العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13/05/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

نقلة نوعية في الديمقراطية لم تعرفها سورية من قبل .. محمد فاروق الإمام

من المفارقات أن تجري الانتخابات الرئاسية في فرنسا مع الانتخابات التشريعية المسرحية في سورية، ففي الانتخابات الفرنسية كانت الصورة وردية، حيث هزم الرئيس الفرنسي اليميني نيكولا ساركوزي أمام متحديه الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي حصل على 51،8% من أصوات الناخبين، وخاطب الرئيس المهزوم ساركوزي أنصاره في باريس قائلا: "بات لفرنسا رئيس جمهورية جديد، إنه خيار ديمقراطي وجمهوري. فرنسوا هولاند هو الرئيس الجديد لفرنسا ويجب احترامه". وأضاف "تحدثت إليه لتوي عبر الهاتف، أتمنى له التوفيق في ظل التحديات". وتابع ساركوزي "أتحمل كامل المسؤولية عن هذه الهزيمة لست شخصاً لا يتحمل مسؤولياته".

ومن السخريات المضحكة أن الإعلام السوري المقروء والمسموع والمرئي احتفل مع أنصار الفائز فرانسوا هولاند معتبراً فوزه نصر للنظام في سورية، فقد أشادت جريدة الوطن شبه الرسمية لتفتتاحيتها بفوز هولاند بعد أن ألقى الفرنسيون بساركوزي ووزير خارجيته الان جوبيه إلى "مزبله التاريخ" على حد تعبيرها المخزي!!

أما الانتخابات التشريعية في سورية فهي تجري في أجواء رعيبة مصحوبة بشلالات من الدماء وبحار من الدموع، تذرفها عيون الأرامل والثكالى.. تذرفها مآقي الأيتام والمشردين والنازحين والمهجرين، تبكي من فقدوهم أو من فارقوهم أو من اعتقلوا من أقربائهم وأبنائهم وآبائهم وإخوانهم.. تجري هذه الانتخابات المسرحية على وقع دوي القنابل وهي تدمر المدن والبلدات والقرى.. تجري هذه الانتخابات وعلى وقع أزيز الرصاص الذي يحصد الناس على غير هدى ودون تمييز بين شيخ وامرأة وطفل وصبية ورجل، وتستهدف كل ما يدب على الأرض من وسائل نقل أو حيوانات أو طيور، فكلها أهداف مباحة للنظام السادي الذي يحكم دمشق.

عام 1998 كتبت مقالاً بمناسبة الاستفتاء على ولاية السيد الرئيس الراحل حافظ الأسد تحت عنوان (أما آن لهذه المسرحية أن تنتهي؟!)، لأنها بالفعل كانت مسرحية ممجوجة مكررة ملّها الناس وسئم تكرارها، وكان الناس يساقون مكرهين للعب فصولها الباهتة بعد كل أربع سنوات، ليجددوا للرئيس العهد بالولاء له مرددين (حافظ الأسد إلى الأبد)، وكم كانت مثل هذه التمثيليات تضيف من أعباء باهظة على ميزانية الدولة المنهكة أصلاً، في الوقت الذي كان فيه الناس أحوج ما يكونون إلى هذه الأموال المهدرة في مثل هذه المسرحيات لتحسين أوضاعهم المعيشية والتخفيف من الضرائب التي كانت تزيد من فاقتهم وفقرهم، أو في تحسين بنيتهم التحتية أو رعايتهم الصحية أو مستويات أبنائهم التعليمية.

وفي عام 2011 وبعد بدء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية، والقمع الهمجي الذي قابلت به الأجهزة الأمنية هؤلاء المحتجين السلميين، واستماع الناس لخطاب السيد الرئيس بشار الأسد التهريجي الذي ألقاه فيما يسميه النظام ب(مجلس الشعب) وصم آذان مستمعيه بهتافات وتصفيق أعضاء هذا المجلس التي قاطعت خطابه أكثر من أربعين مرة، والضحكة البلهاء التي أخرجت السيد الرئيس عن هيبته وجعلته يصفق زهواً بما قيل فيه حينها من أعضاء المجلس، الذين كان جلهم قد تجاوز الستين من العمر وهو لا يصدق أن في شخصه تتجمع كل هذه الصفات التي قيلت فيه، وراح كالطاووس يتطاول ويقصر ويرجع ويتقدم ونواجزه تكاد تخرج من فمه وهو يضحك، في حينها كتبت مقالاً تحت عنوان (مجلس شعب أم مجلس تهريج) قلت فيه: "أعتذر للقارئ إن قلت أن مجلس الشعب في سورية ما هو إلا مجلس تهريج يعين أعضاؤه من قبل أجهزة الأمن، في مسرحية انتخابية هزلية، بحسب درجة الخنوع والولاء وطول الانحناء، ولعل ما قاله أحدهم بحق الرئيس في ذلك اليوم (الوطن العربي قليل عليك فأنت تستحق قيادة العالم) يؤكد على أن أعضاء هذا المجلس الذين تجاوزوا سن الكهولة إلى حالة من الخرف وفقدان التوازن وعدم التمييز، لدرجة أنك لا تجد من بينهم رجل رشيد يختلف مع كل هؤلاء الذين تجاوزهم الدهر وصاروا دماً شمعية تستحق أن تقام لهم قاعة عرض أراجوزي تحكي عصر الحكواتي التي باتت جزءاً من تراث الشام المندثر!!".

واليوم تتحقق مقولة السيد وليد المعلم بأن سورية ستشهد نقلة ديمقراطية نوعية فريدة من نوعها لا توجد في أي بلد آخر، وكانت هذه النقلة النوعية التي بشرنا بها السيد المعلم هي الانتقال من انتخاب مجلس شعب تهريجي إلى انتخاب مجلس شعب تشبيحي في غياب 70% من المواطنين بين مضربين ومهجرين ومفقودين وجرحى ومستشهدين، وكل هذا لا يهم في نظر أهل الحكم في دمشق.. المهم أن تجري الانتخابات وهي من ضمن الإصلاحات التي وعد بها السيد الرئيس وحدد زمانها ومكانها وأعداد المصوتين عليها وشخوص الفائزين بها، والنموذج الشبيح شريف شحادة الذي قد يُختار ليكون رئيساً لهذا المجلس وهو الأجدر والأحق في رئاسته، فمن غيره كان يجرؤ على الخروج على القنوات الفضائية ليسوّق كذب وافتراءات وفبركات وجرائم النظام، ويبرئه من دم الآلاف من الشهداء الذين سقطوا على يد أمن النظام وجيشه وشبيحته.

سورية ستستقبل بعد أيام 250 عضو شبيح يجلسون على مقاعد مجلس الشعب ينبحون بصوت واحد رافعين بأيديهم السكاكين والسواطير والعصي الكهربائية والكلاشنكوف عند استقبالهم السيد الرئيس، الذي سيحضر ولا شك مراسيم الاحتفال بافتتاح الجلسة الأولى لهذا المجلس، يصدحون بصوت واحد: (شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد).

-*--*--*--*--*--

لو كان بابلو اسكوبار حياً لخجل من أفعال بشار الأسد .. المهندس هشام نجار

المنسق العام لحقوق الإنسان - الولايات المتحده ، عضو في المجلس الإقليمي لمناهضة العنف والإرهاب وتعزيز الحرية وحقوق الإنسان

أعزائي القراء

ولكن من هو بابلو اسكوبار؟

ولد هذا الرجل بتاريخ الأول من كانون الأول / ديسمبر ١٩٤٩ في ريونجرو- كولومبيا من دول أمريكا اللاتينيه وتوفي في ٢ كانون الأول / ديسمبر ١٩٩٣ في ميدلين - كولومبيا .كان أكبر تاجر مخدرات في العالم, وقد صنفته مجلة الفوربس كسابع أغنى رجل في العالم , جمع ثروته من بيع المخدرات وغسيل الأموال.وقد ارتبط اسم بابلو اسكوبار طوال سنوات بالعنف والكوكايين، فبعد أن صنع ثورة في تجارة المخدرات، تحول إلى ملكا للكوكا في كولومبيا, وسيطر على إمبراطورية المخدرات عبر التهديد والرعب

كان بابلو اسكوبار زعيماً للمافيا، فهو مهرب لا يعرف الرحمة، وربما قتل عدداً أكبر من الناس بالمقارنة مع أي مهرب آخر في تاريخ كولومبيا. أي أنه قاتل لا يرحم. وقد تحالف مع مجموعات إرهابية قامت بوضع المتفجرات في الطائرات المدنية... إنه مجرم جماعي بلا جدال.... شاهدوا أعزائي شريط فيديو عن مطاردة بابلو اسكوبار

http://youtu.be/QtnWMEBrP7o

كلفت الحروب الشرسة للحكومة الكولومبية بمساعدة القوات الأمريكية في مواجهة حاشية إسكوبار الشي الكثير، خصوصاً عدد الوفيات الذي بلغ في سنة ١٩٩١ وحدها٧٠٨١ ضحية مدنية، وأكثر من٦٠٠ شرطي وضابط. هكذا ولد بابلو اسكوبار وهكذا مات عرابا للكوكايين وقاتل جماعي.

ولكن أعزائي القراء لماذا يخجل بابلو من افعال بشار الأسد؟ أليس الإثنان قاتلين محترفين؟..اليس الإثنان صانعين للمجازر الجماعيه؟ ..أليس الإثنان سارقين بطريقة أو أخرى لأموال الناس؟

ومع كل هذا التشابه بالصفات والأفعال إلا أني اجزم أن هناك إختلافاً جينياً بين هذين المخلوقين...إقرأوا معي بقية الحكايه حتى نتعرف عن سبب خجل بابلو من افعال بشار الأسد

عندما مات بابلو اسكوبار، بكاه أناسٌ كثيرون وذرفوا دموعهم عليه حتى جفت مآقيهم حزنا وتقديراً لما قام به من بناء مساكن للمشردين ومستشفيات للمرضى ومدارس للأميين وكنائس للعباده ورياضاً للأطفال وحساباً بنكياً للفقراء.بينما رئيس المافيا السوريه وعصابته قطعوا الكهرباء عن المستشفيات..وطردوا الأطباء وعينوا بدلاً عنهم شبيحه لمطاردة اي جريح يدخل أي مستشفى في الوطن..وحولوا المدارس ورياض الأطفال إلى معتقلات إضافيه بعد ان عجزت سراديبهم من إستيعاب فائض المعتقلين,وإستخدموا الطوابق العلويه من أبنية الجامعات ليقذفوا أبناءنا الطلاب من نوافذها, وتدربوا على مآذن الجوامع قصفاً بالمدفعيه فدمروا ثمانية مآذن تدميراَ كاملاً وخمساً وعشرين مسجداً تدميراً جزئياً ,وهدّموا سبعين بالمائه من مدينة حمص ناهيك عن تدمير مدن أخرى..ونهبوا ودكوا ثمانية الآف محلاً تجارياً ,وإعتقلوا وغيبوا ثمانين ألف معتقل وقتلوا وجرحوا ستين الف مواطناً وهجّروا داخلياً وخارجياً منذ عام فقط مليوناً ونصف طفل وإمرأه ورجل ...اليست هذه الأفعال امراً يدعو بابلو اسكوبار للخجل من أفعال زعيم مافيا سوريا؟

لقد تم تصويرعملية ملاحقة بابلو اسكوبار على شريط فيديو ليراها عشرات الإلوف من المتابعين لقصته. ولكن قريباً اعزائي القراء سيتم تصوير عملية ملاحقة سفاح سوريا ليحتفظ بشريطها ثلاث وعشرون مليون سوري وليسلموه بعدها لأحفادهم درساً لهم مفاده : أياكم ان تسلّموا مصيركم إلى أعدائكم.

مع تحياتي

-*--*--*--*--*--*--*--*--*--*-

سورية الكرامة:كل يوم جمعة ولكل جمعة اسم ...!!! .. د.خالد ممدوح العزي*

من جمعة الكرامة الى جمعة خلاصنا اخلاصنا :

منذ الجمعة الاولى لانتفاضة الثورة السورية في 18 اذار "مارس "2011 والتي كانت الشرارة الاولى لاستمرار الثورة وانخراط الشعب السوري فيها، كانت البداية في اطلاق اسم اول جمعة سورية من جمع الحراك الثوري . فجمعة الثورة الاولى والتي اطلاق عليها اسم جمعة الكرامة "لان الكرامة السورية هدرت على يد ابطال العائلة الحاكمة طوال 44 عام ، استباحة سورية وشعبها وممتلكاتها، واستمرت العادة في تسمية الجمع باسماء لكل جمعة من جمعات الثورة البطلة، لتحمل هذه الجمعة معنى حقيقي ورمزي معين لتدل فيه على وحدة الشعب السوري المناضل والمقهور والمستمر ي اسقاط الدكتاتور ...

اليوم تدخل الانتفاضة السورية شهرها الخامس عشر، اي 60 اسبوعا من النضال المستمر في الليل والنهار في التصدي لجيش "عرمرم ". كل اسبوع من اسابيع الثورة تأتي جمعة جديدة ينتظرها الشعب للخروج والتظاهر، وكل جمعة تسمى باسم وتحمل معنى ، ابتدأ من جمعة " جمعة الكرامة " بتاريخ 18 اذار "مارس" 2011،وصولا الى جمعة "خلاصنا اخلاصنا " بتاريخ 4 نيسان "ابريل" 2012 .فكل يوم جمعة من ايام الاسبوع ، وكل جمعة اضحت تحمل اسم وكل يوم في سورية مظاهرة في الليل والنهار في الشتاء والبرد والحر والصيف ،فالسوري لم يعد يعد اياما واسابيعا، ولا قتلى ولا جرحى ،لقد تعود على هذا الوضع لأنه مصر على الحرية ،وحسم امره في اسقاط الاسد عن الكرسي الذي هزته اطفال درعا، وازعته اهل حمص، مدينة الثورة وعاصمة سورية الجديدة بدم اهلها الطاهر وبمشاركة كل المدن الثائرة الى خط الثورة .

تظاهرات الاعتراض في يوم الجمعة:

طبعا لقد ربط اسم الجمعة بمظاهرات الجمعة التي كانت تخرج الجماهير فيها للمشاركة بهذا اليوم الاعتراضي وللتعبير عن غضب الشارع ،فكانت البداية من اصعب المهام والامورالتي واجهت لجان التنسيقيات في المدن السورية،و في اخراج التظاهرات الى الشوارع بالرغم من تلبية الناس للدعوة ،بسبب عدم الخبرة في التظاهر ، وفي التنظيم ،والتنسيق بين التنسيقيات الثورية في المدن والنواحي ، وخوف الناس الطبيعي في البداية بالرغم من خروجهم للتظاهر ،وعدم الرغبة الحقيقية من الجماهير في رفع سقف المطالب الثورية، لاسقاط النظام، كباقي الدول العربية التي حسمت الجماهير فيها موقفها منذ اللحظة الاولى للخروج بانها تريد اسقاط النظام .لكن الاسم كان العامل الاساسي للربط بين كتلة المتظاهرين والثأرين بوجه النظام القمعي . في البداية كان الخروج يختصر في التظاهر على المصلين ،والخارجين من صلاة الجمعة، والذين يذهبون لملاقاتهم امام المساجد ، لكون المسجد هو الذي يستطيع جمع اعداد غفورة من المحتشدين والذين يخرجون وسط صيحات التكبير ،فكانت الصيحات التكبيرية وبعض الشعارات الخجولة التي لم تكن تلاقي اجماع عند العديد من المشاركين في هذه التظاهرات لان شكل التظاهر كان عفويا وبدون تنظيم وهو رد على ممارسة رجال الامن ورجال الطاقم السياسي الحاكم في سورية وليست ضد نظام الاسد ،لان الشعب السوري لم يكون راغبين التغير بسبب شدة الخوف ،ولم يعرفوا بانهم سوف يكسرون الحاجز النفسي وحائط الخوف الذي فرضه النظام القمعي على الشعب السوري منذ اغتصاب السلطة من قبل عصابات الاسد البعثية ،فكانت الشعارات غير مركزة على تنحي الاسد ونظامه بل على الاصلاح والتغير الذي طالبه السوريين من الاسد شخصيا ،لكن لا حياة لمن تنادي .فالنظام لا يرى ضرورة لأي اصلاح وتغير في البلاد يكون من خلال توجهه الشخصي الذي يكرس حكم العائلي والعصابة .فالشعب له التجربة المريرة مع هذا النظام من خلال القتل والبطش والذبح والاغتصاب في حماة وحلب ودمشق وريف ادلب واستخدم الطائرات النفاثة في قتل شعبه لمدة ثلاثة شهور من القتل والعالم كله وقتها لم ترجف له رمش عين في عام1982، عام القتل والبطش والسكوت العالمي والعربي والاسلامي على حكم الاسد . فالتهم المعلبة والمركبة التي خلقها النظام للشعب وي استخدامه لغة الترهيب والبطش والقتل والتهجير ارعبت الشعب السوري ووضعته في ثلاجات كبيرة وسمحت لنظام الاب والابن بالتصرف في سورية ،كما تشاء وكانها مزرعة خاصة لهم ،وكانهم يريدون ان يكتب في التاريخ عن دولة لبيت الاسد كما كتب التاريخ عن دولة السلاجقة والقرامطة ...

تأثير الثورات العربية على سورية :

لقد تأثر الشعب السوري الغاضب والمكبوت والخائف والمقهور من صدى التغيرات العالمية والمناخات التي افرزتها الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وكان صدها يدوي في كل شخص سوري ،فكان اطفال درعا هم الاكثر تأثير بالمناخ العربي الجديد، فخرج الاطفال في حركة عفوية اعتراضية على نظام الاسد ليسجلوا او حركة عالمية بان يكونوا الاطفال هم محرك ثورة كبيرة كسوريا ،فالأطفال هم من فجروا الثورة السورية واجبروا الكبار على الالتحاق بهم وتبني شعاراتهم الاولى التي خطوها على جدران شوارع ضيع درعا بان :"الدور قدم لك يا دكتور الدكتاتور "، فالشعب السوري الذي اطلق شرارة الثورة من درعا والتي دقت مسمار ها الاول في نعش الاسد لم يكن جاهزا للثورة الشعبية التي فرضها الاطفال وتابعها الاطفال .

فالثورة السورية التي تعتبر انبل ظاهرة في تاريخنا العربي والعالمي الجديد ،لقد استطاعت بقدرتها ان تكسر الخوف لدى الجماهير السورية الفقيرة الطيبة ،وتكشف القناع عن هذا النظام المجرم، من خلال الخروج للشوارع وتلبية نداءات التنسيقيات السورية القيادة الفعلية للثورة السورية على الارض، والتي استطاعت توحيد الحراك الشعبي السوري يوميا من خلال شعارات وطنية كاملة تلتزم بها كل التنسيقيات المتفرعة في المدن والقرى الثائرة بالرغم من الحملات الامنية والعسكرية التي يمارسها النظام يوميا ضد الشعب السوري ومدنه الغاضبة .

استطاعت التنسيقيات السورية الثورية بأطلاق اسماء الجمعات التي تلتزم بها كل قوى الحراك الثوري في المجتمع السوري بمختلف مكوناته العرقية والدينية .

اسماء الجمع السورية:

على مدى 15 شهرا من عمر الثورة تعود الشعب السوري على الخروج كل يوم جمعة باسم جمعة جديدة يتم تحديدها من داخل سورية بين قوى حركات التنسيق الثوري ،التي تتشاور وتنسق فيما بينها وتعمل على اطلاق اسم الجمعة من خلال:

1- الرد على النظام وحركاته العوجاء والوقحة التي يتعاطى بها مع الحراك السوري.

2- الرد على الاهمال العالمي والاسلامي والعربي من خلال ترك الشعب السوري يذبح كالنعاج من قبل الاسد وعصاباته.

3- الرد على كل المحاولات التي تحاول بت روح التفرقة والتخريب في مكونات الشعب السوري العرقية والمذهبية والدينية من خلال الالتزام بشعار الانتفاضة السورية الاساسي :"سلمية الثورة ،والشعب السوري واحد .

4- التأكيد على افكار الشعب السوري وهواجسه اثناء اطلاق اسم الجمعة التي تشكل رد فعل الشعب السوري كله على التصرفات العالمية والعربية والاسلامية ،والتأكيد على حرية الشعب السوري في اتخاد قرارات الخاصة ،كما سمى في 7 تشرين الأول عام 2011جمعة المجلس الوطني يمثلني" وكذلك الجيش الحر يحمينا والشعب يطالب بحماية دولية .

تنظيم التظاهر ضمان لاستمرار الثورة :

فاذا راجعنا اخر تسميات الجمعات السورية من قبل اتحاد التنسيقيات الثورية فأننا نرى العمل النوعي الثوري المنظم الذي يدل قوة الاستمرارية بالرغم من المهل الدولية المتتالية للنظام وقوة وبطش النظام في تعامله مع قمع الانتفاضة السورية الشعبية ،العمل المنظم قوة الخروج وتزايد عدد نقاط التظاهر الاسبوعية واليومية في المدن السورية بالرغم من ممارسة النظام لسياسة القبضة الحديدية والارض المعزولة والدخول والخروج المستمر لقوات الاسد الى المناطق الثائرة ،لكن العزيمة والقوة لدى الثوار تتجدر في القدرة على الصمود والموجه والترتيب والتنسيق وادارة المعركة الاعلامية المباشرة من خلال النشطاء الذين كان يظهرون بأسماء وهمية ودون الكشف عن صورها واسماءهم الحقيقية، كشهود عيان يخبرون العالم عن الاحداث والمجازر التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري ،فاليوم بتنا امام قدرات سورية اعلامية قوية من خلال متحدثين اعلاميين من الداخل يكشف عن وجههم وكان خالد ابو صلاح اولهم وهادي العبدالله واليوسف وابو جعفر الخ ....بالإضافة الى الاعلاميين والمراسلين من الداخل السوري الذين تحدوا قوة النظام وبطشه الامني والتواصل الاعلامي الميداني لقنوات فضائية عالمية ،من خلال شبكة مراسلين لقناة الجزيرة والعربية من الداخل من قلب الحدث ...فالهيئات التنسيقية بدأ عملها يتطور من خلال الرسم الغرافيتي على الجدران والاعلام السورية الجديدة "علم الثورة ورفعها بالأمتار في المظاهرات وكتابة الشعارات السياسية الموجهة للنظام واعوانه ورفع اليافطات في وسط الشوارع وفي المظاهرات اليافطات القماشية والشعارات والكرتونية واستحداث شعارات البخاخ، على الجدران. فهذا التطور النوعي في عمل الانتفاضة السورية الثورية يدل على قدرة التنظيم والتنسيق بين دروع هيئة اللجان والحراك والاتصال بالدرع السياسي الممثل بالمجلس الوطني والاكراد والدراع العسكري الممثل بالجيش الحر، الى قدرات الاسعاف الشعبي الداخلي الى التكفل بين العائلات المهجرة من مدن الاشتباك "النزوح الداخلي "في العصمة والمدن الكبرى "الى تمين العمل الاجتماعي والخيري .

لكن الانتفاضة لم تقتصر على كل هذا العمل الضخم بل تجلت في بناء جيش الاعلام الإلكتروني التي تكمن مهامه ايصال اخبار الحراك السوري بأقصى سرعة ممكنة الى العالم الحر من خلال وسائل الربط الاجتماعي والتواصل بالرخم من الخطورة التي تقع على عاتق هؤلاء الجنود المجهولين ،المطلوبين احياء او موتى للأسد وعصاباته ، لانهم هم من يفضحون اعماله ويكشفون افعاله ويوثقون جرائمه للعالم . بالرغم من كل الاوضاع الصعبة التي تعاني منها سورية واهلها :"الجوع، الخوف ،القتل ،الاغتصاب ،الحرق ،السجن ، القصف البرد ،الحر ،انقطاع الكهرباء وغياب الوسائل اللوجستية "،لكن الابطال يصنعون المعجزات في معاملهم الصغيرة لأجل الثورة واكمال المسيرة فأرواحهم كلها رخيصة وفداء لسورية الحرة ،سورية الغد ،سورية الحرية .

اسماء الجمع السورية ومدلولاتها الوطنية :

وحسب المصدر السوري المستقل للإحصاء الاحتجاجات والتي اشرنا في عملنا الى تظاهرات المدن الكبرى التي تشارك في المظاهرات بالرغم من مشاركة كل المحافظات السورية في التظاهرات الاسبوعية بمشاركة مختلفة حسب ظروفها ،ولكننا نرى تزايد عدد التظاهر في كافة انحاء سورية ،بالرغم من قوة النيران الغير عادية التي بات يستخدمها الاسد في حربه ضد شعبه :

1- جمعة "قادمون لأجلك يا دمشق ":

هذه الجمعة كانت بتاريخ 23 اذار "مارس "2012 ، والتي حاولوا الثوار من خلالها ، بأفهم النظام نفسه بانهم باتوا قريبن جدا من العاصمة التي يعتبرها مكان بعيد عن الحراك الثوري ويذكرونه بان دمشق لا تختلف عن طرابلس القذافي التي انتفضت فورا بطريقة مميزة اجبرت النظام كله على مغادرتها الفورية بعد وصول الثور لها في 17 اب "اغسطس العام الماضي"، ودمشق اليوم لم تعد بعيدة عن خط الثورة السورية .

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 670 ،المناطق المتظاهرة 504 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 100 ،ادلب 139،حماة 117،حمص36،درعا 63،ريف دمشق 72،دمشق38،.

2- جمعة "خاذلون العرب والمسلمين :

هذه الجمعة كانت بتاريخ 30 اذار "مارس "2012 ،لقد اراد الثور فيها ان يخاطب العالم العربي والاسلمي بانهم جميعا خذلوا اهل الشام اهل سورية الذين يدافعون عن العرب والعروبة والمسلمين والذين لم يبخلوا عليهم يوما في التاريخ لا في الدم ولا في المال والا في الجاه ،ولم يعدوا يثقوا بأحد وليس امامهم سوى موجهة مصيرهم بنفسهم فقط .

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 651 ،المناطق المتظاهرة 499 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 83 ،ادلب 154،حماة 113،حمص23،درعا 64،ريف دمشق 56،دمشق35،دير الزور 64 .

3- جمعة "من جهز غازيا فقد غزا":

تم خروج هذه الجمعة في 6نيسان "ابريل "2012 ،وحاول الثوار ترجمت سخط الشعب السوري الناقم على كل الدول العربية والاسلامية والعالمية التي تساعد النظام السوري وتجهز قدراته العسكرية والامنية والمادية بان تخاطبهم من خلال كلام الله وان تصفهم مثل النظام السوري الذي يعتدي على شعبه ويقتله ،وانهم شركاء معه.

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 591 ،المناطق المتظاهرة 441 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 83 ،ادلب 77،حماة 128،حمص28،درعا 64،ريف دمشق 52،دمشق32،دير الزور 69 .

4- "جمعة ثورة لكل السوريين ":

خرجت مظاهرات في هذه الجمعة بتاريخ 13 نيسان ابريل 2012 ،لتكون صفعة للنظام وحلفاءه على الاتهامات والشكوك بوحدة الثورة والشعب والذين يتخيلون لسورية مستقبل قاسي من الدخول في حرب اهلية واقتتال طائفي ومذهبي يؤدي بتقسم البلاد الى دويلات مذهبية ،فخرج الثوار في سورية لعلنوا بان الشعب السوري واحد من خلال تلاحم وطني ،فكانت هذه الجمعة تحمل هذه الدعوة التي شارك بها الشعب السوري بمختلف فائتة ليقول بان الثورة لكل السورين المضطهدين من حكم الاسد وعصاباته .

وتأتي هذه الجمعة بعد الموفقة على بنود المبعوث الدولي كوفي عنان في 12 نيسان والقاضية بنشر قوات مراقبين دوليين تحت قرار مجلس الامن الدولي 2043 ،لمراقبة وقف النار ولتمكن من تنفيذ بنودها الست التي اجبر الاسد على توقيعها على مضد.

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 809 ،المناطق المتظاهرة596 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 98 ،ادلب 160،حماة 137،حمص37،درعا 76،ريف دمشق 87،دمشق46،دير الزور 78 ،الحسكة 38،اللاذقية 32.

5- جمعة سننتصر ويُهزم الأسد :

هذه الجمعة التي خرجت فيها المظاهرات والمتظاهرين بتاريخ20 نيسان "ابريل"2012،وهي ترفع شعار تحدي لكل من خيب امال الشعب السوري ويراهن على نظام الاسد وبقاء عصاباته وفرق موته بالرغم من انها تتحدى الاسد ودقة مسمارها في نعش هذا النظام البائد منذ اندلاع الانتفاضة الدرعوية لتشمل كافة المدن والشرائح ،فهذه الجمعة هي جمعة تحدي من الثوار في ساحات الثورة لحلفاء النظام وتذكيرهم بان الشعب باق والنظام الى زوال ،فالشعب لا يهزم وارادته قوية مهما تلقى الدعم من روسيا والصين وايران والعراق ،ومهما تامر العالم كله على الشعب السوري ،فان الشعب الذي خرج من اجل التغير والحرية لن يعود بغير الحرية وهي رسالة الى الشرائح السورية التي لم تحسم امرها في الالتفاف حول الثورة واعطاءهم رصة لتغير افكارهم ،بان النصر هو حليف الشعب السوري كله والهزيمة هي مصير الاسد.

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 836 ،المناطق المتظاهرة612 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 109 ،ادلب 178،حماة 126،حمص28،درعا 64،ريف دمشق 87،دمشق51،دير الزور 73 ،الحسكة 43،اللاذقية 55.

6- جمعة “أتى أمر الله فلا تستعجلوه :

هذه المظاهرات التي خرج يها الشعب السوري المنتفض والمحتج الى الشوارع ي 27 نيسان "ابريل "2012 ،ليقول بصوته العالي ، والفم الملائن باننا فقدنا الامل بكل من حولنا ي العالم ،ولكن الامل بالله ،و الاتكال على الله وحده ، وعلى عزيمتنا وقدرتنا الخاصة ،فالله مع الشعب المظلوم ،وبالتالي لا نريد الاعتماد في ثورتنا الا على الله هو الحي القيوم ،وبالتالي كل النتائج التي ستقع علينا هي من عند الله وحده وتقرير مصيرنا ليس بيد ايران وامريك وروسيا ،وانما الاعتماد على عزيمة شعبنا وعلى الله.

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 753 ،المناطق المتظاهرة537 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 92 ،ادلب 193،حماة 76،حمص37،درعا 73،ريف دمشق 72،دمشق45،دير الزور 89 ،الحسكة 30، اللاذقية 37.

7- جمعة "إخلاصنا خلاصنا":

هذه التظاهرات التي خرج فيها المتظاهرين بظل وجود المراقبين ومع استمرار القتل من قبل قوات النظام امام المراقبين الدوليين بتاريخ 4 يار "مايو "2012 لتقول للعالم كله الشعب يريد اسقاط النظام وهذا الخروج يؤكد ذلك لان الشعب لديه شاهد ملك من قوات الامم الدولية وبالتالية هي رسالة لداخل السوري المعارض والمحتج على سياسة الاسد بان الاتحاد قوة والاخلاص هو انتصار لنكون صفا واحدا من اجل اسقاط الطاغية .

اجمالي التظاهرات في هذه الجمعة 835 ،المناطق المتظاهرة 627 ،وسجلت كل من المدن تظاهراتها حسب التالي :"حلب 96 ،ادلب 183،حماة 145،حمص49،درعا 63،ريف دمشق 77،دمشق63،دير الزور 74 ،اللاذقية 51،الحسكة 28.

بالرغم من وجود المراقبين اليوم في سورية لمراقبة وقف اطلاق النار بين "المتحاربين "الغير متساوية ،وبالرغم من القتل والبطش والموت وسلاح التجير الجديد وسلاح التحريض الدعائي الذي يمارسه النظام ،وبالرغم من الاحتضان الدولي لنظام الاسد ،فاننا امام تصاعد وثيرة التظاهرات وانتشارها بقوة في كافة المناطق السورية ،فالاسرار السوري اضح واضحا بين الجماهير الشعبية التي تحاول اسقاط النظام بكافة الاثمان ،بالرغم من اصرار النظام الذي يصر على استمرار وجوده بالقوة حتى لو مارس ابادة جماعية ضد الشعب في المدن السورية والى جرف مناطق كاملة ، وبالرغم من الصمود الرائع الذي يسجله الشعب السوري في مقاومتةللنظام ،فان النظام يستبسل في الاجرام واضحى يمارس رفع فنون الاجرام في قمع اصوات الثائرين ،لكن ميزان القوى اضحى يميل تدرجيا نحو الشعب ،فالنظام منهك ومربك ومتعب وينتظر ساعة الخلاص ،اما الشعب يوميا بعد يوم يزداد قوة وزخم واندفاع اكبر واقوى في متابعة حركته الاحتجاجية والمطلبية .

*كاتب إعلامي، ومختص بالإعلام السياسي والدعاية.

dr_izzi2007@hotmail.com

-*--*--*--*--*--*--*--*--*-*

بين ساركوزي والأسد ! .. خلف الحربي

عكاظ

8-5-2012

بكل بساطة اعترف ساركوزي بهزيمته في الانتخابات الرئاسية وقال أمام أنصاره :( لدى فرنسا رئيس جمهورية جديد ، هذا خيار ديمقراطي وجمهوري ، هولاند هو رئيس الجمهورية الفرنسية الجديد وعلي أن أحترمه) ، انتهت القصة بكل بساطة بالنسبة للسيد ساركوزي حيث سيخرج من قصر الإليزيه في أسرع وقت ليستمتع بالحياة مع زوجته كارلا.

على الطرف البعيد من البحر الأبيض المتوسط يخرج كل الشعب السوري الشقيق برجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله ويواجهون بشجاعة لم يشهد لها التاريخ مثيلا عصابات القتل والخطف والاغتصاب كي يقول كل يوم بل كل لحظة لبشار الأسد اغرب عن وجوهنا أيها المجرم المستبد السفيه ، ولكن الدكتاتور يتشبث بكرسي رئاسة الجمهورية حتى ساعة الاحتفال بقتل آخر مواطن سوري ! .

كل سوريا لا تريد الأسد رئيسا للجمهورية، حماة ، أدلب، درعا، دير الزور، حمص، ريف دمشق ، اللاذقية ، حلب ، وحتى العاصمة دمشق، ولو أمر بشار الأسد شبيحته بعدم إطلاق النار على المتظاهرين ليوم واحد فقط ، لتظاهر ضده كل من في قصره من حراس وخدم وحشم ومساعدين وربما بعض أفراد أسرته ! .

لذلك – والله أعلم – لن تكون نهاية بشار الأسد مثل نهاية ساركوزي ، ساركوزي يمكنه الآن أن يتناول الآيس كريم على أحد الشواطئ الخلابة ويستشير كارلا في عنوان كتابه القادم ، بينما بشار سينتهي به المطاف للبحث عن ملجأ آمن لأفراد أسرته، حيث لن يقوده هذا الطريق الدموي مع شعبه إلا إلى لحظة الذبح المرعبة التي مر بها القذافي .

في مظاهرة في قلب دمشق رفع أحد الثوار لافتة كتب عليها: (اقتربت ساعة الصفر) وتحتها أرقام مؤقت تبين أن ما تبقى من الزمن للإطاحة بسفاح دمشق ليس أكثر من ثلاث دقائق ! ، بشار على العكس من هذا المتظاهر يظن أنه يمكن أن يبقى إلى الأبد في قصره مادام هناك ذخيرة في أسلحة جنوده ، لا يهمه لو هدم كل بيوت سوريا على رؤوس سكانها من أجل أن يبقى في كرسي الحكم، وبالمناسبة هو قد فعل ذلك واقعا لا مجازا .. أي أنه في الواقع الموثق بالصوت والصورة :(هدم كل بيوت سوريا على رؤوس سكانها من أجل أن يبقى في كرسي الحكم ) !.

بالنسبة لساركوزي المسألة مختلفة تماما ، فهو لم يكتف باعترافه بهزيمته في الانتخابات بل أكد أنه لن يخوض أي انتخابات تشريعية مقبلة ، انتهى الموضوع بالنسبة له وقال لأنصاره : (لا تنقسموا وابقوا متحدين ، إن النتيجة المسجلة اليوم الأحد محترمة ولكنني لن أخوض غمار التشريعيات القادمة)، لاحظوا..انتهى حكمه لفرنسا العظمى وهو يتقبل الموضوع بكل بساطة بل لا يجد ذلك أمرا سيئا : (لقد جاء عهد جديد، وخلال هذا العهد الجديد سأبقى واحدا منكم ويمكنكم أن تعولوا علي في الدفاع عن قناعاتكم، ولكن مكاني لا يمكن أن يكون نفسه ذلك الذي كان في السابق ، فالتزامي في هذه اللحظة سوف يكون مغايرا)!.

klfhrbe@gmail.com

-*--*--*--*--*--*-*

الشعب السوري ينتخب الشهداء

2012-05-08

الوطن السعودية

يبدو أن قدر السوريين الذي لا مفر منه هو أن يواجهوا وحدهم نظام الأسد، بجيشه وشبيحته ومرتزقته، حتى يفنى هذا الشعب الذي قدم حتى اللحظة أكثر من أحد عشر ألف شهيد عن آخره، أو يرحل النظام ويدخل الشعب مرة أخرى في مستقبل لا يمكن على الإطلاق التنبؤ بما يحمل من مفاجآت.

نظام الأسد وزمرته ما فتئ يمارس القتل والتنكيل والتعذيب في حق الشعب السوري منذ انطلاق الثورة قبل عام وحتى اليوم، ولكن الجديد في هذه التراجيديا المؤلمة هو أن استخفاف النظام السوري بالشعب قد بلغ ذروته مع الانتخابات التشريعية التي تجري الآن في سورية. وليس من جديد إذا قلنا بأن هذه الانتخابات مجرد مسرحية هزلية، تبكي أكثر مما تضحك، الهدف منها إيصال رسالة واضحة من النظام إلى الثوار السوريين بأن ما عليكم سوى الاختيار بين مدافع جيشنا ورصاص شبيحتنا أو الاستسلام والذهاب إلى مراكز الاقتراع لاختيار من يمثلونكم من جوقة النظام، وعسكره، ورجال أعماله، فلا ملجأ لكم منا إلا إلينا، ولا تعولوا على كافة القوى الدولية والمنظمات العالمية، التي عولتم عليها سابقا كالأمم المتحدة أو غيرها في أن تساندكم أو تدحر عنكم مصيركم المحتوم.

صدى هذه الرسالة سيكون بالنسبة إلى الشعب والمعارضة والجيش الحر أقوى من وابل الرصاص الذي يطلقه النظام في وجه المتظاهرين على مدار الساعة، إذ لا يمكن للسوريين إلا مواصلة التظاهر والتسلح في مواجهة جيش النظام ومرتزقته، وإذا كان المجلس الوطني قد دعا السوريين للإضراب والتظاهر في الوقت الذي تجري فيه هذه الانتخابات فإن الشعب السوري يعي جيدا سيكولوجية نظامه، كما يعيها المجلس الوطني، فقد قام عدد من السوريين بدلا من المشاركة في مراكز الاقتراع بتعليق صور الشهداء من الشباب على واجهات البنايات والمتاجر المغلقة، وكأنهم يقولون للنظام، اخترنا السير على خطى شهدائنا، ولن ننظر في انتخاباتكم وصور مرشحيها.

-*--*--*--*--*--*-*

انتخابات بلا مصداقية  .. رأي الراية

الراية

8-5-2012

تعد الانتخابات التشريعية التي شهدتها سوريا أمس ودعت المعارضة التي وصفتها "بالمهزلة" إلى مقاطعتها حلقة أخرى من حلقات مماطلة النظام السوري وتسويفه في إدخال إصلاحات حقيقية في البلاد تحقق مطالب الشعب السوري في الديمقراطية والتغيير المنشود.

الانتخابات التشريعية التي جرت أمس جرت على وقع العنف وزخات الرصاص وسقوط الضحايا الذي لم يتوقف بتاتا في تأكيد على أن هذه الانتخابات لا تعدو كونها صورة يريد من خلالها النظام محاولة تحسين صورته أمام الرأي العام الدولي وإظهاره كنظام ديمقراطي استجاب للمطالب الشعبية بالتغيير والديمقراطية وهو ما ينفيه الواقع في المدن والبلدات السورية التي تشهد مسلسلا للموت اليومي لا يتوقف.

لقد بلغت أعمال العنف في سوريا حدا لا يمكن معه الاقتناع بجدية النظام السوري ورغبته في الإصلاح خاصة أنه يريد من خلال هذه الانتخابات الصورية أن يلتف على مبادرة كوفي عنان ذات النقاط الست والتي يتصدرها مطلب وقف العنف وهو ما لم يلتزم به النظام رغم قبوله هذه المبادرة التي لم يجر تطبيقها فعليا على الأرض حتى الآن.

لقد أدانت مختلف دول العالم هذه الانتخابات ونددت بها ورفضت الاعتراف بها أو منحها أية مصداقية كما اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة على لسان المتحدث باسمه أن "لا شيء سوى حوار واسع وبلا إقصاء يمكن أن يقود إلى مستقبل ديمقراطي حقيقي في سوريا"، مضيفا أن هذه الانتخابات لا تدخل في هذا الإطار مشددا في الوقت نفسه على أن العملية الديمقراطية لا يمكن أن تنجح طالما استمر العنف.

إن سقوط أكثر من ثلاثين قتيلا في مختلف المدن السورية على أيدي قوات النظام وإطلاق النار على المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية والتغيير والاستمرار في حصار المدن الثائرة على النظام واقتحامها واعتقال المواطنين فيها لا يستقيم مع دعوات الديمقراطية والتعددية والإصلاح كما أن الانتخابات تكسب شرعيتها ومصداقيتها من مشاركة الشعب السوري بكل أطيافه وفئاته فيها بكل حرية وشفافية وهو ما لا يتوفر في هذه الانتخابات التي يريدها النظام وسعى إليها لإطالة عمره.

الأولوية الآن في سوريا تكمن في وقف العنف بكل أشكاله والسعي لتطبيق خطة وسيط الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي عنان وسرعة نشر المراقبين الدوليين على الأرض كمحاولة أخيرة للضغط على النظام كي يتوقف عن قتل شعبه ومن ثم فتح الباب أمام حوار وطني حقيقي يقود لحكومة انتقالية تهيئ الشعب لاختيار ممثليه وحكومته بكل حرية وشفافية.

-*--*--*--*--*--*-*

ملهاة الانتخابات السورية ودلالتها

الوطن القطرية

التاريخ: 08 مايو 2012

يأتي إعلان المعارضة السورية نيتها تشكيل مظلة دستورية في الداخل السوري، تتكون من مؤسسات موازية وبرلمان ثوري مؤقت، رداً بليغاً على السلوك الإقصائي الذي يمارسه النظام السوري، والذي يمزق خطة عنان إرباً إرباً، ليس فقط باستئنافه العنف من وراء ظهر المراقبين، وأمامهم، بل بلجوئه أيضا إلى قطع الطريق على كل فرص الحوار السياسي بينه وبين المعارضة - رغم أن الحوار نص أصيل - في خطة عنان، من خلال الانتخابات التشريعية التي يفبركها اليوم، تحت قصف المدافع، وانفجارات القنابل، وفي مدن سوريا التي تحول معظمها إلى مدن أشباح، ولم يعد من بينها مدن محايدة، بل انضمت جميعها إلى الثورة والثوار، إثر فرار سكانها من طغيان النظام، واللجوء إلى العراء بدلا من موت محقق تتحلل جثثه، لأن النظام لم يقتل فقط من تشيع جنازاتهم، بل إنه أيضاً لا يتورع عن قتل المشيعين.

الانتخابات التشريعية بالأمس، والتي سيزوّرها النظام، بلا ريب، تأكيد ثانٍ على عدم جدية النظام في اعتناق خطة عنان، والالتزام بها، بل إنها بمثابة مداورة ومحاورة استعراضية ومسرحية عبثية، سيلعب فيها أراجوزات النظام أدواراً هزلية بغيضة، لا يمكن أن تعبر عن سوريا الجديدة التي تتوق إلى الحرية والعصرنة والازدهار وإعادة البناء.

من ذلك فإن هذه المظلة الدستورية التي تزمع المعارضة إنشاءها في الداخل، هي في واقع الأمر إعلان تحدٍ، ودليل على قوة المعارضة من جانب، وارتخاء قبضة سلطة النظام من جانب آخر، فضلاً عن ذلك فإن المعارضة بهذه المظلة التشريعية الجديدة تشفّر رسالة إلى دول الفيتو مفادها : أنتم وراء نظام يفقد شرعيته، وأن الشرعية الحقيقية، التي تنبثق عن شرعية الثورة يجري إنضاجها رغم أنف النظام.

-*--*--*--*--*--*-*

ثمن الديمقراطية في سوريا  .. هيثم المالح

تاريخ النشر: الثلاثاء 08 مايو 2012

ناشط حقوقي سوري

الاتحاد

تتوق سوريا إلى التحرر والانعتاق من نظام البطش الذي يمثله الأسد، فقد عانى الألوف من السوريين على مدى العقود الأربعة الماضية من قمع نظام الأسد ووالده، وعاش المواطنون سنوات من الخوف في ظل الاعتقالات والتعذيب والقتل، ومنذ اندلاع الانتفاضة الأخيرة في 2011 وصل عدد القتلى، حسب ناشطي المعارضة، إلى أزيد من عشرة آلاف مدني، فيما يقبع عدد أكبر من ذلك في السجون، والسبب هو رغبة السوريين العيش في بلد حر وعادل. وعن تجربتي الشخصية فقد بلغت من العمر 81 سنة، وعلى امتداد هذا العمر كرست حياتي لدعم الديمقراطية والمبادئ الدستورية والمطالبة بإقامة قضاء مستقل في هذا البلد. ومن أجل هذه المطالب اعتقلت في مناسبات عديدة لا لشيء إلا لأنني قاومت حكم النظام القمعي الذي فرضه الأسد على السوريين، وكل ما أريده اليوم هو أن تخرج سوريا من هذه الفترة الدقيقة من تاريخها بسقوط النظام المجرم، وهو ما يدفعني لتوجيه دعوة إلى المجتمع الدولي لتسهيل هذه النهاية والقيام بما هو أكثر لمساعدة سوريا على الخروج من النفق.

لقد بدأت ممارسة العمل في مجال القانون منذ سنة 1957 وبعد سنة على ذلك توليت القضاء، ولكن الأمر لم يستمر طويلاً إذ في سنة 1966 أصدر حزب "البعث" الذي وصل إلى السلطة في 1963 مرسوماً خاصاً يقضي بإقالتي من القضاء بدعوى أني لست مؤهلاً للعمل في مرحلة الثورة التي جاء بها "البعث"، بل إن الأمر لم يطل حتى وجدت نفسي قابعاً وراء القضبان متهماً، حسب الرواية الرسمية التي يروج لها النظام، ب"بث أخبار كاذبة من شأنها النيل من الروح المعنوية الوطنية"، فأُرسلت إلى السجن من 1980 إلى 1986، وخلال تلك المدة دخلت في إضراب عن الطعام كاد يودي بحياتي.

وعندما أفرج عني عدت لأمارس المحاماة، ولكن الحياة لم تكن أبداً سهلة في ظل المتابعة اللصيقة للمخابرات وأجهزة الترصد الأخرى التابعة للجيش وفروعه العديدة، وفي أكتوبر 2009 ظهرت على شاشة تلفزيون "بردى"، وهي قناة معارضة، للحديث عن تجاوزات الحكومة، وبخاصة الاستمرار غير المبرر لحالة الطوارئ التي أعلنها النظام منذ سنوات وما ترتب عليها من تعليق للدستور وانخراط في ممارسات غير مقيدة بالقانون تسمح بالمتابعة والاعتقال العشوائي منذ الستينيات. وبعد يومين فقط على ظهوري على الشاشة بادرت السلطات السورية باعتقالي وبقيت على ذلك الحال حتى يوليو 2010 حيث صدر ضدي حكم بالسجن بذات التبرير السابق وهو "بث أخبار كاذبة من شأنها إضعاف الروح المعنوية الوطنية". وهذه المرة عندما أفرج عني في 2011 كانت الانتفاضة قد بدأت، وسرعان ما شرع النظام في إعمال قبضته الحديدية وإطلاق آلته القمعية ضد الشعب والمتظاهرين السلميين.

ولكن أمام القمع الوحشي ظلت استجابة المجتمع الدولي هزيلة في أحسن الأحوال، وهو ما ولد إحساساً لدى السوريين بأنهم خُذلوا وتركوا لتدبر مصيرهم. وهكذا أظهر النظام الدولي الذي يفترض فيه حماية المدنيين فشلاً ذريعاً في التحرك الفعال لإنقاذ السوريين. وفي هذا الصدد نسمع جملة من التبريرات التي تسوغ عدم القدرة على التدخل في سوريا لحماية المدنيين على غرار ما شهدته ليبيا. والحقيقة أنه كلما استمر التباطؤ في التدخل لصالح المدنيين زاد الشعور لدى السوريين والمراقبين بأن التدخل الدولي في ليبيا إنما كان يحركه النفط، وذلك على رغم كل الشعارات التي رُفعت بالتدخل لحماية المدنيين ومنع وقوع المجازر. فعلى غرار ما حصل في ليبيا يسقط اليوم آلاف المدنيين في سوريا على أيدي حكومتهم وما زال القتل مستمراً بسبب العجز الدولي.

ومن الخطوات التي يمكن للمجتمع الدولي أن يتخذها لإنهاء معاناة السوريين والتعجيل بسقوط النظام تسليح الجيش السوري الحر، فكما هو حاله اليوم لا يمكن للجيش السوري الحر مواجهة الجيش النظامي إلا ليتكبد الخسارة في ظل التفوق الكبير للنظام في مجال الأسلحة فيما عناصر الجيش الحر لا تملك سوى أسلحة خفيفة بالكاد تكفي للدفاع عن النفس. ولكن إذا كان المجتمع الدولي متخوفاً من تسليح الجيش السوري الحر ورافضاً لذلك فهناك خيار آخر يتمثل في فرض منطقة لحظر الطيران، أو منطقة خالية من السلاح الثقيل. غير أن المجتمع الدولي يبدو أنه ما زال يضع أمله في خطة السلام الأممية التي يرعاها مندوب المنظمة الدولية والجامعة العربية، كوفي عنان، إلى سوريا.

وفيما أشيد بالجهود التي يبذلها كوفي عنان وأتمنى له النجاح في وقف العنف، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى ارتفاع وتيرته، وحتى لو احترمت الهدنة فإنني لا أستطيع التنبؤ بما سيحصل عندما ينزل السوريون إلى الشوارع للمطالبة بسقوط النظام كما أعرف أنهم سيفعلون، فلحدود اللحظة تقول المصادر إن ما لا يقل عن ألف قتيل سقطوا، من بينهم 34 طفلاً، على أيدي نظام الأسد منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار. وفي جميع الأحوال لن يعمر نظام البعث طويلاً بعد 50 عاماً من الحكم الوحشي، ولذا يتعين على المجتمع الدولي مساعدة المعارضة من خلال تمويل قادتها لدعمهم في بناء أحزاب سياسية تستطيع من خلالها ممارسة الحكم، كما عليه المساعدة في إقامة مؤسسات ديمقراطية وتوعية الناس بثقافة المسؤولية السياسية التي تبقى مفهوماً غريباً على السوريين الذين لم يعرفوا طوال السنوات الماضية سوى حكم الأسد غير الديمقراطي، وباختصار نحتاج إلى كل المساعدة الممكنة لتشييد سوريا حرة وعادلة تمثل جميع أبنائها وتحترم حقوق الإنسان والقضاء المستقل وتقدر الحياة الإنسانية.

-*--*--*--*--*--*-*

سوريا: الدولة والمجتمع المدني .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 08 مايو 2012

الاتحاد

تمثل مسألة الدولة والمجتمع المدني واحدة من كبريات المعضلات في سوريا، وتعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وبالمناسبة، كانت سوريا أول بلد يستقل عن الاستعمار (الفرنسي)، وكان ذلك عام 1948. وقد بدأت القوى السورية الاستقلالية بمشروع سياسي ثقافي وطني، شاركت فيه جموع واسعة من كل الطبقات والفئات الاجتماعية، جنباً إلى جنب مع طلائع المؤسسات المدنية من نقابات مهنية عمالية وفلاحية وحِرفية وتعليمية وغيرها. ومن ضمن ذلك برزت الطبقة الوسطى على نحو خاص، ظهر لاحقاً أنها كانت ذات تأثير استثنائي باتجاه مجموعة من القيم المحفّزة على النشاط السياسي والثقافي التنويري، فكان ذلك مِدماكاً في عملية التأسيس للمشروع المذكور. وقد أسهم ذلك في ترسيخ الاستقلال الوطني والوحدة الوطنية، التي انعكست بكيفية بنّاءة في ترسيخ النسيج الوطني ضمن الأديان والطوائف الدينية والأطراف الإثنية والقومية وغيرها، وذلك عبر نشاط واسع ومكثّف شارك فيه الجميع بنسب عالية.

في سياق ذلك، كانت ملامح دولة وطنية تُفصح عن نفسها بمثابتها امتداداً للقوى الوطنية المختلفة من كل الاتجاهات، والتي قامت هي بإنجاز الاستقلال الوطني. وولد في هذا الجو العمومي جيش سوري وطني، حدّد مهمات الدفاع عن الاستقلال العتيد والمحافظة على سوريا حُرة مستقلة، بمثابتها مهماته الكبرى. ولما كان المجتمع السوري ذا حراك سياسي وثقافي ملحوظ، فقد تمكنت القوى الجديدة من اقتحام الحقل السياسي الحزبي، فتشكلت شيئاً فشيئاً حياة حزبية تطال التيارات السياسية والإيديولوجية والثقافية، التي راحت تمتد من أقصى الجمهورية الوليدة إلى أقصاها، وأسهم في تعميق هذا الحراك ما راح يظهر على صعيد التأثر بالفكر الغربي، بل عموماً بالغرب، منذ القرن التاسع عشر، وكان لحركة الترجمة المتعاظمة عن الفكر والحضارة العالميّين دور كبير في إنتاج حراك ثقافي امتدت تياراته من أقصى "اليسار" إلى أقصى "اليمين"، في حينه، من الماركسية إلى تيارات الإسلام السياسي بأطيافه المختلفة، وما بين ذلك، مضافاً إلى ذلك التيار الليبرالي وغيره.

ها هنا ينبغي التنويه بأن ما راح يتعاظم في سوريا الجديدة في إطار المشرع الوطني "السياثقافي"، بدأ يواجه هزّات متصاعدة بخطورتها. وكان ذلك قد تبلور في بروز حركات انقلابية عسكرية قادتها فئات عسكرية مغامرة أو خاضعة لمرجعيات حزبية داخلية، وأخرى ظهر ارتباطها بالخارج عبر عدد من المشاريع الاستعمارية. وقد عنى ذلك أنه أخذ يمتد إلى حقلين اثنين، الجيش الوطني والمجتمع العمومي. وظهرت تأثيرات ذلك حتى في العملية التاريخية الكبرى، التي طرحت نفسها باسم المشروع القومي العربي، ونعني التوحيد بين سوريا ومصر، الذي مثّل في حينه حُلماً عربياً كبيراً. ولتعقيد الموقف واختراقه من قوى "وحدوية" مضادة للديمقراطية الحزبية، استجاب ضباط من الجيش السوري لرغبة عبدالناصر ولقوى أخرى في مصر وسوريا وهي إصدار مرسوم يحظر الأحزاب والحياة الحزبية في كلا البلدين، علماً بأن عبدالناصر أسّس تنظيماً سياسياً، وكان ذلك طريقاً لتفكيك الوحدة الثنائية إيّاها.

لقد جاء تفكيك تلك الوحدة عبر الخطأ (الإجرامي) القاتل، الذي ارتكبه مَن أسّس لها: لقد أنهوا القوى الحية في المجتمع السوري، التي تأسست على مدى عقدين اثنين، أي الحراك السياسي الثقافي على أيدي من كان طرفاً مهماً في التأسيس للمجتمع المدني: المؤسسات المجتمعية، التي نشأت بمثابة امتداد للدولة السورية الناشئة، وقطْع معها، بمعنى أن تكون رقيباً على هذه الأخيرة. وكان ذلك دفْعاً باتجاه حظر الحرية الديمقراطية المُنجزة على امتداد عقدين ونيف. وجاء الانقلاب العسكري لعام 1963 ليتمم العملية، فيصدر قانون الطوارئ، الذي استمر حتى مرحلتنا المعيشة. وفي ظل ذلك تبلورت اتجاهات الاستبداد والاستفراد والفساد، لتحطم آخر ركائز الدولة الوطنية والمجتمع المدني.

-*--*--*--*--*--*-*

تركيا على بوابة دمشق .. حميد المنصوري

تاريخ النشر: الثلاثاء 08 مايو 2012

الاتحاد

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى مرت تركيا بثلاث جمهوريات ذات توجهات سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة. الجمهورية الأولى تمثلت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى1949، وكانت تركيا مهتمة في إصلاحاتها الداخلية، حيث أمست علاقاتها مع الدول العربية ضعيفة، أما الجمهورية الثانية "1950 -1990" فكانت تمتاز بالأحلاف، والتي مثلت فيها تركيا حليف الولايات المتحدة الأميركية والنهج الرأسمالي بشكل عام، وكانت الدول العربية تنظر لتركيا بنظرة الريبة والشك وخاصة عندما تطورت العلاقات التركية الإسرائيلية، ودخلت تركيا حلف الناتو.

ولعل التغير الكبير تجاه الشرق الأوسط أتى بعد تحرير الكويت، وهنا بدأت الجمهورية التركية الثالثة في عام 1991 تهتم بالشرق الأوسط أمنياً "بسبب بروز القضية الكردية في العراق"، كما أن انتهاء الحرب الباردة وفقدان تركيا لدور محوري فيها كان محفزاً كبيراً للبحث عن دورٍ مهمٍ على المستويين الإقليمي والدولي.

إضافة إلى ذلك، أتى بروز دول آسيا الوسطى معززاً لتركيا كفاعل مهم في الشرق الأوسط بسبب العلاقات الخاصة بين الطرفين التاريخية والدينية واللغوية والعرقية أيضاً. وليس غريباً أن يكون أيضاً الفشل التركي في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي قد عكس البوصلة التركية في خلق علاقات اقتصادية وسياسية مع منطقة الشرق الأوسط، ناهيك عن البعد الجغرافي لتركيا بين الشرق الأوسط وأوروبا. ومع الصبغة الإسلامية، فإن حزب "العدالة والتنمية" يبدو أنهُ يسعى إلى تحقيق القوة بأبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية عبر جعل تركيا الفاعل الأبرز في قضايا واستقرار الشرق الأوسط، والذي لا بد وأن ينعكس على علاقاتها الدولية مع الدول الكبرى والمهمة.

ولعل الوضع السوري اليوم وما سيؤول إليه يقدم قراءة مستقبلية لدور تركيا الإقليمي والدولي.

اتسمت العلاقات التركية- السورية بأنها علاقات صراعية بسبب ضم تركيا لأراض من سوريا أهمها كان لواء الإسكندرونه عام 1938، واختلاف التحالفات الإستراتيجية لكلا البلدين، حيث اختارت تركيا السياسات والتوجهات الأطلسية الغربية الرأسمالية، في حين انحازت أغلب الحكومات السورية إلى التوجهات اليسارية والاشتراكية، وامتد النزاع ليشمل المياه، خصوصاً خلال تسعينيات القرن العشرين. كما أن العلاقات التركية- الإسرائيلية كانت محبطة لأي تقارب مع سوريا. وكانت تركيا تتهم الحكومة السورية بإيواء وتدريب عناصر حزب "العمال الكردستاني"، وأنه يستخدم كورقة سياسية ل"زعزعة أمنها"، إضافة إلى أنها كانت تنظر بريبة للعلاقات السياسية بين سوريا واليونان، والعلاقات مع الشطر اليوناني من قبرص، فالعلاقات التركية اليونانية ذات طابع صراعي من قضية قبرص والحدود والموارد البحرية على بحر إيجه ناهيك عن البعد التاريخي. وبعد أن بلغ النزاع أوجه عام 1998 بين البلدين حين هددت أنقرة باجتياح الأراضي السورية بحجة وقف هجمات حزب "العمال الكردستاني"، تغيرت العلاقات التركية- السورية، فبرزت أوجه نحو الحوار والتفاهم لدى الحكومتين السورية والتركية، والذي قاد نحو إقامة علاقات أفضل وأكثر استقراراً بين البلدين، فبدأ التوافق في الجانب الأمني، ثم انتقل إلى الجانب الاقتصادي بقيادة حزب العدالة والتنمية "كاتفاقية التجارة الحرة"، والجانب السياسي " تمثل في لعب أنقرة دور الوسيط بين إسرائيل وسوريا والوقوف مع دمشق ضد سياسات بوش الابن". وتبلورت نظرة تركية لسوريا كمفتاح للتجارة والطاقة مع الدول العربية.

مسار تركيا في الشرق الأوسط قد يتحدد بشكل كبير عبر الوضع الراهن لسوريا المتمثل في صراع نظام "البعث" للبقاء بالقوة على حساب الشرعية والشعب الذي أصبح مصمماً على تغيير وضعهُ الاجتماعي والمادي بنهاية النظام "البعثي". ففي ظل الوضع السوري الراهن، وعبر ما حدث في عام 1998 من نقيض حيث ارتفع الصراع التركي- السوري حول قضية حزب العمال الكردستاني، ثم نتج تفاهم تم في أكتوبر 1998، حيث وقّعت كل من تركيا وسوريا اتفاقية أضنة، التي شملت على شروط في غاية الوضوح لمنع نشاطات حزب العمال الكردستاني في سوريا. وهذه الاتفاقية مطاطية تنص المادة رقم 1 منها على أن سوريا لن تسمح بأي نشاط على أراضيها يهدف إلى المساس "بأمن تركيا واستقرارها" وهنا فالأحداث الجارية في سوريا من صراع دموي بين نظام البعث وشريحة كبيرة من المعارضة والشعب والذي على إثره تم دخول الكثير من السوريين إلى تركيا كلاجئين، فكل هذا ونتيجة له يخلق تهديداً جدياً "لأمن تركيا واستقرارها" ولتركيا الحق في اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، بما في ذلك التدخل المسلح في الأراضي السورية لاحتواء التهديد.

إن دخول تركيا سوريا وارد، حتى وإن لم تستطع الأمم المتحدة حل القضية التي يعترضها "الفيتو" الروسي والصيني، فقد تبرر أنقرة التدخل العسكري باتفاقية أضنة لعام 1998 مع سوريا، كما قد تدعو أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي إلى تطبيق المادة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تفيد بأن أي تهجّم على أي عضو كان في الحلف هو بمثابة هجوم على كافة أعضائه. وهو أمر مرجح الحدوث مع فشل نظام الأسد في تنفيذ خطة عنان، ومع تأمين موافقة المجلس الوطني السوري لإطلاق عمليات مشتركة مع الجيش السوري الحر ضد قوات الأسد، ناهيك عن أن ميزان القوة العسكرية لصالح تركيا بامتياز، كما أن هناك وجوداً لدعم دولي وإقليمي لا يستهان بهِ.

إذا قامت تركيا بدور محوري في إسقاط النظام البعثي السوري، فإن هناك متغيرات سياسية وأمنية واقتصادية سوف تحدث. أولاً المتغيرات السياسية: بروز تركيا كلاعب مهم في استقرار الشرق الأوسط، وتفضيل الدول الكبرى الاعتماد على الدول الإقليمية في تحقيق الأمن والاستقرار. ورغم التقارب الإيراني التركي في القضية الكردية في عدم بروزها في البلدين وأيضاً التعاون في الطاقة، سيحدث توتراً في العلاقات التركية الإيرانية، وستضعف إيران سياسياً بسبب سقوط البعث السوري، وربما يقود ذلك إلى توتر تركي مع العراق بقيادة المالكي. رغم هذا سوف تتطور العلاقات العربية التركية إلى مرحلة أكثر قوة.

ثانياً المتغيرات الأمنية: فعلى المستوى التركي ربما تواجه تركيا القضية الكردية في سوريا والعراق كما في تركيا بتحريك من دول لا ترغب في بروز الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط. أما المستوى الإقليمي قد تصبح تركيا رادعاً للقوة الإيرانية في المنطقة، وفي هذه الحالة سيكون الحلف الأطلسي جزءاً من الردع بسبب عضوية تركيا.

ثالثاً المتغيرات الاقتصادية: لا شك أن تكون هناك مكاسب اقتصادية مهمة مثل تعزيز التجارة والاستثمار بين تركيا والدول العربية، وستلعب سوريا دوراً مهماً في ذلك مثل تصدير الطاقة إلى تركيا وأوروبا، إضافة إلى تصدير واستيراد البضائع والسلع بين تركيا والأقطار العربية عبر سوريا. وهناك دول خارج الشرق الأوسط لابد لها من دعم تركيا في جوانب الاقتصاد والتكنولوجيا بسبب الدور الذي قد يتزايد أهميتهُ في استقرار المنطقة.

أخيراً، تركيا مع المجلس "الوطني السوري" والقوى السورية المعارضة للنظام، تستطيع إسقاط النظام، كما أن أنقرة لابد وأن تأخذ بعين الاعتبار الموقف السياسي من موسكو وبكين، وهنا هل تستطيع تركيا إرضاء موسكو وبكين بمكاسب معينة ثم تسعى إلى إسقاط النظام السوري في سبيل تحقيق معادلة أمنية واقتصادية جديده لها في منطقة بدأت تسقط أنظمتها الواحد تلو الآخر؟.

-*--*--*--*--*--*-*

تحليل سياسي ...أو حديث رغبات ومخاوف .. زهير سالم*

يلقي بعض المعارضين بوجهك القول بدون عودة إلى تحليل أو تقرير : أنا أخاف على مبادرة كوفي عنان . أو يقول قاصدا المعارضة السورية : الذين يُطلقون النار على مبادرة عنان لا يحسنون تقدير البدائل أو العواقب . حديث يشبه كثيرا في منطلقاته وآفاقه قول أحدهم للطبيب الذي يتابع معطيات المختبرات : قولك إن حالة والدي السريرية خطيرة مخيف جدا . وستكون له تداعياته الكارثية ، وأنت لا تعلم حجم انعكاس مثل هذه الكارثة ، على أسرتنا الصغيرة والكبيرة وعلى حينا وعشيرتنا ...!!!

 

بعض الناس في المجتمعات المتخلفة يطلقون على الطبيب الذي يحمل إليهم خبرا عن مريضهم لا يعجبهم . وهكذا يفعل معنا اليوم بعض الساسة أو بعض المعارضين – ومع الأسف اختلط الأمر علينا – حين نشير إلى حالة الاحتضار التي اقترنت بمبادرة عنان منذ ولادتها ، والتي نرفض حتى الآن أن نبادر إلى نعيها مع علمنا أنها نفقت ، ليس بسببنا وإنما بسبب موقف النظام منها ، وممارسة السيد كوفي عنان نفسه في التجاوز على بنودها .

 

حين تعلن المعارضة السورية أو بعض فصائلها أن على كوفي عنان أن ينعى مبادرته ، فهي تفعل ذلك بلغة الطبيب الذي لا يملك أن يغير ما تقوله نبضات القلب وضغط الدم وتحاليل المختبرات . نعم قد يشترك الكثير من السوريين في الرغبات . فنحن كنا نريد لمبادرة عنان أن تنجح . وفكرنا طويلا في انعكاساتها الإيجابية على أبناء شعبنا فيما لو أتيح لها الجد والصدق في الالتزام والتنفيذ . ونحن أيضا تخوفنا أكثر من بدائلها السيئة التي لا تغيب كما يزعم البعض عنا . ولكننا من موقع المسئولية الوطنية نستطيع أن نميز جيدا بين ما نحب ونرغب ونفضل ونتمنى وبين ما هو أمر واقع قائم على الأرض شئناه أو أبيناه . نعلم أن علينا ألا نتعلق بأمانينا ، وأن لا نبقى أسرى مخاوفنا . ونؤمن أن إكرام ميتنا في دفنه مهما كان عزيزا علينا ، أو كانت مكانته كبيرة فينا ، أو كان في فقده كبير التأثير على حياتنا ...

 

لم يقبل النظام مبادرة كوفي عنان إلا لفظيا . وهذا ما لا يمارينا فيه أحد . واسترسل معه مجلس الأمن والسيد بان كيمون وكوفي عنان في ذلك لأسباب تخصهم ، بعضها دولي ، وبعضها ظرفي . وأرادوا لشعبنا أن يدفعوا ثمن لعبتهم السمجة من دماء أبنائه ، و مستقبل ثورته ، وأريد للمعارضة السورية أن تكون شاهد الزور على كل ذلك ؛ وهذا الذي نرفضه ونأباه ...

 

رضي السيد كوفي عنان أن يجعل مخرجات مبادرته كبديلها . من حقنا مع عشرات القتلى الذين يسقطون يوميا ، ومن حقنا مع تخلي السيد كوفي عنان عن بقية بنود مبادرته أن يكون خوفنا الواقع من هذه المبادرة وتداعياتها أكبر من تخوفنا المتوقع من بدائلها . بل نحن أقدر على التحكم ببدائلها والسيطرة عليها أكثر من قدرتنا على التحكم بمبادرة قرارها قسمة ضيزى بين بشار وعنان . ومن المهم جدا كمعارضة سورية أن نفكر ببدائل أكثر أمنا وأكثر جدوى على مستقبل ثورتنا . وبدلا من أن يلح علينا البعض على ضرورة التمسك بالخيار السيء خوفا من البديل الأسواء !!! من السهل جدا أن نتصور مبادرة عنان وكأنها لم تكن . كان وما يزال فيتو من أي طرف دولي قادرا على إسقاط ( الأمل ) الذي يحاصر خيال البعض السياسي فكأنه القدر الذي لا مفر منه .

 

منذ أشهر تشكلت مجموعة أصدقاء الشعب السوري للتفكير خارج إطار مجلس الأمن . ولكن القوى الدولية المتهربة من تحمل مسئولياتها الإنسانية جعلت سقف تفكيرها في هذه المجموعة أوطأ من سقف مجلس الأمن . إنه منهج التيئيس نفسه الذي تحاصر به قوى دولية ومحللون سياسيون ومعارضون سوريون الشعب السوري ليستسلم بالنهاية للمخطط المرسوم (العودة إلى بيت الطاعة والعيش بكرامة تحت سقف البسطار !!! ) كل حدث دولي أو إقليمي أو داخلي يمكن أن يفت في عضد الثوار ، أو يخلخل موقف المعارضة تتابع من يبدئ فيه ويعيد فتلا بالذروة والغارب لا يخفي أصحابها وهم يتلذذون بشرحه وتفسيره بسماتهم العراض .

 

بعض المعارضين السوريين لم أسمعهم يوما مبشرين !!! لم أتابعهم مرة ميسرين !!! هم دائما منفرين معترضين معارضين لكل ما يقوم به الشعب الثائر أو ما تجتهد به المعارضة السورية الداعمة !!!! . دائما يغلقون أبواب الأمل . ويسدون منافذه ويفعلون ذلك بالتأكيد باسم الموضوعية والواقعية والرؤية السياسية .

 

وفي كل مرة تسمع دائما أحاديث الخوف و التخوف والتخويف وكأن القوم قد خلقوا حقا من الخوف نفسه . الخوف على .. والخوف من ... والخوف لئلا .. ثم يردفون هذه التخوفات بالحديث عن إسرائيل التي ستكون بزعمهم المستفيد الوحيد من ثورة الربيع العربي وتداعياته ؛ أرجوكم إلا هذه يكفي كفى كفاية وكفكفكفان ؛ فقد أترعت إسرائيل وأمرعت في ظل النظام الذي ترون في غيابه نصرا لها . لقد دفعت أجيال من شعوبنا أعمارها وكرامتها خوفا من الغول الذي ما زلتم تعتقدون أن مجرد ذكره يكفي لقلب كل معادلة على أصحابها إنه حديث المستبدين نفسه وإنها لغتهم عينها ...

الثلاثاء 8/5/2012م

*مدير مركز الشرق العربي

-*--*--*--*--*--*-*

عرس ديمقراطي في سوريا!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

8-5-2012

سيحسد العالم أجمع شعب سوريا على الانتخابات النزيهة والشفافة التي نكتب هذه السطور بينما هي تجرى في طول البلاد وعرضها لاختيار مجلس شعب جديد، فيما سنسمع هذا اليوم الثلاثاء عن النتائج التي تمخضت عنها، إن لجهة نسب الاقتراع العالية، أم لجهة الفائزين من أعضاء حزب البعث العتيد، وأحزاب المعارضة العظيمة!!

سيشعر الأوروبيون بالكثير من الغيرة لأنهم لا يحصلون على فرصة ديمقراطية كالتي تكرَّم بها بشار الأسد على الشعب السوري، وسيتمنون لو أن الله قد منَّ عليهم برئيس عظيم مثله يأتي من صلب رئيس عظيم سابق، بعد أن جرى تغيير الدستور لينطبق على مقاسه في غضون دقائق بعد أن عقمت أرحام السوريات عن إنجاب بطل بقامته العالية!!

هنا ثمة صناديق اقتراع وأحزاب معارضة (نعم معارضة) تشارك في الانتخابات إلى جانب الحزب الحاكم الذي يضع قادته أيديهم على قلوبهم خشية تنكر الشارع لإنجازاتهم والتصويت للمعارضين، ربما من باب الضجر لا أكثر، مع أن أحدا لا يثق بتلك الأحزاب التي لا تملك برامج عظيمة كتلك التي يملكها الحزب الحاكم الذي ينجب مبدعين من أمثال رامي مخلوف يتمكنون في غضون سنوات قليلة من مراكمة المليارات بعصاميتهم وإبداعهم الذاتي!!

هل بوسع أحزاب المعارضة أن تقدم للشعب السوري أبطالا من أمثال ماهر الأسد وآصف شوكت ورامي مخلوف؟ كلا بالطبع، لكن الحزب الحاكم المبدع لا يركن إلى ذلك ويبذل قصارى جهده في إقناع الناخبين بإنجازاته حتى اللحظة الأخيرة!!

نتحدث بهذه الروحية الساخرة لأن السخرية وحدها هي ما يصلح لمتابعة هذا المشهد العبثي الذي يجري أمام أعين العالم، ومن ضمنه المراقبون الدوليون الذي يجوبون البلاد من أجل تتبع خطى الإرهابيين الذين يقتلون الناس في الشوارع، وبالطبع إلى جانب عناصر الأمن والشبيحة الذين يضحون بأرواحهم من أجل حماية الشعب قنابل الإرهاب!!

هو فصل هزلي آخر من دون شك، تماما كما كان حال الدستور الجديد الذي فصَّله عباقرة النظام على مقاس الرئيس الملهم كي يجري الحفاظ على إنجازات النظام والثورة، وتماما كما هو حال الاستفتاء على الدستور الذي مرَّ هو الآخر بإرادة الشعب الحرة!!

ثم يأتي قادة حزب الله، وفي مقدمتهم الأمين العام ليحدثونا عن النوايا الإصلاحية للرئيس الملهم، وليطالبوا الشعب السوري بمنحه مزيدا من الفرص كي يعزز الإصلاحات التي بدأها منذ مجيئه إلى السلطة عقب وفاة والده!!

هو نظام أعمى من دون شك، ولو كان يملك القليل من بعد النظر لبادر إلى دستور تعددي من النوع “السويسري”، ولشكل حكومة وحدة وطنية من قيادات المعارضة من أجل استيعاب الوضع المتفجر، وبالطبع لأن نظاما يتحكم بالجيش وبعدد كبير من الأجهزة الأمنية ذات الخبرة الطويلة في ممارسة القمع وترهيب الناس لن يكون عاجزا عن إدامة سيطرته على الأوضاع حتى في ظل حكومة يقودها المعارضون السابقون الذين لن يكون بوسعهم التمرد على نظام أمني مهما منح لهم من صلاحيات.

إنه العمى السياسي الذي سيقود هذا البشار إلى حتفه، تماما كما قاد بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي، بل إن فرصته في الحصول على نهاية كتلك التي حصل عليها علي عبد الله صالح قد تلاشت من الناحية العملية بعد أكثر من 11 ألف شهيد ومئات الآلاف من المعذبين، أكانوا في السجون أم المنافي أم من أصحاب البيوت المدمرة.

إنه نظام يسير إلى حتفه، ولم يعد بالإمكان الحديث عن إصلاحات ولا تسويات معه، وحتى بعض من يسمون أنفسهم معارضة الداخل، لم يجدوا في مواجهة اتساع رقعة القتل غير الحديث عن إسقاط النظام وليس إصلاحه كما كانوا يفعلون من قبل.

نعلم أن الأجواء الدولية، وربما العربية أيضا لا تبدو في صالح الشعب السوري، الأمر الذي يركن إليه النظام إلى جانب دعم إيران وحلفائها منقطع النظير، لكن إرادة الشعب السوري ستنتصر في نهاية المطاف، ومن يتابع هذا الكم من الإصرار بين صفوفه يدرك أن النهاية باتت معروفة تماما، وإن عجز المراقبون عن الجزم بتوقيتها.

-*--*--*--*--*--*-*

الانتخابات السورية...الأزمة تزداد تعقيداً .. عريب الرنتاوي

الدستور

8-5-2012

في سوريا، لا احد معنيٌ بالانتخابات النيابية بذاتها...الأنظار هناك تتجه صوب شيء آخر...نسبة الاقبال على الانتخابات...هل المشاركة طوعية أم الزامية تحت الضغط والتهديد وسيف الخوف...هل جرت في مختلف المناطق السورية، خصوصاً المناطق الأكثر اشتعالاً (حمص، حماة، ادلب دير الزور والأرياف)....الوضع الأمني في يوم الاقتراع....القوى المشاركة في الانتخابات، خصوصاً بعد أن أعلنت مختلف فصائل معارضة الداخل والخارج وتنسيقيات الثورة مقاطعتها للانتخابات...حصاد الأحزاب الكرتونية التي سُجّلت مؤخراً...خريطة الطريق الالتفافي التي شقها “الحزب القائد للدولة والمجتمع” للقفز على تعديل المادة 8 من الدستور القديم....الى غير ما هنالك من مفارقات في الزمن السوري العجيب والمؤلم.

هي انتخابات شكلية لا أكثر ولا أقل...تعمّق أزمة النظام بدل أن توفر مخرجاً لسوريا...انتخابات تنهض كشاهد على افلاس ما يسمى “المشروع الاصلاحي للرئيس”، وبؤس الخيار الأمني والعسكري للنظام....هي انتخابات تؤكد “حالة الانكار” التي تعيشها الحلقة الأضيق للسلطة السياسية والأمنية المتحكمة برقاب البلاد والعباد في سوريا...والمؤكد أن الثامن من أيار، لن يختلف عن السادس منه، وأن يوميّات الأزمة السورية، لن تتأثر بهذه المسرحية العابثة والمُملة.

كيف يمكن للانتخابات أن تكون تعبيراً عن مختلف ألوان الطيف السياسي والتعددية السورية، وقد قاطعتها مختلف القوى السياسية والاجتماعية (أللهم الا اذا اعتبرنا قدري جميل ممثلاً شرعياً للمعارضة)....كيف يمكن لانتخابات أن تجري فيما مناطق شاسعة من سوريا، ما زالت تعيش تحت سيف الطوارئ والأحكام العسكرية...كيف يمكن لانتخابات أن تعقد فيما مئات ألاف السوريين موزعين على المنافي الداخلية والخارجية وخلف القضبان وغياهب الفقد والمجهول...كيف يمكن لانتخابات أن تجري فيما القوانين السارية ما زالت تُجرّم بالاعدام، كل من ينتمي الى جماعة الاخوان...كيف يمكن للانتخابات أن تجري فيما النظام ما زال مُصرّاً على نفي وجود المعارضة، أو وصفها بالعصابات الاجرامية والارهابية، من دون تمييز بين معارضة وأخرى؟...أسئلة وتساؤلات، لم يجد النظام والناطقون باسمه والمصفقون له في كل محفل، من حاجة للتفكير بها أو الاجابة على أيٍ منها.

كان يمكن للانتخابات أن تكون بداية خروج من المأزق لو أنها استبقت بأربع خطوات رئيسة:

أولاً، وقف جميع العمليات الحربية، والتمييز بين ما هو تهديد أمني/ارهابي من جهة، ونشاط سلمي لمختلف قوى المعارضة والحراكات والتنسيقيات الشبابية من جهة ثانية، وتطبيع الحياة العامة في البلاد، فوراً ومن دون ابطاء

ثانياً: الافراج عن كافة المعتقلين والسجناء، وتشكيل لجان تحقيق في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت منذ اندلاع الانتفاضة، والسماح بعودة المهجرين والمشردين والمنفيين، سواء الذين غادروا سوريا مؤخراً، أو الذي سبق لهم وأن غادورها قبل ازيد من ثلاثة عقود، والغاء كافة القوانين التي تجرّم المعارضة والانتماء للأحزاب السياسية كافة.

ثالثاً: الاعلان عن حل مجلس الشعب واقالة الحكومة، وتشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم مختلف أطياف المعارضات، تنظيم انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً للبلاد، ورزمة مؤقتة من القوانين الناظمة للعمل الوطني العام وتشرف بشكل خاص على وضع قانون انتخاب توافقي ومؤقت.

رابعا: تحديد جدول زمني قريب، لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية “مبكرة”، تؤسس لتداول سلمي للسلطة، وتحفظ قواعد التعددية وحرية الرأي والتعبير والتنظيم، من دون اقصاء لأحد، وتحت اشراف عربي ودولي مناسب.

لو فعلها النظام، لكانت أنظار العالم تتجه الآن الى ما تحتويه صناديق الاقتراع في سوريا، ولأصبحت الانتخابات استحقاقاً جوهرياً في تاريخ سوريا المعاصر، وتتويجاً لطي صفحة الأزمة والاحتراب وشلال الدم الجاري في مختلف أرجاء البلاد...لكن النظام الذي لم يقبل بخطوات أقل من هذه، ما كان منتظراً منه، أن يقبل بما ذهبنا اليه.

يوم آخر مضى من أيام الأزمة السورية المفتوحة على شتى الاحتمالات، ولن يكون له ما بعده، لأن لا شيء قبله يشي بتغيير في عقلية النظام وسلوكه...وللأزمة صلة.

-*--*--*--*--*--*-*

نحو غربلة سياسية لقوى المعارضة السورية .. باسل أبو حمدة

2012-05-07

القدس العربي

بينما كانت القوى السورية المعارضة للنظام، أفراداً وجماعات، متوجسةً ومتخوفةً من إِعلان مواقفها علانيةً في الأشهر الأولى من عمر الثورة السورية، جاءَت الفترة التي أعقبتها، والمستمرة، حافلة بالمبادرات والمؤتمرات والائتلافات والتكتلات السياسية وشبه السياسية، في مخاض عسير كان ينقصه، ولا يزال، الانفتاح والحوار بين مجموعة الشخصيات والقوى السياسية المكونة لهذا الحراك السياسي، والتي راحت تتبارز في تشكيل كيانات سياسية، أقل ما يقال فيها، أَو عنها، إنها غير ناضجة، أو خلقت ميتة، أو تفتقر لمقومات الوجود السياسي ومسوغاته، وحتى شرعيته، لا بل إِن كثيراً منها، إن لم نقل معظمها، قام على أساس المبادرة الفردية، وربما المصلحة الشخصية الضيقة أَيضاً.

وجد عدد من الشخصيات، المتلفحة بعباءَة البراغماتية، لكي لا تتهم بالانتهازية، في التطور الدراماتيكي للأَحداث في سوريا، ومحيطها والعالم، أَرضاً خصبةً لبذر مطامع باتت تشكل حجر عثرة أَمام التوصل إِلى صيغةٍ واحدةٍ وموحدةٍ للعمل السياسي المشترك، الذي لا يختلف عاقلان على أَنه الرافعة الوحيدة الكفيلة باستمرار هذه الثورة، بما هي عليه من زخمٍ، حتى الوصول إِلى غاياتها النهائية التي لا يشكل إِسقاط النظام فيها سوى حلقة واحدة في سلسلة المهام والواجبات المترتبة على عاتق الثورة مجتمعة، وعلى عاتق كل قوة وشخصيةٍ فيها.

في هذا المشهد الملبد بغيوم النزعات الفردية، والمطامع الشخصيةِ المريضة والضارة، شكلت ضرورات العمل السري، أَحياناً الذريعة المفضلة والسهلة، للتماهي مع حالة التفرد والاقصاء والتقليل من شأن الآخرين، وازدرائهم، حتى لو كان ذلك على حساب الثورة وأَهدافها، وتجاوزاً لتضحيات السوريين المنخرطين في الثورة، بشهدائهم وجرحاهم ومعتقليهم ولاجئيهم والملاحقين منهم، وذلك، بعد أَن تراجعت شعارات الثورة الأساسية، المطالبة بالحرية والكرامة، إِلى الخلف، مفسحة الطريق أَمام ظهور تكتيكات وآليات عمل مجتزأة من سياقها الوطني العام، لتوضع في بوتقة تكتلات ضيقةٍ، لا ترى أَبعد من أَنف القائمين عليها ومصالِحهم الفردية.

خلف هذا الجدار الانتهازي السميك، راحت تتوارى القوى الحقيقية الفاعلة على الأَرض، وصاحبة المصلحة الحقيقية بالتغيير التي تعتبر وقود ثورةٍ كان يصعب، حتى وقت قريب، تصديق إِمكانية اندلاعها بهذا العنفوان، في ظل القبضة الحديدة للنظام الفاشي الحاكم في سوريا، بينما بدأَت تظهر كيانات سياسية هزيلة، هنا وهناك، كان من شأنها تمييع الخارطة السياسية للقوى الثورية في سوريا، وخلط حابل ضرورات العملية الثورية بنابل المصالح الضيقة، بحيث بات المواطن السوري، أَو المراقب للوضع السوري، في حاجةٍ إلى عدسة مكبرة، حتى يتبين حقيقة ما يراه من توالد مسعور لتلك الكيانات التي بات ملحاً رفع شعار غربلتها وتقنينها في مجرى العمل الوطني الأصيل، من خلال فتح الباب على مصراعيه للحوار، في جو لا وجود للغة الاقصاء فيه، وكان من الممكن أَنْ تكون الخطوة الأولى، أَو إِحداها، في هذا الاتجاه، هي الإِسراع إِلى عقد مؤتمر وطني سوري شامل، يضم الجميع من دون استثناء، أَو استعلاء، ويرمي إِلى وضع استراتيجيةٍ ثوريةٍ، ترقى بالعمل الوطني إِلى مستوى تطلعات الناس وآمالهم المعقودة على هزيمة النظام، وبناء سوريا الجديدة.

راحت هذه الدعوة إلى عقد مؤتمر من هذا النوع تتراجع، على إيقاع الإعلانات المتسارعة والمتعاقبة، في القاهرة وغيرها من مدن وعواصم العالم، عن ظهور مزيد من تلك التشكيلات الفطرية العرجاء، التي لا تعيش إلا في الغرف المعتمة في محاكاة لأَقبيةِ أَجهزة المخابرات السورية التي تدعي تلك التشكيلات أَنها تسعى لإسقاط النظام الذي تحميه، بينما تتلون أطيافها الفكرية والسياسية وفقاً لمعطيات اللحظة الراهنة، فمن الممكن أَنْ تتبدّل الأرضية الفكرية لهذه التشكيلة، أَو تلك، بين عشية وضحاها، طالما أَنَّ ذلك يؤمن لها، كما يعتقد رموزُها، وصولاً سريعاً وسلساً، ليس إِلى قلب الخارطة السياسية لأطراف القوى المعرضة للنظام فحسب، وإِنما في الخارطة السياسية لسوريا ما بعد رحيل النظام الفاشي فيها.

الطامة الكبرى في هذا المشهد غير السياسي تكمن في الاختراقات المحتملة الكبرى للحراك الثوري السوري، وهي إختراقات بحاجةٍ إِلى فتح ملف خاص بها. لكن، على ضوء معطيات القوة المالية واللوجستية والخبرة الطويلة، يشي الواقع بأَنَّ أَجهزة المخابرات السورية والعربية والعالمية ليست في منأى عن هذا المشهد، وقد تكون نجحت، فعلاً، في إِحداث ذلك الاختراق المزدوج الأَمني السياسي، بهدف حرف ذلك الحراك عن مسارِه الطبيعي، خصوصاً وأن قواه وشخصياته لا تزال رهينةَ الداعمين والمانحين على المستويات، المحلي والاقليمي والدولي. وبالتالي، فإن حتى الدعوة إلى حوار أو مؤتمر وطنيين تبقى قاصرةً، إن لم تسبقها عملية تطهير حقيقيةٍ لجسم الثورة من الأدران الانتهازية والأورام السرطانية والكتل المشبوهة، حتى لا يتسنّى لها أن تتربع على عرش الثورة، تمهيداً لتربعها على رأس السلطة في سوريا الجديدة.

كل ذلك يدعو إِلى فتح ملف غربلة تلك القوى والأفراد، ليس في الفنادق ذات النجوم الخمس خارج سوريا، وإِنما على أَرضها، ومن خلال صيرورة المواجهة الحقيقية مع آلة النظام القمعية.

' كاتب سوري

-*--*--*--*--*--*-*

ملهاة الانتخابات السورية ودلالتها

الوطن القطرية

التاريخ: 08 مايو 2012

يأتي إعلان المعارضة السورية نيتها تشكيل مظلة دستورية في الداخل السوري، تتكون من مؤسسات موازية وبرلمان ثوري مؤقت، رداً بليغاً على السلوك الإقصائي الذي يمارسه النظام السوري، والذي يمزق خطة عنان إرباً إرباً، ليس فقط باستئنافه العنف من وراء ظهر المراقبين، وأمامهم، بل بلجوئه أيضا إلى قطع الطريق على كل فرص الحوار السياسي بينه وبين المعارضة - رغم أن الحوار نص أصيل - في خطة عنان، من خلال الانتخابات التشريعية التي يفبركها اليوم، تحت قصف المدافع، وانفجارات القنابل، وفي مدن سوريا التي تحول معظمها إلى مدن أشباح، ولم يعد من بينها مدن محايدة، بل انضمت جميعها إلى الثورة والثوار، إثر فرار سكانها من طغيان النظام، واللجوء إلى العراء بدلا من موت محقق تتحلل جثثه، لأن النظام لم يقتل فقط من تشيع جنازاتهم، بل إنه أيضاً لا يتورع عن قتل المشيعين.

الانتخابات التشريعية بالأمس، والتي سيزوّرها النظام، بلا ريب، تأكيد ثانٍ على عدم جدية النظام في اعتناق خطة عنان، والالتزام بها، بل إنها بمثابة مداورة ومحاورة استعراضية ومسرحية عبثية، سيلعب فيها أراجوزات النظام أدواراً هزلية بغيضة، لا يمكن أن تعبر عن سوريا الجديدة التي تتوق إلى الحرية والعصرنة والازدهار وإعادة البناء.

من ذلك فإن هذه المظلة الدستورية التي تزمع المعارضة إنشاءها في الداخل، هي في واقع الأمر إعلان تحدٍ، ودليل على قوة المعارضة من جانب، وارتخاء قبضة سلطة النظام من جانب آخر، فضلاً عن ذلك فإن المعارضة بهذه المظلة التشريعية الجديدة تشفّر رسالة إلى دول الفيتو مفادها : أنتم وراء نظام يفقد شرعيته، وأن الشرعية الحقيقية، التي تنبثق عن شرعية الثورة يجري إنضاجها رغم أنف النظام.

-*--*--*--*--*--*-*

سوريا: الدولة والمجتمع المدني .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 08 مايو 2012

الاتحاد

تمثل مسألة الدولة والمجتمع المدني واحدة من كبريات المعضلات في سوريا، وتعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وبالمناسبة، كانت سوريا أول بلد يستقل عن الاستعمار (الفرنسي)، وكان ذلك عام 1948. وقد بدأت القوى السورية الاستقلالية بمشروع سياسي ثقافي وطني، شاركت فيه جموع واسعة من كل الطبقات والفئات الاجتماعية، جنباً إلى جنب مع طلائع المؤسسات المدنية من نقابات مهنية عمالية وفلاحية وحِرفية وتعليمية وغيرها. ومن ضمن ذلك برزت الطبقة الوسطى على نحو خاص، ظهر لاحقاً أنها كانت ذات تأثير استثنائي باتجاه مجموعة من القيم المحفّزة على النشاط السياسي والثقافي التنويري، فكان ذلك مِدماكاً في عملية التأسيس للمشروع المذكور. وقد أسهم ذلك في ترسيخ الاستقلال الوطني والوحدة الوطنية، التي انعكست بكيفية بنّاءة في ترسيخ النسيج الوطني ضمن الأديان والطوائف الدينية والأطراف الإثنية والقومية وغيرها، وذلك عبر نشاط واسع ومكثّف شارك فيه الجميع بنسب عالية.

في سياق ذلك، كانت ملامح دولة وطنية تُفصح عن نفسها بمثابتها امتداداً للقوى الوطنية المختلفة من كل الاتجاهات، والتي قامت هي بإنجاز الاستقلال الوطني. وولد في هذا الجو العمومي جيش سوري وطني، حدّد مهمات الدفاع عن الاستقلال العتيد والمحافظة على سوريا حُرة مستقلة، بمثابتها مهماته الكبرى. ولما كان المجتمع السوري ذا حراك سياسي وثقافي ملحوظ، فقد تمكنت القوى الجديدة من اقتحام الحقل السياسي الحزبي، فتشكلت شيئاً فشيئاً حياة حزبية تطال التيارات السياسية والإيديولوجية والثقافية، التي راحت تمتد من أقصى الجمهورية الوليدة إلى أقصاها، وأسهم في تعميق هذا الحراك ما راح يظهر على صعيد التأثر بالفكر الغربي، بل عموماً بالغرب، منذ القرن التاسع عشر، وكان لحركة الترجمة المتعاظمة عن الفكر والحضارة العالميّين دور كبير في إنتاج حراك ثقافي امتدت تياراته من أقصى "اليسار" إلى أقصى "اليمين"، في حينه، من الماركسية إلى تيارات الإسلام السياسي بأطيافه المختلفة، وما بين ذلك، مضافاً إلى ذلك التيار الليبرالي وغيره.

ها هنا ينبغي التنويه بأن ما راح يتعاظم في سوريا الجديدة في إطار المشرع الوطني "السياثقافي"، بدأ يواجه هزّات متصاعدة بخطورتها. وكان ذلك قد تبلور في بروز حركات انقلابية عسكرية قادتها فئات عسكرية مغامرة أو خاضعة لمرجعيات حزبية داخلية، وأخرى ظهر ارتباطها بالخارج عبر عدد من المشاريع الاستعمارية. وقد عنى ذلك أنه أخذ يمتد إلى حقلين اثنين، الجيش الوطني والمجتمع العمومي. وظهرت تأثيرات ذلك حتى في العملية التاريخية الكبرى، التي طرحت نفسها باسم المشروع القومي العربي، ونعني التوحيد بين سوريا ومصر، الذي مثّل في حينه حُلماً عربياً كبيراً. ولتعقيد الموقف واختراقه من قوى "وحدوية" مضادة للديمقراطية الحزبية، استجاب ضباط من الجيش السوري لرغبة عبدالناصر ولقوى أخرى في مصر وسوريا وهي إصدار مرسوم يحظر الأحزاب والحياة الحزبية في كلا البلدين، علماً بأن عبدالناصر أسّس تنظيماً سياسياً، وكان ذلك طريقاً لتفكيك الوحدة الثنائية إيّاها.

لقد جاء تفكيك تلك الوحدة عبر الخطأ (الإجرامي) القاتل، الذي ارتكبه مَن أسّس لها: لقد أنهوا القوى الحية في المجتمع السوري، التي تأسست على مدى عقدين اثنين، أي الحراك السياسي الثقافي على أيدي من كان طرفاً مهماً في التأسيس للمجتمع المدني: المؤسسات المجتمعية، التي نشأت بمثابة امتداد للدولة السورية الناشئة، وقطْع معها، بمعنى أن تكون رقيباً على هذه الأخيرة. وكان ذلك دفْعاً باتجاه حظر الحرية الديمقراطية المُنجزة على امتداد عقدين ونيف. وجاء الانقلاب العسكري لعام 1963 ليتمم العملية، فيصدر قانون الطوارئ، الذي استمر حتى مرحلتنا المعيشة. وفي ظل ذلك تبلورت اتجاهات الاستبداد والاستفراد والفساد، لتحطم آخر ركائز الدولة الوطنية والمجتمع المدني.

-*--*--*--*--*--*-*

تركيا على بوابة دمشق .. حميد المنصوري

تاريخ النشر: الثلاثاء 08 مايو 2012

الاتحاد

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى مرت تركيا بثلاث جمهوريات ذات توجهات سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة. الجمهورية الأولى تمثلت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى1949، وكانت تركيا مهتمة في إصلاحاتها الداخلية، حيث أمست علاقاتها مع الدول العربية ضعيفة، أما الجمهورية الثانية "1950 -1990" فكانت تمتاز بالأحلاف، والتي مثلت فيها تركيا حليف الولايات المتحدة الأميركية والنهج الرأسمالي بشكل عام، وكانت الدول العربية تنظر لتركيا بنظرة الريبة والشك وخاصة عندما تطورت العلاقات التركية الإسرائيلية، ودخلت تركيا حلف الناتو.

ولعل التغير الكبير تجاه الشرق الأوسط أتى بعد تحرير الكويت، وهنا بدأت الجمهورية التركية الثالثة في عام 1991 تهتم بالشرق الأوسط أمنياً "بسبب بروز القضية الكردية في العراق"، كما أن انتهاء الحرب الباردة وفقدان تركيا لدور محوري فيها كان محفزاً كبيراً للبحث عن دورٍ مهمٍ على المستويين الإقليمي والدولي.

إضافة إلى ذلك، أتى بروز دول آسيا الوسطى معززاً لتركيا كفاعل مهم في الشرق الأوسط بسبب العلاقات الخاصة بين الطرفين التاريخية والدينية واللغوية والعرقية أيضاً. وليس غريباً أن يكون أيضاً الفشل التركي في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي قد عكس البوصلة التركية في خلق علاقات اقتصادية وسياسية مع منطقة الشرق الأوسط، ناهيك عن البعد الجغرافي لتركيا بين الشرق الأوسط وأوروبا. ومع الصبغة الإسلامية، فإن حزب "العدالة والتنمية" يبدو أنهُ يسعى إلى تحقيق القوة بأبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية عبر جعل تركيا الفاعل الأبرز في قضايا واستقرار الشرق الأوسط، والذي لا بد وأن ينعكس على علاقاتها الدولية مع الدول الكبرى والمهمة.

ولعل الوضع السوري اليوم وما سيؤول إليه يقدم قراءة مستقبلية لدور تركيا الإقليمي والدولي.

اتسمت العلاقات التركية- السورية بأنها علاقات صراعية بسبب ضم تركيا لأراض من سوريا أهمها كان لواء الإسكندرونه عام 1938، واختلاف التحالفات الإستراتيجية لكلا البلدين، حيث اختارت تركيا السياسات والتوجهات الأطلسية الغربية الرأسمالية، في حين انحازت أغلب الحكومات السورية إلى التوجهات اليسارية والاشتراكية، وامتد النزاع ليشمل المياه، خصوصاً خلال تسعينيات القرن العشرين. كما أن العلاقات التركية- الإسرائيلية كانت محبطة لأي تقارب مع سوريا. وكانت تركيا تتهم الحكومة السورية بإيواء وتدريب عناصر حزب "العمال الكردستاني"، وأنه يستخدم كورقة سياسية ل"زعزعة أمنها"، إضافة إلى أنها كانت تنظر بريبة للعلاقات السياسية بين سوريا واليونان، والعلاقات مع الشطر اليوناني من قبرص، فالعلاقات التركية اليونانية ذات طابع صراعي من قضية قبرص والحدود والموارد البحرية على بحر إيجه ناهيك عن البعد التاريخي. وبعد أن بلغ النزاع أوجه عام 1998 بين البلدين حين هددت أنقرة باجتياح الأراضي السورية بحجة وقف هجمات حزب "العمال الكردستاني"، تغيرت العلاقات التركية- السورية، فبرزت أوجه نحو الحوار والتفاهم لدى الحكومتين السورية والتركية، والذي قاد نحو إقامة علاقات أفضل وأكثر استقراراً بين البلدين، فبدأ التوافق في الجانب الأمني، ثم انتقل إلى الجانب الاقتصادي بقيادة حزب العدالة والتنمية "كاتفاقية التجارة الحرة"، والجانب السياسي " تمثل في لعب أنقرة دور الوسيط بين إسرائيل وسوريا والوقوف مع دمشق ضد سياسات بوش الابن". وتبلورت نظرة تركية لسوريا كمفتاح للتجارة والطاقة مع الدول العربية.

مسار تركيا في الشرق الأوسط قد يتحدد بشكل كبير عبر الوضع الراهن لسوريا المتمثل في صراع نظام "البعث" للبقاء بالقوة على حساب الشرعية والشعب الذي أصبح مصمماً على تغيير وضعهُ الاجتماعي والمادي بنهاية النظام "البعثي". ففي ظل الوضع السوري الراهن، وعبر ما حدث في عام 1998 من نقيض حيث ارتفع الصراع التركي- السوري حول قضية حزب العمال الكردستاني، ثم نتج تفاهم تم في أكتوبر 1998، حيث وقّعت كل من تركيا وسوريا اتفاقية أضنة، التي شملت على شروط في غاية الوضوح لمنع نشاطات حزب العمال الكردستاني في سوريا. وهذه الاتفاقية مطاطية تنص المادة رقم 1 منها على أن سوريا لن تسمح بأي نشاط على أراضيها يهدف إلى المساس "بأمن تركيا واستقرارها" وهنا فالأحداث الجارية في سوريا من صراع دموي بين نظام البعث وشريحة كبيرة من المعارضة والشعب والذي على إثره تم دخول الكثير من السوريين إلى تركيا كلاجئين، فكل هذا ونتيجة له يخلق تهديداً جدياً "لأمن تركيا واستقرارها" ولتركيا الحق في اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، بما في ذلك التدخل المسلح في الأراضي السورية لاحتواء التهديد.

إن دخول تركيا سوريا وارد، حتى وإن لم تستطع الأمم المتحدة حل القضية التي يعترضها "الفيتو" الروسي والصيني، فقد تبرر أنقرة التدخل العسكري باتفاقية أضنة لعام 1998 مع سوريا، كما قد تدعو أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي إلى تطبيق المادة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تفيد بأن أي تهجّم على أي عضو كان في الحلف هو بمثابة هجوم على كافة أعضائه. وهو أمر مرجح الحدوث مع فشل نظام الأسد في تنفيذ خطة عنان، ومع تأمين موافقة المجلس الوطني السوري لإطلاق عمليات مشتركة مع الجيش السوري الحر ضد قوات الأسد، ناهيك عن أن ميزان القوة العسكرية لصالح تركيا بامتياز، كما أن هناك وجوداً لدعم دولي وإقليمي لا يستهان بهِ.

إذا قامت تركيا بدور محوري في إسقاط النظام البعثي السوري، فإن هناك متغيرات سياسية وأمنية واقتصادية سوف تحدث. أولاً المتغيرات السياسية: بروز تركيا كلاعب مهم في استقرار الشرق الأوسط، وتفضيل الدول الكبرى الاعتماد على الدول الإقليمية في تحقيق الأمن والاستقرار. ورغم التقارب الإيراني التركي في القضية الكردية في عدم بروزها في البلدين وأيضاً التعاون في الطاقة، سيحدث توتراً في العلاقات التركية الإيرانية، وستضعف إيران سياسياً بسبب سقوط البعث السوري، وربما يقود ذلك إلى توتر تركي مع العراق بقيادة المالكي. رغم هذا سوف تتطور العلاقات العربية التركية إلى مرحلة أكثر قوة.

ثانياً المتغيرات الأمنية: فعلى المستوى التركي ربما تواجه تركيا القضية الكردية في سوريا والعراق كما في تركيا بتحريك من دول لا ترغب في بروز الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط. أما المستوى الإقليمي قد تصبح تركيا رادعاً للقوة الإيرانية في المنطقة، وفي هذه الحالة سيكون الحلف الأطلسي جزءاً من الردع بسبب عضوية تركيا.

ثالثاً المتغيرات الاقتصادية: لا شك أن تكون هناك مكاسب اقتصادية مهمة مثل تعزيز التجارة والاستثمار بين تركيا والدول العربية، وستلعب سوريا دوراً مهماً في ذلك مثل تصدير الطاقة إلى تركيا وأوروبا، إضافة إلى تصدير واستيراد البضائع والسلع بين تركيا والأقطار العربية عبر سوريا. وهناك دول خارج الشرق الأوسط لابد لها من دعم تركيا في جوانب الاقتصاد والتكنولوجيا بسبب الدور الذي قد يتزايد أهميتهُ في استقرار المنطقة.

أخيراً، تركيا مع المجلس "الوطني السوري" والقوى السورية المعارضة للنظام، تستطيع إسقاط النظام، كما أن أنقرة لابد وأن تأخذ بعين الاعتبار الموقف السياسي من موسكو وبكين، وهنا هل تستطيع تركيا إرضاء موسكو وبكين بمكاسب معينة ثم تسعى إلى إسقاط النظام السوري في سبيل تحقيق معادلة أمنية واقتصادية جديده لها في منطقة بدأت تسقط أنظمتها الواحد تلو الآخر؟.

-*--*--*--*--*--*-*

الثورات.. ومأزق الانتقال للديموقراطية! .. يوسف الكويليت

الرياض

6-5-2012

كثر الجدل حول الثورات العربية، البعض رآها مبادرات من شباب لا ينتمون لتنظيم أو حزب أو تحركهم جهات أجنبية، وأن الأحزاب والمنظمات الراسخة التنظيم هي التي جنت الفائدة، واستطاعت أن تهيمن على الانتخابات البرلمانية، أو الحكومية، وأن من قاموا بهذا الدور ظلوا خارجها تماماً، وقد تحولوا إلى صوت خافت في صخب القوى المحلية الأخرى..

الاستقرار، أم الفوضى؟ السؤال المطروح على دول الربيع، فكل هذه الدول تعاني اقتصادياً وأمنياً، والتدخلات الخارجية موجودة، سواء دولية أو إقليمية أو عربية، فدول المغرب ممن لم تتعرض لعواصف الثورات، تخشى انتقال العدوى إليها، لكن الحالة القائمة ربما لا تجعل الخطر قادماً، إذا عرفنا أن تونس لا تزال في حالة تجاذب وعدم استقرار، وليبيا تمرّ في وضع أكثر حرجاً قد يؤدي إلى التقسيم..

وفي المشرق تمرّ الظروف بنفس الإيقاع، وعدا سورية التي انتقلت القضية بها من وضع داخلي، إلى نزاع دولي، فالمستقبل ضبابي وسط قتال شرس بين جيش السلطة والجيش الحر، والميدان مفتوح لمفاجآت قادمة، وعموماً فالحالة الراهنة قلبت التوقعات، أي أن الاحتفال بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية لم يعد غاية، لأنها بحكم المنتهية، لكن مخلفاتها بقيت تضغط على الحياة العامة، سواء من بقي من مناصري السلطات القديمة، أو من حاول جني مكاسب من حالة عدم التوازن، وهذا ما يخيف المحللين السياسيين أن المرور من الدكتاتورية إلى الديموقراطية وفي بلدان تعمها البطالة، والتدهور الاقتصادي ونضوب الموارد الخارجية، ستجعل الأولويات للأمن والخبز والوظيفة، بينما القوى المتصارعة على السلطة تطرح مشروعات على الورق دون تحليل الواقع من أوجهه المختلفة، مما سيحدث صدمة في الشارع العام إذا ما وجد أن الواقع بدأ يأخذ مساراً لا يلبي الاحتياجات الأساسية..

هناك دول على خط النار، فالسودان يعيش حالة حرب مع جنوبه الذي انفصل عنه وكل يتحدث عن ذرائعه، وحالة الاقتصاد في البلدين أسوأ مما كان، وربما يصعب إيجاد حلول تنهي الصراع، وتبدأ التجاور السلمي، لأن الاحتقان الذي تركته سنوات الحرب الطويلة لا يزال يخيم على العقل السياسي بكلا البلدين، وعدم تحديد الحدود وإنهاء إشكالاتها فالدروب وعرة إن لم تكن غير سالكة على المدى البعيد..

في العراق تدور لغات التخوين والحكم الدكتاتوري، والفساد وتمكن إيران من القبض على العصب السياسي والاقتصادي، وهذا يرشحه إلى خلق فوضى، ومع أن كلاً من العراق والسودان ليسا طرفين فيما حدث بدول الربيع، فإن حالتهما تدخل ذات النفق..

الديموقراطية تحتاج إلى مناخ وأدوات ووعي وإمكانات اجتماعية ومادية تُهيئ لدورة الانتقال من حال سابقة إلى ظرف جديد، ولا نقول هناك تشاؤم من النجاح، لكن هناك مخاوف بدأت تبرز تطرح أبعاداً لم تكن بذهن من احتفلوا بهذه الثورات، والخشية أن يحدث فراغ كبير يُلجئ العسكر أن يكونوا البديل، بدلاً من تردي الأوضاع وانفجارها.

-*--*--*--*--*--*-*

لم يطيعوه في سورية.. لأنه ماعاد يستخفّهم .. د. وائل مرزا

كيف يُمكن لنظامٍ سياسي أن يُرسّخ في واقعٍ بشري يحكمهُ الفناء والموت شعاراً يقول (قائدُنا إلى الأبد..)؟!

الأحد 06/05/2012

المدينة

{فاستخفّ قومه فأطاعوه}.

تُفسّرُ الآية المذكورة بشكلٍ عبقري طبيعة العلاقة بين شعبٍ يتعرّض للإذلال والإهانة والاحتقار، ونظامٍ سياسيٍ يقوم بتلك الممارسات ويُسلّطها عليه.

على مدى أكثر من أربعة عقود، استخفّ النظام السوري بشعبه إلى درجةٍ لاتكاد تُصدّق. لن يُدرك المرء معنى الكلام مالم يكن سورياً. فمن الشعارات إلى الممارسات، ومن القوانين إلى السياسات، كان واضحاً أننا بإزاء نظام حكمٍ يرى من يُفترض أن يكونوا (مواطنين) على أنهم أقلّ من الحشرات.

كيف يُمكن لنظامٍ سياسي أن يُرسّخ في واقعٍ بشري يحكمهُ الفناء والموت شعاراً يقول (قائدُنا إلى الأبد..)؟! لم يقف الأمر عند ادّعاء الخلود بالقول وبشكلٍ مباشر، وإنما تجاوز ذلك إلى ادّعاء درجةٍ من الألوهية، بلسان الحال وبشكلٍ غير مباشر. فكل فعلٍ قام به النظام على مرّ الأيام كان يوحي بوجود قناعةٍ عميقةٍ في قرارة نفسه بأنه يهب الموت والحياة، ويعطي الرزق ويمنعه، ويتحكم بمصائر العباد والبلاد في كل مجال.

في أيّ بلدٍ من هذا العالم يمكن لعريفٍ جاهلٍ في الجيش أن يُخيف رئيسه، نقيباً كان أو عقيداً أو لواءً، ويأمره بما يجب أن يفعل ليل نهار، ويجعل (خدمة الوطن) همّاً بدون نهاية؟

من الذي قال بأن رجل الأعمال في بلدٍ كان مضرب المثل في الطبيعة التجارية لشعبه لايستطيع أن يُطور عملاً دون شراكةٍ مع مفسدٍ كبير؟

متى كان الوزير في أي نظامٍ سياسي يرتجف رعباً من حاجبٍ لديه، أو من سكرتيره في أحسن الأحوال؟ بل متى كان هذا الوزير أو رئيس الوزراء مُجرّد (ممسحةٍ) يمسح بها الحاكم حذاءه؟ فلا يكونَ له أمرٌ أو نهيٌ دون إشارةٍ من ضابط أمنٍ تخجل القذارة من اقترانه بها؟

كيف كان يحق لأصغر مُخبرٍ شأناً وإنسانيةً أن يتبختر بين عامة الناس كأنه إلهٌ قادر؟

بأي حقٍ يُنعت بلدٌ راسخٌ في الحضارة والتاريخ بأنه (سورية الأسد)؟

لم يكن لكل هذا أن يحدث لولا أن ذلك النظام (استخفّ) قومه. والاستخفاف هنا يعني فقدان الإنسان لشعوره بقيمته كإنسان، حتى قبل أي حديث عن شعوره بحقوقه الطبيعية والشرعية والقانونية. والاستخفاف يعني فقدان المرء لأي درجةٍ من درجات الإرادة في مقاومة الظلم لاستعادة تلك القيمة واسترداد هذه الحقوق.

لكن هذا كُله كان قبل انطلاق ثورة الحرية والكرامة.

سأستعير من الصديق إياد شربجي إحصائية قام بها منذ أسبوعين لنعرف معنى أن يرفض الشعبُ الاستخفاف. واستخدم حرفياً مااستخلصه من تلك الإحصائية.

يقول إياد: «عليكم الآن أن تقرؤوا هذه الأرقام لتتعرفوا على حقيقة شعبكم العظيم:

مليون ومئتي ألف مهجّر داخل البلاد من المناطق الأكثر نشاطاً في الثورة، 220 ألف مهجّر وهارب خارج البلاد، 28 ألف معتقل، 8 آلاف مختفي قسري، 13 ألف شهيد، 42 ألف مطلوب للجهات الأمنية تجري ملاحقتهم، 1100 منزل مدمر تدميراً كاملاً، 19 ألف منزل مدمر تدميراً جزئياً، 240 ألف عنصر عسكري وأمني ومدني يشاركون بقمع الثورة، 1800 حاجز أمني وعسكري مسلّح يقطّع أوصال المناطق الثائرة، 1200 عربة عسكرية ثقيلة تساهم في قمع الثورة (دبابات- مضادات للطيران- حاملات رشاشات ثقيلة- عربات مضادة للدروع- مدفعية..)، 218 واقعة مسجلة لاستخدام الطائرات الحربية والهيلوكوبتر في الرماية والقصف، انهيار اقتصادي أثّر بشكل مباشر على حياة الناس ومعيشتهم وضيق الخناق عليهم، حصار شامل وقطع مستمر لوسائل الحياة الأساسية (الكهرباء- الماء- الاتصالات- المحروقات..)، تواطؤ وتخاذل وعجز دولي لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلاً.

رغم كل هذه الأرقام والحقائق المفزعة الكفيلة بالتأكيد بوأد أعظم الثورات الشعبية في العالم مهما بلغت قوتها وعظمتها.

رغم كل ذلك سجل يوم الجمعة 20 نيسان (جمعة سننتصر ويهزم الأسد) الرقم الأعلى بعدد التظاهرات في سورية منذ انطلاق الثورة السورية وبواقع 822 مظاهرة.

أعزائي.. هذه الثورة خارج كل التوقعات والحسابات..هذه الثورة حدث جلل سيترك بصمة لن تنسى في تاريخ البشرية..هذه الثورة سيكتب فيها مجلدات، وسيصّور عنها آلاف الأفلام وستكون موضوعاً لشهادات الدكتوراه حول العالم.هذه الثورة..هي بصمة السوريين وحدهم..أيها العالم.. أنتم الآن في حضرة الشعب السوري العظيم.. طأطئوا رؤوسكم أمام هذا المارد القادم».

صدقت يا إياد، وذهبت إلى غير عودة أيام الاستخفاف.

-*--*--*--*--*--*-*

من دروس الثورة السورية: لا تسوية مع النظام .. علي العبدالله()

المستقبل

6-5-2012

لم تكن الثورة السورية وليدة عمل حزبي أو منظم، فقد أطلقتها قوى اجتماعية غير منظمة أو مسيسة في الأغلب الأعم. لذا فقد استحقت وصف ثورة شعبية بجدارة، ولهذا فقد عرفت مواقف وممارسات عفوية غير منسقة وغير نمطية. ممارسات متغيرة، متطورة. وقد ترتب على هذه الانطلاقة وهذه السمة نتائج ودروس يمكن إجمالها بالآتي:

1 انفجرت الثورة احتجاجا على واقعة اعتقال تلاميذ في مدينة درعا وتعذيبهم من قبل مخابرات النظام، ولم يكن في ذهن من تظاهر لا مشروع محدد للتغيير ولا الثورة على النظام، وقد تطور الهدف ردا على معالجة النظام القمعية والهمجية، فانتقلت من الاحتجاج إلى إسقاط النظام، مرورا بالإصلاح. وقد تطور اداء الثوار وأخذت تتشكل أطر عملياتية تحت مسميات عدة: تنسيقيات، مجلس ثورة، مجلس قيادة ثورة، مجلس ثوار، وفق نسق مفتوح وسري في الوقت نفسه، تقوم بدور تنظيم التظاهرات من تحديد الشعار، الى تسمية الجمعة، مرورا بتجهيز اللافتات، وتأمين وسائل لعلاج الجرحى. ثم تطورت مع التصعيد في استخدام الاسلحة من قبل قوات النظام ومخابراته وشبيحته، وتزايد عدد الجرحى، الى مشافي ميدانية، ناهيك عن اغاثة الاسر والمدن والبلدات والقرى المنكوبة ببطش النظام بتوفير اغذية وألبسة... الخ.

تطورت العفوية وردات الفعل مع مرور الوقت الى تبلور وعي بطبيعة المواجهة مع النظام، باعتبارها ثورة من اجل الحرية والكرامة، وهذا يستدعي اسقاط النظام وإقامة نظام ديموقراطي تعددي تداولي، والى فعل منظم له ملامح واضحة وخطط قريبة وأخرى بعيدة، أدى الى دخول مدن وبلدات وقرى في المواجهة / الثورة بشكل متواتر، والى تبني رؤى سياسية وبرامج مستقبلية. ما عنى ان الفجوة بين النظام والشعب كبيرة والقطيعة النفسية بينهما عميقة جدا، وان المجتمع السوري يختزن طاقات كبيرة في انتظار من يفجرها، ولكن عدم وجود قوة سياسية قادرة على ذلك لعب دورا في تأخير انفجار الثورة حتى جاءت ثورات الربيع العربي فلعبت دور المفجر.

2 - لم يستطع النظام الاستبدادي تفهم مشاعر المواطنين المعادية له، ناهيك عن مواقفهم الرافضة لبقائه، فهذه في نظره من المحرمات، والرد عليها يجب ان يكون حاسماً وعنيفاً وقاسياً إلى أبعد الحدود. لذا جاء رد النظام، ومنذ اللحظة الأولى، على التظاهرات السلمية، دموياً، عبّر فيه عن صدمته من موقف المواطنين منه، ورفضه المطلق لحقهم في الاحتجاج والخروج عليه، وعن تمسكه بالوضع القائم، ورفضه لأي تغيير مهما كان حجمه أو مستواه. وهذا يفسر تصعيده لعمليات القتل واستخدامه لأسلحة ثقيلة وفتاكة، وقصفه المدن والبلدات والقرى بالدبابات والراجمات والهاونات والمروحيات. واستهداف مستلزمات الحياة اليومية، من ماء وكهرباء ومحروقات وأفران، وصولا الى الذبح للنساء والأطفال واغتصاب الفتيات والنساء على اسس طائفية.

غير ان العنف والقتل المنهجي أعطى نتيجة عكسية، فبدلاً من كسر إرادة المواطنين وإعادتهم الى القمقم، الى حال الخوف المديدة التي كانوا فيها، جذب جموعاً جديدة من المواطنين إلى الثورة ووسع التظاهرات وطور الأهداف، فكلما زاد توحش النظام وتصاعد قتله وتنكيله زادت الكراهية وزاد لهيب الثورة.

3 ادى استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها، افقياً وعمودياً، وصمود المواطنين وتضحياتهم الكبيرة، الى تحرك المجتمع الدولي، بحيث تصاعدت الادانات وصدرت قرارات بمعاقبة رموز النظام، بالتوازي مع تصاعد عمليات القتل والتنكيل، كما صدرت مبادرات للحل. لكن رفض النظام لهذه المبادرات، وتمسكه بالبقاء في السلطة، دوّل القضية، وحوّل سوريا إلى ساحة للصراع الدولي وللمقايضة على المصالح بين القوى الاقليمية والدولية ولتصفية الحسابات فيما بينها.

4 أدى عنف النظام واستخدامه المفرط لكل الاسلحة المتوفرة لديه وتبنيه لخيار عسكري حربي، بعد فشل الحل الأمني البوليسي، الى دفع عدد متزايد من العسكريين للانشقاق عن الجيش، وتشكيل كتائب تحت اسم الجيش السوري الحر، والى ميل المواطنين لاستخدام السلاح دفاعاً عن النفس والأهل. وقد ترتبت على ذلك نتيجتان، الأولى حدوث قطيعة نفسية بين المواطنين والنظام، وتحوّل في مشاعرهم ازاء النظام بكليته، وانتقالها من الولاء الى الولاء الجزئي فالرفض الكامل. والنتيجة الثانية تبلور نمطين من النشاط في الثورة سلمي وعنفي، وخطين في ادارة المواجهة، تظاهرات ومعارك بالسلاح، أحدهما يتغذى على الآخر بحيث يتراجع النشاط السلمي/ التظاهرات في المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة. ومعها خسارة التظاهرات آلاف المشاركين نتيجة لتغير الاساليب والأدوات، وهي ظاهرة موضوعية حدثت في الانتفاضتين الفلسطينيتين الاولى والثانية. والعكس صحيح، كلما تراجع استخدام السلاح، تقدم المتظاهرون وانتعشت حركة الاحتجاج السلمي. ومن جهة ثانية حصول مواجهات مباشرة بين الجيش والجيش الحر، في حرب غير متكافئة بسبب اختلال ميزان القوى كمّاً ونوعاً لصالح جيش النظام، وهذا أدى الى إلحاق خسائر كبيرة بالأرواح بين المواطنين وعناصر الجيش الحر على حد سواء، بالإضافة إلى الأضرار المادية الجسيمة التي تلحق بالمدن والبلدات والقرى، نتيجة اعتماد الجيش الحر على تكتيك حرب المواقع، بينما يقضي المنطق العسكري الالتفاف على اختلال ميزان القوى، باعتماد تكتيك حرب العصابات، والتوزع الى مجموعات صغيرة سريعة الحركة، تنتشر في طول البلاد وعرضها، بحيث تدفع الجيش الى الانتشار على مساحات واسعة، تبعده عن مصادر إمداده، وتجعل الدعم اللوجستي صعبا، ويستغرق وقتا طويلا، ما يضع جنود وضباط النظام في حال نفسية صعبة، نتيجة تعرضهم لهجمات مباغتة من مجموعات الجيش الحر. هكذا وبسبب النقص في الإمداد، وبوجود مجموعات تقاتل وفق قاعدة اضرب واهرب، بحيث تستنزف قدرات الجيش وتنهك رجاله، من دون أن تمنحه فرصة استثمار تفوقه في العديد والعدد. لكن ما يحدث هو الدخول في مواجهة مباشرة، تمنحه فرصة تسجيل انتصارات على الثورة، كما حصل في بابا عمرو وادلب والزبداني وغيرها. وهاتان النتيجتان قادتا الى تراجع عدد المتظاهرين في مناطق الاشتباكات المسلحة وتكبد الثوار خسائر عسكرية في هذه المواقع، وهذا اعطى انطباعا سلبيا وكأن الثورة تتراجع وتفقد شعبيتها، والنظام يحقق انتصارات ويستعيد السيطرة على الارض.

5 - كشفت الثورة المستمرة والمتصاعدة عجز النخبة السياسية السورية، ونقاط ضعفها، فقد بدت لحظة انفجار الثورة معزولة عن الواقع الشعبي، وقد تجلى ذلك في تفاجئها بالحدث نتيجة لقراءتها غير الدقيقة للواقع المحلي، حيث لم تحسن تقدير المزاج الشعبي، وتتلمس النار المتقدة تحت الرماد، ولم تتوقع حصول ثورة، وبهذه القوة، كما انكشف عجزها في طروحاتها وفي ادائها العملي، حيث كشف تحركها العملي، عبر الندوات والمؤتمرات والصيغ الجبهوية (تحالفات، ائتلافات) عن نمطية تكرر وصفات لم تثبت نجاعتها في الماضي، وهي تحاول ترويجها في ظروف ثورة مشتعلة. وقد توزعت قواها على مواقف متعددة متباينة بين من التحق بالثورة، وهم قلة قليلة، وشارك فيها بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ومن يريد ركوب موجة الثورة من دون فعل حقيقي، ومن يريد حلا وسطا مع النظام، رأى انه السقف الذي يمكن ان تبلغه الثورة، ومن اثار هواجس ومخاوف من الثورة وتداعياتها على المجتمع والدولة على خلفية طبيعة القوى التي تتظاهر والتي تهيمن على الشارع، والعمل على احتواء الثورة.

لقد كشف الشعب، وخاصة جيل الشباب، بثورته، اغتراب النخبة السياسية السورية العميق وانفصالها عن المجتمع الذي تعيش فيه، لذا كانت استجابتها الأولى للحدث العظيم مرتبكة ومتخبطة وعاجزة عن الفعل، لم تجد في وعيها وخبراتها، التي كوّنتها في العمل السري وفي الغرف المغلقة والصالونات والمقاهي، أجوبة للأسئلة التي طرحتها الاحتجاجات الشعبية، ناهيك عن الامراض الذاتية التي طفت على السطح: شخصنة المواقف، وذاتيات متضخمة، وحساسيات، ومعارك تصفية حسابات في لحظة سياسية تستدعي نقيض ذلك، لحظة تستدعي ايجابية عميقة وتضحية ونكران ذات، تستدعي تجاوز الوعي التقليدي وتجاوز النمطية، تستدعي استجابة سريعة للمتغيرات وسعة خيال لإبداع تصورات وحلول تخدم الحدث وتدفعه الى الامام، الى الاستمرار والصمود في وجه نظام متوحش، والانتصار عليه، وتحقيق الأهداف، وتستدعي الانخراط في الحدث، والتكيف مع المتغير، والتفاعل مع الثوار، وبخاصة جيل الشباب، وإجراء اعادة تقييم للذات وللبرامج القديمة والتعاطي مع الثورة وفق مقتضياتها لا وفق خبرات كشف الواقع الحي عدم صلاحيتها.

لقد واجهت النخبة السياسية السورية لحظة سياسية شديدة الزخم والفعالية، برتابة ونمطية فجة، وبحلول مكررة أخرجتها من جعبتها التي علاها الغبار والصدأ، لتكشف عن حالة تصلب شرايين سياسي عميق وعجز عن التكيف والفعل المبدع الخلاق.

نجحت قوى اجتماعية غير منظمة، شبابية في قسمها الأعظم، في ردها الحاسم على الاهانة والمذلة، في تحريك قطاعات واسعة من الشعب، وزجها في أتون حدث ثوري كبير وعظيم، على خلفية السعي لاستعادة الحرية والكرامة المسلوبتين، ومازالت بالرغم من المعاناة العظيمة والتضحيات الجسيمة مستمرة في المواجهة ومصرة على بلوغ هدفها في الحرية والكرامة.

النظام من جهته اعتمد، ومنذ اليوم الأول، على القوة المفرطة. وقد صعّد عنفه مؤخراً في مواجهته للقوى الشعبية السلمية والمسلحة بتبني سياسة الارض المحروقة، وهو في سباق مع الزمن علّه ينجح في أحد أمرين: دفع المبادرات والحلول السياسية المطروحة الى طريق مسدود، وإجبار القوى العربية والدولية على الانسحاب من الساحة، والتخلي عن البحث عن حل، وتركه يواجه الشعب بالطرق التي يرتئيها، أو سحق الثورة وفرض امر واقع، والاحتفاظ بالسلطة، والتكيف مع مرحلة من العزلة، قد تطول قبل أن يعود، بحكم الأمر الواقع، الى الحظيرة العربية والدولية.

أما لمن ستكون الغلبة، فالتاريخ وروح العصر ينحازان الى الشعوب، والثورة السورية ثورة شعب وهي تسير مع التاريخ، وخدمة لتحرر الانسان ورقيه، ولسوف تنتصر وتحقق اهدافها في الحرية والكرامة.

-*--*--*--*--*--*-

ما زال أهل حمص يدفعون ثمن تحدّيهم للأسد .. هالة قضماني

عن صحيفة "ليبراسيون" (24 نيسان 2012)

المستقبل

6-5-2012

على الرغم من توافد مراقبي الامم المتحدة الى سوريا، استمر النظام بالإنقضاض على حمص عاصمة الثورة، وعلى أهلها....

الخميس 22 من نسيان الماضي كان يوماً مشهوداً بالنسبة لسكان حمص؛ اذ لم تسقط على المدينة قذيفة واحدة، ولم تسمع أية طلقة رصاص. على أحد شرائط "اليو تيوب" اسرّ حاتم قمحية بأن الهدوء يسبّب له "الدوار". اذ كان اليوم الأول الذي يرى فيه هذا المواطن السيتيني النور بعد مكوثه أياماً طويلة في الظلام، مختفياً تحت الارض في حي الخالدية الشهير. وقف اطلاق النار الذي فرضه مشروع كوفي أنان استمر يومها أربعة وعشرين ساعة. كانت استراحة قصيرة، نسيها أهل حمص بسرعة. ففي اليوم التالي عاد القصف المكثف على أحياء حمص الشمالية، ومنها الخالدية، حيث قتل حاتم بعدما كان يحاول إنقاذ جيرانه الجرحى.

وعلى الرغم من وصول عشرة مراقبين غير مسلحين من الامم المتحدة، ومن مكوث إثنان منهما يوم السبت الفائت في مدينة حمص، فان قوى النظام المسلحة ما زالت تركز هجماتها على المدينة.

"عاصمة الثورة" لا تتوقف عن دفع ثمن تحدّيها لسلطة بشار الاسد. ثلث سكانها، من أصل مليون نسمة، الذين اضطروا للبقاء تحت نيران القاذفات الصاروخية ورصاص القناصة، لا يستطيعون اجتياز شارع واحد للانتقال من حيّ الى آخر. فيما الفارون منهم يتعرّضون لكل أشكال التنكيل والنهب والقمع.

حسب تقرير بان كي مون، الأمين العام للامم المتحدة، فان الحماصنة هم الأكثرية من بين عشرات الآلاف من اللاجئين السورين في لبنان والاردن، ومن بين المليون لاجىء داخل سوريا نفسها. منازلهم المهجورة احتُلت ونُهبت على "يد عصابات مسلحة" بحسب بروباغاندا النظام، أو على يد جيشه واتباعه بحسب العديد من الشهادات. تروي سيدة أعمال حمصية تركت مدينتها ووصلت الى دمشق: "جنود الجيش سرقوا كل شيء، حتى ثيابي الداخلية!". ففي حي الانشاءات، الميسور نسبياً، حيث تسكن هذه السيدة، شنّت قوات النظام حملات عقابية ضد تجاره لأنهم ساعدوا سكان حيّ بابا عمرو.

وفي وسط المأساة، تحضر الفكاهة السوداء. حمصية تشكتي على موقع الفايس بوك من ان منزلها ومنزليّ أخوتها الاثنين قد "نظِّفت تماما". فكان ردّ أحد مرتادي الشبكة، واسمه ابو حمزة الحمصي: "ما يطمئن في الحادثة انه، اثناء غيابنا، كان هناك من يهتم بمنازلنا. هكذا نعود اليها وهي نظيفة تماما".

اذا كان الأكثر حظا من بين أهل حمص قد وجدوا ملاذا في منازل أقاربهم وأصدقائهم، فان مصير عشرة آلاف عائلة وصلت الى محيط دمشق هو مصير مأساوي. نصف هذه العائلات استقر في حيّ السيدة زينب، جنوب العاصمة، وهو حيّ معروف، يحج اليه الشيعة، وتحيطه أحياء عشوائية وبؤس هائل؛ ويأوي منذ عدة سنوات لاجئين عراقيين.

العائلات الاخرى موزّعة في مختلف الضواحي الفقيرة للعاصمة. والتضامن المذهل لغالبية الدمشقيين تجاه أهل حمص المشرّدين سمحت لللاجئين الحماصنة بالاستمرار على قيد الحياة. لكن اجهزة المخابرات تنقض ايضا على المضيفين. خلود، وهي شابة ناشطة تقوم بمساعدة اهل حمص، وتعمل في السرّ طبعا، قالت لنا على "السكايب": "بوسعنا الحصول على مساكن خالية، وعلى ثياب وطعام يقدمها لنا بعض اهالي العاصمة. ولكن المهمة تزداد صعوبة. فالافراد الخمسة لعائلة وصلت الى حيّ المعضمية اوقفوا بعد يومين من وصولهم، ومعهم العائلة التي استقبلتهم".

حول الضاحية الشمالية لضاحية قدسايا، التي استقبلت لوحدها اكثر من الف عائلة حمصية، تقول خلود: "الناس يترددون الآن في تقديم المساعدات، وذلك تجنبا للتوقيف والتحقيق على يد قوات المخابرات الذين وصل بها الامر الى حدّ إقلاق الاطباء الذين يهتمون بالمرضى الحمصيين". الشاب بلال زعيتر مثلا اعتقل بعدما وزّع هدايا على اطفال حمص بمناسبة عيد الفصح. أصدقاء الشاب أذاعوا الخبر ونظموا حملة لاطلاق سراحه.

الحماصنة في دمشق يخشون التجول في العاصمة وجوارها، كي لا يضطروا لإبراز هوياتهم للرجال الواقفين على نقاط التفتيش. وهم معرضون لمختلف اصناف التنكيل والتعسف على يد رجال "الامن"، خصوصا عندما يكونوا عاجزين عن الاجابة على اسئلة هؤلاء العملاء الفاسدين. اما ان يتنقل الحمصي داخل العاصمة من دون اوراق ثبوتية، فان عقوبته تكون أشدّ.

حادثة اثارت صدمة المشتركين في شبكات التواصل في بداية نيسان الماضي بعدما سحقت القنابل مدينة حمص: وهي قصة ثلاثين يتيما لا يتجاوز عمرهم الثلاث سنوات، وبعضهم رضع، كان مجهولون قد رموهم في شوارع دمشق. بيوت الايتام والمؤسسات المتخصصة رفضت استقبالهم، وطالبت بأوراقهم الثبوتية، ولو كانت تحت انقاض المدينة المدمرة.

من بين كل الفظاعات التي ارتكبت في حمص، فان اغتصاب النساء والبنات من قبل جنود النظام وعملائه هي من أكثرها صعوبة على الكشف، وذلك خوفا من العار والثأر. طبيب نسائي في دمشق أسرّ لمحيطه بأن طفلة عمرها تسع سنوات اغتصبها "ستة خازير" عند الاستيلاء على بابا عمرو، وهو لا يجروء على الكشف عن نفسه خوفا من "الاختفاء"، كما حصل لطبيبين دمشقيين عالجا جرحى من حمص. لا احد يفلت من عقوبات نظام بشار الاسد ضد المدينة التي ترمز الى الثورة عليه.

-*--*--*--*--*--*-*

انتخابات ودبابات .. عبدالله إسكندر

الأحد, 06 مايو 2012

الحياة

يظهر التصاعد في وتيرة الحركة الاحتجاجية في كل المناطق السورية عموماً، وفي الايام القليلة الماضية في كل من دمشق وحلب خصوصاً، ان حل الازمة المندلعة منذ زهاء 15 شهراً لا يزال بعيد المنال او هكذا يبدو، سواء الحل الامني الذي تعتمده السلطات او الحل الدولي - العربي الذي يتعثر عند بنده الاول.

فالحكم السوري يستخدم كل ما لديه من قوة وقدرة سياسية من أجل فرض حله، من دون ان يتمكن من الوصول الى هدفه. المعارضة الداخلية لا تزال معبأة في الشارع حيث يمكنها ذلك، فتتظاهر وتقدم الضحايا، من دون ان تتمكن من فرض وتيرة اصلاحية تطالب بها. و»الجيش الحر» الذي اعلن ان مهمته حماية المتظاهرين يجد نفسه عاجزاً حتى عن حماية أنصاره من آلة القتل الرسمية. اما المعارضة السياسية في الخارج، خصوصاً «المجلس الوطني»، فهي مشغولة بأوضاعها وخلافاتها والتفاوت في تقديراتها وتكتيكاتها اكثر من التركيز على كيفية الخروج من مأزق اللاحل. والمجتمع الدولي وصل الى اقصى ما تسمح به الظروف الحالية، عبر اجماع مجلس الامن على خطة كوفي انان، لكنه ما زال عاجزاً عن تثبيت تنفيذ البند الاول من اجل الانتقال الى الحل السياسي.

الواقع ان الحكم السوري لا يزال قادراً على فرض وتيرته على الوضع، انطلاقاً من تصوره للحل الممكن. وليس من دون معنى، انه يعتبر ان البلاد تستعيد عافيتها، والسلطات الحكومية اعادت فرض سيطرتها والمواطنين مقتنعون بخطواته الاصلاحية، الى حد انه دعاهم الى الاقتراع في انتخابات تشريعية غداً. وبغض النظر عن هذه الخطوة السوريالية المتعلقة بانتخابات في مثل هذا المناخ الذي يحاكي الحرب الاهلية، يقوم الحكم في الوقت نفسه بحملات أمنية واسعة تركز اساساً على ضرب معاقل «الجيش الحر» وعلى اعتقالات واسعة في صفوف النخبة. ما يعني بالنسبة اليه ان القمع الدموي وكتم الانفاس هما الوجه الآخر للاصلاح الذي ينوي القيام به. ولتتحول انتخابات الغد جزءا لا يتجزأ من الحل الامني المعتمد منذ اليوم الاول لانتفاضة الشعب السوري. وبذلك يكون هذا الحكم وفياً لنظرته الى ادارة الشؤون السورية منذ «الحركة التصحيحية» في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970. اذ شكّل العنف أداة الحكم ولم تكن الانتخابات و»الجبهة الوطنية» الا الواجهة التي تخفي هذا العنف السلطوي. فالحركة التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد أطلق عليها اسم «التصحيحية»، في اشارة الى مهمتها الاصلاحية التي انحرف عنها الرفاق في الحكم قبل 1970. وحصيلة هذا الاصلاح كانت إنهاء أي دور للأحزاب والنقابات والمعارضة عموماً والزج في السجون لأي صوت مختلف، وتغول الاجهزة الامنية على كل المستويات، وصولاً الى حملات أمنية واسعة على مناطق «متمردة»، كما حصل في حماة ومناطق أخرى.

كل ذلك باسم الاصلاح وحماية الكادحين والفقراء والفلاحين الذين ازدادوا فقراً وتراجعاً في وضعهم المعيشي لمصلحة فئات ذات نشاط اقتصادي هامشي داخل الحكم أو متحالفة معه راكمت الثروات الطائلة.

وظل الحكم الحالي، برئاسة الدكتور بشار الأسد، وفياً لهذه النظرة الى الحكم، وربما اكثر تمسكاً بها بعدما انهارت نظرية «الممانعة» التي ظلت لسنوات، مثل الاصلاح والتصحيح، الغطاء لطبيعة الحكم.

ومن هنا، يعتبر الحكم ان أي تراخ أمني، مثل وقف النار أو الامتناع عن مطاردة المعارضين (سلميين أو مسلحين) واعتقالهم وقتلهم، يتوازى في الأهمية مع أي تراخ على المستوى السياسي. اذ كلاهما يشكل بداية النهاية لهذا النوع من الحكم. وبذلك تكون وظيفة انتخابات الغد هي نفسها التي تنفذها الدبابات والأسلحة الثقيلة في مواجهة الحركة الاحتجاجية.

-*--*--*--*--*--*-*

الصحافي والكاتب والداعية في سوريا! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

6-5-2012

لم تتغير سياسة السلطات السورية باعتمادها الخطة الأمنية العسكرية في معالجة الأزمة في سوريا، رغم موافقة السلطات على خطة الموفد الدولي كوفي أنان لمعالجة الأزمة في سوريا بالطرق السياسية طبقا لبنود الخطة وهدفها الرئيس في وقف العنف والمضي نحو معالجة سياسية. وفي سياق الخطة الأمنية العسكرية، يتواصل حصار المناطق السكنية وقصفها، وإلحاق الدمار بممتلكات وموارد عيش السكان، قبل اقتحامها اللاحق، حيث يقتل أشخاص، ويجرح غيرهم، ويتم اعتقال البعض، ليودعوا معتقلات وسجونا، تمارس فيها صنوف من التعذيب والإذلال، يصل بسببها بعض المعتقلين حد الموت، وبعضهم يموت فعلا.

وسط تلك السياسة، التي تطبقها السلطات، تحت دعوى مواجهة الأعمال المسلحة والتدخلات الأجنبية، تقوم السلطات السورية باعتقال نشطاء وشخصيات عامة، معروفة بمواقفها السلمية وبجهودها لمحاصرة العنف ووقفه، والسعي إلى توفير أسس معالجة سياسية للأزمة، يكون من نتائجها حصار التداعيات الخطرة للوضع السوري، والتخفيف من الخسائر التي تصيب السوريين وبلدهم، وبين تلك الشخصيات ثلاثة: أولهم صحافي والثاني كاتب والثالث داعية إسلامي.

أول الأشخاص، مازن درويش الصحافي، وقد عمل سنوات في ميدان حقوق الإنسان، قبل أن يقرر إعطاء وقته وجهده لخدمة مجتمعه وبلده في مجال آخر عبر تطوير واقع الإعلام السوري، وكان مدخله في ذلك تأسيس وإدارة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير ليعمل من خلاله على الاهتمام بالإعلاميين الأفراد، والاهتمام بالمؤسسات الإعلامية، وكلاهما كان ولا يزال بحاجة إلى تطوير يتوافق وملامح العصر وحرية الإعلام خروجا من عصر الإعلام التعبوي وصحافة المنشور التبريري والتحريضي، وهي مهمة جعلته يقيم شراكة مع أفراد ومؤسسات إعلامية حكومية وخاصة، تضمنت إقامة تدريب فني ومهني، وبلورة وتنفيذ مشاريع تطوير الإعلام السوري وبيئته العامة.

مازن درويش في نشاطه وجهده استحق احترام منظمات إعلامية عالمية، مما جعله شخصية إعلامية رفيعة بين السوريين. إذ هو عضو المكتب الدولي لمنظمة «مراسلين بلا حدود»، كما شغل منصب نائب رئيس المعهد الدولي للتعاون والمساندة في بروكسل، وبفضل جهوده حصل المركز السوري على صفة العضو الاستشاري في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة العام الماضي، وهي مكانة ظهر أن هناك من يعارضها.

والشخص الثاني في الأمثلة هو سلامة كيلة، المثقف والكاتب الفلسطيني المولد والسوري الإقامة، والقومي الحياة، واليساري النزعة، وقد قضى القسم الأكبر من حياته في خلق شخصية ثقافية وفكرية نقدية الطابع، شخصية تغوص في أعماق مجتمعها من أجل معرفة مشاكله ومعالجتها عبر الوصول إلى الحلول الأفضل والأقل تكلفة لهذه المشاكل.

ولم يكن طريق سلامة في هذا الاتجاه سهلا؛ إذ كان عليه أن يخرج من قطريته إلى فضاء عربي أرحب، وأن يزاوج بين قوميته في انفتاحها ويساريته التي تسبح في مجال آخر، مقتربا بصورة عملية أكثر إلى القطاعات الشعبية والأفقر من الباحثين عن فرص الحياة، وقدرة التقدم فيها على ما في هذا الترابط من إشكالات ومشاكل، وكان الثمن الأول لهذه التركيبة المعقدة من الخيارات، انخراطه في جهد ثقافي سياسي، أدى إلى ذهابه للاعتقال السياسي، حيث قضى 8 سنوات من الاعتقال ثمنا لفهم مهمته ودوره في الحياة، ومحاولته القيام بعبء المثقف إزاء بلده ومواطنيه، وهي النتيجة التي انتهت إليها جهوده الأخيرة في محاولة فهم الأوضاع السورية الراهنة، وسعيه إلى تقديم رؤية لمعالجة الأزمة المتواصلة في سوريا منذ 14 شهرا.

والشخص الثالث في موضوعنا أحمد معاذ الخطيب الداعية الإسلامي المتنور والمعتدل الذي يمثل في مواقفه وحياته أحد الوجوه السمحة للإسلام وللمسلمين في مواجهة التشدد والتطرف الذي ينبذه الإسلام، ليس فقط في علاقاته الداخلية، وإنما في علاقاته بمحيطه سواء في حلقاته القريبة، أو في الحلقات الأبعد، وهو في كل ذلك يستمد من النصوص الدينية والوقائع التاريخية أسانيده، التي تحمل وتؤكد معاني التوافق والعيش المشترك، والقدرة الهائلة على معالجة المشاكل القائمة والمحتملة.

ولأن للرجل مثل هذه الروح، التي تتناقض مع السائد في تطرفه تشددا أو تفريطا، فقد تمت محاصرته والتضييق عليه في القول والفعل والحركة، وإن كان ذلك لم يمنعه في السعي إلى معالجات تستند إلى العقل والمنطق وقيامه بالدفع نحو مبادرات تتجه إلى حلول ومعالجات من شأنها الوصول إلى نتيجة غالبا ما تكون في نقطة الوسط شكلا، لكنها ستؤدي لاحقا إلى نقطة الحقيقة بأقل قدر من التكاليف، وأقصى قدر من الفائدة.

ثلاثة من شخصيات عامة، عرفت باهتمامها واندماجها في الشأن العام السوري، وسعيها إلى تطويره بمنطق العصر والعقل بطريقة سلمية وهادئة تنحاز إلى الأكثرية وإلى المستقبل، وكله لم يمنع من اعتقالهم على نحو ما أصاب أمثالهم مرات، والأخطر في اعتقال هؤلاء، هو تردي أوضاعهم في الاعتقال، وخاصة وضع مازن درويش الذي قيل إن حالته الصحية تدهورت بصورة كبيرة، مما يجعل حياته مهددة بالخطر.

-*--*--*--*--*--*--*--*-*

صحفي روسي يكتب …90 دقيقة بصحبة مقاتلي الجيش السوري الحر .. كتب فاليري ميلنيكوف

(وكالة “نوفوستي” الروسية)

2012/05/05

كلنا شركاء

يصفهم النظام السوري بالعصابات الإرهابية المسلحة، عندما أعلنت عن نيتي الذهاب إلى حمص، حذروني منهم وقالوا “الجيش السوري الحر يكره الروس.. سيقتلونك حتما”.

أثناء تجولي في أحد أحياء حمص الفارغة من السكان، وصلت إلى أحد نقاط الحراسة المهجورة، ليشق الصمت صوت طلقات رشاش آلي، ظهر بعده من أحد الشوارع الجانبية مواطن سوري مسن، لوح لي بيديه وأخبرني أن التقدم خطر جدا، “إنهم يطلقون النار”، ومن ثم سألني من أين أنا؟ وماذا أفعل هنا؟

بعد أن عرف أنّي من روسيا، عرض اصطحابي إلى أحد أصدقائه الذي يجيد اللغة الروسية، وبعد حوالي دقيقتين، كنت أجلس بصحبة أربعة سوريين، أحضروا لي عصيرا وقهوة وسجائر،. ومن ثم سألوني كيف استطعت الوصول إلى حمص، وماذا أفعل هنا؟

من خلال حديثي مع أكبر الجالسين، فهمت أنه درس في جامعة موسكو الحكومية، وسكن في موسكو عدة سنوات، سألني إذا كنت راغبا في أن أرى حمص من الجانب الآخر، وأن أتعرف على سورية الأخرى؟ بالتأكيد كان ردي بالموافقة. ليتم نقلي بسيارة نقل إلى الجانب الآخر، بصحبة مقاتلي الجيش السوري الحر.

المستشفى

بعد رحلة طويلة نسبيا، انتقلت إلى سيارة أخرى بصحبة اثنين من مقاتلي الجيش السوري الحر، لنتوجه إلى حي الخالدية، الذي كان مدمرا بشكل كامل، وكان المنظر مشابها للعاصمة الشيشانية غروزني في العام 2000، حي الخالدية كان بشكل كامل تحت سيطرة الجيش الحر، مقاتلين شباب قاموا بحراسة تقاطعات الطرق، الشوارع شبه خالية، وطوال الوقت كان من الممكن سماع زخات رصاص متفرقة وأصوات انفجارات، كنا نشاهد طوال الوقت مجموعات من الأسر والنساء والشيوخ في تجمعات. هؤلاء كانوا لاجئين غادروا بيوتهم بعد تدميرها.

وصلنا بالسيارة إلى منطقة قريبة من مبنى المستشفى، كان يفصلنا عنها شارع فارغ، يتعرض طوال الوقت لزخات رصاص، وطلقات القناصة.

المقاتلين الذين صاحبوني، شرحوا لي بالإشارات، أنه يجب أن نقطع الشارع ركضا، وكل على حدة، ليقوم أحدهم بعد ذلك برمي زجاجة فارغة في الطريق، وبعد أن لم يلحظ ردة فعل من القناصة، قطع الشارع راكضا بسرعة، لأتبعه أنا، والمقاتل الثاني من بعدي.

كان واضحا أن المستشفى تضرر بعد إطلاق النار والقذائف عليها، بالإضافة إلى تعرضه لحريق، وتحطم جميع نوافذه. فوق مدخل المستشفى انتصبت صورة كبيرة لحافظ الأسد، الرئيس السابق للبلاد، ووالد الرئيس الحالي. الصورة أيضا كانت محترقة. أحد المقاتلين قام بإشارة ما بجسده باتجاه الصورة، وقال بضعة كلمات بالعربية، لم أفهم معناها، لكن كان واضحا أنه لم يتمنى للصورة شيئا جيداً.

عبرنا خلال العنابر والأسرّة المكسرة والمحترقة إلى الفناء الداخلي للمستشفى، حيث قبع عدة مقاتلين، أعطونا قناعين مضادين للغازات السامة، أحد المقاتلين ساعدني على ارتداء القناع، وقام بشده بقوة على رأسي. بعد دقيقتين وعند وصولنا إلى المشرحة، فهمت سبب لبس الأقنعة المضادة للغازات، التي لم تستطع منع الرائحة الكريهة للجثث من التسلل إلى أنفي. فالمكان كان بلا كهرباء أو ماء. عرض المقاتلون علي عددا من الجثث، التي لم أفهم من هم أصحابها.

بعد خروجنا من المشرحة، دخلنا إلى جزء آخر من المستشفى، وصعدنا عدة طوابق، لنلتقي بأحد المقاتلين الجالسين وراء مدفع رشاش يطل من فجوة في الجدار، بالاشارت شرح لي بأنهم من هنا يقومون بحماية المستشفى من الاقتحام، وسمح لي بالتقاط عدة صور.

عندما نظرت عبر الفجوة في الجدار، لم أر بيتا واحدا، إلا وكانت عليه آثار إطلاق النار والقصف، بعد مغادرتنا المبنى، انطلقنا مرة أخرى بالسيارة، التي كانت تدور عبر الشوارع بشكل غريب، متفادية المواقع الحكومية، وصلنا إلى ساحة ليست بالكبيرة جداً، تم تغطية مداخل الشوارع المطلة عليها بالأغطية، لحماية المتواجدين من نيران القناصة. مقاتلي الجيش السوري الحر الذين تواجدوا في الساحة، كانوا طيبين وودودين ورحبوا بي، ورفعوا الأعلام السورية بمرح من أجل أن ألتقط لهم صورا.

اقترب مني شاب، مدجج بمخازن الرصاص، رحب بي بالعربية، وقال أنه ضابط برتبة نقيب بالجيش السوري الحر، عرض علي بالإشارات أن أصطحبه إلى أحد الشوارع الجانبية، حيث فوجئت حين رأيت سيارة مدرعة مصنوعة بجهود ذاتية، كانت شبيهة جدا بمكواة ضخمة.

أثناء التقاطي الصور للمدرعة، قام النقيب بالاتصال عبر هاتف أقمار اصطناعية بجهة ما، وعرض علي الحديث، شارحا لي بأن قناة الجزيرة ترغب بالحديث معي، أنا رفضت.

الغداء

مدخل البيت كان مزدحما بالأحذية، بعد أن نزعنا أنا واثنين من المقاتلين أحذيتنا، دخلنا، المكان كان مقر إقامة مجموعة من المقاتلين، حيث توفرت الكهرباء والماء، التلفاز كان يعمل. في الغرفة جلس عدة أشخاص، أعربوا عن سعادتهم عندما عرفوا أنني صحافي من روسيا، لكنهم طلبوا ألا ألتقط لهم الصور.

أحد المقاتلين كان يجيد الإنجليزية، أشار إلى أحد رفاقه المصاب في قدمه، وأخبرني أنه قبل مدة قصيرة كان في داغستان. أخبرته أن لدي جذورا قوقازية، وسألته في أي مدينة بالتحديد كان في داغستان؟ الشاب أجاب أنه كان في مدينة نالتشيك. يبدوا أنه لم يفهم السؤال أو أنه لا يعرف أين تواجد! (مدينة نالتشيك الروسية هي عاصمة جمهورية قبرطا بلقاريا، ولا تقع في داغستان. ملاحظة المحرر).

في الغرفة المجاورة تم إعداد طاولة الغداء، فطائر طازجة وجبن وشاي، بعد تأدية الصلاة، التف الجميع حول الغداء. أحد الشبان عرض علي صور والده المقتول، أوضح أنه لو لم تقتل السلطات والده، لما حمل السلاح في يده أبداً. المقاتلين الآخرين عرضوا علي صور أقربائهم وعائلاتهم المقتولة. هم لم يكونوا يريدون القتال.

في هذا الحي عاش السوريون دائما في مودة وسلام، المسلمون والمسيحيون، في شارع واحد انتصب مسجد وبجانبه كنيسة. بعد القصف تضررت البنايتان بشدة. المقاتلون حدثوا كيف أن الاحتجاجات والتظاهرات كانت في البداية سلمية، الناس أرادوا تغييرا وإصلاحا، لكن بعد أن بدأت الحكومة بإطلاق النار عليهم وقتلهم، لم يبق لديهم مخرج آخر. بعد الغداء، طلب مني المقاتلون أن أتصور معهم في صورة جماعية للذكرى.

مستشفى الثوار

توقفت السيارة بنا أمام ورشة تصليح سيارات تقع في الطابق الأول لبناية سكنية، عدة أشخاص كانوا يصلحون سيارة مليئة بثقوب جراء تعرضها لإطلاق نار، عرضوا عليّ الهبوط إلى الطابق التحت أرضي.

تحت الأرض تم تحويل الطابق إلى مستشفى متكامل، قابلنا سورياً يرتدى بذلة أنيقة، انه الطبيب، هو كان يجيد الانجليزية، وكان في المستشفى عدد من الجرحى، أحدهم كانت حالته حرجة.

سمحوا لي بالتقاط الصور، بعد أن أخفوا ووجوههم بأيديهم، أخبرني الطبيب عن عدم كفاية المواد الطبية والأدوية، مشيرا أن ما لديهم، هو بقايا أدوية المستشفى القديمة التي دمرت وحرقت.

بعد أن عرف أنني من روسيا، قال الطبيب أن السوريين يحبون الشعب الروسي ويحترمونه، لكنهم لا يستطيعون فهم لماذا بوتين وروسيا يدعمون بشار الأسد وحكومته؟ لماذا روسيا لا تنتبه إلى ما يدور حقيقة على الأرض، إلى أن الناس يموتون؟

هو سألني، إلى جانب من أنا؟ أجبته أنني كصحافي، يجب أن أكون محايدا، وإلا فأنا لست صحافيا. بعد وهلة قصيرة من الصمت، قال الطبيب أنه يتفهم موقفي، وينظر إليه باحترام، وطلب مني أن أعمل على أن يعرف الشعب الروسي ما عرفته، وأن يرى ما رأيته في حمص.

خرجنا إلى الشارع، حيث تجمع عدد من الناس الذين حضروا من البيوت المجاورة، وكلهم سألوني نفس الأسئلة، عن بوتين والأسد وروسيا.. التي نسيتهم

-*--*--*--*--*--*--*-*

10 دقائق في حمص... مدينة بلا سكان

السبت, 05 مايو 2012

الحياة

حمص - رويترز - منازل محترقة ومبان منهارة وشوارع تتناثر فيها الأنقاض والزجاج المحطم وفوارغ القذائف في أحياء حمص المدمرة التي ظلت لشهور الخط الأمامي في الانتفاضة.

وخلال رحلة استغرقت عشر دقائق بالسيارة عبر حي بابا عمرو حين رافق صحافيون مراقبي الهدنة التابعين للأمم المتحدة لم نشاهد سوى امرأتين مسنتين. وتهدمت المباني في الشارع الرئيسي والأزقة القريبة خلال قصف الجيش.

وتمثل حمص ثالث أكبر مدينة سورية مركزاً صناعياً مهماً على الطريق السريع الرئيسي الذي يربط بين الشمال والجنوب قرب الحدود مع لبنان.

وشهدت المدينة والمحافظة التي توجد بها أكبر خسائر في الأرواح خلال الانتفاضة الممتدة منذ 14 شهراً ونزوح عشرات الآلاف.

وفي حي الإنشاءات قالت امرأة إنها عادت إلى المنطقة مع أسرتها الأسبوع الماضي لأنهم لا يستطيعوا الاعتماد على الآخرين في رعايتهم بلا نهاية.

وأضافت: «ماذا بوسعنا أن نفعل غير ذلك؟ الدمار هائل لكننا لا نستطيع أن نستمر في العيش في منازل الناس». وقال جندي عند نقطة تفتيش على مقربة استدعي من مدينة دير الزور في شرق سورية للمساعدة في الحملة على المعارضين إنه فوجئ حين وصل إلى حمص منذ شهر. وأضاف: «فوجئت حين رأيت كل هذا الدمار. شعرت بالأسف على بلدي وأهلي... لكن كل هذا بسبب المسلحين».

في بابا عمرو تشيد عبارات على الجدران في الحي المعارض بالرئيس مثل «بنحبك يا بشار» و «بشار إلى الأبد».

وفي حي الحمراء الذي يوجد به مقر إقامة المحافظ لم تمس المنازل وتزين الزهور والأشجار الشارع.

لكن في حي الخالدية الذي ما زال مسلحو المعارضة يقاتلون فيه قوات الجيش يمكن سماع دوي إطلاق النيران باستمرار فضلاً عن قذائف المورتر وانفجارات قال سكان إنها نيران دبابات.

وينطق كل شيء من المراكز التجارية المحترقة إلى الأضرار التي لحقت بمسجد خالد بن الوليد الرئيسي بالعنف الذي شهدته حمص وفيما انتظر صحافيون انتهاء مراقبي الأمم المتحدة من المحادثات مع ممثلي المعارضة تم نقل جثمان مقاتل لقي حتفه في المحافظة لدفنه وكان ملفوفاً ببطانية مخضبة بالدماء.

وساعد عبد الرزاق طلاس قائد كتيبة الفاروق وهي إحدى وحدات مقاتلي المعارضة الرئيسية في نقل الجثمان وإقامة الجنازة.

وقال غانم (24 سنة): «الناس في حمص لا يتوقعون الكثير من المراقبين. الآن يتحدثون عن الحوار. من قال إننا نريد حوارا... خرجنا الى الشارع لإسقاط بشار الأسد وليس للحديث معه».

وتحدث آخرون غاضبين عن منازلهم التي فقدوها وأقاربهم الذين خسروهم.

وقال محمد عز الدين (62 عاما) إن الجيش أحرق منزله في حي البياضة بحمص مما اضطر اسرته الى التوجه الى دمشق او مغادرة البلاد او الانتقال الى منطقة اخرى من حمص. وأضاف «من الذي سيعوضني وكيف ستعيد الموتى؟». وقال محمود (12 عاما) إن أسرا كثيرة تكدست في أحياء صغيرة وأضاف «في منزلي يعيش تسعة اشخاص ومنزلنا صغير جدا. لا يوجد طعام ولا مياه نظيفة ولا اي شيء. لا توجد متاجر مفتوحة ولا نتناول الا وجبة واحدة في اليوم. انظر حولك كيف يمكن أن نعيش هكذا؟».

-*--*--*--*--*--*-*

الثورة في سورية ... ثورة مضادة  .. طوني فرنسيس *

السبت, 05 مايو 2012

الحياة

اختلفت مسارات الاوضاع في سورية منذ البداية عن غيرها في بلدان عربية اخرى، فالصراع فيها وعليها لا يشبه ما حصل في ثورة تونس ولا يمت بقرابة الى ثورة مصر، كما انه بعيد من اشكال اخرى من التحولات التي شهدها ويشهدها اكثر من بلد عربي...

لم تكن اطاحة زين العابدين بن علي ثم حسني مبارك مؤامرة اميركية، ولا يبدو ان الغرب كان يستعجل نهاية معمر القذافي. حتى اللحظة الاخيرة كان بن علي يقيم سعيداً في قصر قرطاج، حيث احتفل ب24 سنة على توليه السلطة في حضور ممثلين لكل الأصدقاء، غرباً وشرقاً.

وقبل ايام قليلة من تنحي مبارك، كانت الإدارة الأميركية تميل الى إيجاد تسوية لا تطيح الرجل، اما القذافي فكان منخرطاً مع اصدقائه في بريطانيا في مشروع بناء مسجد ضخم في احدى العواصم الغربية يجذب اليه مناصري «القاعدة» .

لم يفت دمشق ومعسكر «الممانعة»، وهي ركنه العربي، ملاحظة الامر، اعتبرت بسرعة ان ما جرى هزيمة لأميركا، وزاد الركن الاقليمي للمعسكر، إيران، انه اشارة الى «صحوة اسلامية». حتى حينه كانت «الثورات» تضرب في المعسكر الآخر: المغرب، تونس، ليبيا، مصر و... البحرين.

لم يلتفت «الممانعون» الى الدوافع العميقة للانتفاضات: رفض القمع، المطالبة بالحرية، تأمين فرص العمل، اسقاط الدكتاتورية ورفض التوريث... بل ذهبوا الى اختصار تحرك مئات ألوف المواطنين بعنوان لم يرد طوال ايام انتفاضاتهم: رفض السياسة الاميركية.

لا يعني ذلك غياب الهم «الوطني» عن الثورات، لكن الثورات حددت اولوياتها بشكل مختلف عن جدول اولويات الانظمة الي قامت ضدها، والتي مارست القمع والإفقار وفرضت حالات الطوارئ بحجة مواجهة الإمبريالية والصهيونية، فما سقطت الإمبريالية ولا خرجت الشعوب الى مستقبل افضل.

أعطى الممانعون لثورات عرب شمال افريقيا صفات ليست لها. في تبرير لنهجهم السياسي والسلطوي من جهة، وللقول من جهة ثانية إن ثوراتهم منجزة وهي في سبيلها لأن تكون نموذجا يحتذى. تلك هي حالة ايران التي تستند الى تجربتها الثورية قبل33 عاماً، وهذا حال النظام في سورية، الذي يحتفل سنويا بذكرى «ثورة» 8 آذار (مارس)، التي جاءت بحزب البعث الى السلطة. فاذا كانت ثورات الآخرين مصنفة ضمن كاتالوغ معاداة اميركا، ستصبح دمشق وطهران قيادتها حكماً، وعليهما تقع مهمة تشخيص ثورية الثوار او عمالتهم.

في هذا السياق، قد يكون خطأ فادحاً توصيف ما بدأ في سورية في آذار (مارس) 2011 بأنه ثورة منظمة ضد النظام. صحيح ان مبررات الانتفاض على واقع التسلط والقمع والحرمان كانت متوافرة بقوة، إلا أن الاستعدادت السياسية والتنظيمية والقدرات التعبوية كانت غائبة، حتى أن المجلس الوطني للمعارضة لم ينشأ الا بعد شهور.

الأصح القول إن ما جرى في سورية كان معركة استباقية شنها النظام ضد احتمالات انطلاق حملة معارضة شاملة، وضمن هذا المنطق تستمر المعركة منذ 14 شهراً، حادثة درعا كان يمكن استيعابها، يقول كثيرون... ومع استيعابها يرجَأ صِدامٌ أو توضع اسس للانطلاق في عملية إصلاحية جدية. حصل العكس، تحولت درعا الى منصة لمواجهة خطة كونية و «صخرة تتحطم عليها مؤامرات الاستعمار».

هو المنطق نفسه الذي حكم سلوك النظام السوري في لبنان بعد اضطراره الى سحب جيشه منه. فرضت مقتضيات الانسجام مع الثورات العربية ضد «اميركا» ضربة استباقية تمثلت بإطاحة حكومة سعد الحريري لحظة اجتماعه مع «الشيطان الاكبر».

قبل ذلك كان يوم 7 أيار «المجيد» معركة حاسمة لمنع أي وهم لدى فريق «14 آذار» في تثبيت التغيير الحاصل بعد 2005 عبر المؤسسات الدستورية. وربما في سياق مماثل، يصح إدراج معارك البارد وغزة (مع فتح الاسلام ومع اسرائيل) وقبلهما حرب تموز (يوليو)، من دون اغفال الوظيفة الاقليمية والدولية لتلك المحطات.

بديهي ان يلقى رفع مستوى المواجهة الى حدود الصدام مع الغرب وزعيمته واشنطن، صدًى في عواصم لا ترتاح الى الانفراد الغربي في ادارة شؤون العالم. هكذا تحولت موسكو الى مُدافِع متطرف عن النظام في دمشق وعن حليفه في طهران، ولم تنظر الى ما آلت اليه حرب حليفها في درعا التي تحولت الى صدام مفتوح يدفع ثمنه الشعب السوري ويهدد مصير سورية كبلد موحد سيد ومستقل.

لم تنظر موسكو ايضاً الى «مبادرات» صديقها الايراني الاستفزازية تجاه دول الخليج العربي والتي يمكن تصنيفها في خانة الهجمات الاستباقية، وكأن جبهة جديدة قامت ليس فقط في مواجهة ربيع عربي عنوانه الحرية، وانما في مواجهة العرب انفسهم في بلدانهم وثرواتهم ومستقبلهم.

الأكثر تفاؤلاً يقولون بإمكانية تغيير في المشهد انطلاقاً من سورية، استناداً الى خطة كوفي انان، لكن الأكثر تعقلاً يعتبرون ان تلك الخطة لن تكون سوى اداة تستعمل في خدمة النهج اياه، الذي واجه امتعاض الشعب السوري بثورة مضادة.

* صحافي من أسرة «الحياة»

-*--*--*--*--*--*-*

سورية .. وأحذية بوتين الناعمة .. عامر أرناؤوط

عكاظ

5-5-2012

عبارة « الضرب بيد من حديد» الصادرة عن وزير الخارجية الروسي لافروف في تصريحه حول ما أسماه واجب الدولة السورية تجاه من نعتهم بالإرهابيين، شكلت استرجاعا لتصريح الرئيس الروسي بوتين بعيد توليه رئاسة الكرملين عقب تنحي الرئيس يلتسين المريض.تصريح ناري لبوتين أتبعه بسحق غروزني واحتلال كامل الشيشان، ومصادرة حرية تقرير المصير في هذا الإقليم ذي الأغلبية الإسلامية مع تسجيل أوسع انتهاك لحقوق الإنسان على مرأى من العالم ومسمعه في الوقت الذي كان الغرب يرغب في حياد الكرملين عن مواجهة أو عرقلة مشروعه المكتسح لمنطقة الشرق الأوسط ما جعل سكوته عن جرائم الكرملين يوازي سكوتها عن الانتهاكات الفاضحة التي صاحبت هذا التمدد في أفغانستان والعراق.المواقف الروسية باتت تشكل غطاء للنظام السوري متيحة له قتل شعبه والتراخي في تطبيق الالتزامات القانونية بما في ذلك التطاول على أعلى رمز يمثل الشرعية الدولية بحسب ما صرح بالأمس نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد الذي شن هجوما لاذعا على الأمين العام للأمم المتحدة مون متهما إياه بالانحياز في إشارة واضحة لاستخفاف الجانب السوري بمبادرة الحل العربية والدولية وذلك بغطاء روسيٍ مريب.ربما نفع بوتين سحق غروزني آنذاك ومصادرة حريتها لكن مراهنته على المنصة السورية ستخيب ولن يطول أمدها.وفي مطلق الأحوال لن يكون قادرا على تكرار الابتزاز مثلما فعل أسلافه في خليج الخنازير في كوبا في إطار حرب روسيا الباردة مع الولايات المتحدة الأمريكية. فسورية ليست كوبا وبوتين بأحذيته الناعمة وصوته الرقيق لن يستطيع إحداث ضجيج في مجلس الأمن كما فعل سلفه خروتشوف بحذائه.فزمن الديكتاتوريات ولى واليوم جاء زمن الشعب الذي سيعلو بأحذيته قصور التسلط، وثكنات القتل والتعذيب والقهر والذي سينتج نظاما يشبهه في حبه للوطن ورغبته الجامحة في التطور والتنمية .وإن غدا لناظره قريب.

-*--*--*--*--*--*-*

سلطة مضطربة ومعارضة مبعثرة .. حسين العودات

التاريخ: 05 مايو 2012

البيان

يتساءل السوريون المعتدلون والمتطرفون أنه حتى لو فشلت الثورة، واستطاعت السلطة القضاء عليها، فكيف يمكن أن يحكم رجال السلطة شعباً قتلوا منه وجرحوا وسجنوا الكثيرين، وما زال في زنازينهم الكثيرين، وزاد عدد المهجرين داخلياً من بيوتهم ومدنهم وقراهم إلى بيوت ومدن وقرى أخرى على عشرات الآلاف، فضلاً عن عشرات آلاف اللاجئين في بلدان مجاورة (الأردن، لبنان، تركيا).

إضافة إلى أن الرافضين للنظام السوري يحملون قوات الأمن والقوات المسلحة وزر ومسؤولية نهب عشرات آلاف البيوت والسيارات أو حرقها وتدميرها ويقولون أن المسروقات من كل نوع تباع في شوارع المدن جهاراً نهاراً وبأسعار رمزية).

فكيف بإمكانهم إذن أن يحكموا بلداً أوقعوا فيه كل هذه الكوارث، ثم إنهم، أي أهل السلطة، يتحملون_ حسب رأي المعارضة السورية _ مسؤولية ردود الفعل على سياستهم الأمنية العنفية، التي أخذت نتائجها تظهر منذ الشهر الخامس للثورة، كحمل السلاح، وانشقاق الجيش (وتشكيل ما سمي بالجيش الحر) وعسكرة الصراع.. فهل من عمل هذا، ومازال يعمل مثله، له الرغبة أو القدرة ليستمر في الحكم، وهل لم يبق لديه بعض الحكمة والمحاكمة والتعقل التي تمنعه من تبني مثل هذا الخيار؟.

في الوقت نفسه، كان من الممكن أن تلعب المعارضة السياسية السورية دوراً هاماً، يجعل الخروج من الأزمة وحلها ممكناً، وهو أن تقوم بدور الجسر والإشراف على المرحلة الانتقالية من خلال وحدتها، وقبل ذلك وضع برنامج واضح ومفصل لمواجهة السلطة والنظام الشمولي، بالتنسيق فيما بينها، وبالتفاهم والتعاون (والتلاحم) مع الحراك الشعبي، بما يصل إلى مرحلة تشكيل قيادة موحدة منسجمة، تنسق النضال وأساليبه وحراكه، وتواجه السلطة بالوسائل التي تراها مناسبة، بما يكفل تصدعها وسقوطها، أي أن تمتلك القدرة على إدارة عملية المعارضة وقيادة الثورة. إلا أنه.

وبسبب ظروف عديدة بعضها موضوعي ومعظمها ذاتي، هرب المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج) إلى الأمام، واستسهل استدعاء التدخل الأجنبي، الذي كان يعتقد أنه في متناول اليد، وأهمل التنسيق والوحدة مع أطياف المعارضة الأخرى.

ولم يضع برامج سياسية وخططاً بديلة أو موازية لهذا الهدف، واكتفى بشعارات لا يتبناها سياسي حكيم يتصرف بمسؤولية، وكأن شعاره الرئيس (إننا نتبنى شعارات الحراك الشعبي ونمثله) بدلاً من أن يعمل على قيادة هذا الحراك، المظلوم المقموع والمقهور، والذي لا يمكن له أن يضع شعارات تصلح لتكون أساساً لبرامج سياسية، وما أن فشل طلب التدخل الخارجي، حتى تعمقت الخيبة في نفوس جماهير الثائرين.

ولم يجد المجلس الوطني بداً من أن يستسلم لطلبات الآخرين غير السوريين، خاصة وأنهم الممولون، وقادة الدعم السياسي للمجلس، ومالكو وسائل الإعلام التي تشيد به وتكرس وجوده وتضخم دوره، ولذلك لم يستطع المجلس ومؤسساته ومعظم أعضائه سوى الاستجابة لرغبات هؤلاء الداعمين، وهكذا ساهم فعلياً بتدويل الأزمة، ولم يعد للشعب السوري دور في حلها.

ومن طرف آخر، لم تستطع هيئة التنسيق في الداخل (المعارضة الداخلية)، عقد الصلات الجدية مع الحراك الجماهيري، ومع التنسيقيات، وإقناعها أن الأمر ليس أمر شعارات بل موضوع برامج وأساليب نضال، وبقي تاريخ أحزاب هيئة التنسيق العشرة، وآلامها التاريخية تسحقها، حتى كادت أن تلغي فعاليتها، رغم برنامجها السياسي المتوازن الذي استطاع منذ الأيام الأولى لتأسيسها فهم الأزمة، واستيعاب معطياتها، ووضع الإطار العام لمعالجتها، وهكذا كانت هيئة التنسيق أيضاً متواضعة الفعالية والتأثير.

ربما لهذا كله، لم يثق الأمريكيون والأوروبيون وأعوانهم من الدول الأخرى بنجاعة المعارضة السورية (الداخلية والخارجية) وبأنها (ستجلب الترياق من العراق) كما فشلوا في تدبير انقلاب من داخل أهل النظام، يسقط السلطة، ويشرف على المرحلة الانتقالية لتمر بأمان.

و يبدو أنهم يراهنون الآن على أن يستطيع (جيش سوريا الحر) القيام بهذه المهمة، فيوحد أطرافه ويتسلح ويبدأ صراعاً عسكرياً، ويتولى السلطة في المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام، وينحي المعارضة السياسية جانباً على مختلف فصائلها اليسارية والقومية والإسلامية، لتبقى الخيوط بيد الأمريكان والأوروبيين.

بقي أن نشير إلى الرغبات الإسرائيلية، التي تريد قبل أي شيء ضمان قبول النظام السياسي السوري المقبل بما قبل به النظام الحالي، أي أن يستمر الهدوء على حدودها الشمالية، ويغض الطرف عن تحرير الجولان، كما تريد ضماناً آخر هو أن يتم تدمير سوريا (الدولة، والمؤسسات) العسكرية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة صراع عسكري بين الجيش النظامي والجيش الحر. كما دُمر العراق ودُمرت ليبيا، على أن لا تقوم لسوريا قائمة خلال عشرات السنين، أي أن لا يتم الاكتفاء بتدمير السلطة الحاكمة فقط.

فهل ستبقى المعارضة السورية متشظية بدون تنسيق جهودها وبدون الاتفاق على برنامج موحد، وامتلاك القدرة على قيادة الشارع، وعلى مصارعة النظام وجهاً لوجه؟ وهل يعود حل الأزمة السورية ليد السوريين بدلاً من التدويل، كما ينبغي أن يكون الحال؟ وهل سيبقى أهل السلطة راكبين رؤوسهم يجرون الأمور للتدويل والتدخل الخارجي بسبب سوء رؤياهم ؟.

إنها تساؤلات، وإن بدت ساذجة، فإن الجواب عليها يشكل إطاراً لأي حل مقبل للأزمة السورية.

-*--*--*--*--*--*-*

العنف في سوريا... متواصل مع وجود المراقبين! .. فريق من مراسلي «لوس أنجلوس تايمز» - بيروت

ينشر بترتيب خاص مع خدمة إم سي تي إنترناشيونال

تاريخ النشر: السبت 05 مايو 2012

الاتحاد

على الرغم من وجود قائد بعثة المراقبين التابعين للأمم المتحدة في سوريا، منذ مطلع الأسبوع الماضي، إلا أن الانفجارات والهجمات تواصلت يوم الاثنين الماضي في أماكن ومدن مختلفة من سوريا، وذلك في وقت بدا فيه أن القوات الموالية لبشار الأسد ومجموعات المعارضة مازالت بعيدة عن وقف إطلاق النار بعد مرور 13 شهراً على انطلاق الاحتجاجات الحالية المطالبة بالحرية والديمقراطية وإسقاط النظام.

ففي مدينة إدلب الواقعة شمال البلاد، تسبب انفجار سيارتين مفخختين في وقت مبكر من صباح الاثنين في قتل ثمانية أشخاص على الأقل وجرح أكثر من 100 شخص آخرين، حسب وسائل إعلام رسمية تابعة للدولة ونشطاء. وقد استهدف التفجيران فرع مقر المخابرات الجوية في المدينة ومباني أمنية عسكرية أخرى في الجزء الجنوبي من المدينة الذي تتركز فيه المباني الحكومية، ومن ذلك مقر الأمن العسكري في حي القصور.

وسائل الإعلام التابعة للدولة حصرت حصيلة ضحايا العمليتين في ثمانية قتلى، غير أن النشطاء قالوا إن 20 شخصاً، من بينهم مدنيون وعناصر أمن، قد قضوا في الهجومين.

ولم تتضح بشكل فوري الجهة المسؤولة عن الهجومين. غير أن وسائل الإعلام التابعة للدولة حملت مسؤولية التفجيرين للمجموعات الإرهابية، وهو مصطلح شامل تستعمله الحكومة لوصف المعارضة منذ بدء الانتفاضة ضد الأسد قبل أكثر من عام. هذا في حين حمل العديد من النشطاء الحكومة مسؤولية التفجيرين.

وفي هذا السياق، قال الناشط علاء الدين اليوسف إن التفجيرين وقعا في منطقة تخضع لحراسة مشددة تدعى المربع الأمني، حيث من الصعب على أي شخص دخولها.

ويأتي التفجيران بعد يوم على وصول قائد بعثة المراقبين التابعة للأمم المتحدة، الجنرال النرويجي روبرت مود إلى سوريا. والجدير بالذكر هنا أن الدفعة الأولى من المراقبين التابعين للأمم المتحدة التي توجد في سوريا منذ نحو أسبوعين من المتوقع أن تتعزز بمراقبين جدد بحيث يصل قوامها في الأخير إلى 300 مراقب.

غير أنه في وقت فشل وقف إطلاق النار الذي ينص عليه مخطط سلام عنان في الصمود، يتساءل البعض حول ما إن كان المراقبون سيستطيعون المساعدة على سحب سوريا من شفير حرب أهلية محتملة.

وفي هذا السياق، قال مود للصحفيين في العاصمة السورية دمشق: "إن عدد أعضاء البعثة سيرتفع إلى 300 مراقب فقط، غير أننا نستطيع إحداث فرق"، مضيفاً القول: "إن ثلاثين مراقباً غير مسلح، أو 300 مراقب غير مسلح، أو حتى 1000 مراقب غير مسلح، لا يستطيعون حل كل المشاكل".

وفي إدلب، وقع التفجيران في حوالي الساعة السادسة والنصف صباحاً، بعيد صلاة الفجر، كما أفادت بذلك امرأة من سكان حي في الجزء الشمالي من المدينة، حيث قالت في هذا الصدد: "إننا نسكن بعيداً جداً عن الانفجار ومع ذلك سمعناه بقوة".

ومن جهة أخرى، أفادت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" بأن مجموعة من المسلحين قامت بمهاجمة البنك المركزي السوري في دمشق بواسطة قاذفات صواريخ محمولة على الكتف، مما تسبب في أضرار طفيفة لحقت بالمبنى. وفي أماكن أخرى من العاصمة، قامت مجموعة مسلحة بمهاجمة دورية إنقاذ بالقرب من أحد المستشفيات بواسطة قاذفة صواريخ محمولة على الكتف، مما أسفر عن جرح أربعة أفراد شرطة، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا".

وبالمقابل، أعلنت لجان التنسيق المحلية، وهي شبكة تابعة للمعارضة، في بيان صدر عنها أن الهجمات التي وقعت يوم الاثنين، وخلال الأيام السابقة، كانت من تدبير الحكومة، وذلك من أجل صرف الانتباه عن التزامها بمخطط السلام الأممي الذي اقترحه كوفي عنان، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية المشترك إلى سوريا. ويشار هنا إلى أن المخطط المؤلف من ست نقاط ينص من جملة ما ينص عليه على ضرورة أن تقوم الحكومة بوقف هجماتها على المعارضة وسحب دباباتها وآلياتها الثقيلة من المدن والبلدات، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

ويوم الاثنين أيضاً، أعلنت وزارة الداخلية اللبنانية أن رجلاً تعرض لطلق ناري في الكتف من قبل قوات الأمن السورية عندما كان هو ومجموعة من أصدقائه يتزلجون على جبل الشيخ، وقد تم نقل الرجل إلى أحد المستشفيات القريبة في حين تم تسليم أصدقائه إلى الاستخبارات العسكرية اللبنانية، غير أن الوزارة لم توضح ما إن كانوا يخضعون للتحقيق معهم أم لا.

-*--*--*--*--*--*-*

حول حق الشعب السوري في التدخل الإنساني .. د. عبدالله تركماني

2012-05-04

القدس العربي

قتلت سلطة الاستبداد، تحت قيادة النظام السوري الحالي وشبيحته، أكثر من اثني عشر ألفاً من السوريين أمام مرأى العالم، واجتاحت مدناً وقرى ودمّرتها على رؤوس ساكنيها، دون أن تجد من يلجمها أو يحد من جرائمها التي فاقت كل تصور. فبالرغم من قراري مجلس الأمن 2042 و2043، فإنّ آلة قتل السلطة ما زالت تحصد الأرواح في مدن وبلدات وقرى عديدة، وقد سقط منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار يوم 12 نيسان/أبريل الماضي أكثر من ألف شهيد.

وعليه، فإنّ أنظار السوريين تتجه إلى الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع مأساتهم، فما هو رقم الشهداء السحري الذي سيحرك المجتمع الدولي ويدعوه إلى التدخل الإنساني في سورية ؟

إنّ المبادئ الإنسانية التي تحث على التدخل لا تعدمها سورية: عشرات آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين والمفقودين ومئات آلاف النازحين واللاجئين، والحملة العسكرية - الأمنية الشرسة التي دفعت السيد أحمد فوزي، الناطق باسم عنان للقول: ' النظام لا يسعى لإفشال المراقبين فحسب بل وإلى الانتقام من المواطنين الذين يعرضون للمراقبين حقيقة ما يجري '، واحتكار النظام السوري كل أسباب القوة، من جيش وشرطة وأجهزة أمن واستخبارات وشبيحة، مقابل شعب وقف بشجاعة مطالباً بالحرية والكرامة، إلا أنه لا يستطيع بوسائله البسيطة، بما فيها تضحيات أفراد الجيش السوري الحر، دفع جبروت سلطة الاستبداد.

لقد تطورت منظومة الشرعة العالمية لحقوق الإنسان من كون سلطات الدول هي المعنية الوحيدة بما تفعله لمواطنيها إلى أنّ السيادة تفرض مسؤولية هذه السلطات تجاه شعوبها، وحق المجتمع الدولي في مساءلتها عن التزاماتها بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان. وشكّل هذا الرصيد المتنامي والمتطور للقانون الإنساني الدولي النواة الأساسية، المعرفية والأخلاقية والإنسانية والعرفية، التي أفسحت في المجال للتدخل الأممي الإنساني في الدول، فيما إذا وقعت جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة الجماعية. بل أنّ هذه المنظومة تطورت نحو إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، على افتراض مؤداه أنّ القادة والمسؤولين الذين يتحملون، بحكم مواقعهم وأدوارهم، مسؤولية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية يجب أن لا يفلتوا من العقاب العادل.

إنّ العالم شهد ويشهد تغيّرات مهمة، سواء في بنية النظام الدولي أو إدارته أو أولويات موضوعاته، حيث تجاوزت متطلبات العمل الإنساني القواعد التقليدية، وفي مقدمتها الطبيعة الخيرية للاستجابة الإنسانية. إذ أصبح ممكناً للمجتمع الدولي ممارسة مسؤولياته، التي تقتضي أحياناً تخطي السيادة الوطنية للدول والتدخل في شؤونها عند الحالات الطارئة، سواء تم ذلك عبر فرض العقوبات الدولية، أم عن طريق استخدام القوة في أسوأ الحالات، بهدف إنقاذ حياة المواطنين.

وفي الواقع لم يعد من الممكن التمييز الكلي بين الداخلي والخارجي، بين الوطني والعالمي، بسبب ثورة الاتصالات وتشابك المصالح والمشتركات الإنسانية، وإذا لم يعد من الممكن التعامل مع الدولة حسب نموذج 'الصندوق المقفل' لأنه لم يعد مقفلاً على صعيد الواقع فإنه أيضاً ليس من الممكن فتح الدولة كلياً للخارج، مما يفترض تحديد شروط التدخل وكيفية تنفيذه، مثل تحديد ما يعتبر 'صاعق التفجير' للتدخل أو لحظة حتمية اللجوء إليه، ومثل اعتماد مقاربة تدريجية لمحاولة إحداث تسوية للأزمة لتلافي التدخل المباشر. وفي حال الفشل في ذلك تحديد الطرف الذي يقوم بالتدخل، إذ من المفترض أن تكون الأمم المتحدة بقوات سلام أممية، أو من خلال إعطائها غطاءً شرعياً لمؤسسة دولية للقيام بذلك، شريطة أن يتم تحت مظلتها وأن تقود هي التدخل.

ويعكس المشهد الإنساني الراهن عدة عناصر من أهمها:

(1) - حق المساعدة الإنسانية، من كونها استجابة خيرية تحكم علاقات الأطراف إلى حق للضحايا في تلقي المساعدات الإنسانية. وأعتقد بأنّ النظر إلى المساعدات الإنسانية على أنها حق يلغي تقديرات الاستجابة الطوعية ويزيل عوائق وصول المساعدات للضحايا التي قد تضعها السلطات لأي سبب من الأسباب.

(2) - حق التواجد الإنساني، إذ يبدو واضحاً أنّ تسييس العمل الإنساني يعبر عن المشهد الراهن لتدخل بعض الدول لإيصال المساعدات الإنسانية، وإن تم ذلك باستخدام القوة. في حين اختبأت دول أخرى وراء ستار السيادة لمنع وصول المساعدات وفي بعض الأوقات ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، كما هو الحال في سورية منذ آذار/مارس 2011.

وهكذا، يقتضي التدخل الإنساني إمكانية تقديم المساعدة الإنسانية ولو بوسائل عسكرية إذا استدعى الأمر ذلك، عبر مناطق وممرات آمنة، من أجل إغاثة السكان ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، دون الحصول بالضرورة على موافقة الدولة المعنية. ولاشك أنّ المفهوم واجه - منذ البداية - عاصفة من التشكيك والانتقاد ما فتئت تتصاعد، خصوصاً مع تكريس طابع الانتقائية والتسييس لبعض العمليات التي تمت تحت شعار الديمقراطية والتدخل الإنساني منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن.

ففي 11 أيار/مايو 1993 تم التوقيع على خطة سلام تهدف إلى إنهاء الحرب البوسنية المشتعلة في وسط أوروبا، وحسب الخطة كان يتعين على صرب البوسنة وقف قصفهم لسراييفو، حيث يقاسي المسلمون البوسنيون من حصار امتد لسنة كاملة، وكانت الفكرة الداعمة لإمكانية نجاح الخطة هي احتمال تدخل القوى الغربية عسكرياً لضمان تطبيق وقف إطلاق النار. ولم تحدث النقلة النوعية إلا في تموز/يوليو 1995 عندما قتل صرب البوسنة أكثر من سبعة آلاف مسلم في سيبرينتشا، وهي اللحظة التي قرر فيها الغرب التحرك لوقف المجازر، فاستخدم حلف شمال الأطلسي سلاح الجو لوقف هجمات الصرب على سراييفو. وبحلول كانون الأول/ديسمبر 1995 كان حوالي 60 ألف جندي من قوات 'الناتو' يشقون طريقهم في اتجاه البوسنة لتطبيق اتفاق السلام. وبحساب الكلفة البشرية خسر مسلمو البوسنة الآلاف من الأبرياء، ما بين عامي 1993 و1995.

ومن جهة أخرى، هناك جرائم دولية حددتها النصوص والمعاهدات والاتفاقيات الدولية كجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، ووضعت قواعد خاصة بشأنها كمبدأ المساواة بين المساهمين لناحية المسؤولية الجزائية وعدم خضوع جرائمهم لمرور الزمن وعدم إفلات المسؤولين من العقاب، مهما علت وظيفتهم في الدولة، وعدم سريان الحصانات الدبلوماسية بحقهم (الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش ومعاوناه كاراديتش وميلاديتش)، والحال فإنّ ما يحصل في سورية من أعمال وحشية ترقى إلى مصاف جرائم ضد الإنسانية، من شأنها أن تضع النظام السوري وبطانته في مرمى العدالة الدولية، وفي يوم ليس ببعيد.

والأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: هل سيستطيع الشعب السوري الأعزل وحده إيقاف جرائم سلطة استبداد النظام السوري وشبيحته، أم أنه سيحتاج إلى الدعم الدولي، وما هو دور هذا الدعم وحدوده ؟ ألم يصل المجتمع الدولي بعد إلى أنّ خريطة طريق المبعوث الدولي العربي كوفي عنان، بما فيها المراقبين الدوليين الذين لم يستطيعوا حماية الشعب السوري، بل أنّ عدد القتلى قد وصل إلى ما يزيد عن 1000 شهيد بالرغم من وجودهم؟ وهل يتوجب على السوريين، الذين يحتاجون لمؤازرة الأسرة الدولية للانعتاق من قهر سلطتهم الفاسدة أن يدفعوا ثمن تلك المساندة وفق تسعيرة تفرضها شروط المصالح الدولية والإقليمية؟

ومع أنّ نتائج التدخل الإنساني قد لا تكون مثالية في جميع الأحوال، إلا أنها ساهمت في إنقاذ حياة الناس وهيأت الظروف للوصول إلى تسوية سياسية. وهذه هي الرؤية التي يتعين استحضارها في الحالة السورية المستمرة منذ أكثر من ثلاثة عشر شهراً، بعد أن شكل التضارب في المصالح الإقليمية والدولية نقطة الإنقاذ الأساسية لسلطة الاستبداد.

إنّ الأثر الأكثر تشاؤماً، الذي تركته لا مبالاة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة أمام المأساة السورية، هو شعور السوريين بالمرارة، التي قد تدفعهم لتقبل مساعدة الجماعات الجهادية التي تبحث لنفسها عن قضية وأرض وشعب لقيادة المعارك، مما قد يؤسس لنوع من الانكفاء على الذات ورفض العرب والعالم ومخاصمتهم، في عصر سمته الأساس هي الانفتاح والشراكات الإقليمية والدولية.

-*--*--*--*--*--*-*

أعرب روسيّا سوريّاً  .. حازم صاغيّة

السبت, 05 مايو 2012

الحياة

الدور الروسيّ في المنطقة، وتحديداً في سوريّة، نذير شؤم مؤكّد. والشؤم يكون أكبر كلّما كان الدور الروسيّ أكبر. فهذا «الحوار» الذي تريد موسكو أن ترعاه، والذي يعوّل عليه خليط من أتباع النظام السوريّ ومن البسطاء والسذّج ومن الذين يُتعبهم طول الطريق، هو نقطة تتقاطع عندها تيّارات سيّئة فينا وفي روسيّا، معلنةً حجم الانسدادات والاخفاقات في الطرفين.

والحال أنّ تضخّم هذا الدور يشي بأنّ الغرب غير جاهز وغير مستعدّ ل «التورّط» ضدّ الحاكم السوريّ أو سواه من حكّام تلفظهم شعوبهم. وهذا إذا ما تعدّدت أسبابه، وفي عدادها الانتخابات الأميركيّة والتوجّهات الإسرائيليّة، فإنّه يبقى شهادة على ضعف النظام الدوليّ وعلى ارتباكه. فإذا ما أتاحت نهاية الحرب الباردة، المصحوبة بتصدّع روسيّ، أعمال تدخّل إنسانيّ تجرّأت على مبدأ «السيادة الوطنيّة»، فإنّ الصحوة الروسيّة على يد فلاديمير بوتين كانت صحوة للسيادات الاستبداديّة المسمّاة تزويراً وطنيّةً. وحين يطرح الغرب علامات تعبه واستكانته أمام تلك السيادات الجائرة يكون هذا خبراً سيّئاً للعالم كلّه ولمسائل الحرّيّة والتقدّم فيه.

وتضخّم الدور الروسيّ يشي أيضاً بأنّ النظام السوريّ فقد مناعاته الداخليّة تماماً، إلاّ أنّه يشير أيضاً إلى أنّ المجتمع لا يزال عاجزاً عن حسم الصراع معه وعن وقف قدرته على ممارسة البطش الخالص. مثل هذا التوازن، مع اختلافات كبرى بالطبع، سبق أن خبرته سوريّة أواسط الخمسينات: آنذاك كان الدخول الروسيّ إليها، من باب التسلّح، مقدّمة لدخولها في مجهول لم تخرج منه إلاّ بوحدة 1958 التي أزالت وجودها كدولة وطنيّة. وأيضاً مع الاختلافات، يمكن أن نضع اليوم إيران الخمينيّة حيث حلّت آنذاك مصر الناصريّة.

ويشي تضخّم الدور الروسيّ برغبة مخيفة لا تبعث إلاّ على التشاؤم، هي أن يغدو الطرف الأقوى في تقرير مستقبل المنطقة أقلّ قوى العالم تقدّماً وأقلّها ديموقراطيّة، بل أقلّها قوّة بالمعنى المتكامل لكلمة «قوّة». وهذا، إذا ما كُتب له التحقّق، يعني ربط سوريّة، ومن ورائها المشرق العربيّ، ببلد معاق في تطوّره السياسيّ، آلت إعاقته هذه إلى مسخ اشتراكيّته لتصير ستالينيّة، ثمّ مسخ ليبراليّته لتصير يلتسنيّة، قبل أن تستقرّ الأمور فيه على نظام بوتينيّ مهجّن.

ولأنّه نظام معاق، فإنّ الصلة به لا تؤول إلاّ إلى تحكيم الجيوش، مرّة أخرى، في مصائر شعوبنا. ذاك أنّ الجيوش هي الفئة الاجتماعيّة الوحيدة التي تجيد روسيا التعاطي معها، ليس فقط لعجزها عن إنتاج نظام ديموقراطيّ يتفاهم مع مدنيّين، بل أيضاً لبراعتها في إنتاج السلاح سلعةً وحيدة للتصدير الخارجيّ. وهذا يعني، بين ما يعنيه، أنّ ازدهار الصلة بروسيا ازدهار للاستبداد الداخليّ من جهة، ولقضايا التوتّر الإقليميّ الدائم من جهة أخرى. فالحياة الطبيعيّة تقود حكماً إلى الغرب، فيما القضايا المنفوخة، التي يراد إحياؤها اصطناعيّاً إلى ما لا نهاية، فتقود إلى موسكو.

... أغلب الظنّ أنّ الشعب السوريّ إذ يمضي في إسقاط نظامه، يكون يعلن إسقاطه الخيار الروسيّ وإسقاطه روسيّا كخيار له.

-*--*--*--*--*--*-*

أدوات قديمة لا تصنع جديدا .. منذر خدام

الشرق الاوسط

5-5-2012

كثرت في بداية عهد بشار الأسد مساعي السوريين لتأسيس أحزاب سياسية، بحيث تجاوز عدد الأحزاب الليبرالية وشبه الليبرالية منها العشرين حزبا. وإذا ما أضيف إليها ثلاثة عشر حزبا كرديا، والأحزاب الخمسة المنضوية في إطار التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب العمل الشيوعي، وتيار قاسيون، والمنظمة الآشورية، وثلاثة فصائل (أحزاب) للقومي السوري الاجتماعي، إلى جانب الأحزاب المنضوية في إطار الجبهة الوطنية التقدمية، يمكن القول: إن في سوريا تعددية حزبية، يدل عليها وجود أكثر من خمسين حزبا سياسيا، ومنذ بداية ثورة الشعب السوري من أجل حريته وكرامته وبناء نظام سياسي ديمقراطي تسارعت عملية تشكيل الأحزاب بحيث تجاوز عددها اليوم المائة حزب. بعضها جاء تشكيله بدافع من الانتفاضة، وبعضها الآخر جاء بتحفيز من قانون الأحزاب الذي أصدرته السلطة السورية، أو بتحفيز وتشجيع ودعم مباشر من السلطة ذاتها، وذلك من أجل إعطاء صورة موحية بأنها تجاوزت مسألة الحزب القائد في المجتمع والدولة باتجاه تعددية حزبية وسياسية نص عليها دستورها الجديد. إن عودة الروح السياسية للمجتمع بدافع من الانتفاضة كان أمرا متوقعا، ويمكن تفهمه في مجتمع حرم لعقود طويلة من ممارسة حياة سياسية طبيعية.

من جانب آخر، فإن هذه الأحزاب السياسية المعلنة في سوريا، رغم كثرتها، لا تؤشر إلى حياة سياسية طبيعية في سوريا، أو إلى سياق معين ليصيرها كذلك، بل إلى مزيد من التشويه سوف يتكشف أكثر فأكثر بعد انتصار الثورة وذلك عندما يتسارع تشكيل الأحزاب الأهلية والإقوامية والجهوية وتراجع الأحزاب الوطنية الجامعة. بطبيعة الحال أسباب ذلك كثيرة، بعضها يعود إلى أثر الاستبداد المزمن في تكوين شخصية المواطن السوري، وبعضها الآخر يعود إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بحياة السوريين، التي حولتهم إلى كائنات غير سياسية، حدود اهتماماتها يرسمها البيولوجي بما هو بحث عن مقومات الوجود، بالمعنى المباشر للكلمة، ولا يخفى دور الفساد المعمم في ذلك، بما رسخه من قيم وسلوك في حياة الناس. تفتقر الأحزاب السياسية في سوريا إلى الجماهير. إنها أقرب إلى التشكيلات الفوقية النخبوية، لا فرق في ذلك بين أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة، ولا يشذ عن ذلك حتى حزب البعث بمنتسبيه الذين يقارب عددهم المليوني عضو، لقد برهنت الثورة على أنهم أرقام دفترية فحسب، سرعان ما كشفت الثورة عن عدم جدواهم في الدفاع عن حزبهم وسلطته، بل انقلبوا عليه ليشكلوا قوة من قوى الثورة الميدانية في أكثر من مكان.

وهي أيضا، في غالبها الأعم، أحزاب تناسلت بعضها من بعض، فتلك التي في السلطة لها مثيلات في المعارضة، لا تكاد تختلف عنها كثيرا، ربما إلا من حيث مصالح ومزاج الأشخاص الواقفين عليها. الأحزاب في سوريا أحزاب استبدالية تتحدد سلبا بعضها ببعض الآخر، وحتى الأحزاب التي تدعي العلمانية والليبرالية لا تشذ عن ذلك، بل إن بعضها (الليبراليون الجدد) يكاد يكون أكثر تطرفا في تحدده السلبي بدلالة الأحزاب الأخرى المختلفة عنها.

ورغم صخبها الديمقراطي، فإن الأحزاب السياسية في سوريا هي أحزاب غير ديمقراطية، لأن من تصير في ظروف غير ديمقراطية لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، خصوصا أن كابوس الاستبداد لا يزال يملأ جميع مسام الحياة الاجتماعية في سوريا. واقع الحال يشير إلى أن الأحزاب في سوريا هي أقرب إلى الأخويات التي تجمعها طقوس السرية، أو طقوس الخطاب السياسي بمفرداته الخشبية التي تدل عليه ويعرف من خلالها. الحقيقة بالنسبة للخطاب الطقوسي دائما كاملة، فهي مسطرته التي يقيس بها مواقف الآخرين، والتي يحدد بالقياس إليها علاقاته الممكنة مع غيره من الأحزاب، أو القوى والشخصيات العامة، هذا يعني أن الخطاب السياسي في سوريا لا يزال محكوما بثنائية الأبيض والأسود، ويرفض منطق المساومات والحلول الوسط.

إن العقل المنتج لهذا الخطاب هو عقل ديني طقوسي بامتياز، لا يستطيع التفريق بين ما هو ممكن نظريا وما هو ممكن عمليا، يتوهم أن ممكناته دائما عملية وواقعية، وممكنات الآخرين نظرية، بل خاطئة أيضا. وبصفته هذه فهو عقل تكفيري بالضرورة، يقف في مواجهة الآخر بصفته مبشرا وهاديا، أو نافيا له، لا بصفته طرفا في علاقة حوارية، يبحث عن فسحة رمادية للتلاقي. وهذا يفسر عجز القوى السياسية السورية عن التلاقي والعمل المشترك، في إطار حركة عامة، أو تيار أو جبهة. في الواقع هذه المفاهيم الأخيرة لا تزال غريبة عن العقل السياسي السوري، أو ليست متأصلة لديه.

من المؤسف حقا أن القوى السياسية المعارضة رغم حاجة الثورة السورية إلى من يمثلها في الحقل السياسي ويعبر عن مطالبها فإنها بقيت متمسكة بتخوم تمايزها التي نسجتها مخيلتها، وهي بذلك قدمت خدمات موضوعية للنظام الاستبدادي السوري. واليوم وأمام استحقاق اجتماعها القادم في القاهرة فإنها مطالبة بتجاوز تخوم وهمها، وأن تنتقل من وضعية ادعاء التمثيل وتقديم المطالب للآخرين، إلى وضعية تقديم الحلول والعمل المشترك عليها، سواء في مواجهة السلطة، أو من أجل تكريس وعي ديمقراطي بها، يمهد لاستجماع القوى المجتمعية حولها، لممارسة مزيد من الضغوط لإسقاط النظام وإنجاز التحولات المطلوبة من وضعية الدولة الأمنية إلى وضعية الدولة الديمقراطية.

لقد ذكر نبيل العربي في أحد لقاءاته مع معارضين سوريين أن أكثر من ثمانين تشكيلا سياسيا سوريا معارضا تقدم إليه بادعاء تمثيل الحراك الشعبي وثورته، وإذا أضيف إليهم دكاكين المثقفين تصير اللوحة شديدة التعقيد، في هكذا وضعية يصير الرهان على نجاح مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة الذي دعت إليه جامعة الدول العربية أقرب إلى الخسارة. ومع أن هناك محاولات جادة، من حيث الشكل على الأقل، أو لنقل من حيث توفر النية، للخروج من هذه الوضعية الآسنة للقوى السياسية المعارضة، يمكن ملاحظتها عند هذا الحزب أو ذاك، أو لدى تجمع هنا أو تجمع هناك، إلا أن القضية بمجملها لم تخرج عن الإطار النخبوي العام. إن الأحزاب السياسية المعارضة في سوريا محكومة بالتجاوز، إنها أدوات قديمة لا تصلح لصنع جديد.

-*--*--*--*--*--*--*-*

"140 حرفا" بعبع الدكتاتورية ..! .. جعفر الوردي

مع تطور الإعلام وطرقه، يطفو على السطح الإعلام الجديد المتمثل بمواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك – تويتر)، وأقول إعلاما جديدا؛ لأنه أصبح بمفعول يساير القنوات الفضائية والصحف اليومية..

المؤسسات الإعلامية كلها تجري حسب معطيات ومصالح أصحابها أو من يرأسها، وإن كانت نزيهة ومهنية فهي تجري حسب معطيات الدول ومصالحها وما يحلو لها.. إذن ليس ثمة إعلام نزيه ينشر الحقيقة الحقة كما هي، إلا اللهم..

لذلك كان للإنترنت فضاء كبيرا في أنفس الناشطين والمثقفين وخاصة الشباب، فلم تستقبلهم مؤسسات إعلامية ولا صحفا يومية، فلذا لجأوا إلى التغريد والنشر كما يحلو لهم دون رقابة أو وزارة أو طلبات، كما هي حالة الروتين في جميع المؤسسات..

غاية ما يتطلب منك الأمر أن تمتلك جهاز كومبيوتر أو جهازا محمولا ذكيا، وعندها أنت مالك للإعلام والرأي ..!!!

نعم ب 140 حرفا تستطيع أن تفعل ما لا تفعله حلقات مطولة ونقاشات ممنهجة، فهي كفيلة بأن تحرك عرشا لطاغية أو تبدد هيبة لفاسد، أو تفضح سرا لمنحرف..

وجهة الشباب المثقف، وطالبي الحرية والعدالة، وفاضي الفساد والاستبداد لم تعد تحتاج إلى دفع أموال وتبني مشروعات لأهدافهم، بل أقل من ذلك بكثير وكثير ..

فعادت عروش الطغاة مهددة بالانقراض مع هذه ال140 حرفا، وأصبح هَمُّ الحكومات ومباحثها أن تتابع مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قرّبت هذه المواقع البعيد وسهلت العصيب، وروّضت شراسة الحيوانات المفترسة في المجتمعات..

إذن ليس الخيار خيار قناة ومنعها أو إعلامي وكبته، بل أكبر من ذلك وأعظم، وهذه عروش الطغاة تتهاوى يوما بعد يوم، وما عرين البطة عنها ببعيد، فهو يتهاوى شيئا فشيئا أمام هذا الزخم الإعلامي المتزايد، وكل ذلك بفضل الشباب الناشط على المواقع جميعها، حيث كانت صفعةً أليمة له، كان قد نجا منها السفاح أبوه، بفضل أن لم يكن ثَمّ إعلام ولا توثيق..

أما الآن فما يحصل في قرية نائية من صحراء بلد ما، تراه بعد دقائق مصورا وموثقا وأنت في أبعد الأماكن والبقاع..

فليس أمامنا الآن إلا صفاء النيات ..! أمام هذه الموجة العارمة التي لا تبقي ولا تذر ... وهذا بلاغ لأصدقائي الحكام، حيث في عالم تويتر كلنا أصدقاء وليس لك من قدسيتك إلا اسمها ووسمها ...!

-*--*--*--*--*--*--*--*--*

أوباما يريد تأجيل الثورة السورية إلى ما بعد الانتخابات .. راغدة درغام – نيويورك

الجمعة, 04 مايو 2012

الحياة

سيسعى القائمون على الحملة الانتخابية لإعادة انتخاب الرئيس باراك أوباما لولاية ثانية، إلى إبعاد مسائل السياسة الخارجية، سيما تلك التي قد تورط الولايات المتحدة في نزاعات وحروب. سيعملون على إبراز قتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن بصفته أهم انجاز للرئيس أوباما، أقله من ناحية الأمن القومي الأميركي، وبصفة العملية بحد ذاتها شهادةً على شخصيته وقيادته. ما عدا ذلك من أمور سيدخل في خانة إدارة الأزمات إذا كان في قدرة حملة أوباما ضبط الصراعات واحتواؤها وإبعادها الى ما بعد شهر تشرين الثاني (نوفمبر) موعد إجراء الانتخابات الرئاسية. هذه الإستراتيجية لها مبرراتها، نظراً لانزواء الناخب الأميركي في شبه انعزالية، وإيلائه الأولوية القاطعة لما يؤثر في معيشته وحالته الاجتماعية وديون الدولة ونسبة البطالة ومستقبل الاقتصاد. الا ان مخاطر هذه الإستراتيجية جدية، كما أنها ليست مُصانة بسبب طبيعة الحدث، سيما في منطقة الشرق الأوسط واحتمال انزلاقه الى مرتبة لن يكون في المستطاع تجاهلها، فالرئيس الأميركي أعلن من أفغانستان هذا الأسبوع ان دور الولايات المتحدة في الحرب الأفغانية يقترب من نهايته، لكن الولايات المتحدة لن تتخلى عن هذا البلد ولا عن استكمال الحرب على «القاعدة». قال إن التغلب على «القاعدة» بات في متناولنا. خاطب مواطنيه من كابول بعد أكثر من عقد من الحرب في أفغانستان، التي زارها لست ساعات بصورة سرية ومفاجئة بمناسبة الذكرى الأولى لمقتل بن لادن. لكن الحرب على «القاعدة» لم تعد حصراً في أفغانستان، ف «القاعدة» تملك قواعد في باكستان واليمن -وكلا البلدين في وضع قابل للانفجار-. إدارة أوباما ليست غائبة عن ملاحقة «القاعدة» في باكستان أو داخل اليمن، إنما اليمن يتطلب معالجة أعمق، إذ إنه يقترب من التحول الى دولة مارقة مُصدِّرة لنوع جديد من التطرف والإرهاب قد يجعل منه صومال أو أفغانستان اخرى. السودان أيضاً قنبلة مؤقتة ستتطلب إزالة فتيل التفجير منه إجراء حديث معمق وجدي بين الصين والولايات المتحدة، حيث للاثنتين أدوار تمتد من المصالح النفطية الى لعب واشنطن دور عرّاب تقسيم السودان. العراق ليس حدثاً مضى، وإنما مازال مهدَّداً بالتقسيم والحرب الطائفية الأهلية.

مصر تدخل مرحلة تاريخية خطيرة لن يفيد فيها أسلوب الإنقاذ عبر ضخ المال بعد فوات الأوان. إيران تشكل خنجراً في خاصرة الولايات المتحدة تخشى إدارة أوباما سحبه وتبذل قصارى جهدها لإبقائه على قدر عمقه، ففي إيران تضيع إدارة أوباما بين الترغيب والتهديد، ونحو الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعرّي إدارة أوباما نفسها، فهي لا تريد عملاً عسكرياً ضد ايران، وهي لا تريد تكبيل الجمهورية الإسلامية عبر مسمار العجلة الأساسي لها، أي حليفها السوري. أما في سورية، فإن ما يحدث هناك قد يرتد على إستراتيجية كل من القائمين على حملة إعادة انتخاب أوباما، وكذلك على إستراتيجية القائمين على إبقاء حكم بشار الأسد ونظام البعث، فمن هناك ربما يأتي الحدث الذي قد يجبر أوباما على الكف عن الهروب الى الوراء. أما إطالة الوضع الراهن، بكل ما فيه من تمادي النظام السوري في سياسة إنهاك المعارضة وإنهاك الأسرة الدولية، فإنه سيسفر في نهاية المطاف عن تنمية التطرف ونموه وحشاً خطيراً في هذه المنطقة المهمة إستراتيجياً، ولن تفيد عندئذ سياسة دفن الرؤوس في الرمال.

سورية محطة مهمة للحملة الانتخابية لباراك أوباما مهما تمنى القائمون على الحملة تحييدها أو تفاديها، ففي سورية تتقاطع العلاقة الأميركية-الإيرانية والعلاقة الأميركية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات، ذلك ان السياسة الأساسية التي اعتمدتها هذه الدول عازمة على عدم التعايش مع النظام السوري تحت أي ظرف كان من جهة، ومن جهة أخرى، ان بعض هذه الدول، والسعودية بالذات، تقرأ السياسة التي تقوم على التعايش مع النظام في دمشق على انها سياسة المحافظة على النظام في طهران ودعم الملالي حتى في طموحات الهيمنة الإقليمية التي لطالما راودتهم.

صحيح ان العلاقة الأميركية-السعودية لن تتدهور الى الحضيض بسبب الأسباب الإستراتيجية والتاريخية المتعددة في هذه العلاقة. انما عمق الفجوة بخصوص سورية سيترك أثره بالغاً إذا أسفرت سياسة إدارة أوباما عن دعم بقاء النظام في دمشق وتشجيع النظام في طهران على المضي بنهجه، فهذا ليس خلافاً عابراً. والمملكة العربية السعودية لن تتمكن من التراجع عما آلت اليه سياساتها، سيما بعدما -ولأول مرة- جعلتها علنية وواضحة وعازمة، فالقضية وجودية للرياض في ما يتعلق بالجمهورية الإسلامية في إيران، وبالتالي من المفيد لإدارة أوباما ألا تأخذ الأمور على انها «بزنس كالعادة»، فلقد طرأ تغيير على السياسة السعودية في السنتين الماضيتين يجب أخذه على محمل الجد والتعمق في أسبابه وأبعاده. فهذا بلد عربي مهم وله نفوذ ووزن يجب أخذهما بجدية عند رسم السياسة الأميركية نحو منطقة الشرق الأوسط.

ثانياً، بغض النظر عن الموازين الإقليمية وصراع النفوذ في الشرق الأوسط، ان المسألة السورية داخلية أولاً، ولقد بدأت الانتفاضة الشعبية في سورية سلمية في البداية، الى ان واجهتها الآلة العسكرية القاتلة للنظام في دمشق. الآن، وبعدما وصل عدد الأرواح التي سقطت في سورية حوالى 11 ألفاً، ليس من المعقول التفكير بأن في قدرة النظام العودة -كالعادة- الى «بزنس»، فلقد تحطمت العلاقة التقليدية مع الحكم ومفاتيحه وهالته والخوف منه. لن يكون في الإمكان إعادة المياه الى مجاريها.

الاختباء وراء الأمين العام السابق للأمم المتحدة، المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي أنان، بات فاضحاً، فخطته قائمة على بقاء النظام وليس على تسليم مفاتيح النظام الى محاور من أجل صياغة عملية سياسية انتقالية. جامعة الدول العربية تدرك ذلك، كما تدرك انها تسلقت هبوطاً من قرارات 22 كانون الثاني (يناير)، التي قامت على أساس العملية السياسية الانتقالية. وضعت نفسها في أيادي كوفي أنان، الذي بدوره وضع نفسه خارج إطارها، فتصرف أساساً كمبعوث أممي أولاً، وكمبعوث عربي هامشياً. وحتى مع الأمم المتحدة، وضع كوفي أنان نفسه فوق الولاية أو المحاسبة. انه يرفض التوجه الى نيويورك لمخاطبة مجلس الأمن ويتصرف فوق ولاية من المجلس، لأن المجلس ليس الجهة التي أصدرت قرار إنشاء ولايته. يتصرف وكأنه أمين عام موازٍ للأمين العام بان كي مون -مع انه فعلياً مبعوث له وولايته أتت بقرار من الجمعية العامة-، ولذلك أنشأ انان أمماً متحدة مصغرة في جنيف، من حيث يعقد المؤتمرات وعلم الأمم المتحدة يرفرف وراءه.

خطة أنان ليست سيئة، بالرغم من انها انطلقت من إبقاء النظام في دمشق وليس على أساس تسليمه مفاتيح السلطة الى حكم تعددي. السيء هو «طول نفس» أنان في وجه تمادي دمشق بالانتهاكات وعدم تنفيذ الوعود وتغيير قواعد اللعبة لدرجة السماح لأركان النظام السوري بتحديد خريطة الطريق وإملاء الشروط حول مَن يسير عليها والى أين.

متى ينفد الصبر الذي تهدد به الإدارة الأميركية يومياً؟ البعض يقول ان المهلة الزمنية التي في ذهن كوفي أنان هي ال 90 يوماً التي أعطاها مجلس الأمن في قرار إنشاء بعثة المراقبين التي بدأت الوصول الى سورية، بل إن أنان طلب ميزانية لسنة كاملة بمبلغ 8 ملايين دولار لمهمته السياسية. نفاد الصبر لا يبدو أبداً في أفق أنان، فهو لا يريد فشل مهمته، وجاهز للتأقلم مع المعطيات بما يضمن عدم الفشل، أي أن انان ليس جاهزاً لمواجهة مع النظام في دمشق، بل هو أكثر جهوزية لتلبية طلب دمشق وموسكو بتحميل المعارضة المسؤولية.

لكن الفارق كبير بين إلقاء القدر نفسه من اللوم على المعارضة، كما على النظام، في إطار العنف، وبين تقديم المساعدة الى أركان المعارضة لتشكيل جبهة سياسية للتفاوض لها صدقية. فريق أنان يقوم بالمهمتين، وهذا خطير، لأنه يمكّن النظام في دمشق من التملص من كونه المسؤول الأول عن العنف، وكذلك يعطيه فسحة التنفس وإعادة فرز أوراق «المحاور» فيما تنصبّ الجهود والضغوط على المعارضة.

وللتأكيد، فإن رعاية الحوار بين أقطاب المعارضة واللاعبين الدوليين مسألة جداً ايجابية، لأن من الضروري لجم شهية أمثال الإخوان المسلمين للسيطرة على الحاضر والمستقبل في سورية، بناءً على فورة صعود الإسلاميين الى السلطة في المنطقة العربية. هنا، القلق والدور الروسيان في محلهما، نظراً لأن روسيا تجد نفسها مطوقة بخمس جمهوريات إسلامية لا تريد صعود الإسلاميين فيها الى السلطة.

مثل هذه المشاغل الروسية يمكن توظيفها إيجابياً في التأثير على مواقف مختلف أطياف المعارضة السورية وطموحاتها. بل أصدر الإخوان المسلمون، ولأول مرة، بياناً قبل بضعة أسابيع يُعتبر ثورياً، إذ إنه انطوى على تعهدات لم يسبق أن قطعها الإخوان المسلمون على أنفسهم، من التعددية الى احترام حقوق الأديان الأخرى في الحكم وفي المجتمع. مثل هذه المواقف تتطلب تقنينها في شبه ضمانات كي يكون في الإمكان طمأنة أطراف المعارضة الآخرين وليس فقط أولئك الذين يتخوفون من تملك الإخوان المسلمين السلطة واستفرادهم بها.

نائب المبعوث الأممي العربي المشترك، ناصر القدوة، يلعب دوراً مع المعارضة وما بين أطرافها. دول أخرى عيّنت خبراء رفيعي المستوى للمساعدة في تجهيز المعارضة سياسياً. إنما واقع الأمر يبقى ان السلطات السورية ترفض حتى استقبال، أو الاعتراف بناصر القدوة نائباً لكوفي أنان. واقع الأمر ان إجراءاتها على الأرض تنهك المعارضة وتدمر بنيتها التحتية فيما العالم ينتظر تقريراً آخر من كوفي أنان.

الدول الكبرى منقسمة، وزير خارجية فرنسا ألان جوبيه يتحدث عن الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن الذي يتضمن فرض عقوبات أو ممرات إنسانية آمنة على سورية، وزارة الخارجية البريطانية استدعت المساهمات في تشكيل ملف يسجل تجاوزات وانتهاكات النظام السوري، تهيئةً لإحالته على المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أما الإدارة الأميركية، فإنها أحياناً تتحدث بنبرة «بدأ صبرنا ينفد»، وبتكرار بلا ترجمة فعلية، وأحياناً أخرى تعمل بجدية وراء الكواليس للجم الدول العربية التي تريد تسليح المعارضة أو إنشاء ممرات آمنة، وذلك باسم العملية السياسية والخوف من الحرب الأهلية ومن... القاعدة. أما حلف شمال الأطلسي، فحدِّث ولا حرج، انه يتعهد للنظام في دمشق بأنه لن يوجه ضربة عسكرية مهما حصل.

كل هذا لا ينفي ما يحدث وراء الكواليس من استعدادات لمرحلة ما بعد الفيتو الروسي الثالث أو الرابع أو الخامس في مجلس الأمن، بعد إنهاك الصبر والديبلوماسية، فالكلام يزداد على إنشاء تجمع للدول لن يحتاج قراراً لمجلس الأمن للتدخل العسكري ولن يرضخ الى الفيتو الروسي أو الصيني كما حدث في يوغوسلافيا السابقة.

البعض يقول إنه كان أجدى لكوفي أنان لو بدأ سياسة الترغيب مع بشار الأسد بعدما تحرك بغموض وجدية في مقر حلف شمال الأطلسي، وكذلك في تركيا، لكانت الرسالة واضحة وقوية. البعض الآخر يقول ان إصرار أنان على إيفاد بعثة المراقبين من 300 عنصراً حتى بعدما تراجعت الحكومة السورية عن تعهداتها بسحب جيشها من الثكنات وإخلاء المراكز السكنية انما يهدد أرواح المراقبين ويجعل من المسألة قنبلة موقوتة.

بغض النظر عن صحة هذا أو ذاك، فإن دخول مراقبين دوليين عقر الدار السورية قد يؤدي الى إنهاك النظام، ذلك انه بات تحت المراقبة.

لكن التصدي لسياسة دمشق القائمة على إنهاك المعارضة وانهاك السياسة الدولية يتطلب بالتأكيد كف إدارة أوباما عن إرباك الآخرين، حيناً بتعهد خالٍ من الأسنان، على نسق حان وقت رحيل الأسد، أو بدأ نفاد الصبر، وحيناً آخر بظهور هذه الإدارة في حاجة ماسة الى إقناع الطرفين –الحكومة والمعارضة– بإبعاد ملف سورية عن الانتخابات الأميركية، فواشنطن تريد تأجيل الثورة وتأجيل مسيرة التغيير في المنطقة العربية الى ما بعد الانتخابات. لكن العالم لن يتوقف بالضرورة، فالتأجيل والمماطلة قد يرتدان على منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة وسواساً ووحشاً لجمه سيكون مكلفاً.

-*--*--*--*--*--*

خطة أنان وخطط أمريكا: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً! .. صبحي حديدي

2012-05-03

القدس العربي

رغم أنّ تطبيق بنودها الستة يمكن أن يُلحق الأذى بالنظام السوري، ولعلّ تنفيذ بعض هذه البنود فعل هذا، وسيفعله على نحو أوضح في الفترة القادمة (ومن هنا، يصحّ القول إنّ المعارضة السورية أصابت حين وافقت عليها)؛ فإنّ خطة كوفي أنان، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية، لا يمكن أن تنفصل عن طبيعة الفعل، أو الفاعلية، التي ميّزت عمل منظمة الأمم المتحدة بصفة عامة. كان محتوماً، بذلك، أن تبدأ أولى مظاهر التعثر، أو العرقلة المقصودة، من داخل اجتماعات مجلس الأمن الدولي ذاته (حول مسائل ذات صلة، وأخرى واهية الصلة)؛ ثمّ تمرّ بالوقائع على الأرض (عدد المراقبين، وجنسياتهم، وبروتوكولات عملهم)؛ ولا تنتهي عند المآل الراهن المتوقع: مساواة القاتل بالقتيل، والجلاد بالضحية، والأسلحة الثقيلة للجيش النظامي بالسلاح الخفيف لمقاتلي 'الجيش السوري الحرّ'...

من جانبه، وعلى غرار ما فهم من قرارات الجامعة العربية ونشر المراقبين العرب، انخرط فريق النظام الأمني في ألعاب الخداع والتضليل المكرورة ذاتها، سواء من حيث استبدال وحدات الجيش الموالي بعناصر الأمن (على قاعدة أنّ هذه العناصر ليست مشمولة بالبند الثاني من الخطة، والذي يشترط سحب الوحدات العسكرية والأسلحة الثقيلة)؛ أو إخفاء الدبابات والمدرعات والمدفعية وراجمات الصواريخ، على النحو الكاريكاتوري ذاته الذي استهوى بشار الأسد نفسه (كما فضحته إحدى رسائله الإلكترونية، حول لعبة إخفاء الدبابة). ألعاب أخرى تضمنت إطلاق سراح عدد محدود من الناشطين، من باب الإيحاء بتطبيق البند الرابع من الخطة، ثمّ اعتقال دفعة جديدة تعوّض الفرق (كأن يتمّ الإفراج بكفالة عن الصبية يارا ميشيل شماس، 21 سنة، على أن تتم محاكمتها بسلسلة تهم تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام؛ ولكن ليس قبل اعتقال الناشط المخضرم سلامة كيلة، 57 سنة، والطبيب جلال نوفل، 49 سنة).

أحوال خطة أنان هي من أحوال خطط الأمم المتحدة، إذاً، وخير الركائز في استنتاج حصيلتها هي تلك الحكمة العتيقة التي تقول: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً/ ولكن لا حياة لمن تنادي! ليس الأمر جديداً، بالطبع، ولا هو ناجم عن حال الاستقطاب الراهنة في مجلس الأمن الدولي (بين الغرب من جهة، وروسيا والصين من جهة موازية)، التي تذكّر باستقطابات الحرب االباردة، ولا الأصوات النشاز مقابل 'أوركسترا الديمقراطيات' حسب التسمية المضحكة التي أطلقها روبرت كاغان التي تقودها الولايات المتحدة. هي سمة بنيوية، ببساطة، لا تكفّ عن الانقلاب إلى معضلة بنيوية بدورها، ما دامت مصالح الأمم لها الأولوية على أي مصلحة كونية مشتركة، لأي نظام دولي معتمَد.

وقبل 'قصة النجاح' في ليبيا وهي في الواقع نقيض التسمية، لأنها قصة كارثة ومأساة وجريمة، فضلاً عن كونها عملية للحلف الأطلسي في الحساب الأخير كانت الأمم المتحدة قد فشلت في فلسطين، ولبنان، والصومال، والبوسنة، وكوسوفو، وجورجيا، وأفغانستان، والعراق؛ وتفشل اليوم في سورية، وستفشل أغلب الظنّ في إيران إذا قرّرت واشنطن إعطاء الحليف الإسرائيلي رخصة بشنّ عدوان على منشآت البلد النووية. ومن المفيد التذكير بأنّ الحلف الأطلسي خاض الحرب في كوسوفو دون ترخيص من الأمم المتحدة، وأنّ غزو العراق نفّذته الولايات المتحدة تحت راية ما سُمّي 'تحالف أصحاب الإرادة' المؤلف من 27 دولة، والمبادرة التي تقودها الولايات المتحدة للحدّ من انتشار أسلحة التدمير الشامل تجيز استخدام القوّة في حال الضرورة وبمعزل عن مجلس الأمن الدولي...

الولايات المتحدة، قبل روسيا والصين، هي المسؤولة عن تفريغ المنظمة الدولية من أية فاعلية لا تتطابق مع المصالح القومية الأمريكية، ومصالح الحلفاء الأقربين في المقام التالي. 'لقد عدنا إلى الانخراط مع الأمم المتحدة، وسدّدنا فواتيرنا'، هكذا أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في أوّل خطبة له أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، خريف 2009 (استغرقت 41 دقيقة، أي أطول ب 20 دقيقة من آخر خطبة ألقاها سلفه جورج بوش، فاعتبرها البعض 'فأل خير'!). صحيفة 'نيويورك تايمز' ساقت عبارة الفواتير إياها، من فرط الإعجاب بها، فاختارتها في ركن 'اقتباس اليوم'؛ وأمّا الموقع الرسمي للأمم المتحدة فقد احتفى بالعبارة إلى درجة التزيّد، وإضافة ما لم يقله أوباما بالحرف: أمريكا سدّدت الفواتير المتأخرة عليها!

في الآن ذاته كان الكثير من المعلّقين قد افتُتنوا بواقعة التصفيق الشديد الذي لقيه أوباما (وبلغ دقيقتين متواصلتين في ختام الكلمة، عدا التصفيق المتقطع لهذه الفقرة أو تلك)، مقارنة بنوبات الصمت التامّ، أو التصفيق البارد العابر، حين كان سلفه يعتلي منبر الأمم المتحدة في اجتماعات سابقة. وبذلك لاح أنّ الرئيس الأمريكي اكتسب مزيداً من الشعبية هنا، في المحفل الدولي؛ هو الذي أخذت شعبيته تتآكل تدريجياً هناك، في بلده، وخاصة في تلك الأوساط الشعبية المهمشة التي صنعت الكثير من أسباب صعوده وفوزه.

ولاح، أيضاً، وكأنّ الأولويات الأربع التي حدّدها (الحدّ من التسلّح النووي، سلام الشرق الأوسط، التغيّر المناخي، ومعالجة الفقر في البلدان النامية) ليست قديمة العهد، معادة، مكرورة، شهد هذا المنبر النطق بها على لسان رئيس أمريكي تلو آخر، مع تنويعات في الصياغة الخطابية وحدها، وبراعة أو رداءة الأداء الخطابي عند رونالد ريغان، جورج بوش الأب، بيل كلنتون، جورج بوش الابن، باراك أوباما... هذا إذا لم يعد المرء بالذاكرة إلى أحقاب أخرى أبعد زمناً في تاريخ منظمة الأمم المتحدة، والعلاقات الدولية عموماً، سواء في ما يتصل باتفاقية الحدّ من انتشار الأسلحة النووية (1968)، أو التغيّر المناخي (بروتوكول كيوتو، 1992)؛ بعد أن يدع جانباً سلام الشرق الأوسط وفقر البلدان النامية، فهذه أشبه بقضايا عالقة في المطلق الأبدي!

كان من المشروع حينذاك، وكما برهنت الأيام بعدئذ أن يُقرأ خطاب أوباما على نقيض الرسالة المركزية التي أراد الرئيس الأمريكي إيصالها، ومفادها أنه رجل التغيير هنا أيضاً؛ وسياسة الولايات المتحدة تجاه المنظمة الدولية قد تبدّلت، وصارت إيجابية ومنخرطة وفاعلة، بعد أن كانت سلبية عازفة جامدة. فهو، بادىء ذي بدء، أعاد إنتاج مفردات الإدارة السابقة حول السلام في الشرق الأوسط، وخاصة التشديد على يهودية دولة إسرائيل، واستخدم صياغة عالية التهذيب في الإشارة إلى عدم شرعية المستوطنات (دون أن يمنعه هذا من إعطاء الضوء الأخضر لاستئناف البناء في ما أسماه ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 'مخادع النوم في ضواحي القدس'). قبل هذا كان أوباما، خلال القمة الثلاثية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونتنياهو، قد أكّد التزام الولايات المتحدة بأمن الدولة العبرية، على نحو قاطع وصريح وبليغ، أطرب الأخير فضحك ملء شدقيه أمام الصحافة، وأتعس الأوّل فاكفهرّ وعبس!

في القضايا الأخرى التي تضمنها خطاب أوباما، وهي جديرة بأن تُستعاد لأنها بمثابة 'خريطة طريق' جديدة تعيد وكانت إنتاج سياسات الإدارة السابقة، أو تعيد صياغتها على نحو تجميلي منافق دبلوماسي، كان طريفاً أن يدعو الرئيس الأمريكي المجتمع الدولي إلى استشراف القرن الجديد تحت خيمة الأمم المتحدة، من جهة؛ وأن يقرّع العالم لأنه يعادي سياسات أمريكا، ولا يساندها في حروبها، ولا يمنحها ترخيصاً خالصاً بالعمل الأحادي، أنى ومتى ارتأت أمريكا استخدام أيّ من خياراتها في التدخل الخارجي، من جهة ثانية. ولقد فسّر حكاية العداء تلك كما يلي: 'بعض السبب فيها يعود إلى سوء الإدراك أو سوء المعلومات حول بلدي. بعضها الآخر يعود إلى معارضة سياسات محددة، واليقين بأنّ أمريكا تصرّفت لوحدها في بعض القضايا، دون الاكتراث بمصالح الآخرين. وهذا ما أدّى إلى نزعة عداء شبه انعكاسية، كانت غالباً تُستخدم كذريعة لامتناعنا عن المشاركة في العمل الجماعي'.

من الجلي أنّ أوباما تعمّد أن يتناسى كيف وقف أقطاب ما يُسمّى 'المجتمع الدولي' خلف إدارة بلاده، حين اعتزمت غزو العراق، فاختارت حفنة من أبرز قيادات الديمقراطيات الأوروبية (كانوا سبعة بالتمام والكمال: الإسباني خوزيه ماريا أثنار، البرتغالي خوزيه مانويل باروسو، الإيطالي سيلفيو برلسكوني، البريطاني توني بلير، التشيكي فاكلاف هافل، الهنغاري بيتر ميجيساي، البولوني لاشيك ميللر، والدانمركي آنديرس راسموسن)، توقيع بيان مشترك يدعو إلى الحرب ضدّ العراق. ولقد تجرّد هؤلاء، علانية، من الضمير (القياسي البسيط المتفق عليه كونياً، والذي يحدث انه ضمير أوروبا القارّة العتيقة العجوز، وضمير فلسفات العقل والحداثة وحقوق الإنسان...)، ومارسوا، على الملأ، قلّة احترام الذات، واحتقار الشعوب، وغضّ البصر عن عذابات البشرية.

وفي تلك البرهة من اصطفاف معظم الديمقراطيات الغربية خلف الولايات المتحدة، كانت الأرقام تقول إن أمريكا تنفق على السلاح والجيوش والقضايا الأخرى الدائرة حول فكرة 'الأمن القومي' ما يزيد على مجموع ما ينفقه العالم بأسره. وفي المشهد ذاته، قبل نشر عشرات الآلاف من القوّات الأمريكية والبريطانية في الخليج للانقضاض على العراق، كان أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي ينتشرون في 395 قاعدة عسكرية كبيرة، ومئات القواعد الثانوية الأصغر، في 35 بلداً أجنبياً. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى عشية اندلاع حرب الخليج الثانية، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار لتدريب وإعداد وتسليح جيوش أجنبية في أكثر من 80 بلداً، أسفرت عن أكثر من 75 انقلاباً عسكرياً، وعشرات الحروب الأهلية التي تسببت في مئات الآلاف من الضحايا.

وفي غمرة ذلك كله كانت تجري عمليات 'تصنيع' العدو وتأثيمه إلى المدى الأقصى الذي يبرّر التدخل العسكري، والغزو، والانقلاب، وإشعال الحروب الأهلية... كانت هذه هي الحال مع بناما، مصر، البيرو، البرتغال، نيكاراغوا، التشيلي، جامايكا، اليونان، الدومينيكان، كوبا، فييتنام، كوريا الشمالية، لبنان، العراق وليبيا... والولايات المتحدة، آنذاك كما اليوم أيضاً، تنفرد وحدها بموقع رائدة 'العالم الحرّ' بامتياز، التي تفرض الثقة أو تحجبها، وتوافق أو لا توافق على هذه أو تلك من التعاقدات الدولية، بصرف النظر عمّن يبرمها. لكن أجهزتها الأمنية وتحت ستار 'الأمن القومي' الأمريكي دائماً، هذا الذي لا يكفّ أوباما عن التأكيد بأنه لن يتراخى في الدفاع عنه شاركت في إسقاط أنظمة ديمقراطية أو إصلاحية منتخَبة، في عشرات البلدان.

الولايات المتحدة ليست اختزال الأمم المتحدة، بالطبع (وإلا فإن اللعبة سوف لا تنكشف فقط، بل ستفسد قواعدها تمامأ)؛ ولكنها، في المقابل سيدة الساحة، والحَكَم، وأحياناً الخصم والحكم أيضاً. وليست منازعاتها، من حين إلى آخر، مع روسيا أو الصين مثلاً، سوى جوهر الحدّ الأدنى من التوازنات التي توحي باستمرار اللعب بين أطراف أو فرقاء، وليس بين طرف واحد يلعب مع الذات، أو الحلفاء، أو الإمّعات! وخطة أنان في التعامل مع النظام السوري واحدة من خطط، ليس أكثر: تشغل الوقت الضائع، وقد أسمعتْ لو نادتْ حياً!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*--*--*--*--*--*

مود ينعى باكراً خطة أنان؟! .. راجح الخوري

2012-05-04

النهار

خلاصة تصريحات رئيس بعثة المراقبين الدوليين روبرت مود الى شبكة "سكاي نيوز" توضح منذ الآن ان مهمته قد تنتهي كما انتهت من قبل مهمة المراقبين العرب "ويا حصرماً رأيته في حلب"!

اولاً: من المثير للاستغراب ان يحتاج مود الى اسبوع تقريباً ليكتشف ان "وقف النار هش... وان النجاح هو ان نرى وقفاً للعنف المسلح بجميع اشكاله"، فقد كان من المفترض وفق قراري مجلس الامن 2042 و2043، ان يصل المراقبون الدوليون للاشراف على وقف النار لا لكي يتحولوا مجرد عنصر تهدئة عابرة كما اوحى مود: "ما نراه على الارض انه في المناطق التي فيها مراقبونا يكون لوجودهم تأثير مهدئ"، وهو يعلم انه فور ذهابهم تستأنف النار عملها القاتل والمدمر!

ثم عندما يقول مسؤول عمليات حفظ السلام في الامم المتحدة إيرفيه لادسو ان النظام لم يسحب الاسلحة الثقيلة التي تبقى في المدن والاحياء امام اعين المراقبين خلافاً لخطة انان، وان انتهاكات وقف النار مصدرها من الجانبين [النار لم تتوقف اصلاُ] فإن ذلك يعني ان مود وانان وبان كي - مون الذي تتهمه دمشق بأنه "منحاز للغاية" لن يتمكنوا بدورهم من رؤية الحصرم في حلب!

ثانياً: ومن المستغرب ان يرفض مود انتقاد بطء مهمة المراقبين التي مضى عليها شهر من اصل ثلاثة اشهر، ولم يصل حتى الآن إلا 31 من اصل 300 يقوم النظام بالتدقيق في اصلهم وفصلهم ولون عيونهم في اطار "لعبة القط والفأر" التي يمارسها مع الامم المتحدة، في وقت تبرز فجاجة المأساة من خلال اقامة مقارنة بين عدد المراقبين الذين يدخلهم مجلس الامن الى سوريا وعدد القتلى الذين تدخلهم الازمة الى القبور، فمقابل 31 مراقباً سقط ما يزيد على 360 قتيلاً، وهذا يعني ان 1200 ضحية جديدة قد تسقط في سوريا قبل وصول المراقبين ال 300.

ثالثاً: هنا يصل الاستغراب الى مداه الاقصى، عندما يقول الجنرال مود: "حتى لو وصل عدد المراقبين الى 300 فإنهم لن يتمكنوا من تغطية كل المدن في كل انحاء سوريا، وانه "لكي ينجح الامر فإنه يتطلب بذل الجهود المشتركة للشعب السوري والحكومة السورية والمعارضة وعواصم العالم".

هكذا اذاً بعد 13 شهراً على بداية الازمة وما شهدته من حمامات للدم ومن المآسي والتهجير والتدمير، وبعد وصول سوريا الى عتبة الحرب الاهلية لا بل الى جحيمها كما يرى البعض، يأتي رئيس بعثة المراقبين الدوليين ليقول في اول تصريح له، ان الامر لن ينجح إلا من خلال الحكومة السورية والمعارضة، في وقت يرفض المعارضون ما هو اقل من تغيير النظام الذي يعتبر بدوره ان المعارضة مجموعات من الارهابيين يجب القضاء عليهم!

هل نقول ان المستر مود وصل باكراً الى محصلة محمد الدابي وانه سينتهي ايضاً مع شعار: يا حصرماً رأيته...؟!

-*--*--*--*--*--*

سوريا... الدواء الأسوأ! .. د. عبدالله العوضي

تاريخ النشر: الجمعة 04 مايو 2012

الاتحاد

منذ أكثر من عام والأزمة السورية الداخلية تتفاقم والدماء لا تزال تسيل، والحلول العربية والغربية كذلك أصابها التسييل، فالرقيب العربي رجع إلى مقره وهو خالي الوفاض، والرقيب الدولي آن له مباشرة مهامه، وحسب الخطة المرسومة لهذا الحل البديل لكل ما سبق من حلول لن تخرج نتائجه قبل ثلاثة أشهر، هذا إذا لم تفشل المهمة سريعاً وتقع المفاجآت غير المحسوبة سلفاً.

وإلى هذه الساعة فإن سوريا واقعة تحت خط تماس الدواء العربي والغربي، فإذا لم يُجْدِ ذلك نفعاً، فماذا بعد استنفاد مهلة الرقيب الأكبر؟

فالحل العسكري من قبل النظام لن يحسم الأزمة برمتها إلا عبر تضحيات جسام من أرواح الضحايا التي تقع بصورة يومية وفق التقديرات الحاصلة في الواقع الميداني، فإن دواء الرقيب الدولي سوف يأخذ في طريقه عدداً لا يقل عن 20 ألف قتيل، وقد يصل إلى 30 ألفاً، من غير الجرحى والمعتقلين والمفقودين، وهذا يعني إعادة ذكريات أزمة "حماة" من جديد التي قضت فيها أرواح لا تقل عن هذا العدد المفترض في الأزمة الراهنة، مع الأخذ بعين الاعتبار فارق ذلك الزمن، مقارنة بالوضع الحالي في عالم مفتوح على الكل.

وبعيداً عن أي مقارنة مباشرة بين النظام في سوريا وبقية الأنظمة العربية التي تغيرت في تونس وليبيا ومصر واليمن، فإن الموضوع السوري له امتدادات إقليمية ودولية أكثر من الأنظمة الأخرى التي اتضح الجزء الظاهر من صورتها الجديدة إلى الآن، وإن كانت الأوضاع العامة في تلك الدول لم تستقر وفق ما هو مرسوم.

فالوضع السوري يرابط على أكثر من خطوط التماس السياسي اشتعالاً، ف"حزب الله" في لبنان، وتركيا التي تعد السياج الأمني للاجئين السوريين، والعراق الذي لم يحرك ساكناً تجاه الأزمة، وإيران الذراع الطولى التي تقف مع النظام قلباً وقالباً، وهذا النوع من التشبيك يعقد الوصول إلى حل فوري لما يحدث في سوريا.

والشق الآخر الذي يضيف تعقيدات أخرى إلى هذا المشهد، هو الخوف من أن البديل قد يكون إسلاميّاً على المدى المنظور، نظراً لما حدث في الأنظمة الأخرى التي جرى عليها التغيير وحلت التيارات الإسلامية في الواجهة.

وعلى رغم فظاعة ما يدور في الساحة السورية التي قد تنفتح على نبرة ونفس الحرب الأهلية، فإن الخوف الأكبر إذا لم يصل الرقيب الغربي إلى الحل الأسلم وليس الأمثل، فإن التدخل الخارجي المباشر، حتى وفق استراتيجية الضربات المحدودة من أجل حماية المدنيين أو اللاجئين والهاربين إلى حدود الآخرين، هو أحد السيناريوهات المطروحة منذ بدايات الأزمة، ومع ذلك، فإن آثارها السلبية لن تزول في فترة قصيرة ومثال العراق واضح، ومحنة البوسنة والهرسك في الخاصرة الغربية نفسها أوضح، والصومال كذلك، وكلها مضت على هذا المنوال ولم يستقر بها الحال.

وفي هذه اللحظة الحرجة من الأزمة السورية، فإن الفرصة والحل الأفضل والأمثل لايزال بيد النظام ذاته الذي بوسعه الحفاظ على نفسه، وإيقاف الكارثة عليه وعلى غيره.

فإذا كان النظام السوري يستخدم كل ما يملك من قوة للحفاظ على بقائه وإطالة أمده، على رغم أن الأرض من تحته أصبحت رمالاً متحركة، فإن عليه عدم السعي باتجاه الدواء الأسوأ والمستورد من الخارج، لأن العلاج من الداخل وبرضى كل أطراف المعادلة السياسية، أفضل في نتائجه المستقبلية من اضطرار العامل الخارجي للحسم.

-*--*--*--*--*--*

بشار الأسد والإمبراطور العاري .. سمير مطر

إيلاف 4-5-2012

بين الحين والآخر تخرج في بعض المدن السورية مسيرات مؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد ولسياسته "الإصلاحية" ويركز الإعلام السوري، وخاصة وكالة سانا السورية للأنباء، على نقلها وتضخيمها والتركيز عليها بوصفها تعبيرا عن تمسك الشعب السوري بالنظام الحالي ودعم السوريين له، في حين تتجنب وسائل الإعلام الرسمية ذاتها وهي التي تخضع للسلطة نقل أي خبر عن مظاهرة معارضة للنظام بل تعمد إلى التضليل بشأن التظاهرات التي تعم البلاد، ويجري قمعها بكل أشكال القتل والعسف التي تواجه المتظاهرين في كل الأنحاء السورية بل إنها تنسب للمتظاهرين القيام بأعمال جرمية أو إرهابية وتتنكر لسقوط ضحايا بريئة بين صفوفهم نتيجة لاستخدام الأمن السوري الرصاص الحي في مواجهتهم.

المظاهرات المؤيدة للنظام، المفتعلة والمبرمجة والممولة والمرعية من قبل مؤسسات السلطة، لها حاجات وظيفية يحرص النظام على استثمارها في معركته مع شعبه الثائر. الأبعاد الوظيفية لهذه المظاهرات تتبدى على أكثر من صعيد، لكنها تؤدي في مجملها مهاما تضليلية. بعض التضليل الذي تنجزه ذاتي تستدعيه دائرة النظام ذاتها وبشار الأسد نفسه، إذ يحتاج هذا الأخير إلى هذه التظاهرات "المؤيدة" كي تحفظ توازنه النفسي وتخفف من آثار الصدمة التي سببتها له التظاهرات المنادية بعدم شرعيته وإسقاطه و مؤخرا بإعدامه، هي ضرورية من هذه الزاوية حتى تؤمن لهذا النظام تماسكا في ذروته وتمنع ما أمكن انكشاف رعبه وتداعي وضعه المعنوي. أما أشكال التضليل الأخرى فهي المعول عليها تدعيم حالة التردد بين الفئات التي لم تلتحق بالثورة ولجهة وضع العوائق المتزايدة أمامها منعا لها من إدراك واقع الحال الذي يجري في سورية، وهي تقوم أيضا بتجميل وجه السلطة البشع و اللاشرعي أمام الرأي العام العربي والدولي بالادعاء أن النظام لا يزال يحظى بدعم كبير بين صفوف السوريين.

إلا أن استثمار هذه التظاهرات وتوظيفها غالبا ما يعطي نتائج مؤقتة وضعيفة، على الصعد كافة الذاتية والموضوعية، المحلية والدولية، فسرعان ما ينكشف زيف رسائلها وتهافت وظيفتها، ليظهر الرئيس السوري في نهاية الأمر مضللا ومكشوفا تماما كالإمبراطور العاري. والإمبراطور العاري بطل في قصة تروى لأخذ الحكمة منها، تدور أحداث هذه القصة حول إمبراطور كان يحب الملابس الجديدة، و قد أتاه يوما خياطان محتالان وعرضا عليه ثيابا جديدة، وأقنعاه أنها لا تليق إلا به وأنهما سيصنعاها من أجله فقط. وإمعانا في تميز هذه الثياب وتفردها، فلن يكون بمقدور الأناس العاديين رؤيتها وسيختص بمرآها الأذكياء و المميزون منهم فقط. المحصلة التي تخلص إليها هذه القصة تفيد بأن الإمبراطور الذي وقع ضحية لاحتيال وتضليل البعض له يظن نفسه و هو عاري انه يلبس أجمل الثياب، في الوقت الذي يراه الناس على حقيقته التي يشير إليها الشجعان منهم فيدرك متأخرا عريه ويفهم انه تعرض لخديعة لم تنطل إلا عليه وعلى المخدوعين أمثاله من أصحاب العقلية ذاتها، العقلية التي تنتجها الهيمنة والسلطة.

ما يمكن الركون إليه ختاما أن نظام بشار الأسد لن يستطيع أن يخفي الشمس بغربال ولن تستطيع كل الاجراءات التجميلية والتضليلية أن تحرز الأثر المطلوب منها أن تحدثه في الواقع السوري، حتى و لو أتت النتائج الآنية على العكس من ذلك، سيخسر بشار الأسد نفسه من تسيير هذه التظاهرات المؤيدة و فبركتها قدرته على استكناه الواقع على هيئته الحقيقية بما يجعله يزداد انفصالا عنه وبما يجعل وعيه متكلسا ومعاقا على مجاراة حركة الأحداث والعمل بمقتضياتها، سيفوته التعاطي المثمر مع متطلبات اللحظة التاريخية على الشاكلة التي تنجيه من مكر التاريخ و لعنته.

هذا أحد الأسباب الذي سيجعل الثورة منتصرة حتما أيا تكن مخاضات هذه المرحلة صعبة و أيا يصل التعقد في مسارات الأحداث المرافقة للثورة في سورية.

-*--*--*--*--*--*

دمشق... تحت النار .. زين الشامي

الرأي العام

4-5-2012

بعد مرور أكثر من عام على بدء حركة الاحتجاجات الشعبية في سورية، وبعد ان اقتصرت التظاهرات وأعمال العنف على المدن والمحافظات الأخرى، ها هي العاصمة دمشق تحتل صدارة التطورات في الآونة الأخيرة.

آخر تلك التطورات اعلان التلفزيون السوري أن «مجموعة إرهابية مسلحة» أطلقت قذائف صاروخية على مبنى البنك المركزي في دمشق، كما أفاد التلفزيون الحكومي أن تلك المجموعات هاجمت دورية شرطة في العاصمة ما ادى الى اصابة أربعة من افرادها.

دمشق أو الشام كما يطلق عليها أبناؤها كانت قد شهدت تفجيرا في حي الميدان قرب مسجد زين العابدين ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص وأعلنت جماعة اسلامية تطلق على نفسها اسم «جبهة النصرة» لأهل الشام مسؤوليتها عنه.

انفجار حي الميدان أتى بعد أسبوعين من وقوع انفجارين استهدفا فرعين أمنيين وراح ضحيتهما العشرات بين قتيل وجريح.

وقبلهما في ديسمير الماضي استهدف تفجيرين آخرين استهدفا إدارة الأمن الجنائي و إدارة المخابرات الجوية وتسببا بمقتل أكثر من اربعين شخصا وإصابة العشرات.

التطورات الأمنية الأخيرة تزامنت مع وصول الجنرال روبرت مود رئيس بعثة المراقبين الدوليين الى دمشق الذي أقر بصعوبة المهمة التي تنتظره.

لكن رغم ذلك فهذه الاختراقات الأمنية تعني فيما تعنيه ان العاصمة دمشق دخلت مرحلة جديدة وسوف لن تنتهي هذه المرحلة أبدا، لأن العاصمة التي يتواجد فيها أكثر من 13 فرعا امنيا واستخباراتيا، حيث تشبه قلعة امنية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حيث تتحكم هذه الأجهزة بكل مفاصل الحياة وتحمي النظام الاستبدادي، لم تعد تقدر على منع تدهور الحالة الامنية وتحمي مقراتها وضباطها وفي فترة لاحقة ربما سياسييها ومسؤولي حكومتها وحزبها الحاكم. وهذا مؤشر خطير ومهم بعد اكثر من عام على مرور الثورة الشعبية في سورية بغض النظر عمن يقف وراء تلك التفجيرات.

البعض يعتقد ان نظام بشار الأسد يهدف من وراء هذه التفجيرات لخلط الأوراق، وطمس الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها بحق أبناء الشعب السوري، وان له غايات كثيرة من ورائها منها إرسال رسالة للمجتمع الدولي مفادها أن «المجموعات المسلحة» او «القاعدة» و«الإرهابيين» حاضرون في المشهد السوري، حيث يعتقد أن ذلك سيؤثر على الموقف الدولي ويدفعه للتخلي عن المعارضة السورية والتمسك بالنظام على اعتبار أنه اكثر حيوية واهمية لاستقرار المنطقة من مستقبل غائم ومجهول قد يتحكم به «الاسلاميون» فيما لو سقط النظام.

بالطبع لا تخلو هذه الحجج من منطق خصوصا وان الصور التي يبثها الإعلام الرسمي لضحايا التفجيرات من جثث متفحمة ومنتفخة والايغال والتقصد في عرض الاشلاء مع كل ما يسبب ذلك من ألم للمشاهدين وتجاوز للاخلاق المهنية في التعامل مع الصور والضحايا، يوحي بأن الغاية من وراء كل ذلك هي احداث صدمة في الرأي العام العالمي وتخويف غير العارفين بطبيعة النظام السوري بخطر وصول المجموعات الاسلامية الى السلطة فيما لو سقط «النظام العلماني» والامني.

لكن وكما قلنا سابقا، ليس المهم من يقف وراء هذه التفجيرات، بقدر ما ان العاصمة دمشق نفسها، حيث يقيم الرئيس بشار الأسد ونظامه وجلّ مسؤوليه وقادته العسكريين والامنيين و«البعثيين»، صارت تحت خط النار... هذا كان شبه مستحيل قبل عام حيث كانت التظاهرات والاحتجاجات في قرى وبلدات بعيدة... صدق من قال ان المعركة حقيقة بدأت بعد «بابا عمرو» وليس قبلها.

-*--*--*--*--*--*--*--*-

سوريا..خيارات صعبة مفتوحة .. سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

3-5-2012

النظام السوري الان في مواجهة الشارع (الثورة) وليس المعارضة فما زال يدير الظهر للمعارضة ولا «يعبّرها» معتقداً انها لا تمثل الشارع ويبدو أن الصدام يتسع والجرح السوري النازف يزداد عمقاً وقد يزداد لطول انكشافه تعفناً حين تفد اليه قوى خارجية أخرى لمزيد من تلويثه وهذا يتحمله النظام الذي لم يداو الجرح السوري قبل ان يتسع منذ احداث درعا المبكرة وحين أخذت النظام العزة بالاثم ومارس القمع كما لو كان يستكمل احداث حماه عام 1982 أو كما لو كان يعيش خارج العالم ومتغيراته خاصة في العالم العربي حيث عصف الربيع العربي بكثير من العواصم محدثاً تغيراً ما زال سارياً..

النظام يوغل في القتل ويستعمل مختلف اسلحته وينشر الدبابات في الشوارع لاخافة الناس الذين ازدادوا اصراراً على الذهاب باتجاه الدفاع عن أنفسهم وراحوا ينتزعون السلاح او يخترعونه وان بأشكال بدائية لان هناك فرقاً بين ان يتسلح الناس للدفاع عن أنفسهم لرد بطش النظام الحاكم وبين ان تسلح المعارضة من الخارج او أن تعسكر الثورة..ففي الحالة الأولى يجري استنزاف النظام مهما عظم جبروته ويضعف وتسلم سوريا وفي الحالة الثانية اي عسكرة الثورة والتدخل الخارجي المسلح يعطي النظام المزيد من المبررات للقتل والتدمير وافتعال كل أشكال الارهاب كما في التفجيرات الاخيرة وهذا يقود لاحتدام القتل والمزيد من الدماء فتسقط الدولة السورية وتهشم وتتكرر تجربة العراق..

كان الرهان ان يكون الجيش السوري وطنياً لحماية الوطن (حماة الديار) والشعب وأن يكون الضمانة لعدم انهيار الدولة وتمزق وحدتها وترابها الوطني ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن كما حدث في مصر وتونس لأسباب تتعلق بطبيعة الجيش العقائدي السوري وصبغته وفلسفته وزرع الولاء فيه للنظام الحاكم وليس للشعب وهذه مسألة لا حاجة لتفسيرها طالما بقينا نرى كيف يقتل الشعب وما زال الجيش منحازاً للنظام أو متفرجاً أو منشقاً بشكل لا يبعث على الحسم..

سوريا على مفترق الطرق والنظام الذي أنكر المظاهرات الشعبية بداية حين كانت تخرج قبل سنة ينكر الان انه هو الذي يقتل وان القتل في روايته مصدره ارهابيون من الخارج ومندسون من الداخل ويظهر أن «القاعدة» أو غيرها هي المتورطة ليخيف شعبه ويخيف الاميركيين حتى لا يفكروا في اسناد المعارضة وهو ما كان فعله العقيد القذافي عشية توجه دباباته لابادة اهل بنغازي..

المفارقة ان الغرب الذي اندفع لاسقاط نظام القذافي وسلح المعارضة وتدخل عسكرياً الى جانبها رغم ان المعارضة كانت ضعيفة ولم يذهب الغرب في تبرير ضعفها بل دعم المجلس الانتقالي وشد على يديه..هذا الغرب المنافق لا يفعل ذلك في سوريا وما زال يتهرب فالادارة الاميركية أمام استحقاق الانتخابات ولا تريد ان تعكر صفوها ليتضرر اوباما وحزبه..والغرب الفرنسي يعيش أزمات ورئيس الوزراء البريطاني يقول ان معاناة السوريين قد تستمر عشر سنوات ..ومهمة عنان وحتى في بعدها العربي تتقاسم التصور مع روسيا التي اوغلت في الدفاع عن النظام السوري بدلاً من اقناعه بالتوقف عن القتل وقبول ضرورات التغيير مهما كانت صعبة وقد فشلت الجهود العربية في ثني روسيا عن مواقفها لان ثمن الموقف الروسي في جانب منه غالباً لا يرغب احد في تسديد فاتورته وفي جانب اخر استراتيجي له علاقة بالتعويض عما حدث في ليبيا مما مكن الغرب ان يحتكر النتائج على حساب المصالح الروسية المخدوعة..

وللصين نفس الحكاية وما بدا من طراوة روسية في استقبال بعض المعارضة هو شراء للوقت لصالح النظام فالروس تخدمهم مبادرة كوفي عنان التي يستطيعون ملاقاتها في مجلس الأمن واجهاضها ومنعها من الدخول الى مرحلة استعمال الفصل السابع..

ومع كل النزف في الدم السوري فان الخطورة هي في أن الصراع الدولي انتقل الى سوريا وهو يدور في سوريا وليس على سوريا وهذه القنبلة قد يربيها النظام القائم الان لتصدير ازمته حين تتدول القضية السورية وتصبح قابلة للتفجير بأزمات قد تشهدها المنطقة حول سوريا وهذا ما يعتقده النظام انه مخرج له حين يحترق معه آخرون وعلّي وعلى أعدائي..

-*--*--*--*--*--*-*

أي حماية للمدنيين ولا قفزة قريبة إلى «البند السابع»؟ .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 03 مايو 2012

الحياة

يقدم المبعوث الدولي-العربي كوفي انان خطّته بأن من شأنها تغيير واقع الأزمة ووقائعها على الأرض، ما يمهّد الأجواء لمقاربة «الحل السياسي». أما النظام السوري، فقبِل الخطة مع تحفظاتٍ تتجاهلها القوى الدولية إلا أنه يطبّقها بدقة متناهية. وفيما تلهج العواصم المعنية باستيائها من فشل شبه مضمون ل «خطة انان»، يعتبر النظام أنه سبق وأبلغ هذا المبعوث بالكيفية التي ستسير عليها الأمور، فهو وافق على وقف اطلاق النار وليس في نيته أن يوقفه طالما أن هناك «ارهابيين»، وعلى مجيء المراقبين الذين يختارهم لينتشروا ويعملوا وفقاً لإرادة الدولة المضيفة، وعلى التظاهرات الشعبية شرط حصولها على تراخيص حكومية، وعلى دخول مساعدات إنسانية تمشياً مع أهواء السلطة التي لم تفكّر بإغاثة مواطني»ها» عندما دكّت منازلهم وحاراتهم، كذلك وافق على دخول اعلاميين ينتقيهم كالمراقبين من الدول «المحايدة» الداعمة للنظام ويلوّنهم بأفراد من دول اخرى، لكن أحداً منهم لا يتمتع بحرية التحرك... ماذا يعني كل ذلك؟ يعني أن النظام، خلافاً لمنطق «خطة انان»، ليس في صدد تغيير الوقائع على الأرض، بوجود مراقبين أو بغيابهم.

بعد خمسة عشر شهراً على الأزمة، ينبغي إبداء «الاعجاب» بنظام كهذا، استطاع اثبات استعصاء خلعه وإسقاطه. لكنه اعجاب سلبي، بطبيعة الحال، يثبت أنه أمضى كل العقود السابقة وهو ينسج العقبات أمام احتمالات تغييره، مستعدياً الشعب ومستهزئاً بواجباته في بناء دولة واقتصاد لجميع المواطنين. وبديهي أنها ذروة الاستبداد -والتخلّف السياسي- أن تتوقع أي سلطة تأبيد ذاتها بالبطش الداخلي والتهديد بالتخريب الخارجي، من دون أن تفطن ل «توازنات» لا تتوانى حتى «المافيات» عن احترامها، صوناً للمصلحة، فآية الحكم أن يغيِّر أو يتغيَّر، ونظام دمشق حبس نفسه في متطلّباتٍ تَوَهَّمَها لبقائه المديد، فلا يغيّرها لئلا يتغيّر. كان بإمكانه لحقبةٍ ما أن يعيش على الشعارات (مقاومة اسرائيل بمهادنتها، وممانعتها مع السعي الى التفاوض معها) التي ساهم بقوّة في افراغها تباعاً من مضامينها، وأن يمرّر «علمانيته» أو «حمايته» للأقليات من ثغرات الاتجاهات الدولية (كتصفية «الإخوان المسلمين»، والتحكّم بلبنان، والتلاعب بالتناقضات الفلسطينية، والعبث بأمن العراق...)، لكن فشله الأكبر كان في ما يسمّيه جبهته الداخلية. والدليل أنه لا يفعل منذ 15 شهراً سوى برهنة أن الفشل لا بدّ أن ينجح لمجرد أنه متمترس وحاذق في لعب أوراقه، أو لأنه كان «حكيماً» حين اختار إفقار الشعب وتعجيزه، فها هو يجني ثمار تلك الحكمة، أو لأنه يواجه أخيراً مَن اعتبره دائماً عدوّه الحقيقي -الشعب– بل يحاربه كما لم يحارب العدو الاسرائيلي ولا مرة.

لا بدّ من استدعاء هذا الاعجاب السلبي أيضاً حين تتراءى حقيقة الانقسام الدولي، فمَن هم «ضد» هذا النظام لا وجود ولا نفوذ لهم في الداخل، وقد ظنّوا أن اداناتهم وانتقاداتهم يمكن أن تستحثّ لدى النظام حرصاً على سمعته وصورته، أو أن العقوبات كافية لحضّه على استعادة «أخلاقية سياسية» ازاء «شعبه» ربما حسبوه متحلياً بها. في المقابل توصل النظام الى تخويفهم تارةً بالسعي مع ايران الى تخريب النموذج التركي، وطوراً بزعزعة الاستقرار اللبناني، ودائماًً ب «نموذج» الفوضى العراقية على حدود اسرائيل، وبالتالي يفضل مناوئوه رؤيته يضعف ويتقلّب في الفخّ الذي نصبه لنفسه، مستبعدين أي تدخل، حتى لو أنهم لا يضمنون عدم الوصول الى النتائج نفسها التي يتخوّفون منها لو قرروا التدخل. وهكذا، تبدو مواقفهم متناقضة معنًى ومبنًى، فعلى سبيل المثال تطالب الجامعة العربية ب «حماية المدنيين» وتنأى بنفسها عن التلويح باللجوء الى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع علمها بأن تلك «الحماية» مستحيلة من دون إلزام النظام، أي من دون البند السابع. المثال الآخر أن اللقاء الأخير ل «أصدقاء سورية» في باريس وضع البند السابع على الطاولة كأحد البدائل لفشل «خطة انان»، لكن «الاصدقاء» يعرفون أنهم في هذه الحال يجب أن يتوافقوا أولاً مع روسيا على تقويم واحد للخطة ولفشلها.

نأتي الى مَن هم «مع» النظام وقد انتقلوا من اصطناع الحياد بين القاتل والقتيل الى التفاني في الزود عن القاتل، ومن الصمت المريب خلال شهور القتل الأولى الى الصراخ بأعلى أصواتهم لتبرير استمرار القتل، فروسيا لم تعد ترى بدورها سوى «ارهابيين»، وتدعو -كما لو أن النظام ينتظر من يشجعه- الى محاربتهم. أما الصين، فمتوارية حالياً وراء الإجماع الملتبس حول «خطة انان»، لكنها لن تلبث أن تظهر لرفع اليد متى أَزِفَ موعد «الفيتو» المقبل. واذا أضفنا الانخراط الايراني الواسع والعميق في خدمة النظام، تتجلّى فاعلية أعداء الشعب السوري وتماسكهم مقابل عجز أصدقائه وتشرذمهم. من الواضح أن أصدقاء النظام، أو معظمهم، هم مثله أيضاً ضد شعوبهم، لذلك فإن قضيتهم واحدة ويهمهم أن يدافعوا عن نظام سوري غدا مثالَهم ونموذجَهم الأخير في المنطقة، ويتدخلون لمدّه بأسباب القوة ويتهمون الآخرين بالسعي الى التدخل، يُحبَطون متى تضاءل منسوب العنف اذا لم يقترن باستعادة النظام سطوته السابقة، يعرفون أنهم ازاء مريض ولا يعترفون بأن شراء الوقت له لم يعد مجدياً لإبرائه من أخطائه المزمنة أو من العلل المستحكمة بعقله السياسي.

من الصعب توقّع قفزة دولية بعد الخامس من أيار (مايو)، كما لوّح ألان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي في اشارته الى موعد تقويم كوفي انان لمدى التزام نظام دمشق تنفيذ خطّته، فالقوى الدولية تريد اعطاء مهمة انان -والنظام أيضاً- مزيداً من الفرص في انتظار ارتسام توافق دولي، بالأحرى اميركي-روسي، لم تتضح معالمه واحتمالاته بعد، وليس مؤكداً أن لقاءً على هامش «قمة ال8» بعد اسبوعين في كامب ديفيد سيكون حاسماً لترشيد الموقف الروسي في اتجاه ضغط مجدٍ على النظام السوري. لا شك أن لروسيا نفوذاً في سورية، لكنها تستخدمه لمناكفة الغرب ولم تختبره في الاتجاه الصحيح، لا لوقف القتل أو لإحداث تغيير جوهري في خيارات النظام. وللأسف، فإن ما استغرق أسابيع وأياماً لبتّه في مساعدة الشعب الليبي يحتاج في حال سورية الى شهور وربما الى سنين، ومع ذلك يبدي الشعب السوري استعداداً للمثابرة والصمود، وكل ما يقوله للقوى الدولية: أعطونا ما ندافع به عن أنفسنا، طالما أنكم لا تريدون التدخل لحمايتنا...

-*--*--*--*--*--*-*

هل من فرصة لخطة كوفي أنان؟ .. أكرم البني *

الخميس, 03 مايو 2012

الحياة

«لا أمل يرجى من أي مبادرة توقف العنف وتضع البلاد على مسار سياسي»، هي عبارة تسمعها من غالبية السوريين وقد توصلوا من منطلقات متنوعة إلى نتيجة واحدة، هي أن النظام، وهو الطرف الأساس الذي يمكنه إنجاح أي مبادرة سياسية أو إفشالها، لن يتراجع أبداً عن خياره الأمني والعسكري في مواجهة الاحتجاجات وليس من خطة أو مشروع يمكن أن يجبره على ذلك أو يهز قناعته المفرطة بجدوى القمع والتنكيل، وأياً تكن التكلفة، لسحق ما يعتبره مجموعات مسلحة متآمرة ومرتبطة بأجندة خارجية!.

كل مطلع على ماضي السلطة السورية وطرائقها في فرض السيطرة لن يجد أي جديد في تعاطيها مع خطة أنان، فالاستهزاء بالمعالجات السياسية وتكريس لغة القمع والعنف هما عادة متأصلة لديها، تعززها حقيقة أنتجتها وفرة من تجاربها العتيقة، بأن العمل الوحيد لدوام السيطرة ليس الاستجابة لمطالب الناس بل الاستمرار في إرهابهم وشل دورهم، والاعتقاد بأن ما كرسته من قوى قمعية يشكل مدماكاً راسخاً لا يمكن بأي حال زعزعته، وتعززها أيضاً تقديرات لرجالات الحكم بأنهم وصلوا إلى نقطة اللاعودة، وإنهم يخوضون اليوم معركة حياة أو موت يرتبط مستقبلهم بنتائجها، بخاصة أولئك الذين أوغلوا في ارتكاباتهم ويخشون ساعة الحساب والعقاب!.

واستدراكاً، ما كان النظام ليكره على قبول خطة أنان شكلاً، لولا استبسال الناس في الدفاع عن حقوقهم وما قدموه من تضحيات لا تقدر بثمن، ولولا استنفاد الفرص التي منحت لخياره الأمني والعسكري دون أن ينجح في سحق الثورة، وبات تحت ضغط حرج روسي تنحسر قدرته على تغطية ما تخلفه آلة الدمار من أوضاع مأسوية أو على احتمال هذا التمادي في لعبة كسب الوقت!.

«القبول شكلاً» عبارة لا تعني فقط أن سلطة بطبيعة السلطة السورية عصية على تقديم أي تنازل جوهري في طريق الحل السياسي، بل لأن القطيعة بينها وبين الشعب وصلت إلى حد يصعب وصلها، ولأن القمع العنيف الذي مارسته أفقدها القدرة على إعادة إنتاج شرعية سياسية، ولأنها تدرك أن هذه الخطة سوف تضعها في موقع لا تحسد عليه أمام مناصريها وحلفائها وهي التي ما فتئت تتحدث عن عصابات مسلحة وعن مجموعات متآمرة على البلاد، والأهم لأنها تتخوف مما سيكون عليه حالها عندما تسحب قواتها الأمنية والعسكرية وتلتزم إطلاق سراح المعتقلين وتفسح المجال لحرية الإعلام والصحافة كما للتظاهرات والاحتجاجات السلمية، ولنقل تتخوف من أن توفر الخطة الأممية فرصة ثمينة كي يستجمع الحراك الشعبي قواه ويوظف حقه في التظاهر والاحتجاج لإبقاء جذوة الثورة متقدة وتطويرها، مستنداً إلى أن المتابعة الحثيثة للمجتمع الدولي عبر عيون المراقبين والإعلاميين سوف تقيد بلا شك أيادي آلة القمع والتنكيل، ولا يقلل من هذا التخوف الدعاية الرسمية بأن الأزمة انتهت أو محاولات السلطة الظهور بمظهر المنتصر على ركام الدمار الكبير الذي حدث، كأنما تريد في الحقيقة إقناع نفسها قبل إقناع الآخرين بنجاعة الحل الأمني والعسكري وأنها لم ترضخ للضغوط بل وافقت على بعض المبادرات السياسية من موقع القوي وليس من الموقع الضعيف.

والنتيجة، إن هدف السلطة المباشر من موافقتها على مبادرة أنان هو تسجيل موقف إعلامي ليس إلا، يمكن أن يقيها ضغط الأصدقاء ويخفف امتعاضهم من عنفها المفرط، بينما هدفها الحقيقي هو السعي لإفشالها بكل الطرق والوسائل ووضع مسؤولية ذلك على عاتق المعارضة والمتظاهرين، وتالياً لكسب مزيد من الوقت للتوغل أكثر في القمع والتنكيل، بدليل تصاعد العنف وعمليات قصف المدن والمناطق عقب خروج المراقبين منها، وشن حملات تأديبية ضد كل من تجرأ وتحدث معهم، إلى جانب توظيف ما تمتلكه من خبرات لتمييع هذه المبادرة وإفراغها من محتواها، كإغراقها في التفاصيل وإشغالها ببعض الاشتراطات المربكة والمعيقة، مثل اشتراط نص مكتوب من المعارضة بأن لا تملأ الفراغ الناجم عن سحب القوات النظامية، ثم المطالبة بأولوية تجفيف مصادر إمداد المعارضين بالسلاح والمال، ثم رفض تحرك المراقبين دون ملازمة أمنية بحجة تعرضهم للخطر، وأخيراً رفض أي مراقب أممي يحمل جنسية إحدى الدول المشاركة في مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الذي عقد مؤخراً في إسطنبول، وقس على ذلك!.

ربما قارب الحقيقة من اعتبر خطة أنان بلا أظافر ولا أسنان وأنها ليست أكثر من مهلة جديدة للنظام، الذي يدرك أن الدول الغربية غير متحمسة للعب دور أكثر فاعلية ضده ولا قادرة على التدخل الرادع كما حصل في ليبيا واليمن، وهو مطمئن بأن مواقفها لن تتجاوز النوسان بين تشديد العقوبات الاقتصادية وبين تشديد الضغوط الديبلوماسية، ما دامت مكرهة على تفهم الهموم الأمنية الإسرائيلية التي تخشى وصول سلطة جديدة إلى الحكم في سورية تهدد الاستقرار القائم، وتحسب حساب التكلفة والنتائج في حال لاقى تصعيدها ردود أفعال مقابلة من أطراف داعمة للنظام السوري كإيران وروسيا.

والحال يبدو أن مشهد الصراع السوري سوف يتكرر، بين سلطة لا تتوانى عن استخدام ما راكمته طوال تاريخها من أدوات قمع وقهر وتتوهم القدرة على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وبين قطاعات واسعة من الشعب لم يعد يعنيها العيش دون إسقاط النظام، بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معنى، ويظلل المشهد تعاطف عربي وغربي مع الثورة، لا يسمن ولا يغني من جوع، وفيتو روسي جاهز لإفشال أي قرار يمكن ان يوحد المجتمع الدولي كي يضع حداً لما قد تؤول اليه الأمور، ومع تكرار هذا المشهد المستعصي تزداد حالة التوجس والخوف لدى السوريين من مستقبل غامض لم تعد صياغته شأناً داخلياً ومن أي مبادرة تكرس واقعاً مأسوياً يفيض كل يوم بمزيد من الضحايا والآلام!.

* كاتب سوري

-*--*--*--*--*--*-*

في تقدير الموقف :هل هي مرحلة بشار الأسد أو يحرقون البلد ؟! .. نستنكر التفجيرات ونطالب بالتحقيق الدولي .. زهير سالم*

لكي لا يكون الدم السوري مادة للتجاذب . ولأننا نتوقع من عصابات بشار الأسد ما هو أقسى وأعنف مما جرى اليوم ومما جرى بالأمس ومما يجري في سورية منذ أربعة عشر شهرا .فإننا نعلن ابتداء مطالبتنا بتحقيق دولي محايد ونزيه . تحقيق يبادر إلى وضع يده على مسرح الجريمة و أدواتها وضحاياها. مطلب ما زلنا نطالب به منذ التفجير الأول المفتعل على الأرض السورية . لأن هذه الجرائم البدائية إلى حد كبير حملت دائما بصمة مرتكبها اللامبالي . كان بإمكان المجتمع الدولي منذ التفجير الأول أن يضع حدا للمسلسل البشع للجريمة التي تحترفها عصابات النظام ، وتبرع في توظيفها في سياقاتها السياسية التي تريد . والتي مثلها بوضوح شعار ظلت عصابات النظام تردده بلا حياء : بشار الأسد أو يحرقون البلد . وهاهم اليوم يحرقون البلد . والاعتراف سيد الأدلة كما يقولون

 

ومن يريد ربط التفجيرات الأخيرة في سياقاتها السريرية ، فليس له أن يتناسى ما سبق لوليد المعلم أن طالب به بعثة المراقبين قبل أيام بأن أداء البعثة يجب أن يكون مهنيا . وهو انتقاد مباشر لأنشطة البعثة على الأرض . ولابد أيضا أن نذكّر بأن النظام لم يكن مرتاحا لتقرير السيد كوفي عنان منذ يومين . وكان لا بد من رسالة قوية للمجتمع الدولي وللسيد عنان وبعثته على السواء . وكان التفجير الرسالة التي تضع مهمة بعثة المراقبين في مهب الريح .

 

لا بد أن نذكر أيضا أن من أهداف مسلسل التفجير أن يكون الرسالة الأسوأ والأعنف إلى الشعب السوري وإلى سكان دمشق بشكل خاص وإلى قوى المعارضة السورية ؛ لينظر كل امرئ أين يضع قدميه ؛ بل إن التفجيرين الآثمين الأخيرين ما هما إلا جواب النظام على الاستجابة الشعبية الباهتة لعرضه الانتخابي الهزيل .

 

إننا حين نطالب بتحقيق دولي شفاف ومحايد ونزيه نتطلع فيما نتطلع إليه أن يضع هذا التحقيق حدا للتجاذب السياسي بين أطراف المشهد السياسي على حساب الدم السوري .

 

إن المسئولية التامة عن هذه التفجيرات إنما تقع في عنق هذه العصابات التي تدعي المسئولية الرسمية عن الوطن . فالعصابات الأسدية في رأينا هي المسئولة مباشرة عن افتعال هذه الجرائم لتوزع رسائلها الإرهابية في كل اتجاه . والنظام الأسدي أيضا هو المسئول لأنه المناط به حفظ أمن الوطن والمواطنين . وما عليه إزاء مسلسل الجرائم والتفجيرات إلا ان يعلن تنحيه عن السلطة لأنه غير قادر على حماية المواطنين وصون أمن الوطن .

 

نستنكر مسلسل التفجيرات مهما تكن الجهة التي تقف خلفه . ونؤكد مطالبتنا بتحقيق دولي يحمل المسئولية الكريهة للضالعين بها ...

 

نتمسك بحق شعبنا في التعبير السلمي عن رأيه . وفي حقه بالتظاهر السلمي الذي كان من أبسط مهمات بعثة المراقبين أن تكفله له .

نترحم على أرواح شهداء الحرية والكرامة في سورية العزيزة الأبية . ونتضامن مع أسر الضحايا والمصابين ...

وصبر ومصابرة حتى النصر القريب العاجل بإذن الله ...

لندن : 10 / 5 / 2012م

*مدير مركز الشرق العربي

-*--*--*--*--*--*-*

سوريا.. بانتظار «انقلاب» اللحظة الأخيرة!! .. صالح القلاب

الشرق الاوسط

3-5-2012

في بدايات كل هذا الذي يجري في سوريا، وقبل أن يصل إلى ما وصل إليه، كان هناك اعتقاد - حتى لدى بعض أجنحة نظام بشار الأسد - بأن بعض الضباط الغيورين ومن الطائفة العلوية نفسها، التي لا يجوز وضع كل أبنائها في سلة واحدة، سوف يسارعون إلى القيام بانقلاب عسكري إنقاذي للحؤول دون تمزق البلاد، وقطع الطريق على حرب أهلية بدأ هذا النظام يدفع الأمور في اتجاهها دفعا لتحويل الصراع من صراع وطني وصراع انعتاق وحريات عامة إلى صراع طائفي يجد فيه ملاذا للحكم الذي ورثه عن والده والذي تكرس على أساس الركائز المذهبية والطائفية المعروفة.

لكن عاما وأكثر قد مضى، والانتظار قد طال ولم يقع هذا «الانقلاب الإنقاذي» وكأن الأرحام قد جفت وكأن «الجيش العربي السوري»، الذي هو مدرسة انقلابية معروفة بقيت تدفع بضباطها إلى الحكم والسلطة منذ نهايات أربعينات القرن الماضي وحتى انقلاب حافظ الأسد الأخير على رفاقه في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970، قد تم تحويله من مؤسسة وطنية إلى مجرد «جندرمة» لحماية هذا النظام الذي بقي يستخدمه لقمع السوريين وإطفاء جذوة النزعة التحررية عندهم، وأكبر دليل على هذا مذبحة حماه الشهيرة في عام 1982، وهذه المجازر المتنقلة في كل المناطق والمدن السورية.

كان الاعتقاد بأن «الجيش العربي السوري» سيبادر - بعد تلك الجريمة التي ارتكبت ضد أطفال درعا في تلك الحادثة المعروفة التي فجرت هذه الثورة التي بقيت متصاعدة على مدى أكثر من ثلاثة عشر شهرا - إلى ما كان بادر إليه الجيش التونسي أولا والجيش المصري ثانيا، وأن ينحاز إلى شعبه كما انحاز هذان الجيشان إلى شعبيهما، وأن يرجح خيار الاصطفاف إلى جانب الشعب على خيار حماية نظام أوصل بلدا عربيا رئيسيا إلى هذه الحالة المزرية التي لا تليق بسوريا التي من المفترض أنها الآن في مقدمة الدول العربية سياسيا واقتصاديا وتجربة ديمقراطية ونهوضا حضاريا، وفي كافة الحقول والمجالات.

في تونس ما كان لانتفاضة الشعب التونسي أن تنتصر وأن يتم حسم الأمور هناك بسرعة وإزاحة زين العابدين بن علي من قصر قرطاج وإجباره على الفرار إلى الخارج لو لم يتحرك الجيش في اللحظة المناسبة ولو لم يبادر إلى حماية حركة شعبه من بطش الأجهزة الأمنية، ويقينا لو أن هذا لم يحدث لما كان الانتصار خلال أيام ولتضاعفت أعداد الضحايا عشرات، وربما مئات المرات، ولكان هذا البلد الجميل يغرق الآن في خراب يتطلب إصلاحه جهد سنوات طويلة.

وفي مصر، فإن المعروف أن الدور الذي قامت به القوات المسلحة هو الذي حمى ثورة ميدان التحرير، وهو الذي عزز هذه الثورة التي كانت معرضة لبطش الأجهزة بلا حدود، وهو الذي أجبر حسني مبارك على تقديم استقالته وعلى الرحيل، وهو الذي بقي يرافق انتفاضة الشعب المصري، وجنبها كل احتمالات السقوط والفشل، والتي لولا سهر المجلس العسكري ومتابعته المتواصلة لدقائق الأمور لما كان بالإمكان أن تصل الثورة إلى ما وصلت إليه في ظل ضعف قوى المعارضة، وبسبب خلافاتها المستفحلة، وعدم قدرتها على الالتفاف حول برنامج وطني يجمع الجميع.

وحقيقة، حتى لا يظلم «الجيش العربي السوري» أكثر من اللزوم، أن التجربة في سوريا تختلف كثيرا على هذا الصعيد عن التجربتين التونسية والمصرية، وأيضا عن أي تجارب عربية أخرى، إذ باسم «الحزب القائد»، أي حزب البعث، جرت غربلة هذا الجيش، وبخاصة بعد وصول حافظ الأسد إلى الحكم والسلطة في عام 1970، على أساس الولاء له ولتحالفه العائلي، وتم إقصاء الضباط المشكوك في ولائهم حتى من أبناء الطائفة العلوية، كما تم تحويل هذا الجيش من جيش موحد يقف على أرضية وطنية واحدة إلى جيشين: الأول جيش النخبة التي ولاؤها للنظام فقط والتي تقوم عقيدتها العسكرية على أساس أن هذا النظام مقدم على الشعب وعلى الوطن، وبالطبع أيضا على الحزب، وجيش الكثرة المهملة الذي جرى حجزه في المعسكرات النائية، وتم سحب حتى الأسلحة الفردية منه وتعطيل كل آلياته منذ أن بدأت هذه التطورات العاصفة قبل سنة وأكثر.

لقد خلق حافظ الأسد، الذي لجأ إلى تصفية كل مجموعات محمد عمران وكل مجموعات صلاح جديد وكل المجموعات المشكوك في ولائها ليس للوطن والشعب وإنما له شخصيا ولعائلته وأبنائه، ما يسمى ب«الدائرة المغلقة» في هذا الجيش، بحيث أصبح كل ضابط ومنذ لحظة التحاقه بإحدى الكليات العسكرية تحت الرقابة الأمنية الحثيثة وعلى مدار الساعة، وكل الوقت، ولذلك ومن أجل هذه المهمة أصبح هناك نحو عشرين جهازا استخباريا، من بينها جهاز استخبارات القوات الجوية الذي هو صاحب الباع الطويل الآن، كما يقال، في قمع الثورة السورية.

لكن ورغم كل هذا، فإن ما يعرفه المتابعون للوضع السوري منذ انقلاب حافظ الأسد على رفاقه في عام 1970 ووضعهم في السجون لسنوات طويلة أنه كانت هناك محاولات انقلابية عدة تم إحباطها بقسوة لا حدود لها، من بينها ما قام به ضباط من الموالين لوزير الدفاع السابق رئيس اللجنة العسكرية التي كانت تشكلت في مصر في أيام الوحدة المصرية - السورية محمد عمران الذي تم اغتياله في طرابلس في الشمال اللبناني في بدايات سبعينات القرن الماضي، ومن بينها ما قام به ضابط من الموالين للواء صلاح جديد الذي وضع بعد «الحركة التصحيحية» في سجن المزة المعروف إلى أن مات وقضى نحبه مثله مثل رئيس الجمهورية السابق نور الدين الأتاسي وآخرين من القيادات الحزبية والحكومية.

هذا في زمن حافظ الأسد، الذي واجه محاولة شقيقه رفعت الانقلابية في عام 1984 بأقسى مما واجه به المحاولات السابقة، أما في زمن ابنه الرئيس الحالي بشار الأسد فإن أخطر ما تعرض له هو المحاولة التي قام بها غازي كنعان بعد سحبه من لبنان على أثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري التي يقال: إنها كانت محاولة جدية لكنها سحقت بعنف وقوة وجرى إعدام صاحبها، أي غازي كنعان، رميا بالرصاص في مكتبه، وصدر بلاغ عن أنه انتحر لأسباب شخصية، وهذا ما كان حدث مع رئيس مكتب الأمن القومي الأسبق عبد الكريم الجندي في عام 1968، وكان يومها الأسد الأب وزيرا للدفاع، وكانت قد تمت له السيطرة على كل شيء في الدولة بعد انقلابه الصامت في هذا العام نفسه.

والآن، وفي ضوء هذا كله، فهل لا يزال هناك أمل في أن يأتي الانقلاب الإنقاذي، الذي كان متوقعا منذ لحظة انفجار هذه الأحداث قبل عام ونيف، وإن متأخرا وفي اللحظة الأخيرة؟!

يتحدث بعض كبار المسؤولين السابقين من مرحلة ما قبل حافظ الأسد عن أنه رغم اعتقال المئات من الضباط خلال كل شهور العام الماضي، ورغم عمليات «التفكيك» التي بقيت تواصلها الأجهزة الأمنية المتعددة في كل الوحدات العسكرية على مدى الثلاثة عشر شهرا الأخيرة، فإن هناك عمليات استقطاب تتم بصورة سرية حتى في «القطاعات» التي تعتبر مطلقة الولاء، مثل الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وخاصة بين أبناء الطائفة العلوية الذين باتوا يشعرون بأن الأوضاع لم تعد تطاق، وأن طائفتهم ستكون هي الضحية إذا بقي هذا النظام مستمرا في مواجهة الشعب السوري بكل هذه المذابح التي غدت تشمل البلاد كلها، وبالتالي فإنه لا بد من التحرك ووضع حد لكل هذا الذي يجري، وإن كان في اللحظة الأخيرة.

-*--*--*--*--*--*-*

سوريا أمام حلين: حوار في موسكو أو تدخل عسكري دولي! .. هدى الحسيني

الشرق الاوسط

3-5-2012

المأزق السوري: أن سوريا اعتادت دائما أن تكون الفاعل ولا مرة المفعول به. هي كانت تخطط وترسل المسلحين للتنفيذ. في لبنان «أبدعت» في دورها، ميليشيات من كل الأنواع، لكل ميليشيا مهمة: تفجير، إشعال جبهات، اغتيالات. كانت تشعل النيران ولم يكن يهمها أن تلعب دور الإطفائي، هذا دور الضعفاء وهي كانت قوية جدا في لبنان.

في العراق فتحت حدودها معه لكل المتطرفين، «قاعدة» كانوا أو من فروع إسلامية أخرى. طالما هي الفاعل والدول الأخرى المفعول بها، كانت «بطلة الساحة». كانت تعتقد أنها ترتدي «قناع الإخفاء». تفوقت سوريا في فرض الأمن وإشعال النيران في الدول الأخرى، كانت أجهزة استخباراتها تعرف في لبنان، مثلا، زواريب الأحياء الصغيرة، لكن هذه الأجهزة أهملت «زواريب» الحدود السورية التي تحمل المسلحين و«الإرهابيين» إلى داخل سوريا. وهكذا تحولت سوريا من «فاعل» ناجح إلى «مفعول به» فاشل.

كتب أحدهم مقالا قبل سنة، في صحيفة «الهيرالد تريبيون»، جاء فيه أن بشار عندما كان في السادسة من عمره دخل مرة إلى مكتب والده حافظ الأسد، ورأى على الرف وراءه قارورة عطر... مرت السنوات وأصبح بشار رئيسا ودخل ليشغل مكتب والده وفوجئ بأن قارورة العطر لا تزال مكانها، محكمة الإغلاق. قد تكون المفاجأة خدعته وظن أن الأوضاع في سوريا، تماما كقنينة عطر والده، ثابتة مكانها، لا تتغير ولن تتغير، وأن سوريا ستبقى الفاعل ولن تكون يوما المفعول بها!

في جلسة مع أحد السياسيين الغربيين قال إن الأوضاع ستزداد سوءا في سوريا طالما ليس هناك قرار سياسي بعد.

خلال الأسابيع الماضية جرت عدة اجتماعات أميركية – خليجية على مستوى رفيع جدا؛ لبحث الوضع القائم في سوريا والعقبة الروسية التي تمنع بشار الأسد من التنحي. العقبات الأخرى التي ناقشها المسؤولون في اجتماعاتهم كانت: عدم توفر إجماع داخل الجامعة العربية حول التدخل، الافتقار إلى الوحدة بين الجماعات الرئيسية السورية المعارضة، مما يسفر عن عدم الوضوح بالنسبة لمن سيحل محل نظام الأسد إذا ما تمت الإطاحة به. في الاجتماعات عبر المسؤولون الأميركيون والخليجيون عن إدراكهم أنه كلما طالت الأزمة من دون حل، كالانتظار إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية مثلا، فإن تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات الإسلامية المتطرفة ستجد فرص التحرك والتمكن من الداخل السوري.

وعندما سئل مسؤول خليجي نافذ عن رأيه بالنسبة لروسيا، اقترح الطريقة التي اعتمدها الرئيس الأميركي جورج بوش الأب مع الرئيس العراقي صدام حسين أثناء احتلاله للكويت، بأن «نحاول محاولة أخيرة مع الروس وإقناعهم بالتوصل إلى حل دبلوماسي، وذلك بالجلوس حول طاولة في موسكو إذا كانوا على استعداد للاستضافة». لكنه حذر من أن هذه الفكرة لن تنجح «إلا إذا كنا مستعدين للانتقال إلى ما ينبغي أن تكون عليه الخطوة التالية إذا ما فشلت كل الجهود الدبلوماسية، وهذا يعني أن نقول لموسكو إن هناك خيارين لوضع حد للقتل: إما إيجاد حل دبلوماسي، وإلا فستكون هناك حاجة إلى تدخل دولي. إذا كانوا مستعدين للعب دور بناء والعمل على إيجاد حل سياسي بسرعة، عندها، فإن التدخل لن يكون ضروريا. لكن إذا ما ظنوا أن هذه خدعة ورفضوا فكرة الحل الدبلوماسي الذي يبدأ بإيقاف آلة القتل السورية، فعندها علينا أن نكون على استعداد مع حكومات أخرى، للتدخل باستخدام منطقة آمنة أو ممر إنساني كذريعة للقيام بذلك».

المجتمعون اقترحوا أن يكون المشاركون في الحوار السياسي: الولايات المتحدة، روسيا، السعودية، قطر، الإمارات، فرنسا، بريطانيا وتركيا، إضافة إلى ممثلين رفيعي المستوى من مجموعات المعارضة الرئيسية: ك«المؤتمر الوطني» والإخوان المسلمين.

تبين أثناء الاجتماعات أن الولايات المتحدة لا تتطلع إلى الإطاحة بالنظام ككل، إنما الإطاحة بالقيادة أو الذين يشكلونها من الموالين لنظام عائلة الأسد. ورأى المجتمعون أن المتحاورين قد يجدون في الواقع لواء عسكريا قويا من شأنه أن يكون زعيما انتقاليا.

في الاجتماعات الأميركية - الخليجية، رأى المجتمعون أنه يجب أن يكون مفهوما، خصوصا بالنسبة لروسيا، أن المناقشات على طاولة الحوار لن تكون مفتوحة، وأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في فترة قصيرة من الزمن، فسيتم الانتقال إلى الخيار الآخر: التدخل لأسباب إنسانية، أي خلق ملاذ آمن مدعوم من قبل تحالف عسكري دولي.

ردا على هذه الأفكار، افترض الطرف الأميركي أن الروس لا يهتمون إذا ما كانت واشنطن تقيّم مساهمتهم أم لا، يعتقد الأميركيون أن الروس مصرون على إلحاق الهزيمة بأميركا في سوريا، وهذا بالطبع «يثير المخاطر إلى حد كبير». وفي حين يدرك «الأميركيون» أنه لا يمكن السماح بحدوث هذا من أجل مصلحة المجتمع الدولي، فإنه لا اتفاق على ما يجب القيام به للحؤول دون ذلك.

رأي المسؤول الخليجي النافذ في تلك الاجتماعات كان أنه بالطبع لا يمكن أن نسمح لموسكو بالفوز عن طريق السماح لبشار بقمع شعبه بوحشية من دون عواقب، «لكن كما قدمنا لصدام حسين فرصة أخيرة للتوصل إلى حل دبلوماسي عام 1990، ينبغي لنا فعل الشيء نفسه مع روسيا، وبالتالي مع النظام السوري. فإذا قرروا (الروس) (التغلب علينا) والإتيان باقتراح سياسي لإبعاد بشار، اقتراح يخدم مصالحهم ويمكننا العيش معه، عندها نكون قد حققنا أهدافنا. لكن إذا رفضوا اللعب، أو قدموا أفكارا غير مقبولة لنا، وعلى الأخص للمعارضة السورية، فعندها سيكون لدينا مبرر قوي جدا للإعلان عن أن الدبلوماسية لن تنجح، وأن مهمة كوفي أنان إلى فشل، ونأخذ هذا إلى مستوى آخر بموافقة أو من دون موافقة الأمم المتحدة».

أما الرأي الخليجي فكان أن الأسد سينتصر طالما وافقنا على الانتظار ولم نرفع من وتيرة الضغوط، وربما لو وقع حادث دفع القوات السورية إلى إساءة التصرف على الحدود التركية، فقد يكون هذا سيناريو لا تريد روسيا أن تراه يحصل!

اجتماعات كثيرة تُعقد وآراء كثيرة تتردد. وكما صار معروفا، فإن سوريا دخلت في أتون نار «المفعول بهم». مرجع جزائري قال لي: هناك مثلان أمام سوريا: لبنان، حيث الحرب أسقطت الدولة وأبقت على نظام هش، والجزائر حيث إن الإسلاميين قاتلوا الدولة لأكثر من عشر سنوات، لكن الحكومة ظلت موحدة ضدهم والجيش ظل متماسكا في مواجهتهم، الآن يرفضهم الشعب الجزائري، إنما الدولة موجودة ونظامها قائم.

المراهنة على تركيا مشكوك فيها، لكن عرف وزير الخارجية التركي كيف يستفيد منها، فهو في كلمة ألقاها الأسبوع الماضي في البرلمان التركي أشاد بدور تركيا «الرائد» في الشرق الأوسط! قال حرفيا: «شرق أوسط جديد على وشك أن يولد. نحن سنملكه وسنكون الرائدين فيه وخدام هذا الشرق الأوسط الجديد(...) تركيا ستشارك في كل خطوة لمساعدة سوريا على الوصول إلى السلام! لقد انتهت حقبة سياسات (ننتظر ونرى)، وكذلك انتهى زمن اتباع القوى الكبرى». وأضاف «أن تركيا لن تشارك في أي سياسة لا تنشأ من أنقرة. لم تعد تركيا دولة تنقصها الثقة بالنفس وتنتظر موافقة الدول الخارجية على سياساتها. تركيا لديها الآن (الاقتدار)، حتى أحلامكم لا تستطيع ولن تصل إلى المكان الذي وصلت إليه قوتنا»!

إذا كان داود أوغلو قد وصل إلى هذا البعد، فهذا يعني أن المراهنة على دور تركي لم تعد معقولة، لأن «تركيا طارت» إلى مدى بعيد جدا عن متناول الحلف الأطلسي، وحتى عن البند الخامس من ميثاقه.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com