العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14/10/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

لماذا تركيا؟

الأربعاء ١٠ أكتوبر ٢٠١٢

عبدالله اسكندر

الحياة

من المستبعد، في المستقبل المنظور ومن دون مفاجأة كبرى، اندلاع مواجهة واسعة تركية - سورية. أو على الأقل لا ترغب أنقرة في مثل هذه المواجهة حالياً، لأسباب داخلية ومخاوف إقليمية وظروف دولية.

لكن النظام في دمشق نجح، حتى الآن على الأقل، في جعل مسألة الأمن التركي متوازية مع الأزمة الداخلية السورية. وفرضها على أجندة تركيا وحلفائها.

فالتساهل السوري الرسمي مع الأكراد المناهضين لأنقرة، خصوصاً حزب العمال الكردستاني، ومساعدتهم في اقتطاع مساحة جغرافية داخل سورية يغذي المخاوف التركية من «إقليم كردي» آخر على الحدود ومن إمكان تأثير هذا الواقع في الأكراد الأتراك الذين، في مثل هذه الحال، قد يقدمون على المطالبة بمثل هذا الإقليم.

في موازاة ذلك، بات الأمن التركي جزءاً من المناقشات داخل حلف شمال الأطلسي الذي بات في موضع المجبر على البحث في حماية سلامة احد أعضائه وجناحه الجنوبي.

هذا السعي السوري الرسمي إلى ربط الصراع الداخلي بطرف إقليمي يُراد له أن يكون المبرر للتعنت في الموقف من المعارضة ومطالبها، من جهة. ومن جهة أخرى، يتيح للنظام أن يبقي نفسه كضرورة في محور إقليمي - دولي يحميه من أية إجراءات دولية ملزمة.

لقد حصل في الفترة الماضية أن سقطت قذائف من القوات النظامية السورية داخل الحدود الأردنية واللبنانية. كما حصلت اشتباكات مع «الجيش الحر» على الحدود مع البلدين. لكن الردود لم تتجاوز الاحتجاجات، محلياً، والدعوات إلى عدم التكرار دولياً. لكن الوضع يختلف جذرياً عندما يتعلق الأمر بتركيا، نظراً إلى موقفها المعلن من النظام واحتضانها لأطراف في المعارضة و»الجيش الحر»، وأيضاً نظراً إلى مكانتها الدولية، كعضو في الحلف الأطلسي وكحليف وثيق للولايات المتحدة، وإلى مكانتها الإقليمية على الحدود مع إيران وروسيا الداخلتين في تجربة قوى مع الغرب.

وربما لهذا السبب بالذات يأخذ التوتير السوري المقصود والمتكرر على الحدود التركية معنى يختلف عن ذلك الذي تشهده الحدود مع الأردن ولبنان. إذ يدفع بسقف النزاع إلى المستوى الإقليمي والدولي كقضية تمس ليس الأمن فحسب وإنما أيضاً توازن القوى في المنطقة والذي يظل النظام السوري، حتى الآن، جزءاً منه ويلقى دعم إيران وحلفائها وروسيا. ما يجعله في منظومة تحتاج إليه وتدعم موقفه في أي تجربة قوى مع تركيا. وذلك على عكس الحاصل مع الأردن ولبنان حيث يبدو التوتر على حدودهما تحرشاً لا يخدم مصالح هذه المنظومة، ويثير مخاوف داخلها من انهيار التوازن الداخلي الهش في البلدين.

لكن، ورغم أن الحرب السورية - التركية التي هي محصلة لحسابات إقليمية ودولية تبقى مستبعدة على الأمد المنظور، فإن العلاقة بين أنقرة ودمشق وصلت إلى نقطة اللاعودة. بعدما تحولت الخصومة الحالية من مجرد تعارض سياسي بين دولتين جارتين إلى شرخ مجتمعي ومذهبي يستعيد التاريخ ومآسيه الكثيرة، وليصبح استمرار كل طرف نفياً للآخر. ويصعب في مثل هذه الحال حيث وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه تصور احتمال تعايش مقبل بين أنقرة ودمشق في ظل نظاميهما الحاليين، «الإسلامي السني» في الأولى و»الديكتاتوري العلوي» في الثانية. ويبدو أن كلاً منهما يراهن على سقوط الآخر، بفعل أزماته الداخلية، اكثر من رهانه على حرب لا يريدها احد حتى الآن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تترك سوريا لتأكل نفسها؟!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

9-10-2012

ستبقى كل القضايا الرئيسية في هذه المنطقة معلقة ومؤجلة وفي حال انتظار الى أن يتم حسم الوضع السوري الذي تأخر حسمه كل هذه الفترة لأن الدول والقوى الفاعلة والمؤثرة تعاملت في البدايات وبعضها لا يزال يتعامل مع هذه المسألة على أنها مسألة داخلية وأنه ليس لها أبعاداً إقليمية ودولية وأنه كلما طال أمد حلها إزدادت تعقيداً وإزداد تأثيرها على دول هذه المنطقة القريبة والبعيدة.

غير معروف لماذا لم تدرك الدول الكبرى المعنية بأي تطور في الشرق الأوسط وفي مقدمتها الولايات المتحدة هذه المسألة بينما هي تشاهد حجم التدخل الروسي والإيراني.. وأيضاً الصيني ،العسكري والدبلوماسي والمالي، في سوريا ومنذ اللحظة الأولى وغير معروف أيضاً لماذا أصيبت الدول العربية التي أيديها تلامس جمر النيران الملتهبة في هذه الدولة العربية المحورية والمؤثرة بالشلل وهي ترى كل هذه التدخلات السافرة المستمرة في الشؤون الداخلية لهذه الدولة الشقيقة وترى كيف أن الأمور التي بدأت صغيرة قد تحولت في حقيقة الأمر الى أبشع الحروب الأهلية التي عرفها التاريخ.

لقد بدأ العرب بالتفتق حماساً لإنهاء هذه الأزمة الطاحنة بالضغط على نظام بشار الأسد للقبول بمصالحة شعبة ووقف حمامات الدماء التي غدت تعم البلاد من أقصاها الى أقصاها خلال فترة قصيرة بعد حادثة درعا الشهيرة وهُمْ ،أي العرب، بقوا يقدمون رِجْلاً ويؤخرون أخرى وبقوا يراهنون على حلول سياسية كانوا ولا زالوا يعرفون أنها مرفوضة من قبل هذا النظام الذي إختار منذ البدايات العنف والحلول الأمنية واختار الذهاب على هذا الطريق المكلف والصعب حتى النهاية.

والمستغرب أن العرب وآخرهم الرئيس محمد مرسي قد إستمروا ،ورغم كل هذا، بالحديث عن حلول سياسية ممكنة وبقوا يتسابقون في رفض أي حلول عسكرية وفي رفض أي تدخل خارجي وكأن كل هذا الذي يقوم به النظام ليس حلولاً عسكرية وكأن ما تقوم به إيران ومعها روسيا ليس تدخلاً خارجياً في شؤون دولة عربية من الأولى إذا كان لابد من التدخل أن يكون العرب هم المتدخلون في شؤونها الداخلية.

والمشكلة هنا أن رفض التدخل الخارجي ورفض الحلول العسكرية والإستمرار بالرهان على حلول سياسية لا امل إطلاقاً بنجاحها قد شجع النظام ومعه روسيا وإيران وحلفائه الآخرين ،المعلنين وغير المعلنين، على الإستمرار بما كان بدأه منذ البدايات وعلى مواصلة الدمار والمجازر الجماعية التي عمت البلاد كلها على اتساع مساحتها الجغرافية مما جعل المعالجات كلها الآن غير مجدية اللهم باستثناء المسارعة بدعم المعارضة السورية ودعم الجيش السوري الحر بكل ما يحتاجه من الأسلحة النوعية لحسم المواجهة قبل أن تزداد الأمور تعقيداً وتصبح أي معالجة متأخرة غير ممكنة وغير مجدية.

وهكذا فإن هذه المنطقة كلها ستبقى ،إنْ لم يتم وضع حدٍّ لكل هذه الذرائع غير المقنعة بل وغير المفهومة والمبادرة بسرعة لدعم الجيش السوري الحر بما يمكِّنه من حسم المعركة المحتدمة، كمنْ يقف على منصة الإعدام وحبل المشنقة مجدولاً حول عنقه وسيبقى كل شيء مؤجل وبخاصة في الدول المجاورة وستبقى سوريا... الدولة ذات التأثير الكاسح في الشرق الأوسط وفي المنطقة العربية كلها تَغُضُّ الخطا وبكل هذه السرعة الحالية وربما أكثر نحو التمزق والإنهيار وعندها فإنه لن ينفع الندم ولن ينفع البكاء ولا العويل.. وذلك حتى وإن كان مثل هذا البكاء صادقاً وصحيحاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا : المعارضة تنقسم والمقاتلون يتحدون

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

9-10-2012

الاقتراح التركي الاخير بتسمية فاروق الشرع لقيادة المرحلة الانتقالية المقترحة في خطة عنان تلقاها رئيس المجلس الوطني السوري بالقبول لكن لا اعتقد بان هذا سيكون رأي المجالس العسكرية التي شكلها المقاتلون في المناطق السورية في اطار الجيش الحر . فالمشهد السياسي السوري لم يعد خافيا وهو مزيد من عسكرة الثورة ليس فقط في ميادين المواجهة مع النظام انما أيضاً عسكرة السياسة .

حل الازمة السورية على الطريقة اليمنية هو (تغميس خارج الصحن ) ذلك ان قيادات المعارضة اليمنية ضد نظام علي صالح كانت موجودة كلها في اليمن ، في سوريا الوضع يختلف فقيادة المعارضة او قياداتها كلها في الخارج ومن كان منها في الداخل خرج لسبب معروف هو وحشية النظام ،و لو ان مجلس الأمن والجامعة العربية من خلفه نجحتا في فرض حل سياسي مبكر للازمة لكانت المعارضة السياسية في مقدمة الصفوف ، لكن لان مجلس الأمن والمجتمع الدولي فشل في ذلك فتحت الابواب على مصراعيها لعسكرة الثورة ، ليس على المستوى القتالي فقط انما في نقل مركز قيادة الثورة من المعارضة السياسية في الخارج الى الجيش الحر في الداخل .

لقد شهدنا في الأسابيع الاخيرة حربا إعلامية بين أطراف المعارضة في الخارج ، لتدلنا على عمق الانقسام الحاصل بين هذه الأطراف وبالتالي على ضعفها ، فيما لم تتوقف الاخبار الخارجة من سوريا عن قرارات توحيد فصائل الجيش الحر خاصة في حلب التي تحولت الى نقطة حسم استراتيجية على الصعيدين العسكري والسياسي .

الاقتراح التركي حول فاروق الشرع يأتي بعد فشل الدعوات الفرنسية المتكررة لمعارضة الخارج بتشكيل حكومة مؤقتة وهي دعوات لاقت ترحيبا في واشنطن ، لقد بات واضحا ان معارضة الخارج اصبحت عاجزة عن اتخاذ مبادرات سياسية حاسمة بعد ان ثبت عجزها في توفير الدعم العسكري بالأسلحة للمقاتلين ، ومن المستبعد ان تكون قادرة على تهيئة الظروف لنجاح المبادرة التركية فالأوراق كلها المتعلقة بالحرب والسياسة للثورة اصبحت في يد القيادة العسكرية المتمركزة في حلب .

امام هذه الحقائق المتعلقة بمشهد الثورة السورية فان مستقبل هذا البلد اصبح بيد من يحملون السلاح في الداخل ومن الواضح انه كلما طال عناد النظام برفض الحلول السياسية فان اعداد المقاتلين سيصبح قريبا من اعداد المظاهرات السلمية الحاشدة التي عمت البلاد السورية في بداية ربيعها ، ومع الوقت ووصول السلاح الى ايدي ملايين السوريين فان سوريا المستقبل ستكون خارج توقعات وحسابات القوى الإقليمية والدولية التي ستندم على فشلها في فرض حل سياسي حاسم من خلال مجلس الأمن يقوم على مرحلة انتقالية تجنب شعب سوريا هذه الحرب الوحشية وتجعل الطريق الى الديموقراطية اقل كلفة .

في سوريا اليوم المعارضة تنقسم ومعها الموقف الدولي بينما المقاتلون يتحدون في مرحلة انتقالية تعتمد على الحسم العسكري الذي سيفرض طابعه على النظام المقبل وقد نرى تكرارا للامثولة الليبية وليس اليمنية مع اسقاط لتعقيدات الوقائع الديموغرافية والسياسية السلبية للحالة السورية والإقليم المحيط بها .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : أربع مليارات دولار سلاح روسي إلى العراق .. سر الصفقة الذي يتجاهلون .. زهير سالم*

وهكذا طار المالكي إلى موسكو ليشتري بأربع مليارات دولار سلاحا روسيا ، لم تحدد نوعيته بعدُ ، قيل : سلاح خفيف وقيل سلاح متوسط ، وقيل فاتورة مفتوحة حسب احتياجات عصابات بشار الأسد .

 

لم يُعهد أن تكون ترسانات أسلحة الدول كخزنات ثياب النساء ، تشتمل على كل ما يروق لذوق المرأة من نوع أو جنس أو لون . ولا أحد يقدر أن الجيش العراقي الذي أعيد تأسيسه على أيدي الأمريكيين ، ولم يكتمل تدريب ضباطه ، بله أفراده ، بعد على السلاح الأمريكي ؛ أصبح مترفا إلى الحد الذي يجعله بحاجة إلى هذا التنوع الغريب من التسليح . نذكر أن العراق ما زال خاضعا للبند السابع من ميثاق مجلس الأمن الدولي .

 

مسارعة المالكي إلى زيارة موسكو للتشاور حول الوضع في سورية رسالة واضحة لأكثر من جهة . وصفقة السلاح هي جزء من هذه المشاورات . تدعم ما يتم الاتفاق عليه في مشروع دعم بشار ، قبل سقوطه وربما بعده أيضا. ربما السؤال الذي يبقى مفتوحا لماذا يدورون حول رءوسهم ليصلوا إلى آذانهم ؟ ! لماذا والحقيقة ن روسية ما تزال قادرة على شحن ما تريد من سلاح إلى سورية ؟ وهي تقول بصراحة أن هناك صفقات قديمة يتم تنفيذها ، وأنها تتعامل مع بشار الأسد بوصفه ممثلا شرعيا للدولة السورية .

 

نستطيع بكل بساطة أن نقرأ العملية الالتفافية بطريقة أكثر بساطة وأكثر مباشرة . بتدوير الرسم قليلا نستطيع أن نرى في الخط الملتوي خطا مستقيما يجيب من أقرب الطرق على السؤال : لماذا ؟

 

الروس يريدون مساعدة بشار الأسد ، لأسباب كثيرة منها ؛ أنهم مغرمون بلون عينيه أولا . وهم يحبون الوفاء لعهدهم مع أبيه ثانيا . وهم متخوفون على مصالحهم في سورية لو حكمها أبناؤها الحقيقيون ثالثا . وهم خائفون أن تعود ارتدادات الربيع الثوري إلى مستعمراتهم المسلمة المفككة المنذرة والمتوعدة في الشيشان وغرزوني وتركمانستان رابعا. وهم متعاطفون مع نفوذ حلفائهم الشيعة في إيران ورافضون أن تحكم سورية من قبل السُّنة ( حسب تعبير لافروف ) خامسا ، وهم قلقون على مصير المسيحيين في سورية و(الأرثوذكس ) منهم بشكل خاص ، حسب تكرار سيء الذكر نفسه سادسا .

 

ورغم كل هذه الذرائع التي ينثرها بوتين ولافروف وبوغدانوف عن ظهر قلب في المحافل الدولية وبدون حياء ؛ فإن الاتحاد الروسي عندما يجد الجد ليس جمعية خيرية . والمافيا الروسية لا تؤمن بأحقية الصدقة على المحتاجين . وهي ليس على درجة من الحماقة بحيث تسجل فاتورة سلاح بأربع مليارات دولار ظاهرة – والمخفي أعظم - لنظام لا تدري ما هو غده .

 

خلاصة الموقف : أن الأسد بحاجة إلى السلاح واالروس بحاجة إلى المال . وهذه واحدة .

 

والثانية أن خمنئي لم يعد قادرا على إمداد – تابعه ماتي أكثر – في ظل أزمته المالية بعد استنزاف تجاوز أكثر من عشرة مليارات دولار . الأمر الذي جعل البازار الإيراني يثور في أصعب حصار دولي يمر بشعب إيران . من هذه الحقيقة يبرز دور المالكي ذي الصاحبين – حسب تعبير أبي نواس –.

 

 والمالكي بدوره بحاجة ماسة إلى بركة الولي الفقيه ليستديم ملكا ما يظنه يدوم لو نزعت هذه البركة عنه ، فاجتمعت عليه مع العرب والكرد أصوات مقتدى وأصوات المجلس الأعلى وسيده الحكيم . المالكي بحاجة إلى شراء هذه البركة . وهو يملك المال ، ولكنه لا يملك القدرة على تحويله جهارا إلى خزائن بشار . ..

 

 من هنا جاء الاقتراح العملي الذي نراه : المالكي ينفذ أمر شراء لحساب بشار ، يشتري ويدفع في موسكو. وتخزن الأسلحة التي لا يحتاجها العراق في مستودعات المالكي حتى يتم إعادة تصديرها في ساعة من ليل أو نهار . مع الأخذ بالاعتبار أن حفظ هذه الأسلحة في هذه المستودعات سيكون أكثر أمنا وأضمن لمستقبل العلاقات .

 

فأي مشروع يفكر فيه أولئك الذين يريدون أن يجعلوا من العراق حديقة خلفية لحماية مشروعهم في سورية ؟! وكم هو الزمن الذي ستمكث فيه هذه الأسلحة في مستودعاتها التبادلية على أرض العراق ؟ وهل سيتم شحنها إلى مستودعاتها الحقيقية على الشاطئ السوري ؟ أو ربما مباشرة إلى أيدي المقاومين لمشروع النواصب من أعداء أهل البيت على أرض الشام ؟! يقول أحدهم سنثأر بها ( للطفل الرضيع المرميّ الصريع ) من أعناق أطفال الأعداء . نادى عليهم ليل الحولة البهيم تعالوا إلى هنا لتشفوا نهمة النفوس . وكان بعد الحولة ومازال يكون جولات لحولات .

 

صفقة السلاح الروسي التي يعقدها المالكي في موسكو اليوم ليست ( رقية عقرب ) يعجز عن فك لغزها السياسيون . ولكن تجاهل الحقيقة هو نوع من الهروب من تحمل مسئولياتها . وهذا ما يفعله اليوم على ساحتنا ليس فقط البعيد والقريب بل والأقرب أيضا . هذا هو سر الصفقة الذي يتجاهل المتقاعسون .

 

 بان كيمون قلق على لبنان .. الناطقة باسم البيت الأبيض تقول اشتروا من روسية بأربعة مليارات اشتروا من عندنا ببضعة عشر مليار – من يصدق أن الأمريكيين أغبياء !!- وزير خارجية دولة عربية شقيق مشغول عن هذا بالتشكيك في وطنية بني أبيه . قال : يا ليت قومي يعلمون .

لندن : 24 / ذو القعدة 1433

10 / 10 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تدعم إيران تدمير سوريا؟ * ياسر الزعاترة

الدستور

9-10-2012

قد يبدو السؤال غريبا للوهلة الأولى، ولكن مزيدا من التأمل سيجعله مقبولا. ذلك أن مراقبة ما يجري على الأرض في سوريا لا زالت تؤكد مرة إثر أخرى أن المعركة الدائرة في سوريا، أعني الجزء العسكري منها يُدار عمليا من قبل الخبراء الإيرانيين، فيما يبدو بشار الأسد “خارج التغطية” من الناحية العملية؛ هو الذي كان فتح البلد على مصراعيه لهم منذ ما قبل الثورة، خلافا لوالده الذي كان يتعامل معهم بقدر من التحفظ والندية.

في المعركة الأخيرة، ومنذ الشهور الأولى بدا أن بشار الأسد لا يمكنه التعاطي مع المعركة دون تدخل مباشر من إيران، الأمر الذي دفعه إلى تسليمها الراية بعد أن تأكد أن جيشه المترهل لا يمكنه التعامل مع تمرد شعبي بهذا الحجم الواسع، لاسيما أن جزءا كبيرا من الجيش لم يبد استعدادا للانخراط في دوامة القتل بسبب الحساسيات الطائفية، وهو ما همَّش قطاعا واسعا منه بات أسير الثكنات، فيما انشقت أعداد كبيرة بمرور الوقت.

اليوم يمكن القول إن المعركة الدائرة في سوريا لا تتميز بغير سياسة التدمير المنهجي الشامل، لاسيما في المدينتين الأكبر (حلب ودمشق)، فيما لا يتعامل معهما النظام بغير سياسة القصف من الدبابات والطائرات؛ هو الذي يعلم أن نزول قواته إلى الأرض يعني هزائم متلاحقة وخسائر باهظة في مواجهة حرب عصابات يتولاها رجال مقبلون على الشهادة، أكانوا من عناصر الجيش الحر، أم من المقاتلين الإسلاميين القادمين من الخارج.

في قراءة سياسة التدمير الشامل للدولة ومقدراتها التي يعتمدها النظام يمكن الحديث عن مسارين تتبناهما طهران في التعاطي مع الأزمة، الأول سبق الحديث عنه مرارا وتكرارا ويتمثل في محاولة تحسين شروط التفاوض على الحل السياسي بعد إقناع الجميع بأن أحدا لن ينتصر في معركة السلاح، بينما يتمثل الثاني، وتحدثنا عنه مرارا أيضا، فيما بات يعرف بالخطة (ب) التي تتلخص في تدمير الدولة المركزية وصولا إلى إنشاء دويلة علوية في الساحل السوري (محافظتي طرطوس واللاذقية تحديدا)، على أمل أن تتمكن من البقاء لاحقا، أو تُتخذ منصة للتفاوض على حل لاحق.

البعد الجديد الذي يمكننا الحديث عنه في سياق تفسير سياسة التدمير الشامل للدولة المركزية ومقدراتها يتمثل في إضعاف شامل للدولة؛ الأمر الذي يلتقي مع السياسة الصهيونية في تدمير البلد وإشغاله بنفسه لعقود.

تلتقي طهران مع تل أبيب في هذه السياسة اعتقادا منها بأن ضعف سوريا الدولة في المرحلة المقبلة سيعني عجزا عن التأثير في المحيط، لاسيما في لبنان والعراق اللذين يقعان عمليا تحت سيطرة إيرانية شبه كاملة، أقله بالنسبة للعراق، مع وضع أقل وضوحا في الحالة اللبنانية.

تدرك إيران أن سوريا القوية لها تأثيرها الكبير في الجوار العربي، وقد ثبت ذلك خلال العقود الماضية عبر تأثيرها الكبير في لبنان، وتاليا عبر دورها في إفشال مشروع الغزو الأمريكي للعراق عبر دعم الجماعات السنية المسلحة، بما فيها القاعدة التي حصلت على شريان حياة من سوريا خلال سنوات ما بعد الاحتلال قبل أن يجري الانقلاب عليها بعد أن تأكد وقوع البلد تحت سيطرة حلفاء إيران. ونتذكر في هذا السياق تلك الحملة التي شنها المالكي على النظام الحاكم في دمشق بدعوى دعمه للعنف في العراق، وهو اتهام لم يكن بعيدا عن الصحة في جزء كبير منه.

إن سوريا قوية تعني بكل بساطة أن لبنان والعراق لن يكونا بمنأىً عن التأثر بوضعها الجديد لجهة تقليم أظافر النفوذ الإيراني فيهما، وبالتالي فإن تدمير الدول المركزية وإشغالها بنفسها يعني بالضرورة إفقادها القدرة على التأثير.

هذا هو البعد المهم اليوم في عقل القيادة الإيرانية التي بدأت تدرك تماما الإدراك أن زمن بشار الأسد وسوريا كحليف إستراتيجي قد انتهى إلى غير رجعة، وأنه لا بد من ترتيب الأوراق لليوم التالي، من دون الكف عن محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر السيناريوهات الآنفة الذكر.

نتحدث هنا عن نمط التفكير الإيراني، لكن النجاح قصة أخرى ستعتمد بالضرورة على جملة التطورات التالية وعموم الموقف العربي والإقليمي، بخاصة التركي. والأرجح، بل لعله المؤكد أن هذا المخطط لن ينجح لأن مسار التغييرات العربية في مصر وسواها لن تسمح ببقاء الوضع في العراق ولبنان على حاله، فضلا عن أن سوريا ستعود إلى التماسك من جديد خلال زمن لن يطول.

التاريخ : 09-10-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رحلة العودة إلى سورية

رضوان زيادة *

الثلاثاء ٩ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

بعد خمسة أعوام بالضبط من الهجرة القسرية من سورية تمكنت من العودة إليها بفضل الثورة السورية التي ما زالت تخوض مراحلها الأخيرة للتخلص من نظام الأسد.

غادرت سورية في أيلول (سبتمبر) 2007 بعد تهديد مباشر بالاعتقال من قبل الاستخبارات العامة، بعدها أصدرت إدارة الاستخبارات العامة أمراً باعتقالي ومنع كل أفراد أسرتي من السفر إلى خارج سورية، وكانت المأساة الكبرى بحق أختي الكبرى التي يعيش زوجها في السعودية وهي ما زالت تعيش مع أولادها في سورية ومنعت من رؤية زوجها على امتداد الأعوام الخمسة فقط لأنها أخت ناشط حقوقي ومعارض سياسي.

والآن بعد خمس سنوات بالضبط في شهر أيلول 2012 عبرت «معبر السلامة» الذي يسيطر عليه «الجيش الحر» داخلاً بلدي الحبيب سورية. الكثير من العواطف اختلطت مع الكثير من الدموع والفرحة، فأنا داخل السيارة التي تقودني إلى داخل سورية وأنا لا أكاد أتوقف عن التفكير في معنى العودة إلى الوطن بعد الغياب ومعنى أن تلتقي بإخوتك ومواطنيك على أرض الوطن محرراً من القيود.

تعبر المعبر الحدودي من «السلامة» فلا تستوقفك صورة الأسد الذي ربط مصير سورية بمصيره على امتداد أربعين عاماً. تجد عبارة «سورية الحرة» التي كانت كلفتها الكثير من الدماء والشهداء والأرواح، لكن سعادتك الغامرة بالعودة سرعان ما تصدمها حقيقة سورية اليوم، إذ تجد ألوفاً من السوريين النازحين والمهجرين من بيوتهم خوفاً من القصف الجوي الذي تقوم به قوات الأسد وتستهدف به المدنيين والمنازل الآمنة في شكل عشوائي ومن دون استثناء. إنهم يفترشون الرصيف الحدودي على مدى أشهر لأن السلطات التركية تمنع إدخالهم لأنه لم تعد لديها الإمكانية لاستضافة المزيد من اللاجئين الذين فاقوا 85 ألفاً في المخيمات المنتشرة على الحدود التركية.

تحاول بصعوبة أن تفكر في سورية المستقبل وتؤمن أنها لا بد أن تجد حلاً لهؤلاء اللاجئين فتستوقفك صرخة طفل فقد مدرسته ولم يجد مكاناً سوى اللعب بين الحدود تائهاً لا يدري إلى أين يتجه.

تستكمل سيارتنا طريقها باتجاه سورية. أكاد لا أصدق نفسي هل أنا حقيقة في سورية. أريد أن أرى كل شيء دفعة واحدة. أريد أن أصور كل شيء حتى لحظات الزمن كي لا يضيع مني شيء، فأنا حرمت على مدى خمس سنوات من كل شيء يمت إلى هذا الوطن.

الأشجار كما هي وكما تركتها ترمز إلى المستقبل. الشوارع هي ذاتها قليل من الرصيف وكثير من الغبار. لم يتغير سوى السكان. أصبحت تقاطيع وجوههم أكثر قسوة بسبب عام كامل ونصف من القتل المنهجي والقصف العشوائي لكن وسط هذه القسوة تجد ابتسامة ملؤها البهجة. لم يعد الأسد هنا. كل شيء يشير إلى أنه رحل. صوره زالت، استخباراته رحلت، أجهزته تدمرت، بقيت سورية ورحل الأسد.

أوقفني طفل صغير قال لي: عمو عمو، بابا رجل مقعد بسبب قذيفة أصابته لا يستطيع المجيء إليك لكنه يريد أن يسلم عليك. قلت له بكل سرور أنا سأذهب إليه. استقبلني الرجل المقعد بالأحضان. زوجته العجوز بجانبه تفترش الرصيف قالت له: هذا هو من تحبه في كل مرة تراه على التلفزيون. بدا سعيداً وقال لي: أنا أحب كلامك المنطقي، أجبته أتمنى أن تنتصر سورية بالكلمات... ودمعت عيناي وأنا أرى رجله المقطوعة بسبب قذيفة أصابتها.

ندخل مدينة إعزاز حيث كل شيء فيها يرمز إلى الصمود والتحدي والنصر. في أول مدخل إلى المدينة مدرعة محروقة تتبع نظام الأسد استطاع «الجيش الحر» تدميرها. يخبرني أحد المقاتلين بكل فخر: هذه أول عربة «ب م ب» تمكنا من تدميرها وأسرنا ثلاثة من جنودها وما زالوا في معتقلاتنا إلى الآن. يقف الجميع ليأخذوا صوراً مع هذه العربة المدرعة التي أصبحت رمزاً لهزيمة جيش الأسد حيث كل زائر لسورية يجب أن يمر بجانبها. نستكمل طريقنا باتجاه المدينة التي استطاعت تدمير 17 دبابة للنظام كمؤشر على مدى شراسة المعركة التي خاضها «الجيش الحر» من أجل تحريرها. تنتشر الدبابات المدمرة اليوم في كل أرجاء المدينة، وقام «الجيش الحر» بتصويرها وتكبير الصور ووضعها على حائط مبنى دائرة العدل كمتحف يرمز إلى تحرير المدينة.

زرت المسجد الذي حولته قوات الأسد إلى مقر عسكري عند دخولها المدينة، حيث تمركزت الدبابات في حديقة المسجد وعلى مدخله وتمركز القناصة على مئذنتي المسجد. عاش مواطنو المدينة ستة أشهر من الرعب بسبب القناصة، فضلاً عن الدبابات التي انتشرت في المدينة وتقوم بالقصف العشوائي، حيث دمرت كل مدارس المدينة الستة التي لم تعد تصلح للتدريس الآن كما دمر قصف الطيران المركز الثقافي ومستشفى المدينة الوطني الذي أصبح خارج الخدمة أيضاً. لم يعد أي من مباني الدولة السورية الحكومية يصلح للاستخدام.

لكن على رغم كل ذلك تجد حب الحياة يسكن السوريين فهم يعودون إلى أعمالهم ومحلاتهم. بدأوا يشكلون جمعياتهم المدنية من أجل إعادة الحياة إلى المدينة في شكل كامل، فانتخبوا مجلساً مدنياً يشرف على تسيير الشؤون الحياتية. إنها سورية الحرة التي تدفع دماً غالياً من أجل حريتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا تعني «القيادة المشتركة» الروسية - الإيرانية - السورية؟

محمد مشموشي *

الثلاثاء ٩ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

لا شيء يدعو للشك في الوثائق السرية التي تنشرها قناة «العربية» حالياً حول النظام السوري وممارساته في الداخل السوري وفي الخارج، لكن واقعة «القيادة المشتركة» الروسية – الإيرانية – السورية التي تدير الحرب في سورية، حرب إبادة الشعب من أجل حماية النظام، تبقى الأهم والأكثر دلالة وخطورة من كل ما تكشفه هذه الوثائق.

قبل نشر هذه الوثائق، لم يكن خافياً على أحد تورط روسيا وإيران في هذه الحرب، لا سياسياً ولا عسكرياً ولا مالياً، لكن المفاجئ فعلاً هو وصول هذا التورط إلى درجة إنشاء قيادة مشتركة تقرر وتصدر الأوامر والتعليمات وربما حتى تشترك في التنفيذ. وبغض النظر عن مضمون الوثائق في ما يتعلق بالقرارات التي اتخذتها «القيادة المشتركة» هذه، سياسياً وأمنياً وعسكرياً، في سورية أو في خارجها، فمن السذاجة الظن بأن نظام الأسد كان يمكن أن يصمد ثمانية عشر شهراً حتى الآن، وأن يواصل تقتيل شعبه وتهجيره وتشريده وتدمير بلده من دون أن يرف له جفن، لو لم تـكن هـذه القيـادة مـوجودة وفاعلة بالصورة التي تبدو واضحة وجلية كل يوم تقريباً.

هذا لا يعفي الأسد من مسؤولياته الشخصية، السياسية والأمنية والأخلاقية، لكنه لا يقلل في الوقت ذاته من مسؤولية كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي عن إزهاق دم أكثر من ثلاثين ألف قتيل وثلاثمئة ألف جريح وتهجير حوالى ثلاثة ملايين من بيوتهم وقراهم، فضلاً عن تدمير بلد ووطن بالكامل.

أكثر من ذلك، فإذا كان الرئيس المفترض لهذا البلد لا يتصور نفسه للحظة خارج الحكم، ويعلن استعداده لعمل المستحيل من أجل البقاء في السلطة («الأسد أو لا أحد»، و «الأسد أو نحرق البلد») فليس مقبولاً على الإطلاق، ولا حتى مفهوماً، أن يتبنى قائدا بلدين آخرين (بوتين وخامنئي، في هذه الحال) موقفه هذا على علاته، وأن يشكلا معه قيادة عمليات مشتركة تكون مهمتها إحراق البلد فعلاً.

بل وأكثر، فإذا كانت هذه العمليات لا تقف عند حدود سورية بل تتجاوزها تارة إلى لبنان وأخرى إلى قطر وثالثة ربما إلى تركيا والأردن، وكانت في جلها أعمالاً أمنية واستخباراتية تستهدف تصدير أزمة النظام في سورية إلى خارجها، فلن يكون مبالغاً به توقع أن تكون «الشراكة» بين الأطراف الثلاثة أبعد مما يبدو عليه المشهد السوري في الفترة الحالية، لتشكل نوعاً من المحور الإقليمي والدولي المستعد لخوض حرب باردة واسعة على المستوى الدولي، أو حتى حرب ساخنة محدودة على ساحة المنطقة، إذا ما تدهور الموقف في سورية أكثر مما هو عليه الآن.

فهل هذا هو الوضع الفعلي بالمعنى الاستراتيجي الذي تتحدث عنه الأطراف الثلاثة، أم أنه يبقى في حدود ما يسمى «سياسة حافة الهاوية» التي تقف عند حدود إنقاذ النظام السوري، أو ما يمكن أن يبقى منه، فقط لا غير؟

في المواقف المعلنة لطهران، أن الحرب على سورية (الكونية، في رأي وزير خارجية سورية وليد المعلم) هي حرب على إيران، وأن القيـادة الإيـرانـيـة لن تسمح مهما كانت الحال بسقوط الجناح السوري في حلف المقاومة والممانعة، وأن لديها «مستشارين» سياسيين وعسكريين على الأرض السورية لمساعدة حكومتها على إحباط «المؤامرة الخارجية الجهنمية» التي تستهدفها.

وفي المواقف المعلنة لموسكو، أن الحال السورية الراهنة تمس الأمن في المنطقة كلها، وحتى في العالم، وأن تغيرها يتم فقط من خلال إصلاحات داخلية وعبر النظام نفسه، فضلاً عن أنها ترفض نهائياً تكرار تجربة مجلس الأمن في ليبيا وقد استخدمت حق النقض ثلاث مرات حتى الآن في هذا السياق، كما أنها تردد منذ بداية الثورة السورية (كما يفعل النظام نفسه وإيران) أن ما تشهده سورية هو «مؤامرة خارجية» تشترك فيها قوى دولية وعربية وأصوليات إسلامية.

هذا الالتقاء في المواقف، فضلاً عن المصالح بين الأطراف الثلاثة، قد يبرر فهم الكثير مما تقوم به روسيا وإيران لحماية النظام السوري ومنع سقوطه، لكنه لا يبرر بالتأكيد تشكيل قيادة عمليات مشتركة لا تفعل إلا أنها تدير حرب إبادة ضد الشعب السوري وتدمر بلده بالطريقة المنهجية التي يتم بها منذ ثمانية عشر شهراً حتى الآن.

وإذا كان نظام الأسد قد فقد كل شيء تقريباً، وتالياً الأمل في أن يستطيع حكم سورية بعد الآن، ولذلك فانه يخوض حربه الأخيرة على طريقة «يا قاتل يا مقتول»، فهل هذا هو وضع كل من بوتين وخامنئي أيضاً في ما يتعلق بسياساتهما الاستراتيجية في المنطقة وفي العالم؟

الواقع أن أسئلة كثيرة، وكبيرة، تطرح نفسها في هذه الحال، ليس حول المرحلة المقبلة في سورية فقط إنما حول شكل ومحتوى وأسلوب مقاربة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط كلها، وربما على مساحة العالم أيضاً:

> هل يمكن أن نصل في يوم إلى «ربيع دمشق» الروسي– الإيراني، بأسلوب «ربيع براغ» السوفياتي، تحت اسم جديد هذه المرة يستبدل فيه «حلف وارسو» بما يطلق عليه حالياً اسم «محور المقاومة والممانعة» للغرب عموماً وللولايات المتحدة في شكل خاص؟

> هل يمكن أن تكون تحرشات جيش النظام السوري بتركيا، وحلف شمال الأطلسي، وتكرارها على مدى أسبوع حتى الآن، جزءاً من خطة قررتها «القيادة المشتركة» الروسية – الإيرانية – السورية لاختبار ردود فعل العالم الغربي؟، أم أنها تندرج فقط في خانة سياسة حافة الهاوية بهدف التفاوض حول مستقبل سورية والمنطقة؟

> هل يمكن تصور أن تنضم الصين إلى «القيادة المشتركة» هذه، بعد أن بدا حتى الآن أنها اكتفت، وتحديداً في ما يتعلق بالوضع في سورية، بالوقوف سياسياً وديبلوماسياً إلى جانب المحور المعادي للغرب وللولايات المتحدة؟، أم يكون لها موقف آخر حتى من النظام في سورية نفسه؟

> وأخيراً، هل هي الحرب فعلاً (الحرب الكونية، كما يقول نظام دمشق) بعد شهور لم يصدقه فيها أحد، وفي زمن لم يعد أحد يتصور كذلك أنها يمكن أن تنشب؟.

* كاتب وصحافي لبناني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغزل التركي بفاروق الشرع

الياس حرفوش

الثلاثاء ٩ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

ربما كانت هذه أسوأ بطاقة توصية يمكن أن تعطى لشخص ما لدعم ترقيته إلى وظيفة جديدة، فأقل ما يقال عن اقتراح وزير خارجية تركيا احمد داود أوغلو بتكليف نائب الرئيس السوري فاروق الشرع قيادة المرحلة الانتقالية في بلاده، أنها ستقطع أي طريق محتمل لأي دور للشرع في مستقبل سورية، هذا إذا كان له دور فيها أصلاً بعد العزلة التي يجد نفسه فيها في هذه الفترة، وبعد الشكوك على أعلى مستويات القيادة حول موقفه منذ انطلقت الثورة من مدينته درعا.

ليس جديداً تداول اسم الشرع في هذا السياق، فقد جاء في اطار طرح «الحل اليمني» للأزمة السورية منذ اقترحت المبادرة العربية هذا الحل في مطلع هذه السنة كمخرج معقول يقوم على أساس تضحية الرئيس بشار الأسد بنفسه في مقابل المحافظة على النظام. غير أن داود أوغلو زاد على الاقتراح العربي صفات أضفاها على الشرع، من النوع الذي يزيد من حذر الرئيس السوري من نائبه، فقال إن الشرع رجل «متعقل وذو ضمير ولم يشارك في المجازر». وهذا تلميح مقصود إلى أن الأسد يفتقد هذه الصفات. وأضاف داود أوغلو قناعته بأن الشرع ما زال موجوداً في سورية، ما يفهم منه أن هناك اتصالات قائمة بين نائب الرئيس السوري والجانب التركي تؤكدها معرفة مكان إقامته. وسوف يضيف إلى انزعاج القيادة السورية، أن هذه الشهادة تأتي من الطرف الإقليمي الذي يعتبره رأس النظام السوري مصدراً للمتاعب التي يعاني منها، ومركزاً لتصدير «الجماعات الإرهابية» إلى بلاده.

يستدعي كلُّ هذا التساؤلَ عن مغزى توقيت هذه الإشادة التركية بالشرع، وعن معنى حرق أوراقه في سورية في هذه المرحلة، مع أن البديهي الذي بات معروفاً، أن أفق «الحل اليمني» أصبح مسدوداً في سورية منذ فترة طويلة، في ظل اقتناع الأسد والمقربين منه أنهم قادرون على الحسم العسكري ضد المعارضة، وهو ما أكده وزير خارجية إيران علي اكبر صالحي مؤخراً، نقلاً عن الأسد. هل يعود السبب إلى إدراك أنقرة أن المأزق الذي بلغته الأزمة السورية بات مأزقاً لها أيضاً، وهو بحاجة إلى حل سريع، إذ على رغم التفويض الذي حصلت عليه حكومة رجب طيب أردوغان من البرلمان باستخدام الجيش في عمليات خارجية عبر الحدود مع سورية، إلا أن الواضح أن تركيا غير مستعدة للذهاب إلى حرب واسعة النطاق مع سورية، للرد على التحرشات ومحاولات الاستدراج السورية المتكررة، وذلك في غياب أي غطاء أطلسي او غربي لتوسيع العمليات التركية في الأراضي السورية.

يبقى السؤال عن مدى تنسيق داود أوغلو مع المعارضة السورية لاقتراح الشرع كبديل مقبول، فعلى رغم قول الوزير التركي إن الشرع لم يشارك في المجازر أو في الاجتماعات الأمنية التي تخطط للعمليات العسكرية، وإشارته إلى أن المعارضة السورية تميل إلى قبول الشرع لإدارة المرحلة الانتقالية، إلا أن الأوساط الفاعلة في المعارضة لا تبدي ترحيباً بالاقتراح التركي، أولاً لأنها تعرف سلفاً أنه مرفوض من جانب الأسد، وأصبح الآن مرفوضاً اكثر بسبب تبني أنقرة له. ثم إن المعارضة تعتقد أن الأزمة السورية تجاوزت نقطة المحافظة على جسم النظام واستبدال رأسه فقط، وباتت مقتنعة بضرورة التغيير الجذري في البنية السياسية السورية بكاملها.

وهو ما يعيدنا مرة اخرى إلى السؤال عن الهدف من وراء إحراق تركيا لأسهم فاروق الشرع في هذه المرحلة.

* في تعليقي الأخير الذي نشر أول أمس الأحد (7 تشرين الأول/ أكتوبر) ورد خطأ ان قيمة الدولار كانت قبل الثورة الايرانية 70 دولاراً وبلغت اليوم 40 الف دولار. والمقصود طبعاً أنها كانت 70 ريالاً وبلغت اليوم 40 ألف ريال. فاقتضى الاعتذار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا قلب العالم

جهاد الزين

2012-10-09

النهار

كثيرة هي المفاجآت التي حملَتْها لنا الأحداث السورية منذ سنة وسبعة أشهر تاريخ اندلاع الثورة السورية. فما بدا أنه الحلقة الأخيرة لموجات "الربيع العربي" المتنقّلة في شمال إفريقيا ومنه، سيظهر أكثر تعقيدا من ذلك على كل المستويات.

صحيح أن موجات الثورات العربية بحد ذاتها مثّلت مرحلة جديدة من مراحل التحولات السياسية والأيديولوجية شملت منطقة بكاملها أفرزت خصائص شخصيتها إلى السطح السياسي والسلطوي بما يسمح بمقارنتها من حيث "نهاية التاريخ" أي سيادة الفكر الديموقراطي بما حصل في أوروبا الشرقية والوسطى مع سقوط جدار برلين ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وقبل ذلك بموجة التحوّلات الديموقراطية في أميركا اللاتينية في السبعينات وأوائل الثمانينات...

صحيح ذلك، إنما تفاعلُ وتفاقمُ ما حدث ويحدث في سوريا تحوّل إلى نقطة انعطاف صراعية في العلاقات الدولية بحيث ليس من المبالغة الاستنتاج أن صورة جديدة للنظام الدولي سترتسم من نتائج الصراع في سوريا.

مفاجأة المفاجأة في هذا الانعطاف ليس مصير موقع ودور إيران على أهميتهما الفائقة في مستقبل المنطقة وإنما دور روسيا في نظام العلاقات الدولية.

المفاجأة الأخرى هي أن الصين اختارت سوريا لتكون شكل التعبير عن تحرّك ديبلوماسي معترض في الشرق الأوسط و خارج منطقة الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا في لحظة تصاعد توتراتها السياسية في محيطها المباشر الذي بات يشكّل مركز الحيوية الاقتصادية في العالم.

مع روسيا والصين أصبحت حدود سوريا ممتدة من القوقاز إلى آسيا الوسطى. وصارت ساحة الأمويين في دمشق محاذيةً لساحة الكرملين في موسكو وتيان آن مين في بيجينغ من حيث وحدة الخطر الديموقراطي على مستقبل الأنظمة الثلاثة بتوظيف ديناميكي من "القوة الناعمة" الأميركية.

المفاجأة الثالثة أن حجم الاندفاع التركي للإلتحاق بموجات "الربيع العربي" التي فاجأت تركيا ولم تكن مستعدةً لها...هذا الاندفاع بات يقرر مصير أول محاولة عملية تركية لتغيير المنطلقات التي وضعها مصطفى كمال أتاتورك منذ العام 1923 بشكل جوهري من حيث العودة للتوجه إلى الشرق الإسلامي وبهذا وصل هذا الخيار إلى حد أنه سيقرر مصير وجود "حزب العدالة والتنمية" في السلطة.

هذه المفاجأة الثالثة تُمكن صياغتها أيضا بالشكل التالي: حجم اندفاع "حزب العدالة والتنمية" على رأس أكبر كتلة شعبية تركية ذات حساسية إسلامية في تاريخ الجمهورية التركية في المواجهة السورية.

لكن بالمقابل حملت هذه المفاجأة مفاجأة مضادة رابعة هي انكشاف حجم التعاطف العلوي داخل تركيا مع القوة العلوية الموجودة في السلطة السورية.

هكذا يمكن اختصار المفاجأتين الثالثة والرابعة في واحدة: انكشاف الوضع الطائفي التركي بسبب الأحداث السورية.

المفاجأة الخامسة هي في مستوى تماسك الكتلة العسكرية الأساسية للنظام السوري والتي تقدّر برأي المصادر الفرنسية بمئتي ألف عسكري محترف ومقاتل بمعزل عن النسبة غير الواضحة لعدد الوحدات المنخرطة في القتال الشامل الدائر الآن وهي باتت لاشك كبيرة من درعا جنوبا إلى دير الزور شرقا إلى حلب شمالا.

ليست هذه كل عناصر الوضع السوري وخصوصا، حتى لا ننسى المنطَلق، التحرك الشعبي والشبابي الواسع جدا الذي أطلق الثورة ضد نظام سياسي هو جزء من مدرسة حزبية عسكرية وَضَعَ "الربيع العربي" حدا لمعظم حلقاتها المستمرة منذ الخمسينات. لكن هذه المفاجآت الخمس تجسّدت من حيث أن معظم المتابعين خارج سوريا ما كانوا يتوقّعونها.

المفاجأة السادسة وهي الأهم والأُولى والأصعب هو الهَوْلُ التدميري الذي كشف عنه الصراع بين النظام والمعارضات في سوريا: هناك سبع مدن سورية تتعرض للتدمير العنيف في "لحظة" واحدة مع أريافها المحيطة التي هي أقرب إلى مدنٍ صغيرة.

فاق التدمير السوري ما شهده العراق ويكاد يتخطى في أشهرٍ التدميرَ الذي شهده لبنان في 15 عاما. لا بل تخطاه.

لم يُفاجىء الوضعُ السوري بما ظهر من قوة "الإخوان المسلمين" كقوة شعبية منظمة رئيسية على الأرض في مواجهة قوة النظام، ولا بالجاهزية الإنفصالية الكردية المختمرة والمحتقنة والممتدة إلى داخل تركيا، ولا بتعددية التحالفات المناطقية والسنية و الاقتصادية للنظام الأقلاوي الحاكم، ولا بظاهرة الخوف المسيحي الاجتماعي السوري من تجذّر التيارات الإسلامية الأصولية، الخوف - الموقف المدعوم من جميع الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية السورية و"المُغطّى" من الفاتيكان، وإن كانت درجة انخراط الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في "حراسة" هذا الموقف، وهي الحليفة الأساسية للرئيس فلاديمير بوتين، يمكن اعتبارها المفاجأة السابعة في هذا التعداد بدءأ من زيارة بطريركها إلى دمشق في بدايات الأحداث. ولا طبعا كان مفاجِئاً تشابهُ الثورة السورية مع حالات "الربيع العربي" التي سبقتها من حيث قوة تعبيرها عن حداثة دينامية شبابية من الطبقة الوسطى ولا حجم التصميم الملكي السعودي القتالي ضد النظام بما يذكّر بدرجة استنفار العصبية السعودية في عهد المؤسس الملك عبد العزيز او خلال حرب اليمن في الستينات، ولا موجة تنظيم التحاق الجهاديين العرب والمسلمين، أي "الأفغان الجدد"، بالثورة السورية المتعسكرة رغما عن إرادة الأقلية النوعية من ناشطيها ومثقفيها "العلمانيين" وبينهم سُنّة ومسيحيون وعلويون...

لم يفاجِئ الوضعُ السوريُّ بكل هذه المعطيات التي كانت ظاهرة بنسبة أو بأخرى لمن يريد أن يصدّق ما يراه... الذي فاجأ فعلا أكثر من أي أمر آخر هو تلك المعطيات التي تجعل سوريا قلبَ الصورة المتشكّلة للنظام الدولي الجديد لا مجرد أزمة كبيرة مستعصية فيه وقلبَ القلبِ في "العالم العربي التركي الإيراني" الذي عاد متداخلا ومتلاطما مرة جديدة في التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أصبح حزب الله “قاعدة” إرهابية ؟!

انهيار الريال الإيراني هو انعكاس للفوضى السياسية التي تعيشها إيران منذ أن أتى الخميني إلى السلطة قبل قرابة أربعة وثلاثين عامًا

د. سلطان عبد العزيز العنقري

الثلاثاء 09/10/2012

المدينة

غريب أمر حزب الله الذي كان ينادي بالممانعة وبمقاومة الاحتلال والطغيان والاستبداد؛ والآن يدعم طاغية الشام بعناصر من حزبه، بل وبقادة ميدانيين متمرسين على حرب العصابات. فمقتل قائد ميداني من حزب الله، في كمين نصبه الجيش الحر لجيش النظام السوري، أكد تورط حزب الله في القتال جنبًا إلى جنب مع شبيحة الأسد وجيشه، وحرس إيران الثوري ومرتزقة مقتدى الصدر. بالطبع لم يستطع حزب الله نفي مقتل أحد قادته الميدانيين في سوريا، فالتورط واضح، والنفي أو التكتم سوف يضع علامات استفهام وتعجب عن هذا الحزب وأهدافه وتوجهاته، ليس خارج الحزب والمتعاطفين معه فحسب، بل داخل الحزب، إلى جانب أنه لابد من تشييع لجنازة هذا الرفيق تليق به يشارك فيها زعماء الحزب، فالحاج علي استشهد في عملية جهادية وهو يحرر هضبة الجولان المحتلة من قبل إسرائيل منذ عام 1967م؟!!.

حزب الله أشار إلى أن قائده الميداني قُتل في عملية جهادية، ولكن أين في سوريا؟!! أي أن الجهاد تحول إلى سوريا بدلًا من إسرائيل؟!! ويبدو أنه حتى الجهاد أصبح يُفسَّر ويفتى فيه من قبل الملالي والآيات في إيران وفق أهوائهم. فالجهاد حسب تفسير حزب الله هو أن تُقاتل ضد الشعب السوري المحتل للأرض السورية؟! وتقوم بإعدامهم رميًا بالرصاص في الميادين العامة لإرجاعهم إلى بيت طاعة بشار الأسد الطاغية، هذه هي المهمة الجهادية التي يفسرها زعماء حزب الله إنه بالفعل تفسير مثير للسخرية وكأن ما يسمى بالرفيق علي حسين ناصيف الملقب (أبوعباس)، مخطط المجازر والإعدامات في لبنان وسوريا، عائدًا من نصر إلى نصر من هضبة الجولان وسقط قتيلًا برصاص الجيش الإسرائيلي، وبالتالي أدخله حسن نصر الله في زمرة الجهاديين والشهداء الذين يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمته؟!!

التخبط لدى حزب الله وتورطه في سوريا طال أسياد هذا الحزب في إيران الذي خرجت مظاهرات في طهران تطالب بالاهتمام بالشعب الإيراني وترك الشأن السوري وعدم التورط فيه بعد أن أمر أحمدي نجاد قوات أمنه بإغلاق محلات الصرافة غير المرخص لها، وجعلهم كعادته كبش فداء، فهم السبب وراء انهيار العملة الإيرانية "الريال" الإيراني إلى أدنى مستوياته؟! وتناسى بقصد أن الحصار الاقتصادي على إيران هو وراء انهيار العملة، وليس للمصارف غير المرخص لها أي دور، وذلك يعود بسبب سياسة الملالي والآيات في إيران في تبديد ثروات إيران في الصرف على أسلحة الدمار الشامل وفي تصدير الثورات، وفي إثارة القلاقل والفتن وتدمير الشعوب والوقوف إلى جانب الأنظمة الفاشية مثله. انهيار الريال الإيراني أمام العملات الصعبة الأخرى ليس بسبب هؤلاء الغلابة المساكين مالكي محلات الصرافة بل هو انعكاس للفوضى السياسية التي تعيشها إيران منذ أن أتى الخميني إلى السلطة قبل قرابة أربعة وثلاثين عاما.

المتخبط الثالث والمتورط في قتل وقمع الشعب السوري، والمدافع الآخر عن نظام قمعي فاشي مثله، هو السيد لافروف، أحد الأوصياء الشرعيين على النظام السوري، الذي يأمر الأسد بالاعتذار إلى تركيا بسبب القذائف التي سقطت على القرى التركية المحاذية للحدود السورية وقتل فيها أبرياء؟! وبشار الجعفري مندوب النظام في الأمم المتحدة ينفي ما تردد عن اعتذار النظام السوري لتركيا، بل يقول إن ما جاء من تصريحات هي تضامن مع المدنيين الأتراك، أي فقط التعزية في السيدة التركية التي ذهبت ضحية قذائف نظام الأسد؟؟!!

التخبط الرابع والذي يدل على عزلة النظام السوري هو ما شنه التلفزيون السوري من هجوم على حماس ورفيقهم السابق خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي كان يقوم إلى وقت قريب برحلات مكوكية ما بين دمشق وطهران وبيروت لتنسيق المواقف بينها وبين حركة حماس، وعندما رأى الانشقاقات والعزلة الشعبية والدولية، وأن انهيار النظام السوري مسألة وقت ليس إلا قرر هو التخلي عن نظام بشار الأسد. فخالد مشعل -كما أرى- هو من أفشل ويُفشل كل مصالحة بين فتح وحماس، فهو كان يدور في الفلك الإيراني والسوري وحزب الله؟!!

وأخيرًا إرهاب الدولة يتمثل في براميل مليئة بالمتفجرات تسقطها الطائرات الحربية للنظام السوري على المدنيين العزل، بدعة جديدة لم تعرفها الحربين العالميتين الأولى ولا الثانية. ولكن تلك البدعة وغيرها من البدع التي تقتل الأبرياء والمدنيين العزل لم نرها في هضبة الجولان المحتلة، والشيء المستغرب أننا لم نجد إلى الآن قذائف تسقط على حدود هضبة الجولان مع فلسطين المحتلة؟!! لأنه نظام عميل لإسرائيل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بل الأسوأ لم يحدث في سوريا بعد

طارق الحميد

الشرق الاوسط

9-10-2012

يقول الرئيس التركي عبد الله غل إن ما يحدث في سوريا «أسوأ سيناريو يتم تنفيذه»، موضحا أن ذلك يؤثر على تركيا التي تقوم بالإجراءات «المناسبة»، ومضيفا أن الشعب السوري «يعاني من ويلات»، مع تحذيره من النهج المتبع الآن، خصوصا أنه - أي الرئيس التركي - يرى أن «التغيير مقبل». فهل ما يحدث هو الأسوأ فعلا؟

المؤكد أن سير الأحداث في سوريا، ومنذ الثورة، كان ينزلق للأسوأ، لكن الأوضاع لم تستقر في القاع إلى الآن، فالأحداث في سوريا مرشحة لمزيد من السوء، والبلاد كلها معرضة لمزيد من التدمير، وهو ما حذر منه الرئيس التركي في حديثه أمس. والسبب واضح وبسيط، وهو تعامل المجتمع الدولي برعونة مرعبة مع الثورة السورية، ولا يكفي هنا إلقاء اللوم على الروس والصينيين الذين عطلوا صدور أي قرار مجد في مجلس الأمن. بل كان، ولا يزال، بمقدور المجتمع الدولي فعل الكثير لإنقاذ سوريا والسوريين. فالواضح، ومنذ أول يوم في عمر الثورة السورية، أن نظام الأسد يكذب، ويمارس القتل، لكن كان هناك تساهل واضح مع جرائم الأسد، إذ واصل العالم الصمت، والمقصود هنا الأفعال، وليس التصريحات الفضفاضة.

ففي سوريا لا يتعامل المجتمع الدولي مع تباين في وجهات نظر طرفين، بل إن القصة أكثر وضوحا. فهناك نظام يقتل، وهناك شعب ثائر، وهناك نظام يستعين بالروس والإيرانيين، وحزب الله، لقتل شعبه الأعزل الذي لا يزال يستجدي العون من المجتمع الدولي الذي لم يفعل شيئا يذكر. وكأن التاريخ يعيد نفسه، وتحديدا بقصة يوغسلافيا حيث أهملها المجتمع الدولي تحت ذرائع كثيرة إلى أن اضطر للتدخل متأخرا، وخارج مظلة مجلس الأمن، وهذا ما يبدو أن الأحداث تسير إليه في سوريا.

وبالطبع لا يمكن أن تلام تركيا على كل ذلك، بل الجميع، لكن هل الوقت الآن وقت تلاوم، أم وقت عمل؟ أعتقد أنه وقت الأفعال، لا الأقوال، فتركيا مثلا، في حالة حرب حقيقية مع الأسد، والسوريون أيضا في حالة حرب مع الأسد وإيران وحزب الله، والعالم كله في حالة شلل مع الانتخابات الأميركية. والرئيس التركي يقول إن بلاده لا تريد إراقة مزيد من الدماء السورية، أو تحويل سوريا إلى دولة مدمرة. وهذا كلام لا غبار عليه، لكن الحقائق على الأرض تقول لنا إن الدماء السورية تراق كل يوم بلا رحمة، وليس من قبل الأسد وحده، بل ومن حزب الله الذي يصف قتلاه في سوريا بـ«الشهداء»، هكذا بلا حياء، وسوريا كلها تدمر، حجرا وبشرا، ونسيجا اجتماعيا، فعلى ماذا الانتظار؟ وقد يقول قائل: وكيف لم نصل للأسوأ إذن؟

الإجابة بسيطة، فكلما تأخر الحسم في سوريا، طال الحريق الجيران بكل تأكيد، وتحديدا لبنان، والتأخير يعني تأصيل التطرف في المنطقة، والطائفية، وهذا الأمر سيقود إلى حريق كبير. ولذا فالمطلوب هو تسليح المعارضة، ودون انتظار نتائج الانتخابات الأميركية، فما يحدث في سوريا حرب، وحلفاء الأسد يواصلون دعمه وتسليحه، بينما السوريون العزل بلا عون، وهذا هو الخطأ القاتل، والذي سيقود سوريا، والمنطقة كلها، للأسوأ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تورطت بثينة أم ورطوها؟

عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

9-10-2012

أيعقل أن سيدة أنيقة ومثقفة، مثل بثينة شعبان، مستشارة الرئيس السوري بشار الأسد، تتورط في جرائم قذرة؟ تقول التقارير الصحافية إن صوتها ورد ضمن تسجيلات هاتفية للوزير اللبناني السابق ميشال سماحة الموقوف في مؤامرة خطيرة. وفيه اتهام مبطن بأنها، أيضا، قد تكون متورطة في مخطط اغتيال شخصيات دينية ومدنية في لبنان. توجد تسجيلات، يقال: إنها كنز معلوماتي كبير، عثر عليها في بيت الموقوف سماحة، الذي يروى أنه اعتاد على تسجيل كل ما يدور معه ومع من حوله، حتى ورط نفسه وآخرين في القضية. كما فعل الرئيس الأميركي المعزول، ريتشارد نيكسون، الذي أدخل فكرة تسجيل كل ما يدور معه في البيت الأبيض فأصبحت التسجيلات الحبل الذي شنق به نفسه، حيث أثبتت تورطه في فضيحة ووتر غيت.

لم توجد وسيلة للاتصال بها، وأصدقاؤها المشتركون يقولون: إنها لا ترد عليهم، أيضا. نقل على لسانها - ردا على التهم الخطيرة ضدها - قولها إنها «نوع من المهاترات والسجالات السياسية المتعارف عليها هناك (في لبنان)، التي لا تستحق الرد أو التعليق».

هي مخطئة، فكل شيء في هذه القضية المهمة جدا يستحق الرد والتعليق، والاتهامات لا تعني تورطها. نحن نعرف بثينة من وظيفتها، فهي مسؤولة إعلامية في بلاط الرئيسين الأسد، الراحل والابن الآن. وبالتالي أستبعد أن طبيعة مهامها تخولها لمثل هذه النشاطات، خاصة أن في نظام الأسد جهازا أمنيا ضخما مكلفا بالمؤامرات والاغتيالات.

لكن إن كان صحيحا أنها قد تورطت - بأي شكل من الأشكال - في مؤامرة الأسد الأخيرة ذات التهم بالغة الخطورة، فإن تفسيري الوحيد أن الأسد صار يتعمد توريط أكبر عدد ممكن من المحيطين به، حتى لا يفكرون غدا في الهرب والانقلاب عليه، وحتى يجعلهم شركاء مباشرين في جرائمه، وبالتالي عليهم الدفاع عن النظام حتى اللحظة الأخيرة.

بثينة كانت مترجمة ومسؤولة إعلامية في الخارجية، ثم انتقلت كمترجمة فمستشارة إعلامية في القصر الرئاسي، وهذا مكنها بكل تأكيد من الاطلاع على دقائق التفاصيل هناك، وصارت شاهدة مهمة على تاريخ الأسد الابن تحديدا. النظام السوري الحديدي القمعي يخاف كثيرا من الانشقاقات، خشية على أسرار الدولة ومنعا لانهيارها، ولا بد أن الأسد يشك في غالبية المسؤولين المدنيين بأنهم يتحينون الفرصة للهروب والانشقاق، مدركين أن النظام ساقط، ومستقبلهم مظلم. ولهذا فإن معظم المسؤولين تم وضع أقاربهم تحت الإقامة شبه الجبرية وأمام رقابة الأمن، يستخدمونهم وسيلة لردع المسؤول من الهرب.

خالد مشعل، مسؤول حماس، كان يقيم في دمشق وغادرها احتجاجا، وفي أعقاب انتقاده للنظام السوري قبل بضعة أيام قام الأمن بالاعتداء على مكتبه وأقاربه، آخرهم صهره، حيث نهب أزلام النظام بيته بقدسيا وحرقوه.

الراغبون في الانشقاق كثر، لكنه أصبح أكثر صعوبة، يدركون أن من يستطيع الهرب سينجو وتكتب له حياة جديدة. وقد شرح أحد المسؤولين العرب، من المهتمين بالثورة السورية، قاعدة التعامل مع رجالات ونساء النظام. قال: من استطاع الانشقاق إلى قبل يوم واحد من انهيار النظام، فسنفتح له أبوابنا، أما من ينشق بعد ساعة من سقوطه فلن يجد أحدا في استقباله.

والأسد يدرك أن من حوله انتهازيون. شخصيات كبيرة، مثل وزير خارجيته ومستشارته الإعلامية، قد يغادرون دمشق بلا عودة، وهم محل إغراءات كبيرة بالانشقاق، خاصة أنهم لم يتورطوا في القتل، وإن كانوا متورطين في التبرير له. وبالتالي، فإن نظام الأسد، الخائف على وحدة صفه، لا يستبعد أن يتعمد توريط كبار موظفيه في عمليات قذرة بأي شكل حتى لا يكون لهم مخرج منها.

وإلا فما الذي يجعل مسؤولة إعلامية طرفا في مؤامرة لقتل أشخاص، إن كان صحيحا أن هناك تسجيلات عليها؟ الأرجح أن النظام لم يكتف بالتآمر فقط على خصومه في لبنان بقتلهم، وإحداث شرخ وحرب أهلية، كما ظل يحذر بأن لبنان سيسقط إن سقط نظام سوريا، بل تآمر أيضا على رجالاته مثل ميشال سماحة، وربما ورط آخرين مثل بثينة شعبان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شخصيات سورية لا تُنسى

غسان الامام

الشرق الاوسط

9-10-2012

شيء من التاريخ. بعضه ضروري لإذكاء الحنين إلى أناس ظلمناهم في حياتهم. ونسيناهم في مماتهم. وأَهالَ عليهم نظام القهر التراب. فأبادهم قسرا من الذاكرة.

لست مؤرخا. إنما أقدم هنا لمحات إنسانية وسياسية مختصرة، عن حياة بعض أولئك المنسيين. لا أُقَرِّظهُمْ كقديسين. فهم كساسة، لم يكونوا ملائكة. لكنهم لم يكونوا أبالسة. وخونة، كما صورهم نظام الزيف.

وأتحدث في لمحات عن عصرهم. ظروفهم. انتماءاتهم الاجتماعية. وأسأل أين هم المؤرخون والباحثون؟ ليكتبوا عنهم. في ساعة الحقيقة. في لحظة الحرية، ليروّوا غليل أجيال شابة تقاتل نظاما جائرا يحاول أن يدفنها، كما دفن آباءها وأجدادها. أجيال جديدة تقاتل. تموت لكي تعيش. لكي تعرف. لكي تستعيد التاريخ. بلا زيف. بلا تزوير. بلا خديعة. بلا ظلم.

لو عاش عبد الرحمن الشهبندر، ربما ما عرفت سوريا الانقلابات العسكرية التي دمرت الديمقراطية الوليدة. لكن الرجل كان أول ضحية سياسية للعنف الديني في القرن العشرين (1940). فقد قتل في عيادته، وهو بردائه الطبي الأبيض، برصاص التكفير. والزندقة. والكراهية. كان الشهبندر عقل وفكر النضال الثوري ضد الاستعمار. قاد ثورة دمشق (1925/ 1927) في قرى غابتها (الغوطة)، حيث يموت اليوم ألوف المدنيين والثائرين، بصواريخ وقذائف الطائفية التي سرقت الاستقلال وزيّفت الديمقراطية.

كان الشهبندر واعيا المأزق الطائفي. كان أول من نادى بالزعيم الوطني الدرزي سلطان الأطرش زعيما للثورة السورية. وكان الشهبندر إنسانا يداوي الفقراء بالمجان. عندما ذهبت آمال الأطرش (أسمهان) إليه في القاهرة، ليساعد أسرتها الصغيرة المهاجرة، لم يكن في جيبه سوى ريال واحد. كان هو منفيا. ملاحقا بحكم إعدام. وكانت هي صبية لم تشق، بعد، طريقها إلى الشهرة، بصوت كريستالي، فيه الكثير من حزن بلدها البعيد.

وكان جميل مردم مستشارا في وزارة الخارجية، عندما كان الشهبندر أول وزير لها في حكومة الاستقلال الأول (1919). وعندما غادر الثاني سوريا إلى المنفى (1927)، غدا الأول محرك السياسة النضالية. يفاوض. ويلهب الشارع.

وعرف مردم نكران الجميل من زملائه في «الكتلة الوطنية» التي قادت النضال من أجل الاستقلال. فحاولوا منافسته معتمدين على شوائب في مسيرته السياسية: تأييده لمعاهدة الاستقلال المنقوص مع فرنسا (1936). خلافه مع زملائه حول سياسة حكومته المالية آنذاك. ثم الاتهام الظالم له بالمسؤولية عن اغتيال الشهبندر الذي كان قد عاد من القاهرة، ومحرضا بشعبيته الهائلة الشارع ضد الكتلة الوطنية، وضد المعاهدة. وضد مردم.

برأ قضاة المحكمة الفرنسية مردم من الاتهام الظالم. وأدانوا رجل الدين الذي خطط عملية اغتيال الشهبندر. لكن الشبهة الثرثارة ظلت تلاحق الرجل الداهية. فقدم عليه شعبيا وزيره شكري القوتلي، ليصبح رئيسا لجمهورية الاستقلال (1943). دهاء مردم وذكاؤه ظلا رصيده. فشكل ثلاث وزارات أخرى في أربعينات القوتلي. وكان مردم المسؤول السوري الذي هندس مع الزعيم المصري مصطفى النحاس اتفاقية تأسيس الجامعة العربية.

كان مردم ذا غريزة سياسية شديدة الحساسية. عندما شعر بأصابع العسكر تهدد الديمقراطية، آثر الاستقالة. اعتزل السياسة. بل هاجر مع أسرته إلى حبيبته مصر في أواخر الأربعينات، ليموت في حضنها (1960). وهاجرت أسرة مردم مرة ثانية. غادرت مصر إلى سويسرا، ليغدو نجله زهير مردم أحد كبار رجال المصارف والبزنس العرب في أوروبا.

في نضالها من أجل الحرية، لم تعرف سوريا الطائفية. شكل فارس الخوري حكومة الاستقلال (1946) وشكل حكومة الديمقراطية في الخمسينات. كان الخوري بثقافته. وعلمه. وهيبة هامته المكللة ببياض شعره الكثيف، فوق تُرَّهات السياسة اليومية. شارك في وضع ميثاق الأمم المتحدة. وشارك زملاءه في «الكتلة الوطنية» آلام السجن. وخفف عنهم بتسليتهم بلعبة «البريدج»، كما روى زميله لطفي الحفار. وخرج الخوري من السجن ليهدي المسلمين قطعة أرض يملكها، ليبنوا مسجدا عليها.

لم يطل العمر برجل الدولة والوطنية سعد الله الجابري. مات باكرا بسرطان الكبد. وهزم مرض السل إبراهيم هنانو الزعيم الحلبي الآخر. فمات عام 1935، بعدما عجزت قوات الانتداب عن الإمساك به حيا. أو ميتا. قاتل إبراهيم هنانو في قرى ومدن حلب. إدلب. حماه التي يقصفها اليوم الأسد الابن بالصواريخ والقنابل.

أنجبت الأسرة الأتاسية السياسية ثلاثة رؤساء للجمهورية. منذ عام 1920، إلى عام 1954. كانت سوريا كلما خرجت من أزمة مع الانتداب، أو الديكتاتورية تعهد إلى هاشم الأتاسي برئاسة الجمهورية أو الحكومة. فيوصلها إلى درب الأمان. ويعود هو إلى عزلته. وأنجبت الأسرة ساسة. ودبلوماسيين. ومثقفين. بل أنجبت منتجا سينمائيا عالميا (نادر الأتاسي الشقيق الأكبر لمثقف ومفكر الاشتراكية الراحل جمال الأتاسي).

اختلف شكري القوتلي مع جميل مردم. فانتخب السوريون رجل الشجاعة رئيسا. وفضلوه على الرجل الداهية. حاول القوتلي الانتحار في السجن، لكي لا يجبره التعذيب على الوشاية بزملائه المناضلين. كان القوتلي نزيها. تقيا. محافظا على اليمين. بل متقشفا. أنفق من ماله على النضال. ولم يبن قصرا للرئاسة. اكتفى بالـ«فيلا» التركية القديمة المغمورة برومانسية أشجار الخضرة الدائمة.

باغتيال الشهبندر. والموت المبكر لسعد الله الجابري. واعتزال الداهية جميل مردم، انتهى عصر وحكم «الكتلة الوطنية». ولم يكن شكري القوتلي، في بساطته الفكرية والسياسية المتناهية، قادرا على استيعاب أفكار وتطلعات شباب جيل الأربعينات والخمسينات الذي استغرقته الحزبية السياسية والآيديولوجية، أو مواجهة غدر عسكر الانقلابات. أو تنافس القوى العربية. والإقليمية. والدولية، على الفوز بقلب سوريا. فقد ظل مراهنا على «قبضايات» الأحياء والحارات القديمة، كمفاتيح تضمن له ولاء الشارع التقليدي المحافظ!

بنهاية عصر «الكتلة الوطنية» الجمودية، لم يبق طافيا منها على السطح سوى شكري القوتلي. كان بضخامته وصوته الجهوري، أشبه بـ«التيتانيك» التي لا تغرق. ثم جاء الصدام المحتم. فقد استسلمت سفينة «التنك» السورية، لجبل الجليد الناصري. ثم ما لبثت الموجة الطائفية الحارة أن ذوَّبت جبل الجليد، لتستغرق سوريا في النوم مع أهل الكهف خمسين سنة.

في الثلاثاء المقبل، لمحات إنسانية وسياسية عن زعماء المرحلة الجديدة: عفلق. البيطار. الحوراني. ناصر. رشدي الكيخيا. ناظم القدسي. أمين الحافظ. الأسد الأب والابن. و... مصطفى طلاس وزير الدفاع المزمن الذي أجاد فن البقاء على الهامش ثلاثين سنة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : إسرائيل تضغط لمزيد من إضعاف الشعب السوري وقوى عربية تؤيدها فما هو البديل ؟! ... زهير سالم*

تناقلت صحف عبرية وغربية وعربية عديدة خبر القلق الإسرائيلي من تنامي قدرات الثوار في سورية . ومطالبة المسئولين الإسرائيليين الولايات المتحدة بالضغط على الدول العربية لوقف تزويد الثوار السوريين ( بالأسلحة الثقيلة !! ) . ثم أصبح هذا الخبر في شقه الثاني دون الأول موضع متابعة الصحفيين تعقيبا وتعليقا وتعليلا وتفنيدا ...

 

القليلون هم الذين لفتهم الموقف الإسرائيلي ، الذي رغم ما يبديه من حرج ظاهر من توحش بشار الأسد الحليف الاستراتيجي على الأرض السورية ، فإنه ما يزال متمسكا به على المستوى الدولي ، مدافعا عنه ، محاولا أن يمنع أي موقف جاد يمكن أن يؤثر فيه. هذا الحلف التاريخي بين ( أسرة الأسد ) وبين الكيان الصهيوني هو مفتاح اللغز السوري بكل أبعاده الإقليمية والدولية . وحقيقة هذا الحلف التي ما يزال يراوغ عنها ، مع الأسف ، بعض الأشقاء العرب من هنا وهناك وهنالك هي مسلّمة من مسلمات التاريخ والواقع والعقل بالنسبة للسواد العام في المجتمع السوري .

 

بالعودة إلى الخبر الأول الذي تلقاه البعض بالتسليم وتلقاه آخرون بالتأييد ، على اختلاف الدوافع ، من حقنا أن نتساءل ما هو المدلول العملي لمصطلح ( السلاح الثقيل ) ؟! وأي نوع من الأسلحة الثقيلة بل المتوسطة رصد الاستراتيجيون في أيدي الثوار الأحرار ؟! إن جل ما في أيدي الثوار من أسلحة وعتاد هو البندقية الفردية ، و في حال أفضل بعض الرشاشات الفردية وأثقل ما وصل إلى يد الثوار رشاش 14,5 الذي غنمت بعض قطعه عن قوات النظام .نضيف إلى ذلك قاذف ( الأرب ي جي ) المضاد للدرع وهو في حد ذاته سلاح فردي وليس سلاحا ثقيلا بحال ..

 

وحين يتحدثون عن الأسلحة الثقيلة لا بد أنهم يقصدون مدفعية الميدان بعياراتها وأمدائها المختلفة ، ويقصدون حاملات الجنود والدبابات وراجمات الصواريخ والقاذفات على أنواعها ؛ أين هي كل هذه الأسلحة في ترسانة الثوار أو الجيش الحر ؟! ومن رصد فرق الدبابات يمتطيها رجال الثورة تتقدم نحو المدن والقرى مهاجمة أو مدافعة عن المدنيين الأبرياء ؟!

 

إن التماهي مع عملية تضخيم ما في أيدي الثوار من سلاح وما يصل إليهم من مدد إنما هو انخراط عملي في المشروع الواحد ( الأسدي – الصهيوني ) القائم على رغبة أكيدة من التخويف من الضحايا ومن الدعوة إلى المزيد من إضعافهم وتجريدهم من أي قدرة من الدفاع عن أنفسهم .

 

كل الاستراتيجيين الثقاة الذين يراقبون المشهد السوري يقرون بلا أدنى تردد أن السلاح الأمضى والأوثق بيد الثوار هو إيمانهم وثباتهم وعزائمهم .

 

وكل هؤلاء الاستراتيجيين يؤكدون ، أن ما يصل إلى يد هؤلاء الثوار من سلاح  على شحه وصعوبة الحصول عليه هو سلاح فردي ، لا يكفي عمليا لخوض معركة متكافئة للدفاع عن النفس ؛ بله أن يكون سلاحا هجوميا يساعد على تنفيذ أي مشروع لإسقاط هذا النظام ..

 

 يتابع المجتمع الدولي طيران بشار الأسد وهو يعربد فوق المدن والبلدات السورية فيقتل الإنسان ، ويهدم البنيان ، دون أن يتطوع قريب أو بعيد بتزويد الثوار السوريين ببعض الصواريخ المضادة للطائرات . وهي في حقيقتها أسلحة فردية خفيفة ودفاعية أيضا .  مما يوفر لعصابات الأسد سماء مفتوحة ليقتل من السوريين من يشاء .

 

لم يشأ المجتمع الدولي بل العالم الحر بل مجموعة ما تسمى - ادعاء - أصدقاء الشعب السوري أن توفر للمدن السورية وللأطفال السوريين مناطق حظر جوي تحميهم من قذائف المجرمين – وما كان أسهل ضرب مثل مناطق الحظر هذه يوما على شمال وجنوب العراق - ؛ ولم يشأ هؤلاء أيضا أن يعينوا السوريين على الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم بإمدادهم ببعض ما يقتضيه المقام .

 

وعجز بل رفض كل المؤيدين العرب – على كثرتهم – أن يشاركوا في مشروع حماية اعناق أطفال سورية من الذبح . حسنا انتم هاتوها ونحن سنقول غنمناها وإن شاء الله سنغنمها قريبا من مستودعاتنا الوطنية .

 

ذرائع كثيرة يتذرع بها اليوم أولئك الذين يدعون إلى إضعاف قدرات الشعب السوري على الدفاع عن نفسه .

 

ذرائع كثيرة يتذرع بها أصحاب ( اللاءات الاستراتيجية ) يطلقونها وهم متكئون على آرائكهم . وهم على يقين أن مسلسل التعاطف ( اللائي ) لن يكلفهم إلا القليل من اهتزازات الحبال الصوتية . يصرخ أحدهم : لا ... ثم لا ... ثم لا .... ونحن مع الشعب السوري ، مع أن ينال حقوقه ومع ذهاب هذا البشار . ( أيها السوريون مقسوم لا تأكلوا فأنتم أعلى .  صحيح لا تقسموا فهو أغلى ..) . هل يخبرني أحد إن كان قد قبض من هذه الريح شيئا ؟ !

 

في المشهد السوري يتوافق مع بشار الأسد الصهيوني والروسي والصيني والأمريكي والأوربي وأدعياء صداقة الشعب السوري بمن فيهم الكثير من العرب والمسلمين ؛ يتوافقون على أمور كثيرة منها : الموقف السلبي الممتنع كل على طريقته . إن توحش بشار الأسد أحرج الكثيرين من حلفائه التاريخيين والاستراتيجيين فاكتفوا بالشطر السلبي من الإدانة أو الشطر السلبي من التأييد .

 

ومنها الاتفاق على تجريد الشعب السوري من أي قدرة لنصرة مشروعه أو الدفاع عن نفسه وعن عرضه . وهو اتفاق بالمؤدى وإن اختلفت الدوافع أو الذرائع واحد ..

 

موقف يقوم عند الأشرار على تمسك مطلق بالشيطان الرجيم القاتل السفاح ، ويقوم عند الأخيار على حسن ظن  – لم يفارقهم فيه – وكل ذلك يضع الشعب السوري أمام بديل عملي واحد يقدمه لهم أولئك وهؤلاء : وهو تفويض بشار الأسد بذبح المزيد منهم مع كل صباح .

 

لتسقط كل السوريات والسوريين وعاشت لاءات الإسلاميين والقوميين والليبراليين والعرب والعبرانيين ففي سورية وحدها تتوحد لاءات هؤلاء جميعا .

 

جردوهم من سلاحهم يقول الصهاينة . أوثقوهم جيدا قبل الذبح يقول من يحفظ قوله عليه الصلاة والسلام ( وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ) سوءة وسحقا لأولئك وشكرا على لا شيء لهؤلاء . أخاف أن أكتب غير هذا .

8/10/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية .. وقف نزيف الدم في سوريا

الراية

8-10-2012

تؤكد تصريحات معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية التي أدلى بها إلى قناة الجزيرة مساء أمس الأول حول ما تشهده سوريا من أحداث على الحرص القطري الكبير والمتواصل على السعي لصون دماء لشعب السوري ووقف حمام الدم هناك بكل الطرق والسعي ما أمكن إلى تجنب مزيد من التأزم وإصرارها على مبدأ أساسي لا تحيد عنه بعدم المس بحياة الأسرى أو قتلهم من أي طرف كانوا.

لقد أبدى معالي رئيس الوزراء استعداد قطر لبذل الجهود للإفراج عن الأسرى الإيرانيين في

سوريا في حال توافرت معلومات تمكن الدوحة من بذل مساعيها في هذا الصدد معربا في الوقت

نفسه عن الأمل أن يعالج موضوع الأسرى الإيرانيين بحكمة وبالحوار بدل قتل الرهائن.

إن تحميل معالي رئيس الوزراء للنظام السوري مسؤولية كبيرة فيما يجري في سوريا يعود إلى رفض النظام السوري الالتزام بوقف العنف والقتل واستخدام الطائرات والأسلحة الثقيلة في وجه الشعب السوري ومطالبه العادلة ومماطلته في تنفيذ مبادرة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان ما أدى إلى الفشل في تطبيقها ومن ثم استقالته.

الثقة في جهود الموفد الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي بحكم خبرته الطويلة في حل الكثير من الأزمات واستقباله في دمشق من قبل السلطات هناك لا تعني أن النظام في سوريا قرر التجاوب مع جهوده الرامية إلى إخراج سوريا من أزمتها فالعنف والقتل استمر وتواصل بل وتصاعدت أرقام الضحايا المدنيين في ظل الجهود التي يبذلها الإبراهيمي.

إن دعوة حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى التدخل العربي سياسيا وعسكريا في سوريا والتي جاءت في الكلمة التي ألقاها في الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي لقيت تجاوبا من العديد من الدول العربية وتأييدا من شعوبها تمثل صرخة لضمير الأمة للقيام بشيء عملي وواقعي ينقذ الشعب السوري ويوقف دورة القتل والعنف المتواصلة والتي تحصد خير أبناء سوريا وبناتها وتضع مستقبل البلاد في مهب الريح وتسير بها نحو المجهول.

لقد ثبت أن المخرج الوحيد والممكن للواقع المأساوي في سوريا يتلخص في وقف العنف والقتل ونزيف الدماء والاستجابة لمطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية والتغيير والاتفاق على انتقال سلمي للسلطة يحفظ هوية سوريا وكيانها ويمنع التدخل الخارجي في شؤونها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النتيجة المضمونة للتصعيد السوري مع تركيا

خيرالله خيرالله

المستقبل - الاثنين 8 تشرين الأول 2012 - العدد 4483 - رأي و فكر - صفحة 19

الى متى يمكن للنظام السوري الهروب الى خارج؟ هرب الى لبنان. هرب الى الاردن. هرب الى فلسطين. هرب الى العراق. في كلّ محاولات الهروب هذه، كان الفشل نصيب النظام السوري. كلّ ما استطاع عمله هو خلق متاعب للبنانيين والاردنيين والفلسطينيين والعراقيين. الجديد في الامر انّه يحاول حاليا، في استعادة للماضي القريب، الهرب الى تركيا، الدولة الاطلسية التي سعى الى التقرب منها من اجل تأكيد انه قوة اقليمية قادرة على اللعب على التناقضات في المنطقة والاستفادة منها الى ابعد حدود!

حاول النظام السوري وضع لبنان تحت جناحه. لا داعي الى استعادة تاريخ النظام السوري مع لبنان الذي لم يخدم في نهاية المطاف سوى اسرائيل التي استهدفت دائما الجنوب اللبناني وارادت ان يكون "مسرحا" خارج سيطرة الشرعية اللبنانية وجيشها تستخدمه في الظهور في مظهر الدولة المهددة من عدوّ عربي...

في الوقت نفسه، سعى الى ان يكون مرجعية الشعب الفلسطيني بحجة ان القرار الفلسطيني المستقل "بدعة" على تعبير الرئيس الراحل حافظ الاسد.

الى ذلك، كان يتحرّش بالاردن باستمرار. عمل في كلّ وقت على زرع بذور عدم الاستقرار في المملكة معتقدا ان ذلك يعزز دوره الاقليمي، الذي هو مجرّد وهم قبل ايّ شيء آخر.

وفي العراق، جعل من العداء لنظام صدّام حسين مادة استثمرها للتقرّب من اهل الخليج وابتزازهم. وبعد سقوط صدّام حسين على يد الاميركيين، اراد ابلاغ كلّ من يعنيه الامر انّه شريك في رسم مستقبل البلد الجار وانه قادر في كلّ وقت على تصدير الارهاب والارهابيين اليه. نسي ان الاحتلال الاميركي للعراق مهّد في الواقع لتسليمه الى الايرانيين الذين لعبوا اللعبة الطائفية والمذهبية بطريقة اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها ذكيّة. خرج الايرانيون، بفضل الميليشيات المذهبية التي صنعوها، الرابح الاوّل من الحرب الاميركية على العراق. اسقطوا عدوّهم التاريخي من دون اطلاق رصاصة واحدة بفضل الغباء الاميركي المنقطع النظير. وضع الايرانيون يدهم على العراق ولم يتركوا للنظام السوري سوى فتات الفتات، بل تركوا له التحدث عن دور ما ليس موجودا سوى في المخيلات المريضة.

في كلّ ما له علاقة من قريب او بعيد بتركيا، كانت الامور مختلفة. يتجاهل النظام السوري الاسباب التي دفعته الى السعي الى انهاء الخلافات معها. يتجاهل خصوصا انه لم يزل "اللواء السليب" (لواء الاسكندرون) من كتب التاريخ السورية ومن خريطة الجمهورية العربية السورية الاّ بعدما تأكد من جدية الاتراك في القضاء على كل ما من شأنه ان يكون مصدر تهديد لامنهم.

امضى النظام السوري سنوات عدة ينفي ان عبدالله اوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الذي يخوض رجاله حربا مع الجيش التركي، مقيم في دمشق. رفض النظام كل الادلة التي قدّمها له الاتراك، بما في ذلك ارقام الهاتف التي طلبها الزعيم الكردي من شقته الدمشقية. عندئذ، طفح الكيل في انقرة التي انذرت دمشق بان الجيش التركي سيدخل الاراضي السورية من الشمال وسيخرج من الجولان. تبيّن مع الوقت ان تلك اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام السوري الذي ما لبث ان طرد اوجلان من اراضيه لينتهي الرجل، بقدرة قادر، في سجن تركي لا يزال مقيما فيه منذ العام 1999.

من الواضح ان النظام السوري لم يتعلّم شيئا من الدرس التركي. لو تعلّم شيئا، لكان الرئيس بشّار الاسد استفاد من التجربة التركية التي تطوّرت مع الوقت وصولا الى ما هي عليه الآن. لو تعلّم شيئا، لكان عرف ان لا مجال للتذاكي على الاتراك وان التنازل النهائي عن لواء الاسكندرون بداية وليس نهاية وان المطلوب استتباع ذلك باعتماد سياسة واقعية. تقوم هذه السياسة الواقعية على التوقف عن ممارسة لعبة الارهاب، بما في ذلك المباشرة في الانسحاب من لبنان عسكريا بدل التمديد لاميل لحود والتخلص من الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في شباط- فبراير من العام 2005 ومتابعة ارسال ارهابيين الى العراق، وذلك على سبيل المثال وليس الحصر طبعا.

ان لجوء النظام السوري الى التصعيد مع تركيا في هذه الايّام دليل على انه لا يمكن ان يتغيّر. انه نظام يرفض الاعتراف بانه انتهى وان التصعيد المباشر مع الاتراك واستخدام الورقة الكردية ضدهم في الوقت ذاته لا ينفعان في شيء. قد يستفيد النظام السوري من ضغوط يمكن ان تمارسها الادارة الاميركية لمنع تركيا من الرد بقوة على الاعتداءات التي تعرّضت لها. هناك اسباب ذات علاقة بالانتخابات الرئاسية الاميركية قد تدعو واشنطن الى ممارسة ضغوط على انقرة كي تمارس ضبط النفس، ولو موقّتا. ولكن في نهاية المطاف، لم يعد مطروحا سوى سؤال واحد هو كيف سينتهي النظام السوري، خصوصا ان الانتخابات الرئاسية الاميركية على الابواب؟

هل يمكن ان تجد العائلة الرئاسية مكانا تلجأ اليه قبل فوات الاوان ام ان مصير افرادها سيكون مصير صدّام حسين ومعمّر القذّافي؟

يبدو واضحاً ان مثل هذا المصير وارد جدّا، اقلّه لسسبب واحد يتمثّل في رفض تعلّم شيء من التجربة التركية اضافة الى انه يظهر ان هناك قوى، مثل ايران، تدفع دمشق في اتجاه التصعيد.

ليس ما يشير الى ان نتيجة التصعيد السوري مع تركيا في السنة 2012 ستكون مختلفة عن التصعيد الذي كان يمارس في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. انها نتيجة مضمونة، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ما آلت اليه الاوضاع الداخلية في بلد كان الى الامس القريب يعتقد نفسه اللاعب الاساسي في الشرق الاوسط!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يكون الشرع مفتاح الحل السوري؟ * عمر كلاب

الدستور

8-10-2012

ما تتناقله الانباء عن عدم دعم الجيش الحر السوري بالاسلحة الثقيلة من السعودية وقطر , بالتزامن مع اخبار تنقلها فضائيات مقربة من الدولتين عن عدم تورط نائب الرئيس السوري فاروق الشرع بالدم , واعتباره طرفا مقبولا ومعتدلا , يعني ان الملف السوري يستعيد رشاده وعقله مجددا بعد فترة سادت فيها اصوات القذائف والقصف على اصوات العقل , وان كانت فيه مقاربة لاستنساخ الحلول على النموذج اليمني , بأن يتولى نائب الرئيس الفترة الانتقالية الى حين الانتهاء من انتخابات رئاسية وبرلمانية.

هذا المخرج السياسي الوحيد ربما للازمة السورية , وهو الضمان لبقاء الدولة السورية وعدم دخولها في اتون حرب اهلية او اتعدام الامن بعد انهيار الدولة كما في العراق وتجربة ليبيا التي لم تسترد عقلها السياسي الى الان , رغم الانتهاء من الانتخابات الشعبية , فما هدمته قنابل الناتو من جدران ثقة وسياسة يصعب تجاوزه في فترة قصيرة , خاصة مع انتشار السلاح بين المناطق والفصائل.

سوريا التي ناورت على اشتعال اقليمي بعد قذيفة الحدود التركية , فشلت في ذلك ولكنها على ما يبدو اعادت الى العقل صحوته مع انفجار القذيفة , فمعنى دخول تركيا في صدام مع سوريا , السماح لايران بالدخول علنا في الحرب الاقليمية ولاحقا لبنان والعراق , وبالتالي تدخل الناتو , الذي سيمنح الازمة السورية ليس تدويلا عسكريا فقط بل سمة الحرب الكونية , في ظل الموقف الصارم من روسيا والصين.

ما تتناقله الانباء من مفردات سياسية جديدة على شاكلة وقف الدعم الثقيل وتمرير معلومة نائب الرئيس , يمكن ان تجد طريقها الى ارض الواقع , حال الضغط على المعارضة السورية للتوحد تحت راية واحدة واسقاط فكرة الاستعانة بالاجنبي او بحلف الناتو تحديدا , والدخول في اتون عملية سياسية شاملة تحفظ وحدة الدولة والاراضي , وتعيد انتاج العملية السياسية بما يجلب الديمقراطية والحرية المنشودة للشعب السوري الشقيق.

فالشارع العربي برمته مؤمن بيقين بضرورة الاستجابة لمطالب الشعب السوري بإنهاء حكم حزب البعث وانهاء عسكرة الدولة واعادة بنائها على اسس مدنية ديمقراطية , ولكن الشارع نفسه يتوجس ريبة من المشاريع التدويلية ودخول الاجنبي الى قلب الشام وحاضنتها البشرية , بل ان جزءا من دعم الرئيس بشار الاسد لدى الاوساط القومية جاء بوصف الاسد عنوان السيادة السورية لا اكثر ولا اقل.

ما تشهده التغيرات السورية وساحتها المشتعلة حد اللحظة , غير مفصول عن التطورات على المشهد المصري الذي انقلب على فكرة التدخل الاجنبي والحل العسكري الكوني , وبدأت مصر في خطوات تقارب مع الكيان الاسرائيلي الطرف الاكثر تضررا من انفلات الساحة السورية وغياب الدولة المركزية فيها , وهذا ما راهنت عليه القيادة السورية طويلا واختبرته في القذيفة التركية الاخيرة , التي كانت اختبارا لمدى امكانية دخول تركيا الحرب مباشرة وما يلي ذلك من تداعيات اقليمية.

التراجع المصري خطوتين الى الوراء وتراجع قطر والسعودية خطوة اقل , يعنيان ان الملف السوري قد وصل الى مرحلة بداية النهاية التي يسبقها بالعادة تسخين داخلي او تصعيد عسكري وسياسي , لكن الحلول قد بانت معالمها وبأن شكل الحل اليمني هو الشكل الاقرب الى الحل في سوريا , فالشرع ابن مدينة درعا بداية الثورة , وهو جزء من النظام السياسي السوري وليس طرفا في الدم , وهذا يؤهله لقيادة المرحلة القادمة.

omarkallab@yahoo.com

التاريخ : 08-10-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الدستور لا بديل عن الحل السياسي لإنقاذ سوريا

الدستور

8-10-2012

يجيء تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني للموقف الاردني الثابت من حل الازمة السورية، خلال استقباله رئيس المفوضية الاوروبية خوزيه مانويل بارسو، والمتمثل بأن لا بديل عن الحل السياسي كسبيل وحيد لانقاذ القطر الشقيق من الحرب المدمرة التي تجتاحه، وتشي بتقسيم البلاد والعباد الى دول طائفية متناحرة، ليثبت عمق وصوابية رؤية جلالة الملك، وحرصه الاكيد على بقاء الدولة السورية موحدة، لا ينفرط عقدها الى كيانات متقاتلة بعد فشل الحلول العسكرية والامنية، التي ادت الى نشوب حرب اهلية مدمرة، وفتحت الباب على مصراعيه للتدخل الدولي والاقليمي في شؤونها الداخلية، بحيث اصبح القطر الشقيق ميداناً للصراع الدولي بعد عودة الحرب الباردة.

ان ما حدث ويحدث في القطر الشقيق يعتبر درساً قاسيا لكافة الحكام، الذين يرفضون احترام ارادة شعوبهم في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة، احتكاماً لصناديق الاقتراع، ويرفضون الحوار الهادف البناء كسبيل وحيد للوصول الى الوفاق الوطني، وهذا ما انحاز اليه جلالة الملك بكل وعي وادراك، حيث استطاع بحنكته وحكمته ان يجنب الاردن المزالق والمخاطر التي تعصف بالدول الشقيقة وادت الى موت مئات الالوف من الابرياء وتدمير الاقتصاد والبنية التحتية، وهروب الملايين من مدنهم وقراهم طلباً للنجاة، بعد ان طاردهم الموت من مدينة الى مدينة ومن شارع الى شارع.

لقد دعا جلالة الملك وفي اكثر من حديث صحفي، وفي خطابه التاريخي بالأمم المتحدة، وفي كلمته امام قمة “اسبا” في البيرو مؤخراً، المجتمع الدولي الى تبني الحل السياسي، بعد فشل المعارضة والنظام، في تحقيق الانتصار الحاسم وانزلاق القطر الشقيق الى حرب اهلية مدمرة ستطول كثيراً، في ظل التدخلات الدولية، وعدم جدية المجتمع الدولي في وضع حد لهذه الكارثة التي تطحن الشعب الشقيق، وادت الى مقتل اكثر من 30 الف انسان، وهجرة مليون مواطن الى دول الجوار وخاصة الى الاردن وتركيا.

ان استمرار هذه الازمة كما اكد جلالته ينذر بأن يصل شررها الى دول الجوار، وهو ما بدأت نذره ترتسم في الافق على الحدود التركية- السورية، ما يستدعي مضاعفة الجهود لوقف هذا النزيف الدموي الخطير من خلال دعم وتبني مبادرة الاخضر الابراهيمي مبعوث الامم المتحدة والجامعة العربية، والتي تعتبر الفرصة الاخيرة لنزع فتيل الانفجار المدمر، الذي يوشك ان يحول القطر الشقيق الى بلاد محروقة.

لقد تحمل الاردن كثيرا جراء هذه الازمة في ظل استقباله اكثر من 200 الف لاجىء، يعيشون في ظروف قاسية، ما يفرض على المجتمع الدولي ان يترجم تعاطفه مع الاردن الى مساعدات مالية، تساعده على العبور باللاجئين الى حياة معقولة تخفف من رمضاء اللجوء والحرمان.

مجمل القول: ان تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني ضرورة تبني الحل السياسي كسبيل وحيد لانقاذ القطر السوري الشقيق من الكارثة التي تحيق به، ووقف نزيف الدم، يؤكد صوابية رؤية جلالته، بعد ان ثبت ان استمرار الحرب سيدمر القطر الشقيق ويحوله الى دويلات متناحرة، وقد تصل نيرانه الى دول الجوار، ويحول المنطقة كلها الى كتلة لهب متحركة يصعب اطفاؤها.

التاريخ : 08-10-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصفقة تنتظر... عودة أوباما ورحيل نجاد؟

الإثنين ٨ أكتوبر ٢٠١٢

جورج سمعان

الحياة

التطورات الأخيرة في الأزمة السورية لن تبدل الكثير في واقع الحرب الدائرة. ولن تكسر ميزان القوى الميداني الذي يمدها بالاستمرار وبمزيد من الفوضى التي بدأت تفيض على الإقليم وتدفع الأوضاع في عدد من بلدانه نحو ذروة التوتر... وترفع وتيرة التـــكهنات والتمنيات. لكن هذه قد لا تعدو كونها أوهاماً. فلا النظام في دمشــق على شفــا الهــاوية، وإن كان من الثابت أن لا قيامة له في النهاية. ولا تركيا ذاهبة إلى الحرب، وإن أجـــاز البرلمان لحكومة رجب طيب أردوغان تحريك الجيش في عمليات خارج الحدود. ولا إيران شارفت على السقوط أو على الأقل مقايضة وقف التخصيب النووي برفع العقوبات الاقتصادية مهما ترنح الريال. ولا لبنان الرسمي طوى صفحة «النأي بالنفس»، وإن زجت قوى لبنانية نفسها بالقتال إلى هذا الجانب أو ذاك. ولا الأردن المنغمس في محاولة لملمة وضعه الخطير يبدي استعداداً للتصعيد مع جاره، وإن تكهن بعضهم بأن ذلك قد يكسب الحكم بعض القوة في الداخل ومزيداً من الدعم الخارجي في مواجــهة خصومه الإسلاميين.

كان واضحاً منذ اندلاع الثورة في سورية أن الإقليم لن يكون بمنأى عن الفوضى أو التوتر. وأثبتت الأزمات الداخلية الناشبة في البلدان المعنية أن هذه الثورة صارت جزءاً من الحراك السياسي الداخلي في بلدان الجوار. الأمر الذي يعمق عجز هذه البلدان عن توفير عناصر لتسوية إقليمية. أو في أحسن الأحوال يحفزها على توفير بيئة ملائمة تعبد الطريق أمام المبعوث الدولي - العربي الخاص الأخضر الإبراهيمي لإنضاج صفقة، لأن البديل سيكون تعميم الفوضى... لعلها «الفوضى الخلاقة» التي بشروا بها وبولادة النظام الإقليمي الجديد من رحمها!

في عام 1999 كان كافياً أن تحشد تركيا قواتها على الحدود مع سورية لتقدم لها دمشق رأس عبدالله أوجلان. يومها اجتمعت القيادتان السياسية والعسكرية برئاسة حافظ الأسد ودرستا كل الخيارات، وبينها الرد على تهديدات أنقرة ورفع التحدي في وجهها. تدخل الرئيس حسني مبارك. قام بزيارة خاطفة للرياض ثم أنقرة التي حملته شريطاً يظهر إقامة «الرجل المطلوب» في دمشق مصحوباً بإنذار جدي. ولم يكن أمام الرئيس الراحل سوى تهدئة أركان حربه وتكليف جهازه الأمني تدبير خروج زعيم «حزب العمال الكردستاني» من البلاد بما يتيح للأمن التركي تعقبه وأسره. وهذا ما كان.

هكذا، لوحت تركيا قبل عقد ونيف باستخدام القوة. لم تكن قادرة على تحمل تبعات الدعم السوري لعمليات «حزب العمال» وما يستتبعه من هز الاستقرار الداخلي واهترائه. وهي اليوم تعيد الكَرّة، مع اختلاف في ظروف المرحلتين. لم يكف الرئيس بشار الأسد عن محاولة تصدير أزمته إلى خارج الحدود. يعتقد ربما أن جرّ تركيا إلى مواجهة ميداينة يفتح الباب لتدخل آخرين في الحرب الدائرة. رهانه على تدخل حلفائه الإيرانيين أو الروس والصينيين للدفاع عنه قد لا يكون في محله. فمن المستبعد أن يزج هؤلاء بجنودهم دفاعاً عن نظامه. كما أن حكومة رجب طيب أردوغان لا ترغب في الانزلاق إلى المستنقع السوري. فتكرار الأحداث الحدودية بين البلدين وما خلّفه ويخلفه تزايد أعداد اللاجئين والجماعات المعارضة المسلحة في شوارع القرى والمدن التركية المحاذية للحدود، من امتعاض في صفوف المواطنين الأتراك وبعض القوى السياسية الداخلية، كلها عناصر ترفع وتيرة الضغط على حكومة أنقرة.

لــذلك، لم يكـــن أمام أردوغـــان سوى رفع التحدي، والتلويح باستعداده للــــحرب. لا يقلقه «تحـــرش» النظـــام السوري أو محاولة استدراجه فحسب، يقلــقه أيضاً تنامي اعتراض أحزاب المعارضة وبعض المكونات التركية على ما تقدمـــه حكومته إلى «المجلس الوطني الســـوري» و «الجيش الحر» وبعض المجموعات المسلحة. لا يريد أن يخسر سريعاً هذا الوهج الداخلي والخارجي الذي حصده في مؤتمر حزبه أخيراً، وهو يستعد لانتخابات محلية ثم برلمانية فرئاسية العام المقــبل. ويقلقه أكثر توافد فرق المجــاهـــدين والمتـــشددين إلى سورية وما يمـــكن أن يشكله ذلــك من أخطار مســتقبلية علــى تــركيا نفــسها.

أنقرة ليست مستعدة لرؤية مجموعات جهادية تقيم على بعد أمتار من حدودها، وتعمل على تكرار «التجربة العراقية» منتصف التسعينات. والقذائف السورية التي سقطت على قرية تركية لم تحرك وحدها مجلس الأمن. أثارت مخاوفه أيضاً التفجيرات الأخيرة في حلب وما يشي به مستقبل الوضع في سورية. وهي مخاوف تنتاب أنقرة التي حرصت منذ البداية على الاستئثار بورقة المعارضة السورية السياسية والعسكرية بمختلف قواها. وهي لا ترغب في ضياع ما بنته طوال سنة وسبعة أشهر. لا يعني ذلك أن أنقرة راغبة في الحرب وتنتظر الذرائع لتدخل ميداني. حاذرت منذ البداية الانزلاق إلى المستنقع السوري... لكن خطأ في حسابات نظام دمشق قد يدفعها مرغمة إلى ما لا تشتهيه. مع العلم أن للتدخل حسابات أطلسية... وروسية وإيرانية، وليس حسابات داخلية فقط!

هذه الحرارة التي أشعلتها الأزمة السورية في الساحة التركية، لم تكن بعيدة من المساهمة في رفع مستوى التوتر الداخلي في إيران. فطهران التي تعيش على لظى نار العقوبات الاقتصادية الدولية القاسية فاقم متاعبها وأثار نقمة الشارع ما أعلنه بعض قادتها عن مساعدات لوجيستية ومالية لدمشق. صحيح أن الملف النووي هو العنوان الكبير للصراع بين طهران وواشنطن وحليفاتها، لكن الصحيح أيضاً أن الانغماس الإيراني في دعم نظام الرئيس الأسد حول الأزمة السورية جبهة مفتوحة في هذا الصراع. حتى باتت خسارة الجمهورية الإسلامية سوريةَ لا تعني فقط سقوط موقع كبير سيودي بكل ما بنت من رصيد واستثمرت طوال عقود، بل قد تحفز الشارع الإيراني وتشجعه على استلهام «الربيع العربي».

الدعم الإيراني للنظام في دمشق لن يتوقف بالطبع. ومهما بلغت حسابات الدعم فهي لن ترقى إلى الأرقام التي يتكبدها الاقتصاد الإيراني، خصوصاً بعدما بدأ سريان الحصار على القطاع النفطي. يزيد الدعم في إثارة غضب الناس الذين يكتوون بانهيار الريال وارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتفشي الفقر. ويصب مزيداً من الزيت على الصراع المفتوح بين معسكَري المحافظين، كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) المقبل.

من الثابت حتى الآن أن ليست هناك قوة أو طرف في إيران مستعد للمساومة على الملف النووي، مهما حاولت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مقايضة وقف التخصيب بوقف العقوبات. مسيرة هذا الملف منذ نحو عشر سنوات تؤكد أن المشروع النووي يحظى بإجماع قومي. وإذا كان مستبعداً أن ينهار النظام بفعل العقوبات القاسية التي لا تتوقف، فإن تزايد الانقسام في صفوف النخبة الحاكمة على أساليب معالجة وضع الانهيار الاقتصادي، واحتمال «انتفاضة» الفقراء الذين كانوا عماد النظام في مواجهة «الثورة الخضراء» عام 2009، أو احتمال وقوع مفاجأة في الأزمة السورية كانهيار النظام وتقهقره، قد تدفع طهران إلى إعادة النظر في موقفها وحساباتها وشروطها من الحوار الدائر مع القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة.

مــثل هذا التطــور، إذا توافـــرت شـــروطه قد يثمر صفـــة ما لن تقدم عليها اليوم قيادة المرشد علي خامنئي، فيما يقترب عهد خصمها اللدود محمود أحمدي نجاد من نهايته. كما أن الإدارة الأميركية ليست مستعدة لأي حوار مع طهران وهي تقترب من استحقـــاق المعركة الرئاسية. كما أنها تفضل تأخير مثل هذا الحوار حتى وصول الرئيس الإيراني الجديد، وبعد أن تكون العقوبات أثمـــرت مزيداً من الإرباك والإنهاك، مثلما أثمرت حتى الآن... في استبعاد خيار الحرب الذي لا يزال بنيامين نتانياهو «يلوّح» به في معاركه الداخلية!

حتى منتصف العام المقبل من يضمن استقرار الحدود بين سورية وتركيا؟ ومن يضمن ضبط الشارع في إيران؟ وقبل هذا وذاك من يتحكم بسير التطورات في سورية ويضمن بقاء ميزان القوى على حاله؟ وماذا لو اشتعلت النار في إحدى جبهات الصراع المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط الكبير؟ وأخيراً ماذا عن حسابات روسيا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نهاية «حزب الله»!

الإثنين ٨ أكتوبر ٢٠١٢

جميل الذيابي

الحياة

هل في العالم العربي من يعرف كيف يفكر «حزب الله»؟ وماذا يريد؟ وماهية أبعاد علاقته مع حكومات عربية ولاتينية؟ لا أعتقد أن هناك من يعرف الحزب وطرائق تفكيره وسلوكياته أكثر من اللبنانيين أنفسهم، فكل واحد منهم لديه حكاية ورواية «سمينة» عن الحزب وخططه، إن شئت أن تستمع لها وتصدقها، وإن شئت أن تستمع لها وتمضي لتتحقق منها! غالبية الأصدقاء اللبنانيين يروون حكايات «أسطورية» عن سلاح الحزب ونفوذه وقوته وإمكاناته وقدراته حتى على اختراق منازلهم وغرف نومهم، والمقاهي التي يدردشون ويتحلقون فيها مع ضيوفهم!

سمعة الحزب في السنوات الأخيرة لم تعد بين الشعوب العربية «جاذبة» كما كانت بعد طرده لإسرائيل من جنوب لبنان، وذلك لأسباب عدة، من بينها افتضاح سياساته وسلوكياته ومواقفه الطائفية في «الربيع العربي»، ودعمه السافر للنظام الدموي القاتل في دمشق. ويعتقد العارفون بالحزب أن أوضاعه الراهنة مرتبكة ويعيش حال قلق، وأنه يشعر بانحسار شعبيته وتزايد كارهيه في الدول العربية، حتى بين أبناء الطائفة الشيعية. ويعتقد هؤلاء بأن الحزب سيواجه أياماً سوداء أشبه بالتي واجهها قادة الأنظمة المستبدة في الانتفاضات العربية، وأن قدراته وقوته ستنحسر تدريجياً بسبب التضييق على مصادر تمويله، وقرب سقوط حليفه نظام الأسد، وتوقّع قيام ثورة شعبية في إيران ضد نظام الملالي من وراء تعثّر الاقتصاد وتدهور الريال وتزايد نسب البطالة والهجرة.

لكن ربما يغيب عن هؤلاء العارفين بالحزب، أنه لا يزال يحظى بعلاقات سرية مع بعض الحكومات، ويخترق مؤسسات عربية مؤثرة عدة، من بينها وسائل إعلامية خليجية ناجحة، إضافة إلى أن «حزب الله» له رصيد لا يستهان به من المؤيدين في دول الخليج ودول عربية أخرى، وله شبكة واسعة في أذربيجان ودول أميركا اللاتينية ودول أفريقية، بعضها عبر التجار والتجارة، كما يمتلك شبكة مخابراتية فاعلة تديرها قوات «الحرس الثوري» الإيراني.

«حزب الله» ليس عربياً بل إيرانيٌ بامتياز، وقائده السيد حسن نصرالله يتحرك وفق التوجيهات الإيرانية، وتعتبره طهران حزباً «إلهياً»، يعمل وفق سياسة «الولي الفقيه». سمعة الحزب تتدحرج بفعل مواقفه السياسية، وأشبه برواية على وشك أن تنتهي فصولها وتتساقط أوراقها، بعد أن فقد سمعته والثقة به، ويعود الفضل في ذلك إلى اليقظة الشعبية في «الربيع العربي». وساعدت في افتضاح سياسات الحزب تناقضاته وطائفيته ومساندته للنظام في دمشق، فيما كان قادته إبان الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين يدغدغون مشاعر الشعوب العربية بالشعارات ودعوتها إلى الثورة ضد المستبدين.

لا ينكر الحزب أن سياساته تنطلق وفقاً لمبادئ «الولي الفقيه»، وأن طهران لا تتردد في دعم نظام بشار بالمال والعتاد والرجال، لأنها تعلم أن انتصار نظامه على الثورة هو انتصار لطهران، ويفك الخناق عن حزبها «الإلهي»، وهو ما يعني سعي «الحرس الثوري» لإنقاذ نظام الأسد باعتباره أولوية مقدسة للحزب ولإيران. ولقد كشفت الثورة السورية «موبقات» الحزب عبر مشاركة عناصره في قتل السوريين، وآخرها الأسبوع الماضي بعد إعلان مقتل القيادي البارز في الجناح العسكري للحزب حسين ناصيف (أبوعباس)، إذ كان يقاتل مع قوات بشار الأسد، ولم يشأ الحزب إلا نشر ما نصه: «شيّع حزب الله وأهالي بلدة بوداي والجوار جثمان الشهيد القائد الحسين ناصيف الذي قضى خلال قيامه بواجبه الجهادي». ولم يذكر الحزب أية تفاصيل حول مقتل ناصيف، وأين كان يجاهد، فيما أكدت مصادر سورية ولبنانية أن ناصيف ورجلين آخرين تابعين للحزب قتلوا في سورية. وماذا يعني أيضاً تفجّر مخزن لأسلحة الحزب في بلدة النبي شيت الذي خلّف تسعة قتلى وعدداً غير معروف من الجرحى؟ يقف الحزب موقفاً مستفزاً وظالماً ضد الشعب السوري، وآخرها رفضه نشر قوات دولية على الحدود اللبنانية - السورية، واصفاً نشر مثل هذه القوات بـ«الصهيوني»، فيما لا يزال يملي على الحكومة اللبنانية سياسة «النأي بالنفس» وعناصره تشارك في قتل أطفال ونساء سورية، وقادته يؤيدون ممارسات الأسد. أعتقد أن الحزب متورط في دور دموي في سورية، ولن تغفر له الشعوب العربية مواقفه وتناقضاته وسياساته، ويبدو أنه يهدف بالتنسيق مع نظام «البعث» في سورية، إلى تصفية حسابات طائفية، والمشاركة في إشعال حرب أهلية ترتبط بمحاور إقليمية عبر ربطها بالثورة السورية وفق توجيهات إيرانية لا تقبل المراجعة، بهدف إنقاذ نظام الأسد حتى آخر قطرة دم، وبذلك يكون الحزب كتب لنفسه بداية النهاية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 “الريال والناتو” تزيلان الأسد

معنى الأحداث

عادل السلمي

الإثنين 08/10/2012

المدينة

يبدو أن نهاية نظام بشار الأسد أوشكت على الزوال بعد أن حمل الأسبوع الماضي متغيرات عدة لابد وأن تزعزع أركان هذا النظام الوحشي وتضعف مواجهته للثورة الشعبية التي تشهدها سوريا منذ الخامس عشر من مارس 2011م وراح ضحيتها أكثر من 30 ألف شخص.

وللتذكير فقط، كتبت هنا قبل نحو أربعة أشهر مقالاً تحت عنوان "جياع إيران يسقطون بشار"، قلت فيه إن الوضع الاقتصادي المتردي في إيران قد يؤدي إلى ثورة شعبية على نسق "الثورات العربية" التي أطاحت برؤساء تونس ومصر وليبيا واليمن، وأنها قد تكتب نهاية النظام السوري الذي يعتمد في مواجهته للثورة في بلاده على الدعم العسكري واللوجستي من الجانب الإيراني الذي أصبح يجاهر به الآن.

في الأسبوع الماضي، خرج الإيرانيون إلى الشارع، متظاهرين، إثر هبوط قيمة الريال لحوالي النصف تقريبًا، إضافة إلى تردي الوضع المعيشي والمادي للمواطنين الإيرانيين بعامة؛ بسبب العقوبات التي تتعرض لها بلادهم من قبل الدول الغربية وتزداد بشكل متصاعد على خلفية برنامجها النووي المثير للجدل.

وهو ما تزامن مع حصول رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على تفويض من برلمان بلاده بإطلاق يد حكومته بتوجيه ضربات للنظام السوري بعد القذائف التي أطلقها الجيش السوري على الجانب التركي، ما أسفر عن مقتل 5 مواطنين أتراك.

وهو الأمر الذي يعني أن نظام الأسد بهذا الاعتداء الذي تكرر أكثر من مرة لا يستفز تركيا التي تعتبر عضوًا مهمًا وفاعلاً في "حلف الناتو" وحدها، وإنما يستفز أيضًا كافة دول الحلف الذي يعتبر في أحد بنوده أن أي اعتداء على أحد دوله يعتبر اعتداء على كافة دوله، وهو ما يعني أيضًا أن استهداف "الناتو" بطاريات المدفعية السورية ومواقع عسكرية سورية أخرى سيصبح مبررًا، ولا يحتاج إلى تفويض من الأمم المتحدة، فثورة "جياع إيران" وتفويض البرلمان التركي لرئيس الوزراء بالرد على الاعتداءات السورية واجتماعات "الناتو" لبحث العدوان السوري، إضافة إلى توحيد الكتائب العسكرية لمقاتلي المعارضة السورية، تحت مظلة واحدة، كل ذلك يقدم عوامل مساعدة ومؤثرة في التعجيل بنظام الأسد ووضع نهاية قريبة للمأساة السورية انطلاقًا من المشهد الراهن، فالإيرانيون منشغلون بداخلهم المحتقن، والأتراك يحشدون قواتهم على الحدود مع الجارة المعتدية، والاعتداءات السورية جردت موسكو من استخدام حق الفيتو، ومقاتلو المعارضة وحدوا صفوفهم، وأصبحت كل المؤشرات تؤكد أن النظام الجائر يلفظ أنفاسه الأخيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوقفوا شلال الدم

رأي البيان

التاريخ: 08 أكتوبر 2012

ليس من مصلحة الشعب السوري بأي شكل من الأشكال إطالة أمد أزمته، تحت أي ذريعة كانت، فاستمرار الأزمة يعني تعميقاً للمشكلات التي ظهرت جلية للعيان بعد اندلاع الثورة السورية، من قبيل الانهيار الاقتصادي الذي وقع فعلاً، وانهيار البنى التحتية التي تضررت إلى حد كبير، وتعمق الانقسام السياسي والطائفي الذي ينذر بوصوله إلى نقطة حرجة جداً.

ولعل المسؤول إلى جانب النظام عن هذا الحال الذي وصلت إليه سوريا، تلك الدول التي تسعى إلى إطالة عمر الأزمة بغية الوصول إلى حلول ليست متوافرة حتى الآن، على حساب الشعب السوري.

إن تعطيل أي حل دولي أو أي قرار في مجلس الأمن يضمن انتقالاً سلساً للسلطة، يعني إلحاق المزيد من التدمير بهذا البلد، فلا يوجد رئيس مهما علا شأنه أهم من بلده، خصوصاً إذا كانت المعادلة المطروحة هي مسألة بقاء الرئيس مقابل تدمير البلد.

لقد كشفت تطورات الأوضاع السورية في الآونة الأخيرة، انفتاح هذا الملف على مختلف الصراعات والتجاذبات الإقليمية، حتى إن بعض الدول باتت تخوض معاركها على التراب السوري، بمعزل عن الأرواح التي تزهق، والانتهاكات التي فاقت كل تصور.

المطلوب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ سوريا، أن يلتزم الجميع بمبادرة الجامعة العربية، وأول بنودها وقف فوري لإطلاق النار، وانسحاب الجيش من المدن، ثم البحث عن صيغ وحلول تتيح انتقالاً آمناً للسلطة. وهذا الانتقال يعني في ما يعنيه أن لا تقود السلطة الحالية هذه العملية، لأن محاولات زجها في هذا الملف تعني حرف المهمة عن هدفها، فالانتقال السلمي يعني عملياً تولي جهة غير الجهة الحالية هذه المهمة. وقد تحدث مسؤولو الجامعة العربية ولجان الوساطة عن أن التركيبة الانتقالية يفترض أن تضم ممثلين عن السلطة الحالية، وممثلين عن القوى الفاعلة في الحراك الثوري والجيش السوري الحر.

وضع حد لشلال الدم المنهمر في سوريا ممكن، لو تضافرت الجهود الدولية، واتفقت على تطبيق خطة الجامعة، دون تحوير أن تفسير مناف لمضمونها.. ولذلك يبدو تطبيقها ودعم مهمة الأخضر الإبراهيمي حلاً يمكن أن يكون مقبولاً من جميع الأطراف، إن وضعت النقاط على الحروف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نهاية الأزمة السوريـة

محمد الشريف

عكاظ

8-10-2012

تقاطعت عناصر مهمة في خطوط تجمعت حول الأزمة السورية. يعتقد البعض أن ثورة سوريا تختلف بسبب تركيبة شعبها أو ديموغرافيتها. لكن حقيقة الأمر أنها اختلفت عن بقية ثورات الربيع العربي، بسبب عوامل خارجية لم يكن للشعب السوري الثائر أي علاقة بها. فالرئاسة في روسيا لا يعنيها النظام السوري ولا الشعب. لكنها تحاول أن تبرهن للدول الغربية أنها أحد أقطاب العالم الجديد كما تعتقد. وهذا ما دفعها للتعنت في مجلس الأمن. وهي صرخة داخلية تقول إنني لازلت كبيرة. رغم أن الدولة الكبيرة هي القادرة على الإنفاق بسخاء على الدول الأخرى. لكنها اعتقدت أن تزمتها هذا سيجعلها من الأقطاب وستستمر به إلى آخر الأزمة السورية. حتى ولو تراجع بشار الأسد ذاته. فلا يعنيها حتى أي الفرقاء ينتصر. فهي تعتقد أنها تصنع موقفا صلبا.

وإيران ترى في سقوط الأسد سقوطا لهلالها المزعوم. وخصوصا بعدما اكتمل بضم العراق له، أصبح متواصلا من طهران إلى لبنان. فنجد أن الرئاسة الإيرانية لن تتهاون عن الإبقاء على بلدان هذا الهلال ضمن حوزتها. وأي ثورة في هذه البلدان تعني لها اجتثاثها من ضمن حوزتها.

والكيان الصهيوني ينظر إلى أي تغيير في حكومة سوريا سيفتح حدوده أمام الثائرين. وسيجعلها منفذا لولوج المحاربين والمجاهدين التي كانت في حمى عنهم بالنظام السوري. لذلك رأيناها ومن خلف الطاولة تثني أي تحرك أو ثورة من الإطاحة بالنظام السوري الذي يحمي حدودها.

وأمريكا ومعها الدول الغربية حاصرت الثوار حتى لا تصل إليهم أسلحة متطورة. لأنها تخاف وبعد نجاح الثورة أن تصب هذه الأسلحة على إسرائيل. هم يؤيدون الثورة ظاهريا لكن دون دعم ينجحها..

هذه كما نرى عوامل خارجية لعبت على إجهاض الثورة السورية. ولا تهتم هذه العوامل بالداخل السوري. والحرب في الداخل تتعمق يوما بعد آخر. ولا عاد يوجد خط للرجعة. فبكل الاحتمالات حتى لو توقفت الحرب لن تعود سوريا كما كانت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشرع بديلا للأسد!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

8-10-2012

يقول وزير الخارجية التركي إنه من الممكن أن يحل فاروق الشرع مكان بشار الأسد على رأس حكومة انتقالية تؤدي إلى وقف النزاع المستمر في سوريا منذ أكثر من 18 شهرا. وأضاف السيد أوغلو أن الشرع «رجل عقل وضمير ولم يشارك في المجازر»، مؤكدا أن المعارضة «تميل إلى قبول الشرع». فهل هذا الأمر ممكن؟

بالطبع كون هذا التصريح صادرا عن رجل بحجم وزير الخارجية التركي، فإنه أمر لا يمكن تجاهله، لكن الغريب في هذا المقترح القديم - الجديد أنه سبق طرحه، وبطرق مختلفة، ومنذ بداية التحرك العربي في الأزمة السورية، ورفض رفضا تاما من قبل الأسد الذي سارع وقتها بتعيين وزير مختص لمحاورة المعارضة. فلماذا يعود هذا المقترح الآن مرة أخرى، وعلى لسان وزير الخارجية التركي؟

المنطق يقول، خصوصا أن الواضح هو أن المسؤولين في منطقتنا لا يكترثون كثيرا بالرأي العام، والدليل حجم الصمت تجاه ما يحدث في المنطقة.. المنطق يقول إن إعادة طرح فكرة تولي الشرع مرحلة انتقالية في سوريا هدفها تجديد الفكرة على أمل أن تحظى بدعم من قبل الروس والإيرانيين، على اعتبار أن يكون مخرج الأزمة السورية هو خروج الأسد، وليس سقوط النظام. وفي هذه الجزئية تحديدا، فقد سبق لمسؤولين عرب أن سمعوها صريحة من المسؤولين الروس الذين قالوا لهم: لماذا كان من المقبول خروج مبارك في مصر وبقاء النظام، بينما يجب إسقاط النظام كاملا في سوريا، وليس خروج الأسد فقط؟

ومن هنا يبدو أن إعادة المقترح الخاص بأن يقود الشرع المرحلة الانتقالية في سوريا هو من أجل تطمين الروس والإيرانيين بأن نفوذهم في سوريا لن يتهاوى في لحظة، وإنما من خلال قبولهم بالشرع، فإنهم يقبلون بأقل الضرر. لكن الأمر لن يكون بهذه السهولة بطبيعة الحال، خصوصا أن المعارضة السورية باتت اليوم لا تفرق بين أعضاء النظام الأسدي كلهم، لا سيما ونحن نرى الاتهامات التي توجه لمستشارة الأسد على خلفية قضية الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، كما أن لدى المعارضة السورية مكاسب حقيقية على الأرض لا يمكن التفريط فيها بسهولة، ومن خلال تقديم تنازلات لأحد أركان النظام الأسدي، وإن كان الشرع. وهنا يجب أن نتنبه إلى خبر لافت؛ وهو الاجتماع الذي عقده في عمان وزير الخارجية الأردني ناصر جودة مع رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب، والذي بحث «تطورات الأوضاع على الساحة السورية»، بحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية، مما يعني أن لدى المعارضة السورية خيارات أخرى قادرة على تولي مرحلة ما بعد الأسد!

وعليه، فليس من السهولة تخيل حل على طريقة مقترح إنابة مبارك للراحل عمر سليمان، فالأوضاع على الأرض في سوريا مختلفة تماما، إلا في حال كانت هناك «طبخة» مستوية، لا يعلم عنها أحد، وهذا أمر لا يوجد ما يدعمه لهذه اللحظة، فلا الأسد بالعاقل؛ ولم نر من روسيا وإيران ما يوحي بأي إشارات جادة. وهنا يبقى سؤال مهم وهو: هل يريد الأتراك القول بأننا فعلنا كل ما في وسعنا، لكن الأسد وإيران وروسيا لم يستمعوا إلينا؟ ربما.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية .. مقاربة جديدة للأزمة السورية

الرايه

7-10-2012

التصعيد الجديد الذي شهدته الحدود السورية التركية والمتمثل بالقصف المدفعي التركي لأهداف سورية رداً على سقوط قذيفة سورية في الأراضي التركية وهو الحادث الثاني من نوعه في أقل من أسبوع يؤكد تفاقم الأزمة السورية ويهدد بانتقالها إلى دول الجوار وإمكانية تحولها إلى حرب إقليمية لا أحد يستطيع التكهن بمسارها ونهايتها.

إن تصاعد التوتر على الحدود السورية التركية وسقوط ضحايا مدنيين أتراك دفع البرلمان التركي لمنح حكومة بلاده تفويضاً بشن عمليات عسكرية داخل سوريا، وهو ما يؤشر إلى المدى الذي يمكن أن تذهب فيه الأزمة بين البلدين رغم أن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان سارع إلى التأكيد أن بلاده لا تنوي شن حرب على سوريا لكنه حذر سوريا من تكرار استهداف الأراضي التركية، قائلاً "لا تغامروا باختبار صبر تركيا".

تطورات الأزمة السورية تستدعي من المجتمع الدولي ومن مجلس الأمن الدولي تحديداً مقاربة جديدة في التعامل معها تختلف عن السابق وتنهي الانقسام في المواقف الذي شل قدرة المجلس على اتخاذ قرارات تدين النظام السوري وتمنعه من قصف المدن والبلدات السورية بالطائرات والأسلحة الثقيلة وهو ما تسبب في خسائر كبيرة في الأرواح وفي تدمير المدن والبلدات ولجوء عشرات الآلاف من المواطنين إلى خارج بلادهم.

إن إدانة مجلس الأمن الدولي للقصف السوري على الأراضي التركية، ودعوات ضبط النفس للبلدين لمنع تحول القصف المدفعي المتبادل إلى حرب مفتوحة ليست هي الطريقة التي تمنع تفاقم الأوضاع بما يهدد الأمن والسلم في المنطقة.

تكرار القصف السوري للمناطق الحدودية في سوريا والرد التركي عليها يستدعي من مجلس الأمن الدولي سرعة التوافق للخروج بقرار لإقامة مناطق آمنة في عمق الأراضي السورية تخضع لحظر الطيران وتوفر الحماية الكاملة للمدنيين السوريين الهاربين من جحيم العنف والقتل في بلادهم وتمنع امتداد الحرب إلى المدن والبلدات التركية المحاذية للحدود السورية.

إن فشل المجتمع الدولي في التحرك لسرعة إطفاء النيران التي هي تحت الرماد بين سوريا وتركيا من خلال خطوات ملموسة على الأرض تضمن حماية المدنيين في كلا البلدين يعني أن مجلس الأمن الدولي سيكون خلال أسابيع إن لم يكن خلال أيام قليلة أمام أزمة مركبة ومشتعلة بين البلدين خاصة إذا تواصل القصف المدفعي على حدودهما.

إن اشتعال الحدود بين سوريا وتركيا يجب أن يشكل حافزاً إضافياً للمجتمع الدولي للضغط لوقف العنف والقتل الذي يمارسه النظام السوري ضد شعبه وللتدخل وبقوة لصالح حماية المدنيين في سوريا الذين يتعرضون للقتل بشكل يومي لإنهاء هذه المأساة الإنسانية التي أقل ما يمكن أن يقال بشأنها أن استمرارها بهذه الصورة يشكل عاراً على المجتمع الدولي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حلب التي تُقصف لا يمكن أن تُهزم

عمر كوش

المستقبل - الاحد 7 تشرين الأول 2012 - العدد 4482 - نوافذ - صفحة 11

لا يمكن أن تُهزم حلب، مهما تغوّل النظام الحاكم في دمويته، وتمادى في قصفها بالطائرات والدبابات والرشاشات، لأن ناسها وحواريها وأحجارها أقوى من كل الطغاة والقتلة والمستبدين. يشهد على ذلك تاريخ هذه المدينة العظيمة الموغلة في التاريخ والمولدة للحضارة، بناسها وأحجارها.

ولا شك في أن من يقصف حلب، وسواها من المدن والمناطق السورية، ويدمر أحياءها ويقتل بشرها، لا يحب المدينة ولا قيمها، ولا يعير اهتماماً لحياة ناسها، وميراثها الحضاري. يسكنه هاجس الانتقام. ويسير عقله ذلك الجزء من ثقافة ريفية رافضة للمدينة وتقاليدها وثقافتها. فرض نفسه حاكماً على البلد بالقوة العمياء. وراح يتصرّف وكأن له ثأر من ناس المدينة وتراثها وحجارتها. وعلى مدى عقود عديدة، حكمها بالنار والحديد، كما يقال، ونشر ثقافة الخوف والعنف والقتل والدمار. هو كاره للمدينة وناسها، كاره للحضارة والتاريخ.

إنها حلب التي نشأت فيها وترعرعت وتثقفت وعشت. ولعل في حكاية حلب ما يعطي دروساً لكل الطغاة والغزاة، بأن المدينة لن تهزم، ليس بفضل الثائرين فيها فقط، بل لأن حكايتها تعود إلى عصور سحيقة، ممتدة في القدم، فيما هو طارئ، مصيره الزوال والنسيان.

وتبدأ حكاية حلب، حين اختارت جماعة من البشر موقعاً من الأرض سكنى لهم، على مقربة من ضفة نهر، كان يضج بالحيوية والعطاء.

وقتئذ بدأت الحياة تدّب في هذا الموقع، فزرعت الأرض، ونحت أفراد تلك الجماعة من البشر مساكن لهم في الصخور، دُعيت فيما بعد "المغاير". سكنوها طويلاً، وحمتهم من سطوة الغزاة والغزوات، وغادرها بعضهم مع ازدياد عدد الساكنين إلى التلة المجاورة (تلة السودا)، حيث اقتربوا أكثر من النهر القديم (نهر قويق). ثم انتقلوا إلى أمكنة أخرى قريبة من ضفاف النهر. ومع الزمن شكلت جملة مواقعهم مدينة صمدت طويلاً بوجه عواهل الدهر، ودعيت هذه المدينة "حلب". ولا تزال بقايا تلك الكهوف المنحوتة في الصخور الكلسية، تشهد على آثار الاستيطان الأول في المدينة الحالية.

وحين نترك مدخل المدينة الرئيسي، الواصل بينها وبين حماة وحمص ودمشق، ونتجه نحو الشرق، نصل قسمها القديم، كي نتجول في حواري المدينة القديمة وأزقتها وأسواقها، حيث التاريخ والقصص والحكايات. وعلينا أن نمعن النظر في أحجار المباني الأثرية، التي تشكل جزءاً أساسياً من تاريخ طويل وحضارة عريقة، تمتد آلاف السنوات. فحلب من المدن القديمة جداً في العالم، إذ كانت عاصمة العموريين في الفترة ما بين الألف الثالث والألف الأولى قبل الميلاد، وتناوبت عليها، تاريخياً، موجات الغزو العديدة، بدءاً من الحيثيين إلى الميتانيين، ثم الآشوريين والبابليين والفرس واليونانيين والرومان وسواهم.

دخلها المسلمون بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح عام 636 ميلادي. وخرّبت غزوات الفرس مدينة حلب مرتين في القرن السادس الميلادي. أما اليوم فتقسم المدينة إلى شطرين: المدينة القديمة، والمدينة الحديثة، حيث يفتقد قسمها الحديث روعة وبهاء قسمها القديم. وقد اعتبرت منظمة الـ"يونسكو" حلب القديمة مدينة تاريخية هامة، نظراً لأهميتها التاريخية، ولاحتوائها على تراث إنساني عظيم، يتوجب حمايته.

ويذكر الشيخ محمد طباخ، مؤرخ مدينة حلب، في كتابه "أعلام النبلاء"، أن ابن بطوطة زار حلب، وكان ذلك سنة 731 ميلادي، وقال في وصفها: "هي من أعز البلدان التي لا نظير لها في حسن الوصف وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها بعضاً". فيما يحدثنا ابن النديم، في كتابه "بغية الطلب"، أن أرسطو، المعلم الأول، استأذن الإسكندر كي يستجم في حلب، وقد بقي فيها أشهراً عدة. كما أقام فيها المعلم الثاني، الفارابي، في رعاية سيف الدولة الحمداني، إلى أن مات فيها. وزار حلب رامبليز الإنكليزي قبل قرنين، وقال: حلب هي لندن الصغيرة. كما زارها الشاعر الفرنسي لامارتين، بعد زلزال 1822، وسماها أثينا الآسيوية.

وأقدم ذكر لمدينة حلب ورد في نصوص "إيبلا" ( تل مرديخ على بعد 60 كم جنوب حلب )، التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. كما ذكرتها نصوص مدينة "ماري" ( تل الحريري قرب مدينة البوكمال )، و"أوغاريت" في الألف الثاني قبل الميلاد. ويتوقع علماء الآثار أن في مدينة حلب مكتبة ضخمة لا تقل محتوياتها عن 20 ألف رقيم مسماري من عصور "إيبلا" و"ماري" و"أوغاريت". وفي حين أن هذه المدن التي مرّ ذكرها اندثرت جميعاً، فإن مدينة حلب بقيت صامدة تقاوم عواصف ونوازل الدهر.

ومن الثابت والأكيد أن الاستيطان البشري لمدينة حلب، تمّ في الألف الخامس قبل الميلاد، ولا أحد يعرف بالضبط معنى ومدلول كلمة "حلب"، لكن بعض الباحثين يرى أن مدلول كلمة حلب، لا يخرج عن كونه مكان التألب والتجمع أو مكان القلب، من منطلق أن حلب كانت تحتل مكان القلب والتجمع بين ممالك "ماري" و"إيبلا" و"كركميش" (جرابلس حالياً) و"مابوغ" و"أوغاريت" و"اراساوكانس" و"أراباد"، وكانت تشكل المركز الديني الأول، أو قبلة المدن الأخرى بمعبودها الشهير الإله "حدد"، إضافة إلى أنها كانت المركز التجاري الأكثر أهمية في ذلك الوقت.

ويمكن القول أن حلب شهدت مولد التاريخ، فلا نكاد نعثر على حضارة قديمة إلا وفي حلب دليلاً يدل عليها، أو غصناً أخضراً يطل علينا من خلف القرون. فهنا قام صرح شامخ، وهنا جامع متفرد في طريقة بنائه ودراسة واجهاته، أو كنيسة رائعة المعمار والزخارف، وهناك سوق ومدرسة و"بيمارستان" وحمام وخان إلخ.

وعلى طول المدينة القديمة، التي تقصف، اليوم، بالطائرات وبمدافع الدبابات، ومن أقصاها إلى أقصاها، يمتد السوق القديم المغطى، أشبه بشرايين تربط أجزاء مركز المدينة، قريبها وبعيدها بوشائج تؤكد القربى، وتصل عضو الجسم بالجسم، حتى لتحس بحلب جسداً ينبع بالحياة. جسداً يضرب جذوره في أعماق الأزل، ويطلق فروعه نحو الشمس. يعانق الفضاء بعطاء هو الضوء والألق. ووجود هذه الديمومة التي يمتد في دمها نسغ الوجود إلى أدق أعصابها، حتى لتحس أنك أمام تجسد مجسّم الوجود البشري بالوجود المعماري. فهي لا تزال عامرة مزدهرة منذ زمن بعيد، بعيد. وهي من المدن القليلة في العالم التي تتجمع فيها كل مدارس تاريخ العمارة وفنونها بتواصل زمني فريد. فقلما وجدت حضارة في العالم القديم لحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق عموماً، إلا وفي حلب بعض آثار لها، تدلّ عليها، وتذكر بها، فهي متحف كبير حيّ للحضارات والعمارات والفنون، منذ أن بدأ الفن يتسلق جدران الكهوف، إلى أن ارتقى إلى معارج الحضارة العربية الإسلامية.

وحين نصل إلى سور المدينة القديم، نتذكر اللحظات التي كانت تغلق فيها المدينة ليلاً بوجه الغزاة، بواسطة أبواب السور المحيط بالمدينة القديمة. وهو سور روماني، جدده الأمويون ثم أصلحه العباسيون، ولما تخرّب في حروب الدولة الحمدانية على يد البيزنطيين قام بإصلاحه سيف الدولة.

وفي عهد نور الدين زنكي، في القرن الثاني عشر ميلادي، بُني سور إضافي أمام السور الأول، ثم بنى الأيوبيون عشرين بُرجاً على هذه الأسوار. وقد تهدّم عدد منها في الهجوم المغولي على المدينة، ثم رُممت في عهد المماليك. ويتخلل السور عدة أبواب، أهمها: باب النصر ـ باب أنطاكية ـ باب الفَرَج ـ باب الجِنان ـ باب قُنْسرين ـ باب المقام ـ باب الحديد.

وعندما ندخل المدينة، تتالى الأحياء والأزقة الضيفة: الجديدة، قسطل حرامي، بنقوسا، الجلوم. وعبر الدروب الداخلية، تصل إلى أسواق المدينة، حيث لا زالت حلب تُعرف بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات التي كانت قائمة في المدينة، وهي أسواق مسقوفة وذات طابع مميز يبلغ طولها مجتمعة نحو اثنتا عشرة كيلو متر.

واهتم ببنائها في بادئ الأمر سيف الدولة، ثم الظاهر غازي بن صلاح الدين وغيره من الأيوبيين. ومن أهم أسواق حلب القديمة: سوق المناديل. السُّوَيقة. سوق اسطنبول. سوق الحرير. سوق الزَّرْب. سوق الحبال، سوق العطارين.

وكانت الخانات في حلب تلعب دور فنادق اليوم. حيث يضم بناء الخانات قاعات بطابقين أو أكثر، وكانت قاعات الطابق الأرضي تخصص للمخازن والدوابّ التي يأتي بها المسافرون، في حين تخصص قاعات الطبقة العليا للسكن. ومن أهم خانات حلب: خان الصابون الواقع في سوق المناديل، وشُيّد في القرن السادس عشر ميلادي، ويمتاز بواجهة مزخرفة رائعة. وخان الوزير الذي يقع قرب المسجد الأموي الكبير، وشيّد في القرن السابع عشر، وهو من أجمل الخانات. وخان الجمرك الذي بني في العهد العثماني، وفيه مسجد و 52 مخزناً و 77 غرفة في الطابق الأول. وخان الشونة، الذي بني في العهد العثماني، ثم أصبح الآن سوقاً للمهن اليدوية. وخان خاير بك، وبني في آخر عهد المماليك في القرن السادس عشر، ويتميز ببابه الجميل والمصنوع من الحديد. وأوج خان (الخانات الثلاثة )، وبني في آخر عهد المماليك أيضاً، ويمتاز بواجهته الرائعة الجمال. ولن يفوتنا بهاء الكنائس والجوامع والمدارس الدينية، وهي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة.

أما بيوتات حلب القديمة، فهي تحفة معمارية، حيث تتألف البيوت الحلبية القديمة من قسمين أو ثلاثة: قسم الاستقبال، وقسم للحريم، وقسم للخدم. تمتاز بسقوف خشبية مرتفعة، محلاة بزخارف هندسية ونباتية ملونة، وجدرانها مزودة بخزانات خشبية، ومغطاة بزخارف خشبية، عليها كتابات شعر ونثر وأقوال مأثورة. وبعض الجدران مكسوة بزخارف رخامية متعددة الألوان. والقاعات الواسعة ( الليوانات ) هي أجمل ما في هذه البيوت، حيث ترتفع نحو نصف متر عن أرض البيت. وقد ظهر هذا الفن العمراني التزييني في حقب سحيقة من الزمن، ولا سيما في بيوت السكن الواقعة حالياً في حي "الفرافرة" و"الصليبة" وسواهما. ونجد فيها إحياء للتقاليد الفنية السورية التي تعود إلى القرون الرابع والخامس والسادس الميلادية، ويظهر ذلك بشكل باحات فسيحة جيدة البلاط مع حديقة صغيرة، وبركة تتوسطها نافورات حجرية، وإيوان جميل متجه نحو الشمال، ومحمي من أشعة الشمس، والصالون الكبير المتصالب الذي تعلوه قبة.

كل ذلك يشهد، مع أشياء أخرى في الثورة السورية، على أن حلب أقوى من كل الأنظمة.. ستبقى صامدة، وسيندثر الطغاة والقتلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السدود المائية التركية ـ الإيرانية هل تغيّر من طبيعة سوريا والعراق؟

سليمان الشّيخ

المستقبل - الاحد 7 تشرين الأول 2012 - العدد 4482 - نوافذ - صفحة 11

في ظل الضجيج السياسي والإعلامي، والمعارك الشرسة بين الكر والفر، إن كان في سوريا أو العراق أو تركيا، والطوفان الإعلامي بين الحقيقي و"المفبرك" من الأخبار والدسائس وحراك الشعوب ومقاومتها؛ وهي تتعرض للقتل، أو وهي تقتلع من بيوتها وأراضيها وتجبر على تركها، لتهيم بعد ذلك في ديار الغربة والتشرد، ومواجهة مآسي الفاقة والعوز والترحال والمعاناة، وتدبير اللقمة و"الملبس" وأي مساحة توفر القيلولة أو النوم بأمن وأمان لاستمرار أدنى شروط الحياة.

في ظل هذا الضجيج، ما زالت مياه الأنهار التركية والإيرانية تصب حتى الآن، أو أقل القليل منها قي المجاري التي عرفت ذلك منذ آلاف السنين، ولا زالت سلطات المياه فيها تقيم سدودا ومشاريع على الأنهار التي تنبع من اراضيها، أو التي تجري فيها، والتي يتوالى جريانها ربما بأقل ما يمكن من كمياتها وصولا إلى مصباتها الطبيعية في سورية والعراق وتركيا كذلك. وإذا كان إنشاء السدود بغرض التنمية وإرواء الأراضي والناس، وإقامة مشاريع زراعية وصناعية وتوليد الكهرباء .. إلخ ما هو إلاّ حق من حقوق الدول وسيادتها على مياه أنهارها التي تنبع وتسير في أراضيها؛ إلا أن ذلك يجب وحسب القوانين الدولية للمياه، ألا يتم على حساب الدول المشاطئة، أو التي تجري فيها مياه الأنهار، بعد أن تجتاز الحدود الأنهار التعاقبية أو الدولية وتحدد تلك القوانين كميات المياه العابرة للحدود ونوعيتها ومواصفاتها ومواقيت الحاجة وذروتها إلخ. إلا أن الأمر لم يتم يوما ضمن شروط القوانين الدولية، أو من ضمن التزامات الجيرة ومترتبات المساحات والمسافات التي تجري فيها الأنهار في دول الجوار؛ إذ أن الأمر ومنذ عشرينات القرن الماضي، عندما استقل العراق عن الدولة العثمانية التركية، وعندما استقلت سورية في أربعينات القرن الماضي عن الاستعمار الفرنسي، فإن مشكلة مياه دجلة والفرات، استمرت قائمة، في الفيضانات المدمرة في سورية والعراق وفي تركيا وإيران أيضا في المراحل الأولى، ثم في الشح والندرة والحجز وتقليل الكميات أو التلاعب بمواصفاتها، منذ مباشرة بناء بعض السدود منذ سبعينات القرن الماضي في دول المنبع وفي دول المجرى والمصب أيضا.

واستمرت العلاقة بين دول المنبع ودول المجرى والمصب هشة وحذرة، وربما قابلة للوصول إلى تراشقات إعلامية وتهديدات. وكانت معدلات الدفق المائي تنخفض أحيانا إلى مستويات قياسية لا تروي أرضا ولا ناسا ولا تولد كهرباء. كما حصل في عام 1990 عندما حجزت تركيا مياه نهر الفرات كي تعبئ سد أتاتورك أكبر السدود التي بنيت على نهر الفرات، ولمدة شهر كامل، ما أدخل سورية والعراق في أزمة شديدة التعقيد والأذى والضرر.

فورة بناء السدود

كما إن علاقة إيران مع العراق حسب الحكومات القائمة أخذت تشهد المد والجزر إياه بين فترة وأخرى، خصوصا بعد أن لجأت إبران إلى إنشاء عشرات السدود على أنهارها العابرة للحدود، والتي تصب أو كان بعضها يصب في العراق، ومع أن عشرات الاجتماعات الثنائية أو الثلاثية، وعقد المؤتمرات المحلية والدولية أقيمت منذ أربعينات القرن الماضي لحل وحلحلة مشاكل المياه بين الدول المشار إليها، وكانت تصدر توصيات وقرارات وبرتوكولات، وتوضع خطط ومشاريع ما زالت تصدر مع ذلك فإن المشاكل ما زالت تتوالد، وأحيانا تتفاقم، لا سيما في مواسم الشحائح المطرية في بعض السنين. ومع إن الأتراك أعلنوا أنه أصبحت لهم "صفر مشاكل" مع دول الجوار في السنوات القليلة الماضية، بل وأن مشروعا مشتركا بين سورية وتركيا لإقامة سد على نهر العاصي ينبع من لبنان ويسير مسافة 571 كلم ليصب في البحر المتوسط أطلق عليه اسم "سد الصداقة" بوشر في وضع حجر الأساس له بين تركيا وسورية منذ سنتين، وعلى اراض كان مُختلفا على تبعيتها، هي أراضي لواء الاسكندرون حسب الأدبيات السورية منذ أربعينات القرن الماضي، ومحافظة هاتاي حسب الأدبيات التركية. إلا أن ما حصل في سورية في الفترة الأخيرة، أوقف السير قدما في المشروع، وازدادت المشاكل وتفرعت واقتربت من دق طبول الحرب بين البلدين، خصوصا بعد تدفق آلاف اللاجئين السوريين إلى تركيا، وتوفير الأخيرة بيئة حاضنة للمعارضة السورية، إن كانت سياسية أو عسكرية. إلا أن السؤال المسكوت عنه، في ظل هذا الضجيج والضباب : ماذا عن المياه وماذا عن السدود في تركيا وإيران؟ وما مدى تضرر سورية والعراق من إقامة تلك السدود؟ وما هي حجج سلطات المياه التركية والإيرانية في هذا المجال؟

علينا الانتباه إلى أن فورة في بناء السدود قد حدثت وتحدث منذ سبعينات القرن الماضي وحتى ما بعد اليوم؛ إن كان في تركيا أو سورية أو إيران أو العراق، بما فيه الشمال الكردي. كما ويتم التداول في محافظة البصرة لبناء سد فيها، بعد أن تم ملاحظة نقص المياه في بعض أهوارها، على الرغم من أخطار الهزات الأرضية التي قد تنشأ من جراء بناء السدود. ومن يكابر ليذكر بأن المياه وكمياتها ومواصفاتها التي كانت تتدفق في مجاريها المعتادة منذ آلاف السنين، ستكون هي نفسها بعد إنشاء السدود ومحطات الكهرباء ومشاريع إصلاح الأراضي وإرواء الناس وغيرها من مشاريع، إن من يقول ذلك، يكون في وهم كبير ويخدع نفسه خداعا كبيرا؛ إذ أن سد أتاتورك والسدود الأخرى على نهر الفرات تصادر نحو 60 في المئة من مياه النهر وفروعه حسب بعض المصادر - . كما أن مشروع "الغاب" في الجنوب التركي خطط له كي يستوعب 100 مليار متر مكعب من المياه، ما سيحرم العراق على سبيل المثال من ثلث مساحة أراضيه الصالحة للزراعة، فضلا عن تسببه في نقص الحصص المائية التي تؤثر سلبا في مجالات مياه الشرب وتوليد الطاقة والصناعة. كما إن سد "أليسو" التركي على نهر دجلة سيصادر 50 في المئة من مياه النهر في حال الانتهاء من إنشائه في العام 2014. وذكرت مصادر أخرى أن سد "أليسو" سيستكمل ببناء سد "جزرة" ما يؤدي إلى تحويل أغلب كميات المياه من نهر دجلة إلى الأراضي التركية قبل عبورها الحدود التركية العراقية.

وتضيف المصادر أن كميات المياه الشحيحة عندها التي ستصل حينها إلى العراق ستكون على درجة ملوحة عالية التركيز. الغريب أنه وفي الوقت الذي كانت تركيا تعلن أن لديها "صفر مشاكل" مع جيرانها ومحيطها، وفي الوقت الذي كانت فيه حرارة الصيف قد تجاوزت الأربعين درجة في سورية والعراق، وعندما صودف وجود رئيس الوزراء التركي أردوغان في زيارة للعراق، كانت كميات الدفق المائي تتدنى إلى 230 مترا مكعبا في الثانية، علما إنه يحتاج إلى 700 متر مكعب في الثانية لتغطية احتياجاته. وعندما عرض الأمر على رئيس الوزراء التركي أثناء الزيارة، أمر بزيادة كميات الدفق المائي إلى الضعف، إلا أن الأمور عادت إلى مستواها المتدني بعد ذلك.

عابرة للحدود أم دولية؟

فما هي حجة سلطات المياه التركية، ومن ثم الإيرانية في التحكم بدفق كميات المياه إلى جيرانها، إن كان في الزيادة أو خصوصا في الحجز والنقصان؟ ذكر الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل أنه "إذا كانت الثروة الطبيعية في بلدنا، فلنا الحق في استعمالها بالطريقة التي نراها مناسبة، إن المياه تنبع في تركيا ولا يمكن لدول المجرى الأدنى أن تعلمنا كيفية استعمال ثرواتنا. هناك منابع نفط في كثير من البلدان العربية، ونحن لا نتدخل في كيفية استعمالها". ويفصّل الدكتور صبحي العادلي في كتابه "النهر الدولي المفهوم والواقع في بعض أنهار المشرق العربي" الصادر في العام 2007 عن مركز دراسات الوحدة العربية، يفصّل في نقل وجهة النظر التركية في هذا الأمر، فيذكر" أن وجهة النظر التركية تعتبر مياه نهري دجلة والفرات عابرة للحدود، فلا تنطبق عليهما تعريفات الأنهار الدولية، وبذلك فإن مياه النهرين خاضعة حصرا للسيادة التركية إلى حين وصولها إلى الحدود، وتعتبر تركيا أن النهر الدولي هو النهر الذي يرسم حدودا بين دولتين متشاطئتين، وبالتالي بحسب هذا الرأي لا يصبح نهر الفرات نهرا دوليا، إلا حين ينضم إلى دجلة في الأراضي العراقية، ليشكل شط العرب الذي يحدد الحدود العراقية الإيرانية". إلا أن الباحث العادلي يورد وجهة نظر لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، حيث ذكرت في تقرير لها أنه "في ما يتعلق بالاقتراح الداعي إلى استخدام مصطلح المياه العابرة للحدود، بسبب استخدامه في اتفاقية معقودة أخيرا، فتلك مسألة صياغة، ولا يوجد اختلاف جوهري بينه وبين المجرى المائي الدولي، ولا يترتب على استعمال هذا التعبيرأو ذاك أية آثار قانونية".

إلا ان الأمور في النهاية لا تخضع إلى حجج قانونية مقابل أخرى، بل يحكمها في أغلب الاحيان تغليب المصالح الذاتية وقوة الأمر الواقع؛ وذلك بحجة أن منابع الأنهار لدينا. هكذا يمكن تلخيص مشكلة المياه بين تركيا وإيران من جهة ، وسورية والعراق من جهة أخرى. أما بالنسبة إلى المياه التي تنبع من إيران، فإن الدكتور العادلي ذكر في كتابه سابق الذكر: "وبالنسبة إلى إيران، فقد لجأت إلى تحويل أغلب الروافد المائية التي تغذي نهر دجلة في الأراضي العراقية نحو أراضيها نهر قارون ونهر الوند وغيرهما ما خفض المياه المتدفقة باتجاه الأراضي العراقية وأساء إلى نوعية المياه التي ما زالت متدفقة".

هذا ويمكن الإشارة إلى أن تركيا باشرت ببناء سد ضخم على نهر دجلة منذ العام 2007، يبعد عن الحدود العراقية نحو 50 كيلومترا، أطلق عليه اسم "أليسو" وتأمل سلطات المياه التركية الانتهاء من إنشائه في العام 2014، وهو من ضمن عشرات السدود الضخمة التي بنتها وتبنيها تركيا في جنوبها، وبالرغم من معارضة سكان الجنوب التركي، خصوصا في منطقة "حصن الكهف" أو "حسان كييف" حسب التسمية التركية، وترتيبهم القيام بمظاهرات عارمة ضد إنشاء المشروع في منطقتهم، ورفع شكاوي وعرائض إلى المنظمات الدولية ضده، كونه سيزيل "متحفا طبيعيا" من الآثار المنقورة في الصخور، وحصنا تاريخيا لعب دورا مهما في ردع ومقاومة غزوات عدة منذ مئات السنين، وهو يقع على تلة مهمة مرتفعة من تلال المنطقة التي يحاذيها النهر في جريانه الدفاق. مع ذلك فإن سلطات المياه التركية لم تأبه لا بالمظاهرات المحلية، ولا للمناشدات الدولية في الإبقاء على الحصن أو تغيير مكان بناء السد.

إن السوريين والعراقيين مقبلون على مواجهة أزمة وجود وحياة، في حال إتمام إنشاء السدود التركية والإيرانية، فما الذي تملكه السلطات الرسمية السورية والعراقية في ظل المواجهات القائمة فيهما من خطط وإجراءات لتفادي الأخطار الداهمة التي قد تؤدي إلى تصحير مناطق واسعة في البلدين؟

إن اللجوء إلى المحاكم والجهات الدولية المختصة بالمياه، وعرض المشكلة الحياتية عليها، هي إحدى وسائل الدفاع عن النفس والوجود والمستقبل، هذا بعد استنفاد كل وسائل الحث والاتصال والمناشدة وإجراء المباحثات والمطالبات مع الجهات المختصة في تركيا وإيران. كما إن تفعيل لغة المصالح في هذا المجال هي من وسائل الدفاع والضغط التي قد تؤثر في مجريات هذه المشكلة الداهمة، والكارثة التي تتدفق كتدفق مياه الأمطار والأنهار في بعض الأحيان.

إن العام 2040 أو في أحسن الأحوال في العام 2050، هما التقديران اللذان يضعهما بعض الخبراء في ما يمكن لتغلغل المآسي المائية في الحياة السورية والعراقية من الوصول بها إلى كوارث محققة في البلدين. فهل تفعيل لغة المصالح المشتركة، يمكن لها أن تعطل بعض السير الحتمي نحو كوارث يمكن أن تحمل صفة الحتم والتحقق؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورة استعادة الوطنية السورية

ماجد الشّيخ

المستقبل - الاحد 7 تشرين الأول 2012 - العدد 4482 - نوافذ - صفحة 11

في ظل ما جرى ويجري، في الآونة الأخيرة، من اختراق لمناعات النظام السوري، إلى حد تدمير بعض حصونه، ينتقل الصراع على سوريا، وليس على العاصمة أو بعض المحافظات فقط، الى حال رحلة الحرب الطويلة؛ حرب السلطة والنظام على المجتمع والشعب السوريان، حرب النظام وحلفائه الإقليميين على كل من ناصر ويناصر انتفاض الشعب وثورة الوطنية السورية، ووضعهم الجميع "كآخرين" في سلة واحدة، كمتآمرين أو متأمركين متغربين، من دون تدقيق في ما يقال أو يطرح من مفاهيم غريبة، من لدن أنصار المتحالفين أو الداعمين والمساندين للنظام، أو من صنف أولئك الذين يصفون أنفسهم بأنهم من "قومويي" أو "إسلامويي" من يطلقون عليها تسمية "الأمة"، فيما هم إلى جبهة الفتنة في الدواخل العربية أقرب، لا سيما وهم يلجّون حربا تتعدد جبهاتها وتتنوع، جاعلين من أنفسهم وذواتهم "أصحاب الحق" ومن كل الآخرين "أصحاب الباطل"؛ مع ما في هذه "القسمة الضيزى" من تجن وكذب ورياء ومصالح متمذهبة، عمادها تطييف الصراع، ونقل قضايا "الممانعة" و"المقاومة" إلى حقول صراعات ومناكفات داخلية، بدل اقتصارهما على الحقل الخارجي، حيث العدو الموصوف وحده في واجهة الصراع لم يعد يجد من ينازله.

لقد فتح الصراع على سوريا العديد من أبواب وجبهات كانت مغلقة، حتى على الصعيد الدولي، حيث الحرب الباردة التي "استكانت" ما يقرب من عقدين، تعود لتندلع مرة جديدة، بشروط أخرى مختلفة وبقوى مختلفة كذلك، حاصدة معها العديد من رؤوس الأفكار والنظريات والمبادئ التي قامت عليها الحرب القديمة. مستبدلة ما كان من تلك الرؤى القديمة، بما يكون من رؤى مختلفة عن عالم مختلف، حيث الاستبداد السياسي والديني، يتسيّد اليوم مشهدا من أغرب المشاهد التي يراد لثورات وانتفاضات شعوبنا العربية أن تؤول إليه في الأخير، كاستبدال نظام طغياني استبدادي، بآخر ذا مسحة دينية، يفتح الأبواب واسعة أمام حروب طويلة متلونة: أهلية و/أو طائفية و/أو مذهبية وسياسية/اجتماعية.. إلخ من أشكال الحروب التي تبتدعها اليوم قوى التطرف والمغالاة من أصحاب الفتن الدينية المكررة والمخترعة على حد سواء.

إن نقلة نوعية تنشأ اليوم في عالم الصراعات السياسية والمجتمعية، حوّلت معها أحد أطراف العملية الصراعية، وكأنه مساقا أو "مسيّرا" بقدرة "ربانية"، فيما الطرف الآخر وكأنه أيضا مساقا و"مخيرا" بقدرة أخرى من ذات الطبيعة، في إحلال لقدرات من التكاذب السياسي تفوق قدرة العقل البسيط على الفرز بين أطروحات متضادة في تزعم الحق وجبهته، في مواجهة الباطل ورهطه وأشياعه ومناصريه. لكن العقلانية الراشدة ترفض هذا المنطق البسيط الذي يريد وعلى طريقة أصحاب الفسطاطين، إقناعنا بالاصطفاف خلف هذا الفسطاط، أو ذاك الآخر الذي يعمد جاهدا لاحتسابنا على فسطاطه، في محاولة لمصادرة مبادئ وأخلاقيات في العمل السياسي لا يسعها إلاّ أن تكون مبدئية. وهي لذلك ترفض إلاّ أن تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ حيث الانتفاض والثورة الشعبية في سوريا هي الانعكاس الأعمق للوطنية السورية التي صادرها ويصادرها النظام منذ استيلائه على السلطة، وتحويله الدولة إلى "مجال خاص" تتوارثه قوة أو قوى غاشمة انفصلت عن الشعب والمجتمع، وعبثت بالوطنية حتى حوّلتها إلى نقيض وطنية المجتمع والشعب السوريان؛ وعلى هذا ينشأ الصراع ويحتدم اليوم؛ من أجل استعادة الدولة إلى "مجالها العام" الذي حرم الشعب السوري من وجودها منذ أوائل ستينيات القرن الماضي.

لهذا ليس من الغرابة، أن يتواصل الصراع على سوريا الدولة، أو يستغرق مثل هذا الزمن، فالمسألة السورية أعمق من رؤيتها كصراع على السلطة بين طرفين محددين؛ إنها صراع من أجل تثبيت وطنية سورية مصادرة، لم يعد يمثلها النظام منذ أن فقد شرعيته بمصادرة الدولة ذاتها، واحتسابها من الأملاك أو الأسلاب الخاصة. لذلك سوف يأخذ الصراع سمات الحرب الطويلة التي قد ترتدي أردية عديدة؛ ولكنها في النهاية سوف تستقر عند حدود استعادة المجتمع في سوريا لوطنيته المصادرة، ولدولته التي اغتربت طويلا.

وهكذا في ظل "تطابق" استراتيجيتي النظام وقوى المعارضة، لجهة محاولة كل طرف الاحتفاظ بطرائق وأساليب حرب تحقق لكل منهما أهدافه ومآلاتها النهائية، يبدو أن تكتيكات الحرب الطويلة هي الخيار الوحيد الذي في ظله سيكون هناك قضم وهضم للسلطة، تفكيك وإعادة تفكيك للنظام, كر وفر، انتصارات وانكسارات مؤقتة، وتحولات محلية وإقليمية ودولية، ليست هي الموجه الأول لما يجري، أو لما سيأتي من تطورات لاحقة، بقدر ما هي في محصلة تداعياتها، سوف تحدد ولو بعد حين، إطارات نهائية لصراع محلي/إقليمي مركب، يمتزج بوضع دولي، أكثر تعقيدا مما نُظر ويُنظر إليه حتى اللحظة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخاطر التقسيم الطائفي في سوريا

المستقبل - الاحد 7 تشرين الأول 2012 - العدد 4482 - نوافذ - صفحة 9

هل سنشهد، في المدى البعيد أو المتوسط قيام دولة علوية في سوريا؟ ففيما سوريا تغرق تدريجياً في حرب بات علينا أن نصفها بالأهلية، فان هذا السؤال يطرح نفسه وسط العائلات العلوية، التي بدأت بالإنسحاب الى "الأرض العلوية".

تاريخياً، تمتد هذه الأرض قليلا نحو الحدود اللبنانية والتركية، وهي تضم بعض مدن الساحل، مثل اللاذقية وبانياس وطرطوس، فضلا عن الجبل "العلوي" الذي يحمل اسم الطائفة.

فابريس بالانش، رئيسة قسم الدراسات حول المتوسط، تقول: "تجري الآن عملية انشاء هذه الأرض. في بعض المناطق مثل دمشق وضواحيها، حيث يعيش بين ستمئة الف وتسعة مئة الف علوي، يترك العلويون مناطقهم وأحيائهم ويلجأون إلى هذا الجبل. النساء والاطفال هم الأكثر عددا من بين هؤلاء الراحلين، وذلك لأسباب أمنية. فيما الرجال يبقون في مكانهم، حفاظاً على أعمالهم ووظائفهم. أحيانا العائلة بأسرها تهاجر الى الجبل".

رسمياً، فان سيناريو كهذا ليس على جدول الأعمال. اذا كان للأرض العلوية أن تأخذ طريقها إلى الحياة، فان ذلك لن يكون قبل هزيمة بشار الأسد؛ فهي خشبة خلاصه. تتابع فابريس بالانش بهذا الخصوص: "يمكننا الاعتقاد بأنه بعد سنوات من الحرب الأهلية الدموية، ان تتحول هذه الفكرة الى واقع؛ بأن يتصالح السنة المعارضون مع السنة الموالين للنظام على حساب العلويين".

ولكن بالنسبة إلى وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي العالم ببواطن النظام السوري، فان هذا الاخير بدأ بتنفيذ هذا المشروع. وهو يرى بأن تدمير كل المدن السنية يأتي في هذا السياق. ويتابع، بأن مآل هذا المشروع هو إنشاء "ممر استراتيجي" يمتد من ميناء طرطوس وحتى سهل البقاع اللبناني، حيث تعيش غالبية شيعية يسيطر عليها حزب الله، أحد أفضل حلفاء دمشق. من هنا أهمية حمص، ثالث المدن السورية، وثلثيّ سكانها من السنة، والتي يمكن، لو اعفيت من الدمار، ان تسد الطريق على تحقيق هذا المشروع. والزعيم الدرزي يجد في هذه الحيثية بالذات السبب الذي يقف خلف شراسة انقضاض الجيش السوري النظامي على المدينة.

تعود فكرة انشاء دولة علوية الى زمن الانتداب الفرنسي (1920-1946). وقتها كانت باريس تتصدّى للمعارضة القومية العربية، فجاءتها فكرة تقسيم سوريا والمراهنة على العلويين بأن تجد لهم "أرضا". في شباط 1933 عقد مؤتمر علوي يطالب بتقسيم سوريا. ومن بين الـ 79 توقيعاً مذيلا للرسالة الموجهة الى سلطات الانتداب، كان اسم جد بشار الأسد. ولكن في نهاية المطاف، انضم زعماء علويون آخرون للقوميين، فوقفوا مع وحدة سوريا وبعضهم حمل السلاح ضد فرنسا.

يبقى أن قابلية هذه الدولة للحياة ليست بديهية. قد يسهّل نشأتها واستمرارها اكتشاف الغاز في البحر، على حدود المياه الاقليمية التركية، وقد تكون كميات الغاز فيه مهمة. ومن المؤكد من جهة أخرى ان انشاء هذه الدولة سوف يعني نهاية بشار الأسد. خطار أبو دياب، أستاذ العلوم السياسية، يقول بهذا الصدد: " بذلك سوف يخسر بشار احتكار تمثيله للعلويين. والده حافظ الأسد كان قد الغى كل زعماء القبائل، واستبدلهم بضباط سنة. مع الوقت، قد يعود هؤلاء الزعماء، او قد يعود أحفادهم".

فابريس بالانش من جهتها ترى بأن كل العائلات العلوية تحلم بأن يسقط بشار وتأخذ مكانه. وليبقى بشار في السلطة، عليه الحصول على موافقة موسكو وطهران بصفته ضامن الريع الاستراتيجي الذي سوف تحصلان عليه لو انشئت هذه الدولة". إذ انه يصعب تصور قيام كيان علوي من دون الدعم القوي لروسيا وإيران: "الروس من اجل حماية قاعدتهم في طرطوس، والايرانيين الذين يحتاجون الى موطىء قدم في البحر المتوسط، فهم يعلمون بأن الضربة المقبلة سوف توجه لحزب الله. لذلك هم يحتاجون إلى قاعدة خلفية".

أضف الى كل ذلك، السنّة الذين يعيشون في الأراضي العلوية، خصوصاً في اللاذقية، حيث يشكلون الأكثرية. في حمص بدأ تطهير الأحياء، والعديد من العائلات السنية غادرت المدينة. فهل يكون هناك تبادل بين حمص واللاذقية؟

[جان بيار بيرين

عن "ليبراسيون" (30 ايلول 2012)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أكاذيب النظام التي تحققت وبات عاجزاً عن السيطرة عليها

بكر صدقي

المستقبل - الاحد 7 تشرين الأول 2012 - العدد 4482 - نوافذ - صفحة 9

يلقي طيران النظام، في الآونة الأخيرة، إضافة إلى الصواريخ والقنابل وبراميل الـTNT، بمنشوراتٍ ورقية تخاطب مقاتلي الجيش الحر بـ"لغة العقل": "لقد تم توريطك بمواجهة الدولة. ألق بسلاحك واستسلم لها. فلا حامٍ لك غيرها". وتقوم شركتا التليفون الخليوي بإرسال رسائل نصية إلى مشتركيهما بالمضمون نفسه، إضافة إلى التليفزيون المكرس لحرب النظام الإعلامية على سوريا.

واصطنع النظام مسرحية غير متقنة في مؤتمر عقدته ما يسميها بـ"المعارضة الشريفة"، التي يحتل بعض رموزها مقاعد وزارية في حكومته، كالشيوعي قدري جميل والقومي السوري علي حيدر. فقد "فوجئ" المؤتمرون بأشخاص يرتدون ثياب جيش النظام، يدخلون عليهم قاعة ائتمارهم بصفة "ضيوف" ما لبث بعضهم أن أمسك بالميكروفون ليعلن أمام كاميرات التلفزيون عن ندمه على مواجهته لـ"الدولة"، وإلقائه السلاح وانضمامه إلى "جيش الوطن"، بعدما اكتشف أنه كان ضحية مؤامرة على الدولة والوطن.

إلى ذلك شنت أجهزة المخابرات، في الأسابيع الأخيرة، حملة تجنيد قسرية للرجال بين 18-40 عاماً، فقامت حواجزها ودورياتها بالإمساك بالناس في الشوارع، ثم ترحيلهم إلى مراكزها لتجنيدهم قسراً. وقامت الأجهزة نفسها بتوزيع السلاح على بعض الشبان من الأقليات الدينية بصفتهم "لجاناً شعبية" لحماية أحيائهم في المدن ممن تصفهم بالعصابات الإرهابية المسلحة، أي الجيش الحر.

يشير مجموع هذه التطورات إلى ورطة يزداد النظام غرقاً فيها كل يوم، تجلت في عجزه عن حسم المعركة عسكرياً لصالحه، وفي تفاقم الخسائر البشرية والمادية في صفوف قواته المسلحة، وفي انهيار معنويات هذه القوات ومعنويات قاعدته الاجتماعية التي تزداد ضيقاً باطراد. فهذا النظام البوليسي الذي تمرس في قمع الأطر التنظيمية للمعارضة السلمية طوال نصف قرن من حكم سوريا بالحديد والنار، وفي قمع المجموعات الإخوانية المسلحة التي تمردت عليه في مطلع الثمانينات، وفي إدارة وتوجيه المجموعات السلفية الجهادية منذ احتلال العراق، وفي الضربات الاستباقية لأي محاولة انقلابية داخل الجيش... فوجئ بالثورة الشعبية السلمية التي انطلقت شرارتها من مدينة درعا، منتصف آذار 2011، ثم عمت جميع أنحاء البلاد في شكل تظاهرات سلمية وكتابات على الجدران وأغنيات ثورية وإعلاماً بديلاً وغيرها من الأنشطة السلمية.

لم تقتصر الغاية من مواجهة التظاهرات السلمية بالرصاص والاعتقال والتعذيب الوحشي وانتهاك حرمات البيوت ونهب وتخريب الممتلكات، على ترويع الناس وإعادتهم إلى بيت الطاعة مجدداً بعدما كسروا حاجز الخوف، بل كذلك لدفعهم إلى التسلح دفاعاً عن النفس. فقد اتهم النظام المتظاهرين، منذ البداية، بأنهم مسلحون حين كان سلاحهم الوحيد الهتاف وقوة الإرادة الجماعية، ظناً منه أن من شأن حملهم السلاح أن يسهِّل قمعهم. فهو متمرس - كما قلنا - في مواجهة المجموعات المسلحة.

كان على النظام أن يخترع رواية كاملة عما يحدث، قائمة على الكذب والتضليل، ليبرر عنفه المنفلت في مواجهة الثورة السلمية. وهو ما فعله منذ الأسبوع الأول لهذه الثورة حين اتهمها باستخدام السلاح والسلفية والطائفية والعمالة لصالح مؤامرات خارجية. وكي يسوِّق روايته هذه على أنها الحقيقة الوحيدة، كان عليه أن يمنع وسائل الإعلام المستقلة من تغطية ما يحدث، وهو ما فعله طوال الوقت، وقتل كل الإعلاميين الذين تمكن منهم، محليين هواة أو أجانب محترفين.

اليوم، والثورة دخلت شهرها التاسع عشر، وتجاوز عدد شهدائها الثلاثين ألفاً، نرى أن النبوءة الأولى المشؤومة، أي السلاح، أصبحت حقيقةً واقعة يصارعها النظام بيأس وقد التف حبل أكاذيبه حول عنقه. النهج الذي اتبعه النظام منذ اللحظة الأولى في مواجهة الثورة، وقام على استبعاد المعالجة السياسية لصالح العنف المحض وتوريط الجيش في الصراع الداخلي، دفع بالثورة إلى حمل السلاح بصورة متدرجة. ما بدأ بعشرات الجنود المنشقين تحول اليوم إلى تشكيلات مسلحة تجاوز مجموع أفرادها المئة ألف، موزعين على امتداد البلاد. وأصبحت الأرض بمعظمها تحت سيطرة الثورة، فواجهها النظام بالقصف المدفعي والجوي المتواصل الذي لا يمكِّنه من تحقيق أي مكاسب، ويعبر عن فقدان سيطرته على الأرض.

غير أن حساسية النظام من الأنشطة السلمية للثورة، ما زالت أقوى بالقياس إلى الثورة بجناحها المسلح. فعلى رغم انحسارها النسبي، ما زالت التظاهرات السلمية تخرج في مختلف أنحاء البلاد، وما زال النظام يواجهها بالقمع الوحشي نفسه حيثما استطاع، أي في الأماكن القليلة التي ما زالت تحت سيطرته. ويواصل النظام قمع أي نشاط سياسي أو ثقافي سلمي حيثما أتيح له ذلك. من ذلك مثلاً اعتقاله لعبد العزيز الخير القيادي في هيئة التنسيق المعارضة واثنين من رفاقه، قبل يومين من انعقاد "مؤتمر الإنقاذ الوطني" الذي دعت إليه الهيئة المذكورة وقوى معارضة أخرى يجمعها "الاعتدال"، في العاصمة دمشق بحماية حلفاء النظام الدوليين: روسيا والصين وإيران.

فعلى الرغم من ادعائه بأنه إنما يواجه "عصابات إرهابية مسلحة"، ما زال يقمع بشدة أي نشاط ثوري سلمي وأي عمل سياسي معارض، حتى لو كان "معتدلاً" و"إصلاحياً" في معارضته، وحتى لو كان بمباركة حلفائه الدوليين.

روسيا والصين وحتى إيران، يدعمون نظام الأسد في حربه على سوريا، وفي ظنهم أنه يريد بهذه الحرب أن يحقق نصراً سياسياً. في حين أن النظام فقد الأمل تماماً من تحقيق حتى النصر العسكري، وما يفعله بسوريا لا يعدو كونه انتقاماً خسيساً من شعب وبلد خسرهما إلى الأبد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثقافة المجازر في سوريا:

ألبومات للموتى

روزا ياسين حسن

المستقبل - الاحد 7 تشرين الأول 2012 - العدد 4482 - نوافذ - صفحة 9

في الثالث عشر من شهر آب 2012 وقعت مجزرة أخرى بحقّ مدنيين في ريف دمشق. اصطفت رقماً متسلسلاً في قائمة متطاولة تكاد لا تعرف الختام، ككابوس ممتد. فأمام حاجز لقوات النظام السوري، على الطريق الواصل إلى مدينة "جديدة عرطوز"، قُتل تسعة شبان يستقلون الحافلة التي تأخذهم باتجاه دمشق. أجبروا على النزول من الحافلة، وقُتلوا على مرأى من الناس بسبب هوياتهم الشخصية التي تحمل أسماء عائلاتهم كنبوءة للنهاية. ثم أُخذت جثثهم من أمام الحاجز، وتم رميها كنفايات عند مدخل مدينة "جديدة عرطوز"، تحت قوس البداية تماماً!! كان منهم ثلاثة شبان من المدينة نفسها، والباقون من المناطق المجاورة مثل "جديدة الفضل" و"المعضمية" وغيرهما.

شهداء "جديدة عرطوز" دفنوا على الفور. البقية ممن لم يستطع أحد التعرّف إليهم، أو لم يقدر ذووهم على القدوم لأخذهم، بسبب من انقطاع الطرق والاتصالات، فقد التقط لهم أحد شباب "جديدة عرطوز" صوراً بكاميرا هاتفه المحمول، واحتفظ بالصور لديه في ألبوم خاص، أسماه: "ألبوم شهداء القوس"، نسبة إلى مدخل المدينة كقوس حجري، قبل أن تُدفن الجثث المرشّحة للتحلّل، بسبب انقطاع الكهرباء والحرّ الشديد، على عجل.

إلى الهاتف المحمول لذلك الشاب راح أهالي المفقودين يتوافدون. يدلّهم كل من يُسأل، فقد أضحت الحادثة معروفة للصغير والكبير. كل من اختفى ابنه يأتي ليلقي نظرات على صور القتلى: شهداء القوس. والشاب يعرض الصور بشكل تلقائي كأنه يقوم، مخلصاً، بوظيفته في أرشيف وزارة. لمن تعذّر عليه التدقيق في صور القتلى كان الشاب يساعده في تذكر لون ملابسهم أو أحذيتهم أو ساعاتهم أو علامات أخرى. في إحدى المرات لم تعرف أم أحد الشهداء، القادمة من "جديدة الفضل"، ابنها.

ـ "يبدو وجه الموتى غريباً حتى عن أحبابهم!!".

علّق الشاب. لكنه عرف ابنها القتيل من فوره حين ألقى نظرة على صورته حياً، صورة مخبّأة في صدر أمه بين طيات ملابسها، وبمقارنة سريعة تأكد بأنه ابنها المفقود، هو ذاك القتيل الذي تهشّم نصف وجهه برصاصة قريبة، وكان يرتدي بنطال جينز وتي شيرت بلون السماء.

مثل هذه الحالة ستصادفها كثيراً في سوريا اليوم، بتمظهرات مختلفة وتفاصيل متباينة. ربما هي محاولات للوقوف في وجه النسيان! أن نوثّق الموت كأنه جزء رئيسي من حياتنا، نحفره في ذاكرتنا، أو في أي ذاكرة بديلة كذاكرة هاتف محمول!! لكن هذه الذاكرة المقيمة ضد النسيان، الذي نخشاه، تتحوّل إلى ذاكرة معتادة مع الزمن، كمن يعلّق صورة متوفى في غرفته فيتآلف مع وجودها، ويتحوّل المتوفّى ليغدو صورته. اعتياد الموت يجعلنا نتحوّل إلى موتى أحياء.

في سوريا اليوم، ينتشل شباب المناطق المقصوفة الجثث يومياً كمن يحمل أكياس قمح. بالحماسة ذاتها والاعتياد ذاته. هذا لا يعني أن الألم انتفى، أبداً، ولكنه أضحى ألماً معتاداً، نتعايش معه. يرتكسون تجاه العثور على المجازر كإرتكاساتهم تجاه الهول اليومي الذي يعيشونه: اعتياد. قبل مدة ليست بطويلة التقيت بشاب من مدينة داريا، وهي مدينة في ريف دمشق، حدّثني عن برّاد كبير لنقل الفواكه والخضار وجدوه بجانب الفرن الآلي في المدينة، كان متروكاً إلى جانب الطريق كهدية من الشيطان بعد المجزرة الفظيعة التي حدثت هناك بين 20 و27 آب المنصرم. كان لهفاً وهو يحدثني عن اكتشاف ما فيه: "34 جثة، منها 28 جثة لرجال و3 نساء و3 أطفال، منهم طفلة بدون ساق ورضيع عمره أشهر وطفل لا يتجاوز عمره 11 سنة من مختلف أنحاء داريا". ثم أردف بنبرة تجمع الاعتداد بالألم والخوف:

ـ "كنت ممن حمل جثثهم ونقلها.. وانظري هذا هو الفيديو..".

وحالما أنهيت مشاهدة الفيديو نقلني إلى فيديو آخر يُظهر جثثاً مصطفة بجانب بعضها البعض يكاد لا يظهر آخرها، ورجل يحمل خرطوم مياه ويغسل الدماء وآثار الحرق وتراكم الموت عنها.

ـ "لم يعد ثمة متسع من الوقت لنغسل كل جثة على حدة، صرنا نغسلهم مجتمعين.. تعرفين 750 شهيداً في داريا خلال أسبوع.. رقم مهول".

ولدهشتي فقد شاهدت الفيديوهات كلها وأنا متماسكة. كما شاهدت فيديوهات لمقتل عواينية وشبيحة في الحجر الأسود بالتماسك ذاته، ولم أخفِ ارتياحي. إذاً من حيث أراد النظام أن يقمع الثورة بالعنف الشديد، راحت الثورة تنتج عنفها المضاد، وهذا أمر متوقع. وهذا العنف تبدى بالدرجة الأولى في دواخلنا نحن السوريين: اعتياد المجازر، ودخول الموت في تفاصيل الحياة اليومية كثقافة متراكمة. فهذا الشاب الديراني كان يدرس في الجامعة حين بدأت الثورة، ولأنه لم يحمل السلاح، ككثير من ثوار داريا السلميين، تحوّل مع الوقت إلى منتشل جثث، وموثّق للقتلى والمجازر وذاكرة الفظاعة في المنطقة. كان يُري الفيديو ذاك لكل قادم. ويحرص على نشر كل ما يصوّره، ورفاقه، على المواقع الالكترونية. في النهاية أبدى حزنه وانزعاجه لأن ذاك الحساب الإلكتروني تم حظره من إدارة الفيسبوك بسبب ما نشره عن جثث محروقة مشوّهة في داريا!!

هل هي محاولات لاواعية للتكيّف مع موتنا اليومي!! أم محاولات للاستمرار وسط الجحيم! أم هي بوادر لتبلّد إحساسنا بالموت كما حصل مع أوروبيي الحرب العالمية، وهم يرمقون الجثث المشلوحة في الشوارع ويكملون طريقهم. وربما كانت محاولات للبقاء على قيد الفاعلية بالنسبة إلى مدنيي الثورة، فالتصالح مع الموت، وتقديم ما يمكننا له، جزء من طقوس العمل في ثورة سوريا التي تدفع كل يوم مئات المدنيين كقرابين.

قبل شهور قليلة حصلت حادثة لا أعتقد أن من السهل نسيانها، فقد قُتل شاب من مدينة سقبا في مدينة جرمانا، وهما مدينتان في ريف دمشق، رداً على قتل أحد رجال اللجان الشعبية هناك بيد رجل من سقبا (حسب الرواية المتداولة). ووسط سعار العنف الذي يسود ألقى بعض المجرمين القبض على شاب سقباوي، لا علاقة له بالجريمة ألّلهم إلا أنه من بلد القاتل، وتم قتله في الساحة الرئيسية في مدينة جرمانا. درزت بطنه بالطلقات واندلقت أحشاؤه على الإسفلت أمام المارة. وكان للحادثة وقع الصاعقة في مدينة مازالت بمنأى، نوعاً ما، عن أعمال العنف الشديدة من قبل النظام، قبل أن تبدأ سلسلة التفجيرات المتتالية فيها.

تلك الجريمة التي حصلت تحت الشمس، على مسمع ومرأى رجال الأمن، ليست بيت القصيد هنا، بل بيت القصيد هو أن الفيديو المصوّر عن الجريمة، بحذافيرها، انتشر خلال ساعات في عموم المدينة، وانتقل من ثم إلى خارجها. وبقي الناس أياماً قادمة يقدّمون الفيديو للزائر مع القهوة، ويتساءلون بعد إلقاء السلام إن كان قد رأى الفيديو! فإن كان جوابه النفي يقحمون الهاتف الخليوي في وجهه ليراه مرفقاً بنظرة يشوبها الفخر.

هل هو نوع من معرفة المعلومة وسط غياب لمصداقية الخبر ما جعل أهل جرمانا يفعلون ذلك، وضياع بين إعلام السلطة وإعلام معارضة؟! أو هو نوع من توثيق للحقيقة لن توثق إلا بفيديوهات تتحرّك فوق أجساد يحتلها الموت؟!

إنه حال خطير ينبغي أن نفكر فيه بجدية. هل تصالح السوريون مع الموت، اعتادوه وأصبح جزءاً من حياتهم اليومية. هل أضحى العنف تفصيلاً طبيعياً من تفاصيل حياتنا؟! لا نستهجنه، لا نشمئز منه، ونسوّغه في بعض الأحيان، وكأن النظام السوري استطاع أن ينقل لنا جزءاً من عنفه الشرس الذي يطبقه منذ سنة ونصف على أرواحنا.. هل كل هذا ما جعل ابني يأتي إلى البيت يوماً وهو يحمل مجموعة من فوارغ الرصاص التي راح ورفاقه يلعبون بها بدل الدحاحل. كان قادماً وفي وجهه فخر مضمر لأنه استطاع أن يربح كمية إضافية من فوارغ الرصاص الجديدة!! أما الدحاحل الملونة المستديرة بلطف فقد أضحت طيّ النسيان! وينظر إليها نظرة استخفاف وشفقة!!

ملاحظة لابد منها: كتابتي هذه جزء لا يتجزأ من ثقافة المجازر التي أتكلّم عنها، اعتياد الكتابة عن الموت كاعتياد رائحة الجثث وحملها وغسلها وتكفينها. ثقافة واحدة تلك التي تؤسس في دواخلنا اليوم نحن السوريون، وكم سنبذل من جهود كي نظف أرواح أطفالنا منها، كي يستطيعوا بناء سوريا الجديدة تلك التي يحلم الجميع بها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران من الريال إلى الدولار

الياس حرفوش

الأحد ٧ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

عندما يستسهل الإيرانيون التخلي عن عملتهم والمتاجرة بها في السوق السوداء لمصلحة عملات غربية مثل الدولار واليورو أو استبدالها بالذهب، فان ذلك يعد مؤشراً مهماً إلى مدى سوء حالهم الاقتصادي وانعدام ثقتهم بسياسات حكومتهم، وإلى مدى البؤس الذي أوصلتهم إليه السياسات المتعاقبة والمواجهة المكلفة التي تخوضها إيران مع الغرب بسبب الاتهامات المتعلقة ببرنامجها النووي. (كانت قيمة الدولار قبل الثورة الإيرانية 70 دولاراً وبلغت اليوم 40 ألف دولار!)

وضع اقتصادي بائس كالوضع الذي بلغه الاقتصاد الإيراني يفترض بأي حكم أن يبادر سريعاً إلى تحمل مسؤوليته ومعالجة أسباب الأزمة لاستعادة ثقة مواطنيه بعملتهم الوطنية بسبب تأثير انهيار هذه العملة في القدرة الشرائية للمواطن، خصوصاً مع صعوبة تغطية العجز من احتياطي إيران من العملات الأجنبية بسبب تجميد الودائع الإيرانية الموجودة في المصارف الخارجية.

غير أن قادة إيران، وبحسب طريقتهم التقليدية في مواجهة أزمات بلادهم، وبدل البحث في أخطاء سياساتهم والكلفة البالغة للمواجهة التي يخوضونها، اتجهوا إلى تحميل قوى «الاستكبار العالمي» مسؤولية الكارثة الاقتصادية التي تضرب بلدهم. وعندما نصف الوضع الاقتصادي في إيران بالكارثي فذلك ليس من قبيل المبالغة. لقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية الرئيسية بنسبة 80 في المئة خلال عام. كما تراجعت قيمة الريال الإيراني بالنسبة نفسها خلال العام الماضي، وهبطت 40 في المئة خلال هذا الأسبوع، وبات الدولار والذهب الملجأ الأسلم الذي يثق به الإيرانيون بدل عملتهم المحلية. ومن شأن أزمة كهذه في أي دولة تحترم مواطنيها أن تؤدي إلى سقوط الحكومة من دون تردد.

لكن هذا ليس حال إيران. هنا ينهج النظام سبيل المكابرة في وجه «الاستكبار». فالمرشد علي خامنئي اعتبر أن الضغوط التي تتعرض لها إيران سببها «استقلال الأمة الإيرانية» كما وصفه. والرئيس أحمدي نجاد اتهم الولايات المتحدة بشن «حرب نفسية» ضد الشعب الإيراني. ويبدو أن خبرة أحمدي نجاد في الطب النفسي توازي خبرته في علم التاريخ! إذ لو صحت تهمة «الحرب النفسية» فسوف تسجل كأول حرب من هذا النوع تؤثر في قيمة العملة وأسعار الخبز واللحوم بدل أن تؤدي بالمصابين بها إلى مصحات الأمراض العقلية.

وعندما يحمّل المسؤولون الإيرانيون كل «الأعداء» تبعات السياسة التي يمارسونها وحرب طواحين الهواء التي يشنونها مع الغرب، فانهم بذلك لا يفعلون سوى التهرب من مواجهة ما ارتكبته سياساتهم بحق الإيرانيين والتي أدت إلى العقوبات القاسية التي فرضتها الحكومات الغربية على إيران، تنفيذاً لقرارات صادرة عن مجلس الأمن وعن دول الاتحاد الأوروبي، التي فرضت مؤخراً حظراً على الصادرات النفطية الإيرانية قلّص إلى النصف عائدات إيران من هذا القطاع الحيوي.

غير أن هذه العقوبات، وعلى رغم قسوتها، لها إيجابيات مهمة لا بد من الانتباه لها. لقد بدأت العقوبات تترك أثراً على الوضع الداخلي الإيراني، مما يؤدي إلى انشغال المواطن بهمومه المعيشية ومحاسبة حكومته على النتائج الكارثية التي أوصلت هذا البلد النفطي المهم إليها. ومن شأن ذلك أن يفتح باب الجدل أمام نقاش علني حول سلامة القرارات الحكومية ويتيح للمعارضة رفع صوتها في الشارع. وهو ما شاهدناه في تظاهرات تجار البازار في طهران هذا الأسبوع الذين كانوا يدعون إلى تجميد البرنامج النووي وإلى سقوط الحكومة ووقف تمويل القوى المتحالفة معها في المنطقة مثل «حزب الله»، فضلاً عن المساعدات التي تقدمها إيران للنظام السوري في معركته مع المعارضة والتي تصل إلى بلايين الدولارات.

ومن إيجابيات هذه الأزمة أيضاً أنها تقفل الباب أمام محاولات إسرائيل نقل النزاع مع إيران في شأن ملفها النووي من مرحلة العقوبات الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية التي تحاول حكومة نتانياهو استدراج الولايات المتحدة إلى خوضها. وبهذا تكون حجة إدارة أوباما الرافضة أصلاً لهذه المواجهة أن العقوبات تفي بالغرض ولا حاجة بالتالي للتورط في عمل مسلح غير مضمون النتائج، فضلاً عن مخاطره الكبرى على أمن منطقة الخليج برمتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تنشب حرب سورية تركية؟!

يوسف الكويليت

الرياض

7-10-2012

هل مناوشات الحدود بين تركيا وسوريا تديرها جهات عدة، واستخدام الأكراد جزء من فتح معركة كردية سورية، عراقية وبدوافع وتأييد ودعم من روسيا وإيران والعراق، وقد ظلت اللعبة الكردية قضية مفتوحة على أبواب عديدة لعدة عقود..

فالرئيس حافظ الأسد عندما حاول حماية الزعيم الكردي عبدالله أوجلان في البقاع اللبناني تحت حراسة الجيش السوري مما دفع تركيا للتهديد بشن حرب على شمال سوريا، وهنا جاء حذر الأسد بأن أخرج أوجلان ليقبض عليه في كينيا بعمل دولي استخباراتي ويسلم لحكومة أنقرة..

المحاولة في نقل معركة الداخل السوري لتركيا تحكمها مخاطر كبيرة، فحتى الردود بالنار بين الطرفين، تظل مسيطراً عليها، لكن ماذا لو حاولت سلطة الأسد توسيعها وبدوافع من حلفائها، وباعتقاد أن العلويين في الأراضي التركية سوف يتحركون لتأييدها بحربها مع تركيا، وهو وهم تقوده أفكار خارج الواقع، وحتى الأكراد يريدون استغلال الثورة بإعلان منطقتهم دولة أسوة بشمال العراق، ومتلاحمة مع أكراد العراق بخلق نواة الدولة الأشمل..

خلق مثل هذا الواقع تحكمه فرضيات وأفكار قد ترى في المسألة تطويقاً كردياً لتركيا، وهذا ما يرفضه أعضاء حلف الأطلسي، وربما يساندون تركيا في أي مواجهة قادمة، والمشكل في الأكراد أنهم ظلوا لعبة القوى المتداخلة في المنطقة الموجودين بها..

فقد اتفق شاه إيران مع إسرائيل على فتح جبهة على حكومة صدام حسين لإغراقه بحرب عصابات طويلة تستنزف قوته، لكن بعد اتفاق الجزائر بين إيران والعراق توقفت الحرب مما عزز قوة صدام والذي استخدم أسلحة كيماوية ضدهم أثناء حربه مع إيران وحدثت مذابح هائلة انتقاماً من تلك المواقف..

مع تركيا قد تتكرر السيناريوهات محاولة من الأسد تخفيف الضغط الذي تمارسه وتدفع بالمعارضين والجيش الحر السوري لمحاربة النظام، لكن بمقارنة قوة البلدين، فالميزان راجح لتركيا في كل الأسلحة، يضاف لها قوة الأطلسي، ولذلك فإن المغامرة لو حدثت بأن استمرت سوريا بإرسال القذائف والصواريخ على حدود تركيا فقد تنشب حرب تؤدي إلى اجتياح شمال سوريا كلها، وفي هذه الحال لن تقوى إيران أو روسيا على الدخول في حرب قد تشعل حرباً كونية لرضا سوريا..

نظام الأسد حاول خلق عداوات كردية سورية مع عربها، مثلما جعل العلويين في حرب مع مكونات الشعب كله، ومثل هذه التصرفات لا تنقذ الحكم، ولا تطيل عمره، بل تجعل حشد قوى أخرى ضده مسألة يدخل فيها مختلف الاعتبارات ومنها توحيد القوى الداخلية واتساع دعمها من أطراف عربية ودولية مختلفة..

اللعب بالنار مع قوى توازي تسليح وقدرات الجيش السوري عملية يجازف فيها نظام يفهم أنه بلا غطاء يجعله ينتصر ،وأزمته لا تحل بفتح المعارك مع الجيران، وإنما بالتخلي عن الأحلام لإدراك الواقع والذي يتجه لإنهاء أسطورة حكم العائلة..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بثينة شعبان ليست آخر العنقود

علي حماده

2012-10-07

النهار

عندما وقع ميشا ل سماحة بيد فرع المعلومات بانكشاف مؤامرة التفجيرات التي كان متورطا فيها لحساب مدير مكتب الامن القومي للنظام السوري اللواء علي مملوك، وبمعرفة مستشارة بشار الأسد بثينة شعبان، لم يكن احد يعرف ان في حوزة الرجل "ارشيفا " ضخما ومخيفا من التسجيلات تعود الى سنوات عدة، كانت تتم بواسطة آلات تسجيل متطورة تستخدمها عادة اجهزة الاستخبارات.

تقول المعلومات التي انكشفت حتى الان ان سماحة كان يسجل كل شاردة وواردة مدى عامين كاملين، وربما أكثر ( اذا تم كشف مكان اخفائه تسجيلات ووثائق تعود سنوات الى الوراء) وقدرت الأجهزة المختصة عدد ساعات التسجيل بالآلاف ولم يفرغ منها سوى عشرات الساعات لغاية اليوم. وكلما مرّ الوقت ستكشف التسجيلات جوانب كانت حتى الان مخفية عن سياسات، وسلوكيات، النظام السوري وقيادات ٨ اذار، فضلا عن انها يمكن ان تكشف حقائق تتعلق بعدد كبير من الاحداث التي مر بها لبنان، كالاغتيالات، او طبيعة عمل بعض شبكات النظام في سوريا العاملة في لبنان. ومن المقدر انها ستكشف خفايا تتعلق بالحرب الإعلامية المخيفة التي أدارها سماحة تحت رعاية بثينة شعبان لسنوات عدة تفرع خلالها عمله بين خلق وسائط اعلامية على شبكات الانترنت متخصصة بالتشهير الاعلامي والاغتيال المعنوي للاستقلاليين في لبنان. فضلا عن شبكة من الصحافيين ولا سيما الاجانب الذين عملوا لحساب سماحة - شعبان في إطار الحرب الاعلامية. وتشمل اللائحة المنتظرة صحافيين اميركيين وفرنسيين من بين كبار الاسماء.

أضف الى ذلك ينتظر المتابعون من تسجيلات سماحة ان تكشف الشبكة السياسية الفرنسية التي عملت معه لخدمة النظام في سوريا، وكان لسماحة دور كبير في اقامتها. ولا نستبعد انكشاف حقائق تتعلق بقضايا كنسية، واخرى أمنية بحتة، وثالثة شخصية تتعلق بالحياة الشخصية للعديد من رموز قوى ٨ آذار وقادتها.

إذاً، ثمة حجم كبيرمن التسجيلات يفترض ان يتم تفريغها في الاسابيع وربما الشهور المقبلة، ثم تحليلها من أجل فهمها ووضعها في إطارها الصحيح. والسؤال المطروح : لماذا كان سماحة يحرص على تسجيل كل مكالماته ولقاءاته السياسية؟ وما الهدف من زرع سيارته بآلة تسجيل كهذه ؟ هل كانت لحسابه ام لحساب جهة معينة ؟ومن كانت الجهة التي تتسلم التسجيلات في حال كان يسلمها ؟ اسئلة عديدة قد تكون اهميتها بحجم اهمية الكشف عن مؤامرة التفجيرات في الشمال. ويقيننا ان قضية سماحة لما تنتهي فصولا، وما ظهر منها حتى الآن ليس سوى رأس جبل الجليد.

ميشال سماحة صيد ثمين؟ ام ثمة جوانب اخرى يمكن عند انكشافها ان تغير كل الافكار المسبقة من هنا وهناك؟

ان من يتابع الحملات التي تستهدف فرع المعلومات لابد من ان يربطها بجانبها الأهم اي بقضية ميشال سماحة وما ستكشفه تسجيلاته تباعا من مفاجآت سياسية امنية اعلامية ومالية إن هنا في لبنان او هناك عند بشار. فبثينة شعبان لن تكون آخر العنقود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تراجع الرهان على الانتخابات الاميركية مفصلاً للتغيير

والحرب غدت طويلة من دون سقف في الأزمة السورية

روزانا بومنصف

2012-10-07

النهار

لا يوافق زوار لبنان من الديبلوماسيين الاجانب على احتمال ان تمتد الحرب في سوريا مدة موازية للحرب في لبنان اي خمسة عشر عاماً او اقل قليلا، ويربطون نفي هذا الاحتمال بثقة لديهم بان المجتمع المدني اي الغربي لا يمكنه احتمال سقوط هذا العدد من القتلى يوميا في سوريا والذي يتجاوز معدل المئة وخمسين قتيلا. وكذلك يفعل عدد لا بأس به من السياسيين والمراقبين في لبنان في نفي مثل هذا الاحتمال. لكن ثمة ترجيح بات قويا وشبه عام، بأن تدوم هذه الحرب لمدة طويلة انما من دون تحديد موعد لانتهائها. والنتيجة المباشرة لهذا الترجيح هو اطاحة او تراجع الآمال التي علقت على الانتخابات الرئاسية الاميركية كموعد اساسي لاحتمال بدء العد العكسي للعمل على ملف الحرب في سوريا، اما في اتجاه صفقة بين الولايات المتحدة وروسيا تشمل الدول الاقليمية أيضاً او في اتجاه قرار بالحسم من خلال تقديم دعم للمعارضة السورية او ما شابه. اذ ان ربط تطورات الملف السوري بالاستحقاق الاميركي يجري منذ الربيع الماضي، خصوصاً لدى اوساط ديبلوماسية عربية وغربية. وقبل اسابيع معدودة من موعد هذه الانتخابات في نهاية الاسبوع الاول من الشهر المقبل، خبت هذه الآمال الى درجة كبيرة ولم تعد الانتخابات الاميركية تلك المحطة المفصلية التي سيكون الملف السوري بعدها غير ما قبلها بغض النظر عمن سيفوز في هذه الانتخابات علما ان باب المفاجآت يبقى مفتوحاً. ووفقاً لمعلومات مصادر مطلعة فان الاسباب الكامنة وراء اسقاط الرهان على الانتخابات الاميركية تتصل بجملة أمور من بينها في درجة اساسية ان لا قرار اميركيا ولا رغبة في التورط عسكرياً في سوريا على رغم حماسة الجمهوريين اكثر من الديموقراطيين لعمل ما في سوريا. اذ ان اي قرار من هذا النوع لن تنتهي مفاعيله في اسابيع او اشهر قليلة في حين ان الاستحقاقات الاميركية الداخلية لا تنتهي مع موعد انتخابات الكونغرس الاميركي بعد سنتين. ويثار ذلك من اجل دحض الاعتقاد بان الرئيس الاميركي يمكن ان يكون اكثر تحرراً في ولايته الثانية إذا اعيد انتخاب باراك اوباما، الاّ ان ذلك لن يكون في حال حصوله في اتجاه قرارات يرتقبها كثر من مثل التدخل العسكري في سوريا على رغم الانتقادات له بعدم الاقدام على خطوات جريئة في الموضوع السوري، علماً ان احتمال تفاوض اوباما مع روسيا بعد الانتخابات على جملة قضايا ومسائل تهم الطرفين، وقد تكون سوريا من بينها امر غير مستبعد، لكنه غير مرئي في المعطيات الراهنة، وفقاً لما يقول المعنيون. اما في حال حصول مفاجأة بفوز المرشح الجمهوري فان المسألة قد تمتد فترة أطول ان في اتجاه التفاهم مع الروس أو أي خطوة اخرى.

ويستند بعض الاوساط الى حادث سقوط قذائف على تركيا قبل ايام قليلة والذي استنفر مواقف دولية عدة صبت كلها في اطار ضرورة ضبط النفس من جانب تركيا جنباً الى جنب مع استمرار وجود رغبة واضحة في عدم نشوء نزاع بين تركيا وسوريا او النظام السوري نظراً الى ان اتساع رقعة النزاع من الداخل السوري يمكن ان تتسبب بحرب اقليمية لا احد يريدها راهناً لا من نزاع حدودي بين تركيا وسوريا ولا من ضربة اسرائيلية على المنشآت النووية الايرانية. فالبيت الابيض والاتحاد الاوروبي اعلنا وقوفهما مع تركيا في الاجراءات المتخذة لمنع انتهاك اراضيها، لكن بدا واضحاً ان حلف "الناتو" الذي تنخرط فيه تركيا لن يتحرك راهناً من اجل دعمها. لذلك فان ما حصل كان مؤشراً على استمرار وجود قرار بعدم التدخل في سوريا على رغم حال الترقب التي ادى اليها هذا الحادث، ثم تكراره في اليومين الاخيرين، من احتمالات او ذرائع قد يفتح عليها، واهمها التدخل العسكري في شكل ما في الوضع السوري من اجل المساهمة في انهاء الحرب فيها، في حين ان تركيا تفادت حتى الآن ومنذ اندلاع الحرب في سوريا التدخل منفردة فيها ودون غطاء دولي من الامم المتحدة او من "الناتو". ومن الصعب ان يتغير هذا الموقف الدولي اذ استمرت الحرب في سوريا محصورة في داخلها ولم تتخط حدودها الى الدول المجاورة على نحو خطير ومهدد للسلم في المنطقة على رغم تأثر دول الجوار السوري كلبنان والاردن وتركيا والعراق بهذه الحرب. وتذكر هذه الاوساط بتحذير الرئيس الاميركي النظام السوري في موضوع اسلحته الكيماوية على اساس ان استخدامها هو خط احمر لن تقبل واشنطن بتخطيه مما ترك المجال للاستنتاج بأن ما تحت هذا السقف لن يحرك الولايات المتحدة.

وتقول هذه الاوساط ان عملية الرصد لمواقف كل الأفرقاء المعنيين بالحرب في سوريا التي أجراها الموفد الدولي الى سوريا الاخضر الابرهيمي أظهرت عدم تطور مواقف الافرقاء على الارض في اتجاه الرغبة في التنازل او التفاهم على حل. وتستند هذه الاوساط الى حالة الانكار المقصودة التي يصر عليها النظام السوري من خلال رفض وصف ما يحصل في سوريا، الاّ بالعمليات الارهابية بحيث كرر وزير الخارجية السوري وليد المعلم في الكلمة التي القاها امام الجمعية العمومية للامم المتحدة الاسبوع الماضي كلمة "ارهاب" 25 مرة في سبيل محاولة اقناع المجتمع الدولي بأنه لا يواجه ثورة على حكم يدوم منذ 40 عاما بل يواجه ارهاباً تحاربه كل دول العالم. ولا يقل تعنت النظام السوري عن رفض معارضيه لحل معه عن تعنت القوى الاقليمية والدولية الداعمة حيث كرر المسؤولون الروس في الاونة الاخيرة المواقف نفسها الداعمة، للنظام من دون اي تغيير يذكر. وهو الامر الذي دفع بالمسؤولين الغربيين الذين كانوا يكررون على اثر لقاءات مع مسؤولين روس بانهم يلمسون تغييراً او تقدماً قابلاً للتطوير في الموضوع السوري الى التحفظ عن ابداء مثل هذه التعليقات وعدم ذكرها على الاطلاق منذ بعض الوقت بعدما ظهرت مبالغات وحتى اخطاء ان لم يكن خفة ايضا في تقدير الموقف الروسي وابعاده. لكن لا يجوز الاستهانة، كما تقول هذه الاوساط، بالرهانات على القدرة على مواصلة الحرب والصمود فيها ولا ايضاً على التورط الواضح الاقليمي والدولي في الحرب. ولذلك فانه في انتظار بروز ما يمكن ان يغير في هذا المنحى، فان احدا لا يملك سوى ترك الأمور على غاربها في سوريا حتى تفرض الارض واقعاً مختلفاً او تنضج مواقف الافرقاء بالاقتناع بالوصول الى طريق مسدود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران: ضياع بوصلة الثورة

بحسابات الاقتصاد، يمكن لإيران أن تصبح دولةً إقليميةً كبرى بكل المقاييس. لكن سيطرة الأيديولوجيا الخانقة والطموحات الشخصية على التفكير السياسي لقادتها يمنع حصول ذلك

د. وائل مرزا

الأحد 07/10/2012

المدينة

تنتج إيران أكثر من 4 ملايين برميل من النفط في اليوم وتُعتبر رابع أكبر منتج في العالم لهذه السلعة الثمينة. رغم هذا، تهبط قيمة الريال الإيراني أكثر من 80% خلال هذا العام وأكثر من 40% خلال الأسبوع الماضي وحده!

ضاعت بوصلة الثورة الإيرانية منذ زمنٍ طويل.

لبضع سنوات، حاول الرئيس السابق محمد خاتمي ومعه بعض الإصلاحيين إعادة توجيهها في الاتجاه الصحيح تنميةً للبلاد وبناءً للإنسان، لكنهم لم يفلحوا في ذلك.

أضاع قادة إيران بلادهم وهم يلهثون وراء هوسٍ امبراطوري معاصر يعتاش على هوسٍ مرضيٍ ببعض أحداث التاريخ. لاحاجة لنا اليوم للحديث بمنطق الصراع الطائفي لانتقاد مايفعله هؤلاء اليوم بموقفهم من الشعب السوري وثورته النبيلة. فالموقف المذكور لم يأتِ إلا تجلياً لاستمرار هوسهم المذكور، وتعبيراً عن شعورهم بخطورة تلك الثورة.

لايجب أن نستهين أبداً بما فعلته الثورة السورية على صعيد إضعاف أي مشروعية سياسية وأخلاقية لمشروع إيران في المنطقة. فهذه المشروعية في غاية الأهمية لأن القوة وحدها لاتكفي أبداً لتحقيق المشروع. وقد هدمت الثورة السورية في أشهر مشروعيةً قضت إيران أكثر من عقدين في بنائها.

المهم أيضاً أن ندرك كيف يأخذ قادة إيران شعبهم وبلادهم إلى الهاوية بممارساتهم وأحلامهم التوسعية. لانقول هذا من باب الأمنيات وإنما تؤكده الوقائع والأرقام.

فحين تهوي قيمة العملة الإيرانية بالشكل الذي بينّاهُ، وحين تمنع السلطات المواطنينَ قهراً من تحويل أموالهم إلى العملة الصعبة، وحين تُضرب أجزاء كبيرة من بازار طهران الشهير، ويخرج التجار والمواطنون في مسيراتٍ تهاجم النظام وسياساته، ويُواجَهُ هؤلاء بالقنابل المسيلة للدموع، لايكون بعيداً وفق سنن الحياة الاجتماعية أن يصبح هذا بداية الانهيار الكبير.

لاندّعي أن هذا سيحدث غداً أو الشهر القادم، لكننا نعرف أن السنن المذكورة لاتُحابي أحداً. فبحسابات الاقتصاد، يمكن لإيران أن تصبح دولةً إقليميةً كبرى بكل المقاييس. لكن سيطرة الأيديولوجيا الخانقة والطموحات الشخصية على التفكير السياسي لقادتها يمنع حصول ذلك، وبشكلٍ فعّال.

يرتفع إجمالي الناتج القومي لإيران من 230 إلى 482 مليار دولار تقريباً خلال السنوات من 2007 إلى 2011، هذا علماً أن السبب الأكبر يكمن في صعود أسعار البترول عالمياً. وترتفع صادراتها من 67 إلى 132 مليار دولار يُشكّل النفط نسبةً تصل إلى 80% منها.

لايمكن إدراك الفشل الكامن في سياسات القيادة الإيرانية إلا بمقارنتها مثلاً بجارتها تركيا التي تقاربها في عدد السكان. ففي نفس الفترة، ارتفع الناتج القومي لتركيا من 400 إلى 778 مليار دولار، وارتفعت صادراتها من 90 إلى أكثر من 143 مليار دولار لايشكل النفط منها شيئاً. ستبدو الصورة أوضح بكثير حين نعلم أن إيران تنتج أكثر من 80 ضعفاً من إنتاج تركيا من النفط والغاز!

تريد القيادة الإيرانية أن تملك دوراً إقليمياً متميزاً وأن يكون لإيران، تحت سيطرتها، وزنٌ مُعتبر، لكنها ستُمنى بفشلٍ تلو آخر مادامت تسير ضد سنن وقوانين الاجتماع البشري. وخاصةً حين تزهد كلياً بعملية التنمية الداخلية وتُبعثر ثورة بلدها في مغامرات خارجية.

تستطيع القيادة الإيرانية الاستمرار في دعم النظام السوري، وهي لاتُقصّر في ذلك، لكنها تفعل ذلك كمن يريد شراء الوقت أكثر من أي شيءٍ آخر. فالنظام السوري انتهى كلياً سياسياً وإلى حدٍ كبير عملياً، وإن لم يكن واضحاً وقت وكيفية السقوط على وجه التحديد. والإيرانيون يعلمون أن هناك مستتبعاتٍ كبيرة لهذا السقوط تتعلق بمشروعهم.

إذ لايمكن لأي نظام أن يقدم لإيران ماقدّمه نظام الأسد، وبالتالي فلكي يبقى النظام الإيراني نفسه، وسط محيطٍ سني، لايوجد أمامه إلا أن يقدم تنازلات تتعلق بوقف أحلامه بالسيطرة على المنطقة وتصدير الثورة، وصولاً إلى التعامل مع الدول الأخرى بما يُحقق مصالح هذه الدول. وإلا فإن إيران ستشهد عزلة إقليمية خانقة تُضاف إلى عزلتها الدولية الحالية، الأمر الذي سيزيد الأعباء الداخلية ومايتبع ذلك من اضطرابات اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية نرى ملامحها تزداد منذ الآن.

ولايمكن هنا إلغاء عنصر يتمثل في وجود حزب الله ودوره. إذ لن يكون هذا الحزب كما هو عليه الآن قطعاً، لأنه يستمد نفوذه من مجموعة عناصر أحدها القوة العسكرية التي يُحاول أن يترجمها قوةً سياسية في واقعٍ يسمح بذلك مثل الواقع اللبناني. بالمقابل، سيكون لسقوط النظام السوري تأثير سلبي كبير على مسائل الإمداد العسكري لحزب الله. ثم إن سورية تُعتبر عمقاً استراتيجياً في غاية الأهمية بالنسبة للحزب، حتى في ظل وجود مرجعيته في إيران، لأن الجغرافيا السياسية تفرض نفسها في نهاية المطاف. وسقوط النظام سيكون له مرةً أخرى تأثير سياسي عملي ومعنوي هائل يتمثل في غياب العمق الاستراتيجي المذكور.

منذ سنوات، أكد خاتمي على ضرورة إدراك الفارق بين (ثقافة المنع وثقافة المناعة) وعن إمكانية (ظهور أزمة هوية بين قيم الحكومة وقيم المجتمع) وعن خطورة وجود (انقسامات في الخطاب الوطني وولادة ثقافتين متناقضتين).

لم يفهم القادة الذين سيطروا على إيران مثل هذه الطروحات بعد أن جمّدوا (ثورتهم) عند مرحلة التركيز على الشعارات من جانب وحصروها في طموحات إمبراطورية خارجية من جانب آخر. والواضح أنهم سيدفعون ثمن هذا التفكير على المدى المنظور.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية ونهاية حكم الملالي

نجيب غلاب

عكاظ

7-10-2012

بأي شكل كانت نهاية النظام السوري فإن تركيا سيكون لها الدور الأبرز في التحولات المقبلة في سورية ولبنان، وهذا بالتأكيد يطمئن الغرب فيما يخص السلام في المنطقة، وهذا ما يخيف إيران فتغيير المعادلة الإقليمية لصالح تركيا ومحاصرة إسرائيل بالسلام سيفقد إيران الكثير من الأوراق، وهذا قد يدفعها للتهور مستندة على الإسناد الروسي والصيني.

من الواضح أن الأسد وأنصاره من الملالي ومن تبعهم لا يدركون طبيعة الصراع الحالي، ويبدو أنهم خارج التاريخ، ويعانون من معضلة الأنظمة الشمولية التي قادت صدام حسين إلى هزيمة نكراء، وبمتابعة مواقف روسيا نجد أنها تبدأ قوية ومتحفزة للدفاع عن حلفائها، وتنتهي بعقد صفقات لتعظيم مصالحها، أما الصين فلن تتورط في حرب من أجل النظام السوري. ويبدو لي أن لدى بكين خوفا من التحولات في العالم العربي، وتريد جعل سورية عينة معملية مؤلمة ولديها تخوفات من إسقاط النظام الإيراني لاحقا لأن الموجة ستصلها ولو بعد حين.

الاندفاع الصيني الروسي في تغطية جرائم نظام الأسد وحلفائه، ومحاولة إنقاذه لم تعد مجدية ونتائجها ستكون مضرة بمصالحهم في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ومهددة للأمن والسلم العالميين، وقد يخسرون إيران في حالة دفعها إلى حرب لحماية النظام السوري. فالجحيم السوري سيكون المدخل لثورة إيرانية.

بكل الحسابات النظام السوري صار عبئا على المنطقة حتى على ملالي طهران. فتورط إيران سينهكها والشعب الإيراني من أكثر الشعوب الإسلامية تمردا على حكامه، وينتظر اللحظة المناسبة لحسم أمرة في ظل نمو جيل جديد لم يعد قادرا على التعامل مع رجال الدين، وستكون المذابح في إيران فظيعة بحكم تركيبة النظام. وهذه المذابح ستنهي حكم الملالي للأبد.

الصين وروسيا بحاجة إلى استيعاب أن التغيير في إيران ونهاية شبكة الملالي التي تنشر الفوضى في المنطقة سيفتح فرصا رائعة للجميع، وسيتحرك اقتصاد منطقة الشرق الوسط، والاقتصاد العالمي. وفي حالة الإصرار على دعم الظلم من قبل بكين وموسكو فإن منطقة الشرق الأوسط بالكامل ستتحالف مع الغرب وتنبذهما وهذا سيضر بمصالحهما لا محالة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حريق الريال الإيراني

طارق الحميد

الشرق الاوسط

7-10-2012

صحيح أن عملية انهيار الريال الإيراني المتواصلة لا تشير للآن إلى أن لحظة انفجار ما قادمة في إيران، كما يردد بعض المهتمين، لكنها تطرح عدة أسئلة عن واقع النظام السياسي الإيراني، داخليا وخارجيا، خصوصا أن لسعة حريق الريال تمس العصب الحساس داخليا (التجار والمواطنين)، وخارجيا (عملاء إيران).

وبالطبع، وكما هو متوقع، فإن النظام الإيراني سيفعل المستحيل، لوقف انهيار العملة الإيرانية، وبالتالي تفويت فرصة أي اهتزازات سياسية داخلية، لكن هذا الأمر يفرض أسئلة عدة، كما ذكرنا، عن مقدرة إيران بالتعامل مع استحقاقات المرحلة. فهل ستستمر إيران بدعم نظام طاغية دمشق بشار الأسد إلى ما لا نهاية، وهو نظام شارف على الرحيل؟ فالمعلن أن طهران قدمت قرابة عشرة مليارات دولار للأسد، أموالا، أو عتادا، وحتى بالرجال، ومعها حزب الله الذي قدم مقاتلين دفاعا عن الأسد، والحزب ممول أيضا من إيران، فهل تستطيع طهران مواصلة هذا التمويل رغم التململ الداخلي، الذي يشكل خطورة حقيقية على النظام السياسي هناك، أم أن الأمر سيدفع إيران للتفكير ليس بعقلانية، بل ببراغماتية الأمر الواقع، والتي تقول لماذا الاندفاع خلف تمويل نظام سيسقط لا محالة بسوريا، خصوصا أن الأوضاع الداخلية في إيران تنبئ بخطر كبير؟

الأمر الآخر أن إيران مهددة اليوم بأنها واقعة بالمنطقة الحمراء التي رسمها لها رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قام بتشكيل رأي عام قوي، على أثر خطابه بالجمعية العامة للأمم المتحدة، فهل طهران قادرة على مواجهة خطر كبير بهذا الحجم بينما وضعها الداخلي غير مستقر، ومرشح للحظة انفجار، خصوصا أن العقوبات الاقتصادية الدولية مستمرة، مما يعني أن انهيار العملة الإيرانية مستمر أيضا؟

القصة هنا ليست قصة قراءة الودع، أو التمني، بل هي محاولة لمعرفة كيف من الممكن أن يكون التفكير بطهران اليوم مع هذه الظروف الحساسة التي هي من صنع أيديهم بلا شك؛ فمن الطبيعي أن الإطالة في العبث بالمنطقة، واللعب مطولا خارج الأراضي الإيرانية، سينعكس على الوضع الداخلي الإيراني، فكما ذكرنا من قبل فإن الوضع السوري بحد ذاته تحول إلى عملية استنزاف لإيران، اقتصاديا وسياسيا، وبشكل كبير جدا. وأبسط مثال على الاستنزاف السياسي، مثلا، حجم المعلومات التي باتت تسرب الآن عن لقاءات الجنرال قاسم سليماني مع بعض القيادات العراقية، وتحديدا الكردية، فالواضح أن هناك من بات يلجأ للإعلام، وتحديدا الغربي، لإحراج إيران أكثر، وفضح تدخلها السافر في سوريا، خصوصا بعد المعلومات التي ترددت عن الضغوط التي بات يواجهها قاسم سليماني نفسه في إيران بسبب عدم إنجازه أي شيء ملموس في الدفاع عن بشار الأسد، وطوال تسعة عشر شهرا!

وعليه، فليس المقصود هنا القول بأن إيران قد تُغير مواقفها، وإنما القصد هو القول: هل تستطيع إيران الاستمرار بمواقفها، وتحديدا في سوريا؟ وهل طهران أيضا قادرة على الخروج من عنق زجاجة المنطقة الحمراء التي رسمها نتنياهو لطهران في الأمم المتحدة، والوضع الإيراني الداخلي غير متماسك؟ هذا هو السؤال الذي يجب البحث عن إجابة له لأنه سيترتب عليه الكثير، وبكافة الأصعدة، في قادم الأيام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تركيا بين الكلام والفعل

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

7-10-2012

لا أدري إلى أي مدى يفهم المسؤولون الأتراك حجم الضرر الذي أصابهم في العالم العربي من وراء سوريا، القضية والمواقف، إضافة إلى ما سبقها. لكنني واثق بأنهم أقدر من غيرهم على حساب مصالحهم، ويعرفون أن لهم دورا مهما يلعبونه لم يفعلوه بعد، ونحن لا نفهم لماذا؟ وقصة تركيا سبقت الحدث السوري بسنوات، خاصة باهتمام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بالعالم العربي واستعداده للمشاركة الإيجابية فيه. بدأها أولا من الباب الخاطئ عندما قبل بمساندة سوريا الأسد في معاركها الخارجية، وكذلك ساند، بحماس، إيران في ملفها النووي. مواقف صححها لاحقا عندما اتضحت له الحقيقة.

وأردوغان صاحب شخصية قيادية جذابة، دخل القلوب العربية المحبطة، أولا من حادثة ندوة متلفزة في مؤتمر دافوس، قبل ثلاث سنوات، عندما رد الصاع صاعين للرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريس. كال أردوغان هجوما على بيريس وسياسة إسرائيل الاحتلالية، ثم رمى الميكرفون وغادر المكان غاضبا من أجل قضية عربية. وتلاها موقف تركيا بإرسال سفن لفك الحصار عن غزة مع ناشطين أوروبيين، وعندما هاجمتها قوات إسرائيلية في المياه الدولية، هدد أردوغان وتعهد بأن يدفع الإسرائيليون ثمن الهجوم على سفن تركية وقتل مواطنين أتراك، غاليا. بعدها، رفعت صوره في المظاهرات العربية وأصبح نجما من نجوم العرب. الخطأ الأردوغاني أنه رفع توقعات العرب، لكن لا شيء مهما فعله، باستثناء وقف المناورات العسكرية المشتركة مع إسرائيل.

الخيبة الأكبر كانت سوريا، فالحكومة التركية أخذت مواقف قوية ضد نظام بشار الأسد، وأطلقت تهديدات متتالية ضده بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام المجازر التي ترتكب. لكنها وقفت مكتوفة الأيدي عبر الحدود لأكثر من عام من بدء المجازر.

ثم لوحظ أن رئيس وزراء تركيا، مع وزير خارجيته، طارا لبورما والتقطا الكثير من الصور مع المسلمين المهجّرين، ووعداهم، كما وعدا السوريين والفلسطينيين، وذلك قبيل يومين من انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في مكة المكرمة، لكن لا شيء فعلته تركيا. وعلق البعض منتقدا بأنها حملة علاقات عامة أخرى.

من إسرائيل إلى سوريا إلى بورما، خسرت تركيا الكثير من المحبطين الذين علقوا عليها الآمال، وهنا نتساءل بموضوعية، إن كنا نحمّل الأتراك أكثر مما ينبغي أم أننا كالعادة ضحية سهلة: يمكن شراء الإنسان العربي ببضع خطب حماسية إعلامية، كما فعل من قبله الخميني والأسد ونصر الله؟ أعتقد أنها خليط من الاثنتين. أردوغان سياسي شعبوي يعرف كيف يحصّل تصفيق الجماهير، لهذا كسب معارك حزبه وكسب معارك الانتخابات، وفي نفس الوقت، نحن العرب، توقعاتنا منه أكبر من قدرات تركيا، أو لا تراعي ظروفها. أردوغان عرف باعتداله الديني والسياسي والحزبي، وأثبت من خلال قيادته، سواء لحزبه أو للحكومة، أنه يملك مهارتين؛ كسب الرأي العام، وفي نفس الوقت عدم التورط في أعمال أكبر من قدرة بلاده. والإسلاميون المتشددون من العرب، الذين ظهروا لاستقباله في مطار القاهرة بالآلاف، صدموا من خطابه السياسي لاحقا عندما أوصاهم بتبني العلمانية السياسية منهجا للدولة، وغضبوا منه في مصر وتونس. الحقيقة أن أردوغان تركيا وإسلامييها مختلفون في مفهومهم لدور الدين والدولة عن نظرائهم من الإخوان المسلمين والسلفيين في دول الربيع العربي، بل إن الهوة الثقافية واسعة بينهم، فأردوغان من المعجبينبابن عربي، و«الإخوان» معجبون بحسن البنا، والسلف بابن تيمية.

ولا يزال هناك أمل كبير أن يكون لتركيا تحت حكم أردوغان دور كبير في سوريا، بإنقاذ الشعب السوري، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من استعجال وحركة. تركيا أقوى عسكريا من كل الدول العربية، ولها حدود مباشرة مع سوريا، بخلاف السعودية ومصر، وبالتالي مصالحها أكبر في تغيير النظام بما يرضي غالبية الشعب السوري وبما يؤمّن استقرار المنطقة ويحمي تركيا.

الأمل أن تقوم حكومة أردوغان بتوسيع نشاطها الداعم للمعارضة، ونحن نعرف أنها أول من دعم الثوار، ولولاها ربما ما استمرت الثورة السورية، لكننا نعرف أن ما يشاع أن تركيا تحت ضغوط غربية تمنعها من دعم الثوار - مجرد أكاذيب، وأن العكس صحيح. طبعا، هذا لا ينفي أن دول المنطقة وحكومات غربية لا تحبذ دعم الجماعات السورية والجهادية الأخرى المتطرفة، موقف مفهوم ومبرر، إنما هؤلاء لا يمثلون إلا نسبة صغيرة من إجمالي خريطة الثورة السورية. أيضا، نعي أن لتركيا حسابات معقدة مرتبطة بالموضوع السوري، قد تنعكس سلبا عليها إن تدخلت بقوة، مثل أن إيران تعتزم خلق مشاكل داخل تركيا، وستدعم المعارضة الكردية التركية المسلحة، التي كانت تستضيفها سوريا من قبل. مثل هذه الحسابات لا بد أن تقلق تركيا، إنما نحن نعرف أن مصلحة تركيا العليا أصبحت مرتبطة بسقوط نظام الأسد، وقيام نظام سوري ديمقراطي، وبقيادات معتدلة، وضمان استقرار ووحدة الأراضي السورية، فلا تقوم دويلات علوية أو كردية منفصلة. هذه مصلحة الأتراك، تماما مثلما هي مصلحة السوريين. وإيران وروسيا، حليفا نظام الأسد الآن، ستقبلان بالتعامل مع النظام السوري الجديد، واحترام تركيا التي ستصبح أقوى وأكثر إيجابية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أزمة إيرن وخلاصات سياستها!

فايز سارة

الشرق الاوسط

7-10-2012

في واحد من أبرز مؤشرات الأزمة في إيران، تعرض الريال الإيراني إلى خسارة نحو ثلث قيمته في غضون أسبوع واحد، وهو أمر مرشح للتفاقم إذا ظلت أزمة إيران على حالها، إن لم تزدد عمقا وتدخل في أنفاق جديدة، وهو الأمر المقدر لهذه الأزمة، طالما أن الذين خلقوها هم القائمون على التعامل معها، وقد أكد الرئيس أحمدي نجاد، المعني مباشرة بالأزمة، على أمرين؛ أولهما الإصرار على المضي بذات السياسات التي اتبعتها الحكومة الإيرانية، والثاني اللجوء إلى إجراءات ذات طابع قسري وزجري، بدل البحث عن حلول سياسية وعملية تتجاوز مجرد إدخال القوى الأمنية في معالجة أزمة إيران الراهنة بكل أعماقها.

أزمة إيران تماثل وتشبه، من حيث جوهرها، كل أزمات الدول النامية، التي تظهر لدى قادتها طموحات إمبراطورية، ليس هدفها إحياء الماضي الذي ذهب بلا رجعة واستعادة بعض من أمجاده، بل أيضا التمدد في الفضاء الإقليمي من جهة، والسعي نحو انتزاع موقع في الفضاء الدولي، وغالبا ما يحيط بمثل هذه الطموحات توفر مستوى من عناصر مادية، أولها وفرة مالية، وأساسها في الشرق الأوسط أموال النفط، والثاني امتداد جغرافي للدولة وعدد كبير من السكان مقارنة بما لدى دول الجوار الإقليمي، وحال إيران في هذا الجانب لا يختلف عن حال عراق صدام حسين، لكنه يختلف في واحدة من تلك السمات مع ليبيا معمر القذافي، التي عانت بسبب قلة سكانها.

لقد قادت الطموحات الإيرانية إلى تبني استراتيجية تقوم في السياسة الخارجية على تعزيز قدرات إيران العسكرية، وتوسيع إطار هيمنتها السياسية والثقافية في المجالين الإقليمي والدولي باعتبارها الحاضنة للإسلام الشيعي، وبنيت السياسات الداخلية لهذه الاستراتيجية على تحشيد آيديولوجي، يرى أن التقدم يتواصل، وأن حلول ومعالجة المشاكل القائمة مقبلة لا محالة، وأن الأمور سوف تتحسن، وتحل كل المشاكل، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، ومنها مشاكل النساء والشباب والعاطلين عن العمل.

وكان من الطبيعي أن يكون هم إيران الأساسي موجها نحو تعزيز قوتها العسكرية والعمل على مشروع نووي، بالتزامن مع بناء علاقات قاعدية داعمة، كان أبرزها علاقات طهران مع دمشق، التي فتحت الباب نحو علاقات قاعدية أخرى، واحدة في لبنان مع حزب الله، وثانية مع الجماعات الفلسطينية وخاصة حركتي الجهاد وحماس عبر دمشق، قبل أن تتطور علاقات إيران القاعدية مع العراق الحالي بقيادة نوري المالكي، وكان الخط الثالث في هموم إيران الإقليمية اتباع سياسة القبضة الحريرية أو القوة الناعمة مع جوارها، وخاصة في الخليج.

وكلفت هذه السياسة إيران كثيرا من مواردها، سواء ما جرى دفعه في سباق صناعة الأسلحة أو في سباق التسلح، ثم ما تم صرفه في المشروع النووي من جهة أو في رعاية القواعد الإقليمية، ومنها تكلفة حزب الله اللبناني، ورعاية حاضنته الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى المنح والإعانات التي قدمتها إيران لسوريا في فترات مختلفة، ومنها الإعانات التي تقدمها حاليا لمساعدة السلطات في مواجهة الأزمة القائمة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

وأضيفت تكلفة جديدة على التكلفة الاقتصادية والمالية لسياسة إيران الخارجية في الفترة الأخيرة، وهي ناتجة عن العقوبات الدولية التي تم فرضها على إيران بسبب ملفها النووي، وشملت عقوبات على مبيعات النفط، المورد الرئيسي للعملات الصعبة في البلاد، وعقوبات على المبادلات المصرفية، التي تمنع استعادة أموال مبيعات النفط إذا تم بيعه، وخلاصة العقوبتين سعي لإخراج النفط وموارده من قدرات السلطات الإيرانية.

وإذا كانت أزمة إيران على هذا النحو من الخطورة، فإن ما يزيدها خطرا يكمن في تفسير الأزمة والطريقة التي تتعامل بها السلطات الإيرانية معها، حيث الأزمة، ليست أكثر من «مؤامرة» و«حرب نفسية» و«حرب اقتصادية» تشنها الدول الغربية ضد إيران لإخضاعها، وإن علاجها سيتم عبر سعي المؤسسات المالية الإيرانية لتوفير العملات الصعبة، كما يقول الرئيس الإيراني، وعبر قيام الأجهزة الأمنية بالتصدي للمضاربين بالعملة الإيرانية، كما يقول وزير الصناعة مهدي غضنفري.

خلاصة القول، أن الأزمة الإيرانية قائمة، وهي ناتجة عن خيارات وسياسات حكومة نجاد، وما يترتب عليها من تداعيات إقليمية ودولية أخذت توالي ظهورها خارجيا وداخليا، لعل الأسخن فيها الهبوط الحاد في سعر العملة الإيرانية ومظاهرات الإيرانيين الاحتجاجية على سياسات حكومة نجاد، التي بات عليها تبديل استراتيجيتها العامة، وتغيير سياساتها، قبل أن تأخذ إيران والإيرانيين إلى كارثة محققة، لن تنجو حكومة نجاد من نتائجها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ديفيد إغناتيوس

24 ساعة في سوريا

الشرق الاوسط

7-10-2012

وصل مقاتل أحمر الوجه يدعى فيصل إلى المقر الأمامي للجيش السوري الحر ملتمسا للسلاح، وكان قادما لتوه من خط الجبهة في صاخور، وهو حي ظل لمدة 3 أسابيع يرزح تحت هجوم القوات الحكومية. وبينما كان يهتف مناديا قادته، كان يمكنك سماع هزيم نيران المدفعية المقبل من على بعد نحو نصف ميل، وصرخ فيصل ثائرا بأن رجاله يموتون وأنه بحاجة إلى قاذفات صواريخ محمولة لمواجهة دبابات جيش الرئيس بشار الأسد. يبلغ فيصل من العمر 28 عاما، وقد تخرج لتوه في كلية الحقوق، وهو مفتون بشجاعة وانتعاش الثورة. واستمع القائد إلى طلبه، لكنه قال إنه متردد، فالجيش السوري الحر لا يملك أسلحة كافية، والمجلس العسكري الذي يدير القتال ليس واثقا من أن فيصل ورجاله يمكنهم تنفيذ مهمتهم بنجاح.

ورحل المقاتل الشاب وكل ما معه هو قاذفة صواريخ محمولة متهالكة حصل عليها من مخزن المقر الأمامي في حي طارق الباب، الذي يقوم بتنسيق القتال على الجبهة الشرقية من معركة السيطرة على حلب. واستمرت طقطقة نيران المدفعية بينما كان فيصل يحمل سلاحه الثمين عائدا إلى ساحة المعركة، ويقال إن المقاتلين المجاهدين المتمركزين في مكان قريب يجهزون لهجمات مضادة، بالتنسيق مع قيادة الجيش السوري الحر.

هذا المشهد الذي جرت تفاصيله عصر يوم الخميس الماضي يبرز حقائق أساسية عن الحرب الدائرة في سوريا، تلك الحرب التي تدك مدينة كانت في أيام أكثر هدوءا واحدة من جواهر العالم العربي. أولا، فلا يوجد ما يكفي من الأسلحة كي يتمكن الثوار من هزيمة قوات الأسد، وكل السوريين الذين تحدثت معهم تقريبا يرون أن هذه هي خطأ أميركا. ثانيا، فإن قادة الجيش السوري الحر يحاولون تطبيق قيادة وسيطرة أفضل في عملية ظلت حتى الآن مهلهلة وغير منظمة. ثالثا، في ظل هذا القتال الفوضوي الذي يعاني نقصا في الموارد، فإن قوة المجاهدين السلفيين، الذين لا يطلبون سوى الشهادة، تبدو في تصاعد مستمر.

وقد قضيت يومين من الأسبوع الماضي في التجول داخل سوريا مع الجيش السوري الحر، حيث ساعدوني في التسلل عبر الحدود يوم الأربعاء من بلدة ريهانلي التركية (وتبلغ تكلفة تهريب الناس عبر الحدود 40 دولارا في المعتاد، ولكن بالنسبة للأميركيين يقال إنهم يدفعون 100 دولار)، وقد رتبت هذه الرحلة من خلال «مجموعة الدعم السورية»، وهي منظمة تقع في واشنطن حصلت منذ عدة أشهر على تصريح من وزارة الخارجية بجمع أموال وتقديم مساعدات أخرى لصالح الجيش السوري الحر.

وقد تصادف أن أكون في سوريا بينما تشهد التوترات تصاعدا حادا، بعد رد تركيا على القصف السوري الذي قتل فيه مدنيون أتراك. ولكن مهما كان تورط تركيا، فإن الشيء الأساسي في هذه الحرب الآخذة في الاتساع يظل هو الجيش السوري الحر. والسؤال الملح هو: كيف يمكن تقويته بما يكفي لقلب الموازين ضد النظام؟

وأثناء سيري لساعات طويلة على طريق العودة، بدا واضحا أن الجيش السوري الحر يسيطر على الشمال الريفي، حيث كانت نقاط التفتيش التابعة لها موزعة في كل مكان عدا المدن والطرق الرئيسية، ويستطيع قادة الثوار التجول في أمان عبر معظم أنحاء الثلث الشمالي من البلاد.

«مرحبا بك في سوريا الحرة». هكذا حياني عبد الله الحيد لدى وصولي إلى المعبر الحدودي المسمى «باب الهوى»، وأخذني لملاقاة العقيد عبد الجبار العكيدي، قائد قوات الثوار في منطقة حلب، وربما يكون القائد الأعلى للجيش السوري الحر في البلاد، وكان قد انتهى لتوه من أداء صلاة العصر فوق العشب مع بعض ضباطه ومقاتليه. وتم تقديم طعام العشاء في صحن مشترك وضع فوق أوراق صحف تم بسطها فوق العشب. وكان من بين ضيوف العشاء رجل له لكنة قيل لي إنها تميزه بأنه ليبي، مما جعله يعتبر من بين المجاهدين المعروفين باسم «المقاتلين الأجانب».

وردا على سؤال بعد العشاء، أبدى العكيدي إحباط قائد ظل ينتظر مساعدة أميركية لكنه يزعم أنه لا يحصل على أي شيء مفيد. وتتلخص السياسة الأميركية في تقديم مساعدات غير قتالية، ومن بينها أدوات للقيادة والسيطرة مثل الهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية. ويبدو العكيدي رجلا عسكريا بصدره العريض وإحساسه بالثقة، وهو من نوعية الضباط الذين تأمل واشنطن في أن يبنوا قوة قتالية صلبة. وقد تعهد الرجل بأن الولايات المتحدة إذا أمكن أن تساعده في الحصول على أسلحة حديثة مضادة للطائرات والدبابات، «فسوف أمنع وقوعها في أيدي الجماعات المتطرفة». وهو يأمل في أن تقدم أميركا التدريب أيضا، ولو حتى دورة تدريبية أساسية لمدة أسبوعين قد تساعد على تكوين جيش حقيقي، إلا أنه يضيف أن الولايات المتحدة إذا لم تزوده بأسلحة يمكنها أن تقلب الموازين، فسوف يحتاج إلى مساعدة من المجاهدين الذين لديهم حرص كبير على القتال والموت، موضحا: «ليست لدي أي مشكلة مع المتطرفين إذا كانوا يقاتلون النظام. كل ما يهمنا هو أن يسقط النظام وأن يتوقف نزف الدماء». وماذا سيفعل العكيدي إذا استخدم النظام الأسلحة الكيماوية؟ يضحك ويجيب: «سوف نبحث عن قبر».

وداخل منزل آمن في قرية أطمة على بعد ساعة بالسيارة، التقيت العقيد عفيف سليمان، قائد قوات الجيش السوري الحر في محافظة إدلب، وكان يرتدي جراب مسدس معلقا في كتفه وهناك طلقات فضية مثبتة في الحزام، وقد ردد النصيحة نفسها لأميركا: «أعطونا أسلحة وساعدونا على تنسيق قواتنا، وإلا فإن المتطرفين سيسيطرون على زمام الأمور».

وبعد منتصف الليل بقليل، عدنا في سيارة العكيدي المرسيدس المتهالكة وذهبنا إلى مقره شمال غربي حلب، وهذه الرحلة تستغرق نحو ساعتين، إلا أن اللحظات العصيبة الوحيدة أثناءها كانت عند المرور عبر قرى تسيطر عليها جماعة كردية يدعمها بشار الأسد تعرف باسم «حزب العمال الكردستاني»، وكان ذلك هو وقت «التهيؤ للقتال» بالنسبة للعكيدي وحراسه.

وداخل مقر العكيدي صباح يوم الخميس الماضي، كان يمكنك أن ترى العمل الشاق الذي تنطوي عليه إدارة شؤون ثورة: مقاتل يقوم بتوزيع الطلقات بينما تتدلى سيجارة من بين شفتيه، ومساعدو العكيدي يمسكون بأكوام من العملة السورية يبلغ قوامها عدة بوصات من أجل سداد الفواتير. إن هذا الجيش يعكس العمود الفقري السني الريفي لسوريا.

وانطلقنا إلى حلب بعد الظهر مباشرة، وفي تلك الرحلة الطويلة بالسيارة إلى قلب سوريا التي يسيطر عليها الأسد، لم يبد على المقاتلين أي قلق أو عصبية إلا عندما سمعوا صوت طائرة مروحية تحلق فوقهم، فالأسد يسيطر على الأجواء، وربما لا يستطيع تغيير تلك الموازين القاتلة سوى القذائف الأميركية.

وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن ينسق الثوار عملهم بصورة أفضل، فعليها أن تبادر هي أولا بتنسيق المساعدات الخارجية، حيث إن وابل الأموال والأسلحة القادم من السعودية وقطر والكويت وغيرها من البلدان العربية يساعد المقاتلين المتطرفين ويضعف وجود أي سلسلة نظامية من القيادة عن طريق الجيش السوري الحر.

وغادرت سوريا في وقت متأخر من ليلة الخميس الماضي باندفاع مجنون عبر مسافة 400 ياردة من الأراضي المحرمة، بصحبة مهربين كانوا يبدون قدرا هائلا من التسامح كلما علقت في الأسلاك الشائكة، ولم يحصلوا على مقابل إضافي لإنقاذي عندما تعثرت أثناء مروري عبر الثقب الذي صنعوه في السور الحدودي.

* خدمة «واشنطن بوست»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ميزان قوى جديد!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

7-10-2012

من هجوم فاشل يشنه النظام في دمشق إلى هجوم آخر أشد فشلا، يتعاظم ميل ميزان القوى الداخلي إلى وضع جديد لصالح طرف الصراع الآخر: شعب سوريا المقاوم.

ومع أن كثيرين قالوا منذ بدء ما صار يعرف بالأزمة السورية إن موازين القوى التي كانت راجحة لصالح النظام لن تستمر، وإن هناك قوة ستتقدم وأخرى ستتراجع، ما دام الشعب مصمما على انتزاع حريته، ولأن العنف لا يصلح وسيلة لمعالجة مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية متراكمة ومعقدة، فإن أهل القرار ركبوا رأسهم وواصلوا تجاهل الواقع وانتقلوا من معارك استخدمت فيها البنادق، إلى أخرى قوامها المدافع، فثالثة زجوا فيها بوسيلة جديدة هي الدبابات، وصولا إلى مرحلة رابعة وأخيرة أضافوا فيها إلى أسلحتهم السابقة الطيران الحربي: دون جدوى أو نتيجة يمكن أن تحتسب لهم أو تعتبر في صالحهم.

لم يكن الأمر يتطلب كثير ذكاء، فالشعب السوري أجبر على الدفاع عن نفسه، مع ما تطلبه ذلك من تعبئة طاقاته وزيادة قدراته وحماية نفسه وممتلكاته، علما بأن موارده كبيرة وتستطيع بشيء من التنظيم وحسن الاستخدام إقامة وضع لا قبل للنظام بمواجهته، مهما نظم موارده المحدودة، فالفارق العددي بين جهتي الصراع هائل، والانتشار الجغرافي الشعبي عامل حاسم إلى أبعد حد، بينما انتشار النظام نقطة ضعف قاتلة، على الرغم مما لديه من أسلحة متقدمة، وتفوق تقني وتخطيط مركزي موحد.

وقد كتب سوريون كثيرون عن هذه النقاط، وشخصوا ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج، وتنبأوا بأن النظام مهزوم لا محالة في حال عبأ المواطنون قدراتهم ونظموها وزودوها بما يلزم من أسلحة، مهما كانت قليلة التقدم تقنيا، وقالوا إن النظام سيرتكب غلطة لن يستطيع إصلاحها إن هو خاض معركة مفتوحة ضد شعب غاضب ومصمم على الحرية كشعب سوريا، بلغ نقطة اللاعودة في استعداده لفعل كل ما هو ضروري من أجل استعادة ما كان لديه خلال فترة تاريخية سبقت تكوين وقيام دولته الوطنية، خاض خلالها معارك متنوعة الأشكال ضد جيش فرنسي يشبه جيش النظام الحالي، من حيث تفوقه التقني وعجزه عن كسر شوكة المواطنين السوريين والمقاومة الوطنية، وفي ظل سيادة حافز معنوي يوحّد الناس، كان بالأمس الاستقلال عن الفرنسيين، وهو اليوم القضاء على النظام القائم وصولا إلى الحرية وإعادة بناء الدولة الوطنية.

حشد النظام كل ما لديه من قوة، وعبأ جماعاته معنويا ووعدها بالغنائم، وأطلق يدها في المواطنين، وبثت الفوضى بين صفوفهم لبلبلتهم وإفشال مقاومتهم وتفتيت وحدتهم وتدويخهم وتحويلهم من أكثرية مجتمعية متضامنة إلى أشتات ممزقة. لكن النتيجة كانت عكس ما أراده: فقد تم تنظيم المقاومة تنظيما متعاظما وما صحب ذلك من ميل متزايد، بطيء لكنه ملحوظ، في ميزان القوى لصالح الشعب. وليس سرا أن إلقاء براميل المتفجرات على بيوت السكان يعد إقرارا بأن النظام يواجه عدوا وحيدا هو الشعب، وأن انتقامه الأعمى منه صار دليل يأسه من قهره وكبح التطور الذي يتخلق منذ عدة أشهر، وأدى إلى توسيع دوائر السوريين المشاركين في المقاومة، وتقلص قدرات وطاقات الموالين للنظام من مدنيين وعسكريين، وتقلص رقعة ما يسيطر النظام عليه من أرض الوطن.

ثمة علامات تؤكد أنه لا سبيل بعد اليوم إلى وقف هذا التطور، الذي سينتهي بهزيمة النظام، وأن فرص الحل غير العسكري للصراع، الذي رفضته السلطة بعناد وإصرار، تتراجع، وأن الشعب نجح في تعبئة قواه على الرغم من أنه انطلق من نقطة الصفر، بينما كان النظام قد عبأ قدراته إلى نقطة الذروة، وأن السوريين لن يهزموا بعد الآن، ليس فقط لأن مناطق كثيرة تحررت من سطوة السلطة وممثليها، بل لأن فارق الروح المعنوية لدى الطرفين صار عاملا حاسما في المعركة، وكذلك فارق الإيمان بعدالة القضية التي يقاتلان من أجلها، فضلا عن الحامل الاجتماعي الذي يعتبر المقاومة جزءا تكوينيا منه، يرتبط أمنه ووجوده به، بينما يرى منذ وقت طويل في جيش السلطة غازيا لا مفر من صده بأي ثمن، بمعونة مقاومة وطنية وشعبيه هو منها وهي منه.

خرج النظام من حوران في الجنوب إلى دير الزور في الشرق وإدلب وحلب في الشمال، كما أخرج من مناطق واسعة نسبيا في قلب محافظة اللاذقية، التي يعتبرها فناءه الخلفي ونقطة قوته، مع أنه صار يتحرك فيها أيضا ويده على الزناد، ويعتبرها منطقة غير آمنة، ويرى في معظم مواطنيها أعداء محتملين أو مؤكدين. في الوقت نفسه، صار من الصعب ضبط جيش النظام دون تهديد ضباطه وجنوده بالقتل، إن هم ترددوا في تنفيذ أي أمر يصدر إليهم. يفسر هذا لماذا تكاثرت عمليات الانشقاق عن السلطة والالتحاق بالمقاومة، وتكاثرت بدورها الإعدامات التي أخذت تطاول صفوف الموالين أيضا، ولعل أعظمها خطورة مقتل كبار ضباط خلية الأزمة، الذين تمت تصفيتهم بدم بارد في عملية قيل إن النظام هو الذي رتبها، مع ما واكب هذا كله من تزايد النقد لسياسات الحلقة الأسدية/ المخلوفية الضيقة، التي تربط وجود البلاد والعباد ببقائها في السلطة، على الرغم من أنه لم يبق لها من وظيفة ممكنة أو محتملة غير ممارسة القتل واستباحة حياة المواطنين.

قطعت أزمة سوريا الشوط الأكبر باتجاه الحل، ودخلت في مرحلتها الأخيرة، التي ستتطلب الكثير من الضحايا، لكنها لن توهن عزيمة وتصميم الشعب المقاوم أو تفت في عضده، بينما تفضح تصريحات كبار المسؤولين حجم الصعوبات التي يواجهونها، وتبين أن نهاية المعضلة التي كانوا يروجون لها ليست قريبة، وأن ما كانوا يلخصونه بكلمة «انحلت» أو: «خلصت» لم يكن غير كذب صريح، وأن المقاومة تهد حيلهم وتقوض خططهم وتطردهم من مواقعهم واحدا بعد آخر، وتقضم وجودهم الذي يتأكل باطراد لا سبيل إلى وقفه، وسيؤدي حكما إلى انهيار النظام.

قبل أيام سألني سائق تاكسي باريسي من أصل أفريقي، عندما علم أنني سوري: هل رئيسكم مجنون؟ ألا يعلم أنه لا توجد قوة تستطيع قهر شعب يثور لكرامته ومن أجل حريته؟ كم أتمنى أن يتوقف أنصار بشار الأسد أمام هذا السؤال وأن يجيبوا عنه بنزاهة إنسانية وضمير وطني!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مها بدر الدين / في أحوال المعارضة السورية

الرأي العام

6-10-2012

حتى وقت قريب لم تكن المعارضة السورية تحظى بساحة آمنة ومساحة ديموقراطية تسمح لها بالتعبير الحر عن تطلعاتها الوطنية وتوجهاتها الفكرية ومبادئها السياسية، ومرت خلال العقود الأربعة الماضية من تاريخ سورية المعاصر بتجارب أليمة وقاسية مع نظام الأسد الأب الذي استبد وغالا بقمعها للدرجة التي دفعته لارتكاب مجزرة حماة الشهيرة التي استهدفت القضاء على المعارضة بكل رموزها ومكوناتها ونجحت فعلاً بتفكيكها وفرط عقدها بعد أن نالت من القتل الهمجي والاعتقال الممنهج والتهجير المتعمد ما كان كفيلاً بإغلاق فمها وكبح جماح غضبها والدخول في سبات سياسي عميق امتد لأربعين سنة من عمر الشعب السوري الذي سكنه الخوف وأسكته شبح حماة المستباحة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت المعارضة تفصل معارضتها بما يتناسب مع مقاس النظام، فخلال هذه الأربعين ورغم ما شابها من أوجه الفساد السياسي والثقافي والاقتصادي الذي يندى له الجبين وتعجز عن تحمله الجبال، لم نسمع صوتاً جهوراً واضحاً يصدح في أنحاء البلاد ليوقظ في أبنائه تلك الغيرة الوطنية والكرامة الإنسانية والإرداة الحرة التي حقنت بمخدر طويل الأجل، قوي المفعول جعل من الوطن النائم مرتعاً خصباً لإقامة حكم شمولي يسيطر على مفاصل الدولة، ولم ينجح جسد المعارضة السورية المكلوم والمتهالك في الوقوف بوجه النظام المستأسد، ولم تستطع همهماته العليلة التي كان يزفرها بين الحين والآخر أن تعيد الروح للشارع السياسي أو أن تضغط على النظام السوري للسماح بمرور الهواء النقي إلى رئته المتورمة، إلى أن استطاع أطفال درعا أن يعطوا قلب سورية المتعب صدمة إنسانية عنيفة أعادت له الروح فنبضت أوردته غضباً وسرى في عروق الوطن دماء الثورة التي تفوح برائحة الكرامة والحرية والإنسانية، فانطلقت أصوات المعارضة السورية تصدح في أرجاء المعمورة.

وأصبح للمعارضة السورية وجود وكيان يكبران كل يوم مع اتساع رقعة الثورة وازدياد أحداثها وتداعياتها، فتمثلت في بداية الثورة وبشكل فطري بالمعارضة الشعبية التي كانت قاعدتها تضم جماهير الشعب الثائر في كل المدن السورية الذي عارض فطرياً ممارسات النظام الفاسد، وانطلق بلا أجندات خاصة أو خطوات موجهة أو قيادات معروفة ليلقي بوجه النظام السوري المتعنت لائحة مطالبه الشرعية والمشروعة بشكل سلمي وحضاري، ولكن مع تطور الموقف واتساع رقعة المواجهات القمعية وارتفاع وتيرة التصدي للاحتجاجات السلمية وتحولها إلى مواجهات مسلحة من طرف واضح، أصبح من الضروري أن يكون للمعارضة السورية صوت مسموع داخلياً وخارجياً يكون له تأثيره على مجريات الأحداث ويمثل الشباب الثوري ويعكس تطلعاته ومتطلباته، فبدأت رموز المعارضة بالظهور على الساحة لتشكل نواة المعارضة السورية المنوط بها حماية الثورة وإيصالها لبر الأمان والتي انقسمت جغرافياً إلى المعارضة في الخارج ومعارضة في الداخل.

لقد كان هذا الإنقسام الجغرافي للمعارضة مقبولاً في ظل القمع السياسي الذي ينتهجه النظام الأسدي في الداخل السوري، وكان منطقياً أن يكون لمعارضي المنفى الفاعلية الأكثر في إيصال صوت الثورة، لبعدهم عن بطش النظام وحرية الحركة والتنقل والتجمع، وأصبحت الحاجة ملحة ليكون رموز المعارضة في الخارج على كلمة رجل واحد، لكن تفاجأ الشعب السوري عند تشكيل المجلس الوطني السوري بتغلب الطموح الشخصي وحب التفرد على بعض الشخصيات المهمة المعول عليها من جهة، وعلى تمكن الأمن السوري من اختراق هذه المعارضة وتشكيل جناح معارض يحاكي النظام ويسايره من جهة أخرى، وهكذا أنقسمت المعارضة في الخارج إلى معارَضة معارضة ومعارضة مؤيدة، وأصبح هذا الإنقسام المشجب الذي يعلق عليه المجتمع الدولي في كل مناسبة، تخاذله عن نجدة الشعب السوري وتقاعسه عن إيقاف جرائم بشار الأسد بحقه.

أما المعارضة في الداخل فقد انقسمت أيضاً وبشكل طبيعي إلى معارضة مدنية تشكلها القاعدة العريضة من الشعب السوري الثائر وبعض النخب السياسية التي تراوحت درجة معارضتها بتراوح الخطر الأمني المحدق بها من جهة وطموحها وتطلعاتها المستقبلية من جهة أخرى، وإلى معارضة مسلحة تكونت من جموع الجنود والضباط المنشقين عن الجيش السوري النظامي وكتائب المقاومة الشعبية التي تشكلت لحماية الأهالي والممتلكات من بطش شبيحة الأسد، وتم الإعلان عن تأسيس الجيش السوري الحر الذي أخذ على عاتقه مواجهة القوات الأسدية والدفاع عن الشعب السوري ضد ممارسات الأسد المشينة، لكن هذا الإعلان لم يكن كافياً لضم جميع الكتائب المسلحة المتطوعة منها أو المنشقة تحت لواء الجيش الحر فظهر انقسام جديد في صفوف المعارضة المسلحة بين الجيش الحر وكتائب الثوار من جهة وبين الكتائب نفسها من جهة أخرى، وكان هذا الانقسام المشجب الثاني الذي وجده المجتمع الدولي ليعلق عليه تهاونه وتردده في مساعدة الشعب السوري على التخلص من ديكتاتور دمشق.

هذه الإنقسامات المتعددة في المعارضة السورية أصبحت الشريان الذي يمد النظام السوري بالحياة ويطيل من عمره، ففي الوقت الذي يطالب الشعب السوري المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه وضعه المأساوي، يطالب المجتمع الدولي المعارضة السورية في الخارج والداخل بضرورة التوحيد وتشكيل قيادة سياسية وعسكرية واحدة للاعتراف بها والتعامل معها، وبين الدعوتين تزهق أرواح المئات من أبناء الشعب السوري وتذبح الإنسانية في محراب الأسد بدم بارد يومياً، والدعوة للتدخل والتوحد لا زالت مستمرة.

فهل تتوحد المعارضة ليتدخل المجتمع الدولي؟ أم يتدخل المجتمع الدولي ليوحد المعارضة فيقضى على الاسد؟

أم يقضى على الشعب السوري فترتاح المعارضة ويستريح المجتمع الدولي؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تركيا: أقل من حرب وأكثر من فرصة!

منار الرشواني

الغد الاردنية

6-10-2012

في فترة سابقة، بدا إشعال حرب إقليمية خياراً محتملاً لنظام بشار الأسد للخروج من مأزقه في التعاطي مع الثورة السورية. وقد استندت التحليلات، في حينه، إلى أن مثل هذه الحرب ستشكل ذريعة مثالية لمن بقي من حلفاء الأسد، لاسيما إيران وحزب الله، لمساندته عسكرياً بشكل علني، إضافة إلى منح مصداقية ما لأكذوبة أن لا ثورة في سورية ضد الاستبداد والفساد رغم كونهما الأسوأ عالمياً، وأن الأمر ليس أقل من "مؤامرة كونية"؛ أميركية-خليجية-إخوانية-عثمانية جديدة، على "المقاومة والممانعة"!

اليوم، يبدو الموقف مختلفاً تماماً استناداً إلى رد فعل نظام الأسد على القصف التركي انتقاماً لمقتل خمسة مواطنين أتراك، الأربعاء الماضي، بقذيفة مورتر يُتهم جيش الأسد بإطلاقها. وبحسب اللغة الاعتذارية السورية الرسمية نحو تركيا، يمكن القول إن الأسد أصبح يدرك تجاوزه كثيراً نقطة الاستفادة من حرب إقليمية، بل وباتت احتماليتها، على العكس مما سبق، تهديداً لوجوده. يتجسد ذلك خصوصاً في الموقف الروسي من مقتل المواطنين الأتراك، وضمنه إدانة مجلس الأمن للجريمة، رغم رفض روسيا إدانة قتل ثلاثين ألف سوري حتى الآن على يد ذات النظام. ويضاف إلى ذلك انكشاف الوضع الإيراني اقتصادياً، مع ما ينتجه من عدم استقرار اجتماعي مفتوح الاحتمالات، وبما قد لا يسمح بمواصلة دعم نظام آيل للسقوط، ناهيك عن خوض حرب لأجله.

على الطرف الآخر، لا تبدو تركيا أقل حرصاً على عدم الانجرار إلى حرب مع نظام الأسد. سبب ذلك ليس فقط عدم إمكانية أو صعوبة تبرير هكذا حرب داخلياً ودولياً، بل أهم من ذلك، وتماماً كحال ملالي طهران، عدم الحاجة إلى الحرب مع نظام في حكم المنتهي. لكن في المقابل، يبدو التصعيد التركي العسكري خلال الأيام الماضية فرصة تستطيع تركيا من خلالها تحقيق مجموعة أهداف.

من ناحية أولى، وهي الأهم، قد يستبطن التصعيد العسكري سعي تركيا إلى تشكيل منطقة عازلة داخل الأراضي السورية بقوة الأمر الواقع، بعد عجز المجتمع الدولي عن إيجاد هكذا مناطق تؤوي اللاجئين السوريين الفارين من الموت والتنكيل. فمع الخشية من تكرار سقوط قذائف خلف الحدود تستجلب انتقاماً تركياً جديداً، يبدو منطقياً توقع إحجام قوات الأسد عن الاقتراب من الحدود لمسافة معينة، تشكل تلقائياً منطقة عازلة إجبارية.

من ناحية أخرى، يمكن تفسير الرد التركي باعتباره رسالة إلى حلفاء نظام الأسد، وتحديداً روسيا هنا، بشأن مخاطر استمرار هذا النظام على المستوى الإقليمي خصوصاً. وهي مخاطر تتحمل روسيا المسؤولية عنها أكثر من الأسد، كون استمراره على هذا النحو المدمر ليس إلا بسبب الدعم الروسي. ويمكن القول إن هذه الرسالة قد وصلت واضحة تماماً، بحيث سارع وزير الخارجية الروسية إلى التهدئة عبر إدانة تصرف نظام الأسد بشكل غير مسبوق.

يضاف إلى ما سبق، وإن بشكل أقل جلاء، تحذير وتهديد تركيان لنظام الأسد من محاولة لعب الورقة الكردية في حرب وكالة ضد تركيا التي نفد صبرها، وأظهرت استعدادها التام للتحرك لحماية مواطنيها.

السؤال الآن، والموجه إلى حلفاء الأسد تحديداً: ماذا بقي لهذا النظام من مقومات وأسباب بقاء غير القدرة على سفك الدماء؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا جرى في القرداحة؟

فادي سعد *

السبت ٦ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

ربما كان ما حدث ليل 30 أيلول (سبتمبر) الماضي علامة على بداية الفصل الأخير من المأساة السورية، إذ نشبت اشتباكات عنيفة غير مسبوقة بين عائلات الخيّر وعثمان وعبود من جهة وبين آل الأسد وشاليش من جهة أخرى، استمرت لساعات وانتهت بمقتل خمسة أشخاص من آل عثمان وثلاثة من آل الخيّر إضافة إلى جرح ثمانية أشخاص كان منهم محمد الأسد مؤسس ميليشيا الشبيحة في سورية.

فعلى خلفية اعتقال الدكتور عبدالعزيز الخيّر القيادي في هيئة التنسيق من قبل الاستخبارات السورية إثر عودته ورفاقه في الهيئة من اجتماعات لهم في الصين، نشب جدال عنيف بين مجموعة من شباب هذه العائلات في أحد مقاهي القرداحة انتهى إلى اندلاع اشتباكات الليل بعد محاولة محمد الأسد قتل جميع المجتمعين بواسطة قنبلة!

وكون الحادث ذا أبعاد سياسية (اعتقال الدكتور الخيّر) فإنه مرشح أن يكون بداية لتحولات مهمة، استُهلّت مع انفجار خلية الأزمة الذي كان وراءه ما وراءه، وصولاً إلى سفر السيدة بشرى الأسد من دمشق إلى دبي مصطحبة أولادها في خطوة اعتبرها أخوها انحيازاً إلى المعارضة. وكل ذلك تفاعل في نفوس أهالي الجبل مضافاً إلى الضغط النفسي والاجتماعي الناشئ عن الأعداد الكبيرة من القتلى في الجبل من أفراد الجيش والأمن والشبيحة الممسوكين بلقمة العيش والتهويل الطائفي الذي أتقن النظام استخدامه كوسيلة لتدجين وتجييش اعداد من شباب الجبل. وهذا من دون أن ننسى العامل الأهم وهو تهميش العائلات العلوية العريقة اجتماعياً وسياسياً والتي كان لها دور في تاريخ سورية المعاصر أمثال آل إسماعيل والمقدم وجركس والخيّر، وهؤلاء يشكلون 80 في المئة من أهالي القرداحه وتؤيدهم أكبر العشائر العلوية، وهم الخياطون والمتاورة والتيارات والأحزاب اليسارية والأحرار والمستقلون، نظراً إلى مستوى تأثيرهم الثقافي وشهرتهم وسمعتهم في الجبل مقابل سمعة آل الأسد. وهذا ما يشير إلى أن تحولاً في التحالفات والتجاذبات العشائرية جار هناك على قدم وساق.

فالثورة لا تحتاج إلا لشرارة واحدة كي تشعل ركام الغضب والقهر، وهذا ما يدركه النظام الذي سارع إلى اعتقال عدد من الناشطين والناشطات العلويين في مدينة طرطوس خوفاً من انتقال الشرارة إليها بعد تظاهرات محدودة في القرداحة وجبلة إثر اشتباكات الليل السالفة الذكر. وحادثة القرداحة إن لم تكن هي الشرارة، فشرارات أخرى ستكون ممكنة في أي لحظة، بما يرشّح الساحل للانضمام إلى الربيع السوري، وربما اختتامه بانتصار مدوٍّ للثورة ولسورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد الرئيس الأكثر تكلفة في التاريخ!

عادل مالك *

السبت ٦ أكتوبر ٢٠١٢

الحياة

بعدما أصبح صدور الأفلام والصور من الداخل السوري أكثر نقاوة ووضوحاً بكثير مما كان يتم تهريبه خلسة خلال شهور الحرب الطويلة بدأ يتضح هول المأساة وفداحة الخراب والدمار منذ اندلاع الثورة، إضافه إلى جيوش النازحين التي توزعت على دول الجوار السوري: تركيا، الأردن ولبنان بصورة خاصة ضمن حراك أدى وسيؤدي إلى انتقال «الفيروس السوري» إلى أماكن أخرى زادت في الوضع البركاني السائد مأساة على مأساة.

وفي ضوء كل ما نشهد: يمكن القول إن الرئيس بشار الأسد سيذهب في التاريخ على أنه الرئيس الأكثر تكلفة في العالم!

ويوماً بعد يوم يتأكد فشلت جميع المحاولات التي جرت لوقف نزيف شلالات وأنهار الدماء الأمر الذي يوضح مرة جديدة أن النزاع في سورية تخطى كل التقديرات والرهانات التي أعدتها مجموعة الدول الإقليمي منها والدولي، من وساطة كوفي أنان إلى الوسيط الحالي الأخضر الإبراهيمي يكشف بجلاء عقم وسائل إحداث اختراق ما ونقل فصول المنازلة بين النظام والثائرين عليه، إلى ما يطلق عليه تجاوزاً «الحل السياسي»! فهل ما حدث في سورية حدث كي تقف الأمور عند هذا الحد فقط؟

واستناداً إلى كل المعطيات الظاهرة على سطح الأحداث على الأقل أن النظام عجز حتى الآن عن حسم الموقف لمصلحته، والمعارضة بل المعارضات لم تتمكن من تغيير قواعد الاشتباك، ليتضح أن سورية هي في مرحلة انعدام الوزن بل وانعدام الحل.

إن ما تشهده مختلف المحافظات السورية من تفجيرات وسيارات مفخخة تمكنت من اقتحام كل الحواجز وأنواع الحماية ما يذكّر بـ «العرقنة»، إشارة إلى التفجيرات المرعبة والمخيفة التي شهدها العراق منذ الغزو الأميركي له وحتى الآن. وإذا كان صحيحاً القول إن المنازلات الكبيرة والجارية حالياً في مدينة حلب هي الأعنف حتى الآن، نذكر بأهمية ما تتصف به حلب من مميزات تاريخية.

وفي هذا المجال بالذات ينعى الأستاذ وليد جنبلاط الوضع بقوله: «إن تراث حلب لا يقل أهمية عن تراث أصفهان أو شيراز، وإن تراث هذه المدينة يؤكد أنها أقدم وأغنى بكثير من تراث عاصمة القياصرة سانت بطرسبرغ». وفي هذا التعليق الجنبلاطي الرومانسي واللاذع رسائل موجهة في غير اتجاه باتجاه سورية إلى إيران وإلى روسيا. لكن جحيم المعارك لا يزال مستمراً، وعداد الموت يسجل سقوط الكثير والمزيد من القتلى والجرحى إضافة إلى الدمار الهائل الذي أعاد سورية سنوات طويلة إلى الوراء.

هل بقي أي كلام لم يستخدم حتى الآن في إطار توصيف ما تشهده سورية بعدما تم استهلاك جميع الشعارات والتقديرات والتداعيات؟

الجديد في هذه الأونة استخدام بعض المفردات التي كان الحديث يجرى حولها بقليل من الهمس. ومن هذه العبارات التعريف الواضح لمختلف أطراف الأزمة. وتسمية الأشخاص والأسماء في شكل واضح، وعلى سبيل المثال، الإشارة إلى «العلويين» و «السنّة» والتركيز على عمليات الفرز الطائفي التي أرغمت كثراً من المنكوبين على مغادرة منازلهم بعدما انتشرت موجة «القتل على الهوية»، وفي ذلك ظاهرة بالغة الخطورة تحمل إيماءات الإعصار التقسيمي الذي يعصف بالمنطقة ويهدد بأوخم العواقب.

هكذا، يتبين بجلاء تدرج مراحل الأزمة السورية فهي انتقلت من الحرب البدائية السلاح وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، انتقالاً إلى حرب أهلية بكل معنى هذا النوع من الطرح ليظهر في وضوح ما بعد بطرح السؤال: والآن إلى أين تتجه الأحداث السورية؟

إن الاستنتاج الطبيعي لكل ما جرى يؤشر إلى انحدار سورية نحو حالة تقسيمية تعصف رياحها في الإقليم. وفي هذا السياق نشير إلى ما جرى بين الرئيس بشار الأسد ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان من حوار، حيث حذرت أنقرة من «أن الخوف الأكبر مما يجري من أحداث أن الأزمة سائرة نحو تقسيم سورية». وعندها رد الأسد بالقول: «إن التقسيم لن يقتصر على سورية فحسب بل أن أول المتضررين من ذلك هو الأتراك»، وكان يشير بذلك إلى ارتفاع حدة الصراع والمواجهات مع حزب العمال الكردستاني إلى درجة مطالبة الأكراد بدولة مستقلة، أو بنوع من أنواع الحكم الذاتي.

وفي هذا السياق ارتفعت حدة التوتر الميداني قبل يومين عندما سقط بعض القذائف السورية على الداخل التركي، ما استوجب رد قوات الجيش التركي على مصادر النيران، وتبع ذلك تصعيد في المواجهة الإعلامية بين سورية الأسد وتركيا أردوغان، والتداول في إقحام اتساع دائرة منطقة الصراع، الأمر الذي يدخل ضمن عنوان عريض هو الاستيراد والتصدير في الأجواء الملتهبة بين الداخل السوري وخارجه من دول الجوار، وفي الطليعة تركيا حيث يعمل أردوغان على إنقاذ ماء الوجه، واستعادة المبادرة بعد كل التهديدات التي أطلقها في بداية النزاع، وتوقعه سقوط بشار الأسد في وقت قريب.

وفي الأيام الأخيرة من إعلان حالة الاستنفار بين سورية وتركيا رفع الغرب الحليف لتركيا درجة التوتر حيث أعلن حلف شمال الأطلسي أنه يقف خلف تركيا في صراعها مع سورية. ولدى الإشارة إلى حلف الناتو، لاحظ بعض المراقبين المتابعين عن كثب أحداث المنطقة أنه يبدو في حاله من «البطالة» بعد «الإنجازات الكبيرة» التي حققها في ليبيا وأن الحلف في حال انتظار لا التزام جديد. لكن وجود الكثير من المعطيات يؤكد صعوبة بل استحالة إقحام حلف الأطلسي في النزاع العسكري مع سورية، وذلك لأكثر من اعتبار ولأن «سورية غير ليبيا».

وفي ضوء كل ما جرى ويجري هل يمكن استشعار الآتي من الأزمات؟

مع اقتراب الأزمة في سورية من شهرها التاسع عشر، وليس في الأفق من بوادر تشير إلى قرب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يصعب تصور قيام أي حل على الطريقة التقليدية، كمثل شعار «لا غالب ولا مغلوب» (رحم الله صاحبه الرئيس صائب سلام)، وعليه ستبقى الأزمة بين كر وفر على الصعيد الميداني، وأفراد الشعب السوري في كل الانتماءات والطوائف، هم الذخيرة الحية لحرب لن يكون فيها غالب ومغلوب، بل ستنتهي المنازلات القائمة إلى مغلوب أكثر ومغلوب أقل، وإلا فنحن سائرون إلى الخطر الأكبر على صعيد تغيير خرائط المنطقة.

وبعد...

عندما اندلعت الشرارة في سورية لم يكن في تصور أحد بلوغ الوضع ما هو عليه الأن. لذلك، يصعب التصور بدقة ما هو آت من ويلات الحرب وترقب، من سيكون هو الطرف الذي سيصرخ «الأخ» أولاً. أما الدعوات التي تطلق من هنا وهناك حول تزويد المعارضة السورية بالأسلحة المتطورة، الأمر الذي سيغلب كفة هذه المعارضة على «جيش النظام»، فإن مثل هذا الاقتراح من شأنه أن يحول سورية إلى مزيد من الدمار والخراب أكثر فأكثر، وحتى آخر سوري من أنصار النظام، وأنصار أعداء هذا النظام بخاصة أن الكثير من الدول الغربية، وفي الطليعة الولايات المتحدة الأميركية لا تمانع في تواصل الحرب في سورية كي تضمن المصالح والهيمنة على هذه المنطقه المهمة من العالم.

وفي ما يتصل برفع وتيرة المواجهة بين سورية وتركيا يبدو وكأن هناك في الأفق عملية استدراج عبر وقوع الكثير من الممارسات التي تثير الاستفزاز، والأدلة واضحة وعلى سبيل المثال لا الحصر ما هو قصد الجيش النظامي السوري بإطلاق مدفعيته بعض القذائف لتسقط في العمق التركي؟ واستطراداً: ما هو قصد الجيش التركي من الرد على مصادر النيران في المناطق المحاذية للحدود المشتركة؟

يبدو وكأن الأزمة السورية ضاقت بحدودها المكانية وهي تفتش عن «تمدد» أفقي وعمودي من دول الجوار والتي تقتصر حتى كتابة هذه السطور، على كل من تركيا والأردن ولبنان وبذلك يصبح الصراع السوري الداخلي نزاعاً مكشوفاً على الصعيد الإقليمي؟

ومقابل طرح هذين الاحتمالين يرد الجانب الآخر من التحليل أن أزمة بحجم حرب على مستوى المنطقه لا يمكن أن تتصاعد أكثر فأكثر والانتخابات الأميركية على الأبواب. وفي المحصلة الأخيرة: طرفان بإمكانهما الإمساك بزمام المبادرة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المنطقة وهما سورية للأسباب المذكورة أعلاه، وإسرائيل إذا أقدم بنيامين نتانياهو في نوبة جنون على توجيه الضربة التي طال الحديث عنها للمفاعل النووي الإيراني، وفي سعي منه إلى قلب الطاولة على الجميع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: حافة الهاوية؟

عماد الدين أديب

الشرق الاوسط

6-10-2012

كان وزير الخارجية الأميركي الأسبق «جون فوستر دلاس» هو المنظر السياسي لمبدأ «حافة الهاوية» وهي سياسة تعتمد على اتباع كل أدوات التصعيد المستمر والشامل في كل المجالات ضد الخصم أو العدو للسياسة الأميركية إلى مرحلة ما قبل انطلاق الرصاصة الأولى بهدف إجباره على القبول بالمصالح الأميركية أو اتباع رؤية واشنطن للأمور.

وهذا المبدأ تم تطبيقه في أوائل الستينات في أزمة خليج وصواريخ كوبا بين واشنطن وموسكو، ووقتها حبس العالم أنفاسه حينما وصل الجميع إلى حافة حرب نووية كونية بين البلدين.

هذه اللعبة الخطرة لها قوانينها الدقيقة ولها شروطها الصارمة، ولها أيضا قاعدة ضرورية وهي أن تكون «قوة عالمية يحسب حسابها أو قوة إقليمية عظمى ذات تأثير».

أما أن تلعب أو تغامر باللعب وأنت في أزمة مثل أزمة النظام السوري الذي يعاني هذه الأيام أقصى درجات الحصار العالمي والعزلة السياسية الدولية فهذا ضرب من الحماقة والجنون.

سوريا الآن تخوض حربا أهلية بين جيش النظام الحاكم وجيش الشعب، وتعيش أزمة مالية طاحنة، وأصبحت تشكل خطرا وعبئا مخيفا على دول الجوار في لبنان والعراق والأردن وتركيا.

وتقف إسرائيل، وهي تراقب عن قرب عدة كيلومترات التحولات الداخلية في سوريا، بقلق شديد وبإجراءات خطط طوارئ عسكرية.

ورغم هذه الملابسات التي تواجه سوريا، أقدمت القيادة العسكرية السورية على تعريض أمن جيرانها للخطر بشكل متكرر يمكن أن يؤدي إلى توسيع مسرح القتال.

إن نظرة واحدة إلى المشروع السوري لتوسيع مسرح الأحداث يبدأ بالضغط على الأردن بكميات من النازحين، وتسخين الوضع في طرابلس ومدن الشمال اللبناني وإشراك العراق كطرف أصيل في الصراع من خلال استخدام المجال الجوي العراقي دون استئذان لنقل شحنات الأسلحة الإيرانية لسوريا. وأخيرا، تم إدخال تركيا في مسألة توسيع مسرح الأحداث بإطلاق قذائف على مدن الجوار التركية مما أدى إلى استشهاد 5 من المدنيين العزل. هذا كله أدى إلى قيام البرلمان التركي بمنح الجيش صلاحية حق التوغل في سوريا! المذهل أن مندوب سوريا في مجلس الأمن، قال معقبا على الأخبار التي تناقلتها وكالات الأنباء بأن دمشق نقلت اعتذارها للأتراك عبر الأمم المتحدة: إن بلاده «أعربت عن أسفها للحادث لكنها لم تعتذر».

يا رجل.. اتق الله! ما هذا التكبر؟

وبعد أن فكرت مليا في الأمر أيقنت أنه من المنطقي لمن لم يعتذر عن قتل عشرات الألوف وتشريد مئات الألوف ألا يعتذر عن قتل خمسة أرواح فقط!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يومياتنا في سوريا .. تدمي القلب وتثقل على الضمير إن وجد هذا الضمير

الشبكة العربية العالمية: حسين العودات

الجمعة, 05 أكتوبر 2012 23:56

يحلل المحللون، ويراقب المراقبون، ويتحدث السياسيون، وتتصارع المنظمات الإقليمية والدولية، وتنشغل وسائل الإعلام بالشأن السوري، وجميعهم يبحثون في الكليات، والقضايا الرئيسة، والتوجه العام، والآفاق المقبلة،

وبالسلم والحرب والتأثر الإقليمي والدولي بما يجري في هذا البلد، ولكنهم جميعاً ينسون أو يتناسون أموراً يرونها صغيرة وهي الأكبر بالنسبة للسوريين وأعني بها ما يلاقونه يومياً من تضييق واستفزاز وغلاء أسعار وخوف وإهانات وتهديد وقتل ومختلف أنواع الانتهاكات لكرامتهم وحياتهم وهدوء بالهم.

يمر السوري بين بيته وعمله، مهما كانا متقاربين، على عدد من الحواجز داخل البلدات والمدن لايقل عن ثلاثة وقد يصل إلى عشرة حواجز، وأحياناً يكون الفاصل بين الحاجز والآخر خمسين متراً، ومع ذلك، وفي كل مرة يقوم جنود الحاجز بتفتيش سيارته والتدقيق في هويته وسؤاله ما يشاؤون من الأسئلة، وأحياناً شتمه بدون سبب، ويتعرض لمختلف أنواع الاتهامات.

ويلام لأنه من هذه المدينة أو تلك باعتبارها من المدن الثائرة، ولنا أن نتصور الخوف الذي يتلبسه عند كل حاجز، عندما يتذكر أن للجندي الحق في إطلاق النار عليه بدون سبب ودون مساءلة، ولا يجوز محاكمة رجل الأمن إلا بموافقة وزير الدفاع الذي لم يوافق حتى الآن على محاكمة أحد.

يواجه السوري صغيرات أخرى عندما يريد شراء حاجيات أسرته اليومية، ويجد أن أسعارها ارتفعت بين 20 و 50% عن اليوم السابق، دون مسوغ منطقي أو موضوعي، وإذا سأل البائع عن سبب ارتفاع الأسعار يجيبه بعنجهية هذا هو الموجود واذهب إلى غيري، وأحياناً يشير البائع إلى التضخم وارتفاع سعر الدولار بالنسبة لليرة، وكأن (جرزة البقدونس مستوردة من أميركا).

من الصغيرات أيضاً عندما يراجع المواطن السوري دائرة من دوائر الدولة بعد أن يمضي أكثر من ساعة بين بيته ومكان الدائرة بسبب الحواجز فيجدها خالية من الموظفين، ويقال له إنهم لم بستطيعوا اليوم الالتحاق بأعمالهم فعليك المجيء غداً. ويضطر أحياناً إلى التردد عدة أيام على دائرة الدولة ليجد موظفاً لايهتم به ويعامله (بقرف وتثاقل وقلة أدب).

لايجرؤ السوري غالباً على الخروج من بيته بعد السابعة أو الثامنة مساء، خوفاً من الحواجز أو العصابات أو الباحثين عن فدية، وتتضاعف مصيبته إذا كان قد نسي بطاقته الشخصية في بيته، وتتضاعف أكثر إذا كانت زوجته إلى جانبه، ويباشر الحاجز الأمني توجيه الكلام البذيء إليها بدون سبب، وزوجها لا يلوي على شيء. بل إذا تحركت حميته تكبحه زوجته وتطلب منه الهدوء، باعتباره أقل الخسائر.

يعتبر السوريون أن كل ما هو أقل من القتل هو من الصغيرات، وعليه، فليس نادراً أن يعود السوري إلى بيته ليجد أسرته مكدسة أمام البيت، وقد سُرقت محتوياته من قبل جهات أمنية فتشته وتأكدت من خلوه من أي شيء مخالف وبطريقها أخذت كل ما فيه. وهذه تبقى على أية حال أصغر من أن يجده محروقاً أو مدمراً بحجة أنه بناء عشوائي مخالف، وهذا ما جرى في عدة أحياء دمشقية يقال ان عدد سكانها يتجاوز بضع مئات من الآلاف.

أصبح أمراً عادياً أن تُقطع الكهرباء يومياً لبضعة ساعات ودون أن يعلم المستهلك عن موعد القطع أو موعد الوصل، ولايهم إن كان في منطقته من يستخدم أجهزة صحية تحتاج للكهرباء أو أجهزة أخرى يحتاجها في حياته اليومية، أما الوقود فالحصول عليه أمر شبه مستحيل مثله مثل الغاز حيث تضاعفت أسعارهما.

من الأمور العادية والدارجة أن يعطل سائق التاكسي عداد السرعة ويقرر بنفسه أمرين: الأول هو قبول أو عدم قبول نقلك إلى المكان الذي تريده، والثاني هو أن يقرر الأجرة التي يريد، والويل لمن ينبس بأي كلمة احتجاج فلم يعد لشرطة المرور أهمية، وحتى الدولة تجدها غائبة باستثناء الجانب الأمني من مهماتها، فهو حاضر بكثافة ووحشية.

كان الروائي الفرنسي الشهير (أنوريه دي بلزاك)، وهو من مؤسسي النظرية الواقعية في الأدب، يهتم في كتاباته بالأشياء الصغيرة، التي ما أن تلتقي وتتراكم حتى تصبح كبيرة، وتعطي صورة حقيقية وجادة وواقعية عما تتناوله من أحداث، أي أنه كان يستقرئ الواقع والأحداث، كما كان يعمل الفيلسوف سقراط الذي كان يولد النظرية من أجزائها كما كانت أمه (القابلة) تولّد النساء.

وذلك على عكس ما يفعله (محللونا) السياسيون الذين ينهجون نهج الاستنتاج، فيبدؤون بالكبيرات، وبعدها لا يستطيعون توصيف الصغيرات، ظناً منهم أن الكلام الكبير هو أكثر إقناعاً، أو أنه يثير دهشة السامع أو القارئ، فهم إذن يطمحون للدهشة، والدهشة هي بداية الفلسفة، والمهم أن يقول الناس عن (المحلل) انه مثقف وليذهب الشعب السوري إلى الجحيم.

بمناسبة الأشياء الصغيرة هذه، تحضرني قصة ما حدث مع مجموعة أولمت لنفسها، فقال أكثرهم ثرثرة وقدرة على الكلام وبصوت جهوري متهدج (عليّ النار أوقدها) وتوجه إلى أحدهم وبصوت منخفض خجول (ومنك السمن واللحم) ويبدو أن هذا هو شأن المحللين والسياسيين مع الشعب السوري، حيث يشرقون ويغربون ويقولون كلاماً كبيراً وخطيراً، ويرون الظروف المحيطة بسوريا والمنطقة والعالم، ولايرون ما يحيط بالشعب السوري.

يعيش الشعب السوري مصاعب يومية قد تصل إلى المآسي، وقد انتظر العرب والعالم طوال سنة ونصف السنة علّهم يساهمون في إنقاذه مما هو فيه دون جدوى، فهم يراقبون وينتظرون وهو أحوج إلى من يرفع عنه كاهل الأمور الصغيرة، لا إلى من يحلل ويركب الأمور الكبيرة فقط .

حقاً إنه إذا تم حل الكبيرات يتم تلقائياً حل الصغيرات، لكن حال السوريين يدمي القلب ويثقل على الضمير إن وجد هذا الضمير.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com