العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-07-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ

د. محمود نديم نحاس

ما قاله أبو البقاء الرندي في نونيته يُعدُّ من أجمل المراثي التي قيلت في سقوط الأندلس، وهي التي يقول في مطلعها :

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ *** فلا يُغرّ بطيبِ العيشِ إنسانُ هـي الأمـورُ كـما شاهدتها دُوَلٌ *** مَـن سَـرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمانُ وهـذه الـدار لا تُـبقي على أحدٍ *** ولا يـدوم عـلى حـالٍ لها شانُ

وعندما نقرأ القصيدة ثم نقرأ أخبار الشام نبكي خوفا من أن تكون النتيجة واحدة. فنحن نسمع عن قصف المساجد ثم نقرأ في القصيدة :

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ *** حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ

وعندما تسمي الجهات الدولية مأساة السوريين بأنها مأساة القرن الحادي والعشرين إذا بنا نقرأ في القصيدة :

تلك المصيبةُ أنستْ ما تقدمَّها *** وما لها مع طول الدهرِ نسيانُ

ونقرأ أن أصدقاء الشعب السوري اجتمعوا ثم اجتمعوا ثم اجتمعوا ومازالت القضية من سيء إلى أسوأ، فإذا بالشاعر الرندي يقول في قصيدته :

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم *** قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ

ويفيد تقرير للأمم المتحدة بأن عددا كبيرا من اللاجئات السوريات يواجهن الفقر والاستغلال والتحرش، فإذا بالشاعر يقول فيما يقول :

ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ *** لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

ونقرأ في الأخبار أن ثمانية آلاف طفل عثر عليهم على حدود دول الجوار بدون رفقة والديهم، فلا نجد فرقاً بين هذا الوصف وبين وصف الشاعر في القصيدة ذاتها :

يا ربّ أمّ وطفل حيلَ بينهما *** كما تفرقَ أرواحٌ وأبدانُ

وعندما نقرأ عن تعرض الأطفال للاختطاف والعنف الجنسي فإذا بشاعرنا يصف في نونيته :

وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعتْ *** كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً *** والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

فلا نجد إلا أن نردد مع الشاعر الرندي :

لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ *** إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البغدادي ووهم عواصم الغرب

محمد فاروق الإمام

البغدادي اسم أثار الرعب والخوف في عواصم العالم شرقها مع غربها وسرق الأضواء في هذه العواصم، وتصدر نشرات الأخبار على صفحات وسائلها الإعلامية المقروءة والمسموعة بياندولة العراق والشام يوم الأحد الماضي، والذي يشير إلى إعلان قيام "الخلافة الإسلامية" ومبايعة أبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين، وتبع ذلك عرضاً عسكرياً للتنظيم في مدينة الرقة السورية ابتهاجاً بإعلان الخلافة وتنصيب أبو بكر خليفة للمسلمين، تضمن فيما تضمن استعراض للصواريخ أرض/أرض، وعدد من المدرعات ومدفعية الميدان والرشاشات الثقيلة، التي غنمها التنظيم من فلول جيش المالكي الذي انهار في سويعات دون قتال أو مدافعة أمام الهجمة المضريةلمقاتلي الثورة العراقية الذين تمكنوا من تحرير عدد من المدن الكبيرة من يد ميليشيات المالكي الطائفية وغنيمة أسلحتها، ومن هذه المدن الموصل وتكريت في زمن قياسي لا يجاريه إلا ما كان في حرب حزيران 1967 حيث أصدر وزير الدفاع آنذاك اللواء حافظ الأسد أمراً عسكرياً بالانسحاب الكيفي من الجولان بعد إعلانه عن سقوط القنيطرة قبل أن تدنسها أقدام الغزاة الصهاينة ب 18 ساعة.

هذا الوهم الذي تلبّس الأمم الغربية وإعلانها حالة الطوارئ لمواجهته لأنه – كما يقولون – بات الخطر الأكبر الذي يتهدد الغرب والديمقراطية في العالم ولابد من أن يواجه العالم متحداً هذا الخطر، متناسين أن هذا الخطر هو من صنع أيديهم وأيدي عملائهم وصنائعهم في المنطقة، وأن الخطر الحقيقي الذي يتهدد المنطقة والعالم هو هؤلاء الذين ألبسوهم ثوب الحكم وتركوهم يصولون ويجولون في ذبح شعوبهم وامتصاص دمائهم ونهب جيوبهم وتجهيلهم وإفسادهم لعقود طويلة، فهؤلاء هم من زرعوا الإرهاب والحركات المتطرفة والفكر المنحرف لتكون الوسيلة لمبرر بقائهم، جاثمين على صدور شعوبهم بتأييد من الغرب المتشدق بحماية الشعوب وحقوق الإنسان والديمقراطية.

وإذا ما أراد الغرب حقيقة التصدي لهذا الأمر الجلل عليه ركوب الطريق الصحيح الذي يمر عبر إرادة الشعوب وليس الاصطفاف وراء الحكام الذين تهون عندهم شعوبهم وبلدانهم والذين هم من يورطون الغرب للانزلاق إلى أتون حروب مدمرة كتلك التي حدثت في العراق، واعترف القادة الأمريكيون بارتكابهم لذلك الخطأ الكبير الذي قادهم إلى المستنقع الذي انزلقوا إليه، وتطلب منهم التضحيات الكبيرة التي انعكست سلباً على الاقتصاد الأمريكي والأوربي وأدى إلى تداعيات كبيرة كان ضحيتها المواطن الأمريكي والمواطن الأوروبي، والمواطن العربي الذي كان الضحية الأولى لتلك الحروب القذرة.

وإذا ما خرج علينا اليوم فصيل من أصحاب العقول المتحجرة والمتكلسة والمنحرفة والمتوهمة التي تختصر الإسلام بإعلان الخلافة الإسلامية على أنها نهاية المطاف للدولة الإسلامية التي ينشدها كل المسلمين في العالم فهذا ليس جديداً، فقد توهم كثير من أمثالهم فعل ذلك منذ انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وعلى امتداد دولة الإسلام خلال عقودها المتعاقبة، ولكن كل هذه الدعاوي المنحرفة كان مصيرها الهزيمة والذوبان كذوبان الزبد (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ).

لقد مر على دولة الإسلام العشرات من فرق الخوارج الضالة التي سعت إلى تعكير صفو الدولة الإسلامية وتمزيق رايتها وحرف مسارها مرتكبين في سبيل ذلك أبشع الجرائم بحق المسلمين، وفي مقدمتهم الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء والقادة، ولم يوفروا حتى الأطفال عن القتل وبقر بطون النساء وذبح المعتكفين في المساجد "كما فعلت غزالة زوجت الخارجي شبيب بن يزيد في جامع الكوفة وأزقتها أيام الخليفة عبد الملك بن مروان" بحجة أن الجميع مرتدون وأبناؤهم أبناء مرتدين، وكان لهؤلاء الخوارج صولات وجولات أخرت الفتوحات في عهد الأمويين أكثر من عشر سنوات لانشغال الجيوش في التصدي لهم ومحاربتهم، وهذا ما يحصل اليوم فقد كان دور خوارج اليوم إفشال الثورات العربية وقتل الروح الثورية وتمييع الانتفاضات العربية وتشتيت عقول الشباب والمقاتلين وسلب إرادتهم والهيمنة على عقولهم والانسياق وراء دعوات باطلة لا رابط شرعي لها، وكان مصير من قاد هذه الفرق سوء الخاتمة وعقوبة رب العالمين لهم في الدنيا قبل الآخرة، فهذا شبيب بن يزيد الذي قتل أكثر من خمسين قائداً لجيوش الأمويين، كان عقابه أن أغرقه الله في نهر دجيل كما أغرق من قبله فرعون مصر، وهذا نافع بن الأزرق الذي ظل أتباعه ينادونه بأمير المؤمنين لأكثر من عشرين سنة كان عقابه أن ألقاه الله من رأس جبل هاوياً حتى دُق رأسه ومات، والأمثلة كثيرة في نهاية مثل هؤلاء الأدعياء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

موقفنا : الائتلاف ينتخب رئيسا .. ندعو له ولفريقه بالتوفيق

10.07.2014

زهير سالم

مع موقف مبدئي من الائتلاف قام في نفوس الكثير من السوريين منذ تأسيسه . ومع ما كرسه الائتلاف في نفوسنا نحن المواطنين السوريين المتعلقين بالثورة من شك وريبة ويأس والانصراف عنه وعن كل ما فيه ومن فيه بدون استثناء ...

واليوم إذ يعيد الائتلاف انتخاب السيد هادي البحرة رئيسا جديدا له . ويتخفف المتحالفون الجدد في الائتلاف من قوى كثيرا ما اشتكوا أنها كانت قوى إعاقة . وطالما جعلوها مشجبا لعجزهم وتقصيرهم ، وحمّلوها كل ما كان يصدر عن الائتلاف من أخطاء وخطايا أيضا ..

اليوم وقد انتخب الائتلاف رئيسا جديدا له ، وننتظر خلال لحظات أن يتم الإعلان عن استكمال فريق العمل الجديد ، ومع كل ما قدمناه من يأس مسبق يملأ قلوب الكثير من السوريين من مؤسسة الائتلاف بكل ما فيها ..

نرى أن الفريق الجديد لقيادة الائتلاف يستحق فرصته ، يستحق فرصته التي لا يجوز أن تكون على حساب أي جهد جاد وصادق يبذل على المحور الرئيسي ( الثورة ودعمها والدفاع عن مشروعها ) . ولاسيما في ظل الهجمة الشرسة التي يقودها التحالف الدولي ضد مواقع الثورة ، تستحق قيادة الائتلاف فرصتها شهرا وشهرين وثلاثة وليس أكثر لتعيد لملمة ما بعثر السابقون ، والالتفات إلى ما فرط فيه المفرطون ..

وبكل الروح الديمقراطية ، التي يجب أن يتمتع بها الصادقون من أصحاب أي مشروع ديمقراطي ، نتوجه بتهنئتنا إلى السيد هادي البحرة على ثقة زملائه في مؤسسة الائتلاف به ...

 نتوجه بتهنئتنا دعاءً إلى الله تبارك وتعالى أن يلهمه وفريقه رشدهم ، وأن يجري خير هذه الثورة وهذا الشعب على أيديهم ...

وننتظر انتظار أمل ورجاء وليس انتظار ترصد وتربص ، عسى أن يكون في القيادة الجديدة للائتلاف من يفكر فيحسن التفكير ، ويقدر فيحسن التقدير ، ويجعل الثورة السورية أكبر همه ، ويضع في ثوارها كل أمله ، ويتوقف عن التردد على أبواب الذين وعدوا فما وفوا ، وعاهدوا فما صدقوا ..

مرة أخرى نهنئ السيد هادي البحرة وفريقه بثقة زملائه وطيب الدعاء : وفقكم الله للخيرة والخير ولنصرة هذا الشعب المظلوم وهذه الثورة اليتيمة...

11 / رمضان / 1435

9 / 7 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

سؤال متكرر عن الثورة السورية وثائريها

بدرالدين حسن قربي

هناك سؤال متكرر يعرض للسوريين وفي كل مناسبة، يطرحه أعداء الثورة السورية وشانئوها على الدوام: لماذا لاتُرينا الثورة وثوّارها نشاطهم وقوتهم وبأسهم بالذهاب إلى فلسطين وغزّة، ومقاتلة اليهود طالما عندهم كل هالقوة والبأس في مقاتلة النظام الأسدي وشبيحته، وكأنهم هم الذين اختاروا قتال عصابات النظام وشبيحته وليست هي التي ساقتهم إلى هذا المنحدر من الخراب والدمار. يسألون سؤالهم وهم يعلمون أن الحدود السورية الإسرائيلية في الجولان مملوءة من عشرات السنين حرساً شديداً وشهباً من قوات الأسد التي تمنع ولو طيراً من العبور، ولكنه سؤال من قبيل المناكاة والمجاكرة والمداكرة والغضب على ثائرين على عصابة حاكمة ساقت شعبها إلى القتال وشعارها حرق العالم وليس سوريا فقط ليبقى الاسد.

وفي بعض الجواب على مثل هالأسئلة، يعلم المتسائلون الغيارى على فلسطين وتحريرها أن الثورة السورية ماكانت ولم تكن لتحرير فلسطين ولا الأندلس ولا غيرهما بل هي ثورة شعبية وطنية خرجت بمطالب معروفة، استرداد الحرية السليبة والكرامة المغتصبة. كما يعلمون أيضاً بأن عموم السورييون مُستغرَقون بفلسطين ولا داعي للمزايدة عليهم، فهم وطنيون وعروبيون بفطرتهم، وقد تحملوا ماتحملوا من فظائع ممارسات القمع عليهم والاستبداد والفساد والقهر والتجويع ما لايُحتمل، كيلا تتوقف المعارك أو يتعطل التحرير، باعتبار أن مُمارسَه عليهم مقاوم ممانع، ولاصوت عنده يعلو على صوت المعركة. ورغم أن حال السوريين وصلت إلى حالٍ تصعب على الكافر كما يقال، فإن القلقين على فلسطين والمتسائلين عن نسيان السوريين الثائرين لها، لم يُظهروا يوماً امتلاك بقية من رحمة ترحّموا بها بنا، أو لحسةٍ من إنسانية ترأّفوا فيها بضعفنا وحاجتنا ولو بالنصيحة خلال عشرات السنين لهذا النظام الباطش من أن يصلح من حاله ولو قليلاً، رغم أننا لا نشكّ أيضاً أن لهم أعذارهم وتعذّراتهم بانشغالهم بمعارك التحرير الكبرى عن استحقاقات إنسانية كقضية الحرية وكرامة المواطن ولقمة عيشه التي يواجهها السوري الطفران والمعتّر المطحون.

وفي بعض الجواب أيضاً، فإنه لو صح السؤال فهو أولى وأوجب إلى من قمع السوريين نصف قرن، وسرق أموالهم واقتطعها من لقمة عيشهم وقوت أطفالهم، وجهز القوة والأمن والجيش بحجة فلسطين وتحريرها، وخصوصاً أنه أظهر في حرب شعبه وقتله من القوة والبأس والتوحش وفظاعات الإجرام مالم يظهره أحد من العالمين في أي دولة من دول الأرض.

إن السوريين وقد انفجر بركان ثورة حريتهم بعد عقود من صمت الصامتين والمتفرّجين من السائلين والمتسائلين في معركة كبيرة مع هولاكو العصر وشبّيحته، وقتلاهم فيها تجاوز ألفي ضعف عدد ضحايا مجزرة دير ياسين فضلاً عن قرابة مليون من المصابين والجرحى ومثلهم في مروحة الاعتقال والسجن وأضعاف أضعافهم من النازحين واللاجئين والمشردين داخل البلد وخارجه، مازالوا على عهدهم لفلسطين ولم ولن ينسوا، وإنما كل مايرجونه من السائلين والمتسائلين بعض وقت مستقطَع يدفنون فيه أشلاء أبنائهم وإخوانهم وذويهم وشهداءهم، ويُخرجون فيه من حياتهم إلى الأبد حاكماً، يعرف المتسائلون قبل الثائرين أن الشام وتاريخها ماعرفت أشد إجراماً منه ومن أبيه.

لسنا في موطن المجادلة مع حق أي سوري أن يسأل ويتساءل ويتكلم بما يريد، وإنما لو كان هؤلاء السورييون وغيرهم تكلموا بعشر معشار مايتكلمون به عن الثورة وقد انفجر البركان السوري لأسباب هم أعلم بها من غيرهم، ونصحوا وسدّدوا وقاربوا وحذّروا الحاكم المتألّه من الأخطار والعواقب في استمرار قهر السوريين والدوس على كراماتهم وسلب حرياتهم، لوفّروا على السوريين من الدماء والدمار الشيء الكثير، أو على الأقل يكونون قد أبرؤوا ذمتهم أمام ناسهم وشعبهم وأهلهم ومواطنيهم، وإلا ما نفع الكلام والسؤال والتساؤل وقد فات أوانه، والشعب السوري قد انفجر بركانه…!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حكومة ثلاث عشرات في سوريا

أسعد حيدر

المستقبل

السبت 5/7/2014

حجب العراق وتطوراته، سوريا وما يجري فيها، لا يعني أن «السورنة» انتهت، وأن تراجع الاهتمام العلني بها، أنتج عدم حصول تطورات يجب متابعتها بدقة. لقاء بثينة شعبان مع جيفري فيلتمان بصفته مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، فتح شهية التسريبات في ظل غياب المعلومات الرسمية. المهم أن اللقاء حصل، وأنه فتح الباب أمام الأسديين» للكلام عن اعتراف أميركي بالرئيس بشار الأسد، «المحارب الكبير للإرهاب الظلامي»، والمرشح للانضمام الى التحالف الواسع في الحرب العالمية الثالثة ضد الارهاب.

كل هذا ليس جديداً. في الأصل وظّف الأسد كل خبرات نظامه مع المنظمات الارهابية لبيعها ومقايضتها عند الضرورة للأجهزة الأمنية الغربية خاصة فرنسا وألمانيا. الجديد ما يقوله «أسديون»، ان «اتفاقاً مبدئياً قد جرى التوصل إليه بين واشنطن وموسكو حول سوريا. وان النقاط الأساسية في الاتفاق تشمل:

*المحافظة على النظام في سوريا من حيث «البنى التحتية فيه» أو العناصر المكوّنة له. فقد أثبت النظام أن ثلاث سنوات من الحرب لم تضعفه وتزلزله. فالجيش والأمن والادارة بكل فروعها ما زالت متماسكة وممسوكة. تجربة العراق شكلت درساً لا ينسى للأميركيين وغيرهم، وقد جاء سقوط الموصل وتكريت وتفكك الجيش الجديد ليؤكد ذلك.

*يبقى الرئيس بشار الأسد في السلطة لكن دون تحديد الفترة سواء كانت محدودة أم حتى نهاية الولاية الجديدة، أم أنه ستجري انتخابات رئاسية جديدة بعد التهدئة وعودة النازحين في الداخل والخارج. هذه النقطة ما زالت معلّقة.

* تشكل حكومة من ثلاث عشرات. عشر وزارات لحزب البعث تضم الوزارات السيادية الأساسية. وعشر وزارات للتكنوقراط (كيف يتم اختيارهم خصوصاً انه لا يوجد تكنوقراطي غير مسيّس وحيادي مئة في المئة). وعشر وزارات للمعارضة والسؤال أي معارضة ومن يمثلها وهذه نقطة خلافية عميقة باعتراف الأسديين.

* اجراء انتخابات تشريعية جديدة.

* ينخرط النظام الأسدي المستحدث في الحرب العالمية ضد الارهاب الظلامي.

بعيداً عن صحة أو دقة هذا المشروع للحل في سوريا، وما هو دور إيران فيه، فإن مجرد طرحه يؤشر الى بداية البحث عن تفاهم أميركي روسي. دوافع هذا البحث ليس القلق من التطورات في سوريا، وإنما في العراق الذي فاجأت أحداثه الجميع من واشنطن الى طهران وصولاً الى موسكو.

طوال ثلاث سنوات، تم ضبط النار داخل «الملعب» السوري. في العراق تبدو حدود «الملعب» مرسومة في الرمال. لذلك أخافت «ناره» المذهبية والسياسية والاجتماعية الجميع. دخول تنظيم «داعش الى «الملعب»، وإعلانه «الدولة الاسلامية»، أكد حجم الأخطار. طهران بدت الأكثر إحراجاً.

وجدت القيادة الايرانية نفسها في مواجهة امتحان صعب، لذلك بدا السجال فيها حول العراق حاداً وعميقاً. إيران وقعت بين «سندان» المحافظة على نفوذها الواسع في العراق، و«مطرقة» الحرب المذهبية الواسعة. لذلك ركزت إيران على «الحرب ضد الارهاب» طلباً للدعم الأميركي، الى درجة قبولها بعودة المستشارين الأميركيين مع حصانة قضائية داخل العراق. لكن يبدو أن واشنطن لم تقتنع بالحملة الايرانية، فكان أن ركّز جون كيري وزير الخارجية الأميركي في لقائه مع نوري المالكي على «شعور السنة بأن دورهم ومساهمتهم في بناء العراق قد أضعفا وهمّشا مجتمعياً وسياسياً واقتصادياً.. ونحن قلقون من استياء الأكراد والسنة وبعض الشيعة من القيادة الحالية أي التي يرأسها المالكي».

المشكلة الاضافية التي خلقها العراق لإيران، ان «بركانه» انفجر في اللحظات الأخيرة من مسار المباحثات حول الملف النووي. وبدلاً من أن تستمر طهران في استثمار الملف العراقي مع باقي ملفات «السلة» التي تدعم موقفها، أصبح عبئاً عليها لذلك صرخت من موسكو «أن واشنطن تريد تحويل العراق الى أوكرانيا لها». فيما يعني عملية استنزاف وفي قلب خاصرتها الضعيفة.

السؤال الواقعي هل اقتنعت موسكو وطهران بأن «جرس» البحث عن حل شامل يبدأ من العراق وسوريا قد قرع، وأنه يجب قبل الانخراط في هذا المسار الاستعداد لتقديم التنازلات المتبادلة أم أن أوهام الاستقواء بالحروب البديلة ستستمر فيكون وقع الخسائر أكبر بكثير؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيهما أرحم: الأنظمة العربية أم سايكس وبيكو؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5/7/2014

لا شك بأن الطامعين بمنطقتنا يسعون جاهدين لإعادة تقسيمها إلى دويلات طائفية ضعيفة وملل ونحل متقاتلة، بعد أن كانت معاهدة «سايكس- بيكو» قد شرذمتها إلى كيانات مصطنعة وأقطار مبعثرة. وكما هو واضح الآن لكل من يمتلك ذرة وعي سياسي فإن السيناريو الجديد يتمثل في إحياء العداوات التاريخية بين شعوب المنطقة وإلباسها ثوباً دينياً وطائفياً ومذهبياً صارخاً حسبما نصت وثيقة «كيفونيم» الإسرائيلية الشهيرة وقبلها الوثيقة الخطيرة التي وردت في كتاب «خنجر إسرائيل» للمؤلف الهندي كارانجيا والتي يتم العمل على تنفيذها الآن بصورة أوضح وأسرع وأعنف وأكثر علانية مما حدث في أي مرحلة سابقة. لكن هل كان للسايكسبيكيين الجدد أن يقدموا على مشروعهم التطويفي الجديد لولا أن الأنظمة العربية مهدت لهم الأرض كي يعيثوا تخريباً وتقسيماً وشرذمة في ربوع هذه الأمة المتشظية؟

في الوقت الذي راحت فيه بقية دول العالم تنفتح على بعضها البعض وتندمج، وتتقارب، وتتخلص من تقوقعها الضيق في إطار الاندماج والتكتل، نجد أن العالم العربي يمعن في التقوقع، على كل المستويات تقريباً. وإذا سلـّمنا بأن التركيبة السياسية التقسيمية التي فرضتها القوى الاستعمارية على العرب بعد انهيار الامبراطورية العثمانية قد تجذرت، فإن ما يثير الهلع أن معظم الأنظمة العربية لم تعمل جاهدة فقط على تكريس التقسيم الاستعماري للمنطقة العربية، والتمسك به بأسنانها، بل سعت بدورها إلى نشر ثقافة التقوقع والتشرذم والتشظي والتفتيت المنظم على المستويات الاجتماعية والمذهبية والطائفية وحتى العائلية، مما جعل الحالمين بالوحدة العربية، أو على الأقل التكامل العربي، يترحمون على سفالة سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي.

