العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-09-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

وحشية النظام السوري وخفة المعارضة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 11-9-2014

ليس هناك، اليوم، أي شيء عادي لدى السوريين، نظامهم متوحشٌ إلى حد يجعله يقاس بمعايير، لا علاقة لها بالنوع الإنساني وقيّمه. ومعارضتهم منقسمة، متناقضة ومتصارعة، وعاجزة إلى درجةٍ تخرجها من عالم السياسة، وتحتم إدراج ممارساتها في عوالم الفوضى المنظمة، أو العشوائية التي تجعل انقساماتها هدفاً قائماً بذاته، ومن الحرص على خلافاتها شكل التوافق الوحيد الموجه لعملها العام. أما جيشهم الرسمي، فقد أثبت أنه أشد فتكاً وبطشاً من أي جيش احتلال مر على أي بلد: منذ أيام الفرس والرومان، مروراً بأيام التتار والغزاة الأوروبيين، وصولا إلى يومنا، في حين يغرق جيشهم الحر في حالٍ يبدو معها وكأنه يتفرج على الأحداث، فهو لا يقوم بأيّ أفعال تستبق ما لا يناسبه منها، كأنما قرر العزوف عن بذل أي جهد منظم ومدروس، لإحباط خطط النظام وتحضيراته الحربية، بما فيها التي يعلن عنها بصراحة ووضوح. ومع أن بعض وحدات هذا الجيش تستفيق من سباتها بين حين وآخر، لا تلبث استفاقتها أن تتراجع بعد فترة، لتكون وقتية من الصعب اعتبارها تدابير تمليها ضرورات الصراع مع نظامٍ همجي ومتوحش.

لا عجب أن يشعر مقاتلو هذا الجيش بغضب دائم، ويتهموا قياداته بتجاهل الحقائق الميدانية، والاكتفاء بأحاديث جوفاء عن القرار الوطني المستقل، بينما يقبلون توزيع ما يردهم من أسلحة وذخائر حسب "توصيات" يتلقونها من الخارج، ويسكتون عن تجاوزاتٍ خطيرةٍ ومتزايدةٍ يمارسها أشخاصٌ، يفترض أن لديهم حداً أدنى من الشعور بالمسؤولية، لكنهم قبلوا أن يتحولوا إلى أمناء مستودعات، يمنعهم سلوكهم من أن يصيروا قادة جيش وطني ثوري ومقاتل، ينافسون في الخفة والاستهتار بمصالح الثورة والشعب المعارضة السياسية داخل "الائتلاف" وخارجه، والتي تحولت إلى عبء على الثورة والسياسة، ومنعت مؤسسة تمثيلية من بلورة استراتيجيات وخطط عمل وطني، ولعب دور قيادي في أحداث تتخذ ميلاً انحدارياً بسبب ممارساتها التي لعبت أخطر الأدوار في تدهور أحوالها وتراجع أوضاعها.

بدوره، يحار شعب سورية في فهم ما يجعل ثورةً أطلقها من أجل حريته ووحدة مجتمعه ودولته تنقلب إلى فوضى خلاقة، وسعار طائفي مجنون، ومذهبية تأكل الأخضر واليابس، يدفع المواطن ثمنها من دمائه ودموعه. ويزيد من حيرة الشعب كيف تقاطع عنف النظام مع سياسات وممارسات أطراف معارضةٍ، طالما ادعت الثورية، لكنها باغتت الأسد بأعمال لاقته في منتصف الطريق، وساعدته من دون قصد على حرف الثورة عن أهدافها، وأخذها إلى حيث أراد.

يمثل التناقض بين وحشية النظام، في تعامله مع الثورة، وخفة المعارضة، في تعاطيها مع هذه الوحشية، هوة كانت ستبتلع البلاد والعباد، لولا تضحيات شعب تجل عن أي وصف. هل الثورة هي التي فتحت أعيننا على هذا التناقض الذي كان جلياً قبلها، وخشي السوريون ان يعرضهم في حال ثاروا على النظام، لهمجية قمع سلطوي على قدر مرعب من الاستفحال والشطط؟ مهما كان الجواب، فإن للتناقض بين وحشية النظام وخفة المعارضة نتائج وخيمة، تتجسد، اليوم، في حقائق واضحة كتلك الإعلانات المتكررة التي عبر المعارضون، فيها، عن نيتهم التخلص من عشوائية سياساتهم، من دون أن يبادروا إلى اتخاذ خطوات عملية، تخرجهم منها، مع أنه لا يوجد بين أحزابهم وقادتهم وتجمعاتهم حزب أو قائد أو تجمع، لا يدّعي امتلاك حلول جاهزة لكل ما يواجه الثورة والشعب من مشكلات ومصاعب؟

"يزيد من حيرة الشعب السوري كيف تقاطع عنف النظام  مع سياسات وممارسات أطراف معارضةٍ، طالما ادعت الثورية!

"

يبدو أننا سنتأرجح فترة غير قصيرة على حبال التناقض بين وحشية النظام، في تصديه للثورة وخفة المعارضة في تصديها له ولمشكلاتها. هذا التناقض ليس اليوم، ولم يكن بالأمس، أمراً عارضاً أو قليل الأهمية، بل هو نتاج نظام كتم أنفاس الشعب طوال خمسين عاماً، وسحق أي حراك يقوم به من أجل حقوقه، ومعارضة هشة قوض القمع المستمر عافيتها وقدراتها، الجسمية والعقلية، وأفقدها الرغبة في المبادرة وحسن التدبير والتفكير، تقف، اليوم، في مواجهة عجزها عن فعل ما يمكن أن يخرجها من أزمتها، ويجعلها قادرة على الإفادة من تضحيات شعبها، وتجنب ما زرعه النظام في طريقها من أفخاخ، ورسم سياسات تقلص، ثم تحذف، هوامش المناورة التي تتيحها له، وتعينه على البقاء، تعزز، أخيراً، تفوق حرية الإنسان والمواطن على ذل وقمع نظام همجي، لم يعرف العرب له مثيلاً اليوم وبالأمس، وفي أي تاريخ .

هل هناك ما هو أخطر على الثورة من تناقض يقر الجميع بوجوده، ويعاني الجميع منه، ويظهرون الخوف من نتائجه، لكنهم لا يبادرون إلى ردم ما يتركه في واقعهم السياسي والعسكري من فوارق عملية بين نظام مجرم، لكنه يخطط ويشتغل بمنهجية، ومعارضة على حق فيما تنشده، لكن خفتها تسوقها إلى التمسك بعجزها، وما يترتب عليه من إخفاق وفشل قاتلين؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : لا يجوز أن نمل الإدانة مهما تكررت الجريمة .. ندين القتل والقتلة تحت أي عنوان وبأي وصف وذريعة .. ندين قتل عامل الإغاثة البريطاني .. زهير سالم

وكما رفضنا وأدنا وشجبنا جرائم القتل التي ارتكبها ويرتكبها القاتل المبير بشار الأسد بكل أشكالها وأدواتها وأساليبها ضد أبناء شعبنا ..

وكما رفضنا وأدنا وشجبنا جرائم القتل التي ارتكبتها وترتكبها ميليشيات حسن نصر الله والولي الفقيه بكل ذرائعها على أرضنا ..

وكما رفضنا وشجبنا وأدنا العدوان على المسيحيين في الموصل ونينوى وعلى الأكراد واليزيدين في سنجار ..

وكما رفضنا وأدنا وشجبنا جريمة قتل الصحفيين الأمريكي فولي وساتلوف ...

نرفض ونشجب ونستنكر اليوم قتل عامل الإغاثة البريطاني ( ديفيد هينز ) ، ونرى في جريمة إعدامه بوصفه ( عامل إغاثة ) ، بعثه ضميره الإنساني ليقدم يد مساعدة إنسانية لمن يحتاجها من المستضعفين السوريين ما يضاعف الجريمة ويعظم إثمها ونكارتها ...

قتل الإنسان الواحد ، في شريعتنا وثقافتنا ، جريمة مستنكرة مستعظمة جعلتها كلمة الله في التوراة والإنجيل والقرآن بمثابة قتل الناس جميعا .

في العدوان على الحقيقة الإنسانية ، حسب المعيار القرآني يسقط البعد الكمي ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا )

فريق القتل ، أو فرقه ، مهما اختلفت عناوينها أو تعابيرها أو أدواتها أو أساليبها كلها في الجريمة سواء .

بالمطلق ندين جريمة قتل الإنسان ، نستنكر على القاتل بلا هوية ونتعاطف مع المقتول بلا هوية . ونعتبر التمييز بين هؤلاء وهؤلاء على الهوية جريمة عنصرية لا تقل بشاعة وهولا عن جريمة القتل نفسها ..

وكما عبر القرآن عن نكارة الجريمة بقوله (( .. فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا )) قال في نفس يعصمها عاصم من القتل (( ... وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )) . و الفرصة في سورية لمن يريد أن يحظى بما هو فوق جائزة نوبل ما تزال سانحة ..

أوقفوا إنتاج مسلسل القتل ، أوقفوا المخطط والممنتج والمخرج والمنفذ فمبادرة حق وصدق كانت كفيلة وما زالت قادرة ..

توقفوا عن المراهنة على القاتل المجرم المبير ( بشار الأسد ) ، توقفوا عن المراهنة على حلفائه وعصاباته وأدواته ومفرزاته أيضا وأنتم الأعلم بكل هؤلاء ؛ فلا أمل لهم ليس في نصر بل لا أمل لهم أبدا في بقاء ..

بادروا فلا نريد أن نكتب هنا شجبا آخر ، واستنكارا آخر ونقدم العزاء مرة أخرى لقلوب أمهات أخريات وآباء آخرين ..

نعتذر لروح عامل الإغاثة البريطاني الذي جاء يغيثنا فعدت عليه يد البغي والإثم والجريمة ..

والعزاء للشعب البريطاني الذي أنجب إنسانا بروح وقلب وضمير مثل قلب وضمير ديفيد ..

ولأسرة الفقيد الضحية وأهل خاصته ومحبيه ..

