العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12/08/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

نعم.. فات الأوان!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

8-8-2012

لو أن بشار الأسد هو صاحب القرار في سوريا ولو أنه يحرص فعلاً على وحدة هذا البلد وعلى تجنيبه خطر الانقسام والتشظي والحرب الاهلية، التي هي في حقيقة الأمر في ذروة إحتدامها الآن، لكان عليه أن يتحلى بجرأة القادة التاريخيين وأن يسارع الى التنحي عن سدة الحكم وأن يحقن دماء شعب من المفترض أنه شعبه وأن يضمن قبل الرحيل والمغادرة انتقالاً سلمياً للسلطة يفضي الى انتخابات حرة ديموقراطية تؤسس لنظام كأنظمة القرن الحادي والعشرين التعددية والمتقدمة.

لقد أضاع بشار الاسد، الذي هو محاط بالإضافة إلى معاناته من داء العظمة والتفوق بمجموعة من المغامرين الذي لا يتقنون ولا يعرفون إلاّ لغة القتل والذبح وسفك الدماء والذين كانت تفتحت عيونهم على مذبحة حماه الرهيبة في عام 1980، فرصة تاريخية عندما رفض نصائح القادة العرب الذين نصحوه بعد انطلاق شرارة درعا في مارس (آذار) العام الماضي بألاّ يلجأ الى العنف والحلول الامنية وأن يبقى قريباً من شعبه وأن يغلق الابواب أمام التدخلات الخارجية الدولية والاقليمية في بلاده.

ولقد أضاع بشار الاسد، الذي إما أنه لا يعرف حقيقة كل هذا الذي جرى ويجري في بلده أو انه مصاب بلوثة تجعله غير قادر على إدراك خطورة ما يفعله ببلده، أيضاً فرصة تاريخية عندما وضع مصيره ومصير بلده بيد الولي الفقيه في طهران وبيد فلاديمير بوتين وسيرجي لافروف في موسكو ورفض المبادرة العربية وأفشل خطة كوفي انان وواصل الإصرار على مواجهة شعبه بالدبابات والمدافع وبالقوة الغاشمة التي اتخذت طابعاً طائفياً مكشوفاً ساهم في دفع الامور الى كل هذه الانشاقاقات المتلاحقة التي بدأت صغيرة وانتهت الى من هُمْ في أكبر وأهمِّ مواقع المسؤولية ومن بينهم رئيس الوزراء الذي إنشق وغادر دمشق قبل يومين.

لم يتصرف بشار الأسد كما من المفترض أن يتصرف رئيس دولة كالدولة السورية التي هي ذات تركيب «فسيفسائي» والتي هي مستهدفة بوحدتها وبتماسكها لأسباب متعددة وكثيرة ولقد كان عليه لو ان لديه القدرة على قراءة الأحداث قراءة صحيحة أن يبادر الى التنحي والمغادرة قبل أن تصل الأمور الى كل هذا الذي وصلت اليه وان يضمن قبل تنحيه ومغادرته انتقالاً سلمياً للسلطة يجنب الشعب السوري أهوال الاقتتال الداخلي ويجنب سوريا مخاطر التشظي والانقسام التي غدت بعد كل هذا الاقتتال بطابع طائفي وبعد كل هذا العنف والدمار والخراب، مخاطر فعلية وحقيقية.

والواضح، وقد أخذت سوريا تتفسخ على هذا النحو وقد أصبح كبار المسؤولين فيها يقفزون من سفينة هذا النظام التي غدت آخذة بالغرق، أن خيار بشار الأسد الذي بات لا خيار غيره هو إقامة الدولة الطائفية على سواحل البحر الأبيض المتوسط الشمالية-الشرقية وهي دولة أو دويلة يبدو أن الروس يريدونها لتعزيز وجودهم البحري في هذه المنطقة التي تحد تركيا من الجنوب والتي يبدو أيضاً أن الإيرانيين يريدونها لإنجاز تطلعاتهم الفارسية للتمدد في هذه المنطقة الاستراتيجية والوصول الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط بوجود يلتقي مع وجودهم الذي حققوه في لبنان من خلال حزب الله وحسن نصر الله.

فهل فات الأوان وهل أن التنحي بالطريقة المشار اليها آنفاً لم يعد ممكناً بعدما تحولت سوريا كلها الى كرة ملتهبة وتحول الصراع فيها الى صراع طائفيٍّ لا يستطيع أيٌّ كان إنكاره..؟

نعم لقد فات الأوان ولم يعد أمام بشار الأسد إلاّ انتظار مصير كمصير معمر القذافي أو هروبٍ تحت جنح الظلام واللجوء الى دولة يضمن الاّ تساوم عليه وتسلمه للعدالة الدولية لاحقاً أو الإسراع في إقامة «الدويلة» الطائفية التي يفكر فيها والتي من المؤكد أن رموز الطائفة العلوية سوف يرفضونها حتى إن استطاع إقامتها مستغلاً هذه اللحظة المريضة!!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأردن وسوريا الخيارات متعددة.. أسوأها الوقوف متفرجين

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

8-8-2012

تزداد دقة وحساسية الموقع الجغرافي والسياسي للأردن نتيجة التطورات الراهنة والمتوقعة في سوريا، ما يفرض على صانعي القرار في عمان البحث في الخطوات الواجب اتباعها لحماية مصالح الأردن الاستراتيجية في الحاضر وفي المستقبل القريب والبعيد. التطورات المقبلة في دمشق ايا كانت وجهة الرياح فيها ستكون ذات تأثير كبير علينا وان نظرة واحدة الى موقع الأردن الجغرافي تؤكد باننا امام احتمالين: الاول-سقوط النظام وهذا يعني وجود نظام جديد في سوريا لا احد قادرعلى تحديد ملامحه بسبب طبيعة الثورة التي تضم أطيافا واسعة من التيارات والاتجاهات السياسية والعقائدية. الاحتمال الثاني-انتصار الاسد، وحتى ان كان ذلك مستبعدا، فان ( المثلث الشيعي بالمعني الجغرافي والسياسي ) الممتد من طهران الى الضاحية الجنوبية من بيروت، سيشكل طوقا على الأردن يزداد خطورة بوجود الخطر الصهيوني المتربص.

الاحتمال الاول يستدعي البحث في تطوير علاقات ( سياسية ) مع التيارات الرئيسية في الثورة مثل المجلس الوطني وجماعة الاخوان والقوى المنشقة عن النظام، واذا كانت اسطنبول قد قطعت شوطا بعيدا في حضانة وتطوير هذه العلاقات من اجل الحفاظ على مستقبل مصالحها مع من سيحكم جارها الجنوبي، فان دوافع ومصالح الاردن في تامين المستقبل مع الحكم المقبل في الجار الشمالي هي اكثر اهمية وإلحاحا. وهذا يتأتى في تطوير وتعزيز الموقف الأخوي والإنساني تجاه اللاجئين السوريين وإشعار الشعب الشقيق وممثليه بان الأردن يقف الى جانب محنته التي تحيط بها العذابات من كل جهة نتيجة الحملة الوحشية التي يتعرض لها.

اما الاحتمال الثاني ورغم استبعاده مع زيادة الثقة كل يوم بانتصار الثورة فلا يكفي مواجهته في ترديد المقولة بان الأردن لن يكون ساحة لتدخل عسكري اجنبي. انما يتطلب الامر تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي ومع الدول العربية لمواجهة اية ردود فعل شيطانية من قبل النظام خاصة وان العالم لن يقبل تحت جميع الظروف التعامل مع نظام الاسد الذي تقطر أياديه بدماء شعبه، هذا النظام، وفي ( حالة بقائه ) سيكون قلب محور حلف معاد تقوده طهران هدفه تصدير العنف والعمل على تقسيم الأوطان مستعيدا دوره وأساليبه الطائفية في العراق قبل وخلال وبعد الاحتلال، وفي لبنان منذ عام ١٩٨٩.

من مصلحة الأردن ان تنتصر الثورة وان يعود اللاجئون الى ديارهم في اسرع وقت وان يعود الأمن والاستقرار الى سوريا حتى تفتح المنافذ البرية وتبدأ عجلة إعمار ما دمرته آلة حرب الطاغية. والطريق الى تأمين هذه المصالح هو المبادرة في اقامة افضل الجسور والروابط ( واكرر ) السياسية والإنسانية مع التيارات السورية بمختلف مشاربها واتجاهاتها في الخارج وفي الداخل، فهؤلاء إخوة واشقاء من حقهم علينا ان نقف معهم في معاناتهم وصمودهم امام وحشية النظام.

