار ثورته «لا شرقية ولا غربية».

يدرك الرئيس بوتين أيضاً أن دور طهران في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لا يقل أهمية عن دور أنقرة في هذه المنطقة الشاسعة. ولا يمكنه بالطبع أن يتغاضى عن تمدد تركيا نحو قلب الجهوريات السوفياتية السابقة فضلاً عن القوقاز والشيشان وغيرهما مما كان له صلة بالإمبراطورية العثمانية. لأن ذلك يضع هذا التمدد في خانة «الناتو». بينما تحاول إيران عبر هذا الانتشار أن تعزز مرحلياً على الأقل موقعها في مواجهة الغرب، حواراً أو صراعاً. وبالتالي سيكون من السهل على موسكو التفاهم معها في هذه المنطقة ما دامت طهران تحتاج إليها سنداً دولياً وازناً في الدوائر الدولية.

لا يعني ذلك أن روسيا لا تقيم اعتباراً للمواقــــف العربية. لقد توقفت أمام غضب دول الخلــــيج من سياستها في سورية. وحاولت وتحاول أن تجد أعذاراً لهذه السياسة. صحيح أنها تعتمد على إيران في تلك المنطــــقة وعلى قدرتها في إزعاج جيرانها وتهديدهم. لكن الصحيح أيضاً أنها تدرك حجم الخسائر التي قد تلحق بها إذا بالغت في دعم سياسات طهران حيال جيرانها. وقد تتضرر علاقاتها مع الدول العربية، فضلاً عن أميركا وأوروبا... وإسرائيل. ولكن ما دام أن روسيا عاجزة عن مجاراة الولايات المتحدة في تمددها العسكري وانتشارها في كل البحور، خصوصاً في الخليج والمحيط الهندي وحتى بحر الصين، ناهيك عن المتوسط. لذلك، لا بأس في أن تعتمد مرحلياً على الجمهورية الإسلامية وسورية في محاولة لمواجهة هذا الانتشار وعرقلته وإزعاجه، إن لم تكن قادرة على بناء توازن استراتيجي مع الدولة العظمى.

ولكن تجدر الملاحظة هنا أن روسيا أثبتت في الصراع على الملف النووي الإيراني أنها تعارض صراحة امتلاك الجمهورية الإسلامية الســـــــلاح النووي. وهذه نقطة خلاف جوهرية سببت في السنوات الأخيرة صراعاً مكشوفاً بين البلديــــــن لم تتــــردد طهران في سوق اتهامات إلى موسكو بأنها تذعن لرغبات الأميركيين. إن امتلاك الجمهورية الإسلامية هذا السلاح سيخل بميزان القوى في المنطقة. ويضر ليس بمواقع الغرب فحسب بل بدور روسيا ومصالحها أيضاً. ولا يغيب عن بال بوتين أيضاً أن بناء علاقات بين طهران وواشنطن مستقبلاً سيكون في النهاية على حساب مصالح بلاده وعلاقاتها بالمنطقة. من هنا، إن التعامل الروسي مع طهران يقوم على وزن كل خطوة بميزان دقيق وحساس.

في المقابل باتت الإدارة الأميركية الحالية تحاذر في تعاملها مع موسكو إغضابها أو إثارتها في قضايا حساسة كالأمن القومي، من الدرع الصاروخية إلى تمدد «الناتو» نحو الجمهوريات الإسلامية. وتهادنها في الأزمة السورية. وتخشى دفعها إلى موقف متصلب في الملف النووي الإيراني. فتخسر دعمها... وتدفع إيران إلى الاستئثار بالورقة السورية. ذلك أن تغيير النظام في دمشق وليس رحيل الأسد وحده، يمكّن في ضوء الخريطة القائمة، الضغط على طهران وشل نفوذها في لبنان وتهديد حضورها في العراق. ويقود أيضاً إلى إضعاف روسيا ويهدد وجودها ومصالحها في المنطقة.

والسؤال المطروح هو هل ينجح سيد الكــــرملين في تثبيت علاقته بهذا المثلث من أجل تحقيق تطلعاته وأحلامه السياسية؟ إن تحقيق هذا الهدف رهن بالقـــــدرات العسكرية والاقتصادية لروسيا والتــــــي لا يبــــــدو أنها تشكل رافعة كافية. فإذا كانت العلاقــــــــات مع كل من إيران وســـــورية مشوبة بأخطار ومحاذير جمة، فإن بناء علاقـــــات مع إسرائيل تستند إلى هذه الكتلة الكبيرة من اليهود الروس المهاجرين لن يطمئن إيران من جهة. ولن يهدئ، من جهة أخرى، من مخاوف تل أبيب حيال طهران، شريكة روسيا مرحلياً في المواجهة مع الولايات المتحدة. كما أنه من ناحية ثالثة لن يساعد بوتين في أداء دور كبير في التسوية مع الفلسطينيين، في وقت ترجح كفة «حماس» على السلطة ومنظمة التحرير رجحان كفة «الإخوان» في مصر... وغير مصر، ورجحان كفتهم تالياً في أي تسوية للقضية الفلسطينية. أما مغازلة الأردن الذي ينأى بنفسه عن التدخل في الأزمة السورية فسيظل قاصراً عن التأثير في العلاقات التي تربط عمان بعواصم الخليج الغاضبة من الموقف الروسي. وفوق هذا وذاك لا يمكن موسكو أن تعادي الإسلام السياسي في العالم العربي، وتحالفه وتهادنه في الجمهورية الإسلامية. بالتالي لا يمكن بوتين حيال هذه المعطيات والوقائع أن يقبض على الماء والنار بيد واحدة! فإلى متى يصمد هذا المثلث الروسي؟

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

وجه القمر المظلم

تاريخ النشر: الثلاثاء 10 يوليو 2012

د. أحمد يوسف أحمد

الاتحاد

تمثل الانتفاضة السورية الراهنة ضد نظام الحكم القائم حالة فريدة ضمن ما يعرف بـ"الربيع العربي"، فالانتفاضة بدأت نصف العام المتبقي كي تكمل من عمرها سنتين دون أن تحقق أياً من أهدافها حتى الآن، وحتى حل "نصف ثورة" الذي طُبق في اليمن يبدو حتى الآن بعيد المنال بالنسبة للوضع في سوريا. واصل الثائرون انتفاضتهم طيلة عام ونصف العام دون تخلٍ عن أي من أهدافها، وثابر النظام السوري على اعتبارهم مجموعة من الإرهابيين ينبغي اجتثاثها بكل الوسائل الوحشية، وتقوى في هذا الصدد بجيش تغلب على تكوينه الطائفة الحاكمة، ومنظومة أمنية متشعبة، وبعض الشرائح الاجتماعية ذات المصلحة في بقاء النظام، بالإضافة إلى نخب عربية سياسية وفكرية رأت فيما يجري مؤامرة على سوريا "الممانعة" الداعمة للمقاومة، وقوى إقليمية حليفة تتمثل أساساً في إيران، وكذلك قوتان دوليتان لا يُستهان بهما هما روسيا والصين.

لم تفلح كل جهود الثوار في سوريا أو المواقف العربية الداعمة بشدة للثورة السورية، وكذلك الموقف التركي، وأخيراً وليس آخراً كافة القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ومنظمة الأمم المتحدة وعلى رأسها مجلس الأمن- لم يفلح هذا كله في زحزحة النظام السوري قيد أنملة عن مواقفه. والواقع أن العجز بدا واضحاً في كافة المحاولات العربية والدولية والأممية لإيجاد حل للمأساة السورية، كما أوضحت في المقال السابق، خاصة وأن التدخل العسكري مستبعد إما لأسباب مبدئية تتبدى على سبيل المثال في عديد من المواقف العربية التي لا تريد تكرار التجربة الليبية، وإما لأن من يقدرون على تبعات هذا التدخل يمرون بظروف سياسية تجعله مغامرة غير مأمونة العواقب.

من هنا ركز كثيرون – وكاتب هذه السطور منهم- على أن حل المأساة السورية هو أساساً بيد الشعب السوري الذي سيتعين عليه للأسف أن يدفع المزيد من دماء أبنائه ثمناً فادحاً للتخلص من نظامه، وعندما تصل إرادة التغيير إلى كافة قطاعات هذا الشعب، فلن تكون هناك قوة على الأرض قادرة على منع انتصاره وانتزاعه حقوقه التي اغتصبت منه منذ عقود.

غير أنني اليوم للأسف أضيف لهذه الصورة ما يزيدها قتامة، وبعض هذه الإضافة موثق وأكيد، وبعضها يعتمد على تقارير لا يستطيع المرء أن يتأكد من دقتها – أو حتى صحتها- وإنْ كان لا يمكنه أن يسقطها من اعتباره. أما الجانب الأكيد الموثق لهذه القتامة فهو تشرذم المعارضة السورية، ويبدو الآن واضحاً أن النظم الديكتاتورية التي سقطت في غمار "الربيع العربي"، أو هي بسبيلها إلى السقوط قد نجحت بامتياز في منع تبلور معارضة قوية ذات قيادة واضحة تستطيع أن تقود الشعب نحو تحقيق أهدافه، ولهذا رأينا أن الثورة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا كانت عبارة عن هبة شعبية عارمة ربما تكون هناك نخبة ما قد فجرتها، لكنها بالتأكيد عجزت عن قيادتها بعد ذلك، بل إن التشرذم قد أصاب فصائل الثورة على نحو صارخ ومحبط، الأمر الذي سبب انحرافاً واضحاً للثورات عن أهدافها بعد أن استقرت السلطة –ولو المؤقتة- في أيدي من لا ينتمون إلى معسكر الثورة حتى وإن تعاطفوا معها أو أيدوها.

تبدو هذه المسألة واضحة كل الوضوح في الحالة السورية، ولو اقتصرنا في التدليل على ذلك على أحدث المؤشرات دون أن نبدأ القصة من أولها على نحو لا يسمح به هذا المكان فسوف نجد أن مؤتمر المعارضة السورية الذي عقد بالقاهرة يومي الثاني والثالث من يوليو الجاري برعاية جامعة الدول العربية قد انتهى بالموافقة على إقرار وثيقتين هما العهد الوطني والمرحلة الانتقالية، وهذا جيد بغض النظر عن فاعليته. لكن الخلافات داخل المؤتمر كانت شديدة الوضوح من بدايته إلى نهايته. احتدم الخلاف أولاً حتى اللحظات الأخيرة حول تشكيل لجنة متابعة لتنفيذ الوثيقتين اللتين أقرهما المؤتمر.

رفض المجلس الوطني السوري تكوين مثل هذه اللجنة، واعتبرها التفافاً عليه، وبينما رأى البعض أن صلاحياتها يجب أن تكون محدودة فإن البعض الآخر طالب بصلاحيات واسعة للجنة، واحتج فريق على إمكان تحويلها إلى لجنة تنفيذية، اختلف المؤتمر أيضاً حول الموقف من خطة عنان، ذلك أن البعض (الحراك الثوري) رأى أنها لم تعد صالحة، بينما اعتبرت غالبية المؤتمر أن الخلل ليس في الخطة وإنما في غياب آليات التنفيذ. كذلك حدثت خلافات حول التدخل العسكري. صحيح أن أحداً لم يطالب بذلك، لكن الاتفاق جرى على عدم النص في البيان الختامي للمؤتمر على رفض التدخل العسكري أو إباحته، وإنما تُرك الباب مفتوحاً على أساس أنه من حق الشعب السوري طلب حماية دولية. وبالإضافة إلى كل ما سبق أراد ممثلو القوى الكردية ذكر بعض التفاصيل الخاصة بشكل الدولة، وفصل الدين عن الدولة، وشكل اللامركزية في نصوص دستور ما بعد الأسد، وغادروا قاعة المؤتمر محتجين إلى أن تم إقناعهم بالعودة، ناهيك عن التقارير التي تحدثت عن أن التلاسن بين المختلفين قد وصل إلى حد الاشتباك بالأيدي.

نأتي بعد ذلك إلى الانسحابات والمقاطعات، فقد أعلنت الهيئة العامة للثورة السورية انسحابها من المؤتمر، لكن اللافت أن ممثلة الهيئة في المؤتمر واصلت مشاركتها (!) بما في ذلك مشاركتها في لجنة الصياغة، وأدلت بتصريحات اعتبرت فيها بيان الانسحاب صادراً عن أفراد، وأكدت أن المؤتمر منعقد في أجواء إيجابية، وكان بيان الهيئة قد ذكر أن الحديث عن وحدة المعارضة مجرد كلام، ويعني هذا أن الانقسام ليس بين فصائل المعارضة فحسب وإنما داخل الفصيل الواحد. أما "الجيش الوطني الحر" فقد كان قد أعلن مقاطعته المؤتمر ووصفه بأنه "مؤامرة"، وأعلن الحرب عليه "باعتباره تنفيذاً لأجندة روسية-إيرانية بتعاون أمني سوري"، لأنه "لا يلبي تطلعات الثورة السورية بل يحتال عليها"، إلى جانب أن "المؤتمر يهدف إلى إنقاذ النظام السوري وتغيير الأسد" الأمر الذي لا يتطابق وتطلعات "الثوار السوريين المطالبين بإسقاط النظام وكامل رموزه". ومن الصحيح أن حركات التحرر الوطني والحركات الثورية تشهد دائماً نوعاً من التناقض بين "الداخل" و"الخارج"، ولكن التناقض هنا يبدو رئيسياً.

أما التقارير التي تضيف إلى هذه الصورة المظلمة، فهي تتحدث عن غياب القيادة الموحدة للجيش الحر، وتشرذم فصائله، وكذلك تسمية بعض هذه الفصائل نفسها بأسماء حكام عرب وسياسيين مناوئين لسوريا مثل كمال جنبلاط أو رفيق الحريري، وأن ثمة أعمالاً لا علاقة لها بالثورة قد يصل بها الأمر إلى أن تصنف كأعمال معادية لها ترتكب من قبل بعض هذه الفصائل كمهاجمة الدور ونهبها، وذلك كله بالإضافة إلى غياب الرؤية الاستراتيجية.

يعني كل ما سبق للأسف أن انتصار الثورة السورية الذي ينتظره كل مخلص لحريات الشعوب وحقوقها قد يكون بداية لأوضاع مأساوية فيها، وهو سيناريو ليس بعيداً عما حدث في بعض تجارب "الربيع العربي" الأخرى. فما العمل؟ إن جهداً دؤوباً من أجل توحيد المعارضة أو على الأقل القسم الأكبر والأكثر فعالية منها يجب أن يكون مهمة أولى أمام الثوار في سوريا وأنصارهم، إذا كان لثورتهم أن تنتصر، وإذا كان لوطنهم أن يبقى كريماً عزيزاً بعد هذا الانتصار.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

دول الجوار السوري تتخلّف عن المواكبة

السلام وأوضاع داخلية أمام المضاعفات

روزانا بومنصف

2012-07-10

النهار

لا تولي مصادر سياسية وديبلوماسية متابعة الاجتماع الذي عقدته وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على هامش اجتماع مجموعة اصدقاء سوريا في باريس الاسبوع الماضي اهمية تذكر على صعيد مفاعيله على المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ولا كذلك الزيارة المرتقبة لكلينتون الى اسرائيل في الايام المقبلة على الصعيد نفسه. وتعزو ذلك الى اعتبارات عدة في مقدمها ان الانتخابات الرئاسية الاميركية المرتقبة في تشرين الثاني المقبل باتت تشل اي عمل للادارة الاميركية في هذا الاتجاه على رغم ان ادارة الرئيس باراك اوباما التي كانت واعدة جدا لجهة حل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية لدى انتخاب اوباما قبل اربع سنوات تراجعت كثيرا الى الحد الذي تعتبر المصادر الديبلوماسية ان اوباما اظهر انه يتكلم او يعد اكثر مما يفعل او ينفذ على الارض. لكن هذا لا يعني وفقا للمصادر نفسها عدم حتمية الرهان مجددا وضرورة الرهان ايضا على عودته رئيسا لولاية ثانية باعتبار ان وصول الجمهوريين الى البيت الابيض سيقضي على اي امكان لحل على اساس الدولتين فيما يبقى الامل قائما مع اوباما الذي ترجح المصادر المعنية عودته في جميع الاحوال ما لم يطرأ ما ليس في الحسبان نظرا الى اعتبارات عدة من بينها ضعف المرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية حتى الان. ومع ان موضوع حل الدولتين توقف لاسباب اخرى غير الموعد القريب للانتخابات الرئاسية الاميركية ويتصل غالبيتها بالتعنت الاسرائيلي، فان هذه الانتخابات تعتبر سببا كافيا لارجاء كل ما يتصل بها على رغم محاولة ابقاء شعرة معاوية قائمة بالحد الادنى في الاتصالات التي تجرى بين وقت وآخر ومن اجل متابعة حل بعض المسائل التي تطرأ اضافة الى عدم وجود نية اعلان وفاة المفاوضات او جمودها بالحد الادنى الى اجل غير مسمى بل على العكس الايحاء بأنها ممكنة ومحتملة في حال اضطر الامر لذلك.

الا ان الاعتبارات الاهم التي تشير اليها هذه المصادر هي عدم اظهار اسرائيل حتى الان اي مظهر من مظاهر السعي الى التكيف مع التطورات الخطيرة التي عصفت بالمنطقة ونتائج هذه التطورات والتي ستؤثر حكما على وضعها. هذه المصادر ترى ان اسرائيل كما الاردن وهما من الدول المجاورة لسوريا لا يواكب كل منهما كل الاحتمالات التي سيؤدي او يحتمل ان يؤدي اليها تغيير الوضع باعتبار ان النتيجة الحتمية لما يحصل في سوريا باتت معروفة اي عدم استمرار النظام السوري في اي حال من الاحوال لكن السؤال يتصل بكيفية حصول او الوصول الى النتيجة النهائية. واستحضار الاردن في هذا السياق يرتبط بالمخاوف المستقبلية عليه في ضوء النتائج المرتقبة لمستقبل الوضع السوري خصوصا في حال وصول الاخوان المسلمين الى السلطة في سوريا حتى لو كان بالنسبة نفسها لفوزهم في مصر. اذ تقول هذه المصادر ومن موقع حرصها على الاردن ان السلطات الاردنية لا تواكب ثورة الربيع العربي بما يلزم من اجراءات على رغم معرفتها بها على نحو جيد او بالسرعة اللازمة على رغم الحرص الكبير لدى الملك الاردني على اظهار جدية قصوى في هذا الاتجاه ووجود نية صادقة لديه في هذا السياق وسعيه الى تجربة كل الاحتمالات المؤدية الى ذلك. ذلك ان الخطوات المرتقبة من الاردن كما تقول هذه المصادر تماثل تلك التي اجراها المغرب في حين ان ما يحصل ليس كافيا او لا يحصل بالسرعة التي يفترضها تسارع الوضع السوري. والوضع بالنسبة الى اسرائيل مختلف وان كان في سياق عدم الوعي لمستقبل المنطقة بحيث يبدو لهذه المصادر ان اسرائيل فوتت ولا تزال فرصة التفاهم مع الفلسطينيين في الوقت الذي تتغير فيه الامور بسرعة وتتخذ منحى اكبر نحو التشدد. مما قد يصعب الامور على رغم الاطمئنان المبدئي لكون تنظيم حماس اصبح بعيدا من ايران ولو انه اكتسب زخما من فوز الاسلاميين في مصر خصوصا كما انه قد يكون الاعتراف الاميركي بالاسلاميين وفوزهم بوابة عبور لفتح الابواب الاميركية امام حماس ما دام اصبح في عهدة دول عربية في المدى المنظور وسيبقى على الارجح مما يساهم في تغيير جملة معطيات في هذا الصدد. الا ان الاهم وفقا للمصادر نفسها ان اسرائيل تتجاهل واقع تراجع قدرتها السكانية ازاء الفلسطينيين بعدما اصبحت اعداد الفلسطينيين مماثلة كليا وتماما لعدد اليهود الاسرائيليين على نحو يفترض ان يطرح اسئلة جدية حول كيفية مقاربة اسرائيل المستقبل من دون سلام مع الفلسطينيين او حل لقضيتهم على اساس حل الدولتين في حين تقول المصادر المعنية ان المسؤولين الاسرائيليين يضعون رأسهم في الرمل في رفضهم هذه المقاربة على ما تحتمله من احتمالات.

وتقول هذه المصادر ان لبنان ايضا لا يواكب التغيير المحتمل في سوريا علما ان الامر بات واضحا حتى بالنسبة الى حلفاء النظام، لكن لبنان وضعه مختلف ومعروف لاعتبارات متعددة ونظرا الى الامتدادات الاقليمية فيه والتأثيرات الخارجية وانقسام اللبنانيين او اصطفافهم سياسيا على نحو لا يسمح بمواكبتهم التغييرات على المستوى المفروض او الاتفاق من خلال وحدة الدولة على الاحتمالات المقبلة بمعنى ان الحال في لبنان اقرب الى اللادولة منها الى الدولة.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أنان مبعوث روسي - إيراني؟!

راجح الخوري

2012-07-10

النهار

بدأ كوفي انان مهمته الفاشلة في سوريا قبل ثلاثة اشهر. ومع وصوله الى دمشق للمرة الثالثة اول من امس يكون عدد القتلى قد ارتفع ثلاثة آلاف بمعدل الف قتيل لكل زيارة. وانان بدأ مهمته الكارثية على انه المبعوث الدولي - العربي بعد رفع توصيات الجامعة العربية الى مجلس الامن، لكن اقنعته تسقط الآن.

فبعد تصريحاته عشية وصوله الى دمشق مدافعاً عن روسيا والصين، ومتعمداً فرض ايران لاعباً اقليمياً عبر حمامات الدم السوري، ومحاولاً تحميل الدول الخليجية مسؤولية فشله، يمكن القول انه ليس اكثر من مبعوث روسي - ايراني عمل ويعمل منذ البداية على اعطاء النظام السوري المزيد من الوقت للحسم العسكري المستحيل!

كان فاضحاً ومعيباً ان يتعمّد انان الغياب عن "مؤتمر اصدقاء سوريا" كما قال الشيخ عبدالله بن زايد غاضباً، لكن الامر ليس مستغرباً بعدما وقف وراء روسيا حيث اعتبر ان "مؤتمر جنيف" يغني عن اي اجتماعات اخرى رغم انه انتهى بخلاف صارخ بين الروس والدول العربية والغربية. والآن عندما يحاول تحميل مسؤولية فشله الفاضح الى السعودية وقطر ودولة الامارات التي تدعو الى تسليح المعارضة، فانه يتجاهل كل اشاراته السابقة الى ان النظام السوري لم يطبق اي حرف من خطة بنوده الستة.

ليس خافياً على احد ان نقاط انان الست دعت الى وقف النار وسحب الآليات من المدن تمهيداً للحل السياسي ولكن النظام لم ينفذ، وعندما جاء المراقبون الدوليون منعهم النظام من امتلاك المروحيات تسهيلاً لمهمتهم وحتى من الحصول على هواتف دولية وحال دون وصولهم الى المدن التي شهدت المجازر فقبع روبرت مود وزملاؤه يتلون الصلوات في فنادقهم في دمشق. ومع ذلك بلغت الفظاظة بانان ان يحاول وضع العربة امام الحصان عندما اقترح في مؤتمر جنيف تشكيل حكومة انتقالية من النظام والمعارضة بينما كانت المدن السورية تحت وابل من القصف؟

والآن عندما يصل انان الى دمشق قائلاً ان مهمته لم تنجح وليس من ضمانات بأنها ستنجح... "ولكن ليس هناك من حلول بديلة ولا من خيارات اخرى على الطاولة"، يمكن ان نفهم انه يريد الاستمرار في توفير الغطاء للنظام والحل العسكري الذي شبع فشلاً منذ 16 شهراً. لكنه عندما يعود الى نغمة الاصرار على اشراك ايران في الحل في وقت تعتبرها المعارضة جزءاً من المشكلة اخطر وادهى من المشكلة الروسية والصينية، فان ذلك يدفع الكثيرين الى استذكار التاريخ المعيب والسيئ لأنان وابنه، الذي ذهب بعيداً في المتاجرة بآلام العراقيين.

فهل نكتشف ولو بعد حين ان المستر انان الذي تم استدعاؤه من الغبار منغمس الآن في بورصة الدم السوري، وخصوصاً عندما يحاول ان يجعل من مهمته الفاشلة مدخلاً لتلزيم روسيا وايران الازمة السورية، في وقت تكتفي هيلاري كلينتون بالتحذير الفظ من كارثة تتهدد سوريا؟!

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

الأب باولو.. ضمير المتكلم

نشر : 10/07/2012

عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

لم يكن الراهب الايطالي الأب باولو ديلو المقيم منذ ثلاثين عاماً في دير مار موسى بالقرب من مدينة حمص، معروفاً على نطاق واسع، ولم يسمع أحد باسمه من خارج الدائرة الصغيرة التي يقع فيها ذلك الدير القديم المهجور الذي رممه وجعل منه بيتاً للتسامح، ومقصداً للتبادل الثقافي، وذلك حتى عام مضى، حين انفجرت الثورة السورية واقتحمت كل مناحي الحياة في البلد العربي الأكثر تنوعاً على أصعدة الطوائف والمذاهب والإثنيات، فحضر هذا الراهب بكله وكلكله في معمعانها الواسع، وصار علماً من أعلامها الخفاقة.

لم يتورط الأب باولو بما تورط به بعض رجال الكنيسة، ممن تبنوا رواية الأسد عن الجماعات الإرهابية، ودافعوا عن استبداده من منطلق أنه حامي حمى الأقليات، كما أنه لم يلذ بالصمت كغيره درءاً لشر الشبيحة، بل انحاز إلى نداء الحرية والكرامة الذي هتفت به حناجر الشباب والشابات، فاستحق بذلك غضبة أجهزة الأمن التي ضاقت به ذرعاً، ثم أبعدته مؤخراً عن المكان الذي عاش فيه ورغب أن يدفن في ثراه، تماماً كما يود كل إنسان أن يتوسد تراب مسقط رأسه.

وبهذا، فنحن أمام نموذج إنساني فريد، يصعب الطعن في شهادته، أو تأويل دوافعه ونقاء مقاصده، على نحو ما قد يتعرض له معارض في الخارج من اتهامات جاهزة، أو منشق عن جيش النظام طغت عليه طائفيته، أو أي من شهود العيان والأفراد والجماعات التي لا حصر لها، المنخرطة في ما بات يسمى على رؤوس الأشهاد بحرب تحرير شعبية ضد أول جيش في التاريخ يهاجم شعبه بكل هذه الضراوة، دفاعاً عن حكم دكتاتور أقام أكبر جمهورية خوف وصمت وإذلال. وعليه، فان الأب باولو الذي وقف بين أبناء حمص الكبار في مؤتمر المعارضة الأخير في القاهرة، إلى جانب هيثم المالح وبرهان غليون ونجاتي طيارة وخالد أبو صلاح، داعين إلى إنقاذ المدينة المنكوبة من خطر ماحق، كان يتحدث بضمير المتكلم، أو قل المتكلم النبيل، حديث من رأى لا من سمع، في وصف ما يتهدد الحماصنة خصوصاً، والسوريين عموماً، من هول آلة قمع تعمل تحت شعار "الأسد أو لا أحد"، لإعادة ترميم جمهورية الرعب والإسكات من جديد.

في مقابلة جرت معه مؤخراً من منفاه، يلتقط هذا المواطن الإيطالي السوري العربي بامتياز، جذور هذا العنف الوحشي وهذه الانتهاكات الفظة للمحرمات، بما في ذلك التمثيل بجثث الأطفال واغتصاب النساء، قائلاً إنها كامنة في ثقافة الاستبداد التي امتدت لأربعين سنة، وقامت منذ البداية على الكذب والعنف والتعذيب، الأمر الذي أنتج إنساناً "شوزيفرينياً" تزدوج لديه الصورة التي يراها عن نفسه داخل بيته ومرآة ذاته، وتلك التي يمارسها في الخارج على نحو متماهٍ مع تقاليد منظومة السلطة وإكراهاتها.

وفي رده على سؤال موجع لضمير المتكلم وضمير الغائب معاً، عن منبع هذه الكراهية التي تدفع بالقاتل إلى النظر في عيني طفل، ثم ذبحه، يجيب الأب باولو أنه عندما يريد شخص أن يضرب آخر، فان أول ما يفعله المعتدي هو أن يجرد ضحيته من إنسانيتها، ويخرج المفترى عليه من آدميته بشتمه: يا حيوان أو يا كلب، أي أنه يقتلعه من دائرة الجنس البشري، كي يبرر لنفسه سحق كائن صار في المخيلة مجرد بهيمة عجماء.

