العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14/7/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الدرس المصري في الثورة السورية

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 12/7/2013

ما يحدث في مصر الآن هو درس مهم ينبغي أن يفيد منه السوريون، فالتكوينات الاجتماعية متشابهة، و«إخوان» مصر أقران «إخوان» سوريا، ومدرستهم الفكرية واحدة، وكذلك العلمانيون يستقون من ينبوع فلسفي واحد، وهدف الوصول إلى الحكم لدى الجميع يتخذ ذات المسالك، وسيكتب التاريخ ساخراً من أولئك الذين كانوا يقولون «مصر غير ليبيا، وليبيا غير تونس، وسوريا غير مصر، فكلمة «غير» هذه تجاهلت أن الظروف العامة والمؤثرات الفكرية والسياسية في هذه البلدان متشابهة إن لم نقل متطابقة. وأذكر حين قامت ثورة يناير في مصر أن أحد السطحيين من المسؤولين السوريين قال: «إن ما يحدث في مصر شأن مصري خالص»، فكتبت أرد عليه في هذه الصفحة يومها، بل «هو شأن سوري بامتياز»، فقد علمنا التاريخ أن سوريا ومصر مرآتان تتماهيان، وحسبنا منه ما يعود إلى نحو ألف عام، فحين تسلم الحكم في مصر صلاح الدين الأيوبي سرعان ما حكم سوريا، وحين أرسى الظاهر بيبرس قواعد حكمه في مصر قفز ليحكم سوريا، وحين تولى مصر محمد علي باشا أرسل ابنه إبراهيم ليضم سوريا، وحتى حين حكمت ثورة ضباط يوليو مصر عام 1952 سرعان ما انضمت إليها سوريا عام 1958. وعلى الصعيد الفكري والثقافي تجد التفاعل والتماهي بين الثقافتين، وحتى الحركات السياسية هي ذاتها من «الإخوان المسلمين» والشيوعيين، ولئن تفرد السوريون عن المصريين بحزب «البعث»، والقومي السوري فإن التيار الناصري كان ذاته في البلدين. وتجربة «الإخوان» التي فشلت في مصر جديرة بأن يدرسها السوريون، بل إن تدرسها كل الحركات الإسلامية السياسية.

ومهما يكن الموقف اليوم مختلفاً بين الناس من أحداث مصر الراهنة بين مؤيد لشرعية الصندوق، وبين محتكم إلى أغلبية الشارع، فإن ثمة حقائق تجاهلها «الإخوان» ومن أبرزها نكثهم بما وعدوا به الناس يوم قامت الثورة من أنهم لن يقتربوا من سدة الحكم، وكان أقوى لهم لو أنهم اكتفوا بدخول البرلمان وتركوا سواهم يختبر عمق المياه قبل خوضها. وأما الخطأ الأشد فهو أنهم رأوا أن نصف المجتمع المصري قد انتخبهم، وتناسوا أن نصفه الآخر لم ينتخبهم، وكان أولى أن يتدارسوا وسائل وآليات تضمن لهم مهادنة من رفضهم، بدل أن يعززوا ولاء من والاهم. وكانت غلطة «الإخوان» كذلك أنهم لم يطرحوا على أنفسهم سؤالاً مهماً هو «لماذا يكرهوننا؟»، وهم يرون ملايين المصريين يعبرون عن ضيق شديد وصل حد الكراهية المطلقة لحضور «الإخوان» في سدة الحكم. وكان خطأً فادحاً أن يعتبروا ذلك مجرد تحريض من خصومهم السياسيين. فالنقلة التي أرادوا إحداثها في حياة الناس أوقعت صدمة ثقافية وحضارية لم يهضمها الجسد المصري كله، وكنت أعجب من اشتهائهم للحلول في كل مفاصل الحياة السياسية. وكانت تظاهرات المثقفين المصريين على باب وزارة الثقافة تكفي وحدها لتحقيق استجابة واعية تقدر نتائج التجاهل والعناد. وأرجو ألا يعتبر الإخوة المصريون حديثي تدخلاً في شؤونهم «على رغم إيماني بأننا في الهم عرب ومسلمون وجسد واحد»، ولكن ما يعنيني هو الحاجة الماسة إلى قراءة التجربة «الإخوانية» المصرية من قبل الماضين على ذات الطريق السياسي الديني في سوريا.

صحيح أن حركة «الإخوان» السورية لا تملك رصيداً شعبياً في سوريا، وقد تراجع تأثيرها بعد أحداث الثمانينيات، ولكن التيار الإسلامي له حضور ولاسيما في بنية الثورة الراهنة، وكان اضطراب خطاب هذا التيار قد ترك آثاراً سلبية على مسار الأحداث منذ أن ظهرت الجبهات المتشددة والمتطرفة ومعها تلك المصنوعة التي ترتدي قناع الإسلام، لتجعل المشهد مريباً في نظر أصدقاء سوريا الذين باتوا يترددون في دعم الثورة. بل إن بعض التصرفات جعلت كثيراً من الناس -وأنا منهم- يتوقفون متسائلين عن صورة المستقبل، ولاسيما بعد أن سارع بعضهم لتطبيق الشريعة على هواه في بعض القرى والأحياء، وبدأ يصدر أحكام الجلد بل أحكام الإعدام أيضاً.

لقد بدا ضرورياً أن تعترف حركات الإسلام السياسي بحاجتها إلى مراجعة فكرية تستعيد النظر في الأسس الفكرية، وسيكون خطأ كبيراً أن يفهم أحدهم أن رفض الناس لحكم «الإخوان» هو رفض للإسلام، فثمة هوة في الفهم يجب التقاطها، ولا أنكر أن بعض النخب ترفض الأديان كلها، وأن بعض العلمانيين يرون الدين للآخرة وحدها ولا يقبلون أن يدخل الحياة الدنيا إلا في المساجد والكنائس فقط، وهذا فهم مستمد من فلسفات غربية لم تنبت في بيئة عربية إسلامية. ومن الواضح أن الناس عامة يريدون الإسلام السمح المعتدل الذي يعيشونه في مجتمعاتهم، وهو يضمن حرية التعبير والتصرف والسلوك، ويشكل حصناً عقائدياً لا يستخف به أحد إلا فيما ندر، وهو قوة كامنة يخضع لها الحاكم ذاته عرفياً، ومهما اشتط بعض حكام المسلمين فإنهم يحرصون على تجنب معاداة الإسلام، وحتى نابليون حين حكم مصر اضطر إلى أن يتقرب للمسلمين ويحتفل بأعيادهم، بل إن من خلفه بعد «كليبر» سمى نفسه عبدالله جاك مينو تقرباً من المسلمين وأعلن إسلامه.

ويبدو أن غالبية المسلمين اليوم يريدون حكماً يحافظ على ثوابت الإسلام في التوجهات والمبادئ الاجتماعية العامة وفي الأحوال الشخصية، وفي الأخلاق والآداب، وفي الشعائر، ولكنهم لا يريدون أن يطبق عليهم أحد نظرية الحق الإلهي في الحكم، ويجعل نفسه مرشداً عاماً يمتلك صلاحيات الولي الفقيه، مما يتيح إنتاج استبداد ديني يحل محل الديكتاتوريات وتستبدل فيه عمامة بالقبعة العسكرية.

لقد وقعت المغالاة منذ أن ظهرت الأفكار التي تدعو إلى نظرية الحاكمية المطلقة، التي فهم أتباعها أن المرء لا يملك شيئاً من حريته الشخصية وعليه أن يسأل النصوص في كل فعل وتصرف، وأن يقبل الجواب حتى لو لم يقبله عقله، وظهرت أفكار تدعو إلى إقامة الدولة الدينية. ولا يتسع المجال هنا للخوض في هذه التفاصيل الغزيرة، ولكنني أفهم على صعيد شخصي أن الدولة في الإسلام مدنية، وأنها إدارة مختارة لشؤون الناس تحقق المقاصد والأهداف، وأن الدولة تضم المسلمين وغير المسلمين، ولكل شريعته التي يحترمها الآخرون ولا يفرضها على أحد، وأفهم أن الدولة عقد اجتماعي، وأن الدين واللغة (بوصفها ثقافة) أهم مكونات هوية الأمة، وأن العقد الاجتماعي هو مصدر قانون الحكم، وحين يجيء معبراً عن الأمة فلن يخالف هويتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قيادة البعث الجديدة: ‘ثقافة’ الجثة الهامدة

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 12/7/2013

مضى زمن طويل منذ أن كرّس بشار الأسد حديثاً صحافياً كاملاً، أو يكاد، لمناقشة أوضاع حزب البعث؛ الذي يظلّ ‘حاكم’ البلاد، رسمياً وشكلياً، رغم إلغاء المادة 8 من الدستور، التي كانت تقول إنه حزب ‘قائد للمجتمع والدولة’، و’يعمل على وضع الخطط والسياسات العامة’. والمناسبة الجديدة هي استيقاظ اللجنة المركزية للحزب، من سبات طويل يليق بأهل الكهف، وعقد اجتماع موسع شهد تبديل القيادة القطرية السابقة بالكامل؛ ما عدا، بالطبع، الرفيق الأمين القطري نفسه، بشار الأسد، الذي يظلّ فوق أيّ اعتبار يستدعي التغيير، أسوة برفاقه، أو على غرار بني البشر أجمعين!

طريف، مع ذلك، أنّ الأسد يقول التالي، في الحديث الصحافي إياه: هنالك ‘تقصير على مستوى المؤسسة ككل نتحمل مسئوليته جميعا’؛ وإنّ من مهام اللجنة المركزية للحزب ‘مراقبة عمل القيادة وتقييمها ومحاسبتها حسب الأنظمة الداخلية للحزب، أو من خلال اقتراح اللجنة المركزية بإقالة عضو أو أكثر من الأعضاء، أو إقالة القيادة كلها، كما حصل منذ أيام، فقامت اللجنة المركزية في الاجتماع الموسع باستبدال القيادة بشكل كامل’. فكيف حدث أنّ رأس هذه القيادة، الأمين القطري، ليس مسؤولاً أبداً عن أيّ خطأ أو تقصير، بدليل أنّ قيادته تبدّلت بالكامل، لأنها مخطئة مقصّرة، وظلّ هو قائداً خالداً معصوماً عن الخطأ والمحاسبة؛ بل جرى تنصيبه، سريعاً، على رأس القيادة القطرية الجديدة؟ وكيف يبرر الأسد ‘محاسبة’ لا تتجاوز التنحية عن الموقع الحزبي، فلا تذهب أبعد ولو خطوة واحدة، فتخبر ‘جماهير الحزب’، لكي لا نتحدّث عن ‘الشعب السوري’، بما ارتكبه ذلك المسؤول من أخطاء؟

طراز ساذج من الأسئلة، سوف يقول قائل، محقاً تماماً؛ إذْ كيف ينتظر المرء أيّ مستوى جدّي من المحاسبة يمكن أن يصدر عن نظام كهذا، يخوض منذ 28 شهراً حرباً شعواء قذرة، بكلّ صنوف الأسلحة والنيران، ضدّ البشر والحجر والزرع والضرع في سورية؟ وكيف، أيضاً، إذا كانت الإجابات تخصّ هذا الحزب بالذات، البعث، الذي تحوّل إلى جثة شبه هامدة، بعد أن اقتُطعت من جسمه تلك الشرائح التي تصلح للانقلاب إلى ميليشيا عسكرية فوق الشعب، طائفية التركيب في تسعة أعشار نماذجها، تقاتل الشعب السوري تحت إمرة ما تبقى من مؤسسات عسكرية ـ أمنية موالية للنظام، أو ضباط غزاة من كتائب ‘حزب الله’ اللبناني أو العراقي، و’الحرس الثوري’ الإيراني؟ وكيف، أخيراً، إذا كانت الفذلكة اللفظية، والتفلسف الأجوف، والتبرير الديماغوجي… هي العدّة التي اعتمدها الأسد، على جري عادته، في صياغة إجاباته؟

على سبيل المثال، يطرح محاوِره عبد اللطيف عمران، رئيس هيئة تحرير جريدة ‘البعث’ الرسمية التي نشرت الحديث، هذا السؤال الذي ينطوي على حقّ ولكنه يتوسل باطلاً: ‘إن الحزب تاريخياً هو حزب الفقراء والكادحين، وحزب الجماهير الشعبية، لكن في ظل الأزمة لاحظنا أن من تحرك ضد الحزب والدولة هم الفقراء والكادحون! ما رأيكم في ذلك؟’.

الأسد ينفي، اتكاءً على سببين: ‘أن الحرب لم تكن يوماً بين فقراء وأغنياء أو كادحين وأثرياء، وهي أيضاً ليست حرب قواعد شعبية على حزب حاكم، ولا على الدولة’. والسبب الثاني: ‘أن من يدافع عن الوطن الآن هم هذه الشريحة من الكادحين وأبناء العمال وأبناء الفلاحين.. جزء منهم في الجيش، والجزء الآخر يدافع عن مناطقه، خاصة في الأماكن التي تتطلب الوقوف إلى جانب قواتنا المسلحة’. فما هي هذه ‘الحرب’، إذاً؟ ‘الصراع الموجود الآن هو بين جاهل وواعٍ، بين وطني وعميل، بين متطرف ومعتدل’، يجيب الأسد!

مثال آخر، يخرج عن سياقات حزب البعث والمحاسبة والتقصير، ولكن لا يغادر منطقة حقّ يُراد منه الباطل، ولا يحيد عن هدف غسل الأسد من كل زلل أو خلل. يثير السائل فكرة ‘سقوط مشروع الإسلام السياسي’، التي طرحها الأسد بمناسبة انتفاضة الشعب المصري الأخيرة ضدّ جماعة الإخوان المسلمين وانقلاب العسكر على الرئيس المنتخب محمد مرسي، ويسأل: ‘كيف لنا أن نفهم أن أهم حلفائنا في المنطقة إيران وحزب الله… أليسوا أحزاباً دينية وإسلاماً سياسياً؟’ سؤال وجيه، إلا إذا طُرح على متفلسف مثل الأسد، إذْ أنّ إجابته سوف تسير هكذا: ‘المجموعة التي قصدناها، أي الإخوان المسلمين ومن على شاكلتهم، هي تلك التي تستغل الدين وتستخدمه كقناع وتحتكره لنفسها وتكفّر الآخرين، وهي التي تعتبر أنك عندما لا تقف معها سياسياً فأنت لا تقف مع الله شرعياً… وهذا لا ينطبق لا على إيران ولا على حزب الله، فهم لا يعاملون الناس انطلاقاً من البعد الديني والطائفي، وإنما انطلاقاً من الأبعاد الوطنية والسياسية، ولا يميزون بين الدول أو الجهات التي يتعاملون معها إلا وفقاً للمبادئ والمصالح السياسية والقضايا الاستراتيجية’!

مثال ثالث، وأخير، على هذا الاستغفال لعقول البشر، والسوريين منهم بصفة خاصة ناجمة عن مرارات نصف قرن من حكم حزب البعث، بينها 43 سنة لنظام ‘الحركة التصحيحة’ وآل الأسد وحدهم. يسأل عمران: ‘مما جاء في كلمتكم بالأمس، لوحظت نبرة نقد واضحة ومراجعة نقدية تفصيلية في بعض الجوانب… لماذا كانت نبرة النقد عالية بالاجتماع الموسع نوعاً ما؟’. الأمين القطري، المنزّه عن كلّ خطأ أو تقصير بالطبع، يجيب على ثلاثة مستويات: عامّ ومعياري، مفاده أنّ ‘النقد للمؤسسة أو للحكومة أو للدولة هو دعم لها جميعاً وخطوة لتطوير أدائها’؛ وعامّ وسيكولوجي وثقافي، يرحّل ‘المشكلة’ إلى واقع ‘أننا ربما كعرب وشرقيين لا نحب النقد، وننظر إليه على أنه نوع من الإهانة الشخصية، وهذا شيء خطير نراه في كل المستويات’؛ وثالث، محلي وذاتي وتوجيهي: ‘ثقافة النقد يجب أن تكون إحدى أساسيات عملنا الحزبي وغير الحزبي، والقضية ثقافة، كما قلت، لا علاقة لها لا بالأنظمة ولا بالقوانين… فلننظر فقط أن النقد هو للتطوير والدعم وتحسين الأداء، عندها لن نستغرب، أو يستغرب أحد كلامي بالاجتماع الموسع.

حسناً، فما الذي حال دون قيام الرفيق الأمين القطري نفسه، بهمسة نقد ذاتي واحدة، وحيدة يتيمة، يُستشفّ منها أنه من طينة بني البشر، وأنه لهذا خطّاء مثلهم، خاصة في الظروف العاصفة التي تعيشها سورية منذ سنتين ونيف؟ وهل يعقل أنه، وهو رأس النظام والأجهزة الأمنية والجيش الموالي والحزب الحاكم والميليشيات وقطعان الشبيحة… ليس مسؤولاً عن قطرة دم واحدة من 100 ألف قتيل سوري؟ وأية ‘ثقافة’، إذاً، هي تلك التي تمكّنه من إبصار أخطاء رفاقه في القيادة القطرية (بمَنْ فيهم فاروق الشرع، نائبه وآخر المخضرمين الباقين من رفاق أبيه)، وتمحيصها، وكشفها، والمحاسبة عليها… دون الوقوع على خطأ ذاتي واحد، لا يُعصم عنه إلا الآلهة؟ هذه، بدورها، طائفة مماثلة من الأسئلة الساذجة التي يجبها، على نحو قاطع وقطعي، ايّ عقل بسيط يغامر بمساجلة هذه الفذلكة الديماغوجية الفاضحة.

لا مهرب، مع ذلك، من استدعاء أسئلة أخرى، تطرح ذاتها من تلقاء السياقات القديمة والجديدة التي أثارتها في الماضي، وتثيرها اليوم أيضاً؛ مثل سؤال يقول: أين كانت ‘ثقافة’ البعثيين حين شهد العالم بأسره مهزلة انعقاد ما يُسمّى ‘مجلس الشعب’ السوري، على نحو كرنفالي أقرب إلى استعراض السيرك منه إلى أيّ اجتماع بشري، من أجل تعديل المادة 83 من الدستور لكي تلائم توريث بشار الأسد، بعد ساعات معدودات أعقبت وفاة أبيه؟ بل أين كان هؤلاء ‘الرفاق’ أنفسهم حين أصدر شيخهم الأعلى مرتبة آنذاك، عبد الحليم خدّام دون سواه، القانون رقم 9، المؤرخ في 11/6/2000، والقاضي بتعديل هذه المادة، ليصبح عمر رئاسة الجمهورية الدستوري مطابقاً لعمر الوريث آنذاك (34 سنة)؟ وأين كان ضباط ‘حماة الديار’، حين جرى ترفيع بشار الأسد من رتبة عقيد إلى رتبة فريق، دفعة واحدة؛ وتعيينه قائدًا عاماً للقوات المسلحة؟

كذلك، ضمن حزمة الأسئلة ذاتها: أين كان البعثيون في المؤتمر القطري التاسع الذي انعقد بعد أيام معدودات على ذلك الكرنفال، لا لكي يتخذ توصيات سرعان ما اتضح أنها جوفاء طنانة رنانة (كالنصّ، في الحياة السياسية، على ‘الحاجة إلى تطوير النهج الديمقراطي القائم بصورة تتعزز معها الجبهة الداخلية، وتتحقق مشاركة أوسع فعالية وجدية للجماهير، وتنشط الحياة الحزبية، وتضمن الحريات العامة التي كفلها الدستور والقانون بما في ذلك حرية الرأي والتعبير’؛ أو، في الجوانب الاقتصادية، مناقشة ‘الخلل القائم في البنية الاقتصادية، وحالة الركود والانكماش في الاقتصاد الوطني، وتأثير ذلك كله على مسيرة البناء والتقدم، وعلى مستوى معيشة المواطنين وتوفير احتياجاتهم، وتأمين متطلبات الدفاع الوطني’…!)؛ بل لكي يتخذ قرارين هما الأهمّ، كما يعترف الحزب ذاته في موقعه الرسمي: ‘اختيار الرفيق الدكتور بشار الأسد قائدا لمسيرة الحزب والشعب’، و’انتخاب الرفيق بشار الأسد أميناً قطرياً للحزب’؟

ومجدداً يتذكر المرء، ويذكّر بما لا يجوز طمسه في الذاكرة الجَمْعية: من مجازر حماة 1982 في سورية، إلى مجزرة حلبجة في العراق، وصولاً إلى الهمجية المطلقة في محاولات كسر الانتفاضة الشعبية الراهنة؛ ومن احتلال لبنان وحصار المخيمات الفلسطينية والتفرّج على الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، إلى احتلال الكويت، وصناعة واحدة من أغبى كوارث العرب في التاريخ الحديث؛ ثمة منطق صارم يربط البدايات بالمآلات، آيلاً بها إلى النهايات. الصفحة تُطوى في العراق دون أن تنطوي تماماً، وفي سورية تكفلت الجمهورية الوراثية بالإجهاز على آخر الأكاذيب حول حزب بدأ من استلهام فلسفة فيخته (ميتافيزيقا الأمّة الألمانية)، ونيتشه (فلسفة القوّة وشخصية البعثي السوبرمان)؛ قبل أن تمسخه أجهزة الاستبداد والفساد إلى كتلة انتهازية هلامية، مستكينة ومنقادة ومأمورة، فتصبح فِرَقه الحزبية، وشُعَبه وفروعه محض استطالات تابعة لإدارات الاستخبارات، وتنقلب قواعده إلى جموع ببغائية، تهتف: ‘منحبّك!’ و’شبيحة للأبد!’، و’الله! سورية! بشار وبسّ!’…

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تفاءلوا فالمبشرات كثيرة (في ثورتنا السوريّــة)

عابدة المؤيد العظم

إن أعظم مصيبة تنزل بنا، هي أن نستقل أنفسنا، ولا نعرف أقدارها ولا نتبين قوتها، وأقول هذا لمن تسلل اليأس إلى قلبه.

أيها الناس ...

انزلوا إلى سوريا وتزودوا من عزيمة الشباب ومن إصرارهم، وخذوا الفأل من المجاهدين العاملين في الداخل، وصلت إلى بعضهم يوم أمس فعلمت منهم -علم اليقين- بأن معنوياتهم عالية جدا، وأن المدنيين -إجمالا- بخير، وأن جيش النظام يزداد ضعفاً رغم الدعم الخارجي، وأن الثوار يدركون المؤمرات الخارجية وإنهم لها لبمرصاد.

 

وعلمت أن بعض المدن قد تسقط في هجمة شرسة، على أنها ستعود إلى سيطرة الجيش الحر بعد أيام أو أسابيع، لاضطرار الحكومة إلى سحب أفراد الجيش النظامي منها، وحدث هذا مراراً في عدة مدن سقطت ثم رجعت إلى سيطرة الثوار.

هذه خلاصة ماسمعته منهم ولولا خوفي عليهم من الأذية، ومن كشف خططهم (والحرب خدعة) لفصّلت لكم وبينت.

فما هي “المبشرات” في هذه الثورة المميزة؟

إن بعض “المبشرات” يعرفها كل الناس ويحسبونها هينة بسيطة وهي عظيمة وهائلة، وأُذَكِّركمُ ببعضها:

1-استمرار الثورة حتى اليوم رغم الضغوطات الداخلية من النظام وأعوانه والخارجية من محاور الشر.

2- تقدم وتمدد الجيش الحر على مساحات واسعة وحساسة من سوريا.

3- فشل النظام في استعادة السيطرة على البلاد والعباد (رغم استعانته بأفضل خبراء روسيا وإيران وحزب الله) ورغم الدعم والأسلحة النوعية التي يستعملها.

3- الوعي العام في الداخل والخارج وإدراكهم لخطورة المرحلة، والعمل الجاد على جميع الأصعدة: الإغاثية والطبية والتسليح…

4- صمود المدنيين رغم الآلام والجراح والقتل والتهجير (والباقون في الداخل يفوقون المهاجرين بكثير بالعدد والقوة).

5- كشف حقيقة الشيعة والعلويين لعامة الناس، ووقوف علماء المسلمين كلهم في صف واحد ضدهم.

أما المبشرات الأخرى التي سمعتها من المعتقلات ومن ثوار الداخل، فهي كثيرة ومؤثرة وأختصرها في نقاطها الأساسية:

1- “الكرامات”: مثل عبوات ناسفة تقع أمام الأهالي ولا تنفجر، وكأن يأتي الأمن لاعتقال شخص وهو في بيته ويفتح لهم الباب ويسألونه عن نفسه ولا يرونه أو لا يعرفونه! ويمضون يتركونه!؟ وكم اعتقلوا من أناس و أطلقوا سراحهم

وإن داريا” وحدها معجزة سوريا، فقد أرهقتهم وأقلقتهم وخوفتهم، وكلما أرسلوا لها باصاً من الشبيحة رجعوا في نفس اليوم جثثاً لا حراك فيها، حتى شاع بينهم أن داريا مسكونة! فباتوا يخافونها ويحسبون لها حساباً… ولعل الملائكة تحميها وعين الله ترعاها.

 

2- زوال الخوف من النفوس وإبداله بالشجاعة والعزم، ولقد رأيت من حماس الشباب وتصميمهم على المضي في الأمر ما أبكاني وأخجلني وذكرني بقول الرسول عليه السلام: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”

3- سمعت من مصادر موثوقة حرص الفصائل -كافة- على الاتحاد سواء العشائر أو الإغاثة أو الفصائل المسلحة، وقد بدأ ذلك فعلياً في حلب، ولقي تجاوباً كبيراً بين المنظمات والهيئات والمؤسسات (على اختلاف توجهاتها وأعمالها).

4- ورأيت أهل الداخل في عمل دؤوب يتنقلون بين المدن (خارج سوريا) لنقل الأخبار وتدبير الخطط ويعملون ليل نهار في نشاط يشمل كل حاجات الثورة، ويستوفي كل متطلبات المرحلة.

ومن أجمل ما قيل في الثورة “دعوها فإنها مأمورة”، فالثورة بدأت بمعجزة واستمرت بمعجزة وسوف تنتهي هكذا بإذن الله ورحمته.

وهل سمعتم مقولة “في الثورة السورية” تحسن الظن بالله أفضل من هذه؟

إذا قصرت بنا “ذنوبنا” عن النصر وأخرته إلى أجل بعيد، فإن “دعاء الثكالى واليتامى والمحرومين” سيرفع البلاء عنا في وقت قريب وسيحقق الله وعيده للظالمين ويمحق “النظام الحاكم” بكفره وفسقه وفجوره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أربعة ملايين سوري عاجزون عن إنتاج غذاء كافٍ أو شرائه

تقرير مشترك بين المنظمة وبرنامج الأغذية العالمي: إذا استمر الصراع ستتعرّض سوريا إلى وضعٍ بالغ الخطورة غذائياً خلال 2014

5 يوليو/تموز 2013، روما -- حذّر تقرير مشترك بين منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة"FAO" ، وبرنامج الأغذية العالمي "WFP" من التدهور الشديد في أمن سوريا الغذائي على مدى العام الماضي، مُنبِّهاً إلى أن الإنتاج الزراعي السوري سوف يتفاقم أكثر فأكثر على مدى الأشهر الاثني عشر القادمة في حالة استمرار الصراع الجاري.

وأورد التقرير المعدّ كحصيلة لبعثة تقييمٍ مشتركة للمحاصيل والأمن الغذائي أوفدها كِلا منظمة "فاو"  وبرنامج الأغذية العالمي خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران، أن "الإنتاج المحصولي والحيواني، وتوافُر الغذاء، وقدرة الحصول عليه تكبّدت جميعاً خسائر فادحة وعلى نحو متزايد في غضون السنة الماضية".

وذكر التقرير المشترك أن آفاق الأمن الغذائي خلال عام 2014 في سوريا قد تتفاقم أكثر مما هي الآن في حالة تواصُل النزاع الراهن، وكشف عن أن "العديد من العوامل المضادّة تراكمت آثارها على قطاعي الماشية والإنتاج المحصولي؛ وعلى افتراض أن الأزمة الراهنة لن تُحسَم بعد فلسوف يتعرّض الإنتاج الداخلي على مدى الأشهر الاثني عشر المقبلة إلى أضرار حادة".

 

فرص محدودة

وقالت وكالتا الأمم المتحدة المختصتان بالغذاء، أن "هناك فرصة محدودة فقط لضمان ألا تفقد الأسر المتضررة بالأزمة، مواردها الحيوية من الغذاء والدخل".

وتنبأت البعثة المشتركة بأن احتياجات استيراد القمح ستبلغ نحو 1.5 مليون طنّ لموسم 2013 / 2014 الجاري. وبإنتاجٍ من القمح يبلغ حالياً 2.4 مليون طنّ، تأتي الحصيلة أقل بنحو 40 بالمائة عن متوسط الحصاد السنوي الذي تجاوز 4 ملايين طنّ قبيل الأزمة، وبمقدار 15 بالمائة دون مستوى الحصاد المُقلَّص للفترة 2011 / 2012.

وذكر التقرير أن قطاع الإنتاج الحيواني أيضاً "إستُنفِد بفعل الصراع المستمر"، مضيفاً أن "إنتاج الدواجن من المقدَّر أنه تراجع بأكثر من 50 بالمائة مقارنة بعام 2011، بينما هبطت أعداد الماشية والخراف بحدة".

 

تكاليف باهظة

وطبقاً للتقرير المعدّ شراكةً بين منظـمة "فاو" وبرنامج الأغذية العالمي، يكمُن وراء انعدام أمن الغذاء الُأسري أسبابُ النزوح السكاني الهائل، وتعرقل الإنتاج الزراعي، والبطالة، والعقوبات الاقتصادية، وهبوط قيمة العملة الوطنية، وارتفاع أسعار الأغذية والوقود. وسجّل متوسط السعر الشهري لدقيق القمح أكثر من ضعفه خلال الفترة بين مايو/أيار 2011 ومايو/أيار 2013، في العديد من مناطق البلاد. ومع النقص الخطير في الخبز بجميع أنحاء سوريا، شرع برنامج الأغذية العالمي بتوزيع دقيق القمح بدءاً من إبريل/نيسان هذا العام.

ووقفت البعثة المشتركة بين المنظمتين على أن ما يعوِّق إنتاج الأغذية هو ارتفاع التكاليف، وانخفاض كميات المُدخَلات المتاحة، وتضرُّر الآليّات الزراعية ومرافق الخزن، وتهديدات العنف، ونزوح المُزارعين من أراضيهم. وحذّر التقرير من أن بعض المحاصيل يمكن أن تبور بلا أن يحصدها أحد.

وتكبّدت قنوات الري ومعامل ضرب القطن بين البُنى التحتيّة الأخرى، الأضرار أيضاً. وتعمل مطاحن دقيق القمح والمخابز بطاقة جزئية أو توقّفت عن العمل تماماً. كما فاقَم من الوضع بشدة العقوبات المفروضة على سوريا، مما أدّى إلى نقص المُدخلات الزراعية، ومواد حماية المحاصيل، ووقود الديزل، وقطع الغيار.

كما شوهد نزوحٌ جماعي بالغ الضخامة من سوريا، خلال الأشهر الثماني عشر الماضية، بما في ذلك نحو 1.6 مليون لاجئ مسجَّلين إلى الآن وثمة آخرون في انتظار تسجيلهم.

 

خطر الأمراض الحيوانية

وإذ يواجه القطاع البيطري صعوبات جمّة، ومع الشَح الخطير في لقاحات التطعيم الحيواني ثمة خطر جدّي من أن تنتقل الأمراض الحيوانية إلى البُلدان المجاورة.

وأوصت البعثة المشتركة بين المنظمتين الدوليتين بأن تجنّب مشكلة خطيرة في الصحة الحيوانية إقليمياً، إنما يتطلّب توفير لقاحات التحصين بسرعة وتوفير سلاسل الحفظ على البارد لتمكين توزيعها في حالة سليمة.

وتتضمّن التوصيات الأخرى إصلاح مرافق البُنى التحتية، وتوفير المدخلات والأدوات، وتقديم المشورة التقنية، وإتاحة الأراضي لزراعتها بالنسبة للنازحين الذين اضطروا إلى هجرة سكناهم.

ومنذ مطلع هذا العام قدّمت منظمة "فاو" دعماً لما يقرب من 70000 شخص، وتضمّنت المساعدات العلف الحيواني، ومجموعات الدواجن المتكاملة، والمجترّات الصغيرة، والبذور والأدوات. وفي حالة توافُر التمويل المنشود تعتزم المنظمة دعم 216000 شخص آخر بمساعدات مشابهة.

ومن خلال العمل مع المنظمات الشريكة في سوريا، نجح برنامج الأغذية العالمي في إغاثة 2.5 مليون شخص بمعونات غذائية في يونيو/حزيران، ويخطّط لإغاثة ثلاثة ملايين آخرين خلال يوليو/تموز. كما يمضي البرنامج بتصعيد الدعم اللوجستي وقدراته العملياتية لتغطية الاحتياجات الغذائية لأربعة ملايين نسمة بحلول شهر اكتوبر/تشرين الأوّل. وبالإضافة إلى ذلك، يقدّم البرنامج معونة غذائية إلى نحو مليون لاجئ سوري فرّوا إلى البُلدان المجاورة.

وكانت منظمة "فاو" قد وجهت نداءً عاجلاً لتعبئة مبلغ 41.7 مليون دولار لمساعدة 768000 شخص. وحتى الآن، لم تتلق سوى 3.3 مليون دولار، أو أقل من 10 بالمائة. وتمسّ الحاجة إلى هذه التمويلات لإتاحة البذور والأسمدة، والتجهيزات البيطرية، وتنفيذ برامج النقد مقابل العمل.

ويُعدّ دعم موسم الزَرع المقبل حاسماً على نحو خاص. والمتعيّن ضمان التمويل فعلياً بحلول شهر أغسطس/آب، لكي توضَع الأسمدة والبذور في أيدي المزارعين لتمكينهم من المباشَرة بالعمل في مطلع اكتوبر/تشرين الأوّل. وبدون مثل هذا الدعم، ستعجز أعداد كبيرة من المزارعين عن إنتاج القمح من الآن إلى أواسط عام 2015.

 

ويسعى برنامج الأغذية العالمي إلى تعبئة ما يتجاوز 27 مليون دولار بصفة أسبوعية، لتلبية الاحتياجات الغذائية للسكان المتضرّرين من جرّاء الصراع الجاري سواء داخل سوريا أو في البلدان المجاورة. وبموجب خطّة الاستجابة الإنسانية المُراجَعة لمساعدة سوريا "SHARP"، يحتاج برنامج الأغذية العالمي لتنفيذ عملياته داخل سوريا إلى ما مجموعه 490 مليون دولار حتى نهاية عام 2013. وبالنسبة للفترة يوليو/تموز - سبتمبر/أيلول، لا تغطي الموارد المتاحة إلى هذه اللحظة أكثر من 48 بالمائة من عمليات البرنامج المطلوبة في سوريا.

منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو

مدحت مقار
العلاقات الإعلامية (روما(
tel: (+39) 06 570 52627
midhat.makar@fao.org
Photo requests
 الصور- : (+39) 06 570 53082 / 53393 
or 
Photo-Library@fao.org
Video material/b-roll
 الفيديو - : (+39) 06 570 55980 
or 
Radio-and-TV@fao.org
Audio clips
 الملفات الصوتية - : (+39) 06 570 53223
RSS feed التبويب المبسط : FAO news releases
FAO's
 موقع أنباء المنظمة - : online newsroom
Follow FAO on
 مغرِّد "تويتر" - : Twitter
Additional tools أدوات أخرى

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية وآفاق حلها في ميزان المصالح الأمريكية

د. خالد المشعان

القدس العربي

الخميس 11-7-2013

لبرهة قصيرة، بدت دوائر القرار في الولايات المتحدة وأوروبا مقتنعة تماماً بأن تداعيات التدخل العسكري المباشر في سورية، باتت أقل مخاطرة من ترك الحبل على الغارب للنظام وحلفائه يعيثون فساداً ويعبثون بالتوازنات الدقيقة في المنطقة، حتى أصبح هناك شعور عام بأن الحرب على الأبواب، بعد أن أعلنت الإدارة الأمريكية عن إرسال شحنات من الأسلحة المتطورة إلى المعارضة السورية، مع الاحتفاظ بجزء كبير من قواتها المشاركة في مناورات الأسد المتأهب في الأردن. وذلك بعد تأكيد أجهزة الاستخبارات الغربية بأن النظام السوري استخدم غاز السارين ضد المدنيين، مما اعتبر اختراقاً للخط الاحمر الذي رسمه الرئيس أوباما، الموقف الذي أيدته بريطانيا وفرنسا وقيادة حلف الناتو. الموقف الغربي سرعان ما تغير، وعادت تصريحات المسؤولين الغربيين لتصب في اتجاه دعم الحل السياسي، مما زاد من حالة الغموض والتردد إزاء المسألة السورية. ويبدو أن هذا التردد يرتبط بالدرجة الأولى بسياسة الرئيس باراك أوباما الخارجية، التي خط مبادئها خلال حملاته الانتخابية، التي وعد من خلالها بعدم السير على خطى سلفه جورج بوش الابن. حالة التردد هذه أوحت لبعض القوى الدولية بأنّ عصر الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط قد ولى، تاركاً الساحة لقوى عالمية تقليدية، كروسيا الساعية للعودة بقوة إلى الساحة الدولية، أو لقوى إقليمية ناهضة، كإيران الباحثة عن دور إقليمي تعتقد أنها وجدته في شرق أوسط منهك تتنازعه الحروب والأزمات.

لقد بدت سياسات باراك أوباما، الرئيس الأمريكي الثاني في القرن الواحد والعشرين، قرن الحرب على الإرهاب والديمقراطية المحمولة على ظهور الدبابات، مترددة ومبهمة وعاجزة تماماً عن بلورة مواقف واضحة تجاه ما يحدث في الشرق الأوسط، إن كان ذلك لتحريك قضايا تاريخية كالقضية الفلسطينية، التي لا يزال شعبها يعاني من عنجهية الكيان الصهيوني المستمر في اعتداءاته على القدس وفي بناء المستوطنات على حساب الأراضي الفلسطينية، أم لحل قضايا أحدث، كالقضية السورية، التي تجاوز عدد ضحاياها، خلال اكثر من عامين المئة الف شهيد، حسب الأرقام الرسمية، كي لا يذهب المرء إلى أرقام المعارضة السورية التي تتحدث عن أضعاف هذا الرقم، ناهيك عن النازحين والمهجرين واللاجئين لدول الجوار. ويبدو أن حالة التردد المهيمنة على مراكز القرار الأمريكية لم تمس دوائر التخطيط الاستراتيجي وحسب، بل انها طالت أيضاً النخبة السياسية الأمريكية، التي تبدو هي الأخرى منقسمة حول الدور الذي يمكن أن تلعبه القوة الأعظم في العالم، إن لم يكن لوقف حمامات الدم ومنع انفجار المنطقة، فعلى الأقل للمحافظة على دور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى.

إشكالية التدخل الخارجي تلك، ورسم صورة الولايات المتحدة كقطب أعظم وحيد في العالم، كانت المحور الرئيس لكتاب جوزيف ناي، استاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد وصاحب نظرية القوة الناعمة، الصادر عن منشورات جامعة برنستون الأمريكية تحت عنوان ”القيادة الرئاسية وخلق العصر الأمريكي’. نـــاي المسكون دائماً بهاجس إشكالية القيادة الأمريكية لعالم ما بعد الحرب الباردة، لا يعارض، من حيث المبدأ، التدخلات الأمريكية والغربية في النزاعات العالمية، بل يراها واجبا أخلاقيا على العالم المتحضر لإحلال السلام والإزدهار، وهما الركنان الأساس في الاقتصاد المعولم، وأنما يرى هذا التدخل واجبا، ولكن بآليات ليس لها أن تكون بالضرورة عسكرية. فالوسائل الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية، يمكن لها أن تكون البدائل الفعالة المتاحة أمام الدول الباحثة عن نفوذ عالمي بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الأخلاقي لأي تدخل، وذلك بإخضاعه لسلسلة من المحاذير؛ كعدم الانفراد بقرار التدخل أو تجاهل مصالح الآخرين أو تخريب البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، مما قد يعني فشلاً أخلاقياً لهذا التدخل، بل على العكس، قد يأتي التدخل بدون الاعتبارات الأخلاقية تلك بنتائج كارثية. على ضوء سلسلة المحاذير تلك، يحلل نــاي في كتابه المذكور، عمل ثمانية من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، الذين أرادوا بناء نظام عالمي يكون فيه للولايات الأمريكية موقع القيادة، إن كان ذلك من خلال نـظرة مثالية لموقع الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية، أم من خلال نـظرة واقعية. ويخلص الكاتب إلى أن أيّاً من الرؤساء الأمريكييـن الثمانية موضوع المقارنة، لم يحقق ما يطمح إليه بشكل كامل، بل أن نتائج سياساتهم تلك، سلبية كانت أم إيجابية، لم تظهر إلا بعد انقضاء فترات طويلة من الزمن. ولكن ناي بكل الأحوال يعتبر أن جميع الرؤساء الأمريكييـن موضوع التحليل، سواء كانوا من المثاليين أو الواقعييـن، يتفقون على الإيمان العميق بالدور الريادي للولايات المتحدة الأمريكية. وقد ساهموا جميعهم، بشكل أو بأخر، بتكريس هذا التفوق وبترسيخ صورة الولايات المتحدة الأمريكية كقطب عالمي.

في سياق حالة التردد والانقسام الأمريكي حيال المسألة السورية، نشرت مجلة ‘التايم’ الأمريكية في شهر أيار/مايو الماضي أيضاً مقالين متناقضين في مقاربتهما للمسألة السورية. المقـال الأول تحت عنوان ‘سورية: التدخل لن يؤدي إلا للأسوأ’ لزبغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، الذي يرى في مقالته تلك، أن الحل الوحيد للخروج من الأزمة السورية هو: إقناع كل من روسيا والصيـن بدعم عملية انتخابية واسعة ترعاها الأمم المتحدة، التي يمكن من خلالها، مع قليل من حسن الحظ، إقناع الأسـد بعدم المشاركة. المقال الثاني كان لجون ماكين، تحت عنوان ‘سورية: التدخل في مصلحتنا’، الذي يؤكد فيه أن التكاليف البشرية والسياسية المترتبة على سياسة عدم التدخل الأمريكية في سورية، تفوق تلك المتأتية عن التدخل، مما يشكل تهديدا فعليا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، على رأس القائمة إسرائيل بالطبع، ثم الأردن ولبنان وتركيا.

يحذر بريجينسكي في مقاله المذكور، من أن تدخل الولايات المتحدة العسكري المباشر في سورية، سيقود حتماً لتعبئة المجموعات الجهادية ضد الولايات المتحدة، بما فيها تلك التي تحارب حالياً نظام الأسد، وهذا التدخل سيقود أيضاً إلى امتداد الحريق السوري إلى كل من لبنان والأردن والعراق، وبالضرورة، سينتهي إلى صراع مفتوح مع إيران، الحليف الأول للنظام السوري، أي بعبارة أدق، التدخل العسكري الأمريكي المباشر سيشعل المنطقة برمتها، مما سيعطي فرصة ثمينة لروسيا، الطامحة بطبيعة الحال، لاستعادة مكانتها كقوة عظمى، مستغلة بذلك ضعف الولايات المتحدة الأمريكية المتعبة والغارقة في مستنقعات الشرق الأوسط. ويؤكد بريجينسكي أيضاً أن على الولايات المتحدة، إذا كانت جادة حقاً بمشروع الإطاحة بنظام الأســد، فلا مناص لها من تجييش كامل قوتها، بما فيها إشراك الحلفاءالإقليميين، إسرائيل الغارقة في قلقها من المشروع النووي الإيراني، تركيا المشغولة بمسألتها الكردية بالدرجة الأولى، ثم الأردن الجار الأضعف لسورية بأزمته الاقتصادية المزمنة، ثم لبنان وبقية الحلفاء. أما التدخل الجزئي عن طريق قصف بعض مراكز النظام في دمشق، أو فرض مناطق حظر جوي، فإن ذلك لن يأتي بأية نتائج حقيقية حاسمة، لا للولايات المتحدة ولا لحلفائها، بل على النقيض، سيقوي ذلك من شوكة النظام ويزيد من التفاف القوى المناهضة للولايات المتحدة حوله، وسيضاعف بالتالي من معاناة الشعب السوري.

على النقيض من بريجينسكي، جون ماكين، يؤكد في مقاله المنشور في نفس العدد، أن جميع المحاذير التي عددها بريجنسكي، كانت قد تحققت عملياً بعدم تدخل الولايات المتحدة، وبالتالي فهو يدعوها إلى تدخل قوي ومباشر، إن كان ذلك عن طريق تسليح المعارضة، ملاقياً بذلك توصيات اللجنة المصغرة لمجلس الأمن القومي الأمريكي التي انعقدت العام الماضي والتي دعت أيضاً إلى تسليح المعارضة، أو بقيام الولايات المتحدة وحلفائها بضربات استباقية حاسمة لتدمير القواعد الجوية لنظام الأسد ومهاجمة بطاريات مدفعيته ومرابض صواريخه، مع السعي الجاد لإنشاء مناطق آمنة داخل سورية، ونشر بطاريات صواريخ باتريوت على الحدود لحماية الحلفاء الاقليميين. مسوغ آخر للتدخل الأمريكي المباشر يسوقه ماكيـن في مقاله، أخلاقي هذه المرة، مذكراً بالمسوغات التي دفعته للوقوف في صف التدخل الأمريكي في البوسنة في ظل رئاسة كلينتون، فهو يرى أن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالدفاع عن القيم الأمريكية بشكل خاص والقيم الغربية بشكل عام، وبالتالي فالدفاع عن القيم الأمريكية، في المحصلة، دفاع عن المصالح الأمريكية. وبالتالي، فإن لب المسألة المطروحة اليوم أمام الأمريكيـيـن، كما يراه ماكين، هو الدافع الأخلاقي الذي يحتم التدخل العسكري في سورية لوقف مجازر النظام ضد شعبه.

المقالان، على تناقضهما، يتفقان على أمر أساسي، وهو أن المحرك الحقيقي للسياسات الغربية في المنطقة بشكل عام، والأمريكية بشكل خاص، كان ولا يزال، المحافظة على المصالح الغربية والأمريكية، إن كان ذلك بدواعي أخلاقية أم لمصالح سياسية؛ على رأس تلك المصالح أمن الحلفاء، إسرائيل بالدرجـــة الأولى. محاذير بريجينسكي، يبدو أنها بالفعل جاءت متأخرة، كما لمح ماكـين. فالمجموعات الجهادية لم تتوقف يوماً عن مناهضة الولايات المتحدة، والحريق السوري امتد عملياً إلى كل من لبنان والعراق. أما روسيا وإيران، فلم تعدا تخفيان تدخلهما السافر في سورية، إن كان ذلك بشكل مباشر عبر الدعم العسكري واللوجستي للنظام، أم بتدخل حزب الله والميليشيات العراقية بحرب مفتوحة ضد الثورة السورية نيابةً عن إيران، بحجج واهية، كحماية المراقد الشيعية أو منع نظام ‘الممانعة والمقاومة’ من الانهيار.

الإشكالية الأولى، التي أغفلها بريجينسكي وماكـيـن في مناقشتهما للموقف الأمريكي من الثورة السورية لتبرير التردد وعدم وضوح الرؤية وهيمنة الحذر إزاء المسألة السورية، هي أن النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومنذ بدء الربيع العربي، لم يعد من المسلمات البديهية، كما أن مقاربة المسألة السورية من منظور وحيد، هو التدخل العسكري فقط، وإغماض العين عن بدائل وآليات دولية لإيقاف المجازرة القائمة ليل نهار في سورية، كمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو محكمة جرائم الحرب الدولية، ما هي إلا محاولة لترسيخ الدور الريادي للولايات المتحدة الأمريكية كفاعل وحيد على الساحة الدولية. الإشكالية الثانية في تلك المقاربة هي أن ارتباط السياسة الخارجية الأمريكية بعوامل السياسة الداخلية، لا يعفي بقية الدول الغربية من المسؤولية الأخلاقية لإيقاف حمام الدم السوري. فالموقف الأخلاقي المطلوب في ظل الظروف الدولية الراهنة، هو تفعيل الآليات والقوانين الدولية المتاحة، بعيداً عن المصالح الغربية الضيقة. القضية السورية من ألفها ليائها، هي انتفاضة شعب ثائر يطالب بالكرامة والحريـة، ومن أجلهما يتعرض لأبشع المجازر من قبل نظام جمع بين يديه كل مساوئ الأنظمة الدكتاتورية، فعاث في الأرض فساداً وخراباً أمام نظر العالم وتخاذله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله وسوريا!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 10/7/2013

إن من يستمع من مواطنات ومواطني سوريا إلى قادة حزب الله، وهم يبررون مواقفهم الخاطئة صار يشعر بالغضب والإهانة، خاصة أنهم يتحدثون عن سوريا ويتعاملون معها بطريقة لا تليق بجهة تدعي العقلانية والرصانة والمقاومة وتتحدث دوما عن الحرية والكرامة الإنسانية، لكنها لعيوب جسيمة في عقلانيتها تتجاهل أسباب المشكلة السورية وتركز على نتائجها: على ما أوصل العنف السلطوي السوريين إليه، مع العلم بأنه لم يكن هناك أي سلاح من أي نوع كان في يد الشعب طيلة الأشهر الستة الأولى من الحراك السلمي، باعتراف بشار الأسد نفسه، وأن السبب الحقيقي لكل ما جرى كمن في الطريقة التي اختارها النظام لمعالجة مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، لم تصلح يوما وفي أي مكان لمعالجة مشكلات كهذه: ألا وهي العنف الأعمى.

وكم أسفت لأن سماحة السيد حسن نصر الله لم يشعر في حديثه الأخير بأي حرج تجاه شعبي لبنان وسوريا، عندما قال: إنه لن يسمح بسقوط سوريا، أي نظام الأسد، وتعامى عن واقعة جلية هي أن القسم الأكبر من شعب بلادنا لا يريد نظامه ويضحي حتى الموت كي يتخلص منه. وعندما علل السيد موقفه باعتبارات لا يقبلها السوريون، وربط مصيره بمصير نظام أحمق ينتحر في كل مكان من وطنه وينحر شعبه، مع أن حزب الله ليس بحاجة لأن يضع نفسه في هذه المعادلة المميتة، أقله لكونه جهة مقبولة نسبيا من قسم لا بأس به من اللبنانيين، وغير مهددة من أحد داخل لبنان.

وكان الأستاذ محمد رعد قد استبق خطاب السيد بالقول: إن سوريا لن تهزم ما دام هناك مقاومة في لبنان وسوريا. بما أن السيد لم يتحدث عن بلادنا إلا بوصفها سوريا الأسد: أي الوطن والشعب الملحقين بشخص حافظ الأسد ثم بشخص ابنه بشار، فإن سوريا هذه، التي لا وجود لها إلا في خطاب حزب الله وسدنة التلفيق الرسمي في دمشق، ليست سوريا المطالبة بالحرية: سوريا الشعب والوطن والدولة، وهي لا تعدو أن تكون في خطاب الحزب أشبه بمزرعة يملكها مغامر استولى على السلطة بانقلاب عنيف وغير شرعي عام 1970. وحين توفاه الله أورثها عام 2000 لابنه، الذي لم يحصل على أي خبرات تؤهله لتولي الرئاسة، وكان من المحال أن يصل إليها لو لم يكن ابن صاحب المزرعة الأصلي، الذي عينه رئيسا قبل وفاته، كي يجنب السلطة صراعات كانت ستنشب على الأرجح بين الأطراف والمراكز الممسكة بأعنتها، فجيء به على أمل أن يوحد صفوفها، وها هو يقضي عليها بـ«خبراته» الواسعة والمتطورة في إدارة الأزمات، التي حولت مطالب شعبية قال هو نفسه عنها إنها مشروعة وسلمية إلى حرب ضروس شنها ضد شعبه بعد أول خطاب ألقاه، بينما كانت قطاعات واسعة من الناس تمحضه ثقتها بل وتهتف باسمه في شوارع درعا وتناشده تخليصها من الفساد والفاسدين، لكنه تبين أنه قرر تخليص سوريا من شعبها للحفاظ على سلطة هؤلاء، وها هو يخوض غمار حرب خاسرة هدفها الوحيد والمعلن إنقاذ كرسيه وبطانته الفاسدة، التي تضم أساسا أقاربه وشركاءهم من حملة نظامه وحماته.

يتحدث السيد ومحمد رعد عن النظام باعتباره سوريا، متجاهلا ما ارتكبه من مجازر ضدها. ويعد مع سماحة السيد أن لا تسمح «المقاومة» بهزيمته، في علامة إضافية على ما وصل إليه الأسد من ضعف يستدعي ليس فقط انخراط الحزب في الحرب دفاعا عنه، وإنما كذلك رفع معنوياته بالقوة والسلاح، بعد أن غدا دمية تحتاج إلى حماية إيران وحزبها، الذي يقوده أشخاص من طراز محمد رعد، أقل ما يقال فيهم إنهم يفتقرون إلى حس العدالة، رغم أنهم يتحدثون منذ نيف وأربعة عشر قرنا عن مظلومية الحسين ويبررون سياساتهم الحالية بها. لو كان هؤلاء عادلين حقا، لكانوا رأوا ما يجري في سوريا تحت أعينهم من استخدام إجرامي للسلاح الكيماوي والطائرات والدبابات والمدافع والصواريخ الباليستية وبراميل المتفجرات ضد مدنيين عزل تنتشل أشلاؤهم وجثامين أطفالهم من تحت الأنقاض، ولتوقفوا طويلا عن معنى إلقاء براميل متفجرة يوم الاثنين الفائت قرب سد الفرات، ولأرعبتهم الغارات على الآمنين، والفظاعات ضد الأطفال والنساء والشيوخ. لكن الحيط – كما يسميه الأستاذ وليد جنبلاط – يتوهم أن ما يقوله سيلقى القبول، لمجرد أنه يصدر عنه كممثل ينطق باسم حزب الله، ولو كان واقعيا لأدرك أن حزبه، الذي نذر نفسه منذ سبعة أعوام للحرب على اللبنانيين وينخرط اليوم في حرب ضد السوريين، فقد حظوته لدى الناس، وأن اسمه في الشارع السوري صار حزب الشيطان أو اللات، ورموزه صارت عرضة لإهانات وشتائم لا أرضاها لها، وأن السوري العادي يرى فيهم اليوم طواغيت وظلمة يشاركون في قتله دونما سبب، لا يتورع جندهم عن استخدام السكاكين في ذبح أطفاله ونسائه، مثلما حدث في جديدة الفضل، حيث قتل قرابة خمسمائة إنسان ذبح معظمهم من الوريد إلى الوريد، في عملية تبز أضعافا مضاعفة ما ارتكبه الصهاينة من مذابح في قبية وكفر قاسم ودير ياسين خلال حربهم ضد شعب فلسطين.

ليس في سوريا من يشعر اليوم بالاحترام حيال حزب الله، الذي كانت غالبية البشر تكنه له. إذا كان الحزب لا يحسب حسابا لشعب سوريا ولموقفه منه، فهذا معناه أنه دخل في مرحلة حدها أن يكون قاتلا أو مقتولا، تمثل أخطر ما يمكن لحزب أن يورط نفسه فيه، قبل أن يموت معنويا ويتلاشى ماديا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل خُذلت الثورة السورية؟

سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

الاربعاء 10/7/2013

كل المعطيات تظهر بأنه جرى خذلان الثورة السورية وأن الذين وعدوها بالحلق لم يحضروا ولم يحضروا شيئاً وأن ما رسموه لها من سوريا الغد (قمرة وربيع) لم ترد منه الا صور الدمار والحرائق وملايين المشردين واللاجئين ومئات آلاف الشهداء والجرحى وما زال الجرح ينزف وسوريا تذوي وتضعف ولا أحد يعبأ بها..

النظام يسترجع انفاسه ويحاول اعادة انتاج قوته من خلال تحالفاته القوية فإيران ظهره كما يقول وحزب الله أداة وذراع عسكري يقاتل معه وروسيا ظهير سياسي قوي في المحافل الدولية وفي الأمم المتحدة لمنع العقوبة بالفصل السابع عنه عن طريق إدمان الفيتو ولعب أوراق دولية والصين لم تغادر موقفها من جانبه في حين أن اعداء النظام السوري سواء الثورة التي لم تتوحد حتى الآن على أهداف محددة وبأدوات محددة وظل داخلها يختلف عن خارجها ورأسها يختلف عن جسدها وايضاً حلفاؤها من عرب وأجانب ليسوا بنفس حماس وسوية حلفاء أعدائها..

فالعرب في أنظمتهم المختلفة تخلوا عن الثورة السورية ولم يمكنوها عبر المحافل الدولية ولم ينتصروا لها بما يستوجب تطورات الوضع..

هناك تغيرات في قطر وقيادتها قد ينعكس في إعادة المراجعة لموقف قطر برمته من الصراع مع النظام السوري وهناك صمت عربي وتردد وضعف هو انعكاس للموقف الدولي الذي ظل الموقف العربي يسترشد به ويدور في فلكه فالبطء الأميركي بل العجز والاستنكاف والتردد في دعم المعارضة والتصدي للنظام هو السمة الغالبة وهذا انعكاس للرغبة الاسرائيلية التي لا ترى ضرورة لتغيير الأسد لأسباب عديدة تتفهمها أيضاً أنظمة عربية أخرى لها تصورات أو توقعات لما سيؤول اليه الوضع السوري اذا ما تغير النظام القائم..

إذن جرى توريط الشعب السوري الذي خرج على النظام ليبحث عن حريته وكرامته بعد طول استبداد واحتلال للأرض السورية وها هو الشعب السوري يقف وحيداً في مواجهة نظام يسكت عليه العالم مستعملاً لغة الضجيج كبديل لاسناد المقاومة..مما جعل النظام يعاود حشد مؤيديه وأنصاره وتخويفهم من الثورة التي عبر إلى صفوفها وإن بشكل محدد عناصر متطرفة جرى استخدامها لرسم صورة بشعة من خلال وقائع ارهابية قاسية وحوادث ومواقف جرى ارتكابها.

والسؤال هل يؤدي الخذلان العربي والتواطؤ الدولي إلى انكسار المقاومة وعدم قدرتها على الحسم؟ وهل يؤدي بالمقابل الى صعود النظام السوري مجدداً فوق الجثث والدمار واطالة أمد حكمه وبالتالي الوصول بالرئيس الأسد إلى عام 2014 ؟ وهل يستمر النظام في شراهته للحكم؟ هذه أسئلة بعضها واقعي وبعضها قد لا يجد البعض فيه واقعية فهل من المعقول أن يستمر نظام دموي في حكم شعبه بالحديد والنار؟ كل هذه الفترة والعالم يتفرج ولا يصنع شيئاً..

وهل فعلاً عجزت الولايات المتحدة عن ايجاد السبل لوقف القتل في سوريا؟ واكتفى كيري وزير الخارجية بتحديد مواعيد جديدة لمهماته التي عنوانها الهرب من الاستحقاق السوري حيث ما زال مؤتمر جنيف (2) لم يعقد وما زال التفكير الأولي في عقده في شهر أغسطس آب القادم.

النظام السوري يسترجع بعض المواقع التي خسرها في حلب وهو يحاصر الآن حمص وسط اعتراف دولي بفداحة هذا الحصار وخطورته وما ستحمله نتائجه من ازهاق للارواح وقتل وتدمير يذكر بمجازر حماة حين لم تكن آنذاك عام 1982 فضائيات تفضح ولا شرائع حقوق انسان تعقد..

سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر وأزمة الاسلاميين في الحكم وسوء سياساتهم سيخذل أيضاً الثورة السورية التي أشبعوها مدحاً ولم يقدموا لها الكثير..ويبرز السؤال هل يواصل السوريون ثورتهم بطريقة الكف التي تناطح المخرز؟ وهل يسقونها بالدماء بعد أن خذلهم العرب والعالم وصفق لهم في البداية ليدير لهم الظهر الآن وينتظر المزيد من الفواجع..

alhattabsultan@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة المصرية الثانية تكشف النظام السوري

خيرالله خيرالله

المستقبل

الاربعاء 10/7/2013

يستطيع النظام السوري متابعة قتل السوريين. ما لا يستطيع اخفاءه هو ضعفه وإفلاسه وتعلقه ببيع الاوهام ولا شيء غير الاوهام. يرفض النظام السوري الاعتراف بأنه انتهى وأن قتل مئتي ألف سوري وليس مئة ألف كما ورد في تقارير الامم المتحدة لن يقوده الى أي مكان. كلّ ما يمكن ان يقوده اليه يتمثّل في تكريس سوريا مستعمرة ايرانية القرار الاوّل والاخير فيها لطهران.

ما يعكس مدى ضعف النظام السوري وعيشه في الاوهام والاحلام رد فعله على اطاحة الشعب المصري، بدعم من المؤسسة العسكرية، الرئيس محمد مرسي بكل ما يمثله. أيّد النظام الشعب المصري في ثورته الثانية، من باب الشماتة في مرسي الذي اتخذ قبل فترة قصيرة موقفا حاسما وقطع كلّ العلاقات مع النظام السوري واغلق سفارته في القاهرة... وذلك من باب المزايدة لا أكثر.

سبق لمرسي أن اتخذ مواقف متذبذبة مما يجري في سوريا. فبعدما اعتمد في البداية موقفا سليما، اذا به يلعب ورقة التقرب من ايران داعيا الى مشاركتها في اجتماع رباعي يضمّها مع المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر من اجل البحث في الازمة السورية وايجاد مخرج.

بالطبع، رفضت السعودية المشاركة في مثل هذا الاجتماع. كان لها الحق في ذلك، نظرا الى أن ما تشهده سوريا هو بكل بساطة وصراحة حرب يشنّها النظام، بمشاركة ايرانية فعّالة على الشعب السوري. كيف يمكن لايران أن تكون طرفا في حلّ في حين أنها في أساس المشكلة، خصوصا أن مقاربتها للموضوع السوري مقاربة مذهبية وعنصرية في الوقت ذاته؟ تقوم المقاربة الايرانية أوّلا وأخيرا على دعم حكم طائفي تختصره عائلة حرمت السوريين من كلّ نوع من انواع الحرّية والكرامة.

استعاد الرئيس المصري الاخواني رشده في الوقت الضائع. استعاده في وقت لم تعد المزايدات تنفع في شيء. كشف مرسي الموقف الانتهازي للاخوان المسلمين الذين لا يمتلكون سياسة ثابتة من أي موضوع كان. فلو كان اخوان مصر صادقين فعلا في دعم الشعب السوري وثورته، لكانوا تفادوا منذ فترة لا بأس بها أي نوع من البهلوانيات.

على العكس من ذلك، كان على اخوان مصر أن يكونوا قدوة في دعم الشعب السوري بكلّ الطرق والوسائل الممكنة بدل التفكير في كيفية استخدام الموقف من سوريا للتقرب من ايران في لعبة لا هدف منها سوى ابتزاز هذه الدولة الخليجية أو تلك.

لا يشبه موقف النظام السوري من مرسي ومن الثورة المصرية الثانية، سوى موقف اخوان مصر مما يدور في سوريا. فلو كان النظام السوري صادقا بالفعل، لكان اوّل ما فعله هو التعلّم من الاحداث التي شهدتها مصر. وهذا يعني في طبيعة الحال امتلاك حدّ ادنى من الشجاعة للاعتراف بأنّ ما تشهده سوريا ثورة شعبية بكلّ معنى الكلمة وليس مواجهة مع "ارهابيين". فكلمة ارهاب لا تليق في وصف الشعب السوري الذي يقوم بثورة حقيقية هي انبل الثورات العربية. انّها ثورة لا علاقة لها سوى بالرغبة في استعادة بعض الكرامة والخروج من نير نظام فئوي قائم على اذلال الشعب واستعباده ونهب ثرواته عن طريق الاجهزة الامنية والتحالفات المذهبية، في مقدمها الحلف بين دمشق وطهران.

في كلّ الاحوال، انّ ما تشهده مصر حاليا درس لكلّ الانتهازيين الذين يسعون الى استغلال الربيع العربي، كلّ على طريقته.

كان النظام السوري يعتقد في البداية أنّه خارج دائرة الثورات الشعبية. من يتذكّر الحديث المشهور الذي ادلى به بشّار الاسد الى "وول ستريت جورنال" في بداية الربيع العربي؟

كان النظام السوري مقتنعا بأنّ الحلف غير المعلن القائم مع اسرائيل، والمبني على ابقاء جبهة الجولان مغلقة وفتح جبهة جنوب لبنان كي يكون الوطن الصغير مجرّد "ساحة"، اكثر من كاف للضحك على الشعب السوري. كان يعتقد أن الشعب السوري ساذج الى درجة يمكن أن يصدّق أن للنظام علاقة ما بشعارات مثل "المقاومة" و"الممانعة"... وأنّه يكفي أن يكون حليفا لميليشيا مذهبية اسمها "حزب الله" كي تنطلي اللعبة على الجميع، بما في ذلك المواطن السوري العادي، خصوصا الشاب السوري الذي يرفض أن يعيش كما عاش اهله منذ اكثر من اربعين عاما في ظلّ الخوف والقهر.

كانت المفاجأة الكبيرة أن النظام السوري لا يعرف شيئا عن شعبه ولا عن تطلعات الشباب فيه. الاخطر من ذلك أنه يرفض الاعتراف بالواقع. ألم يقل الاسد الابن للمبعوث العربي والدولي الاخضر الابراهيمي انه يدرك أن الشعب السوري لا يحبّ حزب البعث، لكنه مقتنع بأنه يحظى بشعبية واسعة في صفوفه؟ هل يمكن لمثل هذا الكلام أن يصدر عن رجل طبيعي يعرف شيئا عن سوريا وشعبها؟

ما شهدناه في مصر كشف الانتهازيين. كشف خصوصا النظام السوري الذي يظنّ أنه يستطيع في الوقت ذاته اعلان تأييده للشعب المصري الثائر وذبح الشعب السوري الساعي الى التخلص من الظلم.

نعم، كشفت الثورة المصرية الثانية كثيرين. لم تكشف النظام السوري والانتهازية الايرانية والروسية فحسب، بل كشفت أيضا "حماس" التي سيكون عليها، عاجلا أم آجلا، مراجعة حساباتها من منطلق سقوط الاخ الاكبر في القاهرة. لم يعد كافيا تخلّي احد الاجنحة الحمساوية عن الحلف القائم مع النظام السوري و"حزب الله" وايران كي يعثر اخوان فلسطين على طوق نجاة...

سيكون على "حماس" الاجابة قريبا عن اسئلة في غاية الخطورة تتعلّق بالدور الذي لعبته في دعم الاخوان في مصر وفي نشر الارهاب في سيناء. فما شهدته مصر بداية وليس نهاية. انها بداية فصل جديد من فصول الربيع العربي...الذي لم يتوقف ولن يتوقف عند حدودها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيّها العالم لم تنصفنا: هل صارت دماء السوريين خبرا عاديا!

عبد عرابي

القدس العربي

الثلاثاء 9/7/2013

يكاد من تبقى من السوريين يخرجون من ثيابهم حنقاً وغيظاً وهم يرون ما يحدث في مصر.. ليس لأنّ ما يحدث فيها يشغل العالم عن مأساة ثورتهم وقضيتهم فحسب، لأنّ العالم بالأصل لم يعطها حقّها من الاهتمام والتفاعل المناسبين واللازمين مقارنة بحجم التضحيات التي قدمها ويقدمها السوريون، وليس لأنّ تلفزيون النظام والمحطات التي تدور في فلكه من ميادين ومنار وغيرها خصصت جلّ وقتها، بل كله لمتابعة الحدث العظيم ومواكبته؟ وكأنه لا يحدث شيء في سوريّة، أو كأنّ ما يحدث هو أمر هامشي أو ثانوي مقارنة بما يحدث في مصر متجاهلة دماء العشرات الذين يقضون يومياً بنيران الطيران والمدفعية والسكود والدبابات.

بل إنّ المحطات الفضائية التي أعطت شأن الثورة السورية حيّزاً زمنياً مناسباً بحيث يستطيع المرء متابعة ما يجري من أحداث يومية جعلت أخبار ما يحصل في سوريّة الخبر الأخير لدرجة أنّنا بتنا ننتظر ساعة حتى نسمع بضعة أخبار يسيرة عمّا يجري من أحداث على الأرض، في الوقت الذي ما زال فيه طيران النظام يقصف المدن والبلدات الثائرة عليه، وينفّذ عملية اقتحام لمدينة حمص المحاصرة هي الأشرس والأعنف منذ بدء الثورة.

ما يشعل المرء غيظاً أنّ العالم بات ينظر إلى دماء السوريين التي تسفك يومياً ومنذ أكثر من ثلاثين شهراً على أنّها أمر عادي أو على أقل تقدير صار يغضّ الطرف عنها ويتجاهلها، بل يلاحظ خفوت في حدّة استنكاره وتنديده بالجرائم التي يرتكبها النظام يومياً من إعدامات ميدانية وقتل تحت التعذيب ومجازر طائفية و…

أيعقّل أيّها العالم أن رئيساً منتخباً عن طريق صناديق الاقتراع فاز بنسبة 51 يثور عليه نصف شعبه – الذي لم ينتخبه بالأصل- فلا يتركوه ليكمل مدة دورته الانتخابية المحددة بأربع سنوات حتى يتم تقييم أدائه وأداء فريقه السياسي، بل يحكم عليه بالفشل والإخفاق من مرور عام واحد، وأقسى ما في الأمر وأثقله أنّ تجد بعض شبيحة الإعلام يرجعون السبب المباشر لتطور الأحداث الأخيرة في مصر إلى زيادة تأييد الرئيس المصري للثورة السورية.

اعتصامات بمئات الألوف في الميادين والساحات بين مؤيد يطالب بدعم الشرعية المنتخبة والدفاع عنها ومعارض يرى انحرافاً عن أهداف الثورة وخروجاً عن خطّها التي قامت من أجله، وقوات الأمن تتابع وتقف على الحياد، والجيش يراقب تطور الأحداث ليتدخل في الوقت المناسب وحتى الآن لا حوادث خطيرة والضحايا لا تزيد عن عدد أصابع اليدين ( مع فداحة سفك الدم البشري وحرمته ). في يوم من الأيام تجرأ عشرات الألوف من أهالي حمص على القيام باعتصام سلمي في ساحة الساعة احتجاجاً على مجزرة قام بها جنود الأسد وشبيحته في حقّ المتظاهرين العزّل بلغ عدد ضحاياها عشرين شهيداً، لم يسمح لهذا الاعتصام أن يكمل ليلة واحدة وكانت الحصيلة ما يقارب من ثلاثمائة شهيد من الناشطين قتلوا بدم بارد أمام مرأى العالم ومسمعه ولا يعرف ذوهم إلى الآن أين صارت جثامينهم التي حملت بسيارات (الزبالة) .

أراد السوريون أن يقولوا كفى فقد طفح الكيل- أسوة بباقي خلق الله على وجه هذه البسيطة- فقد أعطوا هذا النظام نصف قرن من الفرص ليصلحوا ما أفسده ولم يزد إلا فساداً واستعباداً لهم، فماذا كانت النتيجة حصيلة الضحايا من السوريين من الرجال والنساء والأطفال في أدنى تقديراته يفوق المئة ألف ومئات الألوف من المعتقلين والمفقودين وأكثر من عشرة ملايين مشرد بين لاجئ ونازح وتدمير شبه كامل لكثير من المدن والقرى والبلدات و….والعالم إمّا صامت وإمّا متردد في اتخاذ إجراء يوقف فيه هذه المأساة التي سيبقى طويلاً يتجرّع عارها وخزيها من الأجيال القادمة وحلفاء النظام يزدادون استماتة في تقديم العون له و الدفاع عنه يأملون أن يصل الياس إلى قلوب السوريين ولكن هيهات هيهات.

نعم لا وقت للتحسّر ولا فائدة من التوجع ولا نجاعة من تقييم المواقف فنور الفجر لاح والشمس تكاد أن تشرق ولن يستطيع أحد حجب ضوئها مهما أوتي من قوة، ومهما بغى الظالم وطغى وتجبّر وتكبّر لابد من نهاية، إنّها سنة الله في هذا الكون، والحرية قادمة… فأمّا الزبد فيذهب جفاء وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون والمشهد المصري!

الشرق الاوسط

اكرم البني

الاثنين 8/7/2013

رغم فرادة عذاباتهم وشدة معاناتهم، أطلق المشهد المصري الضاج بالمظاهرات والمتغيرات السياسية حزمة من التداعيات والمواقف بين السوريين، بعضها ظهر جليا وبعضها لا يزال موضع تشوش وغموض.

بداية، ثمة ما يشبه الإجماع لدى السوريين على اختلاف اصطفافاتهم بأن ما يحصل في مصر هو قضيتهم وتعنيهم بقدر ما تعني المصريين، ربما بسبب العلاقة التاريخية الخاصة بين الشعبين، وربما لشيوع إحساس بأن نتائج ما يحدث هناك سوف تنعكس بشدة على أحوالهم وعلى الصراع المستعر في بلدهم، وربما لأن الشعب المصري سارع لاستقبال مئات آلاف اللاجئين السوريين، من دون تذمر أو منة، بخلاف أحوالهم في بلدان الجوار.

ومع التعمق في اختبار الأفكار والنفوس، تظهر الاختلافات في المواقف والمشاعر، فثمة من سارع لمجاراة الإعلام الرسمي والترويج لما حدث في مصر كأنه نصر للنظام وهزيمة للإخوان المسلمين عموما ولإخوان سوريا الذين يحوزون وزنا لافتا في المعارضة، وتاليا هزيمة للشعارات الدينية وللصورة النمطية ذات الطابع الإسلامي التي بدأت تسم الثورة السورية! وثمة من يأسره التحزب السياسي والديني ويميل بمشاعره للتضامن مع السلطة المصرية أكثر من الحراك الشعبي، وتفاجئك أصوات، وإن قليلة، تعتبر عزل مرسي هجوما مدروسا ومبيتا على الإسلام والمسلمين لإجهاض حلمهم بنهضة شاملة دشنها وصول الإخوان إلى حكم مصر، وهناك من يخشى من أن تفضي الأمور إلى تمكين الجيش مجددا من السلطة وإجهاض آمال ملايين المصريين في التغيير الديمقراطي، ولكن تلمس لدى أوساط هامة من السوريين حالة من التعاطف والتأييد لهذه الحشود في الميادين المصرية، نابعة ربما من ترابط رياح التغير العربي واتحاد هموم البشر وإيمانهم المشترك بحقهم في الحرية والكرامة، وربما احتراما لسلامة هذه التجمعات البشرية الهائلة وحقها في التظاهر، وكإدانة لعنف مفرط ضد حشود أقل عددا تجمعت في بعض الساحات السورية.

يصف أحدهم تدفق المصريين العفوي، صغارا وكبارا، إلى الساحات العامة بأنه مشهد أثير ولن يتكرر من مشاهد الثورات، ويضيف آخر بأن هؤلاء «الأشاوس» قد أعادوا وأكدوا، بعد تغييب مزمن، دور البشر في المشاركة وتقرير مصيرهم، متسائلا: «ألا يكفي ما يحدث في مصر كي يدرك الجميع ظمأ الشعوب لحقوقها التي لن يحول دونها حائل؟!»، ويطلق ثالث تعليقا بأنهم شعب مثابر، لم يترك فرصة للعمى الآيديولوجي ولمدعي الوصاية على الإسلام كي يفركوا أياديهم فرحا ويستأثروا بالسلطة بعد فوزهم الطارئ في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وكأنه يكثف بكلمات بسيطة إعجاب الرأي العام بدأب المصريين ودينامكيتهم وما ابتكروه من وسائل لإبقاء ثورتهم حية حتى يتحقق لهم ما يريدونه!!

لم يقف السوريون عند شعورهم بالألم والغبن حين بدأت أخبار مصر تطغى على ما يجري في بلدهم وتمنح العنف فرصة لإطلاق أدواته الفتاكة بمنأى عن التركيز الإعلامي، بل كانت عيونهم مشدودة إلى شاشات التلفزة لتراقب بذهول ما يجري هناك، وكان بالإمكان سماع عبارات مشجعة للأساليب المدنية في إدارة المظاهرات والاعتصامات، ومحبذة لمناخات حماية السلم الأهلي وضمان حياد الجيش وإشاعة الثقة بدوره العمومي كضامن لوحدة البلاد وأمنها، وتاليا متحسرة عما لاقته النشاطات المدنية والسلمية في سوريا من قمع سلطوي وفتك لم يعرف حدودا، وأيضا كان بالإمكان أن تسمع عبارات إعجاب بما أظهره المعارضون لسلطة مرسي من نضج ووعي، حين سارعوا، فور إعلان خريطة المستقبل، لتأكيد حرصهم على تخفيف التوترات والاحتقانات واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف، وحضوا على التسامح ورفض الاستئثار أو الإقصاء لأي كان.

قلق السوريين من تطور غير محمود للأحداث المصرية عميق، ليس فقط لأنهم يناصرون الأساليب السلمية والمدنية، ويرفضون الاستبداد العسكري والعنف الأعمى الذي ما من أحد مثلهم اكتوى بناره، وليس لأنهم يدركون التأثيرات السلبية على ثورتهم إذا فشلت جموع المصريين في تعزيز وحدتها الوطنية وبناء دولة مدنية، بل أساسا بدافع من رغبة صادقة بأن لا تذهب الأمور نحو الفوضى والصراع الأهلي وتغرق مصر في دوامة التفرقة والقتل وحمامات الدم.

«لا تزال أيادينا على قلوبنا ونأمل أن لا تحدث اندفاعات مغرضة تفقد ما حصل في مصر معناه الديمقراطي الأصيل أو تشكل ذريعة لإجهاض الأمل المشترك». يستهل أحدهم حديثه ويستدرك متمنيا نجاح الخيار السلمي وخيار الدولة ومؤسساتها في التوفيق بين المصالح والمواقف المتباينة، غامزا من هذه القناة إلى رفض حكم العسكر وإلى أهمية وحدة الشعب المصري وابتعاده عن الاستقطابات الحادة ونوازع التطرف والإقصاء والمغالاة!

أهو حظنا العاثر أم ثمة أسباب أخرى؟! تسمع من البعض سؤالا يفيض بالألم والمرارة، عند المقارنة بين ما يحصل في مصر وما آلت إليه أوضاع سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الائتلاف الوطني» وأعباء المرحلة المقبلة

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 7/7/2013

لا تشكل الدورة الحادية عشرة لـ«الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» في إسطنبول، امتدادا لما سبقها من دورات عقدتها الهيئة العامة للائتلاف، بل هي تكاد تكون قطعا مع الدورات السابقة لها، ومدخلا لمرحلة جيدة من عمر الائتلاف. والسبب الرئيس لهذا التحول، يكمن فيما جسدته عملية توسعة الائتلاف بضم ممثلين جدد عن تكوينات في الواقع السياسي السوري يمثلون ثلاثة من أركانه، أولهم ممثلون عن الجماعات والشخصيات الديمقراطية، والثانية ممثلون عن الجيش السوري الحر، والثالثة ممثلون عن جماعات الحراك الثوري، مما حمل معه تبدلات نوعية وكمية في الائتلاف، أدت وسوف تؤدي إلى حدوث تغييرات سياسية وتنظيمية وعملية على مسار وعلاقات الائتلاف سواء الداخلية أو في علاقاته الخارجية، سواء في مستوى العلاقات الوطنية أو علاقات الائتلاف مع المحيط الإقليمي والدولي.

لقد ضاعفت عملية التوسعة عدد أعضاء الائتلاف ونوعت بناه وتوجهاته، مما فرض إعادة ترتيب أوضاعه في مختلف الجوانب، وهو أمر كان مطلوبا من الائتلاف القيام به في ظل التردي الحاصل في أوضاعه وعلاقاته التي وصلت إلى مأزق، كان استبعاده من اجتماع الدوحة الأخير أحد التعبيرات البارزة، وفي ظل التردي المتواصل للأوضاع في سوريا والهجمة الدموية الواسعة التي يقوم بها النظام لاستعادة سيطرته على البلد، وعجز الائتلاف عن القيام بأي رد فعل على ذلك رغم الاعتراف الدولي به ممثلا للشعب السوري، وكلها كانت بين أسباب توسعة الائتلاف من جهة والقوة الدافعة لإحداث التغييرات المطلوبة فيه، التي ظهرت بعض ملامحها في اجتماعات الدورة الأخيرة للائتلاف بإسطنبول.

لقد بدا أن المطلوب من اجتماعات إسطنبول، يتمثل في ثلاثة أمور: الأمر الأول هو إحداث تغير سياسي في رؤية الائتلاف وفي مسار علاقاته، والثاني القيام بتغييرات ذات طابع تنظيمي، والثالث يتمثل في إحداث آليات جديدة في عمل الائتلاف، وهي النقاط التي شغلت اهتمام المشاركين رغم الاختلافات والتباينات القائمة بينهم، فكانت نقاط التوافق المشتركة لكن على قاعدة الاختلاف بين أكثرية القادمين الإصلاحيين إلى الائتلاف مع الأقرب لهم، وقدماء الائتلاف من المحافظين وبعض أنصارهم الجدد.

وفي ظل الوضع الجديد، سارت أعمال الائتلاف بصعوبة للتوافق على تغييرات في النظام الداخلي وفي قيادة الائتلاف، والتي عكست التوازنات الجديدة دون أن تحسم النفوذ داخله، الأمر الذي يشير إلى ضرورة توافقات في مستوى التغييرات التنظيمية والقيادة، كما أن الأمر ذاته كان حاضرا في مناقشات الائتلاف في الموضوعات السياسية، والتي باتت تحتاج إلى رسم خلاصات توافقية توجه عمل الائتلاف في المرحلة المقبلة.

وإذا كانت نتائج الانتخابات في الائتلاف، أشارت إلى ضرورات التوافق التنظيمي الذي ينبغي تطويره على المدى القريب، فإن ثمة ضرورات لتوافقات سياسية تقوم على تعزيز سياسة سورية مستقلة مستفيدة من كل أشكال الدعم الإقليمي والدولي لكسب المعركة ضد النظام، توجه عمل الائتلاف في المرحلة المقبلة وتتضمن:

تأكيد أن المهمة الأساسية للائتلاف هي العمل على إسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي يستجيب لمطالب السوريين، والاستفادة من كل الفرص والمبادرات السياسية التي يمكن أن توفر دم السوريين وأرواحهم وقدراتهم الفردية والعامة طالما كان الهدف هو تغيير النظام والانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي يوفر الحرية والعدالة والمساواة.

العمل على تقوية الائتلاف وتعزيز الجهود نحو وحدة المعارضة بما يعزز سيرها نحو إنجاز المهمات المشتركة بما في ذلك الانفتاح على قوى المعارضة في الداخل، إضافة إلى العمل على توحيد «الجيش الحر» ودعمه واعتبار هيئة الأركان العنصر الرئيس في هذه المهمة.

دعم الحراك الثوري والمدني في الداخل السوري وفي بلدان المهجر، ولا سيما في بلدان الجوار، والعمل على تفعيل المجالس المحلية وتطويرها، وبذل الجهود نحو تقديم كل أشكال الدعم والإغاثة للداخل السوري، وخاصة إلى المناطق المنكوبة، والاهتمام بالأحوال المعيشية للسوريين في الداخل وفي بلدان اللجوء، من حيث توفير الخدمات الأساسية وتوفير فرص للدخول في عملية تنمية هي جزء من خطة إعادة بناء سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا ومسألة الهوية: البحث عن فكر مختلف

د. وائل مرزا

المدينة

السبت 7/7/2013

تساءلنا منذ أكثر من عام: هل يُعقل أن يكون الصراع على الهوية الحضارية لسوريا المستقبل عاملاً رئيساً في تأخير الحسم بالنسبة للثورة السورية؟

جَزَمنا يومها أن الجواب هو نعم.

ومنذ ذلك اليوم، يُثبتُ كل حدثٍ وموقف أهمية التفكير جدياً بهذه القضية.لايقتصر هذا على الداخل السوري، وإنما ينسجم أيضاً مع كل مايجري في المنطقة من أحداث، وخاصةً في مصر.

فمن ناحية، كان هناك إجماعٌ منذ بداية الثورة على الطبيعة الإسلامية (المُحافظة) للمجتمع السوري، وعلى أن تطبُّع الثورة بهذا الطابع ليس غريباً. وثمة إقرارٌ اليوم بأن رؤيةً إسلاميةً ما للإنسان والحياة والكون ستُضحي مكوناً رئيساً من مكونات الهوية الجديدة لسوريا المستقبل.

ومن ناحية أخرى، ثمة هاجسٌ يبلغ أحياناً درجة الهوس يتعلق بالإسلام ودوره في تشكيل تلك الهوية لدى كل القوى التي لا تُسمي نفسها إسلامية.

من الضرورة بمكان أن نتفهّم الهاجس المذكور، وأن نتعاون على صياغة ذلك الدور بتوازنٍ يُنجينا من أي تطرفٍ قادم، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز أخطاء الماضي القاتلة، والتي وقعت فيها أغلب النخب السياسية السورية خلال العقود الماضية.

ثمة مشكلاتٌ ثقافية وسياسية تاريخية وصلت بنا إلى هذه النقطة، وقد تحدثنا عنها في كثيرٍ من المقالات السابقة، ربما يمكن اختصارها في فقرتين.

فعلى مستوى الرؤية والطروحات النظرية وعلـى مستوى البرامج والممارسات،لم يستطع المتحدثون التقليديون باسم الإسلام إظهار جوانب كمونه الحضاري الكبير من جهة، ولم يستطع رافعو لواء الحداثة إظهار مصداقيتهم في إيجاد حدٍّ أدنى معقول من مقتضيات الحداثة العملية على أرض الواقع من جهة أخرى.

الأسوأ من هذا، انحصرت نظرة الشريحة الأولى إلى الشريحة الثانية في مدخل تصنيفهم على أنهم دعاة تغريب يقودون البلاد والعباد للحياة في حضن (الآخر)، بينما انحصرت نظرة الشريحة الثانية إلى الأولى في مدخل تصنيفهم على أنهم دعاةُ رجعيةٍ يأخذون البلاد والعباد للحياة في (الماضي).

المفارقة أن واقعنا الحالي لايسمح بتبرير ماجرى من الطرفين عبر لوم السلطة السياسية. ببساطة، لأن التحليل المذكور أعلاه ينطبق بدرجةٍ كبيرة على ممارسات الغالبية العظمى من العاملين في المعارضة التي يُفترض بها أن تكون القيادة السياسية للثورة السورية.

إن شيوع هذه الظاهرة في سوريا ومصر وغيرها، يُبين حقيقة المشكلة الأصليّة لإنسان المنطقة، وأنها في نهاية المطاف مشكلة طريقته في التفكير، قبل أن تكون مشكلة انتمائه الأيديولوجي المعيّن.

بمعنى آخر، تكمنُ المشكلة في منهجٍ معين في فهم الحياة والسياسة ومداخل بناء الدول وصيانة الأوطان، وفي إدراك كيفية التعامل مع هذه القضايا الحساسة.حين يحصل هذا من خلال الشعارات والمشاعر المنبثقة إما من الانتماءات الأيديولوجية البحتة، وغالباً بتطبيقٍ مشوهٍ لها، أو من خلال ضغوط الواقع ومتغيراته. وبالتالي فإن من الممكن لهذه المشكلة أن توجد عند كثيرٍ ممن يسمون أنفسهم إسلاميين، بنفس القدر الذي يمكن أن توجد فيه عند كثيرٍ ممن يسمون أنفسهم ليبراليين أو قوميين أو حداثيين أو ما إلى ذلك من التصنيفات الشائعة.

بناءً على هذا، نُؤكدُ مابات واضحاً: هناك صراعٌ حقيقي يجري في أوساط العاملين للثورة السورية، من السياسيين على وجه التحديد، فيما يتعلق بالهوية الحضارية لسوريا القادمة.

ثمة مفارقةٌ حساسةٌ يجب الانتباه إليها في هذا المجال. ففي خضم الغرق المحموم في الممارسات السياسية المتعلقة بقيادة المعارضة السياسية، تتغير خرائط التحالفات بشكل غير مسبوق بين المنتمين لتياراتٍ أيديولوجية وسياسية مختلفة، وقد يوحي هذا زيفاً وبُهتاناً بعدم وجود الصراع المذكور أعلاه.

لكن من يعرف حقيقة الوضع يُدرك تماماً أن كل طرفٍ يعمل كل ما في وسعه لخلق واقعٍ يتناسب مع هاجسه، بكل الوسائل السياسية والإعلامية والدبلوماسية الممكنة، بل وبمحاولة خلق وقائع على الأرض تخدم رؤيته في المستقبل.

وفي نهاية المطاف يبقى هذا الصراع، وسيبقى، سبباً أساسياً من أسباب تأخير الحسم فيما يتعلق بالثورة السورية.

وكما ذكرنا سابقاً، لا مفرّ من إعادة الاعتبار إلى دور الإسلام في صياغة هوية سوريا القادمة، ولا مهرب من وجود طرحٍ جديدٍ لذلك الدور يختلف عن الطرح التقليدي السائد، ولا مخرج من المأزق دون اعتراف جميع الأطراف بالدور المذكور. وفي معزلٍ عن هذا، سيصبح الساسة تدريجياً جزءاً من المشكلة بدل أن يكونوا جزءاً من الحلّ المنشود.

من الضرورة بمكان بناء سوريا تتسع لكل أبنائها وتستوعب جوهر هويتها وثقافتها التاريخية، بينما تعيش في الحاضر وتتطلع للمستقبل. لكن هذا لن يحدث إلا بوجود أجيالٍ جديدة تتجاوز نظرة التضارب الكامل وتُركّز على الحجم الكبير لما هو (مُشترَك) بين الإسلام والليبرالية، بقراءةٍ موضوعية شاملة بعيداً عن عمليات القص واللصق التي جرت وتجري حتى الآن.

ثمة حاجةٌ لثورةٍ أخرى في هذا المجال تهدف إلى تجاوز مرحلة الطفولة الأيديولوجية التي تنظر إلى العالم من خلال أحادية الانتماء إلى الدوائر الضيقة المُحيطة بالإنسان، والعبور إلى مرحلةٍ أخرى ينفتح فيها العقل والقلب على ذلك العالم ليرى ما فيه من فُسحةٍ هائلة للتنوّع والتعددية والاختلاف الإيجابي.

لكن من الصعوبة بمكان أن تحصل هذه الثورة على يد التقليديين وبطريقتهم في العمل والتفكير.

بل ربما يمكن القول أن الثورة السورية لن تنتصر إلا بوجود الثورة التي نتحدث عنها. وهذه الأخيرة لن تحصل إلا بسواعد قوى جديدة تتجاوز طرق التفكير والعمل التاريخية والأيديولوجية، تؤمن بقيم الكفاءة والفعالية والتخطيط والإدارة، وتمتلك صفات الديناميكية والحيوية والإبداع والحركة بلغة العصر وأدواته، وتجتمع على المُشترك الوطني، وتفرض تدريجياً حضورها في كثيرٍ من مفاصل الواقع السوري بجميع تجلياته الثورية والسياسية والاقتصادية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق الشرقية وغوطتها..لا شيء في الشوارع سوى الريح والغبار

دمشق ـ صبر درويش

المستقبل

السبت 7/7/2013

دمشق اليوم لا تشبه إسمها، ودمشق اليوم مقطعة الأوصال، ودمشق اليوم محتلة من قبل جنود غرباء لا يعرفون من الشام سوى اسمها.

ما إن تجتاز المدن المحررة المحيطة بالعاصمة، وتطأ قدمك أرض الحلم، أرض دمشق، حتى تصاب بالذهول. تبدو اللوحة عصية على الفهم؛ مئات الحواجز المنتشرة في كل زقاق وشارع، ولا يكاد المرء يعيد هويته إلى مكانها حتى يعود ويظهرها مرة اخرى، مرفقة بابتسامة بلهاء بات سكان المدينة معتادون عليها في وجه الجنود الغرباء. فهنا يكفي الاشتباه بك، كي تكون التهمة كافية لاختفائك. بينما المسير الذي لم يكن يستغرق سيراً على الأقدام سوى بضع دقائق، فهو في دمشق اليوم يستغرق ساعات طويلة؛ أما الغريب في الأمر هو ان الحياة هنا تسير على خير ما يرام!

إحباط عام يلف المدينة، شبان في مقتبل العمر، فشلوا في إيجاد طريقة مناسبة يشاركون بها نضالات شعبهم، مرددين سؤالهم العصي على الإجابة: ما العمل؟ ورعيل سياسي بات مختص بالكامل في أعمال الإغاثة وما يشبهها، مختصراً فعل الثورة بسلة غذائية على أهميتها؛ بينما القبضة الأمنية التي لم ترتخ قط ، فهي المسؤولة بدرجة أساسية عن غياب المبادرات، حيث أن المعتقلات لم تكف لحظةً عن ابتلاع الناشطين السياسيين، الذين بات أغلبهم اليوم في عداد المفقودين. دمشق اليوم محتلة على أيدي جنود غرباء، لا يعرفون من المدينة سوى اسمها.

على مقربة من العاصمة، ينتشر طوق "دمشق الشرقية"، حيث ينتصب سور هائل بين المكانين؛ هنا حيث تنتشر المدن المحررة، التي باتت تحت قبضة الثوار، وهنا حيث ينتشر الخراب المدوي، والذي لم يبق من الغوطة ما يشير إلى اسمها.

تدك المدن بالصواريخ، ويرقص قاسيون طرباً، يرحل ما تبقى من سكان، وتخلو المدن من ساكنيها، ولا شيء يبقى في الشوارع سوى الريح والغبار المتناثر. تشبه "دمشق الشرقية" اليوم برلين في آخر الحرب العالمية الثانية، حيث يطغى الرمادي على المشهد.

حصار يختصر كل المعادلة، فقادة الجريمة من عسكريي النظام قرروا أن من لم يمت بالقصف وأشباهه عليه أن يموت جوعاً. تنتشر الحواجز على المداخل الاساسية لدمشق الشرقية (حاجز على مدخل طريق بلدة المليحة، وآخر على مدخل دوما قرب مخيم الوافدين وعشرات الحواجز الاخرى على طول طريق المطار الدولي)، تمنع مرور أي شيء مرتبط بالحياة، حتى بات إدخال رغيف خبز يعد إنجازاً يحسب لصاحبه. هل نبالغ فيما نقول؟ في الحقيقة، لا نعكس من واقع الأمر سوى الجزء اليسير، إذ لا أحد يعلم كيف صمد سكان المكان هنا سوى الله نفسه. أكثر من تسعة أشهر ومدن وبلدات الغوطة من دون كهرباء او اتصالات أو مياه صالحة للشرب، وهو شيء يدعو إلى الذهول. بينما تأمين المواد الغذائية وخصوصاً بعد ان منع جنود الأسد إدخالها، فهو أشبه بمعركة حقيقية يخوضها الأهالي ليلاً نهاراًُ؛ أما المشفى الوحيد المتبقي في الغوطة (مشفى الفاتح)، والذي مازال يتمكن من إنجاز بعض المهام الطبية، فقد تعرض لقصف الطيران عشرات المرات، حتى كاد يصبح مصيدة للموت. أما البديل فهي المشافي الميدانية التي قد تشبه أي شيء بإستثناء المشافي! فهذه تنشأ غالباً في أقبية تحت الأرض، خوفاً من القصف الذي بات من المعلوم أنه يستهدفها تحديداً؛ تنتشر الأسرة في كل مكان، وتفرغ غرفة لإجراء العمليات الجراحية، وهذه الغرفة ليست غرفة كما يمكن أن نتخيل، بل عبارة عن عدة ستائر متصلة بطريقة ما تعزل مكان لا يتجاوز بضعة امتار مربعة، ويطلق عليها غرفة العمليات. هنا يبدأ الرعب.

تفتقر أغلب هذه المشافي الميدانية لكل شيء وتحديداً الكوادر المتخصصة، التي فر أغلبها بسبب القصف على الغوطة، بينما ينجز المهمة شبان تعلموا العمليات الإسعافية ميدانياً، ويضطر المسعفون في كثير من الأحيان إلى بتر أعضاء المصابين، لأنه الطريقة الأسهل لضمان حياتهم، بينما تجري العمليات الجراحية في ظروف تثير الشفقة. إذ لا تعقيم او تحكم بدرجة الحرارة، ولا تخديراً عاماً للمصاب، فقط تخدير موضعي، يجعل المصاب أثناء إجراء العملية يشتهي الموت أكثر من أي شيء آخر؛ بينما المضادات الحيوية واكياس الدم، فهي نادرة الوجود، لذا يترك الجرحى لقدرهم، حيث الله يعمل عمله في هذه الأصقاع، وتترك له مهمة الشفاء الجرحى.

تجري هذه الأحداث على مرأى من دمشق العاصمة، وعلى مسمع من سكانها "الآمنين".

تغص أحياء العاصمة دمشق اليوم بآلاف الأسر الهاربة من موت مؤكد، تهرب الأسر خوفاً من الموت، لتقع فريسة سهلة بين براثن العوز والذل والمهانة؛ تحشر الأسر داخل منازل استأجرت على عجل، عشرات النساء والأطفال والعجز، غالباً ما يتواجدون في أماكن ضيقة تفتقد إلى الحد الأدنى من احتياجات الحياة اليومية، أسر اقتلعت من بيئاتها الطبيعية، وأجبرت على التواجد في مكان غريب على قلوبهم المثقلة بالوجع.

لا يفصل بين العاصمة ودمشق الشرقية سوى بضعة أمتار، بيد أن الشعور بالغربة لا يفارق قلوب من نزحوا؛ هنا تضطر أغلب النساء إلى العمل سعياً إلى إعالة أسرهم، كما يضطررن إلى القبول بأي عمل وتحت أي شرط، وكل ذلك للحفاظ على أغلى ما تملكه الأسرة السورية: كرامتها. تعمل النساء في مشاغل صغيرة، وفي محال الألبسة والأحذية وغيرها، بينما دخولهن لا تتجاوز الخمس وعشرين دولاراً شهرياً! وهو رقم يثير الأسى، بيد أنه كفيل بسد ثغرة في احتياجات الأسرة النازحة، ويشعرها بأنها ما تزال تملك حق الدفاع عن وجودها بعيداً عن نظرات الشفقة الموجعة.

وفي ظل هذا الترحال الموجع تبقى قلوب النازحين معلقة إلى الشرق، بينما أجسادهم المنهكة تضمحل حتى التلاشي في رحلة ستحفر في ذاكرة من عبروا في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ بلدنا الذي نحب.

"كوني بردأً وسلاماً.."، يردد النازحون متوجهين إلى كل قذيفة ترسلها العاصمة نحو مدن المحيط الثائر، كوني برداً وسلاماً على رجالنا الصامدين هناك على مقربة منا، تردد العجائز والنساء المغدورات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 38)

مجزرة المشارقة البشعة بحلب

11/8/1980

محمد فاروق الإمام

خفض القانون (49) عقوبة الأفعال التي توجب الإعدام لمن يسلم نفسه إلى الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الأكثر، إلا أنه استثنى من هم قيد التوقيف أو المحاكمة من الاستفادة من هذا القانون.

 وأدى صدور هذا القانون الفريد من نوعه إلى قيام عدد قليل من الإخوان في إعلان انسحابهم على صفحات الجرائد المحلية، في حين فر الآلاف خارج البلاد سواء من أعضاء التنظيم أو أقربائهم.

لم يتوقف العنف الثوري عند النظام بإصداره هذا القانون الجائر بل تمادى إلى أبعد من ذلك، حيث أقدم على ارتكاب مجازر فظيعة وشنيعة في مدينة حلب توجها بالمجزرة البشعة (مجزرة المشارقة). وهذه رواية شاهد عيان لهذه المجزرة الدموية:

بينما الناس يتزاورون ويهنئون بعضهم بعيد الأضحى المبارك إذ بالمقدم هاشم معلا "قائد الوحدات الخاصة" يأمر رجاله بتطويق حي المشارقة وإخراج الاهالي من بيوتهم ثم يأمرهم بإطلاق النار عليهم فقتلوا أكثر من 100 شخص معظمهم من الأطفال والعجائز، ويقول أحد الضباط الشهود على المجزرة ما يلي:

"هاشم معلا طلب مني بالحرف الواحد عدم التجمع في أيام العيد لأن الدولة قررت أن تقوم بمجزره في حلب لأرهاب أهل حلب وفعلا نفذ معلا ما بيته لأهل حلب، فقد كنا نقوم بزيارة اقربائنا بمناسبة العيد كل منزل بمنزله وفجأة سمعنا صوت إطلاق رصاص غزير عندها جاءت عناصر من الوحدات الخاصه وتدق على البيوت وتأخذ الشباب والأطفال والرجال الشياب لحجة أن الضابط يريد التحقيق معهن وإذا بعناصر من الوحدات الخاصه ومعهم أربجيهات ورشاشات كبيره ودبابات أمام البيوت وطلبوا مننا أن ندخل بيوتنا وإلا سوف يدمرونها فوق رؤسنا ولاندري ماذا يحدث في هذا الحي بأول ايام العيد وكلنا بثياب العيد وبعد ساعات وقف إطلاق الرصاص وانسحب بعض العناصر من الوحدات الخاصه والدبابات من شوارع حي المشارقه وفتحنا باب المنزل وإذا باحد الجرحى قال اذهبو لقد قتلوا أهل الحي جميعا، فعلاً أرسلنا شخص ليسعف هذا الجريح وذهبنا لموقع المجزره واذ 85 شهيد من شاب وعجوز وطفل فوق بعضهم البعض فبدأنا نقلب الجثث فعثرنا على جريحين لم يفارقو الحياة بعد لأنه كان فوقهم جثث كثيره وكانت إصاباتهم بالغه وكان منفذ هذه المجزره الوحشيه العقيد هشام معلا والنقيب غدير حسين من أهالي اللاذقيه ومعهم بعض المرتزقه وكانوا يطلقون الرصاص الكثيف على ال 85 شهيد ودعسوا فوقهم باقدامهم ويطلقون عليهم طلقات الخلاص وبعدما انتهوا من قتل الشهداء بدأو يربطو بعض الجثث من رجولهم ويسحبونهم بشوارع حلب ويرموهم على مداخل مدينة حلب حتى يرهبو أهل حلب وفعلا بعض الشهداء لم نراهم الا باليوم الثاني بالطبابه الشرعيه حيث كانت دوريات النجده تجمع الجثث المرماة في مداخل المدينة وتنقلهم إلى الطبابه الشرعيه فعلا لقد نفذ وعده بهذه المجزره الوحشيه العقيد هشام معلا والنقيب غدير حسين ومعهم بعض المرتزقه ارضاءا لأوامر سيدهم المجرم الكبير حافظ الأسد".

وللتاريخ أدلي بشهادتي:

"كنت عند وقوع المجزرة في مدينة حلب أعمل موظفاً في الجمارك، وقد روى لي أحد الزملاء الذي كان بصحبة العقيد "طاهر سلطان" رئيس الضابطة الجمركية بحلب عند قيامه بزيارة المقدم هاشم معلا في مكان إقامته في الملعب البلديي بمناسبة العيد لتقديم التهنئة له.. روى لي ما جرى من حديث بين المقدم هاشم معلا والعقيد طاهر سلطان:

العقيد طاهر: لقد ارتكبتم خطأ كبيراً في القيام بهذه العملية (يقصد مجزرة المشارقة)!

المقدم معلا: أردنا بهذه العملية تأديب أهل حلب وتخويفهم.

العقيد طاهر: لكن هذه العملية كانت ذات حدين: تأديب أهل حلب وإخافتهم كما تقول، ولكنها بنفس الوقت تسيء للنظام ولشخص الرئيس حافظ الأسد.

المقدم معلا: والله أنا هيك اجتني التعليمات من القائد – يقصد العقيد رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد – فقد وجه لي كتاباً يأمرني فيه بالقيام بخمس عمليات بحلب تشمل خمسة أحياء شعبية كان من بينها حي المشارقة انتقاماً لما حدث في مدرسة المدفعية.

العقيد طاهر: ولكن ما قام بمجزرة المدفعية عصابة كما أعلنتم، أما ما تقومون به فهو عمل دولة وهذا لا يجوز.

المقدم معلا: أنا عسكري وأنفذ الأوامر.

العقيد طاهر: أنت معذور فيما قمت وأرجو أن تحقق هذه العملية الأغراض المرجوة منها، وتتوقف العصابات عن جرائمها".

للعلم فإن العقيد طاهر سلطان هو "علوي" من منطقة السلمية ومتزوج من حلبية سنية وكان في مطلع حياته العسكرية مديراً لسجن المزة العسكري، وقد أمضيت فيه نحو سنة معتقلاً لأسباب سياسية ملفقة لا علم لي بها أيام إدارته للسجن وكان برتبة ملازم أول. بعدها نقل إلى إدارات مدنية ومنها مديراً للسياحة في حلب قبل أن يتسلم قيادة االضابطة الجمركية بحلب سنة 1976. وكان على صداقة مع الشيخ محمد الشامي.

لقد ارتكب النظام مجازر متتالية بحق أهالي حلب بعد مجزرة المشارقة وكان منها:

*مجزرة سوق الاحد يوم 13/7/1980 أكثر من 192 قتيل

*مجزرة بستان القصر يوم 12/8/1980 35 قتيل

*مجزرة الكلاسة 35 إلى 110 قتيل

*مجزرة تحت قلعة حلب ويقال عن قتل بآلالف ودفن جماعي ويقدر عدد القتلى 1600 ألى 1900 قتيل وجرحى دفنوا وهم أحياء.

*مجزرة أقيول وإعدام أكثر من 2000 شاب على مدى عامين في ساحة الألمجي مجرد أن مسؤول تنظيم الاخوان المسلمين عن حلب مصطفى قصار من هذا الحي.

 

*مجازر أخرى متفرقة ومخفية في حلب

سلسلة مجازر ارتكبها النظام في بعض المدن السورية:

مجزرة (حماة الأولى):

بتاريخ 5-12/4/1980 نفذ النظام الأسدي مجزرة حماة الأولى، حيث مشّطت قواته المدينة بفرقة مدرعة بكتيبتين مدرعتين من الوحدات الخاصة، قطعت المدينة عن العالم الخارجي، كما قطعت عنها الماء والكهرباء، وفتشتها بيتاً بيتاً مع الضرب والنهب، وقتلت عدداً من أعيان المدينة وشخصياتها، كما اعتقلت وقتلت المئات، من أبناء المدينة.

مجزرة ساحة العباسيين - دمشق

وفي دمشق في 18 آب 1980م، داهمت القوات المسلحة في حكومة حافظ الأسد ساحة العباسيين، وهاجمت المنازل المجاورة بالقذائف المكثفة وكانت الحصيلة مقتل 60 شخصاً وجرح 150 آخرين وتدمير ثلاث بنايات.

مجزرة الرقة:

جمعت القوات السورية 400 شخص كمعتقلين في مدرسة ثانوية بمدينة الرقة شمال البلاد في منتصف أيلول 1980م وأشعلت النيران في المدرسة في ليلة ممطرة حيث قتل الجميع ولم ينج منهم أحد.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 37)

مجزرة جسر الشغور

10-3-1980

محمد فاروق الإمام

في أوائل عام (1980) كانت انتفاضة الشعب السوري ضد النظام الاستبدادي في أوج تقدمها، وارتبك النظام في سورية، وظهر ذلك واضحاً في خطاب حافظ الأسد يوم (8/3/1980م)، وعندئذ طلب النظام من الخبراء السوفييت المتخصصين في قمع الشعوب، والذين ساعدوا ستالين على ذبـح ملايين المسلمين، طلب منهم حافظ الأسـد دراسة الحالة السورية، وتقديم النصائح للنظام، ووصل عدد من هؤلاء الخبراء، وتجولوا في حماة وحلب وغيرهما، وتعرفوا على أوقات وأماكن اغتيال عناصر السلطة؛ الذي كان يومياً في حماة وحلب، وبعد تفهم الموقف من قبل هؤلاء قدموا نصيحتهم وهي:

أن يقتل النظام خمسين مواطناً على الأقل في المكان والزمان الذي تقع فيه حادثة الاغتيال، فلعل القاتل يكون أحد هؤلاء الخمسين. وبدأ النظام الديكتاتوري يطبق هذه النصيحة السـتالينية اعتباراً من نهاية الربع الأول من عام (1980م) . ومن تطبيقاته لها ما فعله في جسر الشغور :

تقع بلدة جسر الشغور في نهاية سـهل الغاب، قبل أن يدخل نهر العاصي لواء اسكندرونة، وتتوسط المسافة بين حلب وحماة واللاذقية، ويمتاز أهلها بالمحافظة على دينهم وعاداتهم العربية الإسلامية، وقد هبت هذه البلدة مع حماة وحلب وإدلب وحمص في آذار (1980م)، حيث انتفضت هذه البلدان سلمياً تعلن رفضها لنظام الأسـد، وتؤيد الانتفاضة الشعبية التي أنهكت وحدات الأمن الأسـدية أنذاك، قبل أن يتسلم الجيش العقائدي المهمة من وحدات الأمن ويخمد انتفاضة الشـعب بالدبابة والصاروخ والمدفع.

أضربت بلدة جسر الشغور يومي السبت والأحد، وفي يوم الاثنين (10/3/1980م) خرجت مظاهرة بدأها طلاب المدرسة الثانوية، وانضم إليهم عدد كبير من المواطنين، فجابت الشارع الرئيسي في البلدة يهتفون (يا أسـد مانك منا، خذ كلابك وارحل عنا).

هاجمت المظاهرة المؤسسة الاستهلاكية رمز الجوع والحرمان في النظام الأسدي، وحرقتها، ثم توجه المتظاهرون إلى مكتب حزب البعث ففـر البعثيون وتركوا أسلحتهم التي كانوا يرهبون بها الشعب، وكذلك فر شرطة المخفر تاركين أسلحتهم. (ولابد من القول أن الإخوان المسلمين ليس وحدهم كانوا المحركين لهذه الأفعال، وإنما حركها معهم عدة تيارات من الشعب كالناصريين والشيوعيين والبعثيين القوميين) فكانت انتفاضة عامة من الشعب في جسر الشغور.

ومع العصر وصلت أكثر من خمس وعشرين طائرة عمودية محملة بجنود الوحدات الخاصة يقودهم العميد علي حيدر، ويعاونه عدنان عاصي، قائد مخابرات إدلب، وتوفيق صالحة، محافظ إدلب وصلت هذه الطائرات المحملة بالرجال والعتاد إلى جسر الشغور، ولما أقلعت هذه الطائرات اتجهت شمالاً، وكان المفروض أن تتجه جنوباً نحو العدو الصهيوني.

نزلت الطائرات حول البلدة (في معمل السكر، والثانوية، وطريق حمام الشيخ عيسى، وساحة البريد، ومحطة القطار...)، ونامت البلدة بعد أن طوقتها الوحدات الخاصة وفرضت منع التجول.

مذابح الليلة الأولى:

وبدأت الوحدات الخاصة تعتقل كل من تصل يدها له وتقتله في الحال، دون معرفة شيء عنه، وهكذا قتلوا قرابة خمسين مواطناً مسلماً ومسيحياً وكل من وقع في يدهم خلال الليلة الأولى. كما أنهم أحرقوا قرابة ثلاثين محلاً تجارياً للمواطنين بعد أن نهبوا ما فيها من البضائع، ومنها محلات الذهب، ومحلات الأقمشة ومحلات الأدوات الكهربائية، ومكتبة داسوا مصاحفها ومزقوها قبل حرقها، في الشارع الرئيسي للبلدة.

 مذابح اليوم الثاني:

بدلت الكتيبة الأولى بعد أن ذبحت خمسين مواطناً، لا ذنب لهم سـوى أنهم من أهالي جسر الشغور، واستلمت كتيبة ثانية صارت تعتقل الرجال من البيوت وتجمعهم في أماكن تمركز الوحدات الخاصة، ثم يسومونهم أقسى أنواع التعذيب كالضرب بالكابلات الحديدية، ويحرقون لحاهم، ويصعقونهم بالكهرباء ...إلخ.

وكانوا يسألون الرجال المعتقلين من هم من طلاب الجامعات، فيقتلونهم حالاً دون تحقيق معهم، وكأن جريمتهم أنهم من طلاب الجامعات، وقد استشهد قرابة خمسة عشر طالباً من طلاب الجامعات.

وشكل النظام محكمة ميدانية جعلت من مكتب البريد مقراً لها، وشارك فيها كل من:

 ناصر الدين ناصر (وزير الداخلية)، وعلي حيدر (قائد الوحدات الخاصة)، وتوفيق صالحة (محافظ ادلب)، وحمدو حجـو (رئيس فرع الحزب)، ومحمد أنيس (ريئس شعبة الحزب الجسر).

وأصدرت هذه المحكمة حكم الاعدام على كل من مثل أمامها.

ومرت على جسر الشغور ثلاثة أيام عصيبة لم تشهدها من قبل ولا حتى أيام الاستعمار الفرنسي ولا في عهود الديكتاتوريات العسكرية التي مرت على سورية، ومن جرائمهم التي يندى لها جبين الإنسانية :

1-شـق جسم طفل لا يزيد عمره عن ستة أشهر إلى قسمين، أمام أمـه، التي سقطت ميتـة من هول المنظر.

2-قتـل فتـى ارتمـت أمـه عليه لتحميه من القتل، فقتلوها معه.

3-التمثيل بجثث بعض الضحايا لإرهاب المواطنين.

4-حـرق عدة بيوت.

وفي اليوم الثاني أو الثالث قامت الجرافات بتحميل الجثث من الشوارع ودفنوها في حفر جماعية بدون كفن أو صلاة جنازة.

حفلة الوداع قبل نقل الرجال إلى إدلب:

وبعد التحقيق المبدئي، والتعذيب الرهيب نقلوا عدداً كبيراً من رجال الجسر إلى إدلب، وبعد تحميلهم في السيارات مكبلة أيديهم وأرجلهم بالأسلاك الشائكة، يضربونهم ضرباً شديداً وكأن الوحدات الخاصة تودعهم قبل أن تسلمهم للمخابرات العسكرية لتكمل معهم التحقيق. ويصل الضرب إلى حد الإغماء فيظنون أنه مات لذلك يتركونه وينشغلون بغيره.

مجزرة سرمدا

25/7/1980

كانت تعيش بلدة سرمدا الأثرية المشهورة بعواميدها الأثرية حياة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من الأرض التي يكدح أهلها الفلاحون بحراثتها وزرعها.

ففي يوم 25 /7/1980 طوقتها قوات الوحدات الخاصة ثم داهمتها وفتكت بنسائها ورجالها الذين جمعت ثلاثين منهم في ساحة القرية ثم أطلقت نيران الرشاشات على 15 ثم ربطت بعض شباب القرية بالسيارات والدبابات وسحلتهم أمام الناس وتركت الجثث الأخرى في القرية لإرهاب السكان.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com