لقد كان الأردن منذ ثورة دمشق وسلطان الأطرش ضد الفرنسيين وخلال جميع الاحداث التاريخية التي شهدتها سوريا الحديثة بما في ذلك حقبة استبداد آل الاسد، مكانا وملاذا آمنا يلجأ اليه الثوار والأحرار والمواطنون العاديون، ما ترك اكبر الاثر في نفوس السوريين على مر العهود من محبة واحترام للأردنيين وملوكهم الهاشميين وهو ما كنا نسمعه في مناسبات كثيرة.

لم يعد الحياد ممكنا في ظل تداعيات ازمة تتوسع حلقاتها وقد جرت الى المنطقة وضعا من الاستقطاب الإقليمي والدولي لم تشهد مثله الا في الفترات الساخنة من حقبة الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، الأردن يقف على حافة البؤرة الملتهبة وخياراته متعددة لكن أسوأها ان يقف متفرجا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صدام النظام السوري محلي وإقليمي ودولي

الأربعاء ٨ أغسطس ٢٠١٢

رندة تقي الدين

الحياة

كم كان من المحبذ ان يعلن مبعوث الامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان استقالته مع تحديد سبب فشلها بوضوح، أنه مسؤولية النظام السوري، باستخدامه السلاح الثقيل والطوافات وكل انواع أداة الاجرام في جميع مدن سورية ضد شعبه. ان كوفي انان الامين العام السابق للامم المتحدة والحائز جائزة نوبل للسلام، شخصية كبرى لها تاريخ مجيد ومشرف في عمله الدولي. ولا شك في ان فشله في مهمته في سورية كان متوقعاً، لان النظام السوري لا يسمع منذ البداية، وهو يبتكر الحجج، من إرهاب مستورد ومؤامرات خارجية، ليستمر في قتل شعبه مع دعم روسيا والصين لهذا العمل الاجرامي. فطبيعة عمل كوفي انان كانت بالفعل وساطة وكان مجبراً على ارضاء الروس الذين وافقوا على تعيينه. ولكنه برر استقالته بمسؤولية اعضاء مجلس الامن من دون تحديد اي اعضاء بوضوح مما جعل تصريحه مبهماً مع امكانية قراءته كما يريد كل طرف. ففشله الذريع في تحديد المسؤولية افتقد شجاعة وهيبة لشخصية متميزة لها مكانة كبرى في تاريخ الامم المتحدة. ان خطته بالنقاط الست التي يقال عنها انها ما زالت قيد الحياة رغم استقالته لم يعد لها معنى مع ما يقوم به النظام السوري من تدمير وقصف في جميع مدن سورية العريقة. فبدأت بدرعا والآن انتشرت الى اينما كان ومشاهد الرعب والقتل مريعة. ورغم ذلك هناك لائحة مرشحين لخلافة انان في مهمته، من ميغيل انخيل موراتينوس الى عمرو موسى الى البرادعي... الخ، وكلهم شخصيات لها تاريخ وخبرة في الديبلوماسية، الا ان الديبلوماسية لم تكن فعالة يوماً مع النظام السوري، والآن اكثر من قبل، فقد أيدت 133 دولة في الجمعية العامة من الامم المتحدة المشروع السعودي حول سورية، ما اظهر عزلة روسيا والصين في موقفهما. وفي هذا الاطار هناك الموقف الجزائري، الذي عارض هذا المشروع ويعكس تخوف النظام الجزائري من ان يصل الاحتجاج الشعبي اليه. اما لبنان ونأيه المعروف بالنفس، فهو بهذه الحكومة لا ينأى بنفسه بل يعمل لخدمة حليفه النظام السوري القاتل الذي قتل فيه لمدة عقود. فنسمع تارة ان مواطنين سوريين لاجئين اعيدوا منه الى بلدهم، او توقيف مدير حملات «آفاز» في العالم العربي الناشط السوري وسام طريف في مطار بيروت ومنعه من السفر وأخذ جوازه، فهي ممارسات غير مشرفة للحكومة اللبنانية، فالنظام السوري اليوم هو في حرب مع شعبه والأسرة الدولية بأغلبيتها، وهو يحاول جر المنطقة الى حربه، وتهييج حلفائه في لبنان مع الدعم الايراني ليستمر في توسيع نطاق القتل. الا ان ايامه اصبحت معدودة، ومهما كان دعم ايران وروسيا له فرهان هؤلاء هو الخاسر، لان العالم سيستيقظ قريبا ويبلغ بنهاية النظام السوري كما حصل بنظام القذافي، ولكن في هذه الاثناء المآسي تزيد والاجرام مستمر. ولكن شجاعة الشعب السوري وصموده يستحقان التحية، وفي النهاية سيخرج من التاريخ الاسود الذي ادخله فيه نظام الاسد وفريقه. ومشهد معلم ديبلوماسيته في ايران، الى جانب نظيره الايراني بعد مقتل قادة اجهزة الامن السوري، يدعي ان لا شيء يهز النظام ككل تعليقاته التي اشتهر بها كمعلم اللغة الخشبية في الدفاع عن قمع ابناء بلده وقتلهم. والشعب السوري الباسل لن يغفر لمثل هؤلاء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نموذج الثورة السوري!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

8-8-2012

عرف العرب نموذجين من الثورة المسلحة: الجزائري، الذي قام على وجود تنظيم واحد لا شريك له، ويمنع بالقوة وجود أي تنظيم إلى جانبه، مثلما يرفض أي خلاف معه أو اختلاف عنه. والفلسطيني، الذي كان عكس الأول وقام على تعدد التنظيمات وتعايشها، ضمن ما كان ياسر عرفات، قائد الثورة الراحل، يسميه: الديمقراطية الفلسطينية، أو ديمقراطية البنادق الفلسطينية.

استند النموذج الأول على واحدية التنظيم والتفكير، فكان قيامه بداية نهاية كل ما كانت الساحة الوطنية الجزائرية قد عرفته من أحزاب وهيئات ومنظمات، وبدء تأسيس حياة سياسية ربطت كل شيء بقيادة العمل النضالي المسلح، الذي تبنته «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية، بعد أن كانت قد تخلقت في سياق كفاح سياسي متشعب بدأ في عشرينات القرن الماضي، وأدى اختناقه استعماريا إلى هجر فكرة السياسة والحزبية السياسية كأداة للتحرر الوطني من استعمار استيطاني متجذر في أرض احتلها طيلة قرن وثلث القرن، يصعب اقتلاعه بالعمل السلمي من بيئة تعرضت خلال هذا الزمن المديد لتغيير طاول طابعها الوطني بطريقة أرادت تغيير هوية المواطن الجزائري، فكان من المفهوم أن تأخذ الثورة طابعا اقتلاعيا يجتث الدخيل من الأصيل، والأجنبي من نسيج وطني تاريخي مجاف له. لا عجب أن جوبه عنف الواقع الاستعماري بعنف وطني شامل رفضت أداته النضالية المسلحة وجود أي تنظيم آخر إلى جانبها، لاعتقادها أن التعددية تشجع الانقسامات والتناقضات داخل الصف الوطني، التي لا يفيد منها أحد غير العدو الوطني المشترك، وتضعف الثورة وبالتالي فرص تحرر سيأخذ بالضرورة شكل انسلاخ عن جسدية أجنبية راسخة ومزودة بأفضل وأحدث الأسلحة.

قام النموذج الثاني، الفلسطيني، الذي واجه بدوره عدوا استيطانيا اقتلع الشعب الفلسطيني من وطنه بالقوة وأحل غرباء محل شعب البلاد الأصلي، على تعدد تخطى التنظيمات الحزبية السلمية المعروفة بأن أضاف إليها جميعها ذراعا مسلحة أو حولها بكاملها إلى ذراع كهذه، أراد للدولة الفلسطينية أن تنبثق منها، ورأى فيها مكونات أولية تكمن في هيكليتها دولة تحرر وطني مستقلة وسيدة ستنشأ بالضرورة منها، وستكون محصلة لها، فالتنوع يعني هنا التكامل الخلاق ولا يعني التناقض المضعف والمفتت، كما كان يعتقد في الحالة الجزائرية.

