العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14/4/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

في رفض الحكومة الموقتة والنظام السوري

طلال المَيْهَني

كاتب سوري

الحياة

الجمعة 5/4/2013

تم الإعلان منذ أسابيع عن حكومةٍ موقتةٍ يرأسها السيد غسان هيتو بعد انتخابه في اقتراعٍ شارك فيه عشرات السوريين، من دون تفويضٍ، بالنيابة عن 23 مليوناً. لعلّه من الضروري، في هذا السياق، الإشارة إلى أن أطرافاً عديدةً في المعارضة، السياسية والمدنية والعسكرية، رفضتْ هذه الحكومة الموقتة (كما رفضت النظام). ورغم تعدّد أسباب هذا الرفض، يمكن الحديث عن رفضٍ من حيث المبدأ، ورفضٍ على المستوى العملي.

فمن حيث المبدأ يجب أن يخضع اختيار الحكومة (أي حكومة) إلى نواظم دستورية وقانونية يشارك فيها عموم السكان، أو ممثلوهم المُنْتَخَبون، وِفْقَ تعاقدٍ حرٍّ وسليم. وإلا فسيكون الإعلان عن مثل هذه الحكومة منقوصاً، ولا يمكن لها بالتالي أن تدّعي الشرعية القِيَمِيّة والشعبية حتى لو حصلتْ على اعترافٍ دوليٍّ واسعٍ أو رعايةٍ من قوىً خارجية.

لقد كان غياب التعاقد الحر والسليم مع النظام السوري من الأسباب التي دفعتْ بالسوريين إلى الانتفاض في وجهه. وعليه كيف يمكن، من حيث المبدأ، رفض النظام والقبول بحكومة موقتة غاب عنها التعاقد الحر والسليم؟ وهل يكفي أن تعلن الحكومة الموقتة أنها ضد النظام حتى نقبل بها تلقائياً؟ وهل يبرر ذلك لها أن تتجاوز المبادئ والقيم السياسية الأساسية التي يجب تطبيقها في الدولة المنشودة؟ ألا يعتبر ذلك ازدواجيةً في المعايير؟

أما على المستوى العملي، وبعيداً من مدى فعالية واستقلالية الحكومة الموقتة، وبغضِّ النظر عن مستوى الاعتراف السياسي والقانوني الذي ستحظى به، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ حول الأثر الذي ستتركه في المشهد السوري، بخاصة في ما يتعلق بصناعة «الحل» المأمول. فعلى رغم أن الدافع المفترض وراء الحكومة الموقتة هو مساعدة السوريين، إلا أن هذه الخطوة لا تستند، على ما يبدو، إلى قراءةٍ رصينة وأمينة لتعقيدات المشهد السوري. إذ يضم «الشعب السوري» شرائح مؤيدة للنظام (وهي ليست بالنادرة)، وشرائح تخشى الانتفاضة، وشرائح أوسع فضّلَتْ أخذ موقف وسطيٍّ، إضافةً إلى شرائح معارضة (ويشكل هذا الطيف اللامتجانس حقيقةً يكره النظام وبعض المعارضين الإقرار بها). ولا يمكن الوصول إلى «حلٍّ» من دون إشراك كل هذه الشرائح الشعبية في صناعته. أما إقصاء أو فصل أيٍّ من هذه الشرائح عن «الشعب السوري»، أو إدعاء تمثيلها بالإكراه في حكومة لم تتشكل وفق تعاقد حرٍّ وسليم (كما هي الحال مع الحكومة المقتة ومع النظام)، فستؤدي إلى مزيد من التشنج والاستقطاب على مستوى السوريين وعلى مستوى المحاور الدولية المتصارعة، ما يبعدنا عن «الحل» ويؤجج من المعاناة الإنسانية.

يكثرُ سَوْقُ تبريرات من قبيل أن مثل هذه الحكومة المقتة ضرورة لرعاية شؤون الناس في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. لكن حتى لو سلّمنا بذلك كان من الأجدر، سَدّاً لأيِّ تبعات قانونية أو عملية، اختيار تسمية عامة وتوصيفية (كلجنة إشراف مثلاً) عوضاً عن إطلاق تسمية «الحكومة» (حتى لو كانت موقتة) وما تحمله من أبعاد تتجاوز الدور الإداري المفترض.

يبدو أن هذه الحكومة المقتة (والطرف المعارض الذي أفرز هذه الحكومة المقتة) قد وَضَعَتْ نفسها، نتيجةً للإغراءات أو الضغوطات، في تصرّف القوى التي قامت برعايتها، والتي تنتمي إلى محورٍ دوليٍّ يعادي المحور الذي رضي النظام السوري أن يرتهن له. وهكذا يوفرُ بعض السوريين، في النظام والمعارضة، الذريعة والأداة كي تستمر المحاور الدولية في استنزافها العبثي لسورية، وفي تأزيم مفهوم الوطنية السورية، وتعميق اغتصاب السيادة، واستفحال التهتك المجتمعي.

لقد شكّل الإعلان عن الحكومة الموقتة، وإعطاء مقعد سورية إلى طرفٍ معارضٍ، امتداداً لحمّى «تمثيل الشعب» التي ما انفكّتْ تنعكس سلباً على الانتفاضة السورية. حيث دأبتْ بعض القوى الإقليمية والدولية، ومنذ أكثر من عام، على منح طرفٍ معيّنٍ في المعارضة السياسية، وبالنيابة عن السوريين، لقب «الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري»، في إقصاءٍ سافرٍ لشرائح من «الشعب السوري» (مؤيدين ومحايدين)، ناهيكم عن إقصاء باقي السوريين المعارضن. وقد تَنَاسَت الأطراف التي تدّعي «تمثيل الشعب» (وهذا يشمل النظام وبعض المعارضة)، بأنه لا يمكن ادّعاء «تمثيل الشعب» عبر التصريحات الإعلامية، أو الاعتراف الخارجي، أو التبعية لمحاور معينة، أو عبر لافتات تُرْفَعُ في تظاهراتٍ أو مسيرات، إذ لا يَصِحُّ «تمثيل الشعب» إلا بشروطٍ صارمةٍ لا تتوافر في إطار الوضع الأليم الذي تمرُّ به سورية.

المشهد السوري مُتّجِهٌ، وعلى خلاف ما يعتقده أصحاب النوايا الطيبة والأحلام المبسطة، إلى مزيدٍ من التعقيد والاستقطاب، ما يعمّق الانشطار الشاقولي الذي يعصف بالسوريين، والذي نجم عن عنف النظام وما تبعه من عنفٍ مضادٍ، بدءاً بالانشطار الرمزي على مستوى «العَلَم» الذي تم تبديله بعد شهورٍ من انطلاق الانتفاضة السورية، ومروراً بالانشطار العنفي على مستوى جيشين متقاتلين (مع إضفاء أبعادٍ طائفيةٍ تضمن استمرار النزيف)، وليس انتهاء بوجود حكومتين تدّعيان تمثيل السوريين (مع أنهما تفتقران إلى أبسط قواعد التعاقد السياسي).

ويلتقي الإعلان عن الحكومة المقتة مع مساعي قوى عديدة لصناعة وتلميع قُطْبٍ في مواجهة قُطْبٍ ثار عليه السوريون المنتفضون. ومع أخذ القوى العنفية تَمَوْضُعاً جغرافياً على الأرض السورية، تتشكل ملامح تنذر بتقسيم سورية إلى: سورية الحكومة الموقتة في الشمال، وسورية النظام في الجنوب، مع ترك ملايين السوريين حيارى بين هاتين الحكومتين ليتوحدوا على مستوى القتل والتشريد والنزوح والموت البطيء.

ثمّة خطرٌ حقيقيٌّ يهدد سورية ووحدتها، ما يجعل المشهد مُقْبِلاً على مرحلة شديدة الحرج، ويفرض بالتالي، على كافة السوريين الغيورين على بلدهم، مسؤوليات عظمى في مقاومة إملاءات التفتيت والتقسيم، ورفض محاولات الإبقاء على المستبد القديم أو إيجاد مستبد جديد.

**********************

تداعيات الثورة السورية

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 5/4/2013

يزداد المشهد السوري الدموي تعقيداً مع حالة انسداد أفق أمام النظام والمعارضة معاً، فلم يعد بوسع النظام أن يقمع الثورة التي كلما اشتد في مواجهتها اتسعت دائرتها وقويت إرادتها، وكلما ضيق على المعارضة كبرت مساحتها وازدادت مساندتها، وكذلك تعاني المعارضة تفكك تنظيماتها وارتباك قراراتها. وأما الثورة التي أفقدها النظام سلمية مظاهراتها، وقادها مرغمة إلى ساحات القتال فلم تعد تواجه نظاماً تثور عليه، وإنما باتت تواجه قوى إقليمية ودولية كبرى تخشى انتصارها، وتسعى بكل إمكاناتها لوأدها حتى ولو استخدمت كل مخزونها الاستراتيجي كما تفعل إيران، أو تورطت في قضية لا تعنيها كما تفعل روسيا، أو فقدت مكانتها الأخلاقية، كما تفعل منظمة "حزب الله".

وتبدو تداعيات الثورة السورية أكثر تعقيداً من الثورات العربية الأخرى، وربما كان من سوء حظ السوريين أن ثورتهم جاءت الخامسة بعد أن تمرس العالم في التعامل مع الثورات العربية، فلم تصعقه المفاجأة كما حدث في تونس، ولم يجد نفسه مضطراً أن يعالج ارتباكه السابق عبر تجاوب سريع كما فعل في ليبيا، أو أن يذعن للأمر الواقع كما فعل في مصر، أو أن يترك القضية للعرب وحدهم كما فعل في اليمن. ثم إن الثورة السورية لم تبدُ في مطلعها واضحة الأبعاد، فقد بقي المتظاهرون فترة طويلة نسبياً يطالبون بإصلاح النظام، وبإسقاط محافظ وعزل ضابط أمن، ولو جاءت الاستجابة من النظام عقلانية لما تطورت التظاهرات إلى ثورة شاملة، وهذا ما يفسر بقاء عدد من المحافظات، وأهمها حلب والرقة ودير الزور في حالة ترقب وانتظار قبل أن تنضم إلى الثورة، على أمل أن يتمكن النظام من تحقيق إصلاح جذري قبل أن تتسع دائرة النار ودائرة الدم معاً. ويتضح من التصريحات الرسمية الأولى أن النظام قرأ الحدث قراءة رعب من تصاعد المطالب، ويبدو أن حكماءه فهموا أن كتابات أطفال درعا على جدار مدرسة كانت جرس إنذار بنهاية حقبة وبداية حقبة، ربما لكون الحدث على بساطته وسهولة معالجته جاء وسط لهيب يشمل الأمة في أخطر ساحاتها، ولاسيما بعد سقوط أنظمة وصعود ثورات، ولم تكن هذه القراءة صائبة، وأحسب أن كل السوريين بمن فيهم الذين يريدون تغييراً جذرياً شاملاً كانوا سيتفاعلون مع حوار وطني لو أن نصف مطالبهم تحققت، وكان من سوء الحظ أن استجابة النظام لبعض المطالب جاءت بعد انتهاء الصلاحية بسبب التردد والتلكؤ، ولو أن بعضها جاء في موعده الطبيعي لأعطى نتائج تخفف من حدة الانفجار، كما أن القراءة المضطربة التي زجت بأفكار لم تكن متداولة في الشارع الثائر، مثل الصراع الطائفي، والتطرف الذي يقود إلى الإرهاب، والتخطيط للتقسيم أذهل الثوار البسطاء، فبدا وكأن قارئها على الضفة الأخرى هو الذي بات يخطط للثورة ويوجه مسارها، ويريدها أن تقع في فخاخ الطائفية والتطرف.

لقد كان الرد العفوي من الثوار هو شعار "الشعب السوري واحد" وقد قابله شعار مرعب "الأسد أو ندمر البلد" وقد تطور إلى شعار لا أخلاقي يعترف بالجريمة ويتبناها، وهو الذي انطلق في لقاء رئاسي رسمي ودهشنا حين صفق له الحضور من المسؤولين جميعاً وهو "شبيحة للأبد" بما بدا اعترافاً رسمياً بتحول النظام عن موقعه الشرعي الضامن للقانون وللقيم، إلى موقع الضارب بعرض القانون والمتجاوز لكل القيم، واللاجئ إلى شريعة الغاب (ومعنى التشبيح هو ذات معنى البلطجة).

ويبدو أن "الحكماء" الذين أغرقوا النظام بفلسفة "التشبيح" كانوا مقتنعين في دواخلهم بأن حقبة من التاريخ انتهت فعلاً، وهذا ما يفسر السلوك العقابي الجماعي الثأري في القمع، فلو أن هؤلاء الناصحين للنظام أرادوا له إصلاحاً واستمراراً لما استخدموا أسلحة تدمير شامل، تقتل حتى أنصارهم، فبراميل الموت التي تتساقط على الأحياء السكنية لا تفرق بين معارض ومؤيد، وكذلك صواريخ "سكود" البعيدة المدى، وقد تم تدمير أحياء كاملة، وإبادة قرى، وهذا يفسر أن القمع تحول إلى ثأر وعقاب وترويع لما سموه البيئة الحاضنة.

لقد كان بالإمكان احتواء التظاهرات وإنهاؤها بالحكمة لولا سيطرة الناصحين بالعنف وحده، وهو ما ورط النظام بمزيد من الغرق في دماء الأبرياء الذين شملهم هذا العقاب الجماعي، مع أن خطابه كان يبرر ما يفعل بأنه يواجه عصابات مسلحة، وكان العالم كله يرى أن الذين يقتلون كانوا مواطنين عاديين ونساء وأطفالاً، قبل أن تظهر أية عصابة تملك السلاح، لكن الناصحين كانوا بحاجة ماسة لوجود عصابات مسلحة لتحويل قمعهم للثورة إلى مكافحة للإرهاب، ولم يكسب النظام عبر هذه الذرائع سوى أن التطرف حصل فعلاً في بعض المواقع، وأن عصابات مسلحة نشأت في سورية حقاً، وانقلب السحر على الساحر كما حدث مع الأميركان يوم دعموا الأفغان العرب.

ولعل من أهم ما ظهر من تداعيات للثورة هو هذا الانقسام العالمي الحاد في الموقف منها، فالخائفون على مستقبل إسرائيل يترددون في دعمها لخوفهم من أن تتابع الثورة زحفها بعد انتصارها، فتطالب بتحرير الأرض السورية المحتلة، وتشكل خطراً أمنياً على إسرائيل وهذا سر الصمت على تدمير سوريا كي يستلم الثائرون أرضاً محروقة سيحتاجون إلى عقود طويلة كي تستعيد عافيتها! والمفارقة أن يكون السؤال الكبير الذي يطرحه الداعمون لفظياً المترددون عملياً هو "ماذا عن اليوم التالي؟". ويبدو مريعاً تدويل القضية السورية وخروجها من البعد العربي، وأشعر شخصياً بالفاجعة الكبرى، وأنا أجد القرار السوري قد صار في موسكو وطهران، وأرى التدخل الأجنبي الذي يستقدمه النظام قد أوصل البلاد إلى ما يشبه الاحتلال الإيراني الروسي لسوريا، والمدهش أن يقاتل "حزب الله" داخل الأراضي السورية، إلى درجة أن يتردد الأميركان في بلورة موقف واضح من اتساع النفوذ الإيراني لخوفهم من تداعيات الموقف الروسي والإيراني معاً، فضلاً عن القلق المعلن من أسلمة الثورة، وهذه ذريعة مفتعلة لأن الإسلام ليس جديداً على سوريا، ولأن العالم كله يعلم أن السوريين أبعد شعوب الأرض عن التطرف.

**********************

في الجماعات السورية المسلّحة

فايز سارة

المستقبل

السبت 6/4/2013

لم يكن من شأن استمرار الآلة العسكرية الامنية في عمليات القمع الواسعة ضد السوريين، الا ان تواجه برد عنيف بدأ مع لجوء اعداد من السوريين الى السلاح، املاً في لجم قوة قمع النظام وردعها وفي الاقل من ذلك "حماية المتظاهرين" و"تعزيز الانشطة السلمية" وهي الشعارات التي ولدت تحتها اولى التشكيلات المسلحة للمتطوعين المدنيين في المدن والقرى التي انخرطت في انشطة الثورة المبكرة، ثم طرأ بعد حزيران من العام 2011 تطور اخر في موضوع التشكيلات المسلحة، جاءت بعد الانشقاقات التي اخذت تتزايد في صفوف العسكريين والامنيين عن آلة النظام ومؤسساته، حيث اتجه بعض المنشقين العسكريين الاوائل الى تشكيل جماعات من المنشقين الذين كان بعضهم يلتحق بالمتطوعين المدنيين، وهكذا ظهرت التشكيلات الاولى من تنظيم الضباط الاحرار الذي اعلنه المقدم حسين الهرموش، ثم جرى تشكيل الجيش السوري الحر الذي تولى قيادته العقيد رياض الاسعد.

وبصورة عامة فان هذا النوع من التشكيلات العسكرية شبه العفوية، كانت تشكيلات بسيطة في اعدادها ومعداتها وفي تنظيمها وفي اساليبها القتالية، وكلها سمات تتصل بطبيعة تلك التشكيلات، وظروف ولادتها، باعتبارها جاءت على عجل ودون ترتيب مسبق وفي سياق رد على الهجمات الدموية لآلة النظام على التجمعات السورية.

ان الحاجة للدفاع عن النفس وحماية الحق في التظاهر والانشطة السلمية، كانت الاساس الذي انطلقت منه ولادة التشكيلات المسلحة المناهضة للنظام في طابعها البسيط والعفوي على نحو عام، غير ان عوامل اخرى، اخذت تتدخل وتؤثر في توليد المزيد من التشكيلات المسلحة، وابرز العوامل المؤثرة في ولادة واستمرار التشكيلات المسلحة ثلاثة، اولها تدخلات النظام واجهزته، والثاني ناتج تدخلات المعارضة باطرافها، والثالث تمثله التدخلات الاقليمية والدولية سواء كانت جماعات وتنظيمات او حكومات في مستوى الاقليم.

لقد عمل النظام واجهزته على خلق وتطوير تشكيلات مسلحة في اطار اهدافه في مواجهة الحراك الشعبي وفعالياته من جهة ومن اجل دفع معارضيه في الحراك والمعارضة السياسية للدخول معه في معركة مسلحة، وهو المجال الذي يوفر له غلبة مادية من جهة، ويجعل المعارضين متمردين على الدولة يستحقون العقاب امام الرأي العام، وليس ثائرين لهم مطالب وحقوق، يمكن ان تجد لها تأييدا ودعماً في اوساط الرأي العام الداخلي والخارجي وفي سياق هذه الاهداف، ولدت تشكيلات مسلحة اقامها النظام او ساهم في وجودها، واستمرارها مباشرة او بصورة غير مباشرة، وكان اولها، جماعات الشبيحة، التي تشكلت من مؤيدين وانصار للنظام، تحولوا الى مرتزقة في اطار تنظيمات محلية الطابع تديرها اجهزة امنية او عملاء لها من شخصيات ادارية او اقتصادية مقربة من رأس النظام او من شخصيات اساسية فيه، وقد تطور جزء من هذه التشكيلات، حيث ولدت منه تجربة جيش الدفاع الوطني التي اخذ ظهورها صفة رسمية عشية حلول الذكرى السنوية الثانية لانطلاقة الثورة السورية.

والتشكيل المسلح الثاني الذي اقيم اغلبه برعاية النظام تمثله عصابات مسلحة، قادتها وعناصرها من المجرمين الجنائيين، وقد اطلق النظام نحو ستين الفاً منهم مع بدايات الثورة، جزء منهم انخرط في اعمال الشبيحة وتنظيماتها، واخر ذهب نحو تشكيل عصابات تحت اشراف ضباط الامن ضمن توافق اساسه ربط العفو عنهم بانخراطهم في مقاومة الثورة والتصدي لكادرات وشخصيات فاعلة بالثورة والاعتداء عليها مع ضمان غض نظر رسمي عن اية انشطة جرمية، يمكن ان يقوم بها هؤلاء من اعمال قتل وخطف وسرقة واعمال مشينة اخرى، يمكن الصاقها بالجيش السوري الحر، ونشر اشاعات تربط بين الاعمال الاجرامية والجيش الحر والمتطوعين المدنيين.

ولعب النظام باجهزته دورا مهما في ظهور نوع ثالث من التشكيلات المسلحة، المنتمية الى الجماعات المتطرفة بما فيها "جماعات جهادية". وليس من باب الاسرار، ان بعضاً من كادرات تلك الجماعات، اقترن بعلاقات خاصة مع ضباط في اجهزة الامن السورية في سنوات العقد الماضي، والتي كانت فيه سوريا بمثابة ممر لعناصر وكادرات الجماعات المتطرفة واسلحتها واموالها خصوصاً الذاهبة الى العراق للقتال هناك والقيام بعمليات ضد الوجود الاميركي وضد قوات النظام العراقي وحواضنه الاجتماعية والدينية، كما انه جرى بناء علاقات اخرى تم نسجها بين ضباط الامن السوري وعناصر متطرفة في خلال وجود تلك العناصر في المعتقلات وبخاصة في سجن صيدنايا العسكري، وادت العلاقات في الحالتين الى روابط مباشرة او غير مباشرة بين اجهزة النظام الامنية وجماعات في التطرف السوري الجديد، وهي حالة جرى تأكيدها في مستويات محلية وخارجية من قبل خبراء واجهزة استخبارات، خصوصا وان لدى النظام كثيرا من ضرورات قيام ووجود ونشاط هكذا تنظيمات من الناحيتين السياسية والدعائية.