لندن : 19 ذو القعدة 1435

14 / 9 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في ذكرى 11 أيلول: حلقة ثانية من الحرب على الإرهاب .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 11-9-2014

نجح تنظيم «الدولة الإسلامية» في إعادة الولايات المتحدة إلى الانخراط في شؤون المنطقة، بعد سنوات من انكفاء أسس له تقرير بيكر – هاملتون في أواخر عهد جورج دبليو بوش، ونفذت إدارة الرئيس أوباما توجيهاته بأمانة خلال السنوات الماضية. من منظور اليوم، يبدو وكأننا نستأنف ما انقطع من حقبة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، وكأن ما سمي بثورات الربيع العربي ما كانت. أو بالأحرى يراد لنا أن نطوي صفحة ربيع الشعوب العربية التي بدأت من تونس بإحراق محمد بوعزيزي نفسه، وتتابعت فصولاً بإسقاط طغم عائلية فاسدة في تونس ومصر وليبيا واليمن خلال أشهر معدودات. وحين اصطدمت موجة ثورات الحرية هذه بجدار نظام الأسد السلالي الطائفي، تمت استعادة مناخ 11 أيلول 2001 من جديد لوأد فكرة الثورة على الطغيان مرةً وإلى الأبد.

في مصر عاد الجيش إلى استلام زمام المبادرة من جديد، ويمضي النظام الانقلابي حثيثاً نحو تجريم ثورة 25 يناير وتبرئة عائلة حسني مبارك من الجرائم المنسوبة لها. وفي ليبيا حرب أهلية وتنازع أطراف عدة على الشرعية وتدخلات خارجية هدفها دفع الليبيين إلى الترحم على حكم العقيد القذافي. وفي اليمن حرب أهلية وشيكة بتحريض من إيران من شأنها أن تقضي على نتائج الثورة المنقوصة أصلاً.

لكن كل هذه التطورات ما كانت ممكنة لولا الحرب المفتوحة التي شنها نظام الأسد على سوريا والشعب السوري منذ أول صرخة طالبت بالحرية في آذار 2011. حرب متعددة المستويات فاضت عن الجغرافيا السورية على الدول المجاورة قد تستمر سنوات إضافية ما دام جذر المشكلة، نظام الأسد الكيماوي، باقياً حيث هو مستمراً في تصدير العنف والإرهاب على مساحة واسعة تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وتركيا وربما إلى مناطق أبعد.

لا يتطلب الأمر حسابات معقدة ليتعرف المرء على الحصائل المحتملة للحرب المقدسة الجديدة على الإرهاب ممثلاً حصراً في تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». فالحرب الأولى التي أطلقها جورج بوش وأركانه من المحافظين الجدد انتهت إلى انفلاش ما سمي بإرهاب منظمة القاعدة وتمدده وتكاثره بدلاً من القضاء عليه. ولا تختلف عناصر الحرب الجديدة عن نسختها القديمة كثيراً، إلا بتفصيل تقني يتعلق بزج القوات البرية في الحرب الذي ترفضه إدارة أوباما إلى اليوم. وربما يعود هذا الامتناع إلى إدراك هذه الإدارة أنها تخوض حرباً خاسرة جديدة، وتريد لهذا السبب تجنب الخسائر البشرية في الجيش الأمريكي.

ففي الحرب الأولى تعاونت إدارة بوش مع إيران في حربيها على أفغانستان والعراق (الأمر الذي سيتكرر موضوعياً اليوم حتى لو أعلنت إدارة أوباما رفضها المبدئي لهذا التعاون)، وكانت النتيجة أن العراق قدم لقمة سائغة للأطماع الامبراطورية الإيرانية، ومعه لبنان وسوريا «على البيعة». وعلى رغم الأهمية الاستراتيجية لطرد جيش نظام الأسد من لبنان، في نيسان/ابريل 2005 في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، فقد ابتلع حزب الله الإيراني الدولة اللبنانية منذ ذلك الوقت. وتحول نظام الأسد من حليف لإيران إلى تابع يدور في فلك ولاية الفقيه.

وفي غضون ذلك انتعشت فروع منظمة القاعدة في وسط إفريقيا وشرقها، من مالي إلى نيجيريا فالصومال، بعد الضربات الكبيرة التي تعرض لها في أفغانستان والعراق، لتصل إلى ذروة قوتها وتمددها في بيئة الخراب التي خلفها نظام الأسد في مختلف المناطق السورية، كما في بيئة التهميش والقمع التي تعرض لها سُنَّة العراق على يد نظام نوري المالكي.

لقد أوجد كل من الأسد والمالكي البيئة المثالية لاستقطاب الجهاديين من مختلف بقاع العالم، لتولد من رحم هذا الخراب «الدولة الإسلامية» بقيادة الخليفة أبي بكر البغدادي. وها هو ما يسمى بالمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ينجح في تحويل أجندة العالم من «حل سياسي» للمشكلة السورية (فشل في جنيف2) إلى حرب على «داعش». ولعب هذا الأخير دوره على أتم وجه في هذا التحول، بقطع رأس الصحافي الأمريكي جيمس فولي أمام كاميرة فيديو. هذا المشهد الدموي الذي أنسى العالم استخدام نظام بشار للسلاح الكيماوي في غوطة دمشق، وكانت نتيجته نحو 1500 قتيل من المدنيين بينهم الكثير من الأطفال. كما أنساه صور موثقة لـ 11 ألف قتيل تحت التعذيب في أقبية مخابرات الأسد، فضلاً عن عشرة ملايين من السوريين الهائمين على وجوههم داخل سوريا وخارجها.

تقتضي الأمانة التذكير بأن الغارات الجوية الأمريكية على مواقع تنظيم داعش بدأت قبل إعدام جيمس فولي بتلك الطريقة البشعة على نهج أبي مصعب الزرقاوي. بل كان الإعدام رداً من التنظيم على الحرب الأمريكية عليه وتهديداً بقتل ضحيته التالية «سوتلوف» ما لم توقف الولايات المتحدة غاراتها عليه.

تتفوق استراتيجية إدارة أوباما، سوءً، في حربها على «الدولة الإسلامية» على حرب سلفها إدارة بوش على منظمة القاعدة، في أنها تسعى إلى دفع جميع القوى المحلية إلى أتون حرب طويلة تنهكها جميعاً وتقضي، أول ما تقضي، على فكرة الحرية التي التمعت حيناً في ثورات الربيع العربي.

 

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطريق إلى دمشق… يمرُ من هوليوود .. عمار تباب

القدس العربي

الخميس 11-9-2014

لم تنته قصة الذئب المظلوم بقميص يوسف الذي رُمِي على وجه يعقوب فارتد بصيراً.. فالقصة تُعيدُ ذاتها بأشخاص جدد لم يبلغـــوا طهـــارة يوسف ولا مكر الأسباط ولا حكمة يعقوب، التي لا زالت تدوي حين قال «بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون».

لقد تداولت صفحات الانترنت وتناقلت المحطات التلفزيونية خبر قتل الصحافيين الأمريكيين ولا زالت تترقب قتل البريطاني الموعود به، وتلقفت الشاشات المتعطشة لأخبار الدم، الصور التي تظهر كلاً من الأمريكيين وكأنه بطلٌ هوليوودي وقف شامخاً صلداً بين يدي قاتله، آمراً وناهياً وكأنه ملك فوق عرش، إلا أن اللقطات سرعان ما أحالت هذا العرش نعشاً، وصيرت رأس المتحدث بين كفيه المقيدتين. ببرود من خبر سفك الدماء وبراعة من تمرَّس التأثير بالكلمات وقف القاتل المفترض ليتحدى العالم بلغته التي أتقن، إلا أن الشك والريبة سرعان ما تسللت إلى هذا الخبر بعد أن قضى الجميع منه وطراً، ساسةً وعسكريين، مؤيدين ومعارضين.

وأمام هذه النشوة التي وصل إليها الجميع كان لابدَّ من التحليل والتحرّي حول هذا الخبر وحول توقيته، وبما أن للمحدد الزماني بالغ الأهمية في أي لعبة من الألعاب فلا بدَّ لنا من الوقوف عند المحددات الزمانية المهمة في ما يتعلق بلعبة السياسة، وفي القضية موضوع المقال أودُّ الوقوف عند محددين زمانيين… الأول وهو تاريخ اختفاء كل من جيمس فولي وستيفن سوتلوف في سوريا، والثاني وهو تاريخ الفيديوهات التي تشير إلى تصفيتهما.

بالرجوع إلى قضية اختفاء جيمس في سوريا، نجد أن كل المؤشرات تدلُ على أن تاريخ هذا الاختفاء ينحصر بين نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر ومنتصف كانون الأول/ديسمبر 2012 ، أي أن فترة اختفائه لحين خروجه في مشهد إعدامه استمر ما يقارب العامين، في ظل سكوت لم يعكره إلا صوت الصرخة الأولى، أما بالنسبة لاختفاء ستيفن فقد استمر ما يقارب العام، الأمر الذي يجعلك بطول الفترة وتعدد أيامها تقف على بعض مشاهد الأسى والمرارة التي ذاقها ذووهما، حالهم في ذلك حال مئات الآلاف من السوريين، الأسى الذي تلمسناه بكلام الأم التي تجاهلت الساسة والسياسيين لتخاطب البغدادي كخليفة للمسلمين وتطلب رحمته وعفوه. إلا أن مدار الحديث حول هذا المحدد الزماني، ومقاطعته مع الجاني الذي اقتحم الصورة في قتل الصحافيين معلناً انتماءه للدولة الاسلامية، ليضع المدققين أمام تساؤل مهم: هل كانت «الدولة الاسلامية» وما يشار إليه بـ»داعش» موجودةً أصلاً في تواريخ اختفائهما .

ليس هناك ما يدع مجالاً للشك بالوجود الفعلي لتنظيم الدولة على الأرض السورية في تاريخ اختفاء ستيفن ـ مع أن الوجود لا يؤكد نسبة الجرم إليها ـ إلا أنه وبالمقابل فمن المؤكد أن وجود التنظيم لم يكن قائماً وقت اختفاء سابقه جيمس فولي، الذي اختفى أثناء تغطيته لمشاهد الدمار في مدينة حلب، وذلك في مناطق كانت تشير التقارير إلى خضوعها لقوات نظام الاسد.

وباعتبار أنه في عالم الاحتمالات لا يمكن البناء على اليقين، فلا بدَّ من التساؤل حول كيفية وصول هذ الشخص إلى أيدي «الدولة الإسلامية»، فإما أن تكون يد الدولة ممتدة ليدٍ في دمشق، أو تكون يد دمشق ممتدة لأخرى وراء البحار، إلا أن شغفها لا يزال منعقداً لهذه الأرض.

وبالعودة إلى المحدد الزماني الثاني والمتمثل بتاريخ قتل الصحافيين، فإن ما يهم بهذا الصدد هو تقاطعه مع تاريخ قرار مجلس الأمن ضد الدولة الاسلامية وجبهة النصرة، بموجب الفصل السابع، فبالرجوع إلى القرار نجد أنه يُلزِم الأطراف انتهاج كافة الأساليب غير العسكرية قبل البدء بأي عمل عسكري، وقد صرَّحت روسيا على لسان سفيرها بيتر ايليشيف بأن هذا القرار «لا يمكن اعتباره موافقة على عمل عسكري»، فلماذا أمام هذا العقم السياسي، يظهر هذا المحرض الحيوي في الشهر التاسع وما له من مدلول في البعد الذهني الأمريكي، المتمثل بقتل الصحافيين الأمريكيين.

وبين الاندفاع الأمريكي والتحفظ الروسي والتطاول من قبل النظام والمعارضة على حدًّ سواء للمشاركة في حملة القضاء على ما اتفقوا على تسميته بالإرهاب، نقف أمام تساؤل حول صاحب المصلحة من الفيديوهات المنشورة، في ظل غياب المصلحة الحقيقية للدولة الاسلامية بهما، وفي ظل غياب أي آليةٍ مستقلة لتأكيد أو نفي هذه التسجيلات.على ميزان مصلحة الادارة الأمريكية نجد أن لهذه التسجيلات بالغ الأهمية والأثر، حيث أنها ستساعد الادارة الأمريكية في تسويق حربها أمام الرأي العام المتأثر بمرارة كلمات أبنائه وذويهم، والمتخوف من تكرار معاناته في سبتمبر/أيلول الأسود في 2001، الذي شاء القدر أو رتب المدبَّر أن يرخي ستائره ذاتها في 2014، وبيد العدو ذاته المتمثل بالإرهاب الاسلامي المفترض.. ولهذا القول ما يؤيده من حيثيات، فليس صدفةً أن موقع «سايت» الأمريكي – الذي يعمل بتفويض من الحكومة الأمريكية ويقدم الاستشارة لمكتب المخابرات الأمريكية بواشنطن – أن يكون الناشر لهذه الفيديوهات والدَّال اليها. وإن المتتبع لهذا الموقع يلحظ نشاطه قبل الحملات العسكرية التي تخوضها الولايات المتحدة، فقد نشط بعد تأسيسه عام 2002 وإبان الحرب على العراق، وها هو يعود للعمل مع العودة لها، ولكن بهدف توسيع النطاق إلى الداخل السوري الذي التزم الأطراف ولو مداهنة بعدم دخولها، وهو ما أكده أوباما برسم خطته التي تستبعد سوريا إلى ما بعد عامين، إلا أن اللافت للانتباه أن موقع «سايت» الذي يعد استشارياً للإدارة الأمريكية، هو الذي نشر التسجيل ومع ذلك تتريث الإدارة ذاتها في التأكد من التسجيل.

أما في موازين النظام والمعارضة، فليس ما يمنع الأسد من استهلاك الفيديوهات لجرِّ التدخل إلى الأراضي الخارجة عن سلطته تطهيراً لها من الأغيار، وإعادة تطويعها لصالح نظامه الذي لازال يحتفظ باعتراف العالم به. وأما في ما يتعلق بالمعارضة فلن تدَّخر جهداً للمشاركة في هذه الحملة وهذا التحالف سياسياً وعسكرياً، فالمشاركة السياسية ربما تجلب اعترافاً أكبر بها، والمشاركة العسكرية ربما تحافظ على الكتائب المتخوفة من استغلال الحملة للقضاء عليها، وهذا ما يدفع الجميع لزيادة تسليط الضوء الاعلامي على الجبهات المشتعلة بينهم وبين الدولة الاسلامية، وكأن البوصلة انحرفت ليقف الجميع في خطٍّ اختار النظام الوقوف به.

ويبقى الميزان الغائب هو ميزان شعب على أرض غُيِّب وراء حدود دولة أطلقت على نفسها الدولة الاسلامية وآثرت الصمت في ظلِّ هذا الصخب، إلا أنَّ المعادلة بطرفيها المتمثلين بتأخر التدخل الدولي أمام كلِّ جرائم النظام خلال الفترة السابقة، وتهافته لهذا التدخل أمام الجرائم المعلنة لمارد «الدولة الإسلامية»، تفرض نتيجة حتميةً مؤداها التحام القاعدة الشعبية مع القيادة في «الدولة الإسلامية» أمام تدخل أعمى لم يضع معاناة الشعب في موازينه يوماً من الأيام.. وفي ميزان السينما يبقى الاخراج الهوليوودي حاضراً للعبور به إلى دمشق.

٭ كاتب من سوريا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب على «داعش» بموازاة الحروب المفتوحة .. وليد شقير

الحياة

الثلاثاء 9-9-2014

لا يبدو أن المشهد الذي ظهر إثر سيطرة «داعش» على الموصل مطلع حزيران (يونيو) الماضي بوجود إجماع دولي - إقليمي على محاربة الإرهاب، وبإمكان اتخاذ إجراءات وفق قرارات واضحة من الأمم المتحدة، صمد كثيراً. ومع أن هذه الصورة تجلت بالقرار الدولي 2170 الصادر عن مجلس الأمن، لجهة ملاحقة تمويل وتدفق مقاتلي «داعش» الى العراق وسورية، فإن الآمال على استكماله بقرار دولي ثانٍ آخر الشهر يجيز مواجهة هذا التنظيم الإرهابي بالوسائل العسكرية في العراق وسورية معاً، تراجعت نسبياً حتى إشعار آخر.

فالإعلان عن قيام التحالف الدولي من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما لمواجهة «داعش»، اقتصر على ضم الدول الغربية والعربية المشاركة في التحالف واستثنى دولاً أساسية مثل روسيا وإيران، فضلاً عن استبعاد التنسيق مع النظام السوري الذي كان يأمل بأن تكون دمشق «مركز» هذا التحالف و «قلبه»، بحيث يستعيد الاعتراف الدولي به.

وبدلاً من ذلك فإن واشنطن والاتحاد الأوروبي ذهبا في اتجاه فرض المزيد من العقوبات على موسكو نتيجة تدخل قواتها المباشر في الأزمة الأوكرانية التي شهدت تصاعداً في المعارك بين الانفصاليين المدعومين منها وبين قوات الحكومة الأوكرانية، تلاشت هنا إمكانية المقايضة بين اشتراك روسيا في الحرب على «داعش»، وبين غض النظر عن تزايد تدخلها في أوكرانيا، التي شعرت القيادة الروسية أنها تستطيع أن تقضم مزيداً من النفوذ والسيطرة على أراضيها مقابل الحاجة الى موافقتها على الجهد الدولي ضد التنظيم الإرهابي.

وفي وقت تتقاطع الجهود الإيرانية مع تلك التي تبذلها واشنطن في مواجهة «داعش» في العراق، وهو تقاطع برز في اشتراك الدولتين بتسليح البيشمركة في أفغانستان من جهة، وفي الدفاع عن بغداد ومنع مسلحي «الدولة الإسلامية» من تهديد أمنها من جهة ثانية، فإن هذا التقاطع لم يمنع إدارة أوباما، من إقرار المزيد من العقوبات على طهران، حول الملف النووي الإيراني. وإذ يؤشر ذلك الى أن دول الغرب لا تنوي مقايضة دور إيران في محاربة «داعش» بالتساهل معها في هذا الملف، أو بغض النظر عن دورها في الأزمة السورية، فإنه ضمناً يعني أن واشنطن وحلفاءها، لا ينظرون بجدية حتى الآن، الى محاولات طهران الانفتاح على دول الخليج العربي، لا سيما السعودية من أجل تفكيك الأزمات الإقليمية التي للجانب الإيراني دور أساسي فيها.

يسود الاعتقاد عند من يتابعون سلوك طهران وموقف واشنطن منها أن الأولى تتعاطى مع ما جرى في العراق من تعرّض لهيمنتها على القرار السياسي في بلاد الرافدين، واضطرارها لإبعاد نوري المالكي عن رئاسة الحكومة، لمصلحة الاشتراط الغربي - العربي قيام حكومة تمثل الأطياف العراقية كافة، على أنه حدث عابر، قادرة على استيعابه واستعادة ما فقدته من نفوذها المباشر. هذا فضلاً عن إبدائها الرغبة في الانفتاح على دول الخليج تزامن مع تصعيد في اليمن من قبل الحوثيين، الذين اتهمت القيادة اليمنية إيران بأنها تقف وراءهم. وهؤلاء يمارسون باعتصامهم في العاصمة صنعاء ونصبهم الخيم ومحاولتهم تعطيل المطار، شيئاً شبيهاً بسلوك «حزب الله» بهدف إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2008.

أما بالنسبة الى سورية فإن النظام فيها، الذي يعتمد على «حزب الله» في معركته للثبات في مناطق سبق أن سيطر عليها أو لاستعادة مناطق في يد المعارضة، يعمل على توسيع دائرة المواجهات التي يخوضها بحيث تشمل بلدة عرسال اللبنانية، في معركته من أجل إحكام سيطرته على منطقة القلمون، حيث عاد معارضون من الألوان كافة بما فيها «داعش» فتجمعوا في الجرود والمغاور والوديان لضمان الطريق بين دمشق والساحل السوري. وهو كان ينتظر أن يساهم ضمه الى التحالف الدولي في الحرب على «داعش»، أن يدفع الجانب اللبناني في إعانته على التخلص من ثغرة القلمون.

في اختصار، تترافق حرب الغرب وأميركا على «داعش»، مع استمرار الحروب الأخرى التي كانت مفتوحة قبلها: حرب روسيا في أوكرانيا، وحرب إيران بالواسطة أو مباشرة في عدد من دول الخليج أو المشرق العربي، وحرب النظام السوري على المعارضة. ولربما هذا ما يجعل أوباما يعتبر أن القضاء على «داعش» سيأخذ وقتاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

داعش» في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 7-9-2014

يظهر في سياق الحديث عن «داعش» تأكيد أن التنظيم إحدى الجماعات المسلحة السورية، وأنه الأهم بين تلك الجماعات، وهو الأكثر حضورا ونفوذا فيها، وأهمها تنظيما وتسليحا وتمويلا وخطرا، والأكثر انخراطا في ممارسة العنف والإرهاب، ليس على السوريين فقط، وإنما على المحيط الإقليمي والأبعد منه، بحيث أصبح يشكل أهم عناصر ظاهرة الجماعات الإرهابية في العالم.

وإذا كانت معظم الملامح السابقة، تقع في جملة الحقائق المحيطة بـ«داعش»، فإن واحدة منها تستحق الوقوف عندها ومناقشتها، ليس فقط لأهميتها، بل أيضا لخطورتها، تتعلق باعتبار «داعش» جماعة سورية مسلحة، وهو توصيف فيه كثير من الالتباس، ويمكن أن يترتب على التسليم به خلل سياسي، وكثير من الأخطاء في سياق معالجة موضوع «داعش» والقضية السورية.

إن الأبرز في المعطيات المحيطة بتنظيم «داعش» تشير إلى حقائق، أولها أن تنظيم «داعش» نشأ وطوّر وجوده في العراق، ونشط وتوسع هناك وسط بيئة سياسية وأمنية واجتماعية لم تكن متوفرة في سوريا، ولم يكن له وجود في الأخيرة على مدى سنوات طويلة، لكنه استطاع التسلل إليها منذ عام تقريبا، أي بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على إطلاق النظام للعنف الدموي في البلاد.

والحقيقة الثانية، يمثلها الدور الذي لعبه نظام نوري المالكي في العراق، في وجود وبناء التنظيم في سوريا بعد أن «نظم» و«نفذ» عمليات هروب مئات من قادة وكوادر «القاعدة» من سجون العراق، وسهل مرورهم باتجاه سوريا في صيف عام 2013. وقد أتاح لهم لاحقا عملية تمرير أسلحة وذخائر وأموال في الاتجاه ذاته، ساهمت كلها في وجود «داعش» وانتشاره، وقد تعزز دور نظام المالكي بنشاط استخباري مكثف، شاركت فيه دول وجماعات كثيرة، كانت بينها روسيا وإيران و«القاعدة»، جرى من خلاله دفع آلاف من المتطرفين والإرهابيين باتجاه الأراضي السورية، وقد شكّل هؤلاء إلى جانب أقرانهم القادمين من العراق النواة الصلبة لـ«داعش» وقياداته.

وقد لاحظت دراسة أميركية، صدرت في يونيو (حزيران) الماضي، أن ما لا يقل عن 12 ألف مقاتل أجنبي، قدموا من 81 دولة، ليشتركوا في الصراع القائم في سوريا، أغلبهم في «داعش»، وأكثريتهم من البلدان العربية والإسلامية، وبينهم نحو ثلاثة آلاف أوروبي ومائة أميركي.

ويفند ما سبق فكرة سورية التنظيم، وأن العنف لم يكن المولد الرئيس لوجوده وانتشاره، وأن العامل الأساسي لوجوده خارجي، يتصل بأهداف القوى التي دفعت بعناصره وقياداته للقيام بدور في تصفية حسابات وتحقيق مكاسب سياسية، وتعزيز العنف الذي يعتقد بعضهم أنه طريق للتخلص من المتطرفين، وكلها تقاطعت مع سياسة نظام الأسد في مواجهة الشعب السوري وثورته في إطار دور وظيفي مزدوج، يقوم به «داعش» في سوريا، ولعل هذا ما يفسر سهولة مرور قيادات وعناصر التطرف إلى سوريا، وقدرتهم السريعة على بناء تنظيم قوي وله إمكانيات من جهة، وعدم محاربته من جانب نظام الأسد، و«التساهل» مع تمدده، وكلاهما يعكس «تفاهما» أو «اتفاقا» في الظاهر والباطن مع «داعش» من جهة أخرى، مما منع شن هجمات النظام الجوية أو الصاروخية على مقرات التنظيم وقواته، والمثال الأوضح قيادة «داعش» ومقراتها الرئيسة في مدينة الرقة.

غير أن خارجية «داعش» ودوره الوظيفي المزدوج، لا يمنعان من قول إنه سعى إلى سورنة نفسه، والتمدد داخل أوساط التشكيلات المسلحة المعارضة ذات التوجهات الإسلامية، مثل حركة أحرار الشام، قبل أن تخرج منها نواته الأساسية، كما سعى إلى الانتشار في البيئات الشعبية الفقيرة والمعدمة في الخط الواصل ما بين أرياف دير الزور وريف حلب مرورا بالرقة، واستغل نقص التمويل والتسليح والتذخير الذي أصاب بعض تشكيلات الجيش الحر، فجرى تفكيك بعضها ومحاربة البعض، قبل القيام بشراء مبايعة من تبقى منها، وفي كل الأحوال، جرى فرض جو من القمع والإرهاب والقتل لإسكات سكان المناطق المسيطر عليها، وبهذا خلق التنظيم «قاعدة سورية» له، عززت وجوده ونفوذه الذي لا شك أنه في مواجهة ثورة السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

خلاصة القول، في موضوع «داعش» في سوريا، أنه تنظيم وظيفي مرتبط ببنية وأهداف خارجية، تقاطعت مع أهداف النظام، وهو في وجهه الأساسي يماثل «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية وجودا ودورا في الداخل السوري، مع فارق الانتماء والشعارات الطائفية، وما يليها من ممارسات، وهذا يعني أن الحرب على «داعش» تقترن بالحرب ضد نظام الأسد وحلفائه من «حزب الله» والميليشيات العراقية. إنها حرب واحدة لا يمكن تجزئتها؛ حرب ضد الإرهاب وضد التطرف في آن معا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من يخوض معركة الأسد الأخيرة .. رشا لؤي الجندي

القدس العربي

السبت 6-9-2014

يبدأ العالم اليوم بحشد جهوده لإيجاد حلّ للتقدّم العسكري السريع الذي حققته قوات ما يسمى بالدولة الإسلامية، ويحاول النظام السوري الركوب في أحد المقاعد، علّه يستفيد من إبدائه لحسن النيّة مرة أخرى في تجديد روابط الثقة بينه وبين المجتمع الدولي، خصوصاً بعد تنفيذه لتسليم مخزونه الكيماوي.

وكانت لخسارة النظام أمام تنظيم الدولة، آثار سلبية أمام أنصاره في الداخل

وتساؤلات في الخارج، فبدايةً سقطت الفرقة 17 في 25 تموز/يوليو ثم اللواء 93 في عين عيسة 7 أغسطس/اب، تبعها سقوط مطار «الطبقة» العسكري في الرّقة، ذي الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للنظام وآخر معاقله في الرقّة في 24 أغسطس، وقد رافقت هذه الانهيارات مجازر بحقّ الجنود المحتجزين قامت بها داعش كإجراء تقليدي لم يعد مستغرباً بالنسبة لأحد.

السؤال هو لماذا تم ترك هؤلاء الجنود بلا دعم أو عملية إخلاء من أي نوع، حيث يبدو أن النظام تخلى عنهم، مما دفع مؤيديه للبدء بهاشتاغ غاضب بعنوان «وينن» طال وزير الدفاع فهد جاسم الفريج، الذي يلومه مؤيدو النظام على المجازر الحاصلة في الرقّة، وعلى الرغم من هذه الحركة والتأكيدات التي تلقاها المؤيدون بمحاسبة الفريج وكل من تسبب بالمجازر، فقد تمت إعادة تعيين الفريج وزيراً للدفاع في حكومة الحلقي الجديدة، لا يمكن وصف لامبالاة

النظام حيال مؤيديه وقتلاه سوى بأنه لا جديد في تجاهل نظام بشار لرأي أو مطالب السوريين بأي شكل. ويبدو أن الحملة تستمر وأن الأصوات تتعالى، خصوصاً بعد إعدام وإذلال تنظيم الدولة لمئتين من الجنود السوريين المعتقلين لديها، وتركهم عراة مذبوحين تحت الشمس بدون أي تعليق من قبل النظام السوري، كما حصل سابقاً بأحداث الفرقة17 واللواء 93، التي اضطر المؤيدون خلالها للتنازل للأقنية المغرضة، كما يسمونها، كالجزيرة والعربية، ليعرفوا ما الذي يحصل لجنودهم!

يشير المشهد السابق إلى أنّ النظام يمتلك عددا من الأسباب للفشل العسكري في هذه المناطق، الأول هو المعارك التي يخوضها مع حزب الله وجيش

الدفاع الوطني ضد الجيش الحرّ وعدد من الكتائب الإسلامية في ريف حلب الجنوبي- الغربي وجبل غزان بريف حلب الجنوبي، بالإضافة لمعاركه في محيط سجن حلب المركزي ومنطقة البريج بالمدخل الشمالي الشرقي، وتقع مدينة حلب في قمة أولويات النظام بسبب ضعف الجيش الحرّ، الذي يعاني من ضربات داعش في ريف حلب الشمالي الشرقي، ويرى نظام الأسد أنّ اقتناص حلب ووقوعها في يده انتصار يشابه انتصاره في حمص عاصمة الثورة، الذي أعاد له معنويات مؤيديه وحلقته المقرّبة بأنّ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء أمر ممكن.

السبب الثاني، هو أنّ النظام السوري لن يقدّم دعماً للحملة ضدّ داعش، في ما لو استطاع، إذا لم يكن سيكتسب دوراً يعيد له الشرعية في اللعبة الدولية، فبالنسبة للنظام تقدّم داعش في حلب أفاده في محاولة استعادتها من الكتائب المعارضة لسلطته، ويبدو أنّ خروج وزير الخارجية وليد المعلم ليعلن الاستعداد للتعاون، ما هو إلا إعلان مبطن عن نوايا النظام في تبادل المصالح. السبب الثالث، هو أنّ النظام يمتلك القدرة على مجابهة الجيش الحرّ الضعيف التسليح والتمويل والمثقل بالخسارات في الآونة الأخيرة، بسبب الهجوم المتكرر لتنظيم الدولة على مواقعه، لكن من الصعب عليه اليوم مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية التي تكتسب مقاتلين جددا مع كل ظَفَر تحققه، فحسب التقديرات الأمريكية تمتلك داعش اليوم 250 إلى 400 صاروخ أرض جوّ استولت عليها من القوات العراقية، كما تمتلك تمويلا ذاتيا يمكنها من الدفع بسخاء لمقاتليها، بالتالي يعلم النظام السوري أنه لن يستطيع الدفع بكل ما لديه من قوة عسكرية وبشرية لمحاربة تنظيم الدولة، الذي يمرّ بلحظة ازدهار، بدون ثمن. بين كل تلك المصالح التي يراهن النظام عليها، هناك عنصر يتم تجاهله وهو الرّعب الذي يدبّ مؤخراً في مراكز قوّته، حيث خرجت في طرطوس حملة «»الكرسي إلك والتابوت لولادنا» التي تعبّر عن تململ المناطق المؤيدة لبشار من وضعهم محرقة فداء لحفاظه على موقعه، من جهة أخرى تبرز مدينة اللاذقية لتنضم للحملة ضد بقاء الأسد، وتتعالى الأصوات لإقامة صلح مع الشعب ورحيله عن السلطة، لا تمرّ هذه المخاوف بدون وجود مسببات فالخوف هنا بسبب سياسة النظام المستمرة باللامبالاة، وهي العنصر الرئيسي في تزايد انفضاض قاعدته الشعبية، خصوصاً الطائفة العلوية من حوله، فالجميع يخشى الحصار، من جهة تتلقى بلدة محردة ذات الأغلبية المسيحية ضربات يومية من جبهة النصرة، التي تريد الاستيلاء عليها للوصول إلى الضيع العلوية القريبة منها، كما أن كذب إعلام النظام بالسيطرة على مطار الطبقة ومحيطه والادعاء بتحطيمه للعدوّ قبل أيام معدودة من سقوطه، يجعل احتمالية سقوط  دير الزور أمراً وشيكاً، رغم كل التطمينات، ويأخذ الناس بعين الاعتبار المواقع الأقرب التي قد يضطرون فيها لمواجهة من تم قتالهم وقتل ذويهم لسنوات ثلاث، في النهاية لا يمكن لوليد المعلم طلب فرصة عمل مشترك مع المجتمع الدولي لمقاومة الإرهاب، حيث قام النظام بتجاهل وإطلاق عنان كل العناصر التي كونت لاحقاً خلايا داعش السورية، فهو يعلم كم هي مفيدة لإضعاف خصمه. ويعتبر إعلان الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند أن النظام هو شريك الإرهاب ولن يتم التعاون معه، وإعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنّ قتال داعش لا يعني الاختيار بينها وبين النظام، توضيحا معلنا لنبذ بشار الأسد من المجتمع الدولي كطرف مسبب للتطرّف وداعم له وليس العكس. لكن مواجهة النظام الأخيرة لن تكون مع قوات دولية قد تضرب معاقله، كما كان يخشى منذ بداية الثورة السورية، إنما ستكون في عقر داره، حيث تستمر الأصوات المنددة بسياسته حيال الجنود الصغار الذين يتم رميهم في المحرقة كلّ يوم بلامبالاة، ففي مطار الطبقة هرب الضباط في طيارات قدمت لإنقاذهم من العاصمة دمشق وتُرك الجنود لداعش وللجوع.

هؤلاء هم من سيكتب صفحته الأخيرة.

٭باحثة سورية في مركز الشرق للدراسات الاستراتيجية – دبي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل «داعش» مسمار جحا جديد لاستباحة المنطقة؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 6-9-2014

كم كان وزير الدفاع الإسرائيلي الشهير موشي ديان على حق عندما قال قولته المشهورة: «العرب أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تفعل»! ونحن نقول كم ذاكرتنا العربية والإسلامية قصيرة كذاكرة السمكة، فسرعان ما ننسى لنقع في نفس الأشراك التي لم نكد نخرج منها بعد. لماذا نكرر ببغائياً القول الشريف: «لا يـُلدغ المؤمن من جُحر مرتين»، ثم نسمح لنفس الأفعى أن تلدغنا من نفس الجُحر مرات ومرات؟

لماذا لم يتعلم الإسلاميون من تجربتهم المريرة في أفغانستان؟ ألم تخدعهم أمريكا بالتطوع في معركتها التاريخية للقتال ضد السوفيات ليكونوا وقوداً لها، ثم راحت تجتثهم عن بكرة أبيهم بعدما انتهت مهمتهم وصلاحيتهم، وتلاحقهم في كل ربوع الدنيا، وكأنهم رجس من عمل الشيطان، فاقتلعوه؟ ألم تعدهم أمريكا بالدولة الإسلامية الفاضلة التي ظنوا أنهم يسعون إليها في أفغانستان دون أن يعلموا أنهم كانوا مجرد أدوات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟

بالأمس القريب صفق الكثيرون لتنظيم القاعدة، واعتبروا قائده محرراً للمسلمين من ربقة الطغيان الداخلي والخارجي. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تبين أن ذلك التنظيم وغيره، بغض النظر عن تطلعاته وأهدافه وطموحاته وشعاراته، تبين أنه كان مجرد حصان طروادة حقق الذين استغلوه الكثير من أهدافهم من خلاله. وما أن انتهى دوره حتى لاحقوه في كل بقاع الدنيا، لا بل وضعوا من ألقوا القبض عليهم من أفراد التنظيم في أبشع معسكر اعتقال في العالم ألا وهو «غوانتانامو». لماذا يكررون نفس الغلطة الآن، علماً أن الكثير من رفاقهم ما زالوا يقبعون في معتقل غوانتانامو، وينعمون بحسن ضيافة الجلادين الأمريكيين؟

ربما يقول البعض إن وضع «داعش» الآن يختلف عن وضع القاعدة أيام زمان. ولا مجال للمقارنة، فداعش سليلة تنظيم الزرقاوي الذي ترعرع في العراق وأذاق الأمريكيين وأعوانهم الكثير من الويلات، مما حدا بالأمريكيين إلى تصنيع ما يسمى بـ»الصحوات» لمواجهة تنظيم الزرقاوي. وهذا صحيح، لكن العبرة دائماً بالنتائج وبالمستفيد. ماذا استفادت المنطقة، وخاصة العراق من ذلك التنظيم. هل تراجع النفوذ الأمريكي والإيراني في العراق مثلاً؟ بالطبع لا. فما زالت إيران التي يدعي التنظيم أنه يعاديها تتحكم بكل مفاصل العراق وتتمدد في سوريا ولبنان واليمن والخليج. ومازالت أمريكا تحكم قبضتها على بلاد الرافدين.

والسؤال الأهم: هل فعلاً دخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق من سوريا واحتل محافظة الموصل ومحافظات عراقية أخرى رغماً عن الأمريكيين، أم بتسهيل وغض الطرف منهم؟ ألم تكتشف الأقمار الصناعية الأمريكية بضع عربات روسية دخلت أوكرانيا بسرعة البرق؟ هل يعقل أن تلك الأقمار لم تستطع اكتشاف جحافل السيارات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية وهي تدخل الموصل وبقية المناطق العراقية؟ هل يعقل أنها لا ترى جماعات الدولة وهي تتنقل داخل سوريا، وتستولي على مدن ومطارات في أرض مكشوفة؟ صحيح أن الطائرات الأمريكية قصفت بعض مناطق داعش في العراق، لكن ليس كل المناطق، بل فقط المناطق التي تجاوزت فيها داعش الخط الأحمر المرسوم لها أمريكياً، وخاصة عندما توغلت باتجاه كردستان العراق حيث المصالح الأمريكية والاسرائيلية.

هل سيسمح العالم، وخاصة الغرب بقيام دولة داعشية بين العراق وسوريا بالطريقة التي تحلم بها داعش؟ ألا يُخشى أن يكون ظهور داعش وتمددها حلقة جديدة في سلسلة المشاريع الجهنمية الغربية المرسومة لمنطقتنا؟ أليس من حق البعض أن يعتبرها مسمار جحا جديداً في المنطقة تستخدمها القوى الدولية كحجة، كما استخدم جحا مسماره الشهير، لإعادة رسم الخرائط وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ؟

أليس كل الجماعات التي يصفها العالم بـ»الإرهابية» استغلتها القوى الكبرى أفضل استغلال لتنفيذ مشاريعها في أكثر من مكان؟ فعندما أرادت أمريكا تأمين منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط، فكان لا بد لها من احتلال أفغانستان. وماذا كانت الحجة؟ ملاحقة تنظيم القاعدة في أفغانستان. ذهبوا الى هناك منذ أكثر من عشر سنوات ومازالوا هناك. ألم تكن القاعدة هي الشماعة لاحتلال أفغانستان؟ حتى في غزو العراق استخدمت امريكا حجة وجود القاعدة هناك بالإضافة الى أسلحة الدمار الشامل. ألم تصبح الجماعات المتطرفة شماعة لكل من يريد أن ينفذ مآربه هنا وهناك؟

ألم يوظفوا تلك الحركات جيداً لتحقيق غاياتهم الاستراتيجية؟ فبحجة الجماعات الإرهابية أصبحت كل منطقتنا مستباحة أمام القاصي والداني كي ينفذ كل ما يريد بحجة مكافحة الإرهاب؟ اليوم بإمكان الأنظمة الدولية القيام بكل الجرائم و الموبقات والخطط في المنطقة بحجة محاربة داعش، وبذلك تلقى دعماً كاملاً من شعوبها خوفاً من داعش، ولن يعارض أحد، لأن كل من يعترض يشتبه بصلته بداعش وبالإرهاب. وحتى لو بقيت الدولة الإسلامية، وتمددت كما يتوعد مؤيدوها، هل سيكون ذلك مجاناً، أم على حساب جغرافية المنطقة وخريطتها؟

ما هي الصفقات الدولية والعربية والإقليمية التي تتم من وراء الستار تحت شعار مكافحة إرهاب داعش؟ ألا يخشى أنه كلما ازداد تضخيم داعش إعلامياً كانت المنطقة على موعد مع خازوق تاريخي من العيار الثقيل؟ ألم يتم من قبل تضخيم خطر القاعدة، ثم انتهى قائدها مرمياً في البحر للأسماك؟ أليس من حق الكثيرين أن يخشوا الآن من تكرار السيناريو المعهود في سوريا ودول أخرى مجاورة تحت حجة مكافحة الإرهاب الداعشي؟ ألم يؤد ظهور داعش وأخواتها في عموم المنطقة إلى وأد الثورات العربية وأحلام الشعوب بالتحرر من الطغاة وكفلائهم في الخارج؟ ألا يؤدي إلى إنهاك المنطقة وشعوبها واستنزافها؟ هل تعلم تلك الجماعات أنها مجرد مسمار؟ هل التاريخ يعيد نفسه بطريقة فاقعة، ونحن نصفق كالبلهاء؟

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : اللاجئون السوريون المهددون في لبنان ليسوا مسيحيين ... ليسوا يزيدين ...فمن يبالي؟! .. زهير سالم

اللاجئون السوريون في لبنان وكما غادروا البيوت وديار العز بصمت، ودون أن يغضب لهم أحد بصمت؛ عادوا مرة أخرى يطوون الخيام ، ويتحملون ما لا يقال له ،إلا تجوزا ، متاع ، رجال ونساء وأطفال يافعين ورضع ؛ مرة أخرى يتحملون للرحيل ولكن هذه المرة لا يدرون إلى أين ؟! إلى جهنم ، يقول أحدهم ، وإلى الموت ، يقول آخر ، ألسنا سوررين يجيب الثالث قد كتبت علينا لعنة العرب والعجم أجمعين ..!!!

طائرات بشار الأسد وبراميله المتفجرة هي التي أخرجتهم أول يوم من بيوتهم . وكان صمت العالم ولامبالته أفضل غطاء . وكما سكت العالم بالأمس القريب على جرائم ( الهاغاناه ) ومجازرها لتهجير الفلسطينيين ، ها هو يسكت بعد ستة عقود على مجازر بشار الأسد لتهجير السوريين ، وها هو يسكت مرة ثالثة على عمليات الاعتداء والاستفزاز والتهديد والوعيد يصدرها جنود ( الهاغانا ) الجدد بحق اللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء على الأرض اللبنانية . اعتداء وتهديد ووعيد واقتحام وتفتيش ..

إن اللاجئ بالمفهوم الإنساني والسياسي ( هو إنسان خائف طالب أمان ) . واللاجئون السوريون على أرض لبنان وعلى أرض مصر وعلى أرض العراق وعلى كل أرض يأوي إليها لاجئ لا علاقة لهم بما يفعل المتصارعون ، ولا علاقة لهم بما يقول السياسيون ، ولا يجوز لبشر سوي أن يحملهم مسئولية مجريات أي صراع .

وهؤلاء اللاجئون لو أرادوا أن يكونوا طرفا في الصراع لما خرجوا من ديارهم ، ولما تركوا أوطانهم . وإنها لجريمة حقيقية ضد الإنسانية أن تقدم مجموعة أو حزب بالعدوان أو التهديد ضد أي تجمع من تجمعات اللاجئين ، مجتمعين أو منفردين ، أو تحويلهم إلى خاصرة رخصة تفرغ فيها شحنات الكراهية وحب الانتقام ، أو ورقة ضغط وابتزاز يضغط بها على ممثلي الصدق في ساحة الصراع .

وإذا كان المجرم الأصلي الذي قام أولا بتهجير هؤلاء اللاجئين بعد ممارسة كل أساليب التوحش ضدهم لا يهتم بما يجري عليهم ؛ فإنه لا شك أن تهتم وتغضب وتألم الأم الحقيقية لما ينزل بأبنائها المستضعفين.. .

ومن هنا فمن حق كل مواطن سوري أن يتساءل عن حقيقة موقف من تولى أمره ثم غفل عنه من قيادات المعارضة التي يعميها الدخن عن رؤية واقعها وواجباتها. وعن رؤية الممارسات المستفظعة التي تمارسها عصابات حسن نصر ضد أفراد مستضعفين جلهم من النساء والأطفال..؟!

من حق الشعب السوري وهو يرى ما ينزل بأبنائه المستضعفين في مخيمات اللجوء في لبنان أن يتساءل : أين هي الدولة في لبنان ؟ وأين هي السيادة التي يتحدث عنها الساسة اللبنانيون ، أمام أشكال العدوان والتهديد والاستفزاز يمارسها خارجون على القانون ضد مخيمات لجوء يأوي إليها مستضعفون ..

من حق المسلم السوري أن يتساءل أين هي مرجعيات لبنان الإسلامية من القيام بحق حفاظ يفرضه الإسلام والشريعة والجوار والمروءة والأخلاق والتاريخ والجغرافيا في حماية إخوانهم اللاجئين في لحظة استضعاف تاريخي تخلى فيها عن الشعب السوري كل من عليها من إنسان ..

من حق الإنسان السوري أن يتساءل عن الموقف الحق للمسيحي الحق من واجب حماية هؤلاء المستضعفين الذين طالموا قدموا وحموا وضحوا وبذلوا ..؟!

بان كيمون وأوباما وبوتين ...وكل الذين ما أسرع ما غضبوا لبعض ما أصاب المسيحيين في الموصل أو اليزيدين في سنجار فاستنكروا وألهبوا وجيشوا وحشدوا وقصفوا ؛ يعلمون أن هؤلاء اللاجئين المستضعفيين من السوريين ليسوا مسيحيين ولا هم يزيديين فلا يهمهم من أمرهم أو مما يمارس عليهم من عدوان وتخويف وابتزاز واستفزاز شيء ..

فقد قرر كل هؤلاء أن يكونوا غطاء آخر لجريمة أخرى لا يريدون وصفها أنها جريمة ضد الإنسانية ، ولا أن يصموا مرتكبيها بأنهم إرهابيون ..

دع عنك أن يحشدوا الحشود وأن يجيشوا الجيوش ..

لندن : 13 / ذو القعدة / 1435

8 / 9 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل حاربت أمريكا «داعش» وأضرابها: أين… متى… وكيف؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 5-9-2014

سخر نقّاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما من عبارته، غير الموفقة بالطبع، من أنّ إدارته لا تملك، بعدُ، ستراتيجية محددة لمحاربة «داعش». وثمة، لا ريب، مبررات كثيرة للسخرية من رئيس القوّة الكونية الأعظم، وقائد الجيش الأكثر جبروتاً وتطوّراً وفتكاً على مدار التاريخ؛ إذْ يعلن افتقاره إلى خطة ستراتيجية متكاملة في مواجهة تنظيم إرهابي عمره ـ في تكوينه البنيوي التنظيمي والعسكري الراهن، على الأقلّ ـ أقلّ من ثلاث سنوات. وكيف لا ينتقل الساخرون إلى درجة أعلى في النقد، إذا كانت جعبة أوباما، في هذا الملفّ وما يقترن به، سورياً أوّلاً ثمّ عراقياً بعدئذ، غاصة بمواقف الحيرة والتردد والتقلّب والتفرّج…

والحال أنّ أوباما لا يملك تلك الستراتيجية، بالفعل، وبالمصطلحات الابتدائية للمنطق العسكري الأبسط: صحيح أنّ الضربات الجوية الأمريكية، ضدّ قوّات «داعش» في العراق، يمكن أن تُلحق بالأخيرة خسائر ملموسة، كبيرة أو صغيرة، على نطاقات محدودة أو واسعة؛ ولكن أية جدوى، على صعيد «دحر» التنظيم كما تطمح واشنطن، إذا ظلّت «داعش» قادرة على الانكفاء إلى قواعدها داخل سوريا، وإعادة تنظيم صفوفها، والعودة إلى العراق مجدداً، بتكتيك الكرّ والفرّ؟ وما الجدوى، على صعيد آخر، من تسليح قوات «البيشمركة» الكردية، في كردستان العراق؛ إذا كانت المواجهات العسكرية مع «داعش» تقتصر جغرافياً على المناطق الكردية، ولا تخضع لتنسيق كافٍ بين القوّات العراقية النظامية و»البيشمركة»؟

من جانب آخر، ما يثير الضحك حقاً، بل القهقهة العالية، وليس السخرية وحدها؛ هو تصريح الأدميرال جون كيربي، السكرتير الصحافي لوزارة الدفاع الأمريكية، الذي اعتبر أنّ «الدولة الإسلامية في العراق والمشرق»، حسب التسمية المفضّلة لدى الإدارة، لن يشكّل خطراً على المدى البعيد: «سوف تفشل في نهاية المطاف، بل الحقيقة أنها فشلت لتوها بطرق عديدة. إنهم اليوم أشدّ وحشية، وأفعالهم كانت فظيعة، وهم لا يكسبون الكثير من الدعم. وبالتالي لا أعتقد أنّ هذا سيشكل تهديداً بمصطلح سنوات وسنوات وسنوات»!

ألا يعلم الأدميرال أنّ «داعش» تسيطر الآن، في سوريا والعراق، على أراضٍ تكاد تساوي مساحة بريطانيا؛ وتبسط نفوذها على قرابة أربعة ملايين مواطن، سوري وعراقي؛ وفرغت، قبل أيام من إسقاط مطار الطبقة، شمالي سوريا، حيث ارتكبت مذابح وحشية بحقّ الجنود السوريين، وتزحف على مطار دير الزور الذي فرّ منه ضباط بشار الأسد، وقد تتكرر فيه مذابح لا تقلّ فظاعة؟ هل نسي الأدميرال أفعال «داعش» في سنجار، بعد الموصل ومحيطها، واستمرار سيطرة التنظيم على مواقع بالغة الحساسية عسكرياً، رغم أنّ الجيش العراقي و»البيشمركة» والقاذفات الأمريكية و»خبراء» البنتاغون… اجتمعت عليها؟

الكارثي، لأنه ليس مثيراً للسخرية ولا مضحكاً، في المقابل؛ هو أنّ هذه الإدارة، على منوال سابقاتها، تتعامى عن السبب الأوّل، والأكبر والأسبق، وراء صعود «داعش» وأضرابها؛ أي أنظمة الاستبداد والوراثة والفساد العربية، التي لم تمتهن كرامة المواطن العربي وتسلبه حقوقه في الحياة والحرية والرأي والهوية، فحسب؛ بل دفعته، منهجياً وباضطراد، نحو السوداوية واليأس والمرارة والانكسار، ثمّ التطرّف والعنف والإرهاب في نهاية المطاف. وأمّا التفريع الأدهى، لهذا السبب الأوّل، فهو أنّ محاربي «داعش» هذه الأيام، وقبلها «القاعدة»، هم ذاتهم ساسة الديمقراطيات الغربية، في أمريكا وأوروبا، الذين رعوا أنظمة الاستبداد والفساد، وسكتوا عن ممارساتها ـ الوحشية، والبربرية، والهمجية… بدورها ـ تحت مبرر «الاستقرار»، وضمان المصالح القومية.

السبب الثاني، الذي لا يتعامى عنه الغرب فقط، بل يوغل فيه أكثر، كلما اقتضت الحال؛ هو العربدة الإسرائيلية في فلسطين، وفي الأراضي العربية المحتلة عموماً، والترخيص الذي تحصل عليه إسرائيل من الديمقراطيات الغربية كلما شاءت شنّ حرب في فلسطين، أو ضدّ الجوار؛ أو كلما أرادت أن تتوسع أكثر، وتستوطن، وتصادر الأراضي، وتهدم البيوت وتقتلع الأشجار وتدمّر المرافق العامة. الألسنة في الغرب طويلة حين تنخرط في تشخيص «الإرهاب الإسلامي»، بكلام حقّ يُراد الباطل من تسعة أعشاره؛ ولكنها ألسنة قصيرة، بل خرساء بكماء، وعمياء طرشاء أيضاً، حين يتوجب التعليق على القرار الإسرائيلي الأخير، الذي قضى بالاستيلاء على 28 ألف دونم لإقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.

خذوا ما قاله أوباما، قبل يومين فقط، بصدد ذبح الصحافي الأمريكي ستيفن سوتلوف، وكذلك حول «فلسفة» الفوارق الأخلاقية بين «داعش» وأمريكا، ويا لبؤس المقارنة أصلاً، وأوّلاً: «مثل جيم فولي قبله، كانت حياة ستيف تمثّل التضاد الحادّ مع أولئك الذين قتلوه بوحشية. يطلقون الزعم السخيف بأنهم يقتلون باسم الدين، ولكن ستيف، كما يقول أصدقاؤه، كان هو الذي أحبّ العالم الإسلامي بعمق.

قتلته يحاولون الزعم بأنهم يدافعون عن المضطهدين، ولكن كان ستيف هو الذي تجوّل في أرجاء الشرق الأوسط، وغامر بحياته ليروي قصة المسلمين من الرجال والنساء، المطالبين بالعدالة والكرامة». وأيضاً: «أياً كان ما يظنّ هؤلاء القتلة أنهم سيحققونه من وراء قتل أمريكيين أبرياء مثل ستيفن، فإنهم فشلوا لتوّهم. لقد فشلوا لأنّ الأمريكيين، مثل الشعوب على امتداد العالم، يشعرون بالاشمئزاز من هذه البربرية. سوف لن نذعن لهم».

ثمّ قارنوا، إذْ أنّ المقارنة ليست جائزة فقط، بل واجبة؛ مع ما قاله سلف أوباما، جورج بوش الابن، قبل ثماني سنوات من الآن، في «المعهد الوطني للديمقراطية»، خلال خطبة لم تجانب أسبوعية «نيوزويك» الصواب حين اعتبرتها «قنبلة عقائدية». وبعد استهلال يمزج المقدّمات الديماغوجية بنتائج تبسيطية، استخلص بوش أنّ «الراديكالية الإسلامية، مثل الأيديولوجيا الشيوعية، تحتوي على تناقضات موروثة تحتّم فشلها. وفي كراهيتها للحرّية، عن طريق فقدان الثقة في الإبداع الإنساني ومعاقبة التغيير والتضييق على إسهامات نصف المجتمع، تنسف هذه الأيديولوجيا السمات ذاتها التي تجعل التقدّم الإنساني ممكناً، والمجتمعات الإنسانية ناجحة». وأيضاً: «أياً كانت الحصيلة القادمة في الحرب على هذه الأيديولوجيا، فإنّ النتيجة ليست محطّ شكّ: أولئك الذين يكرهون الحرّية والتقدّم قد حكموا على أنفسهم بالعزلة، والانحسار، والانهيار. ولأنّ الشعوب الحرّة هي التي تؤمن بالمستقبل، فإنّ الشعب الحرّ هو الذي سيمتلك المستقبل».

وبين الاستهلال والخاتمة، ولكي لا تنقطع سلسلة التداعيات المذكّرة ببلاغة الحرب الباردة، ولكي يتمّ رشقها سريعاً على مستقبل هذه القرن بأسره؛ أعاد بوش التشديد على ما يستهويه أكثر: «إنّ الأيديولوجيا الإجرامية للإسلاميين الفاشيين هي محكّ القرن الجديد الذي نعيشه. غير أنّ هذه المعركة تشبه، في أوجه كثيرة، الكفاح ضدّ الشيوعية خلال القرن المنصرم. بن لادن يقول إنّ دوره تعليم المسلمين ما هو خير لهم وما هو ليس بخير. وما يعتبره هذا الرجل، الذي تربى في الرخاء والثراء، خيراً لفقراء المسلمين، ليس سوى أن يصبحوا قتلة وانتحاريين».

تخيّلوا أنّ الرئيس الأمريكي (الجزّار الأوّل خلف كلّ ما حاق بأهل فلسطين والعراق ولبنان من عذابات في الحقبة الراهنة) هو نصير الفقراء المسلمين ضدّ أغنيائهم؛ وليس الأغنياء من طراز حكّام أنظمة الاستبداد والفساد، بل ذلك الغنيّ الذي كان يُدعى أسامة بن لادن (أو «الخليفة» البغدادي، في شخوص هذه الأيام، إذا توجّب أن يعيد أوباما إنتاج الخطاب إياه)! ثمّ تخيّلوه وهو يبدو كمَن يزاود على بلاشفة روسيا، مطلع القرن الماضي، في التعبئة الطبقية!

.. لكي يتبدى إنْ كانت أمريكا قد حاربت «داعش» وأضرابها، حقاً؛ في أيّ يوم، في أيّ مكان!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغرق في الأصوليات .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 5-9-2014

يبدو مدهشاً أن يتجه ملايين البشر إلى قاع التاريخ يبحثون فيه عن المستقبل، بعد أن حققت البشرية أعظم ثورة في مسيرتها الطويلة وهي ثورة المعرفة والاتصال، واتسع نطاق الحريات والديموقراطيات فلم يبق في العالم سوى بضع دول تتحكم فيها الديكتاتوريات التي تحتضر ونشهد خروجها النهائي من التاريخ. وكان من المفترض أن تتجه الأصوليات الدينية والإثنية والعرقية إلى التصالح مع الحداثة التي تعيشها البشرية، وأن تفرق بين ما هو تاريخي نشأ في بيئة مختلفة عن حياتنا المعاصرة، وبين ما هو من المقدسات التي تحافظ عليها الأمم مع حفاظها على حريات الاعتقاد والتعبير.

كانت الأصولية اليهودية أول من خرج عن معطيات العصر، حين استقدمت التاريخ لتثبت حقاً وهمياً لليهود في أرض فلسطين مستعيدة قصصاً من التوراة التي كتبت بعد سبعة قرون من وفاة موسى عليه السلام لكي تشرد شعباً وتحل مكانه. وكانت الأصولية المسيحية قد تشبثت بحكم الكنيسة نحو خمسة عشر قرناً. ثم جاءت الأصولية الإسلامية فخلطت بين النصوص المقدسة وبين الإجرائية التاريخية، وجعلها هذا الخلط تدين بالولاء للتاريخ السياسي، فتنقسم إلى عديد من الطوائف والفرق التي نشأت بسبب الصراع على الحكم. وحاولت أن تبرر شرعيتها باختلاق الفتاوى والاجتهادات التي تمنحها قدسية وسرعان ما تحولت تلك الاجتهادات إلى نصوص تتوارثها الأجيال على أنها مسلَّمات قدسية لا يجوز الخرج عنها.

ولقد كان من أسوأ ما حل بالأمة العربية منذ أواسط القرن الماضي استيقاظ هذه الدعوات التي استلهمت التاريخ وأيدت رؤيتها بنصوص كانت مرتبطة به، ولم تسمح لفكرها أن يعيد النظر وأن يوظف النصوص توظيفاً عقلانياً، لأنها لا تؤمن بقدرة العقل، وترى التاريخ جامداً لا يتحرك.

وضمن ردات الفعل على الأصوليات الراسخة جاءت الأصولية القومية التي بدأتها الحركة الطورانية التي استدعت نهوض فكر القومية العربية فغرقت الأصوليتان في جمود مستجد باتت له ثوابته التي أغلقت عليه منافذ رؤية الحراك الإنساني الذي برعت فيه أوروبا المؤسسة لعصر القوميات لكنها تمكنت من بناء اتحادها الأوروبي بينما العرب يكتفون بشعارات وحدوية وصلت في نهاياتها إلى البحث عن الحد الأدنى من التضامن. وسرعان ما انفرط عقد هذا التضامن الوهمي مع بداية «الربيع العربي» الذي سرعان ما صار شتاء عاصفاً حين نهضت الأصوليات الدينية لتستغل ما حدث فيه من تفكك لعرى الدول التي بنت حضورها على العصبية العسكرتارية فهوت سريعاً وتحولت مساراتها إلى صراعات دموية ما تزال تهرق دماء شعبها وتدمر قواها الذاتية.

وقد حاولت قوى الاعتدال والتقدم والتحديث أن تجد لها موقعاً قيادياً فلم تفلح، وكانت التجربة في لبنان مريرة منذ أواسط السبعينيات، فقد كان حرياً بلبنان بوصفه البلد العربي الذي كان الأكثر انفتاحاً على ثقافات الغرب، ولكونه نجا من التسلط الديكتاتوري محلياً، أن يقدم تجربة نظامه الديمقراطي ليكون ريادة في الأمة، ولكن هجوم الأصولية الدينية على الساحة اللبنانية عبر «حزب الله» جعل لبنان رهين أصوليات أخرى بدأت تتصارع وتدافع عن نفسها أمامه وتحمي حضورها ومستقبلها. وقد استفادت أصولية «حزب الله» من نضالها ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، لتجد مبرراً شرعياً وأخلاقياً لنمو فكرها عقائدياً. وعلى رغم ما حظيت به من مساندة شعبية عربية عامة إلا أنها بقيت ترفع رايات أصولية وتبحث عن دم تاريخي وصل بها إلى أن تنقل معاركها إلى عاصمة الأمويين تلبية لأوامر من دولة أصولية.

وفي العراق الذي وعده الاحتلال الأميركي بتخليصه من الديكتاتورية دعم المحتلون نمو الأصوليات وغيبوا مبدأ المواطنة، وجاؤوا بأصولية ديكتاتورية جديدة باسم الديمقراطية، وتم تهشيم القوى الوطنية فظهرت أصولية «القاعدة» التي صارت فزاعة القرن الحادي والعشرين.

واليوم في سوريا والعراق يتفاقم حضور «داعش»، والعجيب أن يتحالف معه أعضاء من حزب «البعث» الذي حكم البلدين بأصولية قومية شمولية نحو نصف قرن، تحكم فيها بكل قوى الدولة وأسس منظمات شعبية مهمتها تربية الأطفال والشباب -الذين صاروا اليوم وقود الثورات ضده - وهي نهاية كارثية لإخفاقات مسيرة حزب علماني قومي في مواجهة «داعش» الخارج عن كل معطيات العصر، وهو لا يستفيد من منجزات العلم سوى باستخدام الأسلحة، بل إنه يميل إلى استخدام السيف والسكين عند ذبح من يخالفه، وما زال نموه وانتصاراته من الأسرار التي يترقب الناس كشفها! فكيف يمكن أن يصبح «داعش» قوة عسكرية بهذا الحجم ويلتحق بها الآلاف من المتطرفين من أصقاع الأرض، والمجتمع الدولي يرقب كل صغيرة وكبيرة تحدث في سوريا والعراق؟ وإذا كان النظام السوري قد وجد فيها عوناً له للقضاء على ثورة شعبه وتشويه صورتها على أمل أن يتحول العالم إلى دعمه وضمه إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب فقد حول سوريا حقاً إلى ساحة حرب دولية فضلاً عن كونه أدخل الأصوليات من «حزب الله» ومن إيران والعراق لتصير أهم القوى في الساحة. وكذلك غامر العالم حين ظن أن إغماض العين عن نمو هذه التنظيمات سيتيح له تجميع الإرهابيين في بقعة واحدة بين سوريا والعراق، على أمل أن يتمكن من تنظيف عواصمه من هؤلاء المتطرفين بحيث يسهل عليه القضاء عليهم دفعة واحدة. وهذه الحسابات النظرية قد تقوده إلى حروب طويلة المدى كما حدث في أفغانستان وستدفع الشعوب أثمانها من دمائها ومن ثرواتها.

وجلُّ ما نخشاه اليوم هو أن تصير بلادنا ساحة حروب لا تنتهي، وحتى إذا صار النظام السوري رأس حربة في التحالفات الدولية لمحاربة الإرهاب فإن من سيدفع ثمن هذه الحرب هو شعب سوريا على كل جبهات الصراع، وسيكون الخطر أن ينضم كثير من السوريين لتنظيمات أشد تطرفاً تعبيراً عن غضبهم من الخذلان الدولي لهم بعد أن تشرد منهم الملايين وقتل مئات الآلاف.

واستباقاً لما نتوقع من تصعيد يفوق كل ما حدث حتى الآن، دعونا إلى مؤتمر حوار وطني عام وشامل يستند إلى مبادئ مؤتمر جنيف ويبث فيها الحياة، على أمل أن تجتمع النخب السورية من كل الأطياف لتجسد حالة وطنية متكاملة، تسمو فوق النظام والمعارضة معاً، ويكون الهدف إنقاذ سوريا، ونأمل أن نجد استجابة، فلا يغيب عن المجتمع الدولي أن مشاعر القهر المريعة التي يعيشها السوريون لن تشكل حاضنة لمكافحة الإرهاب ما لم يشعروا بالإنصاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب على «داعش» في سورية وشروطها .. وليد شقير

الحياة

الجمعة 5-9-2014

هل يقود تقاطع المصالح بين القوى الإقليمية والدولية على محاربة تنظيم «داعش» والتطرف في الدول التي انفتحت الصراعات المتعددة الأوجه فيها على مصراعيها، إلى تغيير في خريطة التحالفات والخصومات، أم أن الأمر سينحصر بهذا التلاقي بين هذه القوى في مواجهة الإرهاب؟

يتوقف الأمر على الوجهة التي ستسلكها الولايات المتحدة الأميركية، فـ «داعش» كان رأس جبل الجليد لسياسات أدت إلى الوقوع في فخ «الإسلام الجهادي»، وإذا جاز الحكم على تدحرج الأحداث من خلال التفاعلات التي تركها صعود الإسلام السياسي في المنطقة بفعل الربيع العربي، فإن واشنطن ودولاً في الإقليم ساهمت في هذا الصعود، حين راهنت على النموذج التركي، الناجح نسبياً في قيادة الدولة وتنظيم شؤون المجتمع، فانسحبت تلك المراهنة على مصر «الإخوان» وعلى تونس «حركة النهضة» وعلى شبيههما في ليبيا. إلا أن ما حصل بعد تعثر هذه التجارب أدى إلى بروز «الإسلام الجهادي»، الذي أثبت التاريخ أنه يولد من رحم الإسلام السياسي التواق إلى السلطة. جاءت تلك المراهنة في سياق الانفتاح الأميركي على الإسلام السياسي (الشيعي) أيضاً في إيران، لعله يساهم في خفض حماوة الصراع الإقليمي بالتوازي مع انكفاء واشنطن عن منطقة أتعبتها بينما المردود الأساسي المقابل لتورطها المباشر، أي النفط، لم يعد بالأهمية التي كانت في السابق، فاكتشافاتها في مجال غاز الصخور ونفطها أخذ يخفض من استيرادها الذهب الأسود، ويحصر اهتمامها بضمان أمن طرق الإمداد إلى حلفائها الأوروبيين والآسيويين. والعقل الأميركي اعتبر أن التشكيلات الإقليمية التابعة لطهران لها مربط قادر على ضبطها مقابل التشكيلات الأخرى السنية المنفلتة من ضوابط أي دولة. لكنها غفلت عن أن طهران تستخدم هذا النوع من الإرهاب لخدمة استراتيجيتها، مثلما فعلت بالتعاون مع النظام في دمشق وحكم نوري المالكي في العراق. وكما أفلت هذا الاستخدام من دول مثل تركيا أفلت من طهران نفسها.

فجأة، اكتشفت إدارة الرئيس باراك أوباما مساوئ مراهنتها تلك، التي أمِلت أن تستبدل بها نفوذها المباشر فإذا بها تنتج وحشاً كاسراً، كما حصل في العراق. ومع أنها تأخرت في تقدير إمكان تضافر عوامل متناقضة في صعود التكفيريين الذين يعيشون خارج العصر، فإنها انتبهت إلى أن الإسلام السياسي بشقيه المذهبيين، غير قادر على قيادة المجتمعات العربية، أو على الأقل هو لن يثمر استقراراً.

تأتي إدارة باراك أوباما إلى المواجهة الحتمية مع «داعش» من مكان بعيد سياسياً لا يقاس بالمسافة الجغرافية، وهي لذلك تحتاج إلى ما سماه الرئيس الأميركي استراتيجية تتطلب التنسيق مع دول المنطقة ومن سمّاهم الحلفاء السنّة، بعدما أهمل تحفظات هؤلاء عن سلوك واشنطن في المنطقة. ولهذا السبب أقرن أوباما تعهده بتدمير»الدولة الإسلامية» بالقول إنه يتطلب وقتاً. وإذا كانت فظاعات «داعش» وانهيار التركيبة الإيرانية التي اعتمد عليها اوباما في بغداد فرضت عليه بدء المواجهة قبل اتضاح هذه الاستراتيجية، فإن استكمالها على امتداد الإقليم يحتاج إلى خطة سياسية متكاملة، مثلما هي أمنية وعسكرية، تتناول «داعش» في سورية التي انطلقت منها نحو بلاد الرافدين.

ومع أن المواقف العلنية لأوباما ولمعظم القادة الأوروبيين بدت حاسمة في أن نظام بشار الأسد لا يمكن أن يكون جزءاً من هذه الاستراتيجية لأنه «ساعد» في صنع «داعش»، فإن على قيادة الحملة ضد هذا الصنف من الإرهاب أن تحسم العديد من الأمور. وإذا كانت المملكة العربية السعودية تصدرت الوقوف الحاسم ضد هذا الصنف في وقت مبكر، وبإجراءات واضحة إن في الداخل أو في الإقليم، خصوصاً في لبنان، وبددت بذلك كل الاتهامات من إيران وحلفائها بأنها تقف وراء هذا الإرهاب، فإن على دول أخرى شريكة في هذه المواجهة أن تحسم أمرها.

وفضلاً عن أن اشتراك إيران في هذه الاستراتيجية يتطلب معالجة خصوماتها مع دول في الإقليم، ولا سيما السعودية، فمن الطبيعي أن تحسم دول أخرى موقفها من «الإسلام الجهادي»، بدءاً بتركيا وانتهاء بقطر.

يحتاج الانتقال بالمواجهة إلى سورية إلى شروط، وإلى الإجابة على العديد من الأسئلة، فهل يتم استهداف «داعش» ليستقوي نظام الأسد على المعارضة المعتدلة بعدما ساهم الغرب في إضعافها، أم يُكتفى بالضربات الجوية في العراق التي ستؤدي إلى انكفاء «داعش» إلى بلاد الشام، ليُستنزف هو والنظام في معارك بينهما (وربما المعارضة «الأخرى» غير الإرهابية) تمهيداً لضربه بعد ذلك؟ وإذا كانت المواجهة في سورية والعراق معاً حتمية، فهل ستلتزم واشنطن، ثم تركيا وغيرها، دعم المعارضة المعتدلة وتوحيدها لتتمكن من استيعاب نتائج الضربات وصولاً إلى حل سياسي للأزمة السورية؟ وهل ستسلّم موسكو وطهران بالحاجة إلى هذا الحل أم ستتابعان دعم الأسد في كل الأحوال؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com