العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13/10/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تجار الدم السوري!

فايز سارة

المستقبل

السبت 5/10/2013

عندما اطلق السوريون ثورتهم على النظام، كانت شعاراتهم الاولى الحرية والكرامة، قبل الانتقال للمطالبة باسقاط النظام، وهي شعارات تختصر اهداف الثورة على نظام استباح دم المحتجين والمتظاهرين السلميين وممتلكاتهم وبلدهم، واختار طريق القتل والدمار في مواجهة ثورة السوريين بهدف الاحتفاظ بالسلطة، فكان اول المتاجرين بالدم السوري بشعاره نقتلكم او نحكمكم، وهو شعار يختصر علاقة النظام بالسوريين منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في آذار 1963، وقد تم تجديده وتجذيره مع وصول الاسد الاب الى السلطة في العام 1970، حيث كرس سياسة القتل والدمار اسلوباً في التعامل معهم، ولم يوفر فرصة للتجارة بالدم السوري في معاركه للاحتفاظ بالسلطة على نحو مافعل في ازمة الثمانينات، حين قتل في مدينة حماة وحدها اكثر من خمسة واربعين الفاً في مذبحته الشهيرة، كما تاجر بالدم السوري في سياساته الاقليمية ومنها الحرب في لبنان والحرب ضد الفلسطينين والحرب في العراق وغيرها، وهذه ليست سوى امثلة لسياسة النظام ومتاجرته بالدم لتحقيق اهدافه في السيطرة وحكم سوريا.

وبطبيعة الحال، فان تجارة النظام بالدم السوري، تصاعدت مع انطلاق ثورة السوريين 2011 ومع استمرارها، وصلت المحصلة نحو مليون سوري، تأثروا في حرب العامين والنصف الماضيتين بينهم نحو خمس مائة الف ممن ماتوا او هم مفقودون ليس من امل في معرفة مصيرهم، وكله جرى تحت شعارات نظام، يسعى لارضاء عالم يسير في الحرب ضد الارهاب من خلال تأكيد انه يشن حرباً ضد جماعات ارهابية متطرفة، ودفاعاً عن نظام يحمي الاقليات، وضد متمردين متوحشين هدفهم السلطة، وليس ضد شعب خرج يطلب الحرية والكرامة، ويسعى من اجل تغيير ديمقراطي، يوفر العدالة والمساواة لكل السوريين.

ووحشية النظام ومتاجرته بالدم السوري حفاظاً على سلطته وارضاء الآخرين، فتحت الباب امام فئات اخرى بعضها ولد من خاصرة النظام، واخرى انطلقت من ضفاف خصومه او بالقرب منهم على قاعدة مخاصمة النظام، وكلها استعارت منهج النظام وطريقته في المتاجرة بالدم السوري، وفي الحالتين توفرت خدمة كبيرة للنظام، ليس في اشاعة نهجه في تدمير السوريين والسعي الى قهر ثورتهم فحسب، بل ايضاً في خدمة الآخرين الراغبين في دفع مسار الصراع بين النظام والشعب، مستغلين شعار الحرب على الارهاب الى مداه الابعد.

ان امثلة المتاجرين بالدم السوري، تزايدت مع اتساع اللجوء الى التسلح والعسكرة في سوريا، وبخاصة في المعسكر الموالي للنظام، والابرز فيهم مليشيات شبيحة النظام الذين اتبعوا نهجه، ومثلهم الجماعات الطائفية التي مضت بالقرب من النظام او من مؤيديه، وصولاً الى العصابات المسلحة والمؤلفة من مجرمين جنائيين، اطلقهم النظام من سجونه، وربطهم باجهزته ليعملوا باجندات واهداف معدة بواسطة واشراف ضباط في الاجهزة العسكرية والامنية التابعة للنظام، وكلهم ساروا على طريق النظام ونهجه في تجارة الدم.

وثمة آخرون ممن لم يكونوا اقل ضرراً في تجارة الدم، لكنهم كانو محسوبين او مقربين من بنى وتنظيمات، تزعم الانتماء للمعارضة، وانها تعارض تلك البنى المتمركزة في الخندق الآخر، فيما هي موضوعياً تخدمه خدمة كبرى في تعميق الصراع في البلاد، وتحويله من صراع بين النظام والشعب حول قضية الحرية والديمقراطية الى صراع بين الطوائف او صراع بين المكونات ماقبل الوطنية العرقية او المناطقية، وتلك التي تحولت الى امارات للحرب، اقتطعت مساحات في خريطة الصراع، وصار همها الحفاظ على مصالحها الضيقة، والتي هي غالباً مصالح شخصية وعائلية، ليست من الوطنية، وليست في اطار الثورة، ثم هناك فئات الفساد، التي نمت على هوامش الثورة وبعضها في تشكيلات وهيئات محسوبة على الجيش الحر، او بين صفوفه.

ان تنظيمات التطرف الديني في مثال الدولة الاسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة، التي توسعت حدود انتشارها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتسعى الى الانحراف عن اهداف الشعب والثورة في الحرية، وتعمل نحو اهداف دولة اسلامية على نهج "القاعدة"، ومثلها جماعات تطرف قومي منها وحدات الحماية الشعبية، التي تعمل في الحيز الجغرافي ذاته، وتسعى الى كيانات تحت سيطرتها، وباهداف تناقض مسار الثورة نحو الحرية، وتخالف وحدة السوريين في مواجهة النظام وتحديات المستقبل المشترك لكل السوريين، هما مثال لتجار الدم لجهة سحب السوريين الى صراعات دموية داخلية تستنزف قدراتهم وطاقتهم، بدل ان توجه كل الطاقات في مواجهة النظام واعادة بناء سوريا المستقبل.

لقد بات من الضروري اعادة تقويم الواقع بصورة موضوعية، والقيام بفرز حقيقي للقوى القائمة على الارض والمنخرطة في الصراع، واعادة ترتيب الاوضاع بالاستناد الى من يقف الى جانب النظام ويخدم اجندته من جهة ومن يقف في جانب الثورة والشعب، حيث يقف الطرف الاول في صف تجار الدم من النظام والمتطرفين والفاسدين وامراء الحرب، ويقف الطرف الاخر في صف المدافعين عن الشعب والثورة من الثوار والنشطاء واغلب تشكيلات الجيش الحر، ومالم يحصل ذلك فان تجار الدم سوف يتزايد عددهم، ويزداد نفوذهم وانتشارهم في الواقع السوري الذي يندفع مثل كرة الثلج نحو الاعمق في التردي الذي لاحدود له.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
في مآزق المعارضة السوريّة وأخطائها القديمة المتجدّدة

عارف حمزة

المستقبل

الاحد 6/10/2013

هناك حقيقة غير مجهولة من الناس، هي أنّ الكثير من المعارضين السورييّن كانوا سجناء رأي في أقبية أمن النظام من دون محاكمة، أو نالوا أحكاماً "قضائية" قاسية من دون محاكمات عادلة. لدرجة أنّ كلّ شخص، حتّى إن لم يكن سياسيّاً، كان يدخل السجون السوريّة. وبسبب الفساد المتعاظم لمنظومة القضاء السوريّ والأجهزة الأمنيّة والإداريّة، كان يتحوّل إلى معارض بمجرّد دخوله ثمّ خروجه من المعتقل، حتى أن مقولة كانت تشاع بأنّ النظام السوريّ كان يصنع معارضيه بيديه.

ما أريد الحديث عنه هنا هو تشابه المرافعات التي كان يُقدمها كثير من محامييّ سجناء الرأي، في ذلك الوقت. أمام محكمة أمن الدولة العليا الملغاة، والمحاكم العسكريّة السيّئة الصيت كلّها، والمرافعات غير المجدية التي يقدّمها المعارضون السوريّون، ضمن الائتلاف السوري لأطياف المعارضة السوريّة، وغيرها، في المحافل الدوليّة وللرأي العام الداخليّ. فأمام محكمة أمن الدولة العليا، التي كان يرأسها القاضي فايز النوري مع مستشارين أحدهما مدنيّ والآخر عسكريّ برتبة عميد، كان يترافع شيوخ المعتقلات السوريّة، وليس محامين مختصّين بالمعنى القانونيّ للكلمة. فقد كان هناك الكثير من المحامين الذين قام باعتقالهم الرئيس الراحل حافظ الأسد مع بشائر حركته التصحيحيّة التي قادها في عام 1970، وخلال المآسي التي عاشتها البلاد في فترة الثمانينات، التي تصارع فيها النظام مع حركة الإخوان المسلمين علانيّة، عسكريّاً، وفي الخفاء كان يُلقي النظام القبض على اليسار السوريّ بمختلف درجاته. الكثير من هؤلاء المحامين قضوا أغلب عمرهم في المعتقلات، ولم يترافعوا سوى أمام محكمة أمن الدولة العليا، فكانوا يُقدمون مرافعات لا علاقة لها بالقضية التي يترافعون بشأنها، ولا بالقانون وثغراته ومراكز موكليهم القانونيّة، والعمل على براءتهم بالاستفادة من شتى الظروف. بل كان آخر همّهم، ربّما، المعتقلين الذين يترافعون عنهم كمحامين متطوّعين. كانوا يُعرّون النظام وديكتاتوريّته وفساد القوانين، وعدم أهلية السلطة التشريعيّة التي تصدرها. والحديث دائماً عن قانون الطوارئ، وعدم الفصل بين السلطات واستقلاليّتها، وعدم احترام دستور البلاد، وعدم دستوريّة إنشاء محكمة أمن الدولة العليا نفسها، والمطالبة بتفكيك الدولة الأمنيّة، وتعرية انتهازيّة وعدم مصداقيّة حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ الذي استحوذ على كلّ مقدرات البلد، وشرع ذلك دستوريّاً بأنّه القائد للدولة والمجتمع... الخ. وكانت هذه المرافعة، رغم صحة كلّ ما جاء فيها، وشجاعة مَن كان يتفوّه بها، تتكرّر في كلّ القضايا المعروضة على المحكمة، وأيّاً كانت التهمة الموجهة للمعتقل؛ سواء أكانت التهمة تجسّساً، أو انتماء لمنظمة محظورة تريد اقتطاع جزء من سوريّا وإلحاقه بدولة أخرى، أو إنشاء لمنظمة تتلقى تمويلاً من الخارج، أو نقل معلومات إلى العدوّ، أو تهديد كيان الدولة الاقتصادي والنظام الاشتراكي، أو إنشاء حزب معارض، أو حتّى شتم الرئيس الخالد... وكلّ ذلك دون الالتفات جديّاً للناحية القانونيّة التي قد تثبت براءة المعتقل. وربّما عدم الالتفات هذا جاء بسبب تأكّد المرافعين بأنّ هذه المحكمة غير دستوريّة، وبأنّ قضاتها لا يفقهون بالقانون، وبأنّهم لا يملكون القرارات التي سيصدرونها؛ بل تأتيهم جاهزة من مكتب الأمن القومي. وكلّ هذا صحيح أيضاً. ولكن هناك حالات، كنّا شهوداً عليها، شدّدت فيها أحكام المعتقلين بسبب تلك المرافعات. وأيضاً هناك حالة أصبحت سابقة قانونيّة لدى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق، وطبقت، فيما بعد، على كلّ الحالات اللاحقة؛ ففي عام 2004 ، وأثناء محاكمة السيد أكثم نعيسة، رئيس لجان الدفاع عن الحريّات الديموقراطيّة وحقوق الإنسان في سوريّا، قمنا، نحن المحامين المتطوّعين الشبّان، بتقديم إخلاء سبيل له. فجنّ جنون المحامين القدامى، والكبار في السنّ، والذين جلّهم الآن في معارضة الخارج، وقاموا بتوبيخنا على أنّنا نجهل القانون. كنّا نريد، أنا والصديق مهند الحسني، الذي تمّ طرده من نقابة المحامين في دمشق، على يد السيد رئيس مجلس الشعب الحالي، لعمل الحسني في حقوق الإنسان!، أن نستفيد كمحامين من الضغوط الدوليّة التي كانت تطالب السلطات السوريّة بإطلاق سراح السيّد نعيسة، وبسبب حالته الصحيّة التي تدهورت في المعتقل. وكنا قد قرأنا قانون إنشاء محكمة أمن الدولة العليا ولم نجد فيها ما يمنع محاكمة المتهم أمامها طليقاً، أو تقديم إخلاء سبيله له. صحيح أنه لم يتم إخلاء سبيل أيّ معتقل من قبل المحكمة منذ إنشائها إلى ذلك الوقت. إلا أنّ المفاجأة حصلت وقرّرت المحكمة إخلاء سبيل نعيسة بكفالة نقديّة بتاريخ 16/8/20004. وبعدها صار هذا الشيء شيئاً عاديّاً وممكناً لآلاف المعتقلين. طبعاً صرّح أولئك الشيوخ الكبار في السياسة والسن، لوسائل الإعلام، بأنّ إخلاء سبيل نعيسة يعتبر فتحاً وإنجازاً وسابقة قانونيّة مهمّة! هم الذين قالوا لنا: روحوا ادرسوا القانون قبل ما تبهدلونا أمام الناس!

والآن وعلى المثال السابق تفتقد المعارضة للحنكة السياسيّة التي بإمكانها نقل الحقائق للعالم عن واقع الشعب السوري منذ انطلاق الثورة السوريّة قبل عامين ونصف. فالمشهد ما زال، في الخارج، هو اقتتال طائفيّ بين الطائفتين السنّية والعلويّة. بينما هو على أرض الواقع بين الجيش، التابع للفرع وليس للأصل، أي للسلطة وليس للدولة، وبين الشعب الرافض للذلّ.

واستطاعت الآلة الإعلاميّة الحكوميّة السوريّة كسب رأي الشارع العالمي، علينا الاعتراف بذلك، في الوقت الذي كان العكس هو ما كان يجب أن يحصل؛ فعندما قام النظام بتسهيل دخول مقاتلي القاعدة، عبر إيران والعراق، وادّعت بمحاربة الإرهاب على الأرض السوريّة. كان موقف المعارضة السوريّة، التي لا تملك قراراتها، ويا للأسف، غضّ النظر ثم الترحيب بوجود هذه العناصر. وحتى عندما أعلنت جبهة النصرة عدم اعترافها بالائتلاف السوريّ لحظة تشكيله، وبأنّها لا تنضوي تحت مظلة القيادة العامة للجيش السوريّ الحرّ، وبأنّها تأخذ أوامرها ورؤيتها من أيمن الظواهريّ، لم تفضح النظام السوريّ بأنّه وراء إدخال هذه العناصر؛ فبدا الأمر كأنّ المعارضة هي من فعلت ذلك، كي تدفع الأمور نحو الحرب الأهليّة. فبدت المعارضة السوريّة المسلّحة، من وجهة نظر الشارع الغربيّ، على أنّها تريد إسقاط نظام بشّار الأسد لتأسيس دولة القاعدة في قلب الشرق الأوسط، بالقرب من مدلّلتهم "إسرائيل"، ومن أجل تصدير تلك الثورة الإسلاميّة المتشدّدة، السلفيّة والجهاديّة، إلى كلّ العالم، مما باتت هي، من وجهة النظر تلك، تشكّل تهديداً للأمن العالمي، وليس نظام الأسد الذي استخدم حتى الأسلحة الكيمائيّة.

وعندما ظهر تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام، وقام "باحتلال" الأجزاء الشماليّة التي حرّرها الجيش الحرّ من جيش النظام، والتي تعتبر المعبر الأساسيّ للأسلحة النوعيّة المتوجّهة إلى الجيش الحرّ، ومحاربة الجيش الحرّ هناك، بالتزامن مع إعلان قرب توجيه الضربة الأميركيّة للنظام، حيث أعلنت وقتها دولة العراق والشام بأن الضربة "ستقتل أيّ سوري مهما كان انتماؤه"!، قامت بعض شخصيّات المعارضة بالتخفيف من الأمر، وبأنّه يمكن حلّ المشكلة "بالحوار مع تلك الدولة" وبأنّ الخلاف سيحلّ بينهم، على الرغم من الدماء التي سفكت، "بالعقل وليس بالسلاح"!. فعلت أصوات معارضة، من الداخل خاصّة، بأنّه إذا كان الائتلاف قد رفض الحوار مع النظام؛ لأنّه غير مأمون الجانب، وليس صادقاً في طرح الحوار، فكيف يمكن لها أن تتحاور "بالعقل" مع دولة العراق والشام التي أعلنت هدر دم السوريّين، كلّ السوريّين؟ وهناك أصوات ما زالت ترى بأنّ دولة العراق والشام وكذلك جبهة النصرة بأنّهما يعملان على احتلال سوريّا، بخاصّة في المناطق المحرّرة منها، لوجود عناصر كثيرة غير سورية الجنسيّة بينهم، بينما النظام، وفق وجهة نظرها، هو نظام سوريّ في النهاية رغم ديكتاتوريّته ودمويّته.

المعارضة السوريّة، بتحالفها، من طرف واحد، مع الجماعات الجهاديّة الإسلاميّة المتشدّدة، التي ما زالت لا تعترف بهذه المعارضة ولا بحكومتها المؤقتة وفق بيانها الأخير لثلاثة عشر فصيلاً إسلاميّاً مسلّحاً ومقاتلاً على الأرض السوريّة، التي وقعت تحت سيطرة حركة الإخوان المسلمين، ما عادت تعرف كيف تخرج من مأزقها هذا وهي تتطلّع لتحقيق حلمها في الدولة الديمقراطيّة المدنيّة المتعدّدة، دولة الحق والقانون والمواطنة. فباتت مرفوضة من المعارضة الإسلاميّة المسلّحة في الداخل، وهي ذات ثقل وعدد كبيرين، وكذلك مرفوضة من النظام السوريّ الذي يصف أياديها بأنّها ملطخة بدماء السوريّين، وبجلب الإرهاب إلى البلاد!

إن كلّ ما روّج له النظام السوريّ منذ بداية الثورة على أنّ الثوّار إرهابيّون يُريدون جرّ البلاد إلى حرب أهليّة، أو حرب طائفيّة على الأقل، ستؤدّي إلى تقسيم البلاد، قد وصل إلى الرأي العام العالمي، ولو أنّها مخالفة للحقيقة والواقع، من خلال حنكته السياسيّة والمخابراتيّة المدعومة من دوائر دبلوماسيّة وعسكريّة ومخابراتيّة خارجيّة لها وزنها وتجربتها وخبرتها. بينما بقيت المعارضة السوريّة أسيرة أفكارها الشخصيّة المرتبكة والمشتّتة، وغير مبدعة سياسيّاً، وغير خلاقة لما يتأمّله السوريّون أثناء إفاقتهم من المجازر. لقد بدا الأمر مريحاً للنظام السوريّ؛ طالما هو من ربّى هذه المعارضة في أقبيته الأمنيّة وسجونه، وفق وصف العامّة الخائبين هنا في سوريّا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الحوار الجاد ذو المصداقية مدخلنا إلى الدولة الوطنية المدنية التعددية التداولية الجامعة

زهير سالم*

يكثر في فضاء الثورة السورية الدولي والإقليمي الحديث عن دعوة لمؤتمر يطلق عليه مؤتمر ( جنيف2 ) ، تأسيسا على ما قيل إنه مؤتمر ( جنيف 1 ) الذي تم اقتراحه في إطار جهود الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان ، والذي لم يلتزم بشار الأسد بأي بند من بنوده ، مما أدى إلى استقالة السيد عنان ، وانسحابه من الساحة بلطف ، لينفرد بشار الأسد وداعموه في فرض تصور للقاء في جنيف يخدم أهداف عصابة الجريمة ويمكنها من الاستمرار في قتل السوريين ، وتدمير بلادهم ، والاستبداد عليهم لعقود قادمة .

 يتم كل هذا بتواطئ لم يعد يخفى من قوى تسمي نفسها ( أصدقاء الشعب السوري ) ، أو تدعي أنها داعمة لمشروع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في هذا العالم . إن أبسط ما يمكن أن يفسر به موقف هذه القوى من مشروع حرية الشعب السوري ودولته المدنية الديمقراطية هو التخلي واللامبالاة وإدارة الظهر لقوى الاستبداد والتعصب والطائفية للتغول على المطالبين بالحرية والداعين إليها .

وحين يعلن الشعب السوري وقواه الحية ( لا ) كبيرة لمؤتمر يضع أسسه وأفقه ويحدد أطرافه وأهدافه أعداء الحرية والمصادرون للديمقراطية أو المخوفون والمتخوفون منها؛ فإن هذا لا يعني أن الشعب السوري يرفض الحوار الوطني مع جميع القوى الأهلية والمدنية والسياسية بخلفياتها المختلفة للتأسيس لدولته المدنية التعددية التداولية التي ثار مطالبا بها .

يكثر أن يسمع العالم من قادة وزعماء ورؤساء حكومات عندما تختطف طائرة أو قارب لبلادهم : عبارة لا حوار مع الإرهابيين ، فكيف يمكن أن يدعو عاقل إلى حوار مع مجرم حرب شهدت التقارير الدولية المحايدة أنه ضرب شعبه بالكيماوي . وعاين القريب والبعيد طائراته وصواريخه البالستية تقصف الأحياء السكنية فوق رؤوس المواطنين الأبرياء .

يتحدد الموقف من الدعوة إلى أي حوار على جملة أمور أهمها : الهدف من الحوار ، وطبيعة المشاركين فيه ، وحقيقة الجدية والمصداقية في عقولهم وقلوبهم .

لقد أعلنت جميع القوى السورية أنها لن تشارك في أي حوار لا يكون هدفه الواضح والمعلن الانتقال إلى بناء جديد لدولة مدنية عصرية ترسي قواعدها على دستور مدني يستمد الفرد كما تستمد الجماعة قوتها وسلطتها منه ؛ وليس من أي قوة ( قهر ) عسكرية أو أمنية . بحيث تكون القوة المعنوية أو الاعتبارية للدستور المدني أقوى من دبابات ومدافع المتغطرسين ...

إن أصحاب العاهات النفسية الذين ارتضوا أن يحولوا ( الجيش الوطني ) ورجاله إلى أدوات للقتل والتدمير لن يكونوا أبدا جزء من المستقبل المأمول المختلف نوعيا عن الواقع المتعفن بكل ما فيه .

لا شك أن يشعر الناس في سورية بصعوبة أن يجدوا ممثلا ( جامعا مانعا ) لمجتمع خرج في ثورة بعد نصف قرن من سياسات ممنهجة دمرت في هذا المجتمع كل بنية ( أهلية ) أو ( مدنية ) . إن المخاض الذي عاشته الثورة السورية خلال أشهرها الثلاثين قد أفرزت الهيئة الوطنية التي سيعهد إليها تمثيل هذا المجتمع بكل من فيه ، وسيتم هذا في إطار المحددات الوطنية التي تم التوافق عليها وتحت مراقبة آنية ومباشرة من أعين الجماهير .

 ومن هنا سيكون مرفوضا رفضا مطلقا أن يحاول البعض الدس والخديعة لتفتيت الموقف الثوري أو لتمرير بعض من أسقطتهم ممارساتهم من مستقبل الشعب السوري .

إن الذين يدعون الناس إلى تعلم ( السباحة ) قبل القدوم إلى موائد الحوار ، يعلنون بشكل غير مباشر أنهم سيراوغون ويناورون ويماطلون ويخادعون . إن أي حوار مع هؤلاء هو مضيعة للوقت والجهد . وإن الاستجابة لأي حوار يكون مثل هؤلاء طرف فيه لن يكون من شأن القاصدين والجادين والصادقين .

لن يشارك الجادون في أي حوار يكون أفقه التفاوض حول جرعة الهواء الذي يحق للفرد السوري أن يملأ بها صدره أو يعبئ بها مع كل نفس رئتيه . ولن يشاركوا في أي حوار يكون على جدول أعماله أن يبحثوا في حق مواطنيهم في الخبز أو في الحرية . ولو كان هؤلاء الذين يعلنون استجابتهم للحوار جادين أو صادقين لرفعوا الحصار عن حليب الأطفال قبل أن يتحدثوا عن أي شكل من أشكال الحوار . أو لتوقفوا عن الكذب أو عن القتل الذي يمارسونه كما يتنفسون .

إن الموقف من الدعوة إلى مؤتمر ( جنيف 2 ) المبهم والغامض والمريب تتحدد بناء على كل ما سبق . إن الذين يعلنون اليوم بوضوح لا لبس فيه ( لا ) لجنيف 2 ؛ لا يعلنون ( لا ) للحوار الوطني ، وإنما يعلنون ( لا ) للحوار العبثي ، لا للحوار مع قتلة الأطفال ومجرمي الحروب و ( لا ) هذه تتضمن في صميمها ( نعم ) كبيرة للحوار الوطني الجاد الهادف القاصد الذي يجب أن يؤسَّس ليؤسِّس لدولة المستقبل التي يحلم بها جماهير السوريين .

إلى هذا الحوار مع كل مكونات المجتمع السورية الأهلية والمدنية بخلفياتها المختلفة يجب أن يعمل العاملون . وإليه ندعو وإلى مثله إذا دعينا يمكن أن نجيب ...

لندن : 6 ذو الحجة 1434

11 / 10 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

zuhair@asharqalarabi.org.uk

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الذكرى الأربعون لحرب تشرين التحريرية

بدرالدين حسن قربي

أعلن نظام الأسد في 9 سبتمبر/أيلول الماضي 2013 موافقته على ماسمّي بالمبادرة الروسية المتضمّنة تسليم مايملكه كاملاً من الأسلحة الكيماوية للمجتمع الدولي بقصد تدميره والتخلص منه ورميه في القمامة، مقابل أن يتوقف التهديد بالضربة الأمريكية له بسبب استخدامة الكيماوي في ضرب الغوطة الشرقية يوم 21 أغسطس/آب وموت أكثر من 1500 شخص بينهم قرابة 400 طفل. يلفتنا دائماً إعلام التشبيح الرسمي في هرجه وتهريجه المعتاد من اعتبار هذا الخضوع والاستسلام انتصاراً كبيراً مشهوداً للنظام، وهزيمة كبرى للأمريكيين وحلفائهم الأوروبيين، فبوارجهم وسفنهم ارتدّت بعدها على أدبارها مكسورةً مهزومة. وهو شأن مألوف مع نظام الأسد والدٍ وولد، فأياً كانت معارك النظام، فنتيجتها هي النصر طالما قائدها الأسد، وطالما أن الأمر مرهون باستمراره في حكم سوريا ونهبها وقمع أهلها.

في حرب الأيام الستة من حزيران 1967، تم اقتطاع الجولان السوري ( 1260 كم مربع) وكان وزير الدفاع وقتها الأسد الأب، وأصرّ إعلام شبيحة النظام وقتها على أنهم لم يخسروا المعركة، لأن هدف إسرائيل الرئيس كان إسقاط النظام، وطالما تمّ إفشال هذا الهدف ولم تنجح فيه، فنتيجة الحرب خسارة لها ونصر للسوريين. وفي حرب 1973 ، ورغم أن إسرائيل احتلت قرابة أربعين قرية سورية جديدة مضافة للجولان، فلم يجد الأسد الأب أشد دقةً من أن يُسمّيها: حرب تشرين التحريرية.

أما كيف كانت تحريرية ولم يتحرر فيها شبر واحد من أراضي جولاننا السوري المحتل بل خسارة في الأرض مشهودة، فيمكن معرفة الإجابة من فلسفة بشار الأسد وكلام شبيحته. فبشار بمناسبة ذكرى هذه الحرب، ورغم أنه عمره كان وقتها سبع سنوات، فقد قال لصحيفة تشرين: بأن الناس يقيسون الانتصارات من خلال الأمتار التي كسبتها الجيوش أو التي خسرتها، وكثيراً ما قُيّمت حرب تشرين انطلاقاً من هذا الموضوع، ولكن الحقيقة أن مفهوم الانتصار هو أشمل من ذلك. ولفهم هذا الفهم الأشمل، فقد قال اللواء محمد ابراهيم الشعار وزير داخلية بشار بأن معركة تشرين التي قادها حافظ الأسد، ردّت للعرب ثقتهم بأنفسهم، ومن رحم انتصاراتها قبل أربعين عاماً ولدت ثقافة المقاومة لدى السوريين. وهو ماقال بمثله هلال هلال الأمين القطري المساعد للحزب في تصريح له بأن حرب تشرين التحريرية كانت نقطة تحوّل في تاريخ الأمة العربية وبدايةً لعهد الانتصارات. أما أقبحهم وكلهم قبيحون فهم الذين اعتبروا الثورة السورية الراهنة امتداداً لمؤامرة ومعها مخططات إذكاء الفتن الطائفية والإقليمية على سوريا، وأنها بدأت مع هزيمة إسرائيل في تشرين الأوّل 1973، على يد الأسد الأب. ومن ثم فقد كانت هذه التسمية التحريرية على الدوام مثار الضحك والفكاهة، إذ خسرنا فيها ماخسرنا وصارت تحريرية، إذاً كيف لو لم نخسر فيها شيئاً..! وعليه، فلم يكن غريباً أن تسمع جواب نازح من قريته الجولانية عام 1973 عندما تسأله عن الحرب التي نزح بسببها، أن يقول: نزحت من قريتي في حرب تشرين التحريرية.

وبمناسبة الاحتفاء الرسمي بهذه الذكرى منذ أيام، فإن المجتمع الدولي بالتعاون مع حكومة الأسد لم يجد أنسب من ذكرى حرب تشرين التحريرية يوماً، للبدء بتدمير الترسانة الكيماوية السورية وتفكيكها والتخلص منها ورميها في الزبالة. فقد أعلنت الأمم المتحدة أن عملية التدمير قد انطلقت يوم الأحد السادس من تشرين أول/اكتوبر 2013 وهو تاريخ له رمزيته، بإشراف خبرائها رغم أنه يوم عطلة عندهم، على قيام السوريين أنفسهم وبأيديهم أنفسهم بتدمير رؤوس صواريخ حربية وقنابل جوية ومعدات صناعية لهذه الأغراض.

لانريد الدخول بتفاصيل حرب تشرين وماوراءها، ولكن بالمختصر أولها على الأرض قرابة أربعين قرية وبلدة كانت خسارة، وتاليها شعارات فارغة ولا نفع لها وجعلوا منها تجارة، وآخرتها بعد أربعين عاماً بالضبط باتت يوماً مشهوداً لاستسلام الأسد وتسليم السلاح الاستراتيجي عساه أن يُمدّد له في حكم شعب ثائر عليه حتى الخلاص منه والرحيل.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=tk4PwrRngEk

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصراع على المشهد السوري

ماجد كيالي

المستقبل

الاحد 6/10/2013

باتت صورة المشهد السوري اليوم تبعث على التأسّي والإحباط والقلق، ليس فقط بسبب مستوى القتل والتدمير الذي فاق كل التصورات، منذ عامين، ولا بسبب حال الإنكار لما يجري والتنكّر للضحايا، فهذه كانت منذ البدايات، أي منذ ثلاثين شهراً، وإنما هي كذلك، تحديداً، بسبب "اختفاء" المجتمع السوري، وتغييب السوريين، من الصورة، وبسبب أن الوعود والآمال التي أيقظتها وغذّتها الثورة السورية، لاسيما في عامها الأول، تكاد تختفي، أو تصبح من المستحيلات.

هكذا، وبعد ثلاثين شهراً، ماعادت الثورة هي ذاتها، فقد اختفى الشباب الذي اشعل الأمل في قلوب السوريين، ولم يعد غياث مطر ينظم التظاهرات السلمية، ويوزّع الماء والورود على الجنود في داريا، لقد اختفى أمثال غياث، أيضاً، مع اختفاء المئات من النشطاء من أمثاله، الذين ركز النظام على استهدافهم بالقتل والاعتقال والملاحقة والتشريد.

اليوم، أيضاً، ما عاد الشباب والشابات يخرجون في تظاهرات طيّارة في الحميدية أو سوق ساروجة أو الصالحية أو في ساحة عرنوس وفي القابون وبرزة وداريا والحجر والميدان في دمشق، او في الزبداني ودوما وقرى الغوطة الشرقية والغربية. كذلك لم تعد ساحات حماه وحمص ودير الزور وبانياس تشهد اعتصامات بمئات او عشرات الألوف، وأهالي قرى حوران لم يعودوا يخرجون في "فزعات" حاشدة من قرية الى قرية، أو باتجاه درعا. وماعدنا نرى دبكات الصبايا والشباب وحركاتهم الجماعية الايقاعية، التي ادهشتنا، كما ولم نعد نسمع الأهازيج، "ويللا ارحل يابشار"، فقد انتزعت حنجرة القاشوش، وباتت لافتات كفر نبل، الجميلة والذكية والنبيلة، تميل نحو السخرية السوداء، أكثر فأكثر، مع حلول الرايات السوداء، وحملة السلاح الملثمين أو الغريبين المقحمين في المشهد السوري لتوظيفات غريبة عن سوريا وشعبها.

حقاً، لقد اختلفت امور كثيرة، وباتت الكلمة اليوم للقذائف الصاروخية من البر ومن الجو، ولشبح الغاز الكيمياوي، ولزخّات الرصاص الغادر، بحيث احتل الخراب، الذي عمّ مدن السوريين العامرة حيّزاً كبيراً من الصورة، أو من المشهد السوري، الذي يصعب تحمله مع كل الدمار الذي حلّ في أحياء مدن حلب وحمص ودرعا ودوما وأحياء القابون وجوبر وداريا وبرزة في دمشق، والتي باتت تتجلى في مشاهد كارثية بحدّ ذاتها، كأننا في يوم "القيامة"، فكيف الحال مع تخيّل أن ثمة في كل بيت حكاية، او حكايات، لبشر من لحم ودم، لأطفال وشباب، لآباء وأمهات.

الأنكى أنه فوق صور الدمار هذه بات ثمة حيّز في المشهد السوري لصور أخرى، تظهر السوريين كمشردين، ونازحين داخل سوريا، وكلاجئين في حالة جدّ مؤسّية، في لبنان والأردن ومصر وتركيا، وهي صور باتت تحتل حيزها الخاص في الصورة، أيضا على حساب صورة الثورة، لاسيما مع مشاهد البؤس في مخيم الزعتري او مشاهد الموت في عباب البحر قرب شواطئ الاسكندرية.

لم يكتف النظام بكل ذلك، فدمار سوريا لا يكتمل عنده من دون تدمير معناها، ولذلك لابد من صناعة قصة، أو صناعة صورة، تساهم بدورها في قتل معنى الثورة السورية، وتشكك بصدق مقاصدها. وقد شهدنا أن النظام أسهم في صناعة الحرب الأهلية، بمعناها الضيق، واشتغل على ترويج قصة الحرب الدينية، الأمر الذي اسهم فيه، أيضاً، ظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي لعب في بروزها، والنفخ فيها، أطراف عربية وإقليمية، مع شبهات تحيط بإدوار معينة للنظام الإيراني وللنظام السوري ذاته. وقد شهدنا، كيف تم تطعيم هذه الصورة بالحكايات المفبركة والمشينة عن ما يسمى "جهاد النكاح"، كأن السوريين المحاصرين والمعتّرين، لديهم حيّز لذلك، حتى انه عبر عن ذلك بوضاعة بعرضه الطفلة روان على الفضاء العام، من دون مراعاة حتى لأية معايير دينية أو أخلاقية، كما شهدنا القصص المتعلقة باقتحام معلولا، مع أن "آباء" معلولا تحدثوا عن روايات اخرى، تثير الشبهات بشأن دور النظام في كل ماحصل.

واضح من كل ذلك أن النظام يشتغل على الترويج لصورة معلولا وروان وابو صقار وجماعات القاعدة، التي خرج معظمها من سجونه ومن سجون المالكي، كي تحل محل صورة النشطاء من الشباب والشابات الذين اشعلوا الثورة، وشعلة الحرية، في قلوب السوريين، في شوارع دمشق ودرعا وحمص وحلب وحماه والدير واللاذقية.

هذا هو باختصار معنى الصراع على صورة الثورة، هذا ما اراده النظام منذ البداية، بعد أن اكتشف أن فكرة "سوريا الأسد" انتهت إلى الأبد، وإلى غير رجعة، مع اول تظاهرة اقتلعت الخوف من قلوب السوريين.

والقصد أن النظام اشتغل منذ البداية على حرف الصراع في سوريا، من كونه ثورة ضد الاستبداد الى كونه بمثابة حرب أهلية، وهو الذي عجّل في نقلها من حالة الصراع في سوريا إلى حالة الصراع على سوريا، باستدعائه إيران وحزب الله وميلشيات أبو الفضل العباس من العراق، وبتغطية من روسيا بوتين، التي استهواها الأمر، فلم يعد يعنيه من قصة معلولا مثلا، ومن ادعائه حماية "الاقليات"، سوى تعويم دوره كوكيل محلي في الحرب على الإرهاب، تماما مثلما لم تعد تعنيه ادعاءات الممانعة، والتوازن الاستراتيجي، بعد أن رضخ بطريقة وضيعة للمطالبة الدولية بتدمير سلاحه الكيماوي.

وقصارى القول، ففي الصراع على سوريا، باتت المعركة في جزء كبير منها على الصورة، إذ لم يعد المشهد يتألف من صورتين متقابلتين ومتصارعتين، على الحيز ذاته، وما كان يمكن ذلك، فالثورات تفجر كل شيء في المجتمعات، الجيد والسيء، الايجابي والسلبي، النبيل والحقير، وهذا أمر طبيعي، عرفته كل الثورات في التاريخ، لكن مشكلة الثورة السورية أنها عفوية أولاً، وأنها تفتقد للقيادة وللاجماعات الوطنية ثانيا، وأنها تواجه كل ذلك بثمن باهظ جدا، وفي ظل حال من الإنكار، وعدم التفهّم، لاسيما مع المداخلات الخارجية، المضرة والمخربة، والخبيثة، ثالثاً.

إذاً، الثورة تصارع اليوم على صورتها، ونبل مقاصدها، وهي تجاهد بتضحيات شعبها واصراره وصموده كي تحتل حيّزاً أكبر في المشهد، على حساب النظام، والقوى الأخرى الدخيلة والمتطفلة والعبثية، لكن ذلك ليس هيّناً، مع ضعف امكانياتها، ومع كل البطش الذي تواجهه، والتنكر الذي تتعرض له، في صراعها على ادراكات السوريين والعالم. حقاً لقد اختلطت الصورة، فلم تعد هي ذاتها، تلك الصورة المتخيّلة، أو الرومانسية، عن الثورات، المفعمة بالأمل، والتي تفتح على وعود الخلاص، وأحلام التغيير، لكن هكذا هي ثورات الحرية فهي بمثابة حالة تفجير بدائي أصلاً، مهما تغطت بالشعارات والأيدلوجيات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيها العرب: دونكم الخريف، أما الربيع فلا تحلموا به!

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 6/10/2013

رغم قوة أجهزتها الاستخباراتية الرهيبة، إلا أن الدول الغربية وأذنابها من طواغيت المنطقة فشلوا فشلاً ذريعاً في استشراف الثورات، أو حتى التنبؤ بها، بدليل أن الاستخبارات الأمريكية اعترفت بأنها فوجئت بالثورات العربية وسرعة اندلاعها. وبدورها لم تستطع الاستخبارات العربية في بلدان الربيع العربي استشعار الحراك المتصاعد الذي أدى أخيراً إلى زلزلة الأرض تحت أقدام الديكتاتوريات. وقد أنب أحد الزعماء العرب أجهزته الأمنية الرهيبة على فشلها في رصد الغليان الشعبي على مدى سنين. لا بل راح يستعيض عن الأجهزة بالجيش لضبط الأمور وتسييرها، بعدما خذلته الأجهزة.

لكن يجب الاعتراف أيضاً أن القوى المتحكمة بالمنطقة وعلى رأسها أمريكا وحلفاؤها من الطواغيت الساقطين والمتساقطين لم يألوا جهداً في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بعد فشلهم في الحيلولة دون اندلاع الثورات. وقد أظهرت الشهور القليلة الماضية كيف استطاعت أمريكا وفلول الأنظمة القديمة في عكس حركة الدومينو، لا بل تحويل الثورات إلى وبال على شعوب البلدان التي قامت فيها.

لقد ثارت الشعوب بالأصل من أجل التغيير والإصلاح، لكن أعداءها في الداخل والخارج عرفوا كيف يضعون العصي في عجلاتها، وحتى فرملتها، وجعلها تحن إلى أيام الطغيان الخوالي، مع الاعتراف طبعاً بأن هناك شريحة شعبية كبيرة ليست نادمة على الثورات مهما كانت التضحيات. لقد نجح الخارج والداخل المتحالف معه حتى الآن في حرف الثورات عن مسارها وتحويل كل واحدة منها باتجاه معين.

في مصر مثلاً عاد النظام السابق منتقماً إلى السلطة بقوة أكبر بكثير. وقد ساعده في ذلك الغضب الشعبي على القيادة الجديدة التي فشلت في تحسين أوضاع الشعب المصري، أو بالأحرى التي تم إفشالها من قبل الدولة العميقة المنتمية للنظام السابق بالتعاون مع قوى عربية وإقليمية ودولية وعلى رأسها أمريكا. بعبارة أخرى، يمكن القول إن الثورة المصرية الأولى التي اندلعت في 25 يناير تبخرت، وحلت محلها ثورة مضادة. ليس هناك أدنى شك أن الثورة المضادة اندلعت بتأييد شعبي كبير، لكن العبرة دائماً بالنتائج، فهل تحسنت الأوضاع بعد إسقاط محمد مرسي، أم أن مصر مقبلة على مستقبل مظلم نتيجة الصراع السياسي والتدهور الاقتصادي؟ لكن هذا الوضع لن يضير المنقلبين على الثورة في الداخل والخارج طالما أنهم أحبطوا الثورة، وجعلوا الشعب يحن إلى أيام الطغيان الخوالي. والسؤال الآن، هل سيقبل الشعب الخدعة التي تعرض لها، ليس دفاعاً عن محمد مرسي، بل لأنه وجد نفسه من جديد في مواجهة النظام القديم؟ لن تنته الأمور هنا، فالوضع يبقى سيالاً في كل الاتجاهات على تعاسته. لكن هذا لا ينفي أن الأمور تعقدت لصالح أعداء الثورة وضد مصالح الثوار.

وحدث ولا حرج عن الوضع في سوريا، فنجاح أعداء الثورة في مصر صب في صالح النظام في سوريا رغم أن النظام السوري من المفترض أنه على عداء مع نظام مبارك في مصر. لكن مع ذلك، نرى الآن أن هناك ما يشبه التحالف غير المعلن بين الانقلابيين في مصر والنظام في سوريا على اعتبار أن الطرفين يواجهان الإسلاميين. أضف إلى ذلك أن إدخال السلاح الكيماوي على خط الثورة السورية نجح في اختزال الثورة السورية في المسألة الكيماوية والجماعات المتطرفة وسط فرحة كبيرة من قبل النظام ومؤيديه.

والأمر الأخطر أن حجم الدمار الذي تسبب به النظام في البلاد جعل الشعب والثوار يتجرعون كماً هائلاً من المرارة، لا بل جعل البعض يلعن الساعة التي طالب فيها بالإصلاح والتغيير. ليس هناك أدنى شك أن الثورة السورية تعرضت لضربات مؤلمة جداً من أعدائها في الداخل والخارج على حد سواء لإجهاضها وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكن من المستحيل أن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة، فالتحول قد حدث، ولا يمكن لأحد أن يحكم الشعب السوري بالطريقة القديمة كائناً من كان، مع الاعتراف أن الثمن الذي دفعه السوريون باهظ جداً عقاباً لهم على ثورتهم.

وفي ليبيا، صحيح أن الخارج ساعد الليبيين في القضاء على نظام القذافي، لكن هذا لا يعني أنه سيساعدهم في بناء بديل أفضل. على العكس من ذلك، فالانتقام من الثورة الليبية يحدث بطرق مختلفة، وعلى رأسها شرذمة البلاد قبائلياً ومناطقياً وتقطيع أوصالها، بحيث لا تصل الثورة إلى أهدافها. والسؤال: هل يستطيع الشعب الليبي أن يحبط مخططات تحويل الثورة إلى وبال على الليبيين؟ الأمر ليس صعباً.

وفي تونس حاول أعداء الثورة في الداخل والخارج أن يلعبوا اللعبة المصرية بإثارة صراع مرير بين الإسلاميين والعلمانيين وذلك من خلال اغتيال بعض الشخصيات العلمانية، لعل ذلك يشعل فتيل حرب أهلية تجعل الشعب التونسي يكفر بالثورة. لكن أعداء الثورة لم ينجحوا حتى الآن، مع الاعتراف أن الوضع في تونس يبقى سيالاً.

وفي اليمن يختلف الوضع، لكن أهداف إجهاض الثورة وإحباطها كانت موجودة في الطريقة التي تم فيها نقل السلطة من علي عبد الله صالح إلى الرئيس الجديد. لا عجب أن بعض الثوار ردد قائلاً: "وكأنك يا بو زيد ما غزيت"، وذلك تدليلاً على أن التغيير المنشود لم يحصل كما هو مطلوب، وأن ما حصل هو مجرد جائزة ترضية للثوار. لكن أيضاً في اليمن، اللعبة لم تنته. والأيام قد تكون حبلى بالمفاجآت.

ليس غريباً أبداً أن يتكالب القاصي والداني على الثورات العربية، فمنطقتنا مبتلية بثنائي لا يمكن أن يقبلا بأن تمسك الشعوب بزمام أمورها، فإسرائيل تفضل وجود ديكتاتوريات عربية تحميها من غضب الشعوب. وأمريكا تجد أن النفط أغلى بكثير من أن يترك لشعوب المنطقة كي تتصرف به كما تشاء بعيداً عن الأيادي الأمريكية. لهذا فالمطلوب من الشعوب الآن: إما أن تقبل بالموجود، أو أن القوى الكبرى وأذيالها وعملاءها في الداخل مستعدون أن يحولوا حياة البلدان التي ثارت على الطغيان إلى جحيم. طبعاً يجب ألا نستهين أبداً بحجم المؤامرات على الربيع العربي من أعدائه في الداخل والخارج. لكن من المستحيل أن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل الثورات بعد أن كسرت جدران الخوف وعرفت أعداءها الحقيقيين داخلياً وخارجياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغزل الذي يؤكد الشكوك

محمد فاروق الإمام

لم يكن السوريون يوماً مرتاحون لمواقف واشنطن من الثورة السورية ولا من المواقف المذبذبة التي كانت تضبط تصريحاتها تجاه السلطة الباغية في دمشق، وبالتحديد تجاه بشار الأسد قاتل الشعب السوري وسافك دمه ومهجر أبنائه ومدمر كل أشكال الحياة في سورية، فقد أسمعنا جون كيري وزير خارجية واشنطن يوم أمس الأحد 6 تشرين الأول كيلاً من المديح لبشار الأسد ونظامه عند لقائه بنظيره وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في أندونيسيا، فقد صرح بأن "نظام الرئيس السوري بشار الأسد يستحق الثناء لالتزامه بتنفيذ اتفاق نزع الأسلحة الكيماوية." وأن "العملية بدأت في زمن قياسي ونحن نقدر التعاون الروسي ونشيد بالالتزام السوري"..

وأضاف كيري: "أعتقد أن تدمير بعض الأسلحة الكيماوية أمس الأحد في غضون أسبوع من تمرير القرار أمر بالغ الأهمية." وأن "هذا يحسب لنظام الأسد، بصراحة.. إنها بداية جيدة ونرحب بها."

وتعهد كيري في حديثه "بتصعيد الضغط من أجل تحديد موعد لعقد مؤتمر جنيف لحل الأزمة السورية سلميا في أواسط الشهر المقبل".

واشنطن التي تعودنا على تذبذبها منذ انطلاق الثورة السورية وأرجحة مواقفها بين صعود وهبوط ومد وجزر وحوك المؤامرات من تحت الطاولة.. تارة مع الصهاينة الذين يعارضون سقوط بشار الذي حمى، وأبوه من قبله، حدودها الشمالية لأكثر من أربعين عاماً، وأخرى مع إيران التي تعتبر سقوط بشار ونظامه خط أحمر يحرمها من إتمام هلالها الشيعي الذي تعتقد في إقامته رضوان لله وفتح مبين يحقق لها ولادة دولتها الصفوية، التي تمتد من حدود باكستان حتى البحر المتوسط، وتكون دول الخليج تحصيل حاصل محافظات من ضمن محافظات إيران الصفوية لقاء اتفاق هزيل من أجل ملفها النووي، ومحاباة لمصالح الدب الروسي الذي بات يعكر مزاج أمريكا ويقف في وجه هيمنتها كقطب أوحد في العالم دون حساب لثقله العالمي ومكانته كعضو دائم العضوية في مجلس الأمن وبالتالي ملكيته لحق "الفيتو" الذي تمكن من خلاله إفشال أي قرار يندد بما يقوم به الأسد وما يرتكبه من جرائم بحق سورية والشعب السوري.

جون كيري لم يعد يحيك المؤامرات من تحت الطاولة مع أعداء الشعب السوري ومع أعداء ثورته بل خرج إلى العلن ليغير موقف واشنطن 180 درجة، فبعد أن كان يعلن أن على بشار الأسد أن يرحل وأن لا مكان له في سورية المستقبل ولا حتى في المفاوضات التي ستجري في جنيف 2، فها هو ذا يكيل المديح لهذا النكرة الذي أسقطته الثورة من سجلات سورية المستقبل، ويثني على ما قام به وما التزم بتحقيقه في سرعة قياسية فاقت ما كان متوقعاً، وذهب بعيداً عندما قال إنه "سيصعد من الضغط من أجل تحديد موعد لعقد مؤتمر جنيف لحل الأزمة السورية سلميا في أواسط الشهر المقبل".

وكيري يعني أنه سيمارس الضغط على المعارضة السورية وعلى أصدقاء سورية وفي مقدمتهم الدول العربية المساندة للثورة السورية وتركيا وبعض دول أوروبا، للذهاب إلى جنيف دون شروط مسبقة وتحت سقف رغبات موسكو وطهران، اللتان تعلنان صراحة أن المفاوضات في جنيف ستكون مع الرئيس السوري بشار الأسد، كونه الرئيس الشرعي المنتخب والذي هو حكماً لا يزال على رأس عمله ولم تنته ولايته الدستورية، وهو في الخيار بين تمديد ولايته لسنتين بحسب القانون السوري أو خوضه الانتخابات لولاية ثالثة!!

موقف أمريكا الضبابي والمبهم والغير أخلاقي تجاه الثورة السورية يعود إلى ضعف المعارضة السورية وخلافاتها، وإلى هزالة الموقف العربي وتردده، وعدم اتفاق أصدقاء الشعب السوري على موقف موحد تجاه هذا المجرم السفاح كما فعلت في البوسنة وفي كوسوفو وليبيا، وامتناعهم عن اتخاذ القرار الذي يضع حداً لهذا الباغية يوقف آلته العسكرية الجهنمية المدمرة التي قتلت حتى الآن ما يزيد على مئتي ألف مدني أعزل، وغيبت في السجون أكثر من ربع مليون، وشردت في الداخل أكثر من أربعة ملايين، وهجّرت إلى الخارج أكثر من مليونين.

كيري فرح لأنه حقق انتصاراً كبيراً بظنه عندما تمكن من عقد اتفاق بينه وبين نظيره الروسي في مصادرة السلاح الكيماوي الذي يمتلكه النظام السوري، بعد إقدام هذا النظام على جريمته النكراء في استعمال هذا السلاح ضد المدنيين العزل في الغوطة الشرقية، وأدى إلى قتل ما يزيد على 1600 إنسان جلهم من الأطفال والنساء وكبار السن والمعوقين.. فرح كيري بهذا الانتصار الهزيل وجعل منه مغنماً يستحق عليه المجرم هذا الثناء وهذا المديح، دون أن نعرف ما وراء الأكمة ما وراءها من خبايا واتفاقيات بين موسكو وواشنطن قد تظهر لنا في قابل الأيام، وهذا النصر الهزيل الذي حققه كيري واعتبره اختراقاً لمواقف موسكو صديق النظام السوري وحليفه، يجعلنا نستذكر قول الشاعر المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتـأتـي على قدر الكريم الكرائم

وتكبر في عين الصغير صغارها... وتصغر في عين العظيم العظائم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية.. وقفة للمراجعة (3)

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 6/10/2013

الثورة السورية.. وقفة للمراجعة (3)ماذا يعني أن توجد في صفوف الثورة السورية عشرات، بل مئات، الفصائل العسكرية التي تندرج في خانة الوصف بأنها إسلامية؟ هل يمكن تفسير هذا الوضع بأنه نتيجة لجهلهم بواحدةٍ من القواعد الأساسية المندرجة في أسباب النصر بالمفهوم الإسلامي، والمتمثلة في ضرورة تجنب الفرقة والتنازع اللذين يؤديان بالضرورة إلى (الفشل وذهاب الريح). إذا كانت هذه الفصائل لاتُدرك فعلاً أهمية هذه القاعدة، فتلك مصيبةٌ تُلقي ظلالاً كبيرةً من الشك على فهمٍ الإسلام في مجالٍ يتعلق بنشاطهم تحديداً، ولايُتصور أن يمتلك أهليةَ العمل فيه من توجد فيه مظنةُ الجهل بتلك القاعدة.

أما إذا كانت الفصائل تُدركها لكنها لاتستطيع العمل بها فالمصيبة أكبر. لأن من أعجب الظواهر في الثورة حتى الآن عدم قدرة أهل تلك الفصائل، ليس فقط على الاتحاد والاندماج، بل وحتى على مجرد التنسيق والتعاون بشكلٍ (جبهوي)، كما تشهد بذلك المحاولات المتكررة والمعروفة. ويظهر عمق المشكلة بشكلٍ أوضح حين نتذكر أننا نتحدث عن فصائل توجد بينها تقاطعاتٌ ومُشتركات واسعةٌ جداً فيما يتعلق برؤيتها الإسلامية، بل إن بعضها يكاد يكون نُسخاً متكررة عن بعضها الآخر. وهذه ظاهرةٌ تحتاج بدورها إلى تفسير.

لانريد الحكم على النيات أو الدخول في استقراء مكنون الضمائر، لكننا بإزاء ظاهرةٍ اجتماعية ثقافية لها مُستتبعاتٌ، ليست فقط أمنية قصيرة المدى على المجتمع حولها، بل واستراتيجية تؤثر في مصير سوريا، بحيث لايمكن أن نتجاهل وجودها، ويمكن بكل صراحة التفكيربتفسيرات منطقيةٍ لها.وتتوزع هذه التفسيرات بين التنافس على المواقع والنفوذ والقوة، أوالطاعة العمياء لمصادر التمويل، أو في كون فهم هذه الفصائل للإسلام وطريقة تنزيله على الواقع متبايناً جداً، حتى لو ظهر خارجياً أن رؤيتها مُتقاربة. بمعنى أن كلاً منها ينطلق من (إسلام) يختلف عن الإسلام الذي ينطلق منه الآخر، وكلاً منها يحسبُ أن (إسلامه) هو الإسلام الصحيح دون غيره.

لامفر إذاً من وجود تفسير لهذه الظاهرة، والتفسيراتُ الثلاثة المطروحة أعلاه تقذف، مُنفردةً أو مجتمعة، في وجوهنا جميعاً أسئلةً تعيد إحالتنا إلى الأزمة التي نتحدث عنها فيما يتعلق بفهم الإسلام.

وفي جميع الأحوال، يبدو واضحاً أننا أمام حالة إما أنها لاتُدرك ترتيب الأولويات في مجالات العلاقة بين المصالح العامة المتعلقة بالبلاد والعباد، والمصالح الخاصة المتعلقة بالفصيل وقياداته. أو أنها تُدرك حتمية تغليب معاني التجرد والإخلاص في هذا المجال الحساس تحديداً، لكنها لاترتقي إلى مستوى المسؤولية من خلال العمل بمقتضى تلك المعاني بدرجاتٍ عالية من الجدية والصدق والعزيمة.

هكذا، نجدُ أنفسنا أمام تجليات الأزمة مهما حاولنا أن نبحث عن تفسير لظاهرة فرقة الفصائل الإسلامية، بل وتنازعها واختلافها، أحياناً إلى درجة الاقتتال، وأحياناً أخرى على شكل الخذلان والتخلي عن الأخ أمام من يُفترض أنه العدو المُشترك، وفي مواقف وأحداث حاسمة ومصيرية.

ويبرز هنا تساؤلٌ كبير: أين المراجع الشرعية بشكلٍ عام، وأين الهيئات الشرعية التي تمتلكها الفصائل من هذه المشكلة الأساسية التي لاتقتصر مستتبعاتها على حرمان الثورة السورية من تحقيق أهدافها.وكيف تتجاهل هذه الهيئات مثل هذه القضية الكبرى، وتنشغل بهمةٍ وعزيمة في ملاحقة ظواهر أخلاقية واجتماعية فردية شاذة تُصبح وحدَها المدخلَ لتطبيق تعاليم الإسلام في المناطق التي تقع تحت سيطرتها؟!

لاتقتصر المشكلة بطبيعة الحال على الجسم العسكري وإنما تمتد لتشمل الجسم السياسي الذي يحمل صفةً إسلامية.

فقد تعاملَ هذا الجسم مع السياسة على أنها ساحة مناورات داخلية بين العاملين في الحقل السياسي المُعارض، وأنها فضاءٌ لإظهار المهارة في إقامة التحالفات وتغييرها وصولاً إلى تحقيق هدف أساسي هو السيطرة على الهياكل السياسية، بحيث أصبح هذا الهدف هو الهاجس الأكبر. وبمعزلٍ عن امتلاك القدرة على توظيف هذه الهياكل لتحقيق الأدوار الحقيقية المطلوبة منها.

بل إن وضع المخططات المنهجية التي تمكن الهياكل المذكورة من خدمة الثورة وتحقيق أهدافها لم يكن أبداً أمراً ذا أولوية، هذا فضلاً عن إظهار قدرةٍ على صياغة مثل تلك المخططات ابتداءً. وبهذا الفهم وتلك الأولويات، لايعود مهماً أن تظهر (البراغماتية) في أكثر تجلياتها بُعداً عن القيم الإسلامية، ويكون طبيعياً أن تُبررَ الغايةُ الوسيلةَ أياً كانت. ويسير العمل بنوايا مُضمرة يتم إقناعُ النفس، والقواعد، بها، تؤكدُ على ضرورة استمرار السيطرة والتحكم بأي طريقة في هذه المرحلة وإلى أن يتم إسقاط النظام، ثم يمكن استعادة القيم بعد استخدام السيطرة الحالية لتأمين سيطرةٍ مستقبلية، ويمكن استدعاؤها آنذاك لتأكيد الصفة الإسلامية للعاملين.

ويبرز أيضاً هنا السؤال عن دور المؤسسة الشرعية التقليدية، حيث لم ولا يظهر لها تأثير على الفصائل العسكرية الإسلامية التي لاتكاد تعترف بأي صفة مرجعية لأهل تلك المؤسسة، إلا في حالات نادرةٍ جداً، لاتتجاوز اسماً أو اسمين، وفي مناطق مُحددة لاتشمل الأرض السورية بأسرها. أما مايزيدُ الظاهرة غرابةً ويبينُ حجم الأزمة فيبدو في لجوء تلك الفصائل بشكلٍ مُكثف إلى مرجعيات خارجية، ليس لها أي علمٍ بالتعقيد الاجتماعي والثقافي والسياسي للواقع السوري الذي يُفترض أنها تعمل على تنزيل تعاليم الدين فيه.

بهذا العرض، يتضافرُ واقع الفصائل العسكرية الإسلامية وواقع الجسم السياسي الإسلامي وواقع المؤسسة الشرعية التقليدية، والعلاقة بين الأطراف الثلاثة، لتُبين بشكلٍ واضح حجم الأزمة المتعلقة بفهم الإسلام وتنزيله على الواقع في أحداث الثورة السورية. لأن واقع هذه الأطراف يُظهر للأسف أن نتائج ممارساتها تصب في التأزيم وزيادة الإشكاليات أكثر بكثير من مساهمتها في إيجاد الحلول.

لسنا هنا في مجال التهجم واتهام النيات، والتعاملُ مع هذا التحليل من ذلك المدخل لن يكون إلا تجلياً آخر من تجليات الأزمة. لكن الحركة في أي مسار من مسارات الثورة السورية باسم الإسلام يفرض على أصحابه مسؤوليةً كُبرى. ولما كانت جدية الموقف لاتسمح بالنصيحة في السر، فإننا نؤكد علناً على ضرورة الاختيار بين تحمل تلك المسؤولية أو العمل بطريقةٍ أخرى لاتظلم أصالة الإسلام وقيمه الحضارية الكبرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

همنا كيف نطيح بالأسد وهمهم كيف يحكمون بعده

10.10.2013

زهير سالم

جميل ومطلوب ومهم أن يتحدث إعلامي يريد أن يرفع معنويات الجماهير عن بشار الأسد بلغة الماضي . وأن يهتف مع الهاتفين : ساقط ..ساقط .. ساقط .. بشار الأسد ساقط .

ولكنه الغرور والسذاجة وسوء التقدير أن يفعل ذلك ( أشعب السياسي ) فيعدو وراء الأطفال الذين أرسلهم إلى بيت الوليمة التي زخرفها لهم .

وحتى لا يختلط السياسي بالإعلامي في هذا المقام فإنه لا بد أن نقول لقد ظلت حقيقة أن الصخرة التي تجثم على صدر الشعب السوري ضخمة ومدعومة بأوتاد خارجية من كل اتجاه ماثلة في حديث الناصحين خلال ثلاثين شهرا هي عمر الثورة ...

منذ انطلاقة الثورة واندفاع بعض أصحاب الأغراض إلى واجهتها . ظل الناصحون والمشفقون على الثورة والثوار يحذرون من إضاعة الوقت والجهد في هذه الندوات والمؤتمرات والأنشطة التي تهدر الوقت والجهد بالعمل على ( اليوم التالي ) ودفع الأذواء والأولاد والنسباء إلى دورات من مثل كيف تكون ( وزيرا أو دبلوماسيا أو قائدا سياسيا ناجحا ... ) .

التحذير من الصراع على الدب قبل اصطياده كان نهج ودأب العقلاء . واعتبار أن صبح الغنيمة أقرب إلى فضاء الطامحين . ودائما لم يكن هناك من يقرأ أو من يسمع أو من يجيب . ولا أظن أن حال هذه الكلمات سيكون أفضل في التنبيه أو التحذير والناس كما قال ربنا (( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )) . كلمات تكتب للتاريخ حتى لا يظن أننا كنا نخوض مع الخائضين .

ولا بد أن نوضح أنه كان مما يزيد من عمق هذه السكرة أو الغمرة ( ويثقل العيار في غولها وخمارها ) سفراء ووزراء وأصحاب أغراض كان يعجبهم أن يروا من يزعم أنهم قواد للمعارضة السياسية يتهافتون على نور ضياء وجوههم المظلمة والاستماع إلى نصائحهم المردية . وكان يكفي لحسم أي حوار أو جدل حول الموضوع أن يقول مخالفك أو مخاصمك : السفير الفلاني يشجع على هذا ، أو الوزير الفلاني أبدى إعجابه بقولي أو بفعلي . ويقطع عليك القول بإفادتك أن ( السويد أو هولندا أو كندا ..) هي التي مولت ودفعت ، وأنه لم ينفق من مال الثورة درهما ولا دينارا . وكأن وقته وجهده ووقت وجهد العاملين معه والمنشغلين بترفه ليس من رأس مال الثورة . وأنه ليس من حق أهله الثوار عليه أن يمد يدا إلى النار التي تحرق الوطن وأهله فيشتغل ولو عن بعد لإطفائها .

اليوم وبفعل توجيهات الوزراء والسفراء ونصائحهم ، ودور السماعين لهم أصبح ( اليوم التالي ) بالنسبة للسوريين في أفق آخر ، وما زال في الوقت بقية وللبدار فرصة ، فهل نجعل في رأس أولوياتنا كيف نطيح بالطاغية قبل التشاغل بكيف سنقتسم بعده ، هذا هو الهم الأول للسوريين وهذا هو الهم الأول للثوار الصادقين . الشأن الآخر هو شأن من تعرفونهم بسيماهم ..

لندن : 4 / ذو الحجة / 1434

9 / 10 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغوطة تمتحن العالم!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 6/10/2013

مضى على حصار غوطة دمشق نحو عام كامل، حيث بني حول مدنها وقراها سور حديدي من القوات العسكرية والأمنية، التي تمنع أي انتقال للأشخاص والسلع، وخاصة الذاهبة نحو أعماق الغوطة، ويشمل المنع بصورة أساسية المواد الغذائية، ومنها حليب الأطفال، إضافة إلى المواد الطبية والأدوية مهما تكن. وترافق المنع مع انقطاع شبه تام ومقصود لخدمات الماء والكهرباء والمواصلات والهاتف، وغياب كلي للخدمات الصحية والتعليمية والبلدية، فلا مشافي ولا مدارس ولا خدمات نظافة، ويزيد على ما تقدم أن قوات النظام تتابع بصورة يومية ومتواصلة قصفها اليومي لمدن وقرى الغوطة بالمدفعية والدبابات والطائرات، ولم تتأخر عن استخدام الأسلحة الكيماوية في المنطقة، وكانت مجزرة أغسطس (آب) 2013 مثالا أصيب فيها آلاف الأشخاص وقتل منهم قرابة ألف وخمسمائة بينهم أربعمائة طفل.

ومحصلة الأوضاع المحيطة بالغوطة وسكانها، أن النظام يسير نحو قتل سكان الغوطة كلهم، فمن لا تقتله أسلحة النظام، فسوف تقتله ظروف الحياة التي يخلقها النظام، بحيث يمكن أن يموت الناس بسبب المرض الذي لا دواء لعلاجه، ونتيجة جروح توقعها أسلحة النظام بالناس مع غياب كلي للمشافي والإسعاف الطبي، كما يمكن أن يموت الناس، وخاصة الأطفال والنساء، نتيجة الجوع وفقدان المواد الغذائية، وفي كل الحالات هناك أمثلة كثيرة عن موت لسكان الغوطة نتيجة الظروف القائمة وخاصة الجوع، وقد نشرت تقارير كثيرة وفيها أسماء لأطفال ماتوا في المعضمية وغيرها.

غير أنه وفي الطريق إلى قتل سكان الغوطة، وفي إطار تحقيق هذا الهدف، يتابع النظام تدمير الغوطة مدنا وقرى وقدرات وإمكانيات عيش للسكان؛ إذ لم يقتصر الأمر على قصف المناطق السكنية وتدمير المساكن والمحال التجارية والمشافي والمدارس والمساجد، بل شمل المعامل والمؤسسات والأراضي والمنشآت الزراعية، وحتى مشاريع تربية الحيوانات والدواجن، والهدف إفقار أهالي الغوطة وتجويعهم ودفعهم نحو اليأس والإحباط، إن لم يموتوا بفعل تلك السياسة، والتي لا يخفى أن أحد أهدافها هو دفع أهالي الغوطة وسكانها لحياة بدائية صعبة على أمل أن يوصلهم ذلك إلى الاستسلام.

غير أن الغوطة بسكانها وبعد عام من حصارها، وبعد عامين ونصف من ثورة كانت الغوطة قلبها ومحركا رئيسا فيها، رفضت سياسة النظام، وأثبتت أنها أقوى من تلك السياسة وما فيها من دموية وإجرام، حيث إن الغوطة بسكانها وبمقاتلي الثورة والجيش الحر الموجودين فيها، يتابعون صمودهم العسكري في وجه آلة النظام بالتوازي مع سعيهم لحياة طبيعية بما توفر من إمكانات محدودة، وبينهم من يسعى إلى تطوير تلك الحياة بما أمكن من مصادر محلية تساعد على الحياة والصمود، كما في اختراع الخيمة الواقية من الأسلحة الكيماوية وفكرة السخان الشمسي وغيرها. بل إن بعض ما هو قائم في الغوطة من حيث الحفاظ على روح الثورة في الحفاظ على أهدافها في الحرية والكرامة وسعي إلى إسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، قد يكون الأكثر وضوحا من مناطق سورية أخرى، حيث إن الغوطة تكاد تكون خالية من وجود تنظيمات التطرف والتشدد التي تتخذ واجهة إسلامية، وتسعى إلى الانحراف بأهداف الثورة، وهناك مستويات من التضامن الأهلي ونشاط مدني وإعلامي في الغوطة، استطاعت في الفترة الماضية تعزيز الخروج من دائرة الدمار والفناء التي أرادها النظام للغوطة وسكانها، وقد فاق بصمودها كثيرا من التجارب التاريخية لحصار، مثل ستالينغراد الروسية التي حاصرتها قوات هتلر في الحرب العالمية الثانية لمدة ستة أشهر.

في الغوطة، فشل الحصار في تحقيق أهدافه، بل تبدو الغوطة وكأنها تحاصر النظام من خلال امتحانها للنظام أولا في فشله، وتحاصر المعارضة في قلة حيلتها وتقصيرها في الدعم والمساندة، وتحاصر العالم في عدم مقدرته على دعم سكانها وفك الحصار عنهم، ووقف عمليات القتل والدمار التي يتعرضون لها تحت سمع وبصر عالم فقد حواسه، والمطلوب اليوم تحرك جدي من المعارضة والثورة والشعب السوري والعالم كله من أجل مساعدة الغوطة للخروج مما آلت إليه الأوضاع. والسؤال الأساسي للعالم كله: هل آن الأوان؟ أم أن على الغوطة بأطفالها ونسائها ورجالها أن يستمروا في صمودهم الأسطوري إلى ما لا نهاية له من الزمن؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تشارين آل الأسد

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 7/10/2013

في مناسبة الذكرى الأربعين للحرب التي سُمّيت ‘تحريرية’، أستعيد مجدداً حكاية تخصّ نظرة النظام السوري، وحافظ الأسد شخصياً، إلى مناطق محددة من الوطن الواحد؛ وكيف يمكن لتلك النظرة أن تأخذ صفة تمييزية، تحقيرية وتصغيرية واختزالية، رغم أنّ المعطيات العامة تستوجب العكس تماماً: أي الإعلاء والتكريم. ففي شهر أيلول (سبتمبر)، سنة 1973، أعلن إعلام النظام أنّ الأسد سوف يزور المحافظات الشرقية في مطلع الشهر القادم، تشرين الأول (أكتوبر)؛ مستكملاً، بتأخّر دام ثلاث سنوات، سلسلة الزيارات الاستعراضية التي قام بها، بعيد انقلابه العسكري في تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، إلى جميع المحافظات السورية.

ما عدا الشرقية منها، إذاً: الرقة، دير الزور، والحسكة؛ وقيل إنّ الأسد كان يعتبرها معادية له شخصياً، ومناهضة لنظامه استطراداً. ذلك لأنّ عواطف أهل الرقة ودير الزور هي مع العراق تاريخياً، بسبب أواصر القربى والثقافة واللهجة؛ وعواطف أهل الجزيرة، أو غالبية سكانها الكرد، ترتبط بأشقائهم في أطراف كردستان العراقية والتركية. وزير الإعلام الأسبق محمد سلمان، وقبل أن يتولى منصبه الوزاري هذا، كان قد عُيّن محافظاً للرقة؛ ويروي أحد معارفه أنّ الأسد استقبله ليزوّده بتوجيهاته، كالعادة، فقال له: لا تنسَ يا محمد أنك ذاهب إلى محافظة معادية!

وفي نظر أهل هذه المحافظات، الذين لم تكن لديهم أوهام حول مدى ما يتعرّضون له من إهمال في دوائر العاصمة والسلطة المركزية، بدا الإعلان عن زيارة الأسد إلى أصقاعهم النائية غريباً، وباعثاً على الآمال في آن معاً… إلى حين فقط، لسوء الحظ! فالوقائع اللاحقة كشفت أنّ أنباء الزيارة كانت خدعة، فقط، لذرّ الرماد في عيون الإسرائيليين؛ وذلك بعد اتفاق الأسد وأنور السادات والملك حسين على موعد بدء الأعمال الحربية، في سياق ما سيُعرف باسم ‘حرب تشرين’. دهاء الأسد، الذي يُشهد له بخُدَع أكثر تشاطراً وباطنية، لم يتفتّق إلا عن هذه الحيلة: إذا كان سيزور المحافظات الشرقية مطلع تشرين الأول، فإنّ التقارير عن تحرّكات عسكرية سورية على جبهة الجولان قد تفقد بعض مغزاها العسكري، في ناظر غولدا مائير وأركان الجيش الإسرائيلي.

وشخصياً، لأنني ابن مدينة القامشلي، أذكر تماماً أنّ مرارة ما جرى بعدئذ على الجبهة، في سياق هزيمة عسكرية لم تكن أقلّ مهانة من أختها، هزيمة 1967؛ امتزج في وجدان أهل المحافظات الشرقية بمرارة إضافية، نجمت عن خداع الأسد لهم. لقد بدا مهيناً تماماً، وجارحاً، أنّ تُقام الزينات وتُرفع أقواس النصر وتُوضع البرامج الحافلة، والمسألة في نهاية المطاف لم تكن سوى أكذوبة… بيضاء أو سوداء، سيّان! وقيل يومها، بعد أن وضعت ‘الحرب’ أوزارها، واستسلم النظام، ونُصبت ‘خيمة سعسع،وجرىماجرىفيسياقاتاتفاقياتفصلالقوّات؛إنّالأسدسوفيزورهذهالمحافظات،ولكنفيوقتلاحق. ومضتالأعوام،وانصرمتالعقود، ورحل الأسد دون أن تطأ قدمه شبراً في تلك ‘المناطق المعادية’!

ما يتوجب استذكاره، أيضاً، هو حقيقة أنّ هذه المحافظات الشرقية هي بعض أبرز ‘أهراء سورية’، على نحو أو آخر، وفيها تتمركز ثروات البلاد ومواردها الأساسية: في الحسكة النفط وزراعة الحبوب التي تعدّ محاصيل ستراتيجية، وفي دير الزور النفط أيضاً والثروات المائية، وفي الرقّة الكهرباء وسدّ الفرات. ولولا تلك النظرة الانتقاصية، الدفينة عميقاً في نفس الأسد، فإنّ زيارة شكلية إلى تلك المحافظات كانت ستمحو بعض آثار الأكذوبة؛ وكانت في كلّ حال ستمنحه فرصة الخطابة في ‘جماهير شعبنا المناضل’، و’أبناء شعبنا الأبي’، والتشدّق بما يتشدّق به عادة، حول ‘الصمود’ و’التصدّي’ و’الشجاعة’ و’البذل’ و’التضحية’ و’روح الفداء والعطاء’…

والحال أنّ المفردات السابقة، داخل علامات الاقتباس، مستمدّة جميعها من خطبة الأسد الشهيرة، بعد أسبوع على اندلاع ‘حرب تشرين’ إياها، حين ظهر على تلفاز النظام، جنرالاً محارباً باللباس العسكري، فتزاحمت على لسانه عبارات لم تكن طنانة رنانة جوفاء في معانيها الدلالية اللغوية الصرفة (من طراز ‘كنّا يقظين ساهرين، نرصد حركاته وسكناته، ونستعدّ ونتأهب’)، فحسب؛ بل مقارنة بما كانت بطاح الجولان تشهده فعلياً من هزائم متتالية، على مدار الساعة، بعضها انطوى على غدر متعمّد بالمقاتل السوري، وبعضها كان خيانات صريحة. ألم يكن أيّ تمرين جديد على استخدام تلك البلاغة، طيّ خطابات يلقيها الأسد في مدن مثل الرقة أو دير الزور أو القامشلي، كفيلاً بإشباع نرجسيته العسكرية التي اندحرت، ومُرّغت بالعار، ولم تُجرح فقط؟

الإجابة، كما أشارت الوقائع، كانت بالنفي: ـ سواء في انقلاب 1970، أو هزيمة 1973، أو قمع انتفاضة الكرد سنة 2004، أو التنكيل الأشدّ وحشية بمحافظتَيْ دير الزور والرقة خلال الانتفاضة الشعبية الراهنة… ـ كانت تشترط إبقاء الخريف، هناك: دائماً، تمييزياً، حاقداً، كارهاً، وهمجياً. فلا يجهلنّ أحد على سليم بركات، أحد أبواق النظام ومنظّري جاهليته، حين يقول إنّ المؤامرة الراهنة على سورية، ومعها ‘مخططات إذكاء الفتن الطائفية والإقليمية’، إنما بدأت في تشرين الأوّل 1973، مع هزيمة إسرائيل على يد ‘القائد الأسد’. لِمَ لا، فنحن في الشهر الجميل، المنتهَك المغتصَب ذاته؛ وكلٌّ ‘يُتَشْرِن’ على هواه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لبننة الأزمة السورية تمهيداً لصفقة التقارب الأميركي - الإيراني يثير الهواجس

اميل خوري

النهار

الاثنين 7/10/2013

يثير التقارب الاميركي – الايراني خصوصا اذا ما انتهى الى تفاهم على كثير من الملفات، هواجس أصدقاء وحلفاء كل من الدولتين كما يثير التقارب الاميركي – الروسي هواجسهم ايضا خوفا من ان تعقد هذه الدول صفقة خدمة لمصالحها على حسابهم باعتبار أن الدول لا يهمها سوى مصالحها الحيوية وسبل الحفاظ عليها من دون الأخذ في الاعتبار مصالح أصدقائها وحلفائها التي تجعلها معروضة للبيع والشراء، وأكثر من يخشون عقد مثل هذه الصفقات هم أصدقاء أميركا وحلفاؤها لأن جسمها "لبّيس".

ويتذكر من يتابعون السياسة الاميركية انه عندما كانت في صراع على النفوذ مع بريطانيا لم تستجب دعوة الرئيس كميل شمعون ارسال اسطولها السادس الى الشاطئ اللبناني لوقف أحداث 1958 التي أشعلها خصومه بحجة منع التجديد له، وبدعم سوري اذ إن الرجل القوي في سوريا كان الضابط عبد الحميد السراج الذي كان يرسل الاسلحة اليهم. وعندما اشتكى لبنان الى مجلس الامن تقرر ارسال مراقبين دوليين للتأكد من ذلك فتغيّر تقريرهم عند وصوله الى أمانته العامة، فبعدما ذكروا فيه انهم شاهدوا أسلحة تمر من سوريا الى لبنان حذفت منه هذه العبارة في نسخته الاخيرة فباتت شكوى لبنان على سوريا من دون اثبات، ولم ينفع حتى وجود صديق أميركا الدكتور شارل مالك كوزير للخارجية والمغتربين في حكومة الرئيس سامي الصلح في استجابة طلب تدخل الاسطول السادس، وكل ما فعلته اميركا في ذلك الوقت حفاظاً على ماء الوجه أنها ضمنت بقاء الرئيس كميل شمعون في منصبه حتى آخر يوم من ولايته.

وبما ان المرشحين لرئاسة الجمهورية كانوا محسوبين على فرنسا او بريطانيا، فقد كانوا مرفوضين من أميركا التي كان عليها تأمينا لفوز قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب بالرئاسة كونه خارج اللعبة السياسية الداخلية، ان تتفاهم مع الرئيس عبد الناصر على انتخابه لأن له أصواتا مرجحة بين النواب المسلمين. ومع أن المرشح المنافس للواء شهاب كان العميد ريمون اده وكان يعلم انه لن يفوز عليه، إلا أنه قال في جلسة الانتخاب انه يخوض المعركة حرصا منه على الديموقراطية وكي لا يقال إن رئيس جمهورية لبنان فاز في ظل الاسطول السادس. وقد طلب الرئيس صبري حمادة شطب هذه العبارة من محضر الجلسة، واضطر نواب كتلة الرئيس شمعون باستثناء النائب نعيم مغبغب الى انتخاب اللواء شهاب على رغم انه خصم سياسي له مجاراة لاتجاه الرياح في المنطقة.

وفي حرب عام 1975 وقفت أميركا ومعها دول أوروبية الى جانب المسلحين المسيحيين ضد المسلحين الفلسطينيين ومن معهم من المسلمين، وعندما طالت تلك الحرب ولم يتمكن أي طرف من التغلب على الطرف الآخر تركت لسوريا الرئيس حافظ الاسد حرية التصرف في الحرب الدائرة، عندها هان على اميركا عقد صفقة مع الرئيس حافظ الاسد على حساب المسلحين المسيحيين الذين كانوا يعتمدون على صداقة أميركا لهم، وقد خيّروا وهم في حالة ضعف بين الاستسلام للقوى الفلسطينية ومن معها او القبول بدخول الجيش السوري الى لبنان لانقاذهم، الى أن كان "اتفاق الطائف" الذي شرعن الوجود العسكري السوري في لبنان لمدة سنتين، إلا أن هذه المدة طالت".

والسؤال المطروح ولا جواب عنه واضحا حتى الآن ويثير هواجس أصدقاء أميركا في لبنان والمنطقة هو: هل من صفقة تحضّرها اميركا على حساب أصدقائها في لبنان وفي سوريا تطبيقا لسياستها البراغماتية التي تجيد ممارستها تعاملا مع الواقع؟ ففي لبنان قد يصبح التعامل مع "حزب الله" وحلفائه أمرا مقبولا اذا كان هذا هو ثمن من أثمان التفاهم مع ايران. وفي سوريا قد تجعل الجبهات العسكرية للمعارضة تتراجع أمام هجمات الجيش السوري النظامي بعدم مدها بالسلاح المتطور من جهة وللانقسام الحاصل بين "الجيش السوري الحر" من جهة والجهات الاسلامية الاصولية من جهة أخرى، بحيث يصير في الامكان الذهاب بها الى جنيف – 2، من دون شروط مسبقة.

وما يثير الشكوك في سلوك الولايات المتحدة الاميركية هو انها تترك الحرب في سوريا تستمر الى أجل غير معروف كما تركت الحرب في لبنان تستمر 12 سنة الى أن نضجت طبخة الصفقة مع الرئيس حافظ الاسد بموافقة عربية وعدم ممانعة اسرائيلية. والصفقة لحل الازمة السورية تنضج عندما يتقرر نهائيا عقد جنيف – 2 وتكون اميركا وروسيا بالتنسيق مع ايران قد توصلتا الى اتفاق على حل لها لا يكون فيه غالب ومغلوب كما اعتبر "اتفاق الطائف"، أو فيه غالب ومغلوب وليس للصغار سوى التسليم بما يقرره الكبار...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستبداد السياسي وانفراط العقد

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 8/10/2013

حين ثار أهالي أطفال درعا الذين عوقبوا بوحشية غير مسبوقة على أيدي رجال مخابرات درعا، وطالبوا بمعاقبة هؤلاء الأخيرين رجلاً رجلاً. كان ذلك مؤشراً بليغ الدلالة على العُقم الإنساني والعواطف البهيمية. هذه الواقعة أفصحت عن إشكالية تعادل الكون في بؤسها القيمي الأخلاقي. إذ والحال كذلك، هل لا يزال الكون البشري يعيش في العار والشنار أو أن هذا الذي ارتكبه رجال المخابرات إنْ هو إلا هنة لا يُعتد بها في تاريخ البشر بإطلاق أو في تاريخ السوريين بالتخصيص!

تاريخ الثورات الشعبية يكاد يفتقد مثل تلك الواقعة، التي تجد مقياسها فيما هو خارج التاريخ البشري، ربما باستثناء مراحل الظلامية المتمثلة فيما يتصل، مثلاً، بالفاشية الأوروبية الحديثة في ألمانيا، وفي بلدان آسيوية معينة، كتلك التي أنتجت تيمور لنك، ويهمنا ها هنا أن نتبيَّن أسباباً لذلك ربما أو على الأقل في خصوصية التطور البيولوجي البشري. فنحن نعلم منذ القرن التاسع عشر أن علماء تناولوا بالبحث ما اعتبر شروطاً لنشوء الإنسان العاقل، ومنهم المفكر فريدرك إنجلز، الذي تناول ذلك بالبحث بالعلاقة مع بعض الدراسات الخاصة بالعمل البشري وغيره، قد لاحظ إنجلز أن تحول الكائن الحي إلى من اعتبر إنساناً، اقتضى تحقيق ثلاثة عوامل تعمل بصيغة التكامل الوظيفي الطبيعي والسوسيو اجتماعي.

وتأتي تلك العوامل الثلاثة كما يلي: انتصاب الكائن الحي، بحيث يتحرر ظهره من الانحناء، أما العامل الثاني فيفصح عن نفسه في قدرة ذلك الكائن الحي على السير في اتجاهات متعددة. وما يكمل هذا العامل الأخير والسابق عليه تطور ملحوظ للدماغ حجماً ووظائف، مِمّا منح الإنسان ذكاء آخذاً في مزيد من التطور. لن نوغل أكثر في تبيّن مناحي التطور أو التغير سلباً وإيجاباً. فالعواطف التي لا ترتجف أمام استخراج الجمجمة من الرأس والحنجرة من موقعها، وكذلك تشليع الأظافر من أصابع اليد والقدم، إن ذلك معصوب العينين الذي يقدم على ذلك إنما ينتمي إلى «عالم السحر» لدى من يزعم ذلك، وإما إلى «عالم المجرمين»، أو ربما إلى عالم الاستعراضات هنا وهناك.

وقد أصبحت هذه «النشاطات» غير ذي بال في حساب المرحلة الكيماوية، التي أتت على 1600 من الكائنات البشرية السورية في الواحد والعشرين من أغسطس، غالبيتهم من فئة الأطفال.

في تلك المسافة المعقدة والقائمة بين الحقيقة والقيمة الأخلاقية تتضح إشكالية الحياة والموت، فتلك الأولى من الاثنتين نضع يدنا على ما يفضح القتلة، فالحياة لا تقوم على التبشير بها (أي الحياة)، حين تكون مضادة للأطفال الذين تشفط أظافرهم من لحم أيديهم وأرجلهم. حياة هؤلاء هي بالضبط الضد من الموت، فهذا الأخير جرى تطوير هائل لمدلولاته، التي أصبحت تسمى استباحة النساء والفتيات الصغيرات، وقتل الرجال بأي أداة يصادف أن تكون في اليد من العصي الغليظة إلى الرشاش والمدية ثم إلى الصاروخ، أما الحياة فأصبحت تنطوي على ما لا يحصى مما يضادها: لقد حرص النظام على أن يستبدل كل ما يدل على الحياة وما يشير إليها بنقيضها القائل، سواء تجلى بمحاصرة العائلات بأطفالها والكهرباء بالظلام والظلامية، والماء القراح بسائل ينضح منه ما يشير إلى مصدره: مياه الجوارير. وفي سياق ذلك برز ما يبزّ الحيوانات: استباحة الأمهات أمام الأبناء والزوجات الصغيرات، مع تحذير الأطفال الرضّع، كي لا يفسدون على الغارقين في فعل لاستباحة وعلينا الإشارة إلى ضبط ذلك كله في سباق تفكك نظام الاستبداد والفساد ففي هذه الحال تتصاعد وتائر الحقد والدم الأسود، الذي يغلي اشتعالاً في أجساد القتلة - الشبيحة، الذين يعلنون أسماء الآلهة والمقدسات على الآخرين أن ينحنوا أمامها تبجيلاً وتقديساً.

هكذا تكون جدلية القيمة الأخلاقية من طرف بين كلما لا يتوافق مع ما تواضع عليه البشر تحت خط «القيم الأخلاقية» من مثل الشرف الإنساني والشرف الوطني وحب الإنسانية في تجسداتها الأكثر حميمية وطيباً وشفافية (نعني الأطفال والطفولة) والشهامة والحرية والعدالة والرفق حتى بالحيوان من طرف، وبين الحقيقة من طرف آخر، قائمة على التضاد والرفض، بحيث لا يلتقي ذينك الطرفان إلا تحت جنح الموت الزؤام والشر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخاطر العسكرة والتطييف في الثورة السورية

ماجد كيالي *

الحياة

الثلاثاء 8/10/2013

اندلعت الثورة السورية بطريقة عفوية، ومن دون هوية حزبية أو أيديولوجية، وكانت جدّ بريئة، وبسيطة، بأشكال عملها، وأهدافها، التي تضمّنت التخلّص من نظام الاستبداد، واستعادة الحرية والكرامة لجميع السوريين، وهو ما أكدته الوثائق الصادرة عن مختلف التشكيلات السياسية للمعارضة.

مع ذلك لا يمكن التعاطي مع التحولات التي مرّت بها هذه الثورة، في غضون الثلاثين شهراً الماضية، ببراءة مطلقة، باعتبارها مجرّد نقلات اضطرارية أو عفوية، بل يجدر التمييز فيها، بين ردود الفعل المشروعة على واقع معين، وضمنه عنف النظام، وبين محاولة بعض الجهات من الداخل، أو الخارج، أخذ الثورة صوب مسارات معينة.

ونقصد هنا بالتحديد تحولات العسكرة والتديين والتطييف، التي باتت تطبع هذه الثورة بطابعها، وتقيّدها، وتثقل على صورتها، إزاء السوريين وإزاء العالم، وهي تحولات خدمت النظام، وأضرّت بثورة السوريين، وبصورتها كثورة وطنية وشعبية.

هكذا، مثلاً، يمكن تفهّم بروز جماعات عسكرية، كتلك التي نشأت لأغراض الحماية الأهلية، في بعض أحياء المدن والمناطق الريفية، لمواجهة عصابات الشبيحة وأجهزة الأمن، أو التي نشأت نتيجة انشقاقات من الجيش، بسبب ممانعة أوامر إطلاق النار على المتظاهرين أو على البيئات المتعاطفة للثورة. كما يمكن تفهّم بعض مظاهر استدعاء الموروث الديني في الصراع ضد النظام، وضمن ذلك انتظار الخلاص من الله، واقتران التضحية بالشهادة.

لكن ليس كل ما يجري عفوياً، أو طبيعياً، فظاهرة العسكرة، مثلاً، جرى تفريخها والنفخ فيها من أطراف عربية وإقليمية، بحيث أزاحت المظاهر الشعبية، واحتلت المشهد كله، وحتى أن هذه الأطراف أسهمت في إيجاد جماعات مسلحة ومتطرفة، غريبة عن المجتمع السوري وعن ثقافته. وربما أن هذه الأطراف توخّت من كل ذلك التعجيل برحيل النظام، أو تعجيل التدخل الخارجي، لإجباره على الرحيل، وبديهي أن ثمة أطرافاً داخلية سكتت عن ذلك، استجابة لرغبة حلفائها، وربما قناعة منها، أيضاً، بأن هكذا تحول قد يؤدي إلى تعزيز مكانتها في الثورة. وفي كل الأحوال، ثبت بالتجربة، وبثمن باهظ جداً، أن هذه المراهنات، أو التوهّمات، الخارجية والداخلية، كانت مبنية على رؤى ضيّقة، وسطحية، ولحسابات لا تبالي تماماً بآلام السوريين وعذاباتهم.

الأنكى أن العسكرة، بحدّ ذاتها، لم تكن موفّقة، في هياكلها، وأشكال عملها، واستراتيجيتها، فالجهود التي بذلت لتوحيد جماعات «الجيش الحر» لم تفلح، ما جعل هذه التسمية من دون مسمى، وفوق ذلك تم الاستغناء عن غالبية الضباط المنشقين، الذين قبعوا في معسكرات، من دون أي دور، في الأردن أو تركيا، وهذه قطبة أخرى مخفيّة، لا أحد تقريباً يسأل عنها.

والمشكلة، أيـــضاً، أن التــــشكيلات العسكرية المحسوبة على الثورة لم تشتغل وفق استراتيجية موحدة، وسليمة، ووفق حسابات الكلفة والمردود، إذ أنها بالغت بإمكانياتها، وحصرت جهدها في السيطرة على المناطق الشعبية، الحاضنة لها، أو المتعاطفة معها، بدل التركيز على استهداف الآلة العسكرية للنظام. وبالنتيجة أدّت هذه الاستراتيجية إلى عكس المتوخّى منها، إذ حرّرت النظام من عبء السيطرة على كتل شعبية غير موالية له، وأتاحت لقواته توجيه طاقتها للإمعان في القتل والتدمير في ما بات يعرف بـ «المناطق المحررة».

ولا شك أن ذلك أصاب مقتلاً في الثورة، إذ حرمها من بعدها الشعبي، مع «اختفاء» المجتمع، بسبب ترك كتل شعبية واسعة من السوريين لمدنهم وقراهم، وتحولهم إلى نازحين في الداخل وإلى لاجئين في البلدان المجاورة.

ولعل الأكثر مرارة، في هذه المشكلة، أن تلك التشكيلات لم تستطع تقديم نموذج أفضل في المناطق التي باتت تحكم فيها، بحيث لم تعد هذه تبدو محررة حقاً، بسبب الحالة التسلّطية التي نشأت فيها والفلتان الأمني لا سيما في الرقة والدير وشمالي إدلب وحلب.

وما فاقم مشكلة ظاهرة العسكرة بروز ظاهرتي أدلجة الثورة وتطييفها، وهما ظاهرتان أسهمت الجماعات العسكرية بتكريسهما بالهيمنة العسكرية، وبالمحاكم الشرعية، وحيازة الموارد. وطبعاً ينبغي التمييز هنا بين الإسلام كدين، والأسلمة كأيديولوجية. فالأول يعتمد على الإيمان بعقيدة سماوية، بينما الثانية تعتمد على التفسيرات والأوامر والنواهي الصادرة عن بشر، يتوسَلون الدين لتبرير تسلطهم على بشر آخرين.

على ذلك، ما عاد مقبولاً ولا مقنعاً تكرار الحديث عن أن «داعش»، التابعة لتنظيم القاعدة، من إفرازات النظام وحلفائه (إيران وعراق المالكي)، فهذا مجرد جانب من الحقيقة، أما جانبها الآخر، فيتعلق بحقيقة قابلية التشكيلات العسكرية للثورة لاحتضان جماعات «القاعدة»، بسبب الخلفية الأيديولوجية المشتركة، وبدعوى الاستفادة منها في محاربة النظام، بدليل أن «داعش» نمت في المناطق المحرّرة حصراً، رغم أنها لم تشارك في تحرير أي من المناطق التي خرجت من سيطرة النظام، وأن هذه التشكيلات تحتضن تنظيم جبهة النصرة، الذي لا يخفي ولاءه للقاعدة، ولا عداءه لأهداف الثورة، وأيضاً بدليل أن التشكيلات العسكرية (وبعض التشكيلات السياسية)، لا تقوم بأي جهد لعزلها أو للتمايز عنها، على صعيد تمثلاتها للدين، أو لجهة كشف تغطّيها بالدين.

الآن، يبدو أن ظواهر «العسكرة» والتدين والتطييف بلغت ذروتها، مع ظهور «داعش» في المشهد السوري، والتفكير بتأسيس «جيش محمد»، ومع قيام 13 تشكيلاً عسكرياً في حلب، و43 تشكيلاً عسكرياً في دمشق، بسحب ثقتها بالائتلاف الوطني، وسياساته، فكل واحد من هذه التشكيلات بات يختصر الثورة في ذاته، ويعتبر نفسه مصدر الشرعية، بل والمقرر الحصري في شأن مستقبل سورية، دوناً عن غالبية السوريين.

هذا هو الوضع الذي باتت تقف الثورة إزاءه، في هذه الظروف، ما يزيد وضعها صعوبة وتعقيداً، بخاصة أن الظواهر المذكورة تسهم في إطالة عمر النظام، وتأكيد ادعاءاته، باعتبار الصراع الجاري حرباً أهلية، دينية وطائفية.

ومع التأكيد بأن محاولة أي طرف طبع سورية بلونه الخاص لن يكتب لها النجاح، لأن سورية لا يمكن أن تكون إلا ملونة بكل ألوان الطيف السوري، إلا أنه يخشى أن يكون لهكذا محاولات تقويض معنى الثورة والتشكيك بنبل مقاصدها، وزيادة كلفتها، فضلاً عن أنها قد تؤدي إلى تمزيق مجتمع السوريين وربما إلى تمزيق سورية ذاتها، وهو أمر ينبغي تداركه من المعنيين.

ولعل الأجدى للجميع أن يدركوا بأن الثورة لم تندلع من أجل استبدال عسكر بعسكر، واستبداد باستبداد آخر، ولا تحت أي ذريعة، فليس من أجل هذا ضحّى السوريون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرئيس الذي يتنازل عن سلاحه وشعبه ليبقى بالسلطة!

د. عوض السليمان – فرنسا

القدس العربي

9/10/2013

إذا سأل التلميذ معلمه في المدرسة الابتدائية عن وجود خمسين طالباً في فصل واحد، لا مقاعد عندهم، ولا حتى مدفأة حطب تقاوم معهم برد الشتاء القارس، سيقول لك لأننا دولة مواجهة. وإذا سألت لماذا لا يوجد زيت ولا صابون ولا حتى خبز شعير، جاءك الجواب: لأننا دولة مواجهة، ولماذا لا يوجد آلة تصوير في قسم الصحافة ولا حاسوب في كلية ‘الكمبيوتر’، أيضاً لأننا دولة ممانعة ومقاومة.

منذ خمسة وأربعين عاماً ونحن دولة ممانعة، ولهذا منعتنا الحكومة من كل جميل وما علينا إلا الصبر. خمس وتسعون بالمائة من أموال الشعب تذهب إلى تلك الممانعة، حيث يقوم النظام بشراء الأسلحة وتكديسها ليحقق التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني. ويهرب الباقي إلى مصارف سويسرا ليضمن مستقبل أبنائه وأحفاده.

اندلعت الثورة، وإذ بنا نكتشف أن الأسلحة المشتراة بأموال السوريين معدّة لقتلهم وليس للدفاع عن البلاد، فلم يستخدم النظام السوري يوماً صواريخ سكود ولا طائرات (الميغ 29) ضد الصهاينة، ولكنه يستخدمها اليوم لتدمير المدن السورية وقتل الشعب السوري. حتى أصبح الطفل ذو التسعين سنتيمتراً يُقتل بصاروخ سكود ذي الأمتار الثمانية. ولم يقف الأمر عند ذلك بل تعداه إلى استخدام الأسلحة الكيماوية كما حدث في الغوطتين، وفي جوبر هذا الصباح.

ولما أراد الرئيس الأمريكي أوباما أن يحفظ ماء وجهه بعد أن استمر كاذباً لسنتين اثنتين، لوح بضربة عسكرية محدودة لقوات الأسد، وأمهل نظام دمشق سبعة أيام لتسليم السلاح الكيماوي أو تلقي الضربة. وما كاد كيري ينهي تصريحه الصحافي حتى أسرع وليد المعلم إلى الموافقة على العرض بتسليم السلاح الكيماوي وتدميره أيضاً.

يؤكد هذا، أن الأسد بالفعل اشترى ذلك السلاح ليدمر به سورية، فهو لم يستخدمه ضد العدو الحقيقي، وها هو يعرض تسليمه اليوم للعدو مقابل الحفاظ على كرسيه واستمراره في تقتيل الأبرياء.

وبالتالي فلم يتبق لدى أحد أدنى شك بأن الأسد واباه تسلحا على مدار أربعين عاماً فقط لمقاومة الشعب السوري باسم المقاومة ومنع الشعب السوري من حريته باسم الممانعة، وإلا فكيف يسلم سلاحه لعدوه المفترض، مع العلم أن القوانين العسكرية السورية تحكم بالإعدام على من يسلم سلاحه أو معلوماته العسكرية للعدو.

وليد المعلم، قال إن موافقة سورية على تسليم سلاحها يأتي في سبيل الحفاظ على أرواح السوريين. لكنّ المعلم لم يشرح لنا كيف يمكن الحفاظ على أرواح السوريين عندما يقصفهم بصواريخ سكود ودبابات (ت 82

ولم يشرح لنا كيف استشهد حتى اليوم أكثر من مائة وخمسين ألفاً على امتداد التراب

السوري؟

صدق الشبيحة إذ قالوا الأسد أو نحرق البلد، فها هم يحرقونها ثم يسلمون آلة الحرق لعدوهم، وصدق سعيد بخيتان عندما قال نحن مستعدون لقتل ثلث الشعب السوري مقابل بقاء بشار في السلطة.

كنا نعلم أن الأسد مستعد لتسليم ‘توازنه الاستراتيجي’ في سبيل الحفاظ على كرسيه، ولدينا أدلة كثيرة أهمها أن طائرات العدو قصفت مواقع سيادية وشرفية سورية عدة مرات دون أن تتعرض لإطلاق النار، وهذا طبيعي فالأسد يوفر النار ليطلقها على دمشق وحلب وحمص وغيرهما. كما تنازل حافظ الأسد عن الجولان مقابل صك بمائة ألف دولار وسلطة دموية بالطبع، وساهم في القبض على عبد الله أوجلان مع أول عبسة تركية في وجهه. بل وتنازل عن لواء اسكندرونة وتمّ حذفه من الخارطة السورية. كما هرب مذعوراً من لبنان عند أول طلب أمريكي. ناهيك عن أنه قطع يديه إكراماً للويلات المتحدة فقتل غازي كنعان ومحمد سليمان وغيرهما كثير!

لن يضير الأسد أن يتنازل عن شرفه وكرامته ليبقى في الحكم. ولا يمكن للشعب السوري أن يقبل بحاكم يقدم تنازلات لعدوه المفترض كلما دقّ كوزٌ بجرّة. ولئن جاءت الضربة الأمريكية أم لم تأت فقد انتهى هذا الشخص وحكم على نفسه بالذل أمام الشعب السوري وأمام العالم أجمع، ولا أعتقد أن مصيره سيختلف كثيراً عن مصير.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جنيف 2.. هل سينجح حقا؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

9/10/2013

يدور حديث متشعب ومفعم بالشكوك حول مؤتمر جنيف 2 وما إذا كان سينجح. ويبذل الجباران الكبيران الأميركي والروسي جهودا محمومة لجعل عقده مسألة حتمية من دون أن يكون لدى أي منهما الثقة بأنه سينجح إذا ما جرى عقده.

في نظر الجبارين، يبدو انعقاد مؤتمر جنيف 2 أمرا قائما بذاته وكأنه منفصل عن أي بيئة سياسية، أو سيتكفل بنقل المسألة السورية من طور الحرب إلى حتمية السلام، بعد أن بلغ احتجاز الوضع السوري حدا صار من الضروري معه القيام بإجراء دولي يساعد على الخروج منه، ما دام تدخل الخارج العسكري مستحيلا ووقف إطلاق النار بين المتصارعين غير ممكن.

ثمة عقبتان تقفان أمام نجاح جنيف هما بكل اختصار: الخلافات الأميركية الروسية، وتناقضات مواقف النظام والمعارضة في سوريا.

- لن يكون نجاح جنيف ممكنا من دون حد أدنى من تفاهم أميركا وروسيا على حل مقبول لديهما، يكون مقبولا في الوقت ذاته لدى أطراف الصراع السوري. بغير ذلك لن يكون هناك أي معنى لاتفاق السوريين، لأنه سيتعارض حكما مع مصالح أحد الجبارين وسيكون بالتالي مرفوضا منه. في ظل التنافر الأميركي الروسي، سيكون هناك بالضرورة مشكلات لا تقبل الحل بين طرفي المفاوضات السوريين، المتعارضي المواقف والمصالح بدورهما. والحقيقة أن نص جنيف نفسه ملتبس ويجعل الحل صعبا إن لم يكن مستحيلا، لأن مواقف الروس تتعارض معه، بسبب دعمهم غير المشروط لسياسات النظام المتعارضة مع تطبيقه: من وقف إطلاق النار، إلى سحب الجيش من المدن، إلى إطلاق سراح المعتقلين، إلى السماح بالتظاهر السلمي، إلى تشكيل جسم حكومي بصلاحيات كاملة يشرف على الجيش والأمن والقضاء، وأخيرا، إلى إقامة نظام ديمقراطي. يمارس النظام بدعم روسيا سياسات مضادة لما أقره الخمس الكبار في جنيف، فهل يعقل أن يوافق الروس على اتفاق يتعارض مع بقاء نظام ساندوه طيلة ثلاثة أعوام ونيف، ويضع حكم البلاد بين يدي معارضة يعتبرونها أصولية ومعادية لهم؟. بالمقابل، هل سيوافق الأميركيون على اتفاق لا يضمن مصالحهم الشديدة التعقيد والتشعب، لمجرد أن السوريين وافقوا عليه؟. أعتقد أن من السذاجة الإيمان بذلك.

- لن يتفق الطرفان السوريان المتصارعان، ما لم يؤمن الطرف الحكومي أنه سيهزم، وينقطع بالتالي الدعم الروسي والإيراني اليومي له، وما لم ير أن من الأفضل له التخلي عن الحكم لصالح تسوية وطنية تنهي الوضع الشاذ المتمثل في تسلط أقلية سياسية وفئوية على الأغلبية الرافضة لسلطتها وحكمها. بالمقابل، ليست المعارضة السياسية والمسلحة موحدة إلى درجة تجعل الاتفاق مع الائتلاف ملزما لجميع أطرافها، حتى إن شاركت هيئة التنسيق والكرد في وفده وتطابقت وجهات نظرهما مع وجهات نظره. هناك اليوم لدى الطرفين المتصارعين قوى وتيارات سترفض بالتأكيد أي اتفاق يجري الوصول إليه بينهما، ستتمكن من مقاومته ومقاتلة من يعقده، لذلك يرجح أن يدخل نجاح مؤتمر جنيف سوريا في طور من الاقتتال يكون أقرب إلى حرب أهلية ستنشب في صفوف المعارضة والموالاة، بدل أن يدشن مرحلة من السلم الأهلي والأمن الوطني. هذه النقطة، فضلا عن اتفاق الجبارين بصفته شرطا لازما لنجاح جنيف، يجب أخذها بعين الاعتبار عند تقويم فرص نجاح جنيف 2 وما سيترتب عليه من نتائج وأوضاع. ولعله من المفيد التذكير بأن تدخلا دوليا مباشرا من نوع ما سيصبح عندئذ حتميا، لتهدئة الأوضاع وضمان تطبيق الاتفاق: المرفوض من أوساط وقوى كثيرة قادرة على تعطيله أو إحباطه.

لم أناقش ما إذا كانت المعارضة ستنجح في تشكيل وفد موحد ولديه رأي موحد. وما إذا كان للنظام مصلحة في الذهاب إلى مؤتمر يعني تطبيق بنوده المتفق دوليا عليها نهايته المؤكدة. ولم أناقش أيضا إن كانت مناورات النظام التي وعد بها وليد المعلم ستضع حدا لانعقاده بعد ساعات أو أيام قليلة من انطلاقه، لأن مناورات المعلم ستكون ضرورية لتفادي النتائج الكارثية التي ستترتب على نجاح جنيف وإنقاذ نظام قرر أن الطريقة الوحيدة للبقاء في السلطة هي إبادة شعبه، لكنه سيجد نفسه في المؤتمر أمام مواجهة ممثلين له يطالبون بحقوق يعطيهم إياها جنيف، في التسليم بها نهايته الحتمية. أخيرا، لم أناقش أدوار التنظيمات الإرهابية التي شرعت تفتك بالجيش الحر والمنظمات المدنية والسياسية التي أنتجتها ثورة الحرية، الكافرة في نظرها.

هل سينجح جنيف، إن حدث وانعقد حقا؟. أعتقد أنني عرضت بعض المصاعب التي تعترض انعقاده وقدمت ملامح أولية لجواب عن هذا السؤال الذي سيحيرنا قبل المؤتمر، مثلما ستحيرنا بعد فشله!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«تعويم» الأسد... تأهيل خامنئي

زهير قصيباتي

الحياة

10/10/2013

إذا كانت فضيحة للسياسة الخارجية الأميركية إشادة الوزير جون كيري بالتزام الرئيس بشار الأسد تنفيذ اتفاق تدمير الترسانة الكيماوية السورية، فالفضيحة الأكبر أن ينبري مسؤول في إدارة الرئيس باراك أوباما الى التنصل من حماسة الوزير التي تخطت سياسة البيت الأبيض. وفي كل الأحوال تبدو مهمة واشنطن عسيرة في مواجهة شكوك المعارضة التي لا يمكنها أن تُسلِّم ببراءة ما يشبه إحياء اعترافٍ مبطّن بأن لنظام الأسد «صدقية» يمكن الاتكال عليها، لضمان عدم المس بمصالح الولايات المتحدة، ومتطلبات الأمن لإسرائيل.

والحال أن كل سبحة الانفتاح الغربي على ما كانت واشنطن تعتبره «محور الشر»، وتزامنه مع «الامتثال» السوري للاتفاق الروسي- الأميركي (تدمير «الكيماوي») بفضل تدخّل طهران لدى دمشق، ثم استعجال إيران ثمار مفاوضات مع الدول الست، قبل استئنافها في جنيف لتسوية ملف البرنامج النووي، يكرّس ملامح لمسرح التطبيع مع «المشاغبَيْن» الحليفين. وفي كل الأحوال إسرائيل الحاضر الأول في صفقتي «النووي» و «الكيماوي»، ما دامت المستفيد الأكبر، إذ تضمن أمنها لعشرات السنين.

ولم تمضِ أيام طويلة من القلق على ما وراء اندفاعة كيري التي قفزت على حقائق المجازر في سورية، حتى تبيّن أن حرارة حماسة الوزير كادت أن تصيب نظيره الإيراني محمد جواد ظريف بالإعياء، ولكن لسبب آخر هو عزف المتشددين في طهران على وتر ضجيج التطبيع مع «الشيطان الأكبر». بديهي أنهم تشجّعوا بانتقاد المرشد علي خامنئي ما بدا تسرّعاً لدى الرئيس حسن روحاني، لرفع سيف العقوبات عن عنق إيران بأي ثمن، وما أن «فبركوا» عدم اقتناع ظريف بتجاوب روحاني مع مكالمة الرئيس باراك أوباما، حتى انكشفت حرارة الصراع على الحوار والتطبيع مع واشنطن والغرب عموماً.

ولم يعد من قبيل المبالغة القول بربط المسارين السوري والإيراني في حسابات المرشد، وبإقبال لافت ممّن كانوا حتى الأمس القريب ألدّ أعداء النظام الإيراني. فلندن تبدو كمن يسابق الأميركي على حصة في كعكة الحوار المباشر مع طهران، بصرف النظر عن آلية مفاوضات 510/10/20131 (الملف النووي)، وبعدما تخلت عن حماستها المفرطة لمعاقبة النظام السوري على مجزرة «الكيماوي»، ولتسليح معارضي الأسد. وبالتزامن، تصبح المعادلة الغربية «تأهيل» طهران للتطبيع، بمخرجٍ آمن من معضلة برنامجها النووي، و «تأهيل» النظام السوري لـ «تعويمه» بتمديد بقائه في السلطة، ولو استتبع ذلك، التغاضي مجدداً عن دوامة القتل العبثي لآلاف آخرين من السوريين.

وجد كيري في واشنطن مَنْ يهدّئ حرارة حماسته لمنح نظام الأسد شهادة حسن سلوك مع المفتشين... عرضَ رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني مسكّنات لتهدئة مخاوف الغرب من «النووي»، فيما سرّع المتشددون في طهران تخصيب الشكوك حول ما يخفيه العهد الجديد. بل ان بعضهم يعود إلى ما قبل زيارة روحاني نيويورك، واعترافه بـ «المحرقة» النازية لليهود، ليربط بين مطالبة خامنئي «الحرس الثوري» بالامتناع عن التدخل في السياسة، وبين كأس العقوبات التي لم يعد المرشد قادراً على تجرّعها.

هي إذاً حرارة الصراع على «مرونة الأبطال» التي فُوِّض روحاني خوضها في مصارعة التطبيع، انطلاقاً من تسوية ما للملف النووي، يريد المرشد بين أثمانها كلمة مؤثرة في مسار «تعويم» الحليف السوري. وهي حرارة التجاذب المرير بين قلعة المتشددين، «الحرس الثوري»، ووزارة الخارجية، والتي أرغمت ظريف على «اعتكاف» مَرَضي سريع في مستشفى. لكنها مجرد بداية، فلا خامنئي سيتخذ قراراً بالمواجهة مع «الحرس»، ولا «الحرس» قادر على اجتراح مخرج من مأزق العقوبات، كما عجز عن تمكين النظام السوري من حسم عسكري مع معارضيه.

لا يشبه رضوخ دمشق الكامل للمفتشين ولهاثها لإرضاء العرّاب الروسي للاتفاق «الكيماوي»، سوى تهافت طهران وعهدها الجديد على فتح ثغرات في جدار العقوبات المؤلمة للنظام، بعدما أنهكت شرايين الاقتصاد. صحيح أن لعبة الأمم في الصراع على سورية تبدو على مسافة بعيدة من فصلها الأخير، لكن الصحيح ايضاً أن التكهن بقدرة خامنئي على إدارة «مصارعة» على حلبتي البرنامج النووي و «الحرس الثوري» في آن، شبه مستحيل، مثلما هو الرهان على تماسك ارتباط المسارين، بعد تدمير غازات الأعصاب و «الكيماوي» السوري... وتلاعب «الحرس» بأعصاب «بطل» المساومة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ذات يوم في سورية

حسام عيتاني

الحياة

10/10/2013

مزعجة مشاهدة الفيديو الذي يظهر فيه من قيل أنهم مسلحون من «حزب الله» يقتلون جرحى سوريين. ومزعجة أكثر محاولة تفسير هذه المشاهد وربطها بسياقات الأحداث في لبنان وسورية.

ومزعج أكثر وأكثر الشعور بالعجز عن ملاحقة او محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع التي ترتكب يومياً تحت سمع وبصر اللبنانيين الراضين او على الاقل اللامبالين بما يقوم به البعض منهم.

في أقل من دقيقتين، يكشف المقطع الذي نشره موقع «لبنان الجديد» الإخباري، تاريخ الأكاذيب والأضاليل التي غَشَتّ بلادنا وأتاحت وصول مافيات حقيقية الى السلطة لتحكم باسم خرافات وتدمر مجتمعات بأسرها. الشريط الذي لا يبدو مزوراً (للأسف)، يعلن المعنى العميق لشعارات دفع السوريون واللبنانيون والفلسطينيون والعرب عموماً ثمن زيفها. «المقاومة» و «الممانعة» و «الصمود» و «أشرف الناس»، تختصر في دقيقة وأربعين ثانية أنزل فيها مسلحون جرحى عاجزين وأطلقوا النار عليهم حتى الموت وسط الشتائم. وتبلغ المأساة أوجها بصدور الصوت العاقل عن «الحاج» الذي يوضح لمقاتليه الهائجين ان عليهم التزام الهدوء لأنهم «يؤدون تكليفهم ولا ينتقمون لأنفسهم».

اقتلوا الجرحى من دون ابتهاج او فرح، يقول «الحاج» الأعلى رتبة. التكليف يبيح ذلك. فالمشكلة تكمن في دمج المشاعر الشخصية بالمهمة الجهادية.

حدث ذلك ذات يوم قريب في سورية.

نحن هنا أمام شيء مشابه للقتل الميكانيكي الذي عممته آلات الجريمة في الأنظمة الشمولية. غولاغ ستالين ومعسكرات هتلر لم تلتهم ضحاياها بسبب الكراهية الشخصية، بل استناداً الى ضرورات ايديولوجية وسياسية. احتدام حدة الصراع الطبقي في الاتحاد السوفياتي في الثلاثينات وانقاذ العرق الآري من التلوث في المانيا النازية، حتّما قتل الملايين من دون ضغائن. وهكذا يمضي شبان «حزب الله» في القتل، «لا مشاعر سيئة»، بحسب العبارة الانكليزية، لكن العمل هو العمل والتكليف هو التكليف. ولا ينسى «الحاج» ان يضيف ان ما يقوم الأخوة به هو «في سبيل الله». طبعاً.

أكثرية وسائل الاعلام المحلية اللبنانية تجاهلت الشريط، ربما لأنه حقيقي أكثر من اللازم. ربما لأنه يرينا صورتنا كما هي بعد ثلاثة وعشرين عاماً من محاولات الهروب من ذاكرة الحرب الأهلية وإرثها: مجموعة من القتلة السعداء بسقوط فريستهم العاجزة عن الدفاع عن نفسها. جماعات متعطشة لدماء الآخرين تمارس القتل بلذة واحتراف.

المقطع الذي نبذته وسائل الاعلام أثار العواصف على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنها عواصف ضمن الاصطفاف السائد. هناك من وضعه في خانة الحقد الطائفي والخضوع لاملاءات ايران، وثمة من رد أن قتل الجرحى الذي يبدو انه حصل بعد معركة القصير السورية قبل شهور قليلة، ليس أسوأ من اعدام جبهة «النصرة» و «القاعدة» والتنظيمات المشابهة للأسرى من الجنود العلويين في حلب والرقة وفظائع المسلحين المعارضين الأخرى.

يمكن النقاش الى ما لا نهاية حول أصالة هذا التوازي أو زيفه. لكن المسألة هي في معنى كل الكيانات السياسية المتعددة رغماً عنها في المشرق العربي والتي وصلت الى حدود الانفجار، وفي معنى السعي الى التخلص من ديكتاتورية تافهة مثل التي أقامها آل الأسد في سورية وما يثيره السعي هذا من كوابيس لدى الاقليات فيما تعجز الطائفة الأكبر عن بناء تحالفات وبرامج تكفل لها الانتقال من الأكثرية العددية الى الاكثرية السياسية.

دعونا إذاً من استغلال فلسطين والمقاومة و «الجرح النازف في الجسد العربي» ولنعترف أن غالبية ذلك كان تورية لصراعات عميقة لا تجد الا التعابير الطائفية للظهور، فلا تبخل الجماعات عندئذ بالتكليفات الشرعية والفتاوى اللازمة لقتل الجرحى والاسرى وذبح الاطفال او تأييد من يخنقهم بالسارين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 57)

المخابرات المركزية الأمريكية

تدير لعبة الصراع بين الأسدين ببيادق لبنانية

محمد فاروق لإمام

كان من أبرز خصائص هذه الأزمة العاصفة – كما يقول طلاس - أن يتزامن تصعيد الموقف العسكري من قبل العميد رفعت كلما زارنا الرئيس اللبناني (أمين الجميل).. ومع أن السياسيين في لبنان عامة لا يحبون أبداً قطع شعرة معاوية مع أمريكا ولكن المنتسبين منهم إلى حزب الكتائب اللبنانية وعلى رأسهم "أمين الجميل" يعتبرون الولاء لأمريكا قضية مقدسة لا يعلو عليها شيء. ومع أنهم يزعمون أن فرنسا هي أمهم الحنون ولكنهم كاذبون لأن عينهم دائماً على أمريكا. وخلال ثلاثة شهور ونيف من عمر الأزمة زارنا الرئيس اللبناني ثلاث مرات ولم يحدث في تاريخ العلاقات المميزة مع أي دولة في العالم أن يقوم رئيسها بزيارة بلد آخر بمثل هذه الكثافة, وهذا ما يؤكد أن الزيارات كانت تتم بإيحاء وتوجيه من الإدارة الأمريكية, ولأن أمريكا تعرف ما يدور في سرايا الدفاع عن طريق عميلها "النقيب جوزيف صنصيل" ولكنها تجهل تماماً ما يجري في دائرة الرئيس الأسد, ومن هنا جاء الطلب إلى الرئيس "أمين الجميل" بأن يشد الرحال إلى دمشق ليعرف ماذا يدور خلف الأكمة..

وللأمانة التاريخية كان الرئيس الأسد يتمتع بموهبة خارقة في إخفاء نواياه على خصومه. ومع أنه لم يلعب "البوكر" ولا مرة واحدة في حياته فإن وجهه بالنسبة لمن يقابله, وبخاصة من المحسوبين على أمريكا أو الدائرين في فلكها, يبدو كوجه لاعب "البوكر" لا يمكن لأحد أن يأخذ منه شيئاً لا بحق ولا بباطل. وهكذا كانت التقارير ترسل إلى واشنطن وكلها تشير إلى أن الرئيس الأسد في أحسن حالاته.. وخاب فأل الإدارة الأمريكية وأهدافها الخبيثة.

حل رابطة خريجي الدراسات العليا

ما كاد العميد رفعت الأسد أن يحصل على الإجازة في التاريخ في العام 1974م حتى أسس (رابطة خريجي الدراسات العليا) وأخذ موافقة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على ذلك لكي يكون عمله تحت المظلة القانونية, وأعطى تبريراً لعمله بأن مصلحة الرئيس الأسد أن يكون خريجو الدراسات العليا موالين للنظام على اعتبار أن شقيقه رفعت هو رأس الهرم في هذه الرابطة.. وانتشر الخبر بسرعة البرق ولم يبق انتهازي أو متسلق أو متطلع غلى السلطة أو التقرب من وهجها إلا وانخرط في هذه الرابطة (كخرط الدب على العنب).

وتم توزيع السيارات والهدايا غير الرمزية على كبار المريدين والمسبحين بحمد رئيس الرابطة وفضله, وجاء توجيه خاص وسري من الفاتيكان إلى الإخوة أبناء الطائفة المسيحية بأن ينتسبوا إلى الرابطة زرافات ووحداناً وتم اختيار السيد غسان شلهوب نائباً لرئيس الرابطة ليعطي ضوءاً أخضر لمن لم يسمع التوجيه أن يقترب من الرابطة وينتسب إلى صفوفها.. وجاءت أحداث الإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات لتعطي الدليل القاطع أن الرابطة لا وجود لها وأن هذا العدد الضخم كان كغثاء السيل أو حزمة من القش لا تغني عن الحق شيئاً.

وعندما حدثت الأزمة ظن أعضاء الرابطة بأن الوقت قد حان لقطف ثمار جهودهم فبدءوا يهاجمون جهراً الرئيس حافظ الأسد في مجالسهم الخاصة ويتهمونه بالديكتاتورية, وأن العميد رفعت راعي الديمقراطية في هذا البلد وعقدوا مؤتمراً لهم في فندق "الشيراتون" حضره ما هب ودب (من الجنادب والخنافس والقرّاد). ولم تسعف القريحة العميد رفعت فبدأ حديثاً سياسياً مشوشاً عن الديمقراطية والأوضاع العامة في سورية بحيث لا يمكن لأحد أن يفهم منه شيئاً حتى ولو حاول ذلك وبذل قصارى جهده, وانفض المؤتمرون وهم في حيص بيص وأدركوا أن أيام الرابطة غدت قريبة وأن أحلامهم ذهبت أدراج الرياح لأن ما بني على باطل فهو باطل.

ورغم إدراكي المسبق أن الرابطة أصبحت في حكم المنتهية فقد اتصلت بعدد من الأصدقاء المتورطين بالانتساب إلى الرابطة وطلبت إليهم الانسحاب وبذلك قد أسهمت في تهديمها من الداخل والخارج.

وفي زحمة العمل على الاتجاهات كافة اتصل بي هاتفياً الرفيق "وفيق عرنونس" عضو الرابطة وقال لي: هل تضمن لي سلامتي؟.. فأجبته: بأني سوف أضمن لك عدم دخولك السجن إطلاقاً.. أما موضوع فصلك من الحزب فلا أستطيع أبداً أن أعد في ذلك. ومقابل هذا الضمان وعدني بأنه سيوافيني بكافة السجلات الموجودة في الرابطة وأن يأتي بها إلى البيت حتى لا يشاهده أحد.

وفي الساعة الواحدة ليلاً أعلمتني زوجتي بأن الأمانة وصلت.. قلت: أرسليها فوراً إلى المكتب. وقضيت ليلة كاملة وأنا أراجع ملفات رابطة خريجي الدراسات وقد لفت نظري وجود أكثرية حقيقية من إخوتنا أبناء الطائفة المسيحية إذ أحصيت عدد المنتسبين إلى الرابطة فكان أكثر من خمسة آلاف بقليل وراجعت الأسماء التي يوحي ظاهرها فقط بالطيف الديني للرجل فوجدت أن العدد يربو على الأربعة آلاف أي أكثر من ثمانين في المائة. ولما كانت النسبة في سورية ليست كذلك, أدركت أن هناك توجيه أكيد من المخابرات الأمريكية حتى وصل العدد إلى هذه النسبة. ولمعلومات القارئ. وهذه لا يمكن أن تكون صدفة أن أعضاء القيادة القطرية المنتسبين إلى الرابطة هم: الرفيق وهيب طنوس والرفيق إلياس اللاطي هما من الطائفة المسيحية والرفيق عبد الرؤوف الكسم كما نعلم زوجته مسيحية، وأرجو من القارئ أن يسامحني على هذه الصراحة لأنني أبعد الناس عن الكلام في هذا الموضوع, وأنا مؤمن حقاً.. وأحترم كافة الأديان التي تدعو إلى التسامح ولكن مما يؤسف له أن عقيدة التعصب ضد الإسلام التي غرستها الصهيونية بدأت تؤتي ثمارها في كل مكان.. من البوسنة والهرسك إلى إيران وأفغانستان والهند وباكستان ومروراً بالفلبين وبقايا الدول المسلمة في الاتحاد السوفييتي سابقاً فالجميع يحاولون صد الرياح الثورية القادمة من الشرق.

المهم أرسلت الوثائق إلى القصر الجمهوري فأمر السيد الرئيس بوضع رابطة خريجي الدراسات العليا تحت الرقابة المشددة. وبعد أن انتهت الأزمة, أصدرت القيادة القطرية قرارها رقم /574/ تاريخ 5/7/1984م طلبت فيه إلى الرفاق المنتسبين إلى الرابطة أن يتخلوا عن هذا الالتزام ويكرسوا كل نشاطهم السياسي للحزب وأنذر القرار بفصل كل رفيق يخالف هذا التوجيه, وبذلك اختفت من الساحة رابطة خريجي الدراسات العليا التي كان ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 56)

رفعت الأسد يسعى لتوسيع جبهة المواجهة مع أخيه حافظ

محمد فاروق الإمام

كانت سرايا الدفاع تملك مركز تدريب لعناصر اللواء الجبلي في منطقة "جوبة البرغال" وإضافة لذلك فقد احتل العميد رفعت "تلة الصنوبر" التي تقع على البحر مباشرة وكان يتمركز في هذه المنطقة كتيبة أو أكثر من أفواج الإنزال الجوي.. ولما أخفقت التدابير التي نفذها العميد رفعت ضد الطائفة المرشدية أمر عناصره المرسلة من دمشق لهذه الغاية أن تتمركز في الموقع المذكور لتعزيزه ولأهميته البالغة لقربه من مركز المحافظة وأعني بذلك مدينة اللاذقية.

ولما كان العميد رفعت يعتمد بشكل جدّي على أبناء الطائفة العلوية قرر نقل الصراع إلى هناك، لأن المنطقة حساسة وكان يتصوّر أنه من الصعب على السيد الرئيس أن يأمر سلاح الطيران بقصف الأماكن التي ينشب فيها النزاع وكذلك الأمر بالنسبة للمدفعية والصواريخ، ومن هذا الإحساس الخاطئ بدأت حركات رفعت تتعثر خطوة خطوة لأن ما بني على باطل فهو باطل..

كان رفعت يدغدغ أحلام المتعصبين طائفياً بأن وعدهم أنه سيقيم الدولة العلوية هناك، كما أقام اليهود الدولة العبرية في فلسطين، وكما كان غلاة المتعصبين من الموارنة يحلمون بإقامة الدويلات الطائفية التي ستدور بفلك إسرائيل قولاً واحداً، وشجّع رفعت أن أمريكا سوف ترحّب بالفكرة لأنها مع أي تفكك للأمة العربية لأن هذا يخدم مصالحها الوطنية ومصلحة حليفتها الإستراتيجية إسرائيل.. ونسي العميد رفعت أن والده الراحل "سليمان الأسد" –رحمه الله- كان من أشد المقاومين الشرسين لإنشاء الدولة العلوية وكان من طليعة المناضلين الوطنيين في أواسط الثلاثينيات لمقاومة هذه الفكرة واجتثاثها من جذورها. (إنك كذاب أشر فسليمان الأسد هو أول من وقع على وثيقة تدعو الفرنسيين إلى عدم مغادرة سورية قبل إقامة دولة للعلويين في الساحل السوري).

بدأ تحرّش العميد رفعت بالنظام هناك بأن أوعز إلى أنصاره في اللاذقية بأن يكتبوا على الجدران عبارات تمجّد بشخصه دون غيره مثل رفعت الأسد الشمس التي لا تغيب.. إلخ.. كما بدءوا بنصب الحواجز الطيّارة لإشعار المواطنين أنهم موجودون بقوة على الساحة في محافظتي الساحل (اللاذقية وطرطوس) واتصلت بالرئيس الأسد وأعطيته المعلومات المتوفرة لدينا عن نوايا العميد رفعت باللاذقية وأنه حاول السيطرة على مسقط رأس الرئيس الأسد حتى يقول للعالم: إذا كان أخي لا يستطيع السيطرة على المحافظة التي ولد فيها فهو بالأحرى غير قادر على السيطرة في باقي المحافظات..

كانت توجيهات القائد الأسد واضحة وضوح الشمس: لا مهادنة أبداً مع الخارجين على النظام.. اضربهم اليوم قبل الغد، لأننا كلما تأخرنا بضربهم وتصفية الحسابات معهم كلما ازدادوا شططاً في أعمالهم وتصرفاتهم وتمادوا في إيذاء الناس والمواطنين وأعطوا العالم العربي والخارجي فكرة مغلوطة عن واقع الحال في سورية..

اتصلت بقائد القوى البحرية اللواء "فضل حسين" وقلت له: عليك أن تنذر المتمردين في معسكر سرايا الدفاع بالاستسلام خلال ساعة واحدة، وبعد ذلك إذا لم يستجيبوا عليك أن تضربهم بالمدفعية الساحلية وأن تحرك باتجاههم كتيبة المشاة البحرية مدعومة بالفوج (826) دبابات، كما طلبت إليه أن يحرك كاسحتي ألغام وستة زوارق صواريخ وأن يتم الرمي على المتمردين بالمدافع المضادة للطائرات (رمي مباشر) وأن يتم تقرب هذه القوات إلى الساحل لضربهم بقذائف الأعماق (المضادة للغواصات) وبالأسلحة الرشاشة الثقيلة المضادة للطائرات والمركبة على زوارق الصواريخ.

وعندما لاحظت عليه أمارات التردد والنذالة وعدم الحسمية أكدت عليه بأنني أعطي الأوامر نيابة عن القائد العام وإذا كان غير قادر على تنفيذ المهمة فنحن جاهزون لإرسال فوج مغاوير (إنزال جوي) ليتكفل بتصفية المتمردين, وأعطيته الأمر أنه بعد ساعة واحدة تنتهي مهلة الإنذار وعليه أن يبدأ بقصف المعسكر بالمدفعية.

وبعد ساعة من هذا الأمر اتصلت بقائد القوى البحرية وقلت له: هل بدأت الرمي.. فقال لي: لقد رشقناهم رشقة ونحن الآن نحصي خسائرهم.

وتيقنت من لهجته أنه كذاب ومراوغ وغير جدي في معالجة الموضوع.. وخائف.. قلت له أين المقدم علي خضور قائد الفوج المدرع؟.. فقال لي: إنه بجانبي..

وطلبته على الهاتف وقلت له: اصعد بنفسك على أول دبابة في الفوج واطلب إلى الرماة أن يسددوا مدافعهم على العربات المصفحة (ب.م.ب) التي يضعها المتمردون على مدخل المعسكر وتدمّرها تماماً بصلية تركيز من سرية دبابات, أي أريد أن ترمي عشر دبابات بآن واحد.

وكانت غايتي الأساسية إحداث صدمة معنوية ضد القوى المناوئة, وبعد دقائق نفذ الأمر وتم تدمير ثلاث ناقلات وجرى إخلاء القتلى والجرحى, واستنجد العميد رفعت متوسلاً الرئيس الأسد بأن نوقف النار لأنه قرر أن يخلي المعسكر وينفذ تعليمات القيادة العامة.

وهكذا تم حسم المشكلة في المنطقة الساحلية وتم استرداد المعسكر وعادت العناصر التابعة لسرايا الدفاع إلى دمشق.

ولا بد من إعلام القارئ عن جو إحدى المناقشات التي جرت في القيادة العامة بعد الاشتباك مباشرة..

قال العماد حكمت الشهابي وأيده في ذلك العماد علي أصلان: بعد أن رجع إلى حمص وطرابلس أكثر من خمسمائة سيارة أصبحت المشكلة مكشوفة للناس جميعاً ولا نستطيع بعد اليوم أن نتستر عليها..

وكان جوابي: لن تقدم أي وكالة أنباء على إذاعة هذا الخبر إطلاقاً وذلك لسببين:

الأول: أن وكالات الأنباء الغربية والموجهة من أمريكا لن تذيع النبأ لأنه يبرز انتصار الرئيس الأسد وهم لا يرغبون بذلك.

الثاني: وكالات الأنباء التي تدور في فلك موسكو لن تذيع هي الأخرى هذا النبأ حتى لا تسبب لنا أي إحراج لأننا نحن لم نقم بإذاعته.

وصدقت نبوءتي ولم تقم أية وكالة أنباء أو صحافة أجنبية بإذاعة هذا النبأ, بما في ذلك الصحف اللبنانية المحسوبة على الخط الأمريكي.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com