هل نجح النموذج الجزائري لأن التنظيمات السياسية والحزبية الوطنية لم تمثل عقبة جدية أمامه، ونجح التنوع في النموذج الفلسطيني لأنه كان موجودا قبل الثورة، وفي صورة منظمات مسلحة استقلت عن أحزاب عربية أو أسهمت في تأسيسها؟ مهما كان الرد، لم تشهد الساحة الفلسطينية تناقضات عدائية بين منظماتها تفضي إلى صراع عنيف، إذا ما استثنينا تلك المنظمات الواهية التي ارتبطت بأجهزة أمن عربية كتنظيمي الصاعقة البعثي السوري وتنظيم جبريل، المنشق عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي تحول إلى منظمة أمنية سورية ذات مهام داخلية وصار من الصعب اعتباره تنظيما فلسطينيا؟

يوجد اليوم في سوريا نموذج مختلط يجمع بصورة مشوهة بين النموذجين السابقين، فالمجلس الوطني يرى في نفسه «جبهة تحرير وطني» من الطراز الجزائري، لذلك عمل ويعمل على إقصاء واستبعاد غيره من منظمات المعارضة وشن عليها حملات تخوين عنيفة شوهت سمعة مناضلين ديمقراطيين حقيقيين تعرضوا لأسوأ أنواع البطش والقمع الرسمي عندما كان قادة المجلس ينعمون بالأمن والسلام في مهاجرهم، ولم يكن لهم أي وجود في النضال السوري المعارض. ولكن، ونظرا لوجود تنظيمات سورية أخرى معارضة، ولأن المجلس يفتقر تماما إلى القدرة على إبعادها عن العمل العام، فإنه يجد نفسه في موقف مليء بالتناقضات والمفارقات: من ذلك أنه يرفض التعاون معها تنظيميا ويقاوم العمل معها سياسيا، لاعتقاده أن ذلك يمس بتمثيله للمجتمع السوري. بالمقابل، يجد المجلس نفسه مجبرا بصورة متعاظمة على الإقرار بأنه ليس الجهة الوحيدة التي تعمل في الحقل العام السوري وتؤثر فيه. إلى هذا، طرح قادة المجلس حلا اقتصر على دعوة من ليسوا فيه إلى الانتساب إليه، ضمن نسب تمثيل عينها هو، بما أن الآخرين لم يقبلوا هذه الطريقة ولم يتفاعلوا معها بإيجابية، فقد مثل وجود المجلس مشكلة حقيقية وتحول إلى استعصاء سياسي يصعب تخطيه بدل أن يكون هو الحل. والغريب أن قادة المجلس ظلوا مصرين على تمثيل السوريين: على كونه التنظيم الوحيد الذي يعبر عنهم ويجسد ثورتهم، على الطريقة الجزائرية، بدل أن يقروا بالتنوع القائم فعلا ورغما عنهم، على الطريقة الفلسطينية، ويقيموا علاقات تشبه ما يقوم بين إخوة تضمهم أسرة واحدة، لا مصلحة لهم في الشقاق والصراع، وإنما توحدهم تربية متقاربة وأخلاقيات وأهداف موحدة، وتجمعهم حاضنة عامة هي البيت المشترك - الوطن الذي فيه نشأوا ويعيشون. هذا النموذج العملي والمنطقي، الذي صمد خلال عقود أمام حرب صهيونية ضارية على فلسطين، ونجح في تخطي مختلف أنماط التآمر على القضية الفلسطينية، وحفظ وحدة الشعب المشتت في أربع أقطار الأرض، وضمن له حدا من القوة والحراك السياسي والعسكري جعله رقم المعادلة الشرق أوسطية الصعب، كان يمكن اعتماده في سوريا، لبلوغ حال من التفاهم والتعاون والتنسيق داخل المعارضة تتخطى فكرة التمثيل قليلة الأهمية، وتفضي إلى تأسيس منظمة وطنية تشبه منظمة التحرير يقودها تنظيم لا يعلن انفراده بتمثيل الشعب والنطق باسم الثورة، فيسود الانسجام والتكامل داخل الصف الوطني السوري ونخرج من أكذوبة التمثيل المضحكة. لو اقتدى المجلس بحركة فتح، التي كانت أقوى منه بما لا يقاس، وموجودة على الأرض أكثر من مجموع المنظمات الفلسطينية الأخرى مجتمعة، دون أن تتطلع إلى تهميش غيرها أو إخراجه من العمل العام، لكان تجاهل مسألة التمثيل وأبرز عوضا عنها مسألة قيادة الساحة ووحدتها باعتبارهما المسألتين اللتين تنبع منهما جدارته بالتمثيل، ولركز جهوده على قدرة خطه السياسي الجامع على قيادة الساحة، بدل إخفاء حقيقة سياساته الإسلامية وراء غلالات ليبرالية لا حول لها ولا طول، وشحن الساحة بخلافات مفتعلة نابعة من رهانات حزبوية إسلامية ضيقة تتدثر بقصة التمثيل الوحيد والشرعي المزعوم.

ثمة متسع من الوقت لإصلاح «النموذج السوري» في المعارضة، لأنه ليس أصليا ولا ينبع من المصلحة الوطنية، بل تمليه رغبة طرف محدد في استغفال بقية أطراف المعارضة والواقع، وجعل وصوله إلى الحكم حتميا ومسلما به بعد سقوط النظام، بحجة أن هناك عقدا لا سبيل إلى التنكر له أو التنصل منه أو نقضه بين الشعب وبينه، منحه حقا لا يجوز أن يشاركه فيه أحد يخوله الاستيلاء على السلطة مستقبلا بوصفه ممثل الثورة ومعادلها الموضوعي، وإلا فإنها لن تحقق أهدافها.

بسبب هذا النموذج الفاشل، تم كل تطور داخلي سوري خارجه أو ضده: من «الجيش الحر» إلى فصائل التنسيقيات والجمعات الحزبية والهيئات المعارضة المتنوعة. السؤال الآن: هل يتم إصلاح المجلس باتجاه النموذج الفلسطيني، فيتسع للجميع دون استثناء ويقوم على الندية والشراكة في النضال والوطن، أم يكون هدف الإصلاح احتواء الآخرين داخله، أي إخضاعهم للإسلاميين المسيطرين عليه، فلا يحقق الإصلاح غير إضعاف المجلس وتهميشه ووقوعه في يد جهة واحدة تمسك به من داخله وتفتقر إلى ثقة أحد خارجه؟ للمجلس أن يختار: التمثيل أم الريادة، الاحتواء أم الإقرار بالتنوع والندية؟ ولنا أن نأمل أن يكون خياره صحيحا هذه الأيام، حيث يتجدد الحديث للمرة الرابعة عن إعادة هيكلته وإصلاحه، وأن يتسم بواقعية تلزمه بالتواضع، ويتفق مع حجمه المحدود داخل الحراك والمجتمع والمعارضة في سوريا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سفير والوزير السابق، عبد العزيز رحابي لــ"كل شيء عن الجزائر"

"نقوم بمحاكمة سيئة للدبلوماسية الجزائرية"

حاورته: صونيا لياس

Tsa-algerie.com

27/7/2012

* كيف تفسرون تحفظ الجزائر بخصوص مطلب رحيل بشار الأسد؟

ـ يبدو لي أن الجزائر اتخذت هذا الموقف، على اعتبار أن الدول الخليجية، التي تعد حاليا ضمن الفاعلين الناشئين في المجال الدبلوماسي، تطبق أجندة القوى الغربية الكبرى، وتعتبر دعوة الجامعة العربية سابقة في تاريخ هذه المنظمة، وبلادنا ليست مستعدة بعد لقبول مثل هذه الطفرة.

يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار أن العالم يتغير، وأن بلادنا، التي لم تحز بعد على مكان لها في الخريطة الجديدة للعلاقات الدولية، لا يمكن لها أن تسير عكس هذا الاتجاه.

* ألا يتشابه هذا الموقف الذي تبنته الجزائر بذلك الذي اتخذته في ملف القذافي؟

ـ سواء في قضية القذافي أو ملفات أخرى، في رأيي أن الجزائر ارتكبت خطأين اثنين في التقدير، الخطأ الأول عندما اعتقدت أن القادة يمكنهم البقاء في السلطة بفضل جيش قوي، أما الخطأ الثاني يكمن في عدم احتساب وقياس تطورات الآراء الحقيقية والتطلعات الداعية للتغيير.

ومن بين أهم العناصر الحقيقية التي ساعدت في نجاح الثورات في العالم العربي، نجد الرئاسة مدى الحياة وخلافتها من المحيط العائلي، غياب رقابة شعبية على الثروة العمومية والحصانة المطلقة الممنوحة للحكام.