والخط الثاني من التشكيلات المسلحة، كان استمرار وتطوير لفكرة التنظيمات المعارضة للنظام، التي بدأها المتطوعون في تنظيماتهم المحلية، ثم تابعها العسكريون المنشقون في اطار الجيش السوري الحر، وقد طرأت تحولات أكبر على هذا الخط في اواخر العام 2011، حيث اخذ يتزايد ظهور الالوية والكتائب التابعة للجيش الحر، التي تبنت خطاً وطنياً عاماً يسعى الى اسقاط النظام، واقامة دولة مدنية ديمقراطية، رغم ان الروابط البينية بين التشكيلات، كانت ضعيفة ومثلها كانت علاقات تلك التشكيلات مع الجيش الحر، لكن ذلك لم يمنع ولادة عشرات التشكيلات في المدن والقرى، التي اعلنت الانتماء للجيش الحر، ثم اخذ بعضها يعزل نفسه مع تحول باتجاه تنظيمات اسلامية الطابع، وهو تطور لم يكن بعيداً عن تدخلات جماعات وتنظيمات اسلامية بينها جماعة الاخوان المسلمين، التي شاع انها استخدمت امكاناتها المالية والمادية لدفع بعض تشكيلات المعارضة المسلحة الى اعتماد التوجهات والمظاهر الاسلامية، فدفعت اموالاً ووفرت سلاحاً وذخائر لربط بعض تلك التشكيلات بها من الناحية السياسية والتنظيمية، وثمة امثلة معروفة من الوية وكتائب كانت تنتمي الى الجيش الحر، ثم تحولت الى تشكيلات تتبع الجماعات الاسلامية ومنها الاخوان المسلمين.

والخط الثالث في قيام التشكيلات المسلحة في سوريا، كان نتيجة عوامل وتدخلات خارجية، وفي هذا الجانب يمكن ملاحظة تحركات وانشطة عناصر القاعدة واخواتها، التي اعلنت مراراً عن ذهاب كادرات وعناصر منها الى سوريا للمساهمة في القتال هناك، وهو امر يتطلب تنظيم تشكيلات مسلحة، وغالباً ما يشار الى جبهة النصرة في بلاد الشام وجماعات مماثلة باعتبارها امثلة على ما اقامه الجهاديون الوافدون، وسط شعارات تتقارب مع شعارات الجماعات الجهادية وخاصة في الهدف الرئيس وهو اقامة الدولة الاسلامية، التي ينفرد الاسلاميون برفعه، وقد استغلت الجماعات الجهادية جملة اوضاعها في البحبوحة المالية والتسليحية وفي دعم بعض حكومات المنطقة، وهياكل اهلية متطرفة، وسعت الى توسيع قاعدتها في قاعدة التشكيلات التابعة للجيش الحر فعملت على كسب الولاءات في مستوى تلك التشكيلات او في اجزاء وشخصيات منها مما اعطاها فرصة للتمدد داخل صفوف المعارضة المسلحة، وهو خط مماثل لما قامت به جماعات اسلامية اخرى في التعامل مع التشكيلات المنتمية للجيش الحر.

لقد خلق الاختلاف في عوامل نشوء وتطور التشكيلات المسلحة، فرصاً لتناقضها وصراعها بحكم اختلاف مرجعياتها. فالتشكيلات التي اقامها النظام أو دعمها، كان هدفها الحفاظ على النظام اساساً والوقوف ضد الثورة ومحاربتها في فعالياها وكادراتها، فيما اتجهت تشكيلات اخر اخرى، ترك النظام اثره في سياساتها الى تبديل هدف الثورة والانتقال من الهدف الجامع في دولة لكل السوريين الى شعار "دولة اسلامية"، وقد تزايد الحذر منها في ضوء ما قامت به من ممارسات عنيفة وحملات تحريض طائفي، لم يسلم منها ناشطون في الثورة بينهم جماعات وافراد، وشجعت شعارات وممارسات الجماعات المتطرفة تشكيلات مسلحة اقل تطرفاً على تبني اطروحات شقيقاتها مما خلق مزيدا من المخاوف في الشارع السوري وفي المحيط الاقليمي والدولي حول مستقبل الثورة في سوريا.

ان طبيعة الصراع الجاري في سوريا باعتباره صراعا بين أكثرية السوريين والنظام تفرض وحدة السوريين على اختلافاتهم، وهي وحدة مطلوبة في المستويين السياسي والعسكري على السواء، وان لم يتم تحقيق الوحدة من الناحية التنظيمية في صف المعارضة السياسية، فانها حققت وحدة في الهدف السياسي عبر اعتماد شعار اسقاط النظام واقامة نظام ديمقراطي تعددي، اما في جانب المعارضة المسلحة. فثمة تشتت تنظيمي اضافة الى وجود اختلاف كبير في الشعار، حيث يرفع الجيش الحر وبعض التشكيلات المسلحة شعار اسقاط النظام واقامة نظام ديمقراطي تعددي، بينما ترفع التنظيمات الاسلامية والجهادية شعار اسقاط النظام واقامة الدولة الاسلامية، وهو امر يجعل امكانيات اسقاط النظام اصعب من جهة، ويفتح الباب على صراع بين التشكيلات المسلحة، التي تحسب نفسها على الثورة، وليس فقط الصراع بين التشكيلات المؤيدة للنظام وتلك التي تعارضه.

**********************

انقلاب زاحف على الثورة في سوريا

ميشيل كيلو

السفير

السبت 6/4/2013

يتم اليوم انقلاب زاحف على الثورة، تنفذه جماعة إسلامية تتسلط على ما يسمى المجلس الوطني - والوطنية منه براء - والإئتلاف الذي يعرج على ساقه الواحدة، ولم يأتلف مع أحد غيرها، بعد أن مكنتها صفقة مع قوى خارجية من وضع يدها عليه هو ايضا، بالاحتيال والمكائد والوعود الكاذبة، فلا عجب أن ظن بعض قادتها أن وضع يدها على الحكومة الانتقالية سيمكنها من استكمال سيطرتها على المؤسسات الرسمية البديلة للنظام، التي يعترف العالم بتمثيلها للمعارضة السورية، وأن الاعتراف الديبلوماسي الدولي بممثليات الإئتلاف يجب ان يكون الحلقة ما قبل الأخيرة في انقلابها، الذي تظنه خفيا لا تراه أعين السوريين، وتعتقد ان بوسعها مواصلته بكل هدوء دون أن يفتضح امرها أو يقاومها احد، فيكون وصولها الى السلطة حتميا بعد سقوط الاسد وتنفرد بالبلد، في سابقة لم ينجح أي تنظيم إسلامي في الإتيان بمثلها، سواء في تونس أم في مصر، حيث وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر انتخابات نيابية حرة، بينما تخطط هي للاستيلاء عليها قبل إجراء اية انتخابات، او بالأحرى لمنع إجراء أية انتخابات حرة، لعلمها الأكيد أنها ستهزم، وان مجتمع سوريا لن يقبل حكمها، لثقته بأنها ليست اهلا للثقة، وستكرر على نطاق وطني موسع مغامرة 1980-1982 الطائفية، التي كلفت الشعب عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف المهجرين والمسجونين والمعذبين.

يثق الناس ان الجماعة ستكرر مأساة حماه، فهم يرونها بأم أعينهم وهي تخزن الأسلحة والذخائر في كل مكان من سوريا، وتشتري الولاءات وتستعمل المال السياسي وتمارس الوقيعة بين المواطنين، وتمد خيوط التبعية والتفريط بالاستقلال الوطني وحريات السوريين إلى واشنطن عبر قطر، لاعتقادها بضرورتها لاستيلاء مناصريها ومحازبيها على السلطة، خاصة إذا ما سوقتها أميركا لدى تل ابيب، واقنعتها أن حكمها سيكون أقدر على تحييد وشل الأصولية الإسلامية اكثر من اي حكم ديموقراطي.

هذا الانقلاب الزاحف، الذي يتم اليوم فوق، على مستوى تمثيل المعارضة ومؤسساتها المعتمدة دوليا، واكبه جهد كبير هدفه خلق أمر واقع على الأرض، استمر طيلة العامين المنصرمين من عمر الثورة، ويرجح أن أيدي أجنبية ذات خبرة مخابراتية رفيعة المستوى هي التي رسمته وترعاه، تحقق بعضه من خلال شراء ذمم المواطنين عامة ورجال الدين خاصة ـ مع فشل واضح -، وتشكيل «ميليشيات»، وتخزين أسلحة وذخائر في مناطق مختلفة من سوريا، وشراء منظمات مسلحة، وتشكيل «جبهات» تحمل اسماء تخفي هويتها وارتباطها، والتحكم بالإغاثة، والتسلل إلى المجالس المحلية والمدنية، وتحقيق سيطرة منظمة على الحراك ومؤسساته، واختراق منظمات العمل العام والمقاومة، وشن حرب ضارية ضد خصومها، والعمل على عزلهم وتشويه سمعتهم وتحشيد العوام والبسطاء ضدهم، والتعامل مع الآخرين كمنافسين لا بد من دفعهم الى معارك يتركون خلالها بمفردهم ويقعون فريسة للهزيمة، مثلما حدث مرات متعددة وفي اكثر من مكان إبان العام الماضي والحالي، وخاصة في دمشق وحلب، حيث تسببت آلاعيبهم في مقتل وجرح آلاف المقاتلين والمدنيين العزل، وتشريد آلاف المواطنين من منازلهم... الخ. في الوقت نفسه، وقع عمل منظم اشرفت عليه دول عربية وإقليمية استهدف بناء ميزان قوى داخلي وخارجي يبدو في الظاهر داعما للثورة، لكنه يقتصر في جزئه الأعظم على دعم «الجماعة»، وتقييد حضور ودور الأطراف المعارضة الأخرى، وخاصة الديموقراطية منها، التي تكاد تجد نفسها اليوم خارج أي تمثيل منصف يعبر عن وجودها السياسي والشعبي، ومستبعدة عن أية جهود إغاثية منظمة، وأية معونات موجهة إلى السوريين، وعن حركة المال والسلاح، بل وخارج الجزء الأكبر من وسائل الإعلام والفضائيات ـ من ذلك على سبيل المثال، أن فضائيتي «العربية» و«الجزيرة» سجلتا ساعات عن مؤتمري «المنبر الديموقراطي السوري» في القاهرة خلال العام 2012، لكنهما لم تبثا إلى اليوم أي خبر عن تشكيله وبرامجه ورهاناته ـ وخارج العلاقات والاتصالات الدولية الرسمية، والدعوات والمؤتمرات المهتمة بالشأن السوري، التي تقتصر غالبا على «مناضلين» لم يسمع أحد بهم قبل أشهر قليلة، ينتمون إلى «الجماعة» وزلمها من يساريين وليبراليين... الخ.

بكلمات أخرى: لسنا في مواجهة «الجماعة» وحدها، بل نواجه جهدا عربيا وإقليميا ودوليا منظما يمدها بقوة تعوضها عن نقاط ضعفها، التي لا تعد ولا تحصى، وتساعدها على تجاوز عثراتها وتأخذ بيدها وتضع قدرات ضخمة تحت تصرفها تشد أزرها وتبعث الثقة في نفسها بعد عقود الغربة عن الشعب والوطن وقضاياهما، وما مارسه قادتها الفاشلون من تقلب في سياساتهم بعد وصول الأسد الابن إلى السلطة، حتى انهم غيروا تحالفاتهم اربع مرات خلال خمسة أعوام (بدأوا بالتحالف مع المعارضة وبالانضمام إلى «إعلان دمشق»، ثم ما لبثوا أن هجروه وانضووا في ما سمي «جبهة الانقاذ» بقيادة الأستاذ عبد الحليم خدام، وبعد أقل من عامين عرضوا التحالف على النظام الأسدي، وبرروا عرضهم بقيام هذا النظام بدور وطني يحمي المسلمين في فلسطين، وحين رفض عرضهم ظلوا «لا معلقين ولا مطلقين»، لا يدرون ما يفعلون، وقد أخرجوا أنفسهم من جميع التكتلات السياسية، لذلك سارعوا بعد نشوب الثورة إلى ركوب موجتها، مع أنه لم يكن لهم أي علاقة على الإطلاق بها، ولم يعرفوا شيئا عنها ولم يشاركوا في التحضير لها، لأنه لم يكن لهم بكل بساطة أي وجود من أي نوع في سوريا طيلة ثلاثين عاما. وبدل أن يخدموها باخلاص تكفيرا عن ذنوبهم وتذبذبهم، بدأوا منذ اول يوم في التسلل إلى مواقع بعينها داخلها، وشرعوا ينفذون انقلابا زاحفا عليها يريدون أن ينتهي باستيلائهم على السلطة مباشرة بعد سقوط النظام، مستعينين بدولة عربية، وأخرى إقليمية، وكل من هب ودب في الداخل والخارج، بغض النظر عن توجهه وتاريخه).

بدأت «الجماعة» انقلابها عندما استولت على ما سمي «المجلس الوطني»، آن شرعت تمارس سياسات تضع القضية الوطنية تحت إشرافها والمصالح الوطنية العليا للثورة تحت مصالحها الحزبية، ووسعت سيطرتها بالتدريج على القضية الوطنية من خلال جهازها الخاص، وعملت في الوقت نفسه للتمكن من الأرض بالمال السياسي و«الميليشيات» المسلحة، لوضع «المجلس» امام سطوتها كامر قائم، وكي تعدل ميزان القوى لصالحها فوق وتحت في آن معا، وتقوم بالخطوات التالية انطلاقا من الواقع الجديد، وهكذا دواليك. هذا التكتيك تم اتباعه إلى اليوم: إنه يقوم على قضم الحراك على الأرض و«أخونته»، تمهيدا لقضم تمثيل الآخرين وحضورهم فوق، مع تغليف كل خطوة بلغة مراوغة تعلن انتماءها إلى الديموقراطية وتتهم الآخرين وتخونهم (خوّن احد نكرات «التيار»، لم يسمع به أحد قبل الثورة، المناضل والمفكر الوطني الديموقراطي الكبير ياسين الحاج صالح، الذي امضى سبعة عشر عاما وستة أشهر في سجون النظام، بينما كان هذا «المجاهد» يتقلب بين اذرع مخابرات دول مختلفة منها الأردن وإيران، لأن ياسين ـ المؤيد آنذاك للمجلس - استنكر قيام مجاهد الجماعة باستخدام وسائله للدعاية لنفسه، واتهم حسن عبد العظيم وعارف دليلة وعبد العزيز الخير ـ المقيم اليوم في السجن وارجو أن لا تكون قد تمت تصفيته - بالعمالة للنظام، في تصريح أدلى به ردا على المطالبة بتوسيع الإئتلاف، حين قال إنه يرفض التوسيع لأنه لا يجوز قبول هيئة التنسيق، التي ينتمي الاخوة الثلاثة إليها، لأنهم عملاء لمخابرات النظام!). بهذا «التكتيك» وبسيول من المال السياسي والأكاذيب الإعلامية زحفت «الجماعة» نحو السلطة، التي لم تر لها هدفا غيرها، وإلا لما كانت لاقت النظام في منتصف الطريق، وساعدته على تطييف الحراك من أجل الحرية وحرف نضال الشعب الواحد إلى صراع طائفي، وقلب ثورة سلمية إلى اقتتال متعسكر، ولما تبنت نهجا هو عين نهج «البعث» في الإقصاء والاستبعاد واحتكار الحقيقة وانكار حق غير المنتمين إليها في أن يكون لهم رأي مخالف لرأيهم. وهناك عشرات الأمثلة التي تؤكد أن الجماعة لا تقبل الرأي الآخر، بحجة أنها قالت الحقيقة حول كل أمر، وأن على من يريد القول أن يكرر ما تقوله هي، كما أخبرنا الأستاذ البيانوني في لقاء البحر الميت، عندما اقترحت مبادئ لتطبيع علاقات أطراف المعارضة بعضها مع بعض، فرد قائلا: نحن لدينا العهدة الوطنية ولسنا بحاجة إلى أي ميثاق أو مبادئ غيرها. وحين ذكرته باحترام الرأي الآخر، قال بعدم وجود ديموقراطية ورأي آخر في الحقيقة. واليوم، نحن على مشارف سقوط النظام، يشدد التيار انقلابه الزاحف على الثورة، فمن سيطرة على «المجلس الوطني» إلى سيطرة على «الإئتلاف» فالحكومة فالتمثيل الديبلوماسي لا يبقى لها غير خطوة واحدة لاستكمال وضع يدها على السلطة داخل سوريا، هي سقوط النظام، بعد أن وضعت يدها عليها خارجها.

لن ينجح هذا الانقلاب، لأن «الجماعة» لا تملك القدرة على رد بلادنا إلى حال طبيعية، وضبط فوضى السلاح، والحكم بطرق قانونية ودستورية منظمة وشرعية، لذلك بدأت في الآونة الأخيرة هجوما عاما وقررت إزاحة كل من يقف في طريقها والقضاء عليه معنويا وماديا بجميع الوسائل المتاحة، تمهيدا لحكم سوريا بالسلاح. ولنقلها من استبداد قومي مؤدلج إلى استبداد مذهبي مقدس، ضحاياه من سيبقون أحياء من الشباب والثوار، لن تكون له نتيجة غير تضييع ثورة الشعب ضد الاستبداد الأسدي والخضوع للاستبداد المذهبي، الذي سيحل محل النظام الديموقراطي المأمول، هذا إذا لم تهلك سوريا تحت وطأة المذهبية المسلحة، وهي التي ستخرج منهكة ومدمرة وخاسرة من معركتها في سبيل الحرية.

لا يجوز أن تُحكم بلادنا من تيار واحد : بما في ذلك التيار الديموقراطي الذي انتمي شخصيا إليه. ولا بد من توافق وطني شامل على حكمها خلال مرحلة الانتقال، التي لن تدار بنجاح إذا لم يتم ضبط المجال المجتمعي المدمر والممزق والمسلح، بيد مجال سياسي موحد. أما البداية فإلى توافق يؤسس لتوازن وطني، عبر حل «المجلس الوطني» وإعادة هيكلة «الإئتلاف» على اسس وطنية تتخطى الحزبية فيه، كما في الحكومة وممثليات الجمهورية العربية السورية ـ وليس «الإئتلاف»، لأن «الإئتلاف» ليس الدولة السورية أيها الافاضل-، على أن تتولى قوى التوازن المتوافقة إدارة مرحلة الانتقال بكاملها، وتجري انتخابات نيابية، يشكل الحكومة من يفوز باغلبية نيابية. عندئذ، سنقول للاسلاميين «صحة وهنا» إن هم فازوا فيها، وسنكون مواطنين صالحين يعارضونهم سلميا وضمن اطر القانون والوحدة الوطنية وسلامة وامن الدولة. وسنقبل بكامل الرضا حكمهم، لانه سيكون شرعيا ورشيدا، وليس انقلابيا ومعاديا للثورة: حكم سلام ومواطنة وليس حكم حرب وفوضى وتمييز.

رغم كل ما تفعله «الجماعة»، فإننا نمد يد التوافق والتفاهم إليها وإلى التيار الإسلامي عامة، باسم القوى الديموقراطية السورية، التي لا تنكر حقهما في الوصول إلى السلطة بالطرق الدستورية والشرعية، وتطالبهما بقبول تحدي الديموقراطية بعد سقوط النظام، وبالتخلي عن الانقلاب التآمري قبله، لأسباب كثيرة اوردتها سابقا، ولأنه يطيل عمر الأسدية ويكبد الشعب مزيدا من الخسائر.

**********************

موقفنا : ملتزمون بمشروعنا الإسلامي في إطاره الوطني .. وندين الإرهاب فعلا وموقفا

زهير سالم*

ما إن أعلن من يُدعى أمير دولة العراق الإسلامية ولايته على بلاد الشام ، وادعى تبعية جماعة النصرة التي تشارك في مقاومة طغيان بشار الأسد إلى جماعته ؛ حتى وجد هذا الإعلان من يتبناه ويدعيه وينفخ في ناره ويحوله إلى حقيقة  تحدد على أساسها الاستراتيجيات ، وتبنى عليها السياسات ، وتتخذ بموجبها القرارات .

قفز هؤلاء المحللون على كل الحقائق وتناسوا أن مشروع الثورة السورية في منطلقاتها وآفاقها أوضح وأظهر من أن تؤثر فيه مجموعة أو أن يشوش عليه موقف ظرفي عابر . وأنّ توجه السوريين إلى بناء دولتهم المدنية التعددية التي تراعي خصوصيتهم المجتمعية لا يمكن أن تصادره أي قوة أو أن يحرفه عن مساره موقف أي فصيل .

لقد وقع هذا الإعلان المضطرب خارج سياق مشروع الثورة الوطنية ، وقفز بأصحابه من إرادة دعمها ونصرتها إلى حالة من التخذيل عنها والتأليب عليها ، فلا غرو ان يستقبل بالرفض والاستنكار في مضمونه وفي تداعياته .

إن من أبسط الحقائق أن نذكر – والحكمة ضالة المؤمن -  أنه لم يكن  أحد أشد فرحا بهذا الإعلان وأكثر توظيفا واستثمارا له  من عصابة بشار الأسد وحلفائه من الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين .

ولقد وقع هذا التصريح في سياق من يسعى ليشتت ويفرق وليس من يسعى ليجمع ويوفق ؛ وقد قدم المزيد من الذرائع للممتنعين عن نصرة الشعب السوري أو تقديم العون في أبسط صوره لبنيه .

وحين يتأمل المرء التوقيت الحرج الذي صدر فيه هذا الإعلان المريب لن يستغرب أن يكون وراء من دسه على أصحابه ، أو من أوحى به إليهم . من بعض الذين لا يزالون يتغلغلون هنا وهناك من رجال بشار الأسد أو من أتباع الولي الفقيه في مشهد  شديد التعقيد طالما اختلطت أوراقه . 

