العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-10-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قراءة في الموقف التركي من سوريا .. د. محمد مصطفى علوش

الشرق القطرية

السبت 11-10-2014

يوما بعد يوم تزداد أهمية تركيا في الملف السوري بنفس القدر الذي تتكشف فيه حقيقة النوايا الدولية من المشهد السوري .. يراد لتركيا أن تتدخل عسكريا في كوباني لمنعها من السقوط في يد تنظيم الدولة الإسلامية .. تركيا ترفع سقف شروطها للتدخل العسكري في سوريا وهي لن تتدخل منفردة ما لم تحصل على ضمانات بخصوص شروطها المتمثلة في محاربة الإرهاب ونظام الرئيس الأسد سواء بسواء ، وأول هذه الخطوات إنشاء منطقة عازلة على الحدود التركية السورية . فلماذا تتردد تركيا من التدخل طالما أن الحاجة إنسانية بالأساس ؟

جملة من الأسباب تدفع تركيا إلى هذا الموقف حيث تخشى الدولة الصاعدة من أي ترتيبات جديدة في الملفين السوري والعراقي تكون على حساب مصالح تركيا الحيوية. وقد كانت التجربة التركية مع الحرب العراقية عام 2003 مريرة . بالرغم من أن الحرب كانت على حدودها ولم تشارك انقرة الولايات المتحدة في حربها ضد العراق إلا أن المصالح الغربية لم تراع الحجم التركي وأقصته تماما عن المشهد العراقي. وقد جاء الغياب التركي لصالح التمدد الإيراني الذي وسع المجال بدوره امام طهران لتكون حاضرة وفاعلة في عدد من الدول العربية.

التوسع الإيراني وتزايد النفوذ يسبب حساسية تاريخية لتركيا ، فالبلدان تنافسا تاريخيا في المنطقة وكان التنافس بينهما هو الثابت في العلاقة المتقلبة بين البلدين منذ قرون. تعتقد تركيا أن أي تراجع لإيران من رصيدها في الواقع السوري يجب أن يصب في حساب تركيا.

تدرك أنقرة أن العلاقة اليوم حرجة بين واشنطن وطهران. وإذا ما تحسنت العلاقة بينهما فإنها قد تكون على حساب دول أخرى في المنطقة.. وهي تعرف أن المحدد الأساسي لمستقبل هذه العلاقة هو الملف النووي الإيراني وبما أن الأمور لم تصل إلى خواتيم سعيدة فهي فرصة نادرة لتركيا أن تحول دون اتمامه قبل أن تعيد ترتيب المنطقة بما يتناسب مع حجمها وحضورها الفعلي .

تركيا لديها حدود تفوق 1200 كلم مع البلدين وتجمعها معهما قضايا عديدة، منها ترسيم الحدود ، القضية الكردية ، اللاجئين ، المسائل الاقتصادية من ترانزيت واستثمارات وغيرها . يضاف لذلك أن عددا ليس بالقليل من الأتراك تورط في الحرب السورية . بعضهم قاتل إلى جانب الأسد من الأتراك العرب وبعضهم قاتل إلى جانب داعش والنصرة.

تريد تركيا إرسال رسالة لجميع القوى الفاعلة في المنطقة أنها لم تعد تركيا المترددة الضعيفة التابعة التي تدور في فلك الآخرين .. تركيا اليوم هي صاحبة مصالح خاصة .

ويبقى سؤال ، الإجابة عليه ملحة وهو : لماذا يصر أردوغان على أن تشمل الحرب على الإرهاب إسقاط الرئيس السوري ؟

تعتقد تركيا أن الحكومة السورية الحالية بقيادة الرئيس الأسد قد حاولت إثارة النعرات المذهبية والحساسيات التاريخية بين مكونات المجتمع التركي مثل العلويين واليونانيين فضلا عن دعم المعارضة التركية. وهناك شكوك تركية لا تخفيها أنقرة أن دمشق مسؤولة عن التفجيرات التي طالت مناطق عديدة لها في الجنوب التركي.

كما تدرك أنقرة أن أي تسوية في سوريا تبقي الأسد في الحكم سيرتد سلبا على مصالح تركيا السياسية والإقتصادية في العلاقة مع سوريا لا سيما أن سوريا تعتبر البوابة العربية للمنتجات التركية وقد مهدت دمشق الطريق أمام الثقافة التركية للعودة الى المجتمعات العربية قبل الأزمة .

وأن بقاء الأسد يعني المزيد من التهميش للمكون السني الذي تحاول أن ترعاه تركيا وتنافس مع دول الخليج حوله ، وبالتالي المطالبة برحيل الأسد كأساس لأي تحول تعتقد أنه سيكسبها أصوات المعارضة وسيحد من تنامي موجات التطرف الديني في المنطقة.

تخشى تركيا من أن ترمم العلاقة بين دول الخليج ومصر من ناحية وبين الحكومة السورية في مواجهة الإسلام السياسي بكل أطيافه وهو ما سيضع تركيا التي تحكمها حكومة محافظة في عزلة شديدة في المشرق هي تكافح للعودة إليه بقوة منذ اعتلاء حزب العدالة والتنمية عرش السلطة عام 2002 . لذا تسعى لقطع الطريق عليه. هذا بعض من أسباب وأهداف الموقف التركي وليس كله بطبيعة الحال ويبقى الرهان على مدى فعالية الدبلوماسية التركية في ترجمة هذه الظروف الحرجة لصالح تطلعاتها ومصالحها الحيوية على المدى البعيد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستبداد والإرهاب .. حسين العودات

البيان

الاثنين 29-9-2014  

لاشك أن للإرهاب أسباباً عديدة، ولعل العامل الجدي والشامل المغذي لمعظم هذه الأسباب هو الاستبداد، الذي يرسم بشكل فعال نهج التعاون مع مختلف أسباب الإرهاب الأخرى وتنبثق منه منابع هذا الإرهاب ووسائل تغذيته.

يلغي الحكم الاستبدادي الحريات السياسية وغير السياسية والديمقراطية والمساواة، ويكرس المحسوبية، ويهمش تكافؤ الفرص، ويلغي الحوار، ولا يهتم بالعدالة ولا بحقوق الإنسان ، ويركز السلطات بيد جهة واحدة، ويصادر من الشعب مجالسه التشريعية والتنفيذية وهيئاته.

وبالتالي يضع الشعب وتياراته السياسية وفئاته الاجتماعية ومنظماته المدنية في طريق مسدودة من خلال رفض سماع مطالبها والحوار معها، بحيث لا يبقى أمامها سوى الانتفاضة أو العنف لتحقيق هذه المطالب .

نلاحظ في البلدان العربية أن الإرهاب والعنف ازدهرا في الجزائر وليبيا وتونس والسودان واليمن وسورية وبعض البلدان العربية الأخرى، مما يشير إلى أن الأنظمة السياسية في معظم هذه البلدان (لم تترك للعبر بقية) ولم تسمح لشعوبها بالحوار، أو تعترف بحقوقها، أو تعزف عن السياسة الأمنية الصارمة وسياسة الفساد، اللتين اعتمد عليهما النظام حتى تغولا.

فطغى الفساد وبغى ودخل كل خلية من خلايا المجتمع، وكل سلوك من سلوكه، وصار شريكاً في رسم الحياة الاقتصادية والسياسية والحياة اليومية عامة، كما تغوّلت أجهزة الأمن وأعطت لنفسها الحق بالقمع والاعتقال والمصادرة والظلم دون رقيب أو حسيب أو ملاحقة أو الاعتراف بالقضاء والقانون وأحكامهما.

وهذا كله أغلق المنافذ أمام أي انفراج مجتمعي أو سياسي ، وحرّض الشعب على ممارسة الطرق غير المعتادة للوصول إلى حقوقه المشروعة، ولم يترك أمامه وسيلة سوى الانتفاضة والثورة بل ربما العنف كطريق وحيدة للخلاص، وهذا ما مارسته الجماهير الشعبية وبعض تياراتها السياسية في البلدان العربية التي أشرت إليها.

ولهذه الأسباب لانجد حماساً جماهيرياً كبيراً معادياً للإرهاب، لأن بعض فئات الجماهير الشعبية تعتقد بشكل ما أن ممارسات الإرهابيين تثأر لهم لما واجهوه من إهانات وتهميش وإقصاء، ولا تفكر إلى أمد بعيد ولا ترى المستقبل المرّ إذا انتصر الإرهابيون وشكلوا المجتمع الذي يدعون إليه وهو مجتمع خارج الزمان والمكان أي خارج العصر الذي نعيش فيه.