* في حالة سقوط نظام دمشق، هل ستضطر الجزائر، في رأيكم، مرة أخرى، لتغيير موقفها؟

ـ السقوط أمر لا مفر منه، وموقف روسيا لن يتأخر في التغير، لأنه إذا كان هذا البلد قد اتخذ هذا الموقف من أجل إعادة التموقع في الساحة الدولية، فإنه يبقى عمل براغماتي ويدافع عن مصالح دولة عظمى.

إن النظام السوري يقترف نفس الخطأ الذي ارتكبه، صدام حسين الذي ظن آنذاك أن حلفائه الروس، سيتدخلون ويدعمونه عسكريا، في حربه ضد التحالف الغربي.

والشيء الذي يبدو لي مؤسفا في موقفنا نحو الثورات في كل من تونس، ليبيا، مصر وسوريا، هو أننا نعطي الانطباع للرأي العام في هذه البلدان على أننا ندعم قادتهم ضدهم.

* وكيف تفسرون هذه التحولات والانتكاسات المتكررة؟

ـ في الحقيقة، ليس هناك تحولات وهذه هي المشكلة، لدينا مشاكل خطيرة في التكيف وهذا لا يتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل هي مسألة الحكم بصفة عامة في البلاد، وينبغي على الجزائر أن تعتبر أن مبادئها هي فقط تلك التي تستجيب لمصالحها وأن تجعلها أساس إستراتجيتها في السياسة الخارجية، وإلا فإننا لن نخرج من تركة سنوات السبعينات.

* على الرغم من الانتقادات، خاصة من طرف الأحزاب، لا تزال دبلوماسيتنا صماء ...

ـ نحن نقوم بمحاكمة سيئة للدبلوماسية الجزائرية، التي تعد واحدة من بين العناصر الفاعلة في السياسة الخارجية. إن الذين فشلوا في الحقيقة في أداء واجبهم في توعية الجزائريين والتضامن مع الشعوب العربية، هي الأحزاب السياسية، الفاعلين في المجتمع المدني والنخب، كونهم لم يدركوا أنهم أيضا فاعلين في العلاقات الدولية، في الوقت الذي نجدهم منقسمين في اتجاهين، إما الدعم في حالة ما كانوا في السلطة أو الانتقاد في حال ما كانوا في صفوف المعارضة، وهم لا يملكون علاقات دولية وبالتالي لا يساهمون في العمل الدبلوماسي، وهو نفس الشيء بالنسبة للمنظمات الاجتماعية والمهنية مثل النقابات والمحامين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تأخرت الثورة السورية أم تعجل داعموها؟

الوطن السعودية

8-8-3012

منذ انطلاق الثورة السورية، وهي تتأزم إلى درجة تتحول فيه الخطوات إلى مغامرة، واليوم سورية نفسها مهددة بالصوملة من خلال حرب أهلية من جماعات مسلحة، وتعقيدها بعناصر "الانفصال الكردي" و"الخلافات الطائفية" و"الصراعات على السلطة" و"القاعدة والسلفية" و"السلاح الكيماوي".

والواقع أن نظام الأسد على مدى عقود لم يحقق الرفاه إلا لعائلة الأسد والدائرة الضيقة من المنتفعين وحدهم، وخلق مافيا حقيقية لتجارة المخدرات جعلت من سورية مصنعا ومعبرا لها، وفرض سوق سوداء للمواد الأساسية سيطرت عليها عائلته، فكان الفشل الاقتصادي، ليأتي التضييق الأمني الذي سيطر على كل شيء وضغط وصولا إلى الثورة التي قرر النظام قمعها ليس بالحل الأمني لكن العسكري منذ انطلاقتها.

لتكون المجازر والدماء التي سُفكت بعلم الرئيس الأسد أو لفشله في السيطرة على الحرس القديم والجديد الذين كانت خلية الأزمة مركز تنفيسهم عن شخصياتهم الإجرامية للقضاء على كل ما يشكل خطرا على النظام ولو كان طفلاً صغيرا يحمل حجرا، ودروس الأب القائد حافظ الأسد تطبق حرفياً لضمان استمرار النظام ولو على الجماجم.

النظام الدموي ليس سياسياً، والدول الغربية المترددة قررت أخيراً دعم الثوار للوقوف مع خيار مبكر لبعض الدول العربية التي تحولت للدعم المالي والعسكري بعد أن لمست صعوبة الحصول على قرار دولي بسبب الفيتو الروسي والصيني، مراهنة على وعي شعب حضاري يستطيع مواجهة التحديات برموز بدأت تتشكل من خلال الانشقاقات الحاسمة سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا للنخب الوطنية الجديدة، ليأتي الجواب بأن داعمي الثورة لم يتعجلوا، لكن الشعب السوري هو من تأخر في الثورة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شعب سورية وإنسانية الدعم السعودي

2012-08-08 12:00 AM

الوطن السعودية

منذ بداية الثورة السورية، وقفت المملكة إلى جانب مطالب السوريين، إيمانا منها بأنه لم يصل إلى خياره الأخير إلا بعد فقد الأمل في أي إصلاح يأخذ البلاد إلى حال أفضل.

ومنذ وجه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ خطابه التاريخي إلى السوريين، قبل عام، تحدد الموقف السعودي الرافض للحل العسكري الذي اختاره النظام قبل أن يختاره الشعب، إذ حذر النظام في سورية من التمادي والاستمرار في إراقة الدماء، موكدا على أن مستقبل سورية بين خيارين لا ثالث لهما: "إما أن تختار بإرادتها الحكمة، أو أن تنجرف إلى أعماق الفوضى والضياع".

واتصل الدعم السعودي للشعب السوري، عبر المراحل التي مرت بها الثورة جميعها، بيد أن الحلول الدبلوماسية التي اختارت المملكة السير في طريقها مع العالم، اصطدمت بمعوقات كبيرة ناجمة عن تضارب المصالح الدولية، فعجز مجلس الأمن عن الحسم، وفشلت جهود مبعوثه في التوصل إلى حل، مما أدى إلى تردي الأوضاع، لتكبر تداعياتها، وتتحول المشكلة إلى أزمة إنسانية حقيقية، يزداد حجمها مع إمعان النظام في القتل والتدمير، دون تمييز أو رأفة، وتتسع آثارها نتيجة تزايد أعداد اللاجئين، ونقص المواد الطبية، فضلا عن أساسيات العيش.

وأمام هذا الواقع، استشعرت المملكة واجبها الإنساني، فكان توجيه خادم الحرمين الشريفين، بتنظيم حملة وطنية لجمع التبرعات لنصرة الأشقاء في سورية، وفي توقيت يدل على الحرص على أن تكون الحملة فاعلة بالقدر الذي يسهم في مداواة جراح الشعب السوري المكلوم، ويشعرهم بأن أشقاءهم معهم في ضرائهم.

أمس، وصلت إلى محافظة المفرق الأردنية، الدفعة الأولى من الحملة الوطنية السعودية لنصرة الأشقاء في سورية، وتتكون من 43 شاحنة محملة بمواد غذائية منوعة، وهي من الحملات الممتازة عن غيرها، بالنظر إلى ضخامتها، والآليات المتبعة في توزيعها.

تختلف الرؤى حول السياسة، إلا أنها تتفق دائما على أن للإنسان على الإنسان حقا واضحا، يزداد مع روابط الدين والدم والتاريخ، وهذه الحملة هي خير تعبير عن الموقف الإنساني المجرد الذي لا يخضع لأية اعتبارات سياسية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صورة من تدمر

تاريخ النشر: الأربعاء 08 أغسطس 2012

خالص جلبي

الاتحاد

تذكرني قصة الرجل الحلبي الذي خيروه في قتل اثنين من أبنائه الثلاثة بـ"سجن جزيرة الشيطان" الذي تفتقت عنه عبقرية نابليون الثالث. أما سجن "تدمر" السوري فمات كثير من النزلاء داخله وخرج آخرون لينتحروا! لقد عرفوا أنهم أصبحوا مقبرة كبرى كما يقول السجين السابق "خليفة" في كتابه "القوقعة... التلصص من الداخل". لقد بكيت وأنا أقرأ هذا الكتاب حين ذكر أنه قام يصلي صلاة الجنازة على والده بعد خروجه من السجن، وهو (أي المؤلف) مسيحي، لكنه قرأ الفاتحة على قبر والديه اللذين تركهما أحياء ورجع ليراهما وقد أصبحا تحت التراب. ثم بكيت مع صفحات الكتاب الأخيرة حين روى فيها انتحار توأم روحه الذي كان معه في السجن فلما اجتمعا خارج السجن قال له انتظر دقائق قليلة فعندي هدية لك، ثم ألقى بنفسه من الطابق السادس وهو يقول: خذها مني. كانت هديته موته!