إن ما نراه هذه الأيام من ضعف شديد في الوحدة الوطنية في بعض البلدان العربية، وانهيارها السريع في بعضها الآخر من أول هزة، هو نتيجة طبيعية لسياسات الإقصاء والاستئثار والتشرذم والقمع التي غذتها بعض الحكومات العربية، ثم وجد فيها السايكسبيكيون الجدد ضالتهم لتنفيذ مخططات التقسيم الجهنمية الجديدة. صحيح أن القوى الاستعمارية تحاول تجزئة المجزأ، وتفتيت المفتت، إلا أن المسؤول الأول عن هذا التشظي المتزايد على كل الصعد العربية الداخلية تقريباً هو بلا شك بعض أنظمة الحكم العربية التي تسلمت مقاليد السلطة بعد «سايكس بيكو»، أو بعد خروج المستعمر من ديارنا، فبدلاً من رأب التصدعات في البنى الدينية والاجتماعية التي خلقها الاستعمار راحت تغذيها. وكأنها كانت تقول لسايكس وبيكو نحن أفضل منكما في عمليات التقسيم والتفكيك. أنتما يا سايكس ويا بيكو قسمتما العرب على أسس جغرافية مصطنعة، ونحن الحكومات العربية، سنكمل المشوار بحيث يصل التقسيم حتى إلى الطوائف والعائلات والقبائل والعشائر والمذاهب.

لقد تشدق رافعو الشعار الإسلامي بتوحيد العالم الإسلامي، وخلق عالم يمتد من إندونيسيا إلى أفغانستان، لكنهم على أرض الواقع كانوا يعملون على تمزيق منظم ليس فقط للعالم الإسلامي، بل حتى للبلدان التي تقع تحت سلطتهم المباشرة. فبفضل طريقة الحكم القائمة على الدوائر الضيقة والمقربين جداً وحرمان الناس من المشاركة السياسية والشعبية، حتى في إدارة البلديات، تمكنت بعض الأنظمة المتأسلمة من تفتيت مجتمعاتها، وقطع معظم الروابط البسيطة التي كانت تجمع بينها. فزاد التعصب القبلي والطائفي والعشائري وحتى العائلي، بحيث أصبحنا ننظر إلى سايكس وبيكو على أنهما ملاكان رائعان، لأنهما، على الأقل، لم يتلاعبا بطوائفنا ومذاهبنا وعوائلنا وقبائلنا ونسيجنا الاجتماعي والثقافي الداخلي، كما لعبت بعض أنظمتنا «الإسلامية».

لقد فشلت الأنظمة التي كانت تطمح إلى إقامة عالم إسلامي واحد حتى في الحفاظ على وحدتها الوطنية، إذ يعاني بعضها الآن من مشكلة خطيرة للغاية تتمثل في عدم قدرتها على جمع مواطنيها تحت راية وطنية واحدة. فلم تتحقق الوحدة الإسلامية الموعودة، ولم يتحقق الكيان الوطني المحلي الذي يمكن أن نسميه وطناً أو دولة أمة بلغة التشكيلات السياسة الحديثة. إن الاستئثار الضيق جداً بالسلطة، وحصرها في نطاق أضيق أدى بدوره إلى نشر ثقافة التقوقع والتعصب القبلي والطائفي والمذهبي وحتى العائلي. ولا داعي للتذكير بأن هناك عداء مذهبياً مستحكماً خطيراً بين المذاهب الإسلامية داخل هذه الدولة أو تلك، بسبب تحريضها لطائفة على أخرى، ولكونها ليست دولة لكل مواطنيها. ولا داعي أيضاً إلى الإشارة إلى أن بعض المناطق التي تسكنها طائفة أو أناس من مذهب منبوذ معين تبقى مناطق فقيرة معدومة لا تصلها التنمية أو التطوير. ويكون نصيبها من الثروة الوطنية يسيراً جداً. إنه تمييز قبيح على أساس مذهبي أو طائفي.

وفيما نجحت الأنظمة الإسلاموية في جعل شعوبها تحذو حذوها في التقوقع وتضييق دائرة الانتماء، برعت بعض الأنظمة التي رفعت شعارات قومية عريضة في دفع شعوبها إلى الدرك الأسفل من الانزواء، فبدلاً من أن يتحقق الوطن العربي الكبير، أصبح ديدن الكثير من الشعوب التغني بالانتماء الأضيق والتشبث به، فترعرعت الطائفية والمذهبية والعائلية بشكل لم يسبق له مثيل حتى أيام الاستعمار الذي كان يعيش على مبدأ (فرق تسد)، أو على تشرذم المجتمعات التي كان يحكمها.

لقد نجحت بعض الأنظمة «القومية» فيما لم ينجح فيه المستعمر، فحولت بلدانها إلى شعوب وقبائل وطوائف وعوائل وأفخاذ متنافرة، فاستفحل التطويف والتمذهب والتفتيت المنظم بعد أن زرعت بذور الفرقة حتى بين منطقة وأخرى وعائلة وأخرى، وأحيت قيم الإقطاع البائدة بشكل مذهل، وفشلت فشلاً ذريعاً في جعل الشعب ينتمي إلى مفهوم الوطن، لأنها لم تعمل أصلاً على إنتاج مواطنين حقيقيين، بل ما زالت تتعامل مع الناس كرعايا ذوي انتماءات وتوجهات فئوية مختلفة. كي تعيش على تناقضاتها.

ولو نظرنا إلى بعض الأنظمة لوجدنا أنها كانت، وما زالت، إما أنظمة عائلية أو طائفية أو قبلية بامتياز، فهذا يرفع شعاراً عريضاًً فضفاضاً للغاية ثم يسلم مقاليد الحكم ومفاصل الدولة الحساسة إلى أبناء قبيلته أو حتى عشيرته أو مذهبه وطائفته، بحيث يصبحون الحاكمين بأمرهم، إن لم نقل شعب البلد المختار. ويحدثونك عن المشاريع الكبرى، وهم الذين فتتوا مجتمعاتنا، وقطعوا أوصالها إرباً إرباً، بحيث وصل التفتيت إلى أصغر نواة في التركيبة الاجتماعية.

فابشروا إذن أيها السايكسبيكييون الجدد، فإن «ملوك الطوائف» بطبعتهم العربية الأخيرة سهــّلوا لكم مهمة التطويف والتفتيت والشرذمة وتقطيع أوصال أوطاننا وإعادة رسمها، بحيث لم يعد أمامكم سوى وضع أختامكم على التقسيمات الجديدة.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دور إيراني في مكافحة الإرهاب

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 6/7/2014

يدور منذ انطلاق الثورة السورية جدل في أوساط مختلفة حول دور إيران في مكافحة الإرهاب. وتصاعد الجدل أخيرا بالتزامن مع التطورات التي شهدها العراق، حيث تمدد حضور ونفوذ دولة العراق والشام (داعش)، التي وسعت مدى سيطرتها على مناطق كاملة في غرب العراق بالتوازي مع توسيع نفوذها وامتداده في شرق سوريا في إطار منطقة جغرافية وبشرية واحدة، مما يعكس تغييرات في اللوحة السياسية - العسكرية للعراق وسوريا، وسط تخوفات من امتداد «داعش» نحو بلدان قريبة، بينها لبنان.

وأساس الحديث عن دور إيران في مكافحة الإرهاب، رغبتها في لعب دور إقليمي في القضية، باعتبارها بوابة لإعادة صياغة الاصطفافات والتحالفات في المنطقة من جهة، ولتحسين علاقاتها الدولية من جهة أخرى، مما يسهل تمرير مشروعها النووي أو التقليل من حدة العداء له في الأوساط الدولية والغربية على وجه الخصوص.

وبالقرب من أهداف إيران، تقع مواقف الأخيرة في دعمها غير المحدود لنظام الأسد في سوريا، وتأييد سياساته بوصفه نظاما يحارب التطرف الأصولي «السني» وجماعاته، وهذا يقارب اصطفافها ودعمها نظام نوري المالكي في العراق الذي يزعم محاربة الإرهاب والعداء لجماعاته، رغم دوره المعروف المحاط بالالتباسات في دعم ومساندة نشاط الجماعات الأصولية المتطرفة في سوريا، التي تصنف «داعش» في مقدمتها.

ولا يمكن فصل الحديث حول دور إيران في مكافحة الإرهاب عن الملامح العامة لسياستها ومحتوى تلك السياسة وتعبيراتها. ولعل أبرز الملامح العامة في سياسة إيران منذ الثورة الخمينية هو استخدام القوة، ونشر الفوضى، وتنظيم الميليشيات في البلدان القريبة والمحيطة من أجل تحقيق أهداف طهران، حيث عجزت الوسائل السياسية والدبلوماسية وسياسة رشى الأنظمة بالمساعدات لتحقيق أهداف التمدد والسيطرة، التي تسعى إليها إيران إقليميا، ومن هذا السياق لعبت إيران دورا مركزيا في خلق ودعم الجماعات والميليشيات المسلحة في العراق وأفغانستان ثم في لبنان وغيرها، كما هو حال حزب الله اللبناني وقوات بدر العراقية ولواء أبو الفضل العباس وعشرات مثلها، لتصير أدوات لإيران في البلدان المحيطة والقريبة، وكان سلوك إيران في الجانب مدخلا رئيسا في تصنيفها في الموقع، إلى جانب نظامي صدام في العراق والأسد في سوريا، بين خمس دول تدعم الإرهاب في العالم.

وإذا كان نظام صدام انتهى في العراق إلى وريثه نوري المالكي، فإن الأنظمة الثلاثة ما زالت على خط دعم ومساندة الإرهاب الذي تلعب فيه إيران دورا مركزيا سواء بالتدخل فيه مباشرة أو بصورة غير مباشرة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، ولعل مثالها البارز سياساتها وممارساتها في سوريا، إذ تدعم إرهاب النظام ضد السوريين بتقديم كل المساعدات السياسية والاقتصادية والعسكرية - الأمنية بما فيها إرسال عسكريين وخبراء وأسلحة وذخائر وتمول صفقاتها، وتزيد إلى ما سبق دفع أدواتها الميليشياوية للمشاركة المباشرة مع النظام في الحرب، على ما يظهر في تدخل حزب الله والميليشيات العراقية، وميليشيات نظمتها المخابرات الإيرانية من مرتزقة ولاجئين أفغان وغيرهم، ودفعتهم للقتال إلى جانب نظام الأسد، كما لعبت دورا في سياسة حكومة نوري المالكي في العراق حيال الوضع السوري وانتقاله من الصف المعادي لنظام بشار الأسد إلى دور الحليف والمساند لسياسته في مواجهة الثورة السورية.

ورغم وضوح سياسة إيران في ممارسة إرهاب الدولة ودعم الجماعات الإرهابية، فإن ضعف الموقف الدولي والإقليمي ولاعتبارات تتعلق بسياسات الدول الغربية ومنها الولايات المتحدة، فإن الإرهاب الإيراني ومثيله عند نظامي المالكي والأسد، لم ينالوا ما يستحقون من اهتمام وضرورة المواجهة الحاسمة، فيما جرى التركيز على إرهاب الجماعات الأصولية القاعدية ومنها «داعش» و«جبهة النصرة»، دون أن يؤدي ذلك التركيز إلى نتائج ملموسة في الحرب على هؤلاء من جهة، وشجع إرهاب الحلف الإيراني على الاستمرار والتصعيد من جهة أخرى.

وإذا كانت الحرب على الإرهاب قضية أساسية في السياسة العالمية، كما ينبغي أن تكون، فمن غير الجائز ولا المقبول، أن تكون فيها معايير مزدوجة، حيث الإرهاب هو الإرهاب سواء باشرته دول أو جماعات، وبغض النظر عن الخلفية الآيديولوجية أو الدينية - الطائفية أو السياسية، التي يستند إليها القائمون عليه أو به، وما يحيطونه من ادعاءات وشعارات أغلبها لا يستحق مجرد النظر إليه وفيه.

خلاصة القول، إن نظاما مثل نظام طهران غارق في سياسة الإرهاب المباشر وغير المباشر، لن يكون فاعلا في إطار مكافحة الإرهاب، والتعاون معه في قضية كهذه من شأنها تقوية الإرهاب وتعزيز وجوده، بل إن وضعا كهذا، يساهم في تكريس البيئة المولدة للإرهاب في المجالات الفكرية - الثقافية والاقتصادية - الاجتماعية، مما يجعل أي قول بمكافحة الإرهاب مجرد ادعاءات وأكاذيب، ومنها فكرة قيام إيران بدور في مكافحة الإرهاب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حلب تستغيث بأهل الشهامة والنخوة

محمد فاروق الإمام

تأثرت كثيراً وأنا أقرأ مقال أخي وصديقي الأستاذ زهير سالم الذي كتبه يوم 6/7/2014 تحت عنوان "حلب تستغيث الذين خذلوها فهل يغيثون؟" وتألمت كثيراً لما انتاب أخي زهير من أوجاع وآلام وهو ينتقي كلمات مقاله التي غرفها من بحر العذابات والعتب والشجون، وكانت ذروة آلامي ما قاله: "بعض الناس اصطنعوا لأنفسهم ثأرا تاريخيا عند شخص سموه باسمه أكثر من مرة على محطات الفضاء ليتهربوا به من تحمل مسئوليتهم التاريخية ثم ها هم أولاء يلقون إثم جريمة ذلك الشخص المتوهمة المتخيلة المدعاة على مدينة بأسرها ويسرون حسوا في ارتغاء وهم يثأرون من اليتيم والأرملة من أبنائها ...".

وأنهى أخي زهير مقاله بمرارة مغلفة بالتحذير قائلاً: "وإن جرى على حلب اليوم أمر نكرهه وقد صنعتم فيها الكثير مما كرهناه من قبل فستبؤون بإثمه وتتحملون وزره كاملا غير منقوص . واحذروا لعنة التاريخ أن تلزمكم وأنتم لا تشعرون.

حلب اليوم تستغيث الذين خذلوها وتفننوا في الانتقام منها على مدى أربعين شهرا من عمر الثورة ونحذرهم اليوم أن يتمادوا في خذلانهم وأن يصموا عن نداء الحق آذانهم . وإنه لأمر جد وليس بالهزل...".

أخي زهير عرف حلب فهو ابنها البار؛ وعرف موقعها في عمق التاريخ؛ وعرف عراقتها ومركزيتها في النهضة والثقافة الإسلامية والعربية، ومن هنا كان لابد أن يتملكه الحزن والأسى إزاء محنتها الراهنة، فهذه المدينة التاريخية المحاصرة اليوم بالدم والنار، امتازت منذ القرن السادس عشر بمركزها التجاري كمنطقة مهمة في طريق المواصلات إلى أوروبا وكمحطة كبرى للطرق الداخلية بحيث اعتبرت مركزاً مهماً للتجارة الدولية في الدولة العثمانية وملتقى للمبادلات العالمية بين قارتي أوروبا وآسيا.

لقد أجمعت مصادر التاريخ على أن النهضة التي عمت بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان بدؤها في حلب في القرن الثامن عشر، ومن حلب امتدت شعلة الأدب العربي إلى مشرق العرب ومغربه، وفي ذلك يقول مارون عبود: "عن حلب الشهباء أخذ لبنان لغة الضاد".

وفي حلب الشهباء أمضى الشيخ عبدالرحمن الكواكبي حياته مقارعاً الاستبداد مدافعاً عن المظلومين والمضطهدين، ومنها فر إلى القاهرة حيث طبع كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"وكان أول نقد منهجي جذري في الفكر العربي للاستبداد وآثاره الوخيمة على السياسة والتربية والأخلاق، وقد كان هذا الكتاب السبب في استشهاده مسموماً عام 1902.

كل هذه الإنجازات الكبرى كان وراءها بيئة اجتماعية حاضنة بعيدة عن الأحقاد الطائفية، ففي حين زلزلت الفتن جبل لبنان ودمشق عام 1860 ظلت حلب في منأى عن الويلات التي لحقت باللبنانيين والدمشقيين، وعاش أهلها في مودة وسلام، ولم تكن بعض الأحداث المحدودة التي ضربتها في خمسينات القرن التاسع عشر ذات خلفية طائفية.

هذه هي حلب وهذا هو تاريخها ومن حق الأخ زهير أن يتألم لما أصابها ولما صارت إليه وقد خذلها الكل..!!

وشاء القدر وأنا أهم بكتابة مقالي هذا أن التقيت بولدي، بعد أربعة شهور رغم قربه مني، وكان اللقاء حميمياًوللحظات أمضيتها وإياه في عناق، وودعني معتذراً فأمامه واجبات كبيرة ومسؤوليات جسيمة، وكل ما سمعته منه وهو يودعني: "لقد خذلونا.. ما لنا إلا الله.. ادعو لي"...

ولدي هذا حفظه الله وحفظ إخوانه وثبتهم هو أحد قادة لواء التوحيد الميدانيين والمسؤولعن قطاع من أهم قطاعات حلب المحررة!!

أقول لأخي زهير سالم ولست بأقل منه حزناً وتألما على ما صارت إليه الأمور في حلب الشهباء:

لا يعيب حلب تأخرها في خوض غمار الثورة فقد كان بركانها يغلي وهي ذات السبعة ملايين من الناس متنوعي المشارب والتوجهات وقد اهتم بها النظام اهتماماً خاصاً كونها المدينة الصناعية والتجارية وعقدة المواصلات التي تربط الخطوط التجارية بين آسيا وأوروبا، وقد نعم أهلها ببحبوحة من العيش خلاف معظم المحافظات السورية، وكانت منذ الاستقلال سلة سورية الغذائية ومعين اقتصادها، ففي حلب المئات من المدن الصناعية المتطورة والحديثة التي كانت تنافس الصناعة الأوروبية وتتقدم عليها في كثير من المنتجات الأكثر رواجاً في العالم، ويعود ذلك إلى نباهة أهلها وخبرتهم في تطوير الصناعة واستثمار رؤوس الأموال والهيمنة على الأسواق التجارية.

لم تكن حلب بعيدة عما يجري في باقي المدن السورية والريف الحلبي من مظاهرات وانتفاضات فقد كان العديد من الشباب الحلبي يشارك في معظم هذه الفعاليات في الريف، ما لبث أن نقلها إلى قلب مدينة حلب بمشاركة من شباب الريف ودعمهم حتى باتت الأحياء الحلبية والجامعات والمدارس تؤرق النظام، وقد ظن أن حلب ملك يمينه بما زرع فيها من عيون وأفسد من عقول (أكثر من أربعين ألف من الشبيحة ومثلهم من رجال الأمن ومثلهم من المخبرين وعلماء السوء).

وكان بركان حلب الذي هز أركان النظام.. فقد انتفضت المدينة مرة واحدة فأربكت النظام وخلخلت بنيانه، وتقدمت جحافل الثوار من كل حدب وصوب تطبق على المدينة وتحرر أحياءها حياً بعد حي وانحسرت مواقع النظام وباتت تعيش فرق شبيحته وفصائل جيشه في جزر معزولة هنا وهناك، رغم ما ضخ في معركته مع الثوار المئات من المدرعات والآليات الثقيلة ومدفعية الميدان تحت غطاء جوي لا يتوقف عن دك المدينة وبلدات وقرى ريفها المترامي الأطراف بالبراميل المتفجرة والفراغية والحارقة حتى باتت معظم أحياء حلب وريفها خرائب مدمرة وقد هجرها من تبقى من أهلها على قيد الحياة طلباً للنجاة من جحيم ما يلقي النظام من براميل الموت والدمار عليها.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الصمود البطولي للمدينة الباسلة وحزام ريفها المتماسك بدأت عزيمة المقاتلين تفتر، ليس عن جبن أو خوف أو خلل أصابها، وقد خذلها كل الناس القاصي والداني فلم يعد لدى الثوار من سلاح وعتاد يقاوم به ترسانة النظام الجهنمية المدعومة من روسيا وإيران والضاحية الجنوبية والمنطقة الخضراء في بغداد وفرق الحقد الطائفي القادمة منها.

وتمكن النظام من التقدم في بعض الأحياء الاستراتيجية والمهمة في حلب، وكان مقاتلو دولة العراق والشام يراقبون هذا التقدم دون أن يفعلوا أي شيء لوقفه أو عرقلته أو حتى تقديم المساعدة للثوار، لاعتقادهم أن الثوار والجيش الحر هم من المرتدين ومحاربتهم تقدم على محاربة النظام، وقد يكون هناك اتفاق (جنتلمان) بين النظام ودولة العراق والشام، وقد ظهر مثل هذا الموقف لدولة العراق والشام في أكثر من منطقة احتكاك بين النظام والثوار، وفي بعض الحالات كان الثوار يستقبلون القذائف من قبل النظام والدولة في نفس الوقت كما يحدث حالياً في دير الزور والغوطة الشرقية في ريف دمشق.

أمام هذه الحالة الصعبة لم يعد أمام الثوار إلا أن يستغيثوا بأهل النخوة مستصرخين ضمائرهم، فسقوط حلب، لا سمح الله، بيد النظام سيجعل الثورة في خطر وأيما خطر وينتج عنها تداعيات ما بعدها من تداعيات، أقلها ارتكاب النظام المذابح والمجازر بحق أهلهاوهذا أمر واقع لا محالة؛ إن لم تؤخذ استغاثة الثوار على محمل الجد والإسراع في تقديم الدعم بكل أشكاله لتلافي سقوط أحياء حلب المحررة بيد الجزار ثانية والإجهاز على ما تبقى من أهلها، الأيام القليلة القابلة هي الحد الفاصل بين موقف المتخاذلين وموقف أهل الشهامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

موقفنا : المتشعبطون بكراسي الائتلاف وحصرم حلب .. أيها الشرفاء انسحبوا

09.07.2014

زهير سالم

" حصرم حلب " هذه المرة استعارة من أمير الشعراء أحمد شوقي :

حكايـة عن ثعلـب . قـد مرّ بين العنب

ورأى  العنقـود في . لـون كلون الذهب

والجوع قد أودى به . بعد أذان المغـرب

فهـم يبغـي أكلـة . منه ولـو بالتعـب

سعى فما أمكـن أن . يطلع  فوق الخشب

فقال  هذا حصـرم . رأيتـه فـي حلب

تحفظونها منذ كنتم أطفالا . هي اليوم تحتاج إلى إعادة إسقاط بطريقة بسيطة مباشرة ليس فيها أي تعقيد . فكل من فاته أمر عابه . وكل من درّ له ضرع لزمه ...

لم أكن يوما مع الجربا ولا مع الصباغ ولا مع هادي البحرة ولم أكن ضدهم أيضا . وأنا اليوم لست معهم ولا ضدهم . هم رجال سياسة يجرون خلف الكرة التي يجري خلفها كل من شمر واهتم  . ووضع طرف ثوبه في فمه وجرى  فكان في حبه لما أحب كما قال أبو نواس :

حامل الهوى تعب .. يستخفه الطرب

كل من حولي من الناس كنا متفقين على أن الائتلاف في قيامه يوم قام قام على ريبة . كما قام على وعود . وعود ساخنة حارة مؤكدة في أفق وطني لا حزبي ولا فئوي . وقبل الجميع بإعطاء الائتلاف فرصة . ..

