العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-04-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أيها العُربان: تعلموا من أردوغان!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5/4/2014

لا شك أن فوز حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة رجب طيب أردوغان بشكل كاسح في الانتخابات البلدية الأخيرة وقع كالصاعقة على خصوم أردوغان في الشرق الأوسط خصوصاً والعالم عموماً. ولو كانت هناك حنكة سياسية حقيقية لدى الأطراف التي تناصب أردوغان العداء لبدأت تعيد النظر في مواقفها على ضوء الشعبية المتصاعدة للحزب الإسلامي في تركيا رغم كل المؤامرات والشيطنات التي تعرض لها أردوغان منذ أكثر من عام.

لا أدري لماذا يستعدي بعض العرب أكثر من نصف الشعب التركي الذي يقف صفاً واحداً إلى جانب حزب العدالة والتنمية؟ أين الحنكة السياسية؟ أين الحكمة؟ وعندما نتحدث عن الشعب التركي الذي يناصر أردوغان بقوة، فنحن لا نتحدث عن شعب متخلف يسوقونه إلى الاستفتاءات كالقطعان كما هو الوضع في الديكتاتوريات العربية المجاورة كي يصوت بالروح والدم للقائد المفدى المفروض بقوة كلاب الصيد والمخابرات، بل هو شعب واع ومتقدم على كل الصعد، وتعلم من تجاربه المريرة في ظل الانقلابات العسكرية الحقيرة، وأصبح ناضجاً ويعرف مصلحته، ويعرف من يختار، على عكس الكثير من شعوبنا التي يمكن للحملات الإعلامية الرخيصة أن تلعب بها كما يلعب اللاعبون بكرة القدم.

لا نريد من العرب الذين يكيدون لأردوغان، ويحاولون تشويه سمعته وإنجازاته، لا نريد منهم أن يحترموا الديمقراطية التركية وخيارات الشعب، فربما لديهم أسبابهم الخاصة التي تمنعهم من مباركة نتائج صناديق الاقتراع التركية. ولا نريد منهم أيضاً أن يتحالفوا مع أردوغان وحزبه لأنه أصبح رقماً صعباً في الحياة السياسية التركية، بل نريدهم أن يتوقفوا قليلاً مع أنفسهم، وينظروا بتجرد وعقلانية وحكمة إلى طبيعة وسجل هذا الحزب وزعيمه على مدى أكثر من اثني عشر عاماً.

هل حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة أردوغان حزب إسلامي متطرف؟ هل هو حزب إرهابي؟ هل فاز في الانتخابات بالبلطجة والتشبيح؟ هل وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري أو بطرق ملتوية؟ أم إنه حزب إسلامي نموذجي فريد من نوعه أثبت للعالم أجمع أن الإسلام لا يعادي الديمقراطية، ولا المفاهيم السياسية الحديثة، بل هو قادر على تطويعها لخدمة المفاهيم الإسلامية، لا بل إنه قادر أيضاً على تحقيق إنجازات اقتصادية عظيمة لا تحلم بها الأحزاب الديمقراطية التاريخية في الغرب؟ ألا يقيسون نجاح الأحزاب وقادتها في العالم المتقدم من خلال أدائها الاقتصادي بالدرجة الأولى؟ ألم يتفوق حزب أردوغان ذو الطبيعة الإسلامية الحضارية المعتدلة الحديثة على كل الأحزاب التركية العلمانية؟ ألم ينتقل بتركيا إلى مصاف العظام اقتصادياً؟ هل كان ليفوز في الانتخابات في مواجهة أحزاب علمانية شرسة المرة تلو الأخرى لولا أنه أصبح ذا قاعدة شعبية عريضة جداً تترسخ مفاهيمها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية يوماً بعد يوم؟

لننظر سريعاً إلى إنجازات أردوغان وحزبه منذ توليه الحكم حتى الآن. لقد ارتفعت قيمة الصادرات التركية إلى 152 مليار دولار خلال العام الماضي، أي عشرة أضعاف قيمة الصادرات التركية قبل تولي أردوغان السلطة. ألم ينقل تركيا من المرتبة الـ 111 إلى المرتبة الـ 17 على قائمة أقوى الاقتصادات في العالم، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي؟ ألم تظهر الأرقام وصول الناتج المحلي الإجمالي في تركيا إلى نحو ثلاثة أرباع تريليون دولار في هذه الفترة، أي أنه ثلاثة أضعاف ما كان عليه؟ وقد حدد أردوغان العام 2023 الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية لتصبح تركيا من بين أعظم الاقتصادات في العالم. لاحظوا أنه عندما تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم كان متوسط دخل الفرد السنوي في تركيا 3.5 ألف دولار، بينما أصبح في عهده 10.5 ألف دولار. وهي نقلة نوعية عظيمة. باختصار شديد، لقد التزم أردوغان التزاماً حرفياً بالاسم الذي أطلقه على حزبه، واستخدمه لاحقاً كشعار سياسي. كان شعاره من كلمتين: ‘العدالة و التنمية’، فحقق العدالة، وأنجز تنمية فريدة من نوعها، بحيث أصبح مضرباً للمثل في الارتقاء الاقتصادي. لقد غدا مثل مهاتير محمد في ماليزيا رمزاً إسلامياً عظيماً ينافس عالمياً بكل ثقة.

مهاتير رائد نهضة ماليزيا، وأردوغان رائد نهضة تركيا. وكما يقول حسان الرواد: ‘ليس لتركيا ثروات العرب، ولا نفطهم، ولا بحارهم ولا أرضهم. كان شعبها كشعوبنا وأقل. كانت من العالم الثالث كنحن، لكنّ الله منّ عليها بزعيم وطني حقيقي ذي يد نظيفة، فنهض نهضة لم تنهضها العرب والعجم في وقت قياسي، فأخلص، وصدق، فتوفق ليصبح عملاق النهضة الإسلامية الحديثة’.

لماذا إذاَ يعادي بعض العرب حزب العدالة والتنمية التركي وقادته؟ أعطونا سبباً مقنعاً واحداً يجعلنا نقف إلى جانبكم في الهجمة الشرسة على أردوغان. لو كان حزباً متطرفاً مثلاً جديراً بقوائم الإرهاب المحلية والدولية لقلنا عادوه وحاصروه، وشيطنوه، لكنه متهم بأنه معتدل إسلامياً أكثر من اللازم في نظر بعض الجماعات والتيارات الإسلامية.

ألا يحظى أيضاً بسمعة ديمقراطية عالمية طيبة؟ ألا يقبله العالم المتقدم المتمثل بأوروبا شريكاً ديمقراطياً؟ فلماذا نناصبه إذاً نحن العداء؟

لماذا لا نتعلم من حزب العدالة والتنمية التركي كيف ننتقل باقتصادياتنا الهزيلة إلى مصاف الاقتصاديات الصاعدة؟ لماذا لا نتقرب منه، ونستفيد من خبراته العظيمة في المجال الاقتصادي والتنمية البشرية، خاصة وأن تركيا دولة جارة لنا، ونشترك معها في إرث حضاري وإسلامي كبير؟ ولمن يبني تحالفاته عادة على أسس مذهبية، فحزب أردوغان حزب إسلامي سُني بامتياز، وهو يشترك بذلك مع أكثر من مليار مسلم في العالم.