لم تأت الأنظمة الشمولية والدكتاتورية للسلطة باختيار شعبي أو بطرق مشروعة متعارف عليها، ولذلك لجأت للنفاق والتدليس لإرضاء الناس والظهور بمظهر الحاكم الذي تؤيده الجماهير، وفي ضوء ذلك لم تجرؤ هذه الأنظمة على تطبيق معايير الدولة الحديثة وخاصة الحرية والديمقراطية ، ولا انتخابات ديمقراطية.

وبذلك ازداد الظلم ظلماً، كما كانت هذه الأنظمة تصر على ممارسة القمع وتهميش الناس وإقصائهم، مما حرض الشعب على اتباع مختلف الأساليب للوصول إلى أهدافها، وقد استغلت تنظيمات إرهابية متطرفة هذا الوضع فتبنت العنف والإرهاب لتحقيق أهداف مختلفة.

وهكذا نلاحظ أن الأنظمة الشمولية والدكتاتورية وأنظمة القمع هي المسبب الحقيقي للإرهاب وتطوره وانتشاره في مختلف البلدان العربية.

تواجه البلدان العربية خلال محاربة الإرهاب صعوبتين رئيسيتين الأولى أن الأنظمة التي كانت المسبب الرئيسي لنشوء الإرهاب هي التي تحاربه الآن، وبالتالي تتجاهل أو تجهل أن أسبابه أكثر تعقيداً وأنه من الصعب هزيمته بالعنف والسلاح والحرب وأن لا بد من تجفيف منابعه التي سببتها هذه الأنظمة نفسها.

والصعوبة الثانية هي أن الجماهير الشعبية مخدوعة وغير مقتنعة تماماً بأن محاربة الإرهاب هي الأولوية بل ما يزال بعضها يعتبر أن المنظمات الإرهابية منظمات متدينة تسعى لخير الناس ونصرة الدين ومواجهة الأنظمة الاستبدادية والغرب الاستعماري.

وذلك بسبب تربيتها التي تراكمت خلال عشرات السنين، مما يترك المعركة بين منظمات الإرهاب والجيوش المسلحة وجهاً لوجه دون الاهتمام بالحواضن الشعبية لهذا الإرهاب التي ينبغي أن تلعب الدور الرئيس في مواجهته.

إن المشكلة ليست عابرة إذاً، ولا هي معركة طارئة، كبرت أم صغرت، وإنما نهج واسع تتداخل فيه عوامل متعددة، ويقتضي الأمر تضافر عدة أساليب وفئات شعبية ونشاطات مختلفة، فضلاً عن إعادة تربية الناس وتشكيل وعيهم تمهيداً للقضاء النهائي على الإرهاب ومنظماته وإنهاء الحروب معها والعودة بالمجتمعات إلى تطورها الطبيعي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : دي ميستورا المبعوث الأممي يصرخ في وجه الأتراك : هل تريدونهم يرون إخوانهم يقتلون ويقفون متفرجين !؟ .. زهير سالم

12.10.2014

لعل أصدق أسماء الثورة السورية بحق : الفاضحة ، التي فضحت نفاق المجتمع الدولي وكذبه وعنصريته وتعصبه ضد الإسلام والمسلمين.

فلم يجف حبر قرار مجلس الأمن عن المقاتلين الأجانب بعدُ ، وعن اعتبارهم إرهابيين ، وتجريمهم ، ومطالبة دولهم بتجريمهم ، ومطالبة كل دول العالم بملاحقتهم ، وتشكيل سد في وجوههم ، وتوجيه اللوم المباشر للحكومة التركية بالذات لكونها تساهلت في عبورهم إلى الساحة السورية ؛ حتى خرج علينا الأمين العام للأمم المتحدة يطالب تركية بالذات أن تدوس على قرار مجلس الأمن وأن تسمح بتدفق المقاتلين ( الأكراد ) من الحزب المصنف إرهابيا إلى الساحة السورية لينضموا إلى فرق القتل المرخصة أو المسكوت عنها من قبل المجتمع الدولي في الاشتراك في قتل الشعب السوري ، والدفاع عن الحليف بشار الأسد .

والصوت الذي كان أجرأ وأوضح وأكثر إيغالا في فضح الزيف والنفاق هو صوت السويدي ابن بلد مخترع البارود وصاحب جائزة نوبل للسلام ديميستورا الذي صرخ في وجه الأتراك بل في وجوه العالم أجمع عن أكراد حزب البي . ك . ك الإرهابي : هل تريدونهم أن يروا إخوانهم يقتلون ثم يقفون متفرجين ؟!

سؤال نقلبه بدورنا على كل الذين أصدروا قرار مقاتلين الأجانب ، واحتشدوا له ، وحشدوا خلفه ؟!

ونقلبه على كل صاحب انتماء عمن يمكن أن يقال له ( إخوانهم ...!!) من العرب والمسلمين الذين يتفرجون منذ أربع سنين على إخوانهم يقتلون ثم يجدون لأنفسهم الذرائع الدينية والمدنية ليس ليكونوا فقط في صفوف المتفرجين الخاذلين بل ليتحولوا إلى شركاء في صفوف القاتلين ..

نقلبه على علماء الإسلام الذين الأصل فيهم أنهم يوقعون عن الله ، ترى كيف شطبوا من كتاب الله قوله : (( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ...)) . وكيف ألغوا من فقههم قول رسوله الكريم ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ) ؟!

إن الصرخة الصادقة الحرى التي أطلقها السيد ديمستورا مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ، والتي أعاد تأكيدها السيد الأمين العام ،تكشف في الحقيقة عن عمق الازدراء والمهانة التي ينظر بها الأناس المحترمون إلى أمة عربية استطاب حكامها ونخبها الذلة والتبعية والهوان

لقد استطاع أعداء الثورة السورية ، الذين أحكموا الخناق على الشعب السوري وثورته ؛ أن يحولوا نصرة هؤلاء المنتصرين حول العالم لإخوانهم في سورية إلى معول هدم في جنب الثورة ، وإلى عقبة كأداء في وجه مشروعها ، بتقديم كل أشكال الدعم لقوى التطرف لتكون قادرة على الاستقطاب والتوظيف على محور حرف الثورة وهدمها ...وبينما تدفقت كل قوى الشر من حول العالم ، ولاسيما من روسيا ومن إيران ومن العراق ومن لبنان ‘ مجهزة منظمة مدربة لتشارك في ذبح السوريين وكسر إرادتهم ...

ليس من غرض هذا المقال استنفار الطاقات البشرية حول العالم للدفاع عن الأطفال المذبوحين على كل الخارطة السورية ، ليس لأن الشعب السوري لا يحتاج إلى نصرة وقد تكالبت كل أشرار العالم عليه ؛ ولكن لأن صيرورة أي نصير أن يتحول إلى جزء من مشروع هدم الثورة ، والإجلاب عليها ، ونقض المشروع الوطني للسوريين ..!!! وإنما فضح نفاق المجتمع الدولي وازدواجيته وعنصريته هو الغرض ...

أن نقول للمجتمع الدولي إنه لمن العنصرية التي ما بعدها عنصرية أن يختصر عشرون مليون سوري مرة في قرية اسمها معلولا ومرة في قرية اسمها عين العرب ، ثم تأخذ مثل هاتين القريتين من اهتمام القادة والساسة وأصحاب الرياسة أكثر مما تأخذ مدن الحضارة السورية الكبرى بإنسانها وأوابدها ...

الغرض أن نؤكد للمجتمع الدولي ، لدوله الخمس دائمة العضوية وللأمين العام للأمم المتحدة ولمبعوثه الخاص إلى سورية ...

أننا نرفض ازدواجية المعايير ، ونرفض العنصرية ، ونرفض أي تدخل للقتلة على الأرض السورية على اختلاف أديانهم وأعراقهم ومذاهبهم وذرائعهم وأدواتهم ووسائلهم ...

الهدف أن نعلن بكل الصدق تمسكنا بقرار مجلس الأمن في إدانة وتجريم كل المقاتلين الأجانب المتسللين إلى الأرض السورية وعلى رأسهم مقاتلي الولي الفقيه وحسن نصر الله وعصائب المجرمين المتسللين من العراق أو من تركية على السواء ...

الهدف أن نؤكد أن في سورية قضية جوهرية أساسية كبرى هي قضية شعب ثار على الظلم والاستبداد والفساد وخرج يطالب بالعدل والحرية والكرامة والإنسانية ، وأنه على المجتمع الدولي أن يكون وفيا لمبادئه ، محترما لقوانينه ، وأن يكف عن الالتواء وعن النفاق وعن الازدواج وعن الاختباء وراء لافتات التطرف والإرهاب...

لندن : 16 / ذو الحجة / 1435

11 / 10 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: «داعش» هو النتيجة والنظام مصدر الإرهاب .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 30-9-2014

هناك نبرة تبرّم وشكوى في أوساط شعبنا في الداخل الوطني والمهجر من صعوبة الأوضاع، وجسامة العذابات والتضحيات وانسداد الآفاق، وحتى التفكير في مشروعية الثورة أصلاً، وذلك مقارنة بحجم الدمار الذي حصل ويحصل والعدد المخيف للشهداء والمفقودين والمغيّبين والمعتقلين والجرحى، هذا ناهيك عن ملايين النازحين واللاجئين.

هذه النبرة انعكاس لحالة إنسانية يمكن فهمها وتسويغها ضمن المعطيات والمآلات التي نتعامل معها في يومنا الراهن. ولكن حينما يتجاوز المرء جانب المشاعر والعواطف التي لا بد من أن تُحترم، ويحكّم عقله في معاينة ما كان وما هو قائم، يدرك أن الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه ما زالت فاعلة، وأن الأهداف التي كانت من أجلها الثورة ما زالت مطلوبة ومشروعة، وأن كل ما حصل ويحصل إنما هو بفعل سعي النظام الى ترويع الناس، ودفعهم نحو حافة اليأس للتسليم مجدداً بواقع أنهكهم على مدى عقود، ويُفرض بالقوة راهناً عبر التهديد بعفاريت الإرهاب المستورد من مختلف المذاهب والأصقاع.

فالنظام هدّد حتى قبل انطلاقة الثورة بأن سورية ليست تونس أو مصر، أو حتى ليبيا. وبيّن بوضوح أنه مستعد لتدمير البلد مقابل أن يستمر بشار الأسد ومجموعته في التحكّم به. وقد نفذ تهديداته منذ الأيام الأولى للثورة، حينما بدأ بقتل المتظاهرين واعتقالهم وتصفيتهم في المعتقلات أيام الثورة السلمية المطالبة فقط بالإصلاحات في إطار النظام القائم.

ولعل من المناسب أن نشير إلى ما ذكره لنا أحد المسؤولين العرب في لقاء من لقاءاتنا مع اللجنة الوزارية المكلفة بالملف السوري. فبعد أن استمع الرجل الى وجهة نظرنا، قال لنا: ما أفهمه من كلامكم هو أنكم تطالبون بأن يتنحى هذا النظام بعد أربعين عاماً من الحكم. هل هذا ما تقصدونه؟ وكان جوابنا هو الموافقة على ما ذهب إليه فهمه. فما كان من محدثنا إلا أن أردف بعصبية قائلاً: من المستحيل أن يفعل ذلك. ولم يكن المسؤول العربي المعني هنا ينطق عن الهوى، فهو على دراية بالشأن السوري، وله اطلاع واسع على طبيعة العلاقة التي تربط بين نظام بشار الأسد وحليفه الإيراني، ولديه معلومات حول استعداد الطرفين للإقدام على أي شيء من أجل الإبقاء على النظام.

وهذا ما حدث بالفعل. فبعد ارتفاع وتيرة الانشقاقات، بخاصة في 2012، والتي بلغت ذروتها بانشقاق رئيس الوزراء نفسه، واتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل معظم الأماكن، بدا واضحاً للجميع أن النظام يعاني من وضعية صعبة للغاية، وأن مسألة سقوطه لم تعد من الأمور المستبعدة، بل أصحبت مسألة وقت.

ولكن يبدو أن الإرادات الدولية لم تكن قد توافقت بعد على ذلك. فكانت التصريحات المدروسة بعناية من جانب المسؤولين الغربيين، وكان الإصرار الروسي، والصمت في مجلس الأمن، لمنع اتخاذ أي قرار دولي يدين النظام، ويطالب بإجراءات جدية لردعه. ولم تتمكّن مجموعة أصدقاء الشعب السوري، على رغم كبر حجمها، من فعل أي شيء سوى تنظيم اجتماعات كرنفالية، ربما حققت لأصحابها شيئاً من راحة الضمير على الأقل إعلامياً.

ومن الجهة الأخرى، ظلّ التغاضي من الجميع إزاء تفاقم وحشية النظام، وإقدامه على استخدام الصواريخ الباليستية، والطيران، وبراميل البارود، وكل أنواع الأسلحة الثقيلة التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك الكيماوي، في قتل السوريين، وتدمير مدنهم وبلداتهم.

والأمر اللافت الذي أدى دور الإشارة الخضراء المطمئنة للنظام تجسّد في تلك التصريحات المستمرة للمسؤولين الأميركيين، ومفادها أنه لن يكون هناك عمل عسكري ضد النظام، إلا إذا أقدم على استخدام الأسلحة الكيماوية. هذا في حين أعلن الجميع لاحقاً أن النظام كان قد استخدم الكيماوي لمرات عدة. وفي ما بعد جاءت الضربة الكيماوية الكبرى، ومع ذلك استمر العالم في سلبيته، وتجاهله، وباتت الأجواء مهيأة لتنامي التطرف وحصيلته الإرهاب، وبالتناغم والتنسيق مع جهود النظام، بل بالتفاهم مع هذا الأخير.

وأذكر بهذه المناسبة أن مسؤولاً روسياً قال لنا في لقاء من لقاءاتنا مع الجانب الروسي: كنتم تعلنون أن النظام لن يستمر أكثر من أشهر وها هو مستمر، ولم يسقط. وكان جوابنا له: كان سيسقط لولا دعمكم ودعم حليفه الإيراني، وأنتم تعرفون ذلك تماماً. فالتزم الصمت.

وبدا واضحاً أن هناك توافقاً غير معلن بين القوى الدولية المؤثرة حول الإبقاء على الأزمة السورية مفتوحة. ومن هنا جاء مؤتمر «جنيف 2» الكرنفالي الذي كان الجميع عارفاً بعدم جديته وجدواه، ولكنه مثّل مناسبة لتبرئة الذات، وتحميل السوريين أنفسهم مسؤولية عدم التوصل إلى حل.

والآن، وفي ظل ما نسمعه من تسريبات، وما نلاحظه من ممارسات وتلميحات وإشارات تتناول امكانية حدوث صيغة مطلوبة من التفاهم الإقليمي، أساسه الاعتدال، فهذا يبدو تبشيراً بامكانية التعويل على النيات الطيبة للنظام، وسعياً لترسيخ انطباع زائف فحواه أن الإرهاب، الداعشي بصورة أساسية، بات الخطر الأكبر الذي يهدد الجميع، الأمر الذي يستوجب تركيز كل الجهود لمواجهته، وهذا مؤداه الإبقاء على بشار الأسد ومجموعته، مقابل بعض الإصلاحات غير الأساسية التي قد تجذب بعض المعارضين الموضوعانيين الذين يعلنون قلقهم على البلد وأهله.

فكأن السوريين الذين كانت الثورة بهم ومن أجلهم، هم الذين دمّروا بلدهم، وقتلوا شعبهم، وليس النظام الذي هدّد، حتى قبل انطلاقة الثورة، بالتدمير الشمولي، وذلك عبر رسائل حمّلها الى قسم من هؤلاء المعارضين أنفسهم.

الإرهاب الداعشي مرفوض ومنبوذ ومدان من سائر السوريين، وليس له مستقبل في سورية. لكن العلاقـة بينه وبـين إرهاب النـظام عـلاقة عضـويـة تضايفية، ولا يمكن أن تعالج الوضعية عبر الإبقاء على أحد الإرهابيــن، إذا كنـــا مستعديـن لتـرسيخ اسس الاعتدال في المنطقة. فالإرهاب مرفوض بكل أشكاله وفي كل مواقعه، سواء أكان في السلطة أم خارجها.

الأمر واضح وضوح الشمس: بقاء بشار الأسد معناه استمرار القتل والخراب والدمار في سورية. وما ينبغي أن يعرفه الصديق والبعيد أن السوريين لن يقبلوا بعد كل ما حصل بالأسد، حتى لو أجمعت القوى الكونية كلها على بقائه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

داعش» ومصالح الغرب .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 30-9-2014

ما يمر في العالم الآن يمثل درساً عميق العِظات والدلالات، وخصوصاً بالصيغة الأكثر غِنى وبما في تاريخه الحديث والمعاصر، وكي لا نقع في الالتباس، وفي اضطراب المفاهيم والأفكار والرؤى، ينبغي أن نسارع إلى التذكير الدقيق بقضية الإرهاب وإشكالية البحث فيه في سبيل الخروج منه، والقضاء عليه على نحو يتماهى مع تاريخ العالم، وكي نفصح عن ذلك، نشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، ومعها الدول الأوروبية المشاركة مع غيرها الآن في التحالف ضد «داعش» وغيره، بدأت فعلاً وحقيقة في العمل على مكافحة الإرهاب، مع نشأة الأدلة الدقيقة على ممارسته في هذه المرحلة، وعلى دور «داعش» في ذلك بكيفية خاصة، ومع العلم بأن «داعش» ليس أول تعبير عن الإرهاب بصورته الراهنة، الوحشية، فإنه من المعروف كذلك أن تنظيم «القاعدة» هو الذي شكل، في حينه، المرجعية الحاسمة له في وحشيته وفي منظومته الفكرية السوسيولوجية العامة.

في سياق ذلك وضوئه، يطرح السؤال التالي نفسه في مرحلتنا الراهنة: لماذا تُكرّس الولايات المتحدة الأميركية وتوظف طاقاتها العسكرية الكبيرة أو الكبرى في خدمة إطاحة «الوحش الإرهابي الراهن»، مع أنها لم تفعل ذلك رداً على أحداث نيويورك الشهيرة؟ كان الجواب على ذلك، وهو مازال نفسه الآن، كالتالي: لم يكن الخطر على الولايات المتحدة وأوروبا (أي الغرب) في حينه قد تجاوز البعد الاستراتيجي لهذا الأخير، وتتسع الأسئلة التي نجمعها نحن حول أحداث الإرهاب في العالم، لنتبين ردود الفعل عليها من قِبل الغرب متوافقة مع مصالحه، بمعنى الكلمة الدقيق والشامل.

إن هدفنا من ذلك هو الوصول إلى نتيجة أولية تتصل بما نحن الآن بصدده: ما يتصل بمصالح الغرب إياه من الصراعات والتخريب والتدمير، على نحو ما يحدث وما سيحدث في العالم على صعيد الإرهاب وما يتصل به وما ينشأ عنه، هو ما يهم الغرب ويمثل همه، ليس إلا!

إن الغرب المعني هنا (الولايات المتحدة وأوروبا ولواحقهما وامتداداتهما) هو الذي أرسى دعائم التخلف والتخليف والإفقار والإذلال وصمت على تحول العالم العربي إلى حقل لأشنع صيغ التخلف والديكتاتورية والحيلولة دون فتح أبواب الديمقراطية والمجتمع المدني ومبدأ تداول السلطة، مع إقصاء وتحريم مبادئ الحرية والمحاسبة والبقاء في السلطة، أية سلطة، مع ترك احتمال ترك السلطة من قِبل الحاكم المستبد في حالتين: الموت الطبيعي أو القتل.

ولكننا ها هنا نجد أنفسنا مرغمين على التوقف عند منعطف كبير خطير ومفعم بالكثير من التفكر في شؤون المواطن العربي عموماً، والذي ينتمي إلى الطبقات الوسطى المدمرة وما تحتها، حتى نصل إلى ما لا يوجد بعدها: أما ما يوجد بعدها، فنأخذ طرفاً منه، ممثلاً بما نطلق عليه، وفق علم الاجتماع الاقتصادي «الهجرة». وإذا كان الهروب يجد سبيله إلى ما يحلم به الإنسان المقهور والمذل والمجوع والمجهل إلخ، فإن ما حصل عليه من السعادة كبديل عما فقده معظم عمره، ضمن الدولة الأمنية في الدول العربية، التي تصنع أفراد المجتمع المعني، بحيث يصبح «الجميع» ملوثين ومُدانين تحت الطلب، تأتي بذلك عملية توحيد المجتمع التي أخفقت وتصدعت في الواقع العربي الحي، بطريقة توحيد المجتمع في مرضه السريري الذي يفقد فيه الكرامة والحرية إلخ.

لذلك من يعترض الآن على برنامج مكافحة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة والدول الأخرى بتأكيد القول إن تحقيق ذلك لا يتم عن هذا الطريق، وإنما عن طريق البدء باجتثاث الحاضنة السوسيوتاريخية والفكرية القيمية لحالة الإرهاب في صيغه المتعددة والمتكاثرة، وإذا كان هذا الرأي يمتلك مصداقية معرفية نظرية محضة، إلا أنه يفتقد بذلك مصداقيته التاريخية المجتمعية والسياسية التي تستوجب الاستجابة لمشروع اجتثاث «داعش» وأمثاله راهناً، ولكن ضمن طريق التأسيس لهذا المشروع في عالم خرج من المذلة والمجاعة والجهالة ومن الاستبداد السياسي بأسسه الأربعة: استئثار بالثروة والسلطة، والإعلام، والمرجعية المجتمعية السياسية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أربعة أخطاء قاتلة للتحالف في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 30-9-2014

بدأت، في أقل من أسبوع من العمل على الأرض، تظهر نقائص التصور الذي صاغه التحالف الدولي للتدخل في العراق وسورية، وفي الواقع، في الشرق الأوسط الذي لا تشكل حالة هذين البلدين سوى الانعكاس المأساوي لتخبط نخبه ونزاعات دوله وحكوماته المأزومة. فإلى جانب ما بدر من ردود أفعال سلبية لقطاعات واسعة من الرأي العام، بما في ذلك قادة ومقاتلون كان من المفروض أن يتفاعلوا بشكل أفضل مع تدخلٍ، يعلن، صراحة، نيته في لجم القوة التي انتزعت منهم ثورتهم أو كادت، لم ينجح التحالف الدولي، لا في إعطاء صورة واضحة عن أهدافه، ولا في إقناع السوريين بأن التدخل يخدم مصالحهم الوطنية أو السياسية، سواء ما تعلق منها بوقف تغول داعش على ثورتهم، أو في لجم نظام الأسد، ووضع حد لحرب الإبادة التي يشنها منذ أكثر من ثلاث سنوات عليهم من دون رحمة. وسبب ذلك مجموعة أخطاء كبيرة تكمن في أساس تكوين التحالف، والأهداف التي أنيط تحقيقها به.

الخطأ الأول والأكبر أنه في حرب من النوع الذي يخوضه التحالف ضد قوى غير نظامية، لا يمكن الوصول إليها بسهولة، بالاقتصار على سلاح الطيران والقصف الجوي، من الصعب أن تتحقق نتائج ملموسة، من دون تعاون واسع من القاعدة الشعبية والسكان المحليين. والحال أن أصحاب التحالف صاغوا كل تصورهم لطبيعة التدخل وأهدافه واستراتيجيته، إذا كانت هناك استراتيجية مبلورة بالفعل، من دون أخذ رأي هؤلاء السكان، أو من يمثلهم من قريب أو بعيد، أعني المعارضة السورية، وحرص التحالف على أن يحدد أهدافه بمعزل كامل عن الأهداف التي يتطلع أهل البلاد إلى تحقيقها، أو التي يشغل تحقيقها كل اهتمامهم.

الخطأ الثاني هو طرح التحالف حربه ضد الإرهاب بشكل مستقل تماماً عن الأزمة السياسية والإقليمية الحارقة التي ولد فيها هذا الإرهاب، والتي تكاد تقضي على الدول والمجتمعات. لا أعتقد أن من الممكن التقدم في هذه الحرب، من دون الحاجة إلى مواجهة هذه الأزمة، أو الانخراط فيها. وليس مستغرباً أن يرى المكتوون بنار الأزمة في الحرب ضد الإرهاب محاولة للانحراف بقضيتهم عن أهدافها أو باحتمال استخدام قوى التحالف لها، للتغطية على مسؤولياتهم فيها، أو التهرب من التزاماتهم الأخلاقية والسياسية الدولية، إزاء إيجاد حل سريع لها.

والخطأ الثالث، عدم التعريف الدقيق للمستهدف المباشر من هذه الحرب، والاكتفاء بالحديث عن معتدلين ومتطرفين. وهذا يعني أن جميع الكتائب المقاتلة السورية سوف تشعر، تلقائياً، بأنها ستكون مستهدفة، طالما أن أحداً لم يتصل بها، ويعرفها بأنها من الكتائب المعتدلة. ومما ضاعف من هذا الخطأ الحديث عن تدريب بعض آلاف المقاتلين المعتدلين وتسليحهم، وعدم التطرق، في أي وقت، لعشرات ألوف المقاتلين في كتائب الجيش الحر وألويته المنتشرين على جبهات القتال السورية مع النظام. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن يشك كثيرون منهم بأن هناك احتمالاً كبيراً في أن يكونوا مستهدفين، أو على الأقل مستبعدين من أي مشروع تغيير في المستقبل، بعد أن قضوا سنوات يخوضون غمار معارك دموية، واستشهد أخوة وأبناء كثر لهم، لا يمكنهم إلا الوفاء لتضحياتهم.

والخطأ الرابع، غياب أي رؤية سياسية واضحة للهدف والنتيجة المنتظرة من الحرب. فلا يمكن أن يكون المطلوب من كل هذا الجهد تضييق الخناق على داعش، أو قتل أكثر ما يمكن من عناصر داعش والقوى الموسومة بالتطرف. ينبغي أن يكون لقتال داعش هدف واضح، مرتبط بإيجاد حل لمشكلة السوريين الرئيسية، وأن يرى المقاتلون أثر الحرب ضد الإرهاب المباشر على تقدم قضيتهم في تحرير سورية من الديكتاتورية الدموية. فإذا كانت المسألة لا تتعلق إلا بالحد من مخاطر الإرهاب على السلام والأمن العالميين، لا أدري كيف لنا أن نطلب من المقاتلين السوريين، المعتدلين، أو غير المعتدلين، التضحية بأرواحهم من أجل حماية الأمن القومي الغربي أو الدولي، بينما يستمر النظام الدموي بإلقاء البراميل المتفجرة على رؤوسهم وقتل أبنائهم وتدمير قراهم ومدنهم.

كل هذه الأخطاء وغيرها أوجدت علاقة تنافسية، ما كان ينبغي أن تقوم بين المشاركة في الحرب ضد الإرهاب مع التحالف الدولي والاستمرار في الثورة على نظام الأسد، وجعل من السهولة بمكان تصور الأمر وكأنه تناقض بين أجندة التحالف الدولي، المتركزة على تحجيم داعش وأخواتها، وأجندة الثورة السورية الهادفة إلى تغيير نظام الأسد، واستبداله بحكومة وطنية انتقالية.

وليس من المبالغة القول إن التحالف يكاد يخسر قضيته السياسية، قبل أن يبدأ عمله، بمقدار ما تثير هذه الأخطاء خوف قطاعات واسعة من الرأي العام السوري، وتغذي شكهم في أن تكون للحرب على داعش آثار تدعم آمالهم في التخلص من العدو الرئيسي الذي أطلق داعش من بين وحوش كثيرةٍ أخرى، في وجههم لإجبارهم على الخنوع والاستسلام.

ويبدو لكاتب هذه السطور أن الخوف من التورط الواسع في المشرق من جهة، والسعي إلى تضييق الأهداف إلى أبعد حد، كتحجيم داعش، لتجنب إثارة رفض الرأي العام الأميركي الانخراط، واختيار هدفٍ للحرب، قادر على الحشد والتعبئة في دول الغرب والولايات المتحدة خصوصاً، ويمس، كما ذكّر قادة التحالف بذلك، الأمن القومي الأميركي والغربي والدولي عموماً، ذلك كله فرض على أصحاب مشروع التحالف حصر أنفسهم وتفكيرهم ووسائل عملهم ضمن إطار حرب الإرهاب الضيق، في وقت لا يمكن، اليوم، الفصل بأي شكل بين الإرهاب والصراعات السياسية والجيوسياسية التي تهز المنطقة. فلا يمكن فهم الإرهاب الخارجي من دون ربطه بسياسات الطغم الحاكمة وإرهاب الدولة، ولا تصور وجود داعش والنصرة، وغيرهما، من دون وجود حزب الله وميليشيات أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق وعشرات مثلها، تم تدريبها وتسليحها وتمويلها من النظام الإيراني، ولا تصور نهاية لعبث هذه الميليشيات بمصير الشعوب، من دون حل الأزمة الإقليمية المرتبطة باستخدام طهران زعزعة الاستقرار في دول المنطقة، للضغط على الولايات المتحدة والغرب في المفاوضات حول الملف النووي، ومن ورائه على الدور المحوري الذي تريد للغرب أن يعترف لها به في الشرق الأوسط، كذاك الذي كان يُعترف فيه من قبل لنظام الشاه البائد.

لا يمكن الخروج من هذا الفخ الذي يترصد التحالف الدولي من دون الانكباب، بشكل جوهري وحاسم، على ملف الأزمة السورية، ليس في ما يتعلق بكيفية العمل على ترحيل النظام القائم فحسب، وإنما في إعداد السوريين، أيضاً، لمرحلة ما بعد الأسد، وتمهيد الأرض لقيام إدارة سورية متسقة ومنسجمة، ولو كان ذلك بمساعدة الأمم المتحدة ودعمها في مرحلة أولى.

ويستدعي هذا، منذ الآن، فرض حظر شامل على طيران الأسد، من جهة لوقف القصف الأعمى، وبالتالي، الإجرامي، للمدنيين، ومن جهة ثانية، لإنقاذ مهمة التحالف المحدودة نفسها، وتجنب فقدانه الصدقية عند السوريين. كما يستدعي إشراك السوريين، أو ممثليهم، في الكتائب المقاتلة والمعارضة والمجتمع المدني في كل ما يتعلق بقرارات التحالف السياسية وخياراته العسكرية، حتى لا يبقى تحالفاً للقوى الأجنبية، يحتكر وحده حق تقرير مصير سورية والسوريين.

ليس هناك، في نظري، أكثر تقويضاً لصدقية التحالف والتدخل الذي يقوم به من رؤية طيران التحالف، وهو يضرب أهدافه الخاصة على بعد كيلومترات من طيران النظام الذي ينهال ببراميله على رؤوس السوريين المدنيين، كما لو كان هناك توزيع مسبق للعمل بين الطرفين اللذين من المفترض أن يكونا متخاصمين. ولا أدري كيف يقبل التحالف مثل هذا الوضع، وكيف فكر قادته أن في وسعهم الفصل القاطع بين قضية الحرب التي يخوضها نظام الأسد على الشعب السوري والحرب الذي يخوضونها ضد الإرهاب على الأرض الواحدة، وأحيانا في المدن والأحياء نفسها؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : هل القضاء على المتطرفين بحاجة إلى كل هذا التحالف... أو هي محاولة ضفدع "نوبل" للانتفاخ !؟ .. زهير سالم

08.10.2014

" التحالف الأمريكي "طريقة في الخداع ، تقوم على التهويل للتجييش ، وتهدف إلى ( التحويل ) ، تحويل العقول والقلوب والجوارح عن دائرة الخطر الحقيقي ، وعن الاهتمام الجاد بها . وبدلا من أن تشكل الحرب عبئا على الاقتصاد الأمريكي تحولت بذكاء أوباما البارد إلى مصدر من مصادر تشغيل ماكينة السلاح . بل هي محاولة أيضا من ضفدع " نوبل "الذي أضاع هيبة الدولة الأعظم ودورها إلى الانتفاخ لعله يستعيد بعض ما فقد وأفقد ...

تتحدث الأرقام حتى الآن عن أكثر من خمسة آلاف طلعة جوية ألقت فيها الطائرات التابعة لدول التحالف حمولتها من أطنان الذخيرة فقتلت ودمرت وأضاعت وضاعت ... غني عن البيان أن الحلفاء الأغنياء ملتزمون بتحمل نفقات ما يقذفون ومتعهدون بدفع ثمن ما يقذفه شركاؤهم من المتطوعين الفقراء ، وأن الولايات المتحدة تخوض حربها هي بأموال وإمكانيات غيرها ...

وهذا المقال ليس لمناقشة أخلاقية التحالف ، ولادوافعه ولا تداعياته ولا جدواه ،وإنما هو مخصص فقط للحديث عن ضرورته ، وجدية الحاجة إليه ، حسب معطيات التفكير المستقيم في الحال والاستقبال ..

هل فعلا كانت المهمة ( تدمير المتطرفين أو إضعافهم ) بحاجة إلى هذا التحالف لتطهير المنطقة ممن يطلقون عليهم نبذا لقب ( داعش ) ، و يطلقون على أنفسهم غرورا مدعى ( تنظيم الدولة الإسلامية ) .

 دون أن يعني المثل أي نوع من أنواع الإساءة إلى طرف من أطراف المعادلة ، حتى أولئك الذين لا نقبل بهم ولا نتفق معهم وما زلنا ننتقد عقائدهم و أفكارهم وسلوكياتهم ، نتمثل بأبيات المتنبي يسخر فيها من مجموعة من أولئك الذين اجتمعوا على ( جرذ ) ، فسألهم من ضرب ومن سلب ، ومن هاجم من أمام ومن أمسك خلفٍ ، فإن فيه عضةً من الذنب .

تقول العامة في مدينتنا التي دمرها بشار الأسد وحلفاؤها والمتواطئون معه من الصامتين على جرائمه : ( ستٌ وجاريتين لقلي بيضتين ..) والعفو من النحويين.

وعهدنا بهذا الجبل الذي وسموه ( بداعش ) ، و الذي نفخوا فيه من وهم ؛ تساجله الحرب كتائب قليلة العدد محدودة الإمكانات من الجيش الحر . وكم من مرة تم دحر هذه (الدولة ..) فلم يكن دحرها أصعب على جيشنا الحر من دحر تلك ( الدولة ..) المحسوبة على بشار الأسد ، وفي أكثر من معركة تمت هزيمتها و إخراجها ، من حلب وريفها وإدلب وفضائها ، ومحاصرتها في مدينة الرقة بقليل من الوقت والجهد نسبيا وبقليل من التضحيات والإمكانات . وكان بالإمكان لو كان الهدف حقا هو التصدي لهذه الجماعات وإسقاطها أن يتم ذلك بتقديم القليل من الدعم هنا وهناك ..

إن الفرق بين الثوار السوريين الصادقين على هذا التنظيم وحرب الائتلاف المجيش للقتل ( بالدعاية والإعلان ) هو الفرق بين حرب الجاد المستعد للتضحية والذي يريد أن ينتصر ، وبين المستعرض الذي يريد أن يتباهى ويظهر القدرات والمهارات ويستعيد هيبة فقدها بفعل حالة انخناس ذليل .

ككل حروب المجرمين حول العالم ومنذ بداية التاريخ لم يرفع أي طاغية لحربه عنوانها الحقيقي . دائما كان وراء الراية ما وراءها . وحين يرفع التحالف الأمريكي راية الحرب على الإرهاب ، ويصطف في خندق واحد مع الإرهابي الأول في العالم يبقى السؤال ..

ما الهدف الذي عليه يعملون ؟ وهل حقا أن الحفلة تستحق كل هذا الضجيج والعجيج ؟!

لندن : 8 / ذو الحجة / 1435

2 / 10 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البر السوري في مواجهة الجيش التركي... لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 7-10-2014

لم تنتظر طهران إلى اليوم التالي ليتصل وزير خارجيتها بنظيره التركي محذراً أنقرة من أن قرار البرلمان التركي، الذي صدر بعد ظهر الخميس الماضي، والذي يجيز للجيش المشاركة بعمليات التحالف الأميركي العسكرية ضد «داعش» في العراق وسورية، يمكن أن يساهم في زيادة تفاقم الوضع في المنطقة، منوّهاً بأن على دول المنطقة أن تتعامل بمسؤولية تجاه ما يجري فيها من أحداث وألا تساهم في تعقيد الأوضاع.

لا شك في أن القرار التركي استحوذ على اهتمام وانتباه أكثر من طرف دولي، وأولهم النظام السوري. وعلى الأرجح ستكشف الأيام المقبلة عن ردود أفعال عدة. فقد تلقفته وسائل الإعلام باهتمام وتحليل، بخاصة بعد التردد التركي في المشاركة بعمليات التحالف الأميركي، وعدم الحماسة لأهداف هذا التحالف أساساً التي تقتصر على مواجهة «داعش» من دون المساس بالنظام السوري. ومع ذلك ميّز الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مشاركة بلاده في التحالف عن بقية الدول الشريكة بأن تركيا ستحارب «داعش» و «الجماعات الإرهابية الأخرى في المنطقة» و «ستلتزم بهدفها وهو الإطاحة بنظام بشار الأسد».

غالبية التحليلات والقراءات اعتمدت على إمكانية، أو نية، التدخل البري العسكري التركي في سورية، مفسرة ذلك بافتقاد هذه الساحات قوات برية يمكنها أن تواجه قوات «داعش» كما العراق. أو لنيات تركية باحتلال قسم من الأراضي السورية بهدف عزل أكراد سورية عن أكراد تركيا والحيلولة دون أي إمكانية قيام دولة كردية شمال سورية.

هذه التحليلات تجد ما يدعمها في تصريحات أردوغان في الأيام الماضية عن مساعيه لإقامة منطقة عازلة في شمال سورية وإعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري إلى بلادهم. وبالتأكيد مثل هذا الأمر يتطلب حظراً جوياً لقوات النظام السوري في شمال البلاد. كما أن صيغة القرار التركي العامة والفضفاضة والتي لا تحدد شكل المعارك التي يمكن أن يخوضها الجيش التركي في العراق وسورية إن كانت برية أو جوية، ولا حجم هذه المشاركة، تفسح في المجال لتفسيرات من هذا النوع.

التدخل البري التركي المحتمل نظرياً مستبعد عملياً. فهذا الأمر ليس بمشيئة السلطات التركية، مهما كانت نياتها والفائدة التي ستجنيها منه. فقد اختارت أنقرة أن تكون مشاركتها في المعارك الآن، إن حصلت، ضمن عمليات قوات التحالف التي تستهدف «داعش» تحديداً، والتي تقودها واشنطن وتتحمل كامل مسؤولياتها، بل تحتكر كل مكاسبها إلا ما تشاء أن تتركه منها لحلفائها. وبالتالي، فأنقرة مقيّدة تماماً بالإرادة الأميركية في هذا الموضوع.

وكذلك الأمر لو أرادت أنقرة خوض معاركها الخاصة تحت مظلة التحالف الأميركي، فسيكون تدخلها حينذاك حرباً على سورية حتى لو لم تشتبك مع القوات النظامية السورية. وهذا الأمر سيشوش كثيراً على «شرعية» العمليات الأميركية في سورية، ولن يعود بأدنى فائدة على واشنطن التي تجد مكسبها الرئيس في سورية إلحاق الهزيمة بموسكو، وهذه الأخيرة ليست موجودة في شمال سورية بل في عاصمتها دمشق، وتحديداً في القصر الرئاسي، وبالتالي فعلى الأرجح ألا تسمح واشنطن بذلك.

الدول الكبرى في المنطقة، إضافة الى روسيا والصين، لن تسمح لتركيا بمثل هذه الإجراءات المتفردة. فلا إيران، التي أعلنت عن تحذيرها، ولا السعودية ستقبل بازدياد نفوذ تركيا أكثر، وبالتــــأكيد ستكون مصر في واجهة المواجـــهين لأنقرة في أي تدخل بري فـــي الأراضي السورية. لكن يبـــقى الأهم موقف ضابط أمن المنطقة، إسرائيل، التي لا يوجد ما يبرر قبولها بمثل هذا التوسع التـــركي الــذي ســيؤدي إلى الإخلال بموازين القـــوى الرئيسة في المنطقة وربما بتغييرات في الحدود الجغرافية بين تركيا وسورية. فإسرائيل لم تجد حتى اللحظة ما يضيرها في واقع حال الأمور في سورية، بخاصة في شمالها.

صحيح أن لكل واحدة من هذه الدول رؤيتها ومصالحها، أو مضارها، الخاصة من التوسع البري التركي، وعلى رغم تضارب مصالحها (كحال السعودية وإيران مثلاً) الذي سيحول دون وجود أي تنسيق أو تحالف بينها، سيكون من الصعب جداً على أنقرة أن تستفيد من هذا التعارض في المصالح.

لكن أنقرة ليست في وضع تحسد عليه. فمواجهتها «داعش» ستجعلها عرضة لعدائها. ولن يكون من الصعب على مقاتلي «داعش» الذين يأتون في غالبيتهم عبر الأراضي التركية، وينقلون أسلحتهم عبرها، ويبيعون نفطهم فيها، أن ينقلوا بعضاً من عملياتهم إلى مدنها وبلداتها. وفي المقابل، فعدم تصدي أنقرة لـ «داعش» سيجعلها عرضة للاتهامات بدعمها لها. وكذلك فترك أنقرة لقوات «داعش» الاستمرار في اعتدائها على أكراد سورية بدأ يستفز مواطنيها الأكراد ويهدد مفاوضاتها مع حزب العمال الكردستاني بالانهيار، كما هدد عبدالله أوجلان. وفي المقابل من كل هذا، فإنها تتلقى ضغوطاً أميركية وأوروبية شديدة لحضّها على التوقف عن ترددها ومشاركتها الفعلية في الحرب على «داعش».

ربما أمام كل هذا ستضطر أنقرة الى الاكتفاء بالسماح لقوات التحالف باستخدام قواعدها العسكرية، وبضبط حدودها أمام تنقل المقاتلين الأجانب، وبالتعاون الاستخباراتي «الصادق» مع الدول الغربية في ما يخص مواطنيهم المجاهدين في سورية، إضافة الى استمرار رئيسها، أردوغان، بإطلاق العبارات النارية، التي تحولت إلى دخانية مع مضي الوقت، في مواجهة بشار الأسد، على رغم أن هـــذا الموقـــف من الأســد بات يجيّره الرئيس التركي ليجعله ذريعة لعدم الانخراط الفعلي في عمليات التحالف، لإدراكه التام بأنه يستحيل على التحالف أن يستهدف نظام الأسد الآن في ظل الخطر الداعشي.

لا أهمية هنا لموقف النظام السوري الذي سيقبل بالمشاركة التركية في عمليات التحالف إن بقيت بحجم المشاركات العربية وشكلها، وسيندد بها إن تجاوزته. هذا على رغم أنه يعتبر أن أنقرة راعية الإرهاب في بلادها مثلها مثل الدول العربية الأخرى المشاركة في عمليات التحالف.

المعارضة السورية ستعلق الآمال العظيمة وتعيش على حلم كاذب بأن تقوم تركيا بما خذلتها به الولايات المتحدة من حظر جوي واحتلال لأراض سورية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى صدام مع الجيش السوري يتسبب بتحطيمه وسقوط النظام وتسلّمها السلطة على طبق من فضة. وإلى أن تستجد ظروف لا نعرفها الآن، سيستمر المواطنون السوريون في التشرد واللجوء إلى كل البلاد المجاورة والبعيدة، ومن يبقى منهم داخل البلاد سيعيش ويلات السيارات المفخخة تستهدف مدارس الأطفال، أو البراميل المتفجرة تستهدف كل ذي روح وحياة.

وسيبقى رجال سورية المفترضون (ذكوراً أو إناثاً)، الذين يمكنهم أن يملأوا مقعد اللاعب السوري بين جميع هذه الأطراف الدولية، غائبين إلى ما شاء الله. أما «داعش» فستبقى، في المدى المنظور، الوحيدة ذات الأثر الفاعل في الساحة السورية، تتحرك على وقع خطاها بقية الأطراف الأخرى، الدولية والمحلية.

 

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أميركا والأدوار المتغيّرة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 8-10-2014

من المحال أن تدخل دولة، في قوة أميركا وتأثيرها، إلى صراع من دون أن تغيّر أدوار المشاركين فيه. وبالفعل، فقد بدأنا نلمس مظاهر تغيير الأدوار الذي أنتجه دخول واشنطن إلى الصراع، من باب الحرب ضد الإرهاب، وتبدّت أولى علاماته في انتقال بلدان عربية وإقليمية إلى تبني خيار الحرب ضد "داعش" أولوية سياسية وعسكرية ألزمت نفسها بها، وشرعت تسهم في تطبيقها بواسطة قواتها المسلحة.

لو أخذنا هذا التغيير على المستوى الدولي، لوجدنا أن الدور الروسي بدأ ينكمش، وينتقل من المجابهة غير المباشرة إلى النصح الحريص الذي يذكّر بالقانون الدولي، وينبّه إلى خطورة انفراد دولةٍ بإقامة تحالفٍ يسير على نهجها في موقفه من الإرهاب وقضايا المنطقة، كأن الدبلوماسية الروسية رأت مصلحتها في اتخاذ موقف ترقّب سلبي متخوّف، بعدما عزلتها أميركا عن التحالف الدولي، وضعف تأثيرها في الموقف الدولي، باستخدام حق النقض في مجلس الأمن، وجرى تحييدها، بعدما انتقلت واشنطن إلى التدخل العسكري المباشر، دونما حاجة إلى قرار دولي خاص، مستغلّةً، ربما، قرار مجلس الأمن حول منع انتقال الإرهابيين للقتال في بلدان أخرى.

أما تركيا، فقد وقع تغيير كبير في موقفها، نقلها من المساندة المتحفّظة إلى الانخراط المباشر والإيجابي في الصراع، تحقيقاً لاستراتيجيةٍ قد تعيد صياغة المنطقة دولاً وعلاقات، يمر تطبيقها بإسقاط الأسد، الذي ترى فيه أولوية ملزمة، بعكس أميركا التي وضعت القضية السورية في البراد إلى إشعار آخر، وكذلك إيران التي يريد أردوغان إخراجها من حدود بلاده الجنوبية. تركيا مستعجلة، وأميركا ترفض الاستعجال، وهنا مكمن المشكلة التي ستحلّ، بالتأكيد، عندما يكون هناك توافق حول الحل ونمطه وموعده.

 

في المقابل، اندفعت إيران إلى جنوب الجزيرة العربية، إلى اليمن، للتعويض عن خسارتها، اليوم، في العراق، وغداً في سورية ولبنان، في حال قرر الأميركيون إخراج الأسد من السلطة، وفرض حل جنيف السياسي على نظامه. لتغطية خسارتها في العراق، بدأت التنظيمات العسكرية الإيرانية تطلق تصريحاتٍ تظهر تصميمها على المواجهة، وأخذ ممثلوها يتحدثون، صراحة، عن مشاريعهم المستقبلية العدائية ضد بلدان الخليج، بينما انخرط كبار الملالي في التهديد والوعيد، لرفع روح أهل النظام المعنوية، التي يبدو أنها تضعضعت بعد فشل النظام الاسدي في كسر شوكة الثورة، على الرغم ممّا قدمته بلادهم له من دعمٍ وصل إلى حد غزو جيشها ومرتزقتها اللبنانيين سورية، وبعد دخول أميركا القوي إلى العراق، وأخذها زمام المبادرة في إقامة سلطةٍ ترفضها طهران، المتوجسة من عودة "الشيطان الأكبر" إلى حدودها البرية، بينما يجوب أسطوله البحري مياهها الإقليمية. في هذا السياق، صدرت تصريحات مضحكة عن مسؤولي طهران، تزعم أن قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، هو الذي حال دون سقوط بغداد بيد داعش، مع سبعين جندياً من الحرس الثوري، وأن أسطول إيران ينشط قباله نيويورك.. إلخ، بينما أعلن الحرس الثوري، لأول مرة، عن مشاركته المباشرة في القتال إلى جانب نظام الأسد، واعترف بتشييع خمسة جنود سقطوا قرب دمشق. هل يؤدي التهديد الكلامي إلى إنقاذ الأسد والدور الإيراني في سورية، بعدما يتطور الموقف الأميركي إلى حدّ الصدام مع الأسد وجيشه، في حال رفض التنحي وتمرير حل سياسي ينقذ ما سيكون باقياً من جماعة النظام؟

بدورها، بدأت أوروبا تشارك بفاعلية في صراع مسلح لطالما نأت بنفسها عنه، بالنأي عن دور خاص، أو مستقل، أو قتالي، في المسألة السورية.

ويشارك الخليج، بقواه العسكرية المباشرة، في مقاتلة الارهاب، في خطوة استثنائيةٍ بكل المعايير، سواء في ما يتصل بأثرها على أوضاعه الداخلية، أم على مسائل المنطقة وقضاياها عموماً، والمشرق خصوصاً. هذه المشاركة تقوم على رؤيةٍ تعتبر الحرب ضد الإرهاب مصيرية، والفرصة المتاحة دولياً لقهره حاسمة. وهي تعكس تغيّراً مفصليّاً في سياساتها ستكون له نتائج بعيدة المدى على مجمل أوضاع المنطقة العربية التي يبدو أن قيادات الخليج صمّمت على حمايتها من ألاعيب مذهبيين متطرفين، داخلها وخارجها، نبتوا على شجرة الثورة الإيرانية المسمومة الثمار.

سيعيد الأسد النظر في حساباته من الحرب ضد الإرهاب، من الآن فصاعداً، لأن أطرافاً في نظامه قد تعيد النظر في حساباتها، بينما يعتبر تدريب الجيش الحر وتسليحه رسالة تقول إن هزيمة الثورة ممنوعة، لأنها غدت شريك التحالف الدولي، وعضواً فيه. سيلتفت الأسد، أكثر من أي وقت مضى، إلى وضعه الداخلي، بما أن ضربات التحالف قد تنجح في رد القضية السورية إلى حقيقتها الأصلية، كنضال شعبٍ يريد إسقاط نظام مجرم سلبه حقوقه، حالف الأصولية والإرهاب، ليحرف ثورة عن غايتها، ويشوّه هويتها كثورة حرية سلمية.

باستعادة صورة الثورة الأولى، بعد قرابة أربعة أعوام من العمل المنظّم للقضاء عليها، وبتبدّل توازنات القوى على صعيد المنطقة، سيتغيّر وضع النظام، وسيجد نفسه مجبراً على قبول خيارٍ لطالما رفضه، هو الحل السياسي الذي يضمر إمكانية نقل سورية تدريجياً إلى الديمقراطية، أي إلى حقبة ما بعد الأسدية والبعث.

بقي طرفٌ تمسّ الحاجة بشدّة إلى تغيير دوره، هو المعارضة السورية عامة والائتلاف بصورة خاصة. لا بدّ أن يخرج الائتلاف من انقساماته، وخلافاته، وحسابات قياداته الشخصية والضيّقة، وأن يعيد النظر في أولوياته، ويرفض المال السياسي والعقليات الفردية والمطابخية، ويعطي مقاتلي ومناضلي الأرض حقهم من التمثيل والقرار، ويستعيد القرار الوطني السوري، لكي يتمكن من تلبية مطالب الشعب في أي حل سياسي، ولا مفرّ من أن يعمل كـ"جسديّة" واحدة، وكمؤسسة عمل وطني.

ليس ما نراه، إلى اليوم، هو كل سياسة أميركا والتحالف. إذا كنّا نريد أن يذهب التطوّر إلى ما بعد الأسد، يكون علينا القيام بالخطوات الضرورية في الاتجاه الذي طال انتظاره. ألم تثبت سنوات الثورة الماضية أن انتصارنا مستحيل، إذا لم يشمل التغيير أوضاعنا الكارثية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوباما لن يساوم على دمشق .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 9-10-2014

لم يكن نبأً ساراً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تتحول معركة «داعش» للسيطرة على مدينة عين العرب، قنبلة موقوتة في تركيا، حيث فرض حظر تجول في بلدات سالت فيها دماء كردية تركية على وقع الخوف من مجزرة كبرى في المدينة، بعد قتال شرس. وليس مبالغة القول إن «شطارة» أردوغان في رهانه على حاجة الأميركيين والغرب عموماً إلى الدور التركي في الحرب على «داعش»، انقلبت إلى حصار لأنقرة لا يقل شراسة عن قتال هذا التنظيم في عين العرب.

«الشطارة» انتهت عملياً إلى صدمة، وخيبة كبرى للأتراك الذين يشكون «تعنّت» الأميركيين في رفض ثلاثة شروط أعلنها أردوغان للقبول بتدخل ينقذ المدينة المنكوبة من مصير مأسوي.

صحيح أن أنقرة لن يمكنها في النهاية التعايش مع هيمنة «داعش» على معظم الحدود السورية- التركية، لكن الأكيد ايضاً أن إدارة الرئيس باراك أوباما أعطت ما يكفي من المؤشرات للجهر بأن تبديل نظام الرئيس بشار الأسد ليس من مهمات التحالف... على رغم رفض واشنطن تعويم شرعية هذا النظام.

وما يفهمه الأتراك من الضغوط الأميركية خلال الساعات الأخيرة، هو أن إدارة أوباما لا تقايض تدخُّلاً تركياً لإنقاذ عين العرب، بقرار بإطاحة النظام السوري، ولا تنوي في أي حال استجابة طلب أردوغان إقامة منطقة آمنة داخل أراضٍ سورية يتولاها الأتراك براً وبعمق خمسين كيلومتراً، فيما التحالف يحميها جواً بحظرٍ تفرضه طائراته.

وما يدركونه في أنقرة أن سبب خيبة أردوغان ثم عناده هو اقتناعه برغبة الأميركيين في توريطه بمستنقعات تنظيم «داعش» بلا أي مقابل... باستثناء متطلبات حماية أمن تركيا من خطط التنظيم وأخطاره بعدما وصل مقاتلوه إلى حدودها. وفيما يشتبه الأكراد بتواطؤٍ ما بين «داعش» وتركيا، تشتبه أنقرة بتواطؤ أميركي أشعل فتيل الغضب داخل جمهورية أردوغان، فأفلت في الشارع.

يريد الرئيس التركي إبعاد «داعش» من الحدود وعين العرب بتدخُّل بري للتحالف، وتريد واشنطن ان يتولى أردوغان المهمة، أي ابتلاع كرة النار أو ما قد يعتبره فخاً، لأن الخروج من مستنقع الحروب في سورية أصعب بكثير من الانزلاق إليه. وقبل عين العرب، تراقب طهران أنقرة بعين الريبة، فيما ينتشر مئات من الخبراء الروس والإيرانيين في حلب، تحسُّباً لأي تدخل تركي، بل تذهب معلومات إلى حد تأكيد إنذار إيراني وُجِّه إلى أنقرة بالامتناع عن اختراق الحدود السورية، أو مواجهة «عواقب» تدخُّل عسكري مضاد.

ولعل تحذير رئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني علي لاريجاني من إغفال «التحركات التركية الخطرة» يطلق العنان لذروة الصراع بين طهران وأنقرة الذي بدأ صامتاً في العراق وتحوّل صاخباً في سورية، من بوابة عين العرب، وعلى حساب مصالحهم.

ضغوط من واشنطن والغرب، ضغوط إيرانية وأخرى من الأمم المتحدة، كلها تحشر اردوغان بين فكي كمّاشة قتال «داعش» على الأرض، وضبط الشارع وغليانه في تركيا، حيث الغالبية من عشرة ملايين كردي على الأقل، لن تكتفي بالتنديد بالتفرّج على المذبحة.

الخيبة من الأميركيين صدمة، علماً أن الرئيس التركي أدهش أوباما إذ ظن الأخير التفويض البرلماني لحكومة أحمد داود أوغلو بمثابة شارة خضراء للجيش التركي، لكي يستعد للقتال تحت راية التحالف... على الأرض. استمرأ أردوغان عض الأصابع مع واشنطن، فإذا بالتحذيرات الإيرانية تكرِّس لديه مزيداً من الارتياب بالأهداف الأميركية. هو لا يراهن بالطبع على تبديل الرئيس الأميركي خطط الحرب، أو مسار الضربات الجوية التي تحيّد ما بقي من قوة عسكرية للنظام السوري.

عين على واشنطن وأخرى على طهران، وبينهما مصير عين العرب... كل الضغوط تركت أردوغان في بداية عهده المنتصر في الداخل، أمام خيارين: قتال تنظيم «الدولة الإسلامية» وجهاً لوجه، وراء الحدود، أو قتال شوارع في جمهورية «العدالة والتنمية» مع الذين يصطادون في ماء «داعش» العَكِر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com