والحق، أن المقابلة المطولة المنشورة في "الحياة" اللندنية أوائل هذا الشهر، غنية بالأفكار والحكم والنبوءات لهذا القس الناسك في ديره بجبال القلمون حتى الأمس القريب، وددت أن أقطف من أفكاره فكرة الشاهد عما رأى بأم العين، ومنها على وجه الخصوص أن لا وجود للقاعدة في قلب ثورة الكرامة، ورغبت في أن أغرف من معين حكمه حكمة أن لكل إنسان دورا في إسناد هذه الثورة، مهما تواضع هذا الدور، وأن أصادق أخيراً على نبوءته بأن الثورة التي ضحى من أجلها الآلاف ثورة منتصرة بدون أدنى ريب.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

مناف طلاس ..البداية أم النهاية؟

سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

10-7-2012

الان وقد ضرب الانشقاق في الجيش السوري في مواقع متقدمة بانشقاق العميد مناف طلاس فقد ظل مصطفى طلاس الأب الهارب بهدوء ..ابن الرستن من حمص وأحد أبرز العسكريين السوريين من الطائفة السنية قائداً للجيش السوري برتبة عماد..بقي النظام يستلزمه الاستعانة بأسماء من السنة مثل عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية والذي انشق عن القيادة السورية التي آلت لبشار الأسد بعد ان خدم خدام مع والده حافظ لسنوات طويلة وظل يدافع عن سياساته بتطرف حتى وهو يقصف حماة ويقتل الالاف من أبنائها عام 1982 ولكن خدام وخاصة بعد مقتل الحريري رئيس وزراء لبنان الذي اتهمت سوريا بالوقوف وراء اغتياله اختار ان يغادر الى المنفى وأن يبقى بعيداً عن المعارضة السورية النشطة التي تطالب باسقاط النظام..

من نفس الغطاء كان فاروق الشرع الذي سمي بنائب للرئيس بعد أن عمل وزيراً للخارجية وهو الان في طي النسيان لا مهمات ولا دور وهناك من يرى انه في الاقامة الجبرية ومنهم من يصل الى القول أن مقربين من الأسد قد ضربوه وأهانوه وان بثينة شعبان قد هزأته وتجرأت عليه!!

العميد مناف طلاس وهو قائد لواء من الحرس الجمهوري فرّ بجلده من اتون الصراع وقد ترك رسالة قال فيها «انه لم يدخل المؤسسة العسكرية يوماً ليرى جيشه يواجه شعبه»..وقال «انه لم يوافق على العمليات الاجرامية والعنف غير المبرر الذي سار عليه نظام الاسد»..ودعا الضباط السوريين «ان لا ينجروا الى القتال ضد شعبهم» ..وأقر في رسالته «بشرعية نضال المعارضة على الارض» شاكراً من هربوه وعائلته خارج البلاد وواعداً بمزيد من كشف الحقائق قريباً ..وبانشقاق مناف طلاس الذي حاولت اجهزة الأمن والاعلام السورية تشويهه وأنها قد علمت بانشقاقه وحتى خروجه وراقبت ذلك من أجل أن تشكك المعارضة والشعب السوري في موقفه وتحرق هذا الموقف وتمنع الاستفادة منه..الا أن هذه المهمة لأجهزة المخابرات السورية لن تثمر ولن تصمد فقد انتهى تأثيرها بعد اطلاقها مباشرة..

قد يكون لمناف طلاس دور في اعادة تشكيل وتجميع القوى العسكرية السورية المنشقة في الجيش الحر وقد يكون له دور في اعادة بناء المعارضة باعتباره قادماً من الداخل وباعتباره عسكرياً وأيضاً لامكانية تأثيره على غيره من ضباط الجيش..(قد..هنا للتشكيك وليس للتأكيد)

فهل سيكون طلاس الخرزة الضائعة أو الرقم الموصل بين المعارضة والنظام؟..وهل يشكل وجوده على رأسها عنواناً لابقاء المؤسسة العسكرية تنجو من الحل او التدمير والقدرة على التعامل معها ومعرفة خباياها المعقدة كون الجيش السوري الذي حوله الأسد الأب ليكون اداة لحماية النظام أكثر منه جيشاً وطنياً (حماة الديار) وإلا لماذا تأخر انحياز هذا الجيش للمواطنين الذين يقتلون منذ أكثر من سنة ونصف دون ان ينقلب لحمايتهم كما حدث في مصر..

انشقاق مناف ليس في المؤسسة العسكرية فقط وانما داخل عائلة الاسد باعتبار مناف كان صديقاً شخصياً لبشار كما كان والده صديقاً لحافظ الأسد وباعتبار ان أخت مناف طلاس ناهد وهي أرملة تاجر السلاح السعودي أكرم عجة وكانت تربطها بأسماء الأسد زوجة بشار وبالرئيس نفسه علاقات خاصة مكنتها من تهريب والدها وشقيقها رجل الأعمال فراس وأخيراً الضابط مناف..

انهيار العلاقات القريبة من رأس النظام تتالى فقد كان هروب خدام قد جرى احتواؤه آنذاك أما هروب مناف طلاس فإن احتواءه الان صعب سيما وأنه قادر أن يفضح الكثير من الاسرار المتأخرة بعد الاحداث في سوريا خاصة داخل المؤسسة العسكرية والكثيرون لا يعتقدون ان مناف لن يذهب الى المنفى ليتمتع بالسيجار الذي كان يدمنه أو الحياة الناعمة التي توفرت لعائلته حيث لقب «بالأمير» وانما سيكون له مهمات أخرى كبيرة قد تفتح له باب القيادة القادمة التي تحافظ على عدم انهيار المؤسسة العسكرية او حتى عدم الدخول الى تصفيات واسعة أو حرب أهلية ..

والسؤال هل تقبله المعارضة قائداً..وهل يجد النظام بعد الأسد في مناف نجاة سيما وأن مناف قال «ان الحل السياسي لم يستنزف بعد» ولهذا معناه في أوساط المعارضة والحكم..

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أسرة طلاس لا تصلح لدور أسرة الأسد

غسان الامام

الشرق الاوسط

10-7-2012

كنت أول من سأل بشار الأسد عن الديمقراطية المفقودة في سوريا. كان ذلك قبل وفاة أبيه حافظ، بشهور قليلة (2000). قبل ترئيسه وبعد ترئيسه، بدا بشار للعالم شابا «مودرن» إصلاحيا. علمانيا. وكان آنذاك يكثر من التردد على باريس «الخبيرة» بالشأن السوري. وربما تلقى نصائح ودروسا في الديمقراطية، من الرئيس جاك شيراك. فقد عرفت باريس أن أيام الأسد الأب باتت معدودات. تكالبت أمراض عسيرة عليه، فأصابته بالوهن أيضا في ملكاته العقلية.

قال لي بشار وهو يصافحني: يجب أن تعود إلى سوريا. نحن هناك نقرؤك. ثم أسمعني محاضرة طويلة عن الديمقراطية. فهمت منها التفسير التقليدي الذي يتسلح به كل نظام سلطوي: الديمقراطية تربية. والسوريون غير مؤهلين للديمقراطية.

أحزنني التفسير. فقد عرفت سوريا الديمقراطية منذ استقلالها عن تركيا (1918). وعرفت مجلسا برلمانيا منتخبا بحرية، منذ عام 1928. واستقلت سوريا عن الاستعمار الأوروبي 1946، في عهد نظام ديمقراطي يقوده رواد ديمقراطيون للقومية العربية: شكري القوتلي رئيسا للدولة. والمسيحي فارس الخوري رئيسا للحكومة.

لم أزر سوريا، منذ علمت أن دعوة بشار لن تجنبني دعوة «إجبارية» لإجراء «حوار» مع مديري الأجهزة الأمنية! كرر الدعوة الدكتور إلياس نجمة سفير سوريا الأسبق في باريس. قال لي تستطيع أن تقيم حيثما شئت، برعاية النظام، في فرنسا. أو سوريا. أو لبنان. ثم فهمت أن الشرط هو أن أتخلى عن العمل في «الشرق الأوسط». فقد بت مزعجا. أفسدت زيارة بابا الفاتيكان السابق، عندما دعوت بشار إلى مطالبته بالاعتذار عن الحروب الصليبية التي دمرت المشرق العربي.

الحزن لم يفقد في الأمل. فقد وعد بشار بمسيرة ديمقراطية أمام نخبة من الصحافيين اللبنانيين نصحت السفارة السورية بدعوتهم. مع الأسف، لم يسل أي منهم بشار عن ديمقراطية لبنان. كانوا خائفين من آلة القمع السورية في بلدهم المحتل.

في تلك الأثناء، تلقيت دعوة من وزير الإعلام للكتابة في الصحافة السورية. على سبيل التجربة، كتبت زاوية يومية قصيرة في «تشرين» كبرى صحف النظام. ثم توقفت عندما ذوت ورود ربيع دمشق. فقد راح الرئيس بشار يغلق ندوات الساسة الهواة الذين طالبوه بالانفتاح. ثم بدأ يزجهم فرادى وجماعات في السجون.

عملت في الصحافة السورية نحو عشر سنوات فقط (1954/ 1963). ثم غادرت بلدي إثر مذبحة الصحافة السورية. فقد أغلقت حكومة صلاح البيطار الانقلابية الصحيفة التي أعمل فيها. ثم أغلقت مكتب وكالة الأنباء التي أراسلها. عملت في لبنان. عندما لحقني الجيش السوري إلى لبنان (1976) غادرته هاربا إلى أوروبا.

ثم رق قلب النظام. فقد توسط لي وزير الإعلام والسفير السوري في لندن (وكلاهما علويان متسامحان). صدر أمر سياسي لمدير عام جوازات الهجرة برد الجنسية السورية إلي وتجديد جواز سفري. كان الثمن أكثر فداحة وإهانة للكرامة. فقد اشترط علي ضباط المخابرات في السفارة بأن أكون عونا وعينا لهم على العرب واللبنانيين والسوريين في باريس.

ذهبت إلى الصديق السفير إلياس نجمة شاكيا. ذهب السفير إلى دمشق. وعاد حاملا معه أمر نقل ضباط الأمن إلى دمشق. ثم فوجئ السفير. وفوجئت معه. فقد «عوقب» أحد الضباط المنقولين بتعيينه مديرا للمخابرات العسكرية الخارجية.

ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز عاشق للصحافة. وقارئ لها. و«مبتلٍ» كما يقول بـ«بلاوي» الصحافيين. فقد رق قلبه لبلواي. استصدر لي أمرا من شقيقه العاهل السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز بمنحي جواز سفر سعوديا. جدده لي العاهل عبد الله بن عبد العزيز. وجدده لي الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز ولي العهد السابق ووزير الداخلية.

سوريا بلدي. لكن العالم العربي هو وطني. لا أعمل في السياسة. بيد أن تقلباتها العاصفة انعكست سلبا على حياتي ومهنتي. لست معارضا أو مواليا. أطل على العالم من خلال شاشة صحافية، أحب أن تكون عريضة، لأرى ما لا يراه المعارضون والموالون.

لكن النظام السوري، في انغلاقه، يرى الصحافي بوقا له في الداخل. ومعارضا له في الخارج. سرحت الحكومة شقيقي. تعلل رئيسها ناجي عطري وهو يقدم قرار التسريح إلى مجلس وزرائه. بأن الأستاذ الجامعي المسرح هو شقيق الصحافي «المعارض» فلان. ونشرت صحف النظام قرار التسريح معللا بأنه تم «خدمة للمصلحة الوطنية»!

لست وطنيا أولا. ثم عروبيا ثانيا. لا أعاني من شيزوفرينيا الفصام بين الوطنية والعروبة المصاب بها كثير من العروبيين. تربيت في البيت. المدرسة. الجامعة، على أب وجيل من الأساتذة المؤمنين، بعروبة أعتبرها اليوم خلاصا لسوريا، وسموا بها فوق الهويات الضيقة المذهبية والعرقية.

مع الأسف، نظام «المستعربين» يتحالف مع النظام الفارسي ضد العروبة. ومعارضة الداخل طلقت العروبة. ومعارضة الخارج أسقطت عروبتها، لعدم إزعاج عرابيها الغربيين الذين يستقبلون أعضاءها كسوريين أولا.

الواقع أن دعوتي للعودة إلى سوريا لم تبدأ بدعوة بشار لي. في منتصف الثمانينات، تلقيت رسالة مع صديق مشترك، من الزميل الراحل جبران كورية المستشار السياسي للأسد الأب ومدير مكتبه الصحافي يعرض علي العودة إلى سوريا، أو الإقامة حيث أنا في باريس. والشرط دائما هو التخلي عن عملي في الصحافة العربية المهاجرة إلى أوروبا. عندما امتحنت الدعوة بالمطالبة بتجديد جواز سفري، سبق ضابط أمن السفارة بشار بخمس وعشرين سنة. فقد اتهمني بالمؤامرة على النظام. أقنعت موظفة إدارية في القنصلية، بتجديد الجواز من دون حاجة إلى عرضه على أمن السفارة. عندما عادت إلى سوريا دخلت السجن. فقد وشت بها مسؤولة في القنصلية ظلت تتلقى ترفيعا بعد ترفيع، إلى أن غدت سفيرة لسوريا في بلد أوروبي.

في هذه الرواية القلمية، أحببت أن أقدم للقارئ صورة لحياة صحافي سوري يعمل في منفى الهجرة والاغتراب. هناك مليونا سوري مهاجر بعضهم يعمل. وبعضهم لا يجد قوت يومه. أتمنى «للمهاجر» الجديد العميد مناف طلاس وقتا أطيب من حظ المهاجرين الذين سبقوه. بل أشكره على وساطته لدى صديقه الحميم بشار، لإنقاذ القرويين في بلدته (الرستن). أخفقت الوساطة. فقد دمر «الصديق» البلدة فوق رؤوسهم. ثم أعتب عليه. فقد تأخر طويلا في «هجر» النظام.

في الوقت ذاته، تعتريني دهشة كبيرة، إزاء هذا الاستقبال الاحتفالي بالمهاجر الجديد. استقبلته هيلاري بالقول إنها ترحب «بالتعاون» معه. صحافة عربية رشحته لرئاسة سوريا. صحافة غربية رشحته لدور سياسي، بعد سقوط صديقه بشار.

بأمانة صريحة مع هؤلاء «المرحبين» جميعا، أقول إن ملايين السوريين الثائرين يعرفون. ولا يقبلون بأي دور سياسي لهذه الأسرة التي عاشت منعمة. مترفة. مرفهة. أربعين سنة في ظل النظام.

أثبت المرحبون أنهم لا يعرفون السوريين. ويجهلون تماما تطورات القضية السورية خلال الخمسين سنة الأخيرة. لعل الأب العماد مصطفى (82 سنة). المهاجر بدوره إلى باريس يهمس في أذن نجله العميد مناف (48 سنة) بأن «كلينا لا يصلح لدور في سوريا. فقد تجاوزتنا الثورة بمسافة طويلة». وأنا أيضا فقد خدعني بشار. ضللني بمسافة طويلة.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

لا بد من وقف المأساة السورية!

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

10-7-2012

في إحدى المدن السورية المجاورة لحماه وجه الأهالي نداءات إغاثة، حيث إن الجثث بقيت في الطرقات لثلاثة أيام، وجيش النظام الذي يرابط هناك بأكثر من مائة مدرعة، يمنعهم من نقلها ودفنها. وفي دوما دعا الأطباء إلى تدخل دولي لمعاينة الوضع، حيث يشتبه في ظهور أوبئة خطيرة، أيضا بسبب انتشار الجثث واستمرار قصف الأحياء المدنية، حتى اضطر معظم سكان المدينة إلى الفرار.

هذه الحالات اليومية، ومعظمها مصور وموثق، تزيد الضغط ليس على الرئيس السوري بشار الأسد، الذي كل ما يزعجه في جرائم قواته أن تؤثر صورها المروعة على الإنترنت على أطفاله الثلاثة، كما قال لإحدى وسائل الإعلام التركية! هذه الجرائم التي يطالعها ملايين الناس في المنطقة كل مساء تزيد الضغط على حكومات المنطقة وقوى المجتمع المختلفة. ويشعر الجميع بالغضب لأن الشعب السوري يستغيث من الإبادة منذ أكثر من عام ونصف العام وليس من مغيث. ومن يعرف المناخ العام هناك، يدرك في أي اتجاه تهب الريح؛ فهي تهب نحو نقمة شعبية عارمة. ومن المؤكد أنه في ظل هذا اليأس والغضب المتنامي هناك لن يقف الشعب مكتوف الأيدي بسبب عجز حكومات المنطقة. وما يزيد الاحتقان استمرار الجامعة العربية في التغطية على جرائم نظام الأسد، ولم تفعل شيئا نافعا سوى طلب وقف بث محطات النظام السوري على الأقمار الصناعية العربية، وحتى هذا القرار التافه لم ينفذ!

نظام بشار الأسد يتآكل من الداخل، والشواهد كثيرة، لكن حتى نصل إلى نقطة الانهيار، ربما نهاية هذا العام، تكون المواقف الرسمية العربية قد تآكلت وشبع الناس منها حتى كرهوها. وهذه المواقف الرسمية المتفرجة ستجد نفسها محاصرة غدا بظهور جماعات جهادية تركب موجة الغضب الشعبي والنقد ضد الأنظمة.

المواطن العادي لا يفهم القانون الدولي لكنه يشعر أن إبادة شعب أمر لا يمكن السكوت عنه. عام ونصف العام من القتل والتدمير والإبادة أمور لا يمكن للقانون الدولي أن يمنع التدخل لوقفها. ولا يعقل أن تسكت نحو عشرين دولة عربية، فقط لأن روسيا والصين تستخدمان حق «الفيتو». ولا يعقل أن تقبل أغلبية أعضاء الجامعة العربية الرضوخ لحكومات دول على رأسها الجزائر وموريتانيا والسودان والعراق، وتمتنع عن التدخل المباشر أو الدعوة إليه. ولا يفترض أن يغرر بنا الأمين العام للجامعة العربية عندما يستخدم عبارة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويقصد بها المادة 41 من الفصل السابع التي تجيز استخدام كل العقوبات، باستثناء القوة العسكرية، مثل العقوبات الاقتصادية. وفي حال فشل هذه العقوبات يرجع الجميع لمجلس الأمن مرة أخرى، لطلب تنفيذ الفصل السابع في إطار المادة 42 التي تجيز استخدام القوة، الأمر الذي استخدمت روسيا والصين «الفيتو» ضده. وبالتالي الحديث عن الفصل السابع هنا خداع لغوي، نجح فقط في منح نظام الأسد المزيد من الوقت لقتل الآلاف من السوريين العزل. أيضا، لا يفوتنا فهم ما قاله وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، قبل أيام مضت، أن عناصر من «القاعدة» عبرت الحدود العراقية إلى داخل سوريا. بدا الوزير مجبرا على قول هذا التصريح المضحك، لأن «القاعدة» لا تحتاج للانتقال من العراق إلى سوريا، فهي جاءت أصلا من سوريا. يبدو أن الوزير زيباري أجبر على قوله عقابا له من قبل حكومته المؤيدة للأسد؛ لأنه تجرأ وأعلن الأسبوع الماضي أن ما يحدث في سوريا جرائم يرتكبها نظام الأسد ضد المدنيين العزل.

في الداخل السوري، حرب الإبادة مستمرة بلا هوادة ولا حدود لها، تطال التجار بالقتل ونهب محلاتهم عندما يغلقونها إضرابا واحتجاجا، وتطال حتى مشيعي الجنازات، حيث يقتل كل من يسير وراءها، وتطال نجوم المجتمع ورموزه تخويفا. وتلاحق قوات الأسد حتى الرياضيين الذين يتبنون مواقف معادية لها؛ فقد أعدمت ميدانيا، أمام الأهالي، قبل أيام، لاعب كرة من نادي النواعير حسام أبو علو. واحتجاجا على جرائمها أعلن لاعب منتخب سوريا فراس الخطيب رفضه اللعب. وكانت قوات النظام أطلقت سراح الملاكم العالمي أحمد وتار بعد سجنه عقابا له على موقفه المعارض لها.

النظام محاصر، والمزيد من قوى ورموز المجتمع تتمرد عليه، من قيادات عسكرية إلى مشاهير الرياضة، والمظاهرات تزداد ولا تتراجع على الرغم من هول التنكيل، ففي العاصمة دمشق سجلت 46 مظاهرة يوم الجمعة الماضي؛ لهذا فإن دعم الشعب السوري لن يحقق إلا نتيجة واحدة، ليست إسقاط النظام، فهذه مؤكدة، بل التعجيل بإسقاطه واختصار زمن المعاناة والدم.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

الجيش السوري والطائفية

حسين شبكشي

الشرق الاوسط

10-7-2012

ظهرت دراسة نشرت في صحيفة «نيويورك تايمز» أن الجيش السوري بلغت فيه الطائفية حدا خطيرا جدا، فهي توضح أن هناك ألف منتسب في كل دفعة بالكلية الحربية من الطائفة العلوية (التي تنتمي إليها عائلة الرئيس بشار الأسد) مقابل 100 من الطائفة السنية و100 آخرين يمثلون كافة المزيج المتنوع المتبقي من الطوائف والأقليات.

ليس سرا أن الجيش السوري، وخصوصا المراكز القيادية فيه كانت دوما ولا تزال من نصيب الطائفة العلوية، وأن من ينصبون في مراكز قيادية من الطائفة السنية لا يوجد معنى حقيقي للمنصب، لأنه دون صلاحيات تنفيذية جادة.

حافظ الأسد الذي جاء إلى الحكم من رحم جيش وطني غير طائفي أدرك أن عليه «تمييع» هوية الجيش للحفاظ على الحكم، فبدأ بترويج فكرة أن الجيش قومي وعروبي ومنتم لحزب البعث عقائديا، وخلال تلك الفترة بدأت الكثير من الأسر المهمة توجه أبناءها نحو التجارة والأعمال المهنية وبعيدا عن الخدمة العسكرية والسلك العسكري.

والتفت حافظ الأسد لهذه المسألة جيدا وبدأ في إغراء العشرات ثم المئات ثم الآلاف من أبناء طائفته للانخراط في السلك العسكري والاستفادة من ذلك الأمر بشكل ملموس.

ولكن لغة الأرقام تتحدث وبعنف وقوة الثورة السورية التي تجاوزت مدتها السبعة عشر شهرا وحصدت أكثر من 17 ألف قتيل، والجيش السوري النظامي المقدر حجمه بـ400 ألف عنصر أنهكته الحرب على الشعب، وبدأت علامات الانشقاقات بين عناصره في التأثير عليه، وكذلك هناك مسألة أخرى متنامية الأهمية آخذة في التأثير وهي أن هناك 80 ألف شاب أغلبهم من الطائفة السنية تخلفوا عن تسليم أنفسهم للجيش وذلك لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وهناك أعداد أخرى متزايدة ترفض تنفيذ أوامر قيادتهم العليا بتنفيذ عمليات محددة ضد السكان في المدن المحاصرة.

حتى داخل هذا الجيش الذي كان يروج للناس أنه ينتمي لفكر علماني قومي ولا يميز بين أبناء القطر الواحد، يكتشف الناس هناك وجود طبقات من التميز والأفضلية؛ فالفرقة الرابعة تضم نخبة النخب من الطائفة العلوية، ومعنية بحماية النظام والدائرة المقربة جدا منه، وكذلك الأمر بالنسبة للحرس الجمهوري الذي تقول التقديرات إن عدد المنتسبين إليه يبلغ الـ60 ألف عنصر، وهناك تقديرات مهمة تفيد بأن عدد أفراد أجهزة الاستخبارات الأربعة يتجاوز عددها الـ150 ألف عنصر، وهناك قناعة واعتقاد كبير أن الجيش تم تنظيمه بهذه الهرمية الدقيقة المتنافسة والمعقدة لكي يتفرغ لدوره الأساسي وهو حماية النظام من الشعب.

فحافظ الأسد كان دائما يدرك أن وصوله للحكم وتمكنه من السلطة يجب أن يكون ضمن مخطط طويل الأجل يضمن فيه ولاء المؤسسة الأهم في البلاد، وهي الجيش، لخدمة هذه الفكرة، وظهر الأمر جليا وبوضوح إبان مرحلة تسليم السلطة لبشار الأسد بالتدريج عبر تدرجه الصاروخي في المناصب المختلفة حتى وراثته لمنصب الرئيس بعد وفاة والده.

ولذلك جاء خبر انشقاق مناف طلاس العسكري المقرب والمسؤول عن إحدى الفرق الحيوية في الجيش السوري بمثابة الخبر الصادم جدا لمؤيدي بشار الأسد، وذلك لأن مناف طلاس تربطه بالرئيس السوري بشار الأسد علاقات صداقة وزمالة طويلة الأمد، وكان يعتبر من عناصر النظام وأهمها.

ولكن لم يكن التعليق الذي صدر من وسائل إعلام نظام بشار الأسد بعيدا عن الواقع هو ايضا، إذ أوضح أن مناف طلاس لا قيمة له في المنظومة العسكرية للجيش السوري، وأنه ليس له وزن حقيقي، وهذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن تعرف الآن أن هذا النظام ما هو إلا آلة تفريخ واضحة للطائفية بامتياز وجه موارده عبر الزمن منذ أن تمكن من السلطة لتكريس الفكرة الطائفية، وأن يكون الحكم والمصلحة المصاحبة للحكم مرتبطين تماما بقوة الطائفة، وعلى أن يكون الولاء والأولوية لذلك، وتم تسيير الأنظمة والمصالح لأجل تحقيق هذا الهدف، وقد كان لهم ذلك، ولكن لكل أجل كتاب وللظلم نهاية.

هذه المشاهد التي نراها في فصول الثورة السورية هي نتاج طبيعي للظلم والتمييز والتفرقة العنصرية والطائفية التي دفع ثمنها لسنوات هذا الشعب الكريم الغاضب.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

الانشقاقات تحرج الأسد

أمل عبد العزيز الهزاني

الشرق الاوسط

6-7-2012

عندما انشق الطيار السوري حسن مرعي حمادة عن سلاح الجو السوري بطائرته الحربية إلى الأردن، كان - كما أبانت التقارير - قد خطط مسبقا للقيام بهذه الخطوة الشجاعة منذ أسابيع وربما أشهر، كونه رتب لخروج أسرته من سوريا وضمن سلامتهم قبل أن يعبر الحدود إلى الأردن، مما يدلل على أن عسكر النظام يراودون أنفسهم فعليا كل يوم بشأن الخروج عن طاعة بشار الأسد في أقرب الفرص المتاحة.

كان بود إعلام النظام إخفاء نبأ الحادثة، لولا أن مثل هذه الأخبار لا يمكن إخفاؤها، فأداة الفرار هي طائرة «ميغ 21»، وليست عصفورا سيختفي بين الأشجار. كما أن جهة الفرار - أي الأردن - ليست من حلفاء بشار الأسد، بل إنها من المنددين بسوء أعماله، وكان من المتوقع أنها ستبادر بإعلان الحادثة، وحصل وأعلنتها، بل ومنحت الطيار اللجوء السياسي في موقف إنساني يحسب لها. ولأن النظام وقع في حرج أمام العالم، فقد تجرأ على إسقاط طائرة تركية دخلت أجواءه من دون أن يوجّه لها إنذار كما هو الإجراء المتعارف عليه، ليقول للعالم إن الطيران السوري لا يزال يقظا رغم فرار طياريه الذين يتزايد عددهم يوما بعد آخر، وأن بإمكانه مقارعة واحد من أقوى الجيوش في المنطقة. وربما راهن بشار الأسد ودائرته المقربة على أن تركيا التي تراخت كثيرا في موقفها ضد النظام السوري - على الأقل مقارنة بموقفها بداية الأزمة - لن تتخذ موقفا ضده مهما استفزها، لأن أنقرة دأبت على التهديد بالكلام وليس الفعل.

أول ردود الفعل التي اتخذها النظام السوري ردا على حوادث الانشقاقات العسكرية الخطيرة التي بدأت بعد 3 أشهر من الثورة، ومن كل المراتب والقطاعات العسكرية المختلفة بدءا من الجنود وحتى مرتبة عميد، هو فرز العسكر الذين يتولون تنفيذ توجيهاته بضرب المدن السورية، فاختارهم من المقربين الموثوق في ولائهم، وأبقى على مراقبة عوائلهم أو احتجاز أفراد منها لضمان ولاء أبنائها. لذلك فإن انشقاق الطيار حمادة ينظر له من الناحية العسكرية على أنه أكبر خسارة مني بها النظام السوري منذ بداية الثورة عليه قبل عام ونصف العام، لأنها خطوة جريئة، كونه فر بطائرة قيمتها 25 مليون دولار عبر حدود دولته، وهو مؤشر على حالة انشقاق داخلية أشمل مما يبدو في الظاهر.

القوات العسكرية السورية، سواء برية أو جوية، لا ينقصها الأفراد الذين تجاوز عددهم نصف مليون مجند، بل ينقصها ولاء هؤلاء للنظام، لذلك استعان الأسد بمقاتلين من إيران وحزب الله لتنفيذ المجازر والمذابح على الأرض، ولتقليل حالة الانشقاق التي تحرجه أمام السوريين المترددين أو الخائفين من اتخاذ خطوة الانشقاق أو الفرار، أو تحرجه أمام الرأي العام العالمي، وتسبب الأمر نفسه لحلفائها الروس والإيرانيين. منذ بداية الثورة السورية توقع المراقبون حصول انشقاقات لمسؤولين سياسيين كبار، خاصة الدبلوماسيين خارج سوريا، مماثلة لما حدث في الوضع الليبي. لكن لم تحصل سوى حادثة واحدة في يونيو (حزيران) 2011، اتضح أنها مفبركة، حينما سجل تلفزيون قناة «فرنسا 24» اتصالا من سيدة ادعت أنها سفيرة دمشق في باريس لمياء شكور، تعلن استقالتها احتجاجا على ممارسة النظام عنفا غير مبررا ضد السوريين المدنيين، ثم ظهر لاحقا أنها تمثيلية من النظام، لتخرج سفيرتهم على «قناة العربية» بعد ساعات منكرة انشقاقها، ومؤكدة على ولائها لبشار الأسد. كان الهدف من هذه الخدعة أن يستبعد الناس من أذهانهم احتمال حصول أي انشقاق في المستقبل.

تطورت الأحداث بعد ذلك بشكل لم يعد يقبل بمثل هذه المسرحيات الهزلية الهزيلة، وأصبح النظام اليوم محاصرا في مواجهة جدية على أكثر من جبهة؛ داخليا من الثوار الذين لم تخب عزيمتهم يوما، وكذلك تزايد عداد العسكر المنشقين، وخارجيا من حلفاء الشعب السوري، من العرب والغربيين.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سوريا: عالم الأسد الخيالي الخطير

أمير الطاهري

الشرق الاوسط

6-7-2012

في الوقت الذي تتصاعد فيه دوامة العنف في سوريا، هناك سؤال يستحق أن نفكر فيه بجدية: فبعيدا عن كونه جزءا من حل ممكن، ألا يعد الرئيس بشار ال أسد إحدى المشكلات الجوهرية في سوريا الآن؟

فحتى روسيا بدأت في إعادة النظر في دعمها لهذا الطاغية؛ حيث تؤكد حساباتها أن فرص الأسد في البقاء في السلطة تبدو قليلة. وفي اجتماع جنيف في الأسبوع الماضي حول سوريا، ترك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الباب مفتوحا أمام إمكانية استبعاد الأسد من عملية التحول في البلاد.

ربما فكرت روسيا أيضا في القوة الموازنة التي بدأت في الظهور بمنطقة الشرق الأوسط مع انتخاب مصر للرئيس الجديد محمد مرسي، والذي انضم إلى تكتل الدول العربية التي تدعم الثورة في سوريا، مما ترك الأسد من دون أي حليف إقليمي، ما عدا طهران.

وعلى الرغم من ذلك، فالمشكلة مع الأسد تتجاوز الاعتبارات السياسية بكثير؛ حيث يبدو أن الأسد يفقد التواصل مع الواقع ويقوم بنسج عالم بديل من خياله الخاص، مما يجعله سجينا لهذا البيت الواهن من خيوط العنكبوت التي نسجتها أوهامه.

كان من الجدير بلافروف سؤال مستشاريه الذين يتحدثون العربية أن يقوموا بتحليل المقابلة التي أجرتها القناة الرابعة في التلفزيون الحكومي الإيراني مع الأسد في الأسبوع الماضي؛ حيث يجد المرء شخصا مستنزفا من الناحية العاطفية لا تربطه أي صلة بما يحدث في العالم الحقيقي، رجلا يتشبث بأوهامه الخاصة، لدرجة يبدو معها أنه ليس لديه أي رغبة في معرفة الأوضاع الحقيقية.

ينبغي على لافروف التفكير مليا في سؤال بسيط: هل يتسنى لرجل لا يعرف حتى ما هي المشكلة أن يشارك في حلها؟ ومن دون أي مبالغات خطابية، فإن نظرة الأسد إلى الموقف قد تكون كالتالي: منذ أكثر من عقد من الزمان، في الوقت نفسه الذي خلف فيه الأسد والده تقريبا، بدأت الولايات المتحدة في تسويق مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، ثم قام الأسد بإطلاق «عملية الإصلاح» الخاصة به، والتي جاءت متوافقة مع روح العصر، إن جاز التعبير.

وعلى الرغم من ذلك، ولأسباب غير محددة، أدى وقوع بعض الأحداث الأخرى، مثل الانتفاضة الفلسطينية وهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على الولايات المتحدة والغزو الأميركي للعراق، إلى إبطاء وتيرة «عملية الإصلاح» الخاصة بالأسد. ولكن فيما عدا ذلك، استمر الأسد في القيام بالأشياء التي كان ينبغي عليه القيام بها، مثل سحب جيشه من لبنان، حتى جاءت الحرب التي شنتها إسرائيل على الوجود الإيراني المسلح في جنوب لبنان (حزب الله) في عام 2006، ثم تبعتها الحرب الإسرائيلية على غزة في عام 2009.

وعلى نحو مفاجئ، أدرك الأسد أن ما يريده الأميركيون لم يكن الإصلاح وإنما الإطاحة به من السلطة؛ حيث إنه قد قام بكل ما في استطاعته لإرضائهم ولكنه فشل في ذلك.

يكمن السبب الحقيقي في ذلك - حسب الأسد - في وقوف الولايات المتحدة ، مدفوعة من «طبيعتها الاستعمارية»، ضد الأسد بسبب دعمه لـ«المقاومة». ولم يخبرنا الأسد ماذا يعني بكلمة «المقاومة»؟.. أو من يقاوم من ولأي سبب؟.. ولكنه يصر على أنه البطل الحقيقي لهذه المقاومة.

يعد دعمه لـ«المقاومة» أحد أسباب ثلاثة وراء تحدي «القوى الاستعمارية» لنظام حكمه؛ حيث يتمثل السبب الثاني في «الموقع الجيوسياسي» لسوريا. يقول الأسد، بنبرة أشبه بمعلمي المدارس، إن سوريا «تقع على الصفائح التكتونية الموجودة في الشرق الأوسط»، وأن أي تغيير يحدث هناك سوف يرسل بالموجات إلى شتى أنحاء الإقليم، ولكن الأسد لم يقل لماذا قد يرغب أي شخص في تنشيط هذه «الصفائح التكتونية»؟

أما السبب الآخر في المشكلات التي يتعرض لها الأسد فهو دعمه للبرنامج النووي الإيراني، على الرغم من أنه لم يخبرنا، للمرة الثانية، بالنفع الذي سيعود عليه في حال تمكن أتباع الخميني من امتلاك القنبلة النووية.

هل الأزمة الحالية التي تواجهها سوريا تعزى فقط للعوامل الخارجية؟

اعترف الأسد على مضض بأن الأمر ليس كذلك، ولكنه على الرغم من ذلك، يؤكد أن الأسباب الداخلية لهذه الأزمة تعد ثانوية.

وفي إجابة كوميدية، ادعى الأسد أن معارضيه في سوريا «يصل عددهم إلى 64.000 شخص» فقط في بلد يصل عدد سكانه إلى 22 مليون نسمة. ولكن من أين حصل الأسد على هذا الرقم المحدد؟ هل كان لديه إحصاء للمعارضين في سوريا؟ ولماذا لم يكن الرقم 64.123 أو حتى 65.000؟

إذن، من هؤلاء الناس التي تقوم قواته بقتلهم بصورة يومية؟ كان جواب الأسد قاطعا: «إنهم عبارة عن أعضاء في تنظيم القاعدة فضلا عن مجموعة صغيرة من المجرمين الذين يعملون من أجل المال». وبعبارة أخرى، فلا توجد أي مشكلة سياسية في سوريا من وجهة نظر الأسد؛ حيث إن ما تواجهه سوريا ما هو إلا مشكلة أمنية يمكن حلها فقط عن طريق «القضاء على الإرهابيين».

يقول الأسد: «من واجبنا قتل الإرهابيين»، مضيفا: «مع كل إرهابي نقتله، ننقذ حياة العشرات والمئات بل الآلاف من الناس». يمكن وصف فلسفة الأسد ببساطة بأنها الاستمرار في الحكم عن طريق القيام بالمزيد من المذابح، فليس هناك حاجة للمفاوضات أو التسويات أو التحول أو الانتخابات أو غيرها من الأمور، فقط الاستمرار في القتل.

ولكن من هو الإرهابي؟ الإرهابي هو أي شخص قتل على أيدي كتائب الموت الخاصة بالأسد، التي تدعى «الشبيحة». وبعد كل هذا، يضيف الأسد على الفور بأنه دعم «خطة السلام» الخاصة بأنان، وأنه أمر بوقف إطلاق النار، ولكن «الإرهابيين» هم من قاموا بانتهاك وقف إطلاق النار «500 مرة»، رقم آخر دقيق من أرقام الأسد، مما أسفر عن قتل خطة أنان.

لا يعلم المرء ما إذا كان الأسد يعيش في أوهامه بالفعل أم أنه يلعب الدور المسند إليه من جانب «الأشخاص الأقوياء» في نظامه الذين يوجدون في الظل؟.. ولكن الأمر المؤكد هو أنه شخص محتال آخر لا يتمتع بأي من صفات الخيال أو المرونة أو الاعتدال التي يجب أن يتحلى بها الزعماء المؤثرون في أوقات الأزمات. وبدلا من ذلك، يبدو الأسد في هيئة رجل في حاجة ماسة لمساعدة طبيب نفساني.

ولكي تنجح أي عملية تحول في سوريا، من الضروري أن يتنحى الأسد أو حتى يتم تنحيته، ففي أبسط السيناريوهات، سوف يمثل حدوث «تغيير داخل النظام» بدلا من تغيير النظام مشكلة حقيقية للبلاد.

ربما يكون حديث الأسد عن «الحرب الشاملة»، في الوقت الذي يحاول فيه توريط جيران سوريا في هذه الدراما الدموية، بمثابة التلميح لإمكانية لجوئه إلى «خيار شمشون»؛ حيث أعطانا إسقاط الطائرة الحربية التركية غير المقاتلة تصورا مسبقا عن هذه الاستراتيجية.

سوف يقوم الأسد بكل ما يستطيع لقراءة قصة شمشون بصورة أكثر عناية؛ حيث سيكتشف أن شمشون المنحوس قد لجأ إلى هذا الخيار المشهور بعد أن تم تجريده من قوته وفقأ عينيه كعقاب على تحديه للإرادة الإلهية.

لم يتعد خيار شمشون كونه شكلا من أشكال الانتحار مع بعض الرتوش التي تمت إضافتها كمؤثرات درامية.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سورية وحرب التسليح والاستخبارات

الجمعة ٦ يوليو ٢٠١٢

وليد شقير

الحياة

لم يعد إحصاء عدد القتلى والموقوفين عشوائياً في سورية ولا نسبة الدمار في المدن والقرى، الشغل الشاغل للمنظمات الإنسانية وللإعلام، كما كان يحصل في الأشهر الأولى لانتفاضة الشعب السوري، حين كان ينشر كل أسبوع تقريباً رقم جديد لارتفاع عدد الضحايا.

والأرجح أن إطالة أمد الأزمة وتحولها لأشهر مضت وأخرى ستأتي مسألة روتينية بفعل غياب التوافق الدولي على صيغة لمعالجتها، ولّدت حالاً من عدم الاكتراث لعدد الذين يموتون يومياً وتحوّل إزهاق الأرواح نتيجة مسلّماً بها بصرف النظر عن حجم المأساة.

والأرجح أيضاً أن العدد الفعلي لحصيلة الفظائع التي يرتكبها النظام لن تظهر إلا عند انتهاء الأزمة لتتكشف عن أرقام خيالية بعشرات الآلاف. عندها سيكون الرأي العام العربي والعالمي اعتاد على الفظاعات التي تظهر على شاشات التلفزة وسيتعامل مع الأرقام الفعلية ببرودة ما بعدها برودة.

وليس صدفة أن يدلي رئيس بعثة المراقبين الدوليين في سورية الجنرال النروجي روبرت مود بشهادته في هذا المضمار، حين يقول إن هناك شعوراً بأن الكثير من الكلام يقال من قبل المجتمع الدولي في الفنادق الفخمة والاجتماعات اللطيفة، في تعليقه على اجتماع جنيف آخر الأسبوع الماضي الذي انتهى الى وضع خريطة طريق لانتقال سياسي من قبل مجموعة العمل الدولية الممثلة للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والجامعة العربية ودول أخرى. فالرجل بات يدرك أن العجز الدولي عن وقف العنف، يعني أنه في انتظار تحقيق اتفاق فعلي بين الدول الكبرى، فإن ما هو متاح ليس أكثر من إدارة الأزمة. وعلى رغم تبرمه مما يسببه ذلك من تصاعد في العنف والقتل، هو في النهاية موظف وعليه انتظار ما سيقرره مجلس الأمن في 20 الجاري بالنسبة الى مهمة المراقبين، التي على ما يبدو هي المهمة الأساسية التي توافق على استمرارها الأميركيون والروس.

وعلى رغم أن الخطة التي قررتها دول مؤتمر جنيف للانتقال السياسي في سورية تسمح بالاستنتاج أن روسيا أقرت بأن الانتخابات التي نظمها الرئيس السوري بشار الأسد وأن الدستور الجديد الذي اعتمده والاستفتاء الذي أجري عليه... كلها خطوات غير معترف بها، فإن محاولة الدول الغربية «جرّ» روسيا الى البحث في مصير الأسد قوبلت بالنفي الكامل من قبل موسكو للتصريحات والتسريبات عن أنها تبحث مع واشنطن تنحيه عن السلطة. ومع أن جوهر خطة النقاط الست للمبعوث الدولي كوفي أنان هو أن تؤدي خطوات الانتقال السياسي الى رحيل الأسد، لكن من دون الإعلان عن ذلك مسبقاً، فإن النفي المستمر للقيادة الروسية للتخلي عن الأسد لا يعني سوى أن أوان الحل لم يأت بعد.

أرادت الدول الكبرى «تقنين» الصراع بينها على سورية ووضع سقف له بحيث يكون أقل من حرب باردة، من دون استبعاد حصول صفقة حولها، عندما يجري التوافق على قضايا دولية وإقليمية أخرى.

ولا تقتصر آثار محدودية الاتفاق الدولي على التسبب بمزيد من القتل الذي تشهده الأرض السورية. فتَحت سقف الاتفاق الدولي المعلّق، لغياب آلية واضحة وجدول زمني لتحقيق ما نصت عليه خطة جنيف، تختبر القوى الدولية والإقليمية إمكاناتها وقدراتها فتخوض اختبارات تتعلق بالتسليح والاستخبارات لها علاقة بقضايا متصلة بصراعاتها في ميادين أخرى غير الميدان السوري.

ومثلما شكّل هرب الطيار السوري بطائرة ميغ 21 الى الأردن فرصة لاختبار الغرب المدى الذي ذهب إليه التسليح الروسي ونوعيته لسلاح الجو السوري، فإن إسقاط الطائرة التركية من نوع إف – 4، فضلاً عن أنه رد على تهريب الطائرة السورية، يشكل اختباراً لأسلحة الدفاع الجوي الروسي لسورية، ورسالة روسية الى الجانب التركي ومن ورائه حلف الناتو عن الإصرار الروسي على سياسة مواجهة خطة إقامة الدرع الصاروخية وإشراك تركيا فيها عبر تركيز رادارات الصواريخ على أراضيها. ولا يقل الاهتمام الإيراني بوجود خبرائه وبعض قادته العسكريين الرئيسيين على الأراضي السورية حرصاً على استباق أي تطويق لطهران عبر البوابة التركية لحلف الأطلسي، عن الحرص الروسي على الاحتياط إزاء تمدد الدور الإقليمي لتركيا، مع تهاوي النظام السوري...

مع الحرب الاستخباراتية والتسليحية التي تخوضها الدول الكبرى والمحاور الإقليمية على الأرض السورية وفي محيطها في سياق التنافس على جغرافية المنطقة السياسية، قد لا يكون غريباً أن يطل مجدداً أسلوب الاغتيالات برأسه في لبنان مع اكتشاف محاولة اغتيال النائب بطرس حرب...

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

في عقم الحلول الدولية حيال سورية...

بكر صدقي *

الجمعة ٦ يوليو ٢٠١٢

الحياة

لنفترض أن الروس اقتنعوا أخيراً بإيجاد «تسوية للأزمة» في سورية تقوم على تنحي بشار الأسد وترحيله وعائلته من البلاد مع ضمانات قانونية بعدم محاسبته على الجرائم التي ارتكبها، أو ما بات يسمى بـ «الحل اليمني». سنكتشف منذ تلك اللحظة أن «النظام» ليس هو بشار الأسد وعائلته، بل شبكة معقدة من القطعات العسكرية والأجهزة «الأمنية» والمافيات العائلية القوية، إضافة إلى ميليشيات مدنية من العلويين بصورة رئيسية تسمى الشبيحة. ليس هذا وحسب، بل يجب أن نضيف إلى ما سبق شبكة من الإداريين في مختلف مؤسسات الدولة، مصالحهم مرتبطة بالنظام البائد.

سيدافع كل هؤلاء عن مصالحهم بكل ما يملكون من امكانات. ستكون أي حكومة انتقالية عاجزة عن ممارسة مهماتها بسبب امتناع مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن والجيش عن تنفيذ أوامرها. ستواصل تلك الأجهزة معاملتها الكيدية للمواطنين فتقوم باضطهادهم بمختلف الذرائع، وقد يضطر رئيس الحكومة إلى العمل كمحام مدافع عن حقوق الإنسان، فيلاحق بنفسه الانتهاكات، في الوقت الذي يحتاج البلد فيه إلى حل مشكلة مليون ونصف من النازحين في الداخل والخارج، وبناء ما تهدم من عمران في عمليات قصف المدن والبلدات، وتأمين موارد الطاقة ودفع أجور الموظفين والعمال، وتأمين الخبز لملايين السوريين.

في الوقت نفسه، سيتخذ الشبيحة المسلحون من القرى والأحياء العلوية متاريس لهم للدفاع عن أنفسهم في مواجهة القوات الحكومية التي تريد تسليمهم للقضاء، أو في مواجهة مجموعات سنية مسلحة تريد الثأر للمجازر التي ارتكبها الشبيحة. سيحتاج الأمر في الحالة الأخيرة إلى جيش مؤهل للفصل بين مجموعات متقاتلة، غير موجود عملياً في سورية. فقسم من الجيش الواقعي هو امتداد عسكري للشبيحة، في حين أن القسم الآخر إما أنه انشق سلفاً والتحق بالجيش الحر غير المجهز لأي مواجهة خطيرة، أو أنه يفتقد أصلاً للتدريب والتجهيز المطلوبين.

وسيكون كبار حيتان الطبقة الفاسدة المحيطة بعائلة الرئيس قد هربت أموالها خارج البلاد، فضلاً عن قسم كبير من أصحاب رؤوس الأموال العاديين هرباً من الأوضاع غير المستقرة. في المقابل سنشهد حركة كبيرة من الهجرة المعاكسة تتضمن عودة أشخاص مغامرين ركبوا موجة الثورة حين كانوا خارج البلاد، سيسعون إلى قطف الثمار من سقوط النظام. أتحدث عن طبقة جديدة من الفاسدين ستفعل كل شيء لتحل محل الطبقة الفاسدة التي فقدت امتيازاتها.

نستخلص مما سبق أن ما نسميه «النظام» في اللغة الدارجة ليس العائلة الحاكمة وحدها، ولا الأجهزة الأمنية وبعض قطعات الجيش وحدهما، وليس الشبيحة وحدهم، وليس طبقة المافيات المنتفعة وحدها، وليست طبقة الإداريين الفاسدين وحدهم. إنه كل ذلك معاً وأكثر. باختصار شديد: نحن لا نملك في «سورية الأسد» ترف التمييز بين النظام والدولة. بل إن النظام هو الدولة زائد أشياء أخرى كثيرة (مثلاً الشبيحة). إسقاط النظام يعني إسقاط الدولة وأشياء أخرى كثيرة، لبناء دولة جديدة من الصفر تقريباً. وهي مهمة تفوق طاقة السوريين وتتطلب جهوداً عربية ودولية متناسقة، مع صفاء النيات.

الواقع أن اجتماع جنيف الأخير الذي جمع، بمبادرة من كوفي أنان، مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بالملف السوري، انتهى إلى «خريطة طريق» أدنى بكثير من الحل اليمني الموصوف أعلاه. فالاجتماع هذا وإن دعا «جميع الأطراف» إلى وقف العنف والانخراط في عملية سياسية نواتها حكومة «وحدة وطنية» تضم المعارضة إلى النظام، لم يقل لنا شيئاً عن سبب فشل خطة أنان ذات النقاط الست في وقف العنف قبل الانتقال إلى أي بند آخر من الخطة. فلا نعرف ما هو الجديد في سلوك النظام مما يشجع على التفاؤل بنجاح الخطة الانتقالية الجديدة بعد فشل خطة أنان الأولى. الواقع أن الجديد النوعي في سلوك النظام هو القصف المنهجي للمدن والمناطق المحررة من بعد، ذلك القصف المدفعي والجوي الذي تحول إلى السمة الأبرز لقمع النظام منذ دخول خطة أنان حيز التطبيق.

يعبر هذا القصف من بعد عن انحسار سيطرة النظام المتفاقمة على الأرض. فحيثما خرجت مدن وبلدات عن سيطرته وفشل في اقتحامها، لجأ إلى القصف من بعيد الذي يؤدي بدوره إلى نزوح السكان وبقاء الجيش الحر وجهاً لوجه أمام قوات النظام. والنتيجة المألوفة لهذا المسار هو ما يسميه الجيش الحر بـ «الانسحاب التكتيكي». يليه اقتحام قوات النظام المكان، الفارغ من السكان والحياة، وبقاؤها فيه بضعة أيام. بعد ذلك تنسحب قوات الأسد لأن بقاءها لم يعد يفيد في شيء، وتنتقل إلى مدينة محررة أخرى لتقصفها طوال شهر ثم تقتحم الفراغ مجدداً، وهكذا...

كلف هذا التكتيك العسكري في الحرب بين الجيش الحر وقوات الأسد نحو أربعة آلاف قتيل ومئات الآلاف من النازحين، منذ بدء تطبيق خطة أنان في العاشر من نيسان (أبريل) الماضي.

من المحتمل أن روسيا التي تحولت إلى ناطق باسم نظام دمشق، رأت في انحسار سيطرته على الأرض، وتصاعد وتيرة تفكك قواته المسلحة، وتزايد عدد قتلاه من الجيش والأمن والشبيحة، نذر شؤم بقرب تفكك النظام نفسه وسقوطه. وما «خطة جنيف» إلا محاولة جديدة من روسيا لإنقاذ النظام الذي نجح نجاحاً باهراً في تحويل التظاهرات السلمية إلى ثورة مسلحة أخذت تدق أبواب دمشق والمحيط القريب لقصر المهاجرين.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

تفاهم دولي على خروج الاسد واقاربه وبقاء النظام

الجمعة ٦ يوليو ٢٠١٢

راغدة درغام

الحياة

اختصر أحد المشاركين في اجتماع جنيف الجمعة الماضي حول مصير الوضع في سورية ما حدث بأنه سجّل نقطة تحول بين مرحلة «اللاعمل واللاقرار» ومرحلة الإنذار عبر «إعطاء الفرصة الأخيرة». وقال: «إنها مرحلة بناء جسر العبور». هذا المصدر الرفيع المستوى وصف الاجتماع الذي ضم وزراء خارجية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ووزراء خارجية العراق والكويت وقطر وتركيا والأمين العام للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى جانب المبعوث الأممي والعربي كوفي أنان بأنه كان اجتماعاً صعباً ومهماً في آن. وقال: «أجزم أنه حصل تفاهم روسي أميركي على معالجة الأزمة السورية من دون مواجهة وإنما من خلال التعاون. واتفق الطرفان على مبدأ عدم عسكرة الصراع».

مشارك آخر في اجتماعات جنيف وصف الأجواء بالعكس تماماً. وقال إن كل طرف تشبث برأيه وإن وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف كان عنيفاًَ في مواقفه وفي اللهجة التي خاطب بها الآخرين لا سيما نائب رئيس الوزراء وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم ووزير خارجية تركيا. وبحسب هذا المصدر، لم يسفر اجتماع جنيف عن جديد وإنما كشف أكثر فأكثر اعتزام روسيا على شرعنة حقها بتزويد النظام السوري بالسلاح تنفيذاً لصفقات أُبرِمَت بين الحكومتين وإصرارها في الوقت ذاته على عدم شرعية تسليح المعارضة من قِبَل الدول التي تدعمها.

الرأيان المتناقضان يعكسان الواقع الروسي في محاولته إتمام «الصفقة الكبرى» Grand Bargain بما فيها ضمان تميّزه دولياً كلاعب يتساوى مع الدولة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة الأميركية، يعلو على اللاعبين الإقليميين. يعكسان أيضاً فنّاً في التفاوض لا يأبه بالصورة التي يتركها الدب الروسي لدى الرأي العام بقدر ما يدرك أن التمادي بالارتباط دموياً بمجازر وقمع سيرتد عليه. يعكسان مزيجاً من القوة والضعف في المواقف الروسية يترك آثاره في ذلك النمط من إنصاف الخطوات.

الخلافات الحادة التي برزت في اجتماعات جنيف كانت ثنائية حيناً وكانت ذات نزعة فوقية من جهة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. فلقد نقلت المصادر أن هذه الدول اتفقت على صيانة تميزها وتفوقها ودعمت الدول الغربية روسيا والصين عندما تعالتا على قطر وتركيا وخاطبتاهما بفوقية على أساس أنه لا يحق لهذه الدول أن «تتدخل» في شؤون وإجراءات مجلس الأمن لتطالب بفصل سابع أو لترفض تعديلات روسية وصينية.

إنما الفكرة الأساسية وراء توجيه الدعوة إلى رؤساء مجموعات إقليمية، مثل وزير خارجية العراق هوشيار زيباري بصفته رئيس الدورة الحالية لجامعة الدول العربية، كانت من أجل العمل على إيجاد لغة توفيقية وتفادي الصدامات. وبحسب المصادر، وصل النقاش مرحلة حرجة بين الدول الخمس، وبين روسيا والصين من جهة وقطر وتركيا من جهة أخرى. وأوشك الوفدان الروسي والصيني على المغادرة مهددين بأنه إذا لم تؤخذ تعديلاتهما في الحساب فإنهما على استعداد لمقاطعة الاجتماع. وقالت المصادر إن الروس بالذات استاؤوا جداً من تركيا وقطر على أساس أنه «لا يحق» لهما التدخل في نص لمشروع قرار يخص مجلس الأمن وأن عليهما ألا يتصرفا وكأنهما عضوان في المجلس.

لكن الخلافات الأساسية كانت بالقدر نفسه من الحدة لا سيما عندما أدخلت روسيا عنصراً جديداً على إحدى النقاط الست في خطة كوفي أنان التي تطالب بسحب القوات العسكرية الحكومية والآليات المسلحة التابعة لها من المدن. فلقد وضع الوزير الروسي أكثر من دولاب في العجلة على نسق تساؤله: مَن يضمن جانب المعارضة في المعادلة وهي تحتل مدناً كاملة؟ ومن يقوم بتنسيق الانسحاب المتزامن؟

وكان هناك جدال طويل حول الحكومة الانتقالية في سورية ومَن سيكون المفوّض حكومياً للحوار، وهو أمر أوضح ممن سيكون مفوّض المعارضة المشتتة للحوار. فالمحاور الحكومي أسهل إيجاده من محاور المعارضة.

المصادر قالت إن الكلام في جنيف لم يتطرق صراحة إلى بقاء أو ذهاب الرئيس السوري بشار الأسد إنما الانطباع كان جليّاً لدى الجميع بأنه لن يشارك في الحوار الذي ستبدأ به الحكومة الانتقالية وإنما سيفوّض المهمة إلى الشخص المناسب. وكان هناك خلاف حول تشكيلة الطرفين ومَن يخضع لموافقة مَن وتم التفاهم على التوافق الثنائي المتبادل بالتراضي.

كان هناك أيضاً خلاف جذري حول استصدار قرار عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من الميثاق يضع تنفيذ خطة كوفي أنان في مرتبة الالتزام ومحاسبة مَن لا ينفذ بنودها. ما تم التوصل إليه في جنيف كان خطوة حل وسط انتقالية اتكأت إلى صدور بيان متفق عليه يلقيه وزير خارجية بريطانيا وليام هيغ باسم الدول الخمس الدائمة العضوية يعلن فيه التمسك بخطة أنان واعتزام مجلس الأمن النظر في ضمانات تنفيذها. وفي حال فشلت الجهود الجارية خارج المجلس، تتم العودة إلى مجلس الأمن نحو الفصل السابع.

خلاصة ما خرج به المشارك العربي الرفيع المستوى هو أنه «للمرة الأولى، لمست في جنيف تفاهماً روسياً وأميركياً تعدى الخطوات المتراكمة حتى قمة العشرين التي جمعت الرئيسين باراك أوباما وفلاديمير بوتين وتعدى زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى موسكو وزيارة بوتين إلى إسرائيل».

وأضاف المصدر: «قد لا يكون الاتفاق واضحاً بحذافيره، إنما هناك تفاهم على أن يخرج الرئيس السوري وأقاربه من سورية، إنما الدولة تبقى. أي تبقى قيادات علوية لتتحكم بالأمور على نسق النموذج المصري» في إشارة إلى دور المجلس العسكري في الحفاظ على الدولة بعد تفكيك العائلة والنظام.

الحذافير مهمة، والشيطان في التفاصيل. وحتى الآن، ما زال الحسم والجزم في قنوات المقايضات والشكوك المتبادلة.

أحد السياسيين المخضرمين في منصب عالٍ في حكومة عربية قال: ما هو الذي تريده روسيا ولم تحصل عليه بعد؟ هذا سؤال في محله لأنه طالما الوضوح بعيد المنال، هذا يعني أن هناك شيئاً ما تريده روسيا من طرف أو أطراف ما، ولم تحصل عليه بعد.

المعارضة السورية تبدو وكأنها لا تستوعب معادلة المواقف الدولية والترابط بين الاستراتيجيات والمصالح العالمية للدول الكبرى. إنها مشتتة وضائعة أحياناً وهي ذات فكر سياسي ينصّب على مسائل محددة مثل إقامة مناطق حظر وممرات آمنة ووعود طيران وحماية بالقوة. واقع الأمر أن أميركا لا تريد هذه الإجراءات وهي وافقت روسيا على ضرورة عدم عسكرة النزاع. هذا لا يعني أن واشنطن تريد بقاء الرئيس أو النظام. إن أسلوبها يعتمد أكثر على الحث الدؤوب على انشقاقات في صفوف الجيش وعلى التفاهم مع روسيا على رعايتها العملية الانتقالية السياسية في سورية ضمن تفاهمات أكبر.

ما حدث في اجتماعات المعارضة في القاهرة يدل على تقصير في الوعي السياسي لدى أطراف في المعارضة. مبدأ المقاطعة لاجتماعات كالتي استضافتها جامعة الدول العربية في القاهرة يدل على قصر النظر. ومعارضة الداخل تحتاج وعياً أكثر لكيفية قراءة مواقف الدول الكبرى. أخطاء على نسق حرق الأعلام الروسية كما حدث سابقاً يجب ألاّ تُرتكب. مقاطعة اجتماع للم شمل المعارضة يجب ألا تحدث.

روسيا لديها مصالح كبرى بغض النظر عن قصورها أخلاقياً تجاه الشعب السوري وإخضاع تطورات سورية لمعادلات المصالح الروسية. الروس خائفون على مصالحهم وخائفون من التطرف الإسلامي وخائفون من الإرهاب وخائفون من الانتفاضات العربية وخائفون من تدخل الأمم المتحدة في قضايا داخلية قد تؤدي إلى تدخلها في الشيشان. الروس ثاروا ضد إهانة استبعادهم عن رسم النظام الإقليمي الجديد واعترضوا على قرارات غربية انفرادية. إنما هذا لا يعني أن روسيا في وضع تُحسد عليه. إنها في موقع يستحيل عليها الاستمرار به، ولذلك إنها تستعد للمقايضات الكبرى.

الاتفاق في جنيف على تشكيل حكومة انتقالية في سورية لم تلوث يدها خطوة مهمة لروسيا قابلة للتطوير. المشكلة الأكبر قد لا تنحصر في العلاقة الروسية – الأميركية وماذا تحصل عليه موسكو من واشنطن. لعل أحد أهم جوانب المشكلة أو العثرة هو في علاقة روسيا مع تركيا ومع دول مجلس التعاون الخليجي. وفي صلب هذا الخلاف أو الاختلاف سورية وكذلك إيران، استراتيجياً كما نفطياً كما في مجال العقود الثنائية التجارية والسياسية.

فالحظر النفطي الأوروبي على إيران يرافقه رفع الإنتاج النفطي السعودي. رفع الإنتاج حفاظاً على انخفاض الأسعار يغضب موسكو ليس فقط من ناحية الضرر بإيران وإنما أيضاً من ناحية الضرر الاقتصادي لروسيا. ثم انه لا يوجد تبادل تجاري أو استثمارات بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي. هناك تحالف خليجي – غربي (ومصري أيضاً اليوم) ليس من مصلحة روسيا أن تكون خارجه. موسكو تعترض على هذا الواقع في مجلس الأمن وفي سورية عبر سياسة «التعطيل» المعهودة في العصر السوفياتي.

أحد المخضرمين وصف الفارق بين الصين وروسيا بقوله إن معارضة الصين صامتة ومعارضة روسيا صاخبة. المواقف بين دول الخليج وروسيا متباعدة جذرياً في ناحيتي سورية وإيران، إنما هناك حاجة الآن إلى البدء بإصلاح العلاقة مع ابتداء موسكو بالموافقة على حكومة سورية جديدة «ومن خارج النادي» بحسب قول مراقب. فموسكو بدأت إجراءات لها دلالة على الآتي إلى سورية، من ضمنها استضافة أطراف المعارضة السورية لإجراء حوار.

العراق قرأ هذه العناوين كما بدا واضحاً من خلال خطاب وزير الخارجية هوشيار زيباري في اجتماع المعارضة السورية في القاهرة الذي تحدث بلغة «التصدي لأنظمة القمع الشمولية» وأوضح «الالتباس» بأن العراق «لم يكن محايداً» و «لم نكن مع النظام ضد المعارضة والثورة السورية».

هذه مواقف تعكس قراءة لافتة للعراق قرر على ضوئها أنه يجب أن يحسب حساب المستقبل الآتي إلى جيرته. وبحسب مسؤول عراقي اشترط عدم ذكر اسمه «استنتجنا، من خلال اتصالاتنا الدولية ومراقبة الأوضاع ميدانياً، أن الوضع الميداني يتغير لغير مصلحة النظام. محافظات كاملة خرجت عن سيطرة السلطة وباتت الحكومة حكومة شبيحة وعسكرية. روسيا تحاور المعارضة وحتى إيران تفتح قنوات للتحاور مع المعارضة. كل هذا أدى بنا إلى اتخاذ مواقف أوضح وأقوى».

متى الحسم؟ لا أحد يملك الجواب القاطع. إنما الأكثرية تقول إن الحل السياسي آتٍ قبل نهاية السنة. هذا إذا لم تنسفه تطورات تفرض العسكرة.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أوغلو وموعد دمشق القريب

عامر أرناؤوط

عكاظ

6-7-2012

حمل مؤتمر المعارضة السورية المنعقد برعاية الجامعة العربية مفاجأتين ومؤشرا بارزا؛ أما المؤشر فكان حضور هيئة التنسيق المعارضة من داخل سورية، وما يحمله ذلك من دلالات بالغة الوضوح على التغير الاستراتيجي في مسار الحضور الروسي على خط نتائج لقاء جنيف.أما المفاجأتان فشكلتهما كلمتا وزيري خارجيتي تركيا أحمد داوود أوغلو، والعراقي هوشيار زيباري الذي وصف أفعال النظام السوري بجرائم الحرب منطلقا من خبرات العراقيين في التعامل مع النظام البعثي الذي حكم لعقود العراق، وأذاق أهله الويلات معتبرا أن المسؤولية الكبرى تقع على قوى التغيير التي لا بد لها من صياغة تصوراتها المشتركة لمستقبل سورية الحرة والديمقراطية مذكرا بالمخاضات التي عاشتها المعارضات العراقية قبيل سقوط النظام هناك .الكلام الجريء غير المسبوق للوزير العراقي عززه الوزير التركي بضرب موعد للحاضرين بأن يكون اللقاء المقبل في دمشق. ما ألهب مشاعرهم وأعطاهم جرعة من الأمل بغد يحمل التحرر والعزة لشعبهم وقواه الحية .هذا المؤتمر الحاضر والفاعل في توقيته وأجندته يشكل استكمالا واضحا لآليات خطة جنيف التي تفترض وجود معارضة موحدة على مستوى الرؤية السياسية؛ ما يؤدي إلى صياغة عملية سياسية متكاملة تحقق ثلاثة أمور أولا: استدراج روسيا إلى المربع السوري من زاوية الإجماع الدولي، وإنهاء حالة المواجهة الساخنة معها المرتبطة مع خيارات مواجهة حضورها المتجدد على الساحة الدولية والإقليمية كلاعب أساسي لا يمكن القفز فوق رغباته، أو تجاهل مصالحه. وثانيا: تكريس المعارضة السياسية في المرحلة المقبلة كلاعب شرعي دائم الحضور في النسخ المتعددة التي قد تطرح على طاولة إنهاء الأزمة السورية. وثالثا وأخيرا: إرغام النظام السوري على تجرع الكأس المرة بالجلوس على طاولة الحوار، وهو ما سيحدث تشققات وصدوعا في جسم الحالة الأمنية والنفوذية حول الرئيس الأسد غير القابلة للمرونة أو الحياة مع الحالات السياسية العميقة ما سيجعل موعد أحمد داوود أوغلو في دمشق قريبا جدا وغير بعيد.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

مؤتمر جنيف .. والبازار الروسي !؟

محمد بن حمد البشيت

عكاظ

6-7-2012

كان من المتوقع أن ينتهي مؤتمر جنيف الأخير، عن «مجموعة العمل» حول سوريا، دون الوصول إلى أي إيجابية ملموسة تبشر بإيقاف جرائم طاغية دمشق، ولكن رغم فشله، إلا أن براعة السيد كوفي عنان، استطاع جمع كبار الفرقاء المتخاصمين حيال سوريا، وأن يجر الروس إلى عدم الممانعة من رحيل الأسد، وإقناعهم بأنه من الصعب استمرار بقائه في الحكم، لذلك بدأت روسيا بالتقدم بالمفاوضة من أجل بقاء مصالحها مع الدولة السورية القادمة، بمعنى أن البازار الروسي بدأ العد التنازلي للمقايضة على الأسد ..!!.

فما أتى في مداولات مؤتمر جنيف، وإن شابها المماطلة والتسويف دون حسم، فإن الخطة الانتقالية للسلطة أخفت في طيها الكثير من الأمور المهمة، التي لم تعلن بموجب التقرير الصادر عن «مجموعة العمل» والتي تركت غامضة. فقال بعض المؤتمرين: إن الأسد سيزاح من السلطة وسيبقى في الأراضي السورية والقليل من كوادر حزبه النافذين سيسمح لهم بالمشاركة في العملية الانتقالية للسلطة، وفق رغبة روسيا والصين !! تماهيا مع الرغبة الإيرانية للحفاظ على مكتسباتها الآنية مع حليفها السوري، فيما لو تمت إقامة دولة علوية بالساحل السوري، وربما لأجل ذلك ما يقوم به النظام في عملية التفريغ للمدن السورية كحمص وحماة واللاذقية.

التناغم الغربي حيال عدم حل المشكلة حاليا، هو الهروب للأمام، من ناحيتين، الأولى: أن أمريكا لا تريد حل المشكلة إلا فيما بعد الانتخابات الأمريكية وما يصدر عن هيلاري، (عبارة عن تصريحات مطاطية) كقولها سترحل تقرير اجتماع جنيف للأمم المتحدة..

ثانيا: روسيا، والصين، وإيران ولو من بعيد، راغبون في إطالة أمد الحرب الدائرة على أمل أن ينتصر الأسد على المتظاهرين بالقضاء عليهم.. ولكن كما يقول المثل «حساب الحقل لم يتوافق مع حساب البيدر» فقد زلزلت الثورة السورية الصامدة زهاء سنة ونصف، قلاع الطغيان الموشكة على السقوط.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

المسألة السورية في حسابات الصين

رغيد الصلح *

الخميس ٥ يوليو ٢٠١٢

الحياة

كلما طالت الازمة السورية وغرقت البلاد في المزيد من الدماء والعنف، تعمق طابعها الدولي ودور القوى الكبرى فيها. وحيث ان سورية بلد مهم في المنطقة العربية، فإن التدويل المتفاقم للازمة السورية يفتح الباب امام تحويل المنطقة وبخاصة في المشرق الى مسرح للصراع الدولي برمته. وفي الآونة الاخيرة بدا وكأن اللعبة قد اقتصرت على لاعبين اثنين: الحلف الاطلسي بزعامة الولايات المتحدة الذي يدعم المعارضة السورية، وروسيا التي تدعم النظام السوري. هذا ما جعل البعض يناقش موقف موسكو وكأنه هو العامل الحاسم في استمرار الازمة السورية او نهايتها.

ينطوي التشديد على اهمية الموقف الروسي تجاه الازمة السورية على الكثير من الصحة. فلا ريب في ان موسكو تملك الكثير من الوسائل والاوراق التي يمكنها استخدامها للتدخل في سورية. فباستثناء التدخل بصورة مباشرة عبر ارسال السفن الحربية الى مرفأ اللاذقية وتزويد القوات السورية بطائرات الهليكوبتر، تستطيع موسكو ممارسة ضغط غير مباشر على واشنطن لتعديل موقفها تجاه المسألة السورية. تستطيع موسكو، على سبيل المثال لا الحصر، ان تقفل خطوط الاتصال والإمداد التي تستخدمها الادارة الاميركية لإسناد قواتها في افغانستان. هذا العمل يضع القوات الاميركية الباقية هناك في وضع صعب، ويساعد مقاتلي «طالبان» على محاصرة هذه القوات وتسديد ضربات قوية لها.

قد تضطر روسيا الى استخدام هذه الارصدة التي تملكها ضد الولايات المتحدة واستطراداً ضد الحلف الاطلسي، لو انها تقف وحيدة ومعزولة في لعبة الدفاع عن مصالحها الحيوية في سورية، وإذا استعر الصراع بينها وبين واشنطن وحلفائها حول المسألة السورية. بيد ان التباعد بين موسكو وواشنطن حول هذه المسألة لم يصل الى حده الاقصى، ثم ان موقف موسكو تجاه الازمة السورية هو في الحقيقة موقف روسي-صيني. فللبلدين وليس لروسيا وحدها، مصالح ضخمة في المنطقة. وزعماء البلدين يدركون ان الصراع على المنطقة هو، في الحقيقة، صراع على مواقع في النظام الدولي.

الصين حاضرة في ميدان الصراعات الشرق اوسطية كما هي روسيا ولكن مع اختلاف في نقاط التركيز وأساليب العمل وأدوات التأثير. فروسيا القريبة من مسرح الصراع على سورية تستطيع التدخل بصورة مباشرة في المنطقة، اما الصين البعيدة عن الشرق الأوسط فليس من السهل ان تقوم بالدور نفسه... اخذاً في الاعتبار هذا الفارق، فإن المؤثرات الصينية في المسألة السورية والشرق اوسطية تتجلى عبر المسالك الآتية:

اولاً: معارضة مشاريع التدخل الغربي العسكري في سورية مع دعم الجهود التي يقوم بها مندوب الامم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي انان. ومن الملاحظ هنا ان موقف بكين اتجه الى المزيد من التشدد بعد ان وصفت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون استخدام الصين وروسيا حق الفيتو ضد مشروع غربي بصدد المسألة السورية بأنه «يستحق الازدراء». فمنذ شهر شباط (فبراير) الفائت تصاعدت حدة التعليقات في الاعلام الصيني ضد الولايات المتحدة وضد سياستها الشرق اوسطية. في سياق هذه الحملة انتقدت وكالة «شينخوا» الرسمية في مقال افتتاحي الموقف الاميركي قائلة انه بينما يتظاهر الاطلسيون بأنهم يتحركون استجابة لاعتبارات انسانية، فإنهم في الحقيقة يعملون «من اجل بسط هيمنتهم على المنطقة». وساهمت صحيفة «الشعب» اليومية الصينية الرسمية في هذا المنحى التصعيدي حين نددت بالموقف الاميركي قائلة انه تعبير عن سياسة تفتقر الى اي مسوغ اخلاقي وأنها تتسم بالطابع العدواني والمغرق في الاستعلاء والغرور.

ثانياً: تنمية العلاقات الصينية-الروسية. ويمكن القول هنا ان المسألة السورية لعبت دوراً مهماً في التقريب بين الطرفين بخاصة ابان الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الصين خلال شهر حزيران (يونيو) المنصرم. ففي هذه الزيارة بحثت تلك المسألة، كما صرح سفير الصين في موسكو، في اطار دولي اوسع ألا وهو تنمية وتطوير العلاقات بين البلدين في اطار منظمة شنغهاي. وفي اعقاب هذه الزيارة اتسعت التوقعات حول مستقبل المنظمة بخاصة لجهة تحولها في المستقبل الى ما يشبه ناتو اوراسياً.

على وقع هذه التطورات، ارتقت العلاقات الى «مستوى غير مسبوق بين البلدين المتفقين على المصالح الجوهرية والمقاربات المشتركة للسياسة الدولية»، كما صرح سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي. وألمحت المصادر الديبلوماسية في البلدين الى أن المشاورات التي تمت خلال الزيارة شملت المسألة السورية والاتفاق على خطوات عملية لدعم خطة انان وتفعيلها في المستقبل.

ثالثاً: تنمية القدرات الصينية. ان بكين لم تتدخل على نطاق واسع في الشرق الاوسط وفي المسألة السورية تحديداً، ولكنها فعلت ما هو اكثر من ذلك عندما اضطرت الولايات المتحدة الى نقل ميدان الصراع الدولي الرئيسي برمته الى شرق آسيا. فالصين التي تسير بخطوات عملاقة على طريق التنمية، تسعى بموازاة الصعود الاقتصادي الى تحديث قواتها المسلحة. ووفق معهد دراسات السلام (سيبري) في استوكهولم، فإن موازنة الدفاع الصينية تضاعفت خمس مرات بين عامي 2000 و2012 بحيث باتت اليوم تقارب 160 بليون دولار. وعلى رغم ان واشنطن تنفق ما يفوق اربعة أضعاف ما تنفقه الصين اليوم، إلا ان الاحصاءات التي قام بها معهد «سيبري» ومراكز دراسات استراتيجية اخرى تقدر ان الصين ستنفق اكثر مما تنفقه الولايات المتحدة عام 2035.

ما هي الغاية الرئيسة من هذه السياسة الدفاعية؟ وأي علاقة بينها وبين المسألة السورية؟ يجيب اميركيون معنيون بالعلاقات الصينية-الاميركية عن السؤال الاول بأن الصين تطمح الى الاضطلاع بدور «القوة الاقليمية المهيمنة على منطقة جنوب شرقي آسيا»، وبأن هذا الطموح يتناقض مع مصالح الولايات المتحدة الامنية الحيوية. لمعالجة هذا الخطر الصيني المتفاقم، اصدر الرئيس الاميركي اوباما وثيقة «الارشادات الاستراتيجية» بصدد اعطاء الاولوية لآسيا. تسترجع هذه الوثيقة المبادئ العامة التي جاءت في وثيقة اصدرها مساعد وزير الدفاع الاميركي بول وولفوفيتز عام 1992. وتضمنت الوثيقة تعهداً من الادارة الاميركية بالتحرك - حتى المسلح - ضد اي تكتل اقليمي يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة. ولقد ندد الكثير من الاميركيين الليبراليين والديموقراطيين آنذاك، ومنهم جوزف بايدن نائب رئيس الجمهورية الاميركي الحالي، بهذه الوثيقة وبطابعها العدواني. بيد ان الرئيس اوباما الذي كان يقف مع الذين انتقدوا بقوة سياسات بوش الخارجية، لا يجد اية مشكلة في تنفيذ هذه السياسة. كما اثار قانون وولفوفيتز انتقادات واسعة في الولايات المتحدة، فإن السياسة التي تعتمدها ادارة اوباما ضد الصين تثير انتقادات موازية. لقد اعتبر نائب رئيس اركان الحرب الاميركي السابق جيمس كارترايت في محاضرة ألقاها خلال شهر ايار (مايو) الفائت ان الغرض الرئيس منها هو «ابلسة الصين، وهذا هدف مضر بالجميع».

هذه السياسة ستطلق سباق التسلح في آسيا وتفتح الباب امام تجدد الحرب الباردة. فالولايات المتحدة عازمة على ارسال ست حاملات طائرات والكثير من السفن الحربية الى السواحل القريبة من الصين، وعلى تعزيز وجودها العسكري في الدول المجاورة، وعلى اقامة حلف يضم الهند واليابان واندونيسيا وكوريا الجنوبية وفيتنام بغرض احتواء الصين ومنعها من التحول الى عملاق اقليمي، ناهيك بالطبع عن عملاق عالمي. وبديهي ان الصين لن تسكت عن هذا التحدي وسترد عليه وإن اقتضى الامر بعض الوقت.

انه صراع دولي جديد لن تنحصر آثاره في شرق آسيا فحسب، بل سوف تطاول غرب آسيا ايضاً. واذا كان تيودور روزفلت قد اعلن عندما دخل البيت الابيض عام 1901 ان الصين وجوارها هي منطقة حيوية بمعيار المصالح الاميركية، فإنه لن يكون من الصعب على زعماء الصين الصاعدة في عالم الاقتصاد والسياسة والدفاع ان يعلنوا ان المنطقة العربية، بما فيها سورية بالطبع، الغنية بالثروات الطبيعية وبالممرات الاستراتيجية، هي منطقة حيوية في الحسابات الصينية. تبقى الحسابات العربية وهي ضائعة حتى إشعار آخر.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

هل من حل سياسي في سورية؟!...

أكرم البني *

الخميس ٥ يوليو ٢٠١٢

الحياة

فشلت المبادرة العربية، ولم ينفذ بند واحد من خطة كوفي أنان، مثلما لن يتأخر الوقت حتى يلقى مؤتمر جنيف لمجموعة الاتصال حول سورية المصير نفسه.

نجاح الحل السياسي المقترح للصراع الدائر في سورية يتطلب واحد من احتمالين، إما قبول الأطراف الداخلية المعنية به وأولها وأكثرها تأثيراً، النظام السوري، قبولاً جدياً يضع الحل موضع التنفيذ، وإما، في حال تعذر ذلك، أن تتكفل قوى خارجية بإكراه النظام على ذلك، عبر استخدام مختلف الضغوط، السياسية والاقتصادية من دون استبعاد القوة العسكرية أو التلويح بها.

لا يدل المشهد السوري، حتى اليوم، على وجود فرصة لأحد الاحتمالين، فالنظام ليس بوارد التراجع خطوة واحدة عن خياره الأمني والعسكري، بل يتضح للعيان وبعد خمسة عشر شهراً من تجريب مختلف وسائل القمع بأن لغة القوة والعنف وسياسة التدمير والتنكيل هي اللغة السائدة، بل هي خياره الوحيد للحفاظ على سلطته ولسحق ما يعتبره مجموعات مسلحة متآمرة، بخاصة أنه خير من يعرف مخاطر السير في الطريق السياسي ويدرك أن الدخول في أجواء هذه اللعبة سوف يقضي على ما تبقى من مظاهر هيبته وقوته، ويفضي خلال فترة قصيرة إلى تفكيك بطانته وتعديل سريع في توازن القوى شعبياً ولنقل إلى حضور كثيف للناس في الساحات لتقرر مصيرها.

«لا للحل السياسي» هي عبارة تكثف موقف السلطة السورية الحقيقي، ليس فقط بسبب بنيتها المعجونة بمنطق القهر والغلبة، بل لإدراك بعض رجالاتها بأنهم وصلوا إلى نقطة اللاعودة، وإنهم بعد ما ارتكبوه يخوضون معركة حياة أو موت، والأهم لأنها تستند إلى اطمئنان خارجي مزدوج، من الحلفاء والأعداء على حد سواء، فهي مطمئنة بأن مصالح أصدقائها لن تسمح لهم بتركها وحيدة في الميدان، فموقف ايران وأنصارها في لبنان والعراق واضحة بما يكفي لتجعل النظام متيقناً بأنه ضرب من المحال التفريط به أو بموقعه لأنه تفريط بما راكمته إيران من نفوذ طيلة عقود. أما روسيا فقد تمثلت درس ليبيا جيداً وتخوض غمار صراع دولي دفاعاً عن النظام كي تحسن أوراقها التفاوضية ومن دون أن لا تخسر آخر موقع نفوذ لها في المشرق العربي.

وبديهي أن تذهب إيران إلى آخر الشوط وتدفع موقفها إلى النهاية، لكن تبدو روسيا أقرب إلى البحث عن مخرج سياسي، فهي تتحسب من الغرق في الملف السوري، وتزداد حرجاً من الأوضاع المأسوية التي تخلفها آلة الدمار وتمادي النظام في القتل والتنكيل، ومع ذلك تبقى موسكو حريصة على أن لا يتجاوز جديدها السقف الذي يفقدها التحكم بخيوط اللعبة، فهي تعرف الحجم المتواضع لتأثيرها على النظام السوري وحدود قدرتها لإجباره على قبول تسوية سياسية، بخاصة إن تضمنت تنحية الرئيس السوري.

صحيح أن روسيا دخلت بقوة على الخط السوري وبدت صاحبة القرار في أهم المنعطفات لكنها تبقى عاجزة عن فرض موقفها على النظام، ويصح القول إن الكلمات التي يكررها الاعلام الرسمي عن رفض الرضوخ لأية حلول تفرض من الخارج تعني موسكو أيضاً كما تعني غيرها.

من جهة أخرى يبدو النظام مطمئناً أيضاً إلى السياسات الغربية التي لا تزال مترددة وتحجم عن الدخول بقوة على الصراع السوري كما في ليبيا واليمن، والأسباب متعددة، منها التحسب من ردود أفعال أطراف المحور الإيراني الداعمة للنظام، ومن حسابات التكلفة في بلد لا يمتلك موارد للتعويض، ومنها تفهم الهموم الإسرائيلية وخشيتها من وصول سلطة جديدة إلى الحكم في سورية تهدد أمنها واستقرار المنطقة، عوضاً عن سلطة خبرتها جيداً وأظهرت وفاء بعهودها، ولا يمكن هنا إغفال الوقت الضائع قبل الانتخابات الأميركية، لجهة حرص أوباما على دخول مرحلة التجديد من دون التباسات قد يجرها التصعيد في سورية، أو لجهة الفائدة من تأخير المعالجة السياسية لاستنزاف النظام وحليفه الإيراني أطول مدة ممكنة.

الاطمئنان المزدوج يقفل باب السياسة ويطلق أيادي النظام قمعاً وتنكيلاً ويزيد إصراره على الحسم العسكري، وآخر دليل توظيف حادثة إسقاط الطائرة التركية لتأكيد جدوى المواجهة وللاستهزاء بالتصريحات النارية لغير مسؤول تركي أو غربي وللسخرية من المجتمع الدولي العاجز عن الرد والتدخل.

ويبقى أن استمرار الثورة هو العامل الحاسم في فتح طريق المعالجة السياسية، فعجز النظام عن محاصرتها وكسر شوكتها سيزيد من تفكك مؤسساته وآلته الحربية وأعداد المنشقين واتساع المناطق التي تخرج عن السيطرة، ومن حصول تحول نوعي في موقف الفئات السلبية، وما سيعطي هذه الظواهر أبعادها السياسية، تنامي فاعلية قوى المعارضة التي تخطو هذه الأيام خطوات جدية نحو رص صفوفها أو على الأقل توحيد إيقاع سياساتها وممارساتها.

وهنا لا يغيب عن البال احتمال حصول تغير في موقف بعض أطراف السلطة، فالفشل في إخماد الاحتجاجات، وحالة الإنهاك للقوى العسكرية والأمنية، وتسارع التدهور الاقتصادي، وتصاعد حدة الضغوط العربية والدولية الراغبة في مخرج سياسي، يمكن أن تفضي إلى تبلور قوى من داخل تركيبة النظام نفسه تزداد قناعة بعجز الحل الأمني وبضرورة المعالجة السياسية، وتتنطح بداية ربما للمنازعة والمشاركة في اتخاذ القرارات ثم المبادرة عند اللزوم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

تكرار المشهد السوري المأسوي لم يعد ممكناً، ولم يعد الهامش أمام النخبة الحاكمة واسعاً كي تتصرف بحرية وتتصدى للاحتجاجات بكل ما تملكه من وسائل قهر وتدمير، متكئة إلى ردود أفعال بطيئة ومترددة ولا ترقى إلى مستوى الحدث ومعاناة الشعب السوري، مثلما لم تعد بعيدة لحظة سقوط أوهام العقل الأمني ولنقل لحظة إدراكه بلا جدوى هذا العنف والتنكيل البربري وبأنه قد يزيد التكلفة والأثمان، وربما يؤخر موعد الخلاص، لكنه آتٍ على أية حال. 

* كاتب سوري

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

عندما يتكلم لافروف بلسان وليد المعلم

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

5-7-2012

من مؤتمر مجموعة العمل في جنيف الى مؤتمر أصدقاء سوريا في باريس غداً، النتيجة واحدة وهي منح بشار الاسد وقتا إضافيا لارتكاب مجازر جديدة. وسواء كان وزير الخارجية الروسية لافروف حاضرا ام غائبا عن مثل هذه المؤتمرات فلقد اصبح جزءا من الصورة الوحشية التي يصنعها نظام دمشق، الدور الروسي يوفر غطاء لتقاعس المجتمع الدولي عن القيام بما يلزم لردع وحشية الديكتاتور وهو تقاعس مطلوب أمريكيا ومرحب به إسرائيليا لانه يؤجل انهاء الوضع الى ان يفرغ الاسد من تدمير سوريا وانهاك شعبها وربما تقسيمها حتى لا تقوم للبلد قائمة لربع قرن قادم.

استمعت لوقائع المؤتمر الصحفي الذي عقده لافروف في جنيف يوم السبت بعد انتهاء اجتماع مجموعة العمل الدولية، في المحصلة انضم الوزير الى مواقف دول المجموعة التي تبنت خطة كوفي عنان باقامة حكومة انتقالية لانتقال السلطة في سوريا، لكن هذا التطور في الموقف الروسي الناجم عن اتفاق أوباما-بوتين في قمة العشرين، لا يعكس تغييرا جوهريا في موقف موسكو.

كمواطن عربي أعيش في بلد يشهد مزيدا من تدفق اللاجئين السوريين وهم يحملون معهم شهادات عن وحشية النظام، استغربت الحماس الذي أبداه لافروف في الدفاع عن حرب الاسد وعن آلته الإعلامية، لقد أسهب في الترويج لأكاذيب الاعلام السوري وتصدى لمهمة مهاجمة وسائل الاعلام العربية والدولية التي تلاحق بالصوت والصورة المجازر اليومية التي يرتكبها جيش الاسد، في الاسبوع الماضي بثت ( العربية ) تقريرا ميدانيا لشاب سوري من حمص يظهر فيه الأوضاع المأساوية في المدينة الواقعة تحت القصف منذ شهور طويلة، في البداية تم التنويه بان هذا الشاب قتل برصاص جنود النظام بعد ان اعد التقرير، واضح ان لافروف المدافع عن النظام بهذه الطريقة المستهجنة يذكرنا بالمؤتمرات الصحفية لوزير الخارجية السورية وليد المعلم الذي اختفى عن الأنظار هو ومسرحياته المضحكة المبكية.

وكان على الوزير، الذي يجلس على احد المقاعد الدائمة لمجلس الأمن كمسؤول عن السلم العالمي، ان يقرأ بحيادية وتمعن مقال نشره المبعوث الدولي كوفي عنان في صحف أمريكية وعربية في نفس اليوم الذي عقد ت فيه مجموعة العمل اجتماعها في جنيف.

يصف عنان ما يقوم به النظام السوري بانه «الوحشية المرعبة التي قابلت بها الحكومة المتظاهرين» ويضيف «لقد استعرت المعارك في المدينة تلو الاخرى، تعرضت أحياء للقصف فتحولت الى أطلال وذبحت عائلات، قُتلَ واعتقل آلاف الاشخاص وفر عشرات الآلاف من منازلهم». لكن لافروف فضل ترديد مزاعم قيام النظام بالإفراج عن المعتقلين في نفس الوقت الذي كانت فيه قوات الاسد تقتل المدنيين بالجملة في شوارع دوما ودرعا بما يبدو انه حل لمشكلة اكتظاظ السجون والمعتقلات والمدارس بعشرات آلاف المعتقلين الذين تقول مصادر سورية مختلفة بانهم تجاوزوا الـ (٧٠) الفا.

كل هذا يرقى الى الجرائم ضد الانسانية، لكن من يقف حائلا دون تصدي المجتمع الدولي لها، هي موسكو التي يمثلها لافروف. وبات معروفا ان مجلس الامن لم ينجح في وضع النقاط على الحروف بالنسبة لجرائم الاسد ترضية لروسيا، من أجل الحفاظ على ما يسمى بالإجماع داخله او لذرائع اخرى يوفرها لافروف لمن يريد.

لايوجد اي مبرر سياسي وأخلاقي يستطيع تفسير وفهم موقف موسكو، والاغرب من ذلك ما ذكر بان كوفي عنان يراهن على عامل الضغط النفسي الذي يقع على بوتين نتيجة ما ينشر يوميا في وسائل الاعلام العالمية عن فظائع النظام وجرائمه، والاعتقاد بان ذلك سيحرجه أخلاقيا وسياسيا أمام الرأي العام العالمي ويجبره على تغيير موقفه. مشكلة مثل هذا الرهان الخاسر هي ان قناعات الدبلوماسية الروسية مبنية على أكاذيب النظام السوري وهو ما اظهره رئيسها في مؤتمره الصحفي في جنيف وكما يقول المثل (حبال الكذب طويلة).

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

تفاقم المأساة السورية والحل العربي الغائب * علي السنيد

الدستور

5-7-2012

لم يعد الوضع في سورية يحتمل السكوت عنه، او ان يبقى الحل العربي غائبا، والامة تشهد مأساة شعب شقيق يذبح، ويتم تجريده من انسانيته بمثل هذه القسوة. ورفض دعوة التدخل الاجنبي في الوضع السوري لا يعفي العرب من مسؤولياتهم امام شعب يقتل يوميا وبمثل هذه الوحشية، وقد يستمر القتل الى امد غير معلوم في ظل عدم قدرة النظام مهما بلغت ضراوة الالة التي يستخدمها على الحسم العسكري امام حالة شعبية متزايدة، وهوما يشي بضرورة التحرك العربي، والاسلامي الرسمي لوضع حل سياسي للازمة، ومواصلة التحرك وان لا يتسرب الوهن وفقدان الامل الى هذه الجهود، وذلك تجنبا لاستمرار المأساة السورية، ومنعا لسفك مزيد من الدماء التي انعكست بدورها على صفو الحياة العربية، وهي تضغط الضمير العربي فضلا عن الانساني، وتستصرخ لايجاد حل لهذا الفصل المريع من قتل شعب من قبل نظامه الوطني بكافة الاسلحة المتاحة.

والنظام السوري الذي قد يكون الرئيس بشار الاسد يمثل الحلقة الاضعف فيه ربما يفضل الاستمرار بالقتال الى اخر نقطة على ان يفقد المكتسبات السياسية المتحققه من خلال السلطة، وقد يضع الشعب السوري برمته رهين مصالحه، وهنا مكمن عقدة القضية فلم يعد عاقل في هذه الدنيا يصدق ان رئيسا يمكن له ان يستمر في الحكم بعد هذا السيل من الدماء التي جرت بينه وبين شعبه، الا ان اركان النظام السوري ربما تظل متمسكة بالسلطة، وقد تقاتل الى اخر لحظة كي لا تفقدها وتفقد امتيازاتها، وبعد ذلك تتعرض للتصفية، والابادة على يد النظام الجديد.

والشعب السوري بدوره قطع شوطا مهما في نضاله وفقد طريق العودة، ومن المستحيل ان يتراجع عن مهمته التاريخية في التحرر، وتحقيق اهدافه الوطنية، ولم يعد باستطاعته ان يعود الى مربع خنوعه الاول، وسيظل مستمرا في حراكه، وينتظر ان تسفر الاحداث الدامية عن تغييرات جوهرية في الموقف العربي والدولي لصالحه.

وهكذا تكون الحالة السورية محكومة بمعطيات اكثر قسوة بالمقارنة مع عدد من البلدان العربية التي خاضت ذات التجربة، وهو ما يضع النظام العربي امام مسؤولياته في ايجاد تسوية داخلية تضمن خروجا امنا لعناصر النظام، وتفكيك المنظومة الدولية التي تدعمه، ومحاولة نقل السلطة الى جهة انتقالية تعمل على التهدئة، والتهيئة لاجراء انتخابات رئاسية تفرز رئيسا منتخبا، ومؤهلا لقيادة البلد في سياق وقف نزيف الدم السوري، ولوقف التناحر الداخلي بين الاطراف المتصارعة، وبما يجنب ذلك الشعب العزيز على قلب كل عربي المزيد من الخسائر، والدمار الاقتصادي، والتخريب الذي طال البنية التحتية لكافة القطاعات، وربما ان النموذج اليمني هوالاقرب الى التطبيق في الوضع السوري من حيث نقل السلطة، والتهيئة لتحولات سياسية تأخذ مطالب الشعب بعين الاعتبار، وهذا الخيار يتقدم على احلام النظام السوري في البقاء، وامكانية سحقه لحراك شعبه، على ان تكون هنالك جهات ضامنة تمنع وقوع التصفيات وسيادة نزعات الانتقام، وبروز الروح الثأرية نظرا لسقوط هذا الكم من الضحايا في المواجهات الدائرة منذ ما يربو على العام ونصف العام في كافة مناطق سوريا.

تحرك رسمي عربي جاد ينتظره الانسان العربي الذي فقد اعصابه من هول ما يرى من منظر الدماء التي تسفك يوميا في سوريا، ويمكن ان تكون هنالك مبادرة جماعية للدول العربية، او ان يصار الى فرض حل سياسي عبر المنظمات العربية والاسلامية والانسانية، وعدم الانتظار اكثر، على ان يبتعد الموقف العربي جذريا عن المحاولات المحمومة التي ابدتها بعض الدول العربية في طلب التدخل الاجنبي العسكري، وهو ما ادى الى تعقيد الموقف، واوصلنا الى ما نحن عليه اليوم.

التاريخ : 05-07-2012

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

ولا يزال الأسد يحفر!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

5-7-2012

تنشر صحيفة «جمهورييت» التركية هذه الأيام حوارا من ثلاثة أجزاء مع طاغية دمشق بشار الأسد، وهو الحوار الثاني له في بحر أسبوع، حيث كان الأول مع التلفزيون الرسمي الإيراني، والآن يأتي الحوار الثاني المطول والمليء بالمغالطات مع الصحيفة التركية، وفي الحوار الأخير هذا عدة نقاط تستحق التوقف عندها والرد عليها.

أولى تلك النقاط أن حوار الأسد مع الصحيفة التركية يأتي بعد انتقاده على حواره مع التلفزيون الإيراني الرسمي؛ مما يعني أن الأسد يريد موازنة تلك الخطوة من ناحية، كما يريد في الوقت نفسه أن يلعب على أوتار المعارضة الداخلية التركية، ويريد تعزيز تباين موقفها تجاه الموقف من الثورة السورية.

والنقطة الثانية أن الحوار الأسدي مع الصحيفة التركية يشير بلا جدال إلى أن بشار الأسد هو نفسه من يدير الأزمة في سوريا؛ فالمنطق والمغالطات واللغة الإعلامية هي نفسها التي نراها منذ اندلاع الثورة السورية سواء على مستوى أداء النظام السياسي، أو الدبلوماسي، أو الإعلامي، وحتى الجرائم الأمنية، فكل ما قاله الأسد هو عبارة عن مغالطات في مغالطات.

فالأسد يقول إنه يأسف لإسقاط المقاتلة التركية ويقول إنها عبرت المجال الجوي الذي تعبر منه طائرات إسرائيلية، وهو يتذاكى بذلك ليقول إن الأتراك متحالفون مع الإسرائيليين، والحقيقة أن الطائرات الإسرائيلية سبق لها أن حلقت على ارتفاع منخفض فوق قصر الأسد في عام 2006، وعلى أثرها قامت موسكو ببيع مضادات طائرات للأسد لكن النظام الأسدي لم يتصد لذلك الاختراق، أو تلك الطائرات الإسرائيلية، وقيل وقتها، وسمعتها بنفسي من أحد المسؤولين الروس في موسكو حينها، إن صوت الطائرة كان يسمع فوق غرفة نوم الأسد! كما قام الإسرائيليون بعدها بضرب ما اعتبر نواة لمفاعل نووي في دير الزور، ولم يرد النظام الأسدي، وقام الأميركيون بعملية إنزال واختطاف لإرهابيين مطلوبين، من داخل الأراضي السورية على مناطق الحدود السورية العراقية، ولم يقم نظام الأسد بالرد على ذلك أيضا! ولذا فمع وزير الخارجية التركي كل الحق حين يقول إن ما يقوله الأسد عن عملية إسقاط المقاتلة التركية هو أكاذيب!

والمغالطات لا تقف هنا فقط، فعندما يقول الأسد: أين تركيا من القتل في الخليج، فعن أي خليج يتحدث؟ هل يقصد البحرين؟ فلم يحدث في البحرين ما يمكن مقارنته بحجم الجرائم في سوريا. فعدد القتلى كان محدودا، ومن الطرفين؛ الشرطة والمتظاهرين، كما أن ما حدث في البحرين كان تدخلا إيرانيا، بينما ما يحدث في سوريا - ومنذ عام ونصف العام - هو جريمة أسدية تشارك فيها إيران وموسكو. والأهم من كل ذلك أيضا أن نظام الأسد نفسه اعتبر ما يحدث في البحرين وقتها شأنا داخليا حين اندلعت المواجهات هناك. فهل نسي الأسد ذلك، أم أن موقف نظامه من البحرين وقتها كان محاولة شراء صمت دول الخليج على جرائمه في سوريا؟

ولذا، فإن مقابلة الأسد الأخيرة مع الصحيفة التركية تقول لنا إنه في حفرة، ولا يزال يحفر، خصوصا أن النار تقترب من أطراف ثوبه مما يعزز احتمالية الانهيار المفاجئ في سوريا، كما حذر وزير خارجية بريطانيا بالأمس!

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

صراع إيران و«القاعدة» ينفجر في سوريا!

هدي الحسيني

الشرق الاوسط

5-7-2012

في السابع والعشرين من شهر مايو (أيار) الماضي، صرح إسماعيل قاءاني نائب قائد «فيلق القدس» أن «الحرس الثوري» الإيراني يعمل داخل سوريا لدعم نظام الرئيس بشار الأسد، وأنه «لولا حضور الجمهورية الإسلامية هناك، لكانت المجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري أوسع بكثير». عن (وكالة أنباء «إيسنا» الإيرانية شبه الرسمية)، وأكد في تصريحه: «إن سوريا تشكل جغرافية المقاومة».

تعتبر تصريحاته معلومات محددة حول كيفية استخدام سوريا الآن مسرحا لصراع استراتيجي بين النظام الإيراني وتنظيم القاعدة. ويكشف ما يجري في سوريا، من نشاط إيراني، كما في مناطق أخرى كثيرة من العالم (آخرها كينيا حيث تم القبض يوم الاثنين الماضي على إيرانيين مع متفجرات كانا يخططان للهجوم على أهداف أميركية وبريطانية وسعودية وإسرائيلية في كينيا) أن إيران تحاول إحكام سيطرتها على الجهاد العالمي.

خلال الأشهر الماضية، بذلت إيران جهودا حثيثة لتهدئة التوتر الذي كانت تعاني منه مع قيادة تنظيم القاعدة، وسبب التوتر الخلافات بين الطرفين حول نظام بشار الأسد في سوريا، ففي حين استثمرت إيران الكثير لمساعدة الأسد في مواجهاته ضد المعارضة، أمر زعيم «القاعدة» الجديد أيمن الظواهري بأن يوسع التنظيم نشاطه في سوريا.

تصاعد الاحتكاك بين طهران و«القاعدة» في سوريا عندما أقدمت إحدى الخلايا التابعة لـ«القاعدة» على تفجير سيارة مفخخة أمام مكتب الأمن الإيراني في دمشق، وكان ذلك ردا على تسليم إيران لمسؤول كبير في «القاعدة»، كان من أكثر المقربين من مؤسسها أسامة بن لادن، إلى موريتانيا.

ورغم التوتر، لا تستطيع إيران التخلي عن استخدام الجهاد العالمي، كـ«وكيل» لها، لتنفيذ هجمات في مناطق مختلفة من العالم، ولهذا تسعى إلى تسوية النزاع مع «القاعدة» حول توجه كل منهما بالنسبة إلى النظام السوري، بهدف تشديد قبضتها على التنظيم.

لمدة سنتين على الأقل، كانت إيران و«القاعدة» حليفين، وتوصلا إلى اتفاقات فيما بينهما، مهدت الطريق أمام تعاون لوجستي وعملي أوسع. التعاون اللوجستي شمل تمويل إيران لـ«القاعدة» والإفراج عن ناشطيها من السجون الإيرانية، بينما ركز تعاونهما العملي على هجمات شنت في الخارج، ومع هذا فإن العلاقة بين قوتي «المقاومة» تدهورت في الأشهر الأخيرة، بسبب أوامر للظواهري، تكررت في توصيات علنية، وبالصوت والصورة، لتكثيف نشاط التنظيم في سوريا.

قيادة تنظيم القاعدة ترى في سوريا ساحة نشاط رئيسية، نظرا للوضع الهش للنظام السوري، ولعدم صلابة وحدة المعارضة السورية، ثم إنها تستثمر الكثير من الجهود لتجديد نشاطها الإرهابي في سوريا. وكجزء من هذه الجهود، أنشأت تنظيما جديدا لسوريا «جبهة النصرة». هذه الجبهة تلقت مساعدات كثيرة من عناصر تنظيم القاعدة الذين يعملون انطلاقا من إيران وتحت رادار السلطات الإيرانية.

أبرز نشطاء «القاعدة» «المقيمة» في إيران والذي ساعد «جبهة النصرة»، من داخل إيران، محسن الفضلي الذي هو في الواقع رئيس تنظيم القاعدة في إيران، وبسبب انكشاف نشاطه الأخير، من المتوقع أن يغادر إيران إلى سوريا قريبا، على أن يحل مكانه أحد الذين لم تنكشف هوياتهم بعد، وهم كثر، من أجل استمرار تنسيق نشاط «القاعدة» في سوريا من داخل إيران.

إيران التي فعلت وتفعل الكثير لمساعدة وإنقاذ نظام بشار الأسد، تعارض أي نشاط لـ«القاعدة» ضد حليفتها الأساسية دمشق، بما في ذلك أي عملية إرهابية داخل سوريا.

حاولت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية المسؤولة عن علاقة إيران بـ«القاعدة»، وعبر أساليب كثيرة، الضغط على قيادة التنظيم لحملها على وقف العمل في سوريا. وكان دليل الضغط الأكبر، تسليم محفوظ ولد الوليد إلى موريتانيا في الثاني من شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعد سنوات قضاها في سجن إيراني.

تسليم ولد الوليد، الذي كان يعتبر من المقربين من أسامة بن لادن، كان خطوة غير متوقعة وهدفها توجيه رسالة إلى تنظيم القاعدة.

أبلغت قيادة «القاعدة» إيران أن التسليم يتناقض مع بنود الاتفاق الذي أبرم بين وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية وقيادة تنظيم القاعدة في باكستان عام 2009. وحسب الاتفاق، فإن أي مسؤول كبير في «القاعدة» يفرج عنه من السجون الإيرانية يتم تسليمه إلى شبكة «القاعدة» في إيران.

ردا على تسليم ولد الوليد، بعدما طلبت موريتانيا استرداده، أوعزت قيادة «القاعدة» إلى فرعها السوري «جبهة النصرة»، بتوجيه رسالة خاصة وارتكاب هجوم إرهابي ضد هدف إيراني في سوريا. تلقت «جبهة النصرة» الأوامر، وخلال ثلاثة أسابيع، في 24 أبريل، شنت هجوما بسيارة مفخخة خارج مكاتب «الملحق الثقافي» الإيراني وسط دمشق (يومها قال رئيس المراقبين الدوليين الجنرال روبرت مود إن تنظيم القاعدة وراء ذلك التفجير، ولحقت به واشنطن وعدة دول أوروبية).

في الثلاثين من أبريل أعلنت «جبهة النصرة» مسؤوليتها عن التفجير الذي استهدف ممثلية للأمن الإيراني تعمل تحت غطاء «المركز الثقافي».

بهذه الطريقة أشارت قيادة «القاعدة» لإيران بأنها لن تغض الطرف عن السياسة الإيرانية، وحذرتها من أن لا تأخذ أي تدابير إضافية ضد نشاط «القاعدة».

وكما تبدو الأمور الآن، لا يبدو أن الإيرانيين ارتدعوا، لا، بل هم مستمرون في بذل كل الجهود الرامية لبسط سيطرتهم على «القاعدة» لا سيما داخل سوريا. ولوحظ أن «جبهة النصرة» توقفت عن إصدار البيانات. وتعتمد طهران سياسة تجمع ما بين تحذير التنظيم، إضافة إلى جهود لتحسين العلاقات بينهما.

على سبيل المثال، أبلغت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، سوريا، أن إيران تدرس تسليمها ياسين السوري، أحد كبار النشطاء في «القاعدة» المحتجز في سجن انفرادي في طهران منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وتوصلت أجهزة الاستخبارات الإيرانية والسورية إلى تقييم مشترك مفاده أن تسليم ياسين السوري إلى سوريا قد يكون بمثابة تحذير قوي إلى «القاعدة» لوقف عملياتها داخل سوريا.

ورغم كل التطورات، لم تستبعد إيران خيار استخدام نشطاء الجهاد العالمي، كوكلاء لعمليات إرهابية في الخارج، وتحاول في الوقت نفسه تعزيز سيطرتها ونفوذها على تنظيم القاعدة.

وبالنسبة إلى الاستخبارات الإيرانية، فإن الخلاف مع «القاعدة» مؤقت ويمكن تجاوزه.

لن إيران عازمة على مواصلة التعاون مع تنظيم القاعدة، لأنها ترى في هذه الشبكة الإرهابية أداة استراتيجية، يمكنها استخدامها وإخفاء تورطها في الهجمات التي ترتكبها.

في الوقت نفسه، تعزز طهران تعاونها مع عناصر جهادية أخرى تعمل في إيران. في الأسابيع الأخيرة وقعت الاستخبارات الإيرانية على عناصر جهادية إضافية، وتتعامل معها تحضيرا لعمليات مستقبلية، خصوصا مع تشديد الحصار الاقتصادي والنفطي العالمي عليها.

بعيدا عن تنظيم القاعدة، هناك منظمات أخرى كثيرة غير عربية، تعمل أيضا في إيران، وتستطيع إيران أن تطلب مساعدتها، ومن بين هذه التنظيمات، هناك التركية، والأوزبكية والكردية.

انكشاف الصراع ما بين إيران و«القاعدة» داخل سوريا، يكشف أولا ضيق الهامش أمام «القاعدة» للتحرك في سوريا، كما يدعي النظام، بسبب «وجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفيلق القدس» كما أكد إسماعيل قاءاني، ويكشف أيضا أن النظام السوري الذي يرفض أي تسوية ليست «سورية الصنع»، صار هو «غير سوري الصنع» بسبب المحركات الروسية والإيرانية!

يبقى السؤال، هل يعود العراق مسرحا لعمليات انتقامية لـ«القاعدة»، تعويضا عن المسرح السوري!

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

«جنيف».. هل تصبح بوابة لحرب إقليمية يريدها الروس والأسد؟!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

5-7-2012

لم يكشف النقاب عن كل أوراق واتفاقيات مؤتمر جنيف الأخير الذي تمثلت فيه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى تركيا وثلاث دول عربية هي قطر والكويت والعراق وغُيَّبت عنه إيران، ويقال إن المبعوث العربي والدولي كوفي أنان أعد صيغة بديلة في حال فشلت خطته لانتقال السلطة في سوريا، تقترح تشكيل مجلس عسكري، على غرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، يدير الأمور في مرحلة انتقالية تجري خلالها انتخابات تشريعية ورئاسية لإخراج البلاد من هذا المأزق الذي إن استمر فإنه سيأخذها إلى المزيد من العنف والحرب الأهلية الطائفية والتمزق.

وإذا كان صحيحا أن أنان قد أعد مثل هذه الصيغة البديلة في حال فشل الاتفاق المعلن الذي أسفر عنه مؤتمر جنيف الأخير وهو قد وُلد فاشلا في كل الأحوال - فإن المؤكد أن الأمور ذاهبة إلى حرب إقليمية قد تتحول إلى حرب دولية، فالرئيس السوري الذي أعلن رفضه لأي حلول من الخارج لا يمكن أن يقبل بالانسحاب والخروج من الحكم واللجوء هو وعائلته إلى دولة تقبل به وببعض أقاربه لحساب مجلس عسكري، على غرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، على رأسه ضابط علوي كبير لطمأنة الطائفة العلوية ولتشجيع ضباط هذه الطائفة على التخلي عن بشار الأسد ووضع حد لربط مصير طائفتهم بمصيره.

والمشكلة هنا أن بشار الأسد لا يمكن، كما هو واضح، أن يقبل بإخراج سوريا من هذه الأزمة الطاحنة من خلال قبوله بالتخلي عن السلطة حتى لحساب مجلس عسكري على رأسه ضابط علوي كبير من غير الملوثة أيديهم بدماء أبناء الشعب السوري ومن الذين لهم مكانة بين زملائهم من كبار ضباط القوات المسلحة والذين يحظون بسمعة جيدة لدى الدول العربية وغير العربية المعنية بهذه المشكلة السورية.

وحسب بعض المعلومات المتداولة في الأوساط الضيقة لمتابعين للشأن السوري من الداخل، فإن المشكلة الثانية التي تواجه أي صيغة لحل الأزمة السورية على أساس الانتقال السلمي للسلطة أن بشار الأسد، ورغم كل هذا الذي يحصل ورغم أنه بات ينام في كل ليلة على أصوات الانفجارات التي تهز سكون دمشق، لديه قناعة بأنه في وضعية التفوق ميدانيا وسياسيا وأنه مع الوقت والمزيد من الوقت قادر على حسم الأمور عسكريا لمصلحته وقادر على إلحاق الهزيمة بالجيش السوري الحر وجعل مصير هذه الانتفاضة كمصير انتفاضة «حماه» في عام 1982 التي قمعها والده بالحديد والنار وبسقوط أكثر من أربعين ألف قتيل فضمن لنفسه هدوءا استمر منذ ذلك الحين وحتى منتصف مارس (آذار) من العام الماضي 2011.

والمؤكد أن الرئيس السوري يستمد هذه الثقة وهذه القناعة بأنه قادر على الصمود وعلى الانتصار في النهاية، ليس من مجريات الأمور في الميدان وعلى الأرض، حيث باتت السيطرة لـ«الجيش الحر» على أكثر من خمسين في المائة من البلاد، وإنما من الحَقْنِ المعنوي الذي تقوم به إيران ومن التطمينات التي دأبت روسيا على إغراقه بها وحيث سيكتشف ذات يوم قريب أن حسابات الإيرانيين والروس ومعهم الصين أيضا هي غير حسابات الشعب السوري وغير حسابات المنطقة، ولعل ما يجب أن يتذكره بشار الأسد كيف أن إرادة الشعب الإيراني قد أسقطت شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي كان محميا بسطوة «السافاك» وبجيوش جرارة كانت معدة لمواجهة الاتحاد السوفياتي، وكيف أن إرادة شعوب المنظومة السوفياتية قد أسقطت نظام حزب بائس كحزب البعث هو الحزب الشيوعي، الذي كان عدد أعضائه يزيد على اثني عشر مليون، لم يسقط أي واحد منهم «شهيدا» دفاعا عن حزبه.. «حزب العمال والفلاحين»!!

لو أن بشار الأسد، الذي يعتبر نفسه ويعتبره المحيطون به منظرا كبيرا واستراتيجيا لم يجُد الزمان بمثله، يراجع أحداث التاريخ البعيدة والقريبة لوجد أن الثوب المستعار «لا يقي لا من قرٍ ولا من حرّ» ولَتيقَّن من أن الدعم الإيراني والروسي والصيني أيضا، وللأسف، لن يجنبه المصير المحتوم طالما يعتمد على هذا الدعم الخارجي لمواجهة غضبة شعب من المفترض أنه شعبه وأن إرادته فوق كل شيء حتى بما في ذلك رغبة التشبث بالسلطة والتمسك بحكم بات يغوص في الدماء والركام، ليس حتى الرُّكب وفقط بل حتى الأعناق.

في كل الأحوال، إنه غير متوقع أن يستجيب بشار الأسد لا لما جاء في مقررات مؤتمر جنيف العلنية ولا لما جاء في خطة كوفي أنان السرية البديلة التي تقترح انقلابا عسكريا «أبيض» يتم بموجبه انتقال الحكم إلى مجلس عسكري على غرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، فهذا الرجل لديه استعداد أن يذهب بسوريا إلى التقسيم والانقسام وأن يقتل نصف الشعب السوري من أجل أن يبقى في سدة الحكم الذي يحلم بإيصاله إلى ابنه «حافظ الصغير»، وهنا فإن الواضح من خلال متابعة مجريات الأمور في الفترة الأخيرة أن الروس، وبالطبع معهم إيران، غدوا جادين في خيار افتعال حرب إقليمية، ليس لديهم أي ممانعة أن تصبح حربا دولية، لإنقاذ الرئيس السوري من مصير غدا واضحا ومحتوما، ولإظهاره حتى بعد سقوطه كبطل قومي واجه العدوان الخارجي والإمبريالية الأميركية والصهيونية العالمية.

وحقيقة أن مسألة مثل هذه الحرب الإقليمية «الإنقاذية» كانت واردة لدى بشار الأسد ولدى الروس والإيرانيين منذ اللحظة الأولى، وكانت الفكرة أن يتم افتعال مواجهة محدودة مع إسرائيل ليظهر الرئيس السوري على أنه يواجه عدوانا خارجيا وأن المعارضين الداخليين هم مجرد عملاء للصهيونية والدولة الإسرائيلية المعتدية وأنه يُسْتهْدفُ على هذا النحو ومن الداخل والخارج، لأنه «يشكل شوكة في حلق الإمبريالية الأميركية ولأنه ممانع ومقاوم ويرفض إملاءات أميركا والقوى الخارجية»!! لكن هذا التوجه ارتطم بالمخاوف من الإسرائيليين إن هم استُدرجوا للحرب فإنهم لن يكتفوا بمناوشات استعراضية وأنهم قد يحتلون دمشق نفسها ويسقطون النظام نفسه.

لكن مع تطورات الأحداث ومع وصول قبضة الشعب السوري إلى عنق بشار الأسد، تجدد خيار افتعال حرب إقليمية لا مانع من أن تتطور إلى حرب دولية ليظهر، إن هو سقط وأُسقط، كبطل قومي وكضحية لعدوان خارجي ومؤامرة داخلية، وهنا فإن حادثة إسقاط الطائرة التركية تأتي في هذا الإطار، وإن نهر الأسلحة الروسية المستمر في التدفق بغزارة غايته هي هذه الغاية، وكذلك فإن التحرش المستمر بالأردن هو استكمال لاستدراج مثل هذه الحرب التي قد تندلع في أي لحظة في ظل هذه الأوضاع المتوترة رغم استبعادها من قبل الكثيرين.

لقد ثبت أن الروس هم الذين كانوا وراء إسقاط الطائرة التركية، وكان الهدف أن يكون هناك رد سريع من قبل الأتراك ومن قبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) واستدراج هؤلاء إلى مواجهة هي في حقيقة الأمر لا تزال واردة وفي أي لحظة، والواضح أن روسيا وإيران اللتين لهما مصالح كثيرة في إغراق المنطقة في حرب جديدة مصرتان على الاستعجال في نشوب مثل هذه الحرب، وبخاصة أن كل المؤشرات وكل الوقائع على الأرض باتت تدل على أن سقوط بشار الأسد غدا مؤكدا وأنه لا إمكانية لإنقاذه إلا بإشعال المنطقة كلها ليظهر كبطل قومي وليعطي سقوطه طابع المؤامرة الخارجية.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

من القاهرة إلى باريس

8-7-2012

عبدالله اسكندر

الحياة

الوضع السوري ما زال في مسار طويل من التأزم والمواجهات والقتل. وقد يلحق آلاف الضحايا وعشرات آلاف المشردين بمن دفعوا أثمان المعارضة للنظام الحالي، منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية. وقد تلحق بلايين الدولارات بالخسائر الاقتصادية والدمار العمراني في سورية الغنية بأرضها ومهارات صناعييها.

لكن الأكيد أن النظام لن يبقى قائماً في نهاية المواجهة، وبغض النظر عن مآلها الذي قد يكون غداً مشرقاً من الحرية والديموقراطية أو حروباً أهلية متناسلة وحتى دويلات ضعيفة وهشة.

لقد وقع النظام بدباباته وراجمات صواريخه وشبيحته بالأحرف الأولى لوثيقة نهايته أولاً. وجاءت المقاومة الشعبية والمسلحة لاحقاً لتدفعه إلى حتفه الأكيد.

قد يطيل دعم روسيا والصين، دولياً، ودعم إيران وحلفائها، إقليمياً، والخُواف الطائفي، داخلياً، عمر الأزمة السورية وزيادة خسائرها البشرية والمادية. لكنه لن يتمكن من تغيير نتيجتها، وهي سقوط النظام.

وجاء اجتماع القاهرة حيث تمثلت أطياف كثيرة من المعارضة، ومن ثم مؤتمر باريس لـ «أصدقاء الشعب السوري»، متسقين مع هذا الاستنتاج. لتصبح المهمة ذات الأولوية المطلقة للمعارضة هي تقصير مهلة سقوط النظام وتوفير المعاناة الإنسانية غير المسبوقة للسكان المحاصرين بالنار والمحرومين من كل أولويات الحياة.

وفي هذا المعنى تقع اليوم، وأكثر من أي وقت مضى من عمر الأزمة، على المعارضة السورية مسؤولية دفع النظام إلى السقوط. وهو لا يحتاج إلا إلى دفعة قوية تلقيه أرضاً، بعدما فقد كل مبررات وذرائع استمراره، سياسية كانت أو طائفية.

وفي مقدار ما تتمكن المعارضة من تفعيل عملها لتصبح القوة القادرة على أن تكون البديل في مقدار ما تزداد سرعة انهيار النظام.

سمعنا نقداً من معارضين سوريين لهم وزنهم، لمناسبة اجتماع القاهرة ومؤتمر باريس، يركز على تعارض بين القوى المسلحة في الداخل، خصوصاً «الجيش الحر» وبين القوى السياسية التي تتحرك في الخارج. وبدا وكأن ثمة سباقاً بين «العسكري» و «السياسي»، أو أن «العسكري» يريد أن يستأثر بـ «السياسي» أو أن الأخير يريد أن يستثمر العمل الميداني للأول. بما يعيد إلى الأذهان ذلك الصراع الطويل الذي شهدته سورية بين العسكر والمدنيين في حزب البعث منذ استيلائه على السلطة وقبل أن يحسمه الرئيس الراحل حافظ الأسد لمصلحته ويركز دعائم النظام الحالي.

وأي غرق للمعارضة السورية، سواء الذين يحملون السلاح في الداخل أو الذين يتحركون سياسياً في الخارج، يقع خارج سياق الهدف الذي انطلقت من أجله الحركة الاحتجاجية ويجعل الغد أقل اطمئناناً من الصورة الوردية التي تُعطى للنظام البديل.

وسمعنا أيضاً من معارضين سوريين، لمناسبة انعقاد مؤتمر باريس، نقداً لانعدام صدور قرارات تطالب بالممرات الآمنة والحظر الجوي الخ... بما يعيد ذلك النقد الذي وجه إلى اجتماع القاهرة.

وبغض النظر عن أهمية مثل هذه الخطوات في تسريع سقوط النظام، فان اعتمادها يبقى من مسؤولية المعارضة نفسها وليس من مسؤولية التدخل الخارجي. أي أن على المعارضة أن تهيء الظروف التي تدفع بالمجتمع الدولي إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات التي لن تكون في أي حال من الأحوال إجراء إنسانياً بحتاً.

ففي مقدار ما تكون المعارضة مستعدة لتكون البديل القادر على تحمل المسؤولية السياسية والأمنية في مقدار ما تستطيع إقناع من يلزم في العالم، خصوصاً روسيا والصين، بضرورة تسريع إنهاء النظام.

وفي كل حركتها باتت المعارضة تملك الورقة الأساسية، وهي أن الحل لم يعد ممكناً في ظل بقاء النظام، كما قررت في اجتماع القاهرة وكما قرر «أصدقاء الشعب السوري» في باريس.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

في تقدير الموقف : مترافقا مع وفود المعارضة السورية إلى موسكو سفن إنزال روسية إلى طرطوس .. زهير سالم*

لا يزال اسم حزب ( الوفد ) المصري بارزا على الخارطة السياسية المصرية . يذكر المصريين بالدور الرائد الذي قام به الوفد المصري المناضل بقيادة سعد زغلول لانتزاع استقلال مصر من الانكليز  .

وتحتفظ الذاكرة الوطنية السورية بأخبار وضاء عن عودة وفد الوطنيين السوريين من باريس في عشرينات القرن العشرين في نفس المسعى محاولة لانتزاع الاستقلال السوري من الفرنسيين .

يضعنا هذا التاريخ أن ثمة وفود تصنع الاستقلال وأن وفودا أخرى تجلب أو تكرس الاحتلال !!!

وعلى الرغم من أن أحدا – غير كوفي عنان - لا يعترف اليوم أن سورية ( مستعمرة روسية أو إيرانية ) . كوفي عنان وحده هو الذي  يصر على كشف هذه الحقيقة للمتجاهلين . ويساعده على ذلك لفيف من المعارضين السوريين الذين فضلوا أن يحجوا إلى موسكو التماسا للبركة ، وتأكيدا على أهمية الدور الروسي المشكور في ذبح (المسلمين ) السوريين .

 

وعندما أقول ذبح (المسلمين ) السوريين اعلم أنها لغة غير مدنية لا ينبغي أن ننجر إليها ؛ ولكنني هنا أجاري أصدقائهم الروس الذين أعلنوا على لسان أعلى سياسييهم قلقهم من وصول المسلمين في سورية إلى السلطة ،وقلقهم المقابل على غيرهم وخصوا  في أكثر من تصريح الحديث عن ( العلويين ) و ( الأرثوذكس ) . ولو كنت سوريا علويا أو ارثوذكسيا ولو بالانتماء لشعرت أنني مدين بموقف يرد الحجر من حيث جاء ، ولن أقبل أبدا الاسترسال في لعبة التفتيت الطائفي للمجتمع السوري المدني الموحد ؛ هذه اللعبة النتنة التي يلعبها بشار برعاية من روسية وإيران ...

 

تذهب وفود المعارضة السورية إلى موسكو اليوم متجاهلة حقيقة أن كل الشهداء السوريين قد سقطوا بالرصاص الروسي ، وأن كل المدن والبلدات السورية دمرت بالمدافع والطائرات والقذائف الروسية وأن كل الأطفال السوريين ذبحوا بغطاء من الفيتو الروسي .

 

ومع أننا سمعنا من العديد من أعضاء وفد المعارضة هناك كلاما لا معنى سياسيا له حول أن موسكو لا تتمسك ببشار الأسد ، وأنهم ينتظرون من موسكو دورا إيجابيا في رعاية مرحلة انتقالية !! إلا أن الثمرة التي جناها المعلمون السياسيون هو تحريك عدد من البوارج الروسية من حاملات الجنود لاحتلال سورية ، و ربما لحمايتها من القوى غير الديمقراطية ، التي يشعر الديمقراطيون على الطريقة الأسدية أنها تهددهم أكثر مما يهددهم بشار الأسد نفسه .

 

وحسب وكالة أنترفاكس الروسية تتحرك ثلاث سفن محملة بجنود مشاة البحرية الروسية إلى الموانئ السورية !!! تقود السفن الثلاث المدمرة ( تشابننكو ) المضادة للغواصات  . وسينضم إلى هذا الأسطول سفينتان حربيتان خلال الرحلة حسب الوكالة الروسية نفسها .

 

وفي حين يحاول الرئيس بوتين التهوين من شأن ما تحمله السفن مكررا إن ما تحمله السفن لا يمكن أن يؤثر في مجرى الصراع في سورية . في الوقت نفسه تبدو واشنطن متأرجحة حول الغزو الروسي لسورية فترد كلينتون على بوتين ( التصريحات الروسية القائلة أن الأسلحة ليس لها علاقة بالعنف غير صحيحة بالمرة ) .

 

ولكن واشنطن وفي إطار صفقة كبرى يبدو من خلالها أنهم تخلوا عن الشرق العربي لروسية وإيران  بقرار استراتيجي  ضمن صفقة لم تتضح مفرداتها بعد ؛ تعود فتهون من انعكاسات زحف البوارج الروسية بهذه الكثافة إلى سورية فتخرج علينا ايرين بيلتون المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي المعني بالسياسات الخارجية لدى الرئاسة الأمريكية بالقول ( إن لدى روسية قاعدة إمداد وصيانة في مرفأ طرطوس السوري , ولا سبب لدينا والحالة هذه يدعونا لاعتقاد أن التحرك ليس روتينا .. )

تصريح يضعنا مباشرة أمام تصريح مرشح الرئاسة الجمهوري ميت رومني المثير للجدل الذي أكد فيه أن الولايات المتحدة تعتبر الروس عدوا استراتيجيا على المستوى الجيوسياسي .

وحين نترك ما تقوله واشنطن للأمريكيين فإن لنا أن نتفاعل مع ما يفعله فينا ولنا السوريون . أمر ما ذكرني في هذا المقام بقول إبراهيم طوقان :

أنتم ( المخلصون ) للوطنية .. أنتم ( الحاملون ) عبء القضية

في يدينا بقية من بلاد ... فاستريحوا كي لا تضيع البقية

الأربعاء 11/7/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

بشار الأسد... كيف يخسر الوريث التركة؟

8-7-2012

خالد الدخيل

الحياة

هناك ما يشبه الإجماع على أن النظام السوري يخوض معركته الأخيرة، والمفارقة أنه يخوض هذه المعركة مع الشعب الذي يفترض أنه يحكم باسمه. الأرقام، اجتماعية واقتصادية وسياسية، تقول ذلك، لكن لندع هذه جانباً على أهميتها، ولنستمع للرئيس نفسه، ولما صار يقوله أخيراً، وما كان ينكره أو يتجاهله قبلاً. في حديثه إلى الحكومة قبل أسبوعين تقريباً قال الرئيس: «نحن في حالة حرب حقيقية. وعندما نكون كذلك فيجب أن تتوجه كل جهودنا ومصادرنا للانتصار في هذه الحرب». قبل ذلك كان الرئيس يصف ما يحدث بأنه مجرد ممارسات مندسين خارجين على القانون، لكن الجيش بمدرعاته ودباباته وطائراته وقناصته وشبيحته نزل إلى المعركة. أرقام القتلى وصلت إلى خانة عشرات الآلاف. لم يعد من الممكن إنكار ما يحصل. اعترف الرئيس أخيراً، لكن جاء اعترافه ناقصاً ومعكوساً. ما يحصل هو ثورة شعبية، والحرب التي يتحدث عنها الرئيس هي حرب النظام على هذا الشعب.

في حديثه لصحيفة «جمهورييت» التركية قال الرئيس أشياء كان يتهرب منها. سئل عن إسقاط الطائرة التركية فقال: «نحن دولة في حالة حرب. وعندما لا تعرف هوية هذه الطائرة فأنت تفترضها طائرة معادية ..». ثم سئل عن إن كانت سورية مستعدة لمساعدة تركيا في الحد من عمليات حزب العمال الكردستاني. فأجاب: «لو أردنا اليوم أن نساعدكم في موضوع حزب العمال... لما كنا قادرين على ذلك... لكي أحميك أو أساعدك، لابد أن أحمي نفسي أولاً. هل من المعقول أن أحميك، وأنا لم أحمي نفسي تماماً بعد؟!». الرئيس إذن مع نظامه في حاجة للحماية. مِمن؟ من الشعب. إذا حالة الحرب التي يتحدث عنها الرئيس هي حرب مع الشعب. الأرقام تقول ذلك. عدد القتلى فقط وصل لأكثر من 16 ألفاً، عدا المصابين والمعتقلين والنازحين والمهجرين والمختفين. لم يهبط هؤلاء على سورية من السماء. هم سوريون وراءهم عائلات وأقارب وأصدقاء وأنصار ومتعاطفون. أضف إلى ذلك شريحة كبيرة صامتة لا تقر بدموية النظام، لكنها مغلوبة على أمرها. ثم انشقاقات عسكرية، ليست كبيرة، لكنها لا تتوقف. هل يدرك الرئيس أنه في حالة حرب مع الشعب، وأنه لذلك في حالة حرب مع التاريخ، ومن يحارب التاريخ يخسر!

الرئيس السوري ليس في حالة إنكار. أبداً، وإنما في حالة مكابرة مهزومة في العمق، فقَد غطاءه الأمني في الداخل، وأصبح وجهاً لوجه أمام الناس، وفقد غطاءه الإقليمي والدولي. الكل يطالب برحيله، لا يقف معه إلا بوتن، وأحمدي نجاد، وحسن نصرالله. صار الناس قبل السياسيين يتحدثون داخل سورية وخارجها عن مرحلة ما بعد الأسد، الحكم الذي بناه والد الرئيس عام 1970، وورثه هو عنه عام 2000 وصل إلى حدوده النهائية. لا يريد الرئيس أن يعترف بذلك، وربما أنه لا يدرك ذلك مهما يكن. تحولت سورية بسبب مواقف الرئيس وسياساته من لاعب إقليمي إلى ساحة يلعب فيها الآخرون، أصدقاء وخصوماً، وهذه نتيجة لم تتحقق فجأة، وإنما تراكمت مع الزمن لتنفجر كما نشاهدها الآن. كيف حصل ذلك؟ حقيقة الأمر أن الرئيس بشار ومعه سورية والمنطقة، يدفعون ثمن التوريث الذي حصل له، تم توريثه في نظام جمهوري، جذوره الأولى (قبل البعث) شعبية، وشيء من الديموقراطية، يقوم على عصبة تحيط نفسها بأجهزة أمنية كثيرة ومتجهمة، ويعتمدُ في علاقته مع الناس على نشر الخوف بينهم من النظام، ومن بعضهم البعض. مثل هذا النظام لا يستطيع البقاء إلا بأمرين: سيطرة كاملة على الداخل مهما كان ثمن هذه السيطرة، وغطاء إقليمي ودولي يساعد في دفع ثمن السيطرة، ويغطي ما يمكن أن تؤدي إليه من تجاوزات وجرائم. الآيديولوجيا التي يستخدمها النظام ليست من صنعه، ولا من صلبه، وإنما آيديولوجيا مستوردة من خارج النظام: قضية فلسطين، وهي آيديولوجيا فقدت بريقها ومصداقيتها. اكتشف الناس أن هذه الأنظمة لم يتحقق على يديها إلا الفقر والفساد والقمع والمزيد من ضياع فلسطين. شعار فلسطين والمقاومة ماهو إلا لتبرير هذا الفساد والقمع للاستئثار بالحكم، ولذلك خرج الداخل عن السيطرة، وفقد الخارج شهيته وحاجته لدفع ثمن، أو لتغطية جرائم ضبط الداخل. كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة؟

لا نعرف إن كان الرئيس حافظ الأسد في سنواته الأخيرة، وهو يعد ابنه بشار لوراثة الحكم من بعده، أسدى له نصيحة من أمضى أكثر من نصف عمره في العمل السياسي، وفي بناء حكم سيئول أخيراً لأكبر أبنائه الأحياء. كان بشار حينها شاباً في الثلاثينات من عمره، ويفتقد لأية خبرة سياسية، وتركة الحكم بطبيعتها ثقيلة، فكيف عندما تكون من نوع التركة التي ورثها عن أبيه حافظ؟ من عادة العرب توجيه النصح لأبنائهم في مثل تلك المنعطفات، ومهما يكن، فمن الواضح الآن أن الرئيس السوري الشاب ارتكب أربعة أخطاء كان والده يعتبرها خطايا قاتلة. على امتداد 30 سنة كان حافظ حريصاً كل الحرص على تفادي كل ما يمكن أن يودي به للانزلاق إلى واحدة من هذه الخطايا، دع عنك الانزلاق إليها كلها دفعة واحدة. كان يفعل ذلك حتى في أحلك اللحظات التي مرَّ بها: زيارة السادات للقدس، وتوقيع مصر اتفاقاً منفرداً مع إسرائيل، وانفجار الخلاف المزمن بين بغداد ودمشق إلى قطيعة نهائية بعد تسلم الرئيس الراحل صدام حسين للحكم عام 1979، والحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثمان سنوات، والاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، ثم الغزو العراقي للكويت صيف 1990. كانت هذه الأحداث من أضخم التطورات وأكثرها قابلية لتفجير الخلافات العربية في حينها.

يقال إن الرئيس الراحل الأسد كان يتميز بحس استراتيجي سمح له بتفادي المنزلقات الخطرة لتلك التطورات، وهذا صحيح. لكن من الواضح أن هذا الحس الاستراتيجي كان محصوراً في شؤون العلاقات الخارجية، ولم يمتد لشؤون الداخل وتوازناته. من هنا ارتكب الرئيس الأب خطأً، أو خطيئة التوريث في نظام لا يستطيع استيعاب تداعيات هذه الآلية ونتائجها. تشير الأحداث إلى أن فكرة التوريث ظهرت عند الأسد الأب بعد صدام عنيف مع شقيقه رفعت الأسد عام 1983، وهو صدام كاد أن يؤدي إلى حرب أهلية مدمرة، وقد كتب عن هذا الموضوع الصحفي البريطاني باتريك سيل، في كتاب ألفه كما يبدو من مصادره بالتعاون مع رموز النظام في تلك المرحلة، بمن فيهم الرئيس نفسه. ولذلك فهو كتاب قُصد منه تلميع صورة حافظ الأسد كرئيس واجه أعداءه في الداخل والخارج بنجاح باهر. المهم كانت خلفية الصدام قناعة الرئيس حافظ بأن أخاه رفعت الذي كان على رأس «سرايا الدفاع» أكبر فرق الجيش السوري ينوي وراثته وهو على قيد الحياة، ومع أن سيل يؤكد بأنه ليس هناك ما يشير إلى أن رفعت كان يفكر بوراثة أخيه، إلا أن قناعة الرئيس تشير إلى أن فكرة التوريث كانت قديمة داخل النظام، وأن هناك تفكيراً بأن يتحول النظام إلى حكم للعائلة. والغريب كان حصول الصدام بين الأخوين حول موضوع لم ينضج، ولم تتضح مرتكزاته السياسية بعد. يعرف الجميع أن فكرة التوريث هذه، وفي حالة النظام السوري غير قابلة للتطبيق؛ لأنه لا يمكن تبريرها إلا بحصول انقلاب سياسي كبير ينطلق من الفكرة ذاتها. وهو ما لم يحصل. من هنا بقيت الفكرة سرية، ولم تخرج للعلن قط، ولم تنفذ إلا بعد وفاة الأب، وبطريقة مموهة، بل لا يزال موضوع التوريث من المحرمات في سورية.

المهم أنه بقرار التوريث يكون الأسد الأب قد وضع العائلة عملياً مكان الحزب، وقضى بذلك على ما تبقى لهذا الحزب من صدقية، كما أن هذا القرار يؤكد الجانب الطائفي للنظام، وأن الثقة هي المعيار. والثقة في المنصب الحساس، وبخاصة في صناعة القرار، لا تكون إلا على أساس من قرابة أو نسب أو انتماء طائفي أو كل ذلك مجتمعاً. ليس غريباً، والحالة هذه، أن التوريث فجّر صراعات بين أجنحة النظام، بخاصة وأن الأب أبعد بالتوريث كل شركائه الذين وقفوا معه للانقلاب على صلاح جديد، وفي بناء النظام، وفرضه على الجميع. من هنا لم يتوقف الحديث حينها عن موقف الحرس القديم من عملية التوريث، والقناعة داخل النظام بشكل خاص أن بشار لم يحكم فعلاً، ولم يطمئن إلى أنه صار يمسك بزمام الأمور إلا عام 2005. وهذه سنة مفصلية في حياته كرئيس لسورية: سنة شهدت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، واتهامه شخصياً بأنه وراء الاغتيال. وشهدت انسحاب الجيش السوري من لبنان، وسبقها التمديد السوري القسري عام 2004 للرئيس اللبناني السابق إيميل لحود. ليس لهذه الأحداث من علاقة بالثورة السورية، لكن لابد أن لها صلة بالتداعيات الإقليمية لهذه الثورة. ما هي هذه العلاقة؟ أخيراً: إن قرار التوريث جعل حكم سورية بكل تاريخها وامتداداتها في منطقة الشام محصوراً في عائلة صغيرة تنتمي لأقلية صغيرة، ما يعني أنه في إطار نظام مستبد، ويعتمد على القمع الأمني، يكون القرار مؤسساً لصدام اجتماعي كبير على أسس وخلفيات طائفية. هل كان للتوريث علاقة بانفجار الثورة؟ وما هي الأخطاء التي ارتكبها بشار وذات صلة بهذه الثورة؟

* كاتب وأكاديمي سعودي.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أصدقاء الشعب السوري وأصدقاء بشار

8-7-2012

ياسر الزعاترة

الدستور

الذي لا شك فيه هو أن الشعب السوري قد حصل في باريس على فيض من الخطب الكبيرة المدججة بالعواطف، لكن خريطة المواقف لم تتغير كثيرا عما كانت عليه قبل شهور، فالولايات المتحدة والغرب عموما لا يبخلون بالعواطف على الشعب السوري، ولا يتوقفون عن التنديد بالقتل الذي يمارسه، بينما لا يكف الآخرون من المتحالفين معه عن كيل الدعم العملي والمباشر من تكنولوجي وعسكري ومالي، وسياسي أيضا.

الذي لا شك فيه هو أن إيران لم تغير موقفها، أقله إلى الآن، وإن باتت أكثر تشككا في قدرة النظام على هزيمة الثورة، الأمر الذي ينطبق على حلفائها في لبنان والعراق. أما روسيا فهي التي يحتاج موقفها إلى قدر من التوقف، لاسيما أن تصريحات قادتها لا ترسو على بر واضح، إذ تشي بإمكانية قبول رحيل الأسد مع بقاء النظام، لكنها تعاود التشدد اعتقادا منها بأن ذلك سيضمن مصالحها في سوريا الجديدة، في ذات الوقت الذي يحول دون انتهاء المعركة بهزيمة واضحة لها تشبه هزيمتها في الملف الليبي.

الذي لا شك فيه هو أن الجنرال بوتين، ضابط “الكي جي بي” السابق يكره كل ما يمت إلى الثورات بصلة، وهو يشعر بحساسية مفرطة حيال حديث الولايات المتحدة والغرب عن دكتاتوريته المتلفعة بثياب ديمقراطية، في ذات الوقت الذي يكن فيه عداءً مفرطا للقوى الإسلامية التي تتصدر الثورات العربية (قضية الشيشان حاضرة في ذاكرته على الدوام)، من دون أن ينفي ذلك البعد المتعلق بالمصالح الروسية في المنطقة، وفي سوريا على وجه التحديد.

لكن التطورات التي تتحرك على الأرض في الساحة السورية لم تعد تمنحه الحد الأدنى من اليقين بقدرة الأسد على البقاء، لاسيما أن ما يقرب من 40 في المئة من مساحة البلاد لم تعد تحت سيطرته، وبات يتعامل معها على أنها أرض محتلة؛ يقصفها بالدبابات والصواريخ والطائرات، وليست مدنا تحت سيطرته يواجه فيها احتجاجات الشعبية.

وجاء انشقاق عدد كبير من كبار الضباط (آخرهم العميد مناف طلاس) الذي يُعد من الدائرة المقربة جدا من بشار الأسد، بل من “شلته” الخاصة حسب تعبير دوائر غربية، جاء ليؤكد أن المؤسسة الأمنية والعسكرية تكاد تتخلص من ضباطها السنّة ليغدو الصراع أكثر وضوحا بين الغالبية السنية والأقلية العلوية، الأمر الذي يعني تطورا بالغ الخطورة، بل إن التقارير الغربية لم تعد تتردد في الحديث عن “دومينو” الانشقاقات الذي يعصف بالنظام ويضعف مؤسسته الأمنية والعسكرية.

من هنا، يمكن القول: إن روسيا اليوم تجاهد للخروج من المأزق بأقل الخسائر، وهي لا تمانع أبدا (حتى لو نفت ذلك بلسان المقال) في خروج الرئيس مقابل بقاء النظام، الأمر الذي ينطبق على إيران أيضا، والتي أخذت تدرك إضافة إلى ذلك حجم عزلتها الإسلامية بسبب موقفها من سوريا، ولم تتخذ موقفا إيجابيا يقلل من هامش الحشد المذهبي الذي يجتاح المنطقة.

الولايات المتحدة ليس لديها في الملف السوري غير الأجندة الإسرائيلية، الأمر الذي ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الدول الغربية، والأجندة المذكورة لا يعنيها غير تأمين نهاية للأزمة تحول دون انهيار النظام ووقوع البلد في يد قوىً تصعب السيطرة عليها، وهي لذلك تميل إلى السيناريو اليمني، بل تتبناه بشكل واضح.

ينطبق ذلك على بعض الدول العربية التي تبدي تعاطفا لافتا مع الثورة السورية نكاية في إيران، لكنها تميل أيضا إلى السيناريو اليمني خوفا من استمرار مد الربيع العربي، فضلا عن خضوع بعضها للإملاءات الغربية في معظم الملفات الخارجية. أما البعد المصري دخل المعادلة حديثا، فهو مهم أيضا، لأنه سيشكل عنصر دعم مهمًا للثورة السورية، وإن انشغل مؤقتا بالهموم المحلية.

تبقى تركيا التي نقلتها قضية الطائرة من مربع الدعم الجيد للثورة السورية، إلى مربع التدخل المباشر بعيدا عن الضجيج الإعلامي، ولا يشك عاقل في أن أنقرة ليس لديها غير خيار إسقاط النظام بالكامل، لأن أي صيغة أخرى لن تؤمن لها مصلحة معتبرة.

الدعم التركي المشار إليه، معطوفا على دعم بعض الدول العربية، هو الذي منح الثورة فرصة التمدد وفرض معطيات جديدة على الأرض، وأكد لكل المتشككين بانتصارها أن سقوط النظام هو مسألة وقت لا أكثر.

هنا تنهض خلافات المعارضة، وهي خلافات تلقي بظلالها على المستقبل أكثر من مصير الثورة، اعني لجهة اليوم التالي لسقوط النظام، وهنا لا يبدو أن تركيا تأبه لهذا البعد، تماما كما هو حال الثائرين على الأرض الذين يباشرون عملهم دون النظر إلى ما يجري في الخارج، لاسيما أن خيارا آخر غير الانتصار لا يبدو قابلا للتفكير بالنسبة إليهم.

خلاصة القول هي أن عمر النظام قد أخذ يقصر بشكل متسارع، ولن يطول الوقت حتى ينهار، مع بقاء الشك قائما حول ما إذا كان الحل السياسي سيُفرض على الشعب، أم يسبقه المسار الثوري الكامل؟!

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

نجاح الثورة... فشل المعارضة

8-7-2012

يوسف بزي

المستقبل

في بلدة حاس السورية، حمل أهلها لافتة تقول "أيها العالم: لسنا معارضة، نحن شعب يريد الحرية والكرامة". بدت تلك اللافتة، التي تتناقل صفحات الفيسبوك صورتها، بياناً بليغاً في الفارق بين الثورة السورية والملتحقين بها، ورسماً فاصلاً بين الانتفاضة الشعبية، التي اندلعت في آذار 2011 وما زالت مستمرة، والقوى والشخصيات السياسية المنتظمة تقليدياً كمعارضة للنظام، متفاوتة الأهداف والخلفيات العقائدية، ومتباينة البرامج والأساليب.

رسالة أهل تلك البلدة إلى العالم تتضمن درساً أولياً في السياسة، مفاده أن الحدث السوري لا يقوم على نزاع بين "معارضة" و"موالاة" تحاولان الاستحواذ على السلطة، كما يكون الحال في أي بلد طبيعي، إنما هو نزاع شامل بين سلطة عنيدة في تسلّطها وشعب عنيد في رفضها. وهذا النزاع هو من الشمول والعمق بحيث تستحيل معه "التسوية" أو أي شكل من أشكال "التفاوض". ولذا فإن مصطلح المعارضة لا ينطبق على الحال السورية، إذ لا يمكننا القول "الشعب المعارض"، فعندما تنتفض أغلبية السكان يتحول الاعتراض إلى ثورة. هذا الخلط بين الثورة والمعارضة، تعمّداً أو جهلاً، من قبل الكثيرين من سياسيي العالم وصحافته، تبدده تلك اليافطة ببلاغة مدهشة وحاسمة.

وفي هذا الشعار الذي رفعه أهل بلدة حاس، يتمظهر التمايز ما بين الحركات والأحزاب السياسية السابقة للثورة من جهة، وعموم المواطنين المنخرطين في الصراع اليومي، الدموي أغلب الأحيان، ضد النظام من جهة ثانية. وعلى الرغم من بداهة هذا التمايز، إلا أن المفاجئ في فحوى اللافتة هو ان "مواطني الثورة" أنفسهم أعلنوا تباعدهم المطرد عن الهيئات والأجسام السياسية التي تنطق باسم الثورة أو تحاول تمثيلها. هذا الجمهور بالتحديد يؤكد هنا، سمة التباعد ويطلبها ويكتب أسبابها. فهو يقول بما معناه: ثمة "معارضة" وثمة "شعب". فلا يختزل أحد أحداً، ولا يضمر هذا ذاك. ويتحدد على هذا الاختلاف المسار الذي يذهب فيه شعب الثورة إلى طلب الحرية، فيما المعارضة تذهب في مسار طلب السلطة. وهذان المساران قد يلتقيان عند طموح "إسقاط النظام" فقط. عدا ذلك، فإن أهل بلدة حاس يعلنون لسان حال أهل أغلب البلدات والقرى والمدن، أن تلك المعارضة قد تكون جزءاً من الثورة، أو مجرد حليفة ملتحقة بها، أو شريكة أساسية وضرورية، لكنها في الحال السورية ليست "ممثلة" حصرية للثورة، أو هي فشلت في ذلك حتى الآن.

نحن هنا، مع تلك اللافتة، أمام إعلان سياسي بامتياز، لا شك في أنه يصيب بالخجل أولئك الذين اجتمعوا مرات لا تحصى ما بين اسطنبول وباريس والقاهرة وتونس، من دون الوصول إلى "مسوّدة" تعادل في وضوحها وقوتها وبساطتها عبارة أهل حاس، أو توازي في عفويتها وذكائها وثقافتها شعاراً واحداً يرفعه أهل كفرنبل مثلاً. مع العلم أن الصفة المميزة لـ"المعارضة" السورية هي غلبة المثقفين والكتاب والمفكرين عليها. فكيف تعجز هكذا معارضة، خيالاً وقولاً وعملاً، ما يستطيعه فلاحون وعمال وعاطلون عن العمل وموظفون صغار وأميّون وطلبة مدارس...

على الأرجح... وكما في كل الثورات، ثمة عمل تفكيكي هائل تقوم به يوميات الثورة السورية، عمل إبداعي متواصل لهدم البنى والشبكات التي كانت تحكم المجتمع والسياسة والسلطة. وهذا ليس بمستطاع الأجسام القديمة (أحزاباً وتيارات..) مجاراته أو المشاركة فيه، بل هي تغدو عبر التحاقها بالثورة عبئاً أو حتى منتجة للتناقض وعائقاً أمام ديناميكية العمل الثوري، الذي لا بد وأن يطيح حتى تلك المعارضات التي تنتمي إلى زمن ما قبل الثورة (عمراً وعقلية).

ما فعله أهل حاس هو إعلانهم معارضتهم لـ"المعارضة". وقد ينبئ ذلك أن الثورة السورية، وبعد عام ونصف على اندلاعها، ومن الداخل، بدأت تنتج جديدها السياسي، من خبرتها الخاصة وتجربتها الميدانية، ودروسها اليومية، حيث تُمتحن الأفكار والتكتيكات والمعاني. فالصراع مع النظام، في الشوارع وفي الجبال والسهول وعلى تخوم القرى وفي ساحات المدن، مع كل العمل المباشر في القتال وتشغيل المخابز وتوزيع المؤن وإعالة المحاصرين وإسعاف المصابين وشبكات التضامن الاجتماعي وتسيير أمور الناس ومصالحهم وتنظيم التظاهرات وإقامة لجان إعلامية ولوجستية وخدماتية على نطاق واسع... كل هذا يشترك فيه عدد هائل من الناشطين الذين وجدوا أنفسهم، في خضم الثورة، ساسة (أي دبّر القوم وتولى أمرهم). وهؤلاء هم الذين يحملون شعار "الشعب يريد الحرية والكرامة".

بهذا المعنى، في سوريا، ليس مصير الثورة مناطاً بمصير "المعارضة"، بل ربما يكون فشل هذه الأخيرة، معبراً لولادة الجسم التمثيلي السياسي للثورة.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

كم يجب أن يموت في سوريا؟

8-7-2012

د.سعيد حارب

الاتحاد

"كم يجب أن يموت في سوريا حتى نغير استراتيجيتنا؟ لقد تم وضع أقصى العقوبات على النظام السوري، وأي عقوبات أخرى لن تضيف شيئاً.

أين السيد كوفي عنان؟ هل هناك أفضل من هذا الاجتماع ليبدي فيه اهتمامه بالشعب السوري، إنني أتكلم بألم وبكثير من الإحباط.

فإلى متى سنعطي هذا النظام الحجة حتى يستطيع أن يضحك على المجتمع الدولي؟ الشعب السوري يموت، فهل هناك لحظة سنصل إليها لنقول له كفى قتلاً... كفى تعذيباً، كفى مجازر ، وكفى علينا المشاهدة والحديث؟!”... كانت هذه بعض كلمات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية في "مؤتمر أصدقاء سوريا"، الذي عقد اجتماعه في باريس يوم الجمعة الماضي.

وقد جاءت كلماته معبرة عن شعور ملايين العرب الذين يرون إخوتهم السوريين يقتلون على يد النظام في أبشع صور الإبادة التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثالاً عندما يُقتل شعب أعزل على يد نظامه.

فقد شهد العصر الحديث مجازر مشابهة لكنها تمت على يد الأعداء، كما حدث في فلسطين حيث قُتل الفلسطينيون في مذابح دير ياسين ومذبحة بلدة الشيخ ومذبحة الطنطورة ومذبحة كفر قاسم ومذبحة مخيم جنين وغيرها من المذابح، وكما حدث أيضاً في البوسنة حين شن الصرب حرب إبادة على المسلمين في مذبحة سربرنيتسا وغيرها من المدن البوسنية.

لكن الذي لا يتصور أحد أن يقوم أي نظام بقتل شعبه وهو الذي أتُمن على حياته، ويجب أن يتولى حمايته، وهذا ما يحدث في سوريا منذ سنة ونصف السنة تقريباً، إذ لا تتوقف آلة القتل عن حصد أرواح السوريين كل يوم.

ولم يسلم من ذلك النساء والأطفال والشيوخ، بل حتى الحيوانات والمزارع أصابها طغيان هذا النظام.

ولذا حين يرتفع صوت سمو الشيخ عبدالله بن زايد مطالباً العالم بإنقاذ الشعب السوري من الإبادة، فإنه لا يتحدث بموقف الإمارات الرسمي والشعبي فقط، وإنما يتحدث بضمير العالم الذي هاله ما يرى من سيل الدماء كل يوم في سوريا، بينما يوغل نظامه في إبادته معتمداً على ضعف الموقف العربي وتخلخل الموقف الدولي من خلال مصالح ضيقة لبعض الدول أو بحث عن تعزيز لمكانة إقليمية أو دولية على حساب هذا الشعب.

لقد هب العالم لمساعدة الشعب الليبي حين ثار على نظامه الذي سامه سوء العذاب، فقتل من قتل وشرد من شرد وعذب من عذب، وحين حانت ساعة المواجهة وجد الشعب الليبي من المجتمع الدولي موقفاً صامداً في بحثه عن الحرية.

فلماذا يقف العالم عاجزاً عن اتخاذ موقف مما يحدث في سوريا؟، لعل من أسباب ذلك موقف بعض الدول حيث تربط وجودها في منطقة الشرق الأوسط ببقاء النظام السوري، وهذا ما يعبر عنه الموقف الروسي الذي يعتبر سوريا حليفاً وحيداً في المنطقة العربية كما يراها ميداناً لبيع سلاحه الذي بارت أسواقه، وبقي السوق السوري مشترياً وحيداً له.

كما أن روسيا تستخدم الورقة السورية للحصول على امتيازات من الغرب لتغيير مساندتها لسوريا، ومقابل هذا فإن الموقف الغربي مازال متردداً ولا يتجاوز الدعم السياسي، أو فرض بعض العقوبات التي لم يكن لها تأثير كبير على النظام السوري، وربما لأن سوريا ليس لديها نفط ليبيا حتى تستطيع أن تقدمه للغرب مقابل مساندة ثورة شعبها!، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي تمر به معظم الدول الغربية، أو لحسابات انتخابية وسياسية كما عليه الحال في الموقف الأميركي.

وقد فهم النظام السوري هذا الموقف فاستمر في طغيانه، ولم يتوقف عن قتل شعبه وتدمير مدنه التي أصبحت أجزاء كبيرة منها خراباً بسبب القصف والتدمير الذي تشنه قوات النظام ومن ساندها من الشبيحة وغيرهم.

لقد استفاد النظام السوري من تشتت الموقف الدولي لكن الشعب السوري لم يعد يعلق آمالًا على المساندة الخارجية، بل شق طريقه في رسم مستقبله مستثمراً صمود أبنائه ومواجهتهم للطغيان ومستعيناً بمساندة المخلصين من أبناء أمته شعوباً وحكومات.

فهذا الشعب لا يعلم مسارب السياسة الدولية ولا صراعاتها أو مصالحها، لكنه يعلم أنه لم يعد بإمكانه الالتفات إلى الخلف فقد جرب الصمت أكثر من أربعين سنة، ولم يجن سوى القتل والترهيب أو العزلة والتخلف، بينما يرى شعوب العالم ترتقي في مراقي التقدم العلمي والتقني وتحظى بحقها في الحرية والعيش الكريم.

لقد وضع سمو الشيخ عبدالله بن زايد في كلمته المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والإنسانية بصورة مباشرة متجاوزاً في ذلك عبارات المجاملة والاختباء خلف العبارات العامة والمبهمة، وهو يحدد بذلك موقف دولة الإمارات التي ليس لها مصلحة في ذلك سوى حقن دماء الشعب السوري وحفظ حياته وأعراضه وأمواله.

وإذا كان المجتمع الدولي قد تخاذل عن نصرة الشعب السوري، فإن حقوق الدين والدم والإنسانية تفرض على العرب والمسلمين وشعوب العالم التي تحرص على حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي حريتها أن تساند الشعب السوري، لقد رفعت الإمارات صوتها عالياً... فهل من مجيب؟!

drhareb@gmail.com

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

مؤتمر «أصدقاء سوريا»... فرصة للضغط على روسيا والصين

8-7-2012

الاتحاد

انتقدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون روسيا والصين بشدة يوم الجمعة الماضي بسبب "عرقلتهما" الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة السورية، في وقت وصل فيه إلى اجتماع أصدقاء سوريا هنا بالعاصمة الفرنسية تأكيد حول انشقاق ضابط كبير في الجيش السوري عن حكومة الرئيس بشار الأسد، حيث قال وزير الخارجية الفرنسي "لوران فابيس" لممثلين رفيعي المستوى إن العميد مناف طلاس، الذي كان لوقت طويل عضواً في الدائرة الداخلية للأسد، قد فر من دمشق.

وفي مؤتمر صحفي عقد في وقت لاحق من يوم الجمعة، اغتنمت كلينتون هذه المناسبة لتشجيع آخرين مقربين من الأسد على القيام بالشيء نفسه حيث قالت: "إن الشعب السوري سيتذكر الاختيارات التي ستقومون بها خلال الأيام المقبلة، وكذلك العالم"، مضيفة "لقد آن الأوان لتتخلوا عن الديكتاتور، وتحتضنوا مواطنيكم، وتقفوا إلى الجانب الصحيح من التاريخ". الأخبار حول انشقاق شخصية رفيعة المستوى مثّل خبراً ساراً بالنسبة لأكثر من 80 دولة ومنظمة دولية تحاول إنقاذ جهد لمبعوث الأمم المتحدة كوفي عنان يروم إنهاء الانتفاضة التي بدأت قبل 16 شهراً في سوريا، حيث الوضع مستمر في التدهور بشكل مطرد.

كلينتون تحاول حشد الدعم الدولي لخطة عنان التي اقتُرحت الأسبوع الماضي في جنيف وتدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية قائمة على "القبول المتبادل" لمجموعات المعارضة وأعضاء الحكومة السورية. وهذه اللغة هي التي أكسبت الخطة دعم روسيا، التي تعتبر المزود الوحيد للحكومة السورية بالأسلحة، والتي أولتها على أنها تعني أن الأسد يستطيع البقاء في السلطة ضمن حكومة جديدة.

غير أن المسؤولين الأميركيين يشددون على أن "القبول المتبادل" يعني أن مجموعات المعارضة تستطيع الاعتراض على مشاركة الأسد وآخرين "ممن يلطخ الدم أيديهم"- وهي نقطة شددت عليها كلينتون يوم الجمعة الماضي حيث قالت: "اليوم بعث المجتمع الدولي برسالة واضحة وموحدة مفادها أن العنف في سوريا يجب أن يتوقف، وأن تحولاً ديمقراطياً يجب أن يبدأ، وأن الأسد يجب أن يرحل"، مضيفة أن الدعم لخطة عنان "أزال أي شك بشأن دور الأسد في فترة انتقالية: فهو لا دور له".

والجدير بالذكر هنا أن فصائل المعارضة تقول إن رحيل الأسد يجب أن يكون شرطاً مسبقاً لأي اتفاق. كلينتون قالت للمؤتمر إن روسيا والصين، اللتين رفضتا دعوتين للحضور، "تعرقلان التقدم -وتعيقانه- وهذا أمر لم يعد من الممكن احتماله". وفي هذا الإطار، قالت رئيسة الدبلوماسية الأميركية إن موسكو وبكين "لا تدفعان أي ثمن مطلقاً -لا شيء على الإطلاق- عن دعمهما لنظام الأسد"، داعيةً العضوين المتمتعين بحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي إلى دعم قرار أممي بناء على خطة عنان التي دعماها في جنيف.

كما انضمت الولايات المتحدة إلى حكومات أخرى هنا في الدعوة إلى قرار جديد لمجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يمكن أن يرخص في بعض الظروف لتدخل عسكري في سوريا. قرار قد يفرض عقوبات شاملة ضد سوريا، تشمل حظراً على الأسلحة ترفضه روسيا، ومطالبة الأسد بالتعاون مع خطة عنان. تعليقات كلينتون عكست ازدياد مشاعر الإحباط تجاه حكومة الرئيس فلاديمير بوتين، التي ترفض التخلي عن الأسد، أو حتى قطع علاقاتها معه، رغم انضمامها إلى خطة عنان، هذا في وقت مازالت فيه الولايات المتحدة وبلدان أخرى تضغط من أجل تنحي الأسد مترددةً في التدخل بشكل مباشر في سوريا، ولاسيما في غياب تفويض قانوني دولي، تعرقله روسيا في الأمم المتحدة.

ذلك أنه سبق لروسيا أن استعملت حق "الفيتو" ضد قرارين سابقين لمجلس الأمن الدولي، إلى جانب الصين. كما رفضت موسكو أي حظر على الأسلحة لا يشمل قوات المتمردين التي تحصل على الأسلحة جزئياً بفضل أموال تتلقاها من دول خليجية. غير أن الطريق إلى الأمام يزداد تعقيداً في وقت يستمر فيه الوضع في سوريا في التدهور ومجموعات المعارضة تكافح من أجل تشكيل جبهة موحدة. وفي هذا الإطار، تحدثت منظمة "هيومان رايتس ووتش" مؤخراً عن "أرخبيل" من مراكز التعذيب عبر البلاد، كما قال رئيس مجموعة من المراقبين الأمميين إن العنف بلغ مستويات "غير مسبوقة".

وكان اجتماع عقد في وقت سابق من هذا الأسبوع ضم أكثر من 30 مجموعة معارضة ومنفيين سوريين آخرين في القاهرة، بهدف توحيد صفوف المعارضة قبيل مؤتمر الجمعة، قد تحول إلى فوضى واشتباكات بالأيدي قبل أن تتفق معظم مجموعات المعارضة المختلفة أخيراً على مخطط يطالب بإزالة الأسد ويحدد الخطوط العريضة لحكومة انتقالية وانتخابات واستفتاء دستوري.

ولكن بعض المجموعات المعارضة للحكومة تضغط من أجل إقامة منطقة حظر جوي فوق سوريا، على اعتبار أن القوات العسكرية للأسد تستعمل المدفعية والهجمات بواسطة طائرات هيلكوبتر لقصف المناطق المدنية.

وفي هذا الإطار، قال زعيم إحدى مجموعات المعارضة للمؤتمر يوم الجمعة إنه إذا كان المتمردون السوريون لديهم "الكثير من الأصدقاء" الذين يحضرون العديد من المؤتمرات على ما يبدو، فإن الأسد مازال في السلطة ومستمر في قمعه الوحشي. وأضاف الزعيم المعارض، الذي لم يوزع اسمه على الصحفيين الذي يغطون الحدث من مركز قريب للصحافة، يقول: "إننا نرغب في أن تكون صداقتكم فعالة ومؤثرة - أن تساعدونا على وضع حد لهذه المذبحة". وتقاوم الولايات المتحدة والقوى الأوروبية دعوات للتدخل في سوريا، مؤثرة بدلاً من ذلك زيادة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على حكومة الأسد. وتعتقد أن جهودها تقوض جراء فشل المعارضة في تشكيل جبهة موحدة ضد الأسد.

إلى ذلك، اعتبر تأكيد نبأ انشقاق طلاس يوم الجمعة أول مؤشر على تصدع في الدائرة الداخلية للأسد. وكان خبر الانشقاق قد انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تديرها مجموعات المعارضة، التي نشرت بتشف صوراً للأسد وطلاس يقفان جنباً إلى جنب أمام الكاميرا في تذكير بمدى قوة علاقة الرجلين في الماضي. ومن غير الواضح ما إن كان طلاس، الذي كان يقود الحرس الجمهوري السوري، سينضم إلى المتمردين الذين يقاتلون قوات الأسد أم لا. غير أنه في جميع الأحوال، فإن انشقاقه يبدو أنه هو الأهم من نوعه منذ بدء الانتفاضة.

ستيفاني ماكرومان - باريس

ليز سلاي - اسطنبول

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

هل انشقاق طلاس غير مهم؟

8-7-2012

طارق الحميد

الشرق الأوسط

سارع أحد المسؤولين المحسوبين على طاغية دمشق للقول بأن انشقاق العميد مناف طلاس لا معنى له، وإنه إذا كانت المخابرات الأسدية تريد اعتقاله لفعلت، فهل يمكن تصديق مثل هذا الكلام؟ وهل يمكن أن يكون انشقاق طلاس غير مهم لنظام الأسد الذي يعتقل، ويقتل، حتى الأطفال المنتقدين له، ناهيك عن أن مناف هو صديق طفولة الأسد؟ الإجابة البسيطة هي: هراء!

فانشقاق مناف طلاس يعد بمثابة زلزال، وضربة، في قلب النظام. فالأنظمة القمعية، مثل الأسد، لا تقبل المساس بهيبتها المصطنعة بالحديد والنار، فكيف يكون انشقاق صديق طفولة الأسد غير ذي معنى؟ ليس هذا فحسب، بل إن العميد المنشق هو ابن وزير الدفاع الأسبق العماد مصطفى طلاس، صديق حافظ الأسد، ورفيق دربه، الذي لم ينشق عن الأب يوم ارتكب مجزرة حماه، رغم أنه من الطائفة السنية، وقائد عسكري مثل ابنه اليوم، وعرف الأسد الأب من قبل الانقلاب الذي جاء بحكم عائلة الأسد! ولذا فإن انشقاق مناف يعد مهماً، وضربة مؤلمة لطاغية دمشق، فمناف انشق اليوم، عكس والده كما أسلفنا، مما يعني أنه، أي مناف، قد أدرك أنه لا أمل في سفينة الأسد، وأنها غارقة لا محالة.

كما أن انشقاق مناف طلاس، صديق طفولة طاغية دمشق، يعني أن خزينة مهمة من الأسرار باتت متاحة اليوم للغرب عن بشار الأسد، ودوائره المقربة، وتركيبة نظامه الحالية، وحقيقة ما يدور في دوائر النظام الآن، وكيف تفكر وتدير عملها الإجرامي في قمع الثورة السورية السلمية، منذ 17 شهرا، حتى اضطُّر السوريون لحمل السلاح دفاعا عن أرواحهم، وأعراضهم. هذا عدا عن معلومات أخرى حول السنوات الماضية لحكم الأسد، سواء في سوريا، أو لبنان، أو العراق، وغيرها من معلومات مهمة جدا. وانشقاق طلاس يعني أيضا أن التحالف السني مع الأسد قد أصيب في مقتل، فخروج مناف يعد مؤشرا مهماً على أن الدوائر السنية المستفيدة من التحالف مع الأسد لم تعد قادرة على تبرير جرائمه في حق السوريين أكثر مما مضى.

والقصة لا تقف هنا بالطبع، فانشقاق مناف طلاس، وهو القائد في الحرس الجمهوري، وتحت قيادة ماهر الأسد، يعني أن دائرة الانشقاقات قد اتسعت، وبلغت حتى القوات الموثوقة بالنسبة لعائلة الأسد، مما يعني تصدع وحدة النظام الصلبة، مثلما أن انشقاق مناف يعني أن سيطرة الأسد على سوريا لم تعد حقيقية. وكما أشارت عدة مصادر، وكما ذكرنا سابقا هنا، فخروج مناف طلاس، وبرفقة موكب ليس بالصغير، يعني أن النظام الأسدي بات فاقدا للسيطرة على كل سوريا، والأهم أنه فاقد للسيطرة حتى على من يشك فيهم من القيادات العسكرية، وهذا يعني تلقائيا أن نظام الأسد البوليسي لم يعد قادرا على ضبط من هم ضده، ومن هم معه، حتى في أقرب الدوائر المقربة للأسد شخصيا.

ولذا فإن القول بأن انشقاق مناف طلاس عن نظام الأسد ليس بالمهم، كما يردد النظام الأسدي، ما هو إلا هراء، ومحاولة لامتصاص الصدمة الزلزال، التي من الواضح أنها ستليها صدمات أخرى قاتلة.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

بوتين يسابق تغييرات المنطقة بزيارة إسرائيل

8-7-2012

فايز سارة

الشرق الأوسط

لعلها ليست مصادفة أن تكون زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إسرائيل هي فاتحة جولته الأخيرة في الشرق الأوسط في فترة رئاسته الجديدة، كما أنه ليس من باب الصدفة أيضا، أن تأتي الزيارة في هذا الوقت بما فيه من حساسيات تحيط بأوضاع الشرق الأوسط، وخاصة في ملفين هما الأكثر خطورة وإثارة في ملفاته الساخنة؛ أولهما ملف الأزمة في سوريا، والثاني ملف إيران النووي، ولكل من الملفين تداعيات إقليمية ودولية كبيرة وخطيرة، وكلاهما موضع اهتمام شديد وتفاعل من جانب روسيا وإسرائيل.

وسط تلك الظروف جاءت زيارة بوتين إلى إسرائيل، التي لا شك في أنها كانت هامة وحساسة، على الرغم من أن الرئيس الروسي بوتين حاول التخفيف من أهميتها وحساسيتها، بأن جعلها تبدو في إطار جولة شملت الأراضي الفلسطينية والأردن، فيما حاول الإعلام الروسي والإسرائيلي ذلك، عندما وصف زيارة إسرائيل بأنها كانت «ودية»، أو «دينية».

لقد تزامنت الزيارة مع تسخين خطير في ملفي سوريا وإيران في المستويين الإقليمي والدولي، حيث تم وضعهما أمام خطوات عملية وإجرائية، وسيكون لروسيا دور في تحديد اتجاهات التعامل مع هذين الملفين في الفترة القريبة المقبلة، الأمر الذي جعل منهما موضوعا رئيسيا في مواضيع الزيارة، وهو في الأقل موضوع تشاور بين الطرفين اللذين أكدا في مباحثاتهما تطابق وتقارب وجهات النظر، حسب المصادر الإسرائيلية، وهو وضع تفسره المصادر الإسرائيلية بالقول إن قيام بوتين بتأكيد تعاون موسكو مع إيران وحق الأخيرة في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، لا يعني ممانعة روسيا شن هجمات على إيران، وهو تحول كبير في الموقف الروسي أكده قول بوتين إن «روسيا لن تذرف الدموع» إذا ما هوجمت إيران.

أما في الموقف من الأزمة السورية، فقد كان الموقف الروسي أكثر حذرا ومداورة، الأمر الذي ظهر في محدودية طرح الموقف الروسي وتناوله في الإعلام، غير أن إشارات روسية عدة في الموضوع هدفت إلى تبديد المخاوف الإسرائيلية من تداعيات الأزمة السورية، ومنها احتمال اندلاع حرب سورية - إسرائيلية، الذي قوبل بتعهد من بوتين بحماية مليون روسي يقيمون في إسرائيل، بمعنى تعهد إسرائيل بمنع ذلك الهجوم، أو تعهد بردعه إذا حصل. كما طمأن بوتين الإسرائيليين بصدد أسلحة سوريا غير التقليدية في أنها لن تصل إلى أيد وتنظيمات متطرفة، وأنه سيعمل شخصيا لمنع حدوث ذلك.

والتشاور الروسي - الإسرائيلي في الملفين السوري والإيراني، يمثل بعضا من تفاصيل تعزيز العلاقات الثنائية الروسية – الإسرائيلية وتطويرها، وهي في الأهداف الرئيسية للزيارة، وقد جاءت بعد فترة من برود أحاط بها في جوانبها السياسية والاقتصادية وغيرها، ولعل المؤشر الأبرز في تعزيز العلاقات يظهر في حجم الوفد الروسي الذي رافق بوتين، وقد وصل أربعمائة مرافق من تخصصات متعددة، بينهم عدد كبير من رجال الأعمال، وثمة مؤشر آخر وهو لقاء بوتين مع عدد كبير من زعماء إسرائيل على اختلافهم، وبينهم رئيس الدولة شيمعون بيريس، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومواطنه الروسي المافيوي أفيغدور ليبرمان الذي يعد من أكثر الإسرائيليين تطرفا ضد العرب.

لقد دعم بوتين مسعى زيارته لإسرائيل في تعزيز علاقات الطرفين بإشارات شخصية لا تخلو من دلالات سياسية، كان بينها قيامه بزيارة حائط المبكى بالقدس العربية معتمرا القلنسوة ومؤديا شعائر التدين اليهودي، واختتم جولته في منطقة الحرم القدسي بالقول: «هنا نشاهد كيف أن التاريخ اليهودي محفور في حجارة القدس»، في خطوة تعزز الادعاءات الإسرائيلية حول يهودية القدس خلافا لمنطوق القرارات الدولية والموقف الروسي المعلن.

زيارة بوتين لإسرائيل بما حملته من مؤشرات، لا تفتح الباب أمام تعزيز علاقات الجانبين فقط بعد فترة من برود، بل تأتي في إطار تعزيز الحضور الروسي في المنطقة عبر إسرائيل، خاصة أن علاقات موسكو الإقليمية التي فيها عدد من دول المنطقة بينها إيران وسوريا، تعاني مشاكل جدية في الواقع الحالي، وثمة ضرورة لشبكة إقليمية مؤازرة أو بديلة، تكون العلاقة مع إسرائيل أساسية فيها، مما يفتح باباً أوسع أمام تعاون إقليمي روسي – إسرائيلي في المرحلة المقبلة في ضوء ما تحمله أحداث المنطقة من احتمالات مفتوحة في أكثر من اتجاه، ربما الأهم فيها ما يمكن أن يحدث في إيران وسوريا، لكن لبنان والعراق وتركيا والأردن ومصر وغيرها من بلدان المنطقة ليست بلدانا خارج التغيير والتبديل، وربما الصراعات الإقليمية والداخلية أيضاً.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سوريا.. هل أعلنت فشل عنان؟!

يوسف الكويليت

الرياض

11-7-2012

كوفي عنان لم تُسجل له قدرات كبيرة في حل قضايا دولية ساخنة أثناء وصوله ومغادرته كأمين عام للأمم المتحدة، ودفعه في قضية سوريا، ربما كان توافقياً بين الفرقاء، والذين رأوا أنه وسيط سيطيل زمن المشكلة إن لم يعقدها، وليس لديه القدرة على المناورة السياسية، أو طرق الضغط الناعم، أي إعطاء الأسد فهماً واضحاً بأن الذين يساندونه تربطهم علاقات ومصالح عليا تفوق مفهوم الدولة الصغيرة أمام الطواحين الكبيرة التي تتحرك بالأفق الأوسع..

في كل زيارات عنان، سمع ما يفوق طروحاته أي أن المفاوض السوري كان الأجدر بعدم إعطاء أي وعود تمنح المبعوث الدولي، صفة الشخصية الماهرة والمقنعة، ولعل زيارته الأخيرة التي جاء مبشراً معها بانفراج الموقف، والاتفاق مع الأسد على نقاط جوهرية، لا تعدو خدعة النظام للمندوب الأممي، لأن الحكم المسبق على المباحثات، أن الأسد لا يمكن بأي حال أن يتنازل عن الحكم، بينما الشرط الأول للمعارضة، مغادرته، وهذا البند بذاته يعطل أي مشروع للحل..

أما الذهاب إلى إيران، بمفهوم أنها أحد مفاتيح الحل، فالموضوع مختلف، فهي تقف مع النظام وتدعمه، وترفض الإخلال به لأنه أحد أهم استراتيجاتها بخلق ما سمي بالهلال الشيعي، وهذا يتقاطع تماماً مع الرغبة الشعبية لقطاع كبير من السوريين، وحتى لو قبلنا أن إيران في قلب الحدث السوري أو مندمجة معه، فهي لا تستطيع هزيمة إرادة شعبية كان أحد شعاراتها المطالبة بقطع حبل السرة مع حكومة طهران!!

تبقى في الواجهة، روسيا، وهي تتحرك من أفق مصالح متشابكة مع سوريا، وقد تضحي بالأسد لو وجدت من يساندها ويعطيها دوراً أساسياً ما بعد إزالة النظام، وهو أمر محتمل ضمانته من الطرف الآخر الأوروبي، والأمريكي، غير أن الجميع لا يملكون صلاحية فرض إرادتهم على أي نظام قادم، لكن بالنهاية، فإن دول حلف الأطلسي، هم من سيفوز بالتقارب مع الحكم القادم، لأنهم، وإن بقيت معارضتهم للنظام تدور في الحلقة السياسية، إلا أنهم لم يكونوا طرفاً بدعم الأسد عسكرياً ومادياً، والذي قامت به روسيا علناً متخذة مواقف المعارض في مجلس الأمن، واستعمال حق الفيتو، وبالتالي، فإن رهان الغرب على خروج الروس من المعركة بالهزيمة، تقرره الوقائع على الأرض، عندما تزداد حالات الهروب من الجيش النظامي إلى الحر، والأعباء الكبيرة التي بدأ يواجهها النظام، والذي طالما راهن على قهر الثورة بالقوة، وسجل فشله..

عنان في هذه الحلبة من الصراعات الظاهرة والخفية، مجرد حامل بريد لا يصلح خطابه للقراءة، أو الالتفات له، وبالتالي، فمساعيه، وإن بدت تتخذ شكل الاعتراف بالفشل، إلا أن عودته لدمشق، ولنعتبرها دعوة من حكومة النظام التي بدأت تشعر بالتضييق عليها، داخلياً، والاستنجاد بعنان، فإن كل ما سيذهب إليه، وعود لهدنة سيفكر الأسد بأنها قيمة مضافة لاعطائه الفرص للاستمرار بقتل شعبه..

من يقرر المسار السوري، الشعب هناك لأنه هو من سيفصل الحلول على مقاس التطورات على الأرض، وعنان لن يكون المؤثر طالما أقر بفشله، وحاول الأسد انتشاله من ورطة ألقت بظلالها على الشخصين، وعموماً، الأيام القادمة هي من ستعطي الأحكام، سواء جاءت من الداخل السوري أو غيره..

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

بين جماهيرية العقيد وجمهورية الأسد

محمد حسن مفتي

عكاظ

11-7-2012

الطغاة والطغيان أوصاف ترددت على مدار السنين، فهي ليست حديث عهد بالإنسانية، والطغيان معناه لغويا الجور والاضطهاد، وقد ذكر الطغاة والطغيان كثيرا في القرآن الكريم وحذرنا المولى عز وجل منهم، وهي ظاهرة موغلة في القِدم ظهرت جلية في بابل وأشور وفارس والصين، كما عانت منها الحضارات القديمة كالفرعونية واليونانية القديمة، وهى ظاهرة تلازمت مع الحكم الفردي المستبد الذي لا يوجد عليه رقيب أو حسيب.

قد يتلازم الطغيان مع الفساد المالي وقد يبقي غريزة منفصلة يعززها حب التفوق على الآخرين والرغبة الجامحة في التحكم فيهم وفي مصائرهم، هناك الكثير من الطغاة يفضلون زوال أموالهم على زوال سلطانهم، ولعل نشوة المال وحدها لا ترضي غرورهم، وامتلاكه دون سلطة لا تشبع نرجسيتهم المتضخمة. ومن المؤكد أن الطغيان يولد في النفس كبذرة، قد تقويها الظروف وقد تقتلعها بعيدا، غير أن الحكام المستبدين تتضخم بذرة الطغيان داخلهم حتى يضحوا كيانا طاغيا، ذراعه البطش وعقله الإرهاب والتخويف وأدواته الإعلام المضلل وشعاره الكلام المعسول الأجوف وصمام أمانه استباحة نفوس المواطنين وقمع حرياتهم.

ويصعد الطغاة لسدة الحكم بطرق متنوعة، غير أن أسوأ أنواع الطغاة هم من تكون نشأتهم متواضعة وظروفهم قاسية، ممن عايشوا التغييب والتهميش والنبذ والإقصاء من المجتمع، فبمجرد وصولهم لدوائر صنع القرار يبدؤون في إرضاء نفوسهم المريضة وإشباع نزواتهم المتعطشة للانتقام والبطش والترويع. لا أريد التوسع الآن في تحليل نفوس الطغاة ولا تتبع فصول تاريخهم الأسود، فلطالما دخل الطغاة التاريخ، ولكن عبر أبوابه الملطخة بدماء الأبرياء.

ولعل القارئ المتابع جيدا للتاريخ يعي تماما أن الطغاة يصلون عادة لسدة الحكم من خلال شعارات جوفاء ووعود زائفة، ولو عدنا قليلا للوراء لأواخر القرن المنصرم، فسنجد أن القذافي بعد استيلائه على الحكم مباشرة بدأ بالتنديد بالحكم السابق، ممنيا الشعب الليبي بمستقبل أفضل وبحكم ديمقراطي ودولة قانون من الشعب وإلى الشعب، وأوهمه بتدشينه نظاما ديمقراطيا جديدا في الحكم أطلق عليه (الجماهيرية) مدعيا أن الشعب هو مصدر السلطات، وتمضي العقود الواحدة تلو الأخرى والشعب الليبي ينتظر ثمار الوعود الزائفة، حتى انهار نظام العقيد في ليبيا مخلفا دولة قبلية ممزقة، لا تزال تعاني حتى الآن من بقايا نظامها الفاسد الأرعن المتهور، حيث أصبحت دولة بلا دستور وبلا مرجعيات قانونية ينخر الفساد والطغيان في كافة جوانبها. فلم تكن جماهيرية العقيد أكثر من ضيعة خاصة للقذافي وأبنائه من بعده، حيث سخروا كافة مواردها الاقتصادية وأجهزتها الحكومية لخدمة أغراضهم الشخصية وأخضعوها لتنفيذ أجنداتهم الخاصة والمريبة في آن واحد، والتي طالما بذرت بذور الشقاق بين الدول بعضها البعض بل وبين أبناء الوطن الواحد.

ولو تركنا الجماهيرية المنكوبة لنظام آخر ورث فيه الابن الشاب ضيعة أبيه! كما ورث معه أيضا طغيانه وبطشه وقمعه لأبناء وطنه، فسنجد نظام الأسد الابن الذي حذا حذو الأسد الأب، فقد ادعى كل منهما تمسكه بالديمقراطية والدولة المدنية، وسيادة دولة القانون واتباع نظام المساءلة وتطبيق الشفافية، حتى فوجئ العالم بأكمله به وهو يحيك القوانين على مقاسه الخاص ليصنع من سوريا نموذجا يتندر به العالم بأكمله، وسابقة تحلم كافة الأنظمة المستبدة في تكرارها، ولو على مصلحة الشعوب وكرامة الأوطان.

لقد أذاقت جماهيرية القذافي وجمهورية الأسد شعوبهما صنوفا من العذاب وأنواعا شتى من الويلات، لم يشفع لتلك البلدان البائسة أن حكامها بدأوا حكمها شبابا واعدين بديمقراطية لم تطبق يوما، بل على العكس فقد عانى الكثير من مواطنيها من الاستبداد والقمع ورضخوا لأشكال شتى من التعذيب وإرهاب الدولة. لعل قراءة مثل هذا التاريخ والتروي فيه جيدا هو من الأهمية بمكان لأن يعي أجيال الشباب العربي الغض خطورة الاندفاع بتهور خلف تلك الألفاظ البراقة والشعارات الجوفاء عن الحرية والديمقراطية، فقد يكون العسل مسموما، وليس كل ما يلوح في ظهيرة الصحراء ماء.. ومن المؤكد أيضا أن ليس كل ما يلمع ذهبا.

** أكاديمي وكاتب صحفي

www.a-e-house.org

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

هل يحقق بوتين نهوض روسيا الجديد؟!

د. عصام حداد ()

المستقبل

11-7-2012

رافقت عودة بوتين لرئاسة الاتحاد الروسي حملة تشهير وترهيب من الأخطار التي تتهدد مستقبل تطور الديموقراطية وحقوق الإنسان في روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وأتت موافقة "الدوما" على الصيغة الجديدة لقانون "حق التجمع" وبالتالي "حرية التظاهر والتعبير عن الرأي لتلهب المزيد من النقد وتوجيه الإتهامات باتجاه "احتمال قيام دولة بوليسية" تسلطية في ظل رئاسة فلاديمير بوتين الجديدة.

وتأتي هذه الاتهامات في الوقت الذي تشير الأنباء إلى تقدم المعارضة الروسية بشكوى مشتركة مع الحزب الشيوعي الروسي إلى المحكمة الدستورية ضد هذه الصيغة الجديدة للقانون، كما تشير إلى احتمال نجاح هذه الشكوى. وهنا لا بد من التنويه بالقيمة المعنوية الكبيرة لموقف "مجلس حقوق الإنسان" التابع للكرملين والذي ينتقد فيه المغالاة في مستويات الأحكام والغرامات الملحوظة في القانون واعتبرها متناقضة مع دستور البلاد.

وفي 12 حزيران (2012) نظمت مسيرة ضد هذا القانون أيضاً "مسيرة الملايين" شارك فيها عشرات الألوف من المحتجين، ومن المعلوم أن العمل بهذا القانون في حلته الجديدة قد بدأ في السابع من حزيران (2012) أي يوم تم إعلانه في الجريدة الرسمية الروسية "راسيسكايا غازيتا" وفي الجوهر يتمحور الجديد في هذا القانون حول:

ـ ضرورة تقديم طلب الإذن والسماح "بالتجمع" والحصول على هذا الإذن من الهيئات المعنية المختصة.

ـ ارتفاع سقف الغرامات في حال حصول خرق للقانون ويصل إلى 7500 يورو للفرد الواحد، والـ27 ألف يورو للجمعيات أو التنظيمات.

ـ المنع الكامل للتجمع أمام "الدوما"، وضع الأقنعة أثناء التظاهر.

وأشارت أوساط الرئيس بوتين بأن هذا النص الجديد يهدف للتماثل مع ما هو معمول به في الغرب الأوروبي، مع العلم أن القانون الألماني مثلاً يشترط التقدم بطلب الإذن للتجمع والتظاهر ولكنه لا يشترط انتظار الحصول على الموافقة!! ولذلك تنشأ الصعوبات في محاولات منع تظاهرات اليمين المتطرّف على الرغم من رغبة الأحزاب الليبرالية في ذلك، ولا تمنع تظاهرة إلاّ في حال تعارضها مع وجود تجمعات أو احتفالات في التاريخ نفسه والمكان نفسه مما قد يهدد "السلم الاهلي".

وفي هذا المضمار تنقل الأوساط الصحافية عن الرئيس بوتين قوله: "على المجتمعات التي تجيز حق التجمع أن تعرف كيف تحمي نفسها من مظاهر واحتمالات التطرّف!!!" كما أفصح رئيس هيئة رئاسة الدوما السيد "سرغي ناريشكين" عما يُهدف إلى منع حصوله من خلال هذا القانون الجديد محط الانتقادات في الغرب الأوروبي: "الحؤول دون تطوّر الاحتجاج إلى تطرّف وراديكالية مفرطة...".

بالتأكيد لا يعني هذا التحديد جموع الليبراليين التقليديين الذين ينظمون احتجاجاتهم في العاصمة موسكو (غالباً)، بل يعبّر عن الخوف من أولئك الذين لا يزالون في انتظار إنصافهم اجتماعياً والموعودين به منذ 12 عاماً على بداية أول ولاية لفريق الرئيس بوتين، أي بدء عهد الاستقرار والاستمرارية بعد الدمار والفوضى التي خلّفها عهد بوريس يلتسين ومما لا شك فيه: ان السياسة الاجتماعية للحكومة الجديدة برئاسة ديمتري ميدفيديف ستكون محط الأنظار وعنوان المواجهة الاجتماعية في بداية الولاية الجديدة للرئيس بوتين من مشكلة السكن والعناية الصحية إلى التعليم والمسألة الزراعية وليس أخيراً مشكلة تناقص عدد السكان بسبب سوء الأحوال الاجتماعية، وما يترتب على ذلك من ضرورة فتح باب الهجرة لكل من يريد العمل في الأسواق الروسية وخاصة لأبناء الجمهوريات السوفياتية الجنوبية السابقة.

إن التقدم الموعود على طريق حل هذه المعضلات الاجتماعية الخطرة هو الكفيل بضمان السلم الأهلي الذي تحتاج اليه روسيا في تطوّرها السياسي ـ الاجتماعي الديموقراطي المنشود وذلك تحت أنظار المراقبين في الغرب أو في الشرق.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أنان لا يُلام

امين قمورية

2012-07-11

النهار

لا تلوموا كوفي انان على مواقفه الاخيرة، فالعقد التي يواجهها لا يعجز عن حلها مبعوث فحسب، بل الجمعية العمومية ومجلس الامن مجتمعين. هو تطوع لحل مشكلة داخلية بين نظام ومعارضة، فاذا به عندما وطئ الارض السورية وجد نفسه ضائعا في متاهات معمعة اقليمية دولية يعجز السحرة والعرافون عن فك أحاجيها.

ما يحدث في سوريا حرب اقليمية عالمية باردة جديدة بامتياز. سقوط حزب البعث ليس مجرد سقوط لنظام مستبد أذاق شعبه مر العذاب، بل سقوط لمنظومة اقليمية من شأنه ان يغير وجه المنطقة والعالم. وانتصار المعارضة ليس تغييراً في رأس السلطة بل قلب للمعادلات والتوازنات الاستراتيجية التي كانت تحكم الشرق الاوسط.

مجموع العوامل الخارجية التي دخلت على خط الازمة وتناقضاتها يظهر حجم اللعبة الجيوسياسية المرتبطة بسوريا اليوم، وهي لعبة يصعب النظر اليها من منطلق أخلاقي سواء لمن يقف مع الثورة السورية "حباً" بتعميم الديموقراطية ونشرها، أم لتلك القوى التي تقف مع النظام انطلاقا من اعتبارات رفض التدخل الخارجي.

فكرة الحل السياسي على النموذج اليمني أو العراقي ضرب من التمويه السياسي على حقيقة ما يقتضيه الشأن السوري من حساب واضح للمكاسب او الخسائر بين الاطراف الاقليميين او الدوليين الذين باتوا شركاء أو اطرافا في ما يحدث على الارض.

والحديث عن إنهاء العنف هو حديث عن محاولة إنهاء وضع بات لا يقبل سوى الربح أو الخسارة، وتاليا هل التدخل الخارجي على المدى الطويل يزيد العنف أم يهدئه؟ وقف دعم الثوار يعني خسارتهم ورفع الدعم عن النظام يعني ايضا خسارته، مع ما يترتب على كلتا الخسارتين من تداعيات. سوريا أشبه بمن يقف على الأعراف، لا هي دخلت جنة الحل السياسي ولا نار الحرب التي تنتهي بوضوح في حساب المكسب والخسارة. كل ما يقدم لسوريا اليوم ليس سوى إدارة للصراع وليس حلاً له.

لا يمكن اخراج المحاولات السياسية التي تجري في سوريا ومن أجلها من سياقاتها الممتدة، الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا تفاوض إيران على أرض سورية، وروسيا والصين تفاوضان الولايات المتحدة على أرض سورية. وهكذا دواليك في لعبة جيوسياسية ممتدة أبعد نقطة فيها هي مصلحة سوريا نفسها والشعب السوري. لا موسكو ولا بيجينغ ترفضان التدخل من أجل مصلحة سوريا الذاتية، ولا واشنطن او أنقرة ستتدخلان في سبيل مصلحة سوريا الذاتية، وهذا ما يجعل الأسئلة التي تطرحها سوريا صعبة، والاجوبة عنها أصعب. وهذا ما يجعل أيضا مهمة أنان ضرباً من ضروب المستحيلات.

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

سوريا: إيران جزء من المشكلة وليس من الحل

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

11-7-2012

بعد غيابه عن مؤتمر أصدقاء سوريا في باريس ظهر المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان في دمشق فجأة وذلك قبل ان ينتقل الى طهران لبحث القضية السورية مع الإيرانيين . ولا اريد ان أتوقف عند اتفاقاته الجديدة مع جزار سوريا ووصفه لها بانها بناءة ، فالتجربة خير برهان ، لان الاسد منذ ان ارسل دباباته لدك المدن السورية لم يرفض ولا مبادرة عربية او دولية لحل الازمة ، مستخدما هذه المبادرات لكسب الوقت من اجل مواصلة الحل الأمني الذي تبناه بمواجهة مطالب شعبه العادلة بالحرية والكرامة .

ما اريد ان أتوقف عنده من تصريحات عنان التي أدلى بها في دمشق قوله ( بان ايران جزء من الحل في سوريا ) وهذا يكشف الاستراتيجية التي رسمها المبعوث الدولي لنفسه من اجل الوصول الى السلام . فهو يعتقد ان التفاهم مع روسيا وإيران هو المفتاح للوصول الى اجراء دولي في مجلس الأمن للضغط بقوة على الاسد وإجباره على القبول بالمرحلة الانتقالية لتغيير النظام ، ونتائج مؤتمر جنيف التي شاركت فيه روسيا تشجعه على الاستمرار بهذه الاستراتيجية بعد ان خرج المؤتمر باتفاق جماعي شاركت فيه روسيا والصين يتركز على المرحلة الانتقالية . ومعروف ان عنان طالب بمشاركة ايران في اجتماع جنيف لكن الولايات المتحدة عارضت بشدة .

أفعال النظام السوري وجرائمه اليومية تجعل من تحركات عنان بدون جدوى ، لكن ماذا عليه ان يفعل بمواجهة مواقف دولية لم تقم الا بمنح الفرصة والوقت لكي يواصل النظام عملياته الوحشية ، ومنذ ما يسمى بالاتفاق على وقف العنف وسحب الجيش من المدن سقط ٤ آلاف سوري واضعافهم من الجرحى واضعاف أضعافهم من اللاجئين ، فالمجتمع الدولي وفي مقدمته امريكا وأوربا والعرب لم يقدم للشعب السوري غير بيانات التعاطف والتأييد بينما يقدم حلفاء الاسد ، الروس والإيرانيون ، ينابيع القوة له التي تمكن ماكنته التدميرية من مواصلة العمل بحصد أرواح السوريين وتدمير مدنهم .

احتمالات حدوث تطور إيجابي في الموقف الروسي في المستقبل امر وارد وذلك يعتمد على التطورات على الارض السورية مثل تصاعد الثورة في دمشق وحلب او توسع الانشقاقات في الجيش اضافة الى ما قد يحدث من تفاهمات بين موسكو وواشنطن ، لكن الدور الإيراني في سوريا هو جزء من المشكلة وليس من الحل ، من مصلحة طهران ان يبقى الاسد وان تعمر الازمة السورية سنوات وسنوات على شكل حرب أهلية او حتى إقليمية ، وهو دور جربته طهران في العراق وحصدت منه فوائد واستثمارات سياسية واستراتيجية كبيرة على المستوى الإقليمي والدولي ، ومنحها الوقت لبناء مشروعها النووي ، ان خمود الدور الإيراني وتراجعه في العراق أعطى الغرب الفرصة لإعادة تشديد الحصار والضغط على طهران ، وهاهي المشكلة السورية تمنحها فرصة جديدة لاحتلال موقع اللاعب الإقليمي الذي يملك أوراق المساومة في سوريا .

و حكام طهران لا يلعبون بكل أوراقهم دفعة واحدة ، ان إطالة أمد الازمة الملتهبة في سوريا يمنحهم مزيدا من الاوراق ،و الحل السريع او القريب يناقض مصالحهم ، بالتأكيد هم اليوم سعداء بزيارة عنان لانها تمكنهم من الإمساك بهذه الفرصة لاستثمار دورهم الجديد في سوريا الذي يعتمد على تمديد عمر الازمة وليس إنهائها ، ونأمل ان يستخلص عنان وبسرعة بان طهران جزء من المشكلة وليس من الحل .

ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*

أميركا والمأزق السوري: سياسة ضبط الحلفاء

غازي دحمان *

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٢

الحياة

ليس في الموقف الأميركي من الأزمة السورية ما هو مفهوم وقابل للقراءة المنطقية سوى ما يمكن رده للمواقف الكلاسيكية للحزب الديموقراطي والمعروفة بالتردد وعدم الحسم تجاه القضايا والأزمات الكبرى، لدرجة يمكن القول معها ان الديبلوماسية الناعمة والذكية لم تكن اختراعاً «أوبامياً» صرفاً بقدر ما هو تطوير لسياسة تقليدية اختطها الديموقراطيون ونسجوا على منوالها مواقفهم وإستجاباتهم طيلة عقود من الزمن.

باستثناء ذلك، ثمة تناقض لا تخطئه العين بين الخطاب السياسي الأميركي والسلوك المتبع تجاه الأحداث التي تشهدها سورية، وهو تناقض لا يشبه الفارق بين التصورات النظرية والأفعال العملانية، نظراً الى حاجة الأخيرة إلى تعديلات ميدانية دائمة تفرضها طبيعة خطط الطرف المقابل وتكتيكاته المخفية، ذلك أن ما يصدر عن واشنطن هذه الأيام أربك حتى العاملين في الإدارة ذاتها وأظهر تناقضاتهم مع مرؤوسيهم في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وهنا لا نتحدث عن السيناتور جون ماكين مثلاً وتصريحاته النارية، بل عن أشخاص من صلب إدارة أوباما والملزمين بتطبيق سياسة إدارته كالسفير روبرت فورد الذي انخرط في الحدث السوري من دون ان يتبين خريطة طريق إدارته تجاهها.

ولعل ما بات يثير الاستغراب، وحتى التندر، في السلوك الأميركي، ليس سقف التصريحات السياسية المرتفع لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن ضرورة رحيل الأسد وأيامه المعدودة وضرورة تجنيب سورية هجوماً كارثياً، بل مستوى الإنخراط الأميركي في مختلف الفعاليات والمؤتمرات السياسية التي باتت معروفة النتائج سلفاً، وكذلك المشاركة في إصدار لوائح العقوبات التي وصل بعضها إلى منع تصدير الكافيار إلى سورية، حتى بدا الأمر وكأنه نوع من الترف السياسي الذي لا تحتمله الأزمة السورية المتفجرة دماً وخراباً وتجزؤاً، وتنذر بخراب يفيض على الإقليم ويزيد.

في مقابل ذلك، لم يعد خافياً أن واشنطن تقف بقوة ضد أي محاولة لإحداث تغيرات ميدانية واستراتيجية من خلال ضبط سلوك وتوجهات حلفائها في المنطقة، ومنعهم من التصرف بطريقة من شأنها أخذ الأمور بإتجاهات غير محسوبة بالنسبة الى ادارة اوباما، وقد بدا ذلك واضحاً بشكل جلي عقب حادثة الطائرة التركية، ومحاولة واشنطن لجم الإندفاع التركي وعدم تأمين الغطاء الذي تريده أنقرة من حلف الناتو، وكذا قيامها بتبريد الرؤوس الحامية في الحلف، ولجم الثلاثي البريطاني – الفرنسي – التركي وضبط سلوكه عبر سياسة الحلف واستراتجيته الأشمل في المنطقة والعالم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى تدخل واشنطن في تحديد نوعية الأسلحة وكميتها المسموح تسليمها للمعارضة السورية، وتؤكد تقارير بهذا الخصوص إرسال الإدارة الأميركية مراقبين عسكريين إلى تركيا لمتابعة عملية تسليح المعارضة والوقوف على حيثياتها ومعرفة أدق تفاصيلها.

وقد بات واضحاً للعيان أن موسكو قد التقطت حالة الحذر الأميركي منذ مدة وراحت تضبط سياستها تجاه الأزمة السورية على أساسه صعوداً ونزولاً، وتكشف حادثة تعامل الوزير لافروف مع نظيريه القطري والتركي المسربة من أروقة اجتماعات جنيف جزءاً من هذه الحقيقة، حيث رفض إصرارهما على تبني سياسات جذرية تجاه الأزمة السورية، وتذكيرهما بأن هذا الشأن يخص القوى الكبرى، وبديهي أن الجانب الروسي ما كان يجرؤ على المجاهرة بذلك لولا تأكده من حقيقة الموقف الأميركي ومعرفة مداه بهذا الخصوص، ولا يمكن أن نفصل زيارة بوتين لكل من فرنسا وألمانيا وإسرائيل عن هذا السياق، إذ من الطبيعي انه لو كانت هناك إستراتيجية صلبة ورؤية واضحة بين واشنطن وحلفائها لما طمح بوتين إلى محاولة اختراقها، ولو حتى على سبيل التجريب.

هل يعني ذلك أن ثمة تماهياً بين الرؤيتين الأميركية والروسية تجاه الأزمة في سورية وطرق معالجتها؟ وبالإستتباع هل ثمة خلاف بين واشنطن وحلفائها في هذا الأمر؟ ثم هل صحيح ان إدارة اوباما تخوض المعترك السوري من دون رؤية واضحة؟ لا شك أن القراءة المتسرعة والإنفعالية من شأنها تبسيط الأمور، فالإجابة بنعم على السؤالين السابقين تعني عدم القدرة على رؤية المشهد بتعقيداته الإستراتيجية والإكتفاء بالنظر إليه من زاوية محددة، وهو ما لا يتناسب مع حسابات القوى العظمى وطبيعة قراءتها الشمولية للحدث وحساب استحقاقاته وإرتداداته والأثمان المترتبة عليه.

واستتباعاً لذلك تدرك واشنطن أنها في الحدث السوري تواجه مجموعة من القوى المتربصة بها والتي تنتظر تورطها بفارغ الصبر على أمل أن يفتح ذلك نوافذ حقيقية للتفاوض معها وتحقيق تقدم في الملفات العالقة معها، فإيران المخنوقة إقتصادياً وروسيا المأزومة إستراتيجياً والصين المهددة بفعل إستراتيجية واشنطن الآسيوية، كل اولئك يحلمون بحل أزماتهم في إطار الأزمة السورية التي توفر لهم، من وجهة نظرهم، فرصاً معتبرة عزّ توفيرها في أمكنة وملفات أخرى، في حين أن واشنطن تعتبر أن ما حققته مع هذه الدول أو ضدها مكاسب إستراتيجية بعيدة المدى لا يمكن التضحية بسهولة بها. وبخصوص الأزمة السورية فإن إدارة اوباما ترى أن ثمة مخارج غير مكلفة يمكن الركون إليها من شأنها تدعيم أوراقها في مواجهة خصومها الإستراتيجيين، تبدأ من الضغط الديبلوماسي عبر استثمار البعد الأخلاقي للأزمة، ولا تنتهي عند حد الدعم الخفي والمحسوب وحتى المعلن عنه للمعارضة السورية، وفي هذا الصدد تمارس واشنطن سياسة الصبر والبناء الحثيث للتعقيدات الإستراتيجية والميدانية للأزمة في مواجهة خصومها، وبخاصة في ظل التأكيدات على أن النظام فقد سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد وأن دينامية الأزمة من شأنها أن تغير المعطيات وتقلب الحقائق لغير صالح خصوم واشنطن في سورية.

بناءً على هذا التحليل فإن واشنطن ليست بصدد تغيير قواعد الاشتباك في منطقة الشرق الأوسط، وهي تتصدى تالياً لخصومها الاستراتجيين وترفض إعطاءهم أدواراً يطمحون اليها، كما أنها تضبط سلوك حلفائها في هذا السياق، كيلا يؤدي إندفاعهم إلى التورط في نزاعات إقليمية قد تحرجها.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com