باختصار، فإن حزب أردوغان حزب مثالي للعرب كي يتحالفوا معه على الصعيد المذهبي والاقتصادي والديمقراطي. أليس من السخف أن يشتكي البعض من الخطر الإيراني المحدق بالمنطقة، ثم يعادي في الوقت نفسه الأحزاب الإسلامية السُنية التي يمكن أن تكون سنداً له في مواجهة ما يسمونه بالخطر الشيعي ‘الرافضي’؟

‘ كاتب و اعلامي سوري

=======================

موقفنا : على جدول أعمال من يهمه الأمر .. كيف نمنع مسرحية الانتخابات أو نفضحها

زهير سالم

10 / 4 / 2014

تابعت مع المتابعين نتائج اجتماع الهيئة العامة للائتلاف الوطني مرة أخرى أتذكر شعر لأبي القاسم الشابي في أطفال الشاطئ يبنون بيوتهم الرملية : نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور

فلا شيء على مائدة الائتلاف من الوطن والثورة والإنسان يستحق الدراسة أو الاهتمام غير أنهم في كل مرة يعيدون بناء ما كانوا قد خربوه بين اللقائين . توسيع الهيئة السياسية ، انتخاب الهيئة السياسية ، الاتفاق على وزيرين من ثلاثة لم يتفقوا عليهما من قبل ، البت في مصير الأعضاء المستقيلين ..

ونحن أبناء الشعب السوري ننادي : ما لنا غيرك يا الله ..إذ لم يكن هناك موضوع واحد يخص الوطن الإنسان والثورة على جدول عمل الائتلاف .

من جهة أخرى نتابع في الفضاء السياسي : الدولي والإقليمي والوطني الداخلي أحاديث متواترة عن اعتزام بشار الأسد تمرير مسرحية جديدة لإعادة انتخابه رئيسا ، وسط الدماء والأشلاء والدمار . مسرحية يتم الإعداد لها داخليا بكل مستلزمات الإخراج بدأ من تقنينات مجلس الشعب وانتهاء بتأكيدات عمران الزعبي أن الانتخابات ستجري تحت إشراف ( الحكومة السورية ) و( بشفافية مطلقة ) وأنها لا ( عوائق أمنية ) تعيق إجرائها . نتذكر أن العوائق الأمنية تعيق تسليم شحنات الأسلحة الكيمائية ..

ويتم الإعداد لهذه الانتخابات المسرحية إقليميا بتطمينات نائب وزير الخارجية الإيرانية ( عبد الله يان ) أن إيران لا تتمسك بالأسد إلى الأبد مفهوم المقابلة أنهم يريدونه ليمرروا على كاهله المرحلة القادمة فقط ( سبع سنوات ) ثم في تأكيدات حسن نصر الله أن مرحلة سقوط الأسد قد أصبحت وراء الظهر ، ثم فيما أعلنه نعيم قاسم نائب حسن نصر الله لرويترز بالأمس ( أن على العالم وعلى السوريين أن يقبلوا ببقاء بشار الأسد رئيسا ) لأنه سيترشح وسينجح ونبرة القول التي يقول تؤكد أنه سينجح في صندوق الانتخاب بقوة السلاح وعلى العالم وعلى السوريين أن يقبلوا ذلك بقوة السلاح أيضا ..

على الصعيد الدولي بينما يؤكد نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف أن نتائج الانتخابات لن تغير من حقيقة ما يجري على الأرض شيئا ، في دعوة إلى تمريرها بطريقة يجعلها جزء من هذا الواقع ، يرى فيها من يدّعون أنهم أصدقاء الشعب السوري مجتمعة ومنفردة أنها لعبة سمجة ومثيرة للاشمئزاز ومسخ للديمقراطية وأنها ستقطع الطريق على الحل السياسي ، وستجهض ما يحاوله الراعيان في جنيف ..

وسط كل هذه التجاذبات والضجيج لا شيء عملي يُنقل عن قوى المعارضة السورية في ائتلافاتها وهيئاتها وجماعاتها وأحزابها وقواها وكتائبها . نتحدث عن خطة عملية لمواجهة هذه المسرحية التضليلة بخطواتها وآلياتها واستعداداتها . ذلك ما كان السوريون ينتظرونه من اجتماع الهيئات العامة لقوى المعارضة ...

بيان الإدانة الباهت ( صف الحكي ) الذي يقدر عليه الفرد لا يكفي في هذا المقام ومن هذه الجهات ...

الزعم بأن الانتخاب لن يغير من الأمر شيئا على الطريقة الروسية وإدارة الظهر للمشهد تهربا أو استخفافا هو نوع من العياية والعجز ..

لو لم يكن لمسرحية الانتخابات نتائجها السياسية التي توسد بشار الأسد ولو زورا وبهتانا على كرسي الشرعية السورية لما غامر بشار الأسد وحلفاؤه الأشرار على خوضها وتعريض أنفسهم لأشكال من الغضب من أجلها ..

اليوم وثلاثة أشهر تقريبا تفصلنا عن مسرحية تزوير إرادة السوريين المطلوب من قوى المعارضة الجادة وليس الهازلة ، العاملة وليس العابثة أن تبادر إلى تشكيل ورشات عمل تأخذ على عاتقها العمل الجاد والتخطيط العلمي الواقعي لقطع الطريق على المسرحية على المخرج والممثلين والمستفيدين ..

فإن لم يكن ذلك فإلى الحضور العملي لكشف الجريمة المؤامرة وفضحها والوقوف بالمرصاد في وجه كل من يقاربها ..

الممكنات كثيرة والوسائل متوفرة ولا يحول بيننا وبين ما نريد إلا أن ندعو : اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

المشرق العربي.. ضياع المشهد

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 6/4/2014

عاد الأمين العام للأُمم المتحدة، «بان كي مون»، للتذكير بضرورة عقد جنيف-3 واليوم قبل الغد. وعلى وقْع هذه الدعوة ذكّر الإيرانيون بأنهم يملكون مبادرةً لحلّ الأزمة السورية، وهي تتمثّل في إقرار المرحلة الانتقالية إنما مع الأسد أو في ظلّه! ما العلاقةُ بين دعوة الأمين العام، والكلام الإيراني؟ العلاقةُ هي أنّ فترة بشار الأسد الثانية تنتهي في شهر يونيو من هذا العام. وقد كانوا يأملون أنه بعد الاستيلاء على القلمون، سيسقط في حضنهم ريف دمشق أيضاً فيصنعون لبشار انتخاباتٍ تأتي به رئيساً للمرة الثالثة من دون حاجةٍ لأحد! لكنّ انفتاح الجبهة في أقصى الشمال على أطراف المناطق العلوية، والتقدم المحسوس في درعا، وتأخر العمليات أو عدم تقدمها في ريف دمشق، كلُّ ذلك جعل من الانتخابات الرئاسية في سوريا، وهماً أو ما يشبه الوهم. فالمشهد لن يتغير خلال شهرين، بحيث يستطيع الإيرانيون المصارعة ست سنواتٍ أُخرى على الأرض السورية وأرض المشرق العربي. ولذا فقد يكون كلام «بان كي مون» سبيلاً للجمع الشكلي بين الأمرين: المرحلة الانتقالية التي قد تسري أو لا تسري، وبشار الباقي إلى الأبد بعد أن ينسى العرب والعالم الانتقاليات أياً كان شكلها ولونها!

على أنّ تحديات الانتخابات بالنسبة للإيرانيين لا تقتصر على سوريا، بل هناك انتخاباتٌ رئاسيةٌ في لبنان، وأُخرى برلمانية أقرب في العراق. وقد قال حسن نصر الله في آخر طلعاتِه إنه انتصر في سوريا فليغيّر المعارضون بسوريا ولبنان آراءهم، ولينضموا إليه لكي تصبح الانتخاباتُ في لبنان ممكنة! وهذا يعني أنه رهن انتخابات الرئاسة في لبنان، بوضع بشار في سوريا. فإذا كان يُرادُ من جانب العرب والدوليين عدم حدوث فراغ في الرئاسة بلبنان، فلا أقلَّ من الاعتراف ببشار ولبشار في سوريا! وإثباتاً لوجهة نظره هذه، فإنّ نصر الله وحزبه غابا عن الحوار الذي دعا إليه رئيس الجمهورية بقصر بعبدا. وكان يريد الإيهام بأنّه بذلك يعارض التمديد للرئيس سليمان. بينما الواقع أنّ أحداً ما فكّر بالتمديد، وإنما جُلُّ همّ المسيحيين اللبنانيين عدم حدوث الفراغ في الرئاسة. وهذا الفراغ حاصلٌ إنْ لم يدخل في العملية التوافقية من أجل الرئاسة الفريقان الشيعيان (ووليد جنبلاط الملحق بهما منذ العام 2009).

لقد صارع الفريق الإيراني- السوري لتحطيم رئاسة الحكومة اللبنانية منذ عام 2006. فقد غادر الفريق الشيعي حكومة السنيورة الأولى يومها. ثم غزوا بيروت عام 2008 لإسقاطها. وعندما انضمّ إليهم وليد جنبلاط أسقطوا حكومة سعد الحريري، وجاؤوا بميقاتي حليف الرئيس الأسد. وعندما ما عاد ميقاتي يستطيع خدمتهم تخلَّوا عن حكومتهم تلك، وناضلوا لمدة عامٍ حتى لا يأتي لرئاسة الحكومة «التوافقية» أحدٌ من تيار المستقبل. وفي عملية الإخراج ساعد كالعادة وليد جنبلاط فتولّى رئاسة حكومة «المصلحة الوطنية» تمام سلام. والجاري الآن التلاعب برئاسة الجمهورية لكي يحصل لها ما حصل لرئاسة الحكومة. والهدف المعلَنُ كما سبق القول هو ربط رئاسة لبنان برئاسة بشار الأسد في سوريا. أمّا الواقع فهو أنّ النظام اللبناني المشهور بقدرته على مقاومة البهدلة أو الزوال، قد تنزل به من هذا الطريق ضربةٌ قاسيةٌ، فلا يعود قائماً حقاً من ذاك النظام الدستوري العريق (منذ عام 1926) غير رئاسة النواب الشيعية! فالرئيس نبيه بري متحكمٌ في فتح المجلس وإغلاقه (وقد سبق له إقفاله لثمانية عشر شهراً أيام حكومة الرئيس السنيورة الأولى)، وهو الآن في الموقع نفسِه، وربما يكون له أيضاً الدور نفسه هذه المرة، إذا تصعّبت عمليةُ التجديد أو التمديد لبشار الأسد!

ولدى الإيرانيين- كما سبق القول- تحدٍ ثالث هو الانتخابات البرلمانية العراقية آخر هذا الشهر. والحرب (على الإرهاب طبعاً) دائرةٌ في المحافظات السنية، التي قد لا يستطيع بعضها إجراء الانتخابات. إنما حتى لو جرت، فالسنة سيكونون ضعفاء، ومنهم فريقٌ معلن (أحمد أبوريشة مَثَلاً) يدعم المالكي. وقد لا يحصل المالكي على الأكثرية من أجل التمديد للمرة الثالثة. لكنه حتى لو حصل عليها؛ فإنه لن يستطيع تشكيل حكومةٍ في ظلّ الانقسام الشيعي، والافتراق الكردي، وغياب أكثر الفريق السُني ذي القوة التمثيلية.

هناك إذن ثلاثُ دولٍ عربيةٍ تُعاني من مأزقٍ واحدٍ هو التدخل الإيراني، وتحويل هذه البلدان إلى مناطق نفوذ، تشيع فيها الفوضى، ويشيع القتل والخراب. لماذا كان ذلك، وما هي المصلحة القومية أو الدينية (المذهبية) لإيران في تخريب هذه البلدان؟ لقد ظلّت إيران وظلَّ نفوذها يتقدم في هذه البلدان لحوالي العقد من الزمان ودائماً من وراء ستار: مرة تتخفى وراء الجيوش الأميركية، ومرة وراء المقاومة للجيوش الإسرائيلية، ومرة وراء «حماس» وتحرير فلسطين، ومرة وراء تحالفات «حزب الله» مع الجنرال عون ووليد جنبلاط في لبنان. لكنها منذ عام 2011 اضطرت للقتال علناً من خلال الحرس الثوري، أو من خلال التنظيمات المسلَّحة التي أنشأتها بلبنان والعراق وسوريا. فقد قال جنرال في الحرس الثوري قبل أيام إنّ قوات الدفاع الوطني السوري (الشبيحة سابقاً) إنما أقامها بسوريا الجنرال سليماني على غرار الباسيج والحرس الثوري!

لقد سمعتُ بشار الأسد يقول قبل ثلاثة أيام: إنّ الأوضاع في سوريا لن تهدأ إلى حين القضاء على الإرهاب! لكن الإرهاب الحقيقي والمصطنع المسؤولُ عنه في السنوات الأخيرة، وفي لبنان والعراق وسوريا، وبشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر الإيرانيون وحلفاؤهم. فقد شجعوا منذ عام 2011 المتطرفين أو ساعدوهم للانطلاق من طريق الإخراج من السجون أو إعادة التوجيه بحيث لا يقاتلون ولا يقتلون إلاّ في المناطق المتمردة على الأسد وعلى المالكي. أما الشكل غير المباشر فيتمثل في دفع الشبان لليأس والاتجاه للانتحاريات والسيارات المفخخة وأعمال الثأر نتيجة أفاعيل النظامين السوري والعراقي. فقد ظلَّ السوريون يتظاهرون ثمانية أشهر من دون سلاحٍ والقتل جارٍ فيهم. وتظاهر الناس في الرمادي والفلّوجه وغيرهما لأكثر من عام من دون سلاح. وعندما عمدت جيوش المالكي لإخراج المتظاهرين من الساحات بالقوة، حلَّ محلَّهم «القاعديون» و«الداعشيون» الذين يقاتلهم المالكي الآن!

إنّ أصلَ هذا المشهد المأساوي في المشرق العربي هو الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بزعم مكافحة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية. وقد بادروا مرةً أُخرى عام 2010 على مشارف مغادرتهم للعراق إلى الاتفاق مع إيران على المالكي والأسد وعلى إحلال حكومة موالية لهم في لبنان. وعندما يقال لهم اليوم باعتبارهم رأس النظام الدولي: ماذا فعلتم في العراق وسوريا وللعراق وسوريا.. ولبنان، يعودون للكلام على مكافحة الإرهاب! ولا إرهاب أفظع مما تمارسه إيران وحرسها الثوري وتنظيماتها المسلَّحة في هذه البلدان الثلاث وفي اليمن.

إنّ الواقع أنّ هذه الشكاوى والاتهامات لا تفيد السوريين والعراقيين واللبنانيين كثيراً أو قليلاً. هناك ثلاثمائة ألف قتيل، وعشرة ملايين مهجَّر، وخراب هائل في عمران تلك البلدان. والنظام الدولي عاجز والمتاح فقط المساعدات الإنسانية النزرة للمهجَّرين بدواخل البلدان وخارجها. وهذه البلدان عربية. والعرب جميعاً مهدَّدون بالهجمة الإيرانية. ولذلك لا يصحُّ الصمتُ، ولا الاكتفاء بالتذمر والشكوى والاستسلام لهذا الواقع. ولا يمكن العودةُ إلى الوراء بالتسليم لبشار الأسد أو المالكي أو «حزب الله»، إذ كيف ستنحلُّ مشكلات هذه البلدان إذا عاد القَتَلَة للتحكم ببشرها وأرضها؟! ولستُ أدري ما هي الفائدةُ التي ستحصل للإيرانيين من وراء هذه القتل وذاك الخراب. لكنني على يقين أنّ الإسرائيليين والأتراك يستفيدون كثيراً. سمعتُ أولَ من أمس رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يخاطب اللاجئين السوريين المليون عنده قائلاً: أنتم المهاجرون ونحن الأنصار! أما الجنرال الإسرائيلي فقال: ما عادت لدى العرب بمنطقة الشرق الأوسط جيوش، إنما الأهمّ أنه ما عادت هناك أيضاً شعوبٌ. فالله المستعان.

========================

وقائع ماغوطية

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 7/4/2014

في سنة 1959 صدرت ‘حزن في ضوء القمر’، المجموعة الأولى للشاعر السوري الكبير محمد الماغوط (1934ـ2006)؛ الذي مرّت، يوم 3 نيسان (أبريل) الجاري، ذكرى رحيله الثامنة. فصلية ‘شعر’، بوصفها الناشر، اعتمدت إعلاناً ترويجياً للمجموعة (قد يكون رئيس التحرير، يوسف الخال، هو الذي كتبه بنفسه)، شدّد على حداثة ‘الأداء’ في شعر الماغوط من جهة، وعلى قبوله الحسن لدى الشعراء والقرّاء من جهة ثانية: ‘هذه أوّل مجموعة تظهر لهذا الشاعر الفذّ الذي أوجد لنفسه طريقة جديدة في الأداء الشعري، فصادفت عند الشعراء تحبيذاً وعند القرّاء ترحيباً وحماساً. إنه وجه طالع مشرق في هذه المرحلة من نهوض الشعر العربي’.

كان هذا التفصيل لافتاً، في الواقع، لأنّ ‘الأداء’ الشعري لم يكن السمة المميزة التي يتوقف عندها تحرير ‘شعر’، عادة، في إطراء مجموعات أخرى صدرت عن المجلة ذاتها، واعتمدت أيضاً شكل قصيدة النثر. كان الأمر أقرب إلى إقرار مبكّر، وغير مسبوق أو مألوف في ‘الفلسفات’ الجمالية التي اهتدى بها كبار فرسان المجلة، بأنّ للماغوط أسلوبية منفردة مميّزة ذات صلة بما يتولاه النصّ الشعري، وليس الشكل وحده، من وظائف أدائية. وأيضاً، كان مجرّد التركيز على مفهوم الأداء، الذي يحيل عادة إلى قصيدة العمود والتفعيلة والوزن في المقام الأوّل، يراود ضمناً تلك العلاقة الإشكالية شبه الغائبة، عسيرة الولادة يومذاك، بين قصيدة النثر والقارىء العريض.

لفتت الانتباه، كذلك، صفة ‘الفذّ’ التي أطلقها الإعلان على شاعر كان آنذاك في الخامسة والعشرين من العمر، ولم يكن في عداد أبرز نجوم ‘خميس مجلة شعر’، اللقاء الأسبوعي الذي ضمّ أمثال أدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج وتوفيق صايغ وجبرا ابراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي ونذير العظمة وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة وجورج صيدح وحليم بركات وفؤاد الخشن وطلال حيدر وصلاح ستيتية؛ كما استضاف، في مناسبة أو أخرى، أمثال بدر شاكر السياب ونزار قباني وجورج شحادة ونازك الملائكة وبلند الحيدري وفدوى طوقان… صحيح أنّ الماغوط لم يكن في صفّ ‘الكومبارس، التعبير الطريف الذي اختاره رياض نجيب الريس لنفسه في ‘الخميس، لكنه في كلّ حال لم يكن في عداد النجوم أو أهل ‘السلطة’ في الحركة، والتعبير للريس هنا أيضاً.

شخصياً، ومن موقع دارس الشعر العربي المعاصر، وشكل قصيدة النثر وتياراتها تحديداً؛ شدّتني، على الدوام، اثنتان من وقائع ارتباط الماغوط بحركات التجديد الشعري العربية. ففي أواخر خمسينيات القرن الماضي، شاءت الشاعرة العراقية نازك الملائكة الانخراط في معركة معايير الشعر (وكان الموزون، سواء قام على عمود أو على تشكيلة تفاعيل، هو وحده الشعر عندها)؛ وخوض معركة التسميات (إذْ رفضت مصطلح ‘قصيدة النثر’ جملة وتفصيلاً، كما أبت على الناقد والروائي والشاعر الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا استخدام مصطلح ‘الشعر الحرّ’ بديلاً عن ‘قصيدة النثر’، لأنّ المسمّى في رأيها لا يستحقّ صفة الشعر أساساً!). مدهش، في المقابل، أنّ النصّ الشعري، الذي اختارت تثمينه عالياً، لم يكن من أنسي الحاج أو يوسف الخال أو أدونيس (أقطاب قصيدة النثر آنذاك، في مستوى الكتابة الشعرية ومستوى التنظير على حدّ سواء)؛ بل قصائد الماغوط، في مجموعته الأولى!

الواقعة الثانية هي موقف جبرا من شعر الماغوط، إذْ رغم أنّ الأخير كان عصاميّ الثقافة، لم يدرس في كمبرج أو أكسفورد أو السوربون، ولم يمتلك ناصية لغة أجنبية يقرأ بها (كما كانت حال الغالبية الساحقة من أفراد حركة مجلة ‘شعر’)؛ فإنّ جبرا لم يتردد في ضمّه إلى صفّ التيار الأنغلو ـ سكسوني، إلى جانب توفيق صايغ ويوسف الخال وإبراهيم شكر الله وجبرا نفسه؛ الذي كان يقابله تيّار فرنكوفوني، ضمّ أدونيس والحاج أساساً. وإذْ أخذ على أدونيس ولعه بـ’الوحش الأكبر في الشعر’، أي التكثيف اللفظي الذهنيّ المفتقر إلى الحسّ والفكر، والتناقض بين تموزيته وإسلاميته، تاريخيته ومعاصرته، سرياليته ووعيه المقصود؛ فإنّ جبرا امتدح نصّ الماغوط على نحو لافت تماماً، فاعتبره ‘أبرع مَنْ يستخدم المونتاج بسخاء تلقائي’. وعند جبرا كان المونتاج سمة مركزية كبرى في الشعريات الرفيعة، لأنه يتيح ‘تعاقب الصور على نحو خاص مستهدفاً نتيجة عاطفية معينة، وهذا ما يفعله الشاعر المعاصر، إذ يلحق الصورة بالصورة، أحياناً على نهج سريالي، والسرياليون تعلموا الكثير من المونتاج السينمائي’؛ وكان مثاله المخرج الروسي سيرغي أيزنشتاين، في شريطه الملحمي ‘البارجة بوتومكين’، وخصوصاً سياق ‘أدراج أوديسا’ الشهير.

هذه الوقائع، وسواها كثير، علائم بيّنة على المكانة الرفيعة التي حظيت بها قصيدة الماغوط منذ أطوارها الأبكر، ليس في صفّ شعراء قصيدة النثر إجمالاً، وحركة مجلة ‘شعر’ بصفة خاصة، فحسب؛ بل كذلك، وهو الأهمّ والجوهري، على صعيد الذائقة العامّة. فكيف إذا كانت تلك المكانة قد ترسخت خلال مراحل حافلة بالتعطّش إلى التجديد، والتبدّلات القلقة في الحساسيات والأساليب والأشكال؛ فضلاً عن الصعود الخاطف، مثل الأفول السريع، لحداثات متلاطمة متصارعة، بعضها أصيل ومعظمها زائف؟ كانت معادلة الماغوط مختلفة، لأنّ الإجماع على شعريته العالية كان شبه تامّ، فبدا لإقرار بريادته تحصيل حاصل، واعترافاً ضمنياً بأنه الشاعر ـ المعلّم.

========================

الإسلاميون ومفهوم الدولة

حسين العودات

البيان

الاثنين 7/4/2014   

رأى جان لوك أن الدولة هي تعاقد بين فئات المجتمع يتم برضاها، وتوضحت هذه النظرية لدى جان جاك روسو، الذي قال بضرورة توافق المجتمع على ما سماه "العقد الاجتماعي" كأساس لبنية الدولة ووظائفها وأهدافها، وضمنه مفاهيم سياسية وأخلاقية واجتماعية عدة، مثل المواطنة والدستور، والمساواة، وحقوق المواطن، والحرية والديمقراطية والقانون وغيرها، وما زال العقد الاجتماعي يعتبر في الدول الديمقراطية، فوق الدستور وله الأولوية واقعياً وأخلاقياً.

اتفق فلاسفة النهضة على أن الدولة هي دولة مدنية، وسلطة بشرية ديمقراطية، تتيح للعقول والعقلانية وللناس جميعاً المناخ الملائم للعمل، وتعتبر العقل والقانون أساس الممارسة الديمقراطية، ومفتاح الحقيقة والثورة العلمية، كما تعتبر الدولة الحديثة دولة المؤسسات والقانون الذي سيكون سيد الجميع، وتكفل سائر حقوق الفرد، لأنها دولة المواطنة، التي ترتكز على إرادة مواطنين أحرار، ترعى الدولة حقوقهم وتكفل حرياتهم.

تأثر النهضويون العرب بمفاهيم الدولة الحديثة هذه، ولكن تأثرهم بقي جزئياً، حيث اهتم كل منهم بجانب من معاييرها دون آخر، ولم يتبن أحد من النهضويين مفاهيم الدولة الحديثة أو معاييرها أو مكوناتها بكاملها، لكنهم جميعاً رفضوا الاستبداد وأدانوه، إلا أنهم لم يطرحوا بدائل له، لا الديمقراطية ولا غيرها، وحتى الشورى لم يعمقوا مفهومها ويطوروه ويحدثوه، ليصبح مكافئاً للديمقراطية أو بديلاً عنها.

لكنهم أجمعوا على مدنية الدولة وإبعاد الدين عن السياسة، ولخص الشيخ علي عبد الرازق بموضوعية وروية، آراءهم فقال: إنه لا وجود لما يسمونه المبادئ السياسية الإسلامية ونظام الحكومة النبوية، إذ لم تكن في الإسلام لا موازنة ولا إدارة نظام، ولم يرسل محمد (ص) ليمارس أي سلطة سياسية، ولم يمارسها في الواقع.

والحقيقة أن نهضويين عديدين قبل الشيخ علي عبد الرازق، مثل الشيخ عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد عبده والشيخ قاسم أمين، وغيرهم من الفلاسفة الإسلاميين التقاة المتنورين، مالوا للدعوة إلى مدنية الدولة. تغير موقف الإسلاميين بعد تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، سواء ما يتعلق منه بفكرة الدولة أم بماهيتها أم وظيفتها.

فرغم أنهم قالوا في المراحل الأولى بإبعاد الدين عن السياسة، رأوا بعدها أن الدولة تضم أوطاناً وقوميات وأمماً عديدة، تجمعهم الخلافة (التي كان يطمح إليها الملك فؤاد)، فاعتبرها حسن البنا رمزاً للوحدة الإسلامية، ثم بالغ واعتبرها شعيرة إسلامية والخليفة "ظل الله في الأرض" و"الإسلام دين ودنيا".

وكانت آراؤه هذه غير منسجمة مع أفكاره وطروحاته التي كانت عند تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، حيث كان يعتبر السياسة شيئاً والدين شيئاً آخر، وهو الذي قال: "قلما تجد إنساناً يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب، فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سميت هذه الجمعية إسلامية لا سياسية..". إن وظيفة الدولة لدى الإسلاميين هي إقامة الدين.. وهذه هي الغاية التي تهدف إليها الحكومة الإسلامية.

"ولا تحدد مصالح الناس في الدولة الإسلامية، لا رغبة بعض القوى السياسية في الدولة، ولا أهواء جماهير الناخبين أو آراءهم، وإنما هي سابقة على وجود الجماعة أو الدولة الإسلامية ذاتها، ولازمة لها بحيث تفقد هذه الدولة مبرر وجودها إذا تخلت عن غايتها أو تنكرت لها". لقد بقيت علاقة الدين بالسياسة..

والدين بالدولة، تقف على رأس المشكلات التي تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية، وقد وصف أصحاب الخطاب الإسلامي الحديث الدولة الإسلامية بالصفات الأخلاقية والفضائل والمثاليات، وبالغوا في شرح هذه الفضائل، سواء بالاستشهاد بما سموه الدولة الإسلامية أيام الرسول والخلفاء الراشدين، أم بتخيل مواصفات الدولة الإسلامية المحتملة التي يتصورونها. وفي جميع الحالات لم تخطر لهم العودة لمناقشة التساؤلات البديهية، وهي: ما هي أسس الدولة الإسلامية التي يتحدثون عنها؟

هل مرجعيتها دينية صرفة؟ وهل هي إعادة صياغة للشريعة على شكل قوانين؟ وهل كانت الظروف مماثلة لحاضرنا لتنطبق اجتهادات الماضي على الحاضر؟.. وعشرات الأسئلة الأخرى التي يفتح كل منها الباب على عشرات الأسئلة المماثلة.

إن تصور الإسلاميين للدولة يعود للفكرة المتداولة عن الدولة قبل حركة النهضة العربية، وهذه الصورة على نقيض مع فكرة الدولة، مع فلسفتها ووظائفها وهياكلها. فالدولة بمعناها الحديث لم تكن موجودة، وإنما كانت سلطة فقط وسوطاً تسوس به الناس. ومع التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قرروا أن الدولة هي دولة الوحدة الإسلامية الجامعة، التي لها معاييرها ومفاهيمها المختلفة واقعياً وكلياً، عن معايير الدولة الحديثة...

فلا الوطن ولا القومية ولا اللغة ولا الأرض المشتركة، تشكل عناصر تكوين هذه الدولة أو مقوماتها، إنما هي دولة العقيدة وكفى، مهما تباعدت أوطان المسلمين واختلفت قومياتهم ولغاتهم وحتى مصالحهم. وهكذا فإن ما تم تحديثه من الدولة هو شكلها الخارجي، وبعض هيكليتها، والأساليب التنفيذية للحكم، وبقيت المعايير القديمة للدولة هي السائدة، ولم تؤخذ المعايير الحديثة بشكل منهجي وجدي، كما لم تهتم دولتهم بدور الديمقراطية في وحدتها وقوتها.

========================

سوريا الجديدة.. خطوات التأسيس

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 8/4/2014

تبرز أهمية «خارطة العمل» مع التأسيس لمشروع عمل ما، سواء تحدد ذلك من هذا الحقل أو ذاك من حقول العلوم الطبيعية أو الأخرى الاجتماعية، أو من هذه الممارسة العملية أو تلك. ولعلنا نرى في حضور «خارطة العمل» تلك معادلاً لخمسين بالمائة من نجاح العمل المعني. ولذلك أولى العلماء والباحثون ذلك أهمية كبرى إلى درجة أن نمطاً خاصاً نشأ ضمن منظومة العلوم، هو علم المناهج أو المنهج. وقد كنّا تحدثنا وكتبنا حول ذلك في بدايات الحدث السوري والعربي الكبير، وقد جاء ذلك على قناة الجزيرة وفي مواقع أخرى، تحدثنا حينذاك - وما زال ذلك صحيحاً وذا مصداقية، بل إن مصداقية هذا تضاعفت وتعاظمت، يداً بيد مع مزيد من التأكيد، أي على نبذ وجهة النظر القائمة على «العفوية».

لقد أكدنا ذلك بصيغتين اثنتين، تقوم الصيغة الأولى على ترك الأحداث تسير دونما تدخل باسم «الواقعية» والابتعاد عن التدخل في الحدث.

أما الصيغة الثانية، فتظهر باسم السماح للجميع في مجموعة أو منظومة ما أن يظهروا، مبعثرين كما هم، ومن ثم دون العمل على جمع الآراء كلها في موقف أو في رؤية واحدة، لا لأنه يغفل رأي أو موقع، ومن ثم، لا يقصي رأياً «فيسود الإقصاء»، كما يرى أصحاب هذه الصيغة، إن هذا وذاك كنّا - وربما ما زلنا - نلاحظ وجودهما في أوساط «التجمع الثوري السوري المعارض» الذي يشتمل خصوصاً على «المجلس الوطني» و«الائتلاف».

في التعليق على ذلك، لا يمكن تجاوز الوضعية التي انطلق منها الجَمع المذكور توّاً. لقد انطلق هذا وانطلق معه الوضع السياسي والأيديولوجي في سوريا من هيمنة ديكتاتورية مارسها النظام منذ عام 1963، وهو العام الذي ظهر فيه الانقلاب العسكري، وأسكت الحياة السياسية والتعددية في كل الحقول، وغاب الحوار على امتداد خمسة وأربعين عاماً، إنه نظام شمولي قائم على قانون الاستبداد الرباعي. وظهر ذلك ليس في البلد عموماً، بل كذلك في الحزب الشمولي الوحيد كما في الأحزاب الأخرى الممنوعة والمسموح بها. لقد هيمن الحزب الواحد والقائد الواحد أو الأوحد، وغاب ما دونه. كيف والحال كذلك، ستنشأ حياة سياسية قائمة على التعددية والحرية بما تنطوي عليه من استحقاقات كثيرة، وهذا «أمر خطير»!

ظهور خلافات في «التجمع الثوري السوري المعارض» كان معناه أن التجمع بعد نشأته لم يكن قادراً على الإجابة الدقيقة الصارمة عن حيثيات وشروط الحوار المطلوب، دون الوقوع في أخطاء هنا وهناك. ولهذا كان مهماً جداً التأسيس لحياة لا تغلق النوافذ والأبواب، كما ينبغي، في سبيل حياة مفتوحة مدعمة من قبل كل من يشكل «التجمع» المشار إليه، من هنا، كان اقتراحنا في بداية تأسيسه أن يقوم ذلك على ثلاث خطوات هي التالية:

1- تأسيس مركز أو قسم للدراسات ضمن التجمع؛ يستعين بكل أو بمعظم تجارب النشاط الثقافي والعلمي والتنظيمي، سواء في الداخل أو في الخارج، وبآليات ديموقراطية فعلية وليست شكلية ومترهلة، من ثم، فأخذ القرارات كلها لا يتم بأصوات «أصلية» دون الأصوات «الأخرى» أولاً؛ وثانياً لا يتم ذلك على أساس أن الصوت الواحد يتمثل في تجمع أو تيار أو حزب، وإنما أن تؤخذ آراء المجموعة الواحدة كلها آحاداً آحاداً، وليس على أساس أن المجموع يمثل صوتاً واحداً. ومن ثم، تصبح المسؤولية مفردة، وكذلك مجتمعة في آن واحد، ومن أجل ذلك وغيره، تبرز أهمية الموضوع، وكذلك ضرورة التأسيس لقسم أو مركز يعالج ما يتصل بذلك، مستعيناً بالمنهج التاريخي.

2- وإذا كنّا قد رقمنا الخطوة السابقة بـ «1»، فقد فعلنا ذلك ونحن ندرك أن الخطوة الأولى في هذا الترتيب يمكن أن تأتي تحت رقم «2»، لأن مسألة «الانتخابات الحرَّة»، التي تمثل حجراً تأسيسياً في عمل «التجمع الثوري السوري المعارض»، يمكن أن تتم، بعد أن يكون مؤسسو هذا التجمع قد التقوا وراحوا يتعارفون تعارفاً تعارفاً إنسانياً وربما كذلك سياسياً يمكن أن يفضي إلى التعارف المعرفي المنهجي، وأخيراً، تبرز الخطوة الثالثة، فتقوم على ضبط المشكلات والإشكاليات والمعضلات التي ستكون على «التجمع» المذكور أن يبحث فيه، بعد أن يكون صنفه وحوّله إلى متحدراته السياسية التاريخية والأخرى الاقتصادية التاريخية والمنهجية المعرفية الكبرى أولاً، وإلى استراتيجية أو استراتيجيات العمل السياسي وغيرها ثانياً.

هكذا وعلى أساس هذه الإشكاليات المتعددة والقابلة لتحويلها إلى إشكالية واحدة مركزية، تتفتق الواجبات والمهمات الاستراتيجية والتكتيكية المطالبين بالإجابة عنها وتحويل ذلك إلى مهمات يتلقفها الفاعلون هنا وهناك مع المنظرين الباحثين، وكذلك وفي سياقه مع «الكتلة التاريخية» من الشعب. وبتعبير أكثر ملامسة، تتشكل مقولات حاسمة تمثل مرتكزات العمل في إطار تلك الكتلة التاريخية، وربما كان في مقدمتها مفهوم الوعي التاريخي، وكذلك مفهوم الانتصار التاريخي عبر شبكة الفواعل الديموقراطية ... إلخ.

ما أتينا عليه لا يمثل أكثر من مشروع لنص لعله أن يتحول إلى حافز معرفي سياسي في أوساط من سئموا «نصوص» أحزاب سياسية شمولية تحمل عوامل تفككها وتصدعها، وبالتالي عوامل شموليتها واستفرادها للواقع السوري راهناً ومستقبلاً. فمنذ أكثر من نصف قرن تمت المصادرة على الحياة السياسية والثقافية وكل ما يتصل بها، وكأنها مصادرة أتت من قلب ما قبل الاستقلال، أي بمثابتها امتداداً مركباً ومعقداً لمرحلة الاستعمار الفرنسي وللأربعة قرون العثمانية. وبعد هذا وذاك وذلك، يأتي أخيراً من ينصحنا بالبقاء في الحاضنة التي تشكلت منذ عقود، ويراد لها أن تستمر عقوداً أخرى. وليس من غضاضة في ذلك؛ فهنالك من أتى ويريد أن يقنعنا، في الداخل والخارج، بأن نقبل الدخول إلى «غرفة الإنعاش الأبدي». ذلك لأن النظام العولمي إذ جاء وراح يهيمن، لم يعد لديه «خطاب» لشعوبه إلا الأبدية، واتضح أن لا أحد وحده يمتلك «الأبدية»، وإنما هنالك من يرى أن نظماً أخرى، مثل النظام السوري وغيره تقوم على الخارق الأبدي. لسنا ممن لا يشكك في ذلك. ولكن لنر ما الذي يحل بالمشروع السوري الجديد. والتجربة من أصول البحث العلمي والمجتمعي! بقدر ما التجربة أكبر برهان.

========================

هل ينجو الأسد؟

د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 9/4/2014

إنه سؤال مؤرق يطرحه «ديفيد دبليو ليش» في كتابه «سقوط مملكة الأسد»: ماذا سيحدث لو لم يسقط الأسد بالفعل؟ في رأيي أنه سؤال استدرك به الاحتمالات التي يمكن أن تضفي على كتابه المصداقية، بعد أن رصع عنوان الكتاب بـ«حتمية» سقوط عرش الأسد. إنه يذكرني بجواب ملكة سبأ حين سئلت عن عرشها، بعد أن طار بسرعة الضوء من قاعتها إلى صالة سليمان. أدركت الحكيمة أنها أمام تطور تقني لا تعرفه؛ فكان جوابها موجزاً حكيماً: «كأنه هو»! إنها في العتبة بين وجوده وعدمه؛ فكيف يمكن لعرش يبعد آلاف الكيلومترات أن ينتقل من اليمن إلى فلسطين؟ لكن الرؤية العيانية تقول إنه هو! نظرياً لا يعقل أن يكون هو، لكنه مادياً ينتصب أمامها؛ فكان الجواب الحكيم: «كأنه هو»، وهذا من أسرار تفاعل اللغة مع العقل.

كذلك فعل صاحب الكتاب عن وجود احتمال أن ينجو الأسد من مقصلة التاريخ، لكن كيف وصل إلى خلاصة السقوط، حتى لو بقي طاغية دمشق في مكانه، وانطفأت الثورة السورية أو سحقت؟

لقد عمد في مقدمة الكتاب إلى تأكيد سقوط عائلة الأسد في الارتهان التاريخي حتى لو بقي هو أو أحد منها في موقع الرئاسة على الشكل التالي: «مضيت في اعتماد هذا العنوان لسبب آخر، هو أنني رأيت أن حكم بشار الأسد قد سقط بالفعل، بغض النظر عن بقائه في السلطة من عدمه. وهكذا تنتهي حقبة حكم بيت الأسد التي استمرت أكثر من أربعين عاماً».

يذكر «ليش» أنه سافر إلى سوريا على مدى ربع قرن بانتظام، كما كتب عنها الكثير، ومنه كتاب «بشار الأسد وسوريا الحديثة». وإلى ذلك يقول، إنه استطاع معرفة الأسد الابن أكثر من أي شخص آخر في الغرب، وواصل الاجتماع به على نحو منتظم بطلب منه، كما تعرف على زوجته ومسؤولين رفيعي المستوى، ليراه أخيراً وهو يحصد الأرواح. وفي هذا الخصوص يقول: «تميز رد فعلي الأول بخيبة الأمل والحزن وفي النهاية بالغضب؛ الغضب من شخص في موقع يؤهله لدفع بلاده إلى الأمام لكنه فشل في ذلك؛ بل على العكس؛ أوقف تقدمها! لم ينخرط الأسد في المستقبل بشكل خلاق وشجاع؛ بل اختار طريقاً على منوال ما انتهجه كثير من حكام الشرق الأوسط».

أما ما حدث في سوريا، فيرى «يتطلب جيلاً كاملاً لفك خيوطه»، ذلك أن «بشار الأسد، الشخص الذي عرفته وأحببته، أثبت أنه انتهى منذ مدة طويلة، ومعه الأمل الذي أثاره لدى وصوله إلى السلطة، وخسر آل الأسد أي شرعية بقيت لهم؛ لأنهم خسروا انتدابهم في الحكم، ولن تكفيهم العودة إلى الوضع القائم، ولو طعموه ببعض الإصلاحات السياسية. بات موقع الرئاسة السورية شاغراً، سواء احتله شخص من آل الأسد أم لم يحتله».

أما من يقاتلون النظام، فقد شعروا بأن العالم تخلى عنهم، ما جعلهم يسمون انتفاضتهم «الثورة اليتيمة».

العبرة في مصير أي ثورة هي بالنتائج، ولو نجا الأسد فسيخضع لقانون النهايات؛ إذ تم طي حقبة دولة المخابرات الأسدية إلى غير رجعة، ولو بتكلفة باهظة جداً.

«قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ» (يونس 49).

========================

موقفنا : الكيماوي مرة عاشرة .. اختبار الصمت الخطير

زهير سالم

9 / 4 / 2014

مرة عاشرة توثق منظمات حقوقية واستخبارية دولية عودة مجرمي الحرب في سورية من إرهابيي بشار الأسد وشركاه إلى استخدام جديد للسلاح الكيماوية في أنواع جديدة ومعدلة للاحتيال على القانون الدولي . وعلى الاتفاق الصفقة التي قبل بها المجرمون بعد الجريمة الكيماوية الرهيبة التي راح ضحيتها أكثر من سبع مائة سوري معظمهم من الأطفال والنساء في 21 / 8 / 2013 .

فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن مجرمي حرب الإبادة على الشعب السوري قد استخدموا غازا كيماويا قاتلا في منطقة حرستا في دمشق في 27 / 3 / 2014 . وذلك لقتل ثوار في نفق في منطقة الكوع . وأكدت مصادر استخبارية إقليمية أن مجرمي الحرب قد استخدموا غازا كيماويا قاتلا وغير مصنف دوليا مرتين شرقي دمشق في التاريخ المذكور ...

 ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها بشهادات ناجين وصور وفيديوهات المصابين ، والأعراض التي يعانون منها ، كما دعمت ذلك بشهادات الأطباء الذين تحدثوا عن غاز قاتل برائحة خاصة قد أدى إلى مقتل سبعة مواطنين من المدنيين و إصابة العشرات منهم .

وسمى أحد الأطباء الغاز القاتل المذكور أن الأعراض التي ظهرت على المصابين تشبه في طبيعتها تلك التي تنتج عن الغاز المعروف علميا باسم ( بي . زد )

 وأنه يحدث دوارا وإحساسا بالغثيان وشعورا بضيق التنفس والغثيان وتضيق في حدقة العين ثم الاختناق . وأكد الطبيب أن لا علاج متوفر للمصابين بهذا الغاز ..

ومع أن العديد من المصادر الاستخبارية الدولية والإقليمية قد أكدت عن طريق مصادرها وقوع الهجوم الذي سبقه استخدامات عديدة مماثلة على نطاق ضيق منذ الارتكاب الأكبر للجريمة في 21 / 8 / 2013 ؛ إلا أن موقف الساسة الدوليين بدأ من الأمين العام للأمم المتحدة ، وقادة الدول الخمس دائمة العضوية ودول الجامعة العربية قد آثرت تجاهل الجريمة ، والسكوت عليها تهربا من تحمل استحقاقاتها السياسية والأمنية ..

إننا من موقع الحرص على سلامة شعبنا والتحذير من التمادي في سياسة الإغضاء واللامبالاة بجريمة سفك دماء السوريين المتوافق عليها بين جميع الأطراف الدولية والإقليمية كما تؤكد الوقائع ...

نحذر أن هذا الصمت المريب من كل الأطراف الدولية سيفهم من طرف عصابة الإجرام على أن استخدام هذا السلاح المحرم الدولية قد أصبح حقا مكتسبا شأنه شأن استخدام الطيران الحربي في قصف المدن والأحياء السكنية ، واستخدام القنابل الفراغية والعنقودية والبراميل المتفجرة في قتل الأطفال والنساء . وهي الرسالة الأكثر خطورة التي يرسلها بصمتهم هؤلاء المتقاعسون عن القيام بواجبهم السياسي والإنساني

كما نحذر أن هذا الصمت الدولي إزاء حرب الإبادة التي تدار على شعبنا ، والتهرب من تحمل استحقاقات القانون الدولي في حماية المدنيين في سورية سيصنف كل الصامتين في مواقع المسئولية الدولية شركاء في جريمة الإبادة التي تنفذ على شعبنا . ويجعلهم شركاء في الجريمة ضد الإنسانية المنفذة على هذا الشعب الأعزل ؛ مما سيعطي الحق بالمطالبة بإحالة كل المعنيين إلى محكمة الجنايات الدولية في الظرف السياسي والإنساني الملائم ..

إن الاشتراك في جريمة الإبادة ضد الشعب السوري لم يعد جريمة عصابة أو تحالف إقليمي أو دولي بل هو جريمة تتواطأ عليها كل الأطراف الدولية في حقبة من التردي الإنساني لم يعشها تاريخ الإنسانية في أي حقبة من الأحقاب لا في عصر محاكم التفتيش ولا في عصر النازي والفاشي والستاليني ..

نهيب بكل المنظمات الدولية السياسية والإنسانية تحمل مسئوليتها التاريخية في مواجهة الجريمة الكبرى ..

كما نذكر القائمين على أمر الثورة السورية بتحمل واجباتهم السياسية لحماية الإنسان السوري من مؤامرات وكيد الكائدين ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

منْ يُغري الأسد بـ «القوة النائمة»؟

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 10/4/2014

«أميركا لا تُلدَغ من جُحر واحد مرتين»... مَنْ يصدِّق؟ بل لعلها تُلدغ من جُحرين أو ثلاثة، كما تُظهِر الحرب السورية وأزمة أوكرانيا، بعدما لُدِغَت الولايات المتحدة بهزيمة سياسية كبرى في العراق وتستعد لاحتواء الثانية في أفغانستان. ففي بغداد لا ينام الناس على حرير الديموقراطية بل على دويّ السيارات المفخّخة، وفي كابول قلة تستبعد عودة «طالبان»، بقوة إلى القصر الرئاسي.

والعبارة الأولى، التي قالها مساعد وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز، مقدِّماً عرض حوارٍ الى بيونغيانغ ومشيداً بـ «صدقية إيران» في المفاوضات (على الملف النووي)، لا تنقذ الوزير جون كيري الذي سها عن ذكرها في جلسة امتحان عسير في مجلس الشيوخ الأميركي. في الجلسة كان السناتور الجمهوري جون ماكين بارعاً في إيجاز وصفٍ لأداء إدارة الرئيس باراك أوباما في السياسة الخارجية بحيث «تتحدث بحزم شديد لكنها تمسك بعصا صغيرة جداً... بل بغصن شجرة صغير»!

وإذا كان بعضهم يستبدل «القوة النائمة» بـ «القوة الناعمة» التي أطربت أوباما فنام على حرير الانسحابات من العراق وأفغانستان ومن «الربيع العربي»، فالكارثة ان الرئيس الأميركي ما زال يوجّه رسائل خاطئة إلى «قيصر» الكرملين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مثل فِعْلَتِه حين لم يجد حرجاً في الحديث علناً عن جيش أميركي منهك بعد عقدٍ من الحروب... ومثل إعلان البنتاغون بيان حسن نية، باستعداده طوعاً لخفض قدراته النووية الحربية، تطبيقاً لمعاهدة «ستارت».

لا يجادل أحد في ضرورة خفض التسلح النووي، ولكن أن يبادر البنتاغون الى الحديث عن القرار علناً فيما تواصل موسكو لعبة القط مع مَنْ تعتبرهم فئراناً في كييف، وأن يُقدِم رئيس أميركي للمرة الأولى على تقديم صك اعترافٍ للخصم الروسي بعجز جيش القوة العظمى عن خوض أي حرب نتيجة الإنهاك على مدى عشر سنين... فذاك لن يغري الكرملين إلا بمزيد من التحدّي لكل الصراخ الغربي. وهو صراخ يبدو حتى الآن عاجزاً على الأرجح، عن وقف تفكيك أوكرانيا.

الأكيد أن بوتين عازم على منع تكرار سيناريو الحرب على يوغوسلافيا، والحرب لإطاحة نظام القذافي... على الأقل بدليل إصراره على تمديد عمر النظام السوري. ورغم سلاح العقوبات الذي تستخدمه عواصم الغرب لإيلام الاقتصاد الروسي، والضغط على الأحلام الإمبراطورية لبوتين، لا شيء ملموساً يُقنع أحداً بصدق وعود وزير الخارجية سيرغي لافروف باكتفاء موسكو بضم القرم.

وفيما تلمِّح طهران وواشنطن إلى قرار مشترك بتسريع مفاوضات الملف النووي الإيراني، تكشف روسيا بلا حرج انها لا تتردد في مقايضة: لإدارة أوباما أن تقطف ثمار المفاوضات في مقابل وقف سياسة الضغط على الأصابع في الحديقة الخلفية لـ «امبراطورية» بوتين.

وهل أكثر دلالة من حديث السناتور الجمهوري بوب كوركر عن جلوس الإدارة الأميركية على سطح باص الحرب السورية الذي «تقوده روسيا وإيران»؟! لم يكن أمام ماكين إلاّ أن يوجّه صفعة إلى نهج أوباما- كيري (ولو لحسابات انتخابية للكونغرس هذه السنة). فـ «جنيف 2 السوري انهيار كامل، والمحادثات الفلسطينية- الإسرائيلية انتهت، وستفشل المفاوضات مع إيران».

ما لم يقله السناتور أن واشنطن ضحية للخداع الروسي الذي أوهم الجميع بإمكان إقناع النظام السوري بإعدام نفسه في لحظة تختارها موسكو، الأمر الذي استفزَّ اخيراً الرئيس بشار الأسد ليجهر برفضه مصير نظيره الأوكراني المخلوع يانوكوفيتش.

الاحتمال الثاني أن واشنطن لم تضلَّل، بل جيَّرَت الوهم إلى المنطقة، ليبقى الشعب السوري تحت رحمة فضاء البراميل المتفجّرة، وساحات الميليشيات و «الشبيحة»، وميادين «داعش» وأوسمتها المفخخة. في الاحتمالين تكسب روسيا بـ «تحييد» الغرب بعد طمأنة إسرائيل إلى استمرار نزع الترسانة الكيماوية السورية.

وعلى خطى «القيصر»، يناور المرشد في إيران علي خامنئي، فيوحي بأنه يكتفي بالتفرج على مسار جنيف النووي، فيما حكومة روحاني تتشبث بالتفاؤل بمفاوضات وحوار مع مَنْ كان «شيطاناً أكبر» لأربع وثلاثين سنة. ويدرك خامنئي حاجة أوباما والديموقراطيين في الكونغرس إلى إنجازٍ في السياسة الخارجية، كأن المفاوضات النووية الآن فرصة أخيرة، خصوصاً بعدما خابت آمال كيري بتجاوب إسرائيلي لتحقيق اختراق على المسار الفلسطيني، بات بعيداً.

والسؤال هل تُلدَغ الإدارة الأميركية مرة عاشرة من الجُحر الإيراني، بعدما سلّمته الهيمنة على العراق، وستتيح له حلفاً مع كابول أُعِدَّت لُبنته الأولى قبل سحب جيش الولايات المتحدة؟ وعلى خطى النهج الروسي في أوكرانيا، هل يمكن استبعاد حشر المرشد الأميركيين في زاوية اللحظة الأخيرة من المفاوضات النووية، لتسييج الحدائق الخلفية الإيرانية... من أفغانستان الى سورية ولبنان، وربما غيرهما في الخليج؟

لدى «القيصر» والمرشد القوة الأميركية «الناعمة» نائمة، إنها اللحظة المثلى لمخاض نظام عالمي جديد، لن ينهض إلا بأشلاء ودماء، ونهوضه كارثة.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com