الظل اللغوي لكلمة فرصة يوحي بوقت مضيق كما يقول الفقهاء . في المدرسة نحضر درسا لمدة خمسين دقيقة ثم نحصل على فرصة لمدة عشر دقائق . ولكن فرصة الائتلاف رغم أنها كان يمكن أن تنتهي منذ الأشهر الثلاثة الأولى عند أهل الجد أو الأشهر الستة الأولى عند من يقول أن الوعد السياسي يقترن بالعطف بثم المرتبط بالتراخي وليس العطف بالواو الذي يعني المصاحبة أو المعية أو الفاء التي تعني التترتيب والتعقيب وأحيانا السببية . وهكذا امتد عمر الائتلاف إلى ما يقرب من عشرين شهرا . تشرين ثاني / 2012

طاب للبعض الجلوس تحت ( ثريات الوهج  أو اللهب ) وأخذوا يسوّقون الائتلاف وشخصياته تسويقا غير سياسي لشخصيات لم تكن في يوم من الأيام  إلا سياسية  ، تبحث عن مصالحها ومصالح من يوظفها . وفي مناخ لا يتعامل الذي يعيشون فيه بغير معنى ( ألأخ ) و( الصديق الوفي ) كان على المسوّقين أن يستخدموا مصطلحات لا تليق بحق أقوام ( هم هم ) ولا أريد أن أقول إنهم خدعونا أو كذبوا علينا ولكن أنفسنا كذبت علينا أو ( كذب بعضي على بعضي معي )  كما يقول الشاعر . وارتكبت مخالفات شخصانية كان يمكن أن تودي بحجر الأساس الذي يقف عليه المتوافقون .

بل بدا لبعضٍ أن يستبدل حليفا بأخ غرورا وسذاجة عهدناها وألفناها واحتملناها سنين طويلا وذلك يذكرنا بقصة دريد بن الصمة الجشمي بعد يومه بمنعرج اللوى فقد قتل يومها أخوه عبد الله الذي قال فيه ..

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكـم الردي

فإن يك عبد الله  خلـى مكانـه ... فلم يك وقافا ولا طائش اليد

يومها أصيب دريد إصابة بالغة لزم فيها الفراش زمانا طويلا حتى يُئس منه . وكثر عواده . وملته زوجه سليمى . جاءه يومه عواده فمروا بأمه فقالوا لها : كيف حال دريد قالت الأم : أصبح بحمد الله بارئا . ومروا بزوجه سليمى فقالوا لها كيف أصبح دريد فقالت : لا هو حي فيرجى ولا هو ميت فينسى ..

فقال دريد قصيدته الشهيرة يوازن بها العلاقة بين الأم والزوج أسوقها للذين باعوا إخوانهم لشراء تحالفات من ورق وكراسي من خرق . قال دريد يومها ..

أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى موضعي ومكاني

فأيّ امرئ سـاوى  بأم حليلةَ ....فلا عاش إلا في شقا وهـوان

أهم بأمر الحـزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين  العير والنزوان

وقبل أن يحال بين العير والنزوان نقول إن الائتلاف الذي قام على ريبة كما كنا متوافقين عليه منذ يومه الأول . وبعد أن نكص الواعدون بكل وعد وعدوه ونكثوا بكل عهد قطعوه . وبغض النظر عن موقعنا فيه فقد حصحص الحق أنه المركب الذي يسعى إلى تصفية الثورة السورية . وتعليل ثوارها بالأمل الكاذب فعل الأم التي كانت تطبخ الحصى في قلب الصحراء . فأي حرص لدى عاقل أن يكون شريكا في هذا الخزي والإثم .

فلننسحب من هذا المركب ولو على طريقة سيدنا يونس فسيعوضنا الله عنه بصدق التسبيح ...

فلننسحب منه ولنلتفت إلى مركبنا الذي عطلناه ، وإلى إخوتنا التي أوهناها ، وإلى رأسمالنا الذي عهده شعبنا منا الصدق والأمانة والشفافية وإن كان ثوبنا مرقعة مثل مرقعة سيدنا عمر .

لننسحب من هذا الائتلاف فإن كان وجودنا فيه سببا لمنع الوعود من النفاد فلنفعل ذلك حبا لشعبنا وإيثارا لثورتنا . لعل الله يؤيد هذه الثورة بالرجل الذي حدثنا عنه سيدنا رسول الله ( الرجل ...)

ولننسحب من هذا الائتلاف فإن كانت الأخرى فيكفي ما انغمست فيه أيدي البعض من النتن بل من الدماء ...

سيحترم الناس أي قرار بالانسحاب قبل أن تتساقط الأوراق أما فعل ذلك بعد فستكون رسائل الانسحاب السلبية أكثر من أن تحصى وأولها الإدانة برفض نتائج الصندوق التي طالما تغنينا بها وما نحن بالذين يكيلون بالمكيالين . ورفض الاعتراف بالهزيمة والعجز عن تألف الناس لا بمشروعنا ولا بأخلاقنا . وأبسطها على الصعيد الشخصي أن يتذكر متذكر مثلي حكاية شوقي عن الثعلب وحصرم حلب ...

ولسنا بالثعلب وليست عناقيد الائتلاف كثريات الذهب .

10 رمضان / 1435

8 / 7 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

في الزواج النَّكِد الذي ولَّدَ داعش

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 6/7/2014

في الزواج النَّكِد الذي ولَّدَ داعشثمة حالةٌ من التجلي لقذارة النظام الدولي وافتقاده لأدنى درجات الأخلاقية تظهرُ في موقفه مما يجري على أرض سوريا والعراق اليوم.

فحين تحتفل (داعش) بإقامة (خلافتها) بعرضٍ عسكري جرﱠار في فضاء الرقة المفتوح وفي وضح النهار، ويحصل هذا على مرأى ومسمع النظام السوري دون تدخل براميله المتفجرة من جهة، وعلى مرمى حجر من مطاراتٍ عراقية فيها مئات طائرات (الدرون) الأمريكية، التي تتفنن في ملاحقة وقتل أفراد يختبئون في زواريب أفغانستان واليمن وليبيا من جهةٍ أخرى، لايعودُ الأمر بحاجةٍ إلى كثيرٍ من التحليل فيما يتعلق بالنظام الدولي المذكور.

آمنَّا وصدﱠقنا إذاً أن وجود داعش و(عُلُوﱠها) بهذا الشكل في هذه المرحلة أمرٌ مطلوبٌ منهم ومرغوب، بغض النظر عن كونه مؤقتاً أو طويل الأجل، وعن إمكانية ضربها وإلغائها نهائياً فور انتهاء دورها.

لكن وجود هذه الظاهرة المجنونة بكل المقاييس لم يكن له ليحصل لو اقتصر الأمرُ على إرادة النظام الدولي، وعلى رغبة أنظمة سوريا والعراق وإيران وغيرها.

لأن ماسمح بهذا الظهور، ابتداءً، كان ولايزال ذلك الفهم المُهترىء للإسلام، والذي قتلَ كل معانيه الأصيلة وطمس روحهُ وكل مافيه من دوافع ودعوات لوجودٍ إنساني عاقلٍ حرٍ كريم.

لكننا نُخطىء إذا ألقينا تَبعةَ هذا الفهم على أهل داعش وأمثالهم فقط، وإذا تجاهلنا حقيقةَ أن هذه الطريقة في التفكير هي النتيجةُ الطبيعية لكل أشكال الفهم المشوﱠه للإسلام، والتي كانت تتوزع الأدوار في دعوى تمثيله والحديث باسمه في المجتمعات العربية، بأسماء وتفسيرات وفرق مُختلفة.

فمن الإسلام الفقهي التقليدي (مثل فقه المشايخ في بلاد الشام) وصولاً إلى الإسلام الحركي، مروراً بالإسلام السلفي والصوفي، وغير ذلك من تلاوينَ وتوجهات، كانت المجتمعات المذكورة تتقبل وجود هذه التجليات وتتعايش معها.

وكان هذا التعايش ممكناً لأن الغالبية العظمى من أصحاب هذه التوجهات كانوا يتعاملون مع الظروف السابقة بطروحات نظرية حمالةٍ للأوجه. لم يكن هناك داعٍ، قبل زمن الأزمات الذي نعيشه، لأن يتخذ هؤلاء مواقف (عملية) واضحة وقاطعة من قضايا كبرى وحساسة بشكلٍ يُظهر حجم الهوة بين فهمهم وبين تحقيق مقاصد الإسلام الرئيسة فيما يتعلق بحياة الإنسان على هذه الأرض، وبتأكيد قيم الحق والعدل والحرية والجمال.

لم تكن المجتمعات تعرف، عملياً، ماذا سيحصل بها، وكيف ستتأثر، لو أن أصحاب هذه التوجهات امتلكوا بعضاً من زمام الأمر، أو الأمرَ كله، فيما يتعلق بوجودها ومعاشها، وفيما يختص بقضاياها سواء منها المصيرية الكبرى، أو تلك المتعلقة بالحياة اليومية.

حتى (الجهاديون)، الذين كان يبدو أنهم يتخذون مواقف عملية واضحة أكثر من غيرهم، كانوا يُنزﱢلون طروحاتهم الغاضبة على الغرب وعلى بعض حكام العرب، ولم يكن واضحاً تحديداً كيف سيكون تعاملهم التفصيلي مع وجود تلك المجتمعات وقضاياها.

لكن زمن الثورات غيَّرَ هذا الواقع بشكلٍ عام، وشاءت الأقدار أن تُصبح سوريا مثالاً عملياً واضحاً على ماسيشهده مجتمعٌ تتحكم بمصيره، بشكلٍ جزئيٍ أو شامل، مجموعاتٌ تدﱠعي تمثيل الإسلام واحتكار فهمه.

وعلى مافيها من آلام وتضحيات، لم يكن ثمة بدٌ، على المستوى الحضاري، من مثل هذه التجربة الكاشفة التي أماطت اللثام عن ممارساتٍ، صدرت عن الجميع تقريباً. وظهرَ واضحاً أن غالبيتها العُظمى لاتفقد فقط الانسجام المطلوب مع تعاليم دينٍ يُعلي من قيمة الإنسان ويُكرمه، بل إنها تتناقض مع تلك التعاليم.

يطول الحديث عن التفاصيل، وقد كانت موضوع مقالاتٍ سابقةٍ عديدة، لكن المحصلة تُظهر أن تجليات الإسلام المختلفة في سوريا، التقليدية والسلفية الجهادية والحركية السياسية، وصلت بوضعها الحالي إلى طريقٍ مسدود. ورغم الإشكاليات التي يمكن نِسبتُها إلى أصحابها وإلى طرق تفكيرهم وحركتهم، إلا أن الاقتصار على هذا الجانب من التحليل لايفتح لنا أبواب أي حل، ولايجيب على الأسئلة الكبرى التي يُثيرها الواقعُ الذي أوصلوا ثورة سوريا إليه.

ثمة مدخلٌ آخر ينبغي وُلُوجهُ والحفرُ من خلاله في عُمق وتركيبة المنظومات التي صاغتها هذه التوجهات على أنها (إسلامٌ) هو (الإسلام) الذي يجب أن يقبله الآخرون.

هل يدرك أصحاب التجليات الإسلامية المذكورة أعلاه أن ماوصلت إليه داعش كان في الحقيقة مجرد مرحلةٍ متقدمة لفكرٍ يتقاطع في كثير من دوائره مع تفكيرهم؟ سترفض غالبيتهم يقيناً هذا التحليل وتستهجنه، وثمة هروبٌ واضحٌ من مواجهة هذا الواقع عبر إقناع النفس بالشعارات والبيانات، وبإقناع النفس أن (طَرحَنا) مختلفٌ تماماً عن طرح داعش، دونما بحثٍ عن تلك الخيوط الدقيقة التي تنسج في نهاية المطاف الثوبَ نفسه.

إن داعش تُعتبر مولوداً طبيعياً لزواجٍ غريب بين وحشية النظام الدولي واهتراء الفهم الراهن للإسلام. وبما أن النظام الدولي يبدو مستمراً في افتقاده إلى حدٍ أدنى من القيم الإنسانية، وبما أن هناك إصراراً على فهمٍ اختزاليٍ للإسلام يقلب كل تعاليمه ويُفرغها من مضمونها، فإن داعش ستبقى.

ستبقى داعش، إن لم يكن بشكلها وتنظيمها الحالي، فبروحها وفلسفتها.

ستبقى كل مولدات داعش مغروسةً في ثقافة فهم الإسلام السائدة، وستكون جاهزةً لتوليدها مرةً بعد أُخرى بألف شكلٍ ومظهر.

ولن يمكن التعاملُ مع هذه الأزمة بشكلٍ حقيقي في غياب فكرٍ نقدي جذري يخرج عن النسق المعرفي الواحد الذي يحكم التوجهات الإسلامية المختلفة حتى الآن، بغض النظر عن التنويع الظاهري في اللافتات والعناوين.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجتمع السوري.. المعاناة وانقلاب الأولويات

حسين العودات

البيان

الاثنين 7/7/2014

 في سوريا يُمارَس العنف والتدمير والتخويف والسرقة والنهب والابتزاز وقطع الأرزاق والخطف، بهدف الحصول على الفدية، فقد أدى العنف إلى عشرات آلاف القتلى الذين تجاوز العدد الموثق منهم 160 ألف قتيل، إضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى والمعاقين والمعتقلين، كما أصاب التدمير كلياً أو جزئياً أكثر من مليون مسكن، مما اضطر معظم أصحابها لمغادرتها إلى أمكنة أخرى آمنة.

وانتشرت ظاهرة السرقة الكبيرة والصغيرة في معظم المدن والبلدات، من المسلحين من مختلف الفصائل، حيث يقوم هؤلاء بنهب البيوت المدمرة في المناطق التي يحتلونها، إضافة إلى أن أمراء الحرب من بعض الجهات المسلحة المتحاربة، من أنصار النظام وغيرهم، يقومون بعمليات خطف من أجل الابتزاز والحصول على الفدية، كما يقومون بطلب »جعالات« من التجار والبائعين الصغار وأصحاب المصالح، إما لحمايتهم أو للسماح لهم بالاستمرار في عملهم.

لقد غادر سوريا 12% من سكانها، حسب دراسات الأمم المتحدة ومركز بحوث الدراسات السوري، وترك 45% من السكان أماكن إقامتهم المعهودة، ورحل بعضهم إلى أماكن أخرى تقدم لهم الأمن، وبلغ عدد النازحين كلياً من منازلهم حوالي 6 ملايين نازح، وهاجر من سوريا حوالي أربعة ملايين منهم 2.5 مليون مهجر مسجل لدى الأمم المتحدة ومقيم في الدول المجاورة ويأخذ بعض المساعدات، و1.5 مليون مهاجر خارج البلاد بإرادتهم ويعيشون على نفقتهم.

وبلغ عدد السوريين الذين يعيشون في فقر شديد 55% من السكان يكادون لا يحصلون على الحد الأدنى من متطلبات العيش، منهم 20% يعيشون في فقر مدقع، إضافة إلى نقص الخدمات التعليمية والصحية التي تقدمها الدولة لمواطنيها.

فلم يذهب نصف التلاميذ السوريين لمدارسهم هذا العام، بسبب تهديم أو احتلال أو استخدام المدارس في مهمات غير تعليمية، وبلغ عدد المدارس الموضوعة خارج الخدمة 4000 مدرسة، تستخدم إما للإيواء أو لإقامة القوات العسكرية أو تهدّمت، ولم يلتحق 90% من التلاميذ بالمدارس في حلب والرقة مثلاً، و68% في ريف دمشق، وهؤلاء التلاميذ الذين ينبغي أن يكونوا في مدارسهم، انتشروا في الشوارع وفي كل مكان، يعملون بأي شيء أو يتسولون.

لم يكن حظ السوريين من الخدمات الصحية أفضل من ذلك، فقد انهارت الصناعات الدوائية، إما بسبب تدمير المعامل أو هجرة الفنيين خارج البلاد، وتكاد الأدوية التي تنتجها الصناعات الدوائية السورية تفقد من الصيدليات، وهاجر الأطباء والمختصون ودمر بعض المشافي الخاصة والعامة أو أصابها الضرر، فقد تضرر 60% من 91 مشفى حكوميا على امتداد الأراضي السورية، وخرج 45% منها من الخدمة، وتضرر 53 مشفى خاصا ضرراً كلياً أو جزئياً.

وبذلك يفقد الجهاز الطبي السوري فعاليته، ويُترك الناس إما للمعالجة مرتفعة التكاليف أو لإهمال صحتهم، وهناك مئات آلاف الجرحى الذين تضرروا بالدمار الذي حصل ويحتاجون لعلاج مؤقت أو طويل الأمد.

ولنا أن نتصور نفسية شعب أصيب بمثل هذه الأضرار الإنسانية، وقسم منه، إضافة لذلك، لا يجد ما يطعم به عائلته أو يعالج مرضاه، بعد أن أصبحوا بدون مساكن ولا دخل ولا غذاء ولا علاج، فكيف يمكن أن يكون الوضع الاجتماعي والإنساني والنفسي لهؤلاء؟ الكارثة لا تتمثل فقط في عدد الضحايا والتدمير والترحيل وفقدان العمل، بل في النتائج الحياتية والإنسانية الأخرى.

لم يعد من هموم الحكومة السورية القائمة الآن حل مشاكل الناس الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، التي أهملتها كلياً لصالح اهتمامها بـأمن النظام وتقديم مستلزمات الجيش والحرب على حساب قوت الشعب ومتطلبات حياته. كما أن المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة والدول الأخرى والمنظمات غير الحكومية، لا تحل أي مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، والقسم الأكبر منها تصادره السلطات السورية وتوزعه على غير المستحقين، سواء من الجنود وأسرهم وأقربائهم أو بعض الشرائح السكانية الموالية الأخرى، إضافة إلى سرقة قسم من هذه المساعدات من القائمين عليها.

وبالتالي لا يصل إلى المحتاجين من النازحين والفقراء السوريين إلا النزر اليسير. وقد تحول الشعب السوري في المحصلة إلى شعب جائع ومشرد، وبعضه الآخر ملاحق بالاعتقال والتعذيب والقتل. أجمع الدارسون ومراكز بحوث ودراسات خاصة أو تابعة للأمم المتحدة، على أن مستوى التنمية السوري تراجع تراجعاً كبيراَ، وتراجعت معه القضايا الإنسانية والوضع النفسي والحراك الاجتماعي والسياسي، والاهتمام بالقضايا القومية والدولية والقضايا العامة لدى الشعب السوري.

ولا شك أن هذه المؤشرات هي شروط أثرت في هذا التراجع، ولم يعد بالإمكان عربياً الأخذ في الاعتبار أي دور لسوريا في أي قضية قومية حاضراً ومستقبلاً.

واستطراداً لم تعد سوريا صالحة لتحرير أرضها المحتلة، بسبب ما حل بها عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، حتى أن سلم الأولويات انقلب في وعي الشعب السوري، وصار من المشكوك فيه أن الأولوية هي تحرير الجولان أو العمل لنظام عربي جديد أو ما يشبه ذلك. إن السوريين الآن أمام سلم أولويات مختلف عما كان عليه الحال قبل الثورة، ولعله تدهور لم يكن يوماً في حسبان الشعب السوري ولا العربي، بعد أن كانت سوريا قلب العروبة النابض.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نسينا رزان زيتونة

ديانا مقلد

الشرق الاوسط

الاثنين 7/7/2014

«المذيعة الأميركية: هل أنت قلقة على أمنك؟

رزان: لست خائفة على نفسي فالموت بات أمرا عاديا بالنسبة لنا في سوريا إلى حد أننا..

المذيعة الأميركية: رزان؟؟ آلو.. يبدو أننا فقدنا رزان زيتونة»..

وحدث أننا فعلا فقدنا رزان زيتونة بعد زمن قصير من تلك المقابلة الهاتفية مع قناة أميركية والتي استُعيدَ بثُها في فيديو السيرة الذاتية الذي جمعته وعرضته منظمة «أصوات حيوية» الدولية مؤخرا، لدى منحها زيتونة جائزة تقديرية. نعم، فقدنا رزان..

وها هي الأشهر قد مرت على اختفاء الحقوقية السورية الأبرز والأكثر مصداقية ونزاهة في دعم الحرية وفي رصد الانتهاكات التي حصلت في سوريا سواء من قبل النظام أو فصائل المعارضة. وقد عانت رزان مخاطر جمة إلى أن اختطفت نهاية العام الماضي هي والنشطاء سميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي. ومنذ الاختفاء المريب لزيتونة ورفاقها في منطقة دوما التي يسيطر عليها جيش الإسلام الذي يقوده زهران علوش تنشط محاولات لعدم إدخال قضية اختفاء الأربعة في الصفحات المنسية. إنها الصفحات التي أحلنا عليها عشرات بل مئات من الذين قتلوا أو فقدوا في سوريا. والنسيان وعلى قدر ما هو مخفف لألم الفقد على قدر ما يصيبنا بالذنب وبالخجل من خفوت الاهتمام والمتابعة وبالتالي الاستسلام لرغبة من غيّب رزان ورفاقها في دفعنا نحو نسيانهم وإهمال قضيتهم والقبول بواقع الحال. هنا ينبغي الاعتراف بأن إبقاء قضية من نوع إخفاء وإقصاء رزان ورفاقها قضية نابضة ليس بالأمر اليسير مع التزخيم الحاصل للمآسي والفظائع ومع نجاح تنظيم «داعش» بالاستحواذ بسطوة الذبح والقتل على كل الاهتمام المحلي والعالمي وبالتالي تناسي ارتكابات النظام السوري التي أفضت إلى نشوء ظواهر مثل «داعش».

لن يبالي النظام السوري باختفاء رزان ورفاقها، بل هو ربما له يد في ذلك، خصوصا مع علامات الاستفهام الكثيرة التي تحيط بعلوش وبمسؤوليته عن اختفاء شخصية تعد فعلا ضمير الثورة السورية وواجهتها النبيلة. وهنا ليس عبثيا الربط بين اختفاء رزان وإضعاف الصوت المدني السوري عبر قتل ناشطين وصحافيين أو خطفهم وسجنهم أو إجبارهم على الهرب من سوريا وبين الصعود الصارخ لقوى متشددة عنيفة مثل «داعش». وهنا، ليس من تأريخ للافتراق الذي حصل بين المتشددين والناشطين المدنيين في الثورة السورية، لكن لحظة اختطاف رزان ورفاقها لحظة فاصلة في الافتراق بين وجه مدني وآخر متشدد باتت له الصدارة. صحيح أن هذا التقسيم يحمل شيئا من التبسيط ولا يشرح بدقة الفروقات بين الوجوه المدنية وتلك الإسلامية للحراك في سوريا، لكن الصمت المريب الذي مارسته القوى الإسلامية حيال مسألة اختطاف أحد الوجوه المشرقة للثورة السورية يخلف ظلالا من الريبة. فرزان اختطفت من دوما المنطقة التي يسيطر عليها زهران علوش وهذا الأخير يطرح نفسه كتشكيل مقاتل معارض يتسلح بناء على ذلك ويمول بناء على ذلك. وعلوش الذي سبق لكتائبه أن هددت رزان لم يشعر أن ما جرى يثير الريبة بدوره فإسكات رزان تقف وراءه جهة متواطئة مع النظام تماما كما جرى عندما سلمت يبرود والقلمون على نحو مريب لقوات النظام..