أعترف أنني قرأت العديد من كتب السجون والمساجين، بما فيها كتاب "فيكتور فرانكل" الذي دخل سجن آوسشفيتس الرهيب وخسر زوجته هناك. لكن كتاب "القوقعة... التلصص من الداخل"، لمؤلفه السجين السوري السابق "خليفة"، أصابني بصدمة مزلزلة وقعت تحت تأثيرها أياماً وما زال هذا الكتاب مدموغاً في الذاكرة. ولعل من نظائره كتاب المغربي محمد الرايس، "تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم"، والذي يسرد تجربة في سجن تزمامارت الشهير لمجموعة من العسكريين (58 شخصاً) مات منهم خلال عشرين سنة نحو 28 شخصاً، أما كتاب خليفة فيذكر آلافاً ماتوا، لا يحصيهم كتاب ولا يضمهم سجل. كانوا يضربون ويذلون كل يوم ومع كل مخالفة 500 جلدة. وخليفة نفسه ضرب خلال حفلة استقباله حتى حافة الموت. بقي غائباً عن الوعي ستة أيام قبل أن يفيق بمساعدة الطبيب "زاهي" الذي مات لاحقا بالتهاب السحايا وهو يعالج عشرات المصابين الذين يتساقطون وبعضهم أصيب بالعمى المطلق.

كان جحيم دانتي حاضراً بما يخجل دانتي من وصفه، لكن رسمه حافظ الأسد في حقبة تاريخية مشؤومة على الشعب السوري، وها قد مضى إلى ربه فهو سائله عن كل تلك الآلام.

وفي لحظة غضب جاء مدير السجن فأفرغ 14 رصاصة في رأس 14 معتقلا سياسياً، لأنه بزعمه تلقى تهديداً من مجهول فقال هذا جوابي.

ومن قصص الكتاب ذلك الطبيب الذي قتل 14 زميلا من دورته، منهم اثنان بطريقة الخيمة أو القماشة، حيث يمسك خمسة من الأوغاد بأربعة أطراف وخامس بالرأس ثم يطوحونه في الهواء فيهوي على وجهه ويكررونها حتى تموت الضحية! كان القتل مسموحاً به لكل جندي ورقيب ومحقق، بأي طريقة.

كان سجن تدمر حداً فظيعاً لم يصل لحافته النازيون والفاشيون وستالين وبيريا وبول بوت وتيتو.

ومن أعجب القصص الموجودة في الكتاب اثنتان:

الأولى لضابط يتقيأ حين يرى أول مشاهد وجبات الإعدام في المشانق الطيارة، وبعد عدة أشهر يتحول إلى هذه الأمساخ، فيعامل الجثة المشنوقة المعلقة مثل كيس الملاكمة؛ يلكمها وهو يضحك!

والثانية حول قدرة التحدي في هؤلاء المعتقلين؛ حيث يقوم فريق من الأطباء بإمكانيات هزيلة يخترعونها من هنا وهناك، فيجرون عملية استئصال زايدة دودية لأحد المساجين.

إنه كتاب يخلد حقبة جهنمية من نظام "البعث" والسقوط الإنساني والتردي الأخلاقي إلى أسفل سافلين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران تريد... وإسلاميو سوريا لا يريدون!

سركيس نعوم

2012-08-08

النهار

المواقف الرسمية التي اعلنها قبل يومين في بيروت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني سعيد جليلي لم تكن جديدة. فدعم بلاده المقاومة و"حزبها" في لبنان امر قديم ومستمر، وكذلك اعتبارها عنصر توازن بين لبنان واسرائيل وعنصر استقرار داخل لبنان. هذا فضلاً عن تمسكها بأن هدفها محاربة الصهيونية واميركا واسترجاع فلسطين. طبعاً حملت مواقف جليلي شيئاً من الجدَّة مثل التشديد على ان ثورتها كانت أساس الصحوة الاسلامية في العالم العربي، ومثل ان دفاعها عن نظام الاسد في سوريا سببه دعمه المقاومة.

كيف ينظر الاسلاميون السنّة على تنوع انتماءاتهم ونظرياتهم الى مواقف ايران التي كرر التعبير عنها جليلي قبل يومين؟

يعتقد قسم كبير منهم، استناداً الى مصادر اسلامية سنّية جدية ومطلعة بدقة على الواقع الاسلامي في لبنان، ان المواقف المذكورة اقرب الى "البروباغندا" اي الدعاية، منها الى المواقف الايديولوجية. فايران اسلامية في رأيهم لها في سوريا آل الاسد، وخصوصاً منذ تسلَّم الزمام فيها نجل المؤسس الراحل حافظ الاسد (الدكتور بشار)، وضع خاص بالغ الارتياح وبالغ الاتساع. ومن الامثلة على ذلك الامتيازات التي حققها لها النظام في مطار دمشق الدولي. اذ وضع في تصرفها قاعة خاصة داخل المطار ومسرب خاص لها يديرها عملياً ايرانيون يعملون مع سفارتهم في العاصمة السورية. ويتولى هؤلاء الاشراف على المسافرين الى طهران من ايرانيين وغير ايرانيين وخصوصاً إذا كانت وسيلة نقلهم ايرانية. ويُمكِّنهم ذلك من تسفير الذين يحملون جوازات سفر والذين لا يحملونها، والذين لديهم تأشيرات دخول لايران والذين ليس لديهم تأشيرات.

طبعاً الى المثل المذكور هناك امثلة اخرى قد تكون اكثر جدية وعمقاً. لكن المصدر الاسلامي الجدي والمطلع يكتفي به لانه يريد الانتقال الى موضوع آخر مهم جداً، وهو ان ايران الاسلامية، حليفة سوريا بل حليفة نظام الاسد الحاكم منذ نيف واربعة عقود، ليست ساذجة وتعرف تماماً حقيقة ما يدور في هذه الدولة، وتدرك ان النظام يتراجع رغم استشراسه في الدفاع عن نفسه، وان الثوار يتقدمون وسيستمرون في ذلك رغم ضعف امكاناتهم جراء "تنقيط" المجتمع الدولي المساعدات العسكرية والمالية لهم حتى الآن. وتعرف ايران ايضاً ان سقوط النظام في النهاية غير السريعة وغير القريبة على الاطلاق لا مفر منه، وأن البديل منه سيكون اسلامياً في صورة عامة. علماً ان ملامح هذا البديل ومدى اسلاميته ونوعية هذه الاسلامية، لا تزال مجهولة. لكن الحالة "الاخوانية" ستكون في رأي ايران الاقوى داخل سوريا الجديدة. وربما يكون ذلك في رأيها افضل من سيادة التيارات التي ترفع لواء السلفية الذي يغطي مواقف تكفيرية وعنفية من مسلمين وغير مسلمين. لهذا السبب تريد ايران، يقول المصدر نفسه فتح حوار مع "الاخوان" السوريين بواسطة "اخوان" لبنان. وقد يكون ذلك مضمون الرسالة التي نقلها سفيرها في لبنان الى قيادة هؤلاء في بيروت. أما الهدف من الحوار فهو التفاهم مع سوريا الجديدة على وضع لايران في سوريا مماثل في خصوصيته واتساعه لوضعها داخل سوريا القديمة التي تقترب من الانهيار. وطبعاً، يضيف المصدر اياه، لن ينجح ذلك لان ايران هي جزء من "المشكلة" في سوريا كما في لبنان والعالم العربي اجمالاً. وبصفتها هذه لا تستطيع ان تكون جزءاً من الحل. فالسوريون عموماً وخصوصاً ابناء غالبيتها السنّية من اسلاميين وغير اسلاميين، يثمنون جيداً مساعدتها "حزبها" في لبنان لتحرير الاراضي التي احتلتها اسرائيل منه، لكنهم يعتبرون ان لها استراتيجية تقوم على "استعمال" العرب لتحقيق هدفين: الأول، التحول القوة الاقليمية الاسلامية الاولى في المنطقة العربية بل صاحبة الكلمة الاولى فيها. والثاني، ليس تشييع اهل هذه المنطقة لأن ذلك مستحيل، بل جعل الشيعة حيث هم اصحاب النفوذ الاول والتشجيع على الاقتراب منهم.

