العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15/04/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

لماذا شنقتم الفتاة يا أيها المجرمون؟ .. مجاهد مأمون ديرانية

نعم، شاهدتُها؛ كانت معلّقة من عنقها بحبل تدلى من السقف، وقد مال رأسها على العنق المكسور ورُبطت اليدان من أمام وتهدّل الجسد الصغير، أمّا الوجه… لن أنسى وجهها ما حييت!

بنت كم كانت؟ لعلها بنت ثلاثَ عشرةَ أو أربعَ عشرةَ على الأكثر. ماذا جَنَتْ بنتٌ لم تتمّ الرابعة عشرة حتى تُشنَق؟ أي جريمة ارتكبت وبأيّ ذنب قُتلت؟ مَن القاضي ومن الجلاد، ومن كان الشهود؟

وأين أمها وأين أبوها، وأين أختها وأين أخوها؟ أكانوا هم الذين صوّرتموهم في الفلم الآخر مبعثَرين على الأرض، وقد اخترق الرصاص رؤوسَهم والصدور؟ أهذا هو ما صنعتموه في كل بيت، أو بقايا بيت، دخلتموه في حي بابا عمرو المنكوب؟

لقد سمعتك يا أيها المجرم وسمعت صوت صاحبك يستعجلك، وأنت تماطل وتقول: أريد أن أصوّرها أولاً. ثم لم يكفِك أن صورتها معلّقة من رقبتها حتى رحت تدور حولها لتُرِيَنا شكلها من جنب ومن خلف كما أريتنا شكلها من أمام.

لا أعلم كم رآها من قرّاء هذه المقالة، لن يراها الباقون لأن إدارة اليوتيوب حذفت المقطع بسبب “الإفزاع وإثارة الاشمئزاز”. لا أدري أَخَيْراً فعلت أم كان ينبغي أن تتركه ليراه كل واحد على سطح الكوكب، فيعرف مبلغ إجرام هذا النظام، ويعرف كيف عاش شعب سوريا في سجنه الكبير أربعين عاماً، كل يوم من أيامها طوله ألفٌ من الأعوام من شدّة ما عانى وقاسى من الأهوال والآلام.

* * *

لماذا شنقتم الفتاة يا أيها المجرمون؟ لماذا صورتموها، ولماذا نشرتم صورها؟ هل أردتم أن تُغضبونا؟ فإنّا قد غضبنا، وإنّ غَضَبنا نارٌ هائلة هائجة ستحرقكم وتحرق قلوب آبائكم وأمهاتكم، لو كانت لمن يَخرج أمثالُكم من أصلابهم وأرحامهم قلوب!

وتريدون منا بعد ذلك أن ننسى وأن نسامح؟ نقسم بالله العظيم أنه لا عفوَ ولا غفران، وأنّ مَن قَتل قُتل، وأن القاتل قد اختار كيف يُقتل من يوم اختار كيف يَقتل؛ فمن شَنق شُنق، ومن خَنق خُنق، ومن حَرق حُرق، سُنّةً وقانوناً أنزله الله من السماء فلا يَحول ولا يزول ولو اجتمع عليه أهل الأرض: {وإنْ عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}، {النّفس بالنفس والعين بالعين والأنف الأنف والأذُن بالأذن والسنّ بالسنّ والجروح قصاص}.

ألا لا يدعونا إلى التسامح بعد اليوم إلا خائن. انتظروا يوم القصاص يا أيها المجرمون.

فيديوهات:

- طفلة من الصومال, أقصد من سوريا!

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=JC2bETjM5Ms

- أكبر متظاهر سوري يهتف للشباب السوري الثائر, يافتية الشام للعلياء ثورتكم, و مايضيع مع العلياء مجهود ...

http://www.youtube.com/watch?v=pouxE5JKCZY

- أكبر متظاهر سوري بعد استشهاده, بائع البقدونس الشهيد الحاج أبوصبحي الدرة

http://www.youtube.com/watch?v=gCmdV8hE_xg&feature=youtube_gdata

- من سبق و أن رأى بسطارا عسكريا يحطّم رأسا بشريا؟

http://www.youtube.com/watch?v=3Mt_TOUFddw&feature=uploademail

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سهرة ثوار بدرعا المحطة..!!.. د. صابر جيدوري

تابعت بعناية فائقة السهرة التي بثتها قناة الجزيرة مباشر بتاريخ 9/4/2012م لمجموعة من ثوار درعا المحطة يهزجون فيها للوطن ويطالبون بإسقاط نظام الاستبداد.. ومما يستحق التسجيل بداية هو أن هذه السهرة كما سمتها فضائية الجزيرة مباشر لم تكن سهرة بالمعنى الشائع للكلمة، وإنما كانت ندوة وطنية بامتياز، فقد تخللها نموذجاً من نماذج الحوار الذي يتسم بالمنطق المتزن والسعي الجاد إلى تقديم استراتيجية وطنية مهمة من أجل تطوير مسيرة الثورة السورية المباركة، كما كانت رسالة مكتملة الجوانب للمعارضة الداخلية والخارجية تستحق من الجميع الوقوف عند مفرداتها، وإبراز ما جاء فيها من أفكار قيمة تُشكل في مجملها خارطة طريق للذين لا زالوا يختلفون على تقاسم الكعكة السورية التي لم تنضج بعد حسب تعبير شيخ الثورة احمد الصياصنة.. هذا فضلا عن أنها عكست وعياً وطنياً وسياسياً واجتماعياً لدى هؤلاء الثوار يُمكن وصفه بالمنقطع النظير.

 بدأت الندوة بحديث تقدم به أحد الثوار عن أهمية الوحدة الوطنية بشكل عام بالنسبة للثورة السورية، فأشار إلى أن الوحدة الوطنية تُحتم على كل مواطن أن ينظر إلى الآخر باعتباره واحداً منا، حتى نتمكن جميعاً من بلورة صيغة جديدة للهوية الوطنية المشتركة، والتي بمقتضاها يشعر المواطنون على اختلاف ثقافاتهم وأجناسهم وأديانهم ومذاهبهم أنهم أعضاء في وطن واحد، وإنهم ينتمون جميعاً إلى سوريا الوطن وليس إلى سوريا المذهب أو الطائفة أو المعتقد، وإن تنوعهم يمثل سنة من سنن الله في خلقه.. وبعد هذه المقدمة الرائعة عن الوحدة الوطنية طلب الشاب الذي يُدير الندوة (السهرة) من زملائه أن يهزجوا بواحدة من أهازيج أهل حوران للثورة التي انطلقت من درعا البلد فهزجوا الأهزوجة التي مطلعها يقول:

شمس الحرية طلعت من درعا البلد

 سوريا لينا ما هي لبيت الأسد

 ثم تابع الثوار ندوتهم وتناولوا مجموعة من القضايا الملحة التي أفرزتها التداعيات السوداء الناتجة عن ممارسات النظام القمعية، وكان من أولى القضايا المطروحة قضية الطائفية التي يُروج لها (عراعير) الطوائف السورية من سنة وعلويين ومسيحيين ودروز، فقد أثبت الثوار المجتمعون في تلك الندوة أنهم يمقتون الطائفية، وأن ثورتهم لم تكن في أي لحظة من اللحظات ثورة طائفية، وإنما ثورة شعبية بامتياز هدفت إلى تحقيق الحرية والكرامة الإنسانية، ومما يستحق الالتفات إليه أن أحد الثوار المتواجدين في السهرة كان من الطائفة المسيحية التي تسكن (شمال الخط) وشمال الخط لمن لا يعرف هو عبارة عن حي من أحياء درعا المحطة يقع بالقرب من المجمع الحكومي وخلف فندق الوايت روز، وعندما سئل مدير الندوة هذا الأخ الثائر سؤالاً مفاده: هل الثورة قامت على أسس طائفية؟ تقدم هذا الشاب الرائع وقال: لم أتذكر يوما أننا عشنا في سهل حوران لحظة طائفية قط.. كنا على الدوام متسامحين مع بعضنا ومتحابين، ثم وضح دور الأخوة المسيحيين في درعا ومساعدتهم الإنسانية النبيلة للثورة عندما فتحوا بيوتهم للثوار وأسعفوا الجرحى إلى الكنائس، وقاموا بكل ما يجب القيام به، ثم أشار إلى أهمية العزوف عن الطائفية المقيتة، مبيناً أن الاضطرابات القيمية التي تجتاح المجتمع السوري في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخه مردها النظرة الضيقة إلى الوحدة الوطنية، أكان ذلك من مدخل الولاء المشترك للمبادئ السياسية أو الولاء للقائد الملهم أو الحزب الأوحد، أو الطائفية المقيته، مؤكداً في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون لدى أبناء الوطن مشاعر العضوية، وأن تكون هذه المشاعر عامة ومشتركة بين الجميع، الأمر الذي يقتضي العمل على تعزيز قيمة الانتماء للوطن عبر مدخل تعزيز ثقافة الحوار بين أبناء المجتمع، ونبذ الطائفية للوصول إلى الإيمان بفكرة العيش معاً، تلك الفكرة التي لا يمكن الوصول إليها بحرب الدبابات ومدافع الهاون، وإنما بالحوار المنطقي المتزن والسعي الجاد للخروج من الكارثة التي دفعنا إليها من لا يريدون الخير لسوريا الوطن.. وبعد أن أشبع الثوار مناقشة هذا الموضوع مناقشة فكرية متميزة عادوا لأهازيج الثورة فهزجوا:

الموت ولا المذلة بالروح نفدي وطنا

 ثم انتقلوا لمناقشة القضية الكردية، وأجمعوا على أن الأخوة الأكراد وإن اختلفت قوميتهم فهم سوريون لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات، كما أنهم وطنيون ولا يجوز لأحد أن يشك بانتمائهم للوطن السوري، وأن ما تعرضوا له من تهميش على مدار عقود طويلة يجب أن لا يتكرر مرة ثانية، ثم بين أحد الثوار التضحيات التي قدمها الأخوة الأكراد من أجل إنجاح الثورة السورية واستمرارها، مشيراً في ذلك إلى الشهيد البطل مشعل تمو ورفاقه الذين قضوا في سبيل تحرير سوريا من حكم الفرد الواحد.. ومن الأمور المهمة التي أشار إليها الثوار التعتيم الإعلامي لدور الموحدون الدروز في الثورة السورية، حيث وضح أحدهم وهو طالب في إحدى الكليات الجامعية في السويداء إلى أنه يشاهد دائماً مظاهرات ضد النظام في مدينة السويداء غير أن الإعلام لا يُسلط الضوء عليها، كما بين هذا الثائر مقدار التعاطف والمحبة التي يكنه أبناء الطائفة الدرزية لأبناء الطوائف الأخرى في سوريا من خلال معايشته لهم في الجامعة.. بعد ذلك أبرز الثوار مجموعة القيم التي جسدتها الثورة السورية على أرض الواقع، فأشاروا إلى العلاقات الإنسانية التي تربط بين أبناء الريف والمدينة، وكيف تقدم أبناء الريف في محافظة درعا لإغاثة إخوانهم في المدينة، مبينين حجم التضحيات التي قدمها أحرار الريف من أجل إخوانهم.. كما برهنوا بشكل واضح كيف أصلت الثورة العلاقات الإنسانية الرائعة بين جميع أبناء سوريا، وكيف امتدت الثورة إلى حمص وبانياس وحماة وإدلب ودير الزور وريف دمشق وغيرها من المدن التي ثارت نصرة لأهل حوران ضد نظام الاستبداد.. مؤكدين في مداخلاتهم أن كل شهيد سقط على تراب الوطن هو قائد ثورة.. وأن دماء هؤلاء الشهداء التي روت تُراب سوريا لن تذهب هدراً.. وأن بيوتهم مفتوحة على مصراعيها لكل أبناء سوريا الذين تم تشريدهم وقُصفت منازلهم أو أُحرقت.. وبعد: هؤلاء هم ثوار محافظة درعا الذين وصفهم نظام الاستبداد بالعصابات المسلحة.. وهنا أسأل كل من شاهد هذه السهرة على قناة الجزيرة مباشر: هل ما أظهره هؤلاء الثوار المثقفون من وعي سياسي ووطني واجتماعي أدهش الجميع، ينسجم مع توصيف نظام الطغيان لهم..؟ أترك الإجابة للشرفاء والأحرار من أبناء سوريا، لأنه لم يبقى لي إلا أن أقول لهؤلاء الثوار الأبطال: احتفظوا بأحذيتكم أيها الثوار من أجل أن نقبلها عندما نعود إلى أرض الوطن.. أنتم الذين أعدتم الكرامة المستلبة.. وانتزعتم الحرية المغتصبة.. وعلمتم العالم معنى التضحية من أجل أن يكون وطنكم أكثر عدلاً وأنسنة.. تحية لكم أيها الثوار السوريون في كل مكان..

 كلية التربية – جامعة دمشق

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من هو الإرهابي ومن هو المقاوم في المشهد السوري؟ .. سحر حويجة

10/4/2012

موقع الجديدة

أيام عصيبة تعيشها الثورة السورية، في مواجهة نظام بلغ حداً لا يمكن تصديقه، نظاماً ديكتاتورياً استبدادياً، أضاف إلى أوصافه وصفاً إضافياً على أنه نظاماً فاشياً دموياً، بعد أن أعطى أوامره بتدمير مناطق وأحياء على رؤوس ساكنيها، وأجبر من بقي حياً من قاطنيها على هجرها، هرباً من الموت الذي يلاحقهم، تاركين وراءهم شقا عمرهم كلَ ما ادخروًه وبنوه؛ بيوتهم، أعمالهم، ممتلكاتهم، ماضيهم ومستقبلهم حتى أنهم لم يتمكنوا من دفن أمواتهم،حيث تم دفنهم تحت أنقاض الدمار، كما تقطعت أوصال العائلات أطفال بلا أباء ولا أمهات، ينتظرون بديلاً يكفلهم، أمهات بلا أولاد ولا زوج. جموع تائهة، في الدروب ليستقروا في ملاجئ خارج الوطن، أو التحول إلى إحدى المدن السورية بحثاً عن بيت للإيجار، أو مساعدات أهل الخير. لا أمل لهم بعودة قريبة، تحولوا إلى لاجئين، لكن للمفارقة بينهم وبين غيرهم من اللاجئين، أخص بالذكر اللاجئين الفلسطينيين اللذين تركوا بيوتهم بعد النكبة، تحت ضغط الاحتلال، غير أن الفلسطينيين احتفظوا بمفاتيح بيوتهم جيلاً بعد جيل، على أمل العودة،، مع ما يحمل ذلك من دلالة، على أن عودتهم ستكون إلى ذات البيت الذي خرجوا منه عنوة، لأنهم تركوا بيوتهم سالمة، أما أهالي الأحياء والمناطق المنكوبة في سوريا، خرجوا من بيوتهم ولم يحتفظوا بمفاتيحهم، لأنهم شاهدين على احتراقه وتدميره. والنتيجة لقد خسروا كل شيء. إلا ما تبقى لهم من روح ترفض الذل والهوان ويحذوها الأمل أن يأتي يوماً يحاكم فيه المجرمين اللذين قتلوا وهدموا وسرقوا، حياتهم وأملاكهم، وأعراضهم.

بالنسبة للنظام لقد تم تطهير المكان، وأصبح آمناً، دلالة على ذلك ظهور الرئيس فجأة في المكان المهجور، متفقداً المكان ماشياً على جانبي الأنقاض، يجول ببصره دون أن تبدو عليه علامات من استغراب أو دهشة، من هول ما حدث، واختصر المشهد بما معناه: أن السلطة اضطرت لاقتراف “هذه الجريمة”، بعد أن تمت سيطرة الإرهابيين على المكان “قاصداً الجيش الحر” في العودة إلى تعريف الإرهاب وفق ما ورد في المادة 304 من قانون العقوبات السوري: “يقصد بالأعمال الإرهابية جميع الأعمال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل مثل الأدوات المتفجرة والأسلحة الحربية والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاما”. لاشك أن الإرهاب في العقدين الأخيرين تحول إلى ظاهرة معقدة عجزت مؤسسات دولية عن وضع تعريف جامع شامل له، بسبب تنوع وسائل الإرهاب وازدياد مخاطره، إلا أن الصفة الأهم له، القتل العشوائي الذي يطال أعداداً كبيرة من المدنيين الأبرياء اللذين لا ذنب لهم إلا أنهم ينتمون لمذهب ما أو منطقة ما، أو موقف ما. في تجاوز لكل القواعد والقوانين التي تنظم العمل المسلح، “أو فعل المتحاربين”، حيث يجب على الأطراف المتقاتلة حماية العزل، وحماية الأطفال والشيوخ والنساء، في العودة إلى الواقع السوري، فإن إيجاد حالة الذعر، ونشر الرعب بين المواطنين، كان مصدره ممارسات الأمن والجيش، أما الجيش الحر؟ ولو اختلفنا حول دوره، والتجاوزات التي حصلت من عناصره، غير أن الثابت أن الجيش الحر شكل مصدر أمان لسكان المناطق الثائرة، كما أنه جاء تلبية لإحدى المطالب الجماهيرية العفوية، في مواجهة آلة العنف التي يستخدمها النظام، وممارسة حق الدفاع عن النفس، وحماية المتظاهرين وتحقيق الأمن، غير أن أهم ما يلفت الانتباه بما يخص الجيش الحر، على حسب ما أكدته الوقائع، حيث تربطهم عرى وثيقة مع أهالي المناطق الثائرة، فهم إما أبنائهم أو يعرفونهم جيداً ولا يمكن تصديق أن أحداً منهم سوف يقوم بتدمير بيته أو قتل أهله أو جيرانه، أو أصدقاؤه فالروابط المتينة والثقة الكبيرة، بين الأهالي وعناصر الجيش الحر كانت جلية للعيان حتى اعتبروا مناطقهم مناطق محررة، على أساس من سيطرتهم ونفوذهم، واثقين من قوتهم، دون أن يأخذوا موازين القوى التي تحكم الصراع على مساحة الوطن، والعزلة المفروضة بين المناطق وتقطيع الأوصال بين الأحياء في المدن الثائرة التي فرضها النظام، وعدم التخطيط المناسب للمواجهة. ودون حساب كاف لردود فعل النظام، فإن كان الهدف الأولي العفوي لهذا التحالف هو منع دخول الجيش والأمن إلى الأحياء، لممارسة حقهم في التظاهر السلمي، غير أنهم لم يتصوروا أن الجيش السوري بأوامر من السلطة سوف يقوم باقتحام المدن بالدبابات وتحطيم كل شيء يقف أمامه. واستعداد النظام للتضحية بجزء كبير من الشعب السوري في سبيل الاحتفاظ بسلطته، حيث أن التجارب تؤكد، أن استخدام القوة العسكرية المفرطة، في مواجهة شعب أعزل أو بأسلحة بسيطة أمراً صعب المنال، وإلا كانت فلسطين تحررت حيث أن الشعب الفلسطيني بالإجماع تقريباً يناهض الاحتلال، لكن أرضه لم تتحرر بعد بسبب القوة العسكرية للعدو، لكن في الوقت نفسه اضطر العدو للتنازل في مواجهة انتفاضة الحجارة التي فجرها الشعب الفلسطيني، عن قسم من سلطته للفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي، واضطر للانسحاب من قطاع غزة، لكن يبقى هناك نقطة اختلاف جوهرية، هي أن الجيش الإسرائيلي متماسك وراء عقيدة الاحتلال، أما الجيش السوري ورغم أننا ندعوه جيش النظام إلا أنه معرض للتصدع. والانشقاقات، وهذا ما حصل ويحصل، وخيار النظام باستخدام كل قوته لقمع الاحتجاجات وبمعرفة الأطراف الحليفة له، التي أعلنت على أن النظام لا يمكن إسقاطه بالقوة، إن العقوبات الجماعية والمجازر التي ارتكبها النظام، بحق المدن الثائرة، دون تفرقة بين طفل وشيخ وامرأة بدون تمييز بين محارب وأعزل، في ضرب خارق لكل قوانين الحرب التي تحكم المتقاتلين، وواجب حماية العزل. أسلوب النظام الهادف إلى بث الذعر والخوف ما هو إلا مثالاً فاقعاً لإرهاب النظام، وهو يتحدى الكون بسياسته الدموية، على هدف إخضاع المواطنين وإعادتهم إلى سكينتهم، من أجل زرع الخوف واليأس والإحباط، إن الأنظمة الاستبدادية من خلال حكمها، تعلم علم اليقين بأن الشعب لا يقبل حكمها إلا عنوة، وهي متأكدة أن مصالح أغلبية الشعب تتعارض مع مصالحها كما أن هذه الأنظمة لا تستمر في سلطتها إذا لم يتنازل الشعب عن أكثرية حقوقه، من موقع ضعفه في مواجهة آلة النظام الضخمة، أمام خيار أما القبول أو الموت. في الخلاصة. إن الإرهاب هو الأساس التي تعتمد عليه الأنظمة الديكتاتورية في بناء سلطتها واستمرارها. إلا أن ما يميزها عن المنظمات الإرهابية أنها تنظم الإرهاب وتوجهه، وتسيطر عليه، وتنتجه وتنسج علاقات تحالف مع المنظمات الإرهابية.

إن التضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوري من أرواح وممتلكات، وإصراره على الصمود والاستمرار يشكل شهادة عظيمة للشعب السوري، في مواجهة كل من يدعي أن الحراك في سوريا هدفه جر سوريا إلى أحضان القوى المعادية للمقاومة، ألا يخجل من سموا أنفسهم أسياد المقاومة في توجيه أي تهمة للشعب السوري وقواه الحية، رداً على هذا الكلام: ما الذي يميز المقاومة عن باقي قوى المجتمع؟ من أين تستمد المقاومة معانيها؟، وقيمتها؟، أليس بالدرجة الأولى من استعدادها للتضحية بأغلى ما عندها، وإنكار ذاتها ونيل الشهادة، في سبيل قضيتها، أليست المقاومة هي الاستعداد لتحمل كل صنوف العذاب والحرمان والتضحية، في وجه الظلم والعدوان. والدفاع عن الحقوق المسلوبة. أليست المقاومة هي الصمود، إن ما قدمه الشعب السوري من الغالي والرخيص في سبيل قضية تحرره يفند كل الادعاءات الرخيصة خاصة ما يتعلق منها بأنها مؤامرة على المقاومة، وإضعاف دور سوريا المقاوم، ألم يدهشكم كم من الطاقة يملكها هذا الشعب والنظام يكبتها ولم يقبل أن يوظفها في سبيل تحرير الأرض، ولكن ما يفسر موقفكم هو علاقتكم الخاصة مع النظام السوري حتى أنكم تنظرون بعيونه، حيث من يعادي النظام يعاديكم ويعادي الوطن، وليكن لعلملكم يا أسياد المقاومة، أن النظام السوري وأمثاله من جامعي الأموال ومكتنزيها، ومصدريها ومبيضيها، وفسادهم الذي يزكم الأنوف، نظام يعيش وفق رغباته وأهوائه ومصالحه الخاصة، لا يهمه مصالح شعبه ومستقبله إلا بوصفها حاجة له، نظام يضرب عرض الحائط بأماني شعبه وطموحاته وحقوقه، وحياته، حيث من المؤكد إن أمثال هذه الأنظمة لا تعنيها مصالح شعباً آخر في العالم، إن ممارسات النظام اتجاه شعبه ما أشبهها بسياسات الاستعمار؟ القتل والتدمير بدم بارد، احتقار وإذلال الشعب والتعذيب الهمجي في أقبية النظام، ضرب مقدرات البلاد البشرية في المقدمة منها الشباب، وقدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، والعسكرية، كأنه يقول من بعدي الطوفان. وتبقى الحقيقة المؤكدة أن النظام لا تعنيه القضية الوطنية بوصفها قضية شعب يريد تحرير الإنسان وطاقاته في سبيل خدمة الوطن وتحقيق إنسانية الإنسان وأخذ المكانة التي يستحق، في مواجهة كل من يعيق تقدمه ومن يسلب حقوقه. بل إنه نظام منذ أن قام يستغل القضية الوطنية لأن حساسية الشعب السوري للمسألة الوطنية كانت أحد أسباب المتاجرة بها، حتى يقبل شعبه حكمه، ولاشك أن النظام السوري ينظر نظرة ازدراء للمقاومة لأنها قبلت أن تضع نفسها في خدمته، مقابل ما يقدمه من الفتات لها حيث حولها إلى جماعة أشبه بالمرتزقة، لكن لابد أن نرى المشترك بينكم وبين النظام الذي يتلخص بالاحتكار، حيث أن النظام احتكر السلطة واعتبرها حقاً أبدياً له وأنتم أيضاً احتكرتم المقاومة، وكأنها ملكاً لكم لتعطوا لنفسكم سلطة ودرجة على غيركم من قوى الشعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الانشقاقات المتزايدة في الجيش هي التي ستؤذي الأسد .. ادريان هاملتون

المستقبل

6-4-3012

من الجيد التفكير بأن الحماسة الأخيرة للتوصل إلى حل ديبلوماسي للوضع السوري نابع من الحرص على تجنب الحرب الأهلية والفظائع التي ستجلبها على الشعب السوري المسكين. غير أن الحقيقة البسيطة هي أن المناخ في سوريا يتغيّر: أولاً لأن الرئيس السوري بشار الأسد يبدو وأنه قد نجح في إخماد الانتفاضة، وثانياً لأن العالم الخارجي أصبح قلقاً حيال من سيخلف الأسد في السلطة. لكن هل فكّر أحد بما سيحدث في حال قرر النظام إطلاق العنان لكامل قواه الأمنية؟ وهل فكّر أحد عما كان يتوقعه العالم الخارجي من انتفاضة مفككة، محصورة ومسلّحة بشكل سيئ؟

وبهذا المعنى، فأن يعقد الاجتماع الأخير للجامعة العربية لمناقشة خطة السلام في العراق، كان في محله. فسوريا اليوم تبدو كثيراً كما كان العراق في الأيام الأخيرة لسنوات حكم (الديكتاتور الراحل) صدام حسين. وفي تلك الأثناء، كما اليوم، حاول الغرب مراراً تنظيم معارضة موحدة وديموقراطية فقط لتعود وتتفكك بسبب الجدال الداخلي وعدم فعاليتها.

والذي كسر الجمود لم يكن ضغوط العقوبات أو الديبلوماسية ولا حتى انتفاضة أهلية داخلية، بل الغزو، والنتائج التي أصبحنا جميعنا نعرفها اليوم: المزيد من القتلى، انفلات النظام وإحلال نظام الغالبية الدينية الفاسد مكان طغيان الأقلية الحاكمة.

قد يكون هذا التعليق قاسياً قليلاً على دولة العراق الحالية. بالطبع لا يمكنك رسم مقارنة مثالية بين البلدين، غير أنه كان على الغرب أن يتعلم من التجربة العراقية في مقاربته للأزمة السورية.

من الصعب جداً اطاحة ديكتاتوريات حاكمة منذ عقود طويلة وتحظى بدعم قوات أمنية مسلحة بشكل جيد إلى جانب نظام استخباري داخلي مكثّف، ما لم تلجأ إلى العنف. وقوة السلاح هي التي تربح في نهاية اليوم، وهي الدرس الذي تعلمه شيعة جنوب العراق عندما انتفضوا مباشرة بعد هزيمة صدام حسين في الكويت.

ليس للعقوبات فعالية سوى زيادة إحكام قبضة النظام على الاقتصاد وبالتالي على حياة المواطنين. والديبلوماسية لا تنفع لأن همها الأول هو الرقابة الداخلية على المجتمع وهو ما تخشى الزمرة الحاكمة التخلي عنها.

هذا ليس كلاماً لليأس بل سبب للواقعية. لقد نجحت الانتفاضتان في تونس ومصر بسبب وجود قوى مسلحة قوية سحبت تأييدها للنظام. لكن هذه ليست الحال في سوريا حيث (كما في ليبيا) تعمّد النظام إبقاء القوى المسلحة الشرعية (الجيش) ضعيفة في حين عززت القوى الأمنية الداخلية وحسّنت رواتب أفرادها.

لن يصار إلى اطاحة عائلة الأسد والمجموعة العلوية من السلطة في ظل المسرحية العسكرية الحالية، كما هم لن يتخلوا طوعاً نتيجة الضغوط الخارجية. كل الجهود الحالية والآيلة إلى دفعهم للجلوس إلى طاولة المفاوضات ليست سوى فقاقيع هواء لن يكون لها أي نتيجة.

سيستمر الأسد في اطلاق الوعود فقط لكي يخفف من ضغط المجتمع الدولي عليه، لكن فيما خصّه، فهو يربح من خلال القوة. ستكون محاولات التوصل إلى وقف إطلاق النار والمفاوضات مع المعارضة، وهو ما يضغط (الموفد الدولي والعربي الأمين العام السابق للأمم المتحدة) كوفي أنان للوصول إليه من صالح المعارضة. لن يكون من مصلحة الأسد القبول بذلك وبغض النظر عما يقوله إلى ممثلي الجامعة العربية، الأمم المتحدة أو أي شخص آخر يأتي إلى سوريا للتوسط.

الذي سيؤذيه في الواقع هي النتائج البطيئة المتزايدة للانشقاقات في الجيش والكراهية المتزايدة له ولنظامه من عائلات الضحايا الذين يسقطون في عمليات القمع الدموية. هذا إلى جانب التسليح المتزايد للمعارضة.

بأي سرعة سيتحقق ذلك، لا أحد يمكنه التوقع. لا يعرف أحد منا ما هو عدد الجنود الذين أجبروا على التزام ثكناتهم وما هو الذي يجري داخل الدوائر المغلقة للنظام، وكم هو العدد الفعلي للمنشقين.

إن نموذج صدام حسين يلزمنا أن نكون حذرين حيال أملنا في إطاحة سريعة وسلمية للنظام في سوريا. غير أن الشيء الوحيد الذي يجب استخلاصه من تجارب الآخرين هو أنه عندما ينهار النظام، سيكون ذلك سريعاً ومؤكداً.

من الممكن أن يظل السوريون مهددين لكن لم يعد هناك من دعم حقيقي باق للأسد وعائلته الفاسدة والمتسلطة.

ترجمة: صلاح تقي الدين

() عن الاندبندانت 30/3/2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إدارة الأزمة السورية والأوهام  .. وليد شقير

الجمعة, 06 أبريل 2012

الحياة

تشبه التطورات اليومية المتعلقة بالأزمة السورية، سواء تلك التي تجري على الأرض، أم تلك المتصلة بالمواقف الخارجية، في كثير من أوجهها، ظروف «إدارة الأزمة» التي سبق أن شهدناها في ما يتعلق بالحرب الأهلية اللبنانية، ومراحلها التي دارت بين العامين 1975 و1990.

لا تبدو مساعي معالجة الأزمة في شكل جذري حاسمة في أي من الاتجاهات، لذلك، تسير هذه الجهود ببطء لأنها لا تتوخى تحقيق الانتقال السياسي في السلطة في سورية، التي لا يبدو أنها ستعرف نسبة من الاستقرار من دون حصوله. فما يجري هو مناورات سواء من النظام، أم من القوى الخارجية المساندة له، أم بعض القوى الخارجية المناوئة له، لا سيما الدول الغربية التي ترسخ الانطباع بأنها غير مستعجلة على رحيله، مع انها مع هذا الرحيل في نهاية المطاف. والرئيس الأميركي باراك أوباما سبق أن قال إن سقوط الرئيس السوري بشار الأسد «حتمي»، وأن السؤال لا يتعلق برحيله بل بشأن «متى وكيف». وإن دل هذا على شيء فعلى أن الولايات المتحدة الأميركية ومعها قادة الغرب لا يمانعون في إطالة أمد الأزمة السورية وتأخير الانتقال السياسي، ليس فقط لاستحالة التدخل العسكري المباشر مثلما حصل في ليبيا، ولأن واشنطن منهكة من حروبها في الشرق الأوسط ولأن هناك فيتو روسياً وصينياً، بل لأن الغرب يفضّل، إضافة الى كل هذه الأسباب، اعتماد سياسة استنزاف للنظام وحليفه الإيراني، وإنهاك لسورية نفسها، بما فيها المعارضة، الى أن يتضح البديل وسياسته وتوجهاته، بحيث تبقى بلاد الشام متعبة لفترة طويلة في مرحلة ما بعد الانتقال السياسي في شكل يلهي السوريين في إعادة البناء السياسي والاقتصادي، عن إسرائيل في السنوات المقبلة.

تتكفّل إدارة الأزمة هذه، بتعميق جراح سورية وشروخها قبل أن يتلقفها حل دولي ما. وفي الانتظار يبدو أنها ستمر بمراحل يتدرج خلالها التدخل الدولي من درجة الى أخرى أعلى تزيد من تورط القوى الدولية في تفاصيلها، وسط قرار بين القوى الكبرى بمحاولة إيجاد نقاط التقاطع والتوافق، مع اختلاف المصالح، التي هي بمعظمها لا علاقة لها بسورية في حد ذاتها، بل بملفات دولية بعيدة كلياً عن دمشق.

تبدو مهمة المبعوث الدولي – العربي كوفي أنان إحدى مراحل إدارة الأزمة. وهي مهمة حصل عليها التقاطع الروسي – الأميركي الغربي. ولهذا السبب حذرت موسكو النظام السوري بأن «إياكم وإفشال مهمة أنان». والعارفون يقولون، إنه إذا لم ينجح وقف الأعمال القتالية في العاشر من الشهر الجاري، فإن الدول الغربية قد تتجه الى إعلان فشل مهمة المبعوث الدولي – العربي، للانتقال الى مرحلة أخرى هي التي تحدث عنها الرئيس الروسي ديميتري مدفيديف في 25 آذار (مارس) الماضي. ولا يعني ذلك سوى أن القوى الكبرى لم تتفق على البديل من فشل مهمة أنان سوى ترك الأمور تتفاقم أكثر فأكثر في الداخل السوري: النظام يواصل عملياته العسكرية ونهج القتل، والمعارضة تواصل إصرارها على تغيير النظام مع مزيد من التسلح لمواجهة الآلة الأمنية للحكم السوري. وقد تشهد مرحلة ما بعد فشل مهمة أنان، إذا أُعلن فشلها، خطوات سياسية شكلية يقدم عليها النظام، مثل إجراء انتخابات نيابية في 7 أيار (مايو) المقبل، أو بعدها بقليل إذا أقدم على تأجيلها، يتبعها تغيير حكومي مع تعيين رئيس لها من «معارضة الداخل» التي بقي بعض رموزها على علاقة مع النظام، ما يزيد الشرخ بين الأطياف السورية المختلفة ويؤدي الى تصاعد الاستقطاب.

في ظل «إدارة الأزمة»، لا سيما إذا كانت القوى الدولية هي التي تتولى هذه الإدارة، في شكل يجعل من القوى المحلية مجرد دمى، فإن الأخيرة غالباً ما تسقط في الأوهام حول أدوارها وقراءتها للمراحل، تماماً مثلما حصل خلال الحرب اللبنانية. فما أن يشعر فريق أنه انتصر، حتى يعود فينهزم أو يتراجع... والعكس صحيح. وإذا كان من الطبيعي أن يكون لبنان أكثر البلدان تأثراً بوقائع «إدارة الأزمة» السورية، فإن أخطر ما يواجه الفرقاء اللبنانيين هو إساءة قراءتهم للمرحلة، وكيفية تأقلمهم مع تدرج مراحلها، بحذر وصبر.

أما الفريق الحليف للنظام، فإنه لم يغادر حتى الآن اعتقاده الذي ما برح يردده منذ الأسبوع الأول لاندلاع انتفاضة الشعب السوري بأن الأزمة «انتهت» بحكم تفوق الآلة العسكرية للنظام، وفق ما أعلنه الأمين العام ل «حزب الله» السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير قبل أسبوع. ولا بد لهذا الاستنتاج إلا أن يقود الى حسابات خاطئة على رغم غلبة الاتجاه الى المحافظة على الاستقرار لدى هذا الفريق.

وإذا كان معظم قادة الفريق المناوئ للنظام السوري (14 آذار) غادروا أحلامهم المتسرعة بقرب سقوط النظام، فإن هؤلاء ما زالوا قاصرين عن وضع استراتيجية التأقلم المطلوبة مع تواصل الأزمة السورية، بأقل قدر من الخسائر على الداخل اللبناني.

المهم ألا تكون محاولة اغتيال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع فاتحة مرحلة جديدة من المواكبة الدموية لإدارة الأزمة في سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. اللغز الأميركي  .. نبيل عمرو

الشرق الاوسط

6-4-2012

كان متوقعا أن يطول أمد الصراع الدامي والمرير في سوريا.. ذلك أن الإمكانات الذاتية والتحالفية للنظام ومعارضيه تسمح بذلك، وتجعل من النتائج النهائية لهذا الصراع أمراً غير مقروء على المدى القريب.

إلا أن أمراً يستحق التفكير فيه وهو أن النظام بعد كل الذي حدث وسيحدث لن يظل هو ذات النظام، الذي نام طويلا على حرير الإذعان الشعبي، والمعارضة اللينة، والمعادلة الإقليمية غير المحسومة على نحو نهائي. ولا المعارضة بعد كل إخفاقاتها السياسية والتنظيمية وقدراتها المتواضعة، تستطيع المواصلة على هذا النحو بعد أن ثبت قطعا أن تغيير النظم دون مشاركة دولية أو إقليمية فعالة لن يتحقق.. ودروس الربيع العربي تثبت ذلك.

لا أريد هنا استعراض قدرات النظام في سوريا على كل الصعد التحالفية والداخلية، إذ يكفي القول إنه ليس نظاما عاريا من الإمكانات الجدية، والحلفاء المؤثرين، كما أنه وبصرف النظر عن مدى مصداقية الممانعة والاستنكاف عن التسوية مع إسرائيل، فإن هذا العامل وحده كفيل بجعل أي قوة دولية أو إقليمية تعد إلى الألف قبل أن تقدم على خطوات جراحية تغير المعادلة على الأرض، وتفتح الباب لاحتمالات غير محسوبة بل وغير معروفة.

في وضع كهذا ما هو الممكن، ما هو المتاح، ما هو المحتمل..

على المدى المنظور، لا أحد يرى مصير زين العابدين بن علي ومبارك والقذافي وقد استنسخ لبشار الاسد، وحتى التجربة اليمنية المختلفة إلى حد ما على الأقل بنجاة الرئيس صالح من المقصلة، فهي ليست بالنموذج الذي يصلح لاستنساخه في سوريا بفعل عوامل كثيرة هي الفروق السياسية والاجتماعية والثقافية بين البلدين والنظامين.

إذن.. وفي حال استبعاد خلاصات السيناريوهات الأربعة التي كونت التراث الطازج لما نسميه الربيع العربي، فما الذي يمكن قراءته وتوقعه لسوريا أولا وللمنطقة ثانيا. ثم هل بعد حسم الأمر في سوريا ستكون البيئة قد تهيأت لشرق أوسط جديد يكون أكثر جاهزية لاستكمال ملفات حل الصراع العربي الإسرائيلي.

إذا لم يتغير النظام في سوريا بالمعنى المادي والبنيوي، فإن ذات النظام لن يملك إلا تغيير السياسة والاتجاه، ولن يجد مفرا من التآلف والانسجام مع بيئة ما بعد الربيع العربي، التي مالت فيها الكفة لصالح الاعتدال السياسي في أمر العلاقة مع أميركا وإسرائيل، دون تناقض مع التشدد في الأمور الداخلية. إضافة إلى أن الاعتدال الذي أفصحت عنه القوى الفائزة في زمن الربيع العربي، هو أقوى من مجرد خيار لأنه في واقع الأمر شرط حكم وبقاء.

ودعونا نتخيل تسوية موضوعية بين النظام وحلفائه مع بعض الظلال على «إيران»، وبين المعارضة وداعميها من العرب وغيرهم..

إن النظام وحلفاءه لن يستطيعوا النهوض بأعباء ما خلفته الحرب الطويلة والمكلفة من آثار موجعة على الحياة السورية، فمن يمول ممانعة سوريا، وسياسة التغريد خارج السرب، وتنمية تكاد تكون قد تبدأ من الصفر لنظام يحاصر إقليميا بالكامل.

وبالمناسبة لم تكن سوريا في زمن الأسد الأب والابن إلا في هذا الوضع، مطلوبة لبيت الطاعة الأميركي إلا أنها تطلب مهرا مناسبا لقاء ذلك، وبين الثقة بالنظام وتحالفاته وطرقه الغريبة في صناعة النفوذ، وبين الشك في جدوى تبنيه والتحالف معه، راوحت أميركا والقوى الدولية طويلا.. تارة تجرب الاقتراب والاحتواء والاستثمار، وتارة أخرى تجفل بعيدا لتجر الأوضاع إلى شفا حفرة من الانفجار، حتى أضحت سوريا لغزا أميركيا يصعب فهمه أو حتى تفسيره بما في ذلك الموقف الأميركي من الأزمة السورية هذه الأيام.

إن مجرى الصراع في سوريا ما يزال يسجل غموضا في الخلاصات، ولا يقين بشيء، وهذا له مظهر سياسي واحد، هو التعويم، والانفصام بين اللغة والسلوك على صعيد الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من صناع القرارات الكبرى، ذلك أن أصحاب اللغة الحادة تجاه النظام في سوريا، يفتقدون لعناصر الحسم، أما الذين يملكون حقا هذه العناصر فلن يستخدموها دون ضمان النتائج مسبقا وبنسبة مائة في المائة، ذلك أن سوريا هي كلمة السر في أمر مستقبل المنطقة، وما يمكن أن نسميه الشرق الأوسط الجديد، ثم إنها وكما كانت بحكم التكوين والموقع، الممر الإجباري للأزمات والعواصف والمتغيرات في المحيط، فإنها تظل كذلك ممرا إجباريا لأي ترتيب محتمل في الشرق الأوسط، خصوصا في مرحلة ما بعد الربيع العربي. وقد يكون هذا هو بعض السر الأميركي!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل هو ضوء في آخر النفق؟ .. حسين العودات

التاريخ: 07 أبريل 2012

البيان

أعلن السيد كوفي عنان، مبعوث مجلس الأمن وجامعة الدول العربية إلى سوريا بحثاً عن حل لأزمتها، أن السلطة السورية وافقت على وقف أعمال العنف، وسحب الجيش والمعدات العسكرية الثقيلة من المدن في اليوم العاشر من الشهر الجاري، على أن يوقف (الطرف الآخر) أي المعارضة المسلحة، بدوره أعماله المسلحة، خلال يومين من ذلك التاريخ. مما يشكل الخطوة الأولى باتجاه حل الأزمة.

إلا أن المعارضة السورية وبعض الدول العربية والأجنبية شككت بجدية التزام السلطة السورية بتحقيق وعودها، لأنها حسب المشككين تخل دائماً بالوعود ولا تلتزم بتنفيذ ما وعدت به، ويستذكرون وعوداً عديدة قدمتها هذه السلطة خلال العام المنصرم دون أن تنفذ منها شيئاً.

إن قبول السلطة السورية مبادرة عنان، يعني أنها اقتنعت بعدم جدوى الحل الأمني الذي مارسته خلال عام كامل، وأن الحل السياسي هو الوسيلة السليمة للخروج من الأزمة، ووضعها فعلاً على طريق الحل، واستطراداً يعني أن الحراك الشعبي السوري وانتفاضته وثورته كانت وسائل مشروعة للمطالبة بحقوقه، ولا شك أن قبول السلطة السورية سوف يضع النظام السياسي على طريق الإصلاح الحقيقي، والتخلي عن الاستئثار بالسلطة والثروة.

كما هو الحال منذ عدة عقود، كما يؤكد أن قبول المعارضة السورية هذه المبادرة،يعني أنها تقبل بالتسوية السياسية مع السلطة السورية، بما في ذلك تخليها عن شعارها المطالب بتنحية الرئيس قبل بدء أية مفاوضات أو حوار حول مستقبل النظام السياسي. ويبقى السؤال ملحاً وهو هل يكفي قبول السلطة وقف إطلاق النار (هذا إن نفذت تعهدها بهذا القبول) وقبول المعارضة السير بطريق التسوية، لكي يطمئن الشعب السوري والهيئات الدولية وكل ذي شأن أن الأزمة السورية وضعت على طريق الحل؟.

أعتقد إن هذا التوجه السياسي السلمي، سوف يصطدم موضوعياً بعقبات لا حصر لها، سوف تعرّض أية مبادرة وأية تسوية إلى الفشل، ذلك لأن الوصول إلى الهدف يقتضي أمرين في آن واحد: أولهما توفر الإرادة الصادقة لدى السلطة لقبول هذه المبادرة بجميع بنودها وشروطها ومعطياتها، والتحلي بالمسؤولية الوطنية والسياسية للسير بتنفيذها، والقناعة المطلقة بأن الحل الأمني فشل بالكامل وأن الحل السياسي هو الطريق الوحيدة لحل هذه الأزمة، وثانيهما القبول بجميع بنود المبادرة ومتطلباتها كمجموعة متكاملة، وعدم اللجوء إلى الحلول الجزئية أو الانتقائية أو سياسة الخطوة خطوة، أو إدخال خطوات تنفيذها في بازار المساومات والخداع و(المشطرة)، وأعتقد أن أياً من هذين الشرطين غير متوفر إلى حد بعيد.

إن دلائل عديدة تشير إليها ممارسات السلطة السورية في الداخل تجاه الحراك الشعبي، أو إصلاح النظام، أو القبول بالمطالب الأساسية للمنتفضين، تؤكد أن السلطة مازالت تؤمن بالحل الأمني، وهو الذي تتنوع أساليب تطبيقه يومياً، ومازالت تعتقد بإمكانية هذا الحل للقضاء على الحراك الشعبي وإنهاء الثورة، خاصة وأن مؤسسات النظام الأمنية والإعلامية والحزبية وغيرها تنشر إشاعات مفادها أن الانتفاضة على وشك الانتهاء، وأن الأمر يحتاج لبضعة أيام، وأن الرئيس سيلقي (خطاب النصر) خلال أسبوع.

كما يؤكد ارتفاع حجم المداهمة والقصف وأعداد القتلى المتزايد قناعة النظام بأن ممارساته الأمنية والعسكرية، قاب قوسين أو أدنى من النصر، وعليه فمن المشكوك فيه، أنه اقتنع بغير ذلك، أي بجدوى الحل السياسي، أو توفرت لديه الرغبة والإرادة لتبني هذا الحل، وفي الوقت نفسه فإن السلطة السورية ترى أنه يتعذر عليها قبول بنود المبادرة ومتطلباتها، ذلك لأنها توقن أن أي وقف لعنفها وسحب الجيش من المدن مع بقاء التظاهر السلمي (وهو ما أكدت المبادرة عليه) سوف يرفع عدد المتظاهرين إلى عدة ملايين وسيملأون الساحات والشوارع ويطبقون على السلطة وأهلها، ويظهرونها مفلسة خائرة القوى.

كما أن إخراج عشرات آلاف المعتقلين، سيرفع معنويات المتظاهرين، وبالتالي سيشعر الشعب السوري أنه انتصر، إضافة إلى أن المتواجد من الآن بين أبناء الشعب السوري في المنطقة الرمادية، أي بين السلطة والثوار، سينضمون للمعارضة، وسيصاب أهل السلطة وأنصارها وأدواتها بالخيبة، ونخور قواهم، وستجد السلطة نفسها بدأت بالانهيار والتلاشي، وهذا ما يؤكده محللون عديدون من داخل سورية، بل ما يراه عديدون من أهل السلطة وأصحاب القرار.

في ضوء ذلك، من المتوقع أن تبدأ السلطة السورية مسيرة (ماراثونية) مع مبعوثي كوفي عنان، وتطالب بتوقيع بروتوكولات حول التعامل مع ما تسميه (العصابات المسلحة) ومراقبة وقف إطلاق النار ومدى استجابة (الطرف الآخر) لذلك، وحول سحب الجيش من المدن وإلى أين (إلى ثكناته أم إلى خارج المدن فقط أم إعادة انتشار)، ثم طريقة الحوار، ومن هم الذين تحاورهم السلطة هل هم قيادة المعارضة الخارجية أم الداخلية أم الجيش الحر أم جميعهم، ومواضيع الحوار هل هي لإصلاح النظام السياسي أم لتغييره.

إضافة إلى مدة الحوار، والجدول الزمني للإفراج عن المعتقلين، والتعامل مع الجرحى والمعوقين بعد الاتفاق، والأهم من كل ذلك ما هو النظام السياسي المطلوب الوصول إليه، ومن هو الطرف الذي تحاوره المعارضة من أهل السلطة، وهل سيحال المرتكبون والقتلة إلى المحاكمة، وما مصير الجيش الحر ومنشقيه، وعشرات القضايا الأخرى التي يكفي كل منها لوضع عثرات حقيقية أمام الحل، وإعطاء فرص سانحة لمن يريد أن يماطل في تنفيذ المبادرة.

يبدو أن السلطة السورية، وضعت كل ذلك في اعتبارها، وقبلت المبادرة على أساس أنها ستتيح لها فرصة كسب الوقت بل والمماطلة بطرق مشروعة، كما تتيح لها الاستمرار بإجراءاتها التي تعتقد أنها ستهزم من خلالها الانتفاضة وتطفئ الثورة، وتضع الجميع أمام أمر واقع، خاصة وأن الشرط الموضوعي يشير إلى أن السلطة، حتى لو كانت راغبة، فإنها غير قادرة على حسم موقفها، بسبب هيمنة الرؤوس الحامية على مركز اتخاذ القرار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية... معركة عربية بإمتياز أم معركة أمريكية؟  .. نور الحلبي

2012-04-06

القدس العربي

يحاول النظام السوري اليوم إفشال مهمة عنان من خلال تحويل تلك المهمة إلى أداة مانعة لمساعي المعارضة في استجلاب الدعم لتسليح الجيش الحر وحماية المدنيين ويحاول النظام وضع شروط لإيقاف آلته القاتلة للشعب مقابل إيقاف دعم المعارضة في سورية على اعتبارهم عصابات مسلحة وهذا ما ينبؤ بفشل تلك المهمة بسبب المناورات التي يقوم بها النظام السوري وعدم الرقابة الصارمة على الأرض بتنفيذ ما يتعهد به النظام السوري وما يتفق عليه مع المبعوث، وبناء على معرفتنا المجربة بالنظام السوري يبدو من المؤكد اليوم أن الحل الوحيد للأزمة مع إصرار الدول على رفض التدخل العسكري هو تسليح الجيش الحر الذي حمل على عاتقه مهمة حماية المدنيين والدفاع عنهم كجيش وطني رفض أن يكون آلة قتل تابعة للنظام، وكذا إقامة مناطق عازلة من أجل إيصال المساعدات الإنسانية التي بات الشعب السوري اليوم بأمس الحاجة لها بعد سياسة التقشف التي يتبعها النظام والعقوبات الاقتصادية التي يفرضها على الشعب لتوفير المال الكافي لصفقات الأسلحة والمعدات الاستخبارية الروسية والإيرانية، وهذا ما طلبته المعارضة من أصدقاء سورية في المؤتمر الذي عقد في اسطنبول وهذا ما تسعى إليه اليوم.

تركيا.. تلك الدولة التي كانت قبل المؤتمر تتحدث عن إقامة مناطق عازلة نتيجة ضغط اللاجئين الذين مازالوا يتوافدون على أراضيها بكثرة، وبغية تأمين ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية ..لكن ما الذي حصل؟ وما سبب موقفها المتردد في مؤتمر أصدقاء سورية رغم تقاطع ما طلبته المعارضة مع ما كانت تنوي تركيا فعله لحل الأزمة؟

يبدو الجواب واضحا من الجولة الدولية المسبوقة للمؤتمر التي قام بها أردوغان لواشنطن وغيرها.. من أن أمريكا والغرب لم يعط تركيا الغطاء الدولي للقيام بمثل تلك الخطوة بذريعة مبادرة عنان التي يدرك الغرب حق الإدراك أنها فاشلة أصلا، بل مازالت أمريكا تتعذر بتشرذم المعارضة وتقنع العالم بذلك رغم توحد المعارضة وتحديدها لمعالم الدولة القادمة بعد النظام السوري وتعهدها بذلك في الوثيقة الوطنية التي قدمها المجلس الوطني للعالم، ورغم أن المعارضة لم تطلب تدخلا عسكريا إلا أن أمريكا مازالت تقنع العالم بخطورة التدخل في سورية وتحذر وتخوف من مآلات ذلك على المنطقة العربية ومن حرب متوقعة قد تشنها إيران على العرب من خلال سورية والعراق وحزب الله في لبنان والنفوذ الإيراني في المنطقة العربية عن طريق الشيعة وهي في الحقيقة تتخوف على حرب متوقعة على إسرائيل.

وهم تزرعه أمريكا في الدول العربية والغربية إذ تدرك أن إيران لن تخوض حربا غير متكافئة في جبهة تواجهها فيها إسرائيل وأمريكا وحتى إقحام العرب في تلك الجبهة، وكما كانت إثارتها للملف النووي الإيراني وإشعالها له بشكل أكبر في فترة تحرك الإحتجاجات والثورة في سورية لتأكيد تحذيرها للعالم وإثارة مخاوف العالم إزاء التدخل في سورية خوفا على اسرائيل ورغبة في بقاء موازين القوى متعادلة في المنطقة العربية ناهيك عن أن روسيا قد أوجدتها أمريكا أصلا وأعطتها الغطاء لدخول هذا الملف من أجل الإبقاء على التعادل في موازين القوى اتجاه الأزمة ولإبقاء الأزمة دون حل أو تدخل، وهذا ما قصده المالكي في تصريحاته الأخيرة الذي يحذر فيه من سقوط النظام السوري المؤثر على اختلال موازين القوى في المنطقة وكونه كارثة على المنطقة ككل، راميا بالأزمة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري وبكل حقوقه التي تنص عليها الأديان والقوانين الدولية والحقوقية عرض الحائط.

وترى أمريكا تسرع للمملكة السعودية التي تعد الأقوى وذات الكلمة المؤثرة في دول التعاون الخليجي فتقوم بطمئنتها من التدخل الإيراني في أراضيها وتقرر إقامة قاعدة صاروخية دفاعية لمواجهة أية هجمة متوقعة في خطوة أخرى لتهويل الخطر الإيراني بالنسبة لدول الخليج خاصة، التي تدعم مسألة تسليح المعارضة الا بقوة وجهارة، ناهيك عن المكاسب الاقتصادية المرجوة من تلك الخطوة بناء على هذا التهويل للخطر الإيراني، رامية بذلك أيضا إلى النئي بدول الخليج عن هذا الملف الذي بات إنسانيا بالدرجة الأولى.

فما تحاول أن تقوم به أمريكا اليوم هو إقامة جبهة أمريكية عربية وإسرائيلية في مواجهة القوى الإيرانية والنفوذ الإيراني المهدد للنفوذ الأمريكي في المنطقة العربية وللوجود الإسرائيلي فيها، إذ تحاول أمريكا إقحام العرب في تلك المواجهة التي هدفها حماية إسرائيل بالدرجة الأولى والذي يعتبر العدو الأول للعرب والمحتل الذي تجب مقاومته في نظر الشعوب العربية على الأقل وهذا ما يجب أن يدركه العرب تماما وأن لا ينخرطوا في تلك الحرب على هذا أساس السياسة الأمريكية، فالحرب الحقيقية التي يجب أن يدركها العرب هي الحرب على اسرائيل والنفوذ الإيراني الطائفي فقط، وهذا لب ما تخشاه أمريكا اليوم من الثورات العربية التي تحمل في طياتها الفكر المقاوم للعدو ولأي نفوذ غربي على أراضيها. إذ تقوم السياسة الأمريكية مع الدول ككل وخاصة المنطقة العربية على محورين أساسيين تتخذ على أساسهما المواقف المتباينة من التدخل العسكري أوعدمه وغير ذلك من القرارات التي تستغل من خلالها المشاكل العربية :

وأولها: التعامل مع المنطقة العربية وخصوصا دول الخليج كمكتسبات اقتصادية ومالية كما حصل في ليبيا إذ وجدت فيها مغنما اقتصاديا وخرجت روسيا من هذا المكسب الليبي فكانت حصتها في سورية مستغلين غباء النظام السوري وحربه ضد شعبه مكسبا ومغنما .

وثانيا: ترسيخ عملية السلام الأكذوبة لضمان حماية إسرائيل أولا واتخاذه ذريعة بهدف حماية الأمن القومي الأمريكي الذي يسمح من خلال تلك الأكذوبة بالتدخل الغربي في المنطقة العربية بذريعة مقاومة الإرهاب الناجم عن الفكرالجهادي الإسلامي والمقاوم من باب أكذوبة حفظ السلام الذي هو في حقيقته ضمان لبقاء اسرائيل في قلب العالم العربي، و ليس حبا بإسرائيل الوهاب.. وبناء على هذا المحور لم تتدخل أمريكا في سورية حفاظا على البقاء اليهودي مقنعة العرب وموهمة إياهم بأن عدم التدخل في الشأن السوري يؤدي إلى الحفاظ على أمن المنطقة...

وهنا يبدو الارتباط جليا بالقضية الفلسطينية وتبدو المعركة في فلسطين وفي سورية خاصة في ظل الأزمة التي يعيشها الشعب السوري اليوم معركة عربية بامتياز وليست معركة أمريكية وعلى العرب أن لا يقبلوا بأن تكون معركتهم أمريكية وهذا هو الفكر الذي ترغب الثورات العربية بإحياءه اليوم فآن للعرب أن يدركوا الغرب تماما ويخرجوا من قوقعته وتعود لهم سيادتهم وقوميتهم العربية.

كاتبة سورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف: على أجندة التواصل السوري .. زهير سالم*

دائما يجب أن نظل نطرح مشروع تحررنا الوطني في إطاره الإنساني . وبعيدا عن جميع المحاور أو التصنيفات المسبقة . يجب أن نصر دائما وبلا ملل على تقديم مشروعنا الوطني في إطاره الوطني التحرري المطالب بالعدل والحرية والكرامة الإنسانية لكل قوى الرأي العام ؛ الحكومات والأحزاب والنخب والتيارات على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها .

 

يجب أولا أن نقطع الطريق على النظام الذي وضع استراتيجيته منذ اليوم الأول على تقديم ما يجري على الأرض السورية في إطار ( مؤامرة دولية ) تستهدف صموده وممانعته !!! إن دحض هذا الإفك المبين بالنسبة لكل الأحرار الشرفاء في سورية ، كان وما زال يستحق حملة نوعية مركزة ومستدامة على مستوى الخطاب وعلى مستوى العلاقات لكشف الزيف وتوضيح الحقائق وكسب القوى التي نجح النظام في خداعها وتضليلها من الذين يفترض فيهم حسن النية المسبق ..

 

كان ومازال المطلوب - ثانيا - أن نفضح لعبة النظام الخبيثة في إلباس هذه الثورة ثوبا طائفيا أو مذهبيا لنؤكد أنها ثورة وطنية ضد الاستبداد والفساد في أي صورة تلبسا . ربما تنبهت القوى الوطنية لهذا الأمر على المستويين الوطني والإقليمي ؛ ولكن تصريحات لافروف ، وغير لا فروف من وزراء خارجية ورجال دين ودنيا في الشرق والغرب أوجب أن يجعل من أولوية الخطاب المشفوع بحملة اتصالات مستدامة لرد هذا البهتان مطلوب على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية . يجب ألا تجرنا المواقف الحادة أو غير المتفهمة إلى حالة من ردود الفعل . المطلوب أن توضع هذه المهمة على الأجندة الوطنية وأن يتحرك سفراء الثورة كلٌ إلى من يصغي إليه لينقضوا على النظام مكره .

 

والمطلوب – ثالثا – التركيز على بعض قوى اليسار القومي العربي الذين انخرطوا في تحالف تاريخي وشرير مع المستبد بشار الأسد . ووظفوا أنفسهم بطريقة مريبة للدفاع عن مشروع ذبح الأطفال وانتهاك الأعراض في سورية ... لا ينبغي أن يترك هؤلاء إلى وصمة العار التاريخية التي اختاروها لأنفسهم . وهذه القوى ليست بكل أفرادها ممن باع نفسه للشيطان ، أو زيّف وعيه مقابل مغلف أبيض محشو بعرق الكادحين السوريين وبدموع الأمهات ودماء الشهداء ؛ لا بد من حملة تواصل حقيقية مع هذه الدائرة تلقي بالحق على الباطل فتدمغه ، وتحيّد من يمكن تحييده ، وتستنقذ من يمكن إنقاذه من المصرع الوخيم الذي اختاره هؤلاء لأنفسهم بانحيازهم ضد إرادة الشعب السوري وخداع نفسه بعبارات التدليس والتلبيس ...

 

والأهم من كل ما سبق – رابعا – السعي الدائب للخروج بمشروعنا الوطني من حمى التجاذب بين الحاكمين والمعارضين في كل الأقطار . وكما نتواصل مع الحكومات يجب أن نتواصل أيضا مع القوى المعارضة بكل أطيافها . فلا يمكن أن يكون مشروع ( حرية الشعب السوري وكرامته ) موضع تجاذب بين حزب حاكم في تركية أو في تونس أو في الجزائر وبين حزب أو تيار معارض هنا وهناك . قضيتنا العادلة في ثوبها الوطني المدني الإنساني ينبغي أن تكون المشترك السياسي مع كل القوى المحبة للعدل والحرية والمدافعة عن الكرامة الإنسانية ...

 

التواصل المستدام والخطاب الموضوعي والسفير الموائم هو واجب الوقت بالنسبة للممثلين للثورة السورية على تنوعهم وتعدد مشاربهم ..

السبت 14/4/2012م

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ولا نريده «الشيخ» لافروف! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

7-4-2012

في 21 مارس (آذار) الماضي حذر وزير الخارجية الروسي من أن هناك دولا بالمنطقة ستسعى إلى إقامة نظام حكم سني في سوريا بعد سقوط الطاغية الأسد، وعلى أثرها ثارت عاصفة عربية حول تلك التصريحات، التي اعتبرتها «سقطة» بمقالي بتاريخ 22 مارس تحت عنوان «الملا لافروف»، واحتج الروس بالطبع على ذلك المقال: «رسميا»!

لكن اليوم، وبعد قرابة أسبوعين من تصريحات لافروف، تحركت الخارجية الروسية لمعالجة تلك التصريحات الخطيرة حول حكم السنة بسوريا، حيث يقول ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسية، إن تصريحات لافروف «أُخذت مجتزأة ومفصولة عن سياقها العام، وقد فُهمت خطأ»، مضيفا أن من يعيشون بروسيا يعلمون «أن غالبية المسلمين في روسيا هم من أهل السنة...»!

والحقيقة أنه معلوم بأن غالبية مسلمي روسيا هم من السنة، وشخصيا كنت ضمن الوفد المرافق لوزير الدفاع السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز في إحدى زياراته إلى موسكو، يوم كان أميرا للرياض، وسمعته بأذني وهو يخاطب وفدا من مسلمي روسيا يطالبهم بأن يكونوا مواطنين يحترمون دولتهم، وقوانينها، وأن لا يستمعوا إلى أي صوت خارجي، وأن قوتهم هي في تمسكهم بوطنيتهم، ولذا فهذا أمر معلوم، لكن النقمة حول تصريحات لافروف لم تكن للدفاع عن السنة فقط، فليس المطلوب أن يصبح وزير خارجية روسيا «الشيخ لافروف»، بدلا من «الملا لافروف»، فالمطلوب أبسط من ذلك، وأهم!

فالمطلوب هو أن تكترث روسيا، وتحديدا ساستها، ومنهم لافروف، بالدماء السورية البريئة، التي لم ترتكب أي خطأ إلا أنها ترفض حكم الطاغية الأسد. المطلوب من موسكو أن لا تدافع عن قاتل لأكثر من عشرة آلاف سوري، ومسؤول عن قرابة خمسين ألف مفقود سوري، ناهيك عن آلاف المهجرين! كما أنه ليس المطلوب من موسكو أن تكون نصيرة السنة، فجل من انتقد تصريحات لافروف ضد السنة، والتي كانت واضحة وغير مجتزأة كما يقول نائب وزير الخارجية الروسي، لم يكونوا طائفيين، أو مهووسين بالدفاع عن السنة، بل كان قصدهم هو إيقاف آلة القتل الأسدية، وحماية سوريا كيانا ونسيجا، وذلك برحيل نظام الأسد، الذي من ضمن ضحاياه، سواء بالعراق أو لبنان، وبالطبع سوريا، جميع الطوائف والأديان.

فما تتجاهله موسكو، وتحديدا صناع القرار هناك، هو أنه لو كانت روسيا اليوم شركة بأسواق الأسهم العربية لكانت أعلنت إفلاسها من تردي سمعتها، وكره العالم العربي لها، فإذا كان الفيتو الأميركي لمصلحة إسرائيل قد أضر بواشنطن، فإن الفيتو الروسي لحماية الطاغية الأسد قد أفقد موسكو كل رصيد لها بالعالم العربي، وهو أمر يبدو أن موسكو لم تستوعبه إلى الآن، لكنها ستدفع ثمنه لا محالة.

وعليه، فإذا كنا انتقدنا «الملا لافروف» فإننا لا نريده أن يكون «الشيخ لافروف»؛ فكل المطلوب أن توقف روسيا دفاعها عن الطاغية قاتل الأطفال، بشار الأسد، فالقصة ليست قصة سنة وشيعة على الإطلاق، فكلنا يريد الحفاظ على النسيج السوري، وأكثر من الروس أنفسهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عام على الثورة السورية: تجاوز الإرباكات الأولى .. سمية طيارة *

السبت, 07 أبريل 2012

الحياة

لم تكن لاندلاع الثورة السورية شرارة وحيدة بل أكثر من مؤشر في أكثر من بقعة من سورية. الاعتصام أمام السفارة الليبية في دمشق وهتاف: «خاين يلي بيقتل شعبه!»، الذي قصد به القذافي ولمح لمن يمكنه التفكير بالطريقة ذاتها! وبالتالي وصل الهتاف إلى كل من في ظهره شوكة. وجاءت حملة الاعتقالات بعدها، ثم الاعتصام أمام وزارة الخارجية، ثم موجة الاعتقالات التي تلتها.

تظاهرة «الحريقة» العفوية طلعت كذلك بهتاف جديد على مسامع السوريين «الشعب السوري ما بينذل» خرج بصوت هدار! أما الهتاف الآخر الذي اعتدنا عليه فقد أطلقته التظاهرة نفسها تحمي أفرادها به وكان هتافاً بحياة الأسد، لكن على من؟ قد لاحظ الجميع الفرق بين الهتافين واقشعرت أجساد السوريين على مسمعه، اقشعر جسده هو أيضاً على صوت هذا الهتاف. وصله المقطع الجديد منه، وصله بقوة.

وما كانت تظاهرات آذار (مارس) الخجولة الأخرى في الحميدية في دمشق وفي بانياس ودرعا إلا قطرات أول الغيث. وتلك الأفلام التي تجاهلها الكثيرون في البداية، بعكس من تلقفها بشغف منتظراً إياها موقناً بحدوثها، ومؤمناً ببدء تدحرج كرة الثلج في مكان ليس ببعيد وبيد أطفال من درعا خطوا «الشعب يريد إسقاط النظام» و «إجاك الدور يا دكتور» بكل براءة على جدران مدينتهم، ليربطوا على آلة التعذيب «بساط الريح» بيد عناصر الاستخبارات. وما كان من أهل درعا إلا أن هبوا واعتصموا في المسجد العمري.

ومن حينها بدأ عداد المجازر الذي لم يتوقف حتى اللحظة يتسابق مع عداد نقاط التظاهر! حوران، حمص الساعة، ريف حمص، دير الزور وقراها، حماه وريفها، إدلب وريفها، دمشق وريفها، بانياس وقراها، اللاذقية، القامشلي والحسكة، ريف حلب، السويداء، الرقة. لم تبق محافظة إلا خرجت فيها تظاهرات، كبر حجمها أو صغر. وعلى رغم أن نظامه هو ظل متمسكاً بكذبة أن دمشق وحلب لم تنتفضا في البداية إلا أننا نذكر تماماً انتفاضات جامعات دمشق وجامعات حلب منذ الأشهر الأولى، والتظاهرات الحاشدة التي كادت تصل ساحة العباسيين في أشهر الثورة الأولى قبل أن يحكم الخناق على جميع الساحات السورية وتحاط بالحواجز الأمنية في جميع المدن!

ثورات المنطقة

عايش السوريون اندلاع الثورات والاحتجاجات الشعبية المتفرقة في تونس، مصر، ليبيا، اليمن وشهدوا تظاهرات الأردن، والبحرين، وعمان، والكويت، والمغرب، وفلسطين، والعراق، والجزائر والكثير من باقي الدول العربية وفي عدد من دول العالم التي لم تسلم من مدّها كاليونان، حتى وصلت شارع وول ستريت في أميركا! توقعها كثيرون في سورية، والمنطق كان بسيطاً للغاية، كيف لا يمكن الشعب السوري أن ينتفض بعد كل تلك التظاهرات التي خرجت في محيطه الطبيعي؟ محيطه من شعوب المنطقة ذات النفس الواحد المضغوط والذي أخذ ينفجر كطنجرة البخار التي لم تعط الفرصة لتنفيس بخارها قط!

تجلت ذروة العنف في محاولة قمع ثورة ليبيا، ثورة بدت للبعض ولسبب ما وكأنها ترسم الطريق للسوريين في شكل أو في آخر! في حين أن البعض الآخر قال: «أكثر من القرد ما مسخ الله!»، «هذا القذافي لا يمكنه أن يكون أسوأ من هذا يلي عنا، يلي عنا بعده شب على الأقل، ويمكن يخاف على مستقبله ومستقبل عيلته»، «يلي عنا خويف وما رح بيعمل مثل هالمجنون! بيهرب فوراً ما بورط حاله»... إلخ.

قلت في نفسي قبل اندلاع الثورة السورية: «ربما لديهم وجة نظر!»، ولم يحتج الأمر الكثير من الوقت بعد اندلاعها قبل أن نعلق: «ها هو ينافس القذافي بجدارة»!

وقعت أوراق توت كثيرة على الطريق، وخلال سنة من عمر الثورة... تعرى فنانون، شعراء، كتاب، علمانيون، مشايخ، مطارنة... إلخ، بالمقابل لمعت بطولات حقيقية وأسماء لطالما كانت مخفية لتصير شموساً وأقماراً تحلق في سماء الثورة.

في الناحية الأخرى من الحدث ارتبك بعض من كانوا أو أصبحوا رجالات المعارضة، فظهر منهم حقوقيون، أكاديميون، ناشطون، وأنصاف ديبلوماسيين... أرادوا أن يفعلوا شيئاً كذلك، يدعمون ويمثلون صوت الثورة للعالم، يساومون هذا العالم إن لزم الأمر، يطمئنونه عن البديل الموقت ربما! فتعثر بعض المغتربين وبعض من خرج من سورية هارباً من القمع – تعثر بحفنة من المؤتمرات، وارتطم بأكثر من جدار لتشكيل مجالس وهيئات، وأصبحت معظم الشخصيات التي عانت من القمع سنوات والتي تحدثت كثيراً عن الديموقراطية، تلك التي لم يتسنَّ لها ممارستها بحق يوماً! – أصبحت فجأة مطالبة ببناء برلمان سوري على أعلى مستوى من الشفافية والديموقراطية! تلك الشخصيات التي لم تعرف يوماً أن هنالك أساليب لممارسة السياسة والتحاور والتمأسس متاحة في هذا العالم لا تشبه تلك التي استخدمت في حكمهم والحكم الظالم عليهم، وعلى رغم اختلاف الأهداف والنوايا الشاسع بينه وبينهم في النهاية وقعوا في أسر معاناتهم منه.

وجهات نظر المعارضة

ازداد الضغط، وتوالت خيبات الديبلوماسية العربية والعالمية، وتسللت عناصر الاستخبارات في وسائل التواصل الاجتماعي وبين المتظاهرين والثوار، فروجت لتطرفات في المعارضة بمختلف أشكالها، داعمةً هذا بزيادة في فداحة المجازر وصور العنف الصادم، ارتفع منسوب الغضب حتى صار الجميع يلقي التهم على الجميع! فلا هذا المعارض يعجب ذاك، ولا تلك الآلية تعجب أولئك، ولا هذا السيناريو يقنع ولا طريقة الدعم ترضي آخرين. هذا علماني وذاك إسلامي. هذا ناشط على الأرض وذلك ناشط في السماء. هذا حرامي وذلك مخترق! هذا تآمر وذلك تحاور، هذا خاف وذاك انسحب، هذا هرب وذاك نام في غرفة خمس نجوم! هذا طائش ومنفعل وذلك بارد بتنظيره، هذا يدعم عسكرةً وتسليحاً، وآخر يؤكد السلمية وذلك يريد تسليماً وآخر يدعم ضربة جويةً ورابع يصيح ويصرخ وخامس ينصح وسادس يأمل وسابع يندب حظ السوريين!

وفي ظل هذا الازدحام أصوات خنقها الضجيج فتاهت بين كل تلك الصور وفضلت أن تتوارى وبدا واضحاً أن أحداً لم يبرمج على أن يدوم هذا النظام وفوضاه كل هذا الوقت! فقد أعطت باقي ثورات العرب نماذج عن ثورات أقصر وقتاً في مراحلها الأولى على الأقل.

صور عام الثورة الأول كثيرة. الإجرام والعنف والتبويق يحتل واجهتها متبادلاً الأدوار مع تصريحات الديبلوماسية العالمية المدغدغة للآذان بين الفينة والأخرى، لكن، خلف مساحات القسوة تلك المزيد من كل ما هو جميل ومتفائل، المزيد من الاحتجاجات ونقاط التظاهر الجديدة، المزيد من إبداعات الثورة الفنية، وأشكال التحرك السلمي المتنوعة، الكوميديا وكاريكاتور الثورة، المزيد من حلقات مسلسل رسائل الحرية وشخابيطها، المزيد من التفاف الناس وتضامنهم، المزيد من دعم مغتربي البلد أهلَهم، المزيد من الحوار وتبادل الآراء والجرأة في طرحها، المزيد من الحب والمزيد... المزيد من كشف السوريين طبيعة حكم استمر أربعين عاماً، ولمبدأ أن لا شيء إلى الأبد!

وإن كانت السياسة فن تحقيق الممكن فإن الثورة السورية هي فن تحقيق المستحيل! يبقى أن نعلم أن نضال السوريين يجب ألا يراهن على الثمر السريع النضوج، فهو ليس ضد حاكم ونظام محلي فقط بل هو ضد تحالفات ومصالح عالمية. قريباً سيعيد هذا النضال لملمة قواه، ولا شك في أنه سيخرج من رماد المجازر ليبرمج نفسه على مقاومة وتعاضد من نوع آخر أطول نفساً، وسيثمر وعلى طريقته ليكنس الآلام، وتبقى الرضوض فترةً قبل أن تستقر سورية وسينسى الجميع كل مهاترات اليوم أمام عظمة ما سيتحقق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيقاف مجازر الأسد: "كذبة" أبريل

2012-04-08

الوطن السعودية

قد يكون المبعوث الأممي والعربي لحل الأزمة السورية السيد كوفي عنان، غفل عن حقيقة أن العالم يعيش هذه الأيام في شهر أبريل، حينما قال إنه تلقى من نظام الأسد ما يفيد بدء انسحاب القوات السورية من المدن، متناسين وعود النظام التي لم يف بها منذ بداية الأحداث حتى الآن، والسؤال هنا: هل يمكن أن يأمر الأسد بسحب قواته من مدينة أو ريف وهي لا تزال تشكل خطرا عليه؟! الواقع يقول: لا.. وحي باب عمرو خير دليل.

السوريون استيقظوا أمس على ذات المشهد الذي ساد ويسود مدن وأرياف بلدهم منذ أكثر من عام بل وأكثر من ذلك فمجزرة الأمس أوقعت أكثر من 100 قتيل، القوات السورية لا تزال تقصف الأحياء وتقتل المدنيين بلا هوادة، فالرستن محاصرة وحمص تتعرض للقصف بواسطة الطيران الحربي، وحماه دخلت على الخط، وكل ذلك يعني أن الأمورلا تزال في المربع الأول، وأن كل حديث عن انسحاب أو ما شابه هو عبارة عن "كذبة" تكشف زيفها الحقائق على الأرض وليست مجرد ادعاءات إعلامية، وإن كانت حقيقة فهي لا تعدو كونها انسحاب تكتيكي من بعض القرى والأرياف التي بسط النظام سيطرته عليها بالكامل، ودفع بقواته الأمنية وشبيحته على أرضها.

يسود اعتقاد في أوساط المراقبين أن التحركات التي يقودها عنان لحل الأزمة السورية، لن تثمر حلا ولن تأتي بما لم يستطع أن يأتي به الأوائل، حتى وإن أوهم نظام الأسد المجتمع الدولي بالتزامه بنقطة أو اثنتين من بنود خطة المبعوث الأممي، فحالة فقدان الثقة ليست وليدة اليوم بل تعود لعام كامل من المناورات والمراوغات السياسية التي يمارسها الأسد ونظامه مع كل خطة حل تطرح لإنهاء الأزمة.

يبدو أن المجتمع الدولي استمرأ إعطاء "المهل" كما استمرأ نظام الأسد "القتل"، غير أن هناك يومين تفصلان عن انتهاء مهلة مجلس الأمن لتقييم مدى التزام الحكومة السورية فاقدة الشرعية ب"الخطة الأممية العربية"، ودون الخوض في تكهنات ما ستؤول إليه الأمور بعد غد الثلاثاء، فيتعين القول إنه على العالم ألا يمنح مهلة إضافية لنظام بشار الأسد، فالمهل السابقة أثبتت أن النظام يتعامل بأقصى درجات الاستخفاف مع التحركات الرامية لإنهاء الأزمة.

اليوم، يبدو المشهد في سورية أكثر غموضا من ذي قبل، فهناك حكومة يمثلها نظام الأسد، وأخرى ممثلة بالمجلس الوطني السوري الذي حظي باعتراف أكثر من 80 دولة وجهة في اجتماع أصدقاء سوريا الأخير بإسطنبول، وإذا ما بالغنا بالتفاؤل بانتهاء الأزمة من الناحية العسكرية والأمنية، فستبقى الأزمة السياسية المتعلقة بالمرحلة الانتقالية قائمة، وحينها سيعود النظام للعب على عامل الوقت من جديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دول الخليج والأزمة السورية .. محمد بن هويدن

التاريخ: 08 أبريل 2012

البيان

لقد اتخذت دول الخليج العربية الأعضاء في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية مواقف أكثر قوةً وحزماً ضد النظام السياسي السوري مقارنةً بالكثير من غيرها من الدول العربية؛ وقدمت الدول الخليجية الدعم السياسي والمعنوي للشعب السوري المطالب بحريته. وقد تزعمت هذا التوجه كل من السعودية وقطر اللتين أصبحتا في طليعة الدول الخليجية بل والعربية المطالبة بالتشدد في التعامل مع النظام السوري من خلال دورها الواضح في رفع الملف السوري إلى مجلس الأمن للبت فيه، وتجميد التمثيل الدبلوماسي مع دمشق.

والدعوة لتسليح المعارضة السورية المتمثلة في الجيش السوري الحر، والاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل رسمي ووحيد للشعب السوري. هذا الموقف الخليجي لم يأتي من فراغ بل كان وليد مجموعة من الاعتبارات التي كان لها بالغ الأثر في تبني دول الخليج العربية لهذا الموقف.

أول الاعتبارات الخليجية لهذا الموقف المتشدد هو الرفض الخليجي لحالة العنف المنظم الذي يتبعه النظام السياسي في سوريا ضد الشعب السوري. وهو العنف الذي لا يمكن للدول الخليجية وفي مقدمتهم السعودية التي تمثل مركز الثقل الإسلامي القبول به أو السكوت عنه. فالمحدد الإنساني كان حاضراً في الموقف الخليجي تجاه ما يحدث في سوريا والمرفوض على المستويين الشعبي والحكومي الخليجي.

ثاني الاعتبارات هو أن دول الخليج العربية ليست ضد تطلعات الشعوب العربية في الإصلاح، بل كانت مواقفها من أحداث ما يعرف بالربيع العربي أبرز مؤشر على دعمها للشعوب وليس للأنظمة، على الرغم من أن تلك المواقف ينظر إليها البعض على أنها تضر ببعض المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بها. فدول الخليج لا تعارض طموح الشعوب في التغيير.

ولقد كان هذا الموقف واضحاً من خلال دعم الدول الخليجية لتطلعات الشعوب العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، ودعمها اليوم لتطلعات الشعب العربي السوري في العيش بكرامة وحرية وعدالة بعيداً عن حكم الاستبداد. هذا الإدراك .

جاء منطلقاً من قناعة خليجية بأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشعوب العربية لابد أن يتحسن كي يساعد ذلك على دعم العمل الاقتصادي الخليجي والتبادل التجاري وينجح الاستثمارات الخليجية ويقلل من الضغوط الاقتصادية على الدول الخليجية التي أصبحت تتحمل فواتير دفع تحسين حياة المواطن العربي في مثل تلك الدول عن طريق المساعدات المباشرة أو التحويلات المالية للعمالة العربية في الأسواق الخليجية. فدول الخليج منفتحة للتعامل مع أي شكل من أشكال الأنظمة السياسية التي ترتضي بها الشعوب العربية.

ثالث الاعتبارات في الموقف الخليجي المتشدد مما يحدث في سوريا هو التخوف الخليجي من حالة عدم الاستقرار الذي يمكن أن يولده استمرار العنف في سوريا، واستثمار العديد من الأطراف الإقليمية والدولية لتلك الحالة للتوغل في شؤون المنطقة، الأمر الذي سيجعل سوريا «لبنان» جديداً أو «عراق» آخر.

حالة عدم الاستقرار في سوريا ستؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في ذلك البلد مما ينذر بتوسع تلك الحرب لدول أخرى في المنطقة كلبنان والأردن. دول الخليج بدورها متخوفة من الفلتان الأمني الذي سيؤدي بالإضرار بمصالح تلك الدول عن طريق استغلال بعض الدول للوضع في سوريا للدفع بأجنداتها الطائفية والمذهبية والعرقية والتي من شأنها أن تلقي بظلالها على أمن واستقرار الدول الخليجية.

ورابع الاعتبارات هي محاولة ملء الفراغ الذي خلفه تراجع القيادة الأميركية في المنطقة مع التردد الأميركي في التدخل لحسم الأزمة في سوريا لصالح المعارضة. فالتراجع الأميركي خلق بؤر أزمات وأعطى رسائل لبعض الدول لتتشدد في مواقفها في سبيل دعم مصالحها في المنطقة. فالتراجع الأميركي عن القيادة حمس روسيا والصين لأخذ زمام المبادرة.

وشجع إيران على التشدد، وجعل العراق يميل بشكل كامل نحو إيران، وشجع النظام في سوريا على الاستمرار في استخدام الآلة العسكرية ضد الشعب السوري مستنجداً بالسلاح والخبرة الإيرانية والدعم الروسي. وبالتالي فإن دول الخليج العربية رأت أنه من الضروري أخذ زمام المبادرة في تحديد مستقبل المنطقة العربية وعدم ترك الأمور لدول أخرى تحاول أن تستثمر الوضع لخلق نظام إقليمي يحقق مصالحها ويهمش مصالح الدول العربية أو يحاول كما كان في السابق شق الصف العربي والتدخل في شؤونه بشكل مباشر.

وخامس الاعتبارات مرتبط أساساً بالنظام السوري الذي يختلف كل الاختلاف عن بعض الأنظمة العربية الأخرى التي شهدت ثورات شعبية ضدها كنظام بن علي في تونس ومبارك في مصر وصالح في اليمن. فالنظام السوري أضر بالمصالح العربية بشكل كبير بسبب تحالفه مع إيران وعدم تغليبه للمصلحة العربية في تلك العلاقة. فانحيازه الكامل إلى إيران أضر بالمصالح العربية رغم الجهود والمحاولات الخليجية لثنيه عن الانحياز الكامل والعمل على لعب بسياسة التوازن التي كان والده حافظ الأسد يتبعها.

تلك هي بعض الاعتبارات التي يمكن أن تفسر الموقف الخليجي تجاه الأزمة في سوريا. وفي أقل تقدير دول الخليج لم ترد أن تبقى بعيدة عن ما يحدث فجاءت مواقفها تعبيراً عن تلك الرغبة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يكفي أن تتغيّر الأسماء حتى يصبح القتل مشروعاً؟ .. هلا رشيد أمون()

المستقبل

8-4-2012

"الثورة" هي حربُ الحرِّيَّةِ ضدّ أعدائها، وهي تُستعمل للدلالةِ على جميع حركات التغيير والتجديد في الشؤون الاجتماعية والفكريَّة والسياسيّة و... وهي بمعناها السياسي الحديث، فعلٌ سياسيّ وعسكريٌّ عنيفٌ لا يستقيم إلاّ إذا تضمَّن عنصرين متكاملين: عنصر الهدم، ويهدف إلى إسقاط النظام السياسي القائم، وعنصر البناء، ويهدف إلى تسلم السلطة، وتحويل النظرة الجديدة للمجتمع والقِيَم والعلاقات الإنسانيَّة أي الأيديولوجيَّة إلى قوانين ودساتير وأعراف وأنظمة.

ولقد قدًّمت الثورةُ الفرنسيَّة للفكر السياسي، العناصرَ الأساسيَّةِ لمفهوم الثورة. وأبرزها: 1- أنها عملية مواجهةٍ سياسيةٍ وعسكريَّةٍ بين الشعب والحاكم. ويفقد مفهومُ الثورة دلالته النوعيَّة، إذا لم يتضمَّن إسقاط الحاكم، ليس بشخصه فحسب، بل والنظام السياسي والإجتماعي الذي يمثله ويحافظ عليه ويحرص على استمراره؛ 2- تشكل مقولةُ الشعب عنصراً رئيسياً في مفهوم الثورة الرامية إلى هدم الحكم القائم، أمَّا إذا انحصر الفعلُ الثوريُّ بأقليَّةٍ من الشعب، ودون أن يكسب تأييد الأكثريَّة الشعبيّة، فغالباً ما تنحدر الحركةُ التي أُريد بها ثورة، إلى درجةِ التمرُّد أو العصيان المدني الذي لا يُعبِّر عن إرادة الشعب المشتركة، ولا يتمتع بشرعيتها؛ 3- تحتاج الثورةُ إلى ممارسة العنف بجميع درجاته ووسائله، وهذا العنف الثوري يستمدُّ دوافعه من الأيديولوجيّة الثوريَّة التي توجِّههُ، والتي ترمي إلى إرساء قواعد ومفاهيم وقِيَم جديدة أكثر تقدُّماً وملاءمة للواقع الحضاري الراهن.

هذه هي أبرز العناصر التي تشكل مفهوم "الثورة". فما هي الأساليب التي يبتدعها النظامُ السوري للحؤول دون التعامل مع ما يجري في سوريا على أنه ثورة شعبيّة حقيقيَّة؟

يستطيع أيُّ مُراقبٍ لمسار الإنتفاضة السوريّة، أن يلاحظ أنّ السلطة السياسيّة هناك، تناضل بكلِّ ما أوتيت من وسائل القوَّة والبطش والقمع والترهيب، من أجل سلب هذه الحركة الشعبيَّة كلِّ المقوِّمات التي تجعلها مستحِقة لاسم "ثورة"، ومن أجل تحويلها إلى مجرّد حركة عصيانٍ وشغبٍ وتخريبٍ وإرهابٍ، يُفترض بالدولة التصدِّي لها بكلِّ عنفٍ، ومقاومتها بلا هوادة، حماية للسِّلم والأمن الوطنِيَّيْن. وفي سبيل ذلك، فإنَّ تلك السلطة تحاول أن تثبت أنَّ أغلبيَّة الشعب السوري مؤيِّدةٌ لبقاء النظام ورافضةٌ للانخراط في أيِّ حركة احتجاج أو اعتراضٍ، وهي، إمعاناً منها في إظهار أنَّ ما يحدث في الشارع ليس أكثر من انقسامٍ حاصلٍ بين فئات الشعب حول قضيَّةٍ معينة، ولا يرقى بأيِّ حالٍ إلى مستوى "ثورة"، تحرص على تنظيم المظاهرات الحاشدة المؤيِّدة للنظام، بُغية إظهار أنَّ هذا الأخير ما زال يتمتع بالشرعيَّة القانونيَّة التي يستمدّها من القاعدة الشعبيّة العريضة التي تساندهُ. وفي الوقت عينه، فإنَّ هذه السلطة لا تتأخر أبداً في الإنقضاض بشكلٍ دموي ولا أخلاقي، على كلّ ما ترى فيه بداية لتشكل نواةٍ مُولدةٍ لتيار شعبي جارف، يؤكدُ للرأي العام العالمي بأنَّ الإرادة الشعبيّة بأكثريتها قد توحَّدت في وجه عدوٍ واحدٍ، لإنجاز هدفٍ واحد.

ولا شكّ أنّ هلع النظام من اتساع دوائر الإعتراض والرفض التي قد تقتلعه من جذوره على غرار أشباهه من الأنظمة الإستبداديّة التي اقتلعها الربيعُ العربي، هو الذي يدفعه إلى التمادي في عمليات القتل والتنكيل بشعبه، وليس بأعدائه، مبرِّراً أفعالهُ الإجراميَّة تلك، بالإستناد إلى تعريف العنف الذي ينصُّ على أنه "استخدامُ القوة بصورةٍ غير مشروعةٍ أو غير مُطابقةٍ للقانون". فهذا الربط بين العنف والقانون، يعني أنه إذا كان العنف فعلاً غير قانوني، فإنَّ الأفعال الصادرة عن السلطة السياسية القائمة وعن أجهزتها الأمنيّة، والتي تتصف بطابع القوة والشدَّة، كالقتل والقمع والإضطهاد والإعتقال العشوائي، هي أفعالٌ غير عُنفيَّة، لأنها قانونيَّة، بمعنى أنها مُؤَيَّدة ومُبرَّرة بالقوانين التي تضعها تلك السلطة وتسهر على تطبيقها وتفرض على الشعب واجب الخضوع لها. ومما لا شكّ فيه أن هذا التعريف للعنف قد شجَّع هذا النظام التسلطي على استخدام المزيد من القوّة الغاشمة؛ وهو الذي يدفعه إلى رفض أيِّ مبادرةٍ سِلميَّة للحلّ، من أيِّ جهةٍ أتت، معتبراً إيَّاها انتهاكاً لسيادة الدولة وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخليَّة، مدعياً أنَّ من حقِّ الدولة فرض سيطرتها وهيبتها على المجتمع بكلِّ الوسائل التي تراها مناسبة.

ولا عجب في ذلك، فإنَّ العنف المادي، هو جزء لا يتجزأ من عقلية النظام في ممارسة الحكم. ولكنه بالإضافة إلى العنف المادي الذي نشهد فصوله الدمويَّة كلّ يوم، عبر شاشات التلفزة والإنترنت، هناك العنفُ المعنوي الذي هو أدهى وأشدّ، والذي يُمكِنُ تعريفه بأنه "كلُّ مبادرةٍ تتدخل بصورةٍ خطرة في حرية الآخر، وتحاول أن تحرمه حريَّة التفكير والرأي والتقرير، وتحوِّلهُ إلى وسيلةٍ أو أداةٍ في مشروعٍ ما". وهذان النوعان من العنف يمارسَان على الشعب السوريّ منذ عهودٍ، من قِبَل الدولة الأمنية والإستخبارتيَّة التي انقادت إلى تكريس العنف أو الإرهاب السياسي باعتباره عنصراً عادياً، وواقعاً لا يمكن تلافيه، بل يجب اعتياده والتكيُّف معه.

ولمّا كان الإرهاب المؤسَّسي هو الذي يقود إلى الإرهاب الثوري المضاد، فإنّ مواجهة أساليب البطش والتنكيل المُتجَذرَة والمكرَّسة في بنية النظام الأمني السوري، لا يمكن أن تتمّ بعيداً عن استخدام بعض العنف الثوري الذي يستمدُّ شرعِيَّته من إيديولوجيَّة الثورة، والذي يخضع لأحكام الحالة الإستثنائية التي يمرُّ بها المجتمع الثائر، والتي تعطيه حداً معيناً من الشرعية. ولعل هنا يكمن أساس الدعوة إلى إيجاد ممرَّات أمنية، وإلى عسكرة الثورة - وإنْ تكن نتائج هذا العمل غير محمودة العواقب ولا سيَّما بعد ترْك المجتمع الدولي الشعب السوري في عين العاصفة، يواجه مأساته وحيداً، ويدفع الأثمان الباهظة لصراع إرادات القوى العظمى، وتضارب مصالحها.

والحقيقة أنه من المستحيل على الثوَّار أن يتمسّكوا برفع شعار "سلميَّة"، ولا سيّما في مواجهة نظامٍ يشهد له تاريخهُ غير البعيد بأنه نظامٌ قتل شعبه بدمٍ بارد، ثم طوى صفحة المجزرة ومضى في حكمه. وكأنَّ شيئاً لم يحدث، نظامٌ يعتمد دائماً في تصفية أزماته على الحلِّ الأمني والعسكري، وعلى استراتيجيّة الأرض المحروقة، لأنهما أقصر الطرق إلى هزيمة الخصم وإخضاعه، وما مأساة حي بابا عمرو في حمص سوى نموذج صارخ لتلك الإستراتيجية الجهنميَّة. ولا شكّ أنَّ هذا النظام يودُّ لو تبقى كلُّ التحرُّكات الإعتراضيَّة سلميَّة؛ ولو يرفع المتظاهرون شعار (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ)، حتى تسوِّل له نفسُهُ الفتك بها، وتصيُّد أعضائها العُزَّل بسهولةٍ وبدون أدنى مقاومة، ولكنه لا يُمانع في الوقت عينه، من أن يُمارس المنتفضون بعض العنف للدفاع عن أنفسهم، كي يستغلَّ هذا الواقع، فيسارع إلى استحضار شبح القاعدة والتطرُّف الديني، ويُعطي لنفسه الحق والذريعة لمواجهة ما يصفه بالجماعات الإرهابيّة والتخريبيّة، والتي باتت ذريعة ممجوجة وفاقدة للمصداقيَّة، ولكن النظام يستخدمها على الدوام للقضاء على أيِّ تحرُّك يطالب بإسقاطه.

ومن الوسائل التي يعتمدها النظام لحرمان الثورة معناها، هو إنكارُه الدائم لوجود ثورةٍ شعبيّة، وإلحاحُه على أنَّ ما يجري ما هو سوى مؤامرة خارجيّة. ففي الوقت الذي كانت فيه الإنتفاضة في تونس ومصر وليبيا واليمن، ثورةً مجيدةً ومباركة أطاحت رؤوس الفساد وأنصاف الرجال وأزلام الغرب، فإنَّ انتفاضة الشعب السوري هي مجرّد دسيسةٍ ومؤامرةٍ كونيَّة غربيَّة وعربيَّة، مشروعها، إسقاط النظام الداعم لكلِّ المقاومات في العالم العربي. فكلُّ القيادات في تلك الدول الثائرة كانت قياداتٍ متواطئة مع الغرب عملية لإسرائيل، أما القيادة ها هنا، فهي قيادة حكيمة عروبيَّة وطنيَّة مقاوِمة وممانِعة. بل إنَّ هناك تلازماً أو تطابقاً تاماً بين العروبة والممانعة والمقاومة، والنظام السوري، بحيث إنه لا يستطيع أيُّ عقلٍ تصوُّر وجود أحدهما دون وجود الآخر. وكلُّ مَنْ هم خارج هذا التطابق الثنائي الفريد، ما هم سوى مستعربون وعملاء وخوَنة!!

ولكن ما بالُ توأم المقاومة والممانعة هذا، يطالبنا بأن نثور ونغضب لإجرام إسرائيل وهمجيّتها وبربريَّتها وعنفها غير المسبوق ضد الشعب الفلسطيني واللبناني، وبأن نبقى صامتين متفرجين أمام آلة قتلِهِ التي كلما سُئلتْ: هل شبعتِ من سفكِ الدم؟ أجابَتْ: القبُور لم تمتلئ بعد، فهل من مزيد!! وما بالُ البعض ممَّن تحجَّرت أفئدتهم، وتبلَّدت مشاعرهم، وماتت ضمائرهم، وتساوى عندهم الدمُ السوري بالماء، يتجاهلون أنَّ مَنْ يسقطون في سوريا من قتلى وجرحى هم أهلنا ولحمنا ودمنا؛ وكيف يسمحون للوحش أن ينهش لحمنا ودمنا، وأن يُقدِّم الذبائح البشريَّة كلّ يوم تضحياتٍ باسم العروبة الكاذبة والممانعة الزائفة، ثم يقولون لنا: لا تبكوا ولا تنفطر قلوبكم حزناً واسى على الضحايا البريئة، إذ يكفيكم عزاءً أنَّ مَنْ يُقيم حفلة الذبح والقتلِ والسَّحْلِ والجنون في مدن سوريا وأحيائها وقراها، ليس عدوَّنا، بل هو شقيقنا وحليفنا. إنَّه الشقيق الذي حطم كلّ الشرائع والقِيَم الأخلاقيَّة والدينيَّة والإنسانيَّة على مذبح الغباء والعناد والشهوة المريضة إلى السلطة والحكم.

وبالرغم من كلّ شيء، فإنَّ ما يحدث في سوريا هو ثورة شعبٍ، وليس شغباً. وكلُّ ضربةٍ من النظام لا تستأصلها، فهي تقوِّيها. ولا شكّ أنّ ربيع درعا وحمص وحماة وإدلب وكلّ سوريا، سوف يُزهِرُ قريباً حرِّيَةً وكرامةً وعدالةً، وأنّ النظام الطاغية آيلٌ إلى الزوال والإنقضاء حتماً، شاء أدعياء وحدة المسار والمصير، أم أبوا.

() أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد النقاط الست .. عبدالله إسكندر

الأحد, 08 أبريل 2012

الحياة

من المفترض أن تنتهي في سورية بعد أيام قليلة، عمليات القتل للمتظاهرين وملاحقة المعارضين وإطلاق المعتقلين وفتح البلاد أمام وصول المساعدات للمنكوبين والصحافة الأجنبية، وخصوصاً التوصل سريعاً لصيغة المراقبين الدوليين من أجل مراقبة التقيد بالنقاط الست التي باتت تلقى دعماً دولياً بالإجماع. وسير الأمور في هذا الاتجاه يعني تحولاً في طبيعة الأزمة من قتال في المدن والأرياف إلى بدء حوار داخلي بين الحكم وكل أطياف المعارضة، في ظل ضمان حرية السوريين في التعبير عن مواقفهم بالتظاهر والإضراب، وفي إطار إرساء مرحلة انتقالية تؤسس لدولة القانون ونظام حكم ديموقراطي تعددي.

لكن الأيام السابقة على موعد انتهاء المهلة التي حددها كوفي أنان، في العاشر من الشهر الجاري، للحكم والمعارضة للتقيد بوقف القتال، تجعل هذا السيناريو الوردي صعب التحقيق، إن لم يكن مستبعداً بالكامل. وذلك ليس بسبب ممانعة المعارضة، خصوصاً المجلس الوطني، للتحادث مع الإدارة السورية الحالية التي ستكون ممثلة للطرف الرسمي في أي حوار محتمل، وإنما بفعل قراءة هذه الإدارة للمرحلة، ولقناعتها بأنها غير مضطرة إلى تقديم تنازلات لم تقدمها في السابق، وبأن الحل الأمني الذي اعتمدته منذ بداية الحركة الاحتجاجية هو الأمثل بالنسبة إليها.

ومن المعتقد بأن إعلان دمشق موافقتها على خطة أنان جاء في إطار هذه القراءة، وليس بالتعارض معها. فهذه الموافقة تشكل نوعاً من الانحناء أمام العاصفة، بعد انضمام روسيا والصين إلى الإجماع الدولي والإقليمي في شأن مهمة الموفد الدولي - العربي. وتتيح إعادة تقوية ما كان ممكناً أن ينقطع بين دمشق وكل من موسكو وبكين في حال الرفض للخطة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، وهذا ما تم التشديد عليه لدى إعلان الموافقة، ربط الالتزام بوقف الدعم الخارجي للمعارضة. وهذا ربط يعرف الجميع أن هدفه فقط التنصل من الخطة لدى الحاجة. ذلك أن الدعم الإقليمي والدولي للمعارضة يقع في صلب الاعتراض على ممارسات النظام، وأنه مستمر، خصوصاً في وجهه السياسي، ما دام النظام على حاله.

ومن اللافت، في إطار إعلان الموافقة على خطة أنان، أنه تزامن مع إعلانات تكاد تكون منسقة عن استحالة إسقاط النظام السوري عبر الحركة الاحتجاجية الحالية، صدرت عن القيادة السياسية في دمشق وعن إيران وعن الحكومة العراقية و "حزب الله". أي أن النظام السوري الحالي يقع ضمن أولويات إقليمية يمثلها هذا التحالف، وليس مجرد مشكلة داخلية يمكن للحكم في دمشق التصرف فيها من دون الأخذ في الاعتبار للمصالح والأهداف التي يعتبرها هذا التحالف مشروعة بالنسبة إليه. وبما يعني أن مسألة امتثال الحكم السوري لالتزامات النقاط الست، وضرورات الحوار وخلاصاته، ليست مجرد قرار ذاتي لم يتخذ أصلاً.

المداهمات مستمرة، ومستمر أيضاً استخدام الأسلحة الثقيلة والمدرعات وسلاح الجو، والقتل لم يتوقف. وحجة الرد على "المجموعات المسلحة" جاهزة، كما كان الحال منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية.

في مثل هذه الحال، يتجه الوضع إلى السيناريو الأسوأ، لأن ثمة تمسكاً سورياً رسمياً، مدعوماً بالتحالف الإقليمي، بالحل الأمني، ما دام أي حل آخر سيدخل تعديلاً على بنية النظام، وتالياً ثغرة كبيرة في التحالف. ويمكن توقع، في حال الفشل المرجح لإرساء بداية حل سلمي استناداً إلى خطة أنان، أن تأخذ المطالبات بالمناطق أو الممرات الآمنة وحماية المدنيين طابعا أكثر إلحاحاً وتأييداً، بما يضع البلاد فعلاً في أتون الانقسام الأهلي الكبير، وما ينطوي عليه من اقتتال. ولا يتردد كثر في اعتبار أن مثل هذا الوضع هو ما يبرر للنظام التمسك بالحل الأمني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورات... وبعدها التاريخي مختلف .. د. سماح هدايا

عند تأمّل بعض إشكاليّات ثورة الحريّة والكرامة والعدالة في مشاريعنا التّحررية الجديدة، قد تصدمنا حالات الوهم والمثالية والشّكوك، بصخرة الإحباط نتيجة التوقعات العجولة أو غير المحسوبة بدقة، ونتيجة التّعقيدات الطارئة التي أوجدها فعل التّحرّر من الاستبداد. هذا طبيعي؛ لكن أن يطول ويمتد؛ فذلك لايليق بقوة ثورتنا العربيّة، ومتطلبات مرحلتنا التاريخية في انعطافاتها الخطيرة. نحن في حضرة ثورة حقيقيّة لشعب بدأ يكسر القيود ويتحرّر. ولسنا في مشهد مسرحي، أو في موسم الموجات العابرة للتّغيير التّاريخي الجزئي والمؤقت. ولذلك يجب أن نكون بمستوى الفعل والثقة والإيمان بأنّ ثورتنا ستكون انقلابا تاريخيّا جذريّاً. حتى وإن تأخر النصر، أو تعثر قليلا في قطع المراحل الزّمنيّة، أو شاب طريقه الضباب. إنّ في التاريخ القادم تجلّيّات ثورتنا وتطبيقات مشروعها التّحرّري.

ربّما سيمتدّ البعد التاريخي للثّورة إلى عشرات السنين القادمة من أجل بناء المفاهيم والأفكار والمجتمع. وإنّ اعتماد الصبر وبعد النّظر أمران أساسيان في قيادة النفس نحو المطلوب إنجازه تاريخيّا. لكنّ نجاح الثورة يحتاج من أبنائها وأحرارها ومفكريها ومتعلميها وعلمائها ومثقفيها إلى التجمّع في رؤية تحرّريّة نهضوية جديدة ومتجدّدة ومتكاملة، عمادها مبادىء الحريّة والكرامة والعدالة وضمير الشعب والتاريخ للعمل معا على تفكيك منظومة الاستبداد والفساد والجهل وإعادة بناء فكرة الأمّة بآفاق الثورة.

إنّ المؤدلجين تحنيطاً ونرجسيّة، الذين يتقاتلون ويتخاصمون على النيّات وعلى مشاريع طوباوية وتصوّرات سياسيّة وحزبيّة، ليسوا على هدى من أمرهم ومن أمور وطنهم؛ فهم يحثّون الخطا على اختلافات وخلافات غير قابلة للالتقاء والجدل والمنطق نحو الهروب من الفعل المؤثّر. ويختلفون على مفاهيم وإشكالات تحتاج إلى سنوات طويلة من أجل النضوج والاكتمال والبناء. ولايمكن إيجاد الحلول وحسم النتائج في الوقت الحاضر؛ لأن التّجربة الاجتماعيّة والسياسيّة التي جاءت بها الثورة لم تتبلور واضحة بعد. إنّ استعجال وضع مشروع استباقي من دون أخذ طبيعة الواقع الحالي ومتطلباتها بعين الاعتبار، سيؤخّر نجاح الثّورةعمليّاً.

هناك في مجتمعنا، قبل الثورة وبعدها، شروخ اجتماعية وفكرية وسياسية، وقد ازداد اتساعها بالهزّات الثّوريّة الضرّوريّة، ويجب معالجتها إنسانيّا ونفسيّاً وأخلاقيّا واجتماعيّا قبل وضع النظريات السياسية والحلول العقائديّة النظريّة. التّغيير الحقيقي المنشود في إسقاط النظام السياسي لم يحصل بعد، فكيف نقفز عنه لمراحل أبعد؟ مازال هناك اختلاف على الأطماع والمصالح، لكن لابد من التطهّر من رجس الانقسامات ومن صراع النرجسيّة في العقول والقلوب، ولابد من حرق هذه النزاعات، والعمل بجد على الالتحام بروح الثورة في مبادىء الحرية والكرامة والعدل. وإنّ توحيد الرّؤى والمواقف والأعمال فضيلة عظمى، وعدمه خطيئة كبرى؛ والاستفادة من دروس التاريخ وتجارب الأمس البعيد والقريب واجبة، لشق الطريق نحو الحرية، وشق عباءة الاستبداد. فهل سيظل المختلفون متمسكين بمنطقة النزاع بعيداً عن حدود الثورة؟

ليست هذه الثورات كسابقاتها؛ فبعدها التاريخي مختلف. فمطالب الحرية والكرامة والعدالة، هي عامة لكنّها تشمل كلّ مطالب التّحرر. في السابق التاريخي كان الموضوع عبارة عن تحرر من الاستعمار، وجاءت الحركات إسقاطا من فوق وهي انقلابات. ربما لم تكتمل تجاربنا الشعبية في التّحرّر؛ لأنّ تخلّصنا من الانتداب الأجنبي أو الاحتلال في منتصف ونهاية القرن الماضي لم تكتمل دورته، قد كان منقوصا نتيجة انهيارات الدول المستعمرة بعد الحرب العالميّة الثانية. بينما التّغيير الآن يخرج من الشارع, في مطالب شعبية شرعيّة وثورات شعبيّة. فالبعد التّاريخي للثورة الآن هو أعلى من أي حركة معهودة في القرون التي مرت، وهو يمهّد لمعركة النهضة التي تقوم على قدمين: الفكر والقوة.

نحن بعد ميراث قرون من الاختلافات والخلافات والتصدّعات، التي ارتبطت بخيوط خارجيّة. قد نصاب بالإحباط لأن حجم المشاكل والصعوبات أكبر من طاقتنا الفرديّة والمجتزأة ومعاركنا الفرعيّة؛ لكنّها الحرب التحرّريّة. نحن نتكلّم الآن في إطار حركة تاريخية قد تمتد سنوات وسنوات، وخطر الانتكاس قائم في مرحلة من المراحل؛ لكنه مؤقت. وبالتالي تفجر الأوضاع العنيفة قائم أيضا؛ لكن النصر تصنعه التضحيات، والأحلام الكبيرة أمام الممكن؛ عند إدراكنا أن المتوقع الأقوى من الواقع، قابل للحدوث في شروط موضوعيّة نصنعها نحن في الواقع.

لو كانت هذه الثورات عابرة، لما استمرت ثورة سوريا أقوى من القتل والتدمير والمجازر. والمراهنة على التّصاعد والاستمرار وتحقيق النصر. استمرار الحرب في سوريا سيكون حتى آخر مرحلة وهي الانتصار؛ فالنظام السياسي السّوري راحل لا مجال للشك، وقد سقطت شرعيته منذ الأيام الأولى للثورة، حين أباح سفك الدماء السوريّة. وإنّ ترحيل النظام مسالة وقت؛ لكن المهم الآن جمع الشمل الفكري والعقائدي من أجل الانخراط النزيه في المشروع التحرري بكلّ أشكاله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة كسر العظم بين الشعب السوري والنظام.. أين تميل كفتها؟ .. طاهر إبراهيم*

عندما بدأ الشعب السوري تحركه في 15 آذار 2011، لم يكن يخطر ببال المتظاهرين إلا أنهم يريدون من الحكم أن يقوم بالإصلاح فلم يبق نظام يشبهه إلا نظام حكم كوريا الشمالية. لكن النظام لم يكن في وارده القيام بأي إصلاح، بل واجه المتظاهرين بالنار وسقط الشهداء وامتلأت السجون بالمعتقلين، فطور الشعب مطالبه في إسقاط النظام، وانكسر حاجز الخوف، وبدأت مجموعات من ضباط الجيش السوري وجنوده تترك وحدات جيش النظام وقد رفضوا إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وتشكل الجيش الحر للدفاع عن المتظاهرين حتى وصل الأمر في سورية بين الشعب ونظام الحكم إلى نقطة اللاعودة.

عندما أردت تدوين خواطري بذكر مكامن القوة والضعف عند أطراف الصراع في سورية، لم يخطر ببالي أن أضع المعارضة السورية في مقابل النظام القمعي، ليس استصغارا لشأنها ، لكن لأن الواقع يقول –ولا تنكر ذلك المعارضة- أن القوى في الساحة السورية هما النظام الفاسد القمعي المستبد، والشعب السوري الثائر الذي كسر حاجز الخوف. فما كان يخاف منه الشعب السوري قبل 15 آذار 2011، تضاءل حتى كاد يختفي. فما عاد يخيفه القتل ولا تدمير البيوت وحرقها، إلا ما كان مما يجري من هتك الأعراض وذبح الأطفال، لكن الشعب السوري اعتبر أن الحرية لها ثمن، وهذا بعض هذا الثمن.

عودا على بدء، فباستثناء الموجة التي وضعت حافظ أسد وجها لوجه مع الإسلاميين في عام 1979، وامتدت إلى تدمير حماة في عام 1982، وانتهت بخروج الإسلاميين من سورية بشكل شبه كامل، لم تكن قوى المعارضة السورية بكافة أطيافها تشكل خطورة على النظام، بسبب القمع والقتل والاعتقال، منذ انقلاب حافظ أسد في تشرين أول عام 1973، مستمرا حكمه حتى ورثه من بعد موته ابنه بشار أسد في 10 حزيران عام 2000.

لم تكن معادلة الضعف والقوة بين المعارضة السورية، وبين نظام حافظ أسد، ومن بعده ابنه بشار أسد على مدى 41 عاما، تعني أن المعارضة، والخارجية منها على وجه الخصوص، أنه ليس لها امتداد داخل الشعب السوري، وأنها مقطوعة عن جذورها داخل سورية، بقدر ما يمكن القول أن حافظ أسد استطاع أن يرسخ وجوده تجاه القوى العالمية، بحيث أن المعسكر الغربي والشرقي قد وجدا ما يريدان من سورية، كل حسب مصالحه، السياسية والاقتصادية. وإن كنا نعتقد أن حافظ أسد استقوى على الشعب السوري بالخدمات التي قدمها لواشنطن بأنْ حافَظَ على أمن إسرائيل من الجهة الوحيدة التي كانت تخاف منها وهي سورية ، بعد خروج مصر من المعادلة العربية بتوقيعها اتفاقيات "كمب ديفيد".

قراءتنا في هذه العجالة ستقتصر على قوى الشعب في الداخل السوري، حيث أن المعارضة الخارجية تعترف بأنها في أحسن أحوالها لا تشكل أكثر من مكتب علاقات إعلامي يرصد ما يحصل على الأرض مع الشعب في مواجهة قمع النظام. فالقراءة تقول إن الشعب السوري المنتفض، رغم أنه ليس لدى جيشه "الحر" قوات تستطيع الصمود في معارك مكشوفة مع قوات جيش النظام وأجهزة أمنه وشبيحته التي يعتمد عليها بشار أسد في قمع المتظاهرين. إلا أنه من جهة ثانية فالشعب المنتفض يملك قوى كامنة، وهي مبادرة الشباب للزج بنفسه في ساحات التظاهر، بحيث أن نقاط التظاهر في المدن والبلدات كانت تزداد كل جمعة عن الجمعة التي سبقتها، حتى بلغت في جمعة "خذلنا العرب والمسلمون" يوم 30 آذار الماضي أكثر من 700 نقطة تظاهر، وبلغت نقاط التظاهر في محافظة حلب وريفها لوحدهما أكثر من80 نقطة تظاهر، مع أن حلب لم تدخل بكامل أحيائها في التظاهر. ورغم أن مدينة إدلب التي كانت تسجل أكثر نقاط تظاهر في أيام الجمع قبل جمعة "خذلنا العرب والمسلمون" قد احتلتها مدرعات النظام ومدافعه قبل أيام، إلا النظام لم يستطع ترويض ريف إدلب، فبقي يتظاهر بقوة والأمثلة كثيرة.

النقطة الثانية التي لاحظها العالم أجمع، أن المنطقة التي يتم احتلالها عسكريا من قبل جيش النظام، فإن هذه المنطقة تعود إلى التظاهر وبقوة بمجرد انسحاب جيش بشار، كما حصل في الرستن، -تلبيسة أيضا- حيث دارت فيها معارك طاحنة بين وحدات النظام وبين مجموعات الجيش الحر على مدار أسبوع كامل، بدءا من 27 أيلول الماضي، قبل أن يعلن الجيش الحر انسحابه منها في3 تشرين أول العام الماضي. وها هي الرستن يعود التظاهر فيها بقوة، بعد أن تضطر إلى الانسحاب دبابات النخبة في الفرقتين الرابعة والثالثة اللتين يستخدمها النظام في قمع الشعب السوري، لتغطي القمع في مناطق أخرى.

النقطة الثالثة، أن المتظاهرين في سورية يردفهم خزان لا ينضب من الشباب الذين يتحرقون للمشاركة في التظاهر، وبعضهم يسعى كي ينضم إلى الجيش السوري الحر الذي يؤجل وقت انضمامهم حتى يحل مشكلة التسليح، خصوصا الذخيرة المضادة للدروع. ما يعني أن الجيش الحر لا يشكو من مشكلة في احتضان الأحياء له، بل إن تلك الأحياء كانت تقدم للجيش الحر الطعام والمأوى والبيوت لإنشاء المستشفيات الميدانية. هذه النقاط الإيجابية،وأخرى غيرها لم نتعرض لها، فهل يملك النظام ما يكافئها؟

فباستثناء غزارة النيران التي تملكها وحدات جيش النظام، والدعم اللوجستي والعسكري الذي تقدمه طهران وموسكو وبغداد، فإن القلق، بل الخوف بدأ يعمر قلوب قادة الوحدات العسكرية في الفرقتين الثالثة والرابعة ووحدات أمن النظام. هؤلاء القادة لا يستطيعون بث التشجيع في نفوس الضباط الصغار، وهم أنفسهم يحتاجون إلى من يبث في قلوبهم التشجيع، خصوصا أن الضباط الذين يقتلون تزايد عددهم، من رتبة عقيد فما فوق، حتى زاد عددهم على الخمسين ضابطا في الشهر الأخير. كما ترددت إشاعات بأن الدائرة الضيقة من عائلة آل أسد بدأت في ترتيب أمورها للهروب إلى حيث أموالها.

وهكذا نجد أن القوة العسكرية سوف تتضاءل وتضمر أمام تصميم الشعب الذي ظلم وقمع على مدى خمسة عقود، عندها، "سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون". ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.. إن شاء الله.

*كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشرق الأوسط بعد سقوط الأسد  .. هذه التصورات الأمريكية للمستقبل معدة لمرحلة ما بعد بشار الأسد في الشرق الأوسط  .. رضا محمد لاري

الإثنين 09/04/2012

المدينة

تدفع الولايات المتحدة الأمريكية الشرق الأوسط إلى لعبة خطيرة ‏جديدة تتعلق بالصراع الداخلي في سوريا الأمر الذي يدعو إلى القلق ‏وربما يرتهن مستقبل الشرق الأوسط لعقود قادمة بنتائج الصراع ‏وأثره على دول أخرى مجاورة ليعيد التاريخ نفسه مجددًا ولكن في ‏هذه المرة خريطة أوسع من التقلبات الأيدولوجية وكذلك ‏الطائفية والعرقية، وسوف نحاول رسم بعض ملامح السياسة ‏الأمريكية في عالم ما بعد حكم بشار الأسد.‏

صورة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد تمثل مادة ‏مثيرة للتحليل بشأن مستقبل سوريا ومنطقة الشرق الأوسط غير أن ‏هناك حقيقة ماثلة لا تدرك خطورتها الكتابات الغربية والعربية التي ‏تتمثل في خليط المذاهب والأعراق في المجتمع السوري الأمر الذي ‏يجعل منها البلد الأكثر عرضة للتوترات الدينية والعرقية العنيفة فور ‏سقوط النظام الحاكم في دمشق ولا يوجد في منطقة الشرق الأوسط ‏اختلاط الأوراق على الطريقة السورية لوجود التداخل بين الطوائف ‏الدينية سوف يكون التحدي الحقيقي هو كيفية الوصول إلى توازن ‏العملية الانتقالية بعد انتهاء الاقتتال الداخلي الذي يتبعه محاولة بناء ‏مجتمع جديد خال من تراث التسلط والديكتاتورية ليحقق المساواة ‏للجميع، وتحظى تلك التشابكات والتعقيدات على الساحة السورية ‏باهتمام متزايد على المسرح الأمريكي والغربي بشكل عام.‏

قال الجنرال مارتن ديبي رئيس قيادة الأركان الأمريكية المشتركة ‏للمذيع الشهير تشارلي روز: سوف تكون هناك دول في الشرق الأوسط ‏ذات أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط نظام ‏بشار الأسد في سوريا وتشكيل حكومة سنية في دمشق لمواجهة العالم ‏الشيعي في إيران خصوصًا وأن الفكر الإستراتيجي الأمريكي يتجه ‏إلى إكمال القوس السني في المنطقة العربية لمواجهة العالم الشيعي ‏بقيادة إيران التي ستعقد تحالفًا قويًا مع السلطة في العراق الذي يمكن ‏تسميته الهلال الشيعي بين طهران وبغداد وللوقوف ضد الهلال السني ‏في سوريا ودول الشرق الأوسط خصوصًا وأن هناك حالة من التوتر ‏الكردي في سوريا والموقف في العراق الذي يلوح فيه زعماؤه ‏وقياداته بإعلان دولتهم في شمال العراق بدعم وتأييد من الولايات ‏المتحدة الأمريكية إن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى دعم رفع ‏التوتر مع طهران سياسيًا وعسكريًا لمواجهة التهديدات الإيرانية في ‏مرحلة شديدة الدقة في ظل تطورات البرنامج النووي الإيراني، ‏وتلويح إسرائيل بشن عملية عسكرية ضد المنشآت الإيرانية وهو ما ‏تتحفظ عليه الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى أن الوقت غير ‏مناسب لتلك العملية العسكرية والأهم أن مشاركة إسرائيل في ‏عملية ضد إيران سوف يؤدي إلى أصداء عنيفة في منطقة الشرق ‏الأوسط بما في ذلك من ردود فعل غير محسوبة في عواصم عالمية ‏كبرى مثل موسكو وبكين.‏

هذا الموقف يخدم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي سوف يحتاج ‏إلى الأصوات الأمريكية في انتخابات الرئاسة الأمريكية في شهر ‏نوفمبر 2012م بعد ثمانية أشهر ويعمل اليوم على تخفيف الأضرار ‏الناتجة عن التهم الموجهة إليه وكلها تدور حول الأضرار بمصالح ‏الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بتأييده الإطاحة بأنظمة تقليدية ‏حليفة في منطقة الشرق الأوسط دون وجود قوى بديلة جديدة مقربة ‏من واشنطون مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحرك جديد ‏يستند إلى نتائج الأزمة السورية وما تفرضه من مواجهات بكل ما ‏يترتب من انتهاء حكم بشار الأسد بكل النتائج المترتبة على عدم ‏الاستقرار الذي تتصوره واشنطون نتيجة الصراع الذي سيقوم في ‏ربوع منطقة الشرق الأوسط.‏

تلزم أمريكا نفسها بضمان أمن إسرائيل مع الإمساك بالنظام الدولي ‏الذي يؤكد وجودها في منطقة الشرق الأوسط والبقاء قريبة من ‏مناطق وجود شبكات الإرهاب الدولي التي مازالت تعمل ضدها ‏خاصة في أفغانستان.. هذه التصورات الأمريكية للمستقبل معدة ‏لمرحلة ما بعد حكم بشار الأسد في الشرق الأوسط الذي يهدف إلى ‏خدمة القوى العالمية ذات المصالح الكبرى في هذا الإقليم.‏

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يحدث في سجون بشار الأسد .. ياسر الزعاترة

الدستور

9-4-2012

حدثني مناضل شيوعي تحول لاحقا إلى الإسلام كيف أنه بعد أن أمضى أكثر من عشر سنوات في سجون بلد عربي خلال الخمسينيات والستينيات، كان قد عزم على كتابة فصول تجربته في السجن، لكنه بعد لقاءات في بيروت مع عدد من الذين مروا بتجربة السجون السورية والعراقية، قرر ألا يفعل، فقد وجد أنه وأصحابه كانوا في فنادق مريحة قياسا بمعتقلي البلدين.

قبل عامين التقينا وعدد من الأصدقاء بطبيب من ضحايا حقبة حافظ الأسد، حيث أمضى فيها عشرين عاما كان الجزء الأكبر منها في سجن تدمر، فسرد علينا الرجل شهادات تشيب لهولها الولدان تبدو أكثر فظاعة بكثير مما رواه عبد الرحمن منيف في روايته الشهيرة “شرق المتوسط”.

وقد كتب بعضها في كتب وأعمال روائية آخرها رواية “القوقعة” التي صدرت عن دار الآداب في بيروت وتحكي قصة شاب مسيحي يعتقل لدى عودته من فرنسا بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين ويقضي في سجون النظام 15 عاما.

اليوم، ثمة جانب لم يكشف بعد من فظاعات مرحلة بشار الأسد التي نعيشها هذه الأيام (قليل منها كان سابقا على الثورة، وقلتها تنبع من سيطرة النظام على البلد بسطوة الرعب وليس بسبب اختلاف النهج)، ففي حين نسمع يوميا عن فصول القتل والتدمير التي تنفذها عصابات النظام، فإن فصولا أخرى ستروى لاحقا (قليل منها سيروى هذه الأيام) من بعض من مروا بتجربة السجون والمعتقلات التي تزدحم منذ شهور طويلة بعشرات الآلاف من البشر في سياق من مساعي وأد الثورة السورية التي دخلت عامها الثاني بإصرار عجيب.

بعض أشكال التعذيب رواها عدد ممن خرجوا من تلك المعتقلات لمراسلين صحفيين غربيين، ولنا أن نتخيل أن هؤلاء الذين خرجوا ينتمون إلى فئة الأقل “جرما” بنظر جلاوزة النظام، لكن الآخرين الأكثر نشاطا في الثورة لا يزالون قيد الاعتقال، ومنهم من قضى نحبه تحت التعذيب.

يتحدث بعض الخارجين من مسالخ التعذيب عن “السرير الحديدي”، ويتمثل بحسب وصف عامل في شركة هواتف اسمه شادي في ربط المعتقل بأحزمة مثبتة على كل طرف من أطرافه، وشريط جلدي آخر لتثبيت الرأس.

بعد ذلك يجري تعريض السجين الممدد على وجهه لتيار كهربائي يسري في كل أنحاء جسده (السرير مربوط بمولد كهربائي). وتستمر كل جلسة بحسب شادي الذي تحدث لصحيفة “تايمز” لمدة تتراوح ما بين ثلاث إلى أربع ساعات، يجري تعريضه خلالها لصعقات كهربائية تستمر الواحدة منها في حدود النصف دقيقة. شادي قال إنه تمنى من قسوة التعذيب لو قتله المحققون كما قتلوا والده من قبل.

وتقول الصحيفة إن شهادة شادي الذي قضى 46 يوما في سجن بشمال إدلب هي واحدة من عدد من الشهادات التي جمعتها من ناجين من التعذيب هربوا إلى تركيا.

ويقول ناجون آخرون إن بعض السجناء يتم ليُّ ظهورهم للخلف، وبعضهم تعرضوا لقرص وجوههم باستخدام كماشة حديدية، وكل من التقت بهم الصحيفة مروا بتجربة “الشبح” من أيديهم لساعات مع الجلد بالعصي والأنابيب البلاستيكية.

وتحدث الشهود عن المعتقلين الذين قضوا نحبهم في الزنازين المزدحمة بالبشر (300 إلى 400 في الزنزانة الواحدة) بسبب التعذيب المفرط. وقد استشهد أحدهم بعد أن أدخل المحققون أنبوب ضغط هواء في مؤخرته.

تشير هذه الوقائع إلى تعويل النظام على إجهاض الثورة عبر هذه الممارسات، في محاكاة لتجربة (الوالد) في إسكات سائر الأصوات المعارضة خلال الثمانينيات، وبالطبع إلى جانب الوسائل الأمنية الأخرى من قتل واغتيال، مع قدر هائل من الدعاية السياسية والإعلامية.

ما لا يريد النظام أن يفهمه هو أن هذه المرحلة تختلف كثيرا عن المراحل السابقة، وأن الشعب الذي خرج يطلب الحرية لن يتراجع عن مطلبه، وأن فضائح التعذيب هذه لن تلبث أن تخرج للعلن تباعا حتى يعرف القاصي والداني أي نظام مجرم هذا الذي يواجهه السوريون العزل بلحمهم الحي وإمكاناتهم المحدودة.

هذه المرة لن تمر جرائم النظام دون عقاب، وهؤلاء الذي يذوقون الأهوال لن يستسلموا، ولن يتمكن النظام من إلقاء الرعب في نفوس البقية، بل إن هذه القصص ستدفع الآخرين إلى تفضيل الشهادة في المواجهة على دخول الزنازين والتعرض لمثل هذه الفظاعات.

لقد فقد هذا النظام كل شرعية سياسية وأخلاقية، وهو ساقط لا محالة، ومن يغطون جرائمه عبر تبريرات بائسة هم شركاء له في الجريمة، سواءً أكانوا من أزلامه المباشرين، أم من أولئك الذين لا يتوقفون عن إدانة الشعب وثورته، مقابل منح النظام شهادات المقاومة والممانعة، مع حديث ممل عن “المؤامرة” الدولية عليه!!

التاريخ : 09-04-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ديبلوماسية العجز الأوروبي في الشرق الأوسط  .. محمد السمّاك

المستقبل

10-4-2012

هل ندم الاتحاد الأوروبي على تورطه في الحرب الليبية التي أطاحت بحكم معمر القذافي؟ لم تقدم أوروبا عسكرياً واحداً ضحية في تلك الحرب التي حصدت عشرات الآلاف من الضحايا، ولكنها تمكنت من إبراز عضلاتها العسكرية لأول مرة منذ حرب البوسنة في منتصف التسعينات من القرن الماضي. وفي الواقع كانت تلك عضلات أطلسية. وقد أثبتت وقائع الحرب الليبية أنه لولا المشاركة العسكرية الأميركية لما تمكنت القوات الأطلسية من حسم الحرب بتلك السرعة. وهو ما أثبتته قبل ذلك المشاركة الأميركية في حرب البوسنة، ليس لأن القذافي كان يملك جيشاً حديثاً أو لأن ميلوسوفيتش كان يدير جيشاً صربياً قوياً، ولكن لأن أوروبا لم تعد لها إرادة قتالية. بل إنها فقدت حتى شهيتها على القتال. وفقدت تبعاً لذلك الكثير من أدواتها القتالية باستثناء الاستعراضية منها. لم تعد المجموعة الأوروبية ترغب حتى في المشاركة في قوات حفظ السلام في أي منطقة في العالم. فدبلوماسيتها الخارجية أصبحت تقوم على عاملين أساسيين هما المال والمقاطعة. أي المساعدة ااقتصادية والعقوبات الاقتصادية. وحتى بعد وقوع الأزمة المالية، فان المجموعة الأوروبية لا تزال قادرة على استعمال سلاح المال مساعدات وهبات وقروضاً.. كما انها لا تزال قادرة على استعمال سلاح العقوبات والمقاطعة ضد أي دولة تتمرد على مصالحها الستراتيجية أو تشكل خطراً على هذه المصالح.

ولعل الشرق الأوسط هو أبرز مناطق العالم التي تتمظهر فيها هذه السياسة الأوروبية الجديدة. فالاتحاد الأوروبي يفرض الآن عقوبات على سوريا على خلفية سلوك النظام الدموي؛ كما يفرض عقوبات على إيران على خلفية ملفها النووي. ومنذ عام 2010 فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات محدودة على مصر وليبيا وتونس، كما فرض الحظر على زيمبابوي وساحل العاج، وفي أوروبا فرض الحظر على بيلاروسيا، وفي آسيا على ميانمار الى أن تراجعت هذه الدولة عن سياستها الاستبدادية.

ولكن اذا كان سلاح العقوبات أثبت فعالية في ميانمار، الا انه لم يثبت هذه الفعالية لا ضد نظام الرئيس العراقي السابق (صدام حسين) ولا ضد النظام الإيراني الحالي. غير أن أهم ما في هذا السلاح هو انه يشهر ضد الدولة التي توجه اليها العقوبات باسم 27 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي. ولذلك فان للعقوبات قوة ضغط معنوية اضافة الى قوة الضغط الاقتصادية. ومن خلال هذه القوة يحاول الاتحاد الأوروبي أن يثبت وجوده في لعبة الأمم بدلاً من القوة العسكرية التي كان يلجأ اليها في السابق.

فالتوافق بين الدول الأعضاء على إقرار المقاطعة والالتزام بها يصور الاتحاد على انه قوة متماسكة يحسب لها. الا ان ذلك لا يعني انه لا توجد خروقات. فاليونان مثلاً لم تلتزم بالعقوبات الأوروبية على إيران الا بعد أن حصلت على تعويضات نفطية من الاتحاد الأوروبي تخفف مضاعفات وقف الاستيراد بأسعار تشجيعية من ايران. كذلك فان سلوفينيا ذهبت الى حد التمرد على قرار مقاطعة بيلاروسيا لتناقض المقاطعة مع بعض مصالحها الاقتصادية.

من هنا السؤال: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي مواجهة التحديات الكبرى في أوروبا والشرق الأوسط من خلال الاعتماد فقط على سلاح العقوبات؟

في مقدمة هذه التحديات عودة الرئيس بوتين الى الكرملين رئيساً للاتحاد الروسي. فالرئيس بوتين عاد رغم المعارضة الأميركية الأوروبية ورغم اتهاماتهما له بالتزوير وسوء استغلال السلطة. وهو يجاهر بمعارضة الستراتيجية العسكرية الأميركية ويهدد باقامة شبكة من الصواريخ الستراتيجية موجهة الى أوروبا للتصدي لشبكة الصواريخ الأميركية التي أقيمت في بولنده وتشيكيا حتى الآن. ثم ان أوروبا تعتمد بصورة أساسية على روسيا للحصول على حاجتها من الغاز والنفط. صحيح ان روسيا تحتاج الى الزبون الأوروبي لتصريف انتاجها من الطاقة، ولكن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يعيش من دون هذه الطاقة. ولعل هذا ما يفسر التعامل الأوروبي الليّن مع الفيتو الروسي الذي أجهض محاولات إدانة النظام السوري أمام مجلس الأمن الدولي.

يتكامل هذا التحدي مع تحد آخر وهو قرار الولايات المتحدة تصفية قواعدها العسكرية في الدول الأوروبية والتي لا تزال قائمة فيها منذ الحرب العالمية الثانية. فالدول الأوروبية لا تفتقر فقط الى الامكانات العسكرية لملء الفراغ المترتب عن الانسحاب الأميركي، ولكنها لا تملك حتى الارادة السياسية لذلك. فكيف ستتصرف في ضوء ارتفاع حدة الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن؟

ثم ان الولايات المتحدة قررت وأعلنت قرارها رسمياً بالتوجه الى آسيا عبر المحيط الباسيفيكي. اي انها تعطي التوجه الباسيفيكي الأولوية على التوجه الأطلسي الذي اعتمدته منذ الحرب العالمية الأولى. فالاهتمامات الأميركية الجديدة هي في الأسواق الآسيوية (أندونيسيا الفلبين - فيتنام كوريا والهند)، والهموم الاميركية هي في هذه الأسواق أيضاً ( الصين واليابان ).

واذا كان الاتحاد الأوروبي يواجه تحدياً شديداً نتيجة المتغيرات في التوجه الاميركي من الأطلسي الى الباسيفكي، واذا كان يواجه في الوقت ذاته تحديات أخرى نتيجة التغيير في التعامل الروسي مع "دول الجوار" في أوروبا الشرقية رداً على توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطسي شرقاً لاحتواء هذه الدول التي كانت حليفة للكرملين، فان المتغيرات التي تعصف بالعالم العربي تشكل اضافة كبيرة الى هذه التحديات.

فالاتحاد الأوروبي الذي لا يملك استراتيجية لمرحلة عودة بوتين، ولا لمرحلة ما بعد أوباما (؟)، يكتشف الآن أنه يفتقر الى استراتيجية لمرحلة ما بعد "الربيع العربي" أيضاً.

فقد فوجئ الاتحاد كغيره من القوى الدولية الأخرى- بانفجار سلسلة المتغيرات في العالم العربي. ذلك ان هذه الأحداث لم تقع نتيجة انقلابات عسكرية، ولم تطلقها أحزاب أو قوى محلية مرتبطة أو غير مرتبطة بالخارج، ولكنها وقعت ربما لأول مرة في التاريخ نتيجة مبادرات أفراد جمعهم الشعور بالظلم والاستبداد، والتطلع نحو حياة حرة كريمة. ولقد أسفرت هذه الأحداث عن خسارة الاتحاد الأوروبي ومرة أخرى كغيره من القوى الدولية- أصدقاء لم يجرؤ على التحسر عليهم، ولم يعرف بعد كيف يقيم صداقة مع الذين حلّوا محلهم. فالبوابة الكبيرة للدخول الى العالم العربي الجديد لا تزال مقفلة في وجه الاتحاد الأوروبي وهي بوابة حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً. ذلك ان الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفتاح اللاحل، وتعطل بالتحالف مع اسرائيل كل محاولة لصناعة مفتاح بديل.

لا شك في أن المقاطعة والعقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على النظام السوري لاقت ارتياحاً لدى حركات الربيع العربي، ولكن رغم أن ذلك هو أكثر ما يمكن أن تقدمه دول الاتحاد أو أكثر ما تقدر على تقديمه، فانه لا يحل المشكلة.

فالاتحاد الأوروبي يعاني من تداعيات الهجرة من دول جنوب المتوسط. ولقد جعل الرئيس نيقولا ساركوزي من هذه القضية ركناً أساسياً في حملته من أجل تجديد رئاسته. ولكن لا دول جنوب المتوسط سوف تتوقف عن تصدير المهاجرين بغياب التنمية البشرية، ولا دول غرب أوروبا سوف تتوقف عن الحاجة الى اليد العاملة الأجنبية اذا ارادت لاقتصادها أن يستمر في النمو على عكس مجتمعاتها التي تشيخ.

من أجل ذلك لا يستطيع الاتحاد الأوروبي "بالمقاطعة والعقوبات" فقط أن يقيم علاقات أفضل سواء مع روسيا بوتين أو مع عالم الربيع العربي.

حتى الآن تعتمد دول الاتحاد في توافقها على قرارات الحد الأدنى: العقوبات والمساعدات، غير أن الأولى أثبتت انها لا تخيف ظالماً ولا تردع مستعبداً. أما الثانية فقد أثبتت أنها لا تسمن ولا تغني من جوع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذا الجيش السوريّ... لماذا؟ .. حازم صاغيّة

الثلاثاء, 10 أبريل 2012

الحياة

قبل إطاحة صدّام حسين في العراق رأت أصوات في المعارضة العراقيّة أن يُحلّ الجيش في ما بعد صدّام. وقد نفّذت الولايات المتّحدة، بعد 2003، رغبة هذا الفريق الراديكاليّ من المعارضة الذي صار بعضه حاكماً.

بدورها جاءت التطوّرات اللاحقة لتثبت أنّ القرار هذا كان خاطئاً، لا لأنّه خاطئ بذاته، بل لأنّ المجتمع العراقيّ مفتّت إلى حدّ يستدعي وجود هذه الأداة «الموحّدة». لكنّ مجرّد قبول هذه المعادلة يعني أنّ الجيش ضريبة يتمّ دفعها للتحايل على انقسام لا يمكن التحايل، إلى ما لا نهاية، عليه.

كائناً ما كان الأمر يمكن تفهّم الرغبة العراقيّة التي عبّرت عن نفسها بالمطلب هذا. فالجيش ومتفرّعاته الأمنيّة التي شكّلت عبئاً هائلاً على صدر الاقتصاد ومستوى المعيشة العراقيّين، يرقى تدخّله في الحياة العامّة إلى انقلاب بكر صدقي في 1936، ثمّ كان انقلاب رشيد عالي الكيلاني ذي الهوى النازيّ في 1941، ومنذ 1958 كان لا يرتاح من انقلاب عسكريّ حتّى يباشر انقلاباً آخر. أمّا مع صدّام حسين فارتبط ذكر الجيش بمغامرات أكبر كثيراً وأخطر كثيراً من سابقاتها، كالحرب مع إيران ثمّ اجتياح الكويت وصولاً إلى مواجهة 2003 الحاسمة والأخيرة. في هذا المسار المديد لم تُسجّل قصّة بطوليّة واحدة في مواجهة «الأعداء القوميّين» قياساً ب «البطولات» التي سُجّلت في سحق الأكراد والشيعة بعد هزيمة الكويت. حتّى اللفظيّة المنتفخة في دعم القضيّة الفلسطينيّة استحالت سحباً للقوّات العراقيّة التي كانت تتمركز في الأردن، عام 1970، تمهيداً لتصفية القوّات الفلسطينيّة في حربها الأهليّة مع الشرق أردنيّين عامذاك.

مشاعر كهذه لا بدّ من أن تنتاب سوريّين كثيرين اليوم، وهم يرون جيشهم «الباسل»، المعزّز بالشبّيحة، يقتل أبناءهم ويدمّر مدنهم وبلداتهم، مُنزلاً الفظائع بالبشر والحجر من غير أن ينعكس ذلك انعكاساً واضحاً ومؤثّراً على تماسكه ووحدته الداخليّين.

وما يصحّ في الجيش العراقيّ يصحّ في الجيش السوريّ الذي بدأت تكرّ انقلاباته العسكريّة في 1949 كما تباهى مراراً بخنق، أو باحتواء، البدايات الديموقراطيّة التي لم يتسنّ لها أن تتطوّر في سوريّة الحديثة. أمّا المواجهات مع «العدوّ الصهيونيّ» فلم تكن غير حديث خرافة جُرّبت في 1967 وفي 1982 وفي 2006، فيما نُفخ الدور الذي أُدّي في 1973 للتستّر على بقاء الأرض محتلّة ولتوطيد عبادة حافظ الأسد. فإذا أضفنا وظيفة هذا الجيش الجرّار كأداة امتصاص جزئيّ للبطالة، تكامل دوره في إطالة عمر المنظومة السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة التي تثقل على صدور السوريّين منذ 1963.

وقد يقال إنّ الخوف هو ما يجعل الجيش السوريّ يتصرّف كما لو أنّه أفراد بلا أهل. غير أنّ جيشاً يتمكّن منه الخوف إلى هذا الحدّ، ولو أنّ الخوف جدّيّ وكبير، سبب آخر يوجب التفكير في مدى نفع الجيش الذي «ينفّذ الأوامر».

لقد قضت الحرب العالميّة الثانية بإبقاء بلدان كألمانيا واليابان اللتين صدّرتا نزوعهما العسكريّ توسّعاً خارجيّاً، بلا جيوش. يومها تنفّست النُخب التقدّميّة في البلدين هذين الصعداء، إذ ضمنت إزاحة هذا التهديد الدائم عن صدر حياتها السياسيّة وعن صدر جيرانها، كما هلّلت لتحويل المصادر التي تُنفق على الجيوش إلى عمليّات التنمية.

متى تفكّر نُخبنا التقدّميّة بطريقة مشابهة؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تخويف دول المنطقة من دعم السوريين .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

10-4-2012

من مفارقات الأزمة السورية أن التحذيرات توجه للدول التي تطالب بدعم الشعب السوري، في وقت لم يفعل أحد شيئا لوقف الدول التي تدعم قوات النظام المسلحة حديثا حتى أسنانها، والتي تباشر بصفة يومية عمليات التدمير دون مبالاة لأي عقوبات دولية أو تحرك يواجهها. وبدل أن تتحول النشاطات الدبلوماسية نحو محاصرة النظام السوري، كما حدث مع الليبي وقبله العراقي وقبله الصربي، صار التوجه هو العكس!

تحولت سوريا وحلفاؤها إلى خطوة جديدة هدفها تخويف وملاحقة الدول المتعاطفة مع الشعب السوري، مثل تركيا والسعودية وقطر، تحذرها من تسليح المعارضة. في حين أننا نرى أن سلاح المعارضة المستخدم في حرب الأحياء والشوارع مجرد بنادق وأسلحة بسيطة، إلا بعض أسلحة محدودة كسبها الثوار من أحد مخازن السلاح قبل أكثر من شهرين، وما يكسبونه أيضا من أسلحة مع جنود النظام الذين يهجمون على الأحياء، لكن غالبا يقاتل الجنود بذخيرة محدودة، حيث يخشى الجيش انشقاق جنوده أو استيلاء الثوار على الأسلحة.

إن من يقاتل النظام السوري اليوم في حمص وحماه وريف دمشق ودرعا وغيرها من مناطق المواجهات جميعهم سوريون من أهالي هذه المناطق، ومن أبناء الأحياء. والحق أنهم بالأسلحة المحدودة هزوا أكبر قوة عسكرية أمنية عربية.

التحول الجديد في المعركة أن النظام صار يتعمد رفع الثمن غاليا بعمليات التدمير والقتل الوحشية اليومية. قلب المعادلة التي كانت تهدف دوليا إلى إحراج النظام السوري ودفعه لعمليات إصلاحات سياسية واسعة إلى معادلة إحراج المجتمع الدولي، فالنظام يدمر أكثر ويقتل بشكل أبشع؛ حتى يختصر المجتمع الدولي مطالبه بإنهاء المأساة الإنسانية للمدنيين في سوريا!

كيف يمكن لدول المنطقة، والدول المهتمة بما يحدث، إنهاء وحشية النظام التي ندرك أنها ستستمر حتى لو قيض للثورة أن تتوقف؟ تزويد الناس بالسلاح ضرورة للجم آلة النظام المتوحشة وليس من خلال المبادرات السياسية، لأنه لن يتوقف أبدا قبل أن يمحو مناطق كاملة والمزيد من عشرات آلاف القتلى. ومن دون زيادة الضغط على النظام داخليا لن يقدم تنازلات حقيقية، وبالتالي سينتهي المبعوث الدولي بالمطالبة في الأخير بضمانات بألا يقوم متظاهرون بإطلاق النار، وسيسمح لقوات النظام بالاستيلاء التام على كل المدن والقرى المنتفضة. وفي الأخير نحن ندرك أنه سيضع بضعة أسماء من المعارضة المزورة ليدعي أنها قبلت بالمشاركة في حكومة وطنية، وهي المسرحية التي تطبقها معه السلطات الإيرانية والروسية.

ولهذا لن تتوقف الثورة ولن تتوقف الحرب، ولا يوجد من سبيل لوقف عنف النظام إلا بدعم المواطن السوري الذي يدافع عن أولاده وبيته وحيه. من دون هذا الدعم سيستمر شلال الدم وستستمر قوات النظام في القتل، والقتل الرسمي، كما نراه الآن، ليس هدفه فقط التخلص من الثوار، أو ما يسميهم بالمسلحين، بل هدفه الأهم إعادة تثبيت الرعب في نفوس الشعب، الرعب هو أسلوب الحكم في جمهورية الخوف السورية. وأنا متأكد أن الشعب السوري لن يقبل العودة للوراء، فأربعون عاما من حكم نظام بوليسي يتحكم في تفاصيل حياة المواطن من خلال أجهزة المخابرات، ويسوم الناس الذل والعذاب، لا يمكن أن يقبلوا بعودته، بغض النظر عمن يجلس على كرسي الحكم في دمشق.

الدول القليلة التي تساند الشعب السوري في محنته أمامها خيارات قليلة صعبة. إما أن تمتنع ويذبح النظام شعبه، وبعدها سيصبح غولا إقليميا أخطر من ذي قبل، أو أن تنتظر قرارا دوليا يمنحها حق الدعم المباشر، أو دعم القوى السورية شعبيا وتعديل ميزان القوة، وبالتالي فرض الإصلاح السياسي العادل أو تغيير النظام برمته بأيد سورية فقط.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مرتكزات في مفهوم الدولة المدنية .. عقاب يحيى

الدولة المدنية التي يجري تداولها كثيراً هذه الأيام، هي بالقطع ليست الدولة العسكرية، ولا الأحادية القائمة على حزب واحد، أو إديولوجيا محددة . إنها دولة التعددية والتداولية بمروحتها الواسعة من القوى السياسية المشاركة فيها، أساسها النظام الجمهوري البرلماني القائم على الانتخابات المباشرة لاختيار مجلس نواب سيد يتولى السلطة التشريعية، وسنّ القوانين، وإقرار الدستور، والمصادقة على تشكيل الحكومة، ويممكن أن يمكون انتخاب الرئيس من خلاله لدورتين متعاقبيتين كحد أقصى غير قابلة للتمديد والتجديد .

تعبير المدنية يثير نقاشات تتجاوز المصطلح إلى المضامين . هناك من يعتبرها علمانية بلبوس مدني، بينما عديد الإسلاميين يرون فيها حكم الشعب الذي يمكن أن يكون إسلامياً وفق ما تقرره صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية . غير أن الدولة المدنية منزوعة الهوية الإديولوجية، لأنها تقوم على أساس حقوق المواطنة المتساوية، والديمقراطية المبنية على التوافق السياسي والاجتماعي بين جميع المكونات التي يتألف منها المجتمع .

إن رفض تسييس الدين لا يعني معاداته، أو الدعوة للإلحاد، بل إن في جوهر الدولة المدنية توفير كل الشروط والمناخات لحرية العبادة والاعتقاد، ومساواة المواطنين في ممارسة عقائدهم دون إكراه، أو قسر، وبالوقت نفسه لا تكون دينية، أو مذهبية بالقطع .

التعددية تعني الاعتراف بجميع المكونات الفكرية والسياسية، وحتى الدينية والمذهبية والأقوامية وغيرها التي تؤلف بمجموعها الشعب، وعلى الصعيد السياسي فهي الاعتراف بالرأي والفكر الآخر مهما كان وضعه، ومهما كانت نسبته إلى مجموع السكان، او القوى السياسية . على العكس، ففي جوهر الديمقراطية والتعددية احترام حقوق الأقلية وصونها قانونياً ودستورياً، ورفض التعدي عليها، او تهميشها، أو استئصالها . وبالطبع فهي تقر حقوق التعبير والرأي والتحزب والعمل والصحافة والإعلام الحر وفق الضوابط القانونية التي تشرعها الهيئات المختصة، أو التي تقرها الجهات التنفيذية المخولة .

والتعددية تجسيداً يمكن أن تتخذ شكل تحالفات وائتلافات جبهوية بين مجموعة من القوى، أو تنسيقا وتعاوناً مرحلياً بينها لخوض حملة انتخابات أو تشكيل حكومة، او كتلة ، كما ويمكن أن تكون مخالفة عبر فوز قوة ما بالأكثرية وتحول الأقلية إلى معارضة لها حقوقها المصانة في الدستور والقوانين .

تنهض الدولة المدنية الديمقراطية على دستور يقرره الشعب في استفتاء، أو عبر مجلس النواب المنتخب، والذي يكرس الحقوق الأساسية للمواطنين وواجباتهم على قاعدة التكافؤ والمساواة بينهم بغض النظر عن الجنس(إناثاً أو ذكوراً)، أو اللون، أو الدين، أو العرق، أو المذهب، أو الإثنية، وضمن إطار الكيان السياسي الواحد لجغرافية سورية المعروفة بحدودها الطبيعية، بما فيها الجولان المحتل، وبقية اراضيها الأخرى .

الدولة المدنية تحدد مهمة ودور الجيش بحماية التراب الوطني وتحرير المحتل من الأرض، دون تدخل المؤسسة العسكرية بالحياة السياسية، أو تواجد الأحزاب فيها، وعلى اساس أنها مؤسسة عليا تابعة للدولة وليس للنظام القائم الذي تسيره حكومة الأغلبية الانتخابية، يقوم على الحرفية والمهنية، وانخراط جميع أبناء الشعب فيه دون تفريق على أي اعتبار وأساس .

وبالوقت نفسه فالأمن خلق لحماية الوطن والمواطن، لذا فإن مهمات الأجهزة الأمنية حصراً هي في ضمان توفير أمن المواطن والوطن، وهذا يعني إيجاد جهازين مختصين فقط، احدهما مسؤول عن الأمن الداخلي، والآخر للأمن الخارجي، يتبعان لجهة حكومية مختصة : وزارة الداخلية والدفاع . وبما يعنيه رفض التعذيب لانتزاع المعلومات، والاعتقال الكيفي، والتعسف، وتوفير الضمانات القانونية للمعتقل في تأمين محامي للدفاع عنه في مجاكم مدنية، إلغاء كل المحاكم الاستثنائية، والأحكام العرفية وغيرها .

تنهض الدولة المدنية الديمقراطية على أسس الوحدة الوطنية الرافضة للانفصال الإثني والديني والمذهبي، حتى وإن كان مضمونها اللامركزية الإدارية، والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للقوميات الأخرى المشكلة لها، وعلى قاعدة التكافل والتضامن ورفض الاستئصال، والثأر، وتأكيد نهج التصالح والتسامح بين المكونات جميعها .

الدولة المدنية نتاج عقد اجتماعي بين جميع مكوناتها يحدده، ويرسم معالمه وشروطه دستور عصري، يكرس التعددية، والطابع المدني للدولة والمؤسسات السياسية، ويحدد حقوق وواجبات الأفراد والهيئات، ويطلق المجال لهيئات المجتمع المدني والأهلي كي تكون الإطار الفعال لنشاط مجموع الفعاليات المدنية والأهلية، والكافلة للمارسة دورها في عموم المجالات التي تختص بها، وضمان استقلالية العمل النقابي عن الأحزاب والحكومة .

الفرق كبير بين الدولة والنظام، فالنظام حالة مؤقتة تعبر عن خط وبرنامج القوى التي تفرزها صناديق الاقتراع، وتتولى الحكم لدورات انتخابية محددة، وفق نسب النجاح، أو شكل التحالفات التي تنهض بين بعض المكونات . أما الدولة فهي الثابت الدائم الذي تشمل الأرض والشعب والنظام والثراوت الباطنية والخارجية، والمؤسسات العامة جميعها، والتي لا يمكن لأي نظام المساس بها، أو تحويلها لصالحه، أو لجهة ما فيه، وفي حين يتآلف النظام، أو الحكم مع مؤسسات الدولة وتطويرها، وتعزيزها، فإن الدولة هي الكيان الرسمي لسورية الذي لا يمكن لأي حكم تغييره، باعتبارها الدولة المدنية التعددية التي تعود ملكيتها للشعب وفق نصوص الدستور .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: قصة الثورة .. مجاهد مأمون ديرانية

ليست هذه المقالة لأحد من أهل سوريا، فإن أي واحد منهم يستطيع أن يكتب مثلها أو أحسن منها. إنها لإخواننا العرب الذين ما يزالون يسألوننا بعد سنة: لماذا ثرتم على نظام الأسد؟ وما هي قصة هذه الثورة؟ فيا أيها السوريون: لا تضيّعوا وقتكم بقراءتها، ولكن أَقْرئوها أولئك السائلين. أما الذين سيقرؤون هذه المقالة من غير السوريين فأرجو أن تساعدهم على تحسين فهمهم لمحنتنا في سوريا، على أني لا أعدهم بأن يفهموها الفهم الكامل، فليس من رأى كمن سمع ولا يُغني بيان عن عِيان.

-1-

يُسمّون سوريا جمهورية، والجمهوريات يُنتخَب رؤساؤها بالاقتراع العام ويتغيرون كل بضع سنوات، فما لرؤساء سوريا يولدون من أرحام زوجات رؤسائها، وما لهم لا يتغيرون؟

استولى حزب البعث على الحكم في سوريا بانقلاب دموي في آذار (مارس) عام 1963، ولكنه لم يكن انقلابَ حزب على حكومة بمقدار ما كان سطواً قام به فردٌ بمعونة عصابة، ذلك الفرد اسمه حافظ الأسد. لقد كان واحداً من جماعة الانقلابيين في الظاهر، ولكنه كان محرك الانقلاب في الحقيقة، وخلال سنوات قلائل استطاع أن يصفّي رفاقه واحداً بعد واحد، ثم انقلب على رفيق دربه صلاح جديد أواخر عام 1970، وبعدها بشهور أعلن نفسه حاكماً ورئيساً للبلاد، في آذار (مارس) عام 1971.

ثلاثون سنة من أعجف سنوات سوريا في تاريخها كله أمضتها تحت حكم حافظ الأسد، وحينما مات بعد ذلك في منتصف عام 2000 ورث ابنه بشار الحكمَ وكأنه ملك يَعْقُب ملكاً، فاقترح بعض الإعلاميين الظرفاء أن تغير سوريا اسمها إلى “الجملوكية العربية السورية”! ولما كان بشار دون السن القانونية التي ينصّ عليها الدستور فقد كان الحل واحداً من اثنين: البحث عن رئيس آخر أو تعديل الدستور، ولأن سوريا ليس فيها -بطولها وعرضها- من يصلح لقيادتها سوى بشار الأسد فقد كان تعديل الدستور هو أهون الحلّين، ولأن مجلس الشعب السوري يضم كوكبة من أفضل الكفاءات الدستورية في الدنيا فقد نجح في تعديل الدستور خلال خمس دقائق. وصار ولي العهد ملكاً!

-2-

منذ انقلاب البعث المشؤوم عام 1963 خضعت سوريا للحكم بقانون الطوارئ. ثمانية وأربعون عاماً عاشها الشعب السوري في ضَنْك وبؤس تحت سلطة ذلك القانون الجائر، ضاعت فيها حريته وضاعت كرامته وعاش في الكرب والهوان. الدولة كلها اختُزِلت في العصابة الحاكمة، العائلةِ وحواشيها: المؤسساتُ في يدها والاقتصادُ في جيبها والأمن والجيش تحت سيطرتها… عدة مئات من الأفراد يملكون البلد وما في البلد ويتحكمون بعشرين مليوناً من الناس. عندما أراد أحد المؤلفين أن يؤرخ لسوريا في ذلك العهد البائس لم يجد لكتابه عنواناً أفضل من “مزرعة الأسد”، وأحسن وأصاب؛ لقد صارت سوريا في عهد الأسد مزرعة، والسوريون فيها أقل قيمةً من البهائم وأقل كرامةً من الحيوانات!

منذ تسعة وأربعين عاماً يولد السوري -حينما يولد- ليزيد عدد الأسرى والمستعبَدين واحداً، يولد ليدخل إلى مملكة الخوف والذل والهوان، حيث لا كرامةَ ولا أمانَ للإنسان. الأمان والكرامة ألفاظ تعرفون معانيها في بلدانكم (بتفاوت بين بلد وبلد)، أما السوري فإنه كان يسمع عنها وكأنه يقرأ قصة من قصص الخيال.

في كل مكان في الدنيا يرضع الأطفال الحليب، إلا في سوريا، فإنهم يرضعون الخوف والخنوع. يقال للطفل من يوم ينطق الطفل: إياك أن تسأل عن شيء أو تعترض على شيء، إياك أن تشير إلى الأمن أو تتلفظ باسم المخابرات، إياك أن تذكر على لسانك اسم الرئيس إلا مسبوقاً بالتبجيل ومتبوعاً بالتبجيل.

-3-

في سوريا أصنام وصور للرئيس لو وُزّعت على أهل الأرض لكفتهم. تمشي في الطرق فتجد صنماً بين كل صنم وصنم، وصورة فوق كل صورة وتحت كل صورة. لقد اختزل القوم في رئيسهم تاريخَ سوريا كله، فهي لم تكن قبل الأسد إلا هَمَلاً ونَسْياً، وألّهوه أو رفعوه إلى مرتبة قريبة من الآلهة فجعلوه قائد الأبد، وكرسوا آلة الإعلام وجهاز التعليم كله ليزرعوا في عقول الناس تلك الفِرْية العظيمة: الأسدان -الابن والأب- أعظم العظماء وأحكم الحكماء على مر الزمان، وهما هبة الله لسوريا، آثرها بهما من دون العالمين.

وإنهم لَيُجيزون لمن شاء أن يهجو الله (تبارك الله في عليائه) ولا يجيزون أن يُذكَر إلهُهم المزيف بسوء. ذلك ما كان قبل أن ينكشف الستر ويظهر الخَبيء، فلما انكشف ظهر ما كانوا يُخْفون، وإذا بهم يسجدون لصوره ويرغمون أسرى الثورة على السجود، بل إنهم ليعذبونهم ويستنطقونهم حتى ينطق المعذَّبون بالكفر البواح: “لا إله إلا بشار”. تعالى الله عمّا يفترون، ولعنة الله على بشار وعلى عَبَدة بشار وزبانية بشار أجمعين.

لقد كان أول ما هتف به شبابُ ثورة الغضب: “حرية، حرية” و”الشعب السوري لا يُذَل”. لن يعرف شعبٌ عربي أبداً ما معنى هذا الهُتاف لأن أيّ شعب عربي لم يفقد حريته ولم يفقد كرامته كما فقدها الشعب السوري، ولا حتى الشعب الفلسطيني. أقسم بالله إن الفلسطيني عاش تحت الاحتلال اليهودي الصهيوني أكثرَ حريةً وأوفرَ كرامةً من السوري الذي عاش تحت الاحتلال البعثي الأسدي في سوريا في السنوات الأربعين الماضيات.

-4-

في سوريا كل عنصر مخابرات مَلِكٌ ومالِك، وكل أفراد الشعب رعايا ومماليك. لمّا سطا الأسد الأب على البلد أباحها لمَلَئه وأعوانه، قال لهم: هذه سوريا مباحة لكم فافعلوا فيها ما تشاؤون، على أن لا يقترب مني أحد أو ينافسني في السلطان فإني لا أرحمه وأذيقه أشدّ العذاب. منذ تلك اللحظة ملكت أجهزةُ الأمن البلادَ بصك الاستعباد، وصار الناس مُلكاً لها تتصرف فيهم كما تشاء: تنتزع ممن تشاء منهم حرّيتَه ولا يسألها أحد، وكرامتَه فلا يحاسبها أحد، وحياتَه فلا يعاقبها أحد. الكبار والصغار، والرجال والنساء، والعرب والكرد، والمسلمون والمسيحيون، كل واحد حمل هويةً سوريةً فكأنما حمل صكّ عبودية، وصار الكل مماليكَ وأجهزةُ الأمن هم المالكون. ويا ليتهم يتصرفون في مماليكهم كما يتصرف راعي البهائم في البهائم، بل هم أذل وأهون، وهم أدنى قيمةً من البهائم والحيوانات.

في سوريا يحق لعناصر الأمن أن يقتحموا بيتك في أي وقت من ليل أو نهار، ويجرّوك أو يجرّوا ولدك أو زوجتك إلى حيث يريدون. لا يحق لك أن تعترض ولا يحق لأحد من أهل بيتك أن يسأل، ولن يعرف المعتقَل في أي شيء يُعتقَل، وربما قُتل من بعد ولا يعرف في أي شيء يُقتَل، أما أهله فقد تمضي السنوات ولا يعرفون أين مكانه ولا يعرفون مصيره. إنهم يتمنّون أولاً أن يعود، ثم يتمنون أن يزوروه، ثم يتمنّون أن يَرَوه ولو خمس دقائق، ثم يتمنون أن يسمعوا عنه خبراً، أي خبر… وما تزال أمانيّهم تتضاءل حتى تُختزَل في أُمنيّة واحدة: أن يعرفوا أفي الأحياء هو أم في الأموات!

لقد اعتاد أهل سوريا أن يفقدوا أبناءهم صامتين، وأن ييأسوا من معتقَليهم صامتين، وأن يدفنوا موتاهم صامتين. هل أتاكم خبر سجن تدمر، “باستيل” سوريا الرهيب؟ استنطِقوا الصحراء الممتدة خلفه تُنْبِئكم كم غُيِّبَ في بطنها من أبرياء كانوا من أفضل الناس وأطهر الناس، لن تَعُدّوهم -لو عددتموهم- عشرات ومئات، بل ألوفاً وعشرات ألوف، عليهم رحمة الله.

-5-

فجأة تفجر العالم العربي بالثورات؛ لقد بدأ “الربيع”. خرج التونسيون إلى الشوارع (17/12/2010)، ثم المصريون (25/1/2011)، ثم اليمنيون (11/2/2011) والليبيون (17/2/2011)، وبدأ الناس يتساءلون: إن السوريين أَولى العرب بالثورة لسوء حالهم ولمبلغ إجرام نظامهم، فهل تراهم يثورون؟ اختلف الناس، ولكن الأكثرين حسموا الأمر: لا يمكن أن يثور السوريون، فإنهم وإن يكونوا الأحوجَ إلى الحرية إلا أنهم الأقلّ قدرة على المطالبة بها، لأن نظامهم هو الأسوأ والأكثر إجراماً على ظهر الأرض.

مع بداية شهر شباط (فبراير) ظهرت بعض الدعوات الخجولة للتظاهر في حلب ودمشق، وحُدّدت عدة مواعيد لم تلقَ تجاوباً كافياً، فأحسّ منظّموها بالفشل والإحباط. لكن الناس يريدون والله يريد، والله يقضي ما يريد. لقد قدّرَ الله ودبّرَ ما عجز عن تقديره وتدبيره البشر، ففي السابع عشر من شباط اعتدى شرطي من شرطة العاصمة على أحد تجارها في سوق “الحريقة” العريق وأهانه وضربه، فاشتعل السوق في مظاهرة عفوية وتجمعت -بلا سابق تدبير ولا تخطيط- أولُ مظاهرة في سوريا خلال نصف قرن إلا سنتين! وسرعان ما تجمع الآلاف وبدؤوا بالهتاف الشهير: “الشعب السوري لا يُذَل”، حتى وصل وزير الداخلية بنفسه لاحتواء الموقف، وانتشر “الشبّيحة” والأمن فاخترقوا المظاهرة وسرقوها من أصحابها وراحوا يهتفون: “الله، سوريا، بشار وبَس”.

مع أن المظاهرة لم تكن ذات شأن بالقياس إلى ما رأيناه في الشهور اللاحقة، إلا أنها كانت حادثة هائلة في نظر السوريين، فلأول مرة اجتمع عدد كبير منهم في تجمع غاضب ضد رمز من رموز النظام، ولأول مرة تحدثوا عن الذل وعن الكرامة وعن الشعب، وهي كلها ألفاظ لا يعرفونها لأنهم فقدوا الإحساس بأنفسهم منذ دهر، وسُلِبوا الكرامة حتى نَسُوا أن من حقهم أن يعيشوا بشراً مكرَّمين. ورُفع مقطع مصوَّر للمظاهرة على اليوتيوب وانتشرت أخبارها انتشار النار في مستودع أخشاب، فما مرّ أسبوع حتى تجاوزت مشاهداته مئةَ ألف أو تزيد.

-6-

لقد اشتعلت النار في الفتيل. لم يرَ المراقبون فوق الأرض الكثير، ولكن الفتيل مضى يشتعل تحت الأرض وتمتد شعلته يوماً بعد يوم. بعد خمسة أيام اجتمعت مظاهرةٌ صغيرة أمام السفارة الليبية تنديداً بالقمع الدموي الذي يلقاه أهلنا في ليبيا في ثورتهم العظيمة على مجرمها الكبير، القذافي (البائد). لم تصمد المظاهرة الصغيرة طويلاً فقد فرّقها الأمن بعنف، وعندما تكررت في اليوم التالي تعرض المشاركون فيها إلى الضرب والسحل والاعتقال.

قبل انتهاء الشهر بأيام وقعت الحادثة التي قُدِّر لها أن تصبح مَعْلماً من معالم الثورة وواحدة من حوادث التاريخ. خطّ صبيةٌ في درعا على الحيطان عبارات تعلّموها من جيرانهم الذين عاشوا ربيع العرب؛ كتبوا: “الشعب يريد إسقاط النظام”. هل علمتم ما درعا؟ عاصمة حوران، أرض البطولات والمَكرُمات التي أنجبت بعضاً من أكابر علماء الأمة، كالنووي وابن كثير، وعلى أرضها تفجرت الثورة السورية الكبرى أيام الفرنسيين.

تلك الحادثة الصغيرة وَلّدت ثورة. بضعة عشر صبياً لم يبلغ أكبرهم الخامسة عشرة جُمعوا من بيوتهم بليل وسيقوا إلى الاعتقال وتعرضوا لتعذيب يعجز عن تحمله الكبار، حُرقت أجسامهم وقُلعت أظافرهم وضُربوا وعُذّبوا أشدّ العذاب، ولمّا ألَحّ آباؤهم على مسؤول الأمن السياسي في درعا أن يطلقهم أجابهم بالجواب البذيء الذي انتشر واشتهر وصار معروفاً في كل مكان، قال: انسوهم وأنجبوا غيرهم، أو أرسلوا نساءكم نحمّلهنّ بالنيابة عنكم إن كنتم عاجزين!

إن الحر يصبر على الضيم زماناً ولكنه لا يصبر صبر الأبد، ولقد صبر هذا الشعب الأبيّ الكريم حتى جَفّ بحر الصبر، والبارود إذا مسّته النار كان الانفجار. لقد كانت هِمَم رجال درعا وقلوبهم باروداً وكانت كلمات ذلك المسؤول الفاجر هي النار، فثَمّ كان الانفجار.

-7-

انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية دعوةٌ إلى التظاهر في المدن السورية يوم الثلاثاء الخامس عشر من آذار (مارس). خرجت في ذلك اليوم مظاهرات صغيرة في دمشق وحلب ودرعا ودير الزور، وهتف المتظاهرون: “وينك يا سوري وينك؟”، واقتبسوا من إخوانهم الذين سبقوهم في مصر الهتافَ الأشهر: “سلميّة، سلمية”. في اليوم التالي تظاهر نحو مئتَي شاب وفتاة في وسط دمشق واعتصموا أمام وزارة الداخلية مطالبين بالحرية وبإجراء إصلاحات سياسية والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وانتهت المظاهرة الصغيرة حينما هاجمها مئات من عناصر الأمن فضربوا المشاركين بالهراوات واعتقلوا عدداً منهم، وسحلوا البنات من شعورهن إلى حافلات الاعتقال!

يوم الجمعة، الثامن عشر من آذار، خرجت المظاهرات في عدة مدن في سوريا، وكانت أكبرها تلك التي خرجت في درعا. لقد كانت درعا فوق بركان تغلي حِمَمُه ويشرف على الانفجار، كان الغضب قد بلغ غايته بعد اعتقال الأطفال وبعدما كان من مسؤول الأمن السياسي ما كان. كانت النار توشك أن تندلع لا ينقصها إلا الزيت، وقد قدم النظام هذه الخدمة فصبّ الزيتَ على النار؛ استقبل المظاهرات بالرصاص الحي فسقط أربعة شهداء، ذلك كان الزيت وقد صُبَّ على النار فاندلعت وبدأت بالانتشار، اشتعلت درعا ومعها حوران.

يوم السبت شيّعت درعا الشهداء وثار البركان الحوراني. وجّه الشيخ أحمد الصياصنة من درعا نداء للشعب السوري: “صار التظاهر منذ اليوم فرض عين على كل سوري قادر، وأيّ خذلان هو خيانة لدماء الشهداء”. هدّد مجرمو الأمن الشيخَ وطلبوا منه تهدئة المتظاهرين، ولمّا رفض ضربوه وأهانوه. لم يدركوا أن البركان المتفجّر لا يقدر على وقف انفجاره الشيخُ ولا غيرُه من الناس؛ متى كان لإنسان أن يمنع ثورة البركان؟

في اليوم التالي، الأحد 20 آذار (مارس) تدفقت جموع هائلة من مدن وقرى حوران على درعا وهي تنادي: “الفزعة الفزعة يا حوران”، وحاول بعض المسؤولين تهدئة الجموع بلا فائدة، وارتفعت أصوات المتظاهرين الثائرين مطالِبةً بإعدام مدير الأمن السياسي. لأول مرة منذ زمن طويل طالبت الجماهير علناً بإعدام مسؤول فاسد، ولأول مرة منذ أربعين عاماً هتفت الجماهير باسم الرئيس، ليس “قائداً إلى الأبد” ولا “نفديك بالروح والدم” وأمثالها من هاتيك الترّهات؛ لقد كان الهتاف الذي زلزل أرض حوران وارتفع عالياً في جوّ السماء هو: “بشار بَرّة بَرّة، سوريا حُرّة حرّة”. لقد انكسر الوهم أخيراً وخرج المارد من القمقم!

في ذلك اليوم المشهود انكسر أيضاً واحدٌ من أكبر الأصنام في العالم العربي والإسلامي. خطب الأمين العام لما يسمى “حزب الله”، حسن نصر الله، فقال: “الأنظمة التي على شاكلة نظام حسني مبارك إذا ثارت عليها شعوبها فنحن معها، لكن عندما يكون هناك نظام ممانع ويحصل فيه مشاكل فالموضوع مختلف، سنقف معهم ونقول عالجوا أموركم بينكم”. بعد خطاب حسن نصر الله أحرق المتظاهرون في درعا صوره وهم يهتفون: “نحن أيضاً مضطهدون ومظلومون”. سقط نصر الله وسقط حزب الله، ويوشك أن تسقط إيران وراءهما بعد أسابيع قلائل؛ لقد احترق المشروع الكبير الذي أنفقت إيران في بنائه ثلث قرن، احترق وزال إلى الأبد.

-8-

كان يمكن أن تقف الأمور عند ذلك الحد. ماذا طلب المتظاهرون الغاضبون؟ عزل ومحاكمة مسؤول أمني، وتغيير محافظ فاسد، وإعادة بضعة عشر طفلاً إلى أُسَرهم، وإطلاق سراح بعض معتقلي الرأي الذين لم يتجاوزوا في أي يوم الدعوةَ إلى الإصلاح العام. ثم أضافوا بعد قليل طلباً آخر: رفع قانون الطوارئ الذي أذلّ العباد لنصف قرن من الزمان… أما إسقاط النظام أو تغييره فكان حلماً من الأحلام. لماذا لم يستجب النظام لتلك المطالب الهيّنة؟ ولو أنه قرر أن لا يستجيب، أكان ينبغي أن يواجه المظاهرات بالرصاص؟

بسرعة تحول الحراك الثوري باتجاه الاعتصامات، وبدأتها درعا باعتصام الجامع العمري الشهير. لكن ظهر سريعاً أن اعتصام الثوار في الساحات والأماكن العامة من المحرّمات الكبرى في رأي النظام، ولو أنه نجح في درعا فربما ينتشر في غيرها من المدن والمحافظات. هزّت الانفجارات درعا فجر الأربعاء 23 آذار (مارس)؛ لقد بدأ الهجوم الكبير على الجامع العمري. رفض المعتصمون الاستسلام وثبتوا في مواقعهم، ففتح عليهم جنود الجيش نيران الأسلحة الرشاشة ورموهم بالقنابل فسقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، وحينما تدفقت حشود المتظاهرين على الجامع من بقية أنحاء المدينة جوبهوا بالنيران وسقط المزيد من الشهداء، ومُنعت سيارات الإسعاف من بلوغ ساحة الحرب لنقل المصابين، بل إن عصابات الأمن والمخابرات وقفت سيارات الإسعاف واعتقلت منها المصابين كما “اعتقلت” جثث الشهداء.

انتشرت الأخبار في حوران بسرعة فانفجرت المظاهرات في إنخل وجاسم ونوى والحراك والحارّة وخربة غزالة وبقية مدن وقرى حوران، وتدفقت حشود هائلة غاضبة على مدينة درعا، فتصدّت لهم قوات الأمن وأطلقت عليهم الرصاص الحي، وعندما انتهى اليوم كان عدد الشهداء قد بلغ اثنين وخمسين. لقد تجاوزت حوران خط الرجعة وبلغت نقطة اللاعودة، لن تهدأ بعد اليوم حتى سقوط النظام.

-9-

مساء الخميس 24 آذار (مارس) ظهر أول مسؤول حكومي ليتحدث للمرة الأولى عن الأحداث التي عصفت بالبلاد. تحدثت مستشارة الرئيس السوري، بثينة شعبان، في مؤتمر صحفي رُتِّب على عجل عن المؤامرة التي تتعرض لها سوريا لأنها الدولة الممانعة الصامدة التي تحتضن المقاومة، ونفت وجود أي مشكلة بين القيادة والشعب، ووعدت بالتحقيق في الأحداث ومعاقبة المسؤولين. لقد بدأ مسلسل الكذب والنفاق، وهو مسلسل طويل طويل، يشمل تصريحات وبيانات لهذا المسؤول من مسؤولي الحكومة وذاك، ويشمل خطباً طويلة مملة سيلقيها بعد ذلك مَن يسمي نفسَه رئيس البلاد، وسوف يكون جمهوره في كل واحد منها حفنة من المنافقين الذين دُرِّبوا على النعيق والتصفيق، وسوف يكون رد الشعب على كل خطاب مئات المظاهرات الغاضبة في جميع أنحاء البلاد.

في مؤتمرها الصحفي أكدت بثينة شعبان أن الرئيس أصدر أوامر صارمة بعدم إطلاق النار على المتظاهرين. في اليوم التالي شاهد الناس في كل أنحاء العالم كيف ينفذ الأمن “الأوامر الصارمة” للرئيس: حينما اقتربت مظاهرة ضمت عدة آلاف من أهالي كفر شمس والصنمين من مبنى الأمن العسكري فُتحت عليهم نيران الرشاشات الحية، وسقط الشهداء بالعشرات.

يوم الإثنين 28 آذار (مارس) كانت الصورة قد وضحت لكل ذي عينين: النظام اختار القمع والقتل طريقاً وحيداً للرد على غضب الشعب ومظاهراته، فظهر رئيس وزراء تركيا، رجب طيّب أردوغان، على شاشات الفضائيات ليقول: “لن نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي تجاه ما يحدث في سوريا”. بعد ذلك لم يُشاهَد أردوغان واقفاً ويداه مكتوفتان؛ لقد وعد فوفى بالوعد، وكان ذلك هو كل ما صنعه من أجل سوريا.

-10-

حرص النظام منذ البداية على تدمير الجنين الثوري قبل أن ينمو ويتحول إلى مخلوق قوي. المظاهرات الأولى قوبلت بالرصاص وبدأ الشهداء يتساقطون في كل مكان، غالباً بطلقات القنّاصة التي نشرها على سطوح الأبنية العالية في أكثر المدن السورية، وأحياناً بنيران الرشاشات التي يطلقها عناصر الأمن الواقفون على الحواجز. لقد راقب النظام السوري ما حصل في تونس ومصر واستنتج أن تردد الأجهزة الأمنية في البلدين في البداية هو الذي سمح للثورة بالنمو والانتشار، ومن ثَمّ قرر أن يتلافى الخطأ وأن يبدأ بالقوة الكاملة مبكراً، فلم نسمع في سوريا عن الرصاص المطاطي ولم تُستعمَل الغازات المسيلة للدموع إلا في حالات نادرة، لقد كان الرصاص الحي هو رد النظام على الثورة.

سقطت (بل ارتقت) أول كوكبة من الشهداء في درعا يوم الجمعة الثامن عشر من آذار، وهم أربعة. أول أسبوع بعد تلك الجمعة بلغ عدد شهدائه 83 شهيداً، وبلغوا في الأسبوع الثاني 63 شهيداً، و78 شهيداً في الأسبوع الثالث و55 في الرابع، أما الأسبوع الخامس فقد انتهى بمجزرة كبيرة يوم الجمعة 22 نيسان (إبريل) وبلغ عدد شهدائه 225 شهيداً، ثم زاد القمع خلال الأسبوع التالي الذي انتهى بجمعة الغضب (29 نيسان)، فبلغ عدد الشهداء 336.

ما سبق هو عدد الشهداء الموثّقين بالأسماء، لكنْ لن يعرف أحدٌ أبداً عدد شهداء الأسبوعين الخامس والسادس على التحقيق، وربما بلغوا ألفاً أو ألفين، فقد شهد يوم الثلاثاء 19 نيسان (إبريل) واحدة من أضخم مجازر الثورة وأكثرها ترويعاً، حينما هاجمت قوات الجيش والأمن بالرشاشات الثقيلة اعتصاماً في ساحة الساعة في حمص ضَمّ عشرات الآلاف من المتظاهرين، ويُظَنّ أن عدد الشهداء الذين سقطوا في الهجوم يبلغون نحو 700، هم حصيلة المفقودين الذين لم يظهر لهم أثر بعد الجريمة، وروى شهود عيان أن الجرّافات حملت أكواماً تختلط فيها جثث الشهداء بالجرحى الأحياء ودفنتها في مقابر جماعية. المجزرة الهائلة الثانية وقعت على المدخل الشرقي لمدينة درعا يوم الجمعة 29 نيسان، وقد تكشّفت تفاصيلُها ببطء خلال الشهور اللاحقة، وما يزال عدة مئات من ضحاياها مفقودين ويغلب على الظن أن يكونوا قد دُفنوا في مقابر جماعية أيضاً.

لقد كان ذلك التصعيد هو المحاولة اليائسة الأخيرة التي بذلها النظام لإجهاض الثورة بالقمع والترويع، ولعله ظن أن انتشار أخبار القتل سيردع الناس ويُلزمهم البيوت، ولكنه صنع العكس؛ لقد أثارهم وأخرج منهم إلى الشوارع أضعافاً مضاعفة، وكانت “جمعة الغضب” جمعة استثنائية فاقت كل ما سبقها في حجم المظاهرات وانتشارها في جميع أنحاء سوريا. لقد عجزت أجهزة الأمن المرعبة عن إيقاف الجماهير الغاضبة، عندها قرر النظام إخراج الجيش من الثكنات وتوجيهه إلى المدن الثائرة.

-11-

أراد النظام أن يئد الثورة في مهدها فهاجم درعا واحتلها بالدبابات؛ لم يعلم أن الثورة التي اشتعلت في حوران لن تحصرَها حدودُ حوران، وأنّى لها أن تفعل؟ لقد انتقلت الشرارة سريعاً من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، فلم تُبقِ في طريقها أرضاً إلا أشعلتها ناراً ضِراماً بثورة الأبطال. لقد عجزت درعا عن الاستمرار في قيادة الثورة لأنها سقطت تحت الاحتلال المباشر حينما اجتاحتها مئات الدبابات وأحالتها إلى معتقَل كبير، فاستنسخ الشعبُ الأبيّ مئات الرايات ونَثَرها على أرض سوريا طولاً وعرضاً، فأصبحت كل بقعة فيها حصناً للثورة وعاصمة لها، واستقرت الراية الكبرى في حمص فتحولت إلى عاصمة العواصم، فهي التي ستحمل العبء الأعظم وفيها سيسقط العدد الأكبر من الشهداء منذ تلك اللحظة. لقد صارت حمص أسطورة في الصبر والصمود.

لا يا أيها الأخ الغريب عن سوريا؛ إنك لن تتخيل كيف انقلبت سوريا كلها إلى بركان يتفجر بالغضب ما لم تزر حمص وريف حمص، وإدلب وريف إدلب، وحماة وريف حماة، ودمشق وريفها وحلب وريفها، ومدن الساحل وأرض حوران وأرض الفرات. اذهب إليها جميعاً لترى كيف يصنع شعبٌ يخرج كلَّ يوم في الصباح ويخرج في المساء ليهتف بالحرية ويتلقى الرصاص. هل رأيت من قبلُ في أي مكان في الدنيا آلافاً وآلافاً من الناس يخرجون إلى الشوارع يوماً بعد يوم في ثلاثمئة وتسعين يوماً متّصلٍ بعضُها ببعض، يخرجون فيتظاهرون فتسقط منهم الكوكبةُ من الشهداء ويُجرَح آخرون، فيدفنون شهداءهم ويعالجون جرحاهم ويعودون في غدهم إلى التظاهر من جديد؟

لقد عجز النظام عن قمع الثورة التي اندلعت في خمس مدن قبل سنة، وكان المشاركون فيها يُعَدّون بالآلاف، فأنّى له أن ينجح في قمعها اليوم وقد تمددت وانتشرت حتى بلغت ألفَ مدينة وقرية وصار المشاركون فيها ملايين؟

-12-

بدأ الجيش بحصار المدن واقتحامها منذ أسبوع الثورة السادس، وكانت تلك هي ورقة النظام الأخيرة، فهل نجح في استعمالها؟ الجواب تعرفونه وأنتم تنظرون إلى الثورة في أسبوعها الخامس والخمسين (وهو الأسبوع الذي أكتب فيه هذه الكلمات). خمسون أسبوعاً انقضت منذ اليوم الذي توجهت فيه الفرق العسكرية إلى المدن الثائرة، فحاصرتها أولاً حصار الموت، قطعت عنها الماء والكهرباء ومنعت عنها الغذاء والدواء، وصمدت المدن الثائرة ولم تستسلم. ثم اجتاحتها واحتلتها، ثم قصفتها ودمرت أجزاء كبيرة منها، رأيتم ذلك في مئات المقاطع المصورة في حمص والرستن وتلبيسة وتلكلخ والقُصَير وإدلب وسراقب وتفتناز وجسر الشغور وحماة وكرناز واللطامنة وحلفايا وقلعة المضيق وتل رفعت وإعزاز ورنكوس والزبداني والقورية ودير الزور… وغيرها كثير.

على عين العالم أطلق النظام المجرم على تلك المدن الآمنة قذائفَ الدبابات والمدافع ورجمها بالصواريخ، فتساقطت الأبنية على رؤوس ساكنيها واستشهد الآلاف وأصبح مئات الآلاف بلا مأوى فتشردوا داخل سوريا وخارجها، أكثرهم لم يبقَ له من دنياه سوى الملابس التي يرتديها! واستباح الغزاةُ المدن والقرى فنهبوا البيوت وذبحوا عائلات كاملة بالسكاكين ذبح الدجاج والنعاج، واعتدوا على آلاف الحرائر المؤمنات الشريفات، حتى بلغ من خسّة الغزاة ونذالتهم أن يعتدوا على بنات عشر وبنات سبع، وهي أفعال لا يُتصوَّر أن تصدر عن آدمي! أمّا الاعتقال والتعذيب فقصة أخرى تطول فصولها، ولو عُرضت بتفاصيلها لظننتموها ضرباً من ضروب الخيال.

-13-

عندما اختار النظام أن يواجه المظاهرات بالنار جنى على نفسه جنايتين. الجناية الأولى ظهرت آثارها على الفور، فإن كل نار خرجت من بندقية باتجاه المتظاهرين الذين حملوا أغصان الزيتون تحولت إلى نار تؤجج الثورة وتزيدها ضِراماً، فحينما قُتل من الثوار عشرة حَلّ مَحَلّ كل واحد من الشهداء عشرة، فصار الألف منهم عشرة آلاف ثم صار العشرة الآلاف مئة ألف، وفي يوم من الأيام تجاوزوا المليون، ولم يعد كسر الثورة ممكناً بفضل الله رب العالمين.

الجناية الأخرى كانت مؤجلة، ولكنها كانت ناراً حارقة ما تزال تأكل النظام منذ حين ولن تلبث أن تفنيه غير بعيد إن شاء الله. أخرج النظام الجيش من ثكناته ووضعه أمام الثوار وقال للجنود: أطلقوا عليهم النار. ونظر الجنود فرأوا أمامهم جماعات من المدنيين يرفعون أيادي خاوية إلا من أغصان الزيتون، فكيف يقتلون المدنيين العزّل من السلاح؟ وكان الثوار في سوريا قد تعلموا من إخوانهم الذين سبقوهم في بلدان الربيع العربي بعض الهتافات فراحوا يكررونها، ومنها الهتاف المصري الشهير: “الشعب والجيش إيد واحدة”، فلما سمعها بعض عساكر الجيش أُسقط في أيديهم وقرروا أن لا يطلقوا النار.

هنا ارتكب النظام واحدة من أكبر الحماقات، فإنه خيّرهم بين اثنتين: تكون قاتلاً أو تكون مقتولاً. فوجد أصحاب الضمائر الحية أنهم إن أطلقوا النار قتلوا آدميتهم وأن لم يفعلوا قتلهم قادتُهم، فبلغوا حد اليأس، واليائس يصنع أي شيء. عندها بدأ بعضهم يتمردون فيُقتَلون، أو يتمردون ويهربون، ثم لحق بالجنود بعضُ الضباط، وزاد التمرد حتى صار انشقاقاً شقّ الجيش شِقَّين، كان أحدهما صغيراً لا يكاد يَبين والثاني كبيراً لا يكاد يظهر فيه أثر الانشقاق، ثم توالت الانشقاقات وتتابعت وكَثُرَ المنشقون وزاد فيهم الضباط الكبار، وما زالت الأيام تكبّر الصغير وتصغّر الكبير، حتى صار “الجيش الحر” جيشاً طويلاً عريضاً يضم مئة ألف مقاتل وينتشر في سوريا من أدناها إلى أقصاها، وما يزال كل يوم في نمو وازدياد.

-14-

لقد سمعتم عن أنظمة قاومت الثورات بخراطيم المياه، وسمعتم عن أنظمة قاومت المظاهرات بالقنابل المسيلة للدموع، وسمعتم عن أنظمة قاومت المظاهرات بالرصاص المطاطي، وسمعتم عن أنظمة قاومت المظاهرات بالقنص بالرصاص الحي.

لكنكم لم تسمعوا عن أنظمة فتحت على الجموع المسالمة العزلاء نيران الرشاشات بالجملة، ولم تسمعوا عن أنظمة استهدف قنّاصوها الأطفال والنساء استهدافاً مقصوداً، ولم تسمعوا عن أنظمة حرّمت إسعاف الجرحى، فاقتحمت المستشفيات واعتقلت الممرضين والمسعفين والأطباء واستعملت سيارات الإسعاف في الاعتقال، وقتلت الجرحى أو تركتهم على قوارع الطرق ينزفون حتى الموت. لم تسمعوا عن أنظمة حبست الجرحى في ثلاجات حفظ الموتى وهم أحياء حتى فارقوا الحياة، لم تسمعوا عن أنظمة اعتقلت المتظاهرين وعذبتهم حتى الموت، لم تسمعوا عن أنظمة عذبت الأطفال وكسرت أعناقهم وقطعت أعضاءهم الذكرية، لم تسمعوا عن أنظمة سلخت جلود المعتقلين وقلعت أعينهم من محاجرها وكوت أصابعهم بالأسيد.

لم تسمعوا عن شهيد قَنَصه قنّاص فحاول آخَرُ أن يسحبه فأرداه القناص فوقه، ثم حاول ثالث سحبهما فكوّمَه فوقهما، فصاروا كومة من الشهداء. لم تسمعوا عن أنظمة تلاحق المتظاهرين في بيوتهم، فمن وجدوه اعتقلوه فعذبوه أو قتلوه، ومن لم يجدوه اعتقلوا أباه أو أخاه، وربما اعتقلوا الزوجة والأبناء والبنات. لم تسمعوا عن أنظمة إذا ثار عليها الناس في حي من الأحياء أو قرية من القرى أطلقت على القرية وعلى الحي كلابها ووحوشها، يسلبون الممتلكات ويقتلون الأحرار ويغتصبون الحرائر. لم تسمعوا عن أنظمة ترد على المظاهرات السلميّة بالدبابات والمدافع والصواريخ!

هذا هو النظام السوري أيها السادة، وهذا ما فعله بشعب سوريا وما يزال يفعله وأنا أكتب هذه السطور.

-15-

عندما بدأ الأحرار في سوريا بثورتهم ظنوا أن النظام سيطلق عليهم بضعة عشر جهازاً من أعتى أجهزة الأمن والمخابرات في العالم، وقد فعل. وظنوا أن النظام سيحشد ضدهم مئات الآلاف من عناصر البعث وشبيبة الحزب والشبّيحة والمجرمين، وقد فعل. وظنوا أنه قد يُخرج الجيشَ من ثكناته ويرسله لحربهم وحصارهم وقصفهم، وقد فعل. هيّأ الأحرارُ أنفسَهم لمواجهة نظام عرفوه حق المعرفة وعانَوا من جرائمه على مدى خمسة عقود، ووطّنوا النفوس على الصبر حتى النصر.

لكنهم لم يظنوا أن حزب الله اللبناني سيقف مع النظام ويرسل عناصره ليحاربوهم مع النظام، وهذا ما كان. ولم يظنوا أن مليشيات الشيعة في العراق ستقف مع النظام وترسل مقاتليها ليحاربوهم مع النظام، وهذا ما كان. ولم يظنوا أن إيران ستقف مع النظام وتدعمه بالمال والعتاد وترسل حرسها ليحاربوهم مع النظام، وهذا ما كان. ولم يظنوا أن روسيا ستقف مع النظام وتدعمه بالتقنية والسلاح وتدافع عنه في المحافل الدولية، وهذا ما كان.

لقد اعتمدوا على أنفسهم بعد اعتمادهم على الله، وظنوا أن العالم سيقف معهم وأنه سيكافئهم على سلميّتهم فيمنع النظام المجرم من إبادتهم، لكنْ ظَهَرَ أنهم كانوا واهمين. وظنوا أن تركيا وبقية الجيران لن يقفوا موقف المتفرج وأنهم لا بد أن يردعوا النظام عن الإغراق في الإجرام، لكن ظهر أنهم كانوا واهمين. وظنوا أن أميركا ودول الغرب لا بد أن تتحرك أخيراً لمَدّ يد العون بأي شكل من الأشكال، لكن ظهر أنهم كانوا واهمين. وظنوا أن العرب والمسلمين سيملؤون الدنيا ثورة وضجيجاً لو كرر النظام مذابحه القديمة، لكن ظهر أنهم كانوا واهمين.

-16-

هذه السطور أكتبها على رأس خمسة وخمسين أسبوعاً من عمر الثورة المجيد، وقد بلغ عدد الشهداء الموثقين بالأسماء 12183، وزاد عدد المفقودين على ثلاثة وعشرين ألفاً، وهم في عداد الشهداء حتى يثبت العكس، والمعتقَلون بلغوا ربع مليون ما يزال منهم تسعون ألفاً في السجون يلاقون المُرّ المرير من التنكيل والتعذيب، والذين هاجروا إلى بلدان الجوار مئة ألف، أما الذين فقدوا منازلهم وهُجِّروا داخل الوطن فيزيدون على نصف مليون. ومع ذلك يقول أبطال سوريا: سوف نكمل الطريق بإذن الله وبعون الله، ولن نقف حتى إسقاط النظام.

أتعجبون؟ أتسألون الشعب السوري لماذا ثار؟ أتستكثرون على الشعب السوري أن يضحي بعشرة آلاف شهيد ليفتدي نفسه من الذل والقهر والهوان؟ لو علمتم ما يعلم أهل سوريا لرضيتم أن تضحوا بمليون شهيد لتتخلصوا من حياة العبيد!

-17-

أيها السادة: هذه هي حكاية بلدنا وهذه هي حكاية ثورتنا. ولأن لكل حكاية نهاية فقد قرر أهلنا أن يكتبوا النهاية بأيديهم كما كتبوا بأيديهم أول الحكاية.

ذات يوم سيفتح أحفادكم كتاب التاريخ ليقرؤوا فيه أن شعب سوريا ثار على جلاّده الذي طغى وبغى وظن أنه سيبقى أبد الدهر، لم يعلم أن الشعوب تبقى وأن الطغاة يأتون ويذهبون. سيقرؤون أن الطاغية أطلق في البلاد كلابَه ومجرميه فروّعوها زماناً وفتكوا برهط من خيار أهلها، لكن الأبطال كانوا قد عزموا أمرهم ووطنوا أنفسهم على أسوأ ما يمكن أن يكون، فثَبَتوا بعزيمة أذهلت الدنيا، وقالوا للطاغية: “لقد سرق أبوك بلدنا واسترقّ آباءنا واستذلهم فعاشوا صاغرين، وسكتوا، ثم وُلدنا نحن في الرِّق وعشنا صاغرين، وسكتنا حيناً، حتى إذا تحرك أولادُنا في أرحام نسائنا وأوشكوا أن يولدوا قررنا أن لا تنتقل العبودية من الأجداد إلى الأولاد إلى الأحفاد، وأقسمنا أنهم لا يولدون إلا ونحن أحرار”.

ثم سيقرأ أحفادكم خاتمة الحكاية: لقد أوفَى أبطال سوريا بالقَسَم، فلم يولَد لهم ولدٌ إلا وهم أحرار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا.. العجلة لن تعود إلى الوراء  .. بقلم/ أنور صالح الخطيب

الراية

11-4-2012

تمر سوريا التي تشهد احتجاجات شعبية مطالبة بالحرية والديمقراطية منذ أكثر من عام في لحظة فاصلة في تاريخها قد تحدد مصيرها ومستقبلها لسنوات طويلة مقبلة.

النظام السوري الذي تراجع عن وعوده في وقف العنف وأعمال القتل في المدن والبلدات السورية سيجد نفسه قريبا يرزح تحت ضغوط دولية أكثر حزما وتصميما إن استمر في إدارة ظهره لمطالب الشعب السوري واستمر في قتل المدنيين واقتحام المدن والبلدات واعتقال الناشطين وتعذيبهم. الأمر المؤكد أن النظام السوري مازال يعتمد "الحل الأمني" كطريقة لفض الاحتجاجات وما زال يرفض الاعتراف بوجود مطالب شعبية حقيقية تطالب بالإصلاح والديمقراطية وهو يعتبر المحتجين "مخربين" تحركهم أصابع خارجية ويدفعون باتجاه التدخل الخارجي في سوريا. وهي الرواية التي لا يمكن أن يصدقها احد .

لقد كان بإمكان النظام الذي أعلن عن موافقته على خطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان ثم ما لبس ان تحدث عن وجود تفسير خاطئ لها وحيث أصبح يطالب بضمانات ممن يصفهم "بالإرهابيين "لوقف إطلاق النار وتسليم أسلحتهم أن ينزع فتيل الأزمة المشتعلة عبر اتخاذ موقف واضح لا لبس فيه يتمثل بسحب الدبابات والجيش من المدن والبلدات ووقف التعامل الأمني مع الاحتجاجات والسماح بالتظاهر السلمي لأبناء الشعب السوري عندئذ يمكن الحديث عن مرحلة جديدة في سوريا تبدأ بحوار وطني شامل وجامع مع جميع أطياف ومكونات الشعب السوري يرسم معالم حاضر ومستقبل سوريا.

إن الشعب السوري الذي تسيل دماؤه منذ عام وأكثر والذي اضطر جزء من أبنائه لحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم ومواطنيهم في وجه آلة القتل التي خرقت كل الخطوط الحمراء وارتكبت من الفظائع ما لا يحتمله أحد لا يمكنه أن يقبل بعودة الأمور إلى سابق عهدها وان يرضخ لحكم نظام دموي رد على مطالبهم بالحرية والديمقراطية بالرصاص.

العجلة في سوريا لن تعود إلى الوراء أبدا .. والمخرج الحقيقي والوحيد والذي يفتح نافذة مشرعة للحل يتمثل أولا وأخيرا في وقف القتل والعنف واقتحام المدن وحرق المنازل وهدمها.

إن محاولة النظام تصدير أزمته للخارج من خلال افتعال الحوادث الأمنية سواء في الأراضي اللبنانية أو الأراضي التركية لن تجدي نفعا ولن توفر له فرصة لتخفيف الضغوط الدولية عليه فالمجتمع الدولي لا يمكنه أن يبقى منقسما طويلا أمام شلال الدم السوري الذي لا يتوقف وهو سيتوحد عاجلا أم آجلا في وجه النظام السوري والدليل على ذلك دعمه لخطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان الذي يحاول النظام الالتفاف عليها عبر فرضه لشروط جديدة لا يمكن أن يقبلها أحد فالمجتمع الدولي الذي صبر طويلا على مراوغة ومماطلة النظام لا يمكنه أن يمنحه أو يوافق على شروطه وأن يمنحه رخصة للقتل.

الساعات القليلة المقبلة ستكون حاسمة وستحدد وجهة الأحداث في سوريا بل ستحدد مستقبلها ووحدتها خاصة في ظل سيناريوهات يجري الحديث عنها عن سعي النظام في حال فشل في إخماد الثورة للإعلان عن دويلة في جزء من الأراضي السورية الساحلية وهو ما يعني أن النظام قد كشف أوراقه كاملة وان "نظام الممانعة والمقاومة"الذي حمى حدود "إسرائيل" طيلة أكثر من أربعين عاما ليس أكثر من وكيل سري للكيان الإسرائيلي وانه بمخططه يسعى إلى منح الشرعية "لإسرائيل" كدولة طبيعية في الشرق الأوسط الجديد .

إن المخرج الوحيد الذي سيحافظ على وحدة سوريا يتمثل في النقاط الست التي طرحها المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان ورفض النظام تطبيقها وتعطيلها بعد موافقته عليها يعني أمرا واحدا أنه سعى لكسب الوقت فقط لتمرير "سيناريو الدويلة "هو القادم في سوريا وان ما حدث من أعمال قتل مروعة وعمليات تهجير استهدفت جزءا من أبناء الشعب السوري كان مخطط له مسبقا ويهدف إلى تحقيق ما أعلن عنه وحذر منه نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام مرارا وتكرارا عن هدف النظام النهائي المتمثل بإقامة دولة علوية في الساحل السوري.!! لكن الأمل يكمن في الشعب السوري بكل مكوناته الذي قدم الغالي والنفيس في سبيل حريته بإحباط هذا المخطط وإفشاله وهو قادر على ذلك فسوريا كانت وستظل وطن الجميع والمنارة التي يهتدي بنورها الجميع.

_كاتب وصحفي أردني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية في عامها الثاني .. د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

الرياض

11-4-2012

لقد تأملت في المسألة السورية في عامها الثاني ووجدتها تواجه صعوبات كثيرة، لكن ما يؤلمني ما تواجهه من صعوبات داخلية ضمن الأحزاب غير المتفقة بل والمتنافرة

تطورات الأحداث في سورية تنذر بأخطار واسعة تتعدى التراب السوري. القتل اليومي لم يعد مقبولاً عند كل صاحب ضمير حي. الإيغال الإيراني في الشؤون السورية الداخلية يجب توقيفه. إيران مسؤولة عن القتل اليومي في سورية. هذه بعض من مئات افتتاحيات الصحف العربية والأجنبية. لكن السؤال الذي يثور: ما أثر مثل هذه المقالات والتحليلات التي تملأ الصحف العربية والأجنبية؟ يؤسفني أن أقول إنها ضئيلة جداً. أشعر أن الضمير العالمي تبلد. أم نحن على أعتاب حرب باردة جديدة، اتخذت من أرض سورية منطلقاً لها.

ما يؤلم الإنسان العربي أن الدول الكبرى عبر مجالسها النيابية أو عبر دبلوماسييها يتمتعون بطمأنينة عجيبة تجاه ما يجري في سورية. لقد جرب المجتمع الدولي كثيراً من الحلول السياسية والاقتصادية. لم تنفع تلك الحلول لسبب أو لآخر. جرب العرب عبر جامعتهم حلولاً سياسية ولم تنفع. حاول الحكماء في العالم من أصدقاء سورية الدفع بحلول سياسية ولم تنفع. يا إلهي القيادة السورية لا تستجيب لكل المشروعات الإقليمية والدولية والفردية.

لم لا تستجيب سورية للضغوط والحلول المقترحة؟ على من تستند سورية في رفضها؟ هل لديها معلومة سرية بأن تسير في هذا الدرب الموغل والقمعي وتأمن العواقب؟ هل روسيا وإيران سيستمران في دعم النظام وحمايته وإسناده من السقوط؟ لم اختارت روسيا وإيران الوقوف صراحة وبكل بجاحة ضد رغبات الشعب؟

قرأت عشرات التحليلات وسئمت من تكرار بعض العبارات، وسئمت من اقتراح الحلول. سنة مضت ولم تنفع الحلول. والدمار مستمر في كل بقعة مأهولة في سورية. لابد من تفكيك المسألة السورية بطريقة سهلة وغير معقدة. تعبنا من التنظير والتدوير. النظريات السياسية غير فعّالة في سورية. يبدو أن هنا مشكلة عويصة تقف صامدة أمام أعتى الأطروحات السياسية.

المسألة السورية برمتها وبعبارة بسيطة تتشكل من مادتين: الأولى نظام أسري مغلف بغطاء سميك من الطائفية. والمادة الأخرى زواج غير طبيعي بين النظام في سورية وطموح سياسي ومذهبي إيراني.. لننس روسيا مؤقتاً. لا مجال في خضوع النظام الأسدي إلاّ بتقليم أظافر النظام الطائفي الإيراني. لم يعد سراً أن النظام الإيراني رأى سورية معركته الأخيرة مع العرب والمجتمع الدولي.

يدعم النظام الإيراني النظام السورى بالمال والسلاح والرجال.. لقد رهن النظام مقدرات الشعب الإيراني لصالح صمود النظام السوري، كما رهن شاه إيران من قبل مقدرات شعبه لطموحه وأحلامه الشاهنشاهية. لا فرق بين الاثنين. ومن يدفع الثمن الآن هم الشعب الإيراني المغلوب على أمره، والشعب السوري الذي يقبع تحت وابل من الرصاص. الشعب الإيراني يستحق ربيعاً يخلصه من نظام العصور الوسطى.

إذن عرفنا أن الوقود اللازم للعربة العسكرية السورية إنما يأتي من إيران.. والطريق الذي تسلكه هذه العربة هو الطريق العراقي. حدود سورية مع جيرانها محكمة ما عدا ما يقارب ألف كيلو متر في الجانب العراقي. المالكي في العراق مثل حسن نصرالله في لبنان، يرفعون شعار بقاء الأسد في سدة الحكم رغماً عن رفض الشعب السوري له. طبعاً هما يغلفان شعارهما بأسماء من مثل التدخل الأجنبي، والصمود العربي، والوقوف في وجه إسرائيل. ما علينا من التبريرات. المهم هنا بعد تفكيك المسألة السورية.. ما الحل؟

الحل يكمن في ضبط الحدود العراقية السورية بقوات دولية، والضغط على الحكومة المالكية في بغداد لمنعها من التدخل في الشؤون السورية. والحل يكمن في تسليح المعارضة. نعم تسليح المعارضة. وعلينا أن نُبعد الخوف من أنفسنا والحجج غير المنطقية من مثل أن تسليح المعارضة سيؤدي إلى حرب أهلية. لكن قل لي بربك ماذا تسمي القتل والدماء التي تسيل؛ أليست هي حربا أهلية؟! بل أشنع وأنكى من الحرب الأهلية.

أميل أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية لن ينفع كثيراً في هذا الوقت. وهو وقت يمر سريعاً والدماء تسيل في كل حدب وصوب. لهذا كله على الشعب السوري ألاّ يعول كثيراً على المجتمع الدولي. ولكن عليه أولاً أن يوحد كلمته. جزء من عدم احترام المجتمع الدولي للمعارضة السورية أنها أحزاب عديدة، وكل حزب بما لديه فرح. وحدة المعارضة على هدف واحد لا غير هو إسقاط النظام بأي وسيلة. لن أدخل في تنظيرات من مثل خطورة التدخل الأجنبي. هذه مقولة لم تعد مقبولة، لأننا نعرف أن التدخل الأجنبي أرحم ألف مرة من القتل البارد.

على الشعب السوري أن يوحد كلمته ويقاوم داخلياً بكل وسيلة يسنده الشرفاء من الشعب العربي ودوله. على الشعب السوري أن يعرف أن معركته الفاصلة ليست مع النظام السوري فقط، بل مع النظام الطائفي في إيران. لهذا عليه أن يوطن نفسه أنه أمام مساندة مادية ولوجستية كبيرة تقدم للنظام السوري. لكن هذا يعني أن يستمر الشرفاء من العرب في تقديم العون المادي واللوجستي والسياسي للمعارضة السورية. ويعني أيضا أن يوحد العرب أمام الهجمة الشرسة من إيران. لقد طالت يد إيران ووصلت لمعظم الخريطة العربية. وعلى القيادة الإيرانية أن تعرف أن هذه اليد لابد من تحييدها، إن لم يكن بتر بعض أصابعها. لقد أصبح من غير المعقول أن تتدخل إيران بهذه الصورة البشعة والسافرة في الشأن العربي، وتشجع على تفكيك العرب ودولهم وإثارة الفتن والطائفية والمذهبية وغيرهما.

لقد تأملت في المسألة السورية في عامها الثاني ووجدتها تواجه صعوبات كثيرة، لكن ما يؤلمني ما تواجهه من صعوبات داخلية ضمن الأحزاب غير المتفقة بل والمتنافرة. في ظني أن اتفاق المعارضة السورية على حد أدنى هو أمر أكثر من لازم. في كل أدبيات السياسة ورد ما يشير إلى ضرورة توحيد الهدف والرؤى في مرحلة من مراحل الصراع والثورة. في كل دروس التاريخ نقرأ أن الوحدة هي الأساس الأول لكل مقاومة، وهي المفتاح الكبير لكل ثورة ناجحة. لقد قرأت في الإعلام أن النظام السوري ضخ مئات الملايين من الدولارات لاختراق المعارضة وتفكيكها وتحويلها إلى شراذم من الأفراد. هذا أمر موجع. وهذه نهاية غير متوقعة. وبالتالي فإن وحدة الهدف - إن لم تكن الأهداف - هي المقدمة المنطقية لمعارضة شريفة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا يُحذّر الروس من سُنَّة سوريا؟ .. مهنا الحبيل

الأربعاء 11/04/2012

المدينة

البُعد الإستراتيجي في خطاب لافروف وزير خارجية روسيا المهم في تحفيزه من أيّ دولة تكون فيها قيادة الشعب السوري ولو بثوب مدني بيد سُنّة سوريا، الذين ينخرط فيهم تلقائيًّا مسيحيوها، وباقي طوائفها بحسب البُعد التاريخي الوجودي، يُذكّرنا بآخر حكم مدني تمتعت بها سوريا إبان الاستقلال، وكان عبر هذا المرجع الديمغرافي الأم الحاضن، وكان مدنيًّا، وكان في طريقه لبناء ديمقراطية توصل الشعب لقراره المستقل..عن مَن؟!

مستقل عن المعسكر الغربي والشرقي معًا، ثم تدخلت الانقلابات في سوريا لتستدرج الطائفية لاحتضان ذلك التقاطع لنموذج العسكرة العنيف ضد الشعب السوري، وعبر سلسلة من القهر والقتل حين استقر الحكم بين العسكرة والطائفة من سوريا للبنان، فخلق التقاطع الغربي الروسي هذا النظام الذي أقيم على حدود مهمة بين الشام، وبين فلسطين المحتلة، وبين أركان الأقطار الشامية ذاتها، وبوركت، أو مُررت حركة الدعم الطائفي الإيراني الضخم الذي صُبت على عسكر الطائفة المختطفة في سوريا، وأنجبت -مقاومة حزب الله الإيراني- لكنها مقاومة تحت الشروط والميزان التوافقي العام في إدارة الصراع، هنا تبدو الرسالة واضحة حين يُعلن لافروف ذات المنطق الإيراني، ولكنّه يبعث الرسالة واضحة للغرب: الكيان الذي يُهدد تل أبيب كيان الثورة السورية، والذي بطبيعة تشكله الديمغرافي لأكثرية الشعب نشأ في محاضن سُنية كما نشأ بصورة أقل في محاضن أخرى.

لافروف الأعرق دبلوماسيًّا والذي أكدت تصريحاته مكينة الإعلام الروسي كان يُدرك أن هذه الرسالة في الأصل كانت هي المنهج العملي الذي ترتب عليه موقف الغرب الأخير بما فيها قصة مبادرة عنان، التي تشترط على أطفال سوريا وحُماتهم إلقاء السلاح أمام جيش لا يَكف عن القصف، وأمام الشبيحة الذين لم يتركوا حرمة أقرها الوجود الإنساني في عالم الأرض إلاّ نقضوها، ومن الطرائف أن أنصار النظام، وحزب الله كانوا ولا يزالون يهتفون له علنًا في ميادين موالاة النظام -للأسد.. للأسد.. شبيحة للأبد-.

المهم هنا الإستراتيجية التي عمل لافروف أن تُقر على الأرض، وأن تُطرح أمام المسرح الغربي الكبير حتى تؤكد حرص روسيا على المشروع المطلق للقوى الغربية، وهو حماية مصالحهم، وأمن إسرائيل، وبالتالي كان لسان حال لافروف يقول تلك مهمتنا جميعًا، فعلى الغرب التزامها علنًا، هنا يبرز لنا بأهمية قصوى تصريح المفكر اليساري الأمريكي الذي لم يستمع لمواعظ اليسار الممانع العربي نعومي شومسكي، وهو قوله الصريح إشارته بأن (الفيتو الروسي والصيني جاء برغبة أمريكية وغربية غير معلنة، تكفيهم صد أي عون لمساعدة الثورة السورية)، وهي إستراتيجية معتمدة بكل تأكيد من تل أبيب.

ممَ تخشى موسكو وتل أبيب؟

هنا القراءة الشاملة للمشهد تُعطي كل المؤشرات بأن الحبكة الإيرانية الروسية المباركة باهتمام من تل أبيب قد اكتملت، وأن عواصم الغرب بالفعل أعلنت رسميًّا رفضها لتسليح الضحية، وهذا الأمر صداه بارز في واشنطن وباريس وغيرهما من عواصم التأثير الغربي، في حين الميليشيات، وجسر السلاح الإيراني، والسلاح الروسي لا يتوقف، والتواطؤ الغربي واضح.. فما الذي أفزع لافروف من انتصار الثورة والمذابح في أشدها؟ ولماذا يستعدي لافروف كل هذا التحذير والإنذار؟

هنا ما يخشاه لافروف، وتل أبيب، وطهران، وباقي المعسكر القلق من دولة الثورة السورية، فلقد استيقظ العالم على إصرار فريد معجز من المدنيين السوريين للاستمرار بالثورة المدنية، وفي ذات الوقت التحم المجلس العسكري والجيش الحر في قيادة موحدة، والتحمت معهم قيادات الحراك الثوري السلمي في الداخل، وفي غضون ساعات تفاجأ العالم بعمليات نوعية في محيط دمشق، وبحركة انشقاق أكبر وأضخم متزايدة في أفرع الجيش والأمن السياسي، وتشكل كتائب جديدة من الجيش الحر، وإعلان غرفة عمليات خاصة بدمشق، ومجلس عسكري مصغر تابع للقيادة الموحدة.. فما هي الدلالة؟ إنها قول واحد إن الثورة مستمرة للنصر بدماء ضحاياها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عارٌ عليكِ أيتها المنظومة الدولية .. احمد النعيمي

Ahmeeed_asd@hotmail.com

مساء الاثنين الموافق التاسع من نيسان أعلن الجيش الحر بأنه سيوقف عملياته ضد عصابات المجرم الأسد وشبيحته، بدءاً من العاشر من نيسان، ولمدة ثمانٍ وأربعين ساعة، وأنه سيكون ملزماً بهذا الإعلان، إذا التزم الأسد بسحب قواته وأوقف القتل خلال هذه المدة، وفي حال انتهائها فإن الجيش الحر لن يكون ملزماً بشيء.

بينما كان المجرم الأسد – المعني الوحيد بوقف القتل يوم العاشر من نيسان– يواصل قتله ويسقط يوم الثلاثاء أكثر من مائة شهيد، ويستخدم الطيران الحربي في القصف على المدن والقرى، ووزير خارجيته "المعلم" يتحدث من "موسكو" بأن دمشق استقبلت وفداً من الأمم المتحدة للتوقيع على برتوكول لإدخال فرق المراقبين الأمميين، والتي يفضل أن يكون اغلبها من الروس.

ومساء اليوم نفسه دعا المجتمع الدولي الأسد إلى الالتزام بوقف القتل في موعد أقصاه يوم الخميس الثاني عشر من نيسان، والتعهد بوقف القتل، بعد أن أرسل "عنان" بأنه لم يتلق أية بادرة من الأسد تؤكد نيته على الالتزام بوقف القتل، وأن الأسد لم يتعاون مع مبادرته مطلقاً، وقد ناقضت المنظومة الدولية نفسها بشكل فاضح، عندما أعلنت على لسان "عنان" بأنه من المبكر القول بأن مبادرته قد فشلت، دون أي احترام لما قاله بأن دمشق لم تلتزم بأي من تعهداتها، وضرب عرض الحائط بيوم الثلاثاء الذي أعتبر مهلة أخيرة للأسد .

وهذا ما توقعت حدوثه! عندما استمعت لدعوة مجلس الأمن في الرابع من نيسان للأسد، بالتطبيق العاجل والملموس لالتزاماته التي أعلنها لعنان، والتي تشمل وقف تحرك القوات باتجاه المراكز السكنية، والتوقف عن استخدام الأسلحة الثقيلة، وبدء سحب التكتلات العسكرية من المناطق السكنية وما حولها، والانتهاء من تلك الخطوات بحلول العاشر من نيسان، ومن ثم دعوة جميع الأطراف إلى وقف العنف المسلح بجميع أشكاله في غضون ثمانية وأربعين ساعة من تنفيذ الحكومة السورية لتلك التدابير؛ وقلت وقتها بأن هذين اليومين مهلة جديدة مجانية للمجرم الأسد لمواصلة إبادته للشعب السوري!

وقد حدث كذلك ما توقعته في مقالي "العاشر من نيسان يوم الحسم" بأن: (( يوم الثلاثاء العاشر من نيسان سيكشف كل الأوراق، ويفضح المستور، ويظهر حقيقة هذه المنظومة التي تدعي أنها تحقق العدل وتدعو للحرية، ويتوقع أن لا يسحب المجرم بشار قواته ولا يتوقف عن إبادة الشعب السوري، بينما سيكون الحديث بعد هذا اليوم عن محاورة بين الأمم المتحدة والأسد على إدخال فرق المراقبة الأممية، وهذا الاسم لا نريده وهذا نريده، ليأخذ عدة أسابيع أخرى، وسط مواصلة الإبادة، ومحاولة التغطية على الهدف الحقيقي، وهو وقف القتل فوراً، وهو ما تخطط له هذه المنظومة الدولية التي تسعى إلى إبقاء هذا المجرم – الحارس الأمين لحدود الصهاينة– وسط مواصلته إنهاء الثورة السورية، دون أي اعتبار لحرمة الدم السوري، والمهم أن لا يتسبب في أي قلاقل لابنتهم المدللة "إسرائيل")).

وهو ما أكده المعلم من أن وفداً وصل إلى دمشق لمناقشة البرتوكول المزمع توقيعه بين الأمم المتحدة والأسد لدخول المراقبين الأمميين، وكأن الأمر لا يعني المعلم والأسد بحال، بينما أعلن الجيش الحر موافقته على وقف إطلاق النار بدءاً من يوم الثلاثاء، حرصاً منه بالمحافظة على الوطن والمواطن السوري، وكأنه هو المعني بمطالبة الأمم المتحدة!

بينما كان الأصل بهذه المنظومة الإجرامية، التي تغطي على الجرائم المرتكبة في سوريا؛ أن تعلن نعيها لمبادرة عنان، لعدم التزام الأسد بوقف القتل في يوم العاشر من نيسان، ورفضه سحب قواته من المدن، وسحب الاعتراف بالأسد من الأمم المتحدة والجامعة العربية، وطرد ممثليه، وإغلاق جميع السفارات وسحب السفراء من دمشق، وملاحقة المجرم الأسد كمجرم حرب، والاعتراف بالمجلس الوطني ممثلاً وحيداً للشعب السوري، ودعم الجيش الحر بكل الإمكانيات لسحق فلول الأسد، وقطع أيديهم الممدودة بسوء إلى الشعب السوري.

وإلا فالعار عليكِ كل العار أيتها المنظومة الإرهابية الكاذبة الأثيمة، والتي لن تعود تشرف أي إنسان به ذرة من شرف، أو أي شخص سوري، أن ينضوي تحت هذه المنظومة التي تشرعن الإرهاب والقتل وإبادة الشعوب، وتطالب الشعوب العزل بالاستكانة لسكين الجزار، وتكذب نفسها وتناقض تصريحاتها التصريحات الأخرى، حتى فاقت المجرم الأسد في كذبه ودجله!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإمام محمد بن عبد الوهاب .. مشروع تنوير من القرن الثامن عشر .. زهير سالم*

الإمام محمد بن عبد الوهاب تنويري مجدد يطل بقامته السامقة من وراء ثلاثة قرون ليتحدى الحداثيين التقدميين الذين حولوا بلاد المسلمين إلى ساحة للقبور والأضرحة والمشاهد، وجرجروا البسطاء من عباد الله من ديارهم ليركعوا ويتمسحوا بما جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ليحرر البشرية منه ، وانتهض الإمام محمد بن عبد الوهاب ليؤكد ويجدد وينور على طريقه ..

 

أكتب هذا المقال وفاء واعتذارا للإمام التنويري بحق ، الذي عدا عليه أحد كهنة الأضرحة التقدميين على إحدى الفضائيات وحال بيني وبينه ضيق الوقت أن أذب عن عرض إمام مسلم له في أعناق أبناء أمته حق النصرة وحق الولاء ...

 

وقد كان التشويه وما زال هو عمدة هؤلاء الأدعياء من عبدة البشر أحياء وأمواتا قي الحرب على العقائد والأفكار والرجال . التشويه والتزييف – كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى – يستدعينا في سياق هذه الثورة السورية المباركة أن نجري مقارنة تنويرية بين ما قدمه محمد بن عبد الوهاب ابن القرن الثامن عشر لأمته وبين ما قدمه حزب البعث وحلفاؤه ومستنسخاته في قم وطهران والنجف والضاحية الجنوبية من تضليل وإضلال واستخفاف بقيمة الإنسان دمه وعقله وعرضه ....

 

وحين أذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب المسلم العربي في سياق القرن الثامن عشر لا بد أن أذكر أن  هذا القرن كان قرن التنوير في الشرق والغرب على السواء . وأنه بينما كان أبناء الغرب يتحفزون للوثبة الكبرى في دورة للحضارة جديدة كان أبناء المجتمع المسلم والتنويريون منهم بشكل خاص يحاولون أن ينهضوا من عثار أو أن يعيدوا توازنهم على قمة بدؤوا يدركون أن شمسهم بدأت تغيب عنها .

 

في معاييرنا الحضارية لتقويم الأفكار والرجال أن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه . وهذه الحقيقة هي إحدى الحقائق التنويرية التي سعى رجال التنوير العقلي والعلمي في تاريخ الحضارة الإسلامية إلى تأكيدها مع الاحتفاظ بالعصمة لصاحبها صلى الله عليه وسلم ..

 

فلا يمكن لأحد يريد أن يعطي التنوير حقه أن يحسب نفسه على مذهب من مذاهب العصور. والذي يقبل أن يدعي الانتماء إلى مذهب تاريخي بشري كمن يستحضر زيا من قرن خلا فيلبسه ليخرج به على الناس . ماذا بقي لنا من القدرية والجبرية والمرجئة والأشعرية والماتريدية والظاهرية بعد كل هذه القرون ..؟! سؤال في الإجابة عليه مصلحة للذين لا يزالون يدورون في فضاءات هذه المذاهب ، ومصلحة للذين يحاولون محاصرة الآخرين في أفقها .

 

أعود لأدفع بالإمام محمد بن عبد الوهاب في وجه هؤلاء الذين يبسطون ألسنتهم إليه بالسوء وإلى دعوته وهم ما زالوا في القرن الحادي والعشرين يتمرغون في وحل السخافات والترهات والخرافات التي انتهض الإمام محمد بن عبد الوهاب لتحرير العقل المسلم منها بعد أن أرهقتنا شباك هذه العناكب طويلا، ويبدو أنها ما تزال تجدّ في غزلها في طهران وبغداد ودمشق وبيروت في القرن الحادي والعشرين ....!!!

 

إذا أردت أن ألخص مشروع محمد بن عبد الوهاب التجديدي أو التنويري بكلمات أقول إنه كان مشروع تنوير تحت سقف النص الشرعي الصحيح يتمحور حوله بالتزام الوجه المباشر للدلالة إلى حد كبير . كان مشروع محمد بن عبد الوهاب ثورة على التقليد ودعوة إلى البحث والتفكير . وكان ثورة على أنماط السلوك من العادات المتوارثة على غير هدى ورشاد وثورة على إلباس المجتمعي المتغير ثوب الديني المقدس . وثورة أخيرا على المستثمرين في الأضرحة والمشاهد والقبور .

 

يكفي أن تزور القبر المزعوم للسيدة زينب في دمشق اليوم وما أنشئ حوله وما يمارس في رحابه برعاية مباشرة من ( الملا بشار الأسد ) حتى ترفع رأسك وتقول : رحم الله محمد بن عبد الوهاب ، وتسف في أفواه الذين يحاولون النيل منه التراب .

 

مشروع  (التطوير والتحديث ) للملا بشار ينجح في إعادة تسمية عبادة الأضرحة والقبور والتخييم على المشاهد  ( سياحة دينية ) ، تسمية حداثية بلا شك ، ولن ينسى أن يذكرك السادة الحداثيون أن هذه السياحة أحد روافد دعم الاقتصاد الوطني بغض النظر عما فيها من استخفاف بعقول الناس!!

 

لا أحد في قم ولا في النجف ولا في حوزة الأسد العلمانية الحداثية يفكر بإنسانية هؤلاء المضللين الذين ينخرطون في مشروع الطواف بالأضرحة والمشاهد والمزارات فيفنون أعمارهم وينفقون أموالهم ويتعبون في باطل خيولهم ..

 

حين يتاح لك أن تقف حول ضريح من هذه الأضرحة في دمشق أو في النجف أو في ... ستقر معي  أن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان تنويريا بحق... كان تنويريا أعلى مكانة الإنسان فأغلق على هؤلاء المستثمرين في إضلاله واستعباده وإذلاله سبلهم وصادر أدواتهم ، وقطع أوتار عزيفهم ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com