لا يفيد إنكار أن خطف رزان زيتونة ورفاقها قد أصاب الحراك السوري بمقتل، لكن الركون إلى هذا الإقرار والاستسلام له لن يعود سوى بتكريس الخسارة..

الحرية لرزان وسميرة ووائل وناظم ولكل السجناء والمفقودين في سبيل خلاصهم وخلاصنا..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العلاج الأوكراني يصلح لسورية ايضاً

حسان حيدر

الحياة

الخميس 10/7/2014

يوماً بعد يوم يتكشف حجم التخاذل الأميركي والأوروبي في وقف نزيف الدم في سورية، ويتضح تورط الغرب في ترك الحرب المدمرة هناك محتدمة الى ما لا نهاية، فيما إعلامه لا يهتم سوى بإبراز وتضخيم حجم التطرف وعدد المتطرفين، متجاهلاً عن سابق تصور وتصميم أن الأمر ليس سوى انتفاضة شعب ضد حكم أقلوي ديكتاتوري مدعوم من قوتين خارجيتين هما إيران وروسيا. وإذا كانت طهران أُخضعت لعقوبات تتعلق بملفها النووي وليس بامتدادها الإقليمي التخريبي، وخصوصاً في سورية، فإن موسكو لم تُثر غضب الغربيين إلا بسبب الأزمة الأوكرانية على تخوم أوروبا وليس لتورطها في قمع الشعب السوري.

وفي الوقت الذي توحي التطورات الأوكرانية أن أميركا وأوروبا قادرتان فعلاً على جعل الروس يتهيبون حجم الأذى الذي قد يلحق باقتصادهم وهيبتهم اذا واصلوا تدخلهم في هذا البلد، فإن «القياصرة الجدد» لا يشعرون بأي حرج في استمرار مشاركتهم في مذبحة نظام بشار الأسد المتواصلة، من دون أي محاسبة دولية.

وهكذا يبدو ان التقدم الذي تحرزه القوات الحكومية الأوكرانية في الشرق واستعادتها واحدة تلو الأخرى المدن التي كان مؤيدو روسيا بسطوا سيطرتهم عليها، من دون ان ينبس بوتين ببنت شفة، فيما تتجاهل وسائل اعلامه النداءات التي يوجهها المنشقون اليه للتدخل والدفاع عنهم، يعني بين أمور اخرى ان موسكو «باعت» انصارها وتخلت عن حركتهم التي شجعتها، لحماية نفسها من التهديد الذي اطلقته بروكسيل وواشنطن بفرض عقوبات جديدة موجعة هذه المرة.

وقد يذهب البعض الى القول ان موسكو ربما تقايض سكوتها عن استعادة كييف المناطق في شرق اوكرانيا بتثبيت سيطرتها على شبه جزيرة القرم بعد «ضمها»، لكن حتى لو كان هذا هو الواقع، يكون الغرب قد نجح فعلاً في دفع الروس الى القبول بتسوية ما، لم تتضح معالمها بعد، بعدما كانوا مصرين على عدم شرعية النظام الاوكراني الجديد الذي قام على انقاض حكم مدعوم منهم، إثر انتفاضة شعبية سلمية.

وهنا لا بد من العودة الى تعمّد الولايات المتحدة الحديث عن «المصالح الروسية الكبيرة» في سورية وتضخيم دور موسكو في مؤتمر جنيف-1 وإظهار ان اميركا لا تستطيع ولا ترغب في استفزاز الروس، وكل التخويف الذي تلا ذلك عن «تجدد الحرب الباردة»، بما اتاح لواشنطن مبرراً للتراجع امام مطالبيها بالتدخل لردع حاكم دمشق بعد استخدامه السلاح الكيماوي ضد مواطنيه ومعارضيه. كما لا بد من التذكير بالسيناريو الاميركي غير الموفق الذي يتحدث عن «استنزاف» روسيا وايران في سورية وجعلهما «يدفعان» ثمن تدخلهما، فيما السوريون هم الذين يُقتلون ويهجرون وتدمّر مدنهم وقراهم.

اما التركيز الاعلامي الغربي على تعاظم دور المتطرفين في التطورات السورية والعراقية، وما يوفره المرتبطون منهم بأجهزة الاستخبارات من ذرائع لإثارة المخاوف في الغرب، فهدفه حرف الانظار عن حقيقة نظامي الاسد والمالكي، وإبراز «اعتدالهما» في وجه وحشية «داعش»، وتعميم مواصفات هذه الاخيرة على سائر معارضيهما.

واذا كان اسلوب المواجهة مع روسيا ومعاقبتها قد نجح في اوكرانيا، ولو جزئياً، فلماذا لا يتخلى الغرب عن «انفصامه» ويجرب الضغوط نفسها على موسكو لاجبارها على وقف دعمها لنظام الاسد، او على الأقل تخفيفه، بما يخدم هدف وقف المأساة السورية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لمحاربة «داعش» ثمنٌ في العراق وسورية

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 10/7/2014

كان لا بد من العودة بالإسلام إلى أحلك مراحله، وأن تُطرح مسألة «الخلافة» على هذا النحو الدموي المقترن بالإرهاب، والكاريكاتوري الأسود، لكي يستطيع المشروع الإيراني تقديم نفسه كـ «بديل» نموذجي يبدو فيه «الولي الفقيه»/ المرشد نسخةً منقّحة من «الخليفة الراشد» يلمّ صاحبها بتعقيدات العصر ومتطلّباته، ويستطيع أن يقارع الدول الكبرى ويقلقها ويجبرها على الاعتراف به ندّاً وقوة إقليمية. والحال أنه يعبث حالياً بمصير بلدين عربيين كبيرين كانا بنظاميهما مصدر قلق للعرب والغرب معاً، إن لم يكن باستبدادهما بشعبيهما فبرعونتهما والأدوار التي تنطّحا لها. استفادت إيران من سورية ومن الفلسطينيين (في لبنان) للذهاب إلى ثورتها، ومن حربها مع العراق للمضي في التسلح، ثم بعد سقوط النظام السابق في بغداد لاستعادة «الإمبرطورية الفارسية». ولا شك في أنها تناولت، كإسرائيل، مسألة الإرهاب واستغلّتها ضد العرب، وها هي تتموضع لتكون المستفيدة الوحيدة من تزاوج «الإرهاب والخلافة» إن لم يكن مذهبياً فبتكريس النفوذ.

ما أصل الأزمة في سورية والعراق؟ الاستبداد وليس الإرهاب، وإن أصبحا صنوين مترادفين. وحشية النظام في سورية ذهبت إلى أقصى ما يمكنها التخريب، ووحشية النظام البعثي في العراق التي نقلت كل أمراضها بالوراثة إلى من تولّوا بعدها. وكلا الوحشيتين تخصّبت في مفاعلات الأيديولوجية الإيرانية، وبنسب عالية جداً، لتقصيا أي إمكانٍ لـ «تعايشٍ» أو حتى «محاصصة» في أفضل ما تعنيه من توازنٍ للحكم، أو أسوأ ما تضمره من انعدام ثقة. فالحكم لمن اختاره «الخليفة/ المرشد» وبإمرته وأجندته وبالأسلوب الذي حدّده وبشعار «الممانعة» المخاتل الذي يرفعه. وهذا ما ضخّم التعنت والتشبث بالسلطة واحتقار الشعب التي لم يفتقدها هذان النظامان أصلاً. لكن هذا ما ضخّم أيضاً مشكلة الحكم ليس في سورية والعراق فحسب، بل في كل مكان تتدخّل فيه إيران. ففي اليمن انتظر حوثيو إيران ارتسام خريطة الطريق الوطنية ليبدأوا العبث بها وتخريبها وصارت «الممانعة» ضد الدولة تعادل حماية تنظيم «القاعدة» ودعاة الانفصال في الجنوب. وفي البحرين تمارس المعارضة نهج «اللاحوار الوطني» لتفرض «ممانعتها» الخروج من الأزمة وعودة والوئام. وفي لبنان تشارف الدولة على الانهيار بسبب تجاوزات «حزب الله» و «ممانعته» وجودها. ولا ننسى تدخل إيران في فلسطين وتوفيرها الذريعة لإسرائيل لفرض «الممانعة» على التفاوض مع السلطة وعلى المصالحة بين «فتح» و «حماس» وعلى انبعاث أي مشروع وطني فلسطيني جديد.

كلّها مشاكل حكم تحاول طهران معالجتها وحلّها بسياسة اليد الغليظة، لكنها اصطدمت أخيراً بتجاهلها «حقائق» كل بلد، أو بلغت اللحظة التي تتطلّب من «ولاتها» وأتباعها أن يحسموا خياراتهم أو تحسم هي مصيرهم. احترق نوري المالكي ولم يعد إنقاذه متاحاً لكن، «لحسن الحظ» يمكن استبداله بـ «شيعي» آخر من حزبه أو من كتلته. واحترق بشار الأسد ولم يعد إنقاذه متاحاً و «لحسن الحظ» يمكن استبداله بـ «علوي» آخر لكن قطعاً ليس من عائلته. في البلدين استخدمت إيران الإرهاب ورقة بوجهين، واحدٌ لإظهار نظاميها في سورية والعراق كضحيتين، وآخر لتظهير «تطرف» المعارضتين وخطورة إيوائهما الإرهاب. ومن الواضح أنها استهلكت ورقة الإرهاب، وأن السحر انقلب على الساحر، تماماً كما جازفت ودفعت الوضع في البلدين إلى حافة التفكيك والتقسيم. صحيح أن هذا يعزز أوراق المساومة مع القوى الدولية، لكن هل تسعى إيران – «الخليفة/ المرشد» إلى التقسيم فعلاً، أم تريد المساومة فحسب. في أي حال بدا «الخليفة البغدادي» وكأنه سبقها فحدّد خياره.

لكن المواجهة مع إرهاب «داعش» فرضت نفسها، بل فرضت على المالكي استدعاء تدخل أميركي، بل إن تنظيم «داعش» زاد الأزمتين السورية والعراقية ترابطاً. وكلما تداخلتا تشابهت العقبات التي تؤخر معالجتهما، وكل تأخير يعني استغلالات تفكيكية من النوع الذي سارع إليه الأكراد في ضمهم كركوك واستعدادهم للاستفتاء على الاستقلال. أما «داعش» فيستغلّ الوقت الضائع مواصلاً تغيير الحدود والتمدد جغرافياً وحتى اجتماعياً، ليجعل من أي حرب عليه أكثر صعوبة وتعقيداً. لعل ترحيب بنيامين نتانياهو بـ «الاستقلال» المرتقب لكردستان كان موجّهاً أكثر لزعزعة الحسابات الإيرانية منه إلى التعبير عن رغبة إسرائيلية معروفة في رؤية دويلات ضعيفة ومتناحرة بالقرب منها. لكن طهران التي انتقدت أربيل لم تقل كلمتها الأخيرة بعد في ما يخص التفكيك والتقسيم، إذ إن لها مصلحة فيه لكنها غير واثقة بمنع وصول عدواه إلى داخلها.

الحرب على «داعش» قد تصبح مغامرة طويلة إذا لم تحصّن سياسياً، ما رفضه المالكي ولم يرده الأسد، فكلاهما من مدرسة تجهل مفهوم السياسة. سعت واشنطن في تدخلها المستجدّ إلى فرملة الاندفاع عراقياً نحو التقسيم، على رغم أن الواقع بات يفرضه، لكنه في الوقت الحالي يخدم مشروع «داعش»، وإذا اقتضته الظروف فلا بد من إنضاجه لمنح كل «قطعة» مقومات الحياة والأمان. لذلك، يراد إعطاء الحل السياسي فرصة أخيرة، فلا شيء يضمن التعايش السنّي - السنّي ولا التعايش الشيعي - الشيعي، فـ «حقائق» البلد تبقى أكثر تأثيراً من أي مشروع للهيمنة. وطالما أن «داعش» فرض نفسه طرفاً لا يمكن التفاوض أو التعايش معه أو مجرد التفكير في جذبه إلى حلول سياسية طالما أنه صار «خلافة»، فالأحرى أن يصار إلى التعاون مع الأطراف التي بذل المالكي كل جهد لتهميشها. والمطلوب الآن هو ما كان مطلوباً وممكناً منذ عام 2006، على رغم التراكمات المفسدة التي أُضيفت إليه، أي تفعيل الدستور واحترام حقوق المكوّنات كافةً، وفي هذه الحال قد يكتفي الأكراد باستقلالية معزّزة مع دوام الارتباط بالعراق، لا لشيء إلا لأن لهم مصلحة في صيغة كهذه حتى إشعار آخر.

لكن هذا يفترض أن النظام في العراق لن يعود كلياً دمية في يد قاسم سليماني. وإذا حصل فسيكون بمثابة إعلان بإخفاق الإدارة الإيرانية لهذا النظام، إذ منعته من إنصاف السنّة ودفعته إلى استتباعهم. لكن هذا هو ثمن محاربة جدّية للإرهاب، إذا استمرّت إيران معنية بها. تلقائياً، هناك أيضاً إسقاطات على الإدارة الإيرانية للأزمة السورية، فلا يمكن الاعتراف بأن أخطاء المالكي تبرر رحيله، لأنها أوصلت العراق إلى ما هو عليه، من دون إقرار مقابل بأن أخطاء الأسد تبرر كذلك التخلّص منه، لأنها دفعت سورية إلى الواقع «الداعشي» الراهن. وإذا غدا إنصاف السنّة ثمناً لازماً وضرورياً لضرب الإرهاب، فهل يصحّ في العراق ولا يصحّ في سورية حيث هم غالبية واسعة. هذا يفترض أيضاً بلورة تفاهم إقليمي لضمان أي حلول سياسية حقيقية تمنع معاودة فئة التسلط على الفئات الأخرى. ولا بدّ من أن تفاهماً كهذا سينطوي بالضرورة على امتناع كل الأطراف، خصوصاً إيران، عن العبث بورقة «داعش».

كان أسامة بن لادن قد شوّه «الجهاد» ببُعده الديني. وكان حكّام كثرٌ شوّهوا مفاهيم المسؤولية والرعاية والعدالة. وكانت «ولاية الفقيه» أفسدت معاني الولاية ومزايا الفقه. فلا عجب أن ينتج الإفساد والمثابرة على التشويه معتوهاً يقود عصابة مسلحة، لا تلبث أن تسمّى «إمارةً»، ثم «دولةً»، ثم يعلن نفسَه «خليفةً»، لتبدو «دولة الخلافة» كما لو أنها حققت أخيراً «حلم المسلمين». ولوهلة تبرّع البعض شرقاً وغرباً بالقول إن «الخليفة إبراهيم/ أبو بكر البغدادي» ضرب ضربته وأحرج المسلمين، شعوباً وحكّاماً، فالناس ستصدّقه لأنه يقول أقوالاً ويفعل أفعالاً، ويظهر قوةً حيث يضعف «خلفاء» غير معلَنين وقدرةً حيث تعجز «حكومات» لا مرجعية دينية لها. ومنذ العقد السابق إلى الآن كان الآخر الذي يقول أيضاً ويفعل، وله مرجعية دينية، هو «الخليفة/ المرشد».

* كاتب وصحافي لبناني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

موقفنا : كيري للإيرانيين .. أطيعونا في مفاعلاتكم ثم افعلوا ما بدا لكم

05.07.2014

زهير سالم

في الثالث من آب 2013 استلم روحاني كرسي الرئاسة في طهران . في ليلة الحادي والعشرين منه استخدمت عصابات الأسد السلاح الكيماوي ضد أطفال الغوطة فقتلت ألفا وست مائة إنسان منهم خمس مائة طفل . قالت عنهم ( بثينة شعبان ) إنهم أطفال قتلوا في القرى العلوية وتم نقلهم إلى الغوطة !! بثينة شعبان هذه هي نفسها التي كان السيد جيفري فيلتمان يحادثها منذ أيام في أوسلو ، والتي نقلت وكالة سانا عنه اليوم قوله ( أجريت مع السيدة بثينة شعبان محادثات جدية وشاملة وصريحة ) وهكذا تصبح إرهابية مجرمة حرب قاتلة أطفال سيدةً في منطوق الدبلوماسي الأممي الأمريكي !!! في 9 / 9 / 2013 أي بعد عشرين يوما من جريمة الحرب وقف وليد المعلم في موسكو يعلن قرار حكومته تسليم الأسلحة الاستراتيجية الكيماوية . ومنذ ذلك اليوم تكشفت أبعاد صفقة إيرانية – أمريكية في المنطقة ، كان اللملف النووي الإيراني عمادها والسلاح الكيماوي السوري أحد مفرادتها ..

وقد توضحت معالم هذه الصفقة أكثر بمقال كتبه حسن روحاني في الواشنطن بوست الأمريكية بعد عشرة أيام من إعلان وليد المعلم الاستسلام للرغبات الأمريكية تعهد حسن روحاني بموجبه هو الآخر بأن إيران تسعى إلى حلول إيجابية مع العالم وأن معادلة الحوار الدولي حول المشكلات الاستراتيجية لا يجوز أن تظل صفرية ..

قريبا من عشرة أشهر تفصلنا عن تلك الأحداث ليطالعنا بالأمس السيد جون كيري بمقال تحفيزي لإيران للسير على خطا سورية في الاستجابة للمطالب الغربية حتى تدخل الجنة الأمريكية الموعودة التي دخلها بشار الأسد من قبل . أطعنا في هذا وافعل ما بدا لك هناك .

يقول كيري للإيرانيين اليوم : إن الوقت بدأ ينفد . ولم يتبق غير أيام تفصلنا عن 20 تموز الموعد الأخير المحدد لعقد اتفاق شامل بشأن ملف إيران النووي . دون أن ينسى أن يذكر أن تمديد المهلة ، كما مددت لبشار الأسد مرة بعد مرة ، لن يكون سهلا ..

في مقاله بالأمس يقمع جون كيري منتقدي سياسة حكومته في المنطقة التي يسمونها الشرق الأوسط مستعرضا النتائج الإيجابية التي تحققت نتيجة الاتفاق الأولي مقللا من التنازلات التي قدمها الغرب ومجموعة 5+ 1

 يبدأ بالثناء على إيران التي كما يقول خيبت توقعات البعض ( من هم ؟ ) الذين راهنوا على عدم التزام إيراني حيث يؤكد مشجعا ان إيران قد وفّت بالتزاماتها التي اقتضتها خطة العمل المشركة . ثم يعدد مبتهجا ما حققته خطة العمل هذه من منجزات للغرب ودوله بشكل خاص حيث قامت إيران أولا بالتخلص من مخزونها من اليورانيوم البالغ مستويات عالية من التخصيب . وخفضت ثانيا من قدرتها على التخصيب من خلال التوقف عن تركيب أجهزة طرد مركزية إضافية . أو التوقف عن البدء في تشغيلها . وامتنعت إيران ثالثا عن إجراء مزيد من التطويرات في منشآت تخصيب اليورانيوم والمفاعلات التي تعمل بالماء الثقيل . وسمحت إيران رابعا بإجراء عمليات تفتيش جديدة ومتكررة على منشآتها كل هذا مقابل تقديم بعض المساعدات المالية المحدودة التي قدمها الاتحاد الأوربي ومجموعة 5 +1 ( رفع بعض العقوبات الاقتصادية ) .

ينسى كيري وهو يفتح أبواب الأمل أمام الحلم الإيراني كما فتحه من قبل أمام الحلم الأسدي . ما فعلته وتفعله إيران في المنطقة . ينسى كيري وهو يعدد مكتسبات بلاده من الصفقة مع إيران وضمنا مع بشار الأسد اندياح إيران في دول الشرق العربي سورية والعراق كما ينداح السكين في الزبد كما يقول الغربيون . ينسى كيري وتنسى مجموعة 5 + 1 دماء مئات الألوف من السوريين معظمهم من النساء والأطفال ، وينسى كيري تدمير بلد حضارة اسمه سورية وتشريد قريبا من عشرة ملايين إنسان سوري بفعل إيران ( المخلّاة ) نتيجة الصفقة التي يتمدح بإنجازها ، ويدعو إلى إكمالها ...

حين يذكر كيري الثمن البسيط الذي دفعه الغرب للصفقة ( بعض المساعدات المالية ) عليه أن يذكر معها كل الأثمان الأخرى من دماء وأشلاء دفعها الآخرون من حسابهم لحساب كيري بالذات ..

وعلينا نحن – شعوب المنطقة – أن نتذكر أن الجنة الموعودة التي ينصبها كيري أمام عيني الحلم الإيراني ستكون من حساب وجودنا وديننا ودمائنا وأعراضنا وأطفالنا ...

علينا أن نذكر هذا ولا ننساه ..

5 / رمضان 1435

3 / 7 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

الوجع واحد والقاتل واحد

محمد فاروق الإمام

بداية أجد نفسي أقف باحترام وإجلال أمام الصمود البطولي للشعب الفلسطيني في وجه آلة الحرب الجهنمية المدمرة التي تملكها الترسانة العسكرية للدولة العبرية، دون أن أنسى أن أقف بإجلال أمام سقوط العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى الفلسطينيين الذين يسقطون بنيران هذه الأسلحة الفتاكة التي لا تميز بين طفل وشيخ وامرأة، أيضاً لابد أن أحيي الوقفة الرجولية لرجال المقاومة الأشاوس الذين يتصدون بكل عزة وعنفوان لآلة الحرب الصهيونية رغم التباين الكبير بين قوة الطرفين!!

لقد زرع الغرب وأمريكا سرطان الدولة العبرية في قلب الوطن العربي وفي أعز موقع من مقدساتنا ليبقى جرحاً نازفاً يستنزف قوى العرب والمسلمين ويستنزف طاقاتهم وثرواتهم، ويزرع الفرقة والتناحر والتنابذ والمناكفة بين دول المنطقة التي ولدت من رحم اتفاقية سايكس-بيكو، ولتوزعبين دول تقدمية ودول رجعية، ومن ثم دول مقاومة ودول منبطحة، ودول معتدلة ودول متطرفة،فدول مارقة ودول تدعم الإرهاب ودول تحارب الإرهاب!!

وإذا ما زرع الغرب وأمريكا الدولة العبرية العنصرية في فلسطين فإن هذه الدولة المسخ هي من زرعت عائلة الأسد في الشام وجرجرت الغرب وأمريكا لدعم هذه العائلة وحمايتها لتبقى في الحكم رغم آثامها وبوائقها، لتنعم الحدود الشمالية للدولة العبرية بالأمن والأمان، والتي كانت على الدوام تسبب لها الخوف والرعب والقلق قبل وصول آل الأسد إلى الحكم غيلة وغدرا.