ومن جهة أخرى ...

 فإن مما يزيد الريبة في موقف المجتمع الدولي أنه ما يزال يبدئ ويعيد مشككا في استجابة أفراد من المجتمعات العربية لنصرة أبناء أمتهم الذين يذبحون في سورية ثم يغمض العينيين عن لواء أبي الفضل العباس الذي يصول ويجول على أرض الشام ، وعن بوارج وطائرات وكتائب تحركها دول متحدية القانون الدولي ، تشارك جميعها في ذبح شعب أعزل خرج يطالب بحريته وكرامته ..

لقد رحب الشعب السوري بمناصريه من إخوانه العرب ليعينوه على مشروعه في إقامة دولة العدل ، وليساندوه على التصدي لكل أشكال البغي والعدوان الذي يتعرض له ؛ ولكن هذا الترحيب لا يعني القبول ،  بتحويل سورية إلى ساحة من ساحات الصراع الدولي او الإقليمي ، أو إخراج المشروع الوطني السوري عن إطاره ، أو فرض أي شكل من أشكال الوصاية عليه .

إننا مع إدانتنا لكل أشكال الإرهاب في العالم نعتقد أنه قد آن الأوان لإعادة التصور العالمي عن الإرهاب والإرهابيين إلى نصابه . وأول الطريق إلى ذلك أن يعترف المجتمع الدولي وقواه النافذة أن الإرهاب هو فعل وممارسة وسلوك وليس دينا أو مذهبا أو جماعة أو هوية او انتماء ..

آن الأوان للمجتمع الدولي ولقواه النافذة أن تعترف وتؤكد أن استخدام الصواريخ البالستية بعيدة المدى ضد المدنيين الأبرياء على الأرض السورية هو فعل إرهابي ، من أي جهة صدر ، وأن المسئول عن إطلاقها في سورية اليوم هو الإرهابي الأول على قائمة المجتمع الدولي .

 آن الأوان للمجتمع الدولي ليعترف أن الذي يقصف مدنا وقرى وبلدات آمنة بالطيران الحربي وبالقنابل العنقودية وبالبراميل المتفجرة العشوائية فيدمر على الأطفال والرجال والنساء هو الإرهابي الأول ، الذي يجب المبادرة للأخذ على يديه ولوضع حد لإرهابه وجرائمه .

 آن الأوان للمجتمع الدولي ليقرر أن تدخل روسية وإيران وحزب الله والمالكي في الشأن السوري هو في حقيقته فعل إرهابي مدان يجب على حراس السلم والأمن الدوليين أن يتصدوا له بحزم وحسم وقوة لا أن يختبئوا وراء دعاوى ودعوات الكل يعلم انها لا تغني من الحق شيئا ..

ورغم هذا وذاك ...

سيمضي مشروعنا الوطني إلى غايته ، محافظا على وحدته ، نصره من نصره وخذله من خذله حتى يحقق أهدافه . (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ () ومع القسط الكثير من البر أن (( تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ( ) أليست هذه أيضا كلمات الله ..

لندن : 30 / جمادى الأولى 1434

11 / 4 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

**********************

مؤشرات الأزمة في الاقتصاد السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 7/4/2013

يبدو الاقتصاد السوري شبه مدمر مع دخول الأزمة في سوريا عامها الثالث، ودلالات ما أصاب الوضع الاقتصادي من دمار لا تحتاج إلى جهد كبير لالتقاط مؤشراتها، إذ هي واضحة في الأسواق وظاهرة في حياة السوريين اليومية، حيث البطالة ظاهرة عامة، ومثلها نقص السلع المستوردة والمحلية، وارتفاع أسعار المواد المختلفة بما فيها المواد الضرورية والأساسية بالتوازي مع انخفاض شديد بسعر العملة السورية مقارنة بالعملات الأجنبية، وقد فقدت الليرة أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار الأميركي في الأشهر الأخيرة، وهناك نقص كبير في إمدادات الطاقة الكهربائية وفي المحروقات ووقود السيارات، وثمة تدهور في مستوى الخدمات العامة بما فيها خدمات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات وغيرها. غير أن مؤشرات الحياة اليومية لا تبين كل ما لحق بالاقتصاد من دمار، حيث هناك مؤشرات ووقائع أعمق في دلالاتها، ولعل الأبرز في تلك المؤشرات يمثله التوقف الكلي أو أغلب نشاط معظم القطاعات الاقتصادية. ومنذ انطلاق المظاهرات في منتصف مارس (آذار) 2011، توقف القطاع السياحي في أغلب فعالياته، وتوقفت كل المشروعات التي كانت في طور البداية أو في طور التخطيط، وأخذ التباطؤ يتسلل إلى القطاعات الأخرى، فأصيب قطاع الإسكان والإنشاءات بالانكماش، وتبعه القطاع الصناعي الذي بدأ بعد أن تجاوزت الثورة أشهرها الأولى يتراجع نتيجة الترديات الأمنية من جهة وبفعل العقوبات الدولية التي جرى فرضها، والتي أثرت على استجرار الآلات والمعدات الصناعية والمواد الأولية، من جهة أخرى، وبعض تلك الظروف أدت إلى تراجع القطاع التجاري نتيجة الظروف الأمنية وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين، والتركيز على استهلاك الضروريات، ولم يسلم القطاع الزراعي من أثر تدهور الأوضاع الأمنية، التي ترافقت في بعض المناطق مثل أرياف درعا ودمشق وإدلب باستهداف المناطق الزراعية وتدمير محاصيلها من جانب القوى الأمنية والعسكرية لأسباب انتقامية في بعض الأحيان.

والأرقام يمكن أن تشكل دلالات مختصرة في بعض مؤشرات الوضع الاقتصادي السوري، ومن هذه الأرقام استهلاك أغلب احتياطات النقد الأجنبي الذي كان يبلغ في ربيع 2011 نحو 18 مليار دولار، وتراجع الإيرادات العامة للدولة، وتقلص التحويلات المالية ومنها تحويلات السوريين العاملين في الخارج البالغة نحو 800 مليون دولار سنويا، وتوقف تنفيذ اتفاقات التمويل الأجنبية، وهروب ما قدر بنحو 22 مليار دولار من رؤوس الأموال للخارج، وانكماش الاقتصاد السوري بما نسبته 30 إلى 40 في المائة في العام الماضي، وخروج ما يزيد على 60 في المائة من رجال المال والأعمال السوريين للخارج.

إن الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري كان ثمرة ثلاثة من العوامل الأساسية؛ العامل الأول فيها والأهم يكمن في طبيعة الحل الأمني العسكري الذي اختاره النظام في مواجهة الثورة الشعبية، التي انفجرت أحداثها في مارس 2011، حيث بدأ استخدام القوة ضد المظاهرات الشعبية، وسرعان ما تطورت الأمور إلى حصار المدن والقرى واجتياحها، وإغلاق الطرق العامة، مما شل الحركة العامة وعطل عمل كثير من المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، وأوقف الخطط والمشاريع التي كانت في طريق التنفيذ، ثم أضيفت إلى ذلك أعمال القصف المدفعي والجوي، ثم الصاروخي، التي طالت مدنا وقرى، تم بفعلها تهجير ملايين السكان ودمار كلي أو جزئي للبنية التحتية إضافة لما تم تدميره من مؤسسات ومعامل في محيط المدن وخاصة في ريفي دمشق وحلب، حيث تتمركز آلاف المؤسسات الصناعية والحرفية ومشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني.. لقد دمر الحل الأمني - العسكري في أحد فصوله المجنونة شبكة الأسواق التجارية في حلب القديمة.

والعامل الثاني الذي أنتج الدمار الاقتصادي، تمثله سياسات الحكومة السورية التي بدا أن سياساتها ملحقة بالحل الأمني العسكري، وليس الأخير جزءا من تلك السياسة، حيث وضعت كل إمكانات الحكومة تحت تصرف الآلة العسكرية - الأمنية، وتوفير كل الإمكانات المالية للاحتياجات العسكرية، بل إن الأمر تطور لاحقا إلى إقرار موازنة سورية، هي «موازنة حرب»، يصرف الجزء الرئيس منها على الجيش والأمن والشبيحة ورواتب الموظفين وبعض النفقات الضرورية الأخرى لتسيير ماكينة الدولة حتى تظل حاضرة ومسيطرة، و«أن الدولة ما زالت قائمة». لقد تم تخصيص القسم الرئيس من الاستهلاك النفطي لصالح الآلة العسكرية، وكذلك القسم الأهم من الموارد المالية، وبهذا توقفت أو كادت، المشاريع والأنشطة الخاصة بمؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الإنتاجية نتيجة نقص الوقود وتوقف المواصلات وخراب البنى التحتية التي لا تتوفر موارد لإعادة إصلاحها وتأهيلها.

والعامل الثالث لما أصاب الاقتصاد، كان في نظام العقوبات التي تم اتخاذها ضد سوريا، والتي رغم أنها كانت موجهة إلى مؤسسات محددة وشخصيات معينة، فإن انعكاساتها على الدولة والمجتمع كانت عامة، ذلك أن في نتائجها تدهورا في القدرة على تمويل عمليات الاستيراد بما في ذلك استيراد مواد أساسية تشمل معدات ومواد صناعية أولية ومتممة، والتأثير السلبي على وصول تحويلات المغتربين السوريين والمقدرة بقرابة مليار دولار سنويا.

إن مؤشرات دمار الاقتصاد السوري مستمرة ومتصاعدة، ولا تخفف منها معالجات لفظية ديماغوجية، وحلول ترقيعية، تثبت كل يوم عدم مقدرة السلطات السورية على معالجة الوضع الاقتصادي بصورة جدية، لأن المدخل الأساسي في أي علاج للوضع الاقتصادي يكمن في وقف العمليات العسكرية وأخذ البلاد إلى حل سياسي يوقف الدمار، ويبدأ في توفير أساسيات الحياة للسوريين، ومعالجة ما جرى تخريبه وتدميره في خلال الأزمة.

**********************

مؤشرات انهيار نظام الأسد من داخله

غازي دحمان

المستقبل

الاحد 7/4/2013

إذا كان كل شيء يحمل بذرة فنائه بداخله، فإن هذه القاعدة صارت تنطبق بشكل كبير على حالة النظام السوري، فبعكس الصورة التي تظهر تماسكه ووحدته، إلا أن ذلك لا يعدو كونه قشرة تغطي جبلاً هائلاً من التناقضات التي بات ينطوي عليها قلب النظام الحاكم في دمشق.

تمظهرات هذه الحالة أخذت تعبّر عن نفسها بوضوح، ومن واقع الفوضى، التي بدت ملحوظة بشكل واضح في مسرح إدارة العمليات العسكرية، والتي باتت تتعامل على شكل قطاعي في كثير من الأمور، بحيث تؤول السيطرة في كل قطاع للآمر المباشر والمشرف على الحيز الذي يشكل قطاعه، مع تقاسم للنفوذ تفرضه الضرورات الميدانية مع التنفيذيين العاملين على الأرض.

هذه الأطراف، وإن كانت لازالت تتقاطع مع بعضها البعض حول قضايا معينة، إلا أن طول الأزمة وطريقة معالجتها وتأثر مصالح هذه الأطراف، حولّها، مع الزمن، إلى تيارات متباعدة ومتناقضة مع النظام، وإن كانت تلتقي معه على هدف إسقاط الثورة إلا أن خلافاتها مع النظام تتمحور حول عدد من المسائل:

ـ الإختلاف حول طريقة إدارة الأزمة، إذ أن بعض هذه التيارات يصطف على يمين النظام، وينتقد إسلوبه في معالجة الأزمة، ويعتبره أسلوباً ضعيفاً ويطالب بالقضاء على الثورة باستخدام كافة أنواع الأسلحة، ويتغذى هذا التيار من حالة الإمتعاض والتململ التي بدأت تظهر بقوة في أوساط البيئة المؤيدة والتي تشكل الخزان الشعبي الذي يزود النظام بالمقاتلين. وقد بدأ هذا الإمتعاض يعبر عن نفسه بقوة، نتيجة طول الأزمة وتأخر الحسم وكثرة عدد الضحايا في أوساط بيئة النظام الموالية، وبخاصة في مناطق جبال العلويين. إذ تتحدث المصادر عن مقتل أكثر من خمسين ألف مقاتل، وبعضها يذهب أكثر من ذلك. كما يؤكد زوار تلك المناطق أن كل بيت في كل قرية فيه قتيل أو مفقود.

وساهم هذا الأمر في زيادة الإنقسام داخل بيئة النظام وتظهيره مع الوقت، الأمر الذي دفع ببعض علويي طرطوس إلى رفع شعار " لكم القصور ولنا القبور"، وقد إنبنى على هذه الظاهرة تيار ينادي بحسم مختلف، ولو أدى ذلك إلى تغيير الوجوه التي تتولى إدارة الأزمة.

ـ الإختلاف في تقدير المخاطر، ثمة تيار آخر يصطف على يسار النظام، وإن كان أضعف، ويتكون غالباً من علويي سهل الغاب وإدلب، وهذه مناطق تماس وتداخل وإختلاط بين المكونين العلوي والسني، وسكان هذه المناطق طالما جرى تهميشهم من قبل علويي منطقة جبلة الذين يسيطرون على زمام الأمور في السلطة والجيش والأمن، وقد تضرر هؤلاء من الأزمة بسبب إما هجرتهم من مناطقهم بسبب قربها من المناطق الساخنة، أو لأن حياتهم تعطلت وتوقفت مصادر رزقهم. وبحكم العلاقات المتشابكة مع جوارهم السني لا يرون الخطر الذي تمثله الثورة بالمنظار نفسه الذي يراه علويو الجبل. لذا، فإنهم يميلون إلى حل الأزمة بأساليب أقل دموية تضمن إستمرار تعايشهم مع جيرانهم في المستقبل. وعلى الرغم من ضعف تأثير هؤلاء في السلطة، إلا انهم يشكلون نسبة لا بأس بها من الطائفة العلوية.

ـ إضافة لهذا الإنقسام من حول السلطة، تمثّل إيران لاعباً وطرفاً مهماً في عملية الإنقسام داخل أطر النظام نفسه، وقد ساعدت حاجة النظام للدعم والمساندة الإيرانيين إلى تعميق إنكشافه أمامها، وتزخيم حالة الإختراق الإيراني في مسالك النظام. ولتحقيق أهدافها، بطريقة أكثر فائدة وجدوى، عملت إيران على تصنيع مراكز قوى تابعة لها داخل النظام والطائفة، ورغم تبعية هذه المراكز لها، إلا ان ذلك لا يلغي وجود تباينات بينها قد تشكل بذورا حقيقة للتصادم، وخير دليل على ذلك اللواء المتقاعد علي حيدر الذي يعد من أهم دعاة التشيع ولكنه يوجه إنتقادات علنية لبشار الأسد وسياساته في المجالس العامة وبين أبناء الطائفة.

ـ ويشكل الجيش الشعبي، الذي تشرف إيران على تأسيسه وتمويله، ليكون ذراعاً عسكرياً لها يضمن حضورها في سورية، في حال سقوط بشار الأسد، أحد بؤر الإنفجار المتوقعة داخل بيئة النظام. إذ تفيد الأنباء الواردة من مناطق الساحل ان هذا الجيش يتكون من أشخاص ذوي مرتبة إجتماعية متدنية، ومن عناصر مطعون في أخلاقيتها، وذوي تاريخ جنائي غير مشرف، وهي لا تلقى قبولاً من عسكريي النظام، بسبب لامهنيتهم وعدم إنضباطهم، حيث يشكلون، مع الشبيحة، فرقاً أشبه بقوات شركات خاصة لا تعمل من أجل قضية معينة بقدر ما يهمها الكسب والربح. وفي سبيل الحصول على ذلك، فهي لن تميّز بين طرف وآخر، بما فيه الطرف الذي تنتمي له ذاته. وهو ما دفع ببعض عقلاء الطائفة العلوية إلى التأكيد بأن تأسيس هذا النمط من المقاتلين القصد منه تفخيخ الطائفة وليس حمايتها.

هذه العوامل، بالإضافة إلى غيرها من العوامل الإقتصادية والعسكرية، من المتوقع أن تشهد في المرحلة المقبلة تفاعلاً دراماتيكياً، في خضم معركة دمشق التي يستعد الطرفان إلى خوضها بشراسة، والتي بدأت نذرها بالظهور في أكثر من مكان، ما يعني أننا سنكون أمام مفاجأة قد تخرج الصراع عن سياقه الروتيني والمقدر، وتلفت الإنتباه إليها بقوة

**********************

العقد الاجتماعي والأكثرية والأقلية

حسين العودات

البيان

الاثنين 8/4/2013

استقرت الحضارة الإنسانية على مبادئ أساسية للدولة، هي "ميثاق المواطنة" التي تجد مرتسمها في "العقد الاجتماعي" أو "القانون الأساسي" أو الدستور. وقد احتاجت الصيغ النهائية والمستقرة لهذه الأقانيم في أوروبا، ثلاثة قرون من الصراعات والحروب الأهلية والتنافس بين الأنظمة الذي كان يصل أحياناً إلى حروب.

وتوصلت الشعوب والمجتمعات الإنسانية في النهاية إلى معايير واضحة وثابتة للدولة، من شأن تطبيقها أن يؤدي إلى الاستقرار والتنمية والازدهار. ويأتي على رأس هذه المعايير، اعتبار مرجعية المواطنة هي المرجعية الأساسية في الدولة والمجتمع، فضلاً عن الالتزام بالحرية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والديمقراطية وغيرها.

ولا شك أن هذه المعايير التي توصلت بلدان أوروبا إليها، من خلال تجربتها وتجارب الإنسانية جمعاء، هي الأقرب لمصالح الأفراد والمجتمعات، وقد ازدهرت الحضارة الإنسانية من خلال تطبيقها، وتطورت الدول والمجتمعات.

إن الأهم في معايير الدولة الحديثة، أمران؛ أولهما مرجعية المواطنة كمرجعية أولى ومطلقة، لأنها تعتبر المواطن الفرد الحر أساس المجتمع والدولة والنظام السياسي، وثانيهما الديمقراطية باعتبارها معياراً ووسيلة تتعايش عبرها الخصوصيات الحضارية والثقافية والإثنية والسياسية والدينية والمذهبية، وتقوُي شعور المواطنة داخل المجتمع الديمقراطي.

وعندما لا يطبق المجتمع هذه المعايير، فإنه يقيم دولة متخلفة تشبه مواصفاتها وأسسها هيكلية ومرحلة ما قبل الدولة، وتُعتمد فيها مرجعيات ثانوية تكون غالباً متناقضة وأحياناً متصارعة، مما يؤدي إلى ضعف الدولة، وأحياناً إلى قيام حروب تدمرها.

وعلى ذلك فحيثما يضعف تطبيق هذه المعايير، تنفجر الصراعات الطائفية أو المذهبية أو الإثنية أو الإقليمية، ليس لأن أتباع كل فئة يؤمنون بفلسفة هذه المرجعيات المتخلفة أو بمطالبها، بل لأن كل مواطن يحتاج من يحميه ويؤمن حقوقه، وليس له في هذه الحالة سوى المرجعية الثانوية الضيقة.

يقتضي العقد الاجتماعي (أو القانون الأساسي) عادة، قبول تداول السلطة والالتزام بحماية كرامة المواطن وحقوقه، وقيم الحرية والعدل والمساواة والثقافة والدين والمذهب والتعددية، في إطار نظام ديمقراطي يحترم رأي أبناء المجتمع، ويعطي للأكثرية السياسية حق تطبيق هذه المعايير أو الإشراف على تطبيقها، وذلك بمساعدة مؤسسات المجتمع المدني وتنظيماته وإدارة الدولة، وأحياناً بمساعدة المعارضة.

وفي هذا الإطار يكون واجب الأكثرية تجسيد الدستور أو القانون الأساسي أو العقد الاجتماعي، في قوانين وقرارات شاملة، ولكن هذا لا يعطيها الحق في مخالفة أسس العقد الاجتماعي أو القانون الأساسي، وتبقى حقوق الأكثرية في تنفيذ برامجها تقع تحت سقف هذه الأقانيم، فليس للأكثرية أي حق مثلاً في عدم تطبيق الحرية أو العدالة أو المساواة أو تكافؤ الفرص أو غيرها.

وتبقى حقوقها مرهونة في أشكال تطبيقها والاجتهاد في تفسيرها. وإذا أرادت الأكثرية أن تعدل أو تغيّر أياً منها، فينبغي الحصول على توافق وطني من قبل جميع شرائح المجتمع بما فيها المعارضة. وهذا يشير بوضوح إلى الرفض المطلق لديكتاتورية الأكثرية، أو لتطبيق سياسة الإقصاء أو ما يشبه ذلك، لأن المعايير الأساسية والنواميس الأساسية للعقد الاجتماعي والدستور، ينبغي أن تبقى خارج إطار رغبات الأقلية والأكثرية.

وفي ضوء هذا نلاحظ أن الأكثرية الحاكمة في الدول الديمقراطية، تستشير المعارضة ومنظمات المجتمع المدني عندما تريد اتخاذ قرار له طابع وطني وليس تفسيراً اجتهادياً، كما لا يحق للأكثرية بالمطلق أن تلغي أو تعدل المعايير الأساسية إلا بوفاق وطني.

وهذا يضمن في النهاية رفض ديكتاتورية الأكثرية وتسلطها على الدولة والمجتمع، وهكذا تضمن المعارضة ومنظمات المجتمع المدني تحقيق التوازن في السلطة وفي المجتمع، المتعلقة بالعقد الاجتماعي. وبالمناسبة فإن هذه المهمة التي تقوم بها المعارضة، كما أعتقد، هي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي جاء بها الإسلام، لأنها تحفظ التوازن وترفض سياسة الإقصاء والطرد والحرمان من المشاركة في بناء المجتمع وتطويره وتحقيق الرفاه لأبنائه.

ان هذا يلقي الضوء على المفاهيم الخاطئة المتعلقة بحقوق الأكثرية وحقوق الأقلية، وخاصة في البلدان العربية، سواءً كانت أكثرية اجتماعية أم دينية أم سياسية، إذ يعتقد معظم الأكثريات العربية أن لها الحق المطلق في عمل أي شيء، وخاصة إذا كانت منتخبة، ولطالما ردد معظم الأكثريات العربية أنها أكثرية ولها الحق في عمل ما تشاء.

وتطبيقاً لذلك تقصي الأكثرية السياسية العربية الأقليات المعارضة عن الدولة وشؤونها ورسم قوانينها ومعاييرها ونظمها وسياساتها، كما تحوّل الأكثرية الدينية أو المذهبية أو الإثنية، الأقليات إلى أفراد من الدرجة الثانية، ولا تعطيهم حقوقهم كاملة بحجة أنها أكثرية وأن الديمقراطية تعطيها الحق في ذلك، وتتناسى أن حقوقها كأكثرية تقع تحت مظلة العقد الاجتماعي أو الدستور، وأنها دائماً تقع في حدود الاجتهاد ووجهات النظر والبرامج التنفيذية فقط.

ومن المؤسف أن عديداً من النخب العربية ومن الأكثريات السياسية والاجتماعية والدينية، تتبنى حق الأكثرية المطلق في الحكم واتخاذ القرار، بينما تضع جميع القيم السياسية في العالم المتقدم الديمقراطي حدوداً لسلطة الأكثرية، وترفض بتاتاً إقصاء الأقلية أو الجور على حقوقها، أو تحميلها واجبات ومسؤوليات دون غيرها.

لا يحق للأكثرية إذاً أن تدعي لنفسها الوصاية الفكرية أو السياسية أو السلطة على الأقلية، كما لا يحق لها أن تلغي أي حق من حقوق الأقليات أو معياراً من معايير الدولة الحديثة، لأن هذه جميعها غير قابلة للتصويت، بل تحتاج لتوافق وطني، وإلا سيتحول النظام السياسي والاجتماعي إلى ديكتاتورية الأكثرية، وتصبح الديمقراطية عرجاء.. وربما سيقع المجتمع عندها تحت سطوة سلطة ديكتاتورية.

**********************

بين العلمانيين والإسلاميين

عقاب يحيى

المركز الاعلامي لجماعة الاخوان المسلمين

الاثنين 8/4/2013

بين العلمانيين والإسلاميين حكي كثير هذه الأيام.. بعضه يطفو على سطح التعبير، وكثير منه يغلي في مرجل التنافس.. والصراع، والتخوفات..

الديمقراطيون، بتصنيفاتهم المختلفة: وطنيون، ويساريون، وقوميون، وليبراليون، وعلمانيون.. يشعرون أن الإسلام السياسي المنظم، وشبيهه، والمحسوب عليه مباشرة أو بالنتيجة، يسيطر على مختلف المواقع والهيئات. يضع يده على القرار حد الاحتكار، ويبعد هؤلاء بطرق وتكتيكات ذكية أحياناً، وفجّة أحياناً أخرى، أو عبر الركوب على بعض المقولات والشعارات أحياناً ثالثة، أو من خلال استخدام البعض واجهات ورؤوس حراب.. أحياناً رابعة..

- دراسات ومقالات كثيرة تنهال في التوصيف والتحليل والشرح والاقتراحات.. وتحركات متقطعة تجري هنا وهناك تعبيراً عن هذا الوضع، ولأن الموضوع كبير، ومتشابك، سأتناول اليوم ما يخصّ الطرف الديمقراطي ومسؤولياته..

- نعرف جميعاً أن "موازين القوى" إن كان المصطلح مناسباً، ووارداً هنا، ليس لصالح الديمقراطيين في أعمدته، وبناءاته.. لا من حيث القدرات المادية، ولا من حيث مواءمة الظرف الموضوعي لمجتمع متديّن، تتصاعد فيه حركة الإيمان بشكل ملفت بعد الثورة، ولا، بالتالي، للدور الميداني الذي تبرز فيه قوى إسلامية على الأرض، تمسك عديد الجبهات، وتقدم تضحيات ضخمة، وشجاعة نابعة من جوهر الإيمان، وفكرة الاستشهاد والجنة، وصولاً إلى فلسفة الجهاد وتفرعاتها.. ولا من حيث البنية التحتية، وروح التكافل والتضامن، ودور الذات والأشخاص... ولا موقع الحاضن الاجتماعي.. والأهم أيضاً: دور القدرات المالية في كحل ذلك، خصوصاً بعد أن أصبح العمل المسلح السمة الرئيس للثورة.. والدخول على خط تشكيل الكتائب المسلحة وتوريد السلاح، وتلبية الحاجات الكبيرة للمسلحين، والشعب المنكوب..

- كل هذا صحيح، ويمكننا الغوص عميقاً في أثر النكوص والفشل، وغياب أي مشروع نهضوي، حداثي منذ عقود على عموم تلك الفئات، وارتدادات ذلك على الأجيال التي تكاد تكفر بالاتجاهات القومية التي مارست قوى وأطراف وعسكر باسمها كل الموبقات، والخيانات، والفعل الطائفي.. وانعكاس ذلك على القاعدة الشعبية والحاضن الاجتماعي لتلك الفئات.. والتي ليست لصالح الفئات الديمقراطية، بالنتيجة..

- كذلك موقع الإيمان في شعبنا، والدين الإسلامي بوجه الخصوص، وصعود تأثير الإيمان في الثورة السورية بشكل طبيعي، وملفت، ومصطنع، والمترافق مع قدرات مالية غزيرة تصل من روافد قوية متعددة: سورية وعربية وغيرها.. في حين لا يجد كثير الديمقراطيين قوت يومهم، ويعجز كثير منهم على تأمين بطاقات السفر، أو عقد اجتماعات ومؤتمرات لتشكيلاتهم، ناهينا عن موقع الإغاثة، والتسليح في المعادلة السورية..

- لكن.. هناك كثير المسؤوليات التي تقع على تلك الفئات، والتي يعود معظمها لبنيتهم النخبوية، وموقع الذات، والحزبوية، والعصبوية فيها، وانتفاخ الأنا درجة رفض الآخر، أو محاولة مسحه ومسخه.. في حين يبدو "المنافس" عارفاً ما يريد، ويملك هوامش واسعة من العقل الجمعي، التراتبي، ولديه استناداته المرجعية.. رغم تباين التفسير، والاجتهاد، ومستوى التنافس بين الخطوط الإسلامية.. ولديه تقاليده شبه الراسخة.. في حين تدبّ الفوضى في الطرف الآخر.. والتباينات النوعية، والكبيرة بين معظم فئاته.

- الديمقراطيون يملأون معظم الفضاءات الإعلامية بكل أنواعها، وهذا عامل كبير لصالح قوتهم وبروزهم، وتأثيرهم، لكنهم فرادى من جهة، ولا يستندون لقاعدة شعبية واضحة، ثابتة، ملتزمة من جهة ثانية.. والأهم من ذلك أن فجوة كبيرة تتسع بينهم وبين الأجيال المتلاحقة، تؤدي بكثيرهم إلى تعميق تلك الفوقية، وحالات التنظير التي كثيراً ما تبتعد عن الواقع فتهيم في فضاء الأمنيات، وتحميل المسؤولية لآخر من صالحه، وجوهره أنه يعمل لما يؤمن به، ولحساب مشروع وبرنامج هو صلب مبرر وجوده.

- الديمقراطيون يكثرون الحديث عن التوحيد، والجمع، والديمقراطية، والتجديد، لكنهم كل يوم يفرزون جديداً متولداً من بعض تشكيلاتهم، أو من خلال تفقيسات مختلفة تنشد أن تترك بصمتها الخاصة.. لإضافة اسم جديد تعجّ بها الساحة.. دون أن يترافق ذلك مع فعل وتجسيد، أو مع اقتراب بين تلك المكونات.. رغم التشابه - حدود التطابق - في الشعارات والبرامج وحتى الأسماء.. ناهينا عن الخلافات الجوهرية في الرؤية السياسية، والبرنامج السياسي، وعدم الاتفاق على مهام المرحلة الرئيس، وطرائق تحقيقها، خاصة ما يتعلق بالموقف من عملية سقوط أو إسقاط النظام، وقصة الحوار والتفاوض والحلول السياسية، ومن العمل المسلح ومروحة التعاطي معه.. حيث تخلف كثير من هؤلاء عن مسار الثورة زمناً طويلاً، وحيث راهن عديد على الزبد، وما يزال البعض أحادي الرهان على المبادرات الدولية وحسب.. وبأساليب ينكرها الثوار، والجسم الرئيس من حاضن الثورة.. كانت الفجوة بينه وبين الثورة وحواضنها قد اتسعت أكثر وأكثر.. حتى لو بالغنا كثيراً بالقصدية في التشويه، والتزييف، وفي الحروب المعلنة والمغلفة ضد هؤلاء.

- هنا يجب طرح أسئلة جدّية عن مدى ديمقراطية الديمقراطيين: تجسيداً وفعلاً، وسلوكاً، ومدى إيمانهم بمشاركة الآخر وحقه في الاختلاف معهم، ومدى قبولهم بنتائج صناديق الاقتراع عندما تحدث، ومدى وعيهم، وفهمهم، وتجسيدهم للتعددية وأشكالها.

- الديمقراطيون يحمّلون الآخر المسؤولية في التواجد، والسيطرة، والهيمنة، ثم يتعكزون، تبريراً على الدعم الإقليمي والدولي لهؤلاء على حسابهم.. وبالوقت نفسه يعجزون عن توحيد صفوفهم، وخطابهم، وعن الالتزام بما قد يتفقون عليه من مواقف ووثائق.. ويزدادون فرقة وتباينات ومشاحنات تصل حد التخوين والشتائم ونشر غسيل غير نظيف، وغير صحيح عن بعضهم..

- الإسلاميون.. باتجاهاتهم المختلفة.. ورغم ما يبدو على السطح من تنافس، وتنافس حاد، وقاس أحياناً بين حركة الإخوان المسلمين التاريخية، وبين "الإسلام الجديد" الذي يريد الإعلان على الطالع والنازل أنه ليس منهم، وأن لديه انتقادات كبيرة لهم، والإسلام السلفي، والمتشدد بأنواعه وفروعه.. وصولاً إلى فكر القاعدة.. يبدون أنهم قادرون على تفاهمات مهمة في مواجهة الآخرين، وعندما " تحزّ الحزّة".. في حين العكس هو سمة الفئات الديمقراطية..

- من جهة أخرى فإن محاولة التحالف، والتعايش، والتفاهم مع الإسلام المعتدل، والإسلام الوسطي المنفتح الذي يطور أدواته المعرفية، وخطابه، وبرنامجه، وقد اقترب بعضه كثيراً من جوهر مواقف الديمقراطيين، ومضمون الدولة المدنية الديمقراطية، والتعددية، والحريات العامة والفردية.. والبعض أنجز وثائق متقدمة فعلاً.. كل ذلك بات اليوم عرضة للتشكيك.. أمام ما يجري في الهيئات القائمة: المجلس الوطني والإئتلاف، حيث يسود الاعتقاد بمصادرة وجود وقرار الآخر، وباحتكار تلك الهيئات لصالحهم، واستخدام خطاب مزدوج يفتقد المصداقية، والتجسيد.. الأمر الذي يشعل نار التنافس هذه الأيام، ويدعو كثير الفئات والأطراف الديمقراطية إلى إعلان خوفها مما يجري، ورفع الصوت عالياً لتعديل موازين التشكيل في هذه الهيئات.. وهناك من يدعو لحرب طاحنة "على جميع الجبهات"...

- الديمقراطيون مطالبون بالتوافق فيما بينهم على المشتركات العامة لبنية وهوية الدولة القادمة، وشكل الوصول إليها، ومطالبون أكثر بالنهوض بمهامهم قبل تحميل الآخر مسؤولية هي في الحقيقة لصالحه، ومطالبون بنسج علاقات قوية في الميادين ومع الأجيال الجديدة بكل مستلزمات واجب المراجعة، والتواضع، وتعزيز الروح الجمعية بديلاً للذاتية المتضخمة، وعندها يمكن لهم أن يكونوا طرفاً مهماً في لوحة الوضع السوري ومستقبل الدولة، وفي نسج علاقات متوازنة مع الأطراف الإسلامية المعتدلة التي تلتقي وإياهم في جوهر الأفكار والمهام الخاصة بالدولة المدنية الديمقراطية، وسبل الوصول إليها..

**********************

آذار بشار اﻷسود

 د.أحمد الشامي

سوريا المستقبل

الاثنين 8/4/2013

شهر آذار الجاري كان نذير شؤم على الرئيس الوريث. أول الغيث كان خطاب السيد “عبد الله اوجلان” التاريخي والذي يضع حداً لكفاح اﻷكراد المسلح في وجه الدولة التركية. لا أحد يستطيع المزاودة على تضحيات وتاريخ الرجل الكردي العظيم ومصداقيته، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا. هذا لا يعني نهاية فورية لكل اﻷعمال المسلحة في جنوب تركيا، لكن الشوكة الكردية التي استغلها اﻷسد وٳيران لابتزاز “اردوغان” هي في طريقها للتلاشي. حلم الشهيد “مشعل التمو” يتحول ٳلى حقيقة.

“اردوغان” نجح حيث فشل جنرالات “تركيا” وكل أسلحة جيشهم العرمرم. اتفاق زعيمين بوزن “اردوغان” و”اوجلان” في سبيل خير شعبيهما وازدهار تركيا لكل مواطنيها هو نقيض سياسة اﻷسد الطائفية السائرة بعكس التاريخ.

للأخوة اﻷكراد مطالب سياسية وثقافية وٳنسانية محقة في تركيا وسوريا وللثورة السورية أن تفرح حين يحصل اﻷكراد على حقوقهم المستباحة، فالثورة من أجل سوريا حرة هي ثورة كل السوريين من عرب وكرد وغيرهم. حين يعتبر “اوجلان” أن مستقبل اﻷكراد هو في دولة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع وتتبارى فيها اﻷطراف واﻷحزاب سياسياً في انتخابات نزيهة فٳنه يشير ٳلى طريق الازدهار ليس للأكراد وحدهم بل لكل شعوب منطقتنا حيث تتداخل القوميات واﻷديان.

استقالة الرئيس “ميقاتي” أيضاً لا تسر بشار، فالرجل حليف مخلص لعصابة اﻷسد وذهابه سوف يرفع الغطاء عن الوجه الطائفي والبشع لحزب “نصر الله” ويفضح نفاق سياسة “النأي بالنفس” عن معاناة السوريين.

أما أكثر اﻷخبار سوءاً لبشار فهي اعتذار “نتنياهو” للشعب التركي عن مجزرة “نافي مرمرة” التي استشهد فيها تسعة أتراك وماتلى هذا الاعتذار من تخفيف للحصار على الفلسطينيين وغزة. السيد “اوباما” ألقى بكل ثقله من أجل الحصول على هذا الاعتذار الذي انتظره اﻷتراك منذ ثلاثة أعوام والذي يفتح الباب أمام تفاهم تركي ٳسرائيلي قد يكون كارثياً بالنسبة لنظام الشبيحة في دمشق.

الصفعة اﻷخيرة أتت من الجامعة العربية التي خرجت من غيبوبتها ليومين وأعطت مقعد سوريا الفارغ للائتلاف الوطني..

اﻷخبار السارة لبشار تأتيه الآن من خلافات المعارضة السورية وأدائها المزري.

**********************

كيميائي متكرّر في سوريا: هل يتدخل العالم؟

مختارات من الثورة السورية

فادي شامية

الثلاثاء 9/4/2013

للمرة الثالثة يستخدم النظام السوري السلاح الكيميائي على نطاق محدود في المعارك الدائرة في سوريا. المرة الأولى كانت في معارك بابا عمرو، فيما سجل الشهر الماضي استخدامين للسلاح الكيميائي؛ مرة في خان العسل في حلب، ومرة في العتيبة في ريف دمشق.

ويعتبر استخدام السلاح الكيميائي بحد ذاته، منعطفاً جديداً في الأوضاع السورية، ليس فقط لما تحمله هذه الأسلحة من خطورة فتاكة على الصعيد الإنساني أو العسكري، وإنما لما تحمله من أهمية مفصلية بالنسبة للعالم كله، حتى انه يمكن القول إن المخزون الكيميائي في سوريا يعادل أو يفوق أهميةً المخزون النفطي لأي بلد آخر.

وعلى هذا الأساس فإن المخزون الكيميائي السوري موضوع دولياً تحت مجهر كبير، وأية مؤشرات لانفلات هذا السلاح سواء بإرادة النظام (تسليم كميات من هذا السلاح إلى جماعات موالية)، أو رغماً عنه (استيلاء جماعات معارضة على كميات منه)، فضلاً عن استعماله من قبل النظام، سيدفع العالم إلى التخلي عن “سياسة المراقبة والتوجيه”، وأخذ قرار التدخل العسكري فوراً.

في هذا الموضوع الأمر لا يتعلق بالسوريين فقط وإن كان يصعب على العالم أن يتحمل فضيحة تخاذل تودي بحياة مئات آلاف السوريين بسلاح فتك شامل، وإنما يتعلق بأمن الدول الكبرى والأهم أمن إسرائيل لأن وصول هذا السلاح إلى “الأيدي الخطأ” وفق التعبير الغربي، مكلف أكثر بكثير من أي تدخل عسكري يتفاداه الغرب راهناً في سوريا.

والواقع أن سلوكيات الأسد تشي بأنه لن يتورع عن فعل أي شيء مهما كان حقيراً لإنقاذ نفسه وجماعته من نهايتهم، وهذه القناعة باتت راسخة ليس لدى معارضيه السوريين فحسب، وإنما لدى دوائر القرار في العالم كله. من هذا المنطلق جاءت المواقف الغربية بعد توارد الأنباء عن استخدام مواد كيميائية في حلب، لتوجه للنظام ثلاث رسائل:

التبرير المسبق لاستخدام السلاح الكيميائي بزعم أن الثوار استخدموه أمر غير متساهل به.

الاستخدام الفعلي لهذا السلاح يرتب نتائج وخيمة وفورية.

المسؤولية عن تخزين وحفظ هذا السلاح تقع على عاتق النظام وحده، وأي انفلات للسلاح الكيميائي أو انتقاله يتحمل مسؤوليته بشار الأسد نفسه.

في المقابل، تبدو محاولات النظام حثيثة لإدخال السلاح الكيميائي إلى المعادلة العسكرية لأن الوقائع تشير إلى محاولات في هذا الاتجاه، وبات ثابتاً اليوم أن النظام السوري استخدم أسلحة كيميائية في الشهر الحادي عشر من العام 2011 خلال اقتحام الجيش السوري حي بابا عمرو في حمص.

كما نشرت “نيويورك تايمز” في الأسبوع الأول من العام الجاري معلومات نقلاً عن مصادر استخبارية أميركية، أنها لاحظت في شهر تشرين الثاني الماضي حركة شاحنات رصدتها الأقمار الاصطناعية، يعتقد أنها تنقل غاز السارين إلى موقعين عسكريين حيث تم وضعه في قنابل ضخمة تقذفها الطائرات.

في 9/12/2012 كشفت مصادر مطلعة لـCNN أن لدى المخابرات الأميركية معلومات مؤكدة عن استخدام غاز السارين في القصف الجوي على المدن السورية، وأن الجيش الأميركي وضع مخططات عسكرية للتدخل في حال استخدام الأسلحة الكيميائية على نطاق واسع أو انفلات السيطرة على هذه الأسلحة.

وفي 17/1/2013 حذر الوزير الاسرائيلي سيلفان شالوم أن سلاح الجو الإسرائيلي سيتدخل في حال وجود أدلة على “تراخي قبضة سوريا على أسلحتها الكيميائية”، وفي ترجمة عملية لهذا التحذير شنت الطائرات الإسرائيلية في 30/1/2013 غارة مزدوجة على منشأة كيميائية سورية وعلى شحنة أسلحة قيل إنها كانت تتجه إلى “حزب الله”.

وعلى أساس المعطيات السابقة كلها، تقرر الشهر الماضي توجيه فريق دولي إلى حلب وريف دمشق للنظر في أدلة ونطاق والجهة المسؤولة عن استخدام السلاح الكيميائي في المعارك، لكن النظام على جري عادته، أخّر عمل الفريق برسالة وجهها إلى الأمم المتحدة بأنه “لن يتم نشر المفتشين حتى يكون هناك اتفاق بشأن الدخول والترتيبات الأخرى”، وفي رسائل تبادلها سفير النظام السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري ورئيسة مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع الأسلحة أنجيلا كين، فقد طلب الجعفري إدخال تعديلات على “المعايير القانونية والخاصة بالإمداد والتموين.. لأن المفتشين لا يحتاجون إلا إلى دخول محدود لمناطق لها علاقة بحادث حلب”، علماً أن النظام السوري نفسه هو من طالب بتحقيق دولي بعد اتهامه معارضيه باستخدام مواد كيميائية في حلب!.

وعلى الرغم مما سبق كله، إلا أن المخاوف من استخدام سلاح كيميائي على نطاق واسع، في دقائق اليأس الأخيرة تتصاعد باستمرار، خصوصاً مع استمرار الحديث عن رصد واعتراض شحنات منقولة لهذه المواد الخطرة كان آخرها قبل أيام في دمشق وريفها، حيث أصدرت إدارة الإعلام في “الجيش الحر” بياناً يتحدث عن “السيطرة على الشحنتين وتخزينهما في مواقع آمنة وتحت رقابة مشددة”، وقد توجه البيان بنداء للأمم المتحدة “لضرورة التنسيق الفوري مع القيادة للتعاون لمنع حدوث أي كوارث وتحسين مواقع التخزين لهذه الكميات المصادرة”.

المعلومات تشير إلى وجود قرار غربي على مستوى أكثر من دولة في حلف الناتو بأن التدخل في سوريا سيكون فورياً في حال انفلات قبضة النظام عن السلاح الكيميائي أو استخدامه، وأن مجموعات كومندوس باتت جاهزة للتدخل من أجل تأمين هذه المنشآت، فهل يستعجل النظام نهايته؟ وهل يتدخل العالم وفق حساباته الخاصة ليوقف جريمة كبرى بحق الإنسانية في القرن الحادي والعشرين؟.

**********************

المحاصّة الطائفية ليست خيار السوريين!

الجزيرة

أكرم البني

الثلاثاء 9/4/2013

مع تباين التفسيرات بشأن ماهية الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة، وتنامي الطابع الإسلامي للثورة السورية، بت تسمع أصواتا مضطربة تدعو إلى نظام محاصّة طائفية يضمن للأقليات وزنا مكافئاً في السلطة ومؤسسات الدولة ويصون حقوقهم من الانتهاك من قبل أكثرية يعتقدون أنها منسجمة وتتربص بهم للنيل من وجودهم الوطني.

يبدو أن البعض استشعر الخطر من أكثرية إسلامية تستأثر بالثورة وتقطف ثمارها، ربما بسبب انطلاقها من مناطق هذه الأكثرية، أو لأن أهم كتائبها المسلحة تحمل أسماء إسلامية، أو لما جرى تناقله عن أعمال ثأرية ذات صبغة طائفية، وربما لأنها استعانت بشعيرة الخروج من الجوامع وهتافات التكبير ومؤخراً بشعارات تشير لانزياح نحو الاتجاه الإسلامي فضلاً عن السلفي الجهادي، الأمر الذي عزز من قلق الأقليات وسلبيتهم، وأيقظ لديهم خوفاً دفيناً راح يغذي نزعة دفاعية عنيفة ترفض سيطرة الإسلاميين على مقاليد الحكم وعلى مراكز النفوذ لما يمثلونه برأيهم من تهديد لمدنيّة المجتمع السوري وطبيعته التعددية وإقصاء للآخر المختلف وقمع الحريات الدينية والسياسية.

“أحبذ العيش في سوريا طائفية على أن أعيش في سوريا الإسلامية الأصولية”، عبارة تسمعها اليوم من سوريين كانوا في الأمس القريب من أشد المتحمسين لفكرة المواطنة لأنها تنقذهم من روابطهم المتخلفة وتضعهم على قدم المساواة مع غيرهم، لكنهم اليوم ومع انسداد السبل أمامهم، كما يقولون، بفعل حضور سياسي إسلامي يحاول الاستئثار بالسلطة وفرض أجندته، يتراجع هذا الخيار لديهم نحو الروابط الطائفية والإثنية، وتحل أساليب التعريف بالآخر من منبته، وصياغة نفسه وحضوره على هذا الأساس.

وتأسيساً على ما سبق، ليس غريباً أن تسمع اليوم أفكاراً تقول بطائف سوري لوقف الصراع الدامي، تشبهاً بلبنان وكدعوة لإقرار تشارك في السلطة على أساس المحاصّة السياسية، أو تقول إن تشابه النظامين والتركيبتين الاجتماعيتين في سوريا والعراق سيقود إلى نتائج متشابهة في إعادة بناء الدولة والسلطة، والتلميح مرة أخرى من قناة التجربة العراقية إلى مبدأ المحاصّة الطائفية والإثنية.

هذه الأفكار ما كانت لتأخذ حظها في الحياة لولا وجود بيئة خصبة حافزة، خلقتها صعوبة الحسم والخلاص بسبب ما وصل إليه توازن القوى الداخلي وارتباطاته الإقليمية والعالمية التي يزداد تأثيرها طرداً مع طول أمد الصراع، ولولا وجود مصلحة خارجية تهدف عبر إرساء نظام المحاصّة في سوريا إلى إخراج هذا البلد من دائرة التأثير السياسي في المنطقة والتعويل على إشغال نظامه الطائفي الجديد بخلافات ومشاكل داخلية تعزله عن محيطه العربي والإقليمي.

والأهم أن أساليب العنف السلطوي المفرط والتدميري ضد فئات محددة في المجتمع وتحويل الصراع معها إلى صراع وجود، وتالياً محاولات تشويه وطنية الثورة وحصرها في البعد الطائفي، يدفع النسيج البشري المتعايش منذ مئات السنين نحو العداء والتفكك، ويعزز عودة كل مكون اجتماعي إلى أصوله القومية أو الدينية أو الطائفية كي يضمن بعضاً من الحماية والوجود الآمن.

ونسأل، ألا يفضي الإمعان في العنف والتنكيل والتدمير الذي شمل مدناً ومناطق معينة إلى صعوبة التعايش السلمي بين بعض مكونات المجتمع السوري، وإلى ضرب روح التوافق والتسامح والاعتدال؟! ثم ألا تدفع الارتكابات السلطوية، القاعدة الاجتماعية للنظام، كي تحاول في أية تسوية سياسية، فرض وجود يطمئنها في مؤسسات الدولة، وحصص واضحة في مراكز القرار؟!

وأيضاً ألا يؤدي تنامي التعصب ودور تيارات لم تكن موجودة أصلا في بنية الثورة، كالقوى السلفية الجهادية وما ترفعه من شعارات إسلامية متطرفة، إلى إكراه الأقليات الأخرى كي تتكور أكثر حول نفسها وتتطلع لفرض موقع مناسب لها في الدولة، استناداً إلى التجربتين اللبنانية والعراقية، وقوة تأثيرهما على الصراع السوري بفعل الجوار وجراء امتداد المكونات الطائفية والمذهبية وتماثل ارتباطاتها الخارجية

وما يزيد الطين بلة أن سوريا لم تعرف سلطة سعت إلى خلق نسيج اجتماعي يكرس روح المواطنة ويتجاوز الارتباطات المتخلفة قومية كانت أم طائفية أم مذهبية، فهذه الأخيرة بقيت أساس الولاء ومحركاً لأفعال الأفراد وبعض الجماعات، فضلاً عن أن روح المحاصّة الطائفية كانت تتفشى في بلدنا بأقنعة شتى في ظل صمت داخلي وإقليمي ودولي وتنازل ضمني من بعض الطوائف عن حقوقها كي لا تطعن بوطنيتها، والأنكى أنها مورست سلطوياً بشكل مستتر في معظم مؤسسات الدولة وطيلة عقود من الزمن، ويعرف الكثيرون أن ثمة توزيعا للمناصب ولمواقع المسؤولية، وعلى نحو غير معلن رسمياً، بين الإدارات والحكومة والجيش وبعض الأجهزة الأمنية، يعطي كل طائفة حصة تتناسب مع تقدير النظام لوزنها أو مدى حاجته إليها.

وزاد الأمر تعقيداً سلوك المعارضة السورية التي يبدو أنها لم تخرج من جلباب أساليب السلطة، وبدت محاولاتها مكشوفة حين لجأت بدورها إلى المحاصّة في اختيار الشخصيات القيادية، وبالغت في تقديم أسماء كردية أو علوية أو مسيحية أو درزية كجزء من ملاك هيئاتها، لإظهار صورة عن نفسها تقنع الداخل والمجتمع الدولي بأنها، كبديل قادم، تمثل كافة أطياف المجتمع السوري، ولا يخرج عن هذا السياق ظهور تشكيلات سياسية على أساس الانتماء الطائفي، مثل “سوريون مسيحيون لدعم الديمقراطية” وأيضاً مؤتمر المعارضين العلويين الذي عقد مؤخراً في القاهرة تحت شعار “كلنا سوريون، نحو وطن للجميع”.

إذا كان هناك من يرى أن نظام المحاصّة الطائفية هو المدخل الأقل سوءاً لوقف الانزلاق نحو حرب أهلية ولتجنب تقسيم البلاد وتفكيكها، أو على الأقل لتغيير المشهد المألوف عن استفراد إحدى الطوائف بالسلطة ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية، وإذا كان ثمة من يعتقد أن هذا الخيار إجباري وكنتاج طبيعي لاستبداد مديد أفرغ البلد من مدنيته وتالياً كمرحلة انتقالية في مجتمع لم ينضج ثقافياً وسياسياً بعد كي يؤسس لدولة المواطنة والمساواة، لكن عليه أن يتحسب من أن نظام المحاصّة يقود إلى إباحة التنافس الطائفي الذي بدوره يدفع كل طائفة إلى التماس تحسين موقعها النسبي ضمن النظام ذاته وليس على حسابه، والأسوأ حين تتوسل حلفاء خارجيين أقوياء لتعزيز حضورها ومواقعها.

والأنكى أنه نظام ينهي تماماً مبدأ المواطنة المنشود حين يتم تعريف كل سوري بطائفته وتفرض عليه كمرجعية سياسية واجتماعية، وحين يتسبب بقيام نظام متعدد الرؤوس أو سلطة هي أشبه بعربة تجرها عدة أحصنة في اتجاهات مختلفة، تضعف حضور الدولة العمومي وقدرتها على تحقيق وظائفها، دون أن نغفل أن أحد أهم مخاطر هذا الخيار يكمن في أنه سيفتح الباب أمام صراعات وخصومات حول وزن كل طائفة وأحقية تمثيلها وحصصها في توزيع المناصب وحدود النص على ذلك في الدستور.

النظرية تقول إن المحاصّة الطائفية هي شكل مرضي من أشكال “الديمقراطية التوافقية” لاحتواء مخاوف مكونات مجتمع تعددي لكنها تطيح عملياً بصحة المجتمع وعافيته، والفكر السياسي يقول إن النظام الطائفي من ألد أعداء الديمقراطية، لأنه يؤجج الصراع بين زعماء الطوائف ويجعل الإنسان يؤمن بأن طائفته هي فوق الجميع، وبأن حصته من النفوذ هي فوق المجتمع، في مواجهة قيم الديمقراطية التي تجعل جميع أفراد المجتمع متساوين في الحقوق والواجبات، وليس لأحد فضل على الآخر لا في العرق ولا في الدين ولا في الطائفة، وليس هناك مرجعية تعلو على مرجعية الوطن الواحد والمجتمع الواحد.

والتجربة تقول إن المحاصّة الطائفية أثبتت فشلها في لبنان والعراق وهي لن تؤدي في أحسن الأحوال إلا لمزيد من التنافس والاحتقان الاجتماعي واستنزاف طاقات البلد وثرواته، ناهيكم عن تدمير الروح الوطنية حين يفرض أفراد دون كفاءة ومؤهلات أو رموز ذات هشاشة وضعف أخلاقي في مراكز سياسية بسبب انتمائهم إلى هذه الجماعة أو تلك.

بينما الواقع يقول إن الأقليات في سوريا خائفة فعلاً، ويأتي تخوفها ليس من ماضٍ قمعي تعرضت له، بل مما تشهده بلدان أخرى من سيطرة قوى دينية على السلطة تستقوي بالأكثرية الدينية وتسعى لأسلمة الدولة والمجتمع، مما يهدد ثقافة هذه الأقليات وخصوصية عيشها.

صحيح أن على الأقليات إدراك أن الاستبداد لا يحمي سوى مصالحه، وأن أفضل طريق لإزالة تخوفاتهم هو الانخراط الفاعل في مجرى التغيير والتأثير بنتائجه، لكنْ صحيح أيضاً أن على قوى الثورة في ظل تعقيدات الوضع الراهن المساهمة في تفكيك هذه التخوفات بتغليب الرؤية الوطنية والممارسات المنسجمة معها والأهم في إنضاج بديل ديمقراطي لا يكتفي بالعنوان العريض، بل يخوض في تفاصيل إزالة مخلفات المرحلة الدموية ومقومات بناء الدولة المدنية وطرق إدارتها وفي الأسس الدستورية لضمان المساواة بين المواطنين وحرياتهم وحقوقهم غير المنقوصة.

المؤسف أن الميل نحو الإسلام السياسي بأنواعه يحرّض في أوساط المجتمع الأخرى ميلاً نحو الانسجام الفئوي المقابل، بدل أن يواجه بطرح يشدد على أفكار المواطنة والديمقراطية، ولكن المؤسف أيضاً أن تجري المبالغة بوزن التيار الإسلامي لتسويغ التحول نحو نكوص طائفي أو قومي الطابع أو نحو شكل من أشكال الانعزال الأقلي.

وعليه فإن الثورة السورية تحتاج اليوم لتعريف واضح ومشترك للدولة المدنية بسبب ما يكتنفه من التباسات وكضرورة لابد منها لطمأنة الأقليات العرقية أو الدينية وجذبها إلى الصفوف، وهو التعريف الذي يفترض أن يوضح بصورة قاطعة العلاقة بين الدين والسياسة على نحو يمنع التجاوزات المؤسفة التي تتنامى هذه الأيام، ويضع حداً لتطرف ديني ينفي حقوق المواطنة المتساوية عن غير المسلمين ويقصي أصحاب الرأي أو المعتقد الآخر، وأيضاً لخطاب طائفي الهوى يحاول أن يزكي نار الفتنة المذهبية بدل استثمار الحقوق المدنية المتاحة للجميع بلا تفرقة أو تمييز.

فأن يقال إننا نريد دولة المواطنة ومجتمعاً مدنياً وديمقراطياً لا بد أن يعني ضرورة العمل لتكون كل الانتماءات ما قبل الوطنية سواء العشائرية أم الطائفية أم الإثنية هي الأضعف والأقل حضوراً أمام انتماء أقوى وأرقى هو الانتماء إلى الوطن والثقة بالدولة ومؤسساتها الديمقراطية، وهذه النتيجة لن تكون حاسمة ومؤكدة إلا إذا اقتنع كل فرد بأن حقه مصان ومتساوٍ مع الآخر وأن ليس ثمة من يستطيع التعدي عليه كائناً من كان، فالحكاية أولاً وأخيراً هي حكاية مصالح وحقوق لا شعارات وعواطف، ولا تنفع تالياً الطمأنات الشفهية على أهميتها وضرورتها إذا لم تقترن بدستور وقوانين وممارسات تشعر كل من يعش على هذه الأرض بأن له مصلحة حقيقية في الدفاع عن وجوده وتكافله مع المجتمع وتالياً عن وطن يقدم له ما يصون حرياته وكرامته وقوته اليومي. والحال أن المحاصّة الطائفية مرفوضة لدى السوريين ليس فقط بدلالة عافية مجتمع المواطنة، أو بدلالة خصوصية المجتمع السوري وتاريخ تبلور هويته الجامعة ودولته الوطنية، وإنما أيضاً انطلاقا من الثقة بإمكانية الحياة الديمقراطية واحترام التعددية والمساواة وسيادة القانون في تجاوز الآثار المدمرة التي خلفها العنف الأعمى وفي بناء التوازن المطلوب لإدارة الصراعات سلمياً بين كافة مكونات المجتمع السوري وقواه المدنية والسياسية، حتى لو طالت هذه المرحلة الانتقالية واكتنفتها بعض الصعوبات والعقبات.

**********************

دمشق شرقية وغربية..قبل السقوط النهائي

غازي دحمان

المستقبل

الثلاثاء 9/4/2013

تقف دمشق في هذه اللحظات على أبواب المعركة الكبرى، ويمكن القول أن الأمر تجاوز كثيراً تقدير وقوعها إلى البدء بالحديث عن تفاصيلها وطبيعتها، بل وخريطة طريقها ومسارح معاركها الأساسية.

والواقع تختلف معركة دمشق الحالية، عن سابقتها التي حصلت في منتصف الشهر السابع من هذا العام، بل هي نقيض لها تماماً، في هذه المعركة ثمة نمط عسكري مختلف لم يسبق ان تم تطبيقه في أي من المعارك التي جرت على الارض السورية منذ بداية الأزمة، سواء في طبيعة التكتيكات او في التجهيز أو حتى في طرق الرصد والإستكشاف، وفي هذا مؤشر واضح على الخبرة التي إكتسبها الجيش الحر في الفترة الماضية.

ولفهم هذا الإختلاف والولوج تاليا إلى معرفة طبيعة هذه المعركة، لا بد من التأكيد على حقيقة أن هذه المعركة قد تم تقسيمها إلى مرحلتين، الأولى بدأت منذ حوالي شهرين عبرالهجوم على النطاق الإستراتيجي الحامي للعاصمة وخاصة من جهتيه الشرقية والجنوبية وخلق بعض الثغرات العسكرية في المنطقة الغربية، عبر تدمير البنية العسكرية الضخمة والمؤلفة في أغلبها من مطارات عسكرية ودفاعات جوية ومواقع للإشارة والرصد والتجسس، وقد سهلت طبيعة المنطقة المتكونة من بساتين وغوطات عمل الثوار في هذه المنطقة.

وقد عمل الجيش الحر على تنظيف هذه المناطق بشكل كامل من قوات النظام وطردها، حيث لا ينتقل إلى منطقة أخرى قبل أن يعمل على تطهير المنطقة من كل تواجد نظامي، كما يقوم بإقفال كافة الطرق والممرات المؤدية لها بحيث يجعل من إمكانية عودة القوات النظامية إليها أمراً مستحيلاً. فقد دلّت الانجازات العسكرية الأخيرة التي حققتها المعارضة، من اجتياح العديد من القواعد العسكرية المهمة والاستراتيجية في الشمال والشرق.

وبتدمير البنية العسكرية في هذه المناطق، جرى إلغاء هوامش الحركة والمناورة للقوات النظامية، فقد جرى حصر عملها في المنطقة الغربية من دمشق وهي مناطق جبلية لايمكن القتال فيها إلا من خلال المدفعية وراجمات الصواريخ، كما تتواجد في هذه المناطق وبشكل حصري قوات الحرس الجمهوري، وهي من الناحية العملاتية قوات مؤهلة لأنواع محددة من القتال كما ان طبيعة تجهيزاتها تشكل عبئاً ثقيلا عليها.

تعتمد إستراتيجية الجيش الحر في معركتها الدمشقية على عنصرين: الأول إنهاك النظام إلى أقصى درجة ممكنة، وذلك من خلال إستنزافه على مساحة واسعة شرقي دمشق عبر محاصرة مواقعه الإستراتيجية وقطعاته العسكرية المهمة ودفعه إلى محاولة فك الحصار عنها بإرسال المزيد من التعزيزات والقوات التي يتم إصطيادها وتدميرها، أو إيقاعها في الحصار بدورها ليقع معها النظام يدوامة مفرغة من فك الحصار وإسناد القوات المحاصرة. وهو الأمر الذي تنبه له النظام في حلب وترك مدرسة المشاة وكلية الشؤون الإدارية لمصيرهما دون أن يرسل لهما أية تعزيزات.

وأما العنصر الثاني في هذه الإستراتيجية فهو يقوم على مبدأ القضم المتواصل للأراضي والمناطق بحيث يجري إسقاط المناطق منطقة تلو الأخرى، ويقوم الجيش الحر بتثبيت مواقعه في هذه المناطق ويبدأ في تعزيزاته والتجهيز لقضم المنطقة التالية من خلال إرسال الخلايا النائمة ومناوشة القوات النظامية وإشغاله الدائم عبر عمليات صغيرة لا تحتاج إلى عدد كبير من العناصر اليشرية كما ان المخاطرة فيها بالعنصر البشري تكون محدودة ومحسوبة.

وفق هذا المسار تشير التقديرات إلى أن المرحلة الأولى من معركة دمشق قد تم إنجازها وبنجاح كبير لصالح الجيش الحر ونحن ندخل المرحلة الثانية من معركة دمشق الكبرى، وهي مرحلة تعتمد على مبدأ الهجوم الواسع من الأحياء الجنوبية والشرقية للعاصمة وتشير أغلب التقديرات في هذا الصدد إلى ان دمشق ستشهد تقسيما جغرافيا باتت ملامحه شبه واضحة بحيث تكون هناك دمشق شرقية جنوبية يحتلها الثوار وتشكل قاعدة إنطلاق وتموين وإمداد، ودمشق غربية حيث تتجمع هناك قوات النظام ومؤيديه، وهذه المعركة من المتوقع أن تدوم لأيام قبل أن يفكر النظام بالهرب من دمشق عبر النافذة الشمالية إلى الطريق الدولية بإتجاه حمص.

تقوم قوات النظام بقصف عنيف على كافة الضواحي التي ينطلق منها الثوار بهدف شلّ حركتهم فيها، وإعطاء الجيش النظامي الفرصة لخلق منطقة عازلة بين العاصمة وضواحيها، غير أن ثمة أمراً بات يلحظه سكان دمشق، وخاصة في تلك الضواحي التي خرجت منها القوات النظامية، وهو فقدان النظام بالفعل المبادرة القتالية وإنحدار مستوى معنويات جنوده إلى أدنى درجة جراء الإنهاك المتواصل منذ أكثر من عام من القتال فضلاً عن تزتزع قناعتهم بجدوى الحرب وأحقيتها. وبتزامن ذلك مع الأخبار التي تتحدث عن قيام النظام بإرسال نخبة من ضباطه المخلصين إلى طرطوس على الساحل السوري لتجهيز المنطقة دفاعيا كي تستطيع الصمود في الهجمات المتوقعة على هذه المناطق بعد الفرار إليها وحماية رجال الأسد الذين لا مستقبل لهم.

هل يلجأ النظام إلى إستخدام أسلحته الفتاكة في معركة الحفاظ على دمشق في حال إقتراب مصير السقوط؟، ثمة رأيان في ذلك، الأول يعتقد أن هذه المرحلة من عمر النظام يقودها ضباط متشددون ومتهورون ومستقبلهم بات وراءهم، وبالتالي لايستبعد أن يقدموا على عمل إنتحاري لإعتقادهم أنهم ميتون في كل الحالات. الرأي الثاني يرى ان النظام ربما يعمل على تدمير دمشق بالأسلحة التقليدية ويرتكب مجازر كبيرة دون الإقدام على إستخدام الاسلحة المحرمة بإعتبار أنه يستطيع تبرير القتل العادي الذي يجري في إطار عمليات القتال وبالتالي فإن المسؤولية يمكن توزيعها على مختلف الاطراف، في حين أن إستخدام الأسلحة المحرمة لن يفيده حتى في حال قرر اللجوء والهرب إلى المناطق الساحلية وأن روسيا وإيران قد تمنعه من ذلك لأنهما لن يستطيعا حمايته في حال ارتكب مجازر بإستخدام الأسلحة المحرمة.

**********************

الإصلاح «المغلق»

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 9/4/2013

في سبيل ضبط إشكالية الإصلاح في سوريا لعله من المناسب والمفيد من الناحية المنهجية التذكيرُ بأن الإصلاح السياسي وإنْ مثلّ واحداً من محاور الإصلاح وتجلياته، إلا أنه – في ضوء التأسيس المنهجي لإصلاح وإعادة إصلاح المجتمع السوري – يجدر بنا النظر إلى الملف السياسي بوصفه الملفّ الأكثر أولوية ضمن مشروع الإصلاح العمومي السوري المعْني في المرحلة القادمة، بل لعلنا نرى أن ذلك الملف السياسي هو الذي تُناط به التأسيس للملفات الأخرى.

فالسؤال المتصل بالسلطة السياسية يتدخل في كل الأسئلة الأخرى، وإذا كان السؤال المتصل بالاقتصاد يتدخل كذلك في كل تلك الأخرى (وكذلك الحال بالنسبة إلى أسئلة التعليم والقضاء وغيرها)، إلا أن سؤال السلطة يظل يمارس، بآلياته متوغلة في المجتمع عموماً، دور التخطيط والضبط والتدبير. نعم، «التدبير»، وهو الذي التصق بتعريف السياسة منذ أرسطو وحتى الآن مروراً بالفارابي وروّاد الفكر السياسي الغربي الحديث، يظل قائماً وصحيحاً في الحدود المشار إليها هنا، أي حدود التدخّل في البنية المجتمعية العامة. ولذلك، فإن محاولة النظام السوري منذ حافظ الأسد، تسويق نمط من الإصلاح يقوم على النظر إلى القطاع الاقتصادي والآخر التعليمي... الخ من حيث هي قطاعات يمكن حلّ مشكلاتها الإصلاحية، دونما طرح سؤال إصلاح النظام الاقتصادي؛ وفشل ذلك فشلاً شاملاً.

بناء على ذلك، جاءت المحاولات «الإصلاحية» في سوريا بمثابتها محاولات ملفقّة وزائفة، أُريد لها أن تكون تسويقاً للنظام. ونذكر هنا، على سبيل المثال، المصير الذي لقيه «قانون الأحزاب» وقانون «الإصلاح الاقتصادي». إلى الآن ظلت تلك المحاولات تظهر هنا وهناك، كما حدث مثلاً ما جرى بثه مؤخراً على التلفزيون السوري من «ندوة مفتوحة حول الإصلاح الاقتصادي». فلقد غابت الأسئلة المتصلة بمرجعيات الحوار والإصلاح، وبطبيعة النظام الأمني المهيمن في سوريا حتى الآن، وبخصوصية الرقابة في القطاعات المتعددة، إضافة إلى أسئلة النظام المذكور وموقعه من مرجعيات السلطة والثروة، كذلك من الإعلام والمرجعيات المجتمعية الإيديولوجية: أين موقع العلاقة بين أجهزة الأمن والطاقم الحاكم على مستويات الرئاسة الأولى والثانية والثالثة؟ وهل هنالك «نظام مساءلة» يتجه نحو الجميع دون استثناء. وإذا كانت تلك المسائل كلها ذات أهمية بنيوية ووظيفية في ملف الحوار والإصلاح، فإن مسألة أخرى سابقة على تلك المسائل ومواكبة لها بالضرورة، إذا أريد لذلك كله أن ينجح على صُعد المجتمع السوري كله، نعني بذلك عملية الحوار نفسها. فإذا كانت الدعوة إلى هذه الأخيرة يراد لها أن تغطي واقع الحال السوري كاملاً، فلا بد حينئذ من أن يمثل واقع الحال هذا من كل الأطياف السورية اجتماعياً وفئوياً وجيلياً وطائفياً وجغرافياً وسياسياً (إن وُجد) وإثنياً وطبقياً... الخ. وإذا تمت هذه الخطوة التكوينية، فإن خطوة أخرى تفصح عن نفسها، وهي وضع برنامج العمل كذلك باشتراك الجميع وعلى نحو ديموقراطي فعلي وعبر الاستعانة بمن يملك المعرفة والخبرة والنزاهة. المهم والحاسم في ذلك هو إنهاء وهم «الذين يقودون الدولة والمجتمع» في كل تجلياتهم، وعدم السماح بإطلاق للتدخل في هذه العملية من قِبل أية مرجعية كانت، أمنية وسياسية وتنظيمية وعسكرية. وقد يكون وارداً أن تلجأ مجموعة أو أخرى لتموّل تلك العملية وتحرفها عن خطواتها الوفاقية.

وقد يرتبط ذلك بنشوء حاجة للاستعانة بمؤسسة دولية ما معروفة بالشفافية والصدق والدقة والموضوعية.

إن ذلك الذي أتينا عليه ليس له استثناء، سواء جاء من شخصية رسمية أو أخرى اجتماعية. ومن أجل تعميم تلك العملية الحوارية وتسويقها في البلد، ضروري أن تُنشأ دائرة إعلامية مستقلة عن أي إعلام يملي عليها رغباته واقتراحاته وغيرها. مثل هذه العملية قد تنشأ فعلاً وتنجح، خصوصاً حين تتم بالتوافق مع إطلاق سراح السجناء السياسيين ومع البدء بالإعلان عن بداية تفكيك الدولة الأمنية، وعن تعميم منظومات حقوق الإنسان، وأخيراً عن السعي لتشكيل قضاء وطني مستقل. وفي كل الأحوال، يمكن القول بضرورة الخروج من وهم الحزب أو المنظمة أو المرجعية أو الزعيم، الذي يكون مبتدأ ذلك ونهايته وضابطه.

**********************

ســـوريـــة : مـــن الــربيــع … إلـى العـاصفـة …! ( 8 )

حبيب عيسى

 كلنا شركاء

الاربعاء 10/4/2013

 ( 36 )

             لعل السؤال الأكثر أهمية في هذه الظروف الموضوعية الشديدة التعقيد التي تمر فيها دولة الجمهورية العربية السورية هو : ما هي الهوية الوطنية للشعب في سورية …؟ ، وهل هناك إشكالية حقيقية في تحديد تلك الهوية …؟ .

             بداية لا بد من القول أنه من المؤسف والمؤلم أن أضطر لطرح مثل تلك الأسئلة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ، وأعتقد أن معظم أبناء جيلي الذين ولدوا في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم ، والذين امتد بهم العمر حتى هذه الأيام ، يشاركونني الأسف والألم معاً ، فجيل الآباء والأجداد على السجية كان قد حسم تلك المسألة منذ بداية القرن العشرين متجاوزاً كل أشكاليات السفسطة والفتن لافتعال تناقض بين أديان وطوائف ومذاهب وأعراق ومناطقيات وإيديولوجيات الشعب في سورية ، هكذا ولد جيلنا وهو يرنوا إلى ما بعد حدود دولة “سايكس بيكو” البعض يناضل لفتحها على “إقليم سورية الطبيعية” على الأقل حيث الهوية السورية ، والبعض الآخر يناضل ليفتحها على الوطن العربي بين المحيط والخليج حيث الهوية العربية والأمة مكتملة التكوين التي تم الاعتداء عليها وتقطيع أوصالها ، والبعض الثالث يناضل ليفتحها على المجتمع البشري برمته سواء لتوحيد عمال العالم ، أو لتوحيد ليبرال العالم ، أو لتوحيد ديانات العالم … المهم في الأمر أن المواطنين في سورية كانوا قد قاوموا محاولات العدوان على هوية المواطنة المتساوية في دولة سورية على الأقل فكانت الرؤى تمتد إلى مابعد حدود “الدولة”  وليس إلى العبث بمواطنية مواطنيها في الداخل … فما هي تلك الهوية الوطنية التي كانت ومازالت حاضنة لخصوصيات الشعب في سورية ؟ .

( 37 )

               لقد بلغ التحدي للهوية في سورية أشده مع بداية القرن العشرين المنصرم مع وصول جمعية الاتحاد والترقي التركية إلى الحكم في الأستانة حيث تم التخلي عن قناع الخلافة والأخوة الإسلامية ، وتم الإعلان جهاراً نهاراً عن سياسة التتريك ، وقد أدرك الشعب في سورية بعفوية وعلى السجية أن الهوية الوحيدة التي يمكن أن تكون الحامل لمشروع الحرية والسيادة الوطنية هي الهوية العربية فانضوى جميع المناضلين من مختلف الأرومات العرقية والدينية والطائفية والمذهبية في جمعيات ومنتديات عربية ترفع الراية العربية في مواجهة التتريك ، ومن ثم في حلقات مقاومة وتمرد مسلح ، ولعل استعراض أسماء شهداء السادس من أيار عام 1916في كل من ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت تضعنا أمام مشهد قل نظيره في التاريخ الإنساني حيث على أعواد المشانق رجال دين مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب … ففشلت محاولات العبث بالهوية العربية للشعب في سورية التي  حاولها العثمانيون على امتداد قرون سواء بين المسلمين والمسيحيين أو بين المذاهب الإسلامية عن طريق تقريب بعضها واضطهاد بعضها الآخر ، أو بين الطوائف المسيحية شرقية وغربية أو بين الإثنيات والأعراق عربية أو كردية أو حتى تركمانية وشركسية وأرمنية كانت قد لجأت حديثاً إلى سورية هرباً من الاضطهاد في موطنها ، فوجدت في سورية موطناً ووطناً تعتز بحمل هويته الوطنية .  

( 38 )

              لكن ما كادت راية الاستقلال العربية ترفع في دمشق حتى تم نشر خريطة “سايكس – بيكو” ، حيث هذا الجزء من سورية الطبيعية كان من نصيب ما سمي في ذلك الوقت “الانتداب الفرنسي” ، وتم ترجمة ذلك بزحف الجيوش الفرنسية لاحتلال سورية وحكمها مباشرة عن طريق المفوض السامي الفرنسي ، ومرة أخرى انطلقت المقاومة الوطنية لمواجهة الاستعمار الفرنسي ، فالشعب في سورية لم يتخلص من الاحتلال التركي للرضوخ للاستعمار الفرنسي ، ومرة أخرى أيضاً كانت الهوية الوطنية العربية هي الحامل لمشروع المقاومة والتحرر والحرية والسيادة ، ومرة أخرى أيضاً وأيضاً أدرك المستعمرون الفرنسيون  ومنذ اللحظة الأولى أنه لا سبيل أمامهم لبسط سلطتهم إلا باستنساخ الأساليب التركية ذاتها للعبث بالنسيج الوطني في سورية دينياً وطائفياً ومذهبياً وعرقياً ومناطقياً وافتعال هويات عصبوية تتناقض مع الهوية الوطنية العربية ، فتم الإعلان عن تقسيم ذلك الجزء من سورية الطبيعية الخاضع للاستعمار الفرنسي إلى كونتونات ، وبما أن الاحتلال الفرنسي بدأ حملة احتلال سورية من احتلال الساحل وسلسلة “جبال اللكامّ” المعروفة “بجبال العلويين” فقد بدأ الاستعمار الفرنسي بتنفيذ سياسة “الكنتنة” من تلك الجبال بالإعداد لما أسماه “الدولة العلوية” . رغم أن المواطنين ، سكان الساحل وتلك الجبال ، من أرومات عرقية ودينية وطائفية ومذهبية متنوعة : عرب وتركمان وأكراد وشراكسة وأرمن ، مسيحيون من كل الطوائف شرقية وغربية ، مسلمون من كل المذاهب سنة وشيعة  وإسماعيليون ، وعلويون يتوزعون على عشائر تعود تاريخياً من الناحية العرقية إلى قبيلة تنوخ العربية مع بعض الإضافات ، ويشكلون الغالبية السكانية في تلك المناطق  .             

( 39 )

              لقد حاول الاستعمار الفرنسي أن يكرر اللعبة اللبنانية في سورية بالعبث بالنسيج الوطني في الساحل السوري ، وأن يبدو وكأنه جاء منقذاً لما يسميه الأقليات من الظلم التاريخي الذي تعرضوا ويتعرضون له ، بحسب رأيه ، وأنه سيقيم لهم دولة مستقلة تقوم على المحاصصة الطائفية على غرار ماكان يرتب في لبنان ، وتيمناً بما يعمل عليه الإنكليز مع الحركة الصهيونية في فلسطين ، وكان من الطبيعي أن يجد الاستعمار الفرنسي من يتعاون معه ومن يدغدغ غرائزه العصبوية بتلك الطروحات الطائفية والعنصرية كما يحدث في كل المجتمعات التي تتعرض للغزو الاستعماري فدائماً يجد الغزاة في تلك المجتمعات من يخون وطنه وأهله ، وإذا كانت الصحف قد طالعتنا هذه الأيام بالذات بما تقول أنها وثيقة تفيد أن بعض العلويين كانوا موافقين على مشروع “الدولة العلوية” فنحن لا ننفي ذلك ولا نؤكده ، ونتركه للتوثيق العلمي التاريخي ، لكن أن تكون الغاية من النشر هي القول أن العلويين إجمالاَ كانوا مع إقامة “الدولة العلوية” فهذا قول يجافي الحقيقة والواقع ، فالأستعمار الفرنسي كان يحاول ذلك ويبسط سيطرته ليس على الساحل ، وحسب بل يتقاسم مع الجيش البريطاني السيطرة على الوطن العربي من محيطه إلى خليجه وهو يبارك مثل تلك الكونتونات ويسعى لتحقيقها ، التاريخ يقول أنهم ، هم ، “العلويون” الوطنيون هم من أفشل تلك الدويلة وقاومها ، وإذا كان البعض منهم قد تعامل مع المستعمرين في ذلك فهذا من طبيعة الأشياء حيث لا توجد على وجه الأرض جماعة بشرية ، لا طائفة ولا قوم من النبلاء والمناضلين والأنقياء والشرفاء وحملة مشاعل الأنسنة والحرية ، فلا بد من وجود الخونة والجواسيس وضعاف النفوس والمتوحشين والمنافقين والعبيد ، لذلك رفضنا ونرفض تصنيف الطوائف والمذاهب والإثنيات بإنها كريمة أوغير كريمة ففي كل جماعة بشرية ما يكفي من هذا الطيف الواسع ، والفرز هنا يتم إنسانياً على مبدأ تقييم الإنسان الفرد ، والبيئة الاجتماعية بتوجهها العام والغالب ، ودعونا نضرب مثلاً معاصراً لتلك الفترة التاريخية : عندما تقدم غورو باتجاه دمشق خرج لمواجهته أبناء البلد بقيادة يوسف العظمة واستشهد العديد منهم على بطاح ميسلون ، وعندما دخل غورو دمشق تقدم بعض الأفراد ليجروا عربة غورو عوضاً عن الدواب التي كانت تقوم بذلك … التاريخ يقول الآن ، وبعد ما يقارب القرن من الزمان أن دمشق قاومت الغزو الفرنسي بشخص يوسف العظمة ورفاقه الأبطال ، بينما لا أحد ولا التاريخ يذكر أسماء أولئك الذين قاموا بدور “الدواب” ، و”الدواب” متواجدين في كل عصر وزمان .

( 40 )

            استكمالاً للكشف عن تلك الحقبة التاريخية سنقف في هذه العجالة عند وثائق ثلاث لاشك في صحتها تعبر عن المواجهة المبكرة لمشروع “الكنتنة العلوية” بين عامي 1918 و1920.

   الوثيقة الأولى : ترافقت مع المقاومة المسلحة التي قادها الشيخ صالح العلي ، وعبر عنها شعراً وهو في ساحة المعركة ، قال :  

يا فرنسا     لا تظني          أننا         نقبل  الخسف ،  فما  نحن  عبيد

سوف   تلقين   من  العرب  وقد         أجمعوا   رأيهم    يوماً      شديد

ويضيف :

كفاكم  خداعاً  وافتراء    وخسة         وكيداً   وعدواناً     لأبناء   يعرب

تودون  باسم  الدين  تفريق  أمة          تسامى  بنوها  فوق  دين  ومذهب

تعيش  بدين  الحب    قولاً  ونية         وتدفع   عن أوطانها    كل  أجنبي

وما شرع عيسى غير شرع محمد       وما الوطن الغالي سوى الأم والأب

نحن نورد هذه الوثائق في سياق تاكيد الهوية الوطنية للمقاومة .

-   الوثيقة الثانية : في الفترة الزمنية ذاتها ، مطلع العشرينات من القرن المنصرم امتدت يد السوء إلى إذكاء روح البغضاء بين المواطنين العرب المسلمين من “العلويين والسنة” في منطقة بانياس الساحلية ، فحدثت الفتنة ، وبغض النظر عن الأسباب ، والمسبّب ، انتهت إلى أن البعض من “المسلمين العلويين” أحرقوا ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم من مال وحيوان في بانياس ، فأصدر الشيخ سليمان أحمد قاضي قضاة جبل العلويين فتواه الشهيرة التي ننقلها حرفياً :

“إلى سائر إخواننا من أهل الولاية”

( إن هذه الفوضى خارجة عن الدين والإنسانية معاً ، فالواجب على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر ويوالي العترة الطاهرة أن يبذل وسعه لإرجاع هذه المسلوبات إلى أربابها . ومن منعته الجهالة والعصبية من الانقياد إلى أمر الله وطاعة المؤمنين ، فليُهجر ولا يُعاشر ولا يجوز أن تُقبل منه صدقة ولا زكاة ولا يُصلى عليه إذا مات حتى يفيء إلى أمر الله ، وبما أنه لا قوة لنا على تنفيذ أحكام الشرع الشريف في هذه المسألة ، فنحن نفعل ما يجب علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لئلا نقع تحت طائلة الوعيد . فإن المنكر إذا فشا عمّت عقوبته الحُلماء والسفهاء معاً ، فالعقوبة تقع على الحلماء لترك النهي ، وعلى السفهاء لعدم التناسي ، وإذا وُجد من المشائخ من يتساهل مع أهل الجهالة يُعامل معاملتهم . اللهم إنا نبرأ إليك من هذه الأعمال الجائرة وممن يُقرّها . ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . )

-       خادم الشريعة الإسلامية المقدسة

سليمان أحمد

                 لم يكن بيد الشيخ الجليل أية سلطة زمنية رادعة ، فقط كانت سلطته على الوجدان والضمائر ، فبعد أن ندد بالفعلة فوجئ الجهلة بهذا الموقف الحازم ، فتهافتوا على المراكز المخصصة يعيدون كل ما لديهم من أسلاب ونهائب وأمُنّ المسلوبون والمنهوبون ، واستدعوا لهذه المراكز ليتعّرف كل منهم على دوابه ومسلوباته ، ويأخذها آمناً مطمئناً .

                 إننا نورد هذه الواقعة لنبّين لكل من يعنيهم الأمر أن الشعب في ظروف المحن يحتاج إلى صوت الحكمة والعقل ، لمواجهة الغرائز والتوحش والجهالة ، لم يتطرق الشيخ لمن تسبّب بالفتنة لأنه يرفض تبرير الجهالة بالجهالة .

 – الوثيقة الثالثة : كان الشيخ سليمان أحمد قاضي قضاة جبل العلويين قد اعتمد الفقه الإسلامي مصدراُ لأحكام محاكم الأحوال الشخصية في جبال العلويين فساء ذلك الحاكم الفرنسي في اللاذقية آنذاك الجنرال “بيّوت” الذي كان يسعى لعزل “جبل العلويين” ، وذلك إمعاناً في تقسيم ما تبقى من سورية إلى دول ، فقابل الشيخ يُزيّن له التراجع عن اعتماد الفقه الإسلامي في المحاكم والأخذ بنظام العرف والعادة ، ويغمز من ناحية الفتاوي التي صدرت بتكفير العلويين في محاولة لإشعال نار الفتن بين “العلويين والسنة” … عندها تبيّن الشيخ القاضي هدف الجنرال ، فانتفض مُغضباً ناسياً رهبة السلطان وجبروته يخاطب الجنرال قائلاً : ياجنرال “إن الغرض يُعمي ويُصم” ، (سيادة الجنرال :سواء عبدنا الحجر أو عبدنا المدر ، فليقيننا أن هذا هو ما جاء به محمد بن عبد الله ، فلشاكّ أن يشك في صحة فهمنا لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا شك في انتسابنا واتباعنا له . )

                لم يكن الوقت مناسباً للحوار ولكن كان لإعلان موقف وطني حاسم ، وذلك ماكان ، وتلك كانت سورية منذ قرن من الزمان  . فهل نبني المستقبل على القيم النبيلة التي رسخها العظام من مواطنيها أم نترك الأمر للجهالة والتوحش هذا هو السؤال …؟ .

“وللحديث صلة”

**********************

فتوى تحريم خطف الأجانب

سوريا المستقبل

د.حسان الحموي

الاربعاء 10/4/2013

الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي

سؤال: هل يجوز خطف الأجانب في سورية وأخذ فدية لإطلاق سراحهم؟

خلاصة الجواب:

بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على خير خلقه سيدنا محمد وآله فإن خطفَ الأجانب لا يجوز قطعًا لا في سورية ولا في غيرها ، وهو حرام : الخطفُ حرام ، ومالُ الفدية حرام ، وهو سُحْتٌ ، وهذا العمل تَعَدٍ على الآمنين المعاهدين ، والله لا يحب المعتدين ، والإساءة إلى الذمي والمعاهد من كبائر الذنوب ، ومن فعل هذا فقد ارتكب إثما ، وعصى الله تعالى ، وخاصمَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . وكلُّ من دخل دارنا بعهد وأمان وجبَ علينا الوفاءُ له به ، بل يجب علينا حمايته ما دام في بلادنا . وذمّةُ المسلمين واحدة ، وأمانُ الواحد كأمان الجماعة ، والغدرُ من صفات المنافقين ، ويُنصَبُ للغادر لواءٌ يوم القيامة ، ومثلُ هذا العمل يضر بالثورة وينفر من الإسلام فالحكم فيه أنه حرام .

تفصيل الجواب:

السؤال عن مثل هذا عجيب ، لأن من البداهة في الشريعة الإسلامية أن القتل والحبس والخطف والتخويف والتهديد والإرهاب وسلب الأموال والابتزاز للآمنين كل ذلك حرام ، ويستوي في هذا الحكم جميع الناس من المسلمين وغير المسلمين . والذي يقوم بشيئ من ذلك آثم شرعا لقيامه بالغدر ونقض العهد ، سوى ما يترتب على ذلك من ضرر للشخص المخطوف أيا كان دينه .

أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قتلَ معاهِدًا لم يرِحْ رائحةَ الجنّة ، وإن ريحَها توجد من مسيرة أربعينَ عاما” ، وترجم البخاري للباب بعنوان: “باب إثم من قتل ذِمّيًّا بغير جُرْم” ، وفي كتاب الجزية “من قتل معاهِدا” .

قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني في فتح الباري : “والمراد به  من له عهدٌ مع المسلمين سواء كان بعقد جزية ، أو هدنة من سلطان ، أو أمان من مسلم” . ومن دخل بلادنا من غير المسلمين دخل في أماننا وعهدنا ، له ما لنا وعليه ما علينا ، والمسلم لا يغدر .

والوفاء بالعهد من أخص صفات المؤمنين قال الله تعالى : {وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون آية ٨] . وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد فقال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء آية ٣٤] .

وضد الوفاء بالعهد الغدرُ ، وهو من علامات المنافقين كما في عدة أحاديث . وقد نهى النبي عليه  الصلاة والسلام عن الغدر وحذّر منه أشد تحذير ، وتوعّد عليه بأشد الوعيد، وهو من كبائر المعاصي والذنوب . أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إذا جمع الله الأولين والآخِرين يوم القيامة يُرفَع لكلّ غادر لواءٌ يقال : هذه غَدرة فلان بن فلان” . وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “ثلاثة أنا خصمُهم يوم القيامة” وعد أول واحد منهم: “رجل أعطَى بي ثم غدر” .

ولا يُشترط لإعطاء الأمان وجودُ الإمام ، فإن ذمةَ المسلمين واحدةٌ كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم : “ذمة المسلمين واحدة ومن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك” أي لعنة الله والملائكة والناس أجمعين كما في أول الحديث ، ومعنى أخفر أي غدر ولم يف بالعهد ، قال النووي في شرح صحيح مسلم : “المراد بالذمة هنا الأمان، معناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح ، فإذا أمنه أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم”.

ومن أحكام الذمي في الإسلام مما يغيب عن كثير من الناس أنه يحرم التعرض له بشيئ من الأذى ولا يجوز إتلاف ما يملكه من الخمر والخنزير،  بل قال الإمام كمال الدين ابن الهمام في فتح القدير : “فتحرم غِيبتُه كما تحرم غِيبة المسلم” ، واعتمده التمَرْتاشيُّ في تنوير الأبصار وعلاء الدين الحَصْكَفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار وابن عابدين صاحب الحاشية”. ونص عليه ابن حجر الهيتمي في الزواجر .

وكما يحرم الغدر بالمعاهد في ديار الإسلام فكذلك يحرم على المسلم الذي يدخل بلاد المعاهدين أن يغدِر أو يخون أو يتعرض لأحد بسوء . قال الحصكفي في الدر المختار في باب المستأمِن : “دخل مسلم دار الحرب بأمان حرُم تعرضُه لشيء من دم ومال وفرج منهم ، إذ المسلمون عند شروطهم”.

فإذا تجاوز الأجنبي في بلادنا الحد وخالف قوانين البلد الذي دخل إليه كان للسلطات إنذاره بحسب خطورة المخالفة أو أن تطلب منه الرحيل . وفي ذلك أعراف بين الدول وقوانين جرى العمل بها ، ومعظم هذه الأعراف والمعاهدات في معاملة الأجانب مما لا يخالف أحكام الإسلام .  ثم إن الأجانب الذين يدخلون بلادنا من صحافيين وإعلاميين ومصورين يؤدون خدمات للشعب السوري بإيصال صوت الحق إلى العالم . وواجبنا نحن أن نبتعد عن كل ما يسيئ إلينا من التصرفات خصوصًا حين نعلم أن أعين العالم تتوجه إلينا ، وشاشات الفضائيات تنقل أفعالنا ، فكيف والله تعالى شهيد علينا وهو سبحانه يقول في سورة يونس : {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلّا كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه} ويقول سبحانه في سورة الزخرف: {أمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونْ}.

والنظر في تصرفات هؤلاء الأجانب يرجع إلى قيادة الجيش الحر ، وفي غياب أي سلطة سوى سلطة العسكر ، فإن قيادة هذا الجيش هي التي تحدد قواعد تحركات الأجانب داخل سورية  لتغطية أخبار المعارك والقصف  ونقل معاناة الشعب  وتوثيق جرائم النظام . وإذا ما شعرت هذه القيادة بأن بعض الأجانب يتعاونون مع النظام  ويشكلون خطرا على الثورة  من خلال التجسس على الثوار ، فإن القيادة تقوم بإنذاره أو طلب الرحيل منه ، حسب خطورة الأمر ، وطبقا للأعراف الدولية وقواعد المعاملات الإنسانية وأحكام المستأمن ، وكل ذلك مفصل في كتب الفقه .

واللجوء إلى الخطف لطلب الفدية أو للضغط على الدول التي ينتمي إليها المخطوفون هو مظهر ضعف ، وسوء تدبير ، وإساءة إلى الإسلام ، وتشويه لصورة العرب ، وهم الذين عرفوا بالوفاء بالعهد وإكرام الضيف وحماية الجار . كما أن هذا الفعل يعود على الثورة بالضرر في تأليب العالم ضد شعبنا الذي صار الملايين منه لاجئين مشردين وضيوفا غرباء ، لا ترغب فيهم معظم البلاد التي يحِلّون فيها .

ونقترح على قيادة الجيش الحر إصدار كتيب بالتعلميات الخاصة التي يجب على الصحافيين الأجانب الذين يرغبون بتغطية أخبار الثورة السورية الالتزام بها ، نحو عدم تصوير المواقع العسكرية ، والالتزام بالحشمة ، وترك التهتك ، واحترام خصوصيات الناس ، وغير ذلك مما يحتاج إلى بيان.

يجب على الثائر والمقاتل الذي يدافع عن نفسه وأهله وعرضه وأرضه ضد إجرام نظام الأسد أن يَحذر من أن يتبع طريق النظام في الظلم ويرتكب ما يرتكب النظام من الإجرام ، ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يعامل الخصم بأساليب النظام في الخطف والقتل والتعذيب وسلب الأموال وقتل الأسرى وإساءة معاملة الناس مما هو دَيدَنُ النظام ، فشعبنا لم يقم بالثورة على هذا النظام إلا لإزالة الحَيف ، ورفع الظلم ، وإحقاق الحق ، ونشر العدل ، وينبغي لنا كلما ازداد النظام إمعانا في الإجرام أن نزداد نفورا من الإجرام وكراهيةً للظلم ، ورغبة في إقامة العدل ، فما بالُنا نَفِرُّ من جور إلى جور ونضع أنفسنا بمصاف عدونا ، ونساوي أنفسنا بحثالة من المجرمين ليصير الثوار قطاع طرق ولصوصا بدل أن يكونوا طلابا  للكرامة وأنصارا للحق وشداة للحرية ! أجل هذا هو ما يحدث حين نجعل الغضب قائدنا والانتقام دليلنا ، وكل إناء بالذي فيه ينضحُ .

نؤكد على أن المقاتل يجب أن يتحلى بأحسن الأخلاق وأجمل الآداب ، وأن الثائر مؤتمن على السلاح ، لا يجوز له أن يستعمله إلا في وجه حق أمام عدو واحد هو النظام الذي ثار الشعب عليه ، ولا يتجاوز في استعماله حدود أحكام الشرع ومبادئ الأخلاق وقوانين الحرب .

والحرب ليست صنعة ولا تجارة ، وإنما هي ضرورة ألجأ إليها ما قام به النظام من اضطهاد . ويجب على كل مقاتل أن يعلم أن الغاية من حمل السلاح إنما هي الوصول إلى الأمن  وإحلال السلم  في ربوع بلادنا الحبيبة لتعود المحبة إلى كل قلب ، والبسمة إلى كل وجه ، والأمان إلى كل بيت .

وأرجو أن يتأمل كل مجاهد في وصية النبي عليه الصلاة والسلام للجيش الذي خرج إلى مؤتة : “لا تغدِروا ، ولا تَغُلّوا ، ولا تقتلوا وليدًا ، ولا امرأةً ، ولا كبيرًا فانيًا ، ولا منعزلاً بصَومعة ، ولا تقرَبوا نخلا ، ولا تقطعوا شجرًا ، ولا تهدموا بناء” .  وكل من تجاوز هذا الحد فقد اعتدى ، والله عز وجل لا يحب المعتدين ، قال سبحانه وتعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة ١٩٠].

**********************

 التحقيق الدولي باستخدام الكيماوي .. السحر إذ ينقلب على النظام السوري

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 10/4/2013

لا يزال النظام السوري يعتقد أنه بحجب المعلومات وتزييفها، وتغييب أو منع وسائل الإعلام يستطيع قلب الحقائق، وخداع الرأي العام والمجتمع الدولي، وإقناعهما بروايته الرسمية، ظنا منه بأن ذلك سيغير من الوقائع على الأرض، أو القناعات به، بعد أن ثار شعبه ضده طلبا للحرية والكرامة منذ أكثر من عامين

لم يبق نوع من الأسلحة بكافة صنوفها، البرية والجوية البحرية، الخفيفة والثقيلة، قذائف الطائرات والمدافع والصورايخ الباليستية والسكود، والغازات والأسلحة الكيميائية إلا واستخدمها النظام الدموي ضد شعبه، ومع ذلك فإن النظام ينكر أنه يقوم بقتل شعبه، والأنكى أنه يحاول تلبيس هذه الأفاعيل الإجرامية للجيش الحر والحراك الثوري لخلط الأوراق، من أجل وصمهما بالإرهاب على طريقة المثل: "رمتها بدائها وانسلت".

ولأن موضوع الأسلحة الكيميائية بالغ الحساسية، على الأقل بالنسبة للغرب، ليس بالضرورة من منظور أخلاقي، وإنما حرصا على أمن الكيان الصهيوني أو وقوع السلاح بأيدي جهات يصنفها في خانة الإرهاب، فقد حاول النظام السوري أن يلصق تهمة استخدامه بالجيش الحر وجماعات النصرة والقاعدة، في منطقة خان العسل قرب حلب، الشهر الماضي، وذهب أبعد من ذلك عندما قال وزير إعلامه إن حكومته ستتوجه للمنظمات الأممية للادعاء والشكوى على الدول التي سلّحت المعارضة بأسلحة محرمة دوليا، وستطالب بالتحقيق الدولي في هذا الحادث تحديدا، لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، عندما طالبت الأمم المتحدة بالتحقيق في كل المزاعم التي أثيرت من قبل حول استخدام أسلحة كيميائية في سوريا، وليس في الحادثة التي حاك النظام خيوطها وأراد التحقيق بها حصرا، لحاجة في نفسه.

لقد انتفض النظام والمدافعون عنه عندما علموا بأن تحقيقات الأمم المتحدة ستطال مناطق غير حلب، أي أنها ستشمل جميع المواقع والمناطق التي تثور مزاعم عن أن أسلحة كيماوية استخدمت فيها، كما ورد على لسان بان كيمون الأمين العام للمنظمة الدولية، بما في ذلك حمص ودمشق حتما، حيث يوجد لدى المعارضة شكوك شبه مؤكدة باستخدام جيش النظام للسلاح الكيمائي ضد الثوار والمدنيين فيهما. وبسبب ذلك أعربت الخارجية الروسية عن غضبها من توسيع نطاق التحقيق ودعمها لرفض حليفها ـ النظام السوري ـ له، وقارنت بينه وبين التحقيق الذي سبق الغزو الأمريكي للعراق.

ويبدو أن النظام رتّب لحادثة ضرب خان العسل التابعة لحلب بسلاح كيميائي، بعناية فائقة على نحو، يُظهر تورط الثوار فيها، وكان يريد أن يتم التحقيق بها حصرا، لتوصله إلى عدة أهداف تخدمه ـ كلها أو بعضها ـ:

ـ محاولة نفي تهمة استخدامه للأسلحة الكيمائية، والتي تؤكد القرائن أنه استخدمها في الشهر الحادي عشر لعام 2011، عند اقتحام حي بابا عمرو بحمص، ثم في دمشق بعد ذلك. أو الأقل كي يساوي فعله بفعل الضحية.

ـ تبرير استخدامه للسلاح الكيميائي بزعم أن الثوار استخدموه قبله (رد فعل أو دفاع عن النفس)، خصوصا أنه ربما سيستخدمه بصورة أكبر كما تشير التوقعات، كلما دنت ساعة سقوطه النهائي.

ـ محاولة العزف على وتر مخاوف الغرب من وقوع السلاح الكيماوي في أيدي الجماعات الجهادية، للتأكيد على أن ثمن رحيله سيكون باهظا، كما سبق أن ردد ذلك مرارا وتكرارا، لعدة أسباب، ومن ضمنها تهديد الأمن القومي لإسرائيل ودول أخرى، بسبب خروج الأمور عن السيطرة، وتفلت زمام الأمور، ومن ثم وقوع الأسلحة الكيمائية، بيد هذه الجماعات.

لكن النظام غفل أو تغافل عن جملة أمور لعل أهمها:

ـ إمكانية أن يطالب المجتمع الدولي والأمم المتحدة بتحقيق شامل، كما حصل فعلا، بغضّ النظر عن دوافعهم من وراء ذلك.

ـ أنه سبق له أن أقرّ وللمرة الأولى في يوليو 2012 بامتلاك أسلحة كيماوية، وهدد باستخدامها إذا تعرض لتدخل عسكري غربي، وإن ادعى حينها أنه لن يستخدمها في أي ظرف ضد شعبه.

ـ أن المجتمع الدولي قد حمَّله المسؤولية ـ وتحديدا رأس هرمه: بشار الأسد ـ عن تخزين وحفظ هذا السلاح، واعتبر أنها تقع على عاتقه وحده، بما في ذلك أي انفلات للسلاح الكيميائي أو انتقال له.

قد لا تكون الولايات المتحدة في طلبها للتحقيق الدولي في استخدامات السلاح الكيميائي آبهة لما لحق الشعب السوري بسببه، أو بسبب أسلحة الدمار الأخرى والأسلحة المحرمة دوليا، وإنما لخشيتها على أمن حليفتها إسرائيل، وخوفها من وصول هذا السلاح للجماعات الموالية للأسد كحزب الله، أو لجماعات جهادية سورية ثائرة.

ومع ترنح النظام بفعل قوة ضربات الثوار في الآونة الأخيرة ستكون عين الأمريكان والأمم المتحدة مفتوحة على السلاح الكيميائي بصورة أكبر، لأنهم سيتوقعون أن يلجأ لاستخدامه بشكل أوسع مما مضى أو يحاول تحريكه ونقله، في محاولة منه لإطالة عمره أو الانتقام قبل رحيله، لذا سيحاولون التدخل فورا وضبط هذا السلاح، وبذلك يكون طلب النظام بالتحقيق الأممي في حادثة خان العسل قد جرت عليه ما لا يحمد عقباه.

وبغض النظر عن الاختلاف في الدوافع حول التحقيق في استخدامات السلاح الكيماوي فإن ذلك سيصب في خانة الشعب السوري الذي يعاني من جرائم هذا النظام، وربما يضع حدا لمجازره، وفي صالح الثورة السورية التي سيتضح أنها بريئة من استخدام السلاح، خصوصا أنها لم تعترض على طلب التحقيق

**********************

في الطفولة السورية المغيّبة

محمد زهير كردية *

الحياة

الاربعاء 10/4/2013

ذهبت وإحدى الصديقات اللواتي يعملن في مجال الإغاثة الى مزرعة مخصصة لتربية الدواجن في ريف مدينتي، سلمية، ذلك أن هناك من أخبرني أن فيها عائلة نزحت من الخالدية في مدينة حمص. وبعد تجاوز حواجز عدة لجيش الأسد وميليشياته، وعند وصولنا الى المزرعة كانت رائحة الفحم الحجري وبراز الدجاج والعلف المتعفن تفوح في كل مكان. استقبلتنا فتاة تقارب الثانية عشرة من العمر وقالت: «أهلا وسهلاً، هل انتم من جاء لتقديم المساعدة؟».

فوجئنا قليلاً قبل ان نسألها عن والدها الذي خرج الينا ودعانا للدخول الى الغرفة التي يقطن فيها هو وزوجته وزوجة ابنه المفقود ومعهم اربعة اطفال. كانت الغرفة عبارة عن اربعة جدران من دون اي كساء داخلي ولها شباكان من النايلون وباب من الخشب المهترئ. أما السقف فهو عبارة عن ألواح من الصفيح. كانت رائحة الرطوبة والعفونة مضافة الى روائح مزرعة الدجاج تملأ أجواء الغرفة. جلسنا على البطانيات المفروشة على الارض وتبادلنا الاحاديث والاسئلة.

أبو الوليد كان يعمل في سوق الهال، وأصيب برصاصة قناص في ساقه اليمنى أثناء ذهابه ليحضر الخبز، ما أدى الى بترها، وصار اليوم لا يستطيع القيام بأعمال ذات مجهود عضلي. لقد دمر النظام منزلهم مما اضطرهم للنزوح، وأحرق الشبيحة حاجياتهم أثناء طريق هربهم من المدينة، ما جعل زوجته تبيع خاتم زواجها لتشتري ما يلزم، وحُرمت زوجة ابنهم من شهر عسلها بعد أن انهال الشبيحة عليه بالضرب بأقدامهم وأعقاب أسلحتهم وأخذوه معهم، من دون أن يعلم أحد مكانه حتى اليوم. أطفاله حرموا من ألعابهم التي كانت ملاذهم الأهم والأنيس الوحيد لعزلتهم بعد أن تهدمت مدرستهم بقذيفة هاون وصاروا يلعبون بفوارغ القذائف والرصاص تعويضاً عما فقدوه. استوقفتني الفتاة التي استقبلتنا حين وصولنا، لأنني علمت من ابو الوليد أنها ابنة صديق له وهي يتيمة، وأن أبويها قد قتلا في إحدى القذائف الماطرة على الحي الذي يقطنون فيه. قالت لنا: «الأسد قتل أبي وأمي وحرمني منهما». إذاً هي فتاة حرمت من أكل الشيبس والشوكولا، ومن متابعة برامج الاطفال برفقة والديها، ومن إنجاز فروضها المدرسية بوجودهما، وقد حرمت هي والكثير من الاطفال حتى من هدايا الناس لهم، وذلك بعد حادثة اعتقال مجموعة من الشبان والشابات بتهمة تقديم هدايا للأطفال النازحين. والطريف أن مقياس عذاب كل شخص في التحقيق كان يتبع الهدية التي قدمها «باربي أو دب أو سيارة...». سألتها: «ماذا ستفعلين عندما تنتهي الثورة، هل ستبقين هنا أم ستعودين الى مدينتك؟». قالت: «لا يهمني هل سأعود أو متى أعود، ما يهمني هو أن أدرس وأصبح ضابط شرطة كي أسجن جميع الشبيحة الذين حرموا الاطفال من أهلهم».

صارت حياة الاطفال أشبه بحياة طيور بريّة لا تعلم متى تقع على الأرض بفعل صيادٍ منتشٍ، أو متى تسجن في قفص على يد غاوٍ للطيور، أو تموت من شدة البرد والجوع وتصبح طعاماً للكلاب وأكلة الجيف. هؤلاء الاطفال هم ضحية لعبة كبيرة تمارس من جانب فرق متعددة داخلية وخارجية، وقد دفعوا أول ثمن فيها بحرمانهم من أبسط أفراح طفولتهم منذ ولادتهم غير الرسمية في 15 آذار (مارس) 2011.

**********************

مسؤولية بمفعول رجعي!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 10/4/2013

ليس الانضباط الأخلاقي والوطني ترفا ترفضه الشعوب. وليس أمرا يتعارض مع الثورات وأهدافها، كما يظن كثير من الثوار، بل هو روح الثورة وحاملها المعنوي ووسيلتها لتحقيق الانتصار، بما أنه يؤكد من جهة تفوقها على الأمر القائم، ويقدم من جهة أخرى نموذجها المختلف جذريا عن نموذجه المعادي للإنسان والمواطن. لثلم هذا التفوق والتشكيك فيه، سعى النظام منذ بدء الحراك لإجبار الثورة على انتهاج سلوك يشبه سلوكه، يقوم على ممارسة أقصى عنف ممكن ضد الآخر، مواطنا أعزل كان أم مسلحا مقاوما، طفلا أم امرأة أم شيخا أم شابا. وهناك قصص كثيرة تؤكد أن قسما من الاعتقالات التي قامت الأجهزة القمعية بها كان الهدف زرع الحقد في نفوس المعتقلين لإرغامهم على تبني مواقف انتقامية تفتقر إلى المقومات الأخلاقية والوطنية، التي تدين رؤية الآخر كعدو، وتمنع رفع الغطاء الإنساني عنه والتعامل معه بقسوة لا تمييز فيها.

وقد فاخرت الثورة بتفوقها الأخلاقي والوطني خلال الأشهر السبعة الأولى من قيامها، حين كان المشاركون فيها يتعرضون للرصاص وهم يرددون: سلمية، سلمية، أو كانوا يقدمون الماء البارد والورود للجنود الذين يشهرون بنادقهم في وجوههم ويطلقون النار عليهم، كما كان يحدث يوميا في بلدة داريا القريبة من دمشق، التي مكنها تفوقها الأخلاقي والوطني من تحقيق تفوق معنوي ووطني يقف اليوم وراء صمودها الأسطوري في وجه من أتوا لسحقها بالوحشية المعهودة عن النظام. في هذه المدينة البطلة، الهادئة والجميلة، يظهر تفوق الشعب الأخلاقي والمعنوي، الذي لا بد أن تحافظ الثورة بمختلف فصائلها عليه وتحميه ضد أي طرف يريد العبث به.

ليس ارتكاب الجرائم أو خطف الأبرياء وتعذيبهم من شيم مقاتلين يقاومون الظلم وأهله. إنه بالأحرى دليل دامغ على الافتقار إلى الوطنية وعلامة على انعدام الحس الإنساني والرجولة، فالقوي هو من لا يستخدم سلاحه إن كان مسلحا وخصمه أعزل، بل يكتفي بإخراجه من المعركة كي يعتبره مشمولا بقانون الرحمة والتعامل الإنساني. هناك في لساننا الشعبي قول ينصح باتقاء ضربة الجبان لأنها تتصف بالعنف المفرط، حتى عندما لا يوجد داع لاستخدامه. وعلى كل حال، فإن العنف يكون أشد وحشية بقدر ما يكون مستخدمه أكثر ضعفا وجبنا. بهذا المعيار، ليس عنف النظام السوري علامة قوة بل علامة ضعف وجبن، ولم يكن هناك أي داع لاستخدامه، بوجود وسائل وأساليب سلمية وحوارية تغني عنه، لكن خوف النظام وجبن قادته أوهمهم أنه الحل، فكان كارثة تؤكدها النتائج المدمرة التي نراها في كل مكان. عطل الخوف والجبن عقول قادة النظام فتوهموا أن العنف هو الدواء، حتى إن تعلق الأمر بمواطنين يطالبون بحقوق مشروعة، أو يحتجون ضد ظلم وقع عليهم أو يردون الأذى عن أنفسهم.

من المفهوم أن يتبنى نظام ظالم العنف وسيلة للتعامل مع مواطنيه. وليس من المقبول أو المفهوم أن تتبنى قوة تقاتله الأساليب التي يعتمدها، ليس فقط للأسباب الأخلاقية والوطنية، التي هي ركيزة أي سلوك تنتهجه جهة تريد الحرية والعدالة، وإنما لاعتبارات أخرى أيضا، أهمها أن القانون الدولي يحاسب من يطبقونها بأثر رجعي، بغض النظر عن الفترة الزمنية التي تمر عليها، وأن محاسبة مرتكبيها لا تتوقف عند عدالة المقاومة، بل عند ما تعتمده من أساليب في التعامل مع مواطنين يجب أن تحدد موقفها منهم بمعايير تنبع من صفتهم الإنسانية غير السياسية، هم في نظرها بشر لهم حقوق وليسوا خصوما يستحقون القتل أو التعذيب أو الاحتجاز... إلخ. لذا، تلاحق القوانين الدولية من ينتهك حقوقهم الإنسانية أو يقتلهم، إن هم استسلموا أو جردوا من سلاحهم أو أصيبوا إلى الحد الذي يعطل قدرتهم على القتال... إلخ، حتى إن كانوا من مرتكبي جرائم موصوفة. لا يبرر القانون سلوك الأفراد في فترات الحرب بمعتقداتهم السياسية، بل يراه انطلاقا من حقوق الإنسان، التي يتساوى أمامها وفيها البشر جميعهم، وتطبق على الجميع، بغض النظر عن الطرف الذي يقاتلون إلى جانبه، وليس لأحد محاسبتهم على جرائمهم غير محاكم تعطيهم حق الدفاع عن أنفسهم، وتعاملهم بما يحفظ كرامتهم خلال فترة احتجازهم: قبل إصدار الحكم وبعده.

من الضروري أن يولي مقاومو الظلم أهمية خاصة لهذه المسألة الحساسة، وأن لا يسجلوا على أنفسهم أي فعل يناقض المدونة الأخلاقية والوطنية التي تجعل المقاومة عملا يتفق مع حقوق الإنسان وكرامته، وإلا شوهت أخطاؤهم نبل بطولاتهم ووجدوا أنفسهم ذات يوم أمام محاكم دولية خاصة بمجرمي الحرب، ليس معيار عملها سياسيا بل هو إنساني ويرفض الانطلاق من السياسات التي سوغت الجرائم المقترفة، ولا يأبه لما إذا كانت عادلة أو ظالمة، فلا بد أن ينتبه المقاومون إلى هذا الجانب من أفعالهم، التي لا يجوز أن يحكمها الانفعال أو التسرع أو النزوع إلى الانتقام، وأن تتقيد بمعايير السلوك الوطني، الذي ستقوم عليه سوريا الحرة.

يفرط النظام في استخدام الوحشية كي يدفع المقاومة إلى ارتكاب أعمال شبيهة بأعماله تضعها على سوية واحدة معه، فلا تفيد من رفعتها الإنسانية وتفوقها الأخلاقي والوطني، وتتوهم قطاعات من الشعب أن الثورة لم تقم من أجل الحرية، وأن التقاتل يدور بين قوتين متماثلتين في العنف: واحدة مع النظام وأخرى ضده، وأن أعمال المقاومة إرهابية وإجرامية كأعماله.

سيذهب رجال النظام ذات يوم إلى محكمة جرائم الحرب لينالوا جزاءهم العادل. بالمقابل، لا بد أن يدخل رجال المقاومة التاريخ بأيد بيضاء تصنع الحرية لشعبها، والحرية إما أن تكون بمنأى عن سفك دماء البشر، أو لا تكون حرية بأي حال من الأحوال!

*******************

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 12)

البعث يأكل بعضه بعد تصفية خصومه

انقلاب 23 شباط 1966م

محمد فاروق الإمام

في كانون الأول من عام 1965م وجه منيف الرزاز الأمين العام لحزب البعث ثلاث تحديات إلى

اللجنة العسكرية:

1-حل القيادة القطرية التي كانت تسيطر عليها اللجنة العسكرية.

2-تشكيل حكومة جديدة برئاسة صلاح الدين البيطار.

3-نشر وتعميم قرارات القيادة القومية التي تحظر على الضباط التدخل في الشؤون السياسية أو ممارسة أي شكل من أشكال أمور السلطة السياسية والحزب.

ومزيداً في التحدي للجنة العسكرية درست القيادة القومية في دورتها الاستثنائية المنعقدة من 8 إلى 20 كانون الأول 1965م.. وضع الجيش الذي تسيطر عليه اللجنة العسكرية على الصعيد الحزبي وانعكاساته على الوضع العام. وقد اتخذت أهم القرارات التالية:

1-تعيين مكتب عسكري من مدنيين وعسكريين تابع للقيادة الحزبية.

2-فصل المكتب العسكري عن لجنة الضباط.. وحصر عمله في التنظيم الحزبي.

3-تعيين موجهين سياسيين لكافة قطعات ووحدات الجيش.

4-تتولى لجنة الضباط المسؤوليات العسكرية.. ويحق للقيادة القومية في كل الأحوال نقض أي قرار تصدره لجنة الضباط.

5-تعتبر القيادة الحزبية السلطة العليا المقصودة في النظام العسكري الداخلي.

6-لا يمكن الجمع بين المهنة العسكرية المناصب الحكومية - يستثنى من ذلك وزير الدفاع - وكذلك بين الوظيفة العسكرية والمسؤولية الحزبية على مستوى القيادة القطرية.

7-تشكيل قيادة موسعة تشرف على شؤون الحزب والحكم والجيش في القطر.. على أن تضم هذه القيادة جميع أعضاء القيادة القومية.. يضاف إليهم عدد من الرفاق من القطر السوري شرط أن لا يزيد عددهم عن عدد أعضاء القيادة القومية. وهذا يعني حل القيادة القطرية الحالية.

8-تستمر القيادة القومية في ممارسة كافة السلطات العسكرية والمدنية والحزبية حتى يتم تشكيل القيادة الحزبية (حزب البعث العربي الاشتراكي).

حلت القيادة القومية في الحادي والعشرين من كانون الأول 1965م.. القيادة القطرية السورية.. وعينت قيادة جديدة أطلقت عليها اسم (القيادة الحزبية العليا).

وكمحصلة للخلافات والتناقضات والصراع بين الحزب واللجنة العسكرية وتسارع الأحداث تحملت القيادة القطرية (التي تسيطر عليها اللجنة العسكرية) في 23 شباط 1966م.. مسؤولية انقلاب عسكري حمل إلى السلطة بقوة الدبابات - التي دخلت دمشق باسم (الثورة الشاملة) - نور الدين الأتاسي واللواء صلاح جديد.

وبعد نجاح حركتهم.. لاحقوا وسجنوا أو أصدروا أحكاماً بالإعدام غيابياً على كثير من أعضاء القيادة القومية ومؤيديهم.

تعميم حول قرار فصل بعض العناصر من القطر العراقي

بتاريخ 17 كانون الأول 1966م، أصدرت القيادة القومية تعميماً جاء فيه:

(لم يكن الصراع الذي عاشته القواعد الحزبية مع العقلية اليمينية والوصاية مقتصراً على المنظمة الحزبية في القطر السوري وإنما كان يشمل غالبية المنظمات الحزبية في الوطن العربي.. وإذا كانت حركة 23 شباط والمؤتمر القطري الاستثنائي بتاريخ 10/3/1966م، والمؤتمر القطري العادي الثالث قد حسمت هذا الصراع في منظمة القطر السوري.. فإن المؤتمر القومي التاسع قد أكد في قراراته الواضحة ضرورة وضع حد نهائي لتسلط أصحاب هذه العقلية على مستوى الحزب بأكمله.. وتحقيق الفرز العلمي لها وبترها وإلى البد من جسم الحزب.. هذا الموقف الذي تمليه وحدة الحزب القومية الفكرية والسياسية والتنظيمية.. والذي يضع حداً نهائياً لحالة الميوعة والانقسام داخل الجهاز الحزبي.. الذي جعل الحزب الواحد وكأنه مجموعة أحزاب.

كما أكد المؤتمر بأن بقاء تلك العناصر بما تحمله من تناقضات ورواسب عشائرية وتخلف فكري وتسلط على المنظمة سوف يعرّض الحزب إلى التخريب والتمزق.. الأمر الذي يعيق تطور الحزب ويفقده القدرة على تحقيق القضية التي يناضل من أجلها.

كما أكد المؤتمر بأن المعركة بأن المعركة التي خاضتها قواعد الحزب مع العقلية اليمينية خلال تاريخ طويل لن يكتب لها النصر بكامل أبعادها ما لم تستأصل ركائز تلك العقلية التي عشعشت طويلاً في جسم الحزب.

وانطلاقاً من مقررات المؤتمر القومي التاسع وترسيخاً لها في ضرورة تحقيق الفرز العلمي وبتر العناصر اليمينية والعشائرية الموالية لعفلق والبيطار.. وغير الملتزمة بقرارات الحزب.. فقد قررت القيادة القومية بجلستها رقم (13) المنعقدة بتاريخ 17/12/1966م، إعلان فصل العناصر التالية أسماؤهم من منظمة الحزب في العراق:

(أحمد حسن البكر التكريتي، وصالح مهدي عماش، وصدام حسين التكريتي، ويحياوي التكريتي، وعبد الخالق السامرائي، وكريم الشيخلي، ومرتضى الحديثي).

القيادة القومية

استقالة صلاح الدين البيطار من حزب البعث العربي الاشتراكي

نشر الأستاذ صلاح الدين البيطار بعد 23 شباط 1966م - بعد هربه من سورية ولجوئه إلى لبنان - بياناً أعلن فيه انسحابه من حزب البعث العربي الاشتراكي.. نشرته جريدة (الجريدة) البيروتية يوم 10 تشرين الثاني 1967م جاء فيه:

(ليسوا قلة أولئك الذين يعرفون أني ابتعدت منذ مدة غير قصيرة عن حزب البعث العربي الاشتراكي.. وعن جميع قياداته ومؤسساته.. ولاسيما بعد الثامن من آذار.. ففي أيلول من ذلك العام؛ وعند انعقاد مؤتمر الحزب السادس.. أدركت أبعاد الخطة ضد الحزب.. ضد حقيقته وأصالة تاريخه.. وضد بنيته الداخلية وتنظيمه القومي.. وضد قادته الذين يمثلون قيمه.. تلك الخطة التي اتخذت من رغبة عامة في تجديد الحزب سبيلاً لإقامة حزب جديد. لقد كنت أول من حذر إلى حتمية سقوط الحزب في متاهات الفكر والسياسة والتنظيم.. ولكن تحذيري لا يعني تبرئة نفسي من حملي نصيبي من المسؤولية).

(لقد عدت إلى رئاسة الحكومة مرتين فيما بعد.. وقد كانت المحاولة الأولى عقب حوادث حماة ودمشق (قصف جامع السلطان في حماة ودخول الدبابات حرم الجامع الأموي في أيار عام 1964) ولم تدم أكثر من أربعة أشهر عندما طوح بالحكومة التي كنت أرأسها. وكانت المحاولة الثانية في أواخر كانون الأول عام 1965م بعد حل اللجنة العسكرية.. وعقب حل القيادة القطرية.. ويومئذ توليت رئاسة الحكومة وأعلنت في بيان أذعته على الشعب ضرورة انكفاء الجيش عن المواقع السياسية.. وضرورة عودته إلى عسكريته.. وضرورة عودة الحزب إلى الشعب وإلى حقيقته القومية الجماهيرية.. غير أن الانقلاب الذي وقع في 23 شباط 1966م قضى على هذه المحاولة).

(وبعد تحليل موضوعي للأحداث التي أعقبت نكسة الثالث والعشرين من شباط ونكبة الخامس من حزيران رأيت الواجب القومي يفرض علي أن أعلن استقلالي عن حزب البعث العربي الاشتراكي بجميع منظماته وقياداته على مختلف أشكالها وألوانها).

(إن النكبة القومية (نكبة هزيمة حزيران) لم تكشف عن عجز حزب البعث وحده.. فالأحزاب والمنظمات العقائدية الأخرى لم تكن أحسن خطاً).

محاولة انقلاب 8 أيلول 1966م

قام بهذه المحاولة مجموعة من الضباط البعثيين يتزعمهم الضابطان (سليم حاطوم - عضو اللجنة العسكرية التي خططت ونفذت انقلاب 8 آذار 1963م - وطلال أبو عسلي).

وقد أخفقت هذه المحاولة وتم إبعاد فئة كبيرة من الضباط البعثيين الذين يدينون بالولاء لهذين الضابطين.

يتبع

**********************

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 11)

وانتهت اللعبة.. ولكن كيف كانت النهاية ؟

محمد فاروق الإمام

لقد كان الفضل في اكتشاف هذا الجاسوس – حسب بعض الروايات - يعود إلى السفارة الهندية. فقد دأب عاملو اللاسلكي في السفارة على الشكوى للسلطات السورية من بعض التشويش الذي يعاني منه بثّهم للهند. وحاولت السلطات السورية العثور على مصدر الاضطرابات ولكنها لم تكن تملك الأجهزة المتطورة الكافية.

وفي صباح يوم اعتقاله.. حدث انقطاع في التيار الكهربائي واستعمل إيلي البطاريات للقيام بالبث.. ولم يكن لديه أية فكرة عن انقطاع الإمدادات الكهربائية مجدداً. لقد كان تحديد موقعه سهلاً وميسوراً.. فجهاز إرساله هو جهاز الراديو الوحيد الذي واصل البث هناك.

وحين تعرف رجال اللاسلكي الهندي على مكان البث وهو منزل إيلي كوهين.. أشاروا على رجال الاستخبارات السورية بفحص سطح المنزل.. وعندئذ عثروا على هوائي جهاز إرسال الراديو الذي كان يؤدي إلى شقة إيلي كوهين مباشرة.

وفي صباح يوم 24 كانون الثاني 1965م أمر كوهين ببث الرسالة التالية:

إلى رئيس وزراء إسرائيل ورئيس جهاز الاستخبارات في تل أبيب.. كامل ورفاقه ضيوفنا في دمشق وسنخبركم عن مصيرهم قريباً. التوقيع الاستخبارات السورية.

وقبل أن تتبين أجهزة المخابرات السورية الشخصية الحقيقية لكامل أمين ثابت مثل أمام الرئيس أمين الحافظ حيث نظر الاثنان إلى بعضهما في صمت.. وكان الجاسوس أول من تكلم منهما حيث قال: (أنا إيلي كوهين من تل أبيب)..!

هناك رواية أؤكدها أنا: (فقد زار كوهين الجبهة السورية عدة مرات، ومن بينها زيارة له برفقة عدد كبير من الضباط يتقدمهم الرئيس أمين الحافظ، وكان بصحبتهم الفريق علي علي عامر قائد الجيوش العربية إلى النقطة التي كنت أؤدي خدمة العلم فيها - كما نوهت سابقاً - وأذكر أنني كنت في دشمتي بهيئة قتالية وراء مدفع (م/ط)، وكان يقف خلفي مباشرة على حافة الدشمة العقيد صلاح جديد وبجانبه رجل يرتدي الثياب الخضراء التي اعتاد القياديون البعثيون على ارتدائها، وكان يتهامسان، ولقربهما مني، سمعت الشخص المرتدي للثياب الخضراء يقول لصلاح جديد، مشيراً بيده إلى المستعمرات الإسرائيلية، عمروا وابنوا وأنشئوا فكل هذه المستعمرات ستكون لنا، وعرفت فيما بعد أن هذا الشخص هو نفس إيلي كوهين.. عندما أنزلنا الحراس من المهجع العلوي في سجن المزة، وكنت معتقلاً في حينها، لنشاهد كوهين وقد لُف بثياب بيضاء مقتاداً إلى المشنقة، موجهين إلينا السباب والشتائم قائلين: إن مصيركم كمصير هذا الخائن يا عملاء.

وقد أخذت العديد من الصور لهؤلاء الزوار، ومن بينها صورة لكوهين بجانب علي علي عامر، حيث تعرّف عليه رجال المخابرات في مصر، وقاموا بإخبار الحكومة السورية بحقيقة كامل أمين ثابت وأنه إيلي كوهين).

وأدى اعتقال إيلي كوهين إلى القبض على حوالي (500) رجل وامرأة في سورية في تلك الفترة.. وكان منهم سكرتيرات في الحكومة ومضيفات طيران ونساء أخريات ممن شاركن في حفلات المجون التي كانت تقام في شقة إيلي.. وكان من بين من زج في السجن معز زهر الدين وجورج سيف وماجد شيخ الأرض، (التقيت بماجد شيخ الأرض في سجن القلعة بدمشق بعد نقلنا من سجن المزة إليه وهو يقيم في غرفة خمس نجوم ويقوم على خدمته عدد من السجناء، وتضم غرفته أرقى أنواع الأساس والكماليات من تلفزيون وبراد وهاتف).

وشكلت محكمة استثنائية يرأسها صديق كوهين المقرب العقيد (صلاح الضلي) الذي أسرع في الحكم على كوهين بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى، وتم تنفيذ الحكم فور صدوره.. في حين كان صديقه الآخر العقيد (سليم حاطوم) عضواً فيها.

ولم يكن تشكيل هذه المحكمة مصادفة بل مخطط لها كون رئيسها وبعض أعضائها ممن شاركوا في العلاقات المشبوهة مع كوهين.. ومن تحصيل الحاصل فإن ذلك سينعكس بشكل أو آخر على الرئيس أمين الحافظ.. ولم يكن من الممكن التساهل في الحكم مع رجل استطاع أن يحصل منهما على معلومات بالغة السرية والأهمية.

وقد جرت المحاكمة وراء الأبواب المغلقة وعرضت قطع مختارة منها على شاشة التلفزيون. وتصور الكثيرون أن هناك صفقة بين كوهين وهيئة المحكمة عندما أنكر إيلي أنه يعرف كلاً من الضلي أو حاطوم.

وفي 8 أيار عام 1965م أعلن عن صدور حكم الإعدام بحق إيلي كوهين وسيتم التنفيذ شنقاً حتى الموت.. أما شركاؤه من أمثال: ماجد شيخ الأرض فقد حكم على كل منهم بالسجن مدة خمس سنوات مع الأشغال الشاقة.

وقد هرع الناس من جميع أنحاء دمشق لمشاهدة إعدام الجاسوس بعد أن نبههم راديو دمشق في الساعات القليلة السابقة إلى ذلك.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com