العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13/1/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريا تستغيث، فأين المُغيثون؟ .. مجاهد ديرانية

يا أيها المسلمون: لقد مرّ بإخوانكم في الشام العامَ الماضي شتاء قاس أوشك أن يفتك بهم؛ عاشوا في بيوت لا وقودَ فيها للتدفئة فلا نار، وقلّ في أيديهم اللباس فلا دثار. ودّعوا الشتاء الماضي في بيوت خاوية، وها هم أولاء يستقبلون هذا الشتاء بلا بيوت! لقد هدم المجرمون نصف مليون بيت فشرّدوا خمسة ملايين من الرجال والنساء والأطفال.

 

خمسة ملايين من إخوانكم يهلّ عليهم شتاء جديد وهم في المدارس والجوامع والساحات، ومنهم آلاف وآلاف يستقبلون الشتاء في العراء، أرضهم التراب وسقفهم قبة السماء؛ أقسم بالله إنهم في هذه اللحظات في العراء، ما هذه خيالات ولا مبالغات ولكنها حقائق بيّنات. لن يعرف أحد ما معنى "ليلة في العراء في برد الشتاء" حتى يكون هو الذي يُمضي ليلة في العراء في برد الشتاء!

 

يا أمة الإسلام، يا أيها المسلمون في كل مكان: إن أهل سوريا يستنصرونكم، وإن ربكم تبارك وتعالى خاطبكم فقال: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر}، فأوجب عليكم نصرة المستنصرين من إخوتكم ولم يترك لكم الخيار. وإن العدو سيُفني إخوانكم في سوريا ما لم تنصروهم بأموالكم، وإن الجهاد بالمال قد صار فرضاً عليكم، فأدّوا فرضكم ولا تقصّروا مع ربكم ولا تخذلوا إخوانكم، لو فعلتم لتُسألُنّ يومَ الحساب، فأعدوا لذلك اليوم الجواب.

 

* * *

الكلمات السابقة نشرتها قبل خمسة أسابيع؛ وجّهتها إلى المسلمين في مقالة عنوانها "يا أمة الإسلام"، ففتحتُ على نفسي باباً لم أستطع إغلاقه، فقد وجدت حماسة هائلة وتجاوباً بلا حدود، ولكن الناس ما انفكّوا يسألون: كيف يمكننا المساعدة، وما هي الطرق المأمونة المضمونة لوصول التبرعات؟

 

إلى أولئك السائلين، إلى الخَيّرين الصادقين وإلى أهل المروءة والمكرمات أقدّم هذه القائمة؛ لم أسجّل فيها إلا الجمعيات والهيئات التي أعرفها وأثق فيها، والتي أضمن -بأمر الله- وصول كل درهم تضعونه فيها وكل دينار إلى مستحقّيه. وهي كلها من المنظمات الإغاثية التي تسعى لتوفير ما يحتاج إليه الناس في معاشهم: الغذاء والدواء والكساء والدّفاء، وتصل خدماتها إلى داخل سوريا كما تصل إلى اللاجئين السوريين في الشتات، أما السلاح فلا شأن لها به لا من قريب ولا من بعيد.

 

وإني لأعلم كم يتوق أبناء الأمة لدعم المجاهدين، ولكنْ لمّا صار الجهادُ هو التهمة الكبرى في هذا الزمان الكئيب الذي نعيش فيه فقد تركته واقتصرت على الإغاثة والدعم الإنساني حتى لا أسبب الضرر لأحد (وإن الإغاثة لَعَملٌ جليل عظيم تكسبون به أعظم الثواب بإذن الله). على أنّ لتوصيل الدعم إلى المجاهدين مسالك يعرفها العارفون، فمن جَدّ في الطلب وجد الجواب.

 

الجمعيات والهيئات التي تصل خدماتها إلى المنكوبين داخل سوريا

وتشمل خدماتُها إنشاءَ المخيمات والمستشفيات الميدانية والمخابز، وتوزيع الخبز والسلال الغذائية والحقائب الإسعافية والملابس والفرشات والبطانيات، وكفالة الأيتام وأسر الشهداء والمعتقلين، وتأمين المأوى للأسر التي فقدت بيوتها بسبب القصف والتهجير، وتقديم الإرشاد الدعوي والدعم النفسي.

الكويت

جمعية فهد الأحمد

بنك الكويت الدولي

Kuwait  international bank

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج الكويت:

IBAN:  KW13 KWIB 0000 0000 0111 0100 0394 9

البحرين

جمعية التربية الإسلامية

بنك الإثمار

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج البحرين:

IBAN:  BH61 FIBH 0102 0042 5900 21

SWIFT : FIBHBHBM

قطر

مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية RAF

بنك قطر الدولي الإسلامي

Qatar  International Islamic Bank (QIB)

رقم الحساب : 031889077

بريطانيا

Syria  Relief

Bank: Royal Bank of  Scotland

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج بريطانيا:

IBAN:  GB41 RBOS 1634 2710 1665 42

رقم الحساب للتحويل من داخل بريطانيا: 10166542

Sort Code 16-34-27
UK SWIFT code: RBOS GB2L

بريطانيا

Hand in Hand for  Syria

Bank: NatWest

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج بريطانيا:

IBAN:  GB45 NWBK 5421 4729 8427 94

رقم الحساب للتحويل من داخل بريطانيا: 29842794

Sort Code: 54-21-47

UK SWIFT code: NWBKGB2107R

بريطانيا

Human Care Foundation WorldWide

Bank: HSBC

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج بريطانيا:

IBAN:  GB40 MIDL 4004 0621 6190 12

رقم الحساب للتحويل من داخل بريطانيا: 21619012

Sort Code: 40-04-06

UK SWIFT code: MIDLGB2141E

الرابطة الطبية للمغتربين السوريين

Syrian Expatriate Medical Association

SEMA (AMDES)

منظمة متخصصة بالإغاثية الطبية داخل سوريا، تضم مئات الأطباء السوريين في الداخل والخارج، وتشمل خدماتها إنشاء وتشغيل المستشفيات الميدانية والوحدات الإسعافية وتوزيع الحقائب الطبية والأدوية والمستهلكات والمستلزمات الطبية بأنواعها، وهي مسجلة رسمياً في فرنسا.

اسم الحساب

AMDES

البنك

SOCIETE GENERALE

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج فرنسا:

IBAN:  FR76 3000 3037 2000 0505 9225 626

(2)

الجمعيات والهيئات التي تصل خدماتها إلى اللاجئين خارج سوريا

الجمعيتان المذكورتان هنا تصل خدماتهما إلى عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان، حيث تقومان بتغطية إيجارات السكن لآلاف الأسر، وتوزيع إعانات نقدية وعينية تتضمن ملابس وفرشات وبطانيات ودفّايات، وتوفير الغذاء والدواء والوقود، وتغطية علاج المرضى والمصابين في المستشفيات الخاصة.

لبنان

جمعية الاتحاد الإسلامي

Arab Finance House

Beirut  , Mazraa branch

رقم الحساب (متضمناً الرمز الدولي) للتحويل من خارج لبنان:

IBAN:  LB81 0125 0100 0381 1000 0 000 1021 takafful

الأردن

جمعية المركز الإسلامي الخيرية

حساب الجمعية في البنك الإسلامي الأردني – فرع الشميساني – رقم الحساب 46100

البنك العربي الإسلامي الدولي – فرع الجاردنز – رقم الحساب 500-124-1010

الرجاء من المتبرع أن يرسل رسالة بالبريد الإلكتروني (إيميل) بقيمة المبلغ الذي تبرع به مع الإشارة إلى أنه مخصص للاجئين السوريين (حتى لا يتم توجيهه في أوجه صرف خيرية أخرى)

البريد الإلكتروني

info@islamicc.org

(3)

تبرعات مضمونة لسوريا (بإذن الله) بوسائل دفع سريعة

ملاحظة مهمة: أدرجت فيما يلي رابط الصفحة الرئيسية لكل واحدة من المنظمات الخيرية التي تقبل الدفع السريع، وأيضاً أدرجت رابط صفحة التبرع. لكن هذا الرابط لا يعمل في كل البلدان، فإذا لم تفتح الصفحة بالضغط عليه فأرجو فتحها من الصفحة الرئيسية بالضغط على زر التبرع (donate)

مؤسسة الشيخ عيد الخيرية (قطر)

الموقع الإلكتروني

http://www.eidcharity.net/

صفحة التبرع (بواسطة البطاقات الائتمانية)

http://eidcharity.dyndns.info/donatetoeid/donate.aspx

Syria  Relief

الموقع الإلكتروني

http://www.syriarelief.com/

صفحة التبرع (بواسطة البطاقات الائتمانية أو PayPal)

https://www.paypal.com/uk/cgi-bin/webscr?

cmd*-_flow&SESSION*-t8-mLy9FedRWlJufzT

AOtlvQn7dlr1QfmyMs7GiPttTepbejPoEOS1-

VJ2i&dispatch*-5885d80a13c0db1f8e263663

d3faee8d0b7e678a25d883d0fa72c947f193f8fd

Hand in Hand for  Syria

الموقع الإلكتروني

http://www.handinhandforsyria.org.uk/

صفحة التبرع (بواسطة البطاقات الائتمانية أو PayPal)

https://www.paypal.com/uk/cgi-bin/webscr

?cmd*-_flow&SESSION*-VvuRtiHQgeG9qljC-

9mM5ubdGPoeRd-pIWeAGreznE8_H3BwXPz

yuZmbnfW&dispatch*-5885d80a13c0db1f8e2

63663d3faee8d0b7e678a25d883d0fa72c947f193f8fd

Human Care Foundation WorldWide

الموقع الإلكتروني

http://hcfww.org/

صفحة التبرع (بواسطة البطاقات الائتمانية أو PayPal)

http://www.justgiving.com/hcfww/donate

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

هل يتحقق الحلم الصهيوني وتقسم سوريا

محمد فاروق الإمام

إن أي حديث عن تقسيم سوريا يأخذنا لاستذكار ما قام به الانتداب الفرنسي عندما دخلت جيوشه دمشق، حيث قسم سورية إلى دويلات ذات صبغة طائفية ومناطيقية ليكرس ذلك التقسيم من خلال زرع بؤر التوتر بين أبناء الشعب الواحد تحت مبدأ (فرق تسد) ليسهل عليه بالتالي تكريس الاحتلال ظناً منه أنه في تقسيم سورية سيتمكن من الاحتفاظ بسورية جزءاً من فرنسا كما فعل في الجزائر.

كان الانتداب الفرنسي على سورية وهو انتداب أقرته عصبة الأمم المتحدة عام 1922 لفرنسا للوصاية على جزء من سورية الطبيعية والمساعدة في إنشاء مؤسسات للدولة هناك بعد سقوط الدولة العثمانية. بعد انتهاء فترة الانتداب في أواخر أربعينيات القرن العشرين نشأ كيانان مستقلان هما الجمهورية السورية والجمهورية اللبنانية.

وكانت اتفاقيتا سايكس بيكو وسان ريمو أقرت الانتداب الفرنسي على سورية الطبيعية. ولكن المؤتمر السوري العام الذي انعقد في 8 آذار 1920 رفض الانتداب وأعلن استقلال سورية الطبيعية بحدودها كاملة وإقامة المملكة العربية السورية بزعامة الملك فيصل بن الحسين.

دخلت القوات الفرنسية دمشق يوم 24 تموز عام 1920م بعد أن لاقت مقاومة عنيفة ورفضاً للانتداب الفرنسي من قبل حكومة الملك فيصل بن الحسين في دمشق والمؤتمر السوري العام. وتوجهت القوات الفرنسية الموجودة على السواحل الشامية نحو دمشق، ولكن السوريين تصدوا لها بما يملكون من أسلحة بسيطة في معركة ميسلون التي انتصر فيها الفرنسيون، فقاموا بإسقاط حكومة رضا الركابي الوطنية وأبعدوا الملك فيصل. وإمعانا في معاقبة السوريين، قاموا باقتطاع الأقاليم السورية الشمالية وضمها إلى تركيا في معاهدة لوزان، وطُبق الانتداب على سورية ولبنان ومنطقة الموصل (حالياً في العراق). استمر هذا الانتداب حتى بداية الحرب العالمية الثانية بعد سقوط فرنسا تحت الاحتلال الألماني وظهور حكومة فيشي. خلال فترة هذا الانتداب، تم تأسيس الجمهورية السوريّة ودولة لبنان الكبير من ضمن العديد من الكيانات الصغيرة ضمن منطقة الانتداب والتي أصبحت لاحقاً الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية، على التوالي.

أراد الجنرال غورو تأديب السوريين على تصديهم لفرنسا في معركة ميسلون فأعلن في عام 1920 تقسيم سورية على أساس طائفي إلى ست دويلات مستقلة هي التالية:

• دولة دمشق (1920)

• دولة حلب (1920)

• دولة العلويين (1920)

• دولة لبنان الكبير (1920)

• دولة جبل الدروز (1921)

• لواء الاسكندرون المستقل (1921)

• وكما سبق، أعطيت الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية.

كانت هذه الدويلات في بادئ الأمر مستقلة تماماً ولكل منها علم وعاصمة وحكومة وبرلمان وعيد وطني وطوابع مالية وبريدية خاصة، وبسبب الرفض الشعبي للتقسيم قامت فرنسا في عام 1922 بإنشاء اتحاد فدرالي فضفاض بين ثلاث من هذه الدويلات (دمشق وحلب والعلويين) تحت اسم “الاتحاد السوري”، واتخذ علم لهذا الاتحاد كان عبارة عن شريط عرضي أبيض يتوسط خلفية خضراء.

وفي الشهر الأخير من عام 1924 قرر الفرنسيون إلغاء الاتحاد السوري وتوحيد دولتي دمشق وحلب في دولة واحدة هي دولة سورية، وأما دولة العلويين فقد فصلت مجدداً وعادت دولة مستقلة بعاصمتها في اللاذقية.

أما دولة لبنان الكبير هو اسم الإقليم الذي كونته فرنسا بعد أن فصل عن سورية الطبيعية مبشرة بلبنان الحديث في الفترة ما بين 1 سبتمبر/أيلول 1920 وحتى 23 مايو/أيار 1926 وتم إعلان بيروت عاصمة للدولة وتمثل علم الدولة في دمج علمي فرنسا ولبنان معاً. ورغم قصر عمر تلك الدولة فقد شكلت أهمية كبرى ومعاصرة في تاريخ لبنان المستقل الحديث.

وفي مقال مثير للاهتمام، وعلى وقع التداعيات السورية، ونيات إسرائيلية راغبة بتقسيم سورية، كتب الصحافي الإسرائيلي الشهير شلومو أفنيري تحليلاً في صحيفة (هآراتس) يوم 8 أغسطس/ آب 2012 جاء فيه الآتي:

"يبدو أن ليس السؤال المهم في هذه الأيام هل يبقى بشار الأسد بل هل تبقى سورية دولة. فسورية في حدودها الحالية ليست وحدة تاريخية أو عرقية متجانسة بل هي ثمرة تسويات استعمارية انكليزية فرنسية حددت على أثر الحرب العالمية الاولى حدود الدول التي نشأت على أنقاض الدولة العثمانية.

ونشرت مجلة القوات المسلحة الأمريكية في عددها حزيران 2006 تقريراً خطيراً كتبه (رالف بيترز) وهو (لوتانيت كولونيل) سابق في الجيش الأمريكي، وخدم في شعبة الاستخبارات العسكرية أيضاً, تفرغ للكتابة والنشر بعد تقاعده.

يتحدّث (رالف بيترز) في هذا التقرير عن عملية تغيير لمعالم دول الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، تنشأ عبرها دول جديدة، وتتقسم دول أخرى، وتتغير معالم دول، و تندمج دول أخرى، ومن هذه الدول (سورية) التي قسمها إلى أقاليم متمايزة عرقيا أو دينيا أو مذهبيا الى أربع دويلات

1ـ دولة علوية شيعية (على امتداد الشاطئ).

2ـ دولة سنية في منطقة حلب.

3ـ دولة سنية حول دمشق.

4ـ دولة الدروز في الجولان ولبنان وتشمل جزءا من الأراضي الجنوبية السورية وشرق الأردن والأراضي اللبنانية. 

 

وكانت فرنسا أيضا هي التي شجعت الأقلية العلوية على ان تخدم في الجيش ليكون ذلك وزنا معادِلا للأكثرية السنية وبحسب السياسة الاستعمارية التقليدية وهي ‘فرّق تسد’. ويلاحظ هذا التراث الى اليوم وهو الذي مكّن من سيطرة الأقلية العلوية برعاية حزب البعث العلماني. وهو الذي انشأ الوضع المتناقض الذي حظيت في اطاره سلطة الأسد".

وفى عام 1982، سربت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية دراسات عن ضرورة بلقنة المنطقة العربية وتقسيمها على أساس عرقى وطائفي، وذلك حتى تتفرد إسرائيل بقيادة المنطقة والهيمنة على مقدراتها، بعد أن تغرق دولها فى أتون حروب داخلية لا نهاية لها.

وقد تراجع الحديث الإسرائيلى علنا عن مخطط البلقنة لبعض الوقت، لكنه عاد مجددا للظهور مع وجود بيئة خصبة وظروف مواتية تمثلت فى الثورة على نظام الأسد ومحاولات الدفع فى اتجاه حصر الثورة فى البعد الطائفى والصراع بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية الحاكمة.

وأخيرا عادت الدراسات الإسرائيلية لتكشف عن مخطط تقسيم سورية إلى دولتين، الأولى علوية والثانية سنية للحيلولة دون صعود السنة لسدة الحكم مثلما صعد الإخوان المسلمون فى مصر، وذلك حسبما يقول مركز "سيكور ميموكاد" للدراسات فى إسرائيل.

وترجع الدراسة التحرك على هذا الصعيد لفشل القوى الدولية فى الاتفاق على التدخل العسكرى فى سورية بسبب الجوار مع إسرائيل.

ويكشف المخطط عن تقسيم سورية لدولتين علوية فى الغرب وسنية فى الشرق، محذرة من الوقوف إلى جانب ما سمته الإسلام الراديكالي، تحت دعوى مساندة ثورات الربيع العربي. وهنا أيضا يقول فولكر بيرثيس مدير المعد الألمانى للشئون الدولية والأمنية، "إنه لا أحد فى الغرب يريد المخاطرة بظهور أفغانستان أخرى ويدعم المتمردين الذين يتحولون بعد ذلك إلى جهاديين".

من هنا نستشف أن إسرائيل التي ضمنت أمن حدودها الشمالية مع سورية لنحو أربعين سنة دون أن يعكر هذا الأمن صوت رصاصة واحدة حتى وإن كانت ضالة، خلال فترة حكم الأسد الأب ومن بعده الأسد الابن، هي المستفيد الأول مما يجري في سورية الآن لأنها تخشى من البديل عن النظام الذي أمن حدودها الشمالية كل تلك الفترة والتزم بالاتفاقيات التي أبرمتها معه عام 1974، وهي تنظر لما يقوم به النظام من تدمير للمدن والبنى التحتية في طول البلاد وعرضها وتدمير أسلحة الجيش السوري وتفكيك وحدته بعين الرضى وابتسامة الفرح، حتى إذا ما كان البديل هو ما تخشاه فسيكون غير قادر على التفكير باستعادة الجولان أو تقديم أي دعم للقضية الفلسطينية لأنه سيكون مشغول لسنين طويلة في بناء ما دمره الأسد وإعادة اللحمة للجسد السوري الذي عمل الأسد على تمزيقه وإثخانه بالجراح، وآمال إسرائيل لن تتوقف عند تدمير سورية الإنسان والوطن بل هي تحلم بأن تجد بجانبها كانتونات لدويلات طائفية متناحرة تنشغل بنفسها عنها.

ومع تواصل المواجهات بين الثوار وجيش النظام، وإحراز الثوار انتصارات مهمة في تلك المواجهات وتحقيق مكاسب مهمة على الأرض حتى بات القصر الجمهوري في متناول نيران الثوار تصاعدت وتيرة الحديث عن تقسيم سورية.

وفي سياق ذات الموضوع لا يمكن إغفال ما أقدم عليه مجلس الشعب السوري قبل أيام من رفعه توصية إلى الحكومة لاستحداث محافظات سورية جديدة في ريف حلب الشمالي وفي شرقي الحسكة وبادية حمص، ضمن غلاف شكلي يدعي حرص نظام الأسد على القيام بالمشاريع التنموية والاستثمارية للحد من البطالة في تلك المناطق. والحقيقة وكما تدل المؤشرات غير ذلك تماماً، فالتقسيم الإداري الجديد طائفي بامتياز، يهدف على المدى القصير إلى فصل الريف والبادية عن المدينة والتغيير في ديومغرافية المدن والمناطق الرئيسية على أساس طائفي.

ولعل أهم ما يمكن استنتاجه من تلك التقسيمات الإدارية على أساس طائفي هو انفصال الحكومة التي تفتك بشعبها كل يوم عن معاناته اليومية. فبينما يسعى المواطن السوري في مختلف المناطق لتأمين ربطة الخبز ويدفع حياته في كثير من الأحيان ثمناً لها، تنشغل الحكومة في التخطيط بعيد المدى لزيادة التقسيم والتفرقة بين مختلف المناطق السورية على أسس طائفية.

إن ما يقوم به النظام من التركيز على قصف المدن والبلدات والقرى ذات الغالبية السنية، ومحاولاته اليائسة في جر الأقليات من الطوائف الأخرى (المسيحيون، والدروز، والإسماعيليون) بدعوى هو من يحميها من الأغلبية السنية ليقفوا إلى جانبه في مواجهتها، باءت بالفشل حيث هناك العديد من الضباط والعسكريين الذين انشقوا عن جيش النظام من هذه الطوائف، بما فيها طافة الأسد العلوية، وانضموا إلى الجيش الحر، فيما هناك أعداد كبيرة من الشخصيات المعارضة تنتمي إلى هذه الطوائف، إضافة إلى مشاركة جماهير مدن هذه الطوائف في المظاهرات المطالبة بسقوط نظام الأسد، كتلك التي قامت في مدينة السويداء معقل الطائفة الدرزية، ومدينة السلمية معقل الطائفة السمعولية، ودفعت تلك المدينتين العشرات من الضحايا والجرحى والمفقودين والمعتقلين والمهجرين والنازحين عقاباً لانحيازهما للثورة السورية.

لقد تواترت التسريبات عن انتهاء الدائرة الأقرب من الأسد، من وضع مخطط "الورقة الأخيرة" الذي يقوم أساسا على الدفع باتجاه تقسيم سوريا على أسس طائفية بما يحفظ للطائفة العلوية حدا أدنى من الحكم في البلاد ولو على رقعة جغرافية محدودة.

وعلى سبيل المثال ما سرب أخيراً من أن الشيخ أحمد ديوب الأحمد طلب عقد اجتماع لمجلس الطائفة، لبحث مستقبل الطائفة العلوية وتحديد موقفها من الأحداث الجارية حاليا. وتم استدعاء جميع أعضاء مجلس الطائفة وتم الاجتماع بتاريخ 27/12/2012 وتم الاتفاق على البنود التالية:

1-تأسيس لجنة تحضيرية لقيام كيان للطائفة العلوية مستقل إداريا عن الحكومة المركزية .

2-قيام ما يشبه الحكم الذاتي للطائفة العلوية تشبه حكومة الأكراد في شمال العراق .

3-جلب جميع أبناء الطائفة من طرابلس لبنان ومن الداخل السوري وتوزيعهم على مدن وقرى الساحل .

4-تكون المساحة الجغرافية لمنطقة أبناء الطائفة كالتالي:

من حدود لبنان جنوبا الى تركيا شمالا ومن الغرب إلى الغاب شرقا وتشمل جميع القرى في المنطقة .

5-جلب أبناء الطائفة من حلب وريفها من النواخذ وهم آل بري وآل موسى وآل ملحم وآل حسون وآل ناصر.

6-تأسيس لجنة ذوي خبرة عسكرية لوضع بنود تكفل حماية الطائفة من أعدائها و تتكون اللجنة من :

ا- اللواء ابراهيم الصافي.

ب- اللواء علي حسن حسن.

ج- العميد أحمد صالح.

ح- العميد عادل دندش.

خ- العميد محمد ناصر .

7-دعم الحكومة الحالية بقيادة بشار الأسد بكل الإمكانيات بصفتها الحكومة المركزية الداعمة لفكرة الحكم الذاتي للطائفة .

8-إقصاء كل من يعارض توصيات مجلس الطائفة من الطائفة .

9-تهجير أتباع الطائفة الإسماعيلية من القرى القريبة من الساحل إلى الداخل السوري .

10-يوصي المجلس بإنشاء محاكم شرعية جعفرية بالمنطقة .

11-ترفع هذه التوصيات إلى الرئيس بشار الأسد لإقرارها عبر السيد محمد مخلوف واللواء شاليش قبل فوات الأوان.

لجنة حقوقية شرعية برئاسة المفتي حسون مهمتها  .

12-يُطلب تأسيس لجنة حقوقية شرعية برئاسة المفتي حسون مهمتها تطمين أهل السنة في الساحل بأن حقوقهم محفوظة وأنهم جزء من مكونات المجتمع في الساحل .

13-ترسل نسخه إلى السيد رفعت الأسد كي يعلم بما يبحث في بيت الطائفة الداخلي ليكون سفيرنا المعتمد والمفاوض مع إسرائيل بما يخص العلاقة بينها وبين الطائفه .

14-تقوية العلاقه بين الطائفة وإيران خاصة بما المراجع الدينية لدى الطائفتين واعتماد مرجعية خاصة بهم معترف بها من قبل مرجعية إيران والمرجعية في العراق تساويا مع مراجع أهل البيت في لبنان وغيرها.

وللعلم: فإن مجلس الطائفة العلوية يضم مشايخ العلويين وقادتهم، ويطلق عليه (مجلس النجباء) يتفرع منهم (مجلس الطائفة) وعددهم  /16/ .

ويطلق عليهم (لجنة الستة عشر) ومركزها (قرية حلبكو) قضاء جبلة .

وكل أبناء الطائفة يتبعون لأوامرها بما فيهم الأمن وجميع الضباط والعسكريين العلويين.

يأتي ذلك بينما يزداد الوضع الميداني في سوريا تعقيدا، وتزداد متاعب نظام دمشق في ظل عجزه عن حسم الصراع بالقوة بعد أن روجت وسائل إعلامه على مدار الأسابيع الماضية لنصر وشيك.

وقال محللون إن المخطط الذي سيكون جاهزا للتنفيذ حال ظهور أول بوادر الانهيار النهائي للنظام يضع مدينة اللاذقية نقطة ارتكازه الأساسية، باعتبارها عاصمة قادمة لإمارة علوية.

وتتحدث بعض التسريبات عن التعويل على عناصر إيرانية وأخرى من حزب الله الشيعي لتنفيذ مجازر على خلفيات طائفية، يواكبها الإعلام السوري برفع درجة الشحن الديني والطائفي، فيما يجري توزيع الأسلحة على عناصر مختارة سلفا من عدة طوائف وتسريح عناصر مسلحة من الجيش للعودة إلى مدنها وقراها بأسلحتها قصد الدفاع عن عشائرها وعائلاتها وطوائفها.

ويعول النظام بذلك على حرب أهلية تتمترس خلالها كل طائفة في منطقتها لتبرز بذلك حدود التقسيم.

ويعوّل نظام دمشق بذلك على إحراج دول الجوار الإقليمي التي تضم بين مكوناتها ذات الأطياف. ويطمع في أن تندفع تلك المكونات نحو الاستقلال على غرار ما سيجري بسوريا.

وتأمل الطائفة العلوية في الاحتفاظ بإمارة في اللاذقية، معولين على الوضع التاريخي للمدينة التي يقول مؤرخون إنها احتفظت دائما بنزعة استقلالية ونظرت إلى باقي سوريا باعتبارها محيطا معاديا.

والعلويون طائفة من الشيعة الإمامية يسكن معظمهم سلسلة الجبال الممتدة من عكار جنوبا إلى طوروس شمالاً، ويتوزع بعضهم في محافظات حلب وحمص وحماة ودمشق وحوران، ويمثلون بين 8 إلى 10 بالمئة من السوريين.

وعمليا أصبح للعلويين اليد الطولى في حكم سوريا منذ تشرين الثاني 1970 حين قاد وزير الدفاع العلوي اللواء حافظ الأسد انقلابا عسكريا استولى بموجبه على السلطة وتولى زعامة حزب البعث في سوريا والإطاحة بالرئيس نور الدين الأتاسي ورفيقه العلوي صلاح جديد ، وأودعهما السجن مع عدد من كبار القادة والمسؤولين، فيما يُعرف بـ"الحركة التصحيحية" (الأول مات مريضا بالسرطان بعد إطلاق سراحه بعد 27 سنة في السجن، والثاني مات في سجنه معلولاً بمرض السل).

ومنذ ذلك التاريخ، رأت القيادة السورية أن من مصلحة الأقلية العلوية إسناد مناصب الدولة العليا ومواقع القيادة في الجيش والأجهزة الأمنية إلى أبناء هذه الطائفة.

ويعلق ملاحظون على مخطط تقسيم سوريا بأن نظام دمشق الذي بدأ قومياً رافعاً لواء الوحدة العربية سينتهي منكمشا في كانتون بحجم مدينة، ملبيا بذلك رغبة إسرائيل في تقسيم البلد إلى دويلات ضعيفة ومتناحرة.

وكان ضابط في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي تحدث عن مؤشرات لتقسيم سوريا إلى أربع كانتونات.

وقال الضابط في مقابلة صحفية "لدينا انطباع بأنه يوجد احتمال جيد لنشوء كانتونات في سوريا، وإذا استمر الوضع بشكله الحالي فإنه سيكون هناك إقليم كردي في الشمال وأصبحنا نرى مؤشرات لذلك، وإقليم علوي في منطقة الساحل يشمل مدينتي طرطوس واللاذقية، وإقليم سني، وإقليم درزي في جبل الدروز".

مع بداية الأحداث في سورية يوم 15 آذار 2011 (أضطرابات درعا) كان مسؤول عربي في زيارة لدمشق حيث التقى ضابط الاستخبارات هناك (اللواء محمد ناصيف)، الذي فاجأه لدى استفساره عما يجري بالجواب التالي: (إما نحن وإما هم)، وكان يقصد بذلك إما نحن العلويين أو هم السنة، ومنذ ذلك الوقت بدأ النظام بتدمير منهجي للقبرى والمدن السنية، وزاد القصف على حمص تنفيذاً لهذا المخطط الجهنمي، ويدخل تدمير حمص (دمرت معظم الأحياء السنية وكذلك المدينة القديمة)، لأنها تعتبر المدخل البري السني إلى الساحل، أي الأرض العلوية، ويتبع ذلك بحسب ما يجري على الأرض إخراج السنة من اللاذقية، وتدمير كل القرى السنية حول جبال العلويين، وهذا ما يحدث حالياً، لأن تلك المنطقة مجاورة للإسكندرون في تركيا، حيث يعيش فيها (النصيريون).

ومن جهة أخرى فإن حدود حمص ترتبط بالحدود العراقية والأسد يريد ربط دولته بالعراق حيث العمق الشيعي المتواصل مع العمق الشيعي الإيراني حيث النفط الذي يسيل اللعاب الروسي على إعادة تشغيل خط النفط بين البصرة والبحر المتوسط.

لقد لوحظ أن هناك تواطؤ خفي بين بوتين ونتنياهو  حول النية في تقسيم سورية، فإذا ما تم ذلك (لا سمح الله) فإن هذا سينعكس سلباً على لبنان بالذات، خصوصاً أن الدولة العلوية المنوي إنشاؤها ستتجاور حدودياً مع الشريط اللبناني ذي الغالبية الشيعية، وبالتالي ستتم محاصرة سنة ودروز لبنان من جهة، ومحاصرة سنة ودروز سورية من جهة أخرى.

كما أن قيام دولة علوية في سورية سيؤثر سلباً على تركيا التي تضم أقلية علوية كبيرة تحلم بقيام دولة علوية في سورية تكون هي جزء منها، وهذا يضيف عبئاً جديداً على ما تتحمله تركيا من عبء بالنسبة للأقلية الكردية التي تحاول منذ سنوات إقامة حكم ذاتي في مناطقها.

أيضاً العراق لن يسلم من الاضطرابات في حالة قيام الدولة العلوية، وهو المنقسم بين ثلاثة أطياف كبيرة (الشيعة: وهم مؤيدون للنظام في سورية ومتعاطفين معه إلى أبعد الحدود ويسهلون مرور قوافل المساعدات الإيرانية له من سلاح وعتاد ورجال وخبراء سواء في الجو أو البر، مع ضخ النفط المجاني له لتغذية سلاحه وآلياته العسكرية، والسنة: الذين يبدون تعاطفاً قوياً مع الثورة السورية والذين أعلنوا في هذه الأيام عن انتفاضة كبيرة ضد نظام الحكم الطائفي في بغداد تجلت في العصيان المدني الذي شمل حتى الآن خمس محافظات عراقية هي الأكبر والأوسع، ويقع بعضها على تماس مباشر مع الحدود السورية حيث يسيطر الثوار السوريين على معابرها بين البلدين، الأكراد: وهم الآن في مناكفة وخصام مع الحكومة المركزية في بغداد، ويتعاطفون بشكل أو آخر مع الثورة في سورية، ويستقبلون العديد من المهجّرين السوريين في مناطق الحكم الذاتي في شمال العراق.

الروس أغرتهم فكرة دولة علوية تدور في فلكهم، تضم طرطوس (إطلالتهم على البحر المتوسط)، مع ما يتردد عن وجود غاز ونفط هناك.

وفي اسطنبول التقى مسؤول عربي آخر  مسؤولا أمريكياً يعمل في البيت الأبيض، فسأله عما إذا كان هناك من احتمال لتقسيم سورية، فكان الجواب: (كل الاحتمالات واردة).

ختاماً أقول إن كل هذه النوايا تجاه تقسيم سورية هي أضغاث أحلام، يريد أعداء سورية أن تتحقق واقعاً على الأرض، لأن المعادلة ليست بيد أمريكا أو روسيا أو إسرائيل أو بشار الأسد ورموز نظامه.. المعادلة بيد الشعب السوري وثورته فهي الطرف الأقوى في الفعل على الأرض، وقد تلمس ذلك الأخضر الإبراهيمي من خلال لقاءاته مع مختلف أطياف المعارضة في الخارج والداخل والقيادات العسكرية والثورية التي أكدت له أن سورية ستبقى وإلى الأبد دولة واحدة بكل نسيجها الوطني والعرقي والديني والطائفي والمذهبي كما كانت خلال عهودها السابقة عبر التاريخ، تحيا في تعايش سلمي رائع لم تعكره سوى حكم عائلة الأسد، ولابد من طي تلك الصفحة السوداء من تاريخ سورية، وأن الشعب السوري يتطلع إلى الأمام ولن يلتفت إلى الوراء، ومن هنا جاء تصريح الأخضر الإبراهيمي في موسكو عندما قال: (إن سورية لن تقسم!!).

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

في تقدير الموقف : هل كان بإمكاننا أن نواجه المنخفض الروسي بمرتفع سوري ؟! زهير سالم*

صغت العنوان بضمير المتكلمين لأنني لا أميل إلى لغة تقريع الآخرين ، فأتساءل لماذا لم يفعلوا ؟ ! ومن باب تدوير الزوايا أتساءل لماذا لم نفعل ؟ علما أن القليل منا هو المعني بالجواب على هذا السؤال . المعني بالجواب على هذا السؤال هم الذين يمسكون بناصية الفعل ثم يكونون حيث قالت الأعرابية لعمر : الله بيننا وبين عمر . أجاب عمر الذي كان يعس الليل بحثا عن أمثالها : وما يدري عمر بك ؟ قالت : يتولى أمرنا ثم يغفل عنا ...

 

يضعنا المنخفض الجوي الروسي الذي كان وقعه على أهلنا في المخيمات وقع الكارثة أمام استحقاق إدارة الأزمة التي أثبت من تولى أمرنا ثم غفل عنه أنه ليس منها في ورد وصدر . حالة من العجز كان أحسن الناس حالا فيها من ناح وندب أو حسبل وحوقل. السؤال الأساسي الذي نطرحه هنا لماذا لم يستقبلوا المنخفض الروسي بوتيرة فعل سوري مرتفع تتصدى له بحق .

 

 ابتداء نذكر أن مسئولية أهلنا اللاجئين في مخيماتهم إنما تقع أصلا على كاهل المفوضية العليا لشئون اللاجئين . إن هذه المفوضية هي الهيئة الدولية المناط بها دوليا الإشراف على أوضاع اللاجئين ورعايتهم وفق اتفاقية شئون اللاجئين لعام 1951 .

 

إن من مهام هذه المفوضية الأساسية الاهتمام بأوضاع اللاجئين في الدول المضيفة لهم من كل جوانبها ؛ استقبال وحماية وإيواء ورعاية بجميع أنواع الرعاية .

 

ثم حمايتهم من سياسات العسف من اعتقال أو ترحيل أو إعادة إلى أوطانهم .

 

وثالثا مساعدتهم على الحصول على مقر إقامة دائم إذا كانت محطتهم التي هم فيها غير ملائمة لإقامتهم .

 

لا يخفى على أحد أن المفوضية العليا للاجئين لم تقم حتى الآن بعشر ما يفرضه القانون الدولي عليها بخصوص اللاجئين السوريين . قد كون من السهل أن نلقي عبء هذا التراخي على إدارة هذه المفوضية . أو على الدول الفاعلة المحركة لها والتي تحاول أن تجعل من دماء السوريين وآلامهم رافعة لقراراتها وغطاء لتخليها وعجزها ؛ ولكن والحق أحق أن يقال نحن مطالبون أن نعترف أن هيئات المعارضة السورية في الخارج أجمع لم تقم بما يجب عليه من واجب المتابعة والمطالبة وفتح الآفاق وتقديم المقترحات . كلنا نردد أن الرضيع الذي لا يبكي لا ترضعه أمه فلماذا نريد من المفوضية العليا لشئون اللاجئين أن تكون أرحم من والد ووالدة . لماذا لم تأسس وحدة خاصة في الهيئات المعارضة ولا أعفي أحدا لا ائتلافا ولا مجلسا ولا جماعة ولا حزبا يهيأ كل منها برنامج عمله ومشروعاته ويتابع المفوضية لتطبيقها ...

 

لماذا يترك للدول المضيفة حتى الآن أن تختبئ أو أن تتهرب وراء مصطلحات : الضيوف والنازحين واللاجئين لتعطي المفوضية الفرصة لتتخلى عن مسئولياتها .

 

المنخفض الجوي لم يكن مفاجئا بل كان متوقعا . وكان الجميع ينتظره . وبدلا من أن ينتظروه بحسن التقدير والتدبير والإعداد والاستعداد أدار الجميع ظهورهم وجلس أرامل الفيسبوك والتويتر من أمثالنا يبكون ويندبون ..

 

كان المنتظر أن تضعهم النشرة الجوية التي حملت إليكم أخبار المنخفض الجوي أو العاصفة الثلجية القادمة في مثل حال الإدارة الأمريكية يوم استقبلت الإعصار ساندي في ملء الحملة الانتخابية الأمريكية .

 

كان المنتظر لو كان أمر أهلنا في المخيمات يهمهم فعلا أن يتوقف كل المسافرين . وأن تقطع كل الزيارات ، وأن تشكل جميع الهيئات والتكتلات والأحزاب والجماعات وكل الممسكين بناصية قرار غرف عمليات لا عمل لها إلا التفكير والتدبير لطرائق التصدي للعاصفة وتقليل الأضرار وتخفيف الآلام . ولو فعلوا لكانت تجربة رائدة ورائعة وأنموذجا مشجعا ومقنعا على كل المستويات ...

 

لا يُسطر هذا الكلام تثريبا على أحد فالتثريب لا يأتي بخير . من هذا نداء من غيابت الجب وقرارة البعد : يا يحيى خذ الكتاب بقوة قال له : يا أبا ذر إنها والله أمانة . وإنها يوم القيامة خزي وندامة . إلا من أخذها بحقها ..

 

لم يفت الوقت بعد. وسيكون لنا بعد هذه الواقعة وقائع وبعد هذه التجربة تجارب . ذكرى لمن كان له قلب . وإقامة للحجة . ومعذرة إلى ربنا .

لندن : 27 صفر 1434

10 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

خيارا النظام السوري

عبدالله إسكندر

الأربعاء ٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

لم يؤثّر قيد أنملة في الموقف المعلن لنظام دمشق تشريد مئات آلاف السوريين وتدمير نسب كبيرة من المدن والقرى في الحواضر والأرياف واختفاء عشرات الآلاف ومقتل نحو 60 الفاً آخرين في أقل من سنتين من عمر الحركة الاحتجاجية. وبغض النظر عن النتائج السياسية الكثيرة الأهمية، لم يكن لهذا الحجم الهائل من الدمار والقتل والتشريد أي أثر في القراءة العلنية للنظام لما يجري في سورية.

وحتى لو صدقنا أكاذيب هذه القراءة وتبريرات العنف المنفلت من كل عقال والذي تستخدمه قوات النظام، ألا يعني لحاكم يرى حجم الكارثة التي تحل ببلده وشعبه ضرورة لجم المأساة بأي ثمن؟ قد لا تكون هناك سابقة في العالم حيث لم يعرب رئيس عن أي لفتة تضامن مع شعبه المنكوب كما فعل الرئيس بشار الأسد في خطابه الأخير، عندما نفى طابع الأزمة الداخلية عن الأحداث، وقدَّمها على أنها مؤامرة خارجية سيستمر في مواجهتها.

وهذا في ذاته ما يفسر تلك اللامبالاة الاستثنائية التي يبديها النظام السوري إزاء الدمار الهائل الذي لحق بشعبه وأماكن سكناه وسبل عيشه، كما يفسر الاحتقار لحياة مواطنيه، ناهيك عن النتائج السياسية والاجتماعية البعيدة المدى لمثل هذا الدمار والاحتقار اللذين لا يمكن أن يسهلا عيشاً مشتركاً في المستقبل.

ثمة من يعتقد بأن مثل هذا السلوك الذي يدفع الأمور في سورية إلى أقصاه قد يكون من أجل تبرير تقسيم لاحق، بذريعة أنه لا يمكن العيش مع «الإرهابيين»، كما وصف الأسد الشعب السوري المنتفض عليه.

لكن، وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، ثمة خلاصات سياسية تفرض نفسها. لقد بات واضحاً أن النظام السوري الذي تظاهر بقبول حل سياسي ووساطات عربية وخارجية ليس في وارد القبول بأي حل، باستثناء إدانة حراك شعبه والاعتراف له بسلطة مطلقة، واعتبار أن كل ما قام به وكأنه لم يكن، أي العودة إلى ما قبل اندلاع الانتفاضة.

وهذا يفرض على العالم المهتم بالكارثة الإنسانية والسياسية السورية تغيير أسس مقاربته لهذه المعضلة على أساس أن الشعب السوري معرض للإبادة على يدي النظام، ما يفرض تدخلاً إنسانياً ملحاً، كما يحصل في أماكن أخرى في العالم. وهذا التدخل ينبغي أن يستهدف آلة القتل لدى النظام، وليس فقط تقديم مساعدات للسوريين الهاربين من الجحيم في البلدان المجاورة.

وفي ظل رفض النظام أي محاولة لتسوية لا تبقيه كما هو عليه الآن، كما أعلن الأسد نفسه، لا بد من إعادة التفكير في طبيعة مهمة الموفد الدولي-العربي الأخضر الإبراهيمي. وبغض النظر عن الأفكار التي يمكن أن يكون بلورها حتى الآن، ومدى مساحة التقارب الأميركي-الروسي في شأنها، فهي ستصطدم بالتعنت ذاته الذي يبديه النظام ازاء شعبه، وباستمرار آلة القتل في عملها من اجل فرض حل أمني موهوم. وربما الخلاصة التي وصلت إليها المعارضة الداخلية، بعد خطاب الأسد، قد تكون دليلاً إضافياً على ما ذهبت إليه قبلها الحركة الاحتجاجية وقوى المعارضة الأخرى. وهذه الخلاصة هي أن النظام لا يزال يتمسك بالحل الأمني وحده، ويقطع الطريق على أي حل سياسي، فالحل الأمني وحده بالنسبة إليه، يضع البلاد أمام أحد خيارين يعمل لهما بالتوازي: إعادة إخضاع السوريين له والعودة إلى ما قبل اندلاع الحركة الاحتجاجية أو الانتقال إلى المنطقة الساحلية والتحصن فيها، مع تغير ميزان القوى العسكري وتوسع نفوذ المعارضة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ما يريده بشار!

سعيد ناشيد *

الأربعاء ٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

في خطابه الأخير، والذي قد يكون آخر خطاباته، ومن داخل دار الأوبرا بدمشق في ما يبدو، قدم بشار الأسد ثلاثة اعترافات مصيرية: أولاً، اعترف بأنه قد اختار الحل الأمني منذ الوهلة الأولى، ليقينه بأن السلمية لم تكن سوى قناع يخفي السلاح. ثانياً، اعترف بأن العمليات القتالية ستستمر بالضرورة وبمعزل عن أي مبادرة سياسية.ثالثاً، اعترف بوجود مواطنين مدنيين يقاتلون بجانب الجيش النظامي، وهم الذين يسمون بـ «الشبيحة».

فما الذي يريده بشار الأسد؟ إليكم ما يريد: يريد أن يتوقف الاحتجاج على القمع قبل أن يتوقف قمع الاحتجاج. ثم ماذا؟ لا ينكر أنه يريد شركاء سياسيين قد لا يمانع في محاورتهم لكنه ينفي وجود شركاء كما يريد، ولذلك لا بأس أن يحاور من يريد. ثم ماذا؟ يريد أن يصدر عفواً عاماً في يوم غير معلوم لكن، تبقى المتابعة باسم الحق الخاص قائمة في حق من يريد. ثم ماذا؟ يريد إصلاح البلاد لكن، على النحو الذي يريد ومتى يريد وكيف ما يريد. ثم ماذا؟ يريد أن يصادق على المبادرات الدولية لكن، بالتأويل الذي يريد. ثم ماذا؟ يريد أن يستمر في الحل الأمني من دون أي أفق زمني محدد. ثم ماذا بعد؟ بشار يريد شعباً لا يشبع من ترديد شعار: «الله، سورية، بشّار وبس». لأنه وحده من يريد.

مختصر الكلام، ليس هناك شيء اسمه ما بعد بشار.

هل بقي ما نضيفه في الأخير؟ من أبرز زلات لسانه (وليس يخفى أن زلات اللسان كاشفة في التحليل النفسي) أنه قال: «ضباطي وصف الضباط»، قبل أن يستدرك بحذف ياء التملك.

تلك زلة لسان تقول كل شيء عن كل ما يريده بشار الأسد.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا لا يمكن تقسيم سورية؟

وائل السواح *

الأربعاء ٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

لا يمكن بحال من الأحول استبعاد أن يكون الرئيس بشار السد وأسرته ومن معه من الحلقة الضيقة التي تصنع القرار قد فكروا بتقسيم سورية كحل أخير. وهم ربما فكروا بذلك استمراراً لامتيازاتهم الاقتصادية والسياسية التي فرضوها لأنفسهم، أو نكاية بإصرار الأغلبية الشعبية التي ترفض وجودهم، وخوفاً من الملاحقة القضائية التي يمكن أن يتعرضوا لها في حال وافقوا على مغادرة البلاد.

إذاً قد يكون هذا الاحتمال قد مر بخاطرهم فعلاً في لحظة ما، ولعله يراودهم كل يوم منذ أن بات في حكم المؤكد سقوطهم كنظام وكعائلة وكمجموعة مستفيدة من الحكم. بيد أن العاقل منهم يعرف أن هذا الخاطر لا يمكن أن يعدو حلماً، وأن تقسيم سورية غير قابل للتطبيق، ليس بسبب الشعور الوطني ولحمة السوريين وتكاتفهم كأمة واحدة، وهو أمر قابل للنقاش بحد ذاته، وإنما ببساطة لأنه مستحيل التطبيق حتى ولو رغب أطرافه بشدة القيام بذلك.

مبدئياً، يدور الحديث عن انسحاب الأسد ومعه القوات الموالية له إلى محافظتي اللاذقية وطرطوس، وتشكيل دولة مستقلة هنالك. وثمة روايات مطروحة على بعض صفحات الصحف العربية والأجنبية وصفحات التواصل الاجتماعي تحكي بالتفصيل عن خطوات إقامة دولة للعلويين في غرب سورية. وتعتمد أفضل الروايات على خبر مفاده أن الأسد أمر بنقل اطنان من الذهب السوري والقطع الأجنبي والاسلحة الثقيلة والصواريخ الى مناطق في الساحل العلوي. بل إن صحافياً إسرائيلياً رصيناً كشلومو أفنيري كتب تحليلاً قبل اشهر في صحيفة هآراتس، قال فيه إنه اذا سقط الاسد فلا يمكن نفي سيناريو «اجتماع العلويين في حصنهم الجبلي». ويزيد موقع سوري مقرب من الحكومة أن اسم الدولة العتيدة يجب أن يكون «دولة سورية العلمانية» لكي تجتذب «الأقليات الأخرى غير السنية» فلا تعطي لنفسها صبغة مذهبية. وتقول فنانة سورية مثقفة في صفحتها على «فايسبوك» إن الأسد يريد أن يحول ما تبقى من سورية إلى «عالة اقتصادياً على دول لا ينقصها غزة أخرى».

لماذا لا يمكن لهذا الكلام أن يتحقق؟ ثمة أسباب عدبدة لذلك. إن خطوة كهذه لا يمكن أن تتحقق ما لم تحظ بموافقة دولية. ولا يمكن منطقياً للمجموعة الدولية التي تريد من الأسد أن يتنحى أن تقبل به رئيساً لدويلة مذهبية قد تؤدي بباقي الداخل السوري إلى التطرف الإسلامي الذي يقلق العالم، بمن فيه روسيا التي مهما بلغ تأييدها لنظام الأسد لا يمكن أن يصل ذلك إلى إقامة دولة تنمي التطرف الإسلامي في المنطقة التي تعتبرها حديقتها الخلفية.

كما أن عدد العلويين الموجودين في المدن السورية الداخلية أكثر من عدد الموجودين منهم في الساحل، وقيام دولة علوية في الساحل يعني ترحيل أكثر من مليون ونصف مواطن سوري (علوي) من بيوتهم في دمشق أو حمص أو حماة إلى منطقة لا يملكون فيها بيتاً أو أرضاً، والأهم أنهم لا يملكون عملاً. إلى ذلك، فإن مئات الآلاف من المواطنين السوريين (السنة) سوف يتم تهجيرهم من بيوتهم ومدنهم التي ولدوا واعاشوا فيها مئات السنين، وهو أمر ليس بالسهولة المتخيلة، إذ يمكن لمقاومة هذه العائلات أن تؤدي إلى حرب أهلية بكل معنى الكلمة ستكون تكلفتها عالية على جميع الأطراف.

زد على ذلك أن الدولة المقترحة لا تملك أية مقومات للصمود كدولة على الصعيد الاقتصادي. ومعروف أن الدولة – مطلق دولة – يبنغي لها أن تتمتع بسوق داخلي وخارجي يؤمن دورة إنتاج كاملة لها. بينما لا تمتلك المنطقة الساحلية، التي أهملها النظام السوري اساساً وتركها إقطاعية للمتنفذين من آل الأسد ومخلوف يعيثون فيها فسادا، أية مقومات اقتصادية، باستثناء زراعة غير استراتيجية (خضار وتبغ وحمضيات) ومرفآن لن تحتاج إليهما لأنه لن يكون لديها ما تصدره، وليس من المنطقي أن تتعاون دولة الداخل معها في استخدام المرفأ.

إن الدولة المقترحة ستكون محاصرة من كل الجهات بمحيط سني عدائي لن يتيح لها أن تتنفس الصعداء، فسورية الداخلية ستحيط بها من الشرق على أطول حدودها، بينما سيكون جارها الشمالي تركيا التي لن تسعد بقيام دولة يمكن أن تثير لديها قلاقل داخلية ليست بالتأكيد مستعدة لها. أما في الجنوب فثمة شمال لبنان الطرابلسي (السني) الذي سيلعب دوراً في التأكد من أن لا يهنأ الأسد في مملكته الجديدة.

على أن أهم من كل ما سبق أن النظام لا يضمن الطائفة التي أعلن نفسه ناطقاً باسمها وحامياً لها. فلئن كان شق من الطائفة يدعمه، فإن مئات ألوف السوريين الوطنيين من طائفته لا يمكنهم القبول بفكرة تقسيم وطنهم وانعزالهم في دويلة مذهبية سوف يحاربون هذه الفكرة ويصطفون مع الوطن الأم. ولن يقبل بحكم الأسد في دويلته آلاف العلويين الذين شاركوا في الثورة منذ اليوم الأول، وأولئك الذين ساهموا في التحضير لها والذين كانوا في المعارضة السورية لنظام الأسد حتى قبل أن يدخل ريح الربيع العربي الحدود السورية، كما لن يقبل بذلك بكل تأكيد المناضلون القابعون الآن في سجونه وفي مقدمتهم مازن درويش وعبد العزيز الخير ومجدولين حسن ومئات غيرهم، اعتقلهم النظام وعذبهم وهجرهم وحرم عائلاتهم منهم. وإلى جانب هؤلاء المناضلين سيصطف أسرهم وأصدقاؤهم ومحيطهم الاجتماعي الذي لن يضحي بأبنائه على مذبح العائلة.

ومن ثم السؤال الأخير: ماذا سيفعل الأسد بكل الموالين له من السنة السوريين الذين – بسبب مصالحهم الضيقة – رفعوا صوره وتغنوا بمجده ولا يزالون مخلصين له إلى الآن؟

ومع ذلك، قد يصر البعض في النظام بسبب الحمق أو الخوف من العدالة أو تشجيع أطراف خارجية مثل إيران و «حزب الله» على المضي بخطتهم إلى الأمام. وربما نجحوا بالقوة والحديد في إقامة دويلة مذهبية قائمة على تهجير العلويين من المدن الداخلية وتهجير السنة من المدن الساحلية. إلا أن السؤال الجوهري يبقى: كم من الزمن يمكن لحكم الأسد أن يستمر ثمة قبل أن ينتفض ضده العلويون أنفسهم الذين ذاقوا ما ذاقوه من فجور شبيحة النظام في الساحل منذ السبعينات؟ إن قلة تعرف أن مصطلح الشبيحة الرائج الآن كان يطلق حصرياً على عصابات آل الأسد التي كانت تشبح على أهالي منطقتهم وجل ضحاياهم كانوا من العلويين أنفسهم.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا: استثمار الفزع!

يوسف الديني

الشرق الاوسط

9-1-2013

أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل ما بمآلات الأزمة السورية، ربما لهذا السبب تحديدا أدرك الأسد ضرورة استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه سوريا، خلال مدة ساعة تقريبا حاول الأسد فيها أن يستخدم فيها كل طاقاته البلاغية في إيصال حقيقة لطالما بشر بها حتى قبل انفجار الأحداث في سوريا، وهي أنه يعتبر نفسه وحزبه سوريا دون الآخرين، بحيث لا يمكن أن تبقى سوريا كما كانت بعد رحيله، في تلميحات إلى قسر المزاج الدولي على تقبل «التقسيم»، أو التنازل عن رحيله، أو بقاء الأزمة في أتون حرب الشوارع وانتشار القتل المجاني بدم بارد.

في السياسة لا مجال للعاطفة أو التحليل المبني على معطى رمزي عادة ما يتم الحديث عنه بنرجسية بالغة، وهو الوطن العربي الكبير الذي تحول إلى أوطان مهددة بانقسامات صغيرة وهشة، واللافت في الموضوع أن رمزية «الوطن» غير المقسم وبطريقة عاطفية هي الحجة التي يرفعها أنصار بقاء النظام في سوريا مع الإصلاحات كضمانة بين تشكلات المجتمع المتنوعة، على اعتبار أن هؤلاء المبررين للقتل في سبيل الوحدة لا يرون في الأسد إلا صيغة غير دينية قابلة لفرض سيطرتها على الأرض بالكامل، ولا يهم بعد ذلك التفاصيل البعثية أو العلمانية، كما يحاول أن يلمع الأسد الآن باعتباره مفارقا لطغيان الميليشيات الدينية التي اجتمع فيها طوائف كثيرة؛ من «القاعدة» وحتى المقاتلون أبناء الحرب الطارئون ممن دفعتهم ظروف الإبادة الوحشية إلى اختيار السلاح، في ذات الوقت فإن جزءا من عجز المناصرين للثورة السورية يتبدى في القبول بالأمر الواقع على الأرض فيما يخص المعارضة التي كان لشتاتها وتفرقها وتباين أجندتها وعدم سيطرتها على بعض القوى المسلحة أكبر الأثر على بقاء الأوضاع على هذا النحو من التردي، وكل ذلك بسبب أنه لا أحد يفكر فيما تفرزه معطيات الأرض من سيناريوهات التقسيم التي يبدو أن تقييمنا لمزاج المجتمع الدولي تجاهه أيضا يحظى بكثير من العاطفة.

الأكيد أن سيناريو التقسيم يحاول بشار الأسد أن يجعله نتيجة وليس سببا لعدم ضمانة بقائه وعدم رحيله، وهو يحاول الاحتماء بالخارج عبر التهويل من خسائر المصالح الدولية الكبرى في سوريا، سواء لحلفائه الذين بدأوا أكثر من ذي قبل يشعرون بأنها حرب وجود أو عدم في المنطقة، كما أن إتاحة المجال لصحافيين غربيين لنقل تقارير عن أخطاء وانتهاكات تقوم بها بعض المجموعات المسلحة هو جزء من استثمار الفزع عبر تصوير الحالة على الأرض كعنف فوضوي لا يمكن السيطرة عليه، هذه الوصفة السحرية للتمهيد لحالة التقسيم يطرحها السوريون عبر آلة القتل والدم، لكن تقدمها لنا مشاهد سياسية عربية أخرى عبر الاستئثار السياسي والانفراد بالكعكة الذي بدا واضحا في الحالة العراقية والسودانية، وهي ليست إفراز ربيع عربي، وفي ذات الوقت تفرزه بنسب مختلفة حالة الربيع العربي كما هي الحال في تونس ومصر التي يتم استثمار وحدة البلاد فيها لصالح أجندة فصيل سياسي واحد.

المعطيات الجديدة التي أفرزتها لنا الأزمة السورية والتي لعب فيها صمت المجتمع الدولي وتباطؤه وتقاعسه عن طرح حلول جادة أو التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة تبدو كارثية جدا، ويوما بعد يوم تزداد الفجوة بين الداخل السوري الذي يحكمه منطق القوة والغنيمة، وبين الخارج الذي يحاول استثمار التقدم على الأرض في سبيل أجندته السياسية، ومن هنا فإن الانفصال بين «الثوار» أو المقاتلين الفاعلين على الأرض، وبين من يتحدث باسمهم في الخارج، يبدو كبيرا في حالة قد تلقي بظلالها إذا ما رحل الأسد لسبب ما.

النظام السوري يهمه نفوذه وسلطته، على الأقل في القسم الشمالي من الساحل السوري وصولا لحمص التي تعتبر مع ريفها نقطة حاسمة جغرافيا، وهو الأمر الذي لا يمكن إلا أن ينعكس على لبنان، وبالتالي المنطقة معرضة لحالات من الانقسام اللانهائية، لكن ليس بفعل مؤامرات الغرب وإنما أخطاء فادحة من التيارات السياسية والأنظمة التي لا تفكر أبعد من أرنبة مصالحها.

هناك من يطرح الآن مشروع طائف سوري مشابه للطائف اللبناني الذي أخمد فتيل الحرب الأهلية، لكن تعايش الطوائف السورية تحت سقف دستور ينظم العلاقات بين كل الكتل لا يمكن أن يتم إلا بوجود برلمان تعددي قوي تكون الأغلبية فيه سنية وتتوزع الحصص على باقي الطوائف الصغيرة، لكن العوائق تبدأ ولا تنتهي بأن طائفا كهذا بحاجة إلى رعاية دولية توافقية، وهي غير موجودة، إضافة إلى تشكلات المجتمع السوري بسبب هيمنة حزب البعث لا تعرف هذا النوع من الفوارق بين مكونات المجتمع.

يقابل مشروع الطائف التقسيم، وهو لا يمكن إلا لثلاث دول على الأقل؛ سنية وعلوية وكردية، وهو ما يعني تفجير ملفات إقليمية مع تركيا التي يستحيل أن تقبل بسيناريو كهذا، وبالتالي فإن جزءا من ارتباك المشهد السوري وبقائه معلقا ليس فقط راجعا لمعطيات الأرض، وإنما إلى ارتباك الأطراف الإقليمية حيال سيناريوهات الحل بعد إيمانها أن لحظات الحسم قد حانت.

الحالة السورية الآن تعيش مرحلة «ترتيب الكراسي»، فالنظام يريد أن يكون طرفا في الحل، لكنه يريد أيضا أن يجلس بجانبه معارضة لا يعرفها الشارع ولا تؤثر فيه، ومن ثم يتم حصار كل الثورة السورية في مجموعة من المقاتلين الخارجين عن القانون من التكفيريين والقاعديين الذين تقول روسيا إن ثمة احتمالية كبيرة لأن يستولوا على الأسلحة الكيماوية، وبالتالي حتى الروس يقلدون الأسد في استثمار الفزع وإعادة بيعه للمجتمع الدولي كغطاء لاستمرار حالة الصمت.

الأسد رغم بلادة خطابه وتكراره وعنجهيته أدرك أن الجميع يستثمر في عامل الوقت، وأن عاما سوريا جديدا يتم الترقب بشأنه، ليس من قبل السوريين وإنما العالم والمجتمع الدولي، وهو يحاول تسويق رؤيته للحل بالتزامن مع أطروحات إيران التي تتضمن انتخابات نيابية ورئاسية يترشح الأسد فيها مع الآخرين، وبالتالي يراهن على قدرة البعث الطويلة في كسب الأصوات وإزهاقها أيضا، وحين يفوز في انتخابات ستبدو نزيهة لن يجرؤ أحد على الاعتراض، فأحد مكاسب الأسد وأمثاله العميقة من تجربة الربيع العربي هو أن القيم السياسية والإنسانية اكتسبت شكلا آخر، فالديمقراطية يمكن أن تفرز سلطة الحزب الواحد، وأن التعددية يكفي أن تكون شعارا براقا أو جدلا بيزنطيا على قنوات الإعلام لا يؤثر على الواقع، واحترام القضاء واستقلاليته يمكن القفز عليه بالتطهير، وبالطبع لا يهم الاقتصاد مهما انحدر، فالثورات أخذت وقتا طويلا لكي تتعافى.

الأكيد أن هذا عام الحسم للأزمة السورية، لكنه أيضا سيكون عام انهيار القيم وإعادة تشكل للمفاهيم السياسية وإن ظلت مسمياتها.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المالكي على خطى الأسد

طارق الحميد

الشرق الاوسط

9-1-2013

اندلعت الثورة السورية بمطالب شعبية بسيطة ومحصورة في منطقة درعا، وكان بإمكان الأسد حينها التعامل مع الأزمة بكل هدوء، ووأدها في مهدها، وبعدها الاستمتاع بالضحك على الآخرين، لكنه لم يفعل، بل كابر وتذاكى، واليوم نحن أمام حالة مشابهة في العراق، وإن كان ما يحدث هناك ليس بثورة، لكن أسلوب معالجة الأزمة لم يختلف.

في العراق خرجت مظاهرات في مدن شمال وغرب البلاد تطالب بإطلاق سراح معتقلين، وإلغاء مادة في قانون مكافحة الإرهاب، وبدلا من أن يحاول المالكي التعامل مع الأزمة بهدوء وحكمة، خصوصا أن المشكلات تحيط به من كل مكان، حيث لا حلفاء حقيقيين في الداخل، وإنما يستمد قوته من تحالفه مع إيران، بدلا من الحكمة حاول اتباع المالكي ترويج أن تلك المظاهرات طائفية، وعندما لم تنجح تلك المزاعم، خصوصا بعد أن وقف الصدر وآخرون مع مطالب المتظاهرين، لوح المالكي باستخدام الجيش. ثم تم بالأمس إخراج مظاهرات مؤيدة للمالكي في مدن جنوب العراق، وهذا ليس كل شيء، بل إن المظاهرات المؤيدة للمالكي حملت لافتات تحمل مسؤولية ما يحدث في البلاد إلى دول خارجية، حيث تقول إحدى اللافتات: «لن نسمح لتركيا وقطر بزرع الفتنة والدمار في العراق». وهذا ما قاله النظام الأسدي منذ اندلاع الثورة السورية التي توشك أن تقتلعه!

ولذا فمن الغريب أن نجد المالكي وأتباعه ينتهجون نفس الأسلوب في العراق اليوم، وبالطبع لم يقُم المالكي بقتل المواطنين كما فعل الأسد، لكن عملية تصفية الخصوم سياسيا وقضائيا قائمة في بغداد على قدم وساق، ومن قبل اندلاع المظاهرات في المدن العراقية ضد رئيس الوزراء الحالي والتي لها، أي المظاهرات، مطالب حقيقية ومشروعة، ولا يمكن الرد عليها بمظاهرات أخرى في جنوب البلاد، فمن شأن ذلك أن يكرس الانشقاق في بلد يعاني أساسا من الطائفية التي أنهكت الجسد العراقي. فالمظاهرات المضادة لم تُفِد علي عبد الله صالح، ولا الأسد، ولا مبارك، بل إن المذهل في كل ما حدث في منطقتنا أن المطالب كانت بسيطة، ويمكن التعامل معها، ولو بإجراء انتخابات مبكرة، وخروج مشرف، أو قرارات تنفس الاحتقان، وتنزع فتيل الأزمة، لكن ما يحدث في منطقتنا هو العكس، حيث لا عقل ولا تعقل.

وكما أسلفنا، صحيح أن ما يحدث في العراق اليوم ليس بثورة، لكن الأكيد أنها أزمة عميقة تتطلب حلولا عملية، لا مناكفة أو تذاكيا، أو مزيدا من صب الزيت على النار، وتحميل الأزمة لأطراف خارجية، فكل ذلك لم ينفع آخرين مثل الأسد أو صالح أو مبارك. فالعراق لا يتحمل مزيدا من الانقسامات، التي وصلت إلى مشادات في البرلمان، فواقع الحال في أرض الرافدين يقول لنا إن البلاد منقسمة من الشارع إلى البرلمان، ومن القبائل إلى الطوائف، ورغم كل ذلك تخرج مظاهرات مؤيدة للمالكي!

وعليه، فإن السؤال هو: هل يتصرف المالكي بحكمة ولو لمرة واحدة لإنقاذ العراق ككل، أم أنه سيسير على نفس الطريق الذي سلكه آخرون وكانت نهايتهم نهاية مؤسفة؟ دعونا نرَ.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

انتهى خطاب الأسد و الحرب مستمرة

علي حماده

2013-01-08

النهار

لم يختلف خطاب بشار الأسد الاخير في روحيته عن جميع خطبه السابقة. فمنذ الخطاب الاول في 30 آذار 2011، بدا واضحا ان الخيار الوحيد الذي اعتمده النظام هو موروث عن "الاب المؤسس" حافظ الاسد، أي الحديد و النار. ففي حين كان من الممكن، وبسهولة نسبية احتواء انتفاضة درعا الاحتجاجية في أيامها الاولى، عبر اتخاذ خطوات تأديبية بحق المسؤولين عن اعتقال الاطفال وتعذيبهم، وتعنيف النساء، و إطلاق النار على المدنيين المعتصمين في الجامع الاموي في قلب البلدة، اختار الاسد و بطانته التعامل بالحديد والدم مع الازمة والمضي الى جحيم القتل المتعمد في كل مكان. و ما هي إلا بضعة أسابيع حتى اشتعلت المظاهرات في سوريا من أقصاها الى أقصاها، و اختار النظام التعامل معها بالاسلوب عينه اي الحديد و النار. وقاومت الثورة السلمية كل أشكال العسكرة لمدة ثمانية اشهر متتالية حتى بلغت الاوضاع حدودا ما عادت تطاق، لتنطلق بعدها الانشقاقات في الجيش، وليلجأ السوريون الى السلاح البدائي للدفاع عن أنفسهم، والبقية معروفة وصولا الى تحول سوريا كلها ساحة لحرب تحرير كاملة الاوصاف بين ثورة تحررية ونظام كان ولا يزال متمسكا بخيار حافظ الاسد الستاليني الذي ما أدى الى وأد الثورة بل فاقمها، وزادها اشتعالا، و اجهز في الوقت عينه على "جمهورية حافظ الاسد" و الارث الذي خلفه لاولاده.

في مطلق الاحوال، لم يشذ خطاب بشار الاسد الاخير في دار الاوبرا عما سبق من خطب لناحية الروحية، و ان يكن تفرد في طرحه لـ"حل" من ثلاث مراحل يبدأ بوقف مشروط لاطلاق النار، يليه مؤتمر وطني، ثم دستور، وحكومة لينتهي بانتخابات نيابية. وفي الوقت الذي حفلت فيه كلمة الاسد بكل أنواع "البروباغاندا" الممجوجة، فإن أهم البنود التي غابت عن "الحل" الذي طرحه الاسد هو البند المتعلق بتنحيه، وتفكيك النظام بمنظومته المخابراتية. هذا اذا ما استثنينا بندا أساسيا نشك ان يقبل السوريون بتجاوزه، هو بند محاكمة أركان النظام وفي مقدمهم الاسد نفسه و بطانته بتمهة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. لكن اذا ما ركزنا على "حل" الاسد (ثمة من يسميه "اللاحل")، يتبدى ان صاحبه و بالتشاور مع الايرانيين قرر المضي في الحرب المفتوحة. ومن هنا كان الرد العربي و الدولي على الخطاب سلبيا للغاية لكونه لا يلحظ بند التنحي. فلا حل في سوريا بوجود بشار الاسد و بطانته مهما حصل. ولا حوار ممكنا معه او مع جنرالاته. والثورة مستمرة مع كل التضحيات التي يقدمها السوريون حتى تحرير البلاد من النظام بكل وجوهه و تركيبته.

وخلاصة القول إن أي حل لا يتضمن تنحية بشار الاسد عن السلطة ومعه أركان نظامه لن يكون قابلا للحياة، و سيكون وصفة لإدامة الحرب الى ان ينتصر فريق على فريق. وفي حالة سوريا فالثورة مقبلة على الانتصار مهما طال الوقت او عظمت الاكلاف. و هذا واضح من خلال متابعة مسرح العمليات العسكرية. أول فكرة أتتني بعد الاستماع الى خطاب بشار الاسد قبل يومين، كانت ان الحرب مستمرة، وسوريا ستغرق في مزيد من شلالات الدم لفترة اخرى.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

انتخابات رئاسة ايران تحدِّد "الموقف السوري" لأميركا!

سركيس نعوم

2013-01-08

النهار

الموقف الاميركي السلبي من النظام السوري معروف. والتأييد الاميركي لثورة غالبية الشعب السوري عليه، ولمطالبة رأسه بشار الاسد بالتنحّي معروف ايضاً. ولم يتغيَّر هذان الموقف والتأييد رغم دخول بضعة آلاف من الاسلاميين التكفيريين والعنفيين على خط الثورة، ورغم اقدام الادارة الاميركية على إدراج احد ابرز تجمعاتهم وهو "جبهة النصرة" على لائحة الارهاب. ذلك انها تعرف ان "النجاحات" الجغرافية التي حققها الثوار منذ نحو واحد وعشرين شهراً ما كانت لتتحقق لو لم تكن غالبيتهم من ابناء الشعب السوري الذين ما عادوا يطيقون استبداداً وعنفاً واستباحة وظلماً. إلا ان ترجمة السلبية تجاه النظام في دمشق والتأييد للثائرين عليه من اميركا لم تتعدَّ السياسة، ولم تصل الى حد القيام بعمل عسكري جدي مباشرة أو عبر حلفاء اقليميين، او الى حد تزويد الثوار الأسلحة التي تمكّنهم من انهاء النظام او دفعه الى التقهقر تدريجاً. وأسباب ذلك كثيرة منها موقفا روسيا والصين، ومنها الدعم الايراني الواسع للأسد. والامتناع عن الترجمة المذكورة افسح في المجال امام دخول "المجاهدين" او الارهابيين كما تسميهم اميركا الى جانب الثوار الذين كانوا في حاجة اليهم. ولذلك لم يكن منطقياً ان يقوم هؤلاء برفضهم او بإعادتهم الى المكان الذي اتوا منه.

طبعاً اثار الموقف الاميركي هذا شكوكاً كثيرة عند ثوار سوريا. وأثارت تطورات الثورة واستمرار النظام في ضربها نقاشات عدة داخل اميركا في الاوساط الاعلامية والبحثية والسياسية حول اي نهاية للحرب في سوريا تؤمن للأميركيين المصالح الحيوية والاستراتيجية لبلادهم في الشرق الاوسط او تحميها. وهل هي انتصار النظام، او انتصار الثوار، او استمرار الحرب الاهلية طويلاً ريثما تتكون ظروف ملائمة داخل سوريا (تعب وانهيار متبادل) وفي الخارج الدولي لبدء حوار يؤدي الى تسوية تنهي الحرب في الداخل والى تسوية بين دول المنطقة والدول الكبرى في العالم من دونها يبقى تطبيق التسوية الاولى مستحيلاً.

في اختصار ومن دون الغوص طويلاً في كل ذلك يقول متابع اميركي من واشنطن ان بلاده لن تترجم موقفها السلبي جداً من الاسد والايجابي من الثوار الا بعد حصول امرين. الاول، الانتخابات الرئاسية الاميركية وانتهاء الرئيس المنتخب من تركيب فريق عمله ومن ترتيب اولوياته. والانتخابات اسفرت عن تمديد ولاية الرئيس الحالي اوباما، من شأن ذلك اختصار الوقت الذي يحتاج اليه لتقرير سياسته النهائية حيال سوريا. ذلك ان فريق عمله لا يحتاج الى "نفضة" شاملة، فضلاً عن ان سياساته الاقليمية واستراتيجيته الشرق الاوسطية محددتان على وجه الاجمال. اما الامر الثاني فهو حصول الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الاسلامية الايرانية في موعدها الدستوري اي حزيران 2013. واهمية هذا الامر تنبع من الدور الايراني المؤيد للاسد والمعادي لاميركا والغرب، ومن الخلاف الحاد والعميق بين واشنطن والمجتمع الدولي من جهة وطهران من جهة اخرى حول الملف النووي الايراني، وحول دور ايران في محيطها سواء العربي او الباكستاني او الافغاني او... كما انها تنبع من اقتناع بأن حسم الخلاف مع ايران سواء بتسوية ثابتة ونهائية ناتجة من تفاوض جدي او بحرب معها، يفترض الاميركيون انهم قادرون على الانتصار فيها وإعادة ايران الى الوراء من 50 الى 100 سنة (حرب غير برية)، يُسهِّل وعلى نحو كبير وضع نهاية للحرب في سوريا تنهي النظام من دون ان تهدد الطائفة التي تدعمه، وتفسح في المجال امام قيام نظام بديل على صعوبة ذلك. وبهذا المعنى فان التفاهم الاميركي – الايراني الجدي ربما يلغي الحاجة الى تفاهم واشنطن وموسكو حول سوريا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تقبل ايران التخلي عن روسيا وإن اتفقت مع اميركا؟ وألن تبقى في حاجة الى وجودها معها اذا استجدت ظروف بعد التسوية السورية من شأنها تهديدها جدياً سواء في الداخل او في المنطقة؟

ماذا يعني ذلك؟

يعني ان على السوريين ومعهم اللبنانيون المنخرطون في حربهم سواء مع النظام او مع الثوار وكذلك العرب انتظار الانتخابات الرئاسية في ايران. ولكن من يضمن ان تحسم نتيجتها ما يجري في سوريا في ظل معرفة الجميع ان صاحب القرار في ايران ليس رئيس جمهوريتها؟ ولذلك قد يكون من الأفضل ترقب الانتخابات المذكورة ومراقبة الاوضاع الداخلية في ايران قبل اطلاق اي توقع. كما قد يكون من الافضل تناول الحرب الاميركية على ايران بجدية وعلمية قبل اطلاق التوقعات حول من سينتصر فيها.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

روسيا الأكثر إحراجاً بعد خطاب الأسد

المراوحة العسكرية تستدرج أخطار التقسيم

روزانا بومنصف

2013-01-08

النهار

ابرز الاسئلة التي بدت مطروحة بعد خطاب الرئيس السوري بشار الاسد وسوقه اعتراضاته على المرحلة الانتقالية التي تضمنها اتفاق جنيف بين مجموعة العمل من اجل سوريا التي انعقدت في نهاية حزيران من العام الماضي، سيكون موجها الى روسيا التي دأب وزير خارجيتها سيرغي لافروف في كل مناسبة على التشديد على تنفيذ ورقة العمل التي اتفق عليها في جنيف ومن ضمنها المرحلة الانتقالية. فمع رفض الاسد اتفاق جنيف والمرحلة الانتقالية، ستواجه روسيا احراجا امام الدول الغربية وتحديا في تسويق افكار حلول للازمة السورية كانت تمسكت بها حتى الآن، خصوصا ان الرئيس السوري لم ينسف كل مبادرة الاخضر الابرهيمي فحسب بل نسف كل الافكار والمبادرات الاخرى بما فيها مبادرة حليفته ايران التي سارع وزير خارجيتها الى اعلان التأييد لما اعتبره مبادرة قدمها الرئيس السوري كما اعلن تماهي خطتي الحل الايرانية والسورية.

احد الاسئلة الاخرى تكمن في اصرار الاسد على محاورة “السيد بدلا من محاورة العبد”، كما قال في توصيفه للمعارضة السورية في الخارج. فهذه الرسالة التي وجهها الى الولايات المتحدة عارضا اعادة الامساك بالسلطة تحت عنوان مواجهة الارهاب والتكفيريين والمحافظة على وحدة سوريا وسيادتها لقيت صدى سلبيا فوريا من الخارج من خلال جملة ردود الفعل الاوروبية والاميركية التي لم تتأخر عن الظهور بعد ساعات قليلة على انتهاء الاسد من القاء خطابه واعتبرت هذا الاخير منفصلا كليا عن الواقع مؤكدة ضرورة تنحيه عن السلطة. اذ ان الرئيس السوري خرج الى العلن من اجل محاولة الافادة من الارتباك الاميركي والدولي حيال البديل منه في حال تنحيه والمخاوف الاميركية خصوصا من السلفيين وكذلك خوف الروس من الاسلاميين ليعرض استمراره لقاء اثمان محددة لم تخرج في الواقع من حيث المضمون عما كرره ولا يزال منذ بدء الازمة التي تشارف على اكمال سنتها الثانية. كما انه يسعى الى محاولة كسب تعاطف او دعم مجددا بناء على اثارة المخاوف مما تتهيأ له العراق على وقع الازمة السورية والمخاطر على لبنان والاردن ومن التخبط الاخواني في مصر ومحاولة فرض اجندتهم السياسية. كما انه يرفض مساواته او وضعه على قدم المساواة كفريق من افرقاء الازمة ويحاول ان يطرح نفسه محاورا وحيدا يعلو وفق افرقاء المعارضة التي تدعمها الدول الغربية. فهل يمكن ان تعيد هذه الدول النظر في مقاربتها للازمة السورية على هذا الاساس؟

الامر مستبعد، بالنسبة الى مصادر ديبلوماسية متابعة، وجدت خطاب الاسد مخيبا للآمال كما كان في كل خطاباته السابقة بحيث انه في كل مرة اطل علنا كان يتم انتظار خطابه من اجل ان يعلن امرا ما يستطيع فيه ان يقدم جديدا ويحض اي دولة من دول العالم على تغيير موقفها منه لجهة احتمال اثارته جدلا بين الدول الغربية مثلا او بينها وبين الدول العربية على ضرورة اعطائه فرصة جديدة من اجل اثبات حسن نياته ازاء قيادة بلاده على نحو مختلف كليا عما سبق القيام به. الا انه، وعلى رغم سقوط اي رهان عليه منذ زمن ليس بالقصير في ظل اعلانه الاستمرار على اعلان خطوات وهمية في غير توقيتها، فقد تم انتظار اعلانه امرا مختلفا في خطابه الاخير مبنيا على ادراكه ووعيه لخطورة ما وصلت اليه بلاده واقراره بارتكاب اخطاء يود تصحيحها ومد يده الى كل الافرقاء في الداخل والخارج وضرورة ان يتنازل في سبيل انجاح اي حل من اجل انقاذ بلاده وشعبها.

اذ انه، في رأي هذه المصادر، ومع ان لا حل للازمة السورية لا يزال ممكنا مع الاسد، وفق اقتناعات غالبية كبرى من دول العالم العربي والغربي، لانه يستحيل غض النظر عن العدد الهائل من الضحايا الذي يتحمل مسؤوليته الاساسية النظام وحده نتيجة المقاربة الخاطئة التي اعتمدها لحل الازمة، فان ما هو مخيب للآمال ومحبط في رأي هذه المصادر الا يقدم اي عنصر جديد في كل ما سماه رؤيته للحل او افكاره له. اذ هناك اجراءات قام بها حتى الآن ولم تؤت اي ثمار وايكاله لهذه الحكومة مثلا قيادة حوار هو رهان مرشح للفشل لان هذه الحكومة لم تحدث اي رد فعل ايجابي لدى تكليفها وكذلك الامر بالنسبة الى كل خطوة من خطوات رؤيته للحل. وترفض المصادر الديبلوماسية المتابعة مناقشة مراحل الحل التي عرضها الاسد كونها تستند الى خلفية تصب في خانة تعزيز نظامه في حين ان هذا النظام انتهى ولم يعد قابلا للعيش وهو يرفض الاقرار بذلك ويحاول تجاهله. وعلى عكس المظهر القوي الذي حاول الظهور من خلاله فان الحشد الموالي خلال القاء الخطاب في دار الاوبرا يشي بالعكس. ولذلك فان المخاوف بعد هذا الخطاب هي من امرين: احدهما اجهاض اي محاولة او مبادرة جديدة ممكنة بين الدول الكبرى خارج اطار مقاربتها من خلال المنظور الضيق والخاص للنظام للازمة السورية مما سيعطل اي جهد جديد يمكن ان يبذل في المدى القريب. والآخر هو متابعته الحل العسكري الامني، وفق ما لمح اليه مما يعني مراوحة الازمة السورية في الحرب الداخلية حتى اشعار آخر في ظل مخاطر رسم ملامحها من خلال تلميحه الى التقسيم مثلا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

في تقدير الموقف : قالوا في بشار الأسد وخطابه ... زهير سالم*

أفضل تعقيب ...

أفضل تعقيب قيل على خطاب بشار الأسد هو ما هتف به جمهوره وهو يغادر القاعة على عجل : شبيحة للأبد من أجل عيونك يا أسد . كانوا يرغمونه على الاعتراف بفرقة الشبيحة أو ينتزعون هذا الاعتراف منه عنوة . وكأنهم يقولون شبيحة للأبد غصب عنك يا أسد . وهذا الاعتراف يقتضي من إعلام بشار الأسد منذ اليوم أن يقول قامت فرق الشبيحة ...نفذت فرق الشبيحة ... قال الشبيح الأكبر بشار الأسد ..

 

وكانت إيران وحدها ...

وكانت إيران هي الدولة الوحيدة التي أعلنت ترحيبها بالخطاب الذي نقله التلفزيون السوري عن بشار الأسد . وقالت إن الخطاب رفض العنف وعرض مصالحة سياسية .

 

بينما لاذت روسيا حتى الآن بالصمت . ودعت الصين إلى حل سلمي .

 

الفاتيكان ...

البابا بنديكتوس السادس عشر : دعا المجتمع الدولي إلى إنهاء مذبحة لا نهاية لها في سورية . قبل أن تصبح البلاد ساحة للدمار ...

 

بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة ..

عبر بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة عن ( خيبة أمل من خطاب بشار الأسد . لأن هذا الخطاب يرفض العنصر الأكثر الأهمية في إعلان جنيف وهو حدوث انتقال سياسي وتشكيل حكومة انتقالية ...

 

الاتحاد الأوربي ......

أعرب الاتحاد الأوربي عن أسفه لعدم رغبة النظام السوري بحل سياسي يتمتع بالمصداقية ..

 

الولايات المتحدة الأمريكية ...

المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند كان لها أكثر من تصريح قالت فيها : إن مبادرة الأسد منفصلة عن الواقع وهي تقوض جهود الوسيط الدولي الأخضر الإبراهيمي وستكون نتيجة هذا الخطاب استمرار القمع الدامي .

وقالت : إن هذا الخطاب محاولة جديدة يقوم بها الأسد للتمسك بالسلطة ولا يقدم أي شيء للشعب السوري .

وقالت : بشار الأسد واحد من الشخصيات الأكثر وحشية في العالم . وإن ما فعله الأسد تعدى نطاق الوحشية . ونفت عن بشار الأسد صفة الإنسانية ..

 

فرنسا ....

الناطق باسم الخارجية الفرنسية لاليو :

إن خطاب بشار الأسد يعكس مجددا إنكار الواقع الذي يتمسك به لقمع الشعب السوري . وقال : إن رحيل بشار الأسد شرط لا يمكن الالتفاف عليه

 

وزير الخارجية الفرنسي فابيوس :

نعلم أن بشار الأسد قاتل لشعبه ..ولكننا نلاحظ من خلال خطابه المثير للشفقة أنه أصم وأعمى أيضا ...

 

بريطانيا.......

رئيس الوزراء البريطاني كاميرون : على الأسد الرحيل ...

وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ : الخطاب نفاق وخداع وبلا مصداقية .

 

ألمانيا......

وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيلية : الخطاب لا يعبر عن إدراك جديد للواقع في سورية .

 

إيطاليا .....

وزير الخارجية الإيطالي جوليو تيرسي : إن خطاب بشار الأسد يؤكد أنه منفصل تماما عن السياسة .

 

هولندا :....

وزير الخارجية الهولندي : من الواضح أنه لن يكون هناك مستقبل للأسد في سورية ..

 

تركية ...

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان : إن الأسد يحاول بصعوبة البقاء واقفا على قدميه . وكيف يمكن لمن يقتل شعبه بالقذائف والطائرات أن يتحدث عن الديمقراطية ؟! ووصف ما يقوم به الأسد انه إرهاب دولة . وتساءل كيف يمكن لسوريين هربوا خارج بلادهم أن يثقوا برجل قتل منهم خمسين ألف شهيد ..

 

الرئيس محمد مرسي

يدعم بقوة دعوة الشعب السوري إلى محاكمة بشار الأسد على جرائم حرب ارتكبها ..

 

الزعيم اللبناني وليد جنبلاط

خطاب بشار الأسد مكرور وممجوج ومنفصل عن الواقع . والفارق الكبير الذي لم يدركه الأسد هو الفرق في عدد الضحايا بين خطابه السابق وخطابه الأخير .

 

الائتلاف الوطني السوري :

الخطاب يؤكد عدم أهلية بشار الأسد لرئاسة دولة ..

 

هيئة التنسيق ...

جاء الخطاب صادما بالشكل والمضمون ولا يشكل أي مدخل للحل السياسي ..

 

جماعة الإخوان المسلمين في سورية :

بشار الأسد أنت – وليس خطابك فقط – لا تعنينا ...

لندن : 25 / صفر 1434

8 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أسد مستأسد بين الواقع والإنكار!

راجح الخوري

2013-01-08

النهار

عند حدود ستين الف قتيل قلب الرئيس بشار الاسد الصفحة ليبدأ فصلاً جديداً من كتاب الدم الذي كان الاخضر الابرهيمي قد بشرنا انه قد يصل الى مئة الف قتيل وأكثر. لكنه لم يقدم لا "خطاب الحل" ولا "خطاب الوداع"، بل "خطاب الإنكار" او إستمرار الازمة، بما يؤكد ان امام السوريين طريقاً طويلاً من الدم عليهم اجتيازه ربما الى الجحيم الذي رآه الابرهيمي!

واذا كان الاسد قدم ما سمّاه خطة للحل من ثلاث مراحل هدفها الواهم طبعاً، محو سنتين من عمر المأساة للعودة الى حكم الطغيان والاستبداد، فإن القراءة الهادئة في الخطاب والأبعاد الإقليمية والدولية التي تحيط بالأزمة ترسم ثلاث حقائق برزت عبر ما قدمه الاسد في عراضته وسط التصفيق المصطنع:

اولاً: أرسل الاسد المقاتلات لتسقط القنابل على حلب واخواتها ووقف ليسقط قنبلته التي أرادها ان تدمر كل الوساطات والمشاريع السابقة، عندما اشترط على اي مبادرة تأتي من الخارج ان تندرج تحت سقف مبادرته "السيادية" التي تقوم على اعتبار ان لا ثورة في سوريا ولا ثوار بل "جراثيم وارهابيون وقتلة ومجرمون"، وهذا ينسف كل الوسطاء والوساطات من مبادرة "الجامعة العربية" الى نقاط كوفي أنان الستة مروراً بأفكار الابرهيمي ومبادرة فاروق الشرع وهي مبادرة النظام عينه وقد اعلنت على لسان الشرع، وايضاً اتفاق "جنيف 1" و"جنيف 2" على الاقل لجهة مطالبة النظام بوقف النار اولاً وسحب الاسلحة الثقيلة، فها هو يملي شروطه على الجميع، المعارضة والدول الاقليمية التي تدعمها وذلك كمقدمة لحل ملخصه: ادفنوا قتلاكم وتعالوا الى طاعتي من جديد!

ثانياً: صحيح ان خطابه يشكل انفصاماً كلياً عن الواقع المأسوي في سوريا لكنه انفصام يستند في النهاية الى معطيات الواقع الكارثي للسياسة الدولية حيال الازمة السورية، فليس سراً عشية المحادثات المتوقعة بين كلينتون ولافروف والابرهيمي ان التردد الاميركي - الغربي في دعم المعارضة يترسخ أكثر مع اتساع الحديث عن نفوذ الاسلاميين في صفوف الثوار، ولا من الاسرار ان تراجع الدعم الخليجي للمعارضة نتيجة ضغوط اميركية تنطلق من تصوير سوريا بؤرة محتملة لـ"القاعدة" للإنقضاض على دول الاقليم!

ثالثاً: واضح ان الاسد يستأسد من منطلق ادراكه أن وصول الاسطول الروسي الى طرطوس هو لحمايته وللرد على صواريخ باتريوت الغربية في تركيا ولترجمة ثبات تمسك موسكو بنظامه، وان التطورات المتصاعدة في العراق زادت تمسك ايران به، وان السياج الاسرائيلي في الجولان سيقنع واشنطن اكثر بترك سوريا ساحة لمذبحة تتخبط فيها ايران وروسيا ويتهاوى في جحيمها اهل "النصرة" ورفاقهم!

إنه كتاب الدم، فصل اول من ستين الف قتيل... والآتي أعظم!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الشعب السوري بين الإبراهيمي وإملاءات المجتمع الدولي

ما يحصل في سوريا هي عملية إبادة وتطهير عرقي يرتقي إلى جرائم الحرب التي يفترض أن يقدم مرتكبوها لمحكمة الجنايات الدولية!!

د. سلطان عبد العزيز العنقري

الثلاثاء 08/01/2013

المدينة

هذه هي خلاصة -بل هدية- مبعوثي جامعة الدول العربية والأمم المتحدة للشعب السوري من خلال تصريحات الإبراهيمي مع بداية العام الميلادي الجديد. فمنذ بداية الانتفاضة السورية والتي قاربت أن تدخل عامها الثاني في مارس 2013م! أكثر من 60 ألف قتيل، وفق إحصائية الأمم المتحدة بالطبع المتحفظة جدًا، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين والمشردين والنازحين والمهجرين!. قلنا وما زلنا نقول: إن جامعة الدول العربية؛ في ظل الأحداث التي شهدها ويشهدها عالمنا العربي، وما يُسمَّى بالربيع العربي، تحتاج إلى غربلة شاملة، حيث إن جامعة الدول العربية وحدها تتحمل مأساة الشعب السوري وما لحق به من قتل وتشريد وتدمير لقراه ومدنه وبناه التحتية. فهي التي أعطت الفرصة لنظام فاشي قمعي دموي شرس أن يُماطل في تسليم السلطة لحكومة انتقالية كما حصل في ليبيا واليمن، وأن يتمادى بل يستمر في قتل شعبه من خلال مبعوثيها بدءًا من الجنرال السوداني الأجوف (الدابي)، إلى أمين عام سابق للأمم المتحدة تطارده فضائح ابنه المالية فيما يُعرف بالنفط مقابل الغذاء في العراق، إلى الأخضر الإبراهيمي الذي ارتمى في أحضان وزير خارجية روسيا، ونفذ ما طلب منه من خلال اتحافنا بتصريحاته الجهنمية المحبطة للشعب السوري!!

من يُصدِّق أن جامعة الدول العربية تقف مكتوفة الأيدي، بل تضع في أذن طينة والأخرى عجينة على غرار المقولة «لا أسمع لا أرى لا أتكلم» لما يحصل في سوريا، بل إن مبعوثيها يدورون في الفلك الروسي والصيني والإيراني، وهم من أسس بقاء وتطويل أمد النظام واستمراره، بل بتشجيعه بقتل شعبه؟! فروسيا هي من تتحمل مسؤولية قتل الشعب السوري، فوزير خارجيتها لافروف يتبجح بين الفينة والأخرى ويستهتر بدماء الأبرياء بتصريحاته التي تجلب الغثيان، بل إنه الوزير الفعلي لخارجية سوريا بعد أن وجد وليد المعلم، وزير خارجية سوريا والنظام بأكمله، ضالته بمحام بارع في قلب الحق إلى باطل، وقلب الباطل إلى حق. فروسيا أصبحت عرّابة السياسة السورية، بل المحامية والمدافعة والحامية للنظام السوري، وإيران المنفذة لتلك السياسة بتنفيذ سياسات القتل للشعب السوري والتدمير لسوريا من خلال حرسها الثوري الإيراني، وميليشيات مقتدى الصدر في العراق وحزب الله اللبناني وحكومته في لبنان، ومدهم بالأسلحة الروسية التي تشتريها إيران من روسيا وترسلها لشبيحتها وشبيحة النظام في سوريا، فلولا هذا الجسر الجوي للسلاح من روسيا والشبيحة من إيران، من خلال الأجواء العراقية والمعابر البرية وأسطول روسيا في طرطوس لسقط نظام البعث في سوريا قبل أن يدخل عامه الثاني. فما يحصل في سوريا هي عملية إبادة وتطهير عرقي يرتقي إلى جرائم الحرب التي يفترض أن يقدم مرتكبوها لمحكمة الجنايات الدولية!!

إنها بالفعل مؤامرة، ليس فحسب على سوريا وشعبها، بل وعلى العالم العربي بهدف ابتزازه من قِبَل غرب وعجم. فلا الغرب ولا الشرق -ممثلًا بالصين وروسيا والعجم ممثلًا بإيران- يريدون للعالم العربي الخير والأمن والاستقرار والتطور واللحاق بركب التحضر، بل يريدون العرب عبيدًا مستعبدين، وعالة على الغرب والشرق، وسوقًا رائجة لبضائعهم، يشترون ولا يبيعون لهم، ولا يعتمدون على أنفسهم بالتصنيع والمنافسة.

العالم العربي ابتلي بمحن ونكبات من حربٍ عراقية إيرانية ضروس أكلت الأخضر واليابس، إلى احتلال الكويت، إلى احتلال العراق، إلى الدفاع المستميت عن نظام متخلف في سوريا يذبح شعبه، ومحكمة الجنايات ومنظمات حقوق الإنسان تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها بشيء، ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب. فتلك المحكمة وتلك المنظمات الحقوقية ما هي في حقيقة الأمر إلا أجهزة تنفيذية لمصالح الغرب وبعض دول الشرق في المنطقة العربية، فكلما كانت تلك الثورات العربية لا تصب في مصلحة الغرب والشرق لا نجد صوتًا لتلك المحكمة وتلك المنظمات الحقوقية، وكلما كانت تلك الثورات العربية تصب في مصلحة الغرب والشرق هبت تلك المحكمة وتلك المنظمات للفزعة واتهام تلك الأنظمة بانتهاك حقوق الإنسان، وأن جرائم تلك الأنظمة ترتقي إلى أن تكون جرائم حرب يجب تقديم مرتكبوها للعدالة!! هذا هو الغرب وهذه هي بعض دول الشرق الذين لديهم الكيل بمكيالين وازدواجية في المعايير في التعامل مع قضايا العالم، ولكن يظل الإنسان كآدمي خلقه الله لكي يعمر الكون، له حقوق يجب أن لا تُنتهك لا من قبل الغرب أو الشرق. ففي الغرب يحترمون رعاياهم من خلال ما يُسمَّى بحرية الاختيار (Freedom Of Choice) ، وحرية التعبير (Freedom Of Expression)، وحرية الكلام (Freedom Of Speech)، أما في العالم العربي فإنهم يتعاملون معك على أنك مُسيّر ولست مُخيّرًا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الأسد وتسوية الأزمة.. هل يكون الخطاب الأخير؟

د. زهير فهد الحارثي

الرياض

8-1-2013

توقع الكثيرون ان يخرج الاسد في خطابه بالأمس برؤية لإيجاد حل للازمة في بلاده، غير انه أحبط الكثيرين بل تلقاها شعبه بكل سخرية وتهكم، ففي الوقت الذي قتل فيه 60 الف شخص من شعبه لا يزال يؤكد ان الصراع الدائر هو بين الدولة وعصابات مسلحة

خرج علينا بشار الاسد بعد سبعة أشهر من آخر خطاب له، ليُعيد المشهد الى المربع الاول بلغة لم تخل من المكابرة والغطرسة وجنون العظمة. ألم يطلق على الربيع العربي بأنه فقاعة صابون؟!. تحدث بثقة زائفة كما لو كان لا يعلم ما يحدث في بلاده، وأمعن في اسلوبه الى حد وصفه للأحداث الجارية بأنها ليست صراعا بين حكم ومعارضة، بل هي "صراع بين الوطن وأعدائه، بين الشعب والقتلة".

ومع ذلك فقيامه بطرح مبادرة تعني انه فعلا بات يشعر بخطورة التحركات الاقليمية والدولية وجديتها، فضلا عن نجاحات الجيش الحر الذي صار يحقق تقدما ملموسا على الارض. فهل كان الاسد بذلك الطرح يريد قطع الطريق على الجميع بشأن حل الازمة لاسيما وهو يوقن بأن ثمة تقاربا في الرؤية ما بين واشنطن وروسيا؟

لقد شهدت الايام القليلة الماضية تحركات دبلوماسية بين اطراف عدة بشان الازمة السورية، فهناك حديث عن تفاهمات اميركية - روسية، فضلا عن المواقف العربية بشان تأييد الحل السياسي وضرورة خروج بشار وفقا لمطالب الشعب السوري. ولذا يبدو ان هناك حلحلة للقضية بدليل ان ترتيبات تم التنسيق بشأنها من اجل ايجاد تسوية ما يمكن تبنيها دوليا في اللقاء المرتقب ما بين اوباما وبوتين.

غير ان ردود الفعل من المعارضة والمجتمع الدولي كانت سريعة وصريحة وهي مطالبة الاسد بالتنحي، وان مبادرته ما هي سوى ذر الرماد في العيون وأنها لم تأت بجديد سوى محاولة الايهام بأن النظام لازال موجودا وقويا مع ان المعطيات على الارض تشير الى عكس ذلك.

على أي حال، المراقب لكيفية تعاطي النظام السوري مع الأحداث الراهنة، يلحظ انه ونتيجة للضغوط الخارجية لا يفتأ أن يعلن عن استعداده للشروع في الإصلاح والحوار، فيبدأ في المماطلة والتسويف لتكتشف لاحقا أن المبادرات ما هي إلا كذبة يسوقها النظام. ثم انه عندما يدعو للحوار فهل يا ترى يستقيم هذا مع لغة التهديد والوعيد فضلا عن رفضه للخيارات المطروحة من تسويات ومساع وجهود، ناهيك عن وضع إملاءاته وشروطه وكأنه لازال الحاكم في سورية.

غير أن المثير للدهشة وبعد هذه المدة الطويلة من الصراع وارتكاب المجازر، إصرار النظام على الهروب إلى الأمام، وذلك ما يطرحه من لغة إقصائية وفبركات لكي يسوغ ارتكابه للجرائم الجماعية. وفوق هذا كله يأتي بشار بالأمس ليكرر وعوده الجوفاء ، بل ويشدد على ان أي حل سياسي قادم لابد ان يكون طرفاً فيه.

ولعل المضحك المبكي في حديثه تأكيده على دور الممانعة ودعم قضية فلسطين وانه لا تفريط في الجولان. هكذا كلام بات مستهلكاً ولم يعد ينطلي على احد. كانت سورية تتزعم ما يسمى بحلف الممانعة، مع أنها لم تطلق رصاصة واحدة في الجولان خلال اربعة عقود وتاجرت بالقضية الفلسطينية، واتهمت الآخرين بالتبعية للغرب، بل خلقت شرخا في العلاقات ما بين الخليجيين، وأهل الشام، وفتحت أبوابها لطهران، ودعمت حزب الله، واستهدفت لبنان واغتالت الكثير من معارضيها، وشجعت انقلاب غزة ضد الشرعية.

مشكلة النظام السوري انه تجاوز الخطوط الحمراء فيما يتعلق بتعاطيه مع الداخل أو بالتدخل السلبي في أوضاع بلدان أخرى، وما تبقى له سوى إيران كون القاسم المشترك بينهما، هو البحث عن ضمانات لبقائهما، فضلا عن ان مبادرة الاسد لا تختلف عن المبادرة الايرانية ذات الست نقاط التي طرحتها قبل شهر من الآن.

على ان ما طرحه الاسد كان قد سربته بعض وسائل الاعلام حيث جاء خطابه مطابقا لنصِّ رسالة نقلها نائب وزير الخارجية فيصل المقداد من الأسد إلى موسكو، التي زارها الأسبوع الماضي، وعرض فيها على نائب وزير الخارجية الروسي موافقة الاسد على التسوية بشرط عدم الاعتراض على ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2014، وهذه النقطة تحديدا ستكون محل خلاف كونها محسومة لدى المعارضة والعرب والمجتمع الدولي.

لم يخل خطاب بشار الاسد من اتهامات وتهديدات وهي محاولة تكريس أمر واقع، ولعل المثير يكمن في ما طرحه من مطالب وشروط، فهو يضرب الشرعية الدولية عرض الحائط وانه لا يخضع للضغوط مع ان الجميع على قناعة بأنه لولا الضوء الاخضر الروسي والصيني والدعم الايراني لما أزبد وأرعد مهدداً بحرق الأخضر واليابس.

توقع الكثيرون ان يخرج الاسد في خطابه بالأمس برؤية لإيجاد حل للازمة في بلاده، غير انه أحبط الكثيرين بل تلقاها شعبه بكل سخرية وتهكم، ففي الوقت الذي قتل فيه 60 الف شخص من شعبه لا يزال يؤكد ان الصراع الدائر هو بين الدولة وعصابات مسلحة، وعقلية سلوك كهذه تصنف بلا ادنى شك بأنها انتحار سياسي على اقل تقدير.

ورغم ان الانتفاضة السورية السلمية جاءت لتلجم الاستبداد، وتعبر عن توقها للكرامة والحرية، إلا ان المثير للشفقة هو مكابرة نظام بشار رغم انه في الرمق الاخير ومع ذلك تبقى مرحلة ما بعد بشار غير واضحة المعالم لاسيما وان المعارضة السورية لم تستطع أن توحد مواقفها ورؤيتها ولا زالت المصالح الفئوية تلقي بظلالها على المشهد.

صفوة القول، لا أحد موقن إلى أين تتجه الأمور، ولكن من استمع لخطابه يخرج بقناعة انه جاء ليجهض مساعي الحل، وليس مبادرة لإنهاء الأزمة ما يدلل أن ساعة الصفر قد اقتربت ولعله خطابه الاخير كون نظامه يعيش النزع الأخير.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مأزق شعب أم مأزق رئيس؟

الطاهر إبراهيم

2013-01-07

القدس العربي

عندما انفجرت ثورات الربيع العربي، ظن الرئيس بشار أسد أنه بمأمن - أو هكذا أراد أن يفهم السوريون- من وصول كرة الثلج المتدحرجة من تونس إلى مصر أنها لن تصل سورية. فشل بشار في قراءة نذر الثورة السورية منذ اليوم الأول لاندلاعها. وعندما بدأ المنشقون في الجيش الحر برفع السلاح حماية للمتظاهرين، أخطأ الحساب وظن أنها فقاعة يستطيع اطفاءها -لأنها قليلة العدد والتسليح- بأجهزته الأمنية التي كانت تشكل جيشا آخر موازيا للجيش النظامي.

كان أمام بشار عدة فرص كي يدرك خطأ حساباته. لكن كيف يفهم من أرعى سمعه لببغاوات مجلس الشعب وهم يصرخون: بالروح بالدم نفديك يا بشار؟ وحين سالت الدماء وسقط القتلى في درعا التي يعتبرها السوريون أقرب إلى النظام من غيرها من المدن السورية فشل بشار في أن يتصرف بحكمة. كان من المناسب تطييب خواطر أهالي أطفال درعا. لكنه ترك الحبل على غاربه لحماقة ابن خالته العقيد 'عاطف نجيب' رئيس الأمن السياسي في درعا. وحين عمت المظاهرات المدن السورية واستعصت على الأمن والشبيحة، أوقع نفسه في الخطأ الاستراتيجي عندما زج بالجيش الوطني ليرعب المتظاهرين. رفض الجنود أن يوجهوا سلاحهم نحو صدور إخوتهم المتظاهرين، فأطلق على الرافضين الرصاص من الخلف.

في هذه الأجواء الملبدة والمحتقنة، كانت سورية تدار بعقلية العصابة يساعده في ذلك مجموعة من أقرباء للرئيس احتكرت القرار، ويا ليته كان قرارا في بناء سورية، بل قرارا في تدميرها، حتى أن الأخضر الإبراهيمي قال في القاهرة بعد عودته من روسيا: 'سورية أمام حل سياسي أو الجحيم'. فما هو هذا الجحيم الذي يحذر منه الإبراهيمي؟ باختصار نقول:

ليس عن جدارة وصل بشار أسد إلى سدة الحكم في سورية بل لأنه ابن حافظ أسد الحاكم القوي الذي لم يدخر وسعا ليترك لورثته من بعده ملكا لا ينازعهم فيه أحد. وفي سبيل ذلك اقترف من الموبقات ما لم يفعله حاكم من الحكام الجبابرة في القرن العشرين، ومدينة حماة خير شاهد على مانقول. قد نتفق وقد نختلف من هو الأكثر توحشا من الآخر؟ حافظ أسد الذي دمر نصف حماة وقتل أكثر من 25.000 حموي في عام 1982؟ أم وريثه بشار أسد الذي دمر أكثر من 300 ألف مبنى وقتل حتى الآن أكثر من 60000 سوري؟ لكننا إذا سوينا بينهما في التوحش، فقطعا لن نختلف في أن بشار أسد ليس لديه القدرة على الانحناء أمام العواصف السياسية العاتية، كما كان يفعل أبوه. ففي عام 1980 أفزع حافظ أسد المظاهرة المليونية تجتاح حلب في آذار عام 1980، فدار حافظ أسد حول نفسه مايقرب من180 درجة ليخرج خطيبا في لقاء للشباب، على ما ذكر 'باتريك سيل' في كتابه 'الصراع على الشرق الأوسط' قال: (إن الإخوان المسلمين في سورية ليسوا كلهم مع القتلة، ولا خلاف لنا معهم إطلاقا بل نحن نشجعهم، ولهؤلاء الحق، بل وعليهم واجب أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين).

وطبعا انقلب حافظ أسد بعد ذلك على نفسه وأقام سوق المجازر في سورية للإخوان المسلمين حين أصدر القانون 49 الذي يحكم بإعدام كل منتم للإخوان المسلمين. وطبعا كانت الظروف الدولية مواتية للسكوت على المجازر لأن حافظ أسد كان يخدم كل الدول الاستعمارية التي يهمها قمع الشعوب.

بالإضافة لمقدرته على الانحناء أمام العواصف والاستفادة من الظروف الدولية، فقد تمتع حافظ أسد بالمقدرة على قيادة ضباطه الذين قادوا المعركة مع الشعب السوري. كما ضبط تطلعاتهم إلى الحكم مثلما فعل مع شقيقه 'رفعت أسد، الذي استغل مرض حافظ أسد عام 1984 ليجعل من نفسه وريثا له قبل أن يموت، فنفاه خارج سورية بعد أن شفي من مرضه.

إضافة إلى فقدان بشار أسد صفات والده في سياسته الداخلية والدولية، فقد اكسب نفسه عداوات دول عربية لطالما مدت يدها لسورية في الأزمات. كما تورط بالإساءة إلى زعامات عربية، وتحالف مع إيران وحزب الله اللذين لا يحظيان بتعاطف الشارع العربي، كما تجاوز كثيرا من الخطوط الحمر. وهذا أفقده تعاطف الدول التي كانت تقف إلى جانب والده.

وعندما تفجر الشارع العربي بربيعه الذي ما يزال يزهر ورودا، وقع بالخطأ الفظيع عندما ظن أن الشعب السوري الذي روضه أبوه بالقتل والاعتقال والتشريد، سوف لن يجرؤ على الثورة على حكمه الفاسد الجائر، وكان ذلك خطيئته الكبرى.

رفض بشار أسد عندما بدأت ثورة آذار 2011 الوصول مع الشعب إلى الحلول الوسط، 'بحيث لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم'. وعندما أدرك أن عليه أن يرجع وأن يتراجع بعد أن سقط أكثر من 60000 شهيد، عدا عمن لم تستطع الأمم المتحدة إحصاءه، كان الشعب السوري قد شب عن الطوق، ولم يعد يقبل إلا بحريته الكاملة وبالدولة الديمقراطية على كامل التراب السوري. وأن يرحل بشار عن سوريا طوعا أو كرها. فعل يدرك ذلك بشار أسد قبل فوات الأوان؟.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

على الرغم من المشهد المسرحي والعبارات الطنانة فايام الاسد اصبحت معدودة ونهاية الحرب

لماذا الحاجة ملحة إلى تشكيل حكومة انتقالية؟

رضوان زيادة *

الثلاثاء ٨ يناير ٢٠١٣

الحياة

تحول نظام الأسد وبخاصة مع بدء الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 وتدريجياً إلى ميليشيا هائلة القوة تخوض قتالاً يائساً ضد الشعب السوري مبددة إمكانياته المادية والبشرية وثرواته، والأخطر من ذلك نسيجه الاجتماعي، عبر دفعه إلى اقتتال طائفي وأهلي بغيض. فالثورة السلمية جوبهت برصاص حي حصد أرواح خيرة شباب سورية وزينتها من غياث مطر إلى تامر الشرعي وحمزة الخطيب. واستهداف المشافي أظهر وحوشاً تمتلئ بالحقد تفرغه بكل أنواع الممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية. مقابل ذلك نجد الشعب السوري صامداً على مدى عامين تقريباً ليس ليحافظ فقط على مقاومته وصموده، وإنما والأهم على تماسكه.

إن سورية اليوم في منتصف المرحلة الانتقالية، فأقسام كبيرة من أراضيها محررة لا يستطيع نظام الأسد الاقتراب منها، فقد تحول من رئيس لسورية إلى محافظ لدمشق وبعض ضواحيها، لا يستطيع الخروج إلى أبعد من قصره قبل أن تسبقه مليشياته وعصابته، وخسارة الأسد لمعظم المعابر الحدودية مع تركيا والعراق تعني بالمعنى السياسي فقدان نظامه القدرة على بسط سيادته على المناطق الجغرافية ذات الأهمية الإستراتيجية. بكل تأكيد يستطيع الأسد أن يقصفها ويحرقها لكنه لا يستطيع بكل بساطة أن يستعيدها، لكن هذه المناطق المحررة في نفس الوقت وفي معظمها لا صلة جغرافية بينها وسهولة استهدافها جواً تمنعها من إعلان ذاتها مناطق آمنة، وإدارتها في ظل غياب سلطة مركزية تديرها تزداد صعوبة وتعقيداً، وكلما طال بقاء الأسد في قصره كانت المرحلة الانتقالية أكثر ألماً.

وهنا تأتي أهمية مشاركة السوريين جميعاً في التوافق على إدارة المرحلة الانتقالية، منعاً من دخول الفوضى ولضمان الانتقال بشكل آمن.

ومع سقوط المعابر الحدودية الرئيسية بين تركيا وسورية وبخاصة معبر باب الهوى والسلامة وجرابلس ثم تل أبيض يكون قد سقط الكثير من نظام الأسد، فسقوط المعابر يعني فقدانه حق ادعاء السيادة وهذا يمنح «الجيش الحر» ميزة مهمة وهي أن طرق الإمداد أصبحت مفتوحة تماماً، وتستطيع المعارضة الآن وبكل سهولة العودة إلى المناطق المحررة من دون أن يكون الأسد قادراً على تهديدها أو الإجهاز عليها.

هناك الكثير من القوى السياسية المعارضة ما زالت ترفض تشكيل حكومة موقتة بحجة أن الشروط الموضوعية لذلك لم تنضج، لكني أرى أن العكس هو الصحيح تماماً، فهذه الشروط الموضوعية لن تتحقق أبداً، إذ من المفروض على الحكومة الانتقالية أو حكومة المنفى أن تحققها.

هدف الحكومة الانتقالية تحقيق الأهداف التالية:

- أولاً: بسط سلطة مركزية على المناطق المحررة لمنع الفوضى ومساعدة المناطق المحررة على إدارة شؤونها فلا المجلس الوطني ولا الائتلاف قادران على بناء هذه السلطة المركزية، وكلما تأخرت أصبح بسط السلطة المركزية أكثر صعوبة.

- ثانياً: على المستوى القانوني عبر نزع الشرعية من نظام الأسد من خلال تسلم السفارات التي لا تسلم إلى كيانات سياسية وإنما إلى حكومات تمثيلية وأخذ مواقع نظام الأسد في المنظمات الدولية.

- ثالثاً: بتشكيل الحكومة التي يجب أن تحصل على الاعتراف الدولي فإنها ستصادق على اتفاق روما الأساسي وبالتالي تصبح الأمور مفتوحة لإحالة النظام المجرم إلى محكمة الجنايات الدولية.

- رابعاً: بتشكيل الحكومة وعلى المستوى الإداري نتجاوز الخلافات العميقة في المجلس الوطني والائتلاف على المناصب والمواقع، فلا تناقش أي أمور لها علاقة بالثورة السورية مثل التسليح أو الدعم الإغاثي، وبالتالي مع تشكيل الحكومة تصبح الأمور الإدارية أكثر وضوحاً والتعامل مع المجتمع الدولي أسهل.

خامساً وأخيراً: هو سؤال من سيخلف الأسد؟ من سيدير المرحلة الانتقالية بعد سقوطه؟ المجلس الوطني لن يستطيع أن يقوم بذلك، ولا الائتلاف بخلافاته الكثيرة قادر على القيام بذلك، لذا لا بد من حكومة انتقالية قادرة على ضبط الأمور بشكل موقت إلى حين إجراء الانتخابات.

إن الأولوية السياسية اليوم للمعارضة هي تشكيل حكومة انتقالية أو حكومة في المنفى، والمعنى القانوني يختلف بين الاثنين، وذلك لن يتم سوى عبر مؤتمر وطني يعقد داخل الأراضي السورية حيث يمكن ذلك، وتكون للمجالس المحلية والثورة والتنسيقيات والجيش الحر والكتائب المقاتلة النسبة الأكبر فيه.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريّة الشجرة والغابة

حازم صاغيّة

الثلاثاء ٨ يناير ٢٠١٣

الحياة

ضجّ الخطاب الأخير لبشّار الأسد بالعجرفة والإنكار، فاضحاً بنفسه أنّ «الإصلاحات» السابقة لم تكن جدّيّة، بدلالة تكرار الوعد بها. غير أنّه، إلى ذلك، وأهمّ من ذلك، حمل معنيين: الأوّل، إيذان بتصعيد عسكريّ وأمنيّ مؤكّد يرافقه قطع الطريق تماماً على أيّة مبادرة سياسيّة، حتّى لو كانت مجرّد كلام بكلام. والثاني، تركيز على التكفيريّين والسلفيّين أريد منه مخاطبة الغرب والولايات المتّحدة، وذاك لمعرفة الأسد أنّ التدخّل الخارجيّ هو وحده ما يحسم الصراع الذي مضى عليه عامان في سوريّة.

وإذا صحّت المعلومات القائلة إنّ التقدّم الجزئيّ الذي أحرزته القوّات النظاميّة في الأسابيع القليلة الماضية ناجم عن تناقص الذخيرة والإمدادات لدى المعارضين، مقابل أسلحة وإمدادات روسيّة وإيرانيّة جديدة حصل عليها النظام، جاز للأسد أن يستنتج ما استنتجه وأن يبني عليه ما بناه.

فهو، كتلميذ نجيب لمدرسة «الأوراق» التي تحتقر الشعوب ومبادراتها، يذهب إلى النبع وينظر إلى الغابة بدل الشجرة. صحيح أنّ التعليقات التي صدرت عن الولايات المتّحدة وبلدان أوروبا الغربيّة تقطع بأنّ الرئيس السوريّ لم ينجح في مخاطبة الذين أراد أن يخاطبهم. بيد أنّ هذا لا يكفي بتاتاً ما لم يقترن بسلوك أكثر مبادرة وإقداماً تسلكه تلك الدول القادرة وحدها على حسم الصراع المعلّق والمكلف.

وهنا، وأمام المنعطف الكبير والخطير الذي يؤشّر إليه الخطاب التصعيديّ، ولتقصير طريق العنف والموت، يُستحسن بالمعارضة أن تنظر، هي أيضاً، إلى الغابة بدل الشجرة.

وأوّل النظر إلى الغابة طمأنة العالم الديموقراطيّ إلى أنّ سوريّة الجديدة ستكون جزءاً منه. وسوريّة، أقلّه منذ أواسط الخمسينات، لم تكن كذلك. فهي أوّل من انعطف، في العالم العربيّ، نحو التسلّح السوفياتيّ والشرقيّ، وذلك قبل أن يقدم جمال عبدالناصر على «كسر احتكار السلاح». وهي تحدّت كلّ منظومة الدولة – الأمّة في المنطقة بوحدتها، عام 1958، مع مصر. أمّا مع البعث، ومع حافظ الأسد تحديداً، فتحوّلت تلك السياسات الضدّيّة من هواية إلى احتراف، ومن مواقف مبعثرة إلى نهج متماسك.

ذاك أنّ سياسة الأسد في اللاحرب واللاسلم منعت عن منطقة المشرق، لسنوات ترقى إلى 1974، كلّ استقرار سياسيّ على قاعدة السلام الأهليّ ومنظومة الدولة – الأمّة. وكانت لذلك مضاعفات كبرى لم تقتصر، فضلاً عن قمع المجتمع السوريّ وكبته، على شحذ الحرب الأهليّة – الإقليميّة المديدة في لبنان، وتهديد الأمن الأردنيّ من خلال عبوات الموت، وابتزاز الأمن التركيّ عبر دعم «حزب العمّال الكردستانيّ»، والمساهمة النشطة في ترويع العراق عبر إيصال الإرهابيّين، التكفيريّين منهم وغير التكفيريّين، إليه.

ولأنّ سوريّة بلد فائق الأهميّة فأمره لا يقتصر على إسقاط نظام، مع الاحتفاظ بالعدّة التاريخيّة الموروثة بما في ذلك العدّة الإيديولوجيّة لذاك النظام نفسه. فهنا نحن أمام حالة مصغّرة عن التعامل مع بلدان كألمانيا واليابان بعد الحرب العالميّة الثانية بوصفها بلداناً تقودها ظروفها الداخليّة إلى توتير مناطقها الإقليميّة وتوتير العالم تالياً.

وهذه مسؤوليّة فائقة يمليها التاريخ، فضلاً عن السياسة، علماً بأنّ حامل هذه السياسة سيّء الحظّ تعريفاً، لا يُحسد على الخيارات المتروكة له. لكنْ ما العمل إذا كانت هذه هي الخيارات التي تركها لنا تاريخ كهذا، وصارت وحدها الكفيلة بإخراج سوريّة والسوريّين ومنطقة المشرق من حلقة مفرغة إلاّ من الدم؟

فمن أجل أن تكسب المعارضة هذه الجولة التي ربّما كانت أخطر من سابقاتها جميعاً، لا بدّ أن تجد نفسها أمام مطالبات أكثر راديكاليّة، مطالباتٍ لا تقتصر على تصريحات عابرة وحسنة النوايا. وغابة العالم غير شجرة «جبهة النصرة» في آخر المطاف.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية وخطر المحاصصة الطائفية!

أكرم البني *

الثلاثاء ٨ يناير ٢٠١٣

الحياة

ليس غريباً أن تسمع اليوم أفكاراً تقول بطائف سوري لوقف الصراع الدامي، تشبهاً بلبنان وكدعوة لتأسيس تشارك في السلطة على أساس المحاصصة الطائفية، أو تقول بأن تشابه النظامين والتركيبتين الاجتماعيتين في سورية والعراق سيقود إلى نتائج متشابهة في إعادة بناء الدولة والسلطة، والتلميح مرة أخرى من قناة التجربة العراقية إلى مبدأ المحاصصة الطائفية.

والحال، فإن هذه الأفكار ما كانت لتأخذ حظها في الحياة لولا وجود بيئة خصبة حافزة، خلقتها صعوبة الحسم والخلاص بسبب ما وصل إليه توازن القوى الداخلي وارتباطاته الاقليمية والعالمية التي يزداد تأثيرها طرداً مع طول أمد الصراع.

وبعبارة أخرى فإن أساليب العنف السلطوي المفرط والتدميري ضد فئات محددة وتحويل الصراع معها إلى صراع وجود، وتالياً محاولات تشويه وطنية الثورة وحصرها في البعد الطائفي، يدفع النسيج البشري المتعايش منذ مئات السنين نحو العداء والتفكك، ويعزز عودة كل مكون اجتماعي إلى اصوله القومية أو الدينية أو الطائفية كي يضمن بعضاً من الحماية والوجود الآمن.

ونسأل، ألا يفضي الإمعان في العنف والتنكيل والتدمير الذي طاول مدناً ومناطق معينة إلى صعوبة التعايش السلمي بين بعض مكونات المجتمع السوري، وإلى ضرب روح التوافق والتسامح والاعتدال؟! وألا يدفع ما حصل، القاعدة الاجتماعية للسلطة، كي تفرض في أية تسوية سياسية، وجود يطمئنها في مؤسسات الدولة، وحصص واضحة في مراكز القرار؟! وأيضاً ألا يؤدي تنامي التطرف ودور تيارات لم تكن موجودة أصلاً في بنية الثورة، كالقوى السلفية الجهادية، وما ترفعه من شعارات عن الدولة الاسلامية، إلى إكراه الأقليات الأخرى كي تتكور أكثر حول نفسها وتتطلع لفرض موقعاً مناسباً لها في الدولة، استناداً إلى التجربتين اللبنانية والعراقية، وقوة تأثيرهما على الصراع السوري بفعل الجوار وجراء امتداد المكونات الطائفية والمذهبية وتماثل ارتباطاتها الخارجية.

وما زاد الطين بلة أن سورية لم تعرف سلطة سعت إلى خلق نسيج اجتماعي يكرس روح المواطنة ويتجاوز الارتباطات المتخلفة قومية كانت أم طائفية أم مذهبية، فهذه الأخيرة بقيت أساس الولاء ومحركاً لأفعال الأفراد وبعض الجماعات، والأنكى أن نظام المحاصصة الطائفية مورس سلطوياً بشكل مستتر في معظم مؤسسات الدولة وطيلة عقود من الزمن، ويعرف الكثيرون أن ثمة توزيعاً للمناصب ولمواقع المسؤولية، وعلى نحو غير معلن رسمياً، بين الادارات والحكومة والجيش وبعض الأجهزة الأمنية، يعطي كل طائفة حصة تتناسب مع تقدير النظام لوزنها أو مدى حاجته اليها، وزاد الأمر تعقيداً سلوك المعارضة السورية التي يبدو أنها لم تخرج من جلباب أساليب السلطة، وبدت محاولاتها مكشوفة حين لجأت بدورها إلى المحاصصة في اختيار الشخصيات القيادية، وبالغت في تقديم أسماء كردية أو علوية او مسيحية أو درزية كجزء من ملاك هيئاتها، لإظهار صورة عن نفسها تقنع الداخل والمجتمع الدولي بأنها، كبديل قادم، تمثل كافة اطياف المجتمع السوري.

التجربة تقول أن المحاصصة الطائفية هي شكل مرضي من أشكال الديموقراطية التوافقية لاحتواء مخاوف مكونات مجتمع تعددي، والواقع يقول إن الأقليات في سورية خائفة فعلاً، ويأتي تخوفها ليس من ماضٍ قمعي تعرضت له، بل مما تشهده بلدان أخرى من سيطرة قوى دينية على السلطة تستقوي بالأكثرية السنية وتسعى لأسلمة الدولة والمجتمع، ما يهدد ثقافة هذه الأقليات وخصوصية عيشها. صحيح أن على الأقليات إدراك أن الاستبداد لا يحمي سوى مصالحه، وأن أفضل طريق لإزالة تخوفاتها هو الانخراط الفاعل في مجرى التغيير والتأثير بنتائجه، لكن صحيح أيضاً أن على قوى الثورة في ظل تعقيدات الوضع الراهن المساهمة في تفكيك هذه التخوفات بتغليب الرؤية الوطنية والممارسات المنسجمة معها والأهم في إنضاج بديل ديموقراطي لا يكتفي بالعنوان العريض بل يخوض في تفاصيل إزالة مخلفات المرحلة الدموية ومقومات بناء الدولة المدنية وطرق إدارتها وفي الأسس الدستورية لضمان المساواة بين المواطنين وحرياتهم وحقوقهم غير المنقوصة.

ثمة من يرى أن نظام المحاصصة الطائفية هو المدخل الأقل سوءاً لوقف الانزلاق نحو حرب أهلية ولتجنب تقسيم البلاد وتفكيكها، أو على الأقل لتغيير المشهد المألوف عن استفراد إحدى الطوائف بالسلطة ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية، وثمة من يعتقد أن هذا الخيار إجباري وكنتاج طبيعي لاستبداد مديد أفرغ البلد من مدنيته وتالياً كمرحلة انتقالية في مجتمع لم ينضج ثقافياً وسياسياً بعد كي يؤسس لدولة المواطنة والمساواة، دون أن يتحسب من أن هذا النظام يقود إلى إباحة التنافس الطائفي الذي بدوره يدفع كل طائفة إلى التماس تحسين موقعها النسبي ضمن النظام ذاته وليس على حسابه، والأسوأ حين تتوسل حلفاء خارجيين أقوياء لتعزيز حضورها ومواقعها، وأنه نظام ينهي تماماً مبدأ المواطنة المنشود حين يتم تعريف كل سوري بطائفته وتفرض عليه كمرجعية سياسية واجتماعية، وحين يتسبب بقيام نظام متعدد الرؤوس أو سلطة هي أشبه بعربة تجرها عدة احصنة في اتجاهات مختلفة، كما وصفها أحد رجال الدين اللبنانيين، تضعف حضور الدولة العمومي وقدرتها على تحقيق وظائفها، من دون أن نغفل أن أحد أهم مخاطر هذا الخيار يكمن في أنه سيفتح الباب أمام صراعات وخصومات حول وزن كل طائفة وأحقية تمثيلها وحصصها في توزيع المناصب وحدود النص على ذلك في الدستور.

والحال أن المحاصصة الطائفية مرفوضة ليس فقط بدلالة عافية مجتمع المواطنة، أو بدلالة خصوصية المجتمع السوري وتاريخ تبلور هويته الجامعة ودولته الوطنية، وإنما أيضاً انطلاقاً من الثقة بإمكانية الحياة الديموقراطية واحترام التعددية والمساواة وسيادة القانون في تجاوز الآثار المدمرة التي خلفها العنف الأعمى وفي بناء التوازن المطلوب لإدارة الصراعات سلمياً بين كافة مكونات المجتمع السوري وقواه المدنية والسياسية، حتى لو طالت هذه المرحلة واكتنفتها بعض الصعوبات والعقبات.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الثورة السورية بين الحسم السياسي أو العسكري

ماجد كيالي *

الثلاثاء ٨ يناير ٢٠١٣

الحياة

لا يوجد في سورية حلّ على الطريقة المصرية والتونسية ولا الليبية أو اليمنية، لاختلاف طبيعة السلطة وتركيبة المجتمع وحجم المداخلات الخارجية، وأيضاً، لأن السلطة في سورية انتهجت الحل العسكري منذ البداية، على قاعدة «الأسد أو نحرق البلد»، أي أنها باتت بمثابة سلطة احتلال، بدليل إمعانها في التدمير والتقتيل في سورية والسوريين. على ذلك فإن مجمل «المبادرات» السياسية التي طرحها هذا النظام كانت مجرد خدعة كبيرة، لأن البلد عنده بمثابة «عزبة» خاصة يتم توارثها من الآباء إلى الأبناء، في مطابقة للشعار المشين: «سوريا الأسد إلى الأبد».

هذا يفسّر استعداد النظام للمساومة على كل شيء، عدا احتكاره للسلطة، فهو مستعد للمساومة على رئاسة الحكومة وتشكيلتها وعلى انتخابات مجلس الشعب وحرية الإعلام، وغير ذلك، وهذا معنى الحوار تحت «سقف الوطن» أو تحت «سقف الأسد» بتعبير أدق!

والحال فإن النظام في سورية، منذ 42 عاماً، هو مجرد طغمة حاكمة أو عصابة (بحسب تعبير معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري)، فلا الحكومة تحكم ولا مجلس الشعب يشرّع، وهي طغمة تغولت على الدولة والمجتمع، وهي التي ينبغي التخلص منها إلى الأبد، مع أجهزتها الأمنية، لعبور مجال التغيير السياسي في هذا البلد.

حقاً، لقد انتهى نظام الأسد، ليس من اليوم، ولا مع تحول الثورة إلى التغيير بالسلاح، وإنما منذ اندلاع الثورة، مع تشليع أظافر أطفال درعا، ومنذ إطلاق الرصاص على المتظاهرين السلميين في درعا ودوما وبرزة والميدان، قبل قرابة عامين.

مع ذلك فإن أي حرب هي امتداد للسياسة، والثورة كأي ثورة قد تضطر، في إطار صراعها، من أجل تغيير الواقع القائم، إلى خوض تسويات معينة، في سبيل تقليل الأكلاف والمخاطر، لا سيما إذا كانت قواها ليست على الدرجة التي تمكّنها من تحقيق الغلبة بأكلاف معقولة ومحمولة.

مجدّداً، لا أقل من إسقاط النظام، الذي لا شرعية له، لكن مشكلة الثورة السورية أنها لم تستطع إنجاز ذلك بعد 22 شهراً على اندلاعها، و 60 ألف شهيد، وأضعافهم من الجرحى، وثلاثة ملايين لاجئ ونازح، وكل هذا الخراب في البيوت والممتلكات والعمران، على رغم تصميم السوريين وتضحياتهم ومعاناتهم وشجاعتهم المدهشة، التي جعلت من ثورتهم الأبهظ كلفة بين مجمل ثورات الربيع العربي، وغير العربي.

ثمة مشكلات وتعقيدات كبيرة لهذه الثورة، وكلما استمرت كلما ازدادت، وهذا طبيعي، ويمكن تفهمه، وخصوصاً لكون سورية بلداً مفتاحياً، يؤثر في جوارها، وما بعد جوارها. وهنا إسرائيل أيضاً، التي يحرص الغرب على ضمان أمنها.

في الداخل ثمة واقع اجتماعي جد صعب، ومعقد، فثمة جماعات سورية لم تنخرط تماماً في الثورة، ليس حباً بالنظام، وإنما لعدم يقينها من المستقبل، وهو واقع ينبغي إدراكه بطريقة صحيحة والتعامل مع متطلباته. أيضاً، ثمة إجهاد واستنزاف لمجتمع الثورة، ذلك أن المناطق الحاضنة تعرضت لتدمير منهجي، ووحشي، ما يصعّب على الثورة، ويزيد أعباءها، لا سيما مع تفتّت البيئات المجتمعية المساندة، وتشرد أبنائها، وافتقادهم لقمة العيش. هذا ليس بالشيء الهيّن، لأنه ينعكس على فعاليات الثورة، بتآكل طابعها المدني/الشعبي، وهذه ليست حالة صحية، فضعف مجتمع الثورة يضعف الثورة ذاتها، حتى لو امتلكت أسلحة، ما ينبغي ملاحظته، لا سيما أن من مهمات القيادة التقليل من المخاطر وإدارة الموارد بأفضل ما يمكن، والوصول إلى الهدف بأقل أكلاف ممكنة.

أما بالنسبة إلى الوضع الدولي، فمن الواضح أن الثورة بحاجة ماسة لمساعدات خارجية، للتسهيلات اللوجستية، وللسلاح، والدعم المالي، لكن الدول لا تشتغل كجمعيات خيرية ولا بعقلية مبدئية أو أيديولوجية، ولا بالعواطف، وإنما تشتغل بعقليات براغماتية وسياسية ومصلحية، وبديهي أن أي دعم يقدم للثورة إنما يبتغي إخضاعها إلى ارتهانات وتوظيفات وتوجيهات معينة، ما يفرض على الثورة تنظيم تصريفها لطاقتها، وتعزيز الاعتماد على مواردها، والموازنة بين حاجاتها ومبادئها، وبين إمكانياتها وأشكال عملها.

لكن ذلك لا يفترض التراجع عن المضي بهدف إسقاط النظام، الذي هو «الصحّ الوحيد» في حياة السوريين، على ما يقول ياسين الحاج صالح محقّاً، وإنما يعني التعامل مع هذا الوضع المعقد بعقلية سياسية، لا بعقلية أيديولوجية تطهرية وشعاراتية، فالصراع لا بد أن يفضي إلى حلول سياسية، وبقدر ما أن مهمة القيادة المسؤولة التأكد بأن لا تعيق هذه الحلول إنجاز الهدف المتوخّى، بل أن تشكّل طريقاً محتوماً إليه، فإن مهمتها أن لا تجد نفسها فجأة في واقع يفرض عليها القبول بأي شيء.

الحقيقة أن هذا الوضع كانت رصدته بصورة أعمق مواد سابقة نشرتها هذه الصحيفة، لا سيما للزملاء ياسين الحاج صالح (9/12) وجاد الكريم الجباعي (31/12) وعصام الخفاجي (1/1) وعبد الوهاب بدرخان (3/1) وراغدة درغام (4/1).

هذا يفيد بأن الثورة السورية أحوج ما تكون إلى طرح مبادرة سياسية، أو «خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية، لتوضيح ذاتها إزاء الأطراف المكونة لها، وإزاء مجتمعها، بمختلف أطيافه وتلاوينه، وإزاء العالم، الذي تنشد دعمه، هذا من دون صلة بخطة الإبراهيمي أو غيرها، هذا له علاقة بالثورة ومصالحها وطريقة إدارتها لأحوالها.

الآن، ثمة في مجال التداول في شأن سورية مشروعان، أولهما يتأسس على تسوية مع بقاء النظام، وثانيهما يتأسس على تسوية من دون النظام. المشروع الأول، تطرحه كل من إيران وروسيا، وهو مناسب للنظام، لأنه يطيل عمره، لكن مشكلته أن الزمن تجاوزه، بالنسبة إلى غالبية السوريين، أي حتى للجماعات الصامتة والمترددة، كما بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الوضع السوري.

أما المشروع الثاني، الذي يقوم على مرحلة انتقالية من دون الأسد وطغمته الحاكمة، فتقف وراءه قوى دولية وإقليمية، وهي تنضجه على مهل، في مراهنة على وهن النظام، وإمكان تراجع روسيا عن عنادها في شأن إبقاء موطن قدم للأسد في هذه التسوية. هذا مشروع موجود، وتحدث عنه الإبراهيمي بعبارات ديبلوماسية غامضة ضمنها قوله أن «السوريين يفضلون نظاماً برلمانياً على نظام رئاسي»، وأكد عليه وزراء خارجية كل من فرنسا ومصر، والناطقة بلسان الخارجية الأميركية، الذين تكلموا صراحة، في الأيام الماضية، عن أن لا مكان للأسد في المرحلة الانتقالية، وأن على الأسد أن يتنحّى.

هذا مشروع ربما يشكّل فرصة مواتية للثورة السورية للبناء عليه، وتكريس فكرة إسقاط النظام، مع أدواته الأمنية. أما نهج الرفض المسبق والمطلق لأي حل، حتى ولو كان يتقاطع مع إسقاط النظام، لصالح التشبّث بالحل العسكري وحده، فهذا قد يضعف الثورة، ويتركها لمصيرها، ويزيد أكلافها، ويصعّب من طريقها، لا سيما بعد أن باتت ثورة مسلحة وتحتاج إلى الكثير، القليل منه لا يتوفّر.

القصد أن الثورة السورية معنية بأخذ زمام المبادرة، بطرح «خطة الطريق» خاصتها للمرحلة الانتقالية، وملاقاة أي تصور سياسي يتأسّس على الانتهاء من النظام، وربما أن هذه الثورة معنية، فوق ذلك، بالمبادرة إلى تشكيل حكومة انتقالية موقتة، تكون أكثر تمثيلاً لمجمل مكونات الشعب السوري. الخطة والحكومة باتتا بمثابة ضرورة لترشيد إدارة الثورة لأحوالها ولمجتمعها، بعد عامين تقريباً على انطلاقها، ومع وجود مناطق محررة واسعة، تحتاج إلى مجالس محلية، فالدول تدار بالحكومات وليس بالائتلافات السياسية، والحكومات تعترف بحكومات لا بجماعات سياسية أو عسكرية.

لم يعد يكفي الثورة، وائتلافها الوطني، التوافق على وثائق في هذا الاجتماع أو ذاك، فقد تزعزعت هذه الإجماعات في بيان لجماعات مسلحة في حلب دعت إلى دولة دينية، وفي هيمنة لون سياسي على «المجلس الوطني» وبعده على الائتلاف. هذه أمور مضرّة بالثورة وبمسارها وبالإجماعات من حولها، ما يستدعي الانتقال إلى حالة حكومة وطنية انتقالية. هذا يسهل إدارة الثورة لأوضاعها ويسهّل على الآخرين التعامل معها، بعيداً عن العقليات الضيقة والحزبية، والتي لا تأخذ طابع سورية، وواقع التنوع والتعددية فيها.

فضلاً عن ذلك فإن السوريين معنيون بتوضيح الطابع الديموقراطي والمدني لثورتهم، لا تصدير جماعة مثل «جبهة النصرة». والأهم أن الشعب السوري بمختلف أطيافه بحاجة إلى ذلك، أي إلى نوع من يقين بشأن المستقبل، هذا ينطبق على «طائفة» الصامتين و «طائفة» المترددين و «طائفة» الخائفين. هؤلاء ينبغي أن تستقطبهم سورية المستقبل، وأن تتشكّل التسوية معهم في عقد اجتماعي جديد.

طبعاً ثمة من يعتقد عدم جواز عقد أي تسوية، وأنه ينبغي المضي بالثورة المسلحة إلى نهاياتها، لكنس نظام الأسد نهائياً، ومحاكمته هو وأتباعه، أو قتله كما القذافي، لكن هذا يتطلب شروطاً كثيرة، أغلبها غير متوافر، فضلاً عن أن تأمين هذه الشروط والمستلزمات (لا سيما ما تعلق بالسلاح والمال وحرية الحركة) يفرض شروطاً على الثورة ذاتها، ضمنها الارتهان لدول إقليمية وغربية.

عموماً، في السياسة والصراعات السياسية لا يجوز القول برفض الحلول السياسية بشكل مطلق ومسبق، كما لا ينبغي إعطاء هذا النظام الخسيس فرصة لمزيد من التقتيل والتدمير بحق سورية والسوريين، فشعار العار: «سورية الأسد إلى الأبد»، انتهى إلى غير رجعة، وهذا النظام ساقط. المهم أن لا يسقط وأن لا يتكسّر على رؤوس السوريين.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

إيران في مواجهة عجزها!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

8-1-2013

ليس هناك ما هو أصعب على المتبجحين الدائمين بالقوة وسياساتها من السقوط في هاوية العجز، خاصة إن كان مفضوحا، ونجم عن تحد مباشر ولا يحتمل اللبس أو الخطأ.

لعلنا نذكر أن المتبجح الأكبر في منطقتنا كان دوما النظام السوري، الذي كان كتبته وكذبته يعتبرونه «رقما صعبا» لا يخشى شيئا، ولا يخاف التحديات، ولا يعرف المصاعب أو يقر بوجودها، ويزعمون أنه تجاوز دوما ما كان يؤذن بنهايته، وأنه طوع خصومه ولوى أذرع الكبار والصغار؛ القريبين والبعيدين، وتخطى المؤامرات وأنهاها لصالحه في كل مرة تعرض لها. هذا الرقم الصعب قلب - على حد تعبير واحد من كبار منافقيه الإعلاميين - المعادلات والحقائق الجيولوجية (يقصد الجيوبوليتيكية) في المنطقة، وهزم كل قوة واجهته أو واجهها، واخترق المحرمات وعمل وفق قواعد خاصة طورها هو لا تأبه لأحد مهما كان جبارا وعاتيا، ولا تعتد بعرف أو قانون غير قوانينه وأعرافه الخاصة.

لكن المتبجح السوري تحول فجأة إلى ملاك بالمقارنة مع المتبجح الإيراني، الذي بز كل من عرفه التاريخ، باستثناء عتاة مجرميه من أمثال هتلر وأضرابه، في كسب معارك وهمية صنعها خياله، ومن يتابع تبجح قيادته العسكرية، سيظن بكل تأكيد أنهم أغرقوا جميع السفن والأساطيل الأميركية في العالم بطوله وعرضه، وأسقطوا طائرات اليانكي في أقطار الأرض، واقتحموا أسوار القدس وحرروها، وأبادوا الصهاينة عن بكرة أبيهم أو أخذوهم مكبلين بالسلاسل إلى بلاد فارس، وسيظن أنهم يملكون أحدث تكنولوجيا في العالم، فهم طوروا أسرع صاروخ بحري في التاريخ، وصنعوا طائرات لا يمكن لأي رادار كشفها، ومدافع لها من القوة والدقة ما تعجز عن مقاومته أعتى التحصينات والخنادق وأقوى الجيوش و.. و.. إلخ.

والمدهش أن تحدي المتبجح السوري أتاه من حيث لم يكن أحد يحتسب: من شعبه المستضعف والمثقل بأعباء الاستبداد والإفقار والإذلال والهزائم السياسية والوطنية والاحتلال الأجنبي، الذي كان النظام يخال أنه فقد الحياة واختفى من الوجود، ويتحدث عنه بازدراء كشعب من الماضي أو غائب عن الوعي، ثم نهض فجأة وشرع يتحداه وينازله في كل شبر من أرض وطنه، سلميا ومدنيا أول الأمر، ثم بالمقاومة متعددة الأشكال، خاصة منها المسلحة، عندما تواصل العنف الرسمي ضده، فإذا بالنظام المتبجح يظهر عجزا يتناقض أشد التناقض مع ما دأب على نشره من مبالغات حول نفسه، إلى أن بلغ الأمر حدا بان معه تهاوي قواه وتهافت ما أعده طيلة أربعين عاما ونيف لسحق شعبه، وإذا بالأمر ينكشف على حقيقته، والشعب العائد إلى الوعي لا يخاف شيئا ويقدم ما تتطلبه استعادة كرامته من تضحيات، ويصمم أكثر فأكثر على مواجهه الموت بشجاعة الأمل وروح الحرية، التي تمنعه من العودة إلى الوراء أو الالتفات إلى الخلف، وتقرب السلطة من انهيار يبدو وشيكا، رغم أن المتبجحين كانوا يتوهمون أن شعبهم لن يصمد أمام نفخة قوة يطلقونها عليه، وأنه سيسارع إلى بيت الطاعة نادما تائبا.

في هذه الأثناء، بدأ قادة حلفاء النظام من قادة طهران يغطون عجزهم بدورهم عبر تصريحات تهويلية تضخم قدرتهم على تحدي المخاطر السورية، وتوهم من لا يعرفهم أنهم أمام انتصار وشيك، وأن لدى جنرالاتهم الخطط الضرورية للحسم. هذا ما قاله الجنرال قاسم سليماني، الذي أتى إلى دمشق وهو في قمة التبجح، ويقول من شاهدوه بعد شهر من وصوله إليها إنه بدا منهارا تماما، وإن قادته العسكريين لم يجدوا ما يرفعون به معنوياته غير الحديث عن حرب عالمية ستنشب في المنطقة.. اختاروا لها مناسبة مضحكة هي نشر أربع بطاريات صواريخ «باتريوت» أطلسية على الحدود التركية مع سوريا، كأنهم أرادوا الإيحاء بأنهم لا يخافون حربا كهذه، بل يرحبون بها، وكأن من يجب أن يخشاها هو الطرف الآخر، الذي يعرف ما يملكون من قوى ولديه قوة أكبر من إمكاناتهم بما لا يقاس. لقد تحدث هؤلاء مثلما فعل ذلك الخائف الذي وجد نفسه يمشي وحيدا في ليل دامس، فأخذ يغني كي يستجير بصوته ويقنع نفسه بأنه ليس خائفا، أو كما فعل ذلك المسؤول الذي يتوهم أن شعبه سيسير وراءه مهما فعل به، إن هو أدخل الخوف إلى قلبه من عدوه، مثلما فعل النظام السوري خلال قرابة نصف قرن استخدم خلاله تبجحه ضد العدو الذي هزمه بدفشة عام 1967 لأغراض داخلية صرفة، مع أنه لم يفعل شيئا منذ أربعين عاما ونيف لتحرير أرضه من المحتل الإسرائيلي، ورغم أن أعدادا هائلة من السوريات والسوريين أمضوا أعمارهم في السجون بحجة معركة وهمية يخوضها ضد الصهاينة، فإن لعبته لم تمر على مواطنيه ولم تحل دون قيامهم بالثورة في نهاية الأمر.

يلعب القادة الإيرانيون اللعبة نفسها، لكنهم سيكتشفون، متى وقعت الواقعة، أن شعبهم لن يسير وراءهم لمجرد أنهم يخوفونه من عدو يبالغون حتى الافتعال في خوض معارك كلامية ضده، متوهمين أنهم يقنعون مواطنيهم بالسير كالأعمى وراءهم، بينما يرى هؤلاء فيهم عدوهم الرئيسي، مثلما أكدت مظاهراته بعد انتخاب نجاد رئيسا بالتزوير لجمهورية بين أكاذيبها ادعاؤها بأنها إسلامية.

تصرخ إيران بصوت مجلجل كي تستر ضعفها وعجزها عن شعبها الذي يراقب اليوم ما يجري في بلادنا باهتمام، وتغطي هزيمتها في سوريا: الدولة العربية الوحيدة التي نجحت في اختراقها واحتلال جزء من قرارها، وسيكون من المصائب الجسام خروجها مهزومة منها، بعد كل ما وظفته من مال وجهد في نظامها، وقامت به من أعمال حربية ضد شعبها. تصرخ طهران اليوم من الألم الذي ستعاني منه غدا؛ بعد ضياع موقعها السوري، واضطرارها للانكفاء وراء حدودها، عقب عقود من توسع خارجي ينتهي في أيامنا إلى كارثة لا قدرة لها على درئها.

هل ستخرج السلطة الإيرانية من مأزقها السوري بالجعجعة والصراخ؟ أليس تفكير قادتها بأن هذا ممكن أقصى ما يمكن تخيله من عجز ينزل بدولة؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

خطاب الوداع!!

يوسف الكويليت

الرياض

7-1-2013

الأسد خطب كعادته بمطولاته التي اعتادها، لكن ملامحه بدت غائرة، وليست بلاغة الصياغة والصوت الجهوري هما الحل وربما يكون خطاب الوداع ؛ لأن الرجل كابر لا بأوصافه ولا بطروحاته حيث أظهر نفسه بأنه المنتصر، وقبله من قال إنه فهم شعبه، وآخر نفى التوريث، وثالث شبههم بالجرذان وأُخرج من ماسورة صرف صحي، الأسد لم يستطع أن يكون واقعياً ليعترف بأنه سبب الأزمة وفي زواله حلها، وطبعاً هناك ما يوحي بأنه ذاهب إلى آخر نقطة حتى ولو حلت الكارثة عليه وعلى عائلته..

الحلول لم تعد تُصنع من الخارج لأن من يؤيدون الأسد هم متلازمون معه بالوجود، ولذلك لا تراجع عندهم سواء روسيا أو الصين أو إيران، بالمقابل من يدعمون المعارضة والجيش الحر ماضون إلى آخر نقطة.. وعملية مَن يحاور مَن ليست أكثر من سعي الأسد لأن يكون مصدر السلطات لتدور عمليات المصالحة والحوار والخيارات كلها من سلطته دون غيرها وهذا تجديف سياسي في سراب..

الثوار مجرمون، قطّاع طرق، مستورَدون من الخارج، لكن من وصلوا إلى عمق حلب ودمشق وحماة وغيرها لم يكونوا نبتاً شاذاً، لقد خرجوا على ظلم الأسرة والطائفة، وقبلوا التضحيات وهي ثورة بمقاسات الثورات التاريخية، فقد بدأت سلمية لكن الأسد قابلها بدباباته وهنا أخذت المسارات اتجاهاً آخر حيث إن تضامن الشعب مع نواة الجيش الحر والمعارضة هو الإضافة لأن تتوحد الفصائل بمختلف اتجاهاتها ومذاهبها لإسقاط النظام وهو خيار يريد الأسد التهوين منه ونفيه، بينما يناقض نفسه بطلب إلقاء السلاح ووقف الدعم للمقاتلين، أو الإرهابيين، على حد وصفه، في وقت لم يبق معه من جيشه الذي يريد رفع معنوياته إلا أقليته الطائفية وبعض المحاسيب من مرتزقته..

كل الطغاة يوهمون أنفسهم بالانتصار والأسد الابن الذي قُتل داخل مراكز حمايته أهم أركان سلطته السرية، ثم الوصول إلى مواقع حساسة في حرمه لابد أن من قام بذلك قوة تملك كيف تتحرك داخل مفاصل النظام، وتذرّعه بأنه قوي وأن الشعب السوري معه، لا يوهم إلا نفسه، ولو كان حكيماً وموضوعياً وأراد أن ينقذ نظامه، لاعترف بالواقع وتحرك على ضوئه، ولعل مؤيديه الذين أشاد بهم واتكأ على دعمهم لا يذهبون باستراتيجياتهم للرهان على شخص النظام وحده، وما يدور بالكواليس بين القوى العظمى رهان يختص بمصالحهم، والأسد جزء من لعبة تدار في ميدان سياسي كلّ يرسم حدود منفعته سواء أكانت روسيا والصين، أم أمريكا وأوروبا، وقد أُسقط غيره بفعل تلاقي الأهداف..

المعارضة وجيشها ماضون إلى النهاية والاعتراف بالائتلاف السوري من قبل دول العالم لم يأت لمجرد رؤية غير تحليلية، فالكل يرى بالبديل عن النظام هو من سيحل محله، وتقديرات تلك الدول تُبنى على قراءة ما يجري، لا استنتاجات خارج الواقع، وميدان المعارك الراهنة يتجه إلى التغيير القسري الذي لا يريد الأسد تصوره، ولذلك حشد أنصاره لسماع بلاغة خطابه، لكن الأمور لا تحل بمن يصفقون، وإنما بمن يحملون السلاح ويقفون على مشارف المدن لتحريرها من قسوة الدكتاتور ونظامه..

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المستحيل في سورية مستحيل في العراق؟

جورج سمعان

الإثنين ٧ يناير ٢٠١٣

الحياة

بعد ظهور عزة ابراهيم الدوري، نائب الرئيس صدام حسين، مجدداً في الساحة، لم يبق أمام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سوى انتظار «زرقاوي» جديد ليعيد بعث «تنظيم دولة العراق الإسلامية». أو انتظار إعلان توحيد صفوف الجهاديين في كل من العراق وسورية. هكذا يكتمل الطوق حول زعيم «دولة القانون» الذي «برع» في استنهاض كل خصومه دفعة واحدة، في الداخل والخارج: تركيا التي يتهمه رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان بأن حكومته «تتصرف كحكومة شيعية طائفية»، داعياً إلى حكومة «ديموقراطية عادلة». دول الخليج التي لم تهضم إلى اليوم هذا التحول الذي طرأ على «شرعية» السلطة والحكم في بغداد لا تروقها مواقفه حيال الطائفة السنية، وانضواءه تحت عباءة إيران، وخطوطه المفتوحة مع النظام في دمشق. ومصر «الإخوان» التي ترى إلى دورها اليوم راعياً لأهل السنة في العالم العربي بالطبع ستجد نفسها إلى جانب أهل الأنبار وبقية المحافظات المتضامنة معها.

أما في الداخل فالمالكي يعرف أن صراعه مع كردستان مفتوح، وإن تدخلت واشنطن وطهران لكبح انفلات الوضع موقتاً. كما أن الرئيس جلال طالباني القابع في المستشفى قد لا يكون قادراً على تشكيل صمام أمان بينه وبين رئيس الإقليم الكردي مسعود بارزاني، ثم بينه وبين القوى السنية التي لم يكتف بنفي أحد رموزها نائب الرئيس طارق الهاشمي حتى فتح معركة مع أحد أبرز أقطابها وزير المال رافع العيساوي. والأخطر من كل ذلك أن يغيب عن بال زعيم «دولة القانون» ما لم يغب عن بال شركائه - خصومه في الوقت عينه - في الإئتلاف الشيعي الحاكم، وهو أن ما يجري في سورية سيجد له صدى عميقاً في العراق. لذلك بادر هؤلاء الشركاء وعلى رأسهم مقتدى الصدر وعمار الحكيم إلى التضامن مع أهل الأنبار ومطالبهم، خشية أن تتمدد الثورة السورية إلى المحافظات العراقية تحت شعار «الظلم» اللاحق بأهل السنة. مثـــلما بــادرت قيـــادات سنـــية إلى حـــمل لواء التحرك لمنع انزلاقه إلى ما كان علـــيه الوضع منتصف العقد الماضي فيعلو صوت «القاعدة» والمتطرفين ويسقط العراق في حرب مذهبية جديدة.

يستطيع المالكي الذي تجاوز أزمات داخلية في السابق ولم يلتفت إلى اعتراض شركائه قبل خصومه أن يستند هذه المرة أيضاً إلى تشتت معارضيه في الداخل. فلا القوى السنية يجمعها صوت واحد وإن تلاقت على مطالب واحدة أبرزها إعادة التوازن في مؤسسات الدولة، خصوصاً العسكرية والأمنية والقضائية. وفي حساباته أيضاً تعذر قيام تحالف حقيقي بين السنة العرب والكرد قادر على تهديد الحكم في بغداد. إذ ثمة قناعة في صفوف الكرد بأن التحالف مع الشيعة ضمان لأمن كردستان واستقرارها. أي أن ضعف الحكومة المركزية وحاجة الإئتلاف الشيعي إلى التفاهم مع كردستان كفيلان بعدم تكرار المآسي التي عانى منها الإقليم على مر السنين في ظل حكومات مركزية قوية وطاغية. كما أن الصراع على الحكم في بغداد سيعزز فكرة الفيديراليات الطائفية في العراق... ليس على طريق تعزيز وحدة البلاد وإنما تمهيداً لاستقلال هذه الأقاليم. ولا حاجة إلى التذكير بمطالبة محافظات سنية وشيعية بتعميم نموذج كردستان.

لم يكن على ائتلاف «دولة القانون» أن يفاجأ برفع المتظاهرين أعلاماً لـ «الجيش السوري الحر» وشعارات معادية لإيران. كان عليه بدل التهويل والتهديد، أن يستمع إلى القوى الشيعية الأخرى وحرصها على عدم المجازفة بربط تحرك محافظات الأنبار والموصل وصلاح الدين ونينوى بالثورة السورية. وعليه ألا يتوقع هذه المرة أن تمارس طهران ضغوطاً على هذه القوى كما فعلت حين أرغمتها على قبول اختيار المالكي لرئاسة الوزارة بعد انتخابات 2010. فالجمهورية الإسلامية تساورها مخاوف من اندلاع «ربيع عراقي» ترفده الثورة السورية ويرفدها. فتزيد متاعبها ومتاعب بغداد. خصوصاً أن قطع الطرق الدولية في المحافظات السنية يؤدي إلى خنق نظام الرئيس بشار الأسد. ويضاعف متاعب التواصل الميداني لطهران بكل من بغداد وبيروت.

استعجلت حكومة «دولة القانون» تطبيق سياسة «التمكين»، بالاستحواذ على المواقع والمناصب، على مفاصل القوة العسكرية والمالية. من دون أن تلتفت إلى تدهور الخدمات وانفلات الأمن واستشراء الفساد. ومن دون أن تعير اهتماماً لطوق العداء العربي المحيط عندما أمعنت في سياسة الاقصاء والعزل لقيادات سنية، تارة بذريعة تطبيق قانون مكافحة الإرهاب، وطوراً تنفيذاً لقانون «المساءلة والعدالة» (اجتثاث البعث). بل لعلها بالغت في الاطمئنان عندما أخمدت بداية تحركات وتظاهرات في بغداد استلهمت رياح «الربيع العربي» الذي هب من تونس ومصر وليبيا. لكن المشهد العراقي اختلف اليوم تماماً، بعد وصول العاصفة إلى قلب دمشق.

لعل أولى مهمات حكومة المالكي اليوم أن تعيد النظر في سياستها في ضوء ما يجري على حدودها الغربية، من أجل التخفيف من الآثار السلبية على استقرار العراق ووحدته. لم يعد مضموناً انصياع السنة وسكوتهم على التغييرات التي تشهدها مفاصل الحكم ومؤسساته في بغداد. إن احتمالات التغيير في سورية ستدفع أبناء المحافظات المعترضة اليوم إلى رفع صوت الاعتراض والتحرك في وجه ما يعتبرونه «استئثاراً شيعياً». وسيكون مثل هذا التطور زيتاً لتسعير الصراع المذهبي المكبوت اليوم في الإقليم كله. تماماً كما هي حال أهل السنة في لبنان الذين سيجدون في سقوط دمشق مثلاً دافعاً للتحرك من أجل استعادة ما يعدونه «استئثاراً لحزب الله» بمفاصل الحكم والدولة في بيروت.

ما لم تستعجل حكومة المالكي لملمة الوضع في العراق سيستحيل عليها فك الارتباط بين ما يحدث في المحافظات السنية وما يجري في سورية حيث لا يبدو في الأفق أمل بحل سياسي. فالتحركات الديبلوماسية من أجل التوافق في مجلس الأمن على مثل هذا الحل يرجح ألا تثمر. فالمسألة ليست رهناً بتفاهم روسي – أميركي فحسب. هناك لاعبون آخرون في المنطقة، من إيران إلى تركيا إلى دول عربية ناشطة. ولا يمكن تمرير تسوية أو صفقة من دون إشراك هؤلاء اللاعبين. ما يعني أن إنضاج الحل سيتطلب وقتاً.

كما أن لا شيء يضمن انصياع طرفي الصراع في سورية ورضـــــوخهما للضغوط. فالنظام الذي يزج بكل قواه في أرض المعركة وقد لا يتورع عن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً لا يزال مقتنعاً بقدرته على حسم المعارك لمصلحته، أو على الأقل يؤمن بقدرته على الصمود ما دامت المؤسسة العسكرية أو قواتها المقاتلة تلتف حوله، وما دام تلويحه بإشعـــال المنطقة يجد صداه في دول الجوار. وهو لا يزال يؤمن بإمكان تمرير الحل الذي بعث به إلى موسكو. وجاء الخطاب الأخير للأسد ليقفل الباب أمام أي حل قد تسعى إليه موسكو قبل غيرها.

ومثله المعارضة لا تجد أي مصلحة في تسوية بعد سنتين من التضحيات، إذا كانت تشعر بأنها تقترب من تحقيق نصر مدو في العاصمة يقصم ظهر النظام. إضافة إلى أن القوى الأساسية التي تبسط سيطرتها في شمال سورية مجموعات متشددة وضعتها الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب، فلماذا ستعتبر نفسها معنية بأي تسوية؟ حتى ائتلاف المعارضة التي سعت واشنطن إلى تكوينه اعترض على تصنيف «جماعة النصرة» جماعة إرهابية بالمقياس الأميركي، ولم يجد مناصاً من الدفاع عنها وعما تقوم به على الأرض... رغم رفضها قيام الإئتلاف نفسه.

هل يحتمل العراق أن يعيش على وقع الأزمة السورية ويربط مستقبله بمصير جاره، كما هي حال لبنان؟ كان العراق وسورية جزءاً أساسياً من النظام العربي. كانا الجبهة الشرقية أو البوابة الشرقية لهذا النظام. فهل ينساق العراق المهدد بوحدته نحو مزيد من الفوضى في ظل التجاذب أو الصراع المذهبي والعرقي، في انتظار أن يؤدي التقاعس الدولي عن حل أزمة سورية إلى تفتيت هذا البلد ودفعه نحو خيار التقسيم وجر جيرانه إلى هذا الخيار، أو إلى صفقة تعيد رسم نظام جديد بأيدي الكبار في الإقليم وخارجه... خارج إرادة أهل الشام؟ هل الحل السياسي الغائب أو المستحيل في سورية مستحيل أيضاً في العراق؟ هل تعجز المكونات العراقية التي خبرت قساوة الحرب الأهلية وقبلها بطش الديكتاتورية عاجزة عن إيجاد تسوية تفك ارتباطها بالحرب السورية وأطرافها الداخليين والخارجيين، أم أنها تكتفي بتبادل الاتهامات على طريقة اللبنانيين فتتقدم معهم وبكامل وعيها نحو السقوط في الجحيم السوري؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الأسد في الأوبرا!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

7-1-2013

على مدى قرابة ساعة كاملة تحدث بشار الأسد في دار الأوبرا السورية بدمشق، فقدم خطابا نشازا مليئا بالغرور والغطرسة، وأظهر أنه رجل مفصول عن الواقع، ولا يمكن توقع الوصول معه إلى تسوية، أو اتفاق، حتى وإن كان الأسد نفسه بات مقتنعا بأن الأمور في سوريا لا تسير لمصلحته.

خطاب الأسد كان خطاب غرور، وردا مباشرا على الروس، وغيرهم، بأن لا تسوية، وأنه لو كان هناك من تسوية فإن الأسد هو من يضع بنودها، وشروطها، ويشرف عليها، فالأسد كمن قال للروس: اذهبوا للجحيم، وإن كان الأسد نفسه مدركا، وحسب ما قال في خطابه، أن الأوضاع في سوريا لم تعد تسير وفق مصلحته، خصوصا عندما قال: «نلتقي اليوم والمعاناة تعم أرض سوريا، ولا تبقي مكانا للفرح في أي زاوية من زوايا الوطن؛ فالأمن والأمان غابا عن شوارع البلاد وأزقتها». وهذا هو الكلام الصحيح الوحيد في خطابه، لكن ذلك لا يعني أنه سيتعلم من تجارب غيره، بل إن ذلك يعني أن الأسد سيقوم بمزيد من الجرائم. فما طرحه الأسد من مبادرة ليس إلا لعبة واضحة، وهو ما تنبه له كل من وزيري خارجية بريطانيا وتركيا، وكذلك الاتحاد الأوروبي، الذين سارعوا إلى مطالبته بالتنحي ووصف خطابه بالرياء، وهو كذلك وأكثر.

الأسد كان يحاول إقناع من تبقى من أنصاره بأن ما يحدث في سوريا هو عمل إرهابيين، وإسلاميين يريدون العودة بسوريا إلى القرون الوسطى، والحقيقة أن كل من زار سوريا في السنوات الأخيرة يعي ويعلم أن سوريا تحت ظل الأب والابن تعيش في قرون التخلف، وأبعد ما تكون عن دولة مدنية متحضرة، بل هي دولة بوليسية متخلفة قائمة على تأمين حكم الأسد لا أكثر ولا أقل. ولذا فإن كل ما طرحه الأسد ليس إلا لعبة جديدة قديمة من ألعابه التي استخدمها في لبنان والعراق، وسوريا نفسها طوال فترة حكمه، وطوال الثورة السورية.

ما قاله الأسد يظهر أن لا أمل في الوصول لاتفاق سلمي معه، وهو غير قادر أساسا على استيعاب خطورة ما يدور حوله، فالأسد في خطابه الأخير كان مثل القذافي، لكن دون خفة ظل، ومع غرور واضح، ومحاولة مستميتة للتذاكي على الجميع، بمن فيهم من دعموه مثل روسيا، التي لا شك أن الأسد قد أحرجها في خطابه الأخير.

اليوم، وبعد خطاب الأسد، فإنه لا مناص من العودة إلى طرح ضرورة التدخل الخارجي، وبطرق مختلفة، أبسطها التحرك الآن لدعم الثوار بالسلاح النوعي، وتحديدا الأسلحة القادرة على تعطيل طائرات طاغية دمشق، فمن شأن ذلك أن يعجِّل باقتراب نهاية الأسد، خصوصا أن الثوار يحاصرونه من كل مكان، لكن تبقى الطائرات الحربية هي العامل الفارق، ودعم الثوار بالأسلحة النوعية من شأنه أن يمكنهم من فرض سيطرتهم على المطارات العسكرية، وتطهير سماء سوريا من طائرات الطاغية.

خطاب الأسد في الأوبرا كان نشازا، لكنه بمثابة رسالة للمجتمع الدولي أنه آن الأوان للتدخل في سوريا الآن، فلا أمل في الوصول إلى حل سلمي مع هذا الطاغية بأي حال من الأحوال.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بشار يخاطب عصابته الدولية

حمد الماجد

الشرق الاوسط

7-1-2013

الإيجابية الوحيدة في خطاب الرئيس بشار الأسد أمس (الأحد) أنه تحاشى هذه المرة «تريقاته» البليدة، ولم يوزع على الحضور بعض التعليقات الساخرة السامجة كعادته في الخطابات التي ألقاها مع اندلاع الثورة إثباتا للثقة في النفس، فاليوم مختلف لأن «اليوم خمر وغدا أمر»، فالثوار يحيطون بدمشق إحاطة السوار بالمعصم، والمطارات صارت في مرمى الثوار السوريين، وثورتهم في تنام مطرد وحكمه في انحدار واضح.

بشار يدرك قبل غيره أن نظامه الديكتاتوري حوى في كينونته كل أسباب السقوط من دموية ووحشية واغتيالات وتعذيب وطائفية وفساد ونهب لثروات البلاد، هذا قبل اندلاع الثورة، وأما بعدها فالثورة الشعبية الشجاعة أضافت لسيرته الذاتية القبيحة أكثر من ستين ألف شهيد وملايين المهجرين ودمارا هائلا في البلدات السورية، بالحسبة الرياضية البحتة يستحيل أن ينجو من الانهيار، فأي أمل يمكن أن يتشبث به بشار كي يبقى رئيسا طبيعيا لسوريا؟!

لا مجال لتفسير تشبثه بمواقفه على الرغم من المعطيات على الأرض والتي تعمل ضده وضد نظام حكمه، إلا أنه يقامر على احتمالين؛ أحدهما إمكانية ضئيلة جدا على بقاء حكمه، والثاني دمار البلاد. دعونا نتكلم بكل شفافية. الرئيس بشار ولأسباب طائفية قذرة لا يهمه فعلا أن تهوي سوريا إلى الجحيم، هو أشبه بالمحتل الأجنبي الذي يقاوم ثوارا وطنيين ويقاتلهم بكل أنواع الأسلحة التدميرية، فهو كاسب في كل الأحوال، إما أن يدمر الثورة الشعبية، وإما أنه سيدمر بلادا لا تعنيه ولا تهمه ولا يكترث لها كثيرا.. «يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه» هو وطائفته، هذا الديكتاتور لو حكم إيران محتلا لرأف بها وبشعبها وبمقدراتها. بشار وإن نطق بالعربية فسوريا لا يراها إلا كما يراها أبوه مكملة لحلقات الهلال الصفوي، فإما أن تستمر سوريا كذلك وإما أن يسلمها لأهلها خرابا يبابا.. بل لا أبالغ إذا قلت إن بشار لا يملك قرار نفسه، فقفل النظام السوري من النوع الذي له عدة مفاتيح.. مفتاح عند رموز الطائفة العلوية المقربين منه، ومفتاح عند أركان حكمه المنتفعين بوجوده، ومفتاح في طهران، ومفتاح في بكين، ومفتاح في موسكو، وميدالية المفتاح في كاراكاس الفنزويلية. بشار باختصار مثل رئيس العصابة الذي مهما حاول أن يتغير أو يتخذ خطوات تراجعية، فإن أول من يقضي عليه أفراد عصابته لأنه حامل أسرارهم وشريكهم في جرائم القتل والتعذيب والتهريب والاغتصاب، وهذا أحد تفسيرات إصراره على موقفه على الرغم من أن أرض حكمه قد انتقصت من أطرافها.

زعيم العصابة بشار قال إن الربيع العربي فقاعات صابونية وسوف تختفي، والحقيقة أن نظامه أكبر فقاعة، والدليل على فقاعية نظامه تراخي قبضته على البلاد، حيث وصل الثوار إلى الحلقة المقربة منه في عملية «الخلية الأمنية» الشهيرة، وتقدم الثوار في كل ناحية وسيطرتهم على عدد من المنافذ الحدودية للبلاد، حتى إن سهولة تهريب السلاح وصلت إلى حد الحصول على أسلحة متطورة مكنتهم من إسقاط طائراته، وهو النظام الذي يكاد يحقق مع نحلة عبرت حدوده من بلد مجاور، ولهذا قام وخطب ولم يقدم جديدا، لأن الأهم في خطابه أنه طمأن بقية أفراد عصابته في طهران وموسكو وبكين وبغداد والجنوب اللبناني بأنه سائر على «ميثاق شرف العصابة» حتى النهاية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بؤس السياسة الروسية.. خطأ يقود إلى خطأ

حسين العودات

التاريخ: 05 يناير 2013

البيان

وجه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، دعوة لزيارة موسكو، لأحمد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري لقوى المعارضة والثورة، فصيل المعارضة السورية الرئيسي، الذي اعترفت به 114 دولة كممثل وحيد للشعب السوري، في مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في مراكش مطلع ديسمبر الماضي.

وقد رد الخطيب، بأنه ليس رافضاً لمبدأ الحوار مع السياسة الروسية، لكنه اشترط أن تعتذر هذه السياسة عن ممارساتها ومواقفها التي تبنتها تجاه الثورة السورية، خلال واحد وعشرين شهراً منذ بدء الثورة، وأن تتخذ مواقف جديدة ليست فيها شبهة انحياز للنظام السوري، وأن يجري الحوار ـ إن حصل ـ في بلد ثالث غير روسيا بالطبع.

وسرعان ما رد لافروف غاضباً ومنتقداً ومتفوهاً بكلمات قاسية، منها أن المعارضة السورية (أي قيادة الائتلاف) لا تفهم في السياسة، وأن معلوماتها السياسية متواضعة، وما يشبه ذلك من النقد، دون أن يذكر معياراً واحداً لقياس التقصير في الفهم السياسي، أو التواضع السياسي.

إن رد لافروف على محمد معاذ الخطيب، هو رد غير دبلوماسي ولا سياسي، ولا يخلو من الفجاجة، ويندرج في باب المهاترات، فمن غير المنطقي (ولا الدبلوماسي أو السياسي) اتهام قيادة معارضة تخوض حرباً ضروساً مسلحة مع نظامها، بأنها جاهلة وغير مسيسة أو متواضعة الفهم السياسي. ويمكن تصنيف الرد في خانة المشاعر والرغبات ونصرة النظام السوري بشكل أعمى.

كما هي حال مواقف السيد لافروف التي كانت دائماً، منذ بداية الثورة، بل على التحديد منذ أن أخرج له أهل السلطة السورية آلاف المستقبلين على طريق مطار دمشق عند زيارته لسوريا في بدء الثورة، مما لم يشهده من قبل لا هو ولا أي وزير خارجية آخر، بل ولا حتى معظم الرؤساء الذين يزورون بلداناً أخرى.. فالجماهير تستقبل عادة الزائر "الزعيم" الذي قاد ثورة تاريخية ناجحة ذات تأثير حاسم في مستقبل بلاده.

وهذا لم يكنه لافروف، فما هو سوى وزير خارجية (دبلوماسي بيروقراطي) لا أكثر ولا أقل. ولعله كان مدهوشاً بذاك الاستقبال وما زال مدهوشاً حتى الآن، حيث أصبح من حينها، وبمساعدة أسباب أخرى، ما يشبه الناطق الرسمي باسم النظام السوري.

إن سبب موقف المعارضة السورية هذا، الناقد جداً للسياسة الروسية تجاه الثورة السورية، هو أن المعارضة تعتقد أن هذه السياسة أدت إلى تراكم سلبيات، بل تراكم أخطاء، تورطت فيها السياسة الروسية (أو ورطها لافروف) شهراً وراء شهر، حتى وصلت إلى تلال من الأخطاء تصعب معالجتها.

وترى المعارضة السورية، أن لافروف هو المسؤول الرئيس عن هذه الأخطاء، بسبب قصر نظره، وإدخاله المزاج الشخصي في العمل السياسي، وعدم بحثه بدقة عن الأسباب، وبالتالي عدم استطاعته استنتاج المواقف.

فالسياسة الروسية، بدأت بوصف الثورة بأنها من أعمال إرهابية تستحق الشجب، وطالبت المعارضة السورية، التي اعتبرتها منحرفة وعلى صلة بالدول الخارجية، بأن تحاور النظام بشروطه هو، أي أن تقبل بعض الإصلاحات التي يقدمها لها.

وكانت تستنكر منذ البدء مطلب المفاوضات، لأنه أشمل من الحوار وفيه بعض الندية ويناقش واقع النظام السياسي ومستقبله. واعتبرت أن أعمال العنف التي يقوم بها النظام، على شدتها وقسوتها، أعمالا مشروعة وطبيعية، واستمرت تزوده بالأسلحة والمعدات، واستخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مرتين، عندما حاول المجلس منع النظام من الاستمرار في مواقفه.

واستمر لافروف يدافع بشدة عن السياسة السورية الرسمية حتى النهاية، وأحياناً بصيغة أقسى وأقوى من صيغ أهل النظام وأساليبهم ومصطلحاتهم. ولم يكن الموقف الروسي يوماً وسيطاً أو حيادياً، بل كان دائماً نصيراً (أعمى) للنظام، وعدواً صريحاً للمعارضة، التي لم ينفك يدعوها بالمعارضة الإرهابية.

في مؤتمره اذي عقده في موسكو بالاشتراك مع المندوب العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي يوم 29/12، أكد لافروف أن الرئيس الأسد لن يتنحى مهما كانت الظروف، وأن الحل يكون بالحوار (الحوار على طريقة أهل النظام)، وشدد على أن السياسة الروسية غير قادرة على تغيير رأي الرئيس الأسد.

بالتالي فهي (حسب لافروف) عاجزة عن التأثير في أي حل أو مبادرة. ويشير الواقع إلى عدم دقة هذه التصريحات، فمن يقدم السلاح والعتاد والدعم ويستخدم الفيتو في مجلس الأمن، ويمنع مجلس الأمن والشرعية الدولية من اتخاذ قرارات تجبر النظام السوري على تبني أي حل، من يقدم هذا كله، لا شك أن لديه القدرة على التأثير في موقف النظام، الذي يوقن يقيناً مطلقاً أنه لن يستطيع الاستمرار من دون دعم السياسة الروسية.

ويرى المراقبون أن السياسة الروسية لديها القدرة على التأثير في الموقف السوري دون شك، ولكن ليست لديها الرغبة. فوزير الخارجية الروسي، يود أن يثبت أن سياسته تجاه الأزمة السورية كانت صحيحة، ويريد أن يجمّلها، إما بمواقف استعراضية أو بألفاظ غير محددة المعالم، أو بالتخويف من العنف أو من الحرب الطائفية، أو بالخطر المزعوم على الأقليات، مما لا يليق بوزير خارجية دولة كبرى، من المفترض أن يعترف بالخطأ، ويوجه نقداً ذاتياً لسياسته وسياسة بلاده.

عندما اتخذت قيادة "الائتلاف السوري" موقفها، كانت واثقة من عدم وجود موقف روسي جديد لدى السياسة الروسية، فلا هي غيرت موقفها من عسف النظام واستخدامه المفرط للقوة، وقتل المدنيين، وتدمير البنية التحتية، ولا هي قالت حول ماذا سوف تحاور المعارضة السورية إن قبلت مثل هذا الحوار. وكل ما فعله لافروف أنه طالب بحوار: غير محدد الأهداف ولا الأساليب ولا الثوابت، ولا يتضمن أي شيء يقود لنتيجة.

وفي ضوء ذلك كله، ليس غريباً ولا مستهجناً أن ترفض المعارضة السورية هذا الحوار، فهي ليست جاهلة بالتأكيد، لكنها واثقة من عدم جدوى محاورة السياسة الروسية، التي قد تجرها خطوة خطوة إلى القبول بشروط النظام.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تجويع الشعب السوري

سياسة التجويع والحصار ومنع المواد الغذائية عن فئات من الشعب السوري كانت منهجا متبعاً لنظام الأسد في حربه على الشعب السوري منذ بداية الثورة السورية السلمية

أ.د. سامي سعيد حبيب

السبت 05/01/2013

المدينة

الفظائع البشعة التي يرتكبها النظام السوري و جيشه الطائفي الأثيم ضد المدنيين العزل من أهل السنة بالشام كثيرة و دموية و يشيب لهول مشاهدها الولدان ، و لا يمكن أن يتصورها ذو فطرة سليمة. صور البعض منها مدعاة للاستغراب بادي الرأي حتى تتبين الأسباب ليبطل العجب. فكيف يمكن مثلاً تفسير استهداف المقاتلات النفاثة روسية الصنع لطوابير المواطنين المنتظمة أمام المخابز في العديد من المدن ذات الأغلبية السنية وهم ينتظمون في صفوف طويلة أمام المخابز للحصول على ما يقيم الأود من الخبز ، وكأن نظام المجرم بشار الأسد يخير أولئك المدنيين العزل بين الموت البطيء جوعاً أو مواجهة الموت السريع بآلته العسكرية ، و المتتبع لتلك الصورة و شبيهاتها من الجرائم ضد البشرية يرى فيها سياسة ممنهجة لتجويع الشعب السوري لتركيعه ليتنازل عن ثورته ، لكن هيهات بعد أن قتل من السوريين زهاء 40.000 شهيد حسب آخر الإحصاءات.

بل يتبين إن سياسة التجويع والحصار ومنع المواد الغذائية عن فئات من الشعب السوري كانت منهجا متبعاً لنظام الأسد في حربه على الشعب السوري منذ بداية الثورة السورية السلمية منذ اندلاعها في درعا على مدى قرابة السنتين الماضية ، و قد قامت المنظمة العالمية لحقوق الإنسان برصد و توثيق تلك السياسة في تقرير صدر لها مؤخراً ، فعدد قتلى طوابير المخابز أصبح حافلا بعشرات بل مئات القتلى كان كل ذنبهم هو اصطفافهم أمام المخابز التي تعودوا شراء الخبز منها في احيائهم أو حيث ألقت به أحداث التشرد في داخل سوريا ، فحرب «المخابز» تكررت في غالبية المدن السورية كمثل الاتارب و الرستن في حمص و إدلب و في طفس و في درعا ، كما قامت قوات «الأمن» بالاستيلاء على أفران الحميدية والحاضر في حماه ، مما أدى إلى ندرة وصول الطحين إلى المدن ، و بالطبع فإن أسعار الخبز في ظل كل تلك المحاذير الأمنية و قلة الدقيق و ارتفاع أسعار الوقود المستخدم في أفران الخبز حتى وصل سعر ربطة الخبز إلى زهاء 15 ريالا سعوديا أو 3 ريالات للرغيف الواحد رغم انقطاع الكثير من المواطنين عن العمل بسبب الظروف الأمنية القاهرة. في المقابل و في ظل هذا التجويع المتعمد و غيره من الممارسات الظالمة في الحد من وصول أنواع الأطعمة و الأغذية الى الشعب السوري الأبي يأتي عدم تمكين المزارعين من نقل المنتجات الزراعية من خضار و فواكه إلى الأسواق ، ويقوم الجيش الحر بأعمال تأمين وصول ما يتوفر من الدقيق إلى المخابز و تشغيلها ليلاً لكيلا لا تستهدفها طائرات النظام غير المزودة بأجهزة الرؤية الليلية ، أو إنشاء مخابز سرية.

ما يسمى بالمجتمع الدولي شريك للنظام في هذا الإجرام الجاري من قتل و تجويع في حق أهلنا في الشام ، لأنه أدرك أن سوريا ما بعد بشار ستتحول إلى ما يشبه الدولة الإسلامية الأمر الذي وصفته إسرائيل بأنها ستصبح في وسط بحيرة إسلامية معادية ، و هو ( أي المجتمع الدولي ) لا يزال يقود عن بعد الثورات المضادة في ليبيا و تونس و مصر فبادر في التبكير لإحباط ذلك المصير سلفاً في سوريا.

الواجب على كل الدول العربية و المسلمة و شعوبها التدخل الإنساني لدعم الشعب السوري في محنته للحصول على الغذاء و الدواء و الماء فالحدود السورية مع تركيا و الأردن يمكن أن يستفاد منها في إيصال التبرعات لأهلنا في سوريا ، هذا ناهيك عن ما يشبه إجماع كل العسكريين على أن تلك الحرب الجائرة يمكن تقصير مداها بتزويد الجيش الحر بالصواريخ المحمولة على الأكتاف المضادة للمدرعات و للطائرات.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بين اتفاقيات جنيف.. وإعلانها

2013-01-05 12:00 AM

الوطن السعودية

دفنُ قوات النظام السوري لـ250 جثة لضباط وجنود في القطيفة بمنطقة القلمون قرب العاصمة دمشق بعد إعدامهم ـ بحسب الأخبار الصادرة أمس عن المركز الإعلامي للمجلس العسكري في دمشق وريفها ـ انتهاكٌ واضح لاتفاقيات جنيف الأربع، التي صدرت أولها عام 1864 وآخرها عام 1949، حول حماية حقوق الإنسان الأساسية في حالات الحروب.

وقبلها، ومنذ بدء الأحداث قبل حوالي عامين ينتهك النظام السوري كل يوم اتفاقيات جنيف المشار إليها، يؤكد ذلك حديث مسؤول الطوارئ في منظمة العفو الدولية كريستوف كويتل الأخير في تعليقه على مقطع فيديو يظهر قتل قوات النظام السوري لشخصين بعد تعذيبهما، بأن ما شاهده جريمة حرب واضحة، وممارسات لا تتوافق مع اتفاقية جنيف بشأن الأسرى. وقوله: إن "المادة الثالثة من اتفاقيات جنيف تمنع التعذيب أو القتل تجاه الأسرى، وهذا ينطبق على المجموعات المسلحة والقوات الحكومية السورية". وطلبه تقديم وثائق جرائم النظام السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

في زمن مقارب، وبعد زيارته الأخيرة إلى روسيا عاد مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي لينادي بتطبيق خطة ترتكز على إعلان جنيف الذي تتبناه روسيا برغم الاعتراضات الدولية عليه لعدم تضمنه تنحي بشار الأسد عن الرئاسة، ويبدو أن الإصرار الروسي على إعلان جنيف جعل الإبراهيمي يعتقد أنه المخرج الوحيد للأزمة، بناء على ظنه بأن الحلول كلها متعطلة إن لم تنفذ الشروط الروسية.

ما بين حالتي التفكير بمعاقبة منتهكي اتفاقيات جنيف، والتفكير في تطبيق إعلان جنيف، هناك شعب يتعرض لعملية إبادة يومية من نظامه الحاكم، وإلى أن ينتهي التفكير سيستمر عدد الضحايا بالتصاعد، لذلك على المجتمع الدولي أن يتحرك، وعلى القوى الكبرى أن تدعم بالقوة تنفيذ الخطة التي دعت إليها جامعة الدول العربية، وحملتها إلى الأمم المتحدة، لكنها أُجهضت بسبب التعنت الروسي. فخطة الجامعة العربية لم تنبع من فراغ، وإنما بنيت أولا وآخرا على مصلحة الشعب السوري، بينما خطة الإبراهيمي الأخيرة الداعية لتطبيق إعلان جنيف، ووقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة، وتنظيم انتخابات، لن تتعدى كونها تضييعا للوقت بحسب المؤشرات على أرض الواقع.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المالكي.. والأسد.. وبينهما إيران!!

يوسف الكويليت

الرياض

5-1-2013

وجه التشابه بين حاكم دمشق وبغداد، أن الأول جاء نتيجة انقلاب والده العسكري وسيطرته على الدولة تحت عنوان حزب البعث العربي الاشتراكي، بينما الحقيقة أن المخطط نشأ بأن تُحكم سوريا بواسطة أقلية طائفية تمددت بالهيمنة على الجيش والأمن واحتكار مصادر الدخل، وتسييس الإعلام، وهي مراكز القوة في السيطرة على بلد عاش فراغاً سياسياً وحروباً عبثية وتدخلات في شؤون بلدان مثل لبنان والأردن، وحتى العراق زمن صدام وأثناء الاحتلال الأمريكي، وعقد صفقات ومؤامرات ظلت جزءاً من عقيدة النظام وأسلوب إدارته القمعية..

المالكي نصبه الأمريكان وتسامحوا مع طروحاته الطائفية، فقد تم حل الجيش ليكون البديل المليشيات الشيعية والتي اعتمدت مبدأ الذبح على الهوية باسم محاربة البعثيين والصداميين حتى من أبناء الشيعة الرافضين الطائفية وتجزئة الوطن وبناؤه على أسس ديموقراطية بلا فروق عشائرية أو طائفية، وفي ظل هذا النظام تعددت الولاءات، واختل الأمن حتى أن ما قتل وشرد في حكم المالكي فاق حروب صدام، وما فعله الأمريكان، حتى أن العراق الكيان والشعب والدولة صار مجرد بلد ملحق بإيران ليفقد المواطن هويته ويصبح فرعاً لأصل فارسي، وباسم النظام الشكلي للديموقراطية، صار مصدر السلطات رئيس الجمهورية، غيب البرلمان، ولم يعد للمحاكم إلا دور شكلي قراراتها وشرائعها في العقاب والثواب تخضع لديوان رئاسة الجمهورية، فصار الاتهام لأي ناقد للسلطة إما إرهابياً، أو من فلول النظام السابق، وصارت المناصب توزع على قاعدة الولاء للنظام وليس للوطن حتى أن السجون التي غصت بالنساء ومُورس معهن الإهانة والاغتصاب وبدون محاكمات، هي التي فجرت اعتصامات ومظاهرات الأبناء وغيرها ليظهر للعالم أن الحكم دستوري بالشكل ودكتاتوري بالواقع..

الغريب أن بشار الأسد لم يكن على وفاق مع نظام بغداد، فقد آوى القيادات البعثية وسمح لتجنيد الإرهابيين وإرسالهم للزرقاوي الذي شكل نظام القاعدة في العراق بتشجيع ودعم من الأسد، وعدم معارضة إيران التي ظلت ترى بعدم استقرار الأمن فيه يخدم مصالحها، غير أن البوصلة، وبعد الثورة السورية على نظامه، بدأت تتجه للتحالف وبرعاية ودعم من إيران التي شكل هاجس زوال الأسد سقوط مفهوم هلالها الشيعي، بل نهاية مخططات صورة الدولة الفارسية الكبرى، وعودة أحلام الامبراطورية التي ستشكل نواتها العراق وسوريا، ومن ثم لبنان، وكان رأس وثقل هذا التحالف الأسد لأن موقع سوريا الاستراتيجي سيكون المحرك لهذا التحالف، لكن الشعب السوري بدد هذا المخطط ونسف الحلم المرتكز على تحالف الطوائف، ولعل شعور المالكي بالخطر لا يقل عن مخاوف إيران من نشوء نظام يعاديها وقد يقلب الطاولة على العراق وحزب الله معاً..

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

آخر أفكار لافروف

سمير عطالله

الشرق الاوسط

5-1-2013

يردد سيرغي لافروف منذ بداية الاستفحال في القضية السورية أن للشعب السوري وحده أن يقرر مسألة ذهاب أو بقاء الرئيس بشار الأسد. وهذا كلامُ حق دون جدال.. لكن على وزير خارجية الإمبراطورية الروسية أن يشرح للعالم؛ أين هو الشعب السوري اليوم، وبأي طريقة يمكن أن يقول رأيه وبأي استقلالية وفي أي صناديق اقتراع.

لم يعد للدولة وجود في سوريا؛ فهي ممزقة بين جيشين يخوضان الحرب في طول البلاد وعرضها، ولم يعد الإنسان يأمن الوقوف أمام فرن، وهناك مليونا سوري تركوا البلد إما إلى الخيام أو إلى الخارج، ومجلس الشعب الأخير انتخب في ظروف ساخرة، فكيف يمكن الوقوف على رأي الشعب السوري؟

إن الوزير الروسي المكفهر أبدا (وليس هناك ما يدعو إلى انفراج للوجوه) يخدع الأمم والعرب.. هو في مأزق؛ مثله مثل النظام، ولذلك تتحدث موسكو بضع لغات مختلفة في اليوم الواحد.. لقد قطعت وعودا لبشار الأسد غير قادرة على الإيفاء بأي منها. كما أساءت تقدير الموقف عام 1967، أساءت قراءة الوضع السوري والعربي والإسلامي، ودفعت حليفها الأخير إلى هذا الحريق.

ماذا تستطيع روسيا أن تحقق للأسد بالقاعدة العسكرية أو من دونها؟ هي تعرف من تجربة أفغانستان أن قاذفات القنابل لا تحسم شيئا على الأرض في مثل هذه الحروب، وتعرف أن أقوى قوة ضاربة لم تحقق نصرا واحدا في فيتنام، وتعرف أنها ورطت وتورطت.

أبسط عقل سياسي كان يعرف في مارس (آذار) 2011 أن الحل بالقوة لن ينجح في سوريا وأن القمع انتهى زمنه ومفعوله. تأخر الأستاذ فاروق الشرع (أو لم يصغ له) لكي يصل إلى هذا الاستنتاج. الحل كان في الإصلاح السريع لا في الشروحات الطويلة. كان في إمكان الروس أن يفيدوا بشار الأسد من تجربتهم، وكان في إمكان الصينيين أن يساعدوه برسم خريطة طريق للخروج من ثقافة أوائل القرن الماضي واقتصاد الفشل واختيار هوغو شافيز حليفا وحيدا في هذا العالم.

القوة حل في الحروب الخارجية. في الحروب الداخلية لا تقوى الـ«ميغ» إلا على الأفران.. وفي طوابيرها يقول الناس رأيهم في السيد لافروف، لا حاجة لاستفتاء.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

رحيل الأسد بداية أزمات

عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

5-1-2013

مما يتسرب عن نشاطات ائتلاف المعارضة السورية مؤخرا يعطي مؤشرات إيجابية وأخرى سلبية في ذات الوقت.

أبرز العناصر المتوفرة تقول الآتي:

1) استعداد المعارضة السورية الخارجية للدخول في حوارات سياسية مع عناصر من النظام السوري الحاكم شريطة ألا يكون الطرف المحاور معه ممن يمكن اتهامهم بأن أيديهم ملوثة بالدماء.

2) أن المعارضة لا ترى أن كل الطائفة العلوية في سوريا هي عدوة لها، بل إن منطق العداء يقوم على من شارك في الجرائم والفساد.

3) أن المعارضة بدأت حوارا غير رسمي في القاهرة مع دبلوماسيين روس، وأن موسكو مارست في هذا الحوار دور استكشاف ثوابت موقف المعارضة.

4) أن المعارضة رغم تعدد فصائلها المؤتلفة، فإنها لا تستطيع السيطرة على مواقف كافة الفصائل المقاتلة على الأرض.

5 ـ أن الولاءات أو الامتدادات الخارجية لفصائل المعارضة بالداخل والخارج هي عنصر أساسي في قياس احتمالات إمكانية التوصل إلى اتفاق مبدئي. وهذا يعني إذا اتفقت جهات التمويل للمعارضة، فقد حدث توافق مؤكد.

الأزمة الكبرى في قصة الملف السوري ومرحلة ما بعد نظام بشار الأسد تكمن في أن لا أحد يعرف بالضبط أو يضمن بالتأكيد مواقف أو سلوك القوى المقاتلة.

الأزمة الكبرى أيضا أنه لا أحد يعرف بالدقة والتفصيل الأصول العقائدية والمذهبية والروافد الفكرية التي تتحكم في عقل وقلب القوى السياسية والمقاتلة داخل الأراضي السورية.

الخوف كل الخوف، ألا تكون الأحكام لصوت القوى السياسية في الخارج ولكن أن تكون بصوت البندقية و«الآر بي جي» في الداخل.

قد يرحل نظام الأسد بطريقة أو بأخرى لكن ترسانة السلاح باقية، ومحطات الاستخبارات الأجنبية باقية، وأرصدة التمويل باقية، وانشقاقات فصائل مقاتلة سوف تبقى، والخلاف المتوقع بين فكر الخارج ورصاصة الداخل سوف يظل موجودا.

رحيل نظام الأسد ليس بداية ـ بالضرورة ـ للحل، ولكن سوف تعقبه تحديات وإشكاليات أكبر من القدرة على التعامل معها.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

فيديو الرعب

حسام عيتاني

الجمعة ٤ يناير ٢٠١٣

الحياة

رغم أنه ليس الأكثر دموية، ولا الأشد وحشية بين فيديوهات «تسرِّبها» أجهزة النظام السوري، حظي المقطع الذي يظهر فيه جنود مؤيدون لبشار الأسد يقتلون مدنيين عزّلاً، بانتشار واسع وأثار ضجة وجيهة الأسباب.

قبل تناول أسباب الانتشار و «التسريب» المقصود، يمكننا الحديث عن الشخصيات المشاركة في المقطع الذي تتناقله مواقع الإنترنت منذ أيام:

هناك أولاً الضحايا: يجمع الجنود ستة أو سبعة شبان داخل ما يشبه أنقاض مبنى تعرض للقصف. يُبعدون أربعة أو خمسة، لسبب ما، ويحتفظون باثنين، وسط الشتائم واتهامهما بأنهما من «جماعة (عدنان) العرعور».

ونرى أيضاً من سنسميه «الشبيح»، بنظارتين سوداوين ولحية وقبعة «بيزبول». يبدو الرجل كخلاصة لثقافة التمييز بين السوريين: ثقة مفرطة بالنفس، لهجة مميزة هي لهجة الساحل، ثم... عنف بالغ حيال الضحيتين مع لامبالاة واضحة أثناء طعنهما وضربهما بحربته وبالأحجار التي ألقاها عليهما.

الشخصية الثانية، الأقل أهمية، هي «الجندي» المعتمر خوذة والمشارك من دون نفس تقريباً في تشطيب الضحيتين وفي ضرب رأسيهما بالحجارة، كواجب من واجبات الجندي في «الجيش العقائدي».

أما الثالث، «أحمد» أو «أبو حميد»، فالأرجح انه الأدنى رتبة أو ذو الخلفية الاجتماعية الأبسط والأكثر تواضعاً. يفرط «أبو حميد» هذا في الطعن والشتم ويحمل الأحجار الأكبر لرميها على الجثتين، اللتين انطرحتا أرضاً بعدما فارق صاحباهما الحياة. ولعل الجندي هذا المعتمر قبعة تشبه قبعات صيادي الأسماك، من النوع الذي سيبكي إذا وقع في أسر أعدائه، وسيقسم لهم أنه يعيل عائلة عديدة الأطفال، وأنه يكاد لا يستطيع توفير الدواء لأمه. إنه أبله المجموعة، الذي يُكلَّف بأقذر أعمالها وأصعب الخدمات لأعضائها، وهو الذي سيثير الاحتجاج إذا أعدمته مجموعة متطرفة كـ «جبهة النصرة» برصاصة في الرأس بعد أسره.

الرابع أثار لغطاً، بعد ارتفاع أصوات تقول إنه ينتمي إلى عائلة البرّي الحلبية (السنية) التي أردى عناصر من «الجيش الحر» أفراداً منها بعد اعتقالهم في المدينة، وهم ممن استباحوها وأذاقوا أهلها الذل ألواناً في عهدي حافظ وبشار الأسد. بيد أن ناشطين كثراً شككوا في صحة هوية الرجل ونسبوا التعرف إليه إلى عمل الأجهزة التي وزعت الشريط لإضفاء المزيد من الارتباك على ظروف الجريمة ولوضعها في إطار «سياسي» يتجاوز الانقسامات الطائفية، بعدما دلت لهجة الجنود الواضحة على المنطقة التي يتحدرون منها، ذات الأكثرية العلوية.

الخامس هو المصور، الذي لم يكن وحيداً على ما يشير ترحيب الجنود به بعبارة «أهلاً بالشباب». هو المنفذ للعمل الأصعب، نقل وقائع الجريمة بأصوات منفذيها، وربما نشر الفيديو عبر شبكة الإنترنت على شكل «تسريب» من الشبيحة.

أما الشخصيتان الأخيرتان، فهما الضحيتان، اللتان بعد حوار قصير مع «الشبيح» في أول الشريط، وقفتا تتلقيان الطعنات والضربات بهدوء مذهل، ولم تصدر عنهما سوى بعض الصرخات والأنات. لم ينتفضا، لم يحاولا الهرب، ولم يقاتلا... رغم أن يدي أحدهما ظهرتا أثناء حواره مع الجندي. لم يرفسا القتلة، بل استسلما، كما يليق بأبناء الشعب أن يستسلموا لحراب القتلة، وكما يليق بـ «الجماهير» الخضوع لمندوبي القائد الخالد وممثليه الحقيقيين.

والحال أن الاستنتاج الأسرع يقول إن مقطع الفيديو منشور عمداً لزيادة علو الحاجز النفسي بين الفئات السورية ولاستدراج مجازر انتقامية تتيح للنظام استجداء النجدة دفاعاً عن الأقليات المهددة، والتي يزعم أن النظام قد حسم خياراته وهو ماض فيها حتى سقوطه، ملقياً كرة النار الطائفية بين أيدي معارضيه.

*-*-*-*-*-*-*-*-

60 ألف قتيل ومناورات الدول

وليد شقير

الجمعة ٤ يناير ٢٠١٣

الحياة

من المؤكد أن عدد القتلى السوريين يتجاوز الرقم الذي أعلنته المفوضية الدولية العليا لحقوق الإنسان أول من أمس، أي ستين ألفاً، فهذا الرقم أقل من العدد الفعلي للضحايا الذين حصدتهم هذه الحرب العبثية التي يشنها النظام ضد شعبه، والذين بينهم عدد لا بأس به أيضاً من جنود الجيش السوري الذي ما زال موالياً للنظام وضباطه.

ومن المؤكد أن الدول الكبرى المعنية، لا سيما روسيا والولايات المتحدة الأميركية تعلم أن العدد أكثر من ذلك. والأرقام المعلنة حتى الآن لا تشمل حكماً التصفيات لعدد كبير من المعتقلين والمحتجزين، الذين سيكتشف العالم لاحقاً المدافن الجماعية التي حشروا فيها، ولا المجازر المتفرقة التي صعب على تنسيقيات الثورة الوصول إليها لتصوير فظاعاتها ونشرها.

وإذا كان الممثل الخاص الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي سبق أن حذّر من أن يصل عدد القتلى الى 100 ألف، ومن أن يصبح عدد النازحين مليوناً، فلأنه يدرك من خلال محادثاته مع رأس النظام السوري الرئيس بشار الأسد أنه قد يذهب في حربه على انتفاضة الشعب السوري الى ما هو أبعد مما هو حاصل الآن. فأركان النظام سبق أن أبلغوا الوسطاء والحلفاء والخصوم أنه لن يسلّم السلطة حتى لو سقط عشرات آلاف القتلى، بل أن بعض الأوساط نقل عن بعض أعضاء الحلقة الضيقة كلاماً واضحاً قالوا فيه أنهم لن يسلموا السلطة حتى لو سقط مئة ألف قتيل وأن على معارضيه والدول التي تؤيدهم أن يتسلموا سورية ودمشق مدمرتين من بعده إذا أصروا على رحيل الأسد.

ومع إعلان مرجعية مثل المفوضية العليا لحقوق الإنسان عن رقم الـ60 ألف قتيل، الذي هو رقم هائل، فإن الجدال حول المسؤولية عن هذا الجحيم الذي تعيشه سورية لم يعد على ما يرتكبه النظام، بل على مسؤولية اللعبة الإقليمية – الدولية عن جعل سورية حلبة صراع ارتضى رأس النظام أن يرهن وجوده ببعض أطرافها، غير آبه للخسائر التي تصيب الشعب والكيان، متوهماً أن بإمكانه البقاء في النهاية، غير مدرك أنها لعبة ستنتهي بالمساومة عليه، من ضمن تسوية كبرى، مهما اشتدت المواجهة بين أطراف هذه اللعبة، لأن الصراع الخارجي في سورية وعليها، يتعلّق بما هو أبعد منها وأكبر، وبالتالي فإن مصير النظام فيها هو أسهل النقاط التي يمكنها الاتفاق عليها.

والمؤسف أن تصاعد عدد القتلى ليس هو الذي دفع أركان اللعبة الدولية – الإقليمية، لا سيما موسكو وواشنطن، الى تغطية الموجة الأخيرة من الاتصالات التي قام بها الإبراهيمي وانتهت بزيارته الفاشلة لدمشق تحت عنوان الحكومة الانتقالية الكاملة الصلاحية، بل هي خطوات التقدم التي أحرزها المعارضون والجيش السوري الحر على الأرض في اتجاه فتح معركة دمشق. وهي موجة انحسرت بحكم الرفض الإيراني الكامل لما أنتجته من أفكار عن تنحي الأسد على مراحل خلال الأشهر المقبلة. وما انحسارها إلا لأن معركة تعطيل المطارات التي يستخدمها النظام لتأخير تقدم خصومه على الصعيد العسكري تأخرت (في سورية 28 مطاراً عسكرياً ومدنياً تسمح للنظام بالتفوق من الجو...) وبالتالي فإن إطلاق موجة جديدة من مبادرات الحلول عاد لينتظر معطيات جديدة في ميزان القوى العسكري. وهذا يعني أن إمكان التوافق الدولي على دعم مهمة الإبراهيمي بأفكار جديدة سيبنى على مزيد من جبل الجثث والضحايا السوريين.

يستوي توهم الحفنة الحاكمة في دمشق أن حجج النظام في رفض اقتراحات الإبراهيمي، مثل قوله إنه نفذ إصلاحات من نوع إلغاء حال الطوارئ ومادة حكم البعث من الدستور واستعداده للعفو عمن حاربوه وللحوار مع الإخوان المسلمين، يمكن أن تقنع محدثيه، مع التوهم بأن الدول التي تعمل لسقوطه وتلك التي تدافع عنه بالسلاح والمال وحتى الرجال، يمكن أن تدخل في حرب كونية أو محدودة بسببه أو لأجله. حتى إيران التي تتظاهر بقبول حجج الأسد أنه قام بالإصلاحات وبالحوار تتصرف في شكل يعزز حجة المعارضين حين تدعو في المبادرات التي تطلقها وتجددها الى المصالحة والحوار بما يعني أنها ضمناً لم تقتنع بأن النظام قام بالحوار أو سعى الى المصالحة.

أما التهويل بالحرب الكونية، بالاستناد الى المناورات التي أجرتها إيران أخيراً في مياه الخليج والتي بدأتها روسيا في البحر الأبيض المتوسط، وما سبقها من مناورات للدول الغربية وأميركا في الأردن وفي إسرائيل، فهو من باب الوهم لأن هذه الدول تكفيها أزماتها الاقتصادية كي لا تقبل على معارك كلفتها أكبر من قدراتها في هذه الظروف، هذا فضلاً عن أن كثرة المناورات هي الدليل على تفضيل التفاوض على الاقتتال.

لا حاجة لهذه الدول للحرب طالما أن هناك على الأقل 60 ألف قتيل خسرتهم سورية بالنيابة عن سائر الدول المحتربة فيها.

*-*-*-*-*-*-*-*-

الإبراهيمي.. وسيط أو متهم؟

سمير عطا الله

الشرق الاوسط

4-1-2013

هاجمت المعارضة السورية الأخضر الإبراهيمي، وعامله النظام السوري – كالعادة – بعنجهية. وتحدث المراقبون عن فشله في تحقيق أي خطوة. وقال رئيس المجلس الوطني جورج صبرا إن الإبراهيمي يضيع وقت السوريين ويمدد مأساتهم. وانتقد المعارض عمار القربي، الوسيط الجزائري بألفاظ ولهجة عنيفة.

يقول المثل الشعبي إن «المصلح يأكل ثلثي العلقة». ففيما هو يحاول الفصل بين متلاكمين، تنهال عليه اللكمات. وكل فريق يريد من الإبراهيمي ما يريد. ويريده الآن. والعالم الخارجي يتلهف لرؤية نهاية المذبحة اليومية في سوريا. ودول الجوار تنوء، كما حذر الإبراهيمي، بمأساة النازحين، وعجزها عن مواجهة أوضاعهم.

لذلك يجب أن يتفهم الإبراهيمي تذمر الناس ومشاعرها، آلام ومخاوف وقلق الذين ينتظرون أي مبادرة تفاؤل في هذه الحمى الدموية. لكن ما يصعب تفهمه على أحد هو التهم التي وجهها المعارضون للرجل بكونه ضالعا في تآمر ضد الشعب السوري، أو تلك التهم الساذجة بأنه يسعى إلى أن يصبح أمينا عاما للأمم المتحدة عام 2016. أي وهو في نحو الخامسة والثمانين.

هل يعقل أن يدخل الإبراهيمي في مؤامرة ضد الشعب السوري؟ أن يشارك في تمديد المجزرة؟ حتى المعارضة الغاضبة في إسطنبول، لا يجوز أن تستخدم هذه التعابير الخارجة على أي ضوابط سياسية. فالأخضر لم يختر طوعا البركان الذي دفع إليه. ولم يكن هو من طلب، بل هو من تردد في قبول التكليف.

لكن مهمة الوسيط تتضمن في طبيعتها، الإصغاء إلى فريقي النزاع، بصرف النظر عن مشاعره الخاصة، أو عما يعرف من حقائق. وهو بالتأكيد يعرف أكثر بكثير مما يفصح عنه. لست متفائلا بمهمة الإبراهيمي، فالوساطة مع نظام مغلق ومطلق، محكومة بمنطق العنجهية والاستمرار في القسوة كحل وحيد. ولو كان العامل الإنساني يؤثر في قرار السلطة لظهر ذلك في درعا ولما جُرَّت سوريا إلى هذه المأساة المريعة. بل لما اضطر السوريون إلى أن يوسطوا العالم أجمع فيما بينهم وبين الحكم.

لست مدافعا عن الأخضر الإبراهيمي. فهو في موقع يفسح في المجال لأي كان أن يتناول مهمته وأداءه. ما لا يقبل هو اتهامه بالضلوع في عمل ضد الدم السوري. هذه لغة تتجاوز الجدل أو البحث في تطور مهمته. وتتجاوز الرأي إلى التجني.

*-*-*-*-*-*-*-*-

جحيم الإبراهيمي وجنة الأسد

عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

4-1-2013

كانت الأقوال التي أدلى بها كل من السيدين الأخضر الإبراهيمي وسيرغي لافروف، خلال المؤتمر الصحفي الأخير في موسكو، بمثابة ورقة نعي لتلك السلسلة الطويلة من الجهود الدبلوماسية المبذولة على مدى الأشهر الطويلة الماضية من عمر الأزمة السورية. كما يصح أيضاً وصف تلك الأقوال بأنها كانت المسمار الأخير في نعش المبادرات السياسية والمساعي العربية والدولية التائهة في بحر هذا الخضم المتلاطم من التطورات المتسارعة، على طول وعرض البلاد الشامية.

ومع أن الدبلوماسيين المخضرمين لم يعلنا فشل المهمة، وتجنبا -شأنهما في ذلك شأن معظم الوسطاء المتكتمين على الإخفاقات الذاتية- التهديد بإنهاء المهمة أو التلويح بالانسحاب، إلا أنهما أوحيا معاً، كل بلغته، أن الطريق التي كانت مسدودة في وجه الحل السياسي للأزمة المتفاقمة ما تزال مسدودة بإحكام، وأن ما كان ممكناً تحقيقه بصعوبة بالغة على هذا الصعيد، غداة تولي الإبراهيمي مهمته شبه المستحيلة قبل نحو نصف عام، لم يعد ممكناً تحقيقه في الواقع، بعد أن تبدل هذا الواقع كثيرا على الأرض.

وفيما كانت نبرة الدبلوماسي العربي المرموق مشبعة باليأس وحرقة الألم وهو يشير إلى أن البديل للحل السياسي هو الجحيم بعينه، كانت لغة الدبلوماسي الروسي القادم من عصر الحرب الباردة مليئة بالوعيد، ومفعمة بروح العناد، وهو يقول ما معناه "إما الأسد وإما خراب البلد"، تماماً على نحو ما ظل الشبيحة يهتفون به، ويخطونه على حيطان البيوت قبل أن تدكها المدفعية والراجمات الصاروخية، أو تقصفها الطائرات الحربية المغيرة بالبراميل المميتة.

والحق أن مثل هذه النتيجة المتوقعة سلفاً لمساعي المبعوث الأممي، لم تكن مفاجئة حتى لأشد المتفائلين –على ندرتهم- بنجاح جهود الوساطة المفتقرة أساساً إلى قوة دفع دولية كافية، وآلية عمل وجدول زمني؛ وذلك حين بدت عجلة الحل السياسي تدور ببطء شديد، إن لم نقل تراوح في مكانها، فيما كانت طاحونة التطورات العسكرية تعمل بزخم ذاتي متجدد مع بزوغ كل يوم، وكانت قوة الثورة المتعاظمة شيئاً فشيئا، تكسب مزيداً من الأرض، وتحقق التوازن النسبي، وتبني عليه باطراد شديد.

ولعل السؤال الذي لم يطرحه خليفة كوفي عنان على نفسه: لماذا كان على الثورة السورية اليوم أن تقبل، وهي في أشد أطوارها تمكناً وبأساً وقوة شكيمة، ما لم تقبله قبل ستة أشهر، عندما كان حضورها على الأرض أقل تنظيماً وتسليحاً وكفاءة، وكانت مكتسباتها الميدانية أضيق رقعة، وأصعب منالاً، وأكثر تواضعاً مما هي عليه الآن، وذلك بعد أن تمكنت من زمام الشمال الحلبي، وضربت في سائر مفاصل النظام، وباتت على أبواب دمشق رابضة ومتحفزة؟!

بكلام آخر، فقد توقفت الدبلوماسية الروسية بطيئة الفهم والحركة عند وثيقة جنيف الملتبسة، ولم تلتفت إلى جملة طويلة من المتغيرات عميقة الغور، الممتدة على مدى ستة أشهر من الانتصارات الثورية المتراكمة، فيما بقيت مساعي الإبراهيمي تحاول إعادة إنتاج تلك التفاهمات التي أكلت عليها كتائب الثورة السورية وشربت، الأمر الذي كان من غير العسير معه الافتراض مسبقاً، بدون مشقة ذهنية، أن القول الفصل في نهاية هذا المطاف، الذي قد يطول بعض الشيء، بات في عهدة القابضين على جمرات هذه الثورة المفصلية في حياة شعوب المشرق العربي كله.

صحيح أن ليل السوريين الطويل لم ينجل بعد، وأن ضربات الحاكم اليائس المذعور قد تكون أشد وطأة لاحقاً، وأكثر تهوراً مما كانت عليه حتى الأمس؛ إلا أن من الصحيح أيضاً أن هوامش المناورة المتبقية أمام من ورث "المزرعة" عن أبيه قد ضاقت بالقدر الذي ضاقت فيه لدى داعميه الذين لم يعد في وسعهم إنقاذه من مصيره البائس، وأن الثقة بالنفس لدى الثورة التي شبت عن الطوق، قد بددت كل بقية باقية من شك في أن سدرة منتهى هذا المسار المؤلم المديد، سوف تنقل السوريين من لجة الجحيم المقيم إلى عتبة فردوس الحرية الموعودة عما قريب.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مرحلة «الجحيم»: روسيا وأميركا تطلقان يد النظام

عبدالوهاب بدرخان *

الخميس ٣ يناير ٢٠١٣

الحياة

لماذا اندفع الروس والأخضر الابراهيمي الى «حل سياسي» ما لبثوا أن أفشلوه بإدارتهم السيئة والمكشوفة الأهداف؟ ولماذا لم يتصرف المبعوث الدولي – العربي بأسلوبه واختار الطريقة اللافروفية؟ إنه التفاهم الاميركي – الروسي، أو تفاهم هيلاري كلينتون – سيرغي لافروف في 7/12/2012 في دبلن. الاميركيون يريدون أن يستبعدوا مسبقاً أي تطوّر قد يضطرهم لاحقاً الى التدخل. حتى «الخط الأحمر» الكيماوي ليس جدياً على رغم أن باراك اوباما نبّه اليه مراراً، واذا تجاوزه النظام السوري فلن تتدخل الولايات المتحدة ولا حلف الأطلسي، وقد فهم النظام أن في إمكانه استخدام هذا السلاح شرط ألا يتخطّى نطاقاً جغرافياً معيناً، وإلا فإن واشنطن و «الناتو» سيعتمدان على تدخل اسرائيلي.

يتبيّن الآن أن ما أوحاه الاميركيون للمعارضة من اعتماد عليها وما أغدقوه من وعود بالمساعدات المالية والأسلحة النوعية، قبل استيلاد «الائتلاف» في الدوحة وبعده، كان مجرد كلام. وما لا يريده الاميركيون يُحجم عنه «أصدقاء سورية» الآخرون، بدليل أن كل مصادر المعارضة تجزم بأن الدعم المالي والعسكري تضاءل منذ أواخر آب (اغسطس) الماضي ثم توقف كلياً منذ اعلان «الائتلاف». فواشنطن بحثت دائماً عن حل سياسي، صيغته المثلى أن ينخرط فيه الجزء «المقبول» من النظام وأن يتنحّى بشار الأسد فوراً أو بعد بضعة شهور، لأنها لم تعد تستطيع التعامل معه. لكن موسكو حاججت باستحالة الشروع في أي حل اذا لم يكن الاسد جزءاً منه ومتعاوناً فيه، خصوصاً أن المطلوب عاجلاً اعادة هيكلة الجيش والأمن. بعد تردد طويل، سلّم الاميركيون المهمة الى الروس ليعالجوا الأمر مع النظام طالما أنه حليفهم. اشترط الروس التحرك في اطار «اتفاق جنيف» الذي لا يقارب مسألة تنحي الاسد ولو تلميحاً، ووافقوا على تعديل «طفيف» في سياق التطبيق ومن خارج النص. هذا التعديل تمثل في عبارة «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة»، ما عنى أن الاسد مدعو الى التوقيع على تفويض صلاحياته، أي على «نقل السلطة» الى رئيس الحكومة الذي يُفترض أن يكون نائبه فاروق الشرع. اذا صحّ ذلك، فإنها صيغة متقدمة بل اختراقية، حتى لو عَنَت أن الاسد باقٍ في الصورة لبعض الوقت. وسواء أكانت حقيقة أم وهماً، فإنها تعطي الأولوية لوقف القتل والتدمير ولإغاثة المنكوبين وفتح الأفق أمام تغييرٍ في النظام، أما محاسبة القتلة والمجرمين فتأتي لاحقاً.

ما الذي حصل؟ انه السيناريو نفسه: جاء الابراهيمي. قابل الاسد. سلّمه «المقترح». استُمهل للجواب. وفي الانتظار ملأ بعض وقته بلقاء مع «معارضة الداخل» التي يعرف مسبقاً أنها لا تقدّم ولا تؤخر شيئاً في تحركه. ثم علم أن فيصل المقداد طار الى موسكو. أي أن الاسد اختار أن يناقش جوابه مع روسيا. اذاً، فالابراهيمي دُعي أيضاً للذهاب اليها ليتبلّغ أن رأس النظام يرفض نقل الصلاحيات، وأنه مصمم على البقاء حتى نهاية ولايته في 2014 وعلى ترشيح نفسه للرئاسة في الانتخابات المقبلة. وطالما أن المبعوث الدولي – العربي جاءه بصفته رئيس الدولة، فليس له أن يتدخل في صلاحياته، فهو من يعيّن رئيس الحكومة ويحدد له مهمّته... وللغرابة ها هي موسكو، وعلى هامش استقبالها المقداد، توجّه دعوة الى ائتلاف المعارضة للحضور والتباحث بشأن الحوار. أي حوار، مع مَن، وكيف، وبأي أجندة، ووفقاً لأي شروط؟

لم تكن موسكو تمكنت بعد من تسويق «الحل» لدى النظام، فإذا بها تقفز الى تسويقه عند الائتلاف. كانت هذه خطوة غير ديبلوماسية قابلها رئيس الائتلاف بردّ غير ديبلوماسي. لم يكتفِ بأن موسكو المتماهية مع النظام لا تُزار، بل يطلب منها الاعتذار عما ارتكبته بحق الشعب السوري، لكنه لم يرفض مبدأ الحوار، وهذا ما تلقفه ميخائيل بوغدانوف ليقول إن الحوار ممكن في أي عاصمة اخرى. طبعاً دار نقاش ساخن في مختلف أوساط المعارضة حول ردّ معاذ الخطيب، تحديداً حول مسألة «الاعتذار» والذهاب في العداء مع روسيا الى هذا الحدّ، لكن «الائتلاف» شعر بأن الروس والابراهيمي تعمّدوا تهميشه وأنهم لا يقدّمون له أكثر من كرسي الى طاولة حوار مع النظام يعرفون مسبقاً أنه يرفضه.

هي جولة أولى خاضتها روسيا، وسط صمت اميركي مطبق، وخرجت منها بتهديدات واضحة أطلقها لافروف كما لو أنه يتوجّه بها الى الطرفين، لكنه كان يعني المعارضة. وساهم الابراهيمي بدوره في التخويف من «الجحيم» و «الصوملة» واحتمال سقوط مئة ألف قتيل، مع علمه أن النظام لا يكترث وأن المعارضة لا تستطيع العودة الى الوراء. وإذ يستعد الروس والاميركيون لمعاودة التشاور قريباً لتقويم ما حصل في ضوء واقع أظهر بوضوح أن الطرفين غير جاهزين لعقد تسوية، ما يوجب تركهما ليحرق أحدهما الآخر، لعل الاكتواء بالنار يُنضج «الحل». ماذا يعني ذلك واقعياً؟ في الجانب السياسي ستطلب موسكو، طالما أن واشنطن أطلقت يدها، أن يبادر الاميركيون الى الضغط على المعارضة وضبط «أصدقائها» ولا سيما تركيا التي كان واضحاً أنها لم توضع في صورة ما تحاوله روسيا والابراهيمي. لكن الأسوأ سيكون في الجانب الميداني، لأن النظام تلقى من التحرك الروسي رسالة تطلق يده لإشعال «الجحيم» غير آبهٍ بالاستنكارات الدولية أو العربية التي لم يسمع شيئاً منها بعد مجزرتي حلفايا ودير بعلبة (استخدمت فيها صواريخ «الفاتح» الايرانية، ولم يشر «الناتو» اليها على رغم أنها أقوى من صواريخ «سكود»). في المرحلة الوشيكة سيخوض النظام معركة روسيا، التي باتت الآن تحضّه على الحسم، وتدعم اعتماده على خبرات ايران و «حزب الله»، لأنها تريد وضعاً ميدانياً مختلفاً تماماً حين تعود الى طرح الحل السياسي بعد أسابيع قليلة. وفي الوقت الذي كانت المعارضة تنتظر مدّها بأسلحة نوعية، صار المتوقع أن يحصل النظام على أسلحة كهذه. فموسكو تريد منه أن يظهر قدراته وأن يذهب الى أقصى ما يستطيعه. لذلك يشعر النظام راهناً بأنه في صدد اكتساب الصمت الدولي الذي مكّنه قبل ثلاثين عاماً من ارتكاب مجازر حماه، اذ تتحدّث مصادره عن آلاف القتلى في «مفاجآت مروّعة» في ريف دمشق.

لم تكن واشنطن وحدها صامتة طوال الاسبوع الديبلوماسي بين دمشق وموسكو، فهل تركت الروس والابراهيمي يحاولون لتقول كلمتها من بعد؟ لا، الأرجح أنها قالت ما عندها يوم 11/12/2012 في العشية المباشرة لمؤتمر «أصدقاء سورية» في مراكش، عندما أعلنت وضع «جبهة النصرة» على قائمتها للدول والتنظيمات الارهابية. فهذا الموقف أفصح عن حقيقة الموقف الاميركي بأكثر مما عبّر عنه الاعتراف بائتلاف المعارضة في اليوم التالي. في النهاية لم تفصل واشنطن مقاربتها للوضع السوري عن العقدة التي ورثتها من تجربتها العراقية، كما لو أنها بلغت في مراجعتها ليس حدّ الندم على اسقاط نظام صدّام حسين فقط، بل أيضاً حدّ الحرص على الإبقاء على نظام بشار الاسد. أما الصمت غير الطبيعي فيبدو أشبه بالفسحة الضرورية الفاصلة بين موقفين ووجهين، فليس مستبعداً أن تستهلّ أميركا 2013 بوجه آخر يقول إنها تقف وراء المساعي الروسية من خلال مساندتها مهمة الابراهيمي، وأنها تعتقد أن الحل المقترح جيد بالنظر الى الفوضى التي غرقت فيها سورية. وفي أي حال أمكن المعارضة، في الاسابيع الاخيرة، أن تلمس انكماشاً في تعامل «الاصدقاء» معها... فتّش عن اميركا!

* كاتب وصحافي لبناني

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

إيران والخيارات المرة

عامر أرناؤوط

عكاظ

3-1-2013

المتابع لمسار السياسة الإيرانية الخارجية يدرك وببساطة عمق أزماتها من خلال التداعيات الخطيرة التي أنتجتها والتي أتت في أعقاب التدخلات غير الطبيعية في الشؤون الخليجية والتواجد الإيراني على مساحة العالمين العربي والإسلامي، في محاولة للظهور كدولة قوية قادرة على اللعب في الملعب السياسي الإقليمي والدولي. هذه السياسة الإيرانية الخرقاء التي اتشحت بعناوين الطائفية مختلفة منذ انتصار الثورة الإيرانية مطلع الثمانينيات لم تعد قادرة حاليا على الاستمرار والاختراق في بلادنا لأنها صارت موصوفة بتجارب ميدانية تدلل عليها وتشير إلى نتاجاتها، فها هو العراق المتحضر الآن للقسمة والانفصال بفعل هذه السياسة يغرق في المراوحة والفشل وربما يتصاعد الأمر فيه إلى ما هو أكبر من ذلك وأخطر بحسب ما يبشر به رجل إيران الأول في العراق نوري المالكي. وها هي سوريا تدفع ضريبة الدم بفعل اشتراك قوى إيرانية عسكرية وسياسية في التحريض والتدبير وربما إدارة العمليات فيها من أجل إبقاء نظام استبدادي إجازة صلاحيته الوحيدة هي بطاقته الطائفية وهوية رئيسه الملطخة يديه بالدماء بشار الأسد. وها هو لبنان عبر حزب إيران فيه يفشل فشلا ذريعا في إدارة الحكم ليدخل لبنان نفقا مجهولا محفوفا بالمخاطر الأمنية والاقتصادية والسياسية ربما تصل لحدود التفكير جديا في الفدرلة كحل للخلاص من هيمنة سلاح حزب الله وأمينه العام الحالم بتحويل لبنان إلى دولة يسودها حكم ولاية الفقيه يتربع على عرشها مرشد يقود سفينتها نحو المستقبل، وبالأحرى نحو الدمار. أمثلة ثلاثة مرة أنتجتها سياسة إيران الخارجية الفاشلة والتي تحاول طهران من خلالها لخبطة الأوراق لإنقاذ بشار المترنح والذي سيسقط عاجلا أو آجلا وسيغرق طهران أيضا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أربع نهايات للحرب في سوريا

سركيس نعوم

2013-01-03

النهار

تطوّر الأوضاع في سوريا التي تشهد ثورة شعبية واسعة منذ واحد وعشرين شهراً وقمعاً مستمراً لها من النظام الحاكمها لا تشغل الادارة الاميركية وحدها، بل تُشغِل معها الباحثين كبارهم والصغار والمراكز التي يعملون فيها. ذلك انهم يدرسون وبكل دقة تفاصيل ما يجري في هذه الدولة، ويربطونه مع مواقف الدول المفتاحية في المنطقة ومصالحها المتناقضة، كما مع مواقف الدول الكبرى النابعة من مصالحها هي الاخرى، الامر الذي يمكنهم من اعطاء صورة واضحة عن الحاضر فيها كما عن المستقبل، فضلاً عن الخيارات المتعددة. وهي صورة تحتاج اليها الادارة في واشنطن قبل غيرها، علماً ان بعضاً من هذه الصور لا يكون بعيداً عن "الهوى". انطلاقاً من ذلك رأيت ان أطلع اللبنانيين على قسم من دراسة معمّقة قام بها باحث اميركي عريق يتعلق بما يهتمون له رغم تناقضاتهم أكثر من غيره، اي في النهاية لكل ما يجري في سوريا.

وأهم ما في الدراسة المذكورة انها تشير الى اربع نهايات، وتتحدث عن كل منها بطريقة علمية وباردة وبعيدة من العاطفة التي تطغى على تحليلات العالم المتخلف عامة، وخصوصاً الشرقي منه. النهاية الاولى هي انتصار نظام الاسد. والنهاية الثانية هي انتصار المعارضة لهذا النظام التي تحوّلت لاحقاً ثورة عسكرية واسعة. والنهاية الثالثة وقوع الفريقين المتحاربين في ورطة. ويعني ذلك عجز كل منهما عن الحسم والانتصار وتالياً استمرار الحرب والعنف. والنهاية الرابعة والاخيرة الوصول جراء الحرب القاسية الى نهاية مقبولة اي الى حل سياسي. وفي هذا المجال يعتبر الباحث واضع الدراسة ان النهايتين الاولى والثانية سيئتان وبكل المقاييس لكل الاطراف المتورطين في الحرب الدائرة سواء من داخل أو من خارج. كما يعتبر ان النهاية الاخيرة هي الاكثر معقولية ومقبولية. لكنه يلفت الى ان قبول اي من الطرفين المتحاربين في سوريا نهاية معقولة يتوقف وفي صورة اساسية على اقتناعه بل على ايمانه بأنه قد يخسر الحرب. ومن دون اعترافهما بأن الهزيمة محتملة فان النظام والمعارضة لن يقبلا صفقة لا تكون فيها التسوية، اي الحل الوسط، مركزية.

هل انتصار نظام الاسد لا يزال احتمالاً معقولاً بعد خسارته السيطرة التامة على أكثر من ثلثي الجغرافيا السورية؟

يجيب الباحث الاميركي، عبر الدراسة نفسها طبعاً، ان انتصاره لا يزال احتمالاً حقيقياً أو واقعياً رغم نجاح "الربيع العربي" في اسقاط أكثر من نظام في المنطقة. اما انعكاسات انتصار كهذا فستكون على الارجح استمرار العقوبات الدولية على النظام السوري لسنوات عدة مقبلة. ومن شأن ذلك ابقاء سوريا معزولة وفقيرة. طبعاً لا بد من توقّع تجاهل روسيا وايران والصين ودول قليلة اخرى العقوبات المشار اليها، وتأمين ما يسمى "حبل السلامة" لسوريا الاسد، اي تزويدها كل ما يمكن لابقائهما على قيد الحياة. لكن ذلك لن يمنع تحوّلها مُروِّعة وشرِسة وضارية ومَقيتة. وقد تبقى كذلك مدة طويلة. علماً ان انتصار النظام سيضمن جولة جديدة او جولات من الحرب الاهلية داخل البلاد، ولا سيما في ظل استمرار المشكلات الهيكلية من دون حل. فالنظام لن يسمح ابداً لغالبية الشعب باخراجه من السلطة بالتصويت (اي بالانتخاب)، فضلاً عن ان انتصاره سيطلق موجة هجرة واسعة في اوساط القادرين على الخروج من سوريا. وهؤلاء هم الضروري بقاؤهم في البلاد بسبب قدرتهم على إعادة بناء اقتصادها. في سيناريو كهذا، يتابع الباحث الاميركي نفسه، غالبية السوريين ستخسر، والرابحون لن يشكلوا أكثر من ربعهم، وسيتألفون من مساندي النظام والاكراد. وهذا يعني ان كردستان ذات حكم ذاتي قد تبقى في سوريا، ومن شأن ذلك خلق مشكلات لدول عدة منها تركيا. اما روسيا وايران و"حزب الله" فسيتمتعون بانتصار استراتيجي اقليمي مهم، في حين ان حلفاء اميركا في المنطقة مثل تركيا والعربية السعودية وقطر سيعانون من هزيمة سياستهم الخارجية جراء دعمهم تغيير النظام في سوريا.

ماذا عن النهاية الثانية للحرب الدائرة في سوريا (انتصار الثوار على نظام الاسد) في دراسة الباحث الاميركي الجدي نفسه؟

يعتبر الباحث ان انهيار النظام السوري وانتصار المعارضة عليه على نحو كامل وشامل، رغم انقساماتها وعدم قدرتها على الوحدة حتى الآن، يمثل حصيلة غير جذابة او غير مستحبة تماماً مثل انتصار النظام عليها.

ماذا عن النهاية الثانية ايضاً؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الروس أفشلوا مهمة الإبراهيمي ووضعوا سوريا أمام أخطار حقيقية!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

3-1-2013

كما كانت نهاية الجولة السابقة ونهاية الجولة التي سبقتها، فإن الأخضر الإبراهيمي قد عاد من جولته الأخيرة، التي أخذته إلى دمشق وبعدها إلى موسكو، متشائما وفاقدا الأمل مبشرا السوريين بأن مصير بلدهم سيكون كمصير الصومال وبأن الخيار الوحيد أمامهم غدا إما الحل السياسي وإما استمرار العنف الذي إن رسا الخيار عليه فيجب انتظار أكثر من مائة ألف قتيل في هذا العام الجديد ويجب انتظار كارثة حقيقية والمزيد من الدمار والخراب والويلات وتحول المواجهات المسلحة إلى حرب أهلية مدمرة.

لأول مرة يخرج المبعوث العربي والدولي عن خط دبلوماسيته الشديدة المعهودة ويقول وهو لا يزال في دمشق وبعد مقابلة مع الرئيس السوري، غير معروف أين جرت هل في دمشق أم خارجها وهل في القصر الرئاسي أم في أحد المخابئ السرية: إنه من غير الممكن أن تبقى سوريا تحكم بالأسلوب السابق المستمر منذ اثنين وأربعين عاما.. وإن الواضح أن السوريين يرفضون هذا النظام الذي بقي قائما على مدى أربعة عقود. وحقيقة إن هذا يعني أن الأخضر الإبراهيمي، السياسي المخضرم والدبلوماسي العريق المشهور بطول نفسه، قد طفح عنده الكيل وإنه ربما سمع من بشار الأسد خلال هذا اللقاء آنف الذكر كلاما لا يمكن أن يصدر عن مسؤول عاقل أصبح بلده يعيش كل هذه الأوضاع المأساوية ويتهدده خطر التشظي والانهيار.

والواضح أن الإبراهيمي قد سمع في موسكو، التي ذهب إليها لتأكُّده أن قرار مصير سوريا أصبح هناك وليس في دمشق، كلاما أسوأ كثيرا من الكلام الذي سمعه من بشار الأسد وأن أقلَّه وأهونه هو قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي بقي يتصرف منذ بداية الأزمة على أنه هو، وليس وليد المعلم، وزير الخارجية السوري: «إن الأسد يرفض الاستقالة وإنه من غير الممكن إقناعه بهذه الاستقالة».. وهذا معناه هو تحدي المبعوث العربي والدولي وتحدي الشعب السوري كله وكل معارضته بشقيها الداخلي والخارجي.

وهنا فلربما أن الأخضر الإبراهيمي، بعد زيارته الأخيرة إلى موسكو وبعد سماع تصريحات لافروف آنفة الذكر، قد تولد لديه الانطباع نفسه الذي كان قد تولد لدى العديد من المتابعين والمراقبين وهو: إما أن هناك انقساما وخلافا روسيّا بين كبار المسؤولين إزاء الأزمة السورية وكيفية التعامل معها، أو أن هناك تبادل أدوار من قبيل المزيد من استنزاف الوقت وإعطاء بشار الأسد الفرصة تلو الفرصة «لعله» يتمكن إنْ ليس من إنهاء المعارضة المسلحة، فعلى الأقل تحجيمها ليحسن موقعه التفاوضي وليُخرج نفسه من دائرة المساومات المتداولة التي عنوانها تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية و«بصلاحيات كاملة» وبشرط أن لا تكون الأمور المتعلقة بالجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي يصل عددها إلى نحو عشرين جهازا من بين هذه الصلاحيات.

والدليل على هذا، وهذا شبه مؤكد، أن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف كان قد اتفق في اجتماع جنيف، الذي شارك فيه الأخضر الإبراهيمي، مع نائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز على أن يُسمح للرئيس السوري، من قبيل حفظ ماء الوجه، بتشكيل الحكومة الانتقالية، التي يجري الحديث عنها والتي يجب الاتفاق المسبق بين كل الأطراف على وزرائها وعلى مواقعهم وعلى كيفية تشكيلها، ثم بعد فترة قصيرة، يجري تحديدها سلفا، يبادر إلى مغادرة البلاد، بضمانة دولية، ويأخذ معه نحو مائة وعشرين من كبار العسكريين ومسؤولي الأجهزة الأمنية ليستقر ومعه عائلته وهؤلاء في الدولة، سواء عربية أو غير عربية، التي تبدي استعدادا لاستقباله.

إن هذا هو ما تم في اجتماع جنيف الأخير، الذي جرى بين ويليام بيرنز وميخائيل بوغدانوف وحضره وشارك فيه الأخضر الإبراهيمي. وحقيقة أن تصريحات نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، التي تحدث فيها عن استحالة تحقيق انتصار أي طرف على الطرف الآخر إنْ بالنسبة للجيش والأجهزة الأمنية، أو بالنسبة للمعارضة المسلحة، والتي تحدث فيها أيضا عن ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية «بصلاحيات كاملة» مع التلميح إلى الحد من صلاحيات بشار الأسد، قد اعتُبرت موقفا سوريا رسميا وبالاتفاق بين كل مراكز القوى في دمشق على الاستجابة لما تم بين نائب وزيرة الخارجية الأميركية ونائب وزير الخارجية الروسي بحضور المبعوث العربي والدولي.

لكن المفاجأة كانت أن نظام بشار الأسد قد استقبل الإبراهيمي، الذي وصل إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، بما لم يكن ينتظره وهو: أولا التبرُّؤ من تصريحات الشرع و«مسخها» واعتبارها مجرد رأي شخص مثله مثل رأي أي واحد من بين نحو ثلاثة وعشرين مليون سوري، وثانيا اللجوء إلى تصعيد عسكري غير مسبوق وفي كل المناطق وتقصُّد إيقاع مزيد من الضحايا بين المواطنين العاديين واستهداف حتى «أفران» الخبز التي كان معظم ضحاياها من الأطفال الذين اختلطت مِزَقُ أجسادهم بالأرغفة المجبولة بالدماء.

وهكذا فقد اتضح أن موسكو ممثلة في وزير الخارجية سيرغي لافروف قد دخلت على الخط، وأنها هي التي وقفت وراء التخلي عن تصريحات فاروق الشرع وتبهيتها ومسخها، وأنها هي التي ألزمت أهل النظام في دمشق بمسألتين هما: الأولى إخراج بشار الأسد من دائرة التفاوض والمساومات والإصرار على بقائه حتى انتهاء فترة ولايته التي تنتهي في عام 2014 بل والإصرار أيضا على أن من حقه أن يترشح لولاية جديدة. أما الثانية فهي أنه ليس للحكومة الانتقالية أي علاقة لا بالجيش ولا بالأجهزة الأمنية وأن الصلاحيات في هذا المجال يجب أن تبقى بيد رئيس الجمهورية الذي يجب أن يبقى القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول مسؤولية مباشرة عن الأجهزة الأمنية.. وهذا جعل المعارضة تبادر إلى رفض هذه الصيغ كلها ما لم تتضمن نصا صريحا وبضمانة دولية على تنحية الرئيس السوري ومغادرته على الفور هو وكل كبار أعوانه من العسكريين وقادة المخابرات والأجهزة الأمنية.

والآن وبعد هذا كله، فإن السؤال المتداول هو: هل الأخضر الإبراهيمي يا ترى قد اكتفى من موسكو ومن دمشق من الغنيمة بالإياب، وأن مهمته قد انتهت عند هذا الحد وأنه لم يعد هناك أي خيار إلا خيار العنف والحلول العسكرية؟!

مع أن أغلب الظن هذا ما سيحدث، فقد تحدث الأخضر الإبراهيمي عن وجود «مقترح» لم يكشف النقاب عنه، قال إنه من الممكن أن يحظى بإجماع «المجتمع الدولي» وهذا يعني أنه قد يكون هناك تفكير جدي لدى الولايات المتحدة والدول الأوروبية ومن بينها فرنسا بالطبع بتدخل عسكري في سوريا على غرار تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو الذي تم على أساس أن ما كان يجري في هذا البلد البلقاني يعرض أمن دول أوروبا للمخاطر وعدم الاستقرار وأنه بالإضافة إلى هذا هناك أيضا مجازر وبشاعات ترتكب ضد الإنسانية.

إن كل هذا هو مجرد اقتراحات وتقديرات قد تصيب وقد تخطئ، وإن المؤكد أن روسيا مستمرة في التأزيم حتى النهاية وأنها ستبقى تحقن بشار الأسد بمواقف العناد والمكابرة مما يجعل الأمور، إن لم يتم هذا التدخل الأطلسي المفترض، مفتوحة على شتى الاحتمالات ومن بينها احتمال إما أن يحدث انهيار مفاجئ في القطاعات العسكرية الموالية للنظام السوري كما تتوقع المعارضة المسلحة، وإما أن تبرز مجموعة من قادة هذه القطاعات وتبادر إلى القيام بانقلاب عسكري إنقاذي يتبعه حل سريع يجنب سوريا ويلات استمرار المجازر والمذابح والدمار ويضعها على بداية الطريق الذي يريده الشعب السوري؛ أي دولة تعددية وديمقراطية ودولة مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات ليس فيها لا حزب قائد ولا رئيس مبعوث من قبل العناية الإلهية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا الجمود الروسي تجاه سوريا؟

صامويل شارب

الشرق الاوسط

3-1-2013

على الرغم من كل الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى والأخبار المثيرة التي رافقتها، فإن المراقب غير المتمرس يستطيع الاستنتاج بسهولة أن روسيا تملك مفتاح حل الأزمة السورية، لكن الجولة الأخيرة من المحادثات الفاشلة التي جرت نهاية الأسبوع الماضي (هذه المرة بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية بشأن الأزمة في سوريا) أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن روسيا لن تكون جزءا من الحل بشأن سوريا.

وقد أكد مسؤولون روس بارزون على ذلك منذ شهور، لكن بعض الأطراف في المجتمع الدولي، ربما حتى وقت قريب، لم يصدقوهم.

نجم هذا الخلط عن التقارير المتكررة حول العلاقات بين روسيا والرئيس السوري بشار الأسد؛ العسكرية والدينية والتقارير الاستخباراتية وما شابه، حيث لعبت هذه العوامل من دون شك دورا ما في طريقة تعامل موسكو مع الأزمة، لكنها لا تفسر استخدام الكرملين «الفيتو» ثلاث مرات وجهوده في إضعاف إعلان جنيف المطالب بانتقال سلمي للسلطة، ورفض الانضمام إلى الأصوات المطالبة برحيل الأسد. لم تأخذ موسكو أي خطوات بسبب مصالحها في سوريا أو لأنها تدعم الأسد، وبالفعل، حذر الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف، في بداية صيف 2011، بأن من يطالب بإصلاحات فورية هناك ينتظره مصير حزين.

أبرزت المأساة السورية، بوضوح، التباين الجوهري بين وجهة نظر روسيا إزاء التدخل الدولي وباقي المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ إذ تعتقد موسكو أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجب عليه أن لا يتدخل في إسقاط الحكومة الحالية في سوريا.

وهناك كثير من الأشخاص في مؤسسة السياسة الخارجية الروسية يعتقدون أن سلسلة التدخلات التي قادتها الولايات المتحدة والتي أدت إلى تغيير أنظمة منذ نهاية الحرب الباردة (في كوسوفو وأفغانستان والعراق وليبيا) تمثل تهديدا لاستقرار النظام الدولي وربما لاستقرار النظام في روسيا ذاتها. فلم توافق روسيا على هذه التدخلات ولن تقوم بذلك إذا ما ساورتها الشكوك بأن الدوافع هدفها التخلص من الحكومة الحالية.

قد يبدو الاعتقاد بأن روسيا قد تكون في النهاية هدفا لمثل هذا التدخل نوعا من السخف في واشنطن، لكن الشكوك بشأن النوايا الأميركية المحتملة تضرب بجذورها في موسكو، ومن ثم فإن روسيا تستخدم ما لديها من قوة لصياغة النظام الدولي؛ خاصة مقعدها الدائم في مجلس الأمن، لتجنب تشكيل سابقة خطيرة يمكن أن تؤدي في النهاية لأن تستغل ضدها.

وفي حالة سوريا، لم تقتنع موسكو بأن دوافع الولايات المتحدة تقودها الكارثة الإنسانية التي تسبب فيها الأسد فقط، بل يرى الكرملين أن الجغرافيا السياسية الشريرة مصدر أصيل في ذلك؛ حيث تسعى واشنطن إلى التخلص من حكومة طالما كانت سياستها الخارجية تعارض المصالح الأميركية، خاصة التحالف مع إيران. ولذا عندما صرح الرئيس أوباما في 18 أغسطس (آب) 2011 بأن «الوقت قد حان كي يتخلى الرئيس الأسد عن السلطة»، كان تغيير النظام أولوية بالنسبة للولايات المتحدة أغلقت نافذة الأرضية المشتركة مع روسيا في الأمم المتحدة. والحقيقة هي أن نصوص الحلول المقترحة لم تعكس أي أولوية من هذا النوع بالنظر إلى ما اعتبرته موسكو هدفا معلنا بشكل صريح.

منذ ذلك الحين، حاول كثيرون تغيير السياسة الروسية لكنهم فشلوا جميعا. وعادة ما كان الصحافيون يؤيدون دون قصد الحاجة إلى «المحاولة من جديد مع موسكو» عندما كانت التصريحات الروسية تحمل أدلة ضمنية على تغيير وشيك في السياسة. قد يكون هذا صحيحا في الأسابيع الأخيرة مع تقييم روسيا بأن الحقائق على الأرض تغيرت.. فربما تكون روسيا متمسكة بعقيدتها لكنها في الوقت ذاته لا تغفل الوقائع على الأرض. لكن تغير التقييم في هذه الحالة لن يؤدي إلى سياسة متغيرة. السبب بسيط هو أن الموقف الروسي حول التحرك الدولي بشأن الأزمة السورية يرتبط بشكل أكبر بالقلق إزاء الآثار المترتبة على القوة الأميركية أكثر منها على سوريا ذاتها.

لذا إن لم تكن روسيا جزءا من الحل الذي يتضمن مجلس الأمن، فلماذا يبذل المجتمع الدولي الكثير من الوقت في التودد إلى المسؤولين الروس بشأن سوريا؟ البعض يقول إن روسيا قادرة، إذا شاءت، على الضغط على الأسد لتقديم تنازلات ضرورية لتحقيق تسوية. ربما كانت روسيا تملك مثل هذا النفوذ قبل 12 أو 18 شهرا، لكن الأسد يقاتل الآن من أجل البقاء ولا توجد أسباب منطقية للاعتقاد بأنه سيفعل أي شيء سوى الابتسام والإيماء تجاه أي إنذار من موسكو. ونظرا لأن مثل هذا الإنذار الافتراضي قد يتضمن على الأقل رحيل الأسد على الفور لأن ذلك هو الحل الوحيد لجلوس المعارضة إلى طاولة الحوار، فسوف يظل أمرا افتراضيا.

ذا كانت هناك نتيجة واحدة ملموسة لكل الجهود الدبلوماسية الأخيرة، فهي تمكين موسكو. قد يبدو هذا عابرا، لكنه في الوقت الحالي يعني ضرورة بذل طاقة ووقت المجتمع الدولي في الجهود التي يمكن أن تؤدي إلى التوصل لحل بشأن سوريا.

* خبير في شؤون منطقة روسيا وأوراسيا في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بواشنطن

* خدمة «نيويورك تايمز»

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com