ولعل الجميع يتفقون معي في هذا المنحى بعد كشف وثيقة لقاء جولدا مائير رئيسة وزراء الدولة العبرية ووزير دفاعها موشي ديان مع وزير الدفاع السوري في حينها حافظ الأسد في قبرص عام 1968، ومن أهم ما سجل في ذلك اللقاء قول موشي ديان لرئيسة الوزراء وهو يربت على ظهر الوزير الهمام: "هذا الأسد هو من سيحمي الحدود الشمالية لدولة إسرائيل" وهذا ما حصل بالفعل فقد بقيت الحدود الشمالية للدولة العبرية تنعم بالأمن والأمان لأكثر من أربعين سنة في ظل حكم الأب والابن لآل الأسد، ولابد من الإشارة هنا إلى الأمر الذي وجهه حافظ الأسد بصفته وزيراً للدفاع إلى أفراد القوات المسلحة السورية بالانسحاب الكيفي من الجولان وتسليمه لقوات الدولة العبرية دون دفاع أو مدافعة وقبل أن تدنس قوات العدو الصهيوني القنيطرة ب(18) ساعة، ولتغنم قوات الدولة العبرية المئات من المدرعات وقطع المدفعية والعتاد الذي دفع الشعب السوري ثمنه من عرقه وجهده؛ ولم يكن قد استعمل بعد أو شارك في أي عملية عسكرية مع الدولة العبرية، ولترفع القوات الصهيونية على مدخل القنيطرة شعار الآية الكريمة: ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ).

الأسد الابن راح بعيداً فيما تتمناه الدولة العبرية فقد حقق لها ما لم تحلم بتحقيقه؛ فقد دمر الجيش السوري وفككه ودمر المدن السورية وخرب منشآتها وبنيتها التحتية، وقتل ما يزيد على ربع مليون مواطن سوري، وسجن واعتقل أكثر من هذا العدد، فيما هناك نفس العدد أو يزيد من المختفين، إضافة إلى تهجير أكثر من ستة ملايين خارج سورية في بلدان الجوار والعالم، ونزوح أكثر من اثني عشر مليوناً يهيمون على وجوههم داخل البلاد؛ طلباً للنجاة من براميل الموت التي يمطر بها الأسد الابن المدن والبلدات والقرى في طول البلاد وعرضها، والأنكى من كل ذلك تمزيق الشعب السوري إلى أثنيات عرقية ودينية وطائفية ومذهبية وزرع الأحقاد والثارات فيما بينها.

الدولة العبرية لم يعد يهمها بقاء الأسد الابن أو رحيله وقد تحقق لها ما لم تكن تحلم به، فسورية التي كانت تؤرقها وتخشاها باتت دولة فاشلة ومفككة ومدمرة تحتاج لنصف قرن حتى تعود إلى سابق عهدها.

الإخوة في فلسطين الحبيبة أعذروني إن أنا أسهبت في الحديث عن سورية ومقالي قد خصصته لوجعكم وما يصيبكم من جراحات وآلام وأحزان على يد الدولة العبرية العنصرية وآلتها العسكرية الجهنمية المدمرة، ففلسطين جزء عزيز من بلاد الشام، ولن يتحقق لكم ما تصبون إليه في إقامة دولة حرة مستقلة إلا إذا رحل بشار الأسد جزار الشام ونمرودها ورجل تل أبيب، وتفكك نظامه الأمني الذي ألهب ظهر السوريين والفلسطينيين واللبنانيين بعصاه الغليظة لنحو خمس وأربعين سنة. حمى الله فلسطين وحمى شعبها المجاهد الأبي ورحم شهداءها وداوى جرحاها وأعز مقاتليها وجندها.. وسيبقى دمنا واحد ودربنا واحد ووجعنا واحد حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا الواحد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأعراس الديمقراطية في سوريا

بدرالدين حسن قربي

في خمسة استفتاءات متتالية لرئاسة سوريا وليس انتخابات، كانت من عام 1971 وحتى1999 جدّد حافظ الأسد بنفسه لنفسه بنسبة مئوية لا تقل عن 99% بل كانت 99.9% وطابقت المئة أحياناً.  وفي استفتاءين تاليين لوريثه بشار كانت النسبة 99.7 % عام 2000 و 97.6% عام 2007 أما في الانتخابات المزعومة وليس الاستفتاء مما سمّوه ( العرس الديمقراطي) عام 2014 فكانت 88.7% رغم أن عدد الإرهابيين السوريين بالملايين حسب كلام بشار نفسه ممن يُفترض أنهم لايصوّتون له، ولكن على ما يبدو فعلوها وانتخبوه، وإلا كيف حصل على النسبة المشار إليها..!!

على أية حال، كل النسب المشار إليها التي تقترب أو تطابق المئة في المئة من أيام الأب سابقاً والولد لاحقاً، تؤكد أن البلد محكوم قمعاً واستبداداً بشبكة حديدية من فساد السلطة وتوحشها، وأن انفجار البركان السوري قادمٌ قادم لا ريب، وهو الذي كان، فمن يزرع الريح يجنِ العاصفة.

ومع ذلك، مازال نظام البراميل ومعه عصاباته من الشبيحة السوريين والميليشيات المقاتلة المستقدمة من الخارج على اختلاف أحزابها ودولها غير مستوعبين ماحصل للسوريين خلال أربعين شهراً مضت، بل يعتبرونه مؤامرة خارجية، وكأن إجرامهم وتوحشهم ونهبهم واستعبادهم للسوريين غير كافٍ لانفجار ثورة عليهم.  ولكن مما لاشك فيه أن من يستحضر الفوز الساحق للديكتاتور الروماني الراحل تشاوشيسكو في آخر أعراسه الديمقراطية ثم إعدامه وزوجته بعد شهرين من العرس، يتأكد أن أجل الله آت على المجرمين قريباً أو بعيداً، وإن زعم من زعم أن سوريا غير تونس أو مصر أو ليبيا أو هي غير رومانيا، وأن بشار الكيماوي هو غير تشاوسيسكو ولا يخاف مصيره أن يكون مثله.  ويؤكّدون على ذلك بما كان في حوار بشار الأسد مع دير شبيجل الألمانية نشرته يوم 16  تشرين الأول 2013 حيث سألته المجلة: هل تخشى أحياناً أن يحدث معك ما حدث للرئيس الروماني تشاوشيسكو، فبعد محاكمة قصيرة، تم إطلاق النار عليه من قبل جنود بلده؟  وكان جوابه: لو كنت خائفاً، لكنت قد تركت سوريا منذ زمن طويل.

على كل حال، أن يكون مصير آخر عرسان الديمقراطية الأسدية هو نفسه مصير تشاوسيسكو أو القذافي أو أشد سوءاً أو أقل من المجرمين العتاولة، فهذا أمر متروك لوقته، وإن كان مايفعله عريس الديمقراطية الكيماوي اعتقاداً منه أنه لن يقدر عليه أحد، يشير إلى مستقبلٍ بئيس له، وأكثر قبحاً من سابقيه، ويومها يفرح السورييون عن بكرة أبيهم بالخلاص ويكون عرساً لم يشهده تاريخهم، ويقولون: متى هو..! قل: عسى أن يكون قريباً. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوباما الوجه القبيح للإدارة الأمريكية

محمد فاروق الإمام

في كل يوم يخرج علينا الرئيس الأمريكي أوباما بتصريح جديد يسفر فيه عن الوجه الآخر القبيح للإدارة الأمريكية التي كانت وراء إطالة عمر النظام الباغي في دمشق وحقنه بأكسيد الحياة كلما شارف على الموت والزوال، وكانوراء أنهار الدم التي سالت وتسيل على الأرض السورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، فقد صرح بأن "المعارضة السورية لا يمكن أن تنتصر على الأسد والمجموعات الجهادية لأن ذلك ضرباً من الخيال". وأنه "لا يمكن لمزارعين وأطباء أسنان لم يسبق لهم أن حاربوا، أن يتغلبوا على نظام الأسد والمجموعات الجهادية".

وقال في مقابلة تلفزيونية مع شبكة (سي بي اس) الإخبارية الأمريكية أنه "لا توجد معارضة معتدلة داخل سورية قادرة على هزيمة الأسد والمجموعات الجهادية".

وذكر اوباما في لقائه ان "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) استغل حدوث فراغ في السلطة في سورية لجمع الأسلحة والموارد وتوسيع سلطته وقوته على الارض".

ورداً على سؤال بأنه في حال دعمت الولايات المتحدة قوات المعارضة المعتدلة في سورية سيكون هذا الفراغ موجوداً ؟ اعرب اوباما عن اعتقاده بأن "فكرة وجود قوة سورية معتدلة جاهزة لهزيمة الأسد ليست صحيحة وبالتالي فإنه بكل الاحوال الفراغ سيكون موجوداً".

بئس هذا الصديق للثورة السورية وللشعب السوري فكل ما ينضح به هذا الإناء القبيح يسفر عن لؤم وخسة ونذالة وكذب وافتراء، لأن كل الثورات في العالم التي سبقتنا حققت في معظمها الانتصار على الأنظمة الفاشية والديكتاتورية وكان رجالها مزارعون وحرفيون وبسطاء ومثقفون واختصاصيون (أطباء ومهندسون وأساتذة ومحامون)، ولعل أوضح مثال الثورة الكوبية التي هزمت رجل أمريكا وصنيعتها (باتيستا) ومرغت أنف المارينز، مفخرة الجيش الأمريكي، في وحل الهزيمة في خليج الخنازير.

نسي صاحب الوجه القبيح أوباما أن الصمود البطولي للثوار والجيش الحر لأكثر من ثلاث سنوات في وجه النظام الباغي المدعوم من أعتى دول العالم قوة وحقداً (روسيا وإيران) وقتال ميليشيات الحقد الطائفي الوافدة من الضاحية الجنوبية ومن قم والمنطقة الخضراء في بغداد إلى جانبه؛ بعد أن فقد أكثر من 80% من عصاباته التي جيشها وجهزها لمواجهة الشعب السوري الأعزل؛ الذي وقف يقاتله بصدوره العارية وبما يغنم من سلاح وعتاد يكسبها من جنوده الفارين ومخازنه التي يتركها حراسها طلباً للنجاة، نسي أن هذا ضرباً من الخيال وبطولة لم يسبقه إليها أي شعب في التاريخ.

نسي صاحب الوجه القبيح أنه في مقابل الجسور البرية والجوية والبحرية التي تشحن أحدث ما وصلت إليه ترسانة أسلحة الموت والدمار الروسية والإيرانية والكورية الشمالية دعماً للنظام الباغي في دمشق؛ وتعويضاً عما يخسره في مواجهة الثوار، كنا لا نجد في الطرف المقابل ما يسمى (بأصدقاء سورية والشعب السوري) إلا جعجعة خاوية وبيانات خادعة وتصريحات كاذبة وألعاب رخيصة من تحت الطاولة؛ تصب في خدمة النظام وإطالة عمره.

تباً لصاحب الوجه القبيح الذي كان شريكاً للنظام وروسيا وإيران والمنطقة الخضراء في دخول ما تسميه بالعصابات الإرهابية التكفيرية إلى سورية وتقديم الحماية لهم، وتمكينهم من بعض المناطق التي سيطروا عليها في شمال شرق سورية ليكونوا شوكة في خاصرة الثوار، وهم الآن في انحسار بعد أن تمكن الثوار من طردهم من العديد من المناطق التي بسطوا نفوذهم فيها في حلب وريفها الشمالي وإدلب وريفها.

أخيراً نقول لصاحب الوجه القبيح تباً لك ولما تصرح به فإن ثورتنا اليتيمة ماضية بعزيمة وإصرار إلى ما شاء الله أن تمضي؛ حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا فنحن شعب لا نستسلم فإما النصر وإما الشهادة.. وأنت يا صاحب الوجه القبيح لا تفهم هذه المعاني التي هي جزء أساسي من مورثنا الحضاري والقيمي والإنساني!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لا ينسحب إخوان سورية من الائتلاف… كما فعل البيانوني؟

الطاهر ابراهيم

القدس العربي

الخميس 10/7/2014

يعرف الجميع في صفوف الإخوان وفي الدوائر المحيطة بهم من محبيهم أني لم أكن حسن الظن بتشكيلة المجلس الوطني السوري منذ انطلاقته بنسخته الأولى في 15 أيلول/سبتمبر عام 2011 (كتبت عدة مقالات في ذلك وبعضها نشر في «القدس العربي») وضمت 75 شخصا ممن يسعى أغلبهم لاستثمار الثورة السورية. وفي النسخة الثانية التي ضمت حوالي 150 سوريا، ولا يعرف إلا الله سبحانه وتعالى كيف تم انتقاء هؤلاء المئة والخمسين، وعلى أية آلية تم اختيارهم وأي مرجعية وافقت على ذلك؟

أقصى ما عرفته أنه ضم مجموعة قليلة من الإخوان السوريين لتزيين المجلس الوطني، لما يتمتع به الإخوان من سمعة طيبة، وللاستفادة من التمويل عند الإخوان من اشتراكات يدفعها أعضاء الإخوان من مالهم الخاص ومن زكوات تأتي إليهم. أستعجل لأقول إن الإخوان الذين انضموا إلى المجلس الوطني انحصروا في فئة تدين بالولاء لأحد النافذين في الإخوان. وقد استبعدت من المجلس شخصيات مرموقة في الإخوان السوريين مثل الأستاذ علي صدر الدين البيانوني المراقب العام السابق للإخوان السوريين والشيخ منير الغضبان المراقب العام الأسبق يرحمه الله تعالى، والأستاذ الأديب زهير سالم رئيس مركز الشرق، وآخرين يضيق عنهم الوصف لعل أشهرهم الأستاذ عصام العطار المراقب العام الأسبق في ستينيات القرن العشرين. كما استبعد المراقب العام الحالي رياض شقفة، بحجة أن المجلس الوطني يشغله رجال الصف الثاني من الإخوان.

مع ذلك سرت إشاعات بأن الإخوان يسيطرون على المجلس الوطني، أشاعها بعض من يدين بالولاء لواشنطن، توطئة لتجميد فعاليات المجلس (كان بالأصل من دون فعالية) وذلك لتشكيل هيئة أخرى تسير بالثورة كما تريد واشنطن. في أواخر عام 2012 سعت شخصيات وطنية معروفة للخروج بالمعارضة من عنق الزجاجة التي حصر المجلس الوطني نفسه داخلها، من هذه الشخصيات الأستاذ علي صدر الدين البيانوني ورياض سيف، وانضم إليهما رياض حجاب رئيس الوزراء السوري المنشق. دخلت واشنطن على الخط فاستطاعت تغيير مجرى المبادرة، وتم تشكيل ما سمي «الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة». زيادة في التعمية تم طرح اسم خطيب الجامع الأموي أحمد معاذ الخطيب رئيسا للائتلاف، وانتخب بالإجماع رئيسا للائتلاف، لكنه ما لبث أن اصطدم برغبات واشنطن، التي وضعت جبهات مقاتلة سورية على قائمة الإرهاب، وأوحت بطلبات الأستاذ معاذ الخطيب، ما اضطره لتقديم استقالته، وشجب وضع هذه الجبهات على قائمة الإرهاب.

وفي ظل بقاء نغمة سيطرة الإخوان على الائتلاف، مع أنه لم يكن لهم إلا حوالي خمسة أعضاء، فقد اجتمع الائتلاف في اسطنبول بحجة انتخاب رئيس للائتلاف بدل الشاغر، لأن الخطيب كان قد استقال من عدة أشهر. لكن الحقيقة كانت هي استكمال عضوية الائتلاف، حيث تمت إضافة 25 عضوا، كلهم من قائمة المنبر الديمقراطي التي تدين بالولاء للكاتب السوري ميشيل كيلو، وكان العنوان الأبرز لكل هؤلاء هو تشكيل لوبي يدفع بالائتلاف لحضور جنيف 2، مهما كانت المعطيات. وتم انتخاب أحمد عاصي الجربا رئيسا للائتلاف بزيادة صوتين من عضوين من الإخوان السوريين صوتا لصالحه، رغم أن قيادة الإخوان السوريين كانت اتخذت قرارا بأن لا يصوت له، لأنه يريد هو وكتلته الذهاب إلى جنيف2 على أي حال كانت.

وعندما انتخب عبد الفتاح السيسي رئيسا، وجه له أحمد الجربا برقية تهنئة، رغم أن السوريين اللاجئين في مصر ذاقوا الأمرين بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ما اضطر بعضهم إلى ركوب قوارب غير آمنة، فغرق كثير منهم أمام جزيرة صقلية، وغرق آخرون أمام قبرص، فقدم الأستاذ علي البيانوني استقالة معللة من الائتلاف احتجاجا على تلك البرقية. اليوم نرى أن هناك من يرشح لرئاسة الائتلاف أناسا أقل ما يقال فيهم أنهم لا يعرف لهم سابقة في المعارضة السورية، وأن مسيرة الائتلاف صارت خبط عشواء، حتى صرنا نترحم على أيام المجلس الوطني. أما المقاتلون على الأرض فلا يكاد الائتلاف يعرف عنهم شيئا. وعندما تأتي معونات مخصصة للمقاتلين وللاستغاثة فلا يصل منها شيء.

أنا اليوم أتوجه إلى الأستاذ فاروق طيفور نائب رئيس الائتلاف ونائب المراقب العام للإخوان لأسأله: ماذا قدم الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني للثورة السورية؟ جيش النظام وشبيحته وميليشيا تأتمر بأمر طهران يعملون على الاستيلاء على أحياء في حلب بيد الثوار. وتنظيم داعش يقضم في المنطقة الشرقية كل يوم قرى جديدة، فماذا ينتظر الإخوان المسلمون في سورية؟ هل ينتظرون حتى لا يبقى من الثورة السورية إلا الائتلاف وحده؟

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حلب في غازي عينتاب: هل بدأت صدور الأتراك تضيق باللاجئين السوريين؟

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 10/7/2014

ليس جديداً القول إن الرأي العام التركي منقسم بشدة حول السياسة السورية للحكومة، وتستخدمها المعارضة أداةً للتحريض عليها. وإذا كانت المعارضة الرسمية تنتقدها من خلال القنوات الشرعية كالبرلمان والإعلام، فهناك مجموعات وطنية متشددة ويسارية لا وزن لها في المشهد السياسي لكنها تمارس دوراً تحريضياً ضد اللاجئين السوريين، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في صراعها غير المتكافئ ضد خصمها اللدود حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي. ومعروف أن مجموعة يسارية وطنية متشددة، تنشط في مدينة أنطاكية، تجند شبانا علويين من أصول سورية للقتال في سوريا دفاعاً عن نظام الأسد، يقودها معراج أورال (أو علي كيالي) الذي صاهر عائلة الأسد، وتعتبره روايات غير مؤكدة مسؤولاً عن مجزرة بانياس، بعدما بث شريط فيديو يستنهض فيه همم أنصاره «لتطهيرها من الإرهابيين».

الاعتداءات التي تعرض لها لاجئون سوريون في بلدة الريحانية الحدودية، في أعقاب تفجير سيارتين مفخختين العام الماضي، تم تفسيرها بانحياز سكانها (عرب علويين من أصول سورية) إلى نظام الأسد، وعدم رضاهم بالتالي عن تحويل مدينتهم إلى ملجأ للسوريين المعارضين وممراً لعبور المسلحين والسلاح إلى الجيش الحر الذي يقاتل نظام الأسد.

لكن مدينة غازي عينتاب، التي تبعد عن حلب مسافة أقل من ساعتين بالسيارة، يختلف أمرها بسبب تركيبتها السكانية المختلفة عن ولاية هاتاي (لواء الاسكندرون). فهذه المدينة التوأم لمدينة حلب، مدينة محافظة عموماً، وهي من القلاع الانتخابية القوية لحزب العدالة والتنمية. كثير من سكانها الأصليين من أصول عربية ولهم أقرباء على الجانب الآخر من الحدود، وفي العهد العثماني كانت سنجقاً يتبع ولاية حلب. وقد نالت نصيبها من التهجير الذي لحق بالأرمن والسريان في أوائل القرن الماضي، الأمر الذي بقيت آثاره في كنائس تحولت مبانيها لوظائف جديدة. وفي العقدين الأخيرين توسعت المدينة عمرانياً فتضاعفت مساحتها، بسبب الصناعة التي نمت فيها بسرعة حتى أصبحت عاصمة الصناعة في جنوب شرقي الأناضول. واستقطبت المدن الصناعية في ضواحيها أعداداً كبيرة من اليد العاملة من ريف الشرق ومدنه حتى باتت غالبية سكانها من الكرد، وإن كانت أكثريتهم لا تتحدث اللغة الكردية. هؤلاء «الكرد المستتركون» يشكلون، مع أتراك المدينة، الخزان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي.

هذه «البيئة الموالية» تعاملت عموماً بتعاطف مع اللاجئين السوريين الذين وجدوا في المدينة خير ملاذ من براميل الأسد وطيرانه الحربي الذي دمر حلب وجوارها. لا أحد يعرف اليوم، على وجه اليقين، عدد السوريين المقيمين في المدينة، بسبب سياسة الحدود المفتوحة مع سوريا. لكن التقديرات المتفاوتة تشير إلى أرقام تتراوح بين ربع مليون وسبعمئة ألف، في مدينة يقل عدد سكانها قبل بداية اللجوء السوري عن مليونين. وهكذا أصبح الوجود السوري هنا بارزاً أكثر وأكثر، من خلال لوحات السيارات السورية في الشوارع والمطاعم والأفران والمقاهي السورية التي نقلت ثقافة حلب الاجتماعية إلى غازي عينتاب، والمحلات التجارية التركية التي أخذت تستخدم عمالاً سوريين يجيدون العربية والتعامل مع الزبائن السوريين.

تأثرت المدينة اقتصادياً بوجود السوريين بصورة متناقضة. فمن جهة استفادت أسواق عينتاب من الوافدين الذين أخذوا ينفقون مدخراتهم هنا، ومن جهة أخرى أصبح العمال السوريون ينافسون العمالة المحلية في سوق العمل، بسبب انخفاض الأجور التي يقبلون بالعمل لقاءها. بات بمقدور رب العمل التركي أن يشغِّل عاملين سوريين بالراتب الذي كان يدفعه لعامل تركي واحد، في وقت تشكو فيها المدينة من معدل بطالة يقدر بأربعة عشر في المئة. وتضاعفت إيجارات المنازل السكنية في المدينة عما كانت عليها قبل وفود السوريين، فأثرى أصحاب العقارات وتضرر المستأجرون الأتراك.

ومن الآثار الاجتماعية لازدحام المدينة بالسوريين، أن الرجل التركي المحروم قانوناً من تعدد الزوجات، أصبح يُقبِل على الزواج من سوريات، قاصرات غالباً، بتكلفة بسيطة. وهو ما يثير حساسيات اجتماعية كبيرة ضد السوريين. إلى جانب الزيجات غير القانونية هذه، يدور الحديث عن انتشار الدعارة أيضاً.

ويغزو الناشطون السوريون السابقون مقاهي المدينة ومطاعمها، فلا يسعد ظهورهم هذا أبناء الطبقة الوسطى المحليين. كما أن الحكومة المؤقتة وبعض مؤسسات المعارضة الأخرى ومنظمات إغاثية واجتماعية مختلفة تتمركز في المدينة، وتزدحم فنادقها بمؤتمرات السوريين وورشات عملهم ومنتدياتهم المختلفة.

يوم الأحد 29 حزيران/يونيو، خرجت أول مظاهرة تركية تطالب بطرد السوريين من غازي عينتاب، بدعوة من «وطنيين متشددين» من خارج الأحزاب الرسمية. نحو مئة شخص لبوا الدعوة إلى التظاهر احتجاجاً على اعتداء شاب سوري على طفل تركي. وعبرت صفحة الفيسبوك الداعية للتظاهر عن تظلمات السكان المحليين من غزو السوريين لمدينتهم، مركزةً على منافسة العمال السوريين في سوق العمل، وتسببهم في ارتفاع إيجارات البيوت. وتدخلت الشرطة، في الأول من شهر تموز/يوليو، لفض اشتباك بين أتراك وسوريين في حي كرايلان، بعدما انتشرت شائعة عن مطاردة عامل سوري لأطفال أتراك كانوا يثيرون الضجيج، وفي يده سكين شاورما. اقتادت الشرطة، بالنتيجة، خمسة وعشرين سورياً إلى مركز الأمن لتحويلهم إلى مخيمات اللاجئين إذا كان هناك أماكن شاغرة فيها.

وقبل حين كان أحد أقطاب المنظمة المحلية لحزب الشعب الجمهوري المعارض قد نشر مقالة عبر فيها عن «استياء السكان» من وجود السوريين، فقال إن «طبيعة المدينة وأمانها ونظام حياة السكان فيها قد فسدت مادياً ومعنوياً». ويشكو الصناعي اللامع «برهان جاهد بنغول» من ازدحام المستشفيات والمراكز الصحية بالسوريين الذين يتلقون علاجاً مجانياً، فلا يتركون دوراً للسكان المحليين. أما الشوارع فقد أصبحت تعاني من زحمة سير خانقة بسبب السيارات الخاصة للسوريين من الطبقات الوسطى، حسب رأيه. ويحمِّل بنغول حكومة حزب العدالة والتنمية مسؤولية إعطاء الأولوية في المستشفيات الحكومية لـ «الضيوف» السوريين، ليتحول الأتراك إلى «مواطنين من الدرجة الثانية» حسب قوله. هل وصل البرم بوجود السوريين، بعد الريحانية وأنطاكية وأنقرة، إلى غازي عنتاب؟ هذا مؤشر مشؤوم إلى ما تخبئه الأيام المقبلة للاجئين السوريين في كل تركيا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

موقفنا : لكي لا تدفع الأمة المسلمة ثمن تخاذل حكامها أمام المشروع الصفوي الطائفي ..؟!

06.07.2014

زهير سالم

أما إنكار وجود مشروع صفوي طائفي يهدد الأمة المسلمة في أخص خصوصياتها : عقيدتها وشريعتها وثقافتها وتاريخها وحاضرها ومستقبل أجيالها فهو من إنكار الشمس رأد الضحى ، والمطالبة بالإتيان بالدليل على ضوء النهار ..

وأما محاولة احتواء هذا المشروع بقبلة على رأس او على يد وجبين فهي سياسة مثيرة لغرائز الطامعين تحرك شهوتهم وتبعثهم على الإمعان في الطموح ، فما بعد النظرة والابتسامة والسلام والكلام إلا ما قال شوقي من الموعد واللقاء ليس على فرش المهانة فقط بل والدياثة أيضا ..

وأما التعويل على الآخرين – أمريكيين وأوربيين أو روس ويابانيين – في حماية العقيدة ، وصون البيضة ، والدفاع عن حقيقة هذه الأمة فهو العجز عينه وهو الهوان نفسه وهو الهزيمة ذاتها وهو الضياع والاضمحلال وذهاب الريح والوقوع بين براثن عدو لئيم حاقد لا يُرجى ولا يُؤمل وإن استُرضي لا يرضى وإن استُعتب لا يعتب ..

وحين يستشعر الإنسان العربي اليوم الخطر ، ويعاين التهاون والتخاذل والعجز عند من اعتده لهذا اليوم ، وكان يأمله ويرجوه ، يرتد بصره حسيرا ، فينفر مبادرا للحفاظ والذود فيقع عن غير وعي منه في حبائل منصوبة أحسن أعداء هذه الأمة الإمساك بطرف طِوَلها فيدوّمون به في متاهات الغلو والتطرف والتوظيف في مشروعات ضلالة فيها الكثير من الرهق والعنت والانحراف عن الجادة ، وفقدان البوصلة فيزيدون طين هذه الأمة بلّة ، وجراحها جراحا وأساها أسى ..

ويجد الإنسان الفرد المتلظي على ما يحل بأمته ، المشفق على مصيرها مما يعاينه من تكالب أعدائها ، وتخاذل حكامها ؛ نفسَه بين دوائر من العدوات ، وأطباق من المتربصين فلا جهده يوازي جهدهم ولا كيده ، إن كاد ، يقوم لكيدهم حتى صار في نفرته لنصرة أمته وبالا على نفسه وعلى أسرته وعلى مجتمعه وعلى أمته التي خرج في الأصل نصرة لها ...

وبين أولئك الحكام المتهاونين وهؤلاء الأفراد المضطربين نبتت نابتة بين ظهراني هذه الأمة من علماء سوء ، مردوا على المداهنة والنفاق ، وأدمنوا على شرعنة الضلال ، وتزيين الهوان ، وتشويه فقه الحلال والحرم، فالحلال عندهم ما وقع في شهوة صاحب عصا ، والحرام ما زوى صاحب العصا عينا عنه . فلا همَّ لنابتة السوء هذه إلا أن تربت على هوى ، أو تعين على ضلالة ، ولو كان في ذلك قيادة هذه الأمة إلى الهاوية وسقر

وحين قال الفقهاء الوارثون إن مهمة ولي الأمر ( حفظ البيضة ) فلأنهم كانوا يدركون أن حقيقة الأمة محمية بأقرب ما يكون إلى البيضة التي يكسرها أي تهاون في أمرها ، ويذهب بما فيها إي عجز عن إحاطتها من كل جوانبها . وإذا كانوا قد كنّوا عن حقيقة الأمة بالبيضة فكم هو حقّ هذه البيضة في الحفظ والصون واليقظة والحذر والحضور والاستعداد والتشمير والشجاعة والنجدة والجرأة والقدرة والزهد في الصغائر والسمو إلى المعالي ورفض الذلة والمهانة وطأطأة الرؤوس على أقدام الأعداء .

إن تخاذل الكثير من القائمين على أمر الأمة من الوفاء بما يقتضيه موقعهم هو الذي فرق أمر الأمة ، وبعثر وحدتها ومزق شملها ، وجعل أبناءها أيدي سبا تتفرق بهم السبل ، ويسهل على عدوهم اصطيادهم وتضليلهم وتوظيفهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون ..

واليوم وهذا الأخطبوط الإيراني الصفوي الطائفي الحاقد يضرب بكل أذرعه على جبهة الأمة وصدرها في الشام والعراق ويتوغل إلى اليمن والبحرين ويغرز مخالبه في تونس ومصر وما زال الحكام الحاكمون والفكهاء المترفون يزينون للأمة القعود والتخاذل والتهاون والاستسلام والخضوع والرضى بما يمن عليهم عدونا الذي اتخذوه صديقا من فتات . وكثير من هؤلاء الحكام إن أطعناهم ، ونحن إلى طاعتهم أحوج أضلونا وأضاعونا وإن عصيناهم قتلونا ومن ديارنا أخرجونا ..

إن كل ما سلف يعظّم دور المتعاونين على البر والتقوى من علماء الأمة الحقيقيين ، وقادة الرأي والفكر وأهل الديانة والكياسة والفهم والاستعداد للتضحية وكذا دورجنود الأمة الأوفياء البررة المخلصين ليكونوا في وعيهم وتجردهم وإخلاصهم وفي وعيهم وإدراكهم وفي جهادهم ومراسهم الأنفَ الحميّ والقلبَ الذكيّ والصارمَ المرهف . حتى يصدوا الهجمة ويحبطوا الكيد ويحفظوا البيضة ...

( وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر )

تعليق : حقيقة الرجل كل ما يجب عليه أن يحميه . وكذا حقيقة الأمة كل مايجب عليها أن تحميه . قال عبيد :

نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا ..

7 / رمضان / 1435

5 / 7 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبادة السورية مستمرة والعالم يتفرج

ضرار نفاع

القدس العربي

السبت 28/6/2014

تقوم بعض القنوات التلفزيونية بإعادة بث بعض الافلام. وصادف أن شاهدت مؤخرا إعادة لفيلم The Terminator، أو الترمينيتور، أو (الفاني) حسب الترجمة العربية وهو من تمثيل أرنولد شوارزينيغر وإخراج جيمس كاميرون.

الفكرة هي أن الآلات تستبد ببني البشر بعد أن تسود في العالم بصدفة من الخيال العلمي. وفي أحد المشاهد تدخل هذه الآلات بعد أن تتخذ من الجسد البشري هيئات كاملة، تدخل إلى قبو مليء بأشخاص مطاردين لتجهز عليهم .. فتفعل ..المناظر التي جاءت من ذاك القبو تستدعي إلى الذاكرة مشاهد كثيرة من الأحياء والبلدات السورية المحاصرة. فمخيم اليرموك حينما فك أسره في وقت سابق من هذا العام اكتظت وكالات الأنباء بصور مروعة لبشر تحت الأنقاض لدرجة تدفع للحيرة بتمكن أهالي اليرموك من الصمود أحياء وهم مختلطون بين شيوخ وأطفال ونساء وبعض الرجال. وما جرى للمخيم ينطبق في معانيه الأعرض على أغلب المناطق السورية المنتفضة والتي لم تحظ بكشف أهوال ما طبقه عليها النظام أو الترمينيتور السوري. هذا الفيلم تتقاطع مجرياته في بعض معانيها مع مقتطفات هامة من سيرورة الثورة السورية.

فهو أنتج كي يراه العالم أجمع بفكرة تقول إن الجنس البشري سيواجه يوما في المستقبل ما يهدد كينونته بقتل جماعي للوجود الإنساني. لكن النهاية يريدها المخرج أن تكون سعيدة وهي انتصار الإنسان على تلك الآلات الساعية في المطلق لمواصلة القتل بأي ثمن كان. ألا يشبه الفيلم ما يجري في سورية منذ أكثر من ثلاثة اعوام؟ العالم كله يتفرج ليلا ونهارا، صيفا وشتاء على الارتفاعات المحمومة في أعداد السوريين أكانوا قتلى أو جرحى أو معتقلين أو نازحين أو لاجئين أو .. أو ..أو .. لتطول أصناف الكارثة. أما القتلة فهناك تماه مذهل بين ميليشيات المرتزقة التي استقدمها النظام وبين تلك الآلات في الفيلم رغم أن شبيحة النظام تفوقوا عليها في أفانين قتلهم للسوريين. والفكرة الآن تجاوزت حدود وأد الثورة إلى إبادة مكون واحد بعينه من شعبها وبأكثر الطرق انحطاطا.

أما النهاية في سورية فتكاد تكون واضحة اكثر من أي وقت مضى. فرغم أن الجميع متفقين على الحل الديبلوماسي إلا أن الجميع أيضا أصبحوا عقيمي المبادرات، لاحول لهم ولاقوة إلا الحصر الخجول لإعداد الوفيات من السوريين وبوعود مخزية عن مساعدات قادمة للضحايا. لذلك فالحل الآن هو انتصار أحد الطرفين. النظام أو الثوار، تماما كما في الفيلم أو حتى في كل الأفلام، الصراع المتواصل أبدا بين الخير والشر، بين الشياطين والملائكة.

لا يعرف ما اذا كان جيمس كاميرون مخرج فيلم الترمينيتور أراد أن يسقط واقع فيلمه على أحوال بشر مسخوا آلات للإبادة الجماعية، تهوى الدماء وتطرب للعويل، وتسكر للجثث. تلك كانت حقائق من سورية تجاوزت في أهوالها ما انتجته هوليوود يوما، وقالت إنه خيال علمي فحسب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المتغطي بالأمريكان عريان: المعارضة السورية نموذجاً

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28/6/2014

إذا كانت أمريكا قد بدأت تتملص من التزاماتها مع حلفائها التاريخيين في المنطقة الذين تربطها بهم معاهدات ومصالح كبرى تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، فلا عجب أبداً أن تستخدم حلفاءها الطارئين في المعارضة السورية كعتلات صغيرة لتحقيق مشاريعها عن بعد، وفي أحسن الأحوال كفئران تجارب. قبل أيام قلائل أطل الرئيس الأمريكي أوباما علينا بتصريح من العيار الثقيل. فبعد سنوات من الدعم اللفظي لقوى المعارضة السورية. وبعد عنتريات إعلامية مكررة ضد النظام السوري، صرح أوباما على حين غرة بأن المعارضة السورية التي تقاتل النظام مجرد ثلة من المزارعين وأطباء الأسنان الذين لا يمكنهم أبداً أن يهزموا نظام الأسد.

والسؤال الأول الذي يطرح نفسه على أي شخص يفهم ألف باء السياسة: هل كان الرئيس الأمريكي يحتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات كي يتوصل إلى هذا الاكتشاف «المذهل» بأن الجيش الحر الذي طبلت أمريكا والغرب له ردحاً طويلاً من الزمن هو عبارة عن ثلة من البسطاء والمقاتلين غير المحترفين الذين لا يمكنهم بأي حال من الأحوال التصدي لجيش نظامي متدرب منذ عقود وعقود ومدجج بكل أنواع السلاح؟

لماذا عملت أمريكا إذاً على توريط الفلاحين ومعلمي المدارس في حرب مع جيش خاض الكثير من المعارك ضد الداخل والخارج؟ لماذا لم تقل لممثلي جيش المعارضة «الخـُلبي» هذا الكلام الذي قاله أوباما قبل أيام منذ بداية الأزمة؟ لماذا استلم سفيرها في دمشق روبرت فورد الملف السوري منذ بداية الثورة، وكان يمضي معظم وقته مع قادة المعارضة من السياسيين والعسكريين، ويرشدهم إلى أفضل الطرق لمواجهة النظام؟ ماذا كان يفعل سفير أوباما في تركيا مع ممثلي أطباء الأسنان والمزارعين على مدى أكثر من ثلاث سنوات؟ ألم يقل فورد لسيده الرئيس وقتها إن قوات المعارضة السورية بدائية وغير مدربة، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تبلي بلاء حسناً في وجه قوات النظام؟

هل يعقل أن السفير الأمريكي الذي كان يدير قوات المعارضة السورية كان يعمل لحسابه الخاص، ولم يكن يرسل تقاريره للخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض أو وكالة الاستخبارات الأمريكية؟ هل علم أوباما فقط في الأسابيع الأخيرة أن قوات المعارضة التي تقاتل الجيش السوري وحلفاءه بلا فائدة عسكرية تـُذكر؟

لماذا صدع الرئيس الأمريكي رؤوسنا وهو يدعو الرئيس السوري إلى التنحي إذا كان يعلم أن قوات المعارضة التي ستحل محل الجيش السوري مجرد ثلة من المزارعين والنجارين والحدادين؟ ماذا كان سيحصل لسوريا لو وصل أطباء الأسنان والفلاحون إلى سدة القيادة السورية سياسياً وعسكرياً؟

هل كانوا قادرين على إدارة البلاد سياسياً، وحمايتها عسكرياً؟ أم إن أوباما كان يعمل على تكرار النموذجين العراقي والليبي في سوريا، بحيث تنهار القيادتان السياسية والعسكرية دون أن يكون لها أي بديل سياسي أو عسكري يمسك بزمام الأمور في البلاد؟

والسؤال الأهم الذي لا بد من توجيهه للرئيس الأمريكي بعد تقزيمه لقوات المعارضة السورية إلى ثلة من المساكين: لماذا يا سيادة الرئيس كنت تستقبل أنت وسفراؤك ووزارة خارجيتك ودفاعك ممثلي أطباء الأسنان والمزارعين السوريين الذين تسخر منهم؟ لماذا اعترفت بممثلي القوات التي تتهكم عليها كممثل وحيد للشعب السوري؟ ألم تعترف بائتلاف قوى المعارضة السورية على أنه الممثل الشرعي للشعب السوري؟ ألم تمنحه قبل أسابيع فقط مكتب ممثلية دبلوماسية، بينما قمت بإغلاق السفارة السورية؟ لماذا قدمت لهم كل تلك الخدمات الدبلوماسية والإعلامية واللوجستية إذا كانوا مجرد ممثلين لجوقة هزيلة من المزارعين البائسين الذين لا يمكن أن يحموا بيوتهم، فما بالك أن يقاتلوا جيشاً من أقوى جيوش المنطقة؟ واضح من خطتكم الأمريكية في سوريا على مدى أكثر من ثلاث سنوات يا سيادة الرئيس أوباما أنكم لا تريدون لطرف أن يحسم الوضع في البلاد، بل تريدونها حرب استنزاف منظمة تنهك كل أطراف الصراع السوري، لا بل محرقة للجميع.

وعندما تشعر الأطراف المتورطة في الصراع بأنها فقدت قدرتها على الاستمرار في القتال، تتدخلون أنتم، وتفرضون مشاريعكم التي تعملون عليها منذ عشرات السنين.

يبدو أنكم اقتربتم من تحقيق هدفكم في الاستنزاف والإنهاك للسوريين جميعاً، لهذا اعترفتم فجأة بضعف المعارضة التي كنتم تستخدمونها فقط كوسيلة إنهاك واستنزاف للطرف الآخر، فإذا ضعف طرف قمتم بتقويته كي يستمر في عملية الاستنزاف تحضيراً لعام 2018، حيث يكون قد مر على معاهدة سايكس- بيكو 100 عام، ولا بد عندها من إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد.

صدق من قال: المتغطي بالأمريكان عريان.

٭ كاتب واعلامي سوري

falkasim@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثة أشكال للطائفية في المشرق العربي

ياسين الحاج صالح

الحياة

السبت 28/6/2014

في لبنان الطائفية نظام.

انبنى النظام اللبناني على تقاسم السلطة طائفياً. عبر ربط السكان بمنابتهم الطائفية، جعل النظام الطوائف أقنية إلزامية للفاعلية السياسية، لا خيارات سياسية للسكان خارجها. النظام اللبناني طائفي ليس بمعنى أنه يمثل مصالح طائفة بعينها، ولكن لأنه مبني على التقاسم الطائفي للسلطة، وعلى تقوية الطوائف على حساب المواطنين الأفراد من جهة، وعلى حساب الدولة من جهة ثانية. الدولة اللبنانية لا تشد الأفراد إليها، بل إلى طوائفهم، وعلى حسابها هي. وفر النظام اللبناني للأفراد والمجموعات المستقلة مساحات واسعة نسبياً من الحرية حيال الدولة، لكن مساحات أقل حيال الطوائف.

في سورية الطائفية أداة حكم.

جرى منذ وقت مبكر من عهد حافظ الأسد تطييف متسع للقوى الأمنية العسكرية المولجة بحفظ أمن النظام. وبقدر ما أن النظام يقوم أساساً على مركزية الوظيفة الأمنية، فإن تطييف هذه الوظيفة يعني ترقية الطائفية لتكوين أداة حكم أساسية (أما الغاية فهي البقاء في السلطة «إلى الأبد»). لا ينال من ذلك الأقنعة الإيديولوجية المسدلة على وجه هذا الواقع، وتحديداً قناع الوحدة الوطنية من جهة، ومواجهة المخاطر والمؤامرات الخارجية التي تستهدف الوطن من جهة ثانية.

يشارك الإكراه أيضاً في حجب هذا الواقع، وتحديداً عبر احتكار أجهزة المخابرات تعريف وطنية السوريين، ما يضعهم في كل حين موضع المتهمين بالارتباط بجهات أجنبية، أو بالطائفية. وعبر الإكراه وتعريف الوطنية على هذا النحو (ليس بالحرية والمواطنة وحكم القانون مثلاً) يجري حجب حقيقة أن هذه الأجهزة بالذات طائفية التكوين، وفيها أكثر من غيرها تتجسد روابط النظام الخارجية.

يعمل على حجب هذا الواقع أيضاً حجاب بنيوي يتمثل في «الدولة الظاهرة» أو العامة، مؤسسات الإدارة والتعليم والجيش العام التي يتعامل معها السوريون في حياتهم اليومية، بالتمايز عن «الدولة الباطنة» أو الخاصة، المركّب السياسي الأمني (ومنذ نحو عقد: المركّب السياسي الأمني المالي) الذي يملك القرار السياسي، وصفته الطائفية حاسمة.

وعلى هذا النحو يجري حجب الواقع الطائفي بأقنعة إيديولوجية وقمعية وبنيوية، ما يشير إلى حرج من الطائفية أو تخصيص طاقة كبيرة لكبتها.

وكان العراق أقرب إلى النموذج السوري أيام صدّام، وهو اليوم يعرض ملامح من النموذج اللبناني مع تسلطية طائفية شيعية، وتبعية واسعة لإيران.

على أننا نتبين ضرباً جديداً من الطائفية في بضع السنوات الأخيرة، يزداد انتشاراً في سورية ولبنان والعراق وغيرها. يتعلق الأمر هنا بطائفية مبدئية مقاتلة، لا تعاني من أي تأنيب ضمير، ولا تعرض أي قدر من التردد في التعبير عن نفسها، بل هي فخورة فعلاً. السلفيون الجهاديون الذين يتكلمون على محاربة النصيرية والشيعة في سورية طائفيون مبدئيون فخورون. وفي الفضاء العام في سورية تسمع الأغاني الشيعية تستنفر باسم الحسين وزينب ضد يزيد والأمويين، ولم يتستر جنود الأسد وهم يجبرون أحد ضحاياهم على تأليه بشار وماهر، أو يجاهرون بصفتهم العلوية بينما يعذبون ضحايا آخرين. وفي الإعلام الرسمي ذاته انخفضت عتبة ممانعة التعبيرات الطائفية والتعليقات الطائفية الفظة. ومثلهم حسن نصر الله الذي يجاهر بالولاء للولي الفقيه ويقوم بواجبه الجهادي في سورية بتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، أو نوري المالكي الذي قال قبل سنوات إنه شيعي أولاً وعراقي ثانياً، ونسب إليه مصدر أميركي قبل حين القول إنه لا يثق بالسنّة العراقيين ويكرههم.

نحن هنا أمام طائفية فاجرة، قوية القلب، لا تكتفي بالامتناع عن حجب وجهها، بل تجعل من السفور عنه واجبها وقضيتها، الكلام باسم أهل السنة أو أهل البيت أو العلويين. هنا الطائفية ماهوية، تنبع من تعريف الجهات المشار إليها لنفسها وموقعها ودورها، وليست أداتية، يجري توسلها بغرض الحفاظ على الحكم، على ما كان الحال في نظام صدام وفي الحكم الأسدي.

الطائفية هنا هوية.

كيف انتقلنا من «خفر الطوائف» بتعبير أحمد بيضون إلى فخرها، ومن حيائها إلى فجورها؟ ما كان منبع الخفر والحياء أصلاً؟ إنه من دون ريب الوطنية كنزعة إيديولوجية وسياسية للإعلاء من شأن ارتباطنا بأرض ودولة وشعب، واعتبار ذلك تعريفنا الأول والأسمى. يتولد من الهوية الوطنية ضمير وطني، يحث على إنكار روابطنا العضوية أو التقليل من شأنها في رسم خياراتنا العامة. اعتبار الطائفية عيباً وطنياً هو مصدر الخفر الطائفي.

لكن هذا الضمير تآكل تدريجياً تحت وقع التعارض بين وظيفته الكابتة، ووقائع السياسة الفاقعة. قبل الثورة بعقود كانت سورية تحولت إلى «سورية الأسد»، ما يعني أنها مغترب لقطاع من سكانها، وإن شعر قطاع آخر أنهم في بيتهم فيها. لم تعد «وطناً» نتساوى فيه، ويفوق ارتباطنا به أية فوارق بيننا. أيُّ ضمير وطني يمكن توقعه حين لا نكون أمام وطن يتماهى فيه الجميع بقدر متقارب؟ وأثناء الثورة تم الإجهاز على الرابطة الوطنية والضمير الوطني عبر معاملة بيئات الثائرين السوريين كما يعامل مستعمرون بلداً مستعمراً. وهو ما فتح أبواباً واسعة للتحول على مستوى النظام ذاته من الطائفية كأداة حكم إلى الطائفية كهوية. وتكفل عراق صدّام بحرق قلوب قطاع واسع من محكوميه الشيعة (والكرد، طبعاً). وحطم النظامان مجموعات المعارضة اليسارية والعلمانية، ما وفر وضعاً ملائماً لنشاط من يعارضون نظام صدام بوصفهم شيعة مثل المالكي، وقبله الجعفري، ومن يعارضون النظام الأسدي بوصفهم سنة، بخاصة بعد الثورة. وبينما كان الإخوان المسلمون يعرضون قدراً من الخفر كتنظيم (وليس كأفراد: بينهم طائفيون مجاهرون)، يتصدر اليوم السلفيون، وهم طائفيون مبدئيون فخورون.

أما اللبنانيون فيطاولهم الفخر والفجور الطائفيان من تلاقي دور نظامهم في تثبيت الطوائف كوحدات سياسية، ومن انكشاف داخلهم الوطني بفعل الطائفية ذاتها، وسهولة تأثره تالياً بأوضاع محيطة. تداعى الضمير الوطني في جميع الحالات، فلم يعد الكلام الطائفي والسلوك الطائفي يثير شعوراً بالذنب أو يقتضي الكبت.

أما يجعل الطائفية مبعثاً للفخر فهو أن هناك ضرباً من أوطان بديلة، تدين السيادة فيها لنا، للشيعة، للسنة، للعلويين... الطائفية هي الوطنية الخاصة بهذه الأوطان.

ولا يتحتم أن تتكون هذه «الأوطان» من طوائف نقية، لكن لا بد من أن تكون السيادة فيها لطائفتنا. لا يريد بشار الأسد دولة علوية، ما يريده هو كيان أوسع، السيادة فيه لعائلته وأهل ثقته. ولا يريد حسن نصر الله دولة شيعية في لبنان، أو كياناً شيعياً يربط لبنان بإيران عبر سورية والعراق، بل يحب أن يكون عاملاً في كيان أوسع، على أن تكون السيادة فيه للولي الفقيه. ولا تريد إيران أن تتوسع لتشمل مواطن الشيعة حولها، بل تريد أن تدين السيادة لنظام الولي الفقيه على مناطق مختلطة. أما السلفيون الجهاديون فلديهم ميل أقوى من غيرهم لإبادة من لا يشبهونهم، ولذلك فليس لهم من مشروع غير الحرب الدائمة.

في كل حال، السيادة إخضاع وفتح وليست هيمنة وإقناعاً، وسيطرة مباشرة وليست قيادة سياسية ومعنوية، هذا حين لا تكون إبادة ومشروع قتل عام. هذه امبراطوريات قاتلة، وليست حتى دولاً استبدادية.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اللعب الضار بالسياسة!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 29/6/2014

ربما لم يعرف السوريون لعبًا على النحو الذي جرى في الأعوام الأخيرة في السياسة السورية، وهو أمر حول السياسة من تعريفها المختصر والمكثف بوصفها علما وفنا لإدارة المجتمعات البشرية إلى مجرد لعبة، يتم تداولها معظم الأوقات والأماكن ومن أغلبية الناس، يتم من خلالها تقطيع الوقت، وممارسة هوايات، وتصفية حسابات صغيرة بين أشخاص وجماعات لأغراض هي في الغالب الأعم أغراض غير سياسية.

والسبب في تحويل السوريين السياسة إلى لعبة، إنما يعود في الأهم من أسبابه إلى نظرة البعث للسياسة عشية تسلمه السلطة في سوريا عام 1963؛ إذ نقلها إلى هامش المجتمع، وجعلها مهمة الصفوة الحاكمة المربوطة بمؤسسة عسكرية - أمنية، ترفض مشاركة المجتمع في السياسة وفي اتخاذ القرار، بل حتى في رسم ملامح خلقه وآلياته، ثم جاءت سلطة الأسد من الأب إلى الابن، لتكرس ذلك النهج في التعامل مع السياسة وجعلها سلوكًا يخص قلة، قد لا تكون تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ترسم وتنفذ سياسة مرسومة في الظلام ومن أشخاص مقدرين وغير معلومين في غالب الأحيان.

إن الأبرز في نزع السياسة من حياة السوريين، كما تجسدت في سياسة سلطة الأسد، ظهر في ثلاث نقاط؛ أولاها احتقار السياسة وصولًا إلى اعتبارها جريمة، والثانية احتقار رجال السياسة وصولًا إلى اعتبارهم عملاء للخارج، وهو أمر امتدت نظرته إلى الأحزاب والجماعات السياسية بما فيها التحالفات السياسية المعارضة، والثالثة تهميش الفكر السياسي والتضييق على إنتاجه، وربط ما يتم تداوله منه بموقف السلطة ورموزها والمؤيد لهما على سبيل الحصر، وبهذا أكمل النظام تجريم السياسة باعتبارها علما وفنا لإدارة المجتمع السوري في المجالات كافة.

ورغم أن محاولات تكررت من قبل جماعات وشخصيات سياسية وثقافية من أجل إعادة الاعتبار للسياسة في العهد البعثي - الأسدي، فقد بقيت تلك النتائج محدودة، لكن انفجار ثورة السوريين في مارس (آذار) 2011 كان الفرصة الأهم في هذا المجال، حيث وجدت أغلبية السوريين الفرصة قائمة أمامهم لدخول كيفي إلى عالم السياسة؛ إذ كسرت احتكار السلطة للسياسة، وصار بإمكان أي شخص راغب، أن يفكر وأن يقول، وأن يعمل ما يراه مناسبًا بين الأفعال السياسية، وهذا ما يفسر ذلك الزخم الهائل والمتناقض في أغلب الأحيان من الأفكار والأقوال والأفعال، التي ظهرت مع انطلاق الثورة السورية، وهو يفسر توق السوريين إلى ممارسة السياسة، لكنه يفسر أيضا ضعفهم في معرفتها ومحدودية القدرة على العمل في إطارها، مما حولها في أبرز تعبيراتها إلى لعبة، يمكن متابعة بعض فصولها فيما يكتب وينشر على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحيط الحيرة بأهداف معظم ما يكتب وينشر هناك.

والحق، فإن الحالة ذاتها تجد لها ما يماثلها في كتابات وأقوال، تتجاوز القطاع الواسع من الناشطين إلى بعض السياسيين وفعاليات قيادية أفرزتها الثورة السورية في السنوات الماضية، وهذه الكتابات والأقوال ليست مقتصرة على ما يكتب في الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، إنما هي حاضرة في كتابات تنشرها الصحف والمجلات، وتصريحات تبثها وسائل الإعلام، وفي خطابات ومداخلات داخل المؤتمرات والاجتماعات بما فيها بعض اجتماعات قوى وتحالفات المعارضة السورية.

ولئن عكس واقع الكتابة والقول السياسي ضعف فكرة السياسة ودورها في وقت أكثر ما يحتاج فيه السوريون للسياسة وممارستها بصورة عميقة، فإن ذلك انعكس في سوء أداء المشتغلين بالسياسة من شخصيات وجماعات، فجعلهم أبعد ما يكونون عن مهماتهم، التي هي أهداف ثورة السوريين وخشبة خلاصهم من الكارثة التي وضعتهم فيها سياسة نظام الأسد وتحالفاته، وهذا بين أسباب رئيسة، همشت قوة المعارضة والنخبة السياسية من جهة ووسعت «الخلاف» بين المعارضة والحراك الشعبي في الثورة السورية من جهة ثانية، كما أعطت الجهات الفاعلة في المجتمع الدولي مبررات للقول بعجز المعارضة عن القيام بدورها نتيجة انفصالها عن الشعب السوري وعدم تأثيرها الفعال عليه.

أريد أن أشير إلى مثالين راهنين من وحي فكرة السياسة وكيفية تعامل النخبة المعارضة معها؛ أولهما في الائتلاف الوطني السوري الموصوف بأنه «ممثل الشعب السوري» من قبل أكثرية دول العالم، والثاني من واقع الحكومة السورية المؤقتة، التي تعتبر الجهاز التنفيذي للائتلاف الوطني في العلاقة مع الشعب السوري واحتياجاته. وفي المثال الأول، استعيدت بعض ملامح الحراك السياسي في الائتلاف عشية الاستحقاقات الانتخابية القريبة، الذي يأخذ صيغة صراعية حادة تحت شعارات توافقية بعضها حقيقي والبعض الآخر باطل، لكنهما يطرحان في آن معًا، وهو وضع موجود في نشاط أكثرية الناشطين في قلب الثورة وعلى حوافها.

والمثال الثاني أستعيره من واقع قرار رئيس الحكومة المؤقتة الأخير إقالة المجلس العسكري الأعلى ورئيس الأركان وتعيين بديل للأخير، وإحالة أعضاء المجلس العسكري إلى هيئة الرقابة في الحكومة المؤقتة، والأمر المهم في هذا القرار أنه ليس من صلاحيات رئيس الحكومة استنادًا للنظام الأساسي الذي تشكلت الحكومة وسُمِّي رئيسها طبقًا لمحتوياته.

المثالان السابقان، يعكسان ضعف فكرة السياسة داخل الأهم في مؤسسات المعارضة ولدى النخبة فيهما. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن الوضع أسوأ بكثير في المستويات الدنيا في المعارضة وفي صفوف الناشطين، وإن كان ذلك لا يمثل حالة مطلقة.

ما نحتاجه فعلًا هو العودة إلى السياسة باعتبارها علما وفنا لإدارة المجتمعات ومعالجة مشاكلها، وليس ممارستها بوصفها لعبة هدفها تقطيع الوقت، وممارسة هوايات، وتصفية حسابات صغيرة بين أشخاص وجماعات لأغراض هي في الغالب الأعم أغراض غير سياسية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لكل سجين قصة تفوق الخيال

محمد فاروق الإمام

بداية أهنئ الفارس عدنان قصار على فك أسره وتنسمه الحرية بعد 21 عام وأتمنى له البدء بحياة كريمة بين أهله وإخوانه وأصحابه وطي صفحة الماضي وسوداويتها فهكذا فعلنا نحن وفعلها كل من تحرر قبله من أسر هذا النظام السادي المجرم.

لم أفاجأ بقصة الفارس عدنان قصار وبالأسباب التي رمته في ظلمة السجن وقسوته كل هذه السنين الطويلة، فقد حدث مثل ذلك قبل 1400 سنة عندما لطم ابن عمرو بن العاص القبطي الذي فاز عليه في سباق الخيل وهو ابن والي مصر وابن الأكرمين، والفارق بين الفارس عدنان قصار والفارس القبطي وقوع الحادثتين المتشابهتين في ظل حكمين مختلفين؛ حكم عادل يقوده الفاروق عمر بن الخطاب وحكم ظالم متجبر يقوده حافظ الأسد وشتان بين العدل والجور والظلم.

ففي ظل العدل نال القبطي حقه من ابن الأكرمين، وفي ظل الجور والظلم عوقب الفارس عدنان قصار بقسوة عندما تجرأ وسبق ابن الظالم المتجبر.

وفي هذا السياق أجدني أسوق قصتي مع هذا النظام التي هي أغرب من قصة أخي الفارس عدنان قصار، فقصتي مع هذا النظام الذي يدعي المقاومة والصمود والتصدي، والذي تتقاطر ميليشيات الحقد في الضاحية الجنوبية نصرة له في هذه الأيام بحجة الدفاع عن نظام مقاوم، وأتمنى على فتيان الضاحية الجنوبية وأهل وأسر هؤلاء الفتيان أن يطلعوا على حقيقة هذا النظام المقاوم في وسائل الإعلام والورق، ويجنبوا أبناءهم مقاتلة إخوانهم في سورية الذين ثاروا من أجل نيل الحرية والكرامة، وهذه قصتي أسردها كما حدثت لأخفف عن أخي الفارس عدنان قصار وقع ما حدث له:

في 20/7/1963 استدعيت للخدمة العسكرية، أي بعد انقلاب البعث بنحو خمسة أشهر، وبعد خضوعي لدورة دامت أحد عشر شهراً وثلاثة أيام وكان ترتيبي الأول (ماجور الدورة) تم فرزي إلى الجولان المحتل حالياً، وكان هذا الفرز محل استغراب من قائد المدارس في قطنا العقيد "حسين زيدان" (قتله رفاقه فيما بعد)، ولكنه بعد معرفته أنني لست بعثياً تمتم قائلاً: صير بعثي وخليك عندنا!!

التحقت بقطعتي العسكرية الجديدة في "تل زعورة" في القطاع الشمالي من الجولان وتكيفت بوضعي الجديد وتأقلمت بالحياة فيه رغم قسوتهونذالة بعض من فيه ومن يشرف على قيادته، وفي يوم 3/11/1964 وبالساعة الرابعة عصراً قام الطيران الإسرائيلي بقصف كافة المواقع في الجبهة لأكثر من ثلاثين دقيقة، وكان من جملة قنابله التي قصف بها الجبهة "قنابل نابالم" الحارقة، ومن هنا بدأت القصة التي ستذهل كل من يقرأها أو يطلع عليها.

كان قائد الموقع ملازم أول احتياط علوي، ويؤسفني أن أقول ذلك، لا يفقه من أمور العسكرية إلا الكفر والسباب والتخوين، قد آثر اللجوء إلى "البلوكوس" ليحتمي به من وقع القنابل، في حين توجهت أنا والمفرزة التي كنت أقودها "مفرزة م/ط" إلى مواقعنا وكنت أشاهد الطيار وهو ينقض بطائرته على موقعنا والمواقع من حولنا، وكلما طلبت الإذن من قائد النقطة بالتصدي للطائرات العدوة المغيرة كان جوابه: "ولاك خاين بدك تكشفنا حتى يقتلنا اليهود" وتكرر ذلك مرات.

لم أعد أستطيع الصبر وتحمل كل هذا الذل والهوان من هذا القائد الجبان فاتخذت قراري بمواجهة أي طائرة تحلق فوق موقعي أو تقترب من سمائه، وبالفعل قمت بإطلاق النار على أول طائرة اقتربت من موقعنا وأجبرتها على الفرار وتكرر ذلك ثلاث مرات، وفي كل مرة كان قائد النقطة يوجه لي أقذع السباب والشتائم والنعوت، ولم تعد أي طائرة تجرأ على الاقتراب من موقعنا حتى توقف القصف.

بعد توقف القصف دعا قائد النقطة إلى اجتماع عاجل خصصه لتوجيه الكفريات والمسبات والنعوت البذيئة التي يأنف أي إنسان عن التلفظ بها، وهددني بالعقاب الصارم الذي أستحقه على مخالفتي الأوامر، في حين تسابق الإخوة، بعد انفضاض الاجتماع، لشكري وتحيتي على ما قمت به.

بعد أيام استدعاني قائد الجبهة، اللواء "فهد الشاعر" للتحقيق معي على ضوء التقرير الذي رفعه إليه قائد النقطة، وعند مثولي بين يديه، وكان التقرير أمامه على الطاولة، شعرت بارتياح لأنني لم أواجه لا بكفر ولا شتيمة ولا تخوين، فطلب مني رواية ما حدث، ففعلت ورويت له كل ما قمت به وفعلته، فما كان منه إلا قام وتقدم إلي باسطاً يده بالتحية قائلاً: أهنئ جيشنا على أنك من أفراده، وأوعز إلى رئيس الديوان بتقديم كتاب شكر باسمه ومنحي إجازة 12 يوم وودعني حتى باب غرفته.

وعدت إلى نقطتي أحمل كتاب الشكر وأمر منحي الإجازة وهذا أغاظ قائد النقطة إغاظة شديدة وأفرح الكثيرين من زملائي، وغادرت النقطة لقضاء الإجازة بين أهلي وأصدقائي، ولكن فرحتي لم تكتمل فبعد يومين جاءني طراق الليل واقتادوني إلى مبنى فرع المخابرات بحلب، وكان عبارة عن قبو تحت الأرض؛ لأنال قسطاً كبيراً من ألوان التعذيب لنحو ثلاثة أشهر، ومن ثم توقيعي على تقرير اعترافاتي التي كتبها المحققون كما أرادوا، وتم سوقي إلى سجن المزة في دمشق لأبقى فيه نحو سنة، وفي سجن المزة تعرفت على العشرات من نزلائه بين وزراء وضباط ومفكرين وعلماء واساتذة وفدائيين فلسطينيين وحزبيين ومن كل المشارب والأطياف لدرجة أنك تشك في جنسية ولون من يحكم البلد!!

هذه قصتي مع هذا النظام أخي عدنان قصار، وقد يكون هناك العشرات بل المئات من القصص التي تفوق الخيال، أتمنى على كل الذين يقولون بعد انطلاق الثورة على هذا النظام الباغي "كنا عايشين ومبسوطين" أن يشعروا بالخجل مما يقولون، وأتمنى على الذين يتقاطرون لحمايته ودعمه بحجة أنه نظام مقاوم أن يخجلوا من أنفسهم ويؤبوا إلى رشدهم!! 

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قتل المدنيين السوريين وسواء الجريمة

بدرالدين حسن قربي

قصف المدنيين السوريين عمل مدان ومرفوض سواء كان من المافيا الأسدية المجرمة بصواريخها وطائراتها وبراميلها وحاوياتها ومدفعيتها أو من الكتائب المسلحة والجهات المعارضة له بأسلحتها البدائية من مثل جرات الغاز وأمثالها.  وإنما إذا اتفقنا على إدانة القصف ابتداءً، فإننا لسنا متفقين على سواء النتيجة الجرمية وآثارها وأبعادها على الأرض تجنّباً للتشويش الذي يراد له أن يغطي على الحقيقة، ولاسيما عندما تكون الآثار مئات أضعاف الفعل الآخر الذي تغلب عليه ردة الفعل أو الدفاع العاجز عن النفس. وعليه، فلا يستوي من يقصف بمتفجرةٍ وزنها بضعة كيلوغرامات بمن يقصف بمتفجرات وزنها بالأطنان.  وإنما قد يرد على مثل هذا الكلام منطق يزعم أن من يقتل شخصاً بريئاً أو يقتل مئة فاسمه قاتل، وعقوبته القتل.  ولكنه يبقى منطقاً مقطوعاً فلا تستوي آثار جريمة قتل شخصٍ واحد بآثار قتل قرية أو بلدة ولا يستويان مثلاً.

ولتوضيح ماسبق من الكلام، فإني أشير وبالأرقام إلى حيٍ واحد من أحياء حلب ابتداءً، ثم تالياً إلى المدينة كاملاً.

فعن الخمسة أشهر الأولى من العام الجاري 2014، أشير إلى مساكن هنانو " ثاني أكبر أحياء مدينة حلب وأكثرها تعرضاً للحملة العسكرية لعصابة الأسد وشبيحته مستخدمين كل مايخطر في البال من سلاح على مساحة من الأرض لاتزيد على 3 كم مربع يقطنها عادة ربع مليون من السكان إضافة لآلاف النازحين من مناطق أخرى من المدينة وما حولها.  فقد ألقت طائرات العصابة الأسدية على الحي المذكور حتى نهاية مايو/أيار الماضي أكثر من 300 برميل متفجر و 23 حاوية على الحي المذكور، كما تم استهدافه بأكثر من 1200 قذيفة مدفع أو دبابة.تسبب القصف المشار إليه بدمار حوالي /250 / مبنى، و 400 منزل، وأكثر من 170 محل تجاري، وتعرّض ثمانية مساجد للقصف، اثنين منها دُمّرا بشكل كامل، كما تعرّضت17 مدرسة للقصف، مدرستين منها دمّرتا تماماً إضافة إلى قصف ثلاثة مشافٍ ميدانية ومستوصف وسوقين تجاريين فضلاً عن الدمار الكامل لمبنى بريد الهاتف وبلدية مساكن هنانو نفسها وفرن الذرة فيها.  وهو قصف نتج عنه انقطاع المياه والكهرباء وخدمة الهاتف الأرضي وتعطيل مجاري الصرف الصحي بشكل كامل منذ بداية العام مما تسبب بحركة نزوح كبيرة للأهالي منه.  وقد وثّق موقع شهداء مدينة حلب أسماء 400 قتيل من هذا الحي عن الفترة المشار إليها ثلثهم من النساء والأطفال قضوا جراء القصف، وقرابة 1600 مصاب بعضهم فقدوا أطرافهم.

وأمّا عن مدينة حلب نفسها، فإني أستدعي إحصائية وثقت فيها شبكة حلب نيوز خلال شهر مايو/ أيار من العام الحاليسقوط 413 برميلاً متفجراً و147 صاروخاً و7 قنابل عنقودية على المدينة.  توزّع القصف على 81 منطقة مختلفة، وتصدّر حي مساكن هنانو القائمة كالعادة بثلاثة وخمسين برميلاً متفجراً واثني عشر صاروخاً، تلته المدينة الصناعية بأربعة وثلاثين برميلاً متفجراً.  وشهدت المدينة مجازر عديدة خلال الشهر نفسه كان من أهمها ترويعاً مجزرة حي الهلّك التي راح ضحيتها نحو 70 شهيداً نتيجة قصفه بسبعة براميل متفجرة استهدفت سوقاً شعبياً في اليوم الأول من الشهر.

ورغم قناعتي أن ما أصاب مدينة حلب وأحياءها من قصف الجهات المقاتلة للمافيا الحاكمة وشبيحتها وميليشياتها لايمثل شيئاً مذكوراً أمام ما أوردتُه من الأرقام والجرائم الوحشية، فإني كنت أتمنّى أن أحصل على إحصائيات مقابلة عن الفترة نفسها التي أشرت إليها، لتكتمل رؤية المشهد أرقاماً وتوثيقاً ولكن مثل هذه الإحصاءات لايراد لها أن تكون موجودة، لأنها لو وُجدتْ لكانت دليلاً جديداً يؤكد حجم إجرام سلطة أدمنت على قمع مواطنيها وسفك كراماتهم ودمائهم عبر عشرات السنين.

وأخيراً، يبدو أن السوريين كلهم عن بكرة أبيهم مشاريع قتلٍ محتمل، تأكّد في مئات الآلاف منهم قتلاً، ومثلهم اعتقالاً وتعذيباً وأضعاف أضعافهم تشريداً وتهجيراً داخل الوطن وخارجه، وملايين منهم منتظرون.  ندعو بالرحمة والرضوان للشهداء، والعافية والشفاء للجرحى والمصابين، والأمن والأمان والسلامة والسلام لمن هم في الانتظار على لوائح الموت الأسدي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع سورياً: دروسٌ من ماليزيا «1»

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 29/6/2014

في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع سورياً: دروسٌ من ماليزيا «1»بعيداً عن نماذج الإسلام الذي تُقدمهُ داعش وأشباهها. وبعيداً عن التنظير البحت بحثاً عن نموذجٍ يتعلم منه السوريون، ثمة نماذج عملية متقدمة تتعلق بكيفية فهم الإسلام وتنزيله على أرض الواقع، قد يكون من أبرزها النموذج الماليزي.

يمكنك أن تصف ماليزيا بما تشاء. ولكنك ستدرك في النهاية بأن هذا البلد يتميز بصفةٍ مميزة تغلب كل صفةٍ أخرى: القدرة على اكتشاف المصالحة الأصيلة بين الإسلام والحياة.

فمنذ ثلاثة عقود ونيف، وماليزيا تكتشف لنفسها، وتكشف للعالم من حولها جوانب تلك المصالحة.

بدأت المسيرة أولى خطواتها مع تأكيد المصالحة مع الذات. مع الإنسان الماليزي. فبعد أحداث الشغب الطائفية التي راح ضحيتها مئات الماليزيين عام 1969م تعلّم الماليزيون الدرس.

تمَّ التركيز في مناهج التربية والتعليم والإعلام على بناء الإنسان قبل كل شيءٍ آخر. وعلى صياغة هويةٍ مشتركة واحدة. وهذه أولوياتٌ يمكن للسوريين أن يضعوها نُصبَ أعينهم بشكلٍ عام، وأن يكتشفوا جُذورها الأصيلة في فهمهم للإسلام على وجه التحديد.

آمنَ الماليزيون بإمكانية إيجاد دولةٍ قوية جديدة مزدهرة تؤمّن الرفاه في الدنيا لجميع أبنائها. دون أن يكون في هذا بالضرورة تضاربٌ مع البحث عن الفلاح في الحياة الآخرة لمن يريد ذلك. تمّ بناءُ حلمٍ (مُشترك) أكبر يشمل الجميع، وجرى رسم سياساتٍ عمليةٍ واقعية، بعيدة عن الشعارات المزيفة والأوهام والمزايدات، تهدف ليكون تحقيق ذلك الحلم الهمَّ الأوحد لأبناء الشعب من كل الأعراق.

بهذا، تدرّبَ الناس عملياً على تجاوز الصغائر والمظاهر والاختلافات الجانبية المناطقية والعرقية والمذهبية. أصبح إعمارُ الدنيا هدفاً عملياً قابلاً للتحقيق. وصار النجاحُ على المستوى الشخصي جزءاً من نجاح البلد، ونجاح البلد طريقاً للنجاح الشخصي. شعر الإنسان بقيمته، وبدوره، وبحريته، وباحترامه، وبتقدير مواهبه وإمكاناته. وسرعان مابات البحث عن مكان مميزٍ لماليزيا في خريطة العالم طموحاً ممكناً قريب المنال.

وفي غضون عقدٍ من الزمان، أصبحت ماليزيا مثالا للتعايش والتعاون بين ثلاث ثقافات مختلفة تُشكِّل نسيج البلاد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. المالاوية والصينية والهندية.

تعلّم الماليزيون أن الاختلاف سنّة الكون والحياة. وأنه سبيلٌ للتنوّع والتكامل والثراء والتطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. أدركوا ضرورة وإمكانية تجاوز مشاعر الطفولة الإنسانية المتمحورة حول (الأنا)، وارتفعوا عليها عملياً. فاكتشفوا فوراً أن الاختلاف ليس مدعاةً للخلاف. وأن قبوله لايعني بالضرورة السقوط في أفخاخ الذوبان الثقافي والدونية والتبعية، كما يتوهّم الكثيرون. طبعاً بشرط أن تمتلك الثقافة السائدة حداً أدنى من العقلانية والذكاء والثقة بالذات وبالهوية.

لاندعو للمثاليات في هذا المقام. ونُدرك عُمق الجرح الذي رسمتهُ سكينُ الطائفية في سوريا بقرار النظام وممارساته قبل كل شيءٍ آخر. لكن أخذ المعاني السابقة بعين الاعتبار يمكن أن يكون مدخلاً للبحث عن حلول خلاقة للتعامل مع الوضع السوري المُعقد.

خارجياً، أخذت ماليزيا قرار الانفتاح على العالم بشكل حاسم ومتوازن ومبتكر. رفعت الحكومة مثلاً شعار (النظر شرقاً) لدعوة الماليزيين ليتعلموا من خصوصية تجربة اليابان وكوريا التي تجمع بين الانفتاح الاقتصادي والتكنولوجي من جانب، والمحافظة على قيم المجتمع الأصيلة من جانبٍ آخر.

لم يكن في ذلك دعوةٌ للقطيعة مع الغرب بأي شكلٍ من الأشكال. فالعلاقة معه واضحةٌ جلية في جميع مظاهر الحياة في ماليزيا. لكن هذا كان درساً آخر من دروس المصالحة مع الحياة، يتمثل في القدرة على نفي التضاربات الموهومة من خلال الابتكار والتخطيط وحُسن تقدير النِّسب والأولويات والتوازنات.

لم يحاصر الماليزيون أنفسهم عند التعامل مع العالم، نفسياً وعملياً، في ثنائية التبعية أو المواجهة. ورغم أن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، لم تُمزِّق ماليزيا نفسها بافتعال مشاعر التضارب بين انتمائها الإسلامي وانتمائها الإقليمي، كما فعل ويفعل كثيرٌ من المسلمين شعوباً وحكومات.

لم تعتقد ماليزيا أن المصالحة مع العالم تعني خياراً وحيداً بين التنازل أو العنف حتى في أوقات الأزمات. كان الابتكارُ وكانت الحكمةُ على الدوام الشعارَ والوسيلة. فعندما اتخذت بريطانيا في عام 1981م مثلاً بعض القرارات الاقتصادية المجحفة بحق ماليزيا من طرف واحد، لم تلجأ الحكومة إلى المزايدات، وإنما رفعت ببساطة في الداخل الماليزي لمواطنيها شعار (اجعل شراء المصنوعات البريطانية خيارك الأخير). وعندما تمت الإساءة إلى صورة ماليزيا في بعض الأفلام الأسترالية بعد عشر سنوات، أعلنت الحكومة الماليزية نيتها رفع نفس الشعار تجاه استراليا، فحلّت الأخيرةُ الأزمة سريعاً عبر تقديم اعتذارٍ علني ورسمي لماليزيا.

لا يمكن لأي ثقافة أن تتصالحَ مع الحياة مالم تتصالح أولاً مع قيم ومعاني التجديد والإبداع والابتكار. على كل مستوىً وفي كل مجال. لا مكان في هذا العالم لمن يتعامل معه بعقلية الخوف من كل جديد، والحذر من كل طارىء، والرهبة من كل مختلف. فالتغييرُ سِمة الحياة البشرية الكبرى، وبغيابه يفقد الوجود الإنساني أكبر معانيه وأسبابه. من هنا، فالثقافة التي لا تعرف كيف تتعامل مع التغيير تصبح سريعاً ثقافة ركودٍ وتقليدٍ وانعزال. ثقافةً لاتصلح إلا للبقاء على هوامش الحياة في أحسن الأحوال.

أدرك الماليزيون هذا. وأدركوا أن فهم الثقافة الإسلامية وتنزيلها على الواقع بتلك العقلية هو أسرع وأقصر طريق لتقزيم الثقافة نفسها ولتقزيم بلادهم في نفس الوقت. فرفضوا تلك الممارسة وانطلقوا يجوبون فضاءات الفعل البشري في كل مجال بحيويةٍ وطلاقةٍ وشجاعة. وبكثير من الثقة بالذات وبالثقافة، وبقدرتهما على استيعاب كل جديد والتعامل مع كل طارىء.

وبشيء من المتابعة والتحليل، يرى المرء كيف تجاوزت تلك الثقافة كثيرا من (الألغام) الثقافية والفكرية التي تَنتجُ عنها أزمات عملية مستمرة في المواقع الأخرى. وللكلام صلة.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاقتصاد السوري.. أربعون عاماً إلى الوراء

حسين العودات

البيان

الاثنين 30/6/2014

 يهتم العالم بالمجازر والقتل في سوريا وهذا أمر طبيعي، إذ الأولوية دائماً للإنسان، وللاهتمام بالضحايا البشرية، ويدرج الجوانب الاقتصادية بعد ذلك، مع أنها شديدة الأهمية باعتبارها شاهداً على الأوضاع السورية الحالية، ومستوى حياة الناس الحاضرة والمقبلة، فالأوضاع الاقتصادية الحالية التي نتجت عن العنف والحرب، أعادت سوريا أربعين عاماً إلى الوراء، حسب دراسة المركز السوري لبحوث السياسات، وحسب دراسات «الإسكوا» ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى، فبعد أن كانت سوريا بلداً متوسط النمو، ومتوسط المستوى الاقتصادي والاجتماعي، أصبحت ضعيفة النمو ومتخلفة اقتصادياً واجتماعياً.

وتشير دراسة أعدها المركز المذكور، الذي يديره مختصون وأكاديميون سوريون يتعاونون مع منظمات الأمم المتحدة، إلى تفكك بنية القطاع الاقتصادي السوري، من خلال إغلاق كثير من المشاريع أو إفلاسها، وهروب رؤوس الأموال، ونهب أصول الشركات والمعامل المادية، وعزوف الاستثمارات عن العمل في سوريا، بسبب الحال الأمني، والفساد، وعدم الاستقرار، وغير ذلك.

لقد انتشر في سوريا «اقتصاد العنف» المادي والمعنوي، وتمت الاستهانة بحقوق الملكية وسيادة القانون، ونشأت نخبة اقتصادية جديدة طبقت سياسة اقتصادية جديدة أيضاً، سواء بمضمونها أم بأسلوبها، يمكن وصفها باقتصاد الصفقات والخداع والتجارة بالسلاح والسلع الممنوعة اجتماعياً ورسمياً، والاتجار بالبشر أيضاً، هذا من حيث المضمون، أما من حيث الأسلوب فقد مارست شبكات تجارية واقتصادية عديدة غير شرعية، الاستهتار بالقوانين والأنظمة وحياة البشر وتقاليد الشعب وقيمه، وارتبطت بشبكة موازية من ذوي النفوذ، الذين يساعدونها على استمرار هذه التجارة المحرمة وغير الشرعية.

لقد بلغت الخسائر الاقتصادية السورية، حسب تقارير مراكز دراسات خاصة أو تابعة للأمم المتحدة، حتى الآن 143 مليار دولار، أي ما يعادل 75% من الناتج المحلي الإجمالي (الدخل القومي) لعام 2010، وتراجع الناتج المحلي في سوريا لهذا العام 38% عما كان عليه في العام الماضي، وبلغت خسائره 70 مليار دولار أميركي.

وقد نشأت هيكلية جديدة للاقتصاد السوري، فزادت نسبة مشاركة بعض القطاعات في الدخل القومي على حساب قطاعات أخرى، نتيجة دمار الشركات الصناعية، وتعذر استخراج النفط والفوسفات، وتوقف السياحة والنقل والترانزيت وغيرها، فأصبحت الزراعة تمثل نسبة كبيرة جداً من الناتج المحلي الإجمالي قدرها 50%، علماً بأنها لم تكن تتجاوز 30% قبل الاثنيناث، واضطرت سوريا نتيجة ذلك إلى مزيد من الاستدانة، فبلغ الدين العام 136% من الدخل القومي، ومعظم هذا الدين جاء من إيران.

لقد انعكس تفكيك الاقتصاد السوري والصعوبات التي واجهته، ونشوء نخب جديدة تنتهك القانون، وتعمل لتأسيس اقتصاد بديل (أسود) يعتمد على التهريب والفساد وعدم الاهتمام بمصالح الناس، كل ذلك انعكس على حياة الشعب السوري واستقراره، وزاد أسعار نفقاته الاستهلاكية وأدى إلى تخفيض دخله، فقد زاد متوسط أسعار المستهلك السوري 178%، ولكن هذا الرقم يشوبه بعض التضليل، ذلك أن السلع الغذائية من الأجبان والألبان وما في حكمها ارتفعت أسعارها 360%، وارتفع متوسط أسعار السلع الغذائية عامة 275%، وأسعار التدفئة والوقود 300%.

وفي الوقت نفسه ارتفعت البطالة بين السوريين إلى 54%، أي بلغ عدد العاطلين عن العمل 3.3 ملايين، منهم نحو 2.67 مليون فقدوا عملهم بعد الاثنيناث، وهم يعيلون 11 مليون شخص، أي بصريح العبارة؛ لم يعد لهذه الملايين أي دخل تعتاش منه.

ونتيجة ذلك يلاحظ الآن أن معظم السوريين استغنوا عن عديد من السلع الغذائية، وأصبح طعامهم يقتصر على نوع واحد هو الأرخص، وإذا زرت متجراً لبيع الخضار مثلاً، تلاحظ تردد السيدات اللواتي يرتدن المتجر في شراء بعض السلع الغذائية، رغم الحاجة إليها، عندما يرين أسعارها. ومن طرف آخر، يشهد المراقب سوريات يشترين كمية قليلة جداً من الخضار والمأكولات والسلع الأخرى، بسبب ارتفاع الأسعار نسبة إلى الدخل القليل أو المنعدم، أما الكارثة الكبرى فقد حلت ببائعي الألبسة والأدوات الصحية والكهربائية والأحذية وغيرها، ذلك أن هذه السلع لا تجد من يشتريها ويكتفي السوري الآن بما كان لديه سابقاً من هذه السلع، ويتجاهل الحاجة لسلع جديدة، ما انعكس سلباً على تجارها، حيث نجد المتاجر السورية خالية من الزبائن تقريباً.

وقد أدى ذلك إلى صعوبات أخرى لم تكن في الحسبان، هذا إضافة إلى ارتفاع أسعار الأدوية، حيث لا يستطيع المرضى الاستغناء عن بعض الأدوية المستوردة التي فُقدت في السوق باعتبارها أدوية أجنبية، وقد دُمرت المعامل السورية التي كانت تملك امتيازات لصناعتها، ويمكن رؤية هذا الأمر في جوانب عديدة أخرى.

إن المأساة السورية إذاً، لا تكمن فقط في عدد الضحايا التي خسرها الشعب السوري، ولا في سياسة العنف وتقاليده وقيمه، ولا في تدمير المنازل والترحيل والتهجير فقط، وإنما أيضاً تكمن في الانهيار الاقتصادي الحقيقي، الذي نادراً ما يتحدث عنه أحد خارج سوريا، الذي يعاني منه الشعب السوري، إضافة لمعاناته الأخرى في مختلف جوانب الحياة.

ربما لن تظهر النتائج الاقتصادية السلبية الحقيقية وعمقها واتساعها، الناجمة عما أصاب الشعب السوري خلال مدة قصيرة، ولكنها بالتأكيد ستلقي بظلالها على حياة هذا الشعب لعشرات السنين، ومن غير المبالغة القول، إن الشعب السوري فقد حيويته وحراكه العربي والقومي لمدة طويلة قادمة، لصعوبة تجاوز الشروط الموضوعية الاقتصادية وغير الاقتصادية، التي أحاطت بحياته الحاضرة والمقبلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في ما خصّ الأكراد والهوية الوطنية

أكرم البني

الحياة

الاربعاء 2/7/2014

«يجب اغتنام الفرصة لإعلان استقلال كردستان»، هي عبارة تكررت أخيراً على لسان غير قيادي كردي عراقي، والفرصة هي التطورات المتسارعة التي تجرى في سورية والعراق وتنذر بتمدد تنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام» وما يشكله ذلك من خطر على الدول والأوطان وعلى حقوق الناس عموماً وعلى التنوع الإثني والديني في كلا البلدين.

الصراع بين الهوية الوطنية والحلم القومي صراع قديم عند الأكراد بعدما وزعتهم اتفاقية سايكس-بيكو في أربع دول، لكنها لم تنجح في دمجهم وطمس ثقافتهم وهويتهم، وإذا بقي الحراك الكردي في إيران محدوداً وتمكنت الثورة الاسلامية من محاصرته وتطويعه متوسلة الأيديولوجية الدينية والقمع المعمم، فإن الأكراد في سورية مالوا نحو تغليب وطنيتهم ربما بسبب كتلتهم المحدودة وتوزعهم على مساحات جغرافية متقطعة، لتنحو غالبية تعبيراتهم السياسية نحو تبني شعارات تؤكد الانتماء الوطني وتطالب إلى جانب رفع الظلم والتمييز عنهم، بإرساء دولة المواطنة والديموقراطية في البلاد.

في حين تميز النضال الكردي في تركيا والعراق بالحيوية القومية وخاض في البلدين كفاحاً مسلحاً ضد السلطة المركزية، قبل أن يصل حزب العمال الكردستاني إلى اتفاق مع حكومة أنقرة أعلن بموجبه وقف العنف والتزامه بالدولة التركية كخيار إستراتيجي مع المطالبة بحكم ذاتي يضمن للكرد حقوقهم وخصوصيتهم الثقافية، بينما لم يتمكن أكراد العراق من السيطرة على أوضاعهم، إلا بعد تحرير الكويت وجعل منطقة الشمال ذات الغالبية الكردية تحت رعاية دولية، لكن وعلى رغم معاناتهم التاريخية المريرة، بدا خيارهم الوطني واضحاً، واتضح أكثر بعد إسقاط صدام حسين وإرساء دعائم دستور لعراق اتحادي فيدرالي كشكل من إشكال العلاقة الآمنة مع المركز، وزاد الأمر وضوحاً الاعتراف بمؤسساتهم البرلمانية والحكومية ومنحهم موقع رئاسة الجمهورية واعتبار لغتهم لغة رسمية ثانية في البلاد.

وعلى رغم تقدم الحضور الوطني لأكراد العراق واحترام حقوقهم وهويتهم، بقيت المسألة القومية الهاجس السياسي الأول عند بعضهم، إما بسبب نظام المحاصصة البغيض في العراق الذي يشوّه الدولة الديموقراطية ومفهوم المواطنة ويؤجج الخلافات ما دون الوطنية، وإما بسبب خلل في الممارسة السياسية، تجلى بتناوب حكومات عراقية فاسدة سعت إلى الاستئثار بكل شيء على حساب بناء وطن يوفر فرص متكافئة لكل أبنائه.

والحال، فإن تقدم الخيار القومي الكردي اليوم هو أمر مفسر كمحاولة لتحرير الذات من أعباء الالتزامات الوطنية طالما لا تساعد في معالجة الأزمات المتفاقمة وفي تحقيق الشراكة الندية وتكامل المصالح، وطالما أن وعد التغيير الديموقراطي الذي حمله الربيع العربي يعاني عثرات كبيرة ويشوّه بفعل العنف السلطوي المنفلت والتقدم الحثيث لتيارات إسلاموية لا علاقة لها بشعارات الحرية وحقوق الانسان، وطالما أن هناك قوى قومية في الطرف الآخر لا تزال تعيش أوهام الماضي وتستمر في تعميم أفكار شوفينية تطعن بحق الأقليات القومية وتعتبر ما هو قائم من تنوع وتعددية نتاجاً طارئاً صنعه الاستعمار ومصالح القوى المتصارعة على المنطقة، ما يفسر سرعة استغلال هذه القوى لتعبير «اغتنام الفرصة» لاستحضار تحذيرات سبق وأطلقتها في وجه الديموقراطيين ودعاة رد المظالم للأكراد وضمان حقوقهم القومية، جوهرها التشكيك بالادعاءات الوطنية للأكراد وبأن لا أمان لهم ويظهرون غير ما يبطنون، ويترقبون الوقت المناسب، بدليل اللحظة الراهنة، لتنفيذ مشروعهم القومي من دون اعتبار للمصلحة الجامعة ولمستقبل شركائهم في الوطن!

وفي المقابل، ظهرت أصوات كردية مضيئة في هذا الليل الحالك، رفضت ما يسمى «اغتنام الفرصة» لفرض المشروع القومي ودانت محاولات بعض المتطرفين الكرد توظيف القهر التاريخي الذي عانوا منه لتسويغ هذه النقلة، بعضها لدوافع براغماتية، إما لأنه يدرك حدود الضوء الأخضر لتغيير خرائط المنطقة وأن المجتمع الدولي والبلدان التي تضم كتلاً كردية لن ترضى بهذا الخيار وستسعى الى إجهاضة كما حصل في استقلالات سابقة وتكبد الأكراد تضحيات مجانية كما قد تنتزع منهم ما قد حققوه حتى الآن، وإما لأنه نظر بموضوعية الى النتائج التي خلفها الاستقلال الكردي النسبي في دولة صغيرة والسقف المحدود في النماء او التطور الذي لا يمكنها تجاوزه، مستنداً إلى استحالة بقاء الكيانات الصغيرة مستقلة في ظل ما يشهده العالم من صراعات بين التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى، وبعضها الآخر لأسباب مبدئيه، إما لأنه يرفض مقايضة الديموقراطية بأي مشروع قومي متخوفاً من وأد المسار الديموقراطي تحت ادعاءات شوفينية وتحويل الفكرة القومية الكردية كما حصل مع العرب إلى أيديولوجية استبدادية مغلقة ومفرغة من أي بعد إنساني أو حضاري، وإما مستقوياً بمراجعة نقدية لانتكاسات الماضي خلصت إلى خطورة فرض كيان سياسي كردي مستقل بالقوة ودعت الى اعتماد الممر الديموقراطي طريقاً آمنة لضمان حقوق الأكراد وحل المشكلات القومية وتعقيداتها، مطالبة القوى الكردية الحية بألا تؤمن بهذا الخيار فحسب، وإنما أن تتقدم أيضاً قوى العمل الديموقراطي في كل بلد من البلدان التي تتقاسم كردستان التاريخية من أجل نصرة البناء الوطني المستند إلى معايير المواطنة وحقوق الانسان والذي يصون حقوق جميع القوميات والإثنيات ويضمن المساواة بينها في نظر المجتمع والقانون، بما في ذلك المشاركة المتكافئة في إدارة السلطة والدولة، وتقرير مصيرها بالوسائل السلمية والأساليب الديموقراطية.

وأخيراً ثمة أصوات كردية تعيب سياسياً وأخلاقياً فكرة الخلاص الذاتي وترك العرب في محنتهم، لأنها تعتبر الأكراد معنيين أكثر من غيرهم بمواجهة قوى التسلط والعنف والإرهاب أياً كان نوعها، ولأنها تأبى أن تكون حافزاً مشجعاً على التقسيم، ولأنها تجد هذا الوقت العصيب بالذات هو الوقت الأنسب لإثبات وطنية الأكراد وأنهم عامل توحيد لا تفرقة، وأمينون لواجبهم بأن يكابدوا كديموقراطيين لإنقاذ مجتمعاتهم وبنائها حرة وكريمة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com