لو بقي مؤسس النظام الاسدي حياً هل كانت وقعت سوريا في "التماهي" التام مع ايران، او بالأحرى جزءاً من شركة معها من دون حصة كبيرة في قرارها؟ كلاّ، يجيب المصدر الاسلامي السنّي الجديد والمطلع. فهو اولاً كان يريد حلاً مع "اخوان" بلاده قبل مأساة "حماة". لكن هؤلاء اعتبروا موقفه هذا، بعدما ابلغه اليهم "اخوان" لهم لبنانيون، دليل ضعف فلم يتجاوبوا. وهو ثانياً كان حريصاً على المحافظة على خصوصية طائفته بعدما لمس بدء ايران الاسلامية حليفته حملة تشييع لابنائها، واتخذ خطوات عدة لوضع حد لذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الدستور سوريا تسير نحو الهاوية

الدستور

يقرع جلالة الملك جرس الإنذار، محذراً الأشقاء في سوريا الشقيقة، والأمة كلها، والمجتمع الدولي بأن استمرار الأزمة دون حل سياسي في القريب العاجل، سيدفع بالأوضاع في القطر الشقيق الى الهاوية.

جلالة الملك دعا مبكراً الفريقين: النظام والمعارضة الى الجلوس على طاولة الحوار، والاتفاق على حل سياسي كسبيل وحيد، لإنقاذ البلاد والعباد من المأزق الذي وصلت اليه، وتهدد بانفجار مروع في حالة وصول الأزمة الى مرحلة الاستعصاء، وهو ما يترجم اليوم على الأرض السورية، حرباً مدمرة حولت القطر الشقيق الى ارض محروقة، وحولت مدن الثورة الى مدن منكوبة، وقد علا صوت الرصاص، وهدير المدافع بدلاً من الحوار بين الأشقاء.

الحرب التي تعصف بالقطر الشقيق، والتي من المرجح ان تنزلق الى حرب اهلية في ضوء تركيبة المجتمع السوري، وفي ضوء التدخلات الأجنبية التي وجدت فيها فرصة للتدخل وتصفية الحسابات، وقد أصبحت “حرباً بالوكالة” تستدعي العمل ومن جميع الفرقاء المعنيين بهذه الأزمة، بخاصة الدول الشقيقة.. وبالسرعة الممكنة، قبل ان تخرج الأمور من تحت السيطرة، وهو ما يهدد المنطقة كلها بالخطر، وانفجار حروب لا تنتهي، سيكون المتضرر الوحيد منها الشعب السوري، والشعوب العربية المجاورة والأمة كلها.

إن ما يحدث في القطر الشقيق هو درس لكل الأنظمة التي ترفض خيارات الشعوب في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة، وتصر على الاحتكام للقوة العسكرية، والحلول الأمنية، ضاربة عرض الحائط بمنطق الحوار، وهو ما يؤدي الى حرب أهلية، ويفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الأجنبية، كما حدث في ليبيا، وها هو يتكرر في سوريا.. ما يهدد وحدة القطر الشقيق علاوة على سقوط اكثر من 20 الف بريء، وتدمير الاقتصاد والبنى التحتية، وإيجاد ازمة انسانية كبرى بنزوح اكثر من مليون لاجئ الى الدول الجوار، ومليونين الى الداخل هرباً من الموت المحقق الذي يحصد ارواحهم.

مجمل القول : تحذيرات جلالة الملك عبدالله الثاني من خطورة الأوضاع في القطر الشقيق، وخطورة انزلاقها الى حرب اهلية قذرة، تحرق الأخضر واليابس، تستدعي من الدول الشقيقة وكافة المعنيين بحل الأزمة، تكثيف جهودهم لاجتراح حل سياسي لإنقاذ البلاد والعباد من المأساة التي ترتسم في أفق الشام.. وتوشك أن تدفعه الى الهاوية والتي إن حدثت - لا سمح الله - ستصل نيرانها ولهيبها الى الجميع.. ولن ينجو منها أحد.

والعاقل من اتعظ بغيره.

التاريخ : 08-08-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نعم.. فات الأوان!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

8-8-2012

لو أن بشار الأسد هو صاحب القرار في سوريا ولو أنه يحرص فعلاً على وحدة هذا البلد وعلى تجنيبه خطر الانقسام والتشظي والحرب الاهلية، التي هي في حقيقة الأمر في ذروة إحتدامها الآن، لكان عليه أن يتحلى بجرأة القادة التاريخيين وأن يسارع الى التنحي عن سدة الحكم وأن يحقن دماء شعب من المفترض أنه شعبه وأن يضمن قبل الرحيل والمغادرة انتقالاً سلمياً للسلطة يفضي الى انتخابات حرة ديموقراطية تؤسس لنظام كأنظمة القرن الحادي والعشرين التعددية والمتقدمة.

لقد أضاع بشار الاسد، الذي هو محاط بالإضافة إلى معاناته من داء العظمة والتفوق بمجموعة من المغامرين الذي لا يتقنون ولا يعرفون إلاّ لغة القتل والذبح وسفك الدماء والذين كانت تفتحت عيونهم على مذبحة حماه الرهيبة في عام 1980، فرصة تاريخية عندما رفض نصائح القادة العرب الذين نصحوه بعد انطلاق شرارة درعا في مارس (آذار) العام الماضي بألاّ يلجأ الى العنف والحلول الامنية وأن يبقى قريباً من شعبه وأن يغلق الابواب أمام التدخلات الخارجية الدولية والاقليمية في بلاده.

ولقد أضاع بشار الاسد، الذي إما أنه لا يعرف حقيقة كل هذا الذي جرى ويجري في بلده أو انه مصاب بلوثة تجعله غير قادر على إدراك خطورة ما يفعله ببلده، أيضاً فرصة تاريخية عندما وضع مصيره ومصير بلده بيد الولي الفقيه في طهران وبيد فلاديمير بوتين وسيرجي لافروف في موسكو ورفض المبادرة العربية وأفشل خطة كوفي انان وواصل الإصرار على مواجهة شعبه بالدبابات والمدافع وبالقوة الغاشمة التي اتخذت طابعاً طائفياً مكشوفاً ساهم في دفع الامور الى كل هذه الانشاقاقات المتلاحقة التي بدأت صغيرة وانتهت الى من هُمْ في أكبر وأهمِّ مواقع المسؤولية ومن بينهم رئيس الوزراء الذي إنشق وغادر دمشق قبل يومين.

لم يتصرف بشار الأسد كما من المفترض أن يتصرف رئيس دولة كالدولة السورية التي هي ذات تركيب «فسيفسائي» والتي هي مستهدفة بوحدتها وبتماسكها لأسباب متعددة وكثيرة ولقد كان عليه لو ان لديه القدرة على قراءة الأحداث قراءة صحيحة أن يبادر الى التنحي والمغادرة قبل أن تصل الأمور الى كل هذا الذي وصلت اليه وان يضمن قبل تنحيه ومغادرته انتقالاً سلمياً للسلطة يجنب الشعب السوري أهوال الاقتتال الداخلي ويجنب سوريا مخاطر التشظي والانقسام التي غدت بعد كل هذا الاقتتال بطابع طائفي وبعد كل هذا العنف والدمار والخراب، مخاطر فعلية وحقيقية.

والواضح، وقد أخذت سوريا تتفسخ على هذا النحو وقد أصبح كبار المسؤولين فيها يقفزون من سفينة هذا النظام التي غدت آخذة بالغرق، أن خيار بشار الأسد الذي بات لا خيار غيره هو إقامة الدولة الطائفية على سواحل البحر الأبيض المتوسط الشمالية-الشرقية وهي دولة أو دويلة يبدو أن الروس يريدونها لتعزيز وجودهم البحري في هذه المنطقة التي تحد تركيا من الجنوب والتي يبدو أيضاً أن الإيرانيين يريدونها لإنجاز تطلعاتهم الفارسية للتمدد في هذه المنطقة الاستراتيجية والوصول الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط بوجود يلتقي مع وجودهم الذي حققوه في لبنان من خلال حزب الله وحسن نصر الله.

فهل فات الأوان وهل أن التنحي بالطريقة المشار اليها آنفاً لم يعد ممكناً بعدما تحولت سوريا كلها الى كرة ملتهبة وتحول الصراع فيها الى صراع طائفيٍّ لا يستطيع أيٌّ كان إنكاره..؟

نعم لقد فات الأوان ولم يعد أمام بشار الأسد إلاّ انتظار مصير كمصير معمر القذافي أو هروبٍ تحت جنح الظلام واللجوء الى دولة يضمن الاّ تساوم عليه وتسلمه للعدالة الدولية لاحقاً أو الإسراع في إقامة «الدويلة» الطائفية التي يفكر فيها والتي من المؤكد أن رموز الطائفة العلوية سوف يرفضونها حتى إن استطاع إقامتها مستغلاً هذه اللحظة المريضة!!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأردن وسوريا الخيارات متعددة.. أسوأها الوقوف متفرجين

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

8-8-2012

تزداد دقة وحساسية الموقع الجغرافي والسياسي للأردن نتيجة التطورات الراهنة والمتوقعة في سوريا، ما يفرض على صانعي القرار في عمان البحث في الخطوات الواجب اتباعها لحماية مصالح الأردن الاستراتيجية في الحاضر وفي المستقبل القريب والبعيد. التطورات المقبلة في دمشق ايا كانت وجهة الرياح فيها ستكون ذات تأثير كبير علينا وان نظرة واحدة الى موقع الأردن الجغرافي تؤكد باننا امام احتمالين: الاول-سقوط النظام وهذا يعني وجود نظام جديد في سوريا لا احد قادرعلى تحديد ملامحه بسبب طبيعة الثورة التي تضم أطيافا واسعة من التيارات والاتجاهات السياسية والعقائدية. الاحتمال الثاني-انتصار الاسد، وحتى ان كان ذلك مستبعدا، فان ( المثلث الشيعي بالمعني الجغرافي والسياسي ) الممتد من طهران الى الضاحية الجنوبية من بيروت، سيشكل طوقا على الأردن يزداد خطورة بوجود الخطر الصهيوني المتربص.

الاحتمال الاول يستدعي البحث في تطوير علاقات ( سياسية ) مع التيارات الرئيسية في الثورة مثل المجلس الوطني وجماعة الاخوان والقوى المنشقة عن النظام، واذا كانت اسطنبول قد قطعت شوطا بعيدا في حضانة وتطوير هذه العلاقات من اجل الحفاظ على مستقبل مصالحها مع من سيحكم جارها الجنوبي، فان دوافع ومصالح الاردن في تامين المستقبل مع الحكم المقبل في الجار الشمالي هي اكثر اهمية وإلحاحا. وهذا يتأتى في تطوير وتعزيز الموقف الأخوي والإنساني تجاه اللاجئين السوريين وإشعار الشعب الشقيق وممثليه بان الأردن يقف الى جانب محنته التي تحيط بها العذابات من كل جهة نتيجة الحملة الوحشية التي يتعرض لها.

اما الاحتمال الثاني ورغم استبعاده مع زيادة الثقة كل يوم بانتصار الثورة فلا يكفي مواجهته في ترديد المقولة بان الأردن لن يكون ساحة لتدخل عسكري اجنبي. انما يتطلب الامر تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي ومع الدول العربية لمواجهة اية ردود فعل شيطانية من قبل النظام خاصة وان العالم لن يقبل تحت جميع الظروف التعامل مع نظام الاسد الذي تقطر أياديه بدماء شعبه، هذا النظام، وفي ( حالة بقائه ) سيكون قلب محور حلف معاد تقوده طهران هدفه تصدير العنف والعمل على تقسيم الأوطان مستعيدا دوره وأساليبه الطائفية في العراق قبل وخلال وبعد الاحتلال، وفي لبنان منذ عام ١٩٨٩.

من مصلحة الأردن ان تنتصر الثورة وان يعود اللاجئون الى ديارهم في اسرع وقت وان يعود الأمن والاستقرار الى سوريا حتى تفتح المنافذ البرية وتبدأ عجلة إعمار ما دمرته آلة حرب الطاغية. والطريق الى تأمين هذه المصالح هو المبادرة في اقامة افضل الجسور والروابط ( واكرر ) السياسية والإنسانية مع التيارات السورية بمختلف مشاربها واتجاهاتها في الخارج وفي الداخل، فهؤلاء إخوة واشقاء من حقهم علينا ان نقف معهم في معاناتهم وصمودهم امام وحشية النظام.

لقد كان الأردن منذ ثورة دمشق وسلطان الأطرش ضد الفرنسيين وخلال جميع الاحداث التاريخية التي شهدتها سوريا الحديثة بما في ذلك حقبة استبداد آل الاسد، مكانا وملاذا آمنا يلجأ اليه الثوار والأحرار والمواطنون العاديون، ما ترك اكبر الاثر في نفوس السوريين على مر العهود من محبة واحترام للأردنيين وملوكهم الهاشميين وهو ما كنا نسمعه في مناسبات كثيرة.

لم يعد الحياد ممكنا في ظل تداعيات ازمة تتوسع حلقاتها وقد جرت الى المنطقة وضعا من الاستقطاب الإقليمي والدولي لم تشهد مثله الا في الفترات الساخنة من حقبة الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، الأردن يقف على حافة البؤرة الملتهبة وخياراته متعددة لكن أسوأها ان يقف متفرجا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب مخرج لتفكيك الأزمة السورية

غازي دحمان *

الأربعاء ٨ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

ثمة ما يؤشر إلى أن الأزمة السورية لن تبقى واقفة طويلاً على أعتاب محافل الديبلوماسية الدولية تستجدي حلاً لن يأتي. تلك مرحلة انتهت، أو أنها تلملم آخر بقاياها بعد التطورات الدراماتيكية ذات النمط المشبع بعوامل الخطورة وعناصر الانفجار، ومن الواضح أن الأزمة أخذت تبني حلولاً معينة وفق مسارب خاصة يجري تجهيزها وإعدادها بالتساوق مع المسار الديبلوماسي المعلن.

ليس ما سبق خلاصات إنشائية، ولا طروحات رغبوية، بل هي توصيف لملامح واقع إستراتيجي بدأ بالتكون وفرضته معطيات عدة أفرزتها الأزمة السورية، ذلك أن الأزمة ومنذ عام ونصف العام كرست على هامشها العديد من القضايا التي باتت بحاجة إلى حل جراحي، وإلا فإن البديل تشويه كامل للواقع الإستراتيجي الذي جرى بناؤه وتثبيته بتضحيات وجهود غزيرة صرفتها قوى دولية معينة.

ليست القضية سورية بموقعها الإستراتيجي ومكانتها الجيوسياسية، على رغم ثقل هذه الأوزان، يل القضية أصبحت في الفهم الإستراتيجي تتعلق بمحاولة تغيير الوقائع والظروف الإستراتيجية، بما يشبه نوعاً من السلوك التشبيحي تمارسه بعض القوى في السياسة الدولية، متكئة على قدرتها على إدامة عذابات الشعب السوري، وإمكانية ابتزاز العالم بذلك، ما جعل قراءتها للأزمة في مشهديتها الدولية، تقتصر على بعد واحد باعتبارها تهيئ فرصة إستراتيجية نادرة تتعلق بتغيير المراتب والمواضع الدولية، من دون أن يترافق ذلك مع تغييرات مهمة في واقع هذه البلدان وظروفها، رغم كل ما يحكى عن مؤشرات الصعود وواقع القوة التنافسية لديها، وهي حالة تشبه تماماً الوضع الدولي قبل الحرب العالمية الأولى، حينما سعت ألمانيا وإيطاليا إلى كسر قواعد التوازن الدولي مستندة في ذلك على قدرتها على إيذاء شعوب بعينها، مبتعدة في ذلك عما تتيحه القدرات التساومية والتفاوضية على تحريك الواقع الدولي.

أمام هذا الواقع الذي انكفأ على عدم قدرة الأطراف على درء التهديدات التي تواجه مواقعها وظروفها، وأمام عدم قدرة أطراف أخرى على تحقيق اختراقات مهمة في الواقع الدولي، فثمة ساحة أخرى من شأنها تغيير هذا الواقع وإعادة رسم خطوطه الرئيسية، أو محاولة للتجريب للحصول على مواقع معينة، وفي هذه الحالة تصبح الحرب بالوكالة هي الطريق الأفضل، ربما كوسيلة لجس نبض القوى المقابلة ومعرفة حدود ردات أفعالها. من هنا يمكن القول أن القضية باتت ليس التخمين بوقوع حرب، بل متى سيتم الإعلان عنها وما هي جبهاتها ونوعية الأسلحة المستخدمة فيها، وفي هذا المجال ثمة أكثر من سيناريو مرشح للتطبيق.

* السيناريو الأول: أن تتم المجابهة على الجبهة الأردنية، والواضح إنها الجبهة الأكثر استعداداً من الناحية اللوجستية، وتتميز عسكرياً بمزايا عديدة، من حيث انفتاحها على المقلب الخليجي حيث طرق الإمداد العسكري والمالي، كما أنه يسهل توفير الذرائع وبناؤها، وبخاصة إذا كان الهدف حماية كتلة سكانية في الجنوب السوري أو منع الاعتداء على مخيمات اللاجئين والفارين، والواقع أن التجهيزات اللوجستية لهذا الخيار بدأت منذ مدة، حيث جرت مناورات «الأسد المتأهب» وكان واضحاً أن طبيعتها كانت تحاكي هجوماً على مواقع معينة لا يوجد مثيل حالي لها سوى في الواقع السوري. وما يرجح مثل هكذا سيناريو عقيدة الجيش الأردني وطبيعة تكوينه العسكري، حيث يتم التركيز على قوات محترفة تتخذ شكل فرق مهمات خاصة.

* السيناريو الثاني: أن يتم الهجوم عبر تركيا، وثمة مؤشرات عديدة على استعدادات تركية أكبر من حالة استنفار موقتة أو طارئة، استعدادات بحجم حرب، وبخاصة في ظل اشتعال الحرب في مناطق حلب التي تشكل نطاقاً إستراتيجياً مهماً للأمن القومي التركي، وفي ظل الأنباء المتواترة عن سيطرة أطراف كردية على مناطق الشمال الشرقي والجزء الغربي من ريف حلب ما يشكل تهديداً إستراتيجياً صريحاً للأمن القومي التركي في المدى المنظور، غير أن ثمة عقبات كثيرة تعيق إمكانية حسم الخيارات التركية باتجاه الحرب، منها ما هو داخلي يتعلق بالتركيبة الداخلية للمجتمع التركي وحساسية التدخل في الوضع السوري، ومنها ما له علاقة بواقع العلاقات التركية الإقليمية والدولية، إن لجهة العلاقة مع طهران، أو لجهة موقع تركيا في حلف شمال الأطلسي، وإمكان تفسير هذا الأمر وكأنه تدخل من هذا الحلف.

* السيناريو الثالث: أن تشتعل الحرب عن طريق الجبهة الإسرائيلية، وكانت إسرائيل قد أعربت عن مخاوف من انتقال الأسلحة الكيماوية إلى «حزب الله» وهددت في هذا الإطار بأنها وفي حال رصدت نقل هذا السلاح للحزب فإنها مستعدة للقيام بعمل عسكري، غير أن لإسرائيل مشاكلها الخاصة، فهي لا ترغب في استنفاد جهودها في حرب ليست حربها، كما أن الوضع بالنسبة إلى الحالة السورية لا يزال في حالة ضبابية وهو ما أكدته جهات الرصد والتقدير الإسرائيلية في أكثر من مناسبة، إضافة لذلك من المتوقع أن تقف واشنطن بقوة في وجه أي استعداد إسرائيلي في هذا الاتجاه رغبة منها في عدم توسيع دائرة النزاع.

هذا عن الجبهات، أما في ما خص طبيعة القتال وتكتيكاته، يمكن الميل في هذا الاتجاه إلى نظرية الحرب المحدودة والخاطفة، التي لا تتطلب جهازاً عسكرياً ضخماً، وإن كانت تتطلب وجود أكثر من غرفة عمليات لإدارة المعركة، تكون الأساسية في عمان، وتردفها غرف من تل أبيب وأنقرة والبحر المتوسط، وتعتمد هذه العملية على ضربات نوعية وخاطفة وإنزالات في مناطق معينة، بحيث تنصب الأهداف على مراكز قوى النخبة ومواقع الأسلحة الحساسة، إضافة إلى مراكز الاتصال، بحيث يتم قطع إمكانيات التواصل بين القيادة السورية وبين وحداتها القتالية المنتشرة على مساحة كبيرة من البلد، وقد ثبتت في هذا المجال نجاعة التجربة البريطانية في ليبيا، حيث عمدت القوات البريطانية الخاصة إلى إتباع هذه التكتيكات، وكان لها الأثر الحاسم في إنهاء الحرب لصالح القوات المناوئة للقذافي.

لن تبقى الأزمة السورية على أعتاب الديبلوماسية. فشلت ديبلوماسية كوفي أنان لعدم إدراكها مكونات الأزمة السورية في جوهر الواقع الدولي، وفشلت قبلها ديبلوماسية الجامعة العربية لمبالغتها المنطقية وإغفالها واقع الصراع الدولي، وغداً سيأتي الرد من نفس نوعية التكتيك السوري – الروسي – الإيراني، رد ماكر على سياسة ماكرة دمرت البلاد والعباد وتدعي أنه «ما في شي بحمص».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطائفية والعبور إلى السلطة

طالب ك. إبراهيم *

الأربعاء ٨ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

ماذا فعل النظام السوري بالطوائف السورية حتى جعل الكره والقطيعة أساس العلاقات بينها؟ لقد لحق التشويه بهذه الطائفة عبر المسّ بخصوصيتها الفكرية والأخلاقية، ناهيك عن الدينية. وليس صدفة أن يتم تعيين الضباط العسكريين والأمنيين في الأماكن الحساسة في الدولة منها، وليس صدفة أن يتم اختزال الطائفة كلها بمجموعة مرتهنة لمصالحها الشخصية تنوب بسلوكها المشؤوم عن الطائفة العريقة، وعن فلسفتها وتلاوينها، ناهيك عن إرادتها في العيش ضمن التنوع السوري التاريخي كأي تكوين اجتماعي له خصوصيته.

انتقل أفراد الطائفة من الريف إلى العاصمة وباقي المحافظات في سلسلة لا نهائية لعملية هجرة طويلة وقاسية بدأت مع ظهور السمة الطائفية للنظام. كانت تلك العملية تجرى بحكم حاجة الطائفة الى العمل والتخلص من الفقر والعوز، وبحكم رغبة داخلية في التشابه مع الآخرين، وتم توزيعهم بعناية فائقة في الأماكن الحساسة وغير الحساسة بما يتناسب مع مصلحة السلطة في إيجاد معادلات للتكوينات الأخرى. وخرج البعض من شيوخ الطائفة معترضين بشدة على ذلك لما له من أثر سلبي على وجود الطائفة ضمن التكوين الاجتماعي السوري. وتنبه النظام إلى مخاطر وجود معارضة دينية من قلب الطائفة، فتم تفريغها من زعمائها الدينيين عبر عملية تصفية روحية طويلة ومعقدة سيطر فيها الموالون للسلطة على زمام المبادرة.

وتفريغ الطائفة من رجالاتها كان الخطوة الأهم لتسلّم رهط كبير من المشايخ ذوي النزعة السلطوية والذين دأبوا على عملية بناء جيل جديد من العلويين الأحاديي النزعة والنظرة والانتماء. لقد كان كل رجل أمن متقاعد أو ضابط أو صف ضابط مشروع شيخ علوي إذا توافق نسبه السلالي مع متطلبات المشيخة في الطائفة، وهو ما ساهم في خلق مرجعية أمنية للطائفة. وظهرت شريحة واسعة من العلويين العاملين بالشأنين الاجتماعي والاقتصادي والذين يعتبرون الطائفة تكويناً اجتماعياً أفقياً وليس فوقياً، فرفضوا السياسة الطائفية تلك وتعرضوا للتسفيه والاعتقال. وفرز النشاط السياسي المعارض للنظام معارضة سياسية ضمت في صفوفها قيادة وقواعد وكوادر علويين تعرضوا للاعتقال والتعذيب والسجن فترات طويلة. وهؤلاء عانوا في ما بعد مأساتين:

رفض الطوائف الأخرى لهم كونهم علويين، ورفض طائفتهم لهم بحكم معارضتهم للنظام. وكان لقلق النظام الدائم من ردود فعل الطوائف الأخرى أن دفعه للتفكير بإيجاد حام موثوق ودائم، وهو جيش بعقيدة مختلفة عمادها الدفاع عن النظام تحت غمامة الدفاع عن الوطن، فاعتمد عمليات تجييش منظمة في صفوف الطائفة العلوية للحاصلين على الشهادة الثانوية كضباط، أو لفاشلي الطائفة دراسياً، قي أجهزة السