العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14/08/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ذهب علي بدور وجاء داود راجحة.. كلهم بيادق ليس لهم من الأمر شيء!! .. محمد فاروق الإمام

إن إقالة بشار الأسد وزير الدفاع العماد أول علي بدور وتعيين العماد أول داود راجحة في مكانه لا يغير في تركيبة هذا النظام أي شيء لأن كل هذه الأسماء لا حول لها ولا قوة ومجرد بيادق تحركها أيد خفية تمسك بصولجان الحكم كشف عنها ابن خال الرئيس رامي مخلوف قبل أشهر عندما قال: (العائلة) – وهو من بين أفرادها – مترابطة ولا يخرج أي قرار دون موافقة الجميع، وأن بشار هو الواجهة الذي يعلن القرار أو المرسوم، وهذا بات معروفاً للقاصي والداني في سورية وخارجها وهذا ما يحصل بالفعل منذ وصول الأسد الابن إلى سدة الحكم بعد وفاة أبيه عام 2000.

آن للإخوة الأتراك الذين يجهدون أنفسهم ويريقون ماء وجههم على أعتاب هذا النظام وهم يرسلون الوفود لتقديم النصائح وإبداء الملاحظات أن يتوقفوا عن فعل ذلك، لأنهم في فعلهم هذا يعطون النظام مزيداً من الوقت ليوغل في قتل السوريين واستباحة الحرمات وتدمير المقدسات، كما شاهدنا في قصف الدبابات لأحد مساجد دير الزور وكيف هوت مئذنة أحد المساجد بعد استهدافها عن سابق إصرار وترصد بدانات مدفعية الدبابات التي لا تخطئ في مثل هذا الهدف، وتخطئ 180 درجة إذا كان الهدف بعض المواقع العسكرية الإسرائيلية في الجولان أو بعض طائراتهم التي تسرح وتمرح في سماء سورية المستباحة، والضحك على الأتراك عندما اصطحبوا السفير التركي إلى حماة الخالية من الدبابات ليسمع العالم تصريحات السفير بأن حماة خالية من الدبابات التي عادت من الباب الخلفي بعد إطلاق هذه التصريحات مباشرة.

تعيين راجحة وإقالة بدور مسرحية من مسرحيات النظام الممجوجة كدعاويه في مطاردة وملاحقة العصابات المسلحة في شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها لن تفيد النظام في شيء، لأن الشعب وهو الخبير ببواطن النظام ومسرحياته الهابطة الرخيصة، وأهل مكة – كما يقول المثل – أدرى بشعابها، على دراية تامة بهذه الحركات الأراجوزية من قبل النظام، وسبق وقدم الممثل السوري الساخر نهاد قلعي (حسني البرظان) مسرحية ضيعة تشرين التي يجسد فيها حقيقة هذا النظام قبل أكثر من ثلاثين سنة، ومسرحية النظام المبتذلة اليوم إن دلت على شيء فإنما تدل على تخبط النظام ولعبه في الربع ساعة الأخيرة من حياته.

إن النظام بلعبه هذه الورقة المستهلكة، بعد أن أفلس في جر البلاد إلى فتنة طائفية، وقد أعلنت كل الطوائف رفضها لمحاولات هذا النظام لجر البلاد إلى فتنة طائفية، والتي كان آخرها البيان الذي أصدرته الطائفة العلوية الكريمة التي تبرأت به من هذا النظام ومن عائلة الأسد الذي لا يمثلها – كما جاء في البيان – راح يتوجه إلى الإخوة المسيحيين المنخرطين في هذه الثورة بتعيين مسيحي على رأس الجيش عله يجد عندهم صدى لهذا التعيين الساذج القاصر الذي لا يثير لعاب أي مسيحي كي ينخدع بمثل هذه الألاعيب الصبيانية المكشوفة.

أخيراً أختم بما قاله النائب السابق المعارض مأمون الحمصي عن هذه القرارات التي يتخذها النظام في أن "عائلة الأسد في حالة هستيريا، وبدأت تفقد الثقة بمن حولها"، وقال "سنشاهد مرحلة جديدة وسريعة من التصفيات لكل أدوات النظام والتي استخدمها في جرائمه، وأصبحت شهودًا عليه أمثال رستم غزالة وديب زيتونة وعلي مملوك وهشام اختيار".

------------****************----------------

سجين سابق وذكرى شحاطة البلاستيك .. فداء السيد

لن أزعم أني سآتيكم بجديد في مقالتي ولن أحدثكم عن غريب لم تسمعوا به من قبل, ولا أنوي مفاجئتكم بعجيب قد تبيض له رؤوس بعضكم فليس هناك جديد في سورية غير الثورة. ولكني مررت بين شهادات معتقلي الرأي في سورية فطفت على سجون تقشعر الأبدان لسماع اسمها ويتجمد الدم في العروق لذكر قصصها المرعبة وكأنها فلم رعب يتحدث عن مصاصي دماء خلعوا الرحمة من القلوب وأبدلوها قطران ما الله به عليم. وأذكر أني كنت كثير قراءة لقصص معتقلي السجون السورية الدامية ولكنني مررت على قطعة نصية جعلتني لا انام الليل بطوله وانا أفكر واتفكر في عظمة السوري عندما يستعظم معنى العزة والكرامة في النفس فتسمو به لدرجة تشعر وقتها انك طفل تتعلم من مدرسة العقول الحرة والأبدان المعتقلة.

 

لن أطيل عليكم فإني وإياكم لنعلم قساوة السجون ومصير المساجين وكيف كانوا يعاملون وعلى أي أرض ينامون وكيف كانوا ياكلون وبأي الأدوات كانوا يعذبون, وعن مهاجع السل والجرب ومصير الأحداث والشيوخ ونوع الكرابيج والخوازيق وحفلات الإستقبال وساعات الإعدام وفترات الحلاقة ورواقات السقف وشتائم السجانين وأنواع التعذيب والبلاء ... عن رجال دخلوا وهم بنور العلم والتطوير يحلمون, شباب جامعات وعلماء ومفكرين كانوا الشمس الساطعة في سماء وطننا, ثم صاروا في كهوف وزنازين طيلة 20 او 30 عاما لا يرون إنسيا ولا جنيا, لا يكلمون الا خيالات تستجمعها الذاكرة يتذوقون طعم الحلاوة وهما, ويسمعون نهيق حمار فيطربون نهما, تدخل عصفورة خطأ من نافذة السجن فيجعلون لها اسما وينتظرون ولادة أطفالها ويهيئون لها عشا ترتاح فيه ويبكون لرحيلها كأنها الأمل الوحيد في الحياة وقد مات أحدهم غما وهما عندما غادرت العصفورة يوما ولم تعد, يسمعون من بعيد أجراس الكنائس وتكبيرات المساجد فيخرون لها عشقا ويتمنون ان لا تنقطع ولكن هكذا هي الحياة فلكل شئ نهاية, حتى الظالم له نهاية ولو بعد حين.

 

طالت الحكاية وبطولها سيقصر الطريق وتقترب النهاية ... قرأت عن معتقل يروي سنينه العشرين يرويها وكأنه يشرب كأسا من الماء البارد فلقد أوتي من الصبر ما لا تتحمله سنام الإبل, يروي قصصا عجيبة ما سمعت بها ولم أكن لأصدقها لولا أني التقيت أحدهم يوما فرواها لي كأنه كان في تلكم القصص. ثم وبخطفة سريعة ينتقل لذكرى أخذت منه

شهرا كاملا(على حد قوله) كي يستجمع نفسه وتقوى عزيمته لروايتها: يقول كان يوما حارا والعرق يتصبب من ال300 سجين داخل المهجع الذي لا يحتمل اكثر من 70 شخص, ولكل واحد منا مقدار شبر ونصف للجلوس والإستلقاء والنوم والتمتع بيوم صيفي وشمس حارقة لاذعة , يفتح الباب الحديدي, رؤوسنا مطأطأة الى الأرض ووجوهنا الى الحائط, ناداني بصوت عال ليس لنا أسماء هناك, نحن مجرد أرقام لا معنى لها, غالبا نحن أولاد ال... أقبلت أرتشف دمعتي تمتزج بدماء وجهي المشوه المتشقق, لا يجوز لي الكلام ولا يجوز لي السكوت لا يجوز لي الوقوف ولا الجلوس, أمرني برقص الدبكة: قدماي مشققة مدماة وإلا لضربت الأرض بقدماي حتى يسمع أهل الأرض صلابة المجروح, حاولت, سقطت أرضا, رفسني بحافره أمر اثنين من الحراس بحملي و أمر جميع المعتقلين بالنظر إلي, ومن ثم ذهب ألى الحمام وأحضر شحاطة بلاستيكية عفنة تخرج الروائح الكريهة منها طوال اليوم ثم أمرني بفتح في ووضعها هناك.

 

لا أعلم وقتها أي منقلب سأنقلب ولكني صرخت في وجهه: الله أكبر عليكم, اعتقلوني اضربوني عذبوني لكن لن اسمح

لكم ان تهينوا كرامتي(يقول: لا اعلم كيف قفزت فوق كل الحقوق التي كفلها لي القانون: فليس لهم الحق في اعتقالي اصلا وليس لهم الحق بهدر كرامتي وتعذيبي كحيوان او ضربي كقطعة خشبية هالكة ولكنني كنت مستعدا وقتها لأن أموت دون أن يضع أحدهم شحاطة بلاستيكية في فمي). لم أستطع إكمال قراءة تعليقات هذا الشريف وهو يؤصل لمعاني الحرية والكرامة والعزة والشرف والعدل والمساواة فوالله لكأني اقرأ لسقراط وهو يتحدث عن الفضيلة والمعرفة او بلاتبيرغ وهو يتحدث عن جدلية الدميقراطية والحرية ... ثم فهمت بعدها سر عظمة الشعب السوري فهو الشعب الصابر رغم الصعوبات ولكنك ما ان تختبر صبره فسيصيح في وجه الظالم كلمة حملتها لنا الأيام جيلا فجيل: الشعب السوري ما بينذل.

أيها الكرام لا تنسوا معتقلي الرأي في سورية فهم الكرامة المتبقية

------------****************----------------

سوريا.. الملك يقف مع الشعب .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

9-8-2011

العنوان الوحيد لخطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز، الموجه لسوريا، هو أن خادم الحرمين الشريفين قد قرر الوقوف علنا مع الشعب السوري ضد الوحشية الدموية التي يمارسها بحقه نظام بشار الأسد.

خطاب الملك هو الموقف الأبرز، والأقوى، حيال ما يحدث من قمع وحشي في سوريا، موقف تجاوز الجميع، عربيا ودوليا. صحيح أن الموقف السعودي تأخر، لكن ليت كل تأخير ينتهي بمثل هذا الموقف الأخلاقي والمسؤول. فقيمة السعودية ومكانتها ليستا في كونها دولة نفطية، بل لأنها دولة الحرمين، وسوريا دولة عربية شقيقة، وعزيزة، والوقوف معها واجب؛ لأنه وقوف مع الإنسانية بشكل عام.

كما أن أهمية خطاب الملك لسوريا تكمن في أنه صادر من ملك صبر على بشار الأسد صبرا لم يكن ليصبره أحد.. صبر الملك على الأسد لسنوات، ومد له يد الخير، وحاول احتواءه، ومنحه الفرصة تلو الأخرى، سرا وعلنا.. صبر الملك على الأسد بعد اغتيال الحريري، وحاول حماية سوريا، وصبر على الأسد بعد حرب 2006 في لبنان، وعلى الرغم من كل الإساءات التي صدرت من الأسد نفسه، فإن الملك عبد الله أعلن مصالحة عربية في الكويت حاول من خلالها إعادة بشار إلى العرب، على الرغم من معارضة عربية وقتها، حاول العاهل السعودي احتواء الأسد مثلما حاول احتواء العراق قبل الاحتلال الأميركي يوم صافح عزة الدوري في القمة العربية ببيروت، وذلك خشية على الدول العربية من الفوضى والخراب.

كما صبر العاهل السعودي على الأسد في لبنان على الرغم من كل ما كان يفعله نظامه هناك من تسويف ومماطلة. كان الملك يغلِّب حسن الظن، وكان الأسد يواصل تعقيد الأمور، وكانت الإساءة للسعودية لا تتوقف. ولأن الملك السعودي كان ينظر دائما للصورة الكبرى، ولا يقف عند صغائر الأمور، فقد زار الملك، العام الماضي، دمشق، واصطحب، بطائرته الخاصة، الأسد إلى لبنان، لكن النظام السوري لم يفِ مرة بوعوده؛ حيث استمرت الإساءات والتسويف والمماطلة، مع تعريض الأمن العربي للخطر من خلال إقحام إيران في المشهد العربي.

اليوم، ولأن الملك السعودي ينظر للصورة الكبرى، وحريص على الدم العربي، تدخل خادم الحرمين، وأعلن وقفته المسؤولة والتاريخية، والأخلاقية، في سوريا؛ إذ أعلن إدانة بلاده لقتل الأبرياء في سوريا. وكان الملك واضحا وهو يطالب نظام الأسد بإجراء إصلاحات واسعة وشاملة لا تغلَّف بوعود، أي أن العاهل السعودي يريد القول لبشار: كفى قتلا وابتذالا للدم السوري.. ولا مجال اليوم للتسويف والابتزاز. ولذا أتبع الملك أقواله بأفعال؛ حيث استدعى سفير بلاده من دمشق.

وعليه، فإن خطاب الملك عبد الله دليل واضح، ورد عملي، على كل من يقول إن السعودية تقف مع الحكومات ضد المواطن العربي في هذه المرحلة المزلزلة؛ فخطاب الملك يظهر أن السعودية ليست دولة مناهضة للتغيير، بل رافضة للخراب والتدمير؛ حيث نسي البعض أن نظام الأسد، ومن لف لفيفه، كانوا يعيبون على السعودية عقلانيتها، لكن أهل العقل هم من يتصدون اليوم لحماية الأبرياء من أنظمة استمرأت الشعارات الكاذبة، وقتل الأبرياء.

والسؤال اليوم لبعض العرب الصامتين: ماذا تنتظرون؟

------------****************----------------

من يقفون مع المجرم لا يقلون إجراما عنه .. ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

09/08/2011

لو أبيد الشعب السوري عن بكرة أبيه فسيبقون إلى جانب النظام الجزار، وسيجدون مبررات؛ فالشعب السوري هو العقبة أمام تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية.

طبعا في السياحة السياسية السوداء على حساب الشعب السوري لا توجد زيارات لمقابر الشهداء ولا للمستشفيات ولا للسجون ولا لدير الزور ولا لحماة، وطبعا لا للقنيطرة المحررة. إنهم يزورون أنفسهم، يلتقون بأمثالهم في منتجعات القطاع العام من صحارى إلى شيراتون وسواهما من معسكرات النضال. على وقع تبادل الأطباق لا يتذكر المتخمون جياع سورية، ويتبارون في الحديث عن الجماهير الأردنية التي تقف مع النظام ضد الشعب الخائن المدسوس. وفي أجواء العائلة لا يتحدثون عن فيديوهات مفبركة، وإنما يزايدون على الشبيحة في ضرورة سحق وقتل الخونة حتى لو كانوا أطفالا، فمعركة المصير لا يصلح لها ذوو القلوب الضعيفة. السياحة السياسية السوداء لا تقتصر على نظام بشار، حتى نظام كوريا الشمالية يجد من يزوره ويعتبره مثالا في الديمقراطية الاجتماعية. وأكثر نظام استقبل وفودا "شعبية" مناصرة نظام جزار ليبيا معمر القذافي، وانضمت "نخب" إلى تلك الوفود كتبت عن مآثر العقيد في الكتاب الأخضر والديمقراطية المباشرة. وذلك لا يزيد الطاغية إلا قبحا. وكل ما يحققونه هو فضح لمن يقفون مع المجرم، ولو باللسان.

حتى لو كان المقابل رحلة سياحية سوداء، لا يضر ذلك الضحايا. فهم ببسالة يتصدون بعارية الصدور للرصاص الحي، أما المتضامنون مع المجرم فإن انفجار إطار الحافلة على الطريق سيدفعهم إلى الهرب إلى عمان ركضا على الأقدام.

قد تكون مبالغة، لكن ليمتلكوا الشجاعة ويطلبوا من مضيفهم أن يذهبوا إلى حمص وحماة ودير الزور ويتحركوا وقوفا على الحقائق وإصلاحا لذات البين. في الطريق ليستأذنوا المرافق ويلتقوا بالباعة في الكسوة ويسألوهم –من دون مرافق- عن العصابات السلفية الإجرامية. قد يمتلكون الشجاعة ويسألون مضيفهم عن سبب تغييب الإعلام. الصهاينة في حروبهم لا يمنعون الإعلام، في سورية الإعلام، ما عدا إعلامه، ممنوع من العمل والتحرك.

يشعر الشعب السوري بالخذلان الرسمي، لكن شعبيا تحركت معه عواصم العرب والعالم. الشعوب العربية في مصر وتونس التي نالت حريتها من طغاتها تتظاهر وتطالب بطرد السفير، والنظام في عزلته لا يجد معه إلا الشبيحة، سواء في الداخل أم الفرع الخارجي لهم. لم يعرف التاريخ شجاعة كشجاعة أبطال سورية في تصديهم للرصاص، ولم يعرف قبحا كقبح الجزار الذي استرخص دماء شعبه، ولا كقبح من يقفون معه بكل وقاحة. سيزول نظام الطاغية ولكن الكلفة حتى الآن عالية جدا. وبعدها لن تقتصر المحاكمات على من نفذوا الجرائم بل على من ساندهم ووقف معهم.

----------------****************---------------------

ماذا أبقيت لنتنياهو؟! .. محمد أبو رمان

الغد الاردنية

نشر : 09/08/2011

يقود بشار الأسد نظامه بمسار انتحاري واضح، إلى مرحلة "ما بعد حافة الهاوية"، إذ قطع خطوط العودة إلى وراء، من خلال ما سمي ب"خطة الحسم"، والاستسلام ل"المجموعة الأمنية" المحيطة به، ول"الهواجس الطائفية" التي طغت بوضوح في الأيام الأخيرة وحدها.

داخلياً؛ عمليات الحصار والقتل الجماعي والمجازر والإهانات وآلاف المعتقلين وسعت رقعة الثورة والاحتجاجات والغضب، لتشمل دمشق وحلب، وتجذير انعدام الثقة بأي إمكانات لإصلاح النظام لنفسه، مما يزيد من احتمالات الانسحاب والتبرؤ من النظام على المدى القريب، وانهياره وتفككه على المدى المتوسط.

أمّا خارجياً؛ فقد حدثت تطورات هائلة، في مقدمتها إرهاصات التحول في الموقف الروسي، وموقف جامعة الدول العربية، ودول الخليج، وأخيراً الموقف السعودي، الذي صدر عن العاهل السعودي نفسه، ومثّل "تحولاً نوعياً"، ويشي بتطورات أكثر جدّية.

الموقف الأكثر وضوحاً وجرأة وحِدّة هو الموقف التركي، إذ صعّد رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، من لهجته الغاضبة ضد النظام السوري، متحدثاً عن "نفاد صبر" على المجازر التي ترتكب بدمشق.

"نظام الأسد" سقط بوضوح في الأيام الأخيرة، ولم يعد يمتلك أي نوع من أنواع الشرعية السياسية، داخلياً وخارجياً، واختار طريقاً لن تؤدي به إلاّ إلى أحد احتمالين؛ الأول سيناريو النظام العراقي بعد العام 1991، أي نظام معزول من الداخل والخارج، ضعيف يقع تحت طائلة العقوبات الدولية، مهشّم في بنيته الداخلية.

أما الاحتمال الثاني فهو السقوط والانهيار من خلال "مفاجآت" غير متوقعة في ميزان القوى الحالي، إما داخل الجيش أو الدولة، أو النظام بصورة عامة، وهو سيناريو بات متوقعاً في اللحظة الراهنة، التي تركت "العائلة" في مواجهة مع الشعب، بالاعتماد فقط على آلة القتل والدم.

ليست المسألة بحاجة إلى "فك رموز" أو "ضرب بالرمل" حتى نتأكد أن الرئيس بشار قد انتهى، وأحسب أنّ الخطيئة السياسية (لا نتحدث هنا عن مبادئ الأخلاق- فهي مفقودة)، التي وقع بها الرجل، أنّ حاشيته الأمنية، وتحديداً شقيقه المتهور ماهر الأسد، قد أقنعه بأنّ الحل الوحيد للتعامل مع الاحتجاجات يكمن بسيناريو حماة 1982، أي الاعتماد على "القوة العسكرية" وحدها، مهما كانت الكلفة الإنسانية والأخلاقية والسياسية، فالمعركة الآن هي مصير النظام و"العائلة"، و"الحلول الوسطى" غير مطروحة من الطرفين.

بالضرورة، فإنّ ما فات هذا السيناريو "العبقري" أنّ اللحظة التاريخية الراهنة مختلفة تماماً في شروطها وحيثياتها، عن تلك التي حدثت قبل ثلاثة عقود في حماة، والمواقف الدولية والإقليمية، وحتى التداعيات الداخلية تقف على النقيض من هذا "الخيار" الفاشل.

النتيجة؛ أنّ الأسد خسر أي فرصة للرجوع إلى وراء، ولم يعد أمامه سوى الاستمرار في مسلسل المجازر والدماء والقتل والإبادة، فيما يُحكم، ساعةً بعد الأخرى، الحبل حول عنقه.

ماذا أبقيتَ لنتنياهو؟! فقط خلال الأسبوع الأول من رمضان قام الأسد بارتكاب مجازر هائلة، وإبادة جماعية، وحصار مدن بالدبابات، وقصفها بالأسلحة الثقيلة، وقطع الكهرباء والماء، وقتل الأطفال والنساء، وعزلة دولية وإقليمية، وعشرات الآلاف من المشردين السوريين على دول الجوار، وجماهير عربية تخرج تطالب بطرد السفراء السوريين وقطع العلاقات مع هذا النظام، ودعاء في الجوامع على النظام.

ثمة، إذن، سقوط ديني ورمزي وإنساني وأخلاقي مروّع، وانهيار كامل في صورة النظام وعلاقاته الداخلية والخارجية، وسمعة جبّت أي إدعاء أو دعاوى ب"الممانعة"، فأصبح عبئاً سياسياً وأمنياً وأخلاقياً حتى على حلفائه الاستراتيجيين؛ حزب الله وإيران!

هذا نظام لا يمكن له البقاء على قيد الحياة، فقد أفلس تماماً، ووصل إلى النهاية.

------------****************----------------

عواقب الفساد .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 09 أغسطس 2011

الاتحاد

تثير محاكمة مبارك، تساؤلات عديدة وقاسية، وهي -أي المحاكمة- وإنْ ظهرت الآن وكأنها نهاية العقد، إلا أن النظر إليها في سياق الأحداث العربية الراهنة، يضعنا أمام سؤال كبير يفرض نفسه خصوصاً على مُنتجي الخطاب السياسي العربي: هل في ما أخذ يحدث منذ إعدام صدام إلى مرحلتنا هذه، ما يجعل الطواقم السياسية العربية تستنبط عبرة ما تتعلق بما نحن غارقون فيه من فساد وإفساد واستبداد؟ بل إن هذا السؤال يمكن توسيعه على نحو يشمل طواقم أخرى هي تلك التي تعمل في الحقول الإدارية، فيغدو على النحو التالي: هل ثمة مَنْ يتمكن من إعادة بناء "المؤسسات الإدارية" في معظم البلدان العربية على أساس المطالب، التي تطرحها حركات الإصلاحية العربية الراهنة؟

فالحديث عن تلك المؤسسات، يتصل بالنوايا التي تملكها النظم العربية إزاء مطالب الإصلاح الإداري، فلقد شهدنا، في سوريا مثلاً، عجزاً متنامياً في مواجهة تلك المطالب. وثمة ظاهرة تشير إلى أن حالة حادة من الفلتان الإداري تستحكم في الكثير من القطاعات الاقتصادية: إمكانية أن تبني ما تشاء من الأبنية العشوائية، مع "غضّ النظر" عن ذلك من قِبل الإدارات المعنية، علي اعتبار أن ذلك يخفف من وطأة النقد الذي يوجهه الكثيرون لأجهزة الدولة، في المرحلة الراهنة الصعبة المعقدة. ونعلم أن ذلك له تبعات سلبية، يمكن أن يكون منها خربطة مخططات المدن السكنية، بحيث تنشأ "مدن الصفيح" بأحيائها وشوارعها الصفيحية. وهذا ما عبّر عنه أحد الكتاب ب"مدن الملح". ومع القول بأن هذه المدن إنما هي نتيجة لغياب "الدولة الراعية" ومن ثم لهيمنة "الدولة الظالمة غير العادلة"، فإن ذلك يؤدي إلى زعزعة فن البناء والعمران وكذلك الذائقة الجمالية، العمرانية في المدن التي يهيمن فيها ذلك ضمن العالم العربي.

ها هنا، يُفصح عن نفسه نمط من الفساد الفني العمراني، كما تُستضمر درجة من الاحتجاج الاجتماعي السياسي ضد مَن يقف وراء هذا الفساد. ولْندقِّق في المشهد التالي، الذي يواجه المرءَ في تلك "المدن الظالمة": قصورٌ فارهة يجري تخديمها بكل ما تحتاجه في الداخل والخارج، وأمامها على بُعد مائتي متر مثلاً تقوم أشباحُ أبنية يسكن فيها أشباه بشر يعيشون في بؤس فاحش، ويفتقدون حاجاتهم السكنية والغذائية بالحدّ الأدنى. أما مسافة المئتي متر الفاصلة بين القصور الفارهة وبين أشباح الأبنية فتجد نصفها الأول عامراً بالحدائق والطرق السالكة والمنظمة والنظيفة، في حين تجد ما تبقى من المسافة لجهة أشباح الأبنية غارقة بالقذارات، إضافة إلى الفوضى المدجَّجة بالاضطراب.

إن ذلك الذي رسمنا بعض مفارقاته القبيحة في مدن عربية، لم يأت من العدم، وإنما أسَّست له نظم عربية أمنية تفتقد الرغبة والمال والحافز الذاتي لمواجهته عبر استراتيجيات علمية تعبّد الطريق أمام تقدم بلدانها بمختلِف الاعتبارات. وسوف نلاحظ الحال نفسه في بلدان عربية أخرى تعتاش فيها مظاهر الحداثة الخارجية مع جذور متينة من التخلف، على نحو يُنتج صِيغاً من المفارقات الثقافية والأخلاقية والاعتقادية...إلخ. إن سادة الاستبداد العربي، الذين سقط فريق منهم، مارسوا دوراً زائفاً في عملية التقدم والإصلاح العربي، وما نعيشه الآن تعبير عن ذلك.

------------****************----------------

الإصلاحات في سورية غير مقنعة مع هدير الدبابات .. د.حسن طوالبة

2011-08-09

العرب اليوم

نقول للأخوة العرب ممن يلوموننا على تدخلنا في شأن دولهم إننا أخوة في القومية والدين والمشاعر .

بعد خمسة اشهر من انتفاضة الشعب السوري, التي شملت كل المدن السورية, بما فيها العاصمة دمشق وريفها, يعلن النظام السوري اصدار قانوني الانتخابات والاحزاب. في وقت تتعرض فيه مدينة حماة الى قصف شديد بالمدفعية, يعيد المشهد القديم عام ,1982 عندما دكت المدفعية المدينة اثناء حكم والد الرئيس الحالي بشار الاسد. وفي وقت تحاصر الدبابات مدينة حمص, وبعد تمشيط المدن السورية الاخرى في الشمال والجنوب والشرق, ونزوح الوف العائلات السورية الى دول الجوار خاصة الى تركيا.

جاءت تلك الاصلاحات بعد صدور البيان الرئاسي من مجلس الامن الدولي, الذي ادان فيها أعمال العنف الجارية في المدن السورية منذ خمسة اشهر, ودعا الاطراف الى ضبط النفس وحقن الدماء. ويبدو ان هذه العبارة التي ساوت الضحية بالجلاد,هي نتاج ضغط المندوب الروسي, حتى لا يصدر المجلس قرارا يدين النظام السوري, والقرار لا يستلزم اجماع المندوبين كلهم, اذا لم يستخدم احد الاعضاء الدائمين حق النقض ( الفيتو ).

لكن ما حصل بعد صدور البيان الرئاسي, يثير الخوف والريبة, حيث تحركت الدول الكبرى, واخذت تتشاور حول الوضع في سورية, وكذلك عودة السفير الامريكي الى دمشق, واعلانه عزمه الاستمرار في التجول في المدن السورية, للاضطلاع على الاحداث عن كثب. وهذا بحد ذاته استفزاز جديد يجب ان يأخذه النظام السوري على محمل الجد, كما ان المشاورات بين الرئيس الامريكي اوباما المستشارة الالمانية ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي, تمهد الاجواء الدولية لعمل سياسي جديد. ويساعد في ذلك دعوة روسيا الرئيس الاسد الى وقف العنف في المدن السورية,مما يؤشر ان هذه الدول عازمة على دعوة مجلس الامن الدولي الى الاجتماع ثانية, لاصدار قرار قوي يدين النظام السوري, ويمهد الاجواء الى فرض عقوبات على سورية, والقيام باعمال سياسية واقتصادية وامنية جديدة.

اما اجتماع وزير الخارجية وليد المعلم مع ممثلي السلك الدبلوماسي الاجنبي, واعلانه الاستمرار في الاصلاحات السياسية, وتحميل المعارضة السورية مسؤولية عدم اشتراكها في الحوار الوطني الذي قاده نائب الرئيس في دمشق مؤخرا

وذلك في محاولة من المعلم اقناع روسيا عدم الانجرار وراء الدول الغربية في مسعاها الى اصدار قرار من مجلس الامن ضد النظام.

يعرف النظام السوري ان الولايات المتحدة الان ليس بمقدورها القيام باي عمل عسكري, كالذي حصل في افغانستان والعراق, او كالذي حصل في ليبيا في الاقل, نظرا لما تعانيه من ضائقة مالية شديدة نالت من سمعة اوباما, واجبرته على خفض الانفاق, فالدولة العظمى والاكبر اقتصاديا وعسكريا, صارت اليوم من اكثر الدول مديونية, اذ وصل الدين عشرات التريليونات من الدولارات, كما ان دول الاتحاد الاوروبي غير قادرة على خوض مغامرة جديدة بعد مغامرتها في ليبيا

النظام السوري يعرف هذه الاوضاع الدولية, وتمنحه فرصة الاستمرار في قمع ابناء الشعب السوري المطالب بالحرية والعدالة والمشاركة السياسية. لكن الاطراف الدولية الانف ذكرها لا تعجزها الحيلة لكي تتدخل في الشأن السوري.

وافضل سيناريو يمكن ان يطبق في سورية هو تمهيد الاجواء الى اشعال فتنة طائفية, وحرب اهلية, لا سيما ان النظام قد مهد الاجواء لذلك, عندما ارتكز على فزاعة ( الشبيحة ) الذين يستخدمون السلاح ضد قوات الجيش والامن, وتلك رواية باهتة بكل المقاييس, لان الشبيحة لم يكن لهم وجود قبل الانتفاضة, وكانت المخابرات السورية تحصي انفاس الناس بالساعة,فكيف غابت حركة الشبيحة عن اعين رجال المخابرات, ولم يكتشفوا عناصر الشبيحة. فالحري بالاسد ان يحاسب قيادات المخابرات على هذا التقصير المعيب من مخابرات نالت شهادات امتياز في احصاء الانفاس وتكميم الافواه, وتكسير ايدي الكتاب, وتشريد المعارضين.

النظام يلوم المعارضة لانها لم تشترك في الحوار الوطني الذي اشرفت عليه السلطة وهي اول مرة يعترف النظام بوجود معارضة سورية, لانه كان يصفهم بالخونة وعملاء الاجنبي. والسؤال : لماذا تشكلت هذه المعارضة بهذا العدد, وبهذه النوعية ? لماذا لم يفكر النظام بالمصالحة مع المعارضة من قبل ?. ام انه الاستحواذ على السلطة واحتكارها لطرف واحد دون الاخرين ? اليوم يتكلم النظام عن الحوار, لكنه لم يعرف هذا المصطلح من قبل ?. في حين ان ادبيات الحوار تقول انه " الاعتراف بالاخر. احترامه واشراكه في الحكم."

لقد وصلت الاوضاع في سورية الى المرحلة التي سبق ان حذرنا منها من قبل, وهي فسح المجال امام الاطراف الاجنبية للتدخل في الاوضاع الداخلية السورية.

صحيح ان الدول الغربية لن تتدخل مباشرة في الشأن السوري, لكنها قادرة على اشعال نار الفتنة بادوات محلية وجر البلاد الى سيناريو يريده الاعداء قبل المرائين, الذين في قلوبهم مرض. لا سيما ان الادارة الامريكية أعطت الضوء الاخضر, عندما وصفت الاسد " بانه فقد شرعيته " وهذا مؤشر على فتح الباب على مصراعية لاشعال الفتنة.

لقد تورط الاسد من قبل المحيطين به, ولم تعمل تنظيمات الحزب وفق مبادئه, بل صارت مثل " خيال المآتة ", كما لعبت الاجهزة الامنية لعبتها لتبقى مسيطرة على الاوضاع في سورية. وبالتالي فان سورية والشعب السوري هم الخاسرون.

وازاء هذه الاوضاع المتردية نقول للاخوة في الاقطار العربية ممن يلوموننا على تدخلنا في شأن اقطارهم, اننا اخوة في القومية والدين والمشاعر, واقطارنا تشكل الوطن العربي الكبير, رغم تقسيمه من قبل الدول الاجنبية, ما يتعرض له الاخوة العرب يهمنا, ويجب ان نقف معهم, ونقول ملعون من لا يقف معنا اذا تعرضنا للظلم من حكومتنا, فهمنا واحد ومصيرنا واحد ولانقبل هذا التقوقع القطري المقيت.

------------****************----------------

الدم السوري يفرض التغيير .. زياد ماجد

يخوض الشعب السوري منذ أكثر من 130 يوماً ثورة ضد نظام دكتاتوري هو الأعتى والأكثر دموية في المنطقة.

يواجه آلة صمّاء متمرّسة في سفك الدماء، ويصرّ رغم كل المآسي والآلام على سلمية انتفاضته مبتكراً في ظلّها أشكال تعبير سياسي وثقافي وفني وتضامني مدهشة في غِناها، وفي قدرتها على محو آثار عقود من القمع والكبت والخوف ببضع كلمات وشعارات ونشاطات.

على أن الشعب السوري يواجه أيضاً منذ انطلاق ثورته وضعين عربيّين ودوليّين بالغي التعقيد.

فعربياً، تعاملت أغلب الحكومات مع الوضع السوري على أساس الحياد أو دعم النظام لأسباب مردّها الخوف أو الانشغال بقضايا وتحدّيات داخلية أو الأخوّة في الاستبداد.

ودولياً، آثرت جميع الأطراف النأي بنفسها عن المواقف الحادة ضد النظام ورئيسه، وهو ما يُعدّ استمراراً في الاعتراف بشرعيّته رغم التنديد بسلوكه، وفضّلت إعطاءه فرصة "لينهي" الاحتجاجات من جهة ويقوم ببعض الإصلاحات من جهة ثانية. وأسباب الحذر الدولي هذا مرتبطة بعاملين أساسيين: الأول، موقع سوريا الجيو-سياسي وحدودها مع تركيا والعراق وإسرائيل ولبنان، والخوف من تراجع قدرة السلطة المركزية فيها على ضبط هذه الحدود وما يعنيه الأمر أمنياً، خاصة بالنسبة لإسرائيل. والثاني الخلافات التي يمكن أن يحدثها الموقف من سوريا بين الكتلة الغربية من جهة والصين وروسيا من جهة ثانية، مما قد ينسحب على قضايا عدة يحرص "الغرب" على التفاهم حولها منها إيران وكوريا الشمالية والجوار الروسي غرباً، ومنها أيضاً ليبيا التي صارت مأزقاً سياسياً وعسكرياً يصعب التعامل معه من دون تفويض أممي جديد يبدو صعب المنال.

لكن هذه الصورة بدأت بالتغيّر عربياً ودولياً منذ عشرة أيام. ويجوز القول إن مجزرة حماة عشية رمضان والمجازر التي تلتها في أيامه الأولى في دير الزور والحولة والعديد من المدن والبلدات شكّلت نقطة التحوّل الأساسية. ذلك أن فيديوهات الناشطين وصورهم كما شهاداتهم وثباتهم رغم الموت والنار، مترافقة مع الدعاية الرقيعة للنظام السوري وتشويهه الفاضح للأمور، دفعت أكثر من طرف الى القول إن الصمت لم يعد ممكناً وإن الوضع الحالي المرشّح للاستمرار صار بذاته مقلقاً أمنياً وسياسياً. وهذا ما أدّى الى تصاعد المواقف الاوروبية والأميركية والتركية المندّدة ، وتغيّر النبرة الروسية بعض الشيء، ثم الى كلام ملك السعودية واستدعاء دول مجلس التعاون الخليجي السفراء في دمشق "للتشاور".

ولا يمكن بعد بدء التحوّلات هذه، وبعد صدور البيان عن مجلس الأمن رغم هزالته، أن تعود الأمور (دولياً على الأقل) الى الوراء، أو أن يعود الصمت المتواطئ ليسود من جديد. ثمة مسار تصعيد ديبلوماسي واقتصادي سيتطوّر ضد النظام السوري في الأيام والأسابيع المقبلة على الأرجح. والأهم من ذلك، ثمة شعب لم يثنه صمت العالم عن مواجهة القمع بصدوره العارية، فكيف وهو صار اليوم يجد لبعض معاناته صدى في أكثر من بلد ومحفل؟

هو الدم السوري الغزير يفرض نفسه إذن، ولا حرج من أي موقف عربي أو دولي ضاغط على النظام الذي هدره. فالثورة السورية استمرت لأشهر قبل هكذا موقف وستستمر من بعده، ووحشية النظام وهمجيته سابقة عليه ولاحقة، وما يهم اليوم هو فقط تقليص المسافة الفاصلة سوريا عن الحرية، وبأقل كلفة ممكنة...

------------****************----------------

بسم الله الرحمن الرحيم

"يا للعار" .. سالم الفلاحات

Salem.falahat@hotmail.com

إلى الغافلين الذين لن يغفل الله عَنْهم، ولا تنام عين العدل عن مكرهم وتزويرهم وتضليلهم ورقصهم على جراحات المواطنين السوريين الذين لم يرفعوا سوى الكلمات والأقلام والأنات والصرخات م وبقايا جثث أطفالهم المقطعة وحناجر شبابهم المنزوعة بالأسلحة الوطنية الممانعة

 واحتفالاً بهذه الانجازات العروبية توجه عروبيون أردنييون لدعم النظام السوري وتأييده لتوسيع دائرة تدميره للمدن السورية واقتحامه للبيوت الآمنة

 يا للعار

يخافون على دبابات النظام ومدافعه وطائراته من صدور الشَّعْب العارية ومن أصابع الأطفال الرفيعة ومن صْولِة الحرائر السُّوريات المستضعفات

السوريون لا يستعدون لرؤية هلال رمضان إنما لرؤية الجيش( العربي السوري)!! من أين سيدخل على بيوتهم السوريين لقتل بعضهم واعتقال البعض الآخر وزرع المزيد من القناصة في كل مكان

يا للعار

ما الفرق بين قتل المواطن الفلسطيني بيد صهيونية وقتل المواطن العربي السوري أو الليبي أو اليمني بيد عربية قومية، فالقتل قتلٌ وجريمة ٌليس بعدها جريمة، ومن قتل مواطناً ظلماً وعدواناً فلا يقبل منه صرف ولا عدل ولا توبة له هو خالد في النار والعياذ بالله " مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً" "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا "

وعلى ماذا ستفطرون أيها الصائمون عن قول الحق ؟ الله امركم أن تصوموا عن الطعام والشراب والمباحات، لكنه حرم عليكم الصيام عن شهادة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حرم عليكم قول الزور والعمل به وإلاّ فلا صيام ولا صلاة

يا للعار

هل رأى الوفد الدبابات الممانعة في درعا أم في الجولان ؟ ألا تضل الطريق ولو مرة واحدة وتذهب حيث المحتل الغاصب للجولان ؟خلال ما يزيد عن اربعين عاماً ،إنها لا تعرف إلا طريقاً واحداً هو الطريق إلى بيوت أهل درعا وحماة والبوكمال ودير الزور

 يا من تترقبون هلال رمضان في بلاد المسلمين لتحديد بداية الشهر، هذه السنة تثبت الرؤيا بالعين المجردة ليس لهلال رمضان إنما لجنازير الدبابات وفوهات المدافع والرشاشات وبنادق القناصة التي تطلع من كل ثنية في سوريا

يا للعار

كنا في كل عام مضى نتحسر على أهل فلسطين الذين ينتظرون مدافع الافطار محشوَّةً بالمتفجرات توجه إلى نحورهم من عدو الانْسَانية وعدوهم ، أما هذا العام فهي مدافع عربية الشكل والمظهر فقط ، تتكلم بلساننا ومن ابناء جلدتنا لكنهم مردوا على أمتهم وخرجوا على ملتهم وانقضوا على شعوبهم إنهم ينحرون في كل يوم المئات ويروعون الملايين ويحظون بصمت عربي وعالمي غير مسبوق بل بتآمر دولي وعربي ظاهر للعيان

إنَّ نصرة المظلوم الضعيف هي الرجولة والشجاعة أمَّا التزلف للطغاة انتظاراً لصُررهم ومغلفاتهم واعطياتهم فذاك منهج المتسولين الذين يؤجرون حتى أقلامهم وألسنتهم وقاماتهم

الشعوب العربية كلها ستكسب الجولة وإن كانت تضحياتها كبيرة حفظ الله دماء الشعوب، ولعناته على سفاكيها وقد جاء في الحديث الشريف

"عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَعَانَ عَلَى سَفْكِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَتِي . "

 ما رأيكم؟ ويا للعار!!

------------****************----------------

ثلاثية الثورة السورية وثوابتها (1 ) .. محمد حسن فقيه

سلمية الثورة

تبنت الثورة السورية منذ انطلاقتها في ربيع آذار ثلاثة ثوابت توافق عليها جميع الناشطين والمتظاهرين والداعمين والأنصار والمؤيدين في الداخل والخارج ، رغم محاولات النظام اليائسة ، وردات فعله الغاشمة ، وتحركاته وعملياته المتهالكة ، لحرف مسار الثورة عن أهدافها ومبادئها وثوابتها الوطنية ، بهدف تشويه صورتها ، واتخاذ أي ذريعة للنيل منها ، وجرّها إلى المجهول .

وقد تمثلت هذه الثوابت والمبادئ الثلاثة في :

*( سلمية الثورة ) وعدم استخدام السلاح .

* ( وطنية الثورة ) ورفض تدخل الأجنبي والإستقواء بالخارج .

* ( شمولية الثورة ) ووطنيتها ، بعيدة عن أي شعار طائفي أو اثني أو مذهبي .

الثابت الأول : سلمية الثورة - لا ...... لإستخدام السلاح .

خرج المتظاهرون من بداية الثورة إلى يومنا هذا بصدور عارية يهتفون ضد النظام وينادون بالحرية والكرامة ، لا يملكون غير حناجرهم التي تصدح بمطالبهم العادلة وأياديهم التي ترفع الشعارات الوطنية التي يحلمون بها ويطالبون بتحقيقها .

حاول النظام من الوهلة الأولى أن يجرّم هؤلاء الثوار الأحرار الذين تحدّوا بطش النظام وهمجيته الوحشية في التصدي للتظاهرات السلمية والمطالب المشروعة في الحرية والعدالة والكرامة والإنسانية وحقوق المواطنة المتساوية ، فبدأ النظام بكيل الاتهامامات الكاذبة ، وتدبيج الفبركات الإعلامية المضللة ، زاعما وجود عصابات مسلحة حينا ،أو عناصر مندسة مدعومة من الخارج حينا آخر، وكم تخبط النظام وأبواقه الإعلامية لتحديد هذا الخارج وهوية هذه العصابات المسلحة والطرف الثالث المزعوم ، فمرة دخل من لبنان ، وأخرى انسل من الأردن ، وثالثة اندس من تركيا أو تسلل من العراق ! بعد إعلان النظام المزعوم عن ضبط أسلحة مهربة من العراق للثوار في سورية ! وهذا بالطبع قبل تعميم الأوامر من ولي الفقيه لربيبهم المالكي بالوقوف مع النظام السوري، ودعم اقتصاده المنهار بمليارات الدنانير، وحماية حدوده .

 ولا أظنه خاف على أي محلل أو متابع الموقف ( الإنقلابي )الجديد لحكومة المالكي المخزي من الثورة السورية ، متناغما مع موقف سادته في قم وطهران وزملائه من أتباع حسن نصر الله في جنوب لبنان ، وتطوعه بحراسة حدود سوريا الشرقية ، وقد كان بالأمس يشكو من عدم ضبط حدوده مع سورية ويتهمها بتسهيل تسلل الإرهابيين وتصدير الأسلحة والمخربين إلى بلاده ، وها هو اليوم يتطوع بحماية حدود نظام البعث السوري ، والذي يطالب باجتثاثه في بلاده ، لمنع تسلل أو هروب الأطفال والشيوخ والنساء عبر الحدود من قمع النظام السوري وبطشه ، أو من قصف مدافعه ونيران دباباته ، التي تركت الجولان وحدود الجبهة مع إسرائيل ، وديعة برسم الأمانة عند الأحباب والأصحاب من المحتلين آل بني صهيون ، وأرسلت بجيوشها ودباباتها لمحاصرة أبناء الوطن من درعا فحمص إلى جسر الشغور ، ثم إلى حماه ودير الزور فالبوكمال ... لتحريرها من - العدو الحقيقي - الشباب الثائرين الأحرار، وكتم صرخات الحق المدوية في شتى أنحاء سورية وبقاعها ، في سهلها وجبلها وغابها وباديتها وريفها ومدنها وعربيها وكرديها ومسلمها ومسيحيها وجميع أبناء طوائفها ومذاهبها .

 لقد حاول النظام جرّ الشباب المتظاهرين إلى استخدام السلاح منذ الأسبوع الأول من انطلاقة الثورة السورية والتظاهرات في درعا ، وذلك باستخدامه العنف المفرط ، وتوجيه العبارات الاستفزازية ، والتصرفات المتعجرفة العنجهية من ضباط ومسؤولي الأمن ، بزعامة قريب بشار المدعو عاطف نجيب السيئ السمعة والذكر ، في مجتمع فطري محافظ ، يغلب عليه الطبيعة العشائرية ، وتتمثل فيه نخوة الرجال والشهامة العربية وأخلاق الأباة الأحرار، الذين يرفضون الذل ويأبون الضيم ، ويبذلون أرواحهم رخيصة في سبيل مبادئهم ، والذب عن كرامتهم ، والذود عن حياض ممتلكاتهم ، والدفاع عن حرماتهم .

مع كل هذا الأستفزاز ومحاولة الإذلال والإهانة قام عناصر أمن النظام برمي السلاح على المواطنين في درعا بتمثيلية محبوكة ، ظاهرها التعاطف بين عناصر النظام وبين المواطنين المتظاهرين ، وحقيقتها توريط الشباب المندفع باستخدام السلاح ، ليتخذ النظام ذريعة لأعماله الإجرامية من قتل وبطش وانتقام ، وكرر مثل هذه المسرحية المغرضة في حمص ... وغيرها .

ثم أكمل تلك المحاولة الفاشلة بمسرحية هزيلة التأليف والإخراج ، عندما اقتحم المسجد العمري في درعا بعد محاصرته وقتل الشباب المؤمنين المعتصمين بداخله مع الجرحى والطاقم الطبي الذي كان يعالجهم ... ثم قام بعد ذلك بتصوير أسلحة جديدة بجانبهم لم تستخدم ، وعلب ذخائر للسلاح مختومة لم تفتح ، ورزما من أموال مرمية بجانبهم ! ! .

* كما برز ذلك أيضا بإرسال عناصر أمن النظام لدعم الشبيحة بالسلاح في دير الزور .

 حيث تم القبض عليهم مع الأسلحة التي بحوذتهم ، وأدلوا باعترافاتهم المسجلة والتي أكدوا فيها أنهم قد أحضروا السلاح لدعم الشبيحة في ديرالزور لخلق فتنة بين المواطنين ، تستدعي الرد على الشبيحة بالمثل ، من بعض الشباب الثائرين والمندفعين ، في مجتمع هو الآخر عشائري يعتز بعروبته ويفخر بقيمه وأعرافه ، ولا يقبل الذل والضيم من عناصر الشبيحة .. والذين في حقيقة الأمر والتي يعرفها كل سوري شريف ، ما هم إلا سقط الأمة وسفلتها ... كان أغلبهم من المجرمين ومهربي المخدرات ونزلاء السجون ، أفرج عنهم النظام ومنحهم حريتهم ، مقابل اصطفافهم معه ضد أبناء الوطن من الأحرار والشرفاء الأباة ...

هذا ما يريده النظام ويلعب عليه لينتقم من أبناء الشعب الشرفاء الذين رفضوا الذل والهوان وتمردوا على الاستبداد والاستعباد ، وهتفت حناجرهم بنداء الحرية والكرامة .

* مثلها فعل النظام في جسر الشغور من تصرفات استفزازية وإذلال واغتصاب وقتل للمدنيين لنساء وأطفال ، وتدمير المدينة ونهب المحلات وتخريب المتلكات ، ثم انتقل خارج المدينة ليقوم بحرق المحاصيل وقتل البهائم العجماء انتقاما وحقدا واستفزازا .

 هذه المدينة التي لم تسلم من مجازرهم الوحشية والمحاكمات العسكرية والإعدامات الميدانية في ثمانينيات القرن الماضي ، إلا أن ضباط الجيش الأحرار- هذه المرة - والذين كانوا يرقبون المشهد ، ووجهوا إنذارهم للأمن والشبيحة عدة مرات دون أن يرتدعوا أو يكفوا عن القتل وإذلال المدنيين ، فقام ضباط الجيش الأحرار بالتصدي لهم ... وتلقينهم درسا قاسيا ارتعدت لها فرائص هذا النظام الجبان ، فصب جام حقده وغضبه على هذه المدينة الجريحة ، فهرب معظم سكانها إلى القرى المحيطة ، أو طلبوا اللجوء داخل تركية بعد أن تحولت الجسر إلى مدينة أشباح .

يبقى السؤال الرئيسي والملحّ ، والذي يتردد من كل حدب وصوب .... إلى متى ؟ !

إلى متى سيبقى المجرمون القتلة من عصابات أمن النظام وشبيحته يقتلون ويدمرون ويروعون العزل والآمنين ، ويعتدون على المتظاهرين ويذلون الشيوخ والنساء ، ويستهدفون الأطفال ، ويعتقلون المثقفين والأحرار ، ويخطفون المتظاهرين ، ويصفّون الناشطين ... وتبقى الثورة سلمية ؟ ! .

إلى متى سيبقى هذا الشعب المنكوب بهذا النظام المجرم الدموي ، صابرا على قصف الدبابات ودك المدافع العشوائية لبيوت المواطنين الأبرياء العزل ، في حماة ودير الزور وحمص ودرعا وإدلب والحولة والزبداني والمعضمية وكناكر وتل كلخ والقصير والرستن و.....

إلى متى يمكن أن يبقى هذا الشعب الذبيح يصبر على كل تلك الجراح والمصائب والآلام ... وسط صمت عربي ودولي مخز ومهين ، ير ى المجازر والمذابح والانتهاكات الصارخة كل ساعة ولحظة من كل يوم ، في جميع مدن سورية وهو يقف موقف المتفرج .

لقد برهن هذا الشعب الذي خرج بصدور عارية وهامات مرفوعة وأيد ممدودة بالحب والسلام لجميع أبناء الوطن ومكوناته ، وأوصل رسالته السلمية للعالم أجمع مطالبا بأبسط أهدافه المشروعة ، من حريته المصادرة ، وكرامته المهدورة ، وحقوقه المسلوبة .

فإلى متى سيبقى هذا النظام مكابرا وهو يصر على إجرامه وصلفه ونفاقه ودجله ، وهو يعلم حقيقة هذا الشعب الثائر ومطالبه المشروعة والعادلة ، وقد انحاز إليه جميع أبناء الشعب المقهورين ، ولم يبق في صف هذا النظام البائس سوى العصابة المجرمة المتحكمة ، وزمرة الفتات المنتفعين ، وشلة اللصوص الفاسدين ، ورهط من الجبناء والإمعات الخائفين .

ألن يرعوي هذا النظام المجرم ويكف عن المجازر وسفك الدماء الطاهرة الزكية بحق شعبه ، وقد تفوق على همجية هولاكو وإجرام نيرون ؟ .

 وإلى متى سيبقى العالم المتمدن ومنظمات حقوق الانسان والمجتمع الدولي يتفرج عل هذه المذابح ولا يكبح جماح هذا النظام الدموي المجرم ...

وإلى متى سيبقى الجيش الوطني حماة الديار يدافع عن عصابة المافيا ، توجهه أحهزة أمن النظام الفاسد ، وتهدده عصابات الشبيحة المنحطة ، وتقنصه العصابات السوداء المستوردة من طهران وأذنابها في جنوب لبنان ؟

متى سيصحو هذا الجبش ويهب للقيام بدوره الحقيقي الموكل إليه من حماة الديار وحماة الأوطان ، بدلا من قمع الشعب وتدمير الوطن للحفاظ على مافيا الفساد والاستبداد التي تحتل البلد وتذل أبناءه ؟ !

هل تكفي صور القمع والقتل على الفضائيات التي تعري عصابة الحكم وتفضح إجرامها لمواجهة مدافعها ودباباتها ، ولوكانت بعض الصور حينا أقوى من قذيفة الدبابة والمدفع ، إلا أن الشعب والمجتمع الدولي يتعامل مع عصابة ينطبف عليه قول : ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ، بعد أن نزع منها الحياء وتجردت من كل القيم والأخلاق ... والأعراف ,,,,,,,,,,,,و الانسانية ؟ّ

هل يمكن أن يبقى الشعب المثخن بالجراح صابرا ومتحملا هذا الوضع المأسوي ، رافضا استخدام حقه المشروع في جميع الأعراف والأديان بالدفاع عن النفس ضد القتل والقمع والظلم والبطش وسفك الدماء ؟ .

لقد صبر هذا الشعب وصابر كثيرا ... ولكن كما يقال : ( للصبر حدود ) ! .

وقد تجاوز هذا النظام في ظلمه وعسفه وتنكيله ضد شعبه الأعزل .. كل الحدود ! .

------------****************----------------

حديث طائفي من القلب

(إلى العلويين الشرفاء وابناء الطوائف الأخرى – من هنا و هناك)

ما يزال النظام يخوّفكم منّا فيقول لكم إننا طائفيون. . .

نبشركم أنا نحن كذلك, نحن طائفة وهو طائفة، وقد أعلنّا عليه وعلى طائفته الحرب، ثم مددنا إليكم أيديَنا ندعوكم إلى طائفتنا، وكلنا ثقة أنكم سوف تنحازون إلى خير الطائفتين كما يفعل كل شريف.

فأما نحن, فطائفة المظلومين والمحرومين والمقهورين، وأما هو فطائفة الظالمين والفاسدين والمعتدين. نحن طائفةٌ فيها أخيارُ سوريا من عرب وكرد وآشور وسريان ومن سنّة ودروز وعلويين ومسيحيين وشيعة، والنظام طائفة فيها أشرار سوريا من عرب وكرد وآشور وسريان ومن سنّة ودروز وعلويين ومسيحيين و شيعة... وإني أعيذكم أن تنحازوا إلى طائفة الشر وتتخلوا عن طائفة الخير، أعيذكم أن تُقبلوا على المجرمين وتستدبروا شرفاء الوطن.

يا أيها العلويون الشرفاء: لقد استغلتكم عصابة شريرة لتساعدوها على سرقة البلاد كما استغلّت جموعاً غيرَكم من سُنّة سوريا ودروزها ومسيحييها، وخدعتكم كما خدعتهم لتؤسس مجدَ عائلة على حساب أمة، وما زالت تلك العائلةُ تكبر وأنتم والأمة تصغرون حتى صار الناس واحداً من اثنين: أبناء عائلة حاكمة تملك كل شيء، أو محكومين يتوزعون على طبقتين: خدم وعبيد. فهل يرضيكم هذا الحال ويسرّكم هذا المآل؟

يا أيها العلويون الشرفاء: إنهم يخدعونكم فيوهمونكم أنكم لنا عدوٌّ لأن لكم مذهباً غير مذهب الأكثرية. وكذبوا، فما عدوّنا إلا النظام ومن أعان النظام، وإنها قد تميّزت الصفوف وانحاز كل واحد من الناس إلى إحدى الطائفتين: عدو يقف مع النظام -ولو كان سنياً أو علوياً أو مسيحياً أو كائناً ما يكون- وصديقاً هو في صف ثورة الحرية والكرامة.

يا أيها العلويون الشرفاء: إنهم يخوّفونكم بالأغلبية السنّية فيقولون لكم إن مصيركم الفناء لو أن سلطان عصابتهم ضاع، فكأنهم لو لم يكونوا ما كنتم. وكذبوا، فلقد كنتم من قبل أن يكونوا، عشتم وعشنا معاً في وطن واحد القرونَ الطِّوال، ولو كانوا صادقين ما عاش لكم بين أظهر أجدادنا جَدٌّ ولا كان أحدٌ منكم يقرأ اليومَ هذه الكلمات!

يا أيها العلويون الشرفاء: ثقوا أن عصابة الإجرام في بلادنا إلى زوال؛ لقد خرج المارد من القمقم وأقسم أنه لا يعود، فضمّوا صفوفكم إلى صفوف الثائرين ولا تكونوا ظَهيراً للجلاّد على الضحيّة، أقبلوا على طائفة الأحرار الأخيار وانبذوا طائفة القَتَلة المجرمين، فإنّا نحتاج اليوم إلى دعمكم لطيّ صفحة الأمس المظلم، ونحتاج إلى جهودكم غداً لبناء سوريا الغد المشرق.

يا أيها العلويون الشرفاء: أنتم أكبر بكثير من عصابة آثمة، أنتم أكبر من عائلة الأسد، وهذا يوم من أيام التاريخ سيُكتَب لكم أو عليكم، فلتكن الأولى لا تكن الثانية. لقد لوّثَت هذه العصابةُ سمعتَكم واستغلتكم طويلاً وركبت ظهورَكم، فجَنَتْ هي الخيرَ الكثير والربحَ الوفير ورمت لكم بالفُتات، فانفضوها اليوم عنكم واهتفوا: لا تلويث ولا استغلال بعد اليوم... ونحن بانتظاركم لتركبوا معنا قطار الحرية والكرامة يا أيها الشرفاء.

و لكم في تاريخ تلك الطائفة عبرة:

لم يكن يدري الضباط الناصريون شركاء الضباط البعثين في حركة 8 آذار أنهم سيعدمون على يد رفاقهم في الثورة.

ولم يكن يدري محمد عمران رئيس اللجنة العسكرية البعثية (عدس) في حركة 8آذار أنه سيتم اقصائه في 1966 و من ثم إغتياله على يد رفاقه باقي أعضاء اللجنة ( صلاح جديد – حافظ أسد – سليم حاطوم – عبد الكريم الجندي).

ولم يكن يدري سليم حاطوم أنه سيعذب حتى الموت على يد باقي الرفاق عام 1968.

أما عبد الكريم الجندي فقد أدرك أنه سيلقى نفس مصير سليم حاطوم عندما حاول صلاح جديد و حافظ الاسد إلقاء القبض عليه فإنتحر.

و صلاح جديد لم يدر في خلده يوما أنه سيموت مع يوسف زعين (رئيس الوزراء) ونور الدين الاتاسي (رئيس الدولة) في سجن حافظ الاسد الذي انقلب عليهم في عام 1970.

صلاح الدين البيطار و أكرم الحوراني ميشل البيطار مؤسسوا حزب البعث لم يكونوا يدرون أنه سيتم اقصائهم بعد الثورة مباشرة واغتيال الأولين من قبل اللجنة العسكرية البعثية (عدس) وهرب رفيقها الثالث الى العراق .

و جمال الاتاسي (عضو قيادة قطرية في حزب البعث عام 1970 – إنشق و أسس حزبا مسقلا و منتدى الأتاسي عام 1973) لم يكن يدري أن زبانية ابن حافظ الاسد سيعتقلون ابنته سهير (الناشطة في مجال حقوق الانسان) فقط لانها طالبت بالحرية .

و لا يسعنا الحديث عن آلاف الضباط و الرفاق البعثين الذين كانوا من صناع حركة 8 آذار 1963 و إنقلاب 1970 و أعدموا أو قتلوا أو زج بهم في السجون في محطة من محطات ثورة الغدر و ما أكثرها.

لا تغدر فيغدر بك.

لا تظلم فتظلم.

لا تسكت عن الظالم فيظلمك فيما بعد.

لا تسكت عن القاتل فيقتلك فيما بعد

------------****************----------------

نبيل العربي جاهل أم يتجاهل؟! .. محمد فاروق الإمام

قيل قديماً: إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.. هذا المثل ينطبق على السيد نبيل العربي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية الذي خرج علينا يوم أمس 8 آب الحالي بتوصيف للأزمة السورية تنم عن جهل بالواقع السوري وقراءة قاصرة عما يجري على الساحة السورية من أحداث دموية منذ خمسة أشهر (شعب يتظاهر سلمياً مطالباً بالحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية ونظام يحاصر المدن ويدمر ويعتقل ويقمع بوحشية بهيمية ما سبقه إليها أحد).

نبيل العربي خرج علينا ليصف الحالة السورية وما هي عليه بقوله: (الوضع السوري معقد ويدعو إلى التشاؤم).

وأوضح العربي خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الممثل الخاص للاتحاد الأوروبى لجنوب المتوسط برناردينو ليون إن "المواثيق العربية والالتزامات النابعة منها والتي تتعلق باحترام حقوق الإنسان تنطبق على جميع الدول العربية التي وقعت والتزمت بهذه المواثيق". غير أن الجامعة العربية "ليس من مهامها التدخل لمنع استخدام العنف ضد المدنيين". وأضاف "لا تتوقعوا إجراءات حاسمة من الجامعة، وإنما توقعوا تحركا خطوة خطوة يعتمد على الإقناع". وحول الأحداث الدامية الأخيرة في سورية، قال العربي: إن "ما يجري في سورية يقلق الجامعة العربية ويقلق الدول كلها لأن سوريا دولة قديمة ودولة توجد بها مؤسسات ولها دور ومركز في المنطقة ونرجو أن تتمكن من التغلب على الأزمة الراهنة بوسائل سلمية وبدء حوار جدي لإجراء المصالحة المطلوبة مع أفراد الشعب".

السوريون لم يراهنوا على الجامعة العربية يوماً لنصرتهم إنما كان رهانهم على الشعوب العربية وبعض القادة الوطنيين العرب الذين يستشعرون بوجع السوريين وآلامهم وما يتعرضون له من قمع وحشي على يد نظامهم السادي الحاكم، وكانوا ينتظرون من أمين عام الجامعة العربية الجديد الذي احتل هذا المنصب بدعم من ثوار ميدان التحرير أن يكون أكثر صراحة ووضوح مع النظام السوري، وأكثر معرفة بالواقع السوري وحقيقة النظام الحاكم الذي أمسك بعنق السلطة بطريق غير شرعي منذ البداية عبر انقلاب عسكري، وأخيراً عبر توريث في دولة ذات نظام جمهوري، في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم.

أما عن قوله أن سورية توجد بها مؤسسات ولها دور ومركز في المنطقة فهذا كلام ينم عن جهل بواقع الحال التي عليها سورية في ظل حكم حزب البعث الشمولي وإمساك آل الأسد بالسلطة والثروة، وأن كل ما في الدولة السورية من مؤسسات تُختزل بالمؤسسة الأمنية التي تبسط هيمنتها على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، إضافة إلى سلطة الحزب المتمثلة بالقيادة القطرية التي تُعين من قبل المؤسسة الأمنية كما هي الحال بالنسبة إلى السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكل هذه السلطات محمية بجيش أسس على أن تكون مهمته الدفاع عن النظام وليس الدفاع عن الوطن، وهذا تؤكده كل الوقائع على الأرض حيث يقوم الجيش الذي أدار ظهره للعدو الصهيوني بكامل عتاده وأسلحته، ليقوم بتنفيذ المهام القذرة التي يرسمها جهاز الأمن له، من محاصرة المدن واجتياحها وقصفها وقتل المواطنين وترويع الأطفال والنساء والشيوخ.

أما عن دور سورية الإقليمي الذي تحدث عنه السيد نبيل العربي بغموض وجهل أو تجاهل كان دوماً دوراً قذراً يقوم على الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار والتحالف مع كل أعداء الأمة بدءاً من التحالف مع إيران على العراق والتحالف مع الولايات المتحدة على ضرب العراق، ثم تقديم كل التسهيلات اللوجستية والمخابراتية للقوات الأمريكية التي غزت العراق، وتدريب وتسليح مقاتلي حزب العمال الكردستاني وتسهيل دخولهم الأراضي التركية لقتل الأتراك وإشاعة البلبلة والفوضى داخلها، إضافة إلى عمليات تهريب السلاح ومختلف البضائع لضرب الاقتصاد التركي.

حتى القضية الفلسطينية لم تسلم من قذارة هذا النظام وقد تاجر بها لسنين طويلة، وهو من أجبر ياسر عرفات وفصائل المقاومة الفلسطينية على الخروج من لبنان بعد أن عجزت إسرائيل عن فعل ذلك عبر حربين مدمرتين شنتهما على لبنان، والقضاء على المقاومة اللبنانية الوطنية الشريفة والانحياز إلى طائفة ذات لون واحد، وتسليحها وتدريبها لتكون يده التي تبطش في لبنان من دون كل الطوائف الأخرى التي يتشكل النسيج الوطني اللبناني منها، والوقوف وراء اغتيال وقتل العديد من رجالات لبنان الوطنيين الذين رفضوا أن يكونوا أزلاماً أو خدماً له.

أما عن دعوة العربي إلى الحوار الجدي الذي يجب أن يقوم بين المعارضة والنظام والمصالحة مع الشعب فهذا كلام أصبح من الماضي، فكيف تقوم مصالحة أو حوار بين جلاد أسال الدماء حتى الركب وضحية دفعت الثمن باهظاً في طلب الحرية والكرامة؟!

فإن كان نبيل العربي جاداً في إنهاء الأزمة السورية فعليه الطلب إلى النظام بشكل واضح وصريح، بأن يقوم بتسليم السلطة بشكل سلمي وعاجل إلى مجلس مؤقت يختاره الشعب السوري دون أي ضغوط خارجية أو داخلية، ويرحل قبل أن يعجز عن إيجاد طريق للفرار من قفص العدالة الذي ينتظره إن عاجلاً أو آجلاً.

------------****************----------------

أهلي ليسوا مجرمين... حسان القالش *

الثلاثاء, 09 أغسطس 2011

الحياة

ماذا فعلت عربين لتستحق كل هذا العنف والقتل والإذلال من طرف النظام؟ الشيء الوحيد الذي قام به أهالي بلدة عربين هو خروجهم إلى الشارع للتظاهر السلمي، طلباً للحرية، وإسماعاً لأصواتهم المكبوتة طيلة عقود. هذا هو الذنب الوحيد الذي ارتكبته. غير هذا، لا البلدة عُرف عنها تاريخ جنائيّ، ولا كان أهلها من المجرمين.

على العكس من ذلك تماماً، هذه البلدة هي مثال حيّ للمجتمع المنتج، فالكل يعمل، المرأة والفتاة والفتى والرجل. فمن هذه البلدة خرجت صناعة «قمْر الدّين» إلى العالم. كل كأس من شراب المشمش الشهير يُفطر عليه صائم في أي مكان في الدنيا، جاء من هذه البلدة. ومن تحت أيدي صنايعيّتها وحرفيّيها خرجت أجمل قطع المفروشات الخشبيّة الكلاسيكيّة، الحفر والعجمي والموزاييك، الآيلة للاندثار اليوم. الداخل إليها يسبح في بحر من الروائح، رائحة الخشب في الورشات المتوزّعة بين البيوت. رائحة اللبنة والجبن والمخلّلات والمكدوس وقمر الدّين التي تشتغلها نساء البلدة داخل بيوتهنّ. رائحة الخبز المشروح الرّقيق الذي ترسله زوجة عمّي المكافحة إلى السوريين في السعوديّة والخليج، لتبني شقّة لابنها على سطح المنزل.

نعم. أنا من عربين، وعربين لم تقترف ذنباً حتى تُعاقب وتُذلّ. لم تفعل شيئاً ضدّ هذا النظام، ولم تؤذ الدولة البعثيّة في أي يوم من تاريخها. قبل نحو خمس سنوات، قُبض على مجموعة من فتيتها الصّغار بتهمة الإرهاب. هُم كانوا لعبة بيد شيخ من حلب يعمل بعلم أجهزة الأمن ويجنّد الشباب ويرسلهم إلى العراق. حتى اليوم لا نعرف من ضحّى بأولئك الفتية، ولأي أسباب تمّ الإيقاع بهم. أهالي البلدة، من جهتهم، لم يتركوا سبيلاً إلا وسلكوه طالبين الإفراج عنهم، وفي كل مرّة كانوا يتلقون الوعود بذلك. هكذا إلى أن بدأت الانتفاضة الحاليّة فخرج العرابنة وطالبوا بكراماتهم وبأولادهم: لن نمشي «الحيط الحيط» بعد الآن، سنستمرّ بالتظاهر إلى أن يخرجوا. وعدوهم بذلك. سيفرجون عن أولادهم، لكنْ بعد فوات الأوان، أي بعدما نكثوا بوعودهم مرات ومرات، وبعد حملة تأديبيّة قاسية.

بدلاً من أن يبحث النظام عن مصالحة مع بسطاء الناس، كأهالي عربين، قدّم عرضاً سخيّاً بالقوة والعنف والتنكيل والإهانات. حاصر عربين مدّة من الزمن، وأقام الحواجز الأمنيّة على مداخلها. اقتحم بيوت الآمنين. انكشف رجاله المتوحّشون على نساء متديّنات ومحافظات. «قشّوا» كلّ رجل وقع في طريقهم. هذه هي الطريقة التي حاور بها النظام مواطنيه الضعفاء. ويعود اليوم، في رمضان إلى السيناريو ذاته.

على أن النظام وإعلامه الحربيّ الفاشل عاجزان عن إقناع أحد بأن في عربين عصابات مسلّحة. هذه البلدة ليست شارعاً في مدينة كبيرة مختلطة، هي أقرب إلى قرية كبيرة يعرف أهلها بعضهم جيّداً، ويعرفون ما يجري في بلدتهم. والحال في عربين لا يختلف عن أحوال غيرها من بلدات الريف الجريحة، في قطنا ومعضّمية وجديدة عرطوز وغيرها من مدن وبلدات سورية. والراهن أن النظام إنما يريد خلخلة الأساسات الصّلبة للمجتمعات، بسلوكه العنيف واحتقاره لها. وهو يعلم، خصوصاً جناحه العسكري والأمني، أن الدم المسفوك على الأرض في عربين وغيرها، الدم الرخيص في عيونه وعيون إعلامه، إنما يُذهب العقول. فكفى لعباً بالنّار.

* صحافي وكاتب سوري

------------****************----------------

على حبيب وخلفيات إقالته.. جلال-عقاب يحيى*

كتبت البارحة مقالاً بعنوان: كيف؟، ومتى؟، وأين يتحقق شعار الشعب بإسقاط النظام، وأكّدت ما كنت كتبته قبل أشهر عن أقصر الطرق، وأنجع الحلول، واقلها تضحيات، ومخاطر، وزمناً: أن يقوم جيشنا، أو أصحاب القرار والشأن فيه بواجبهم المأمول بالانضمام إلى الشعب، ورفض الانجرار لما تدفع به الطغمة، العائلة، المافيا، جيشنا، وسمعته، وبلادنا إلى هاوية المخاطر، والاحتمالات المفتوحة على أشداق الحرب الأهلية، والتدخلات الخارجية، والمذابح الجماعية؟؟..

لم أكن أحلم، ولا أضرب بالرمل، ولا أطرح افتراضات نظرية، ولا أصول واقعية لها، لكن، وقد دفع النظام البلاد إلى مجهول المجاهيل، فإن المنطق يقول أنه لا بدّ من وجود عقلاء، وحرصاء على البلد في هذا الجيش الذي كان يوماً فخر الوطنية، يفكرون بمخرج آمن عبر اشتلاع أسباب الأزمة: الطغمة.. ينسحب ذلك على أصحاب القرار في الجيش، وأعني بهم بكل الصراحة: كبار الضباط الذين ينتمون للطائفة العلوية والذين يمسكون بمفاصله الحيوية، الذين لا بدّ وأن ما آل إليه البلد من أزمة مرعبة بسبب السياسة الرعناء للطغمة يشغلهم، ويدفعهم للتفكير الجاد بمصيرهم، ومصير البلد، ومستقبل وجود وعلاقات مكوناته فيه، وباتجاه رفض سياسة السحق الأمني، والمجازر المتنقلة، واحتلال المدن بالدبابات وقصفها، وإطلاق لؤم الشبيحة والمعبّأين طائفياً ومليشياوياً للتفظيع بالمتظاهرين، ثم القيام بالمأمول منهم في إنهاء هذا الوضع الشاذ، وإفساح المجال لمرحلة انتقالية محددة لوضع أسس وبنيان ودستور الدولة المدنية الديمقراطية..

***

كان بالذهن أكوام من القصص والحكايا التي رافقت عمرنا منذ انقلاب التفحيح الأسدي.. عن نيّة هنا، ومحاولة قريبة هناك، وكلمات سر، وساعات صفر، وأسماء ضباط، ووزراء العهد الجديد، والتي تعاملنا معها، ومن موقع المسؤولية، بالرفض والتشكيك، والتي لم يرَ النور أحدها، وكثيرها كان ممسّرحاً، وملغوماً.. الأمر الذي أدى بنا إلى شطبها من وارد الاحتمالات.. وصولاً إلى مجزرة حماة المفصل والمنعطف 1982 حين خرست بعدها كل الحكايا والروايات، وحين نام الجميع على شوك التأبيد الذي لا تسمع فيه سوى صوت الفحيح.. فالتوريث الغريب الذي فقأ عيون كل حكايا الخلاف، والتباين بين عظام الرقبة، ومافيا الحكم..

لكن وحين اغتيل رفيق الحريري، وقامت ثورة الأرز بزخمها واتهامها المباشر للنظام السوري بالقتل، وخروجه المذل من لبنان.. وحين راحت تقارير المحقق ميليس تخترق الخطوط الحمراء، وتدخل المنطقة المحظورة للنظام باتهامه المباشر بالاغتيال، وسط ضغط دولي قاده الرئيس الفرنسي جاك شيراك..وبدا الوضع السوري: نظاماً، وعصباً، وربما مستقبلاً في مهبّ ريح العاصفة القوية، تململ كثير، وتحرّك عدد مهم من كبار الضباط والشخصيات السياسية المحسوبة على النظام بحثاً عن مخرج يتجه نحو التخلص من العائلة وحواشيها، وكان اللواء غازي كنعان، ضابط الأمن الذكي، والمسؤول لسنوات طويلة عن الملف اللبناني، والمرّحل إلى وزير داخلية، عنوانها، وربما أداتها للقيام بحركة انقلابية، أو خَلاصية.. فكان القتل وسيلة التخلص من المشروع برمته.. والذي قيل في خلفياته الكثير، وأهمها: وجود جهات خارجية(الولايات المتحدة ومن خلفها الصهيونية) ببيع تلك المعلومات للنظام مقابل مقايضات معهودة تحت طاولات المعهود.. فكان القتل الذي أخرج على شكل انتحار..

وللدلالة على ذلك يذكر الرئيس شيراك في مذكراته المنشورة عن قرب سقوط النظام عام 2006، لكنه لا يشير إلى الأسباب التي حالت دون ذلك..

***

 اليوم تفتح إقالة، أو قتل وزير الدفاع علي حبيب واستبداله بمسيحي لا يكش ولا ينش ولا يتش ولا يهش.. تفتح باب الاحتمالات، لأنها تأتي في وقت يستحيل فيه أن تكون طبيعية، ودون وجود خلافات من مستوى حاد، ناهيك عن احتمالات لحركة ما اكتشفت، أو أجهضت (خصوصاً إذا ما صدقت أنباء مقتله).. فهل كانت هناك محاولة واكتشفت؟؟.. هل رفض وزير الدفاع هذا المصير الكالح الذي وُضع فيه الجيش؟؟، هل تصارع مع الشبيح الدموي ماهر؟، وأين موقع ودور الخبيث آصف شوكت؟؟..

وعلى سيرة الانتحار.. فسجل نظام الطغمة يثير التفكّه لسذاجة بجاحة التلفيق، تماماً كسذاجة ودجل التلفيقات المسلسلة عن الثورة..

فحين أريد تحويل المسكين، الموظف برتبة رئيس وزراء محمود الزعبي.. إلى كبش فداء للفساد والموبقات..هددهم بكشف الملفات الثقيلة"، وإذ به يقرر ب"إرادته الحرة" وضع حدّ لحياته انتحاراً بالرصاص!!!!.. بينما يعرف الجميع كيف قتل، ومن الذي قتله، وكذا الحال بالنسبة للواء غازي كنعان الذي قتل في مكتبه من قبل آصف شوكت واثنين معه.. ثم قالوا أنه انتحر.. والأنكى أن أخاه وُجد " منحراً" بعد أيام قرب سكة القطار في طرطوس، وكأن العائلة غاوية انتحار..

وإذا ما تمت تصفية العماد علي حبيب، ابن النظام، وأحد أعمدة عظام الرقبة، فالأكيد سيكون عاشق انتحار(كمن سبقه) وسيلفقون له قصة ظريفة من قصصهم المسلية، الغبية، اللئيمة.

***

نعم: الطبيعي أن يفكر المخلصون في الجيش، الحريصون على وحدة البلد، ونسيجه، وعلى مستقبل التعايش بين مكوناته.. بأفضل كيفية لوضع حد لسياسة الحقد المجنون، وانفلات خزين الكهوف من خلال إنهاء حكم الطغمة العائلية والمافيوزية، وأن يضعوا أيديهم على قلوبهم لما تجّره سياسة الحرب ضد الشعب والمدن، ونتائجها الخطيرة بعيدة المدى التي لا يمكن لكل ذرائع الفبركة أن تغسل آثارها، ناهيك عمّا يلوح من بوادر حركات دولية، وإقليمية باتجاه التدخل، وربما ما هو أفظع ما لم تقطع يد المجرم، ويعاقب على فعله الإجرامي الذي لا يمكن مطلقاً ابتلاعه، ولا هضمه، ولا تسويته، وفتح الطريق لمرحلة التعددية، ولبناء الدولة المدنية الديمقراطية.. ليكونوا بذلك عند حسن ظن شعبهم بهم، وبمستوى التحديات التي تواجه الوطن..

*كاتب وروائي الجزائر

------------****************----------------

رمضان وثورة الشعب في سورية (3) تحويل القبلة.. نبيل شبيب

مداد القلم

الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله..

السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات.. في سورية وفي كل مكان.. مع يوم آخر من أيام رمضان من عام 1432ه.

كان تشريع صيام رمضان في العام الثاني للهجرة.. وفي العام نفسه، قبيل حلول رمضان، نزلت الآية الكريمة {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}.. كما نزل في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام آياتٌ أخرى منها قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}

وورد كثير من الاجتهادات حول الحكمة الربانية من توجّه المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الأقصى ثم تحويلِهم إلى المسجد الحرام، ونقف في هذه الخواطر من وحي شهر رمضان وثورة الشعب في سورية معاً عند أمرين فقط:

أولها: اقتران تحويل القبلة بتأكيد وسطية الأمّة وشهادتها على الناس

وثانيهما: الربط الوثيق بين القبلتين.. المسجد الأقصى والمسجد الحرام

نتجاوز من خلال ذلك ما يصنعه إجرام الاستبداد مع ظهور هلال رمضان عبر لغة الدم التي يتقنها.. نتجاوز ظلال اللحظة المأساوية الراهنة، لنرى مباشرة موقع هذه الثورة في تاريخ أمتنا ومستقبلها، وليس في تاريخ سورية ومستقبلها فقط.. لندرك أنها إحدى ثورات التحرر من الاستبداد والفساد، وكذلك إحدى ثورات تحرير الأمة وتحريرِ حاضرها ومستقبلها أيضا، فهذا ما يعنيه تحرير إرادة الشعوب وتوحّدها، ولا يمكن دون ذلك الوصول إلى استعادة مكانة الجميع ودورهم بين الأمم.

كذلك جعلناكم أمة وسطا.. ولا يمكن أن تلتقي الوسطية، مع الظلم والبغي والفساد، في أي قطر من الأقطار.

ثورة شعب سورية ثورة وسطية على الانحراف تسييبا أو تشدّدا، وكذلك ثورة على التحجّر استبدادا أو استكانة، وهي أيضا ثورة على التجزئة بين الشعوب والأوطان، وعلى صانعي الفتن بين الطوائف والفئات المتعددة في الشعب الواحد والوطن الواحد والأمة الواحدة.

لا تتحقق دون ذلك الوسطية لهذه الأمة، ولا لأيّ شعب من شعوبها على حدة.

لن نكون شهداء على الناس دون هذه الثورات، حتى وإن بقي بعض بني جلدتنا يشهد واقع شعبه وأمته ويَقبل بالركون والاستكانة للظلم والفساد والانحراف.. ناهيك عمّن يوظّف علمه أو منصبه ليبرّر للمجرم جريمته، وعمّن يتقاعس عن نصرة الحق طلبا لمنفعة دنيوية.. أو رشوة مغموسة بدماء شعبه.

إن ثورتكم -أيها الإخوة والأخوات- ثورة تحرير الذمم.. كما أنها ثورة الأخلاق والقيم.

...

الصيام في رمضان عبادة تساهم في صناعة الإنسان، المرتبط برب الناس جميعا، فلا يخشى إلا الله، ولا يقبل أن يكون في خدمة الاستبداد والفساد فيتحوّل إلى مجرّد أداة رخيصة لاستغلال أخيه الإنسان واستعباده..

كذلك التوجّه إلى قبلة واحدة في الصلاة، يعني التوجّه إلى رب العباد جميعا، ويعني رفض كل تمييز بين عبد وعبد، بين إنسان وإنسان، بين فئة وفئة، بين شعب وشعب.. فكلكم لآدم وآدم من تراب..

رمضان يصنع الإنسان المتحرّر من الأغلال جميعا، والقبلة الواحدة تصنع المجتمع الذي يتساوى فيه البشر بين يدي رب البيت المعمور.. وهذا -مع التشريعات الربانية الأخرى- ما يصنع الأمةَ الوسط، المؤهّلة لحمل الأمانة، ومن جوانب هذه الأمانة ما يجسدّه لنا الربط بين القبلتين: المسجد الأقصى والمسجد الحرام.

إنّ حمل أمانة المسجد الأقصى في الأرض المباركة يوثق مسؤولية هذه الأمّة الشاهدة على الأمم في حاضرها ومستقبلها، مثلما يوثق تشريعُ الصيام مسيرتها على خطى مَن قبلَنا ممّن كُتب عليهم الصيام أيضا.

عرى العقيدة وثيقة مرتبطة بمكانة المسجدين، ومن ذلك الوعي العميق بمكانة المسجد الأقصى كأولى القبلتين إلى يوم القيامة، وهذا ممّا يوثّق في هذه الأيام الصلة الوثيقة بين ثورات تحرير إرادة الشعوب، وبين تحرير قضية فلسطين من عبث الاستبداد والمستبدين بها طوال العقود الماضية.

إن جريمة التفريط في الأرض وتشريدِ الشعب، هي في قضية فلسطين، جزء لا يتجزأ من جريمة الاستبداد المتوارث عبر عائلة واحدة، أو المتوارث سياسيا وحزبيا، هي جريمة مصادرة الإرادة الشعبية، جريمة قهر الإنسان القادر على التحرير، جريمة تمزيق الأمة، جريمة الهبوط ببلادنا إلى حضيضٍ بعد حضيض لتصبح على هامش الهامش بين الأمم، وليس أمة وسطا شاهدة على الناس.. ولهذا يجب أن يكون واضحا لنا ولسوانا:

ليست ثورة شعب سورية مع ثورات الشعوب العربية والإسلامية الأخرى.. ثورةً على الظلم الداخلي فحسب، بل هي في الوقت نفسه ثورة من أجل القضايا المصيرية التي يعبث الاستبداد بها من أجل بقائه ومنافعه الباطلة.

هذه الآلام والتضحيات التي ضاعفها العنف الهمجي الاستبدادي مع مطلع رمضان، هذه البطولات التي تقدمونها يا أحرار سورية الثائرين على الاستبداد الفاسد، تعبّد الطريق لتحرير شعب سورية، وتعبّد الطريق لتحرير الأمّة من أفاعيل الاستبداد والعدوان في كل مكان.. وفي ثورتكم البطولية تتعانق معاناة شعب سورية مع معاناة شعوب فلسطين والعراق وأفغانستان وسواها من هذه الأمة الواحدة، وفي مخاض المعاناة يولد بإذن الله تحرير الإنسان في كل مكان وفي كل مجال وميدان.

لا يحرّر الأرض إلا الأحرار.. فتحرّروا من قبضة الاستبداد لتحرروا الأرض والإنسان

لا يخدم تحريرَ الأرض مَن يدعم الاستبداد بذريعة شعارات فارغة من المضمون، فليحرّر هؤلاء أنفسهم مع شعب سورية، ولا ينزلقوا إلى الوهم بأنّ الطريق إلى فلسطين، يمرّ عبر استعباد أهل سورية، أو أهل العراق، أو أهل لبنان، أو أهل مصر، أو أهل أي بلد من البلدان العربية والإسلامية.

لا بد أن تنهض الأمة الوسط في كل مكان من تحت ركام الاستبداد، لتؤدّي دورها الحضاري، دورَ الحق والعدالة، دور الشهادة بين الأمم، دورَ تحرير الإنسان من جميع أشكال الاستبداد والاستعباد والاستغلال والفساد.

لا بدّ أن ينتصر الحق في سورية وأخواتها.. لينتصر الحق في فلسطين وأخواتها.

لا بد من إزهاق الباطل في سورية وأخواتها.. فهذا قسط من أمانة إزهاق الباطل في كل مكان.

تلك أمانة تاريخية جليلة ثقيلة، منوطةٌ بتضحياتكم وبطولاتكم أيها الأحرار الأبرار الثائرون في سورية.

وإنكم أهلٌ لحملها والنهوض بها.. ولا نملك حيثما كنّا من الأرض، إلاّ أن نرفع أصواتنا مع أصواتكم بنداء الحرية وبنداء التغيير، في كل يوم وليلة من شهر رمضان الكريم، وأن نطلق دعاءنا في كل بقعة من المعمورة مع دعائكم وهو يجلجل فيتردّد في كل بقعة من بقاع هذا الوطن الأبيّ العزيز الكريم، كما يتردّد النداء والدعاء في القبلتين، في المسجد الأقصى والمسجد الحرام، فيتلاقى بكم ومعكم جميعُ من يتوجّهون إلى المسجد الحرام بصلواتهم وأشواقهم وإلى المسجد الأقصى إلى تراب فلسطين بكاملها، بأفئدتهم وآمالهم.

...

اللهمّ.. ربّ القبلتين..

اللهم.. ربّ المسجد الحرام والمسجد الأقصى..

اللهم.. ربّ هذه الأمة الوسط.. وربَّ العالمين..

اللهم يا من تكرمت على عبادك فجعلت دعوة الصائم لا تردّ..

اللهم يا من تكرّمت على عبادك فجعلت دعوة المظلوم لا تردّ..

نسألك لأهل سورية ولسائر الشعوب والأمم نصرة الحق على الباطل.. إن الباطل كان زهوقا..

والسلام عليكم ورحمة الله.

------------****************----------------

احذروا مهنية بشار .. عادل الطريفي

الشرق الاوسط

10-8-2011

خلال الأشهر الخمسة الماضية، حاول نظام البعث في سوريا إخماد حالة العصيان المدني التي اجتاحت المدن والقرى السورية، وفي كل مرة خرج فيها المتظاهرون عقب صلاة الجمعة واجههم النظام بالأسلحة إلى الحد الذي باتت معه الحكومة - بأجهزتها الأمنية - خصما لأغلبية المواطنين بعد سقوط مئات القتلى، واعتقال الآلاف، ونزوح المواطنين المذعورين إلى دول الجوار. في الأسابيع الأولى كان الرئيس الأسد بين خيارين: التضحية بالنظام القديم واستبدال عهد إصلاحي – وتصالحي - جديد به، أو التمترس خلف سلاح الحزب والطائفة والقتال حتى النهاية. الأسد كان يدرك أن الدول الغربية والعربية كانت قلقة من احتمالات التغيير في سوريا، وأن مخاوف البديل الإسلامي المتطرف، أو وقوع سوريا في حالة الفوضى والحرب الأهلية نظرا لموقعها المهم على حدود الصراع مع إسرائيل كانت تزعج أكثر خصومه عداوة.

لأكثر من أربعة عقود كانت شرعية الحكم مزيجا من الشعارات القومية، وتقديم خدمات لوجيستية للمنظمات والجماعات المسلحة (المقاومة) ناجحة – نسبيا - ولكن ما فات على الأسد تقديره هو تغير الموقف الدولي والظروف الإقليمية مع بداية الانتفاضات الشعبية التي عمت المنطقة. إذا كانت الدول الغربية قد تنكرت لنظام مبارك في مصر على الرغم من الأهمية الاستراتيجية له كحليف إقليمي، فإن الدفاع عن نظام مستبد ومخرب كالذي مارسه الرئيس بشار منذ عام 2000 لم يكن ليحدث.

واقعيا، حظي بشار بفرص عديدة وتغاض دولي طوال الشهرين الأولين للمظاهرات لعله يصلح بعض الضرر الذي وقع، ولكن بات من الواضح أن النظام السوري بهيئته الحزبية والطائفية قد اختار الطريق الثاني: وهو القتال حتى آخر رجل، حتى ولو أدى ذلك لانهيار البلد ودخوله في حرب أهلية. الانتشار العسكري الذي قام به، والعمليات التي شنها على مدن سورية كبيرة لم تكن بقصد ردع حركة مسلحة كما يزعم النظام، بل لردع أي فرصة لقيام واحدة. المعالجة الأمنية القاسية كانت لأجل إخراج العصيان المدني من حالته السلمية إلى المواجهة العسكرية، ولكن فوجئ النظام بأن المظاهرات استمرت واتسعت يوما بعد يوم سلميا حتى أصبح بقاؤه معها مستحيلا.

خطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز الأخير رفع عنه أي غطاء عربي أو إقليمي. كلمات العاهل السعودي عبرت عن موقف الكثيرين داخل العالم العربي وخارجه، فاستخدام السلاح لإسكات المواطنين المسالمين لم يعد مقبولا. يقول الملك عبد الله: «ما يحدث في سوريا لا تقبل به المملكة العربية السعودية، وإن الحدث أكبر من أن تبرره الأسباب»، ويمضي ليطالب النظام السوري: «بإيقاف آلة القتل وإراقة الدماء، وتفعيل إصلاحات شاملة».

في الحقيقة، الموقف السعودي يعد استثنائيا، فالسعودية معتادة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، ولكن الحدث أكبر من أن يتم السكوت عنه لأن هناك مسؤولية أخلاقية وتاريخية أمام ما يحدث. لا شك أن الموقف السعودي قد يشجع الكثيرين على اتخاذ مواقف مشابهة نحو الوقوف بشدة تجاه الضغط على النظام السوري لوقف آلة القتل، ولكن أهم من ذلك كله هو الرمزية السياسية التي تشير إلى أن دولة بحجم السعودية لم تعد ترى في بقاء نظام الأسد الحزبي والطائفي بعد اليوم ضرورة، وهو بالذات خسارة معنوية لا تعوض للنظام وفرص بقائه.

ولعل السؤال المهم اليوم: ما الذي سوف يحدث بعد أن وصل النظام السوري إلى طريق مسدود؟

لا أعتقد أن الرئيس الأسد، وبعد إراقة كل تلك الدماء سيكون قادرا على تغيير المسار الذي سلكه، فهو قد أصبح رهينة لصقور الحزب والطائفة، والذين لن يتوانوا عن التخلص منه إذا ما فكر بالتضحية بهم. هي لا شك، معضلة لن يستطيع الخروج منها إلا بتضحيات كبيرة قد تطال أقرب الناس إليه. لقد قام والده بنفي أخيه، والانقلاب على أركان النظام في 1984، ولكن فرصة الأسد الابن في نفي أخيه ماهر - كما تمنى البعض - لم تحدث، ولا يتصور أن يلجأ إلى ذلك بعد أن أصبح حكم الطائفة والحزب مهددا، ومحاصرا من الخارج. أغلب الظن أن النظام سيستمر بالدفع تجاه التسوية العسكرية حتى وإن اضطر إلى تهجير مئات الآلاف من المواطنين المعارضين لحكمه، أي أننا بإزاء نظام يعتقد بأن المخرج النهائي له لن يكون إلا عبر الحل العسكري مهما بدا ذلك للآخرين عملا همجيا. الأمر الآخر، هو أن النظام يدرك بأن الحزب والطائفة سيستمران في المواجهة حتى ولو سقطت العاصمة أو انحسرت سلطة الدولة عن مناطق الانتفاضة. في الوقت الحالي، يراهن النظام بأن الضغوط الدولية والعربية لن تصل إلى مرحلة التدخل العسكري لانشغال المجتمع الدولي بحرب ليبيا التي لم تحسم بعد، ولهذا فإن خطر الإسقاط من الخارج لا يزا مستبعدا إلا إذا قررت بعض الدول الإقليمية - لا سيما تركيا - المغامرة في ذلك.

الرئيس بشار ونظامه ليسا بوارد الاستسلام، والجيش السوري الذي هو مؤسسة حزبية - وطائفية بامتياز - لم يعد قادرا على الاستمرار إلا بانقسام محتمل، وإلا فإن مصيره بعد سقوط النظام سيكون الانحلال. بيد أن النظام يراهن على صعوبة قيام بديل سياسي (تعددي) قادر على لعب الدور الانتقالي الضروري. المعارضة لا تزال ضعيفة كمؤسسة جامعة، ولا يبدو أن هناك قدرة على لم شعث الشقاقات الداخلية بين طوائف وجماعات وعشائر المعارضة إلا بتدخل إقليمي قوي.

لقد برهنت السعودية على أهميتها ودورها بالتدخل أخيرا في الملف السوري، وقد يساهم التعاون الإقليمي والدولي في حصار النظام السوري وبالتالي إضعافه، ولكن لا بد من اتخاذ خطوات عملية لمساعدة السوريين - وبالذات المعارضة - على توحيد صفهم وبلورة مشروع سياسي بديل للنظام القائم. إذا كان نظام بشار الأسد خطرا على السوريين ومصدرا رئيسيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة، فلا سبيل إلا بالعمل الجاد نحو إجباره على تغيير سياساته السيئة، أو مساعدة السوريين على تقرير مصيرهم.

إذا كان المجتمع الدولي قلقا من تحول سوريا نحو حرب أهلية (طائفية)، فإن المسؤولية تقتضي مساعدة السوريين على تشكيل بديل سياسي (تعددي)، والخروج بميثاق تعايش وطني يطمئن الأقليات، ويحفظ حقوقهم ودورهم في سوريا ما بعد الأسد. من شأن خطوات كهذه أن تضعف موقف النظام الذي يخوف طائفته - وبقية الأقليات - من عواقب سقوطه. إذا تأكد السوريون أن هناك ضمانات دولية وعربية لحفظ حقوقهم السياسية المشروعة دون تحول البلد إلى حكم طائفي جديد، أو ملاحقة (اجتثاث) أعضاء حزب البعث الذين يخافون الانشقاق على النظام، فإن ذلك سيشكل نهاية مشروعية النظام السوري في نظر الطائفة والحزب.

في كتابه «صدمة وصمود» (2009)، يروي كريم بقرادوني حكاية لقائه الأول ببشار الأسد في منتصف التسعينات، وكيف أن الشاب الذي لم يكن مرشحا للخلافة بعد أبيه، أصبح فجأة وريث كرسي الرئاسة بعد وفاة أخيه باسل. يقول بقرادوني إن الكثيرين لم يكونوا مقتنعين بقدرة - أو مؤهلات - بشار على ملء الفراغ السياسي بعد رحيل الأب، وكانوا إلى وقت قريب (لا) يشكون في كونه حاكما صوريا يختفي وراءه عدد من النافذين في العائلة والحزب الذين يديرون سوريا فعليا، ولكن الأحداث منذ 2005 - كما يجادل بقرادوني - قد أثبتت بأن بشار الأسد وحده من يملك زمام الرئاسة والمسؤولية في سوريا. يعزو بقرادوني ذلك إلى ذكاء ونبوغ الأسد، ومهارته في الحكم، ويروي أن الأسد لخص له فلسفته في الحياة قائلا: «أنا بطبعي مهني، إن أقدمت على شيء فيجب أن أنجح فيه».

لقد أثبت الأسد بأن مهنية الاستبداد والاغتيالات لا تعرف الفشل، ولهذا فإن الدول التي تنتظر أن يقوم بالإصلاح لوحده لا تعرفه جيدا. لهذا، احذروا مهنية بشار لأنه لن يسعى إلا إلى النجاح في ردع انتفاضة مواطنيه.

------------****************----------------

كيف يدعم النظام السوري المقاومة.. وكيف يدعمه نتنياهو؟ .. ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

نشر : 07/08/2011

من فضائل ثورة الاتصالات أنها وثقت المرئي والمسموع والمكتوب بشكل مفتوح للكافة. لا أشعر بالرثاء على أحوال من وقفوا مع طاغية مصر، وحالهم مثير للسخرية وأنت تقارن مواقفهم قبل وبعد انتصار الثورة. وعلى من يقفون مع الجزار بشار الأسد أن يتنبهوا إلى المقارنات التي ستنعقد في وقت ليس ببعيد بين مواقفهم من قبل ومن بعد. فلم تعرف الثورات العربية انحطاطا في الخطاب كما في سورية.

في مقاطع الفيديو المثيرة للاحتقار والاشمئزاز المنثورة على "يوتيوب"، يطالب "الباحث في القضايا الاستراتيجية" طالب إبراهيم بقتل المتظاهرين. ويسانده بذلك "أبو عصام" بطل باب الحارة! وفي قناة دنيا، تُبث على الهواء اتهامات ب"اللواط" (هكذا حرفيا!) لسياسيين وإعلاميين ودعاة. هذا في قناة تلفزيونية مملوكة لماهر الأسد، فكيف في مواقع التواصل الاجتماعي؟ يظهر أعوان النظام على حقيقتهم ولا تملك إلا أن تدعو الله أن يخلص شعب سورية من فئة لا تملك أي قيمة أو خلق أو إنسانية.

لا يمكن إقامة حوار مع الشبيحة، سواء في بذاءاتهم على الشاشة أو في ممارساتهم على الأرض التي أعادت الإنسان إلى بدائية العبث بالجسد والتمثيل بالجثث. ذلك لا يمنع من العثور على بعض الأفكار التي يمكن الرد عليها من بين ركام القمامة، خصوصا أن بعض الناس قد يقع في الالتباس والحيرة ويتردد في الوقوف إلى جانب ثورة شعب سورية، وهي الأكثر بسالة ونقاء وتضحية.

يقال إن سورية تقف في خندق معاد للصهيونية والإمبريالية، وتدعم المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. وعلى افتراض صحة ذلك، فهل هذا يعطي رخصة بالتقتيل الشنيع والتمثيل بالجثث؟ حتى لو حرر الجولان والاسكندرون والقدس، فهل يقبل منه قتل ما يقارب خمسة آلاف مواطن واعتقال أضعافهم؟ وهل من شروط المقاومة أن تكون ديكتاتورا ودمويا وتحكم بلا دستور ولا انتخابات ولا تعددية؟ ألم يعثر في سورية على حاكم بعثي آخر قادر على قيادة المواجهة؟

قبل التفصيل في المقاومة والممانعة، لا بد من التأكيد على مسألة غاية في الأهمية. فالقمع ليس حالة مطلقة يتساوى فيها جميع الحكام في كل الظروف. بشار الأسد قمعي قبل أن يصل إلى الرئاسة، لكنه لم يكن دمويا مجرما حتى خطابه الراقص الضاحك في مجلس الشعب، والذي تبنى فيه كل الجرائم التي كان يمكن أن تنسب لغيره. وفرق كبير بين مستوى القمع الذي مورس على الكهول من مثقفين وساسة في ربيع دمشق الموؤود وبين القمع الدموي الإجرامي بحق أطفال درعا، والذي تبين أنه استراتيجية النظام الوحيدة لصد رياح الربيع العربي.

كتبت مثل كثيرين تأييدا لسورية بشار الأسد في مواقفه الممانعة والمقاومة، وعملت في سورية وزرتها كثيرا، لكن لم أكتب يوما مشيدا بأجواء الحرية؛ على العكس، كتبت من موقع المحب -في حينها- نقدا قاسيا في مسألتين؛ الأولى ملف المفقودين بعد صدور تقرير عنهم، والثانية طل الملوحي، الطفلة المدونة التي تعرضت لأبشع أشكال التعذيب والإهانة والاغتيال المعنوي. بعدها استدعاني اللواء علي مملوك ومساعده اللواء زهير حمد، ومن نعم الله أن الوساطات حالت دون المثول أمامهما. اليوم الموقف مختلف تماما، لا يمكن الوقوف مع حق الشعب الفلسطيني في الحياة والوقوف ضد حق الشعب السوري في الحياة؛ إنه موقف إنساني أولا.

في تفصيل المقاومة والممانعة نلاحظ أن بشار يتعامل معهما بمنطق تجاري صرف، وهو قبض ثمنهما نقدا وما يزال. وعلى ما كشفت وثائق "ويكيليكس"، فقد كان مستعدا لبيع حماس وحزب الله لو حصل على الثمن المطلوب. هو كمن يملك قطعة أرض، إن دفع بها مليون باع، أقل من ذلك تظل ادخارا واستثمارا إلى أن يأتي وقتها. تلك المقاومة تعطيه الشرعية في الحكم، فهو يعتاش على حالة الطوارئ الموروثة لأنه في حرب مع إسرائيل. وهو لا يحارب ولا يطلق رصاصة ولو قصف مفاعله النووي قيد الإنشاء، ويحتفظ، كالعادة، بحق الرد في الوقت المناسب.

عندما حاول شاكر العبسي تنفيذ عملية عبر الجولان اعتقل عامين ثم أفرج عنه ليؤسس "فتح الإسلام" في لبنان. وفي تراجيديا العبسي نموذج لحدود المقاومة في سورية.

صدمت عندما عرفت من ضابط الاستخبارات العسكرية السورية السابق، ورئيس مجلس مركز الدراسات الاستراتيجية، أن عدد نازحي الجولان مليون! ولا أحد يسمع عنهم. قلت له، وهو عضو في الوفد السوري المفاوض، لماذا لا تبرزون قضيتهم مع كل زيارة مبعوث أميركي أو أوروبي، يتظاهرون من أجل حقهم في استعادة الأرض والعودة إليها، وتلك قضية عادلة ومقنعة للعالم كله. لم يجب! وجدت الإجابة على الشاشات عندما استدعى فصيل فلسطيني من تمكن من إقناعهم من فلسطينيي سورية لعبور الحدود إلى الجولان، وأحضر سيارات البث الفضائي بدون سيارات الإسعاف لإنقاذ من حصدهم رصاص الإسرائيلي. هذا هو التوظيف الفذ للمقاومة؛ نسيان مليون نازح سوري والتذكير باللاجئ الفلسطيني وحده. السوري يكتفي بالتواصل عبر السماعات في قرى الجولان!

دعمت سورية المقاومة الفلسطينية، ولكنها ارتكبت أيضا فظاعات بحقها. دخلت لبنان من أجل تحجيمها والقوى الوطنية اللبنانية. وقد كشفت الوثائق أنها حصلت على موافقة أميركية وإسرائيلية قبل دخول لبنان. وفي لبنان قاتل الجيش السوري ببسالة في البقاع، وكان من أبطاله وزير الدفاع الحالي، لكنه أجهز على المقاومة الفلسطينية واللبنانية لاحقا. ولزّمها إلى حزب الله وحده دون غيره. وإلى اليوم لا يعرف مصير مفقودين من فصائل المقاومة الفلسطينية في سورية، وهو ما عزز تهمة الطائفية للنظام السوري.

لا يُنكر دور الجيش السوري في دعم حزب الله، ما يستنكر هو دوره الفظيع في قمع اللبنانيين، وإفساد الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد. إلى اليوم ملف المفقودين، وجلهم من تيار حليف سورية حاليا ميشال عون، مفتوح. هل يمكن أن ننسى أن النظام السوري هو من جاء بمجرم مثل إيلي حبيقة بطل مجزرة صبرا وشاتيلا وزيرا؟؟! هل من خدمة للقضية الفلسطينية أكثر من ذلك؟؟! وقس على ذلك.

يلخص فيصل كلثوم، وهو محافظ درعا وقت الأحداث الأخيرة، الموقف السوري في لبنان بقوله عن حرب تموز (يوليو) 2006: "لو هزم حزب الله لجاء سعد الحريري بسيارة تكسي ليحكم دمشق"! إذن، المقاومة تحافظ، بحسابات طائفية، على الكرسي في دمشق. وفي هذا السياق يُقرأ خطاب بشار بعد الحرب عن "أشباه الرجال".

تدعم سورية المقاومة ولا تقاوم بنفسها، وهي تفاوض ولا تتوقف عن التفاوض، ليس من أجل إعادة اللاجئين من مخيم اليرموك إلى قراهم، بل من أجل حدود الرابع من حزيران. والذين يهاجمون أردوغان اليوم عليهم أن يتذكروا أن بشار وسّطه للتفاوض مع الإسرائيليين.

سورية تستضيف حماس والجهاد وباقي الفصائل. وتلك الفصائل لا تستطيع القيام بعملية ولا تهريب رصاصة من الحدود السورية، وسورية مستفيدة استراتيجيا من وجود تلك الفصائل التي تقاوم، مثل حزب الله، نيابة عنها، وتبيّض وجهها أمام الشعب السوري والرأي العام العربي.

هذه المقاومة، أما الممانعة، فتلك قصة أعقد. سورية مصنفة على قائمة الدول الراعية للإرهاب في الخارجية الأميركية. ذلك التصنيف يضر بسورية قليلا، ولا يقارن الضرر بالمكاسب الكبرى في العلاقة مع إيران اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. وبعد الثورة السورية ضغطت إيران على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من أجل دعم بشار اقتصاديا وأمنيا. وقد نشرت صحيفة الحياة اللندنية أن مساعدات عاجلة ستقدم تصل إلى عشرة مليارات دولار. باختصار، العلاقة مع إيران أفضل من العلاقة مع أميركا. وإيران لا تتخلى عن حلفائها، في المقابل أميركا تتخلى عنهم بسهولة من شاه إيران إلى حسني مبارك. فوق ذلك، شاركت سورية أميركا في الحرب على العراق في حفر الباطن، وقبضت الثمن، وشاركتها في الحرب على الإرهاب، وما تزال.

كل الموقف الممانع والمقاوم هو اليوم قيد البيع، والثمن هو الحفاظ على النظام. وفي مقابلة رامي مخلوف مع صحيفة نيويورك تايمز كلام قاطع حول "أمن إسرائيل"، وأنصار بشار لا يجرؤون على إنكار ما صرح ولا حتى تفسيره. وهم في سرهم ممتنون لوقفة نتنياهو التي حركت اللوبي الصهيوني في أميركا والغرب عموما لصالح النظام الذي يحول دون وصول الإسلاميين للحكم. هذه هي حقيقة موقف النظام من المقاومة، يدعمها من أجل البقاء في السلطة، ويدعمه نتنياهو كذلك. تلك المفارقة لن تدوم طويلا في ظل إصرار الشعب السوري على المقاومة، مقاومة الاستبداد، وهو الاحتلال محليا.

------------****************----------------

هل يتخلى الغرب عن نظام بشار الأسد ؟؟ .. وليد الحاج

صحفي سوري مقيم في الخارج

7/8/2011

أرفلون نت

سؤال كثيرا ما يتم تداوله اليوم بعد أن رأى العالم كيف تخلت دول الغرب عن أوثق حلفائها في المنطقة كنظام حسني مبارك في مصر وبن علي في تونس، ولم يستغرق الأمر سوى أيام قليلة حتى أعلنت واشنطن وعواصم غربية عديدة أنهما قد فقدا الشرعية وعليهما الرحيل.

ولكن في الحالة السورية فإن أكثر ما يثير علامات الريبة والشك أنه وبعد مضي ما يزيد على أربعة شهور ونصف وأكثر من 4500 شهيد من المدنيين والعسكريين وعشرات آلاف المعتقلين وما يقارب الثلاثة آلاف مفقود فإن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا لا تزال تأمل في بقاء بشار الأسد على هرم السلطة عبر إصلاحات تبقي على حكمه بالتوازي مع انقلاب يطيح ببعض رموز الفساد وقيادات الأجهزة الأمنية التي تعيث تدميرا وتخريبا في طول البلاد وعرضها.

مما لاشك فيه أن نظام بشار الأسد قد استطاع بناء شبكة مصالح وعلاقات مع دول العالم وخاصة الغربية منها جعلت من قرار الإطاحة به أمرا في غاية الخطورة ومجازفة حقيقة لا تحمد عقباها وخاصة في حال تسلمت حكومة وطنية تراعي مصالح شعبها قد تكشف أمام الرأي العام حقائق ومعلومات خطيرة وحساسة حول المدى الذي بلغه النظام السوري في تقديم خدماته السياسية والأمنية للعديد من الدول التي تحاول تسويق نفسها اليوم كدول مدافعة عن حقوق الإنسان.

لاشك أن بشار الأسد قد ورث عن أبيه حافظ الأسد سياسة المقايضات وتبادل المصالح والمنافع التي سمحت له بالنتيجة في الحفاظ على مقاليد السلطة لثلاثة عقود، وبغض النظر عن صحة ما يشاع بأن التنازل عن الجولان وإعلان سقوطه في نكسة حزيران بينما كان الجنود السوريين - كما روى لي أحدهم - يشربون ويتوضأون للصلاة من مياه بحيرة طبرية،كانت صفقة أبرمها الأسد الأب من أجل مباركة تسلمه لمقاليد الحكم في البلاد بعد انقلابه على رفاق دربه فيما سمي آنذاك بالحركة التصحيحية، فإن مثالا صارخا آخر جرى هذه المرة في حرب الخليج الأولى حين أيد حافظ الأسد الحرب على العراق مقابل إطلاق يده في لبنان وإعطاءه الضوء الأخضر لإنهاء تمرد الجنرال ميشيل عون والذي فر إلى فرنسا ولم يسمح له بالعودة إلا بعد مرور 15 عاما على اثر مقتل رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري ليصطف الجنرال عون اليوم وراء مواقف الأسد الابن وسياساته في لبنان في مشهد يثير العديد من علامات الاستفهام، هذا فضلا عما حققه الأسد الأب من مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة جاءت كمكافئة له على موقفه في حرب الخليج الأولى والتي لا يزال نظام الأسد الابن يجني ثمارها إلى اليوم عبر دعم سياسي ومادي يقدم إليه من بعض دول الخليج في مواجهة الثورة السورية.

واليوم فإن دلائل كثيرة تشير أن الأسد الابن قد استثمر في هذه السياسة كثيرا وهو يسير على خطى والده ففي العام 2001م وعقب شهور قليلة على تسلم بشار لمقاليد الحكم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول لتمثل فرصة ثمينة له ولأجهزته الأمنية التي أذهلت وكالات الاستخبارات العالمية بمن فيها وكالة المخابرات الأمريكية CIA بحجم ما تمتلكه من معلومات ووثائق حول الحركات الجهادية والأصولية ليس في سوريا والمنطقة العربية فحسب بل على مستوى الشرق الأوسط والعالم ، فحجم ما قدمته دمشق لواشنطن من مستندات ووثائق فاق 300 ألف- بحسب مصادر أمريكية- تتضمن معلومات حساسة وخطيرة حول تنظيم القاعدة والمجاهدين العرب في أفغانستان و القارة الأوروبية وحتى داخل أمريكا نفسها، وقد مكّنت هذه المعلومات من إنقاذ حياة آلاف الأمريكيين كما صرح به مسؤولون أمريكيون في أكثر من مناسبة.

لقد تعاونت سوريا مع الولايات المتحدة إلى أقصى الحدود الممكنة في حربها المزعومة على الإرهاب،ففضلا عن كنز المعلومات الذي وضعته سوريا تحت تصرف الاستخبارات الأمريكية ، فتحت سوريا سجونها ومعتقلاتها لأفراد من القاعدة تم اعتقالهم من قبل القوات الأمريكية في أفغانستان وباكستان، حيث يؤكد مايكل شوير الذي عمل لمدة 22 عاما لدى CIA وترأس لسنوات طويلة فريقا للبحث عن أسامة بن لادن لإذاعة BBC في 1-2-2005م وجود صفقة أمنية سورية أميركية لنقل معتقلين من سجن غوانتانامو لتعذيبهم في سورية من أجل الحصول على اعترافات حول علاقتهم بمنظمة القاعدة.

كما نشرت مجلة التايم الأمريكية في هذا السياق تقريرا سريا للاستخبارات الألمانية بتاريخ 15-11-2006م مفاده أن 'CIA' استخدمت سجنا سوريا يدعى فرع فلسطين مشهور باعتماده التعذيب، وذكر التقرير أن مهندس الاتصالات الكندي من أصل سوري ماهر عرار كان معتقلاً في الزنزانة رقم (2) في سجن فرع فلسطين السوري، بعدما اعتقل في مطار جون كيندي القريب من نيويورك وتم ترحيله إلى سوريا، وبعد تعرضه للتعذيب والضرب وقّع عرار إفادة بأنه تدرب في معسكر ل'الإرهابيين' في أفغانستان،كما تشير تقارير أخرى أن الإدارة الأمريكية قامت بتسليم سوريا واحدا من أبرز زعماء القاعدة وأهم المطلوبين لدى المخابرات السورية وهو مصطفى الست مريم الملقب (أبو مصعب السوري) ثمنا لتعاونها الاستخباراتي بعد أحداث 11 أيلول.

وقد اعترفت سورية علانية وفي أكثر من مناسبة بهذا التعاون حيث يقول وزير الاتصالات السوري الأسبق عمرو سالم لقناة سكاي نيوز البريطانية بتاريخ 24-7-2006م: "نعلم أين هي مواقع القاعدة ونستطيع إبلاغكم بذلك" وتابع سالم أن "سوريا تقترح أن تكون وسيطا بين إيران والولايات المتحدة" ويمكنها أيضا أن "تؤدي دورا مهما في العراق",.

ونشرت صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 9-12-2010م وثائق نقلا عن ويكليكس تناولت محضر الاجتماع الذي كتبه القائم بالإعمال الأمريكي بدمشق تشارلز هانتر في 24/2/2010 والموجه إلى الخارجية الأمريكية حول اجتماع حضره كلا من اللواء علي مملوك مدير إدارة المخابرات العامة بتكليف من الأسد شخصيا ودانييل بنيامين منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية ، حيث قال مملوك : "إن سورية كانت أكثر نجاحا في محاربة الإرهاب في المنطقة من الولايات المتحدة, لأننا كنا عمليين وليس نظريين", مشيرا إلى أن "النجاح السوري تمثل في اختراقه المجموعات الإرهابية, وحصول سورية على ثروة من المعلومات أثناء توغلها في الجماعات الإرهابية".

النماذج العملية لهذه الاختراقات الأمنية للمجوعات الإرهابية - كما يصفها مملوك- كانت أكثر وضوحا في العراق حين تم تجنيد عدد من العملاء ومنهم الحلبي محمود قول أغاسي (أبو القعقاع) عميل المخابرات السورية ، حيث عمل أبو القعقاع على تهريب المقاتلين العرب إلى العراق بأوامر من المخابرات السورية ( باعتراف مملوك نفسه) وتم اتهامه بعد ذلك من قبل مركز خدمات المجاهدين في العراق ومركز الإعلام الإسلامي العالمي التابع لتنظيم (القاعدة) باختراق مجموعات من المقاتلين الذين قصدوا العراق للقيام بعمليات تستهدف قوات الاحتلال وبكونه مسؤولاً عن اعتقال أعداد منهم على يد المخابرات الأمريكية، وقد تم تصفيته بعد ذلك من قبل المقاومة العراقية أمام مبنى أوقاف حلب في وضح النهار وتبنت القاعدة مسؤولية ذلك في بيان رسمي صادر عنها (موقع الجمل الالكتروني السوري 3-6-2006).

لقد تعاونت سوريا مع الولايات المتحدة الى حد كبير في الموضوع العراقي فقامت بتسليم سبعاوي إبراهيم الحسن التكريتي الأخ غير الشقيق للرئيس الراحل صدام حسين ومن ثم إعدامه بعد ذلك، كما بعثت برسالة قوية إلى إدارة جورج بوش حول العراق، أمنيا بالنسبة للإجراءات التي اتخذتها عبر ضبط الحدود، وسياسيا من خلال دعم الانتخابات العراقية المتتالية عبر الضغط على الأحزاب والجماعات العراقية الموالية لها للمشاركة فيها، وتمزيق حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وإضعافه وذلك من خلال تأسيس جناح يونس الأحمد وتمويله وفتح مكاتب رسمية له في قلب العاصمة دمشق، وثالثا من خلال طرد جماعات المقاومة العراقية الشريفة غير المرتبطة بالأجندة السورية وحساباتها، ورابعا عن طريق تصفية العديد من عناصر المقاومة العراقية على الأرض السورية من قبل أطراف قيل أنها إيرانية وبعلم المخابرات السورية.

وفيما يتعلق بالمقاومة والممانعة التي يرفع شعارها النظام أمام المتظاهرين ليل نهار ، فقد استعملت سوريا المقاومة الفلسطينية واللبنانية كورقة تساوم بها إسرائيل ودول الغرب ،وقد ورد الكثير من الأدلة على ذلك حيث لعبت دمشق دورا مهما في تهدئة العمليات العسكرية في فلسطين وفي تشجيع الحوار بين الفصائل السياسية الفلسطينية الذي جرى في القاهرة، واتخذت إجراءات تحد من الحركة الفلسطينية في الداخل السوري، وتعمدت الإعلان عن هذه الخطوات، وهي قد تمضي بتشجيع الانتخابات الفلسطينية في حال حصلت انفراجات ولو ضئيلة في علاقتها مع واشنطن.وبحسب إحدى البرقيات المسربة عبر موقع ويكيلكس وصف بشار الأسد حماس بالضيف الذي جاء بدون دعوة، وذلك خلال لقائه مع وفد من الكونغرس الأميركي عام 2009 مشبها حماس بحركة الإخوان المسلمين في سوريا والتي سحقها والده في الثمانينات، ولمح الى انه قد يقطع علاقته مع الحركة مقابل حوافز مثل السماح لسوريا بشراء طائرات مدنية وقطع غيار لها.

كما أغلقت دولة الممانعة والمقاومة منذ أعوام مكتب حركة الجهاد الإسلامي إثر عملية استشهادية نفذها أحد عناصرها،وذلك بعد تهديدات إسرائيلية قوية ومهينة للأسد شخصيا حيث وجه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك زئيف بويم تهديداً مباشرا إلى سورية بمهاجمتها ،وقال للإذاعة الإسرائيلية إذا لم يفهم الأسد برأسه فقد يفهم برجليه (القدس العربي 27-2-2005م).

ويتم اليوم تسريب معلومات أن سوريا تضغط على حماس لتسليم الجندي جلعاد شاليط الى إسرائيل وتقديم تنازلات مؤلمة فشل نظام الرئيس حسني مبارك خلال سنوات عديدة في إجبار حماس على الإقدام عليها قبيل الإطاحة بحكمه .

كما أن هنالك شكوكا متزايدة حول تعاون أجهزة المخابرات السورية في تصفية محمود المبحوح أحد أهم قيادات حركة حماس فيما قيل أنها صفقة سورية إيرانية اسرائيلية تم بمقابلها تسليم قائد حركة المقاومة السنية في بلوشستان عبد الحميد ريغي لإيران وإعدامه بعد ذلك،حيث أشارت تحقيقات شرطة دبي الى أن تحركات المبحوح كانت تتم مراقبتها قبيل مغادرته دمشق ، كما أشارت بعض المصادر الى أن المبحوح كان متوجها لطهران بدعوة خاصة منها لترتيب نقل ما قيل حينها بأنها شحنة أسلحة الى غزة.

كما جاء اعتراف دمشق منذ أيام بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ب "التطور المؤلم"كما وصفه سليم الحص أحد أبرز حلفاء دمشق السابقين ، هذا الاعتراف الذي جاء عقب تصريحات رامي مخلوف الشهيرة وربطه لأمن سوريا بأمن إسرائيل وترجمة النظام لتلك التصريحات في واقعة اقتحام حدود فلسطين في الجولان وجنوب لبنان في ذكرى النكسة واستشهاد العشرات من المدنيين الفلسطينيين والسوريين بينما كانت أجهزة الأمن والجيش السوري وقوات حزب الله اللبناني تراقب ذلك عن بعد.

لقد تمت إهانة دمشق سياسيا وأمنيا في العديد من المناسبات ولرأس هرم السلطة فيها بينما احتفظ النظام بحق الرد المشروع في المكان والزمان المناسبين اللذين لم يأتيا لغاية اليوم رغم مرور سنين عديدة على تلك الإهانات والضربات القاسية التي وجهتها اسرائيل له.لقد تم تحليق طائرات إسرائيلية فوق قصر الرئاسة في اللاذقية وبشار الأسد داخله، كما تم قصف معسكرات تدريب للفصائل الفلسطينية على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة دمشق في منطقة (عين الصاحب) واخترقت المقاتلات الإسرائيلية الأجواء السورية وقامت بتدمير المفاعل النووي السوري المزعوم في موقع الكبر بدير الزور.

لقد استباحت إسرائيل سوريا طولا وعرضا ويعربد فيها عملاء استخباراتها دون أن يفكر النظام في وضع حد لهذه التجاوزات في موقف يثر الريبة والشك، فها هي صحيفة معاريف الإسرائيلية تنقل بتاريخ 23-2-2005م عن شاؤول موفاز وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك قوله لشخصية سورية غير رسمية التقاها في لندن حين سألته تلك الشخصية:«هل تعرف سورية؟ فأجاب وزير الدفاع: اعرفها جيدا, وفصّل موفاز مناطق جغرافية كاملة، بينها دمشق وحمص ومثلث الحدود مع إيران والعراق»،وأشارت الصحيفة الى أن الشخصية السورية «اهتمت بمعرفة كيفية إطلاع موفاز على هذه المناطق، فأجاب وزير الدفاع: قضيت هناك غير قليل من الوقت لكن ليس كسائح, في عهد السلام سآتي أيضا في وضح النهار»، وقد استحق بشار الأسد بذلك لقب ملك ملوك اسرائيل وذلك بحسب وصف (صحيفة هآرتس الإسرائيلية).

‏كما يذكر السوريين كيف تمت تصفية العميد محمد سليمان مسؤول الملف النووي ومستشار الأسد للشؤون الأمنية، حيث كشفت مجلة دير شبيجل الألمانية في العام 2008 أن قناصاً من جهاز الموساد الإسرائيلي قد أطلق من على سطح يخت فى مياه البحر المتوسط رصاصة من بندقية كاتمة للصوت على رئيس اللجنة النووية السورية بينما كان على الشاطئ فأرداه قتيلا".كما يعترف خالد مشعل زعيم حركة حماس أنه قد تعرض إلى عدة محاولات اغتيال داخل العاصمة دمشق رغم الحماية اللصيقة التي توفرها أجهزة المخابرات السورية له؟!.

 ولو عرجنا على دعم النظام المقاوم والممانع لحزب الله اللبناني فقد نشر موقع ويكليكس في 17-1-2011 أن بشار الأسد أبدى استعداده للتخلي عن حزب الله مقابل السلام مع اسرائيل وذلك خلال لقاءه مع وفد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، كما يذكر الجميع تصريحات السيدة سعدى بدر الدين أرملة عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله الذي تم اغتياله في حي كفرسوسة الراقي في قلب العاصمة دمشق وقرب مكتب رئيس شعبة المخابرات العامة آنذاك اللواء آصف شوكت، هذه العملية التي كان لها تأثيرا كبيرا وموجعا للحزب ، حيث اتهمت أرملة مغنية السلطات السورية بوقوفها وراء اغتيال زوجها من خلال سيارة مفخخة. ونقل آنذاك موقع "البرز" المقرب من طهران تصريحا لها تتهم فيه دمشق صراحة ب"خيانة" زوجها قائلة: "لقد سهّل السوريون الخونة قتل زوجي"، وأضافت "إن رفض سوريا مشاركة محققين إيرانيين في ملابسات واقعة الاغتيال هو الدليل الدامغ على تورط نظام دمشق في قتل عماد" بحسب تعبيرها.

وحتى طهران حليفة دمشق الحميمة فقد أثبت النظام الممانع أنه ليس على استعداد لخوض أية حرب للدفاع عنها في حال تعرضها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي ، وما يشاع اليوم عن اتفاقيات تعاون عسكري واستراتيجي ودفاع مشترك إنما هي للدعاية والإعلام فقط، فقد ذكرت بتاريخ 8-12-2010م برقية دبلوماسية أمريكية كشفها موقع ويكيليكس أن سوريا رفضت (توسّلات) إيرانية بالالتزام بالانضمام إليها في حال وقوع حرب بينها وبين إسرائيل أو بين حزب الله وإسرائيل.

ويعود تاريخ البرقية الموجهة من السفارة الأمريكية في دمشق إلى وزارة الخارجية في واشنطن إلى كانون الأول/ ديسمبر 2009 وتنقل عن مصدر دبلوماسي سوري أن سوريا قاومت توسلات إيرانية للالتزام بالانضمام إلى طهران إذا اندلعت حرب بين إيران وإسرائيل أو حزب الله وإسرائيل.

وقال المصدر إن مسؤولين إيرانيين كانوا في سوريا (لجمع الحلفاء) تحسباً لضربة عسكرية إسرائيلية، مشيراً إلى أن الإيرانيين كانوا أكيدين من حصول الضربة الإسرائيلية وكانوا يناقشون موعدها.

وتابع المصدر إن الرد السوري كان إبلاغ الإيرانيين بألاّ يتطلعوا إلى سوريا "لخوض هذه الحرب"، وقال: قلنا لهم إن إيران قوية بما يكفي لتطوير برنامجها النووي بنفسها ومحاربة إسرائيل، مضيفاً "نحن ضعفاء جداً".

كما نشر الموقع رغبة بشار الأسد في استئناف المحادثات مع إسرائيل بشكل غير مباشر عبر تركيا كما أن سوريا أبدت رغبتها أيضا في قيام دولة عراق مستقر بعيدا عن هيمنة إيران!!.

لقد أثمرت السياسات السورية وتعاونها منقطع النظير مع الغرب عن غض النظر عن جرائم النظام وقمعه الوحشي للمتظاهرين السلميين من خلال دعم بقاء بشار الأسد في السلطة، وتم تسريب معلومات عبر وسائل الإعلام أن إسرائيل بعثت موفدين إلى أوباما بُعيد انطلاق الثورة السورية بأيام معدودة أبلغته بأن نظام بشار الأسد هو خط أحمر بالنسبة لإسرائيل، نتيجة لما يوفره بقاء بشار الأسد في السلطة من تأمين لحدودها الشمالية الهادئة منذ ما يزيد عن أربعين عاما، وقد التقط نظام بشار هذه الرسالة وترجمها عمليا من خلال تصريحات رامي مخلوف الشهيرة وتمثيلية اختراق الحدود التي حدثت في ذكرى النكسة والتي كانت نتيجتها عشرات الشهداء والجرحى.

لقد أثمرت تلك السياسات السورية اصطفافا ودعما غربيا وأمريكيا كبيرا للأسد للبقاء في الحكم فقد شككت أمريكا في المعارضة السلمية للثورة السورية فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز في 15-6-2011 عن مسؤول أميركي قوله: «نحن نرى عناصر المعارضة المسلحة عبر سوريا».

وأضاف: «في شمال غرب البلاد، نحن نرى أنها تستولي، هناك الكثير منهم».

وفيما أكد أن الأميركيين «لا يعرفون حقاً من هي هذه الجماعات المسلحة»، وأشار إلى أنهم «على أساس ديني، بالتأكيد».

كما قالت صحيفة لوس أنجلوس الأميركية في 19-7-2011م إن الولايات المتحدة بدأت تلطف من لهجتها ضد سوريا، وأضافت أن الرئيس الأميركي باراك أوباما توقف عن دعواته للرئيس السوري بشار الأسد للتنحي عن منصبه والرحيل وأنه بدأ يخفف ويلطف من لهجة الخطاب مع الأسد.

كما ذكّر نتنياهو الأسد في مرتين على الأقل وخلال تصريحات صحفية أمام وسائل الإعلام بأن إسرائيل هي من حالت دون زحف القوات الأمريكية الى دمشق للإطاحة بالأسد بُعيد سقوط بغداد حين هرع أرييل شارون الى واشنطن ليبلغ بوش بأن نظام الأسد خط أحمر ويجب المحافظ عليه.

وفي 26-7-2011م وصف تقرير استراتيجي إسرائيلي بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد بأنه "أهون الشرور" بالنسبة لإسرائيل، معتبراً أن استمرار الأسد في السلطة يعني أنه سيكون مشغولاً بتقوية نظامه بدلاً من مواجهة إسرائيل، في حين أن سقوط نظامه قد يعني عدم الاستقرار على الحدود بالنسبة لإسرائيل أو احتمال أن يصل إسلاميون إلى السلطة، وحتى لو قام نظام ديمقراطي على أنقاض نظام الأسد فإنه لا يعني علاقات أفضل مع إسرائيل.

وبالمحصلة وبعد كل ما ذكر آنفا ،فإن الغرب لازال يأمل في بقاء بشار في السلطة وسيبقى كذلك إلى اللحظة التي يدرك فيها أن مركبة بشار بدأت تغرق وأن الرهان عليه هو رهان خاسر، عندها فقط ستبدأ الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل وربما روسيا والصين ستقول بأن بشار الأسد فقد شرعيته وعليه التنحي، ولكن بعد أن يكون الشعب السوري قد دفع ثمنا باهضاً جدا في سبيل نيل حريته وكرامته.

------------****************----------------

سوريا على مشارف المرحلة الثانية من العنف؟ .. نهلة الشهال

السفير

10-8-2011

يبدو الإمعان في القمع الفظيع في سوريا وكأنه مفتكر، مخطط له بمعنى استراتيجي محسوب النتائج السياسية، وليس فحسب كممارسة للأسلوب الوحيد الذي يجيده نظام استبدادي. فكأنه يتعمد استدراج ردتي فعل: واحدة تدفع الناس دفعاً الى استخدام السلاح على نطاق واسع وشعبي، فلا يعود مقتصراً على مجموعات مسلحة متفرقة، كما هو الحال اليوم. ويمكن الخشية من انزلاق بعض المناطق ذات الطابع العشائري الى هذه الممارسة، كدير الزور المتداخلة مع العراق جغرافياً وقبلياً. وردة الفعل الثانية تبحث عن دفع الدول الغربية الى التفكير بعمل عسكري ما، أو التهديد به، رغم الصعوبات الجمة التي تقف في وجه مثل هذا الاحتمال.

لو حصل انتشار للمواجهات المسلحة ضد القوات السورية، فإن ذلك يبيح للسلطة الانتقال الى المرحلة الثانية من العنف. وهو ما يبدو أنها تسعى إليه طالما القمع الممارس حتى الآن لم يتمكن من إخافة الناس الى الحد الذي يدفعهم للاحجام عن المشاركة في التظاهرات، بل أدى الى نتيجة عكسية على العموم، رغم الثمن الباهظ الذي يدفعونه. تلك المرحلة الثانية من العنف لا تبتغي إخافة الناس بل هزيمتهم، بالمعنى العسكري للكلمة. ولكي تُعتمد، فهي تحتاج الى عنف مقابل، يتجاوز هو الآخر ما تدعيه السلطة السورية وأجهزتها الاعلامية (البائسة!) من ممارسات وحشية لعصابات تقطع أوصال الجنود بالبلطات بعد أن تتمكن من قتلهم. والسلطة بذا تكون بصدد تقبّل، بل اعتماد فكرة أن البلاد دخلت مرحلة الحرب الاهلية، حتى لو أسمتها «تمرد» بعض المناطق أو المدن. ورغم أن في ذلك إقراراً بالفشل التام وبفقدان الشرعية، لأن النظام يتحول حينها الى ميليشيا (ولو بالغة القوة) من ضمن ميليشيات. إلا أن أهل السلطة قد يفعلون أي شيء للحفاظ عليها في يدهم، ولو كان ذلك ال«أي شيء» هو دمار البلد وخرابه. وربما يمكن القول إن الامور لم تصل بعد الى هذا المستوى في سوريا، ولكنها تبدو متجهة إليه!

وأما استدراج التدخل الغربي أياً كانت أشكاله، فيلعب على معادلات متعددة. أولاها يقصد إظهار عجز الدول الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية، عن تجاوز الادانات في مجلس الامن، أو تلك التي تنطق بها بلسانها هي حين تضطر الى تخطي ما يمكن الاتفاق عليه في الاطار الدولي، كما حدث بُعيد البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الامن فيما كان يجري اقتحام مدينة حماه. كما يقصد إظهار عجز العقوبات الاقتصادية، حتى وإن وصلت الى حالاتها القصوى: لم يسبق أن أطاحت عقوبات نظام حكم. وكلما كان هذا الاخير تعسفياً، كلما تمكن من تحميل الناس كلفة العقوبات بل الحصار الاقتصادي، دون أن يرف له جفن. ومن المعلوم أنه لم يعد وارداً لدى واشنطن كما لدى سواها من العواصم الغربية الدخول في مغامرات عسكرية، لا احتلالية على طريقة العراق وأفغانستان، ولا حربية على طريقة ليبيا. وهذا الاستدراج يسجل في باب التحدي وتبيان حدود الضغوط الغربية. وفي حال انتقال القمع الى مستوى آخر من العنف، قد يمكن لحلف الاطلسي اتخاذ قرار بعمل ما، على صعوبة ذلك الشديدة. ولكنه سيكون من قبيل انقلاب السحر على الساحر، فتحتل السلطة السورية موقع الضحية المعتدى عليها من قبل غرب تحركه أطماعه. وعى أية حال، فالتدخل الغربي على العموم، وبالاخص مكبلاً بكل هذه القيود والحدود، قليل الفعالية لجهة تمكنه من التعجيل بإسقاط النظام.

ليس إذاً من وصفة سحرية! ولا صيغ سريعة يمكن بموجبها التخلص من نظام مبني على القمع بمعناه الواسع والعميق، أي ذاك الذي يستب في الاحوال العادية تململ المجتمع، أي مجتمع، وجنوحه الطبيعي الى التعبير عن نفسه، وعن مطالبه الاجتماعية والمعيشية والسياسية المحددة، أو كإبداع حر وفي كل الميادين. يستبقه بتأطير هذا المجتمع وحصي أنفاسه و«هندسته» بما لا يتيح له الافلات من الرقابة والوشاية والاستزلام والخوف... ثم يتدخل ليضبط استمرار هذا الايقاع بواسطة الاعتقالات، وأغلبها يجري لأسباب واهية، وبطريقة اعتباطية مدروسة (وليس في تلازم التعبيرين أي تناقض، بل ذلك هو جوهر نظام الترويع) لتكون سيفاً إضافياً مسلطاً على رؤوس العباد. وأخيراً لا يتوانى نظام القمع عن ممارسة المجازر الجماعية حين يلزمه ذلك، كوسيلة لحماية النفس من السقوط، وكطريقة لتحقيق الغلبة الحاسمة.

لا وصفة سحرية مع الأسف، ولا مجال أمام السوريين سوى الاشتغال على تحررهم. وهذه مهمة شاقة وعالية الكلفة، تفترض امتلاك خيال سياسي خصب وفعال، واستعداداً لممارسة التفاهم الاجتماعي الذي يناقض الاستئثار والغلبة والانتقام، ويُعلي ويسيِّد مفهوم المواطنة بوصفه تقاسماً للحق في البلد، وليس في السلطة فحسب. هذا علاوة على طول النفَس والقدرة على تجنب منزلقات خطرة، على رأسها استسهال طلب التدخل العسكري الغربي، لأنه لن يحصل، ولأنه لو حصل فلا يحقق شيئاً غير الإضرار بشكل لا شفاء منه ببنية البلد ومستقبله.

قد يبدو فظيعاً الطلب من الممثلين المدنيين لمجتمع يتعرض للقصف والتقتيل أن يعملوا على بلورة تصورهم عما يطمحون إليه، وعن نواياهم بخصوص كيفية تنظيم مجتمعهم لو تخلصوا من الوضع الحالي، وذلك على كل الصعد: بما في ذلك المسائل المتعلقة بالاقليات الكثيرة التي تتقاسم المواطنة في سوريا، بما في ذلك مصير العلويين الذين حكم النظام باسمهم، وأحياناً بواسطة توظيف لحمة عصبية تعززها مكاسب ومناصب متاحة، والذين يلعب بعضهم دوراً بشعاً في آلة القمع، كما حدث في الماضي ويحدث في الحاضر، وعلى الارجح في المستقبل. وليس المطلوب طمأنة الناس لفظياً أو عاطفياً، أو تكتيكياً فحسب، لتعطيل انحيازاتهم الضارة بالتغيير، والتي قد يحفزها الخوف من المجهول. بل انه لا يمكن موازنة البطش الفظيع للنظام إلا بالارتقاء الى الوفاء بهذه المهمة.

------------****************----------------

في وحدة المعارضة السورية وعطل السياسة .. د. برهان غليون

تاريخ النشر: الأربعاء 10 أغسطس 2011

الاتحاد

لا نبالغ إذا قلنا إن السوريين، داخل صفوف شباب الثورة وخارجها، بعد بلوغ ثورتهم الشهر الخامس، مع ما قدمه الشعب من تضحيات أسطورية، وما أظهره من بطولات لا توصف، يعاني من الإحباط بسبب تأخر الإعلان من قبل المعارضة عن تكوين هيئة أو لجنة، أو كما يطالب العديد من الشباب، بمجلس وطني يقود وينظم ويخطط للثورة ويرعى مصالحها ومصالح الشعب السوري في الساحة العربية والدولية. وللأسف لم ينل هذا الموضوع حقه من النقاش حتى اليوم بالرغم من أهميته وخطورته، واكتفينا جميعاً نحن المعنيين بالأمر والذين شارك بعضنا في العمل من أجل جمع أطراف المعارضة المشتتة من دون نتيجة واضحة، بالأفكار التي كنا نرد بها على أسئلة الصحفيين أو القنوات التلفزية. ولا يكفي ذلك لمواجهة مسألة اعتقد أنها أصبحت تشكل اليوم أولوية قصوى، بسبب التحديات التي تواجهها الثورة بعد تصميم النظام كما يبدو على تحويل شهر رمضان من مناسبة لتحطيم معنويات النظام وتفكيك أجهزته كما كان يخطط شباب الثورة إلى شهر لكسر إرادة الشعب وتصفية قضيته، من دون أي اعتبار لما ينجم عن هذا القرار من ضحايا بالجملة ومن مخاطر وتهديدات على وحدة الشعب واستقرار الدولة ومؤسساتها.

بداية أقول إن أزمة المعارضة السياسية الممثلة بالأحزاب وبالتكتلات المعروفة لا تتعلق بتعدديتها. فالمعارضة بالتعريف معارضات، لأن التشكيلات الحزبية والتكتلات تعبر عن تآلف مصالح سياسية وأيديولوجية واجتماعية متمايزة. ومن الطبيعي أن تعكس المعارضة هذا التمايز. وهي لا تتجسد، كما يميل البعض إلى التأكيد، في هرم أو تخلف أيديولوجياتها وبرامجها السياسية، فقد أجهزت الثورة على جميع الخلافات السياسية ودفعت إلى الواجهة أفكاراً ومهام جديدة مرتبطة بعملية التحويل العميقة التي تواكب المواجهة الدموية مع النظام القائم، وفرضت على جميع التشكيلات التكيف معها. فلا توجد خلافات برنامجية بين أطراف المعارضة السورية. وبالمقابل هناك إجماع بين قوى هذه المعارضة كافة على مسائل أساسية، كافية في نظري لخلق إطار للتعاون في إطار جبهة موحدة لدعم الثورة السورية وتطوير عملها السياسي والميداني.

فهدف الجميع أصبح اليوم بوضوح لا لبس فيه إسقاط نظام الفساد والاستبداد ومن يمثله، والانتقال بسوريا نحو دولة مدنية ديمقراطية تعددية تساوي بين جميع أبنائها بصرف النظر عن مذاهبهم وأصولهم، ويقوم تداول السلطة فيها على أساس الاختيار الحر من قبل الشعب لممثليه، والمساواة الكاملة في ما بينهم على جميع المستويات. وهناك إجماع مماثل على رفض التدخل العسكري الخارجي، والتأكيد على سلمية الثورة وتجنب أي استخدام للعنف وإدانة من يقوم به، والتمسك بوحدة الشعب السوري، ومحاربة أي شكل من أشكال التمييز والتفرقة الدينية والنزاع المذهبي أو الإثني.

ما الذي يمنع في هذه الحالة تفاهم هذه القوى على الوصول إلى رؤية مشتركة وخطة عمل واضحة وتشكيل لجنة موحدة للمبادرة الوطنية، تنسق بين جميع الأطراف وتوحد عنوان المعارضة السورية لتسهيل اتخاذ القرار والتواصل مع الرأي العام الداخلي بمختلف قطاعاته وترتيب علاقات الثورة مع محيطها الخارجي العربي والدولي؟

هناك بالتأكيد إرث العطالة السياسية النابع من إكراه المعارضة على العيش في قبر سياسي لعقود طويلة متواصلة، لا ترى منه النور ولا تستطيع التواصل مع جمهورها، وهو ما أدى إلى تحولها إلى هيكل عظمي وأفقر منظماتها من الإطارات والمواهب المتعددة التي تحتاج إليها لتتفاعل مع بيئتها السياسية وتستجيب لمتطلبات التحول والتحويل الاجتماعيين المستمرين، وحرمها في الوقت نفسه من خبرات التفاعل مع الجمهور والتواصل الفكري والسياسي معه. لقد أصبح المعارضون في سوريا "البعثية" مستحاثات تاريخية لا حضور حقيقياً لهم في الحياة العامة، بل لقد لصق بكلمة المعارضة معنى السلبية والهامشية والعيش في الماضي. ولا يمكن لكل هذا أن لا يؤثر على سلوك المعارضة ويفسر بطء حركتها وتأخر ردود أفعالها خاصة إذا ما قارناها بوتيرة حركة الثورة الشعبية السريعة التي تتطور كل يوم بل كل ساعة.

ما يمنع المعارضة السورية من بناء قطب ديمقراطي يتحلى بحد أدنى من الاتساق والانسجام وروح المبادرة الجماعية، أمران رئيسيان. الأول نقص الخبرة السياسية الناجم هو نفسه عن الهامشية التي عانت منها السياسة وعاشها السياسيون في نظام لم يعرف سوى العنف طريقة للحكم والتعامل مع الشعب، خلال عقود طويلة، وما نجم عن ذلك من تشويه وإفساد لمعنى الفعل السياسي بحيث تحول، إلى رديف للإعلان عن الموقف الأخلاقي في مواجهة الانتهازية والوصولية السائدتين في حجر نظام جائر، وبالتالي زوال مفهومها بوصفها، قبل أن تكون خطاباً، ممارسة عملية تهدف إلى تغيير الواقع، وتتكيف وتكيف وسائلها وتكتيكاتها حسب حاجات هذا التغيير.

ففي غياب مفهوم السياسي كفاعل أو مغير، تحولت السياسة إلى التأكيد على مواقف مبدئية فحسب. وقد يدفع مثل هذا التأكيد في حالة كالحالة السورية إلى الانعزال والانغلاق على النفس والعيش في شرنقة يحتفي فيها الأفراد، كالمتصوفة، بمواقفهم الأخلاقية وابتعادهم عن السلطة، ويقبلون عن طيب خاطر لا فاعليتهم بل سكينتهم المفقودة.

والأمر الثاني النابع هو نفسه من غياب أجندة التغيير العملي، هو تركز السياسة على الذات الفردية، التي هي موطن المواقف المبدئية والأخلاقية. وهذا ما ولد أيضاً الاستثمار في الخصائص الشخصية، ونّمى التنافس بين الذاتيات المتميزة على تمثيل السياسة والصراع على تجسيدها واحتكار رمزيتها. فليس الاختلاف في وجهات النظر ولا في الإيديولوجيات، ولا في البرامج والخطط التنفيذية هو الذي يسبب الخلاف أو يخلق التباعد بين الأحزاب والكتل السياسية، وإنما حجم التنافر والتناغم بين زعاماتها أو الأشخاص الحاملين لرمزيتها. لذلك لا يقدم تذليل المصاعب الفكرية والسياسية أي فرصة للالتقاء ما لم يحسم سلفاً التنافس بين الأفراد وتحديد مواقعهم في أي تشكيلة محتملة أو بديلة. وغالباً ما أخذ الحل حتى الآن شكل الجمع بين الأطراف، أو إضافة أسماء وجمعها بعضها إلى البعض الآخر، من دون تحديد الصلاحيات وتعيين المسؤوليات القيادية المثيرة للقلق والنزاع، أو التخفيف ما أمكن منها ومن السلطة المرتبطة بها، تجنباً لإثارة الحساسيات الخاصة، وحتى لا يشعر أحد بأن هناك من يتقدم في الرمزية السياسية على الآخر.

الوحدة بوصفها تراكماً وتجميعاً، لا تنظيماً لنوعية العلاقات والمسؤوليات داخل جماعات متشاركة في تحقيق مشروع واحد، تتجلى أيضاً في المنهج الذي اتبعته المعارضة السورية منذ شهرين للتوصل إلى تكوين هيئة تتجاوز الحساسيات الشخصية التي تمنع التفاهم بين الأطراف. وهو تكرار المؤتمرات السياسية الجامعة التي تسعى إلى تجاوز التشكيلات القائمة مع تمثيل جميع الفئات وتيارات الرأي والقبائل والمذاهب فيها. والنتيجة أنه بدل التوصل إلى هيئة واحدة تقود المعارضة أو تمثلها، سيسفر الأمر عن نشوء هيئات متعددة كل منها مرتبط بالمؤتمر الذي ولد منه، وحريص على أن يكرس حضور هذا المؤتمر وتميزه واستقلاله عن المؤتمرات الأخرى. وبدل أن تساهم في توحيد الأحزاب الموجودة أصلاً أو نجمع بينها في تآلف واسع، أصبح تنظيم المؤتمرات باسم المعارضة ولخدمتها منبعاً لمزيد من الانقسام وتشتت الجهد والوظائف المكررة. وبدل أن تكون هناك لجنة واحدة جدية ومقنعة للعلاقات الخارجية وجدنا أنفسنا أمام لجان متعددة غير مقنعة ولا تملك الصدقية فما بالك بالقدرة على الفعل.

ما الحل إذن؟ يسعى شباب الثورة الذين يشعرون أكثر من غيرهم بوطأة غياب المبادرة السياسية الموازية للتقدم على الأرض، أي انعدام القدرة على استثمار التضحيات الكبيرة لتحقيق المكاسب السياسية التي هي الهدف، إلى طرح مشاريع متعددة، منها تنظيم القوى السياسية المفتقرة للروح، أي للفعل، وبالتالي العاجزة عن رؤية الهيكلية التي يحتاجها الفعل، من خارجها، ومن حيث يسيطر الفعل، أي من صفوف الثورة ذاتها، أي إلحاقها بالثورة ووضعها في خدمتها. ومنها أيضاً قيام التنسيقيات نفسها بتشكيل قيادتها السياسية، ومنها أخيراً تفويض بعض الأشخاص الذين يرون فيهم شيئاً من التمثيلية لقيم الثورة وأهدافها، ودفعهم إلى التحرك على الساحة العربية والدولية.

وفي اعتقادي أن المنعطف الجديد الذي نجم عن رفض النظام التخلي عن حلوله الأمنية من جهة، وتطور الموقف الدولي كما عبر عنه بيان منظمة الأمم المتحدة الرئاسي من جهة ثانية، يفتحان نافذة أمل كبيرة ستشجع المعارضة على التقاط أنفاسها والارتفاع إلى مستوى مسؤوليتها، وإلا لن يكون هناك مهرب من تشكيل لجنة مبادرة وطنية من شخصيات مستقلة تعمل بالتنسيق مع شباب الثورة وتستكمل عملهم في تقويض أركان النظام والإجهاز عليه.

------------****************----------------

بعد الانتفاضة العربية والدولية على بشار الأسد .. المعارضة السورية يجب أن تقدم برنامجها .. حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

الشبكة العربية العالمية 8/8/2011

الشبكة العربية العالمية - خمسة أشهر مضت على بداية الانتفاضة السورية المباركة في وجه الظلم والاضطهاد الذي يعيشه الشعب السوري منذ عقود.. خمسة أشهر توازي في خسائرها وبشاعة جرائمها العقود الخمسة التي مضت على حكم عائلة الأسد لبلاد الشام،

موطن بني أمية وأرض نهضتهم الثقافية والفكرية والعلمية.. واليوم وبعد هذه المعاناة الطويلة والمريرة قام العالم العربي بجمهوره وأنظمته بفتح أعينه وكافة جوارحه على ما يجري في سوريا من حمام دم مستمر ومتواصل يستهدف الشعب السوري بكافة مكوناته وفئاته دون أن يراعي هذا النظام حرمة سفك الدم في شهر رمضان المبارك، ولا الفرحة التي يختزنها الأطفال في نفوسهم ابتهاجاً بقدوم هذا الشهر المبارك ومع نهايته عيد الفطر السعيد. فانتزع هذا النظام بممارسة القتل كل معالم الفرح وروح المحبة وبراءة الطفولة وطهارتها، وعوض أن يؤمن فرص العمل للشباب السوري قام هذا النظام بتدمير مستقبل الشباب والأجيال القادمة، وذلك حين أمعنت آلة القتل الرسمية عملها في كافة المدن والقرى والبلدات دون تردد أو وازعٍ من خلقٍ أو دين، مستندةً إلى هذا الصمت المريب والتخاذل الدولي والعربي إلى جانب التأييد الرسمي من حكومة لبنان وحدها دون سواها إلى جانب إيران من بين دول العالم المتحضر والمتخلف على حدٍ سواء.. ولا شك في أن من يؤيد ممارسات من هذا النوع أو انه يتجاهلها يكون جزءاً من المؤامرة بل أداة إضافية في يد الجلاد الذي يمعن في سفك الدماء..

أول تداعيات اليقظة الدولية كان الموقف الروسي الرافض لتجاوز الخطوط الحمر في طريقة معالجة نظام سوريا لانتفاضة الشعب السوري، وتبعته تركيا والأمم المتحدة. واليقظة العربية تجلت في الموقف الكويتي المبدئي، ثم تلاه موقف مجلس التعاون الخليجي، ليتوجه موقف الملك السعودي حين أعلن رفضه ممارسات النظام السوري بحق شعبه ومواطنيه، ودعوته السفير السعودي للعودة من دمشق للتشاور مع حكومته، وهي طريقة لائقة ودبلوماسية لسحب السفير دون إعلان قطع العلاقات ولكنها تشكل بداية جدية وموضوعية لبداية اهتمام عربي ودولي بالشأن السوري الذي تذكرنا مجرياته وأحداثه من شدة هولها بالحقبة الستالينية. هذا الواقع المستجد من الممكن أن تضيفه المعارضة السورية إلى قائمة انجازاتها وانتصاراتها كنتيجة طبيعية لتضحيات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمعتقلين والمهجرين والمشردين من أبناء الشعب السوري ولكن حتى لا يضيع كل هذا هباء في دهاليز السياسية الدولية والتسويات بين القوى الكبرى على حساب الشعوب الضعيفة والمقهورة ، لذا يجب أن تستثمره المعارضة السورية بشكل جيد بأن تعمل على:

- تشكيل هيكلية تنظيمية تضم كافة قوى المعارضة السورية وتشمل كافة مكونات المجتمع السوري

- وضع تصور موضوعي للمرحلة الانتقالية التي تضمن انتقالاً هادئاً وآمناً للسلطة من الديكتاتورية إلى الديمقراطية

- تقديم برنامج موحد يتضمن رؤية القوى السياسية والاجتماعية السورية لدولة مدنية ديمقراطية يتم تداول السلطة فيها في انتخابات حرة ونزيهة

- وضع تصور لطبيعة وشكل النظام الاقتصادي المقبل يكون قادراً على الخروج بسوريا من أزمتها الاقتصادية وتأمين فرص العمل لشبابها

- وضع رؤية لطبيعة علاقات الدولة المقبلة مع جيرانها وأشقائها والمجتمع الدولي تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى

- التأكيد على احترام حرية الرأي سياسياً وإعلاميا

- التأكيد على فصل القضاء وضمان استقلاله

- إلغاء الأجهزة الأمنية التي عاثت في سوريا فساداً على امتداد عقود وإعادة تأهيل منتسبيها وتامين انخراطهم في المجتمع المدني من جديد

النظام السوري الحالي والذي يرى بوضوح أن استمراره بات مستحيلاً نتيجة عجزه عن سحق الانتفاضة الشعبية وبسبب عزوف الدول التي حالفته ودعمته في مرحلة سابقة عن متابعة دعمه وتجاهل جرائمه قد يلجأ لممارسة كل ما يمكنه من تصرفات وممارسات تربك المعارضة أو تتسبب في انقسامها ودب وزرع الخلافات في صفوفها عبر طرح نقاط أو برامج أو مشاريع تسويات بهدف الإرباك ليس أكثر، لشراء الوقت بانتظار متغير دولي ما يعيد خلط لأوراق، وقد يلجأ لبعض أتباعه في لبنان وسواه لارتكاب بعض الهفوات والممارسات التي توحي بأن سقوط النظام السوري الحالي سيشكل كارثة على المنطقة والدول المحيطة، تماماً كما تصرف حين أرسل الشباب الفلسطيني إلى خطوط التماس في الجولان ولبنان بالتعاون مع حماس وحزب الله للإشارة إلى الفوضى التي ستحدث في حال سقوط النظام الحالي.

لذا يجب التنبه من كافة محاولات هذا النظام لضخ الحياة في جسم حكمه المنهار والمتهالك والعمل بوعي وحكمه للمساعدة على خروج سوريا من هذه الفترة المظلمة من تاريخها وعودتها للصف العربي وهي أكثر تماسكاً وقوةً ومنعة..

------------****************----------------

سوريا: قانون الإعلام الجديد – الحرية المفقودة .. أنور البني

الشبكة العربية العالمية 8/8/2011

أية حرية أعطاها قانون الإعلام الجديد في سوريا للصحافة والرأي والتعبير ؟

سؤال أساسي وبديهي خاصة أن ما نفقده ونطالب به في سوريا هو الحرية , هل حقا كما يشاع أن مشروع القانون منع حبس الصحفي ؟ أم هو تلاعب على الألفاظ والمواد القانونية لذر الرماد في العيون !

هل أعطى استقلالية لوسائل الإعلام حقا ؟

في قراءة أولية لمشروع القانون المعروض على مجلس الوزراء نلاحظ ما يلي :

أولا : شكلت المادة / 64 / المجلس الوطني للإعلام من تسعة أعضاء ثلاثة يعينهم رئيس الجمهورية ,وثلاثة يعينهم مجلس الوزراء المعين أساسا من قبل رئيس الجمهورية , وثلاثة يعينهم مجلس الشعب الذي ما يزال حتى بعد قانون الانتخابات الجديد يعين معظمه من قبل رئيس الجمهورية , ولا ندري حقيقة ما الذي يميز المجموعات الثلاث وما التفسير المنطقي لانشاء هذا المجلس سوى التلاعب على الألفاظ والتنويعات لإعطاء وهم أن هناك جهات مختافة يسمي أضاء المجلس في محاولة لمنحه مسحة مصداقية أو استقلالية وهمية والحقيقة أن جهة واحدة تعين معظم أعضاء المجلس إن لم نقل كلهم وهي رئيس الجمهورية,

كما لم يحدد مشروع القانون ما هي مواصفات أو مؤهلات أعضاء المجلس بما لا يترك مجالا للشك ولو للحظة أن يكون المجلس مستقلا أو مؤهلا للترخيص لوسائل الإعلام وإعطائها حريتها الموعودة وبالتالي لا يوجد أي مبرر لإحداثه طالما أنه يمثل قرار الرئيس أو وزير الإعلام , اللهم إيجاد طريقة لتنفيع بعض الأشخاص المقربين ونفقات إضافية على الدولة ووسيلة لتغطية الوجود الأمني المباشر والقانوني في المؤسسة الإعلامية .

ثانيا : حددت المادة /3/ في الفقرة /11/ مبادئ العمل الإعلامي بالالتزام بالمبادئ القومية / أي قومية..؟ .. العربية؟ / والنهوض باللغة العربية! مما يؤدي لمنع التداول بالثقافات واللغات القومية الأخرى في سوريا ومنعها من التواجد الإعلامي .

ثالثا : حظرت المادة 17 في فقرتها /4/ نشر أية مقالات أو أخبار أو معلومات عن الجيش والقوات المسلحة أو قوى الأمن الداخلي باستثناء ما يسمح بنشره , وحظرت بالفقرة /5/ نشر ما يمس رموز الدولة دون تحديد ما هي هذه الرموز أو ما هي الأمور التي تعتبر مساسا برموز الدولة , وحظرت الفقرة /10/ نشر صورة أي شخص مقيد أو معتقل من قبل السلطات .

كل هذه الفقرات جاءت لإسباغ الحماية على الممارسات الخاطئة والغطية عل سوء استخدام السلطة وانتهاكات حقوق الإنسان التي قد يرتكبها المسؤولين في الدولة والجيش والأمن من النشر والتشهير الإعلامي بعد أن أعطتهم القوانين الأخرى الحماية من المسائلة القضائية والمحاكمة أما القضاء عن مثل هذه الجرائم .

وجاءت الفقرة /6/ لمنع نشر كل المذكرات والمستندات والتسجيلات العائدة لأي من الجهات العامة والمصنفة سرية في محاولة لحماية رموز وصفقات الفساد والنهب والهدر للمال العام من الكشف والفضح أمام الرأي العام .

رابعا : ولعل الأخطر في القانون هو المادة / 92/ , فقد روجت السلطات أن مشروع القانون قد منع حبس الصحفي في قضايا النشر وهذا غير صحيح بتاتا لأنه وإن كان مشروع القانون لم ينص في مواده على عقوبة الحبس ولكنه حول الجرائم المرتكبة بواسطة وسائل الإعلام مع اختلاف أنواعها والتي لم تذكر بهذا القانون إلى قانون العقوبات العام والقوانين النافذة , وحيث أن قانون العقوبات العام يعاقب أساسا بالسجن على جرم ذم وقدح رئيس الجمهورية وذم وقدح الإدارات والمؤسسات العامة المرتكبة بالنشر ووسائل الإعلام كما يعاقب بالسجن على نشر الأنباء الكاذبة التي من شأنها إضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة ونشر التفرقة الطائفية أو المذهبية وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني ومحاولة تغيير الدستور ومناهضة أهداف الثورة وغيرها من الجرائم التي تصل عقوبتها في بعض الأحيان للسجن أكثر من عشر سنوات , وبوجود المادة /92/ فإن للنيابة العامة الخيار أن تحرك دعوى الحق العام على الصحفي إما على قانون الإعلام فتنقذه من السجن أو على قانون العقوبات العام فتصل مدة حكمه بالسجن لسنوات , إن وجود هذه المادة لا معنى له سوى أبقاء السيف مسلطا بالسجن على رقاب الصحفيين تحت مسميات قانونية ختلفة فطالما أن قانون الإعلام حدد كل المخالفات التي قد ترتكبها الوسيلة الإعلامية وحدد مبالغ الغرامة المقابلة لكل مخالفة فلا مبرر لوجود المادة /92/.

هذا إذا تجاوزنا المبالغ الكبيرة المفروضة كغرامات على المخالفات والتي تصل في بعض الأحيان إلى مليوني ليرة عدا عن التعويض .

إن كل ذلك يؤكد أن مشروع القانون ما هو إلا محاولة لتجميل وجه القمع وكم الأفواه البشع . وإنه قد صيغ بنفس العقلية التي لا تؤمن بترك أي تفصيل أو مفصل خارج السيطرة , وأن كل محاولات التمويه بادعاء الإصلاح ساقطة وغير جدية وأن الأساس هو تعديل الدستور بما يؤدي إلى انتخاب هيئة تشريعية تمثل الشعب بشكك حقيقي وهي من ستقوم بإنتاج منظومة قانونية جديدة لإعادة تأسيس المجتمع على أسس الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان .

------------****************----------------

أطفال الثورة في سورية: أيتام النظام... وشهداؤه

الثلاثاء, 09 أغسطس 2011

في بدايات الثورة السورية، وتحول الطفل حمزة الخطيب إلى رمز التحرك الشعبي ضد النظام على غرار محمد بوعزيزي تونس وخالد سعيد مصر، سألت صديقاً هو أب لولدين أحدهما ناهز عمر المراهقة إن كان سيسمح لابنه بالمشاركة في تظاهرات مشابهة لو أنه في سورية. أجاب أنه في تظاهرات بيروت التي سبقت خروج الجيش السوري من لبنان وأعقبت عدداً من الاغتيالات السياسية، كان ابناه أو أحدهما، يرافقانه أحياناً إلى ساحات الاعتصام مثل غالبية المشاركين من الطرفين. أما والحال على ما هي عليه من عنف ودموية يواجه بها المتظاهرون في سورية، فكل ما أستطيع قوله هو «لا أعرف»، ثم استدرك: «ربما لن أستطيع ضبطه أصلاً». تلك الحيرة التي تتنازع الشخص بين تأييده للثورة السورية وتعاطفه مع ضحايا خصوصاً الأطفال من جهة، وقبوله أن يتكرر ما حدث لحمزة الخطيب مع ابنه من جهة أخرى، لا يخفف قسوتها إلا صدق القول بأنه قد لا يتمكن من ضبطه.

اليوم وبعد مرور نحو خمسة أشهر على اندلاع شرارة الثورة السورية، لا يزال السؤال مطروحاً على غير الآباء أيضاً من مراقبين ومتابعين، لا سيما مع تواتر صور وتسجيلات تتناقلها المواقع الاجتماعية في شكل شبه يومي لأطفال محمولين على الأكتاف يهتفون في التظاهرات ويرفعون أياديهم الصغيرة بعلامات النصر. هل يجوز الزج بالأطفال في نشاطات الكبار وتعريضهم لممارسات تنتهك طفولتهم وتلصق بهم مواقف أهلهم في السياسة؟

لا شك في أن الإجابة المباشرة والعفوية هي «لا» صريحة وحاسمة تستمد قوتها من عدد من المفاهيم الراسخة في وعينا العام مثل ثنائية «حماية النساء والأطفال» في النزاعات، أو أسس قانونية مثل اتفاقية حقوق الطفل التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان وغيرها طبعاً من الحجج والبراهين الأخلاقية والثقافية والاجتماعية التي تدعم تلك ال «لا». وجاءت ترجمة هذا الرأي على شكل حملات إلكترونية وصفحات فايسبوكية تطالب بإبعاد الأطفال عن التظاهرات وحمايتهم من «شبيحة» النظام السوري بالتوازي مع صفحات دعم للأطفال الشهداء وأولهم حمزة الخطيب.

تلك المعضلة الأخلاقية سبق أن طرحت في شكل قوي خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عندما تحول أطفال الحجارة وصورتهم وهم يرشقون الدبابة الإسرائيلية ويفرون هرباً، رمزاً لنضال شعب كامل وشعاراً له في المحافل الدولية. وكان «أطفال الحجارة» أطلقوا تحركاً سلمياً وعفوياً بامتياز حقق للفلسطينيين إنجازات أكبر مما جلبته لهم الأحزمة الناسفة والعمل العسكري في الانتفاضة الثانية.

وسوق الإسرائيليون الطفل الفلسطيني على أنه درع بشري يستخدمه الراشدون لعلمهم بأنه سيحظى بمعاملة خاصة، وإنه مع الوقت تحول مقاتلاً يستحق محاربته ومواجهته. حتى إن جرعات الشوفينية المفرطة دفعت بعض كتاب اليمين الأوروبي إلى القول إن أرحام الفلسطينيات ولادة لهؤلاء الأشرار الصغار، وإن ذهب أحد اليوم يأتِ عشرة غيره غداً.

ووجد هذا الرأي من يدافع عنه بين فئتين يفترض أنهما متناقضتان. واحدة تسلك المسلك الإنساني وتنادي بحماية الأطفال من العنف، أي أهلهم في هذه الحالة، وأخرى ترى فيهم إرهابيين ناشئين يبرر للآلة العسكرية قتلهم.

هذا السيناريو نفسه يتكرر في الحالة السورية اليوم. فالخطاب الذي يصف به النظام أطفاله يتماهى إلى حد بعيد مع البروباغاندا الإسرائيلية إبان الانتفاضة الأولى. فيبدو فجأة أن الأطفال في سورية دون سواهم في العالم (ما عدا فلسطين ربما) إرهابيون مندسون، يخربشون على الجدران بما لا يجهر به آباؤهم. وكما كان الرد ليكون لو أنهم راشدون، جاء اقتلاع الأظافر والأعين وبتر الأعضاء وأشكال التعذيب كافة مقدمة لرصاصة رحمة غالباً ما لا تأتي.

صحيح أن في لحظة ذروة من هذا النوع لا بد من رفع الصوت بضرورة حماية الأطفال من كل ما يعرضهم لانتهاك كرامتهم وطفولتهم وهي استغاثة تشمل المتظاهرين المدنيين كلهم. ولكن يجب التنبه إلى أن تلك الذروة لم تأتِ من عدم. إنها نتاج 50 سنة من نظام البعث و40 من حكم عائلة الأسد التي لا يبدو أنها كانت مرشحة للانتهاء مع الرئيس الحالي. وقد يكون من المفيد في هذا السياق استعراض وضع الطفولة في تلك العقود، لإعادة النظر بموقف الرفض القاطع لمشاركة الأطفال في تظاهرات الكبار.

بداية هؤلاء الأولاد والفتيات الذين تعرضهم الشاشات اليوم ثائرين غاضبين لا يتحدرون من أسر استفادت من النظام اقتصادياً أو اجتماعياً أو سياسياً ولا عاشوا في ظل نعمه عليهم وعلى آبائهم. فالأخيرون إما استفادوا من جوازات سفرهم الأجنبية للخروج من البلد أو التزموا منازلهم. أما من نزل إلى الساحات معرضاً نفسه وفلذة كبده للخطر فهو ابن الطبقة المتوسطة والدنيا الذي لا يمكنه افتتاح متجر من دون مقاسمة أرباحه مع رجال النظام. إنهم أطفال أسر تنتمي إلى أكثر من 20 في المئة من القابعين تحت خط الفقر في سورية مع ما يعنيه ذلك من قهر وحرمان وعنف منزلي يعيشونه يومياً.

ولعل من المفيد التذكير أيضاً بأن غالبية آباء هؤلاء الأطفال، أيتام بدورهم بسبب حملات الاختفاء القسري والقتل المنهجي والاعتقال التعسفي التي طاولت عشرات الآلاف من السوريين في أمس ليس ببعيد. جيل كامل نشأ في غياب الأب وصورته ودوره داخل الأسرة لتزرع مكانها صورة أب آخر نصبه النظام ورفع تماثيله في الساحات العامة والميادين جاعلاً إياه قائداً مستهاباً إلى الأبد.

والأدهى والأمر، إن الأطفال هؤلاء الذين نسعى اليوم إلى حمايتهم من مخاطر التظاهر ضد النظام السوري (وهو أقل واجب تجاههم)، نشأوا على ضرورة حب جلادهم وجلاد أهلهم من قبلهم. فهل نسينا أن طلاب المدارس كانوا حتى سنوات قليلة مضت يرتدون الزي العسكري للتوجه إلى صفوفهم ويبدأون نهاراتهم بتحية القائد داعين له البقاء إلى الأبد؟ ذاك أن كل تلميذ سوري هو حكماً شبل في طلائع البعث يتم تجهيزه ذهنياً وجسدياً ليصبح عند سن الرشد أو قبله بقليل، جندياً على جبهات الممانعة التي يرتضيها النظام، وهي طبعاً لا تشمل تحرير الأرض المحتلة في الجولان.

عندما يطالعنا اليوم إعلام النظام السوري وبعض مؤيديه بالتعبير عن اشمئزازهم لاستسهال الأهالي إشراك أبنائهم في التظاهرات وتعريضهم للأخطار، لا يسعنا إلا استحضار «أطفال غزة» الذين استهلك هذا الخطاب معاناتهم وابتذلها في استخدامه لهم كدليل على الهمجية الإسرائيلية. أطفال غزة حجة ضد من يقتلهم، أما أطفال سورية فحجة ضد ذويهم!

الثورة السورية أطلقها أطفال درعا من حيث لا يدرون، حين نزلوا إلى الشارع يخربشون على الجدران ما شاهدوه على شاشات التلفزة في مصر وتونس. وعندما سحل الآباء أمام أعين الأبناء واقتيدوا إلى السجون وأهينوا في الشوارع ما عاد ممكناً لأطفال سورية كلهم إلا أن يقتدوا بأقرانهم في درعا ويقلبوا رغماً عنهم ثنائية «حماية النساء والأطفال».

هؤلاء أولاد شاخوا قبل أوانهم كما قالت تلك الطفلة التونسية. لذا، فإن إبعادهم عن الدور الجديد الذي ألصق وإمكانية «ضبطهم» كما قال الأب مهمة شبه مستحيلة.

لذا، قد يكون الأجدى أن يبدأ واجب حمايتهم من الوقوف ضد أنظمة تقتل طفولتهم ببطء ومثابرة وكثير من الصمت.

-----------****************----------------

الحسم الثوري المطلوب في سورية.. نبيل شبيب

مداد القلم

-بين تصعيد القمع الهمجي والتحرك الإقليمي والدولي

ما يجري في سورية حرب لا يكاد يوجد لها مثيل في التاريخ المعاصر يمكن أن تقاس عليه، وهي حرب يمارسها نظام انتهى وجوده بالمنظور التاريخي، ضدّ شعب يستحيل -بعد أن وصل بثورته ودمائه وتضحياته إلى أبواب التحرر من الاستبداد والفساد والهمجية- أن يعود إلى الوراء، مع إدراك أن الثمن الذي يدفعه من أجل الكرامة والعدالة والحرية ثمن كبير، ومع الإدراك العميق أيضاً أنّ الثورة الشعبية تتحرّك ما بين نيران القمع الهمجي المطلق، وبين حقول من الألغام، الإقليمية والدولية.

وفي الوقت الذي أظهر فيه الاستبداد القمعي المتصاعد، عدم المبالاة بمصير سورية الوطن.. والشعب.. والدولة، وسط تلك الألغام بعد سقوطه المحتم، يبقى الحرص في الثورة الشعبية على الاستعداد لتضحيات أكبر مع رفض الانزلاق إلى مخاطر كبرى تحت ضغوط القمع، بدءاً بعسكرة الثورة، مروراً بالتدخل الخارجي، انتهاء بالفتن الداخلية.

لقد ازداد حجم المخاطر.. ويتطلّب الوقوف عندها وقفة مسبقة عند اللحظة الآنية لمسار الثورة الشعبية البطولية نفسها

حرب شاملة.. وثورة مستمرة

ظهر بوضوح أن "الحسم" الذي أعلن عنه النظامُ المترنّح قبيل حلول رمضان، هو التحوّل من "حرب المواقع" ضدّ شعبه إلى "حرب شاملة"، فلم تعد المدن والبلدات السورية، تشهد مظاهرات تتردّد آلة القمع في التعرض لها بعض الوقت وأخرى تواجهها بالقمع الفوري، بل أصبحت لغة الدبابات في الساحات والشوارع والقصف المتواصل وإطلاق الرصاص الفوري، وتهديم أحياء سكنية، وحصار المساجد واقتحام بعضها والهجوم المسلّح على "الجنائز وبيوت العزاء".. أصبح جميع ذلك جارياً يومياً في جميع أنحاء سورية، وأصبح عدد الضحايا خلال الأيام الأولى من رمضان يناهز عدد الضحايا في كل شهر من الشهور الخمسة في مسار الثورة.

في هذه الحرب.. لم تعد كلمات الإصلاح، وعناوين القوانين الجديدة، واللقاءات "التشاورية"، والحكايات الأسطورية في وسائل الإعلام.. لم تعد تمثل جميعها، مع بعضها بعضاً، إلا ما يشبه "الزيت" في محرّكات آلة القمع "الناشطة".

أخفق هذا الحسم القمعي المطلوب منذ أيامه الأولى إخفاقاً ذريعاً، وكان لا بدّ أن يخفق، فشعب سورية الثائر يدرك أنه يواجه عصابات قمعية لا تتورّع عن جميع أشكال الإجرام انفرادياً وجماعياً، وأنّ من يقصف المساكن والمتاجر والمساجد بالدبابات، لا يؤمَن على لحظة واحدة من "الهدوء".. وهذا بعض ما يفسّر استحالة توقف النزيف عبر التضحيات البطولية الجسيمة.

في دوما مثلاً.. سقط الشهداء أول رمضان، وانطلقت الجنائز الجماهيرية الضخمة، فانطلقت آلة القمع الهمجية مجدداً، وعجزت عن منع أهل دوما من إقامة سرادق عزاء، فانطلقت فرق الموت الرسمية تقوّض السرادق نفسه، وعجزت رغم ذلك عن كسر إرادة الشعب الأعزل في المدينة الأبية.. فأقيم سرادق جديد.. واستمرت "الحرب" حرب الإجرام ضدّ ثورة العزة.

درعا التي توهّمت الآلة الإجرامية أنّها قضت عليها، تحركت مجددا.. كالزبداني، واللاذقية، ودير الزور، كمعرة النعمان والبوكمال وحماة وتلبيسة.. والقائمة طويلة فمن أبرز ما تميّزت به ثورة شعب سورية أنّها شملت معظم تضاريس الخارطة الجغرافية والنسبة الأعظم من تضاريس الفئات السكانية.

لقد أصبحت الشواهد على مسار هذه "الحرب الشاملة" على درجة من الكثرة والانتشار بحيث لا تدع مجالا للشك: هذه ثورة شعبية انطلقت لتنتصر، الآن.. وليس في جولة أخرى قادمة.

تحرّك إقليمي ودولي

لا تقتصر الحرب الشاملة من جانب آلة القمع الاستبدادية في سورية على "الداخل".. فقد بدأت تنطلق القذائف في كل اتجاه، عربي وإقليمي ودولي، فبعد "محو أوروبا من الخارطة" على لسان وزير الخارجية السوري، صعّدت مستشارة الرئاسة لهجة التعامل مع الدولة التركية المجاورة، في تهديد مبطّن بإثارة ما يمكن أن تثيره على صعيد الأقليات لإزعاج تركيا، بينما كان التهديد تجاه دول الخليج صريحا غير مبطّن ولكن على لسان من يمكن اعتباره من الطبقة الثالثة من طبقات تركيبة النظام، وهو "ينذر ويتوعّد" بتحريك "الأقليات الشيعية" في الخليج، ولا يُستبعد أن تنطلق "قذيفة" أخرى في اتجاه مصر وجامعة الدول العربية.. وجميع ذلك بعد أن أصبح الجميع عاجزين عن مواصلة الصمت إزاء تصعيد القمع الهمجي الدموي، أو مواصلة الإدلاء بتصريحات معدودة مرفوضة -بمعايير الثورة وشعبها- شكلاً ومضموناً.

إنّ النظام المترنّح داخليا جملة وتفصيلاً يعلن بذلك أنّه عازم على إطلاق جميع مخزونه المتراكم من طاقات القمع الهمجي ومن طاقات إثارة الفتن الإقليمية، في حرب شاملة عنوانها: إما البقاء فوق الجماجم، أو الرحيل بعد إشعال المزيد من الحرائق.

لقد استطاع الشعب الثائر على امتداد خمسة شهور في خوض حرب الثورة السلمية ضدّ الاستبداد القمعي الهمجي دون أن ينزلق في أي مرحلة من مراحل الثورة لأي "مطبّ" من مطبّات التحايل الإجرامي الذي لا يبالي بالأرض والشعب والوطن والدولة.. ولكن هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية ذلك؟.. والأصح: هل تريد ذلك أصلاً أم أنها تعتبر "المطبات" ثغرات مناسبة لتوظيفها من أجل تحقيق أهدافها الذاتية؟..

واضح من التصريحات المتتالية ومن بعض التحركات الإقليمية والدولية، أنّ معظم القوى الإقليمية والدولية انتقلت من مرحلة مواكبة الثورة الشعبية بتصريحات وإجراءات محدودة المضمون والتأثير، بانتظار ما ستسفر عنه المواجهة في الداخل السوري -وربما ما تسفر عنه التحركات غير المنضبطة تحت عناوين المعارضة خارج الحدود- إلى مرحلة العمل على صناعة إطار لخارطة طريق وفق التعبير المفضل عند كثيرين، من أجل إعطاء سورية ما بعد الثورة وموقعها عربياً وإقليمياً صياغة جديدة، لا شك -وفق تلك القوى- أنّها ترتبط برؤاها هي بغض النظر عن احتمالات توافق بعض ملامحها الجزئية، مع بعض ما يتطلع إليه الشعب الثائر في سورية. إنما يكمن الخطر على الثورة وعلى مستقبل سورية، في أنّ التحرك الإقليمي والدولي لا يأخذ مساره وفق جوهر الثورة: تحرير الإرادة الشعبية وتحرير الوطن والدولة من الاستبداد الداخلي جنباً إلى جنب مع التحرر من أي شكل من أشكال الهيمنة الخارجية.

تحرك آخر مطلوب وخطوط حمراء

ليس نظام القمع الاستبدادي في سورية وحده الذي يواجه التحرك الدولي دون أن يمتلك أسباب التأثير عليه، مهما رفع عقيرته بتصعيد "قذائفه" الكلامية المضادة، وهو يدرك أنّ ما يمكن أن يقدّمه للتأثير في صالحه، ينطوي على افتقاد مقوّمات استمرار وجوده الاستبدادي داخلياً -وهذا ما لا يتخلّى عنه- وعلى افتقاد مقوّمات دوره الإقليمي، وعلى وجه التحديد ارتباطه التحالفي الوثيق مع إيران منذ السنة الأولى للثورة الإيرانية.

إنّما يسري شبيه ذلك على القوى الميدانية للثورة، ويسري على القوى السورية في الداخل والخارج الحريصة على صيانة الثورة وتحقيق أهداف الشعب الذي صنعها، أي أن جميع هذه القوى لا تملك أسباب صناعة المواقف الإقليمية والدولية، وصياغة الخطط الإقليمية والدولية، ولكن تملك نفسها، وتملك من خلال ذلك صناعة مواقفها ومخططاتها، بصورة واضحة وقوية راسخة، تمنع أن يتجاوز ما يُصنع إقليمياً ودولياً حدوده في اتجاه يتناقض مع الثورة وشعبها وأهدافها.

إن مستقبل سورية وثورتها مرتبط إلى حد بعيد بما تفرضه القوى الميدانية وتفرضه معها القوى السورية الأخرى على أرض الواقع، في المرحلة الحالية البالغة الحساسية والتأثير على ما بعدها. لا يتحقق ذلك دون معطيات وشروط أساسية، منها:

1- تكثيف المساعي المبذولة من جانب القوى الميدانية حالياً أو من جانب عدد كبير منها، رغم معوقات القمع المتصاعد، ليكون لها خارج الحدود، صوتها الموثوق لديها، المتمتع بقدر كافٍ من القدرة السياسية والإعلامية، ليكون معبرا بشكل صحيح عن الثورة، ومسموعا لدى الأطراف الأخرى من خلال اندماجه فيما تفرضه الثورة على أرض الواقع.

2- توقف القوى المعروفة بالمعارضة التقليدية أو الناشطين، عن كل شكل من أشكال الإقصاء للآخر، أو محاولة فرض الرؤى الذاتية على الآخر، ناهيك عن الثورة وقواها الميدانية.

3- تحرّك القوى التي لا تقصي الآخر، بغض النظر عن تأخّر سواها، من أجل التلاقي على القواسم المشتركة الكبرى فيما تطرحه من رؤى سياسية (1) للوصول مع الثورة -وليس لدفع مسارها في اتجاه ما- إلى هدفها الأول في المرحلة الحالية: إسقاط النظام، ومن رؤى أساسية صادرة عن المصلحة العليا المشتركة من وراء التعددية، لأولى خطوات البناء بعد استرداد الوطن.

4- الإسراع في وضع صيغة موجزة لميثاق مشترك، يحدّد الكليات الكبرى لسورية المستقبل، بما تتلاقى عليه جميع الفئات والاتجاهات ولا يقصي أحداً منها، بالإضافة إلى صيغة موجزة لقواعد التعامل بين القوى المعارضة والناشطة في المرحلة الحاسمة والمرحلة الانتقالية، دون تجاوز الثورة نفسها، وأهدافها الواضحة، وقواها الميدانية الفاعلة.

4- التأكيد المطلق لسلمية الفعاليات الجماهيرية للثورة الشعبية، وعدم الانحراف بها في أي اتجاه مسلّح، أو ممارسات مسلّحة، تصدر انفرادياً عن جهة من الجهات، تحت ضغوط الممارسات القمعية الإجرامية، أو تنشأ نتيجة تلك الممارسات تجاه من ينفصل بنفسه من القوى العسكرية والأمنية عنها.

5- التأكيد المطلق أنّ المطلوب من القوى الإقليمية والدولية، ومن المنظمات الدولية الرسمية والمستقلة، هو الدعم السياسي والإعلامي للثورة الشعبية، والضغوط السياسية والإعلامية على الاستبداد القمعي الفاسد، دون أي تدخل عسكري أجنبي، ودون محاولة ربط جهة من الجهات، المعارضة في الداخل أو الخارج، بالقوى الإقليمية والدولية على أساس تقارب الرؤى معها، بغض النظر عن حقيقية شعبيتها وحقيقة دورها الميداني في الثورة.

...

لقد أصبح التأخر عن تأمين هذه المعطيات والشروط كحد أدنى، من جانب أي طرف من الأطراف، هو بمثابة مشاركة في وضع العراقيل في مسار الثورة الشعبية، وخدمة الاستبداد القمعي الفاسد بقصد أو دون قصد، مع المخاطرة بمسار الثورة الشعبية تحت تأثير ما يمكن أن يصدر من مخططات وممارسات من جانب القوى الإقليمية والدولية.

------------****************----------------

يا أحفاد صلاح الدين.. هذا تعريفنا للعربية.. مؤمن مأمون ديرانية

رابطة أدباء الشام

كان كرد سورية من أوائل الذين أوقدوا نار الثورة، يوم وقف أهل القامشلي قبل غيرهم من أبناء سورية وقفتهم الشجاعة، فهم روّاد هذه الثورة المباركة.. ولم يتوقفوا من ذلك اليوم عن البذل والعطاء ووقفات الرجال..

فكيف يحدث أن يفارق الجماعة جمع من أهلنا الأكراد في مؤتمر إستنبول يريدون إزالة عنوان لغة القرآن من عنوان بلدنا؟ وكتاب الله عزيز علينا جميعاً.. ولغة كتاب الله لغتنا جميعاً مهما كانت أصولنا وأقوامنا.. غفر الله لكم يا قومنا.. وما أنتم إلا قومنا شاء حزب البعث أم أبى.

لكن الأكراد معذورون إذ ينظرون للتعريف المزوّر للعربية فيكرهونه؛ التعريف الذي حمله حزب البعث وتعسّف فيه وعتا وتجبّر نصف قرن من الزمان، عندما كان يزوّر تاريخ الأمة وحاضرها، ويعبث بفكرها وضميرها، ويبذر بذور الفرقة والعنصرية والطائفية ويفرّق بين أبناء البلد الواحد.

تعريف العربية عند حزب البعث تعريف عرقي عنصري نازي يرفضه العربي الشريف وينفر منه غير العربي. لكن العربية في تعريفنا الذي بيّنه رسول هذه الأمة الذي لا ينطق عن الهوى، هي عربية اللسان، وبموجبه صار سيبويه (الأعجمي في الأصل) أباً للعربية وليس واحداً من أبنائها وحسب، وهو وغيره من علماء العربية الأعاجم أصلاً عرب أكثر من كلّ العرب الأقحاح الذين أكلت العجمة ألسنتهم ومسّ التغرّب عقولهم، والذين علّموا أولادهم في مدارس أجنبية غير مبالين أن يكون لسانهم الأول أعجمياً، وإن درّسوهم بعض دروس العربية كما يدرسها الأعاجم يظنون أنهم بذلك قد أعذروا وما أعذروا. العربية عربية اللسان، وهو لسان كل من قرأ كتاب الله.

العربية هي عربية اللسان؛ لسان كل من عاش في هذه البلاد، ولسان كل من قرأ كتاب الله العزيز داخل هذه البلاد وخارجها، وهل هناك أعزّ من كتاب الله ومن حروفه وكلماته؟ هي كذلك منذ أن رفعنا الله من حضيض العصبية القبلية إلى سموّ أخوّة الإسلام، ومن العنصرية القميئة إلى الإنسانية الكريمة، وأخرجنا من ضيق العربية القومية إلى سعة وعالمية لسان العربية الذي خلّده الله بكتابه المعجز.

في الدين يحكمنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" ويسود قول الله عز وجل: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فلا يرفع الإنسان إلا استقامته وإحسانه ولا يخفضه إلا ظلمه وإساءته واتباعه هواه. وفي دولة العدل والحرية والمساواة التي نسعى لها الناس سواسية كأسنان المشط، وهم كاملوا الحقوق متساوون أمام القانون، لا يعلو أحد على أحد بحزبه أو طائفته، وليس لأحد أن يظلم أحداً أو يسلبه حقاً من حقوقه.

أن تكون سورية عربية (وهي كذلك) لا يعني أن تضيق عن غير العرب، وكلنا عرب بتعريف رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما نطقنا بالعربية، وغير العربي في سورية مواطن سوري كامل المواطنة وأخ في الإسلام كامل الأخوّة، وله أن يحافظ على لغته وتراثه ويشاركنا فيها أيضاً، في نسيج جميل للأمة كلّها كما ظلّت طوال أربعة عشر قرناً من الزمان.

حدثونا ونحن صغار أن عائلتنا تنحدر من أكراد الموصل، وقد أسعدني أن أجد (ولو ظناً) ما يربطني بواحد من سادة هذه الأمة وأحد أعظم صانعي تاريخها؛ صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وجزاه عن هذه الأمة خير الجزاء. ولا ننسى أن القائد العظيم قد أعاد بناء الأمة وأصلح تعليمها قبل أن يصنع النصر الذي صنعه، وكانت العربية من العلم الذي علّمه وهو يبني الأمة، لم يحل انتماؤه الكردي دون ذلك. لم نتوثق من أصلنا هذا، ولو توثّقت منه لما تخلّيت عن أصلي الكردي ولامتلأ قلبي اعتزازاً به. وهكذا كل إنسان يتمسك بأصله ويعتز به، ومن لا يعتز بأصله ويريد أن ينساه وينسيه الناس فإنما هو ضائع بلا أصل، لا هو أبقى أصله الذي كان له يعتز به ويعرفه الناس ولا هو كسب أصلاً جديداً يعترف الناس به. وسواء صحّ أصل عائلتنا أم لم يصحّ، فما كنت لأفرّط في أن أكون عربياً منتسباً للعربية، أعظم لغات الأرض التي اختارها الله لكتابه الباقي إلى قيام الساعة، ويمكنني أن أقول بفخر أني كردي عربي، ولا تعارض بين هذه وتلك.

في المجتمع الصالح يتفاضل الناس بتقواهم، وفي أوساط الناجحين يعرف الناس بإنجازاتهم، ولا تشغل الناس أصولهم وتصبح شغلهم الشاغل وموطن منازعاتهم إلا في مجتمعات الجاهلين وأوساط التافهين الفارغين.

إن ألسنتنا تنطق بالعربية، وقلوبنا يسكنها الإيمان بالله ورسوله، وعقولنا تلتقي مع عقول البشر وتقدّر كلّ الصالحين والأحرار وكرام الناس في كلّ زمان ومكان.

إخوتنا وأحبّتنا الأكراد، أحفاد سيّدنا صلاح الدين الأيوبي.. أنتم منا ونحن منكم.. تعالوا إلى كلمة سواء، وارجعوا إلى الصف الذي كنتم فيه، ليكون كالبنيان المرصوص، في الثورة التي كنتم من صنّاعها وفي الأمة التي أنتم منها ولها، ولا تكونوا صوت فرقة وخلاف يرحمكم الله..

------------****************----------------

هل حان الوقت كي يسدد الرئيس بشار الاسد فواتير حكمه وحكم أبيه؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

8-8-2011

أسلحة الميدان الثقيلة من دبابات و مدفعية ميدان وحاملات جند مصفحة وراجمات صواريخ، بقيت صامتة على مدارأربعة عقود في مواجهة إسرائيل العدو الرئيسي في الجولان المحتلة. كأنما أراد الرئيس بشار أسد أن يجدد نشاط هذه الأسلحة فوجه فوهات 'سبطاناتها' في هجمة شرسة تشنها القوات المدرعة بقيادة 'ماهر أسد' تجاه مواطنين سوريين عزّل في رمضان في مدن سورية عدة أهمها حماة ودير الزور وقرى جبل الزاوية والبوكمال.

هذا الفعل الذي لا يوصف بأقل من الخيانة العظمى، لأنه يخلي الحدود من القوات المرابطة فيه ليؤكد بجلاء كأن الرئيس بشار أسد فقد توازنه، وأن حكمه بدأ يترنح وماعاد يعرف كيف يتصرف تجاه الشباب السوري الذين يصعّدون تظاهراتهم في كل يوم جمعة، تزداد أعدادهم ولا تنقص، ويبتكرون التكتيكات التي تؤمن لهم سهولة الكر والفر والانتقال من حي إلى حي عند مهاجمة أجهزة الأمن للمتظاهرين.

الممارسة الوحشية التي دأبت عليها القوات التي يقودها 'ماهر أسد' برضى كامل من الرئيس 'بشار أسد' سوف تضاف إلى ماض إجرامي عريق صبغ فترة الرئيس 'حافظ أسد' في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث سجل على ذمة 'حافظ أسد' قرابة ستين ألف شهيد وأكثر من خمسين ألف معتقل ومئات الآلاف من المهجرين القسريين السوريين، هربوا خوفا من القتل والاعتقال.

'حافظ أسد' لقي ربه، ولن نتكلم عما ينتظره عند أحكم الحاكمين حتى لا نتألى على الله. لكن وريثه 'بشار أسد' سوف يدفع فواتير عهد أبيه كاملة، لأن 'الغنم بالغرم'. ورث حكم سورية عن أبيه فكان حقا عليه أن يسدد حساب الأب كاملا، أما كيف؟ مرة أخرى لا أعرف. وكل ما أعرفه أن الشعب السوري تواق لكي يقتص ممن حرمه وظلمه وسوّد عيشه وأفقره، وكان هذا الشعب قبل حكم حافظ أسد يعيش في بحبوحة من الأمن والعيش الرغيد.

لقد أخطأ حافظ أسد عندما أمضى حياته يمهد طريق الحكم لورثته، حتى رأينا مجلس الشعب الذي اختار حافظ أسد أعضاءه بنفسه يبصمون للرئيس الوريث بعد أن تم تعديل سن الرئيس في الدستور يوم 10 حزيران من عام 2000، ثم لينتخبوه بالإجماع أيضا رئيسا للجمهورية بعد أبيه، ثم ليصبح قائدا للجيش وحاكما مطلقا لكل سورية.

لكن ما نسيه حافظ أسد أن 'الله يمهل ولا يهمل'، وأن الشعب يصبر لكنه لا يغفر لمن أهدر كرامته واستبد بمقدراته. وأن الله سيأتي البنيان الذي بنوه ريبة من القواعد لتعود للسوريين حريتهم وكرامتهم.

لا نزعم أن حافظ أسد كان سيتصرف بصورة أفضل مما فعل وريثه عندما حشد الدبابات والمدفعية واقتحم حماة وجسر الشغور وهو يستعد الآن كي يقتحم مدينة دير الزور، لأن حافظ أسد طاغية لا يقبل أن يلوى ذراعه، ومدينة حماة شاهدة على ما فعل في مساجدها عندما دمرها وقتل أكثر من ثلاثين ألفا من سكان المدينة عام 1982.

قد يستفظع البعض وصف ما فعله الرئيس بشار أسد باقتحام المدن السورية بأسلحة ثقيلة، بأنه خيانة عظمى.

في كل شرائع الدول وفي تعليمات الجيش السوري أن أي جندي يخلي موقعه في مواجهة العدو أو يهرب من المعركة يحاكم بتهمة الخيانة العظمى. فكيف إذا استدار هذا الجندي بسلاحه نحو زملائه؟ لا شك أن التهمة ستكون أشد. فما بالكم إذا كان الجندي هو الرئيس نفسه الذي أقسم على حماية الوطن من أي عدوان أجنبي، فإذا به يفرط بهذا القسم، بل يدفع بالجنود الذين أقسموا على أن يحموا الوطن من العدو، فإذا هم يرغمون على قتل أهلهم وذويهم؟

لا شك أن الشعب السوري كان يتهيب القيام بالثورة على النظام بسبب القمع والتنكيل اللذين كانت أجهزة الأمن السورية تمارسهما مع المواطنين لأقل شبهة. وحتى يوم بدأ الشباب الثائر ثورته، كان شيء من الخوف والرهبة يعمر أفئدة هؤلاء الشباب، حتى كنا نسمعهم يشجعون بعضهم بالهتاف: 'ليش خائفين .. ليش خائفين'.

ويوم أن مارست أجهزة النظام القتل في درعا وأخواتها، وصبغ الدم شوارع البلدات السورية تجرأ هذا الشباب أكثر، حتى كان الواحد يخرج من بين أهله وكأنه ذاهب إلى حضور مباراة كرة قدم، لا يشعر بأي خوف.

ما ينبغي أن يعرفه العالم كله، أن الشباب السوري ما عاد يرضى بأقل من محاكمة رموز النظام بتهمة الخيانة العظمى والقصاص للذين قتلوا بالرصاص الذي دفعوا ثمنه. ولا يستطيع أحد أن يقول : 'عفا الله عما مضى' إلا أولياء الدم أي أهل المقتولين.

------------****************----------------

أوراق وحروف / حماة... تنادي الضمير العالمي! .. مبارك محمد الهاجري

الرأي العام

8-8-2011

250 دبابة «بعثية» تحاصر مدينة حماة السورية، عشرات الدبابات توجه إلى مدينة مليئة بالبشر العزل من السلاح، من شباب وأطفال وشيوخ ونساء، لأنهم طالبوا بشيء واحد، الحرية فقط، دبابات بهذا العدد المخيف لقصف ودك حماة التي سبق أن مسحها عن بكرة أبيها الأب والعم، والآن الأبناء يكملون المسيرة!

مازالت ذاكرة العالم حية تجاه الأحداث الدموية التي مرت بها حماة العام 82 وإزهاق الأرواح التي تجاوزت ال 70 ألفا، والتي انتقلت إلى بارئها تشكو ظلم الطغاة، وتجبرهم على العباد، وها هو السيناريو يتكرر، أين هذه الدبابات من الجولان المحتل، أما كان أجدر وأولى أن تذهب هناك لاسترداد الجزء السليب من الصهاينة الغزاة، أم أن الجبن والخوف والرعب الشديد، يتملك نظام «البعث» عند ذكر كلمة إسرائيل، فلا تقوى قدماه على المواجهة، كما الأنظمة الأخرى التي تسببت بتخلف الشعوب العربية كنظام بن علي، وحسني مبارك، وعلي صالح، وغيرهم، شجعان على شعوبهم، وعند مواجهة أعداء الأمة نعامات في ثياب بشر!

الشعب السوري الشجاع ليس في حاجة إلى استنكار الرئيس الأميركي وإدارته المتواطئة، ولا في حاجة إلى تصريحات ساسة الغرب، الذين تأخروا كثيرا في اتخاذ إجراءات بحق مجرمي «البعث»، وتركوهم يعيثون في الأرض فساداً في تحدٍ كبير لقوانين حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة، ولم يكن ليجرؤ هؤلاء على سفك الدماء، لولا أن رأوا من العالم أجمع صمتاً مريباً وصداً عن قول الحق! وكل هذا من أجل المصالح، التي غلبت سياسة من تتشدق بحماية حقوق الإنسان، أميركا، والتي أثار إعراضها عن الأزمة السورية تساؤلات عديدة، أولها هل هذا الصدود المتعمد، والطناش الواضح، من أجل بقاء نظام «البعث» مدة أطول لضمان أمن إسرائيل؟

فرنسا تستنكر وعلى استحياء، وحتىالرأ هذه اللحظة لم تتخذ إجراءات فعالة، كما فعلت سابقاً في الأزمة الليبية، والتي كان لها الأثر البالغ في هزيمة، وتقهقر نظام القذافي، وقرب زواله من الخارطة السياسية، فهل تتخذ باريس خطوات حاسمة تجاه نظام القتلة «البعثي»، تكون لها أثراً في مجريات الثورة الشعبية في سورية، لعل واشنطن تشعر بالإحراج، أو تخجل من رفعها شعار الاهتمام بحقوق الإنسان، والتي أثبتت حقيقة أنها متاجرة لا مبادئ كما تدعي في المحافل الدولية!

صمت الضمير العالمي... يقتل الشعب السوري!

------------****************----------------

من ينتصر الهاتف المحمول ام الكلاشنيكوف في سوريا؟

ميدل ايست أونلاين 15/4/2011

بيروت – من يارا بيومي

هواتف المتظاهرين في سوريا لا تضاهي اسلحة النظام لكنها تطلع العالم على الوضع في اكثر دول الشرق الأوسط سرية.

في تونس ومصر لعبت وسائط التواصل الاجتماعي مثل موقع فيسبوك دورا محوريا في حشد الالاف للمشاركة في الاحتجاجات الحاشدة التي أطاحت برئيسي البلدين.

لكن في سوريا المحكومة بقبضة من حديد في ظل انتشار اجهزة الامن وعدم تجاوز نسبة مستخدمي الانترنت 20 في المئة وفي ظل القيود الصارمة المفروضة على وسائل الاعلام الاجنبية فان نشطاء الانترنت لا يستخدمون الشبكة في معظم الاحيان الا لاظهار حجم الاضطرابات.

وقال وسام طريف الناشط في مجال حقوق الانسان الذي كان يتابع عن كثب الاحتجاجات على حكم الرئيس بشار الاسد "ما رأيناه في مصر وتونس كان نشاطا ضخما على الانترنت انتقل الى الواقع."

واضاف "في سوريا يتعلق النشاط على الانترنت بنشر تقارير عما يحدث على الارض."

وينسق ناشط سوري يطلق على نفسه اسم ابو عدنان شبكة من المواطنين أصحاب الاهتمامات المشتركة الذين يحاولون تغطية الاحداث في أنحاء البلاد من خلال تصوير الاحتجاجات التي تنتهي في الغالب باتخاذ قوات الامن اجراءات صارمة ضدها وفقا لما يقوله شهود.

وربما لا تضاهي هواتفهم المحمولة بنادق الكلاشنيكوف لكنهم نجحوا في اطلاع العالم على جوانب تكون عادة خفية في واحدة من اكثر دول الشرق الاوسط التي تحيط نفسها بالسرية.

وتنحي السلطات باللائمة في أعمال العنف على "مجموعات مسلحة".

وقال ابو عدنان ان كثيرين يتوقون لتصوير الاحتجاجات والاشتباكات لكنهم لا يملكون الخبرة او الموارد اللازمة كما أنهم يخشون الحكومة التي تراقب دوما الانشطة على الانترنت.

ومن خلال علاقاته بوسائل اعلام وهيئات اعلامية زود ابو عدنان النشطاء بوصلات للانترنت وهواتف تعمل بالقمر الصناعي وهواتف ذكية وكاميرات.

وقال من سوريا "أربعة من أصدقائي قتلوا. أحدهم كان في دوما وكان يصور معي. اختاره قناص على سطح أحد المنازل وكان يمكن أن يختارني. وقتل واحد بعد أن رفض ايقاف دراجته النارية واعتقل اخر وأفرج عنه ميتا وقتل واحد بالرصاص في درعا."

وأضاف "وسائل الاعلام تلفق ما يحدث في سوريا. واذا كان بوسعي مساعدة هؤلاء الرجال في اظهار ما يحدث فيجب أن أفعل هذا. واذا لم أستخدم علاقاتي (بوسائل الاعلام) الان فلا فائدة لها."

وبعد مرور شهر تقريبا على بدء المظاهرات التي مثلت أخطر تحد لحكم الاسد الممتد منذ 11 عاما لم يتضح بعد ما اذا كان تصعيد العنف ضد المحتجين سيضطرهم في نهاية المطاف الى التزام منازلهم ام سيزيد غضبهم.

بالنسبة لابي عدنان كانت مواجهة دامية حدثت قبل أسبوعين نقطة تحول أقنعته بأن من الافضل تسجيل المظاهرات بدلا من محاولة تشجيعها.

قال "نظمنا احتجاجا في دوما وسقط 11 شهيدا. وبالتالي قررنا الابتعاد عن تنظيم الاحتجاجات وركزنا على تغطية الاحداث."

وهو يقول ان حتى هذا ينطوي على مخاطر.

وأضاف "انا شخصيا لا أهدف الى تغيير (النظام). المهم بالنسبة لي هو توثيق ما يحدث والجرائم التي ترتكب."

وتفرض سوريا قيودا صارمة على الاعلام. وطردت السلطات مراسل رويترز في دمشق الشهر الماضي وثلاثة صحفيين أجانب اخرين من رويترز بعد احتجازهم هناك ليومين او ثلاثة. واحتجز مصور سوري يعمل لحساب رويترز ستة أيام.

وتعني صعوبة الحصول على المعلومات أن تعتمد وسائل الاعلام المستقلة بشدة على اللقطات التي يسجلها النشطاء. وقال ابو عدنان انه لولا جهودهم لشعرت الحكومة بأنها أقل عرضة للخطر.

وأضاف "في الوقت نفسه أعتبر أن ما نقوم به يحمي الشبان من ارتكاب النظام المزيد من الاعمال الوحشية. لولا توثيقنا لوقعت مذبحة."

ولا تغيب عن أذهان السوريين الاحداث الدامية التي شهدتها حماة حين سحق الرئيس الراحل حافظ الاسد والد بشار انتفاضة للاسلاميين عام 1982 بارسال قوات قتلت الالاف ودمرت أجزاء كبيرة من المدينة.

وقال ابو عدنان "سمعت قوات الامن تقول لبعضها البعض احذروا فهناك كاميرات.. لا تشهروا اسلحتكم."

ويؤكد ناشط صديق له وهو طالب بجامعة دمشق في الثالثة والعشرين من عمره أهمية توثيق الاحداث في سوريا التي ما كانت لتخطر ببال قبل بضعة أشهر قبل انتفاضتي مصر وتونس.

وقال "حين تورد وسائل الاعلام تقريرا اخباريا ولا يوجد توثيق صوتي ومرئي يكون هذا مجرد حبر على ورق. لكن حين تكون هناك صور تكون للاخبار مصداقية."

وبثت وسائل الاعلام الحكومية لقطات لمسلحين يطلقون النار على حشد من وراء جدار في درعا المدينة الجنوبية التي بدأت منها الاحتجاجات في مارس اذار.

وانتقدت وسائل اعلام سورية والاسد نفسه "القنوات الفضائية" لما تعتبره تغطية منحازة وكاذبة للاضطرابات.

ويقول نشطاء ان هذا يجعل من الضروري التحقق من صحة تسجيلات الفيديو التي يتلقونها عبر شبكاتهم قبل نشرها. ويقومون بهذا من خلال مقارنة عدة مقاطع لنفس الاحتجاج والاتصال بالاشخاص الذين أرسلوها الى جانب التحقق من التواريخ والبحث على شبكة الانترنت للتأكد مما اذا كانت اللقطات قديمة.

واستخدمت السلطات السورية أساليب لجأ لها الحكام الذين واجهوا مشاكل خلال محاولتهم اخماد الانتفاضات في دول أخرى مثل قطع الانترنت والاتصالات الهاتفية في المناطق التي تشهد احتجاجات كبرى او قبل أن تدخل قوات الامن المدينة.

ولا يكاد يستخدم شبكة الانترنت عدد يذكر من سكان درعا وهي بلدة قبلية فقيرة. لكن على الرغم من الحملة الامنية المكثفة هناك حيث سقط معظم القتلى نشرت على الانترنت لقطات لمواطنين غاضبين يحطمون تماثيل لافراد عائلة الاسد.

وقال ابو عدنان "يواجهوننا ببنادق الكلاشنيكوف .. ونحن نواجههم بالهواتف المحمولة."

------------****************----------------

حماة.. عفواً أردوغان.. كلمات الساسة حساسة!.. د. خالد هنداوي

الشرق القطرية

تركيا مطالبة بموقف حازم تجاه القتلة في سوريا ولا تنخدع بالإصلاح الوهمي

يبدو للباحث المتابع إذا أراد أن يمتح رشحة خفيفة من وضع الحالة التركية وتمدداتها تجاه الثورة الشعبية في سوريا أن يقف عند عدة محطات مهمة للتعاطي مع هذا الحدث المهم والذي ليس بالسهل أن يصل إلى تحليل جازم بما ستؤول إليه الأمور حيث إنه بعد أن شاهدنا مداً من قبل حكومة السيد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وكذلك الرئيس السيد عبدالله غول ووزير الخارجية السيد أحمد داود أوغلو باتجاه التصعيد ضد النظام السوري بسبب قمعه الدموي للمحتجين وارتكابه فظائع وحشية واستعداد تركيا للرد بجميع الاحتمالات في الميدانين السياسي والعسكري كما قال أوغلو، ثم ذكر ماهر الأسد ودمويته والتأكيد على تهديد النظام بأنه لا يمكن أن يسمح أردوغان بحماة ثانية أن تقع إشارة إلى مذبحة حماة عام 1982 في عهد الأب حافظ الأسد حيث راح ضحيتها أكثر من خمسة وأربعين ألف قتيل، في مثل هذا الجو من التصريحات الساخنة إبان انتخابات حزيران واجتهاد البعض أن هذا كان تسويقاً للحزب أمام الشعب التركي فإننا شاهدنا جزراً بعد هذا المد طال الصمت فيه حتى شك الكثيرون بتبدل الموقف التركي من الأحداث ربما لإتاحة فرصة أطول من التي ضربت للنظام كي يصلح إصلاحاً حقيقياً يقنع المتظاهرين والمعارضة ومن المعروف أن زيارات مكوكية تمت من قبل الأتراك إلى دمشق ثم كانت الزيارة الرسمية السورية إلى تركيا لتبادل وجهات النظر ولكن دون أن يرشح شيء واضح يطمئن الشعب السوري أو يسكت شيئاً من القمع الدموي، أو ربما ظهر لتركيا بعد ذلك خطورة دخول الحلف الإيراني على الخط سيما أن الأتراك صادروا سيارة إيرانية محملة بالأسلحة تتجه إلى سوريا، كما أعلنوا أنهم قد حجزوا سيارة أخرى قبل يومين رغم نفي إيران لذلك، المهم أن الجانب الإيراني مع حزب الله اللبناني محور لا يمكن إغفال حسابه في المعادلة سيما أنه ثبت لدى بعض المراقبين في حقوق الإنسان تورط جنود إيرانيين ومن حزب الله للمعونة في قمع الاحتجاجات فنياً وميدانياً، أو ربما يكون التحليل أن ثمة وضعاً خفياً في تركيا ظهر في استقالات رئيس المؤسسة العسكرية وقواد البرية والبحرية والجوية، أو أنهم أقيلوا، أي إن الحاصل أن ثمة مشكلة طارئة وهي مهمة جداً للوضع المحلي التركي شغلتهم حتماً عن متابعة المشهد السوري، أو ربما كان الصمت بدافع تخفيف حدة الاحتقان بين أنقرة ودمشق سيما بعد أن سمحت الأولى للمعارضة بأطيافها بدءاً بالإخوان المسلمين السوريين إلى غيرهم باللقاءات في استانبول لعدة مؤتمرات معروفة، أو لأن تركيا أيضاً قد تلوح بورقة المهاجرين الذين لجأوا إليها مؤخراً في أنطاكية وهي تعمل لذلك بالإشارة أكثر من عدم الدفع العلني بعد الأيام الأولى من زيارة وزير الخارجية أوغلو للوصول إلى تهدئة للجانب السوري، ولا أدل على ذلك من أن من أراد من المهاجرين العودة إلى سوريا فإن الجانب التركي كان يوصلهم إلى الحدود بكل راحة ودون التخويف من العودة، أو يكون الصمت للتهدئة بعد أن حدثت مظاهرات منددة بالموقف التركي وذلك أمام السفارة التركية بدمشق والاتهامات العلنية بأن حكومة العدالة لها أجندة سرية أساسها العثمانية الجديدة والبعد المذهبي الإثني الموجود في تركيا وسوريا معاً مما ينذر بانفجارات في تركيا تندد بالحكومة وتزعجها وهي في غنى عن الخوض في هذه الحلبة.. إلى تحليلات أخرى لا تخفى على القارئين فضلاً عن الباحثين، ولكن الذي أريد أن أعالجه في هذه العجالة هو قضية تصريح أردوغان بشأن مدينة حماة حيث حذر وبقوة أنه لن تكون حماة ثانية ليعرف اللاعب السوري حده فيقف عنده، مما أثلج صدور المتظاهرين وشعر الشعب الحموي أنه لن تتكرر المأساة والمذبحة ثانية بل هتفوا تأييداً لأردوغان وأيقنوا أن تركيا التي أصبحت شبه دولة عظمى كما يبدو لفائض قوة لديها اليوم ستقف إلى جانبهم فيما لو أحدق الخطر بهم أو استهدفت المدينة بقمع المتظاهرين الذين وصل عددهم إلى أكثر من نصف مليون عبر الأسابيع السابقة حتى خيل للكثيرين أن حماة سقطت عن سيطرة الحكومة..

ولكن الذي حدث تماماً أن المدينة حوصرت ومرت الدبابات باتجاهها لدكها ولما احتج إعلاميون كثر في الخارج على وزير الخارجية وليد المعلم بشأن هذا الهجوم قال: إن الدبابات متجهة إلى معرة النعمان مروراً بحماة، يا لها من سخافة فكأن بلد أبي العلاء المعري يجب أن يستباح، وكان هذا نوعاً من المكر والخدعة حيث حوصرت حماة بعد ذلك مدة شهر كامل والعالم كله يسمع والسيد أردوغان ومكتبه الإعلامي والسياسي يطلع ولكن دون أي تعليق، فما الذي حدث، دكت حماة من جهاتها الأربع مطلع شهر رمضان الفضيل كهدية ثمينة من هدايا العصابة الأسدية في شهر الكرم والإحسان، وقطعت المدينة عن العالم أجمع ومازالت من حيث الاتصالات وقطع الماء والكهرباء وبدأ القصف العشوائي الذي دمر أحياء بكاملها وهدم أكثر من خمسين بيتاً على الساكنين فاستشهدوا وجرح البعض ولكن لا علاج ولا دواء فقد قصفت المشافي مشفى الحوراني والريس وقتل ثمانية وخمسون مدنياً يحرسون مشفى الحوراني وأعدم مئات من المدنيين السلميين وزج بالآخرين في السجون وقصفت المساجد عشرة مساجد قذفت وهدم واحد منها ونزحت آلاف العوائل هرباً من النار وذبح أطفال وانتحب النساء والشيوخ ولكن أين السيد أردوغان أين الذي حذر وأرغى وأزبد، إنه حتى هذا اليوم لا منقذ ولا مغيث والبلدة تتطلب تدخلاً سريعاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لقد احمر ماء نهر العاصي بدماء الشهداء، وأطرق الناس والمتظاهرون والهاربون وغيرهم ملياً، لماذا ضربنا ثانية أين أنتم يا عرب يا مسلمون بل يا كفار من أرباب الديانات الأخرى في المجتمع الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة، أين الأحرار أين الغيارى أين أنت يا سيد أردوغان، لقد حق لهم أن يبكوا دماً، فما كان لسياسي مثلك أن يطمئنهم ثم يشعر أنه لا يستطيع فعلاً أن يقدم لهم قارب نجاة، لا شك أن كلمات وتصريحات الساسة حساسة ولذلك فإننا نرى أن هذا ليس مجرد خطأ وقع من أردوغان الذي نحبه ولا نظن به إلا خيراً وأنه غالباً ما أسقط في يده وفوجئ بما حدث، ولكننا مع ذلك وبعد تحرك مجلس الأمن ومجلس التعاون الخليجي ومصر نرى أنه مازالت فسحة كبيرة بالضغط على النظام السوري ليسحب الأسلحة الثقيلة والخفيفة والجنود من هذه المدينة الباسلة وسائر المدن ويرحم أهلها السلميين الذين أثبتوا أنهم ليسوا عصابة كما تدعي الحكومة وأنه لا عصابة مسلحة حقيقية في سوريا ضد الشعب إلا عصابة النظام، إنني أعرف السيد أردوغان حقاً وأنه رجل مخلص ولذلك كنت سجلت مآثره في مقال أثناء أحداث غزة الأخيرة وأثنيت عليه وعلى مواقفه الشجاعة خاصة موقفه بالانسحاب من مؤتمر دافوس ونظمت فيه قصيدة وقتها مطلعها:

يا أردوغان وأنت الفارس البطل

دافوس يشهد حقاً وحدك الرجل

ولكنني هنا لابد أن أقول: إنك يا أردوغان رجل تعشق الإباء فكيف يمكن أن تنقذ الحمويين الأباة بعد أن أخطأت في حقهم ولم تبين سبب ذلك ولا اعتذرت فكفر عن ذلك بموقف يشهد لك عند الله وعند البشر، أقنع عصابة الإجرام بحق الشعب بما تقولونه عندكم في المثل التركي: "السلاح عدو صاحبه" حتى يوقفوا هذه السادية في القتل والسحل والتعذيب أخبرهم عن الصحفي السويسري جي تن تانكي الذي بقي شهراً في حماة ثم خرج أول رمضان ولم ير أي سلاح لدى الشعب وأنه لا يريد إصلاحات بشار الشكلانية الممجوجة التي هي أشبه بمن يقتل الإنسان ثم بعد أن يموت يلبسه لباساً جديداً ليصلح حاله.

اعلم يا سيد أردوغان أنك في شهر رمضان ولم يفت الأوان والله سائلك عن تصريحاتك السابقة، فكن حازماً مع القتلة ولا تسيب القضايا بحجة إصلاح وهمي هو السراب بعينه وقدم مصلحة الأمة والوطن والدماء والأشلاء والشيوخ والنساء والشباب المتظاهرين الأطهار على أي مصلحة دنيوية تلبس لباس السياسة الخداعة التي لا يكون فيها حسن التدبير وخير لك أن تصل متأخراً من ألا تصل وتذكر حديث رسول الله لأبي عزة الجمحي الشاعر: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) كن متواضعاً مقدراً للعلماء الربانيين وأيد المتظاهرين ولا تكن كوزير خارجيتنا المعلم الذي تحدى فقال: الكلاب تنبح والقافلة تسير، لا تتكلم مع رأس النظام إلا بكيفية رحيله ونقل السلطة إلى الأحرار والله وأنت والمجتمع الدولي وعزيمة شبابنا الضامن الوحيد لإزالة مملكة الرعب ودخول مملكة الأمن والحرية والكرامة، أقول لك ذلك لأن الأحمق لا يغير رأيه فلا يخدعنك أبداً والشجاعة أن تعتقد كل ما تقول والبطل من يزهق الباطل، وكما أنك يا طيب تحب الشعر وكان سبباً في سجنك سابقاً أقول لك وازن بين العاطفة والعقل وانتشل محبيك من الغرق وأنشد من شوقي:

قف دون رأيك في الحياة مجاهداً إن الحياة عقيدة وجهاد

------------****************----------------

صمتكم يقتلكم! .. مجاهد مأمون ديرانية

أعترف ابتداءً بأنّي سرقت هذا العنوان، لست صاحبه ولا أنا مَن اخترعه، بل سمعته من أحد مصوّري مظاهرات جمعة “صمتكم يقتلنا”، ولا أدري أنَطق به سهواً أم قَصَدَ معناه، قد يكون هذا أو هذا، أما أنا فاستحسنته واستصوبته.

نعم، إنّ هذا لَحَقٌّ وإنه لَصدق؛ إنْ كنتم لنا بصمتكم قاتلين فإنكم لأنفسكم به أقتل، وإن كان لصمتكم ضحايا فإنكم أنتم أنفسكم على رأس ضحايا صمتكم.

هذا عالِمٌ ذائعُ الصيت يسحب من ورائه جمهوراً كوَّنَه في العدد الكبير من السنين، ظن أنه إنْ سكت فلم يمالئ الظالم -كما صنع غيره- فقد أبرأ ذمته. أما علم أن الصمت والجهر بالسوء في مثل هذا المقام أخوان شقيقان؟ أما علم أنه ليس ونحن -عامّةَ الناس- في حق الصمت سواء؟ نحن لم يؤخَذ علينا ما أُخذ عليه من ميثاق، فلو أنّا جنحنا إلى المسالمة واخترنا أهون الطريقين فلا مَلامة علينا، أما العالم فقد أخذ الله عليه الميثاق: أن يُبيّن الحق للناس، فإذا سكت عن البيان فقد خان الميثاق، وإذا صرّح بجزء من الحق وسكت عن بعض -رَغَباً أو رَهَباً- فقد خان الميثاق. إن الصمت في هذا المقام خيانة للنفس وخيانة للدين وخيانة للأمة.

يا أيها العلماء الذين صَمَتُّم في موقع يلزم فيه البيان: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا، لا سامعَ لكم ولا تابعَ بعد اليوم.

وهذا من الذين يسمّون أنفسهم مثقفين. كان ينبغي عليه أن تدفعه ثقافته إلى الدفاع عن حقوق أمته، لكنه اكتفى بالصمت واعتصم به وظن أنه إن صمت فقد أنصف. أما علم أنه لا يصحّ منه الصمت ولا يُقبَل؟ أما علم أنه ليس ونحن -عامّةَ الناس- في حق الصمت سواء؟ نحن لم نمجّد القاتلَ في أي يوم ولا مجّدنا أباه المجرم من قبله، ولا دُرنا في فلك النظام دَوَران المغزل. أمَا وقد فعل هو ذلك ذاتَ يوم وكلَّ يوم فقد وجب أن يكشف عن الحقيقة التي يعرف، وأن يعلن تخلّيه عن الظالم ووقوفه مع المظلوم، هذا وحده هو الكفّارة عن نفاق السنين الماضيات وهو وحده الذي يوفي به المثقفون الدَّينَ لثقافتهم وأمتهم، أما الصمت فإنه خيانة للنفس وخيانة للثقافة وخيانة للأمة.

يا أيها المثقّفون الذين صَمَتُّم في موقع يلزم فيه البيان: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا، لا قارئ لكم ولا مُتابعَ بعد اليوم.

وهذا من الذين يسميهم الناس فنانين، كان ينبغي عليه أن يدفعه فنُّه إلى حمل هَمّ أمته، لكنه آثر الصمت فلم يُسمَع له في هذه المعمعة صوت، وظن أنه أفلح. أما علم أنه لا يصح منه الصمت ولا يُقبل؟ أما علم أنه ليس ونحن -عامّةَ الناس- في حق الصمت سواء؟ نحن لم نسبّح بحمد الرئيس السفاح في يوم مضى ولا اشتغلنا مبيِّضين، نُصرّف طاقتَنا ونَصْرف وقتَنا في تبييض وجه النظام. أمَا وقد فعلتم أنتم ذلك فيما مضى فلا عذر لكم في السكوت اليوم، فاكسروا صمتكم وأسمعونا صوتكم وأعلنوا تخليكم عن المجرمين، اعترفوا أنكم غطيتم بطبقة من البياض الزائف وجهاً داكناً ممعناً في السواد. كفاكم صمتاً؛ إن الصمت خيانة للنفس وخيانة للفن وخيانة للأمة.

يا أيها الفنّانون الذين صَمَتُّم في موقع يلزم فيه البيان: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا، لا جمهور لكم ولا محبين بعد اليوم.

أما أنتم يا عامّةَ الصامتين من راضين أو خائفين أو مستسلمين: إنكم ترتاحون اليوم بصمتكم وتختارون أدنى الطريقين إلى السلامة، لكنكم تخسرون الكثير. تخسرون الشرف، وتخسرون المروءة، وتخسرون الكرامة، وتخسرون احترامَكم لأنفسكم واحترام أولادكم لكم. إنكم تخسرون ما لا يعوَّض بالمال ولا حتى بالحياة.

يا أيها الصامتون: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا؛ إنكم تقتلوننا اليوم بصمتكم، ولكنكم أصدرتم الحكم على أنفسكم بالموت كل يوم إلى آخر العمر، وكفى بهذا الموت المتكرر عقاباً لكم على جريمة الصمت.

أما أنت يا أمين الجامعة العربية ويا أمين منظمة المؤتمر الإسلامي، ويا قادة الدول العربية والدول الإسلامية، فما أدري كيف يمكن لصمتكم أن يقتلكم، فإن الموتى لا يموتون!

------------****************----------------

سوريا وحقيقة "الإصلاح" .. حسام كنفاني

آخر تحديث:الأحد ,07/08/2011

الخليج

من يتذكر جلسة الحوار في سوريا؟ من المؤكد لا أحد بعد يذكر تلك الجلسة التي ترأسها نائب الرئيس فاروق الشرع ليلقي محاضرة إصلاحية على المجتمعين، الذين كان غالبيتهم من أنصار السلطة، وبعضهم ممن يرفضون إصلاح ما هو قائم .

لا أحد سيتذكر هذه الجلسة على وقع نزيف الدماء الذي تتسع رفعته في سوريا، وأزيز الرصاص لا يزال حاضراً في مختلف أحياء المدن السورية التي تشهد أصواتاً منادية بالحرية والإصلاح، وصولاً إلى دعوات إلى إسقاط النظام .

قد يكون من الأفضل أن تتضح الصورة بهذه السرعة، بدل الدخول في مسلسل حواري غير مجد، بانت ملامحه الأساسية حين أقر الرئيس السوري بشار الأسد قانون الأحزاب بعد التعديل . تعديل ينم عن النوايا الحقيقية التي يكتنفها “المشروع الإصلاحي” . فالقانون بصيغته الجديدة سقطت منه الفقرة الأساسية، التي من المفترض أن يكون تأسيس الأحزاب قائماً عليها .

النص الذي نشر على موقع التشاركية التابع لمجلس الوزراء في 21 يونيو/ حزيران الماضي، جاء مختلفاً عما صدر عن الرئيس السوري . ففي حين عرفت المادة الأولى من النص الأصلي الحزب بأنه “كل تنظيم سياسي يؤسس وفقاً لأحكام هذا القانون بهدف المساهمة في الحياة السياسية، ويعمل بالوسائل السلمية والديمقراطية بقصد تداول السلطة والمشاركة في مسؤوليات الحكم”، جاء نص المادة، كما في القانون الصادر رسمياً، أن الحزب “تنظيم سياسي يؤسس وفقاً لأحكام هذا القانون بهدف المساهمة في الحياة السياسية، متخذاً الوسائل السلمية والديمقراطية لتحقيق ذلك” .

وفق هذا المفهوم، لا مكان لتداول السلطة بالنسبة إلى النظام في سوريا . النظام لا يزال متمسّكاً بأنه “قائد المجتمع”، وفق ما تنص المادة الثامنة من الدستور الخاصة بحزب البعث . وأي أحزاب أخرى تريد أن تنشأ فلن تكون أكثر من ديكور، لإضفاء طابع ديمقراطي على حكم البعث، من دون أن تدنو من فكرة التسليم بقيادته الدائمة .

يعني ذلك أن فكرة الإصلاح الجدي من الأساس لم تخطر على بال النظام إلا في محاولة أولية لكبح جماح الاحتجاجات . أما اليوم، فقد بات الحل الأمني هو الخيار الوحيد، ما يعني أن لا إصلاح ولا من يصلحون .

------------****************----------------

هل يرفض السوريون الحوار؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

7-8-2011

يركز البعض على فكرة، أن السوريين يرفضون الحوار سبيلا في معالجة الأزمة السورية الراهنة، والتي تكاد تغلق شهرها الخامس. ويشير هؤلاء إلى رفض السوريين للحوار، باعتباره يتصل بأمرين أولهما إعلان المتظاهرين رفضهم الحوار، حيث أطلقوا على واحد من أيام الجمع عنوان «جمعة لا للحوار»، والثاني أن المعارضين من الشخصيات الوطنية وأحزاب المعارضة، رفضوا المشاركة في اللقاء التشاوري للحوار الوطني الذي عقد في دمشق برئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع رئيس هيئة الحوار الوطني، والتي يفترض قيامها بالتمهيد لعقد مؤتمر للحوار الوطني في وقت لاحق.

وبغض النظر عن الخلفية السياسية الكامنة وراء ترويج البعض لرفض السوريين فكرة الحوار في معالجة مشكلتهم، فإن مثل ذلك القول ليس صحيحا لا في الفكرة والمبدأ ولا في الوقائع. فمن حيث المبدأ، فإن كثيرا من النشطاء السوريين ومن قادة الأحزاب، أكدوا مرات كثيرة على أن فكرة الحوار هي فكرة أساسية في معالجة المشكلات التي تواجه سوريا، وهم أضافوا إلى ذلك قول، إن ضرورة الحوار في التصدي للمشكلات، تتجاوز الواقع الراهن ومشكلاته إلى اعتبارها طريقا ومنهجا في معالجة مشكلات المستقبل جميعها، وإنهم أصروا على رفض العنف والقوة كأسلوب في معالجة المشكلات السورية في المستقبل، كما يرفضون استخدامهما في الوقت الراهن، ويضيف النشطاء وقادة الجماعات السياسية في تأكيد تبنيهم الحوار نهجا القول إن جماعات المعارضة السورية، التي أعلنت تشكيل تحالفها الواسع تحت اسم إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005، ركزت على تأكيد أن الحوار يمثل أحد سبل التغيير الديمقراطي في سوريا.

وباستثناء مواقف الشخصيات وقادة الأحزاب المعارضة في تأييدها فكرة الحوار، فقد تضمنت وثيقة أصدرتها لجان التنسيق المحلية، وهي إحدى الجهات الرئيسية المنخرطة في الحراك الشعبي، أن رؤية لجان التنسيق المحلية لمستقبل سوريا السياسي، تقوم على فكرة حوارية أساسها عقد مؤتمر وطني، يشارك فيه كل السوريين بهدف رسم ملامح نظام جديد أساسه الديمقراطية، انطلاقا من أن سوريا جمهورية مدنية، تقوم على أن السوريين شعب واحد، أفراده متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو العرق.

إن السوريين بمن فيهم معارضون ومشاركون في حركات الاحتجاج ومتظاهرون، لا يعارضون الحوار، وهم عندما طرحت عليهم فكرة الحوار من بعض شخصيات السلطة في وقت مبكر من اندلاع الأزمة، سعوا من أجل أن يكون الحوار مفيدا وناجحا وله جدوى، وهم في هذا أكدوا أن الأزمة بطبيعتها سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، الأمر الذي يتطلب أن تكون معالجتها سياسية، ويمثل الحوار إحدى مراحل الحل السياسي، وأضافوا إلى ما سبق أن عملوا وطالبوا السلطات بتوفير بيئة للحوار من أجل نجاحه ووصوله إلى غاياته لتجاوز الأزمة السورية، وأكدوا على توفير بيئة للحوار تتضمن، وقف الحل والمعالجات الأمنية، والإقرار بأنه ينبغي التوجه إلى حل سياسي، إضافة إلى إطلاق السجناء والمعتقلين السياسيين جميعا بمن فيهم معتقلو الأحداث، ثم السماح بالتظاهر السلمي وسط حماية جهاز الشرطة للمتظاهرين الذين بعملهم إنما يعبرون عن رأيهم وموقفهم بصورة سلمية.

لقد قوبلت طروحات السوريين من خارج النظام فيما يخص الحوار - ولا سيما دعوات توفير بيئة الحوار - برفض حاسم من جانب السلطات السورية، وتم تأكيد الأمر في جانبه العملي في خطوتين، الأولى يمثلها رفض وقف المعالجات الأمنية والثانية رفض إطلاق السجناء والمعتقلين السياسيين، فيما تجسد الرفض من الناحية السياسية في عقد اللقاء التشاوري من أطراف ومؤيدي النظام الحاكم والذين اضطروا إلى إصدار توصيات ذات طابع إصلاحي، وقد جرى تجاهل هذه التوصيات من قبل النظام، الأمر الذي يشير إلى عدم جدية النظام في توجهه إلى اعتماد الحوار طريقا وفي الأبعد منه باتجاه السير إلى الحل السياسي لمعالجة الأزمة.

إن خيار الحوار في سوريا يتطلب إيمانا بالفكرة، وهو أمر لم يتم اعتماده رسميا في الحياة السورية طوال العقود الخمسة الأخيرة، بل ما تم تكريسه عمليا هو فرض المواقف والسياسات في جوانب الحياة الوطنية من السياسة إلى الاقتصاد وصولا إلى المجتمع والثقافة وعلى مختلف المستويات من الأعلى إلى الأدنى، وأطلقت المعارضة في مواجهة تلك السياسة فكرة الحوار على مدار سنوات العقد الماضي، وحاولت تكريسها في المستويات كافة كما في العلاقات الداخلية والوطنية، قبل أن تتوجه السلطة إلى مقاربة الفكرة في أشهر الأزمة الأخيرة، وهي مقاربة كادت تقتصر على الناحية الإعلامية من جهة وبهدف التسويق الخارجي من جهة ثانية، وفي الحالتين لم تقم السلطة بتوفير إرادة سياسية للسير بالحوار نحو أهدافه الأخيرة، وهذا هو الأهم في موضوع الحوار!

------------****************----------------

محامون عن (جريمة حماة)! .. جواد البشيتي

2011-08-07

العرب اليوم

في هذا الربيع الثوري الديمقراطي للشعوب العربية, لا بدَّ من إعادة تعريف العدو لشعوبنا المنتفضة الثائرة; فإنَّ ما حدث ويحدث يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ العدو الإسرائيلي (مع حليفه الأوَّل والأعظم في العالم ألا وهو الولايات المتحدة بصفة كونها القوَّة الإمبريالية العظمى في العالم) يستمِدُّ جزءاً كبيراً من قوَّته من أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية التي عرفت كيف تجعل مجتمعاتنا وشعوبنا (وأمَّتنا بأسرها) صِفْراً مُطْلَقَاً من الوجهة السياسية الإستراتيجية في صراعنا القومي والتاريخي ضدَّ هذا العدو; وإنَّ ما حدث في مدينة حماة يَصْلُح دليلاً قوياً على أنَّ كل نظام حكم عربي يناصب الحقوق الديمقراطية لشعبه العداء لا يمكن أن يكون معادياً (عداءً حقيقياً إيجابياً مثمراً) لإسرائيل.

إنَّ ورقاً يكشف ورقاً; فلمَّا كشف نظام الحكم السوري (عن اضطِّرار) كثيراً من أوراقه, وأظهرته ثورة شعبه عليه على حقيقته العارية من الأوهام المعمية للأبصار والبصائر, كَشَفَ حلفاؤه من "المثقَّفين القوميين والثوريين العرب", وعن اضطِّرار أيضاً, أوراقهم, فبانوا على حقيقتهم السياسية والفكرية, والتي لا نراها في وضوح وجلاء إلاَّ في الفاشية والستالينية.

لقد قُلْتُ بالحاجة (الشعبية الثورية) إلى إعادة تعريف العدو; لكنَّ إعادة التعريف هذه لن تكون مفيدة (نظرياً وعملياً) لشعوبنا المنتفضة الثائرة إلاَّ إذا جاءت متوافقة لا متعارضة مع "روح" الربيع الشعبي الثوري الديمقراطي العربي; ولن تجيء متوافقة معها إلاَّ إذا اشتملت على "الاستبقاء" و"الإضافة"; فإنَّ إسرائيل, ومعها القوَّة الإمبريالية العظمى في العالم, تبقى, ويجب أنْ تبقى, العدو لشعوبنا وأمَّتنا, على أنْ تُضاف إليها, ولأسباب موضوعية واقعية, أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية, التي في حماة (على وجه الخصوص) عَرَّفت لنا نفسها بنفسها, وأقنعت حتى قليلي الذكاء الثوري من "مثقَّفينا القوميين الثوريين", بضرورة وأهمية أنْ تأتي إعادة تعريف العدو بما يجعلها جزءاً لا يتجزَّأ من هذا العدو الحقيقي (المركَّب) لشعوبنا وأمَّتنا.

وفي هذا الصراع التاريخي والحضاري الذي تخوضه شعوبنا الآن ضدَّ هذا "العدوِّ المركَّب", والذي "رَكَّبه" الواقع الموضوعي لا نحن, لا بدَّ لعقولنا من أنْ تغتسل, أيضاً, من وهمين كبيرين هما: وَهْم "الديمقراطية المتصالحة مع عدوِّنا القومي (إسرائيل)", ووَهْم "العداء القومي لإسرائيل المتصالح مع الدكتاتورية".

أقول ذلك, وأقول به; لأنَّ ثمَّة "مثقَّفين ليبراليين", قادهم تعصُّبهم ل "حقوق الإنسان", ولِمَا يتفرَّع منها, ويُشْتَق, من شعارات ليبرالية, إلى أنْ يفهموا الثورات الديمقراطية لشعوبنا على أنَّها الطريق إلى التصالح مع العدوِّ الإسرائيلي, والتخلِّي عن الصراع القومي ضدَّه; ولأنَّ ثمَّة "مثقَّفين قوميين ثوريين" زَيَّن لهم ضيق أُفْقِهم القومي والثوري أنْ يمجِّدوا الدكتاتورية, وأنْ يتصوَّروا, ويُصوِّروا, الدولة العربية التي رأيْنا وجهها الحقيقي في حماة على أنَّها سلاحٌ لنا, لا ضدَّنا, في صراعنا القومي ضدَّ العدوِّ الإسرائيلي; وكأنَّ نيل شعوبنا لحقوقها الديمقراطية هو نَيْلٌ من قوَّة مناعتنا القومية!

إنَّنا ضد كل "ثقافة قومية" تُمجِّد الدكتاتورية, وتعادي الحقوق الديمقراطية للشعب, وضدَّ كل "ثقافة ليبرالية" تدعو (ولو ضِمْناً) إلى التصالح مع عدوِّنا القومي, أي الاستخذاء له, وتُصَوِّر هذا التصالح على أنَّه خير مقياس نقيس به قوَّة التزامنا الديمقراطي.

وإنَّ آخر ما ألْهَمَهُم الوحي البعثي الأسدي هو أنَّ ما يحدث في سورية ليس ثورة شعبية أصيلة ضدَّ الدكتاتورية, ومن أجل نيل الشعب حقوقه الديمقراطية والإنسانية, وإنَّما جُمْلَة ضغوط يتعرَّض لها نظام الحكم السوري (الذي يمثِّل القلعة القومية العربية الأخيرة ضد العدوِّ الإسرائيلي) من أجل حَمْلِه على التنازل للولايات المتحدة (في المقام الأوَّل) في قضايا قومية, وبما يعود بنفعٍ كبير على عدوِّنا القومي الأوَّل وهو إسرائيل; فإنَّ ممارسي تلك الضغوط لا يستهدفون إطاحة نظام الحكم هذا وإنَّما إخضاعه لهم, وإرغامه على أنْ يلبِّي لهم مطالبهم وشروطهم على المستوى الإقليمي.

إنَّه قولٌ لا غرض يكمن فيه إلاَّ "الإمعان في التشويه", و"بث الروح الانهزامية" بين المنتفضين الثائرين من الشعب السوري; فهذه الثورة الديمقراطية الأصيلة للشعب السوري, يُمْعَن في تشويهها, فتُصوَّر على أنَّها الجزء الأكبر والأهم من حملة الضغوط الدولية والإقليمية التي يتعرَّض لها نظام الحكم السوري الذي سيبقى, ولو كَرِه شعبه المنتفض الثائر عليه; لأنَّ ممارسي الضغوط أنفسهم لهم مصلحة في بقائه, ولا يمكنهم الاستغناء عنه, وعن خدماته; فَليَكُفَّ الشعب السوري عن طلب "المستحيل", دولياً وإقليمياً.

أمَّا الواقع, الذي هو الآن كجهنَّم لأوهامهم, فيقول لو كان نظام الحكم السوري مقتنعاً بانتهاء ثورة شعبه عليه إذا ما تنازل للولايات المتحدة لتنازل; ولو كانت الولايات المتحدة تملك أمْرَ الثورة السورية لَعَرَفَت كيف تغري نظام الحكم هذا بالتنازل لها.

على أنَّ هذا الذي قُلْت لا يتناقض مع تتمته الواقعية الضرورية وهي أنَّ ثمَّة قوى دولية وإقليمية عدة تسعى في تسيير رياح الثورة الشعبية الأصيلة بما تشتهي مصالحها وأهدافها والتي هي مصالح وأهداف تتعارض, ولا تتفق أبداً, مع دوافع تلك الثورة, فتلك القوى لا تُصالِح نظام الحكم السوري, إذا صالحته, ولا تعاديه, إذا عادته, إلاَّ بما يعود بالضرر على ثورة الشعب السوري, الذي كلَّما تعمَّق وتوسَّع في ثورته اقتنع أكثر بعداء تلك القوى له ولثورته; وكلَّما ازداد اقتناعاً بذلك اشتدت وعَظُمَت حاجته إلى مزيد من الثورة على الدكتاتورية.

------------****************----------------

الوصايا العشر للثورة السورية .. خالص جلبي

إيلاف 7/8/2011

1 مايحدث في سوريا هو حدث القرون أي لايحدث إلا في الألف سنة مرة واحدة، وهذا يعني أن أي عودة للوراء معناه الدخول إلى أرض العبودية من جديد وبئس المصير.

2 عوائق نجاح الثورة كثيرة ربما كان أهمها ورقة الطائفية، ورعب الأجهزة الأمنية، وفقيه السلطة من أمثال البوطي، وواعظ السلطان من أمثال الحسون بدون حسن، ومثقفو السلطة من أمثال أدونيس المتحدث باسم الحداثة المنكر خروج الجماهير من المساجد، وهي آخر معقل للمواطن؛ فهو يحاول ترقيع مافتق، ولحاق القطار بعدما أقلع؛ فهو يؤيد أيضا استقالة الطاغية مقابل دولة علمانية، وهذا يقرره الشارع وتفرزه الثورة وأهلا بالتائبين.

ومن عجيب العوائق إسرائيل المتعاطفة مع النظام المافيوي، والتي تخشى من انتقال الفوضى إلى حدود بني صهيون بزعمهم، وهو ما حافظ على فردة حذاء البعث الثانية أن لاتطير مع الزلزال العراقي، فهي تحافظ عليه بعد أن أمَّن لها الجولان هادئا ثلاثين حولا، فلعلها أن تأمن ثلاثين أخرى!

ولكن أخطر عائق في وجه الثورة وليس من عدو أفظع أن تخسر صبرها فتنزلق إلى مستنقع الطائفية، أو حمى التسلح والمقاومة العسكرية فتخسر خسرانا مبينا حتى لو ربحت.

إن خسرت عاشت في العذاب المهين في ظل آل الأسد يذبحون أبناءكم ونساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم.

وإن نجحت ارتهنت إلى السلاح ومن يموله، لذا كان أفضل سلاح .. لاسلاح.. بعد أن وصل العالم الأول إلى معادلة تحييد السلاح حين وصل إلى سقف القوة بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، فهو يبيع السلاح بلا أخلاقية لمناطق تحكم فيها عصابات مسلحة من نوعية عائلة الأسد مسلحة حتى الأسنان والأظافر بكل سلاح تنتجه مصانع روسيا وبرلين ودترويت.

3 الثورة هي علاقات جديدة بين البشر في الخلاص من القوة وبناء مجتمع توحيدي مقابل مجتمع القوة الوثني.

المجتمع الوثني محوره القوة، وصورته عبادة الأصنام الحية والميتة، فتزعق الجماهير الوثنية بالدم بالروح نفديك يا أبو الجماجم.

وعموده الفقري الإكراه، ودمه الخوف والإذعان، ووسطه الكراهية، مرتدا إلى الإكراه والقوة من جديد.

مقابل مجتمع التوحيد الذي تحكمه الفكرة، والطاعة في المعروف، والمعصية في الأثم والعدوان، دمه الحب، ولحمته عبادة الرحمن.

وما تفعله الثورة هو اقتلاع سرطان وليس مقاومة احتلال.

4 الفرق بين الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي مثل التهاب الجلد السطحي وسرطان الميلانوما، الأول مؤلم واضح سريع البداية والنهاية ومعالجته سهلة، والثاني غامض البدء خبيث السير غير مؤلم وحين الانتباه إليه يصبح متأخرا جدا قد يأخذ بصاحبه إلى الموت كما روى لي صديق حميم ابتلي بهذا المرض الخبيث فهو يودع..

النظام السوري المافيوي هو سرطان معالجته جدا نازفة كما نرى في أنهار الدماء في درعا وتلبيسة وجسر الشغور وتل كلخ ودير الزور وحماة التي ستكون فيها معركة الحسم وكسر العظم.

5 الحرب الإعلامية ليست أقل من عشرات المظاهرات، والبارحة من كندا كانت عفراء جلبي على الإذاعة الكندية الرسمية (CTV) تتكلم بلغة رائعة وألفاظ واضحة وفكر متألق عن مصير الثورة وعلى نحو احترافيk مما يجعلنا نثق بنجاح الثورة مع وجود هذا المستوى العالميp فلم تعد معركة في الظلام يقتل فيها عشرات الآلاف وليس من سمع ورأى وأخبر..

6 يجب أن نعلم أنها حرب بقاء ولذا فإن النظام يحاول استخدام أي وسيلة مشروعة وغير مشروعة للبقاء مستريحا على ظهور العباد إلى الأبد مخالفا طبيعة الطبيعة.

إذا سمعنا فتاوى البوطي، وترهات وزير الخارجية المكتنز بالشحم والخطايا، وصمت ماهر الأسد، وإعلان المخلوف إنه لم يعد يخالف، وظهور شحادة وصوان والحاج وطالب وبثينة الصحاف يكذبون فهي حرب يجوز فيها القتل والسحل والكذب واقتراف كل المحرمات طبقا لقوانين المخابرات السبع مثل أبواب جهنم السبعة لكل باب منهم جزء مقسوم.

7 كل مفاوضة مراهنة خاطئة وهي محاولة كسب الوقت لنظام يترنح في سكرات الموت، كما أعلن وزير الخارجية السمين بالإعلان قريبا عن قانون الانتخابات (حرة ونزيهة قبل نهاية 2011م)، وهو من أعلن غياب أوربا من خارطة العالم، ويمكن أن يكرر فيقول لنعتبر أن حماة غير موجودة، ويمكن أن ينقلب على عقبيه فيقول لنعتبرأن الانتخابت ألغيت!.

قد يلفظ النظام أنفاسه وقد يعمد إلى أسلحة جديدة بإخراج البارودة الغليظة بتعبير بعض العميان، قد ينتهي في رمضان وقد لاينتهي، ولكن الشيء الأكيد الجماهير كسرت الأغلال، وأن أجله اقترب..

والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وبما كنتم تفسقون. ..

8 علينا فهم معادلة المنطقة بين إيران وحزب الله وتركيا واوربا وامريكا وإسرائيل.

انتصار الثورة في سوريا يعني هز سرة العالم، وتداعي نظام الملالي في إيران وامتداداته إلى لبنان.

حزب الله أهلا به مقاوما لإسرائيل؛ فيجب عدم خلط الأوراق، ولسوف يستفيد من الثورة السورية صدقا وعدلا ويتعامل مع الشعب السوري الحقيقي غير المزيف من النظام المافيوي الحالي.

فيما بتعلق بإيران سوف تنتقل روح الثورة إليها أيضا تحريرا من مصيبة الملالي المتجمدين في مربع الزمن عند معركة صفين وقصة السرداب وبعث الأموات بعد ألفي سنة؛ فيجب مد اليد لقوى الثورة عندهم وهم جماهير كثيرة من أجل إدخال إيران إلى صفنا والعصر. ... إن الإنسان لفي خسر إلا الصالحين.

تركيا ليست سحرا وعلينا أن لانعول عليها كثيرا، ظهر ذلك في تناقضات التصريحات، ويجب أن نعذرهم، وعلينا أن لا ندخل في لعبة نفوذا القوى بين تركيا وبلاد فارس، وما ينتظر العرب مستقبل وضيء لحرية العرب جميعا، ومعهم شعوب المنطقة؛ فيدخلوا مسرح التاريخ في العشرين سنة القادمة.

9 على الأكراد أن لايقفوا أمام الكلمات والشعارات واسم الجنين القادم فقد نضيعه فيموت بحماقاتنا، والعبرة ليست اسم الدولة بل كمية العدل المتحقق، انظروا إلى كندا التي أكتب منها فيها كل الأقليات والمذاهب والنحل والملل والطوائف والأديان.

ربما يجب أن تسمي نفسها سوريا مثل كندا. سوريا وبس..

10 على الأقليات من مسيحيين وعلويين ودروز وسريان وأرمن وشراكسة وآشوريين ونسطوريين ويزيديين وإسماعيليين أن يطمئنوا إلى روح الثورة السلمية، وسوف تبقى كذلك، ولن تنجر إلى مستنقع المهرج الليبي.

الانتفاضة ليست في وجه أقلية وطائفة، وإن كان بعض منهم راهن بمستقبله مع هذا النظام الإجرامي خوفا وطمعا وجهلا وتجنيدا، ويعلمنا الرب دوما أن لانعمم منهم الصالحون ومنهم دون ذلك كانوا طرائق قددا.

وأذرع النظام هي مزيج من أناس شتى باعوا ضميرهم للشيطان بمن فيهم فقهاء اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا..

علينا إذا أن نضع يدا بيد من أجل بناء سوريا المستقبلية بحرية وعزة وعلم وسلم..

أخيرا وكطبيب في جراحة الأوعية الدموية أنصح في موضوع معالجة الإصابات الانتباه إلى بضعة امور ولعلها تحتاج مقالة مستقلة.

 كل نزف يعالج بالضغط عليه.. ليس فوقه ولا تحته بل فوقه بالضبط منعا لمزيد من النزف، فكل نزف يهدد الحياة.

 كل أصابة في العمود الفقري يجب فيها التثبيت وكذلك الكسور..

 كل جرح سطحي لم يصب وعاءا دمويا يجب فيه التطهير ولو بالماء والصابون ولم أطراف الجرح بأي وسيلة.

 كل اختناق يجب فيه تحرير الطرق التنفسية وفي حال الاستلقاء أن يرفع الفك العلوي للأسفل باليدين تمريرا للهواء..

 كل فقد في الدم يعوض بالسوائل إن لم يتوفر الدم وبسرعة خوفا من دخول حالة الصدمة.

 محاولة حقن مضادات الكزاز في الإصابات الملوثة وتناول الصادات الحيوية في حالات الالتهاب إن توفرت. المهم جدا المحافظة على نظافة مكان الإصابة حتى لايلتهب الجرح..

 كنت أتمنى ان أكون معكم في الميدان بخبرتي وقد يحصل هذا قريبا فأسعف المصابين بعد أن مارست هذا الفن قريبا من أربعين عاما..

أخيرا وأنا أسمع قصص بشار وماهر وإلى أين يقودون سوريا طالعتني هذه القصة من كتاب القوة لروبرت غرين فلنتسلى بها في ظل ألم وأمل سوريا.

في ليلة مظلمة غارت نجومها تسلل خلدان تحت جنح الظلام من باطن الأرض إلى الغابة. وكانت البومة جالسة على غصن شجرة بلوط فصاحت بهما أنتما؟ فارتجفا في خوف وذهول كيف يمكن لكائن أن يرى في الظلام فقالا من أنت وكيف اهتديت إلينا ؟ فصاحت البومة بأشد أنتما الاثنان؟

هرع الخلدان إلى حيوانات الحقل ليخبرا أن البومة هي لا شك أعقل الحيوانات وأعظمها حكمة لأنها تستطيع الرؤية في الظلام ولأنها تستطيع الجواب على كل سؤال.

قام طائر كبير يقتات على الزواحف وقال سنرى حقيقة الأمر؟ ثم إنه جاء إلى البومة فزارها في ليلة مظلمة أخرى وسألها كم مخلبا أخفي؟ أجابت البومة اثنان. وكان ذلك صحيحا. فسألها من جديد هل يمكن أن تعطيني بدلاً عن كلمة أي بتعبير آخر قالت المسألة بسيطة فيمكن أن تقول: ذلك هو؟

رجع الطير إلى الحيوانات فصرخ بأعلى صوته أن البومة فعلاً سيدة الكائنات حكمة وعقلا لأنها ترى في الظلام ولأنها تجيب على كل سؤال مهما كان عويصا وغامضا؟

انبرى ثعلب أحمر فسأل بخبث ولكن هل تستطيع البومة أن ترى في ضوء النهار كما ترى في حلكة الليل؟

ردد كلب صغير وسنجاب معه: نعم أجيبونا على هذا السؤال فهل ترى في ضوء الشمس ما تراه في عتمة الليل؟

نظر الطائر وجماعته إلى السؤال السخيف وقالوا بعد أن أيقنا أن البومة فيها ما يشبه الصفات الإلهية تسألون أنتم إن كانت ترى في النهار تبا لكم ولما تقولون ثم إن حيوانات الغابة قامت بحملة تطهير فطردوا الثعلب وجماعته من الغابة فتطهر الجو من المعارضين المزعجين؟

ثم إن حيوانات الغابة أرسلت في طلب البومة أن تكون زعيمتهم إلى الأبد فلما أن جاء البشير بوصول الملكة الجديدة كانت الشمس قد سطعت وأشرقت الأرض بنور ربها. إلا أن البومة أخذت تسير ببطء في وهج الشمس مما أعطاها المزيد من الوقار فصاحت الحيوانات بالدم بالروح نفديك وهمسوا إلى بعض إنها الزعيمة المفداة لاشك ولا ريب. وازدادوا في هتافاتهم وصاح البعض إنك تصلحين أن تحكمي العالم!

وكانت البومة أثناء هذا تحملق بعينين واسعتين مبحلقتين فيما حولها. فصرخت دجاجة إنها إلهة؟ فالتقط الآخرون الصرخة وزعقوا بما أوتوا من قوة إنها إلهة؟ نفديك بالدم بالروح؟

وتبعوا البومة حيث ذهبت وحيثما اصطدمت بالأشياء اصطدموا ولم يبالوا.

وأخيرا وصلوا إلى شارع عريض والجماهير تتبع البومة وتهتف بالدم بالروح نفديك يابومتنا الغالية.

وأثناء هذا لاحظ صقر اقتراب شاحنة تنهب الأرض بسرعتها من الطرف المقابل فصاح بطير كبير مرافق للبومة انتبهوا إن الشاحنة في الطريق إليكم وأنتم في خطر عظيم؟

قال المرافق هناك خطر قادم أيتها القائدة الملهمة؟

قالت البومة: وذلك هو؟ فأخبرها بالشاحنة الهاجمة فلم تبالي فسألها: ألست خائفة؟

قالت: وممن؟ وكانت هادئة لأنها لا ترى شيئا فصاحت الجماهير بصوت مبحوح إنها إلهة؟

واستمرت في ترداد الهتاف حتى ضاع بين أصوات الدهس وهي تعمل قتلا في الجماهير العمياء فهرب من هرب وأصيب البعض بجروح بالغة ولكن الأكثرية قتلت. وعالم العروبة فيه الكثير من هذه الأمثلة وليس بشار وبن علي ومبارك وصالح والمهرج الليبي سوى رأس جبل الجليد.

يقول روبرت غرين في كتابه شطرنج القوة تحت القاعدة 27 عن القيادات المضللة أن في الناس رغبة جامحة للإيمان بشيء فيستغلونها بالتشديد على الحماس أكثر من العقلانية والتفكير الواضح ويصبح الزعيم معبودا معصوما من الخطأ إلى يوم الزلزلة.

وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين.

وهذا ماسينتهي إليه مصير طبيب العيون المصاب بقصر النظر

وكذلك مصير البوطي الذي أرسل له صائم هذا السؤال:

شيخنا هل يفطر من يأكل رصاصة؟؟..

والطغاة يتبعهم الفقهاء ألم تر أنهم في كل مصيبة يقعون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..

-----------****************----------------

قانون حماه الجديد .. توماس فريدمان

الشرق الاوسط

4-8-2011

يا له من اختلاف صنعته 3 عقود. في أبريل (نيسان) 1982، تم تعييني مراسلا ل«نيويورك تايمز» ببيروت. وقبل وصولي هناك، وصلت أخبار إلى لبنان عن اندلاع انتفاضة في فبراير (شباط) في مدينة حماه السورية المشهورة بنواعيرها على نهر العاصي. وسرت شائعات مفادها أن حافظ الأسد، قد قمع ثورة السنة الإسلامية في حماه بقصف الأحياء التي تمركزت فيها الانتفاضة، وبعدها نسف المباني بالديناميت، ثم تسويتها بالأرض. كان أمرا يصعب تصديقه، كما يصعب التحقق من مدى صحته. فلم يكن أحد يمتلك هاتفا جوالا وقتها، كما لم يكن مصرحا لوسائل الإعلام الأجنبية بدخول حماه.

وفي مايو (أيار) من ذلك العام، حصلت على تأشيرة دخول إلى سوريا، مع إعادة فتح حماه. وقد قيل إن النظام السوري كان «يشجع» السوريين على أن يجوبوا بسياراتهم أنحاء المدينة، وأن يشاهدوا الأحياء التي لحق بها الدمار ويتأملوا حالة الصمت المخيمة. لذلك، استقللت سيارة أجرة في دمشق وذهبت إلى هناك. كان المشهد، ولا يزال، أحد أفظع المشاهد التي رأيتها في حياتي: فقد بدت أحياء بأكملها، في حجم أربعة ملاعب كرة قدم، وكأن إعصارا عاتيا قد دمرها تماما على مدار أسبوع، ولكن لم يكن هذا من عمل الطبيعة.

كان هذا نتاج عمل وحشي غير مسبوق، سلسلة من الصراعات الدامية بين الأقلية العلوية التي ينتمي إليها نظام الأسد والأغلبية من المسلمين السنة الذين واتتهم الجرأة لتحدي نظام الأسد. وإذا تجولت في بعض المناطق التي تمت تسويتها بالأرض، لوجدت كتابا ممزقا أو قطعة ملابس صغيرة. كانت ساحة قتال. ووفقا لمنظمة العفو الدولية، دفن نحو 20.000 شخص هناك. تأملت حالة الصمت المخيمة وأطلقت عليها اسم «قانون حماه».

كان قانون حماه هو قانون القيادة السائدة في العالم العربي. اعتادوا أن يقولوا: «احكم عن طريق التخويف، ازرع الخوف في نفوس الناس بجعلهم يدركون أنك لا تتبع أية قواعد على الإطلاق في اللعب. وبهذا، لن يفكروا مطلقا في التمرد عليك والانقلاب ضدك».

نجحت هذه السياسة لفترة طويلة في سوريا والعراق وتونس وغيرها من الدول العربية الأخرى، إلى أن ثبت فشلها. واليوم، يعيد رئيس سوريا، بشار الأسد، أساليب القتل الجماعي التي انتهجها والده من قبل، سعيا لقمع الانتفاضة السورية الجديدة، المتمركزة أيضا في حماه. لكن، في هذه المرة، يرد الشعب السوري ب«قانون حماه» الخاص به، والتي تبدو لافتة للنظر إلى حد كبير. ولسان حالهم يقول: «نحن نعلم أننا في كل مرة نخرج فيها للتظاهر، ستصوب علينا النيران بلا رحمة. لكننا لم نعد خائفين، ولن نكون ضعفاء بعد الآن. فالآن، سيخاف قادتنا منا. ذلك هو قانون حماه الذي ننتهجه». هذا هو الصراع الدائر اليوم في أنحاء العالم العربي، قانون حماه الجديد مقابل قانون حماه القديم.

إنه أمر جيد بالنسبة للناس. من الصعب المبالغة في تقدير إلى أي مدى أودت مثل هذه الأنظمة العربية الوحشية بحياة جيل بأكمله من العرب، بدخولها في حروب حمقاء مع إسرائيل ومع بعضها البعض، ومن خلال آيديولوجياتها المخادعة التي تخفي تشبثها المقيت بالسلطة ومنهجياتها الوحشية. لم يكن هناك أي أسلوب جيد متاح يمكن اتباعه مع مثل هؤلاء القادة. وعلى الرغم من ذلك، فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل من الممكن تحقيق تقدم من دون هذه الأنظمة؟ أي، بمجرد أن تتم الإطاحة بمثل هذه الأنظمة، هل من الممكن أن تتحد المجتمعات العربية المختلفة معا كمواطنين وتصوغ عقودا اجتماعية تتعلق بكيفية تعايشهم معا من دون وجود حكام ديكتاتوريين أصحاب قبضة حديدية؟ هل يمكنهم صياغة مجموعة إيجابية من قوانين حماه لا تعتمد على تخويف أي طرف الطرف الآخر، بل على الاحترام المتبادل وحماية حقوق الأقليات وحقوق المرأة ودعم قيام حكومة توافقية؟

ليس الأمر هينا. فهؤلاء الحكام المستبدون لم يبنوا أي مجتمعات مدنية أو مؤسسات، ولم يكفلوا لشعوبهم تجربة الديمقراطية. يثبت العراق أنه من الممكن من الناحية النظرية التحول من استبداد قواعد حماه إلى سياسات متفق عليها بالإجماع، لكن هذا الحلم تطلب تكاليف قدرها 1 تريليون دولار ووقوع آلاف الإصابات وبذل جهود وساطة جبارة من قبل الولايات المتحدة، إلى جانب تحلي العراقيين بإرادة سياسية شجاعة تمكنهم من التعايش معا، وحتى الآن، لا تزال النتيجة النهائية غير مؤكدة. إن العراقيين يعرفون مدى الأهمية التي شكلناها في مثل هذا التحول، ولهذا لا يرغب كثيرون منهم في أن نغادر.

والآن، سيحاول كل من اليمن وليبيا وسوريا ومصر وتونس القيام بعمليات انتقالية مماثلة - دفعة واحدة - ولكن من دون حكم محايد. إنه أمر غير مسبوق في المنطقة، ويمكننا بالفعل أن نتبين مدى الصعوبة التي سيكون عليها. ما زلت أعتقد أن الدافع الديمقراطي الذي يحدو كل هذه الشعوب العربية للإطاحة بحكامهم المستبدين بطولي وإيجابي جدا. وسيتمكنون من الإطاحة بهم جميعا في نهاية المطاف. ولكن الفجر الجديد سيحتاج وقتا كي يظهر.

أعتقد أن وزير خارجية الأردن السابق مروان المعشر قد تبنى موقفا مناسبا. حدثني قائلا: «لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تكون تلك عملية خطية أو أن تتم بين عشية وضحاها». وأضاف: «لا توجد أطراف سياسية حقيقية أو مؤسسات مجتمع مدني مستعدة لتولي مقاليد الحكم في مثل هذه الدولة. ولا أحب تسمية «الربيع العربي»، بل أفضل أن أشير لما يحدث باسم «الصحوة العربية» ومن المنتظر أن تستمر هذه الصحوة على مدار الفترة ما بين 10 إلى 15 سنة المقبلة قبل أن تنتهي. تلك الشعوب تعيش تجربة الديمقراطية لأول مرة. وبالتأكيد ستقع في أخطاء على المستويين السياسي والاقتصادي. لكني ما زلت متفائلا على المدى البعيد، لأن الناس لم يعودوا يشعرون بأنهم قليلو الحيلة.

* خدمة «نيويورك تايمز»

------------****************----------------

عن سلمية الانتفاضة السورية! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

4-8-2011

لأول مرة، منذ انطلاق التظاهرات الشعبية في سوريا، بت تسمع أصواتا وإن قليلة، تشجع على استخدام السلاح والخروج عن سلمية الاحتجاجات لمواجهة ما يجري من شدة قمع وتنكيل، ولسان حالها يقول، إن الصبر قد نفد ولم يبق من خيار سوى اللجوء إلى القوة والعنف للرد على ما نراه من ممارسات دموية ظالمة وصور مروعة لضحايا الاجتياحات الأمنية والعسكرية في عدد من المدن والمناطق، خاصة مدينة حماه!

ومع تفهم دوافع هذه الأصوات التي يصح ردها إلى ضغط وجداني ورهافة في المشاعر المتعاطفة مع آلام الناس وإلى نيات صادقة تحدوها الرغبة في رد الظلم والاقتصاص من الفاعلين، إلا أن الطريق إلى الجحيم مرصوف كما يقال بالنوايا الحسنة، ويفترض بهؤلاء أن يعرفوا قبل غيرهم أنهم بدعوتهم هذه إنما يذهبون بأقدامهم إلى فخ نصبه أصحاب الخيار الأمني للإيقاع بالاحتجاجات الشعبية ودفعها إلى دوامة العنف، مما يسهل عزلها وتسويغ أشنع أنواع القهر والتنكيل ضدها، وتاليا أن يدركوا أن اللجوء إلى العنف قد يشفي غليل البعض لكنه الطريق الأقصر للهزيمة، وانجرار إلى منطق القوة والغلبة ذاته الذي يناهضونه، مما يهدد بتدمير التراكمات الإيجابية التي حققتها التظاهرات السلمية طيلة شهور وإضعاف شرعية المطالب التي نهضت من أجلها، والأهم إفقاد الحراك الشعبي فئات متعاطفة معه لكنها مترددة، تنفر من العنف والعسكرة بينما نزلت على قلوبها بردا وسلاما الآية الكريمة «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ» حين رفعها المتظاهرون شعارا في غير منطقة ومكان!

ثمة قوى تعمل ليل نهار لتحويل الاحتجاجات من مسارها السلمي والسياسي إلى مسار عنفي وأهلي، تراهن على دور القمع المفرط والبشع في شحن الغرائز والانفعالات وتأجيج ردود الأفعال الثأرية لدفع الناس للتخلي عن توجههم السلمي وتبني أساليب المقاومة العنيفة، وهي لا تضيع فرصة لتغذية ما يمكن من صراعات متخلفة، ولاستيلاد القوى المتطرفة وسربلتها بسربال السلفية أو ربطها بتنظيم القاعدة، كي تخفف ردود الأفعال المحتملة وتشرعن العنف بذريعة مواجهة الإرهاب وعصاباته المسلحة وبدعوى الحفاظ على الأمن والمنشآت العامة وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم. والنتيجة إخضاع المجتمع ككل لقواعد لعبة تتقنها جيدا وتمكنها من إطلاق يدها كي تتوغل أكثر في القهر والتنكيل مدعومة بما تملكه من خبرات أمنية ومن توازن قوى يميل على نحو كاسح لمصلحتها!

فالمسألة ليست رد فعل أو مسألة انتقام وثأر بل مسألة سياسية وأخلاقية في آن، سياسيا تتعلق بدراسة جدوى التحولات التي يحدثها هذا الأسلوب النضالي أو ذاك في تعديل توازنات القوى، وأخلاقيا تتعلق بالحفاظ على سلامة بنيتنا الإنسانية ونبل الأهداف التي نتطلع إليها، فكيف تستقيم قيم الحرية والخير والعدالة إذا لجأنا إلى طرائق ووسائل لا تنسجم مع رقيها، ولم ننأ بأرواحنا عن تشويهات العنف والتعصب والثأر والحقد؟!

إن الإصرار على خيار السلمية ليس بسبب صعوبة حصول الناس على السلاح، أو لغرض خبيث هو تمسكن المحتجين حتى يتمكنوا، أو لشعور الناس بأنهم من سيرث هذه الأرض وتتفق جهودهم عفويا على منع أصحاب الخيار الأمني والعسكري من تحويلها إلى أرض محروقة، بل لأن الشعب السوري المتعدد الإثنيات والأديان والطوائف والمرتبط بإرث تاريخي وحضاري عريق وبمرارة الحروب الأهلية في بلدان الجوار، متحمس كي يثبت للعالم بأن انتفاضته هي انتفاضة للبناء والمواطنة والتسامح، تلتقي على نبذ العنف والتفرقة وعلى الاحتكام لدولة القانون والمؤسسات، وتحاول على النقيض من الماضي أن تستمد شرعيتها ليس من منطق القوة والإرهاب بل مما تقدمه للناس من ضمانات للمساواة واحترام حرياتهم وعيشهم الكريم. وربما لأنه بخياره السلمي يريد إحياء قيمة أخلاقية كبيرة عن العلاقة الصحيحة الواجب بناؤها بين هدف الحرية النبيل الذي ينادي به وبين الوسائل الشريفة المفترض أن تفضي إليه، والتي تستدعي بداهة احترام حياة الناس وأمنهم وحقوقهم على تنوع منابتهم ومواقفهم ومصالحهم.

من الخطورة بمكان أن يقودنا ضيق النفس وقلة الصبر والجلد إلى تشجيع الرد على الاندفاعات العنيفة والعدوانية بعنف مضاد وباستعراض ما تيسر من عبارات التهديد والوعيد التي عادة ما يستخدمها رجال السلطة وأصحاب الأمر والنهي، ونتناسى ما يخلفه العنف من آثار مدمرة على الكيانات البشرية في حال استحوذ على فضائها السياسي والمجتمعي، فعدا عن الخسائر الهائلة في الأرواح والممتلكات، يمزق أواصرها، ويعمق شروخها، ويفضي إلى عسكرة الحياة وتحويل فئات المجتمع إلى ما يشبه جيوشا معبأة ومتخندقة، خالقا حواجز نفسية حادة بين أبنائها، ومسهلا انتهاك أبسط حقوقهم، ومجهزا بالتالي على مشروع التغيير الديمقراطي من أساسه.

صحيح أنه يصعب تطويق وضبط ردود أفعال الناس ضد شدة ما يتعرضون له من قهر وتنكيل، وصحيح أن التمسك بالنضال السلمي واللاعنفي هو خيار صعب يتطلب تحصينا أخلاقيا رفيعا وقدرة عالية على تحمل الأذى والضرر، ولنقل تدريب الذات على مزيد من الصبر وضبط النفس وعدم الانجرار للرد على الاستفزاز بالاستفزاز وعلى العنف بالعنف، والأهم الارتقاء بروح الإيثار بما في ذلك التضحية بالذات مثلما اختار محمد البوعزيزي والشبان الأبطال في درعا وبانياس ودير الزور وحماه، الذين وقفوا عراة الصدور يطلبون الموت في مواجهة الرصاص الحي وتقدم الدبابات والمدرعات! لكن الصحيح أيضا أن هذا الخيار، ومع تثمين كل صرخة ألم وكل قطرة دم تراق، هو شرط لازم وضرورة حيوية للانتفاضة السورية، أولا، لهزم العنف المفرط ذاته ومحاسبة مرتكبيه، وثانيا، لأنه الطريق الوحيدة لربح المعركة ليس فقط سياسيا وميدانيا وإنما أخلاقيا أيضا، وبداية للنجاح في كسب التعاطف الإنساني وتعديل موازين القوى والتوصل إلى لحظة حرجة يجبر الجميع فيها على إجراء تغييرات جذرية تنتصر للأساليب السياسية السليمة في إدارة الصراع وتاليا للقيم الديمقراطية التي يتوق الناس لتمثلها!

------------****************----------------

رمضان التغيير...هل يكون رمضان الحسم السوري؟؟ .. د.مصطفى حميد أوغلو

drmh2009@hotmail.com

يحل رمضان هذا العام على الأمة العربية بطعم مختلف عن الأعوام الماضية التي كانت كلها تستقبل هذا الشهر الكريم متساوية وهي ترزح تحت أنظمة الظلم القهر والاستبداد، لكنه هذا العام يطل على بلاد مثل تونس ومصر، وقد أزاحت هذا الحمل الثقيل عن كاهلها ،وتنفست أجواء الحرية والكرامة وكأنها ولدت من جديد ،بينما لا تزال شقيقاتها ليبيا واليمن و بالأخص سورية تعاني هذا القهر والظلم، وتدفع من دماء أبنائها الزكية ثمناً باهظاً لنيل الحرية بعد أن صمت العالم كله العربي والإسلامي والعالمي .

لطالما قرأ أبناء هذه الأُمة عن التغيير في رمضان، وعن الجهاد والفتوحات في شهر الصبر والقبول،ففي رمضان كانت بدر أول المعارك بالإسلام ،وكان فتح مكة أول فتح بالإسلام أيضاً،وكانت القادسية التي قصمت ظهر الفرس ،وكان فتح الأندلس و عمورية ومعركة حطين وعين جالوت ، كل هذه المعارك والفتوحات جاءت والمسلمون صائمون ،ولطالما تحدث العلماء والشيوخ والأطباء عن إمكانية نبذ العادات السيئة والتخلص من كثير العادات السلبية في هذا الشهر الكريم ،والتعود على الأمور الإيجابية من قراءة القرآن ومضاعفة العبادات وزيادة الإنفاق في سبل الخير ،كذلك مجاهدة النفس وترويضها وتعوديها على الطاعات بهمة عالية تواقة لنيل المكافئة في الدنيا والآخرة.

رمضان هذا العام هو غير كل الأعوام ،تنشد فيه الشعوب التغيير في النفوس والحسم في نيل الحرية والتحرر من أنظمة القهر والإذلال .

في سورية يحاول النظام جاهداً أن يعيد الخوف والجبن لقلوب ونفوس الشعب قبل دخول الشهر الكريم ،حيث تزداد شحنة الإيمان وترتفع الروح المعنوية،ويقترب المرء من ربه فتزداد ثقته بربه وتهون عنده كل القوى البشرية أمام قوة ملك الملوك.

والشعب بدوره، ينتظر بفارغ الصبر صلاة التراويح، حتى تصبح صيحة في كل ليلة، لمظاهرات ومسيرات على مدار الشهرلإنهاك قوة النظام الذي بدء بالتفسخ والتفكك أمام صبر وتصميم هذه الملايين .

مراهنة بين الشعب والنظام على قوة الصبر وطول النفس ،والثبات والصمود ،وقوة التصميم وعزم الإصرار، فمن سيربح المعركة ؟؟

 وهل يكون الحسم رامضانياً، ليضيف إلى سجل هذه الأمة صفحة جديدة من صور المجد بيد الأحفاد بعد أن سطرها لنا الأجداد..؟؟

لم تعد هناك أوراق خفية بعد اليوم، وهي كانت واضحة من البداية لمن استطاع قراءة مابين السطور وما حملته الكلمات من الطرفين ،النظام والشعب.

النظام- وعلى عكس ما ظن الكثيرون بأنه لا يملك إستراتجية واضحة – كان عازم الأمر وماضي في خطته المرسومة من أول صيحة نادت بالحرية والكرامة ،فتح كل خطوط المعركة وعلى كل محاورها منذ البداية ، رمي بالرصاص الحي بقصد القتل المباشر، والتنكيل والتخويف،والاعتقال والتشريد والإذلال،متزامناً مع ذر الرمال بالعيون بمراسيم شكلية لمخاطبة الرأي الخارجي ، وخطوات لا تغني ولا تسمن عن جوع،إلى محاولات يائسة لشراء الذمم، وتحييد شرائح من المجتمع، وتخويف أقليات ،ولعب على الفتنة الطائفية، و تخويف من الحرب الداخلية.

بالمقابل كانت صحوة الداخل واعية يقظة ومدركة لكل هذه الخدع والألاعيب والحيل الحيل،كانت شعارات الداخل سابقة لكل منظري السياسة وعلماء الاجتماع والنخب التي تظن نفسها هي العاقلة، والشعوب مغفلة لا تعرف مصلحتها ولا تقدر منفعتها ،لكن الشعب كان له رأي آخر وكان هو الآخر له إستراتيجية واضحة، فنادت حناجره منذ البداية، واحد واحد الشعب السوري واحد، وهتف بأعلى صوته الموت ولا المذلة، وتابع يقول اللي يقتل شعبه خائن،وع الجنة رايحين شهداء بالملايين و هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه.

شعارات تعبر بوضوح على أن الشعب السوري عارف طريقة، وقد حدد هدفه،والأهم من ذلك أنه يدرك ما ينتظره من ويلات ومذابح وتصفيات وإبادة إذا لم ينتصر لا سمح الله.

ويظل السؤال الأهم من ذلك كله هو هل يدرك الصامتون والمرجفون والمتباطئون والمتواطئون حتى الآن ، أن الشعب السوري قال قولته ولن يعود دون النصر أو الشهادة.

وهل سمعوا الشعب السوري عندما صرخ بالأمس :صمتكم يقتلنا؟؟

وهل يغتنمون فرصة رمضان ليكفروا عن تقصيرهم في نصرة الشعب السوري ليكون رمضان هذا العام رمضان الحسم والتغيير ويكون العيد عيدان، عيد الفطر وعيد الحسم والنصر؟؟؟

------------****************----------------

أسلحة الشعب السوري الاستثنائية .. نوال السباعي

"1"

"لا لطلب التدخل العسكري الخارجي"

أسلحة "خطيرة" يتوفر عليها شباب الثورة في سورية، ولا يتمكن من حيازتها النظام ومهما بلغت به الأيام والثورة، وقد أُعْلِنت نهايته من ساحة العاصي في حماة ، وسقط بكل المقاييس الاستراتيجية ، والسياسية ، والديبلوماسية ، والأخلاقية ، والتاريخية ، والإنسانية.

منها سلاح المنظومة الأخلاقية الإنسانية ،وسلاح القيم الثورية المتفق عليها من قبل الجميع، وسلاح الثبات الأسطوري الذي يستمده الشعب من قدرة جلاديه على الإثخان في الجراحات ، والولوغ في الدماء ، والاستهانة بالحياة البشرية.

السلاح الثاني يتمثل باللاآت الثلاث التي أكدنا عليها منذ اليوم الأول للثورة: لا للعنف ، ولا للطائفية والفسيفسائية ، ولا لطلب التدخل العسكري الأجنبي.

وهذه ال"لا" الأخيرة، وعلى الرغم من الإجماع عليها ،أثارت الكثير من الجدل واللغط خاصة في أيام الشدة والبلاء، التي تتناوب فيها فرق الموت على المدن والقرى ،شرق البلاد وغربها ، لذبح الناس وتشويههم وإذلالهم وهدم مرافق الحياة فوق رؤوسهم وتدمير كل ما"منحته" لهم الدولة ، على نهج "قذاف الدم الليبي" :(أنا خلقت ليبيا وأنا انتزعها منكم)!!.

"لا" هذه ، تعني نعم لبذل كل جهد ديبلوماسي وسياسي وثقافي وإعلامي واقتصادي ،وكل أنواع الضغط الممكن على نظام دموي متوحش كهذا النظام .

دون أن يغيب عن الأذهان أن النظام هو الذي طلب التدخل العسكري الخارجي ، من إيران ومن حزبها اللبناني، وقد استبق الثورة ، باستقدام بارجتين عسكريتين إيرانيتين محملتين بالأسلحة والعتاد ، الذي ينكَل به الشعب السوري اليوم ، وكانت "إسرائيل" ، كما المجلس العسكري الذي يدير شؤون مصر بعد الثورة،قد سمحا بمرور هاتين البارجتين من قناة السويس بعد أن كانت مغلقة في وجه مرور أية سفينة عسكرية!! ، ولابد أن الأقمار التجسسية الأمريكية وغير الأمريكية التي تجوب سماء المنطقة ، تعرف كل هذا ، تعرفه كما تعرف وترصد كل حركة وسكنة للجيش السوري ، وكل قبر جماعي فتح في أرض درعا ، وتلكلخ ، وبانياس ، وحمص ، وحماة ، ولكن الجميع آثروا الصمت ، ليس لأنهم يريدون أن تبقى حدود إسرائيل محمية من قبل هذا النظام وحسب، ولكن لأنهم يريدون أن يضمنوا "قناعة" الشعب السوري مستقبلا بهذه الحماية، وهوالمصطف تاريخيا مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضيته الاولى ، فكلما زاد القتل والتعذيب والتنكيل ، كلما زادت رغبة الشعب في الخلاص ولو بالتحالف مع الشيطان نفسه! ، من هنا جاءت حركة السفيرين الأمريكي والفرنسي قبل شهر تقريبا ،عندما قاما بزيارة مدينة حماة لتقديم نفسيهما على أنهما "الضمانة" للشعب السوري لحمايته من أغواله الحاكمة! ، وكانت الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوربي ، يحسبان بالمليمتر كل مايجري في سورية ، ويلاحقانه ب"سينهم"، و"سوفهم": سيفقد الشرعية ، وسوف يفقد الشرعية!!،كان عدّاد ارتفاع حصيلة الشهداء في سوريا يُجلَد ب"سين" وزيرة الخارجية الأمريكية ، و"سوف" رئيسة الاتحاد الأوربي ، ومازال الطرفان، يراهنان على قدرة النظام على الحسم ، وقد مدته إيران بكل أسباب الاستقواء ، ومده حزبها الذي اختطف لبنان بكل مايلزم من "شبيحة" و"قناصة" و"قتلة"، فعدو عدوي صديقي ، وإيران وحزبها اللبناني أثبتا أنهما عدوان لدودان للشعب السوري ،الذي لم يفعل إلا أن طالب بالحرية وشيء من الكرامة ورد بعض البعض مما نهبه منه هذا النظام .

ولاعدو للولايات المتحدة وحلفائها اليوم ، كهذا الشعب ، الذي يهدد بثورته استقرار "المنطقة" التي أمضى الغرب قرنين ونيف من الزمان في ترتيب أمورها بحيث تجبى إليه ثرواتها ، وتركع شعوبها ، وتستلم لجلاديها الذين يحكمون المنطقة بالنيابة عنه.. هذا هو الدرس الذي أكدته لنا أحداث ليبيا ، والتدخل العسكري الغربي الذي جاء سريعا لاهثا مرتميا على بترولها وملياراتها.

صحيح أن إيران وحزبها في لبنان يطبلان ويزمران بالمقاومة وإرادة تحرير القدس ، لكن الواقع على الأرض ، يشهد بأن النظام العميل في سورية ، كان قد حرس وحمى حدود الأمة مع العدو المحتل ، مدة أربعين عاما دون أن يطلق رصاصة واحدة في سبيل إقلاق راحة هذا العدو على جبهة الجولان ،التي يعرف الشعب السوري ويتناقل بالتواتر أن رئيسه السابق كان قد "باعها" ، وهي كلمة تعني ، أنه كان قد سكت عن احتلالها من قبل إسرائيل، مقابل تأمين السلطة في سورية لسلالته ، هذه السلالة التي رضعت الدم ، ورسخت وجودها بالدم، فلا عجب أن عاملت الشعب الذي سكت عنها ثلاثين عاما ، بالذبح والاغتصاب والتعذيب والتشويه.

فهم الشعب السوري أبعاد هذه الملابسات بصورة واضحة جلية ، فأعلن رفضه للتدخل الأجنبي العسكري ، وهو يعلم أن القوى الاستعمارية المهيمنة على المنطقة ، تستطيع أن تدمر أركان النظام بأشخاصه وأسلحته وتنظيماته في أقل من عشرين دقيقة ، سورية بالنسبة لهؤلاء لاتعدو كونها مساحة جغرافية صغيرة مسطحة مكشوفة أمام قدراتهم العسكرية!،وهذا مايعرفه كل مطلع ، إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة كانت قد أعدت خططا كاملة ، لضرب النظام السوري في حال تجرأ هذا النظام وشبّ عن طوق ممانعته الكلامية ، ومقاومته الإعلامية ، ومن هنا كان الرد السوري على كل الانتهاكات الإسرائيلية ، بأن سورية "تحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسب"!!

وبالضبط وكما أعدت إسرائيل العدة لضرب أعدائها "الأصدقاء" في كل من سورية ولبنان وإيران وتركيا وحتى باكستان ، قام النظام السوري الشبح – الذي يحكم سورية في الظل- بإعداد الخطط الكاملة واللازمة لضرب الشعب السوري واستئصال حركاته الانتفاضية ، والقضاء على أي بادرة ثورة أو احتجاج يمكن أن تصدر عنه ، وقد شهدت مناطق الأكراد في الشمال ردا ساحقا على انتفاضتها عام 2004 ، وتشهد اليوم بقية مناطق سورية ردودا مماثلة ، الملفت للنظر والاستغراب فيها ، قدرة هذا النظام – كمثيله في ليبيا- على التدمير وسفك الدماء ، في سبيل بقائه في السلطة ، دون أن يفكر ولو لحظة واحدة في شكل العلاقة المستقبلية التي يمكن أن تربط بينه وبين هذا الشعب ، بعد أن فعل فيه مافعل! .

كان الشعب السوري على درجة متقدمة جدا من الوعي إذ قال "لا للتدخل الأجنبي" ، لأنه يعرف أن مثل هذا التدخل في سورية أمر غير وارد أصلا ، فالغرب يريد حماية إسرائيل ، وتدخل عسكري في سورية يعني انطلاق المارد من قمقه ، وقد يعني إعلان "الجهاد" ليس في المنطقة العربية فحسب ، بل في كل العالم الإسلامي ، وهذا يعني وبالضرورة أن لاحدود مع الكيان الإسرائيلي ، وأن بإمكان الجميع تهديد هذه الحدود واختراقها ، لأن الكلمة الفصل ستكون إذ ذاك للسلاح وللسلاح فقط ، على غرار ماجرى في الحرب الأهلية اللبنانية ، والتي لايمكن أن ينسى التاريخ أنها لم تنته إلا بمذبحة "صبرا وشاتيلا" والتي كان للنظام السوري يدا فيهما لاتقل إجراما وولوغا في الدم الفلسطيني عن يد المجرم الإسرائيلي "شارون".

إن الشعب السوري اليوم ، لم ينتفض ويثور في وجه النظام العميل لأكثر من طرف وأكثر من جهة إقليمية ودولية فحسب ، ولكن ثورته جاءت -ومن حيث لم يحتسب هو نفسه- ، في وجه نظام عالمي يمسك بأطراف اللعبة الدولية من مفتاحها الرئيس في المنطقة العربية ، والقلب الاصطناعي الذي زُرع فيها ليشل كل حركة للحياة والتحرر والكرامة لدى سكانها ، عن طريق شبكة العلاقات السرية والعلنية مع مجمل الأنظمة التي استلبت البلاد واختطفت الشعوب ونهبت الثروات .إن ثورة الشعب السوري ، لن تكون محطة عادية في طريق ثورة المنطقة على هذه الاوضاع المزرية التي تعيشها فحسب ، ولكنها ثورة ضد كل التحالفات الإقليمية والدولية التي ترمي إلى تركيع الأمة ، والمقامرة بحرية الإنسان ، والاستمرار في إلغاء إرادته ليبقى عبدا يدور في رحى هذه الطاحون لاستعمارية الجهنمية ، التي أذن الله بتفجير آليتها من تونس ، فامتدت ألسنة اللهيب لتزلزل العروش والجيوش التي لمتكن في خدمة مصلحة شعوب المنطقة ، وحماية هويتها ، وضمان حريتها وكرامتها.

من أجل هذا صمت العالم ..إلا من سينه وسوفه !!.

 صمتت الأنظمة العربية التي تربطها بالنظام السوري علاقات المصاهرة والعمولات المالية والفضائح الشخصية ، والتي يهددها النظام بمحاولات تفجيرها من الداخل عن طريق "الأقليات" التي استقوت فيها، في غفلة من الأنظمة المشغولة بالنهب والتضييع والعمالة ، وغفلة من الشعوب التي استسلمت للاستبداد ، فلم "تستعد" ليوم مثل هذا يكاد يجعل الولدان شيبا!.

 وصمتت تركيا التي تشابه تركيبتها السكانية التركيبة السورية ، والتي هددها النظام بتحريك مكوناتها الطائفية لحسابه لتقوم بتدمير كل ماحققته الدولة التركية في العقود الأخيرة من تقدم وازدهار .

 وصمت الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة ، بسبب من خوفهم على إسرائيل ربيبتهم ، وماتعلق بذلك من تهديد للأمن والاسقرار ..أمنهم !،واستقرارهم! .

لكن كل هؤلاء..لم يأخذوا بعين الاعتبار قدرة الشعب السوري على الصمود والتحدي ، لم يفكروا بأن تدمير "حماة" قبل ثلاثين عاما على رؤوس أهلها ، كان مشفوعا بالتعتيم الإعلامي ، والتفسخ الاجتماعي في سورية، والغياب العربي والإسلامي في زمن الشعارات والمخاضات العربية، وأن العالم قد تغير اليوم ، ولكن النظام السوري لم يتغير ،بقيادة "رفعت" مجرم الحرب ، الذي لايشك السوريون لحظة في قيامه بالمساعدة في إدارة هذه الأزمة ، و"ماهر" الشبح الدموي المجرم، و"بشار".. الصورة التي كسر الشعب السوري إطارها وزجاجها فظهرت على حقيقتها دون رتوش ولاتزييف .

 لم يتغير هذا النظام ولم يفهم أن الشعب استفاق ، وخرج من قمقمه ، وأصبح يشعر أنه شعب واحد ، اذا اشتكى منه عضو في درعا تنادت لها بانياس ودوما والقامشلي وحمص بالسهر والحمى ، وأن إسرافه في القتل لن يجديه فتيلا ، فهاهنا شعب مؤمن ، يعرف أن المرء إذا حانت ساعته فلاتقديم ولاتأخير .

وليس لدى الشعب السوري مايخسر ، لقد نهبوا أمنه ، ورزقه ، وسلامته ، وحريته ، وكرامته ، وماضيه ،وحاضره ، لم يعد لديه مايخسر فهو خارج إلى المعركة بصدره الأعزل ، وأياديه البيضاء ، وقد قرر أن يستشهد في سبيل نقل الصورة والحقيقة ، ومحاولة رسم معالم المستقبل لمن سيأتون بعده ،على الطريق ، طريق الحياة التي سلبت منه ، والتي لم تعد في سورية تتمتع بالقداسة ، في زمن الأغوال التي تلتهم الشباب والأطفال فتمضغهم ، وتلغي بهم على قارعة الحياة أشلاء ..يتمنون الموت .

ليس لدى الشعب السوري مايخسره ، ولكن لدى جلاديه الكثير الكثير مما يقاتلون من أجله ، إنهم يقاتلون من أجل الانتقام من "العبيد" الذين انتفضوا ، يقاتلون من أجل الحلف الذي بنوه وانهار على رؤوسهم ورؤوس حلفائهم في المنطقة ، إنهم يقاتلون من أجل أن لاتجرف الأقدار شتاتهم وبقاياهم ، إنهم يقاتلون خوف انتقام الشعب الأعزل من مجرميهم المتحالفين معهم بالصمت أو بالفعل .

 إنهم وفي سبيل بقائهم، يقاتلون وحتى النهاية ..شعبا قرر الصمود حتى لو فني عن بكرة أبيه!..وهكذا هي كل معارك الحق والباطل ، ويعرف التاريخ نهاية هذه الحكايات .

------------****************----------------

لماذا الصمت العربي أمام الوضع في سورية؟ .. خالد الدخيل

الحياة اللندنية

كان للعرب موقف، مهما يكن، مما يحصل في ليبيا، وفي اليمن، وفي البحرين. لكن أمام الحالة السورية هناك صمت عربي مطبق يصم الضمائر قبل الآذان. وصلت درجة هذا الصمت حداً أنه حتى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اضطرا أخيراً للمطالبة بموقف عربي معلن. إطلاق اللجان التنسيقية للثورة في سورية على تظاهرات الجمعة قبل الماضية اسم «صمتكم يقتلنا»، وعلى تظاهرات جمعة اول من امس اسم «الله معنا»، يحمل نبرة عتب على صمت الخارج العربي. لماذا هذا الصمت المطبق؟ وهل له ما يبرره؟ هل لهذا الصمت فوائد سياسية ترجِّح ما يمكن أن ينطوي عليه من مخاطر؟ صَمَت العرب من قبلُ أمام ما كان يحدث في العراق، وللعراق. ماذا كانت نتيجة ذلك؟ إذا كان الأميركيون سلّموا العراق إلى إيران بأخطائهم، أو بتحالفاتهم وممالآتهم، فإن العرب فعلوا الشيء نفسه بصمتهم، ورفضهم الاستجابة لنداءات الكثيرين من العراقيين لمساعدتهم، أو فِعْلِ شيء، أي شيء. واللافت في الصمت العربي تحديداً، صمت القاهرة، عاصمة الثورة العربية الثانية، وصمت الرياض، العاصمة التي تفادت موجة الثورات.

لكن لنُعِد النظر قليلاً في المشهد:

التغطيات الإعلامية العربية، وخاصة منها تغطيات الإعلام غير الرسمي، تشير إلى أنه ليس هناك ربما صمت عربي إزاء ما يحدث في سورية. يتابع الإعلام العربي أحداث الثورة السورية لحظة بلحظة، ويقدم تغطية تنم عن موقف متعاطف تماماً مع مطالب الثورة. ومن خلال هذه التغطية يمكن القول إن العرب، أو أغلبيتهم كما يبدو، تصطف إلى جانب الشعب السوري في مطلبه بإصلاح أو إسقاط النظام. هكذا يبدو الموقف على مستوى الخطاب الإعلامي غير الرسمي، أما على المستوى الرسمي، فليس هناك موقف معلن. إيران تعلن دعمها للنظام في سورية، وتتهم بكل صفاقة الشعب السوري بأنه متآمر مع الأميركيين والصهاينة. تركيا لها موقف معلن يؤيد فكرة الإصلاح، ويرفض لجوء النظام إلى خيار الحل الأمني. الولايات المتحدة رغم تلكؤها وترددها، ومعها دول الاتحاد الأوروبي، لها موقف معلن. روسيا لها موقف، وكذلك الصين. الدول العربية هي الاستثناء الوحيد. ليس لأي منها موقف معلن، مع النظام أو ضده. لماذا؟ وكيف يمكن أن يفهم ذلك؟

إذا كان الصمت موقفاً، فإن الصمت العربي من الأحداث في سورية يضمر موقفاً لظروف ما غير قابلة للإعلان عنها. والإشكالية هي في عدم القابلية هذه، وهي إشكالية عربية مزمنة. وفي هذا الإطار، ليس هناك موقف عربي واحد مما يحدث في سورية. يتفق الجميع على فضيلة الصمت، لكنهم يختلفون في مواقفهم، ومن ثم في مبررات الفضيلة المشتركة في ما بينهم. قد يعني الصمت لدى بعض الدول العربية أنها تؤيد مطالب الشعب بإسقاط النظام، لكن ليس من الحكمة الإعلان عن ذلك، لأنه بسبب المشتركات الكثيرة بين الدول العربية، فإن إعلان بعض الدول تأييد إسقاط الانظمة في بعضها الآخر يتضمن تأييداً لفكرة إسقاط انظمتها هي أيضاً. من ناحية أخرى، قد يعني الصمت لدى البعض أنه ليس مع إسقاط النظام السوري، بل مع فكرة إصلاحه بما يبقي عليه ويرضي الشارع السوري، لكنه لا يريد الجهر بموقف لا يلتزم هو به قبل أن ينصح به غيره. من ناحية ثالثة، قد يعني الصمت أن بعض الدول ضد فكرة الثورة أصلاً، وبالتالي ضد فكرة إصلاح يُفرض من الشارع، لكن الظرف السياسي المستجد في ظلال ما يعرف بالربيع العربي لا يسمح بالمجاهرة بموقف مثل هذا. هذا فضلاً عن أنه ليس من الحكمة إعلان موقف مناهض للشارع في كل الأحوال. هناك احتمال رابع، وهو أن اللجوءالى الحل الامني قد يفرض نفسه على بعض الدول مستقبلاً. ومن ثم ليس من الحكمة لدولة ان ترفض ما قد تضطر لممارسته لاحقاً. الاحتمال الخامس ان المجاهرة بتأييد مطالب الشارع السوري قد تنطوي على تسرع غير محسوب: قد ينجح النظام في قمع الانتفاضة بما يؤدي إلى تراجع الشارع وخمود انتفاضته، فماذا سيكون موقف الدول المؤيدة للشارع في هذه الحالة؟

الأرجح أنه عندما نأخذ هذه الاحتمالات جميعاً، أو فرادى، سوف نجد أنها تعبِّر أيما تعبير عن حالة تردُّد بين الموقف ونقيضه، أو بين الموقف وتبعاته. وهذه خصلة ضعف سياسي متمكنة في بنية الدولة العربية الحديثة. وليس أدلَّ على ذلك من أن كل الدول خارج المنطقة العربية لها مواقف مما يحدث في هذه المنطقة، وتؤثر في علاقاتها وفي ما يدور فيها من أحداث وتفاعلات بأكثر -غالباً- مما تؤثر الدول العربية. القضية الفلسطينية، ثم القضية السودانية، فالقضية العراقية، والمسألة الليبية، والآن الحالة السورية، أمثلة واضحة على ذلك. حتى النظام السوري، وهو موضوع الصمت العربي، كان ولا يزال يعاني أيضاً من حالة الصمت نفسها، قبل وبعد أن وصلت موجة الثورات العربية إلى شواطئ سورية. بل إنه غارق في مستنقع الصمت وهو يصارع ثورة الشارع. لا يعترف النظام بأن لجوءه إلى إنزال الجيش بمدرعاته لمواجهة انتفاضة شعبية سلمية، فضلاً عن أنه يمثل جريمة إنسانية منكرة، يعبر بأكثر مما يعبر الصمت عن مدى الضعف السياسي الذي يعاني منه. المفارقة أن النظام غير آبه بما يؤدي إليه هذا من إغلاق للمجال السياسي، وبالتالي إغلاق للخيارات السياسية المتاحة أمام الأزمة. إنه نظام تطغى عليه الصفة الأمنية على الصفة السياسية. ولذلك، يعتبر أن ما عدا الحل الأمني هو أخطر مصدر للضعف، من حيث أنه يغري المواطنين بالجرأة عليه. هو لا يريد أن يعترف بأن هذه الجرأة، أو سقوط جدار الخوف من النظام، قد حصل بالفعل، وأنه لم يعد من الممكن التراجع عنه. كان هذا مأزق النظام البعثي في العراق، والآن هو مأزق النظام البعثي في سورية.

يبدو الصمت العربي في هذه الحالة من دون مبرر، أيا يكن المعنى المضمر في هذا الصمت، وأيا يكن الهدف من ورائه. لا يحتاج الأمر للتذكير بأنه ليس من مصلحة العرب تكرار ما حصل في العراق، وفي السودان. يجب اللحاق بمسار الأحداث قبل أن يصبح ذلك متعذراً، كما كشفت تجربة العراق. إيران كما يبدو تتدخل الآن في سورية، وتقدم الدعم المادي والعسكري للنظام هناك. آخر الأخبار عن هذا الموضوع ما أعلنته تركيا أمس، من أنها أوقفت سفينة إيرانية محمّلة بالسلاح متوجهة إلى سورية. وقبل ذلك تصريح مصدر بارز في «التحالف الوطني» العراقي لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن إيران تضغط على العراق لتقديم مساعدة مالية للنظام السوري بمبلغ عشرة بلايين دولار. لن تؤدي المساعدة الإيرانية إلا إلى إطالة أمد الأزمة والمزيد من إضعاف سورية، ومعها الإقليم العربي. ماهو الموقف العربي من ذلك؟ خاصة في ضوء أن مأزق سورية لم يتغير: أنها تُحكم بنظام غير قابل للإصلاح. وليس لإصلاح هذا النظام إلا معنى واحد: تغييره واستبداله. وهذا ليس رأياً، وإنما حقيقة تاريخية تؤكدها سياسة النظام وخياراته الأمنية أولاً، وواجَهَتْها المنطقة مع النظام العراقي السابق وتواجهها مع جماهيرية العقيد في ليبيا ثانياً. الأفضل من أي شيء آخر أن يحصل التغيير داخلياً، وبطريقة سلمية، وعلى يد السوريين، من دون أي تدخلات خارجية. لكن هل هذا ممكن بعد كل ما حصل؟

يشير مسار الأحداث في سورية إلى أن النظام يزداد ضعفاً. ومع استمرار الانتفاضة وعجزه عن إنهائها، قد يتجه الوضع إلى نوع من الجمود، وهنا تكون سورية أمام واحد من خيارين: إما انزلاق إلى حرب أهلية مدمرة تصل تداعياتها إلى الأردن ولبنان، أو تدخل خارجي (تركي دولي كما يبدو) يؤمِّن مخرجاً لجميع الأطراف. مهما يكن، وفي كل الأحوال، لم يعد هناك من خيار إلا تغيير النظام، والخوف الحقيقي أن الوصول إلى ذلك سيأخذ وقتاً طويلاً، ويكلف السوريين، وربما المنطقة، أثماناً باهظة.

لماذا لا تنطلق الدول العربية من هذه الفرضية للتعاطي مع الوضع السوري بدل تركه لمواقف ومصالح الآخرين، من داخل المنطقة وخارجها؟ هناك فرصة لكسر طوق الصمت والجمود. فلم يسبق أن وضعت ممارسات الأمن السوري في الداخل تحت مجهر الإعلام الخارجي على هذا النحو المتصل والمكثف، ما يؤشر إلى حجم التغيير الذي حدث للمنطقة. ولم يسبق للشعب السوري أن وضع الإستراتيجية الأمنية للنظام أمام تحد صلب مثلما يحدث منذ خمسة أشهر إلى الآن. وهذا مؤشر على سقوط الإستراتيجية الأمنية التي طبقها النظام على مدى أربعين سنة.

يطالب هذا الشعب بموقف عربي. هل يملك العرب متطلبات هذه الفرصة؟ أم أن مطالبتهم بموقف كهذا في لحظة حرجة مثل هذه، أشبه بمطالبة النظام السوري بتأمين التحول إلى الديموقراطية في سورية؟

------------****************----------------

وتسألنا حماة الجريحة، الصامدة: وينكم؟؟.. جلال-عقاب يحيى

المركز الإعلامي

يكبر السؤال، يتفرّع تشعباً ليدخل كل الدروب، كل المعنيين في بلادنا، وفي ديار العرب، والمسلمين، والعالم.. ونصرخ مع حماة بصوت يأكله الحزن والضجر: وينّا؟.. وين العرب، وين المسلمين، وين العالم مما يجري من حرب الإبادة الممنهجة؟؟؟..

- ولأن الحال من بعضه، مدينتنا الغالية، ولأن العرب (الرسميين) استقالوا من التاريخ، وربما من الجغرافيا، ومعظمهم يتفيّأ العالم الرطب لقضاء إجازة الصيف، والهروب من حرّ رمضان المبارك، ولهيب صيامه، وتحدّياته للذات المؤمنة، أو المنافقة..فإن الشعوب تحاول وإن كان القهر يمضّها، وواقعها المزري الذي أوصلتها إليه نظم الاستبداد والصراخ والتوسل..

- ولأن للعالم حساباته، ودوزناته، ومصالحه، وعربدته، ونفاقه، وصهيونته، واستراتيجياته.. يتعاطى بتؤدة وكأنه في "سونا" لتنشيط مفاصله والتفرّغ إلينا ولو قليلاً.

- ولأن المسلمين غارقون في بحر الظلمات وما زالوا يبحثون عن " القارة المفقودة" في قعر التكوّر، والأسطرة..

- ولأن الجامعة المحنّطة تخشى الصيف خوفاً من اهتراء هيكلها العظمي، أو ذوبان الثلج المصنّع... تقفين حماة، ومدن سورية الثائرة وحيدة.. سلاحك إيمانك، وعزوتك ناسك، ودرعك شعبك، وأملك النصر القادم.. لا محال.. ومعادلتك أنت والحياة صنوان.

* * *

- سيلفّك مدينتنا الحبيبة سؤال مُبهم، قاسٍ، يحزّ في النفس والتاريخ، والحقيقة: أيفعلونها مرة ثانية سلالة الإجرام والحقد؟؟..

- أيقتل أطفالك، وشبابك، وتراثك، وفخرك، ومساجدك، ونسائك.. ونواعيرك هذا الذي نعتز به سنوات الصياح، والحلم: الجيش العربي السوري؟؟؟؟؟..

ستسألين: أحقاً هو الجيش العربي السوري؟، جيش الوطن والشعب؟؟.. حامي حمى الأرض والحدود؟، المتعطّش لتحرير الجولان.. والحسير على تحرير فلسطين" كل فلسطين".. أم أنه جيش النظام، بله جيش الطغمة، والعائلة، ومافيا النهب والقتل؟..

- ربما مشروعة ردّة فعلك القوية الغاضبة، وربما نتفهم حنقك، وصوت الألم المنبعث من ركام الحطام، ووجع الجرحى والمعطوبين..

ربما يصلك صراخ المعتقلين من مشارح السلخ والتعذيب، فتئنين، كيف لا وهم فلذة الكبد، عنوان شموخك، ورايات انتصابك عالية فوق قامات الموت، والخوف، والسكينة، وتعضّين على اللسان لأنك تأبين الضعف وخروج صوت الألم كي لا يشمتوا، وكي لا تهنين، وانحناء الرأس إلا للخالق..وتدعين من طاقات الفجر الداخلي بعودتهم سالمين..

- ربما تعتبين، وتلومين أولئك العساكر الذين يطلقون نيران دباباتهم ومدافعهم على قلبك، وروحك، وتسألين: أيعقل ذلك؟، أليسوا أبناء البلد؟، ألسنا شعب واحد..أنسوا أنهم أولادنا وأهلنا وعشيرتنا؟؟.. أم أنهم غرباء، دخلاء؟..

ستجدين العذر لكثيرهم لأنهم أسرى، والأسر أنواع، والأنواع أنواع، فهناك المغلوب على أمره الذي لا يستطيع فعل شيء سوى تنفيذ الأوامر التي اعتادها: " نفّذ ثم اعترض"، وهناك المغسولة أدمغتهم الذين لا يعرفون حقيقة ما يجري سوى أنها "مؤامرة"، ومؤامرة خارجية، وفيهم من بُرمج على الحقد ضد الآخر، وعبّئ بالشرور، وخزين الفزاعات، وهناك من يتشوٌق للالتحاق بك ليكون جديراً بشرف الانضمام إلى أبناء شعبه، لكنه حائر، وخائف من رصاص الإعدام، وفتك الأجهزة الأمنية التي تحبس أنفاسهم، وترعبهم بالويل والثبور، أو لأنه لا يعرف وسيلة إليك، ولا توجد منطقة آمنة يلجأ إليها.. فتبكي أعينه حرقة ما يرى وما يسمع، داعيا لك، وللمدن السورية بالصبر، والنصر..

- ستغضبين، فما يجري يُبكي الحجر، فكيف وزهراتك يقطفون أمام ناظريك، ونواعيرك تبكي بصمت غيابهم، واختفاء الآذان، وصلاة التراويح في شهر التبريك والرحمة، بينما يصعد القاشوش عناء الكون، يومي إليك باسماً، أنت الحليمة، الحريصة على الوطن ووحدته، ومستقبله، فيشدّك الانتماء أقوى من ردّات الفعل، ووقع الألم، والغضب، ويمنعك الانزلاق إلى حيث يريد النظام: الحرب الأهلية، فتعضين على النواجذ، وتصرخين بالشباب المتحمّس: إياكم والوقوع في فخاخ النظام. إياكم والدخول تنانير المحرقة..

- ولأن الشباب يغلي، ودمه يفور.. قد تفهمين انفلاتاً هنا، وتأديباً لشبيح قاتل هناك،وتهديداً لقنّاص مجرم بالقصاص العادل.. وقد تتسامحين قليلاً في بعض ردود الفعل الفردية، لكنك أبداً لا ترضين أن ينخرط أبناؤك في حمام دم يشتهيه السفّاك، مصاص الدماء كي ينتشي خزينه المريضن ويعلنها حرب إبادة لا تبقي ولا تذر..

- وحين أراك تمسحين دموعك بيد صلبة أعلم أنك لا تريدين أن يراك أحد في موقع، أو موقف حزين، وأنك تأبين الضعف، والانحناء، فتهنهين بصمت الثكالى والعين على شعاع الفجر القادم.. يحمله شبابك الميامين..

- ستسألين كثيراً، لكنك تعلمين الأجوبة: أمّ التجارب، ومنجبة رموز سورية شامخة.. بأن الشعب هو استنادك، وهو عمادك، وقد قالها الشعب وقرر، وعليك دفع المهر يا أم أجمل عرائس حلمنا الأبدي: الجرية..

كاتب وروائي - الجزائر

------------****************----------------

كلام في صميم الثورة السورية .. بدرالدين حسن قربي

ابتدأ النظام السوري شهر رمضان بمجزرته الكبرى في مدينة حماة، التي بلغت ضحاياها المئات خلال أيام تأكيداً على نواياه الإصلاحية في مواجهة المتشككين، وكأنه بذلك يريد إعادة انتاج مجازر أب له وعمّ اسمه رفعت،كانت في ثمانينات القرن الماضي، ذهب ضحاياها عشرات الآلاف من سكان المدينة. ولئن كان الأمل الكبير أن يكون النظام الساقط قد شدّ حيله في الإسراع نحو حتفه وانتهاء أجله،فإن أمل السوريين الأكبر ألا ينتهي الشهر المباركإلا وقد خلص السورييون على اختلاف أديانهم وأعراقهم ومذاهبهم وطوائفهم من هذا النظام القميء.

ولئن أكّدت الثورة السورية عظمتها في شعبيتها، وتميّزها في سلامة وعيها وسلامها وسلميّتها، فقد أكدت أيضاًمع اقتراب تمام شهرها الخامس حيازتها للأسرارالقاتلة لأعتى الأنظمة المتوحشة في العالم.وعليه، فبدلاً من أن يتفهم النظام الوضع، ويأخذ الطريق من قصيرها، فيضبضب متاعه ويرحل عن صدور السوريين، فإنه أصر على المواجهة الخاسرة وإعلان الحرب على شعبه الأعزل، وحاله في ذلك حال المستكبرين في الأرض والمفسدين فيها. فالمظاهرات التي بدأت بالآحاد والعشرات هي اليوم بمئات الألوف وفي عموم المدن والأرياف، والمطالب التي بدأت بالإصلاح انتهت إلى المطالبة القاطعة والحاسمة بسقوط النظام، والجولات المتكررة للإيقاع بالمتظاهرين وإخراج التظاهرات عن سلميتهاباءت بالفشل. ومن ثَم فلئن كانت النتيجة عند أهل البصر والبصيرة محسومة لصالح الجماهير المقموعة والمستعبَدة، فإن النظام ماضٍعلى جثث السوريين ودمائهم إلى حتفه بخيار اختاره بنفسه وورثه عن عائلته، وأعانه عليه قوم آخرون ماتت نخوتهم وأعمتهم مصالحهم وانعدمت إنسانيتهم،دولاً ومنظمات وأحزاباً وأفراداًمن شبيحة المقاومة وتجار الممانعة.

شعبية الثورة وسلميتهاأمران إن اجتمعا فلا بد أن يُسقطا النظام أياً كان المستبد، حتى ولو كان من آل الأسد. ولئن كان النظام من بعد خمسة أشهر قد وصلإلى طريق مسدودة للحدّ من شعبية الثورة وانتشارها رغم كل مراواغاته، فإنه ودهاقنته ومستشاريه على اختلاف جنسياتهم لم ييأسوا بعد من عسكرة ثورتنا البيضاء، بل ويحاولون دون كللٍأن يضعوا بين يديها السلاح ليوقعوها فريسةً لهم، فيوغلوا في الدم والذبح بمبرر العصابات المسلحة، وهي حجة كثيراً مازعموها وافترضوها وأذاعوها تبريراً لمجازرهم وتوحشهم، ولكن رغم مضي كل هالأشهر والأيام من فظائع القتل والإجرام حرصوا أيّما حرص على استبعاد كل وسائل الإعلام العربية والأجنبية،لأنهم أعلم الناس بحقيقة فبركاتهم وإجرامهم وعصاباتهم وشبيحتهم، وفشلهم في الإيقاع بالمتظاهرينفي العسكرة والمواجهة المسلحة.

جديد أبلسة النظام معلومات موثوقة، تؤكد محاولته الحالية إيصال السلاح بطريقته الأمنية الرخيصة وبكميات كبيرة إلى المتظاهرين ورميها بين أيديهم ولو (ببلاش)، وكأنها قادمة من دول مجاورة أو من داعمين للثورة ومساندينلها، في نفس الوقت الذي يرتكب فيه أعظم مجازره وأشد عملياته قمعاً وتوحشاً في مدينة حماة تحديداً، مع تسويقه الشيطاني والدكاكيني بين الناس لمشروعية الدفاع عن الأنفس والمدن والبيوت والأعراض والحريات والكرامات، ليوقعهم في تسونامي دماء المواجهة. ومن ثَمفإنه يشرعن آثامه وجرائمه ومذابحه الحالية، بل ويأخذ من شرعيتها ليغطي أيضاً قباحات وبجاحات مامضى من الفظائع والقمع، بل وعندها يستدعي الفضائيات وماكان ممنوعاً من الإعلام كله للحضور والمعاينة ليؤكد تأكيداً صحة دعواه بمواجهة عصابات مسلحة، وليُشهدهم على أنفسهم بأن ماكان من اتهامات له على مر الشهور الماضية من قبلهم ليس إلا كذباً وافتراءً وبعض المؤامرة عليه، وليُخرج نفسهانتهاءً بعد آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين وكأنه ضحية الروايات الكاذبة للفضائيات المغرضة والمؤامرات الدوليه عليه في مواجهة شعبه.

أكّدت ثورتنا السورية بسلميّتها وصدرها العاري على امتداد شهورها الماضية وعياً شعبوياً عفوياً أعانها عليه إيمان راسخ بعدالة هدفها وسمو إرادتها لإسقاط النظام، فكان صبرها في ساحات المواجهة مع أعتى الأنظمة المتوحشة والفاشية، ووعيها في إفشال كل محاولاته للالتفاف على الثائرين والمتظاهرين المسالمين لعسكرة ثورتهم طلباً لنجاته وإيقاعهم في التهلكة.

ثورتكم ياأيها السورييون منصورة، وإنما النصر مع الصبر، ولو صبر القاتل على المقتول لوقع بين يديه، وهذا حال النظام واقع لامحالة بنداءاتكم وجُمَعِكم وحشودكم ووعيكم وصبركم، فلا تتجاوزوا رفع أصواتكم في النداء بسقوطه فهذا يكفيكم، وإن كنتم تألمون فإنه يألم بأكثر مما تألمون، لأنكم ماضون إلى حريتكم وكرامتكم،وماضٍ هو إلى مصير المجرمين البئيس.

------------****************----------------

هل ستنتصر الثورة السورية؟ .. زين الشامي

الرأي العام

6-8-2011

روى لي أحد الأصدقاء ممن كان حاضراً يوم الخامس عشر من مارس الماضي أمام وزارة الداخلية في دمشق حيث تجمع العشرات من أهالي المعتقلين للمطالبة بحرية معتقلي الرأي في سورية، كيف أن قوات الأمن اعتقلت العديد منهم، وكيف تم ضربهم بقسوة وعنف، وخاصة النساء منهم مثل الكاتبة سمر يزبك، إلى أن أجبرت تلك العناصر الأمنية الغالبية من المعتصمين على الفرار. لكن اليوم وبعد مضي نحو خمسة أشهر على تلك الحادثة، نرى كيف أن ذلك التجمع الصغير المحدود من أهالي السجناء السوريين وبعض المتعاطفين معهم قد تحول إلى ملايين، وكيف انتقلت الاحتجاجات من مكان ما وبقعة صغيرة في دمشق، إلى عموم المدن والقرى والبلدات السورية حيث سجلت الأسابيع الأخيرة وصول الاحتجاجات إلى نحو 208 بقع مشتعلة في كل المحافظات السورية دون استثناء. هذا مؤشر واضح وصريح على المسار التصاعدي لحركة الاحتجاجات الشعبية ضد النظام السوري.

من ناحية ثانية، ومنذ تلك اللحظة في منتصف شهر مارس وحتى اليوم، نرى أن فئات جديدة تنضم إلى صفوف المحتجين وتنزل إلى الشوارع بعد طول تردد وخشية، حتى وصلت أعداد المتظاهرين في مدينة حماة قبل اجتياحها من قبل الجيش، إلى أكثر من نصف مليون نسمة رغم أن تعداد سكان المدينة كله يبلغ نحو سبعمئة وخمسين الف نسمة، الشيء نفسه يمكن قوله عن مدينة دير الزور، ففي جمعة «حرية الأسرى» خرج نحو 600 ألف متظاهر.

بهذه المناسبة، وإذا ما رجعنا إلى الصور الأولى التي بثت على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «اليوتيوب» للمتظاهرين في شهر مارس، في كل من مدينتي حماة ودير الزور، فسيكون مفاجئاً كيف أن بضع عشرات فقط من الشبان قرروا الخروج، وقد تظاهروا لبضع دقائق، وكيف أن بعضهم غطى وجهه خوفاً من أن تتعرف عليه عناصر الأمن لاحقاً، يوم شاهدت تلك الصور الأولى المقبلة من حماة ودير الزور قلت في نفسي أن النظام استطاع تدمير الحياة السياسية في سورية كلها واستطاع ضرب المجتمع المدني السوري، ولن ينضم إلى التظاهرات سوى قلة من الشبان، لكن ما حصل هو العكس تماماً، إن أجمل الصور وأجمل تعبيرات حركة الاحتجاج الشعبية خرجت من تلك المدينتين السوريتين لاحقاً، كذلك شكلت تلك الصور عن الحشود الشعبية رغم ضعفها الفني، مصدراً ملهماً للآلاف من السوريين، وتركت أكبر الأثر عالمياً لناحية التضامن الشعبي والرسمي مع الشعب السوري.

من ناحية أخرى، ورغم تزايد أعمال القتل ضد المتظاهرين العزل، والذي تجاوز الألفي قتيل، ورغم اعتقال ما يقارب العشرين ألف شخص، ورغم التعذيب والبطش واحتلال بعض المدن والقرى والتنكيل بالأهالي، وانتهاك الأعراض، وسرقة الممتلكات الشخصية، ورغم تجويع وتعطيش أبناء المناطق التي تشهد التظاهرات، وقطع الكهرباء والاتصالات عنها، رغم كل ذلك نرى أن عدد المنخرطين في التظاهرات يزداد يوماً بعد يوم. ذات مرة اتصلت هاتفياً بأحد أباء الشهداء معزياً بعد أن سقط ابنه في احدى التظاهرات على أيدي قوات الأمن، لفت نظري كيف كانت معنويات ذلك الأب عالية ومرتفعة، لدرجة اعتقدت أني اتكلم مع شخص آخر لا أعرفه، قال لي حرفياً في اليوم الثاني بعد دفن ولده: «هل تعتقد أنني حزين أو منزعج... لا على العكس تماماً، أنا افتخر تماما بولدي، انه شهيد، انه شهيد من أجل الحرية، لقد كان هناك الآلاف من كل القرى ممن اتوا لتعزيتي، لقد شعرت اني في عرس، لأن الناس زفت ابني الشهيد كما لو أنه عريس حقاً».

كذلك تحصد حركة الاحتجاجات الشعبية في سورية المزيد من التعاطف الدولي، ولا نبالغ القول إذا قلنا ان جميع شعوب ودول العالم تقف في صف الشعب السوري المنتفضي، رغم المواقف المصلحية والانتهازية لحكومات روسيا والصين وايران، ورغم التردد العربي الرسمي في الإعلان عن موقف حاسم ازاء ما يجري، ومن دون الخوض في تفاصيل وأسباب وخلفيات مواقف هذه الدول والحكومات، لا بد من القول أن مواقف هذه الدول لا تعكس حقيقة مواقف شعوبها، وعليه فإن النظام في سورية يقف اليوم وحيداً معزولاً إلا من تأييد ودعم ايران الرسمية الخائفة على انهيار مصالحها في الدول العربية والشرق الأوسط في حال سقوط النظام، أما الموقفان الروسي والصيني فمرتبطان بالحسابات السياسية الدولية والصراع بين القوى الكبرى ولا يعكسان مواقف شعبية روسية او صينية ضد انتفاضة الشعب الثوري.

لكن رغم كل ذلك فإن التساؤل فيما لو ان المتظاهرين في سورية يستطيعون اسقاط النظام أم لا، خاصة وأن ذلك النظام يستند لقوة عسكرية وأمنية ولا يتورع عن ارتكاب أي شيء بهدف الحفاظ على السلطة، فيما الشعب السوري والمتظاهرون السلميون، لا يستطيعون من خلال «سلميتهم» هذه اسقاط مثل هذا النظام بكل بطشه؟

وللإجابة عن ذلك فلابد من التنبيه أولاً إلى أن منطق الثورات الشعبية السلمية أو حتى غير السلمية لا يمكن حسابه بمنطق ميزان القوة والسلاح وعدد أفراد الجيش، ان منطق الثورات مختلف تماماً عن منطق الحروب، فلو كنا نتحدث عن حرب ومعركة عسكرية بين النظام السوري والشعب السوري، لقلنا بكل بساطة أن النظام سينتصر حتماً لأنه يملك كل صنوف الأسلحة من بنادق ورصاص ودبابات وطائرات ومدافع وسلاح كيماوي، فيما الشعب لا يملك سوى الهتاف والتظاهر والغضب. غير ان منطق الثورة كما قلنا يختلف عن منطق الحروب، وفي الثورات الشعبية غالباً ما تخسر الانظمة المستبدة والظالمة، لأنها ورغم بطشها فهي لا تستطيع ان تقاوم حركة شعبية عارمة، لأن منطق الاستبداد والظلم والقهر الاجتماعي هو منطق يعاكس حركة التاريخ والتطور. ثم من ناحية ثانية كلنا يعلم أن ثورة المهاتما غاندي اللاعنفية ضد المستعمر الانكليزي، انتصرت رغم كل ما تملكه «الدولة العظمى» في ذلك الوقت من أسلحة ورغم كل البطش الذي مارسته بحق الشعب الهندي الذي اختار الطريق السلمي لمواجهة الاحتلال.

الشعب السوري ومنذ سيطرة «حزب البعث» على السلطة في 1963 لم يتنفس أو يعش لحظات من الحرية كما يعيشها اليوم، انها المرة الأولى في حياته التي يستطيع ان يقول فيها «لا» من دون خوف، والمرة الاولى التي يخرج فيها للتظاهر من دون أن تقرر عنه السلطات والحزب الحاكم والمخابرات ذلك، انها المرة الأولى التي يشعر فيها الشعب أنه أقوى من الديكتاتورية والبطش والخوف. الشعب السوري انتصر، ولم يكن هو نفسه يصدق ذلك، وسوف لن يرجع مطلقاً إلى الوراء.

ان الموجة التحررية ضد الظلم والفساد والقمع والتي بدأت من تونس مروراً بمصر، ووصلت إلى بلدان عربية عدة ومنها سورية، تشبه موجات المد «تسونامي»، لا أحد يستطيع ايقافها او الوقوف في وجهها، صحيح أن النظام السوري سيحاول جاهدا قمع هذه الموجة التحررية، لكنه سيفشل في النهاية، لأن الشباب في سورية الذين قرروا الخروج للتظاهر ومستعدين للموت من أجل الوصول إلى أهدافهم والانتصار على الظلم والقمع والقهر، سوف لن تستطع أي قوة أن تقف في وجه إرادتهم. هذا منطق التاريخ وهذا منطق الثورات في التاريخ.

------------****************----------------

الحسم للاقتصاد في سورية .. حسن احمد الشوبكي

الغد الاردنية

نشر : 05/08/2011

رغم الإصرار على أن شيئا لم يتغير، وأن العاصمة تمر بظروف عادية، وأن التكيف مع الحالة الراهنة ممكن، إلا أن تلك الدعاية الرسمية السورية تصطدم بحقائق اقتصادية مرة ليس أقلها هروب الأموال وانهيار كامل لقطاعات كانت حتى وقت قريب تغذي عصب الاقتصاد السوري.

ثمة تأكيدات أن حجم الأموال والاستثمارات التي رحلت خلال الأشهر الثلاثة الماضية تخطى 20 بليون دولار، وهو رقم كبير بالنسبة للاقتصاد السوري الذي بدا جاذبا للرساميل الخارجية قبل خمس سنوات فقط باعتبار أن الدولة كانت تسيطر على كل مفاعيل الاقتصاد، وهو ما تغير شكليا عقب إصلاحات طفيفة حدثت في العام 2006 وشملت السماح بفتح حسابات بالعملات الأجنبية وإنشاء بنوك خاصة، وما تبع ذلك من بدء عمل البورصة، بيد أن تلك الإصلاحات هوت وذهبت مع رياح الأموال التي هربت مجددا بفعل القتل الممنهج الذي تقوده الدولة ضد مواطنيها. وفي قراءة عاجلة لحال الاقتصاد السوري، فإن قطاع السياحة الذي ظل خزانا رئيسا للاقتصاد قد مني بضربات موجعة وفي الوقت الذي قدم فيه هذا القطاع نحو 7 بلايين دولار السنة الماضية، فإن رصيد القطاع منذ بدء العام وحتى اليوم صفر عقب غياب الموسم السياحي عن المصايف والمواقع والكنوز الأثرية والطبيعية في سورية، بعد أن علا صوت رصاص قوات الجيش وشبيحة ماهر، وارتفع أكثر من صوت الرصاص، هذا صوت الثورة السورية المطالب بالحرية والكرامة والخلاص من نظام لم يمنح السوريين فرصا حقيقية للحياة.

ومع طول أمد الثورة فإن عددا كبيرا من تجار حلب ودمشق بدأ ينفض يديه من النظام، وهو ما يشكل تحولا يمكن القياس عليه لا سيما بعد أن قام كثير من الصناعيين بإغلاق مصانعهم وطرد العمال وسط ضيق المدى وتعذر وجود البدائل، وهنا بيت القصيد، إذ إن رؤوس الأموال تلك تربط كثيرا بين ما يجري على الأرض السورية وفقا لمصلحتها الخاصة، وفي معادلة بسيطة تبدو النتائج مخيبة لآمال أصحاب رؤوس الأموال تلك، فالنظام ماض في استخدام القتل سبيلا إلى وقف الثورة، بينما تتزايد الثورة في أعدادها وتمثيلها الجغرافي والقطاعي.

صحيح أن عددا من التجار والصناعيين كان يبدي حتى وقت قريب تقاربا مع النظام السوري، لكن هذا التقارب لا يصمد أمام التحولات الاقتصادية الحادة والشلل الذي تمر به البلاد، وبما يعني أن هؤلاء لن يحافظوا على ذات الموقف، وأنهم سينحازون إلى مصالحهم وأعمالهم التي واجهت تقلبات عنيفة في الأشهر الأربعة الماضية من عمر الثورة السورية.

صندوق النقد الدولي ومعظم مراكز الدراسات العالمية التي هبط في حساباتها تقييم مستوى الاقتصاد السوري حاليا، تؤكد أن الوضع سيئ جدا، وأن ورقة الاقتصاد ربما ستكون صاحبة القول الفصل بشأن مصير النظام الذي يترنح منذ عدة أسابيع ويواجه شبح السقوط في كل ساعة، ولا تنفع محاولات النظام في الوقوف من جديد رغم تنوع أشكال الدعم الإيراني له بما فيها الدعم الاقتصادي، كما أن محاولات المصرف المركزي السوري تشديد قبضة الدولة على احتياطي العملات الأجنبية ليست ذات شأن، خصوصا وأن الليرة السورية منيت بتقلبات واسعة منذ اندلاع الثورة .

 الانهيار الاقتصادي واضح في المخزونات والمدخرات والاحتياطيات، وفي هروب الاستثمارات والأموال العربية وحتى السورية، ولا أدل على هذا الانهيار من الشلل الذي لحق بقطاعات تجارية وصناعية وسياحية، يضاف إليه تفشي الفقر أكثر من ذي قبل، وانحسار أدوات النظام في مواجهة كل ذلك، وبعد استمرار حمام الدم في سورية قد يكون الاقتصاد ورقة ضغط حقيقية لفرض واقع جديد لا يمكن للنظام بموجبه أن يصمد طويلا.

------------****************----------------

سورية وتثوير شيعة الخليج .. عبد الباري عطوان

2011-08-07

بعد اقل من يوم من البيان الذي اصدره مجلس التعاون الخليجي، وانتقد فيه الاستخدام المفرط للقوة من قبل السلطات السورية في حق مواطنيها المطالبين بالاصلاح والتغيير الديمقراطي، وبعد خمسة اشهر من اعمال المواجهات والقتل، دعت الجامعة العربية هذه السلطات الى الوقف الفوري لكافة اعمال العنف والحملات الأمنية ضد المدنيين، حفاظاً على الوحدة الوطنية للشعب السوري، وحقناً لدماء المدنيين والعسكريين، ومنع التدخلات الاجنبية.

اللافت ان هذين البيانين جاءا بعد ايام من صدور بيان مماثل عن مجلس الامن الدولي، والتحذير الذي اصدره رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الى الرئيس السوري بشار الاسد، وقال فيه إنه يسير في طريق خطر باعتماده على الحلول الامنية واراقة دماء شعبه، وبعد صرخة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان التي قال فيها ان صبر بلاده قد نفد، وكشف عن عزمه ارسال وزير خارجيته السيد احمد داوود اوغلو الى دمشق 'الثلاثاء' حاملا رسالة شديدة اللهجة في هذا الصدد.

الرد الرسمي السوري على جميع هذه البيانات والتحذيرات جاء اكثر دموية من كل الردود السابقة المماثلة، فقد قتلت قوات الجيش والامن السورية حوالى 66 شخصا في هجماتها التي شنتها امس بالدبابات والمدرعات على مدينتي دير الزور وحمص، بينما استمرت في حصار مدينة حماة، وواصلت عمليات التمشيط داخلها، ورقم الضحايا مرشح للارتفاع مع تقدم ساعات الليل.

السلطات السورية اعربت عن 'اسفها' لصدور بيان مجلس التعاون الخليجي ولهجته القوية، وعدم اشارته الى الهجمات التي يشنها مسلحون ضد قواتها، تصفهم بأنهم 'ارهابيون' ينتمون الى حركات اسلامية متطرفة، تهدف الى زعزعة استقرار البلاد كمقدمة لاطاحة النظام.

هذا 'الاستئساد' من قبل مجلس التعاون الخليجي لم يأت من فراغ، ولا بد ان هناك 'طبخة ما' يجري اعدادها في الغرف المغلقة، دفعت بدول المجلس الى اصدار هذا البيان فجأة، وهي التي حرصت طوال الاشهر الخمسة الماضية على 'مغازلة' النظام السوري، وارسال الوفود للتضامن معه، دون ان تتوقف في الوقت نفسه عن توظيف آلتها الاعلامية الفضائية الجبارة في خدمة الجماعات السورية المعارضة، لفضح الممارسات الدموية التي تجري على الارض، وبلغ هذا التوظيف ذروته اثناء اقتحام دبابات الجيش السوري مدينة حماة وقتل حوالى مئتين من ابنائها في اقل من يومين.

من الواضح ان هناك عوامل عديدة دفعت الى خروج هذا البيان الخليجي المدعوم ببيان آخر من الجامعة العربية، ابرزها ضخامة اعداد الشهداء الذين سقطوا من جراء تكثيف السلطات السورية لهجمتها الامنية والعسكرية، وتزايد الضغوط الداخلية، اي من قبل الشعوب الخليجية ومؤسساتهم الدينية خاصة، على الحكومات للخروج عن صمتها واتخاذ مواقف داعمة للانتفاضة الشعبية، وتزايد انتقادات المعارضة السورية لهذا الصمت العربي والخليجي عامة، تجاه هذه المذابح.

***

وقد يجادل البعض بان هذه الحكومات الخليجية التي اكتشفت فجأة نعمة الاصلاح واهميتها، وباتت تلح على نظيرتها السورية لتطبيقها، هي الاكثر حاجة لتطبيقه، وكان الاجدر بها ان تبدأ به بنفسها تجاوبا مع مطالب شعوبها 'المؤدبة' حتى الآن، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة. فالحكومات الخليجية تدرك هذه الحقيقة وتتجاهلها، كما تجاهلتها لعقود نظيراتها العربيات الاخريات، ولكنها اصدرت بيانها هذا مكرهة او مضطرة، لتحويل انظار شعوبها الى هدف خارجي، اي سورية، وامتصاص بوادر نقمة شعبية تتكشف تحت الرماد.

صحيح ان الحكومات الخليجية، وبفضل ما حباها الله به من ثروات هائلة، لا تواجه انتفاضات شعبية تضطر الى اللجوء للوسائل القمعية بمواجهتها، على غرار ما حدث في سورية وتونس واليمن ومصر، ولكن علينا ان نتذكر امرين مهمين، الاول ان البحرين وهي دولة خليجية واجهت احتجاجات غاضبة تطالب بالاصلاح، ادت الى تدخل قوات سعودية لدعم توجهات النظام بقمعها، والثاني ان الانتفاضات في دول الفقر الجمهورية جاءت بعد اكثر من اربعين عاما من الصبر والسكينة والتحمل الاعجازي، الى ان جاء عنصر التفجير الذي اشعل أوارها ونسف كل المعادلات والنظريات القائمة.

عندما كنا نقول ان الفيل المصري بدأ يتحرك بعد لامبالاة طال امدها، سخر منا البعض، واعتقد اننا نبالغ في تفاؤلنا بقرب اندلاع الثورة في هذا البلد الغارق في الفساد ومصادرة الحريات والتغول في نهب ثروات فقرائه من قبل مافيا رجال الاعمال، المدعومة من قبل النظام، وها هي الايام تثبت كيف استطاع هذا الفيل اكتساح كل رموز الفساد والقهر، وتقديم رأس النظام وزبانيته الى العدالة، في محاكمة هي الأكثر حضارية في هذه المنطقة من العالم.

الأمر المؤكد ان الانتفاضة السورية غير مرشحة للتوقف قريبا، فالشعب السوري عاقد العزم على استرداد كرامته وحريته، والأمر المؤكد ايضا ان السلطات السورية ليست في وارد التراجع عن حلولها الامنية والعسكرية الدموية، وغير آبهة في الوقت نفسه بالضغوط العربية والدولية المكثفة التي تستهدفها حاليا من مختلف الجهات.

ما يمكن استنتاجه من خلال رصد تطورات الوضع في سورية والمنطقة، هو اننا نقف امام تحشيد واستقطاب طائفيين، قد يتطوران الى حرب اقليمية واسعة بتحريض خارجي، وادوات عربية واسلامية محلية، اذا لم يعِ النظام السوري خطورة الطريق الذي يسير فيه، ويعالج الامور بحكمة، بعيدا عن السياسات التي تنطوي على الكثير من العناد والعجرفة.

احد المتحدثين باسم النظام السوري فاجأنا بالامس عندما اماط اللثام وبصورة فجة، عن إمكانية الانزلاق الى هذه الهاوية الطائفية، اثناء لقاء اجرته معه محطة 'العربية' الفضائية في برنامجها 'بانوراما'،عندما قال إن دول الخليج تستضيف مؤتمرات للمعارضة السورية على اراضيها، وتطلق فضائيات تحرّض طائفيا ضد سورية، وحذر، او بالاحرى، هدد، بأن بلاده تستطيع القيام بالشيء نفسه، وتحرك الاقليات، او الجماعات الشيعية في الدول الخليجية ضد انظمتها، ولكنها امتنعت عن ذلك حتى الآن بسبب التزام قيادتها بالمنطلقات القومية والفكر العلماني المناهض للطائفية بأشكالها كافة.

***

التحذير خطير، ورسالة مقصودة، فلا احد يتحدث عبر الفضائيات من الناطقين باسم النظام دون تنسيق مسبق مع مرجعياته في معظم الحالات، ان لم يكن كلها. فالنظام في سورية ما زال متماسكا، وان كان قد انهك من قبل طرقات مطرقة الاحتجاجات الموجعة، فلم نسمع حتى الآن عن اي انشقاقات مهمة في سلكه الدبلوماسي او السياسي، على غرار ما حدث في دول اخرى مثل اليمن وليبيا. ولكن هذا لا يعني انه في الوقت الذي فقد فيه الكثير من شرعيته بفعل اندلاع المظاهرات والاحتجاجات في معظم المدن والبلدات، باستثناء مركزين رئيسيين هما حلب ودمشق، ما زال يملك بعض الاوراق المرعبة والتحالفات التي لا يمكن التقليل من شأنها.

السلطات السورية تشتكي من وجود بعض الجماعات المسلحة التي تطلق النار على قواتها، وهناك ادلة على صحة بعض التقارير في هذا الخصوص، وهذا امر متوقع على اي حال، فعندما تتعرض المدن واهلها لهجمات دموية من قبل قوات الامن والجيش، فمن غير المستغرب ان يلجأ بعض الافراد الى السلاح دفاعا عن النفس، فلكل قاعدة شواذ، ولكن الغالبية الساحقة من الاحتجاجات سلمية الطابع، والغالبية الساحقة من الشهداء هم من المدنيين العزل.

ما نخشاه ان تتطور الاوضاع الى حرب اهلية طائفية، خاصة ان جهات عديدة تدفع باتجاهها وبقوة هذه الايام، داخلية وخارجية، وهذه الحرب لو اندلعت لن تحرق سورية فقط، وانما المنطقة بأسرها. فهل تتعظ السلطات السورية، وتوقف مجازرها لوقف هذا السيناريو المرعب قبل حدوثه.. وتفسح المجال للاصلاحات التي تتحدث عنها دون ان نراها.. نأمل ذلك؟.

 

------------****************----------------

ضربتان موجعتان للنظام السوري .. رأي القدس

2011-08-05

ضربتان موجعتان جرى توجيههما بالامس الى الرئيس السوري بشار الاسد الاولى من رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين والثانية من الشاعر السوري المعروف ادونيس، وكل منهما له اهمية خاصة ليس من حيث التأثير وانما ايضا من حيث النظرة الى تطورات الاوضاع في سورية.

الرئيس بوتين الذي تقيم بلاده علاقات وثيقة مع النظام السوري، وتحتفظ بقاعدة عسكرية ضخمة في ميناء طرطوس هي الاضخم في المنطقة، قال ان الرئيس بشار باستخدامه المفرط للقوة لقمع المظاهرات الاحتجاجية يسير في طريق محفوف بالمخاطر. اما الشاعر ادونيس الذي اتخذ موقفاً متحفظاً في الاشهر الاولى من انفجار الاحتجاجات المطالبة بالتغيير فقد خرج عن تحفظه هذا وطالب الرئيس بشار الاسد بالاستقالة، وذلك في حديث ادلى به الى صحيفة 'الرأي' الكويتية.

واللافت ان موقف رئيس الوزراء الروسي الانتقادي للرئيس السوري يأتي بعد موافقة بلاده على بيان اصدره مجلس الامن الدولي يدين بشدة القمع الدموي للمتظاهرين السوريين، مما يعني ان اقرب حلفائه باتوا يشعرون بالحرج الكبير من جراء هذا القمع، والاصرار على الحلول الامنية.

لا نعتقد ان النظام يعير اي اهتمام لمثل هذه الانتقادات او غيرها مهما كان مصدرها، ويتضح ذلك من خلال ازدياد وتيرة القتل يوماً بعد يوم، فقد سقط بالامس عشرة اشخاص على الاقل برصاص قوات الامن التي اطلقت النار على المتظاهرين في ريف دمشق ومدينةي حماة وحمص، بينما نزح الآلاف من مدينة دير الزور تحسباً لوقوع هجوم للجيش السوري على غرار ما حدث في مدينة حماة من مجازر نتيجة هجوم مماثل اوقع اكثر من مئة شهيد في يوم واحد الاسبوع الماضي.

من الواضح ان هناك اصراراً على التمسك بخيار القوة الامنية كمخرج من هذه الازمة مهما بلغ عدد الضحايا في اوساط المحتجين. فالنظام في سورية لا يريد ان يتخيل ان هناك معارضة لسياساته وطريقة ادارته للبلاد، لانه لم يتعود على وجود مثل هذه المعارضة، وان وجدت فعلا فان مكانها اما القبور او اقبية زنازين التعذيب في المعتقلات.

النظام السوري لا يريد تقديم تنازلات لشعبه، ربما لانه لا يعترف بحقه في الديمقراطية والعدالة والعيش الكريم، ويريد ان تستمر الامور كما سارت عليه طوال الاعوام الاربعين الماضية، اي تغول من قبل النظام واجهزته الامنية وخنوع كامل للمواطنين.

معادلة الخنوع هذه انهارت في اليوم الاول الذي كسر فيه ابناء مدينة درعا حاجز الخوف، واطلقوا شرارة الانتفاضة قبل ستة اشهر تقريباً، لتنتشر في مختلف محافظات البلاد طولاً وعرضاً. ولكن النظام، وبعض رجالاته البارزين، خاصة في الحلقة الامنية الضيقة، لا يريد ان يسلم بهذا الانهيار، ويتصرف كما لو انه غير موجود على الاطلاق.

صرخة الشاعر ادونيس لها مدلولات كبيرة لما يتمتع به الرجل من مكانة ادبية رفيعة ومصداقية كبيرة داخل سورية وفي اوساط النخبة المثقفة في الوطن العربي، ولذلك ما كان ليطلقها، وبمثل هذا الوضوح، لولا انه لم يعد يتحمل ممارسات النظام الدموية في حق شعبه.

فالرئيس بشار الاسد الذي يقف على رأس النظام هو الذي يتحمل المسؤولية الاكبر عما يجري في البلاد من سفك للدماء وبصورة يومية، ولهذا طالبه الشاعر الكبير بالاستقالة طالما انه لا يستطيع ان يقدم الاصلاحات التي يطالب بها الشعب السوري.

النظام السوري لا يستطيع تأكيد هيبته بالقتل والمزيد منه وانما من خلال نيل احترام شعبه او الغالبية العظمى منه، والامر المؤكد ان التغول في سفك الدماء سيفقده الكثير من هذا الاحترام، الى جانب الكثير من الحلفاء داخل سورية وخارجها.

------------****************----------------

سيسقط النظام.. رفعت الأقلام وجفت الصحف.. م. عبد القادر زيزان

engabdalqader@gmail.com

سوريا العظيمة اليوم تتحدى أعتى أنواع الظلم وأشدها قسوة .. رغم كل تلك الظلمة نجد جميع الثوار بمعنويات عالية جداً ، بل كلما سقط شهيد أو منعوا الصلوات في المساجد أو سعوا لتدميرها ، زادت الثورة استعاراً واقتراباً من النصر ..

شهد العالم بشرقه وغربه بطولة ثوار سوريا السلميين وكذلك إجرام طاغية الشام الذي استعان بالفرس الإيرانيين وجند حزب الله اللبنانيين ..

هذه العلاقة التي تربط الثلاثي الإجرامي الذي يدّعي كل طرف منهم بالممانعة والمقاومة الكاذبة وعداء "أمريكا" و "إسرائيل" .. لها تاريخ قريب ونهاية واحدة ..

تاريخ اغتيال الشهيد رفيق الحريري ودلالات تورط الثلاثي بها .. تكشف أن نهايتهم واحدة بسقوط رأس الظلم في بلد الياسمين ..

لقد أذِن الله بزوال الحكم الجبري في شام العزة ، كما أذِن من قبل في تونس ومصر ، لتحيا من جديد الحرية التي أُعدمت من نصف قرن .. والثورة اليوم ليست كالماضي .. ثورة شعبية شاملة عامة تشمل كل المحافظات وكل الفئات حتى الأطفال كانوا أبطالها السبّاقين ..

أبواق النظام راهنوا على الطائفية والتفريق .. فلم تجد لها طريقاً .. وراهنوا على حلب .. فكانت عشية ليلة رمضان من لهب ..

ومن دلائل السقوط القريب هضبة الجولان المحتلة ، خاف المحتل على نفسه فأسرع ببناء جدار عازل يحميهم ، لأن المافيا التي تحكم كانت الحامية الحانية ..

جنود حُماة الديار حاول النظام توسيخ سمعتهم فكانت الانشقاقات وترتبت بمسميات : حركة الضباط الأحرار والجيش السوري الحر .. وهذه ضربة قوية لم يكن يحسب حسابها طاغية الشام..

بما أن السقوط قاب قوسين أو أدنى .. علينا التفكير بجدية وبسرعة عن ترتيبات البيت السوري الحر الجديد .. إما حكومة ظل كما اقترحها الأستاذ هيثم المالح ، أو مجلس إنتقالي يسير أمور البلاد حتى تترتب أمور الدستور الجديد والانتخابات الحرة التي يطمح الثوار تحقيقها ..

ملامح السقوط تحمل سيناريوهات عدّة .. إما هروب عائلة المافيا كما روّج له البعض أو نهاية كل قاتل ، وقد تكون هذه النهاية على يد الدائرة المقربة التي يحتمي بها رأس الهرم فرعون الشام..

عموماً مهما يكن شكل السقوط ، فالنتيجة النهائية النصر .. وسوف يكون الحساب عسيراً لكل من دافع عن هذا الإجرام بقول أو فعل .. وسيحاسب الثوار الأبواق النبيحة والشبيحة .. وسيحاسبون أيضاً كل من يثبت تورطه مع ميليشيات إيران على أرض الشام ..

ثورة سوريا اليوم أشبه ببدر الكبرى .. كانت الفرقان بين الحق والباطل ، والمجريات واضحة لا يغطي شمس الحق غربال .. والسكوت اليوم يعد داعماً للإجرام .. أيها الصامتون لن تنالوا شرف النصر بعد اكتماله ..

" سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ " .

------------****************----------------

حزب البعث يربط مصيره بمصير السلطة الباغية .. محمد فاروق الإمام

في الوقت الذي تجتاح المدن السورية دبابات الجيش ومدرعاته مصحوبة بفرق الموت القادمة من قم والضاحية الجنوبية وعناصر الأمن والشبيحة، زارعة الموت والخراب والرعب والدمار، تطل علينا قيادة حزب البعث الحاكم في سورية باتخاذها إجراءات وخطوات لوجستية كتحرك استباقي لمرحلة ما بعد رحيل النظام وسقوطه، وقد ضيقت الثورة الخناق عليه وبات سقوطه مسألة وقت، وسقوطه يعني تغيير الدستور وتجريد حزب البعث من المادة الثامنة منه، كون تجريده من هذه المادة يعني حكماً أن حزب البعث سيصبح مجرداً من الامتيازات والاستثناءات التي ميزته دون خلق الله وملكها بموجب هذه المادة من الدستور، الذي فصله الرئيس الراحل حافظ الأسد على مقاسه ومقاس حزبه عام 1973، بهدف تأمين موارد تعوضه بشكل أو بآخر عن الموارد التي كانت تحت تصرفه قبل الثورة بصفته الحزب القائد والموجه للدولة والمجتمع.

فقد كشفت بعض المصادر لجريدة القدس العربي أن حزب البعث الحاكم اشترى مؤخراً قطعة أرض بمبلغ 150 مليون ليرة سورية (3 ملايين دولار) في إحدى مناطق ريف دمشق لإقامة جامعة تعليمية خاصة تشكل لاحقاً مورداً مالياً رديفاً، والأبرز فيما كشفته ذات المصادر نية البعث بشراء كافة مقرات الحزب الحالية في العاصمة دمشق وبقية مقرات فروعه في المحافظات السورية، لأن استخدامه لتلك المقرات عموماً يأتي من خلال تخصيصها له كونه الحزب القائد للدولة والمجتمع وبالتالي فإن تجريده من هذه الصفة أو الحالة السياسية عنه لاحقاً، يعني عدم إمكانية إشغال هذه المقرات ما لم تكن ملكاً له.

يقع مقر القيادة القطرية في أكثر أحياء دمشق رقياً وغلاء في أبو رمانة، وكذلك الأمر بالنسبة لمقر القيادة القومية الكائن بحي البرامكة وسط دمشق، كما أن مقر فرع دمشق للحزب ومقرات بقية الفروع في المحافظات جميعها تقع في أحياء حيوية وراقية.

ويتجه البعث أيضاً لاستثمار ما يسمى "بناء البعث" وهو بناء برجي يتألف من 14 طابقاً يقع على أوتوستراد المزة، وهو بناء اغتصبه حزب البعث من الدولة، ويقدر ثمنه بمئات الملايين، ويضم أحد طوابقه جريدة البعث الناطقة باسم الحزب ووزارة الإعلام التي تستأجر مقرها داخل هذا البناء من الحزب، فيما سيتم استثمار بقية الطوابق لمصلحة الحزب عبر تأجير مكاتبها لشركات ومؤسسات.

وكان من أبرز ما بحثته قيادة البعث – كما ذكرت المصادر للقدس العربي - هو دمج الموظفين والعاملين في المنظمات الشعبية والنقابات المهنية التي أنشأها البعث منذ عقود لتكون "رديفاً" اجتماعياً وشعبياً له بحيث يجري نقلهم إلى ملاكات الدولة الرسمية، إضافة للصحافيين والعاملين في جريدة "البعث" وتسوية أوضاعهم مثل بقية نظرائهم في الإعلام الرسمي السوري.

حزب البعث الذي وصل إلى الحكم عبر مجموعة من ضباطه المغامرين فجر الثامن من آذار عام 1963 لا يزال يعيش أوهام السلطة والنفوذ ولا يريد الانفكاك عنها وكأنها إرث آلت إليه بفعل تراكم السنين التي حكم فيها سورية لنحو نصف قرن، ليس بقوة الإيديولوجية الفكرية التي كان يتبناها بل بقوة الأجهزة الأمنية التي سهلت له البقاء في السلطة كل هذه السنين العجاف من حياة سورية على حساب تجرع السوريين مرارة تلك السنين وشظفها وعذاباتها.

حزب البعث الذي ألحق بسورية الهزائم والانكسارات وقنن الفساد والرذيلة في مجتمعاتها لا يريد كسيده بشار الانصياع إلى صوت العقل أو صحوة الضمير أو وقفة صدق مع الذات والاعتراف بما اقترفته أيدي منتسبيه وقياداته، ويفتش عن طريقة تسعفه ليكفر عن كل آثامه وموبقاته وفواحشه ويغادر الساحة السورية بأقل الخسائر، علَّ الشعب ينسى ويغفر له كل ما تعرض له على يديه من قمع فكري وجسدي وإقصاء ونفي وإفقار وتجهيل واحتكار للسلطة والثروة لنحو نصف قرن!!

حزب البعث في هذه المعمعة، حيث يجابه الشعب السوري قمعاً وحشياً رهيباً من سلطة جاحدة سفيهة قاتلة مجرمة، لا يزال يشد من أزر هذه السلطة ويرفدها بعناصر من منتسبيه عن سابق إصرار وتصميم، مثبتاً بما لا يدع مجالاً للشك أنه شريك أساسي وفاعل بكل ما يُرتكب في سورية من مجازر وقتل ودمار وتخريب، وأنه لن يكون في منأى من المحاكمة العادلة والعقاب الذي يستحقه مع الزمرة الحاكمة الباغية، باستثناء الفئة العاقلة الوطنية التي آثرت الالتحاق بصفوف الثورة وأعلنت استقالتها من هذا الحزب علناً وصراحة، كما شهدنا على الشاشات الفضائية العربية والأجنبية، والباب لا يزال مفتوحاً يستقبل عقلاء الحزب ووطنييهم الذين يعلنون براءتهم من هذا الحزب وتخليهم عنه.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com