العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15 / 02 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

مأزق المعارضة السورية الديموقراطية 

جان كورد

منذ انعقاد مؤتمر واشنطن في 15- 16 نوفمبر 2003 للتحالف الديموقراطي السوري الذي يطلق عليه بعضهم تندرا إسم "معارضة واشنطن" والحملة التي تشن عليه من مختلف الأطراف السورية الحاكمة والمعارضة في البلاد معا أصبحت فظة وقاسية، وذلك عبر وسائل الإعلام والصفحات الانترنتية الخاضعة لاشراف حكومي مباشر أو غير مباشر وتلك التي تدعي أنها لجهات سياسية معارضة لنظام الحكم على حد سواء، بل تعدى الأمر إلى عقد الندوات والاجتماعات لشتم "حلفاء أمريكا واسرائيل وعملائهما" ، بحيث نجد توصيفات مشتركة بين أصحاب النظام وأصحاب المعارضة للمؤتمرين في واشنطن ، منها أن ليس لهذه المعارضة أرضية في سورية وأنها تكونت نتيجة دعم مالي كبير من الأوساط الصهيونية والأمريكية وأنها مستعدة لبيع الوطن وما إلى ذلك من اتهامات جاهزة لكل مخالف في الرأي، ووصل التهويل إلى درجة أن هذه الأبواق الدعائية صورت هؤلاء المعارضين للشعب السوري من خلال أكاذيبها وأساطيرها في صورة جنود أمريكان يرفعون العلم الاسرائيلي على ظهر دبابة أمريكية. فإذا لم تكن لهذه المعارضة قيمة فلماذا هذا الفزع الكبير منها ولماذا هذا الاهتمام الواسع بها في محافل السياسة السورية وفي الإعلام؟

وبعد انعقاد مؤتمر بروكسل الأخير لهذا التحالف في 17 -18 يناير2004  حسب ما كان مخططا له في المؤتمر الأول، راهن بعضهم على الخلافات التي يمكن أن تكون قد ظهرت فيه، بل إن قناة "العربية" قد نشرت خبرا مفاده أن "أطرافا مهمة" لم تذكر أسماءها قد انسحبت من المؤتمر!!... وهذا ما أراده النظام السوري حقا وبحث عنه وعمل له أيضا..إلا أن المعارضة السورية التي تعتبر نفسها "ديموقراطية ووطنية" وتقف في خندق النظام ضد أي تغيير يأتي من الخارج اكتشفت أن الموضوع أخطر وأهم من اتهام الآخرين بالعمالة والتبعية للأمريكان، فها هي " جماعة واشنطن" تظهر في أوروبا أيضا وتعقد مؤتمرا في عاصمة الاتحاد الأوربي، وتعلن عن أنها ستعقد مؤتمرها القادم في العاصمة السورية دمشق على مرأى ومسمع من النظام الحاكم، شاء أم أبى، بوجوده أو بعد ترحيله، فشرع بعضهم يخفف من لهجته الحادة تجاه هذا الكائن الجديد الذي ظهر في السنوات الأخيرة وبدأ يطالب بمقعده حول طاولة الحوار وعلى رقعة الشطرنج السوري.

في الندوة الأخيرة لملتقى ناصر في سورية كرر بعضهم لأكثر من مرة إسم "جماعة نيويورك" على الرغم من أنهم كانوا يطلقون على الجماعة ذاتها إسم "جماعة واشنطن" وكأنهم يريدون بذلك تهوين المسألة وتفادي ذكر انعقاد المؤتمر الأول للتحالف الديموقراطي السوري في واشنطن التي تعتبر أهم مركز من مراكز القرار الدولي في العالم، ولربما أهم من مركز الأمم المتحدة أيضا من حيث الواقع الملموس. ولكن مع ذلك نرى تبدلا في لهجة التهجم على التحالف، إذ أكد الدكتور علي حيدر مثلا على "أهمية عدم الاستهانة بالمعارضة المفروضة قياسا بالنموذج العراقي وعلى أهمية الحوار واستيعاب أن التغيير لا تحققه إلا القوى التي تمتلك في بنيتها القدرة على التغيير وغير المتكلسة.."  في حين أن بعضهم الآخر قد طالب" بعدم التهوين من شأن هذه المعارضة" لأنها تستفيد من "الاحباط الناجم عن انسداد حركة الإصلاح الديموقراطي.."  وبين السبب الكامن وراء ذلك "الانسداد" ألا وهو "إصرار النظام على نهجه السابق وتقديم تنازلات على جميع الجبهات إلا على الجبهة الصحيحة..." كما قرأنا لرجاء الناصر.. وهنا يجب التوضيح بأن في هذا دغدغة مشاعر وخطوة نحوالاحتضان والعناق مع النظام الذي تدعي المعارضة الديموقراطية – الوطنية أنها تعارضه، مما سيؤدي إلى أن تفقد هذه المعارضة الأرضية التي تقوم عليها والقواعد المتذمرة التي تسير وراءها في مواجهة "جماعة نيويورك!!" والتي يدعي بعضهم أنها " لا تأتي في سياق حركة المعارضة الوطنية.!" ولكن الأستاذ أسامة عاشور يرفض مثل هذا التوصيف المتسرع بقوله: " ليس هناك من يملك الحق بنزع صفة الوطنية عن أي جهة أو تيار لأن هذا توصيف أمني وليس سياسي حيث السياسة هي (مصالح وإرادات وقيم).." وفي حين يرى السيد فاروق فوزي مخاطر في "معارضة نيويورك – بروكسل" فإن السيد عبد المجيد حمو يؤكد على أن " النظام لم يستطع أن يتكيف مع المتغيرات الدولية والمحلية وأن دوره انتهى ولم يعد صالحا للاستمرار واستنفذ أغراضه..."  وهذا هو ما طرحه التحالف الديموقراطي السوري، بل ذهب بعضهم إلى أبعد مما طرحه مؤتمرا واشنطن وبروكسل حيث قال بأن "هناك شرائح في سورية باتت ترى أنها بحاجة إلى "بريمر" بسبب استمرارالفساد والنهب وعدم حصول تغيرات هامة وهو أمر خطير."

وعليه  يمكن القول بأن الاتهامات السابقة للتحالف الديموقراطي السوري لم تعد مقبولة من قبل فئة واعية من المثقفين السوريين الذين لا يريدون أن يلعبوا لعبة النظام والسير بموجب تعليماته والهرولة على صوت صفارته.. ولكن الغريب أن هؤلاء رغم اعترافهم بأن ليس لديهم حل لمعادلة "انسداد إمكانية التغيير الديموقراطي الداخلي ورفض التعاون مع القوى الخارجية" وبأن "التجمع والإسلاميين لا يملكان برامج واضحة ووجود خلافات وتباينات داخل التجمع." فإنهم يعولون على فكرة عقد مؤتمر وطني واسع ويلحون على الاستعجال به إنقاذا للنظام أو لأنفسهم من المأزق الذي حشروا فيه تكتلاتهم وأحزابهم، أو لكلا الطرفين معا، وهم مصممون على أنهم "لايقبلون بالتفكير بأي التقاء مع التغيير الخارجي"، بحيث خرجوا بتقاربات أولها رفض الاستقواء بالخارج... وحقيقة فإنهم قلقون من أن يؤدي الانسداد الداخلي إلى تقوية فكرة الارتكان إلى العامل الخارجي.. وفي غمرة ذلك القلق على مصير تكتلاتهم المنزلقة إلى موقف التردد والتذبذب بين ضرورة العمل من أجل استبدال النظام القائم الشمولي بنظام ديموقراطي حر وبين التقوقع ضمن الحجرة المظلمة لهذا النظام ، وبالتالي مناشدته بالقيام بما لا يستطيع القيام به من تغييرات جذرية وحقيقية في البلاد، فإنهم يزعمون وجود " مواصفات وطنية – ديموقراطية" خاصة بهم يحرمون منها غيرهم، دون أن يلتقوا بهم ودون أن يستمعوا إليهم ويناقشوهم بجدية، عسى أن تكون بينهم قاعدة واسعة للتلاقي والتقارب والتعاون.

ولابد أن نذكر لهم هنا حقيقة أن وزيرالخارجية الأمريكية كولن باول قد شرع يتدخل مباشرة في السياسة الداخلية لروسيا التي كانت قبل عقدين من الزمن ثاني أكبر قوة عالمية على وجه الأرض، وأنه يتدخل أيضا بشكل مباشر ودون أقنعة دبلوماسية كلاسيكية في شؤون حلفائه القدامى من سعوديين ومصريين وأردنيين وأتراك، وليست سورية بأقدر على رفض إملاءات واشنطن أبدا.. ولم تعد مسألة العامل الخارجي مسألة "خيانة وطنية!" حسب معايير هذه الأنظمة بالذات، كما يحب أزلام النظام إطلاقها على كل من يخالفهم الرأي حتى ولو كان من حزبهم الحاكم، بل مسألة تكنيكية سياسية وإجرائية بحتة، كما رأيناها من قبل في حركة "التضامن" البولونية وما حدث منذ أسابيع قلائل في جيورجيا...

"إن النظام الذي يقدم التنازلات على كل الجبهات إلا على الجبهة الصحيحة" كما قال أحدهم من منتسبي هذه المعارضة "الديموقراطية – الوطنية" يحاول جاهدا التوفيق بين مصلحة استمراره في البقاء ومصالح الدولة العظمى، وسيكتشف الشعب السوري برمته قريبا أن هذه المعادلة ستكون في النهاية لصالح الدولة العظمى.. ولذلك فإن تقييم وتوصيف النظام بأنه "وطني" لمجرد إبدائه بعض التململ والتدلل أمام واشنطن، واتهام معارضيه الجادين والساعين إلى تغييره أو استبداله بأنهم خونة ومرتزقة ولا تنطبق عليهم "مواصفات وطنية – ديموقراطية" لا يخدم المحيط الديموقراطي عموما والقائمين على هذه المنتديات المحصورة بين جدران النظام كرها، بل سيزيد من عزلتهم وسط الشعب السوري الذي بدأ يشمئز من مثل هذه التوصيفات غيرالدقيقة، ويشعر بأنه لم يعد يفرق بين أهل النظام وبين زعماء المعارضة.

ولكن كما أن هذه المعارضة التي يفتح لها النظام لأسباب تكتيكية فتحة صغيرة في جدار سجنه معرضة للذوبان والتقهقهر إن لم تمتلك العزم على التغيير والقدرة على التغيير، فإن المعارضة التي ترى نفسها خارجة على النظام وهي مصممة لاستبداله معرضة هي الأخرى للتشتت والفشل مالم تمارس أعمالها بشكل ديموقراطي سليم ومالم تعمل على توسيع نطاقها بحيث يشمل سائر القوى والفئات والشخصيات الوطنية التي تبدي شيئا ملموسا من العمل في ذات الاتجاه الذي تسير عليه، وقبل كل شيء يجب مكافحة النزعة التسلطية وحب السيطرة والتفرد بالقرارات ضمن إطار التحالف، وإن تطلب ذلك القيام بحملة تطهير ديموقراطية للعناصر التي لا تفهم طبيعة النضال التحالفي وتحاول فرض نماذج غريبة على العمل الديموقراطي الذي بدونه لا يمكن خلق معارضة ديموقراطية جادة وفعالة وقادرة على إحداث التغيير المنشود.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org