العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13 / 11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط 

تقــرير سـياســي

   يوماً بعد يوم تتفاقم الأزمة التي يعاني منها النظام , خاصة بعد أن فشلت كل المراهنات المعقودة على الإصلاح، إثر انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، الذي أكّد على استمرار السلطة بطابعها الشمولي، وتزايد الهجمة الأمنية على مختلف أشكال الحراك الديمقراطي في محاولة لمواجهة التداعيات الداخلية التي يمكن أن تحملها الضغوطات الخارجية، التي ساهمت أيضاً في تفاقم تلك الأزمة إلى جانب القراءات السلطوية الخاطئة للتطورات الإقليمية المحيطة، سواء في لبنان الذي استنفذ الوجود السوري فيه مهامه , أو في العراق الجديد الذي يختلف عن عراق الأمس، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله جاراً لمختلف دوله التي تفهمت معظمها الدروس التي خلّفها سقوط نظام صدام الدموي، وما أحدثه من انقلاب في موازين القوى، وتغيير كبير في الخارطة السياسية للمنطقة، وخلق أوضاع جديدة يصعب معها الاستمرار في المكابرة ومواصلة ذات الخطاب المتخشب،والتقليل من شأن تلك التهديدات والمخاطر المحدقة والتهرب من الاستحقاقات الداخلية والمتطلبات الدولية التي تفرضها حساسية المرحلة الراهنة... لكن السلطة، وبدلاً من اللجوء في هذه الحالة للحوار مع الداخل الوطني وتحسين العلاقات مع الخارج الدولي، لجأت إلى تشديد القبضة الأمنية،مثلما حصل في ساحة الشهبندر بدمشق، عندما قمعت أجهزة الأمن اعتصاماً سلمياً نظمته لجنة التنسيق الوطني في 5/10/2005 بمناسبة الذكرى السنوية للإحصاء الجائر ، وتسببت الممارسات القمعية المتواصلة في اندفاع الأوضاع الداخلية نحو مزيد من الاحتقانات والتوترات ودفع البلاد نحو مزيد من العزلة التي يزداد معها القلق من المستقبل والانزلاق نحو المجهول ، وهو ما دعا أطراف المعارضة للتحرك بهدف توحيد الجهود لمواجهة الوضع الناشئ عن الضغوطات الخارجية، من جهة، وعجز السلطة عن مواجهتها من جهة أخرى ،والتصرف بمسؤولية لاستيعاب المعطيات الراهنة وعدم ترك مصير الوطن مرهوناً بعاملي النظام والخارج , فكان إعلان دمشق المتوجه إلى جميع مكونات الشعب السوري وتياراته الفكرية وطبقاته الاجتماعية وأحزابه السياسية وفعالياته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية, تعبيراً عن إرادتها في التغيير الوطني الديمقراطي من خلال الدعوة لحوار وطني شامل، يقر برنامجاً وطنياً مشتركا،ً يمهد لعقد مؤتمر وطني تشارك فيه جميع القوى المؤمنة بالتغيير والدعوة إلى انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً للبلاد وإجراء انتخابات تشريعية حرة ينبثق عنها نظام وطني ديمقراطي .

   وكان من بين القضايا التي أقرها الإعلان الذي شارك في تأسيسه كل من التجمع الوطني الديمقراطي والتحالف الديمقراطي الكردي في سوريا والجبهة الديمقراطية الكردية ولجان أحياء المجتمع المدني وحزب المستقبل وشخصيات مستقلة. الدعوة (لإيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السورين مع بقية المواطنين من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة القومية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية...)

   ونعتقد أن مجرد هذا الإقرار بعدالة وضرورة حل القضية الكردية في سوريا يعتبر خطوة متقدمة في تاريخ علاقة الحركة الكردية مع القوى الوطنية السورية الأخرى وأن تلك العلاقة سوف تزداد تطوراً مع اشتداد أواصر التعاون والثقة المتبادلة التي تتطلب كذلك انطلاق الحركة الكردية نحو الآفاق الوطنية لتمارس مسؤولياتها كشريك فعلي ومساهم أساسي في معالجة مختلف قضايا الوطن السوري , بما فيها عملية التغيير الوطني الديمقراطي السلمي .

   وفي الوقت الذي لاقى فيه الإعلان ترحيباً ملحوظاً في الداخل واهتماماً واسعاً من وسائل الإعلام، فإن الإعلان رسمياً عن انتحار وزير الداخلية اللواء غازي كنعان عبّر عن التخبط الذي تعانيه المنظومة الأمنية في تعاملها مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري حيث أنهى المحقق الدولي ميليس تقريره، الذي أشار فيه إلى تورّط بعض المسئولين الأمنيين السوريين في تلك العملية , مما يعني ضرورة مثولهم أمام المحكمة الخاصة بهذه القضية , وبالتالي احتمال تعرض سوريا لعقوبات مختلفة من جانب مجلس الآمن، في حال عدم تسليم المتهمين المطلوبين، علماً أن المصلحة الوطنية تتطلب ضرورة تكاتف كل الجهود لكي تأخذ العدالة مجراها، وأن يتم التعاون مع لجنة التحقيق حتى تتم محاسبة المتورطين في هذه الجريمة النكراء .

   وفي العراق , فإن محاكمة صدام حسين وعدد من المسئولين في نظامه الدكتاتوري المنهار،عبّر عن إرادة الشعب العراقي في الاحتكام للقانون والأساليب الديمقراطية في محاسبة من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء ومرتكبي المجازر الجماعية، كما أن الجدل الحاد والواسع حول الدستور أدى إلى تحول العراق إلى مدرسة للديمقراطية , حيث لم يتح للعراقيين، أيام الحكم البائد، حق المشاركة في تقرير مصيرهم ومناقشة قضاياهم المختلفة، لكن موضوع الدستور , باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للعراق الجديد , يلقى صعوبات كبيرة تتلخص في أن الماضي , بتركته الثقيلة وبعودته للعهد الشمولي لحزب البعث , يواجه المستقبل الموعود ويحاربه في تطلعاته وآفاقه ونزوعه نحو الديمقراطية والشفافية ,ويعتبر إقراره حدثاً مفصلياً في تاريخ العراق الحديث ،وسوف تنعكس الآثار الإيجابية لموافقة 78% من العراقيين على الدستور الجديد على نجاح العملية السياسية الجارية هناك، رغم التدخلات الخارجية التي تزيد من تعقّد الأمور , والتي عبّر عنها وزير الخارجية السعودي الذي اعتبر المراقبون تصريحاته، بشأن النفوذ والتدخل الإيراني في شؤون العراق، دعوة مقابلة للتدخل العربي المجاور , وهو ما نتج عنه بالنهاية قرار الجامعة العربية بالتحرك الأخير , وزيارة أمينها العام عمرو موسى تحت غطاء التهويل لحرب أهلية والبحث عن إمكانية عقد مؤتمر وطني للمصالحة في القاهرة , كما اعتبرت تلك التصريحات تبريراً للراعي الأميركي للبحث عن ذرائع للتخفيف من المأزق الأمني هناك والحد من الأصوات المعارضة داخل الولايات المتحدة , و هذا يعني أن تصريحات الوزير سعود الفيصل كانت جزءاً من تنسيق سعودي أمريكي بريطاني، ويمكن تلمس ذلك من خلال تزامنها مع كلمات رئيس الوزراء البريطاني التي اتهم فيها إيران بالتدخل في شؤون العراق , وكذلك مع خطاب الرئيس جورج بوش في السادس من تشرين الأول التي اتهم فيها أيضاً إيران بأنها راعية وحليفة للجماعات الإرهابية , لكن الذي لم يصرح به الوزير السعودي والأمين العام للجامعة العربية بأن تسلل الدور الإيراني إلى جنوب العراق، بشكل خاص، جاء من الفراغ الذي تركته الجامعة العربية التي تصرفت، تحت ضغط بعض دولها، بشكل غير مسئول بحجة عدم التدخل في الشأن الداخلي العراقي في ظل الاحتلال , مما أفسح المجال أمام التجاء بعض القوى في الجنوب إلى الحماية والنفوذ والدعم الإيراني, خاصة بعد أن حظي الزرقاوي بالحماية والاحتضان في مناطق ما تسمى بالمثلث السني وبتسهيلات إقليمية معروفة .

   أما في كردستان العراق فإن الجهود تتواصل من أجل توحيد الإدارتين وتشكيل الحكومة الموحدة التي يثير التأخر في إنجازها المزيد من القلق، كما أن الوجود المسلح لعناصر PKKعاد من جديد كموضوع لجدل أمريكي تركي في الفترة الأخيرة. في الوقت الذي تقف فيه تركيا عند أبواب الانضمام للإتحاد الأوروبي بموجب اجتماع لوكسمبورغ في الثالث من تشرين الأول .. وبذلك استطاعت حكومة أردوغان الإسلامية، خلال ثلاث سنوات من عمرها، تحقيق نجاح كبير بعد أن تمكنت من توفير الانسجام مع العديد من الشروط ومقتضيات الاندماج المطلوبة في البلدان المرشحة للاتحاد , ومنها تطوير الاقتصاد التركي إلى درجات قريبة من مستويات نمو دول أوروبا الجنوبية , ونجحت نسبياً في تكريس الخيار العلماني وإنجاز إصلاحات سياسية ودستورية هامة طالت نظام الحكم، والحد من تدخلات المؤسسة العسكرية في السلطة , لكن من جانب أخر , ورغم إلغاء حالة الطوارئ في المناطق الكردية , والاستجابة لبعض المطالب الثقافية الكردية , فإن الحكومة التركية لا تزال تتجاهل عدالة القضية الكردية وتتجنب الإقرار بحقيقة أن تركيا مكونة من شعبين أساسيين هما الشعب التركي والشعب الكردي .

  ويجمع المراقبون على أن الاقتراب التركي من النادي الأوروبي يعتبر انتصاراً لتركيا وأوروبا معاً , كما يعتبر نقطة تحول هامة في السياق الإقليمي , وقد يحدث ذلك خللاً في معادلة الشرق الأوسط , حيث تزداد شقة الخلاف بين أوروبا من جهة، وكل من سوريا وإيران المجاورتين لتركيا من جهة أخرى , وتتعقد أزمة الملف الإيراني بعد أن فشلت الترويكا الأوروبية حتى الآن في إقناع إيران للتخلي عن برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم, خاصة بعد أن شدّد الرئيس الإيراني الجديد على حق بلاده في ذلك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ورغم إدانة وكالة الطاقة النووية لإيران فإن انتقال الملف المذكور إلى مجلس الأمن لا يزال يلاقي صعوبات حقيقية , منها أن روسيا والصين تهددان باستخدام حق النقض من أجل إفشال محاولات اتخاذ تدابير وعقوبات ضد إيران التي تملك بدورها العديد من أوراق الضغط منها إنتاجها البترولي الضخم وتأثيرها على أسعار النفط خاصة مع اقتراب فصل الشتاء , مما يهدد بركود اقتصادي خطير خاصة بالنسبة للهند والصين واليابان , كما أن روسيا الاتحادية تربطها مع إيران اتفاقات ثنائية تجعل منها راعية البرنامج الوطني الإيراني, إضافة للدور الإيراني المتزايد والمؤثر في العراق , و امتلاكها لأوراق إقليمية أخرى مثل حزب الله وغيره من الحركات الإسلامية مثل حركة حماس التي استدرجتها إسرائيل مؤخراً إلى مواجهة عسكرية دفع المواطنون الفلسطينيون والمنشئات المدنية جرائها ثمناً كبيراً في غزة, في الوقت الذي تقتضي فيه مصلحة الشعب الفلسطيني الكف عن أي توجه لعسكرة قطاع غزة أو تحويله إلى قاعدة انطلاق لعمليات عسكرية, والعمل على تفعيل دور ومكانة السلطة الفلسطينية الشرعية بغية استثمار هذا الانسحاب لجعل قطاع غزة قاعدة لبناء مؤسسات الدولة المنشودة والتي تسهّل مهمة تحرير الضفة الغربية كذلك .

أواخر تشرين الأول 2005

اللجنة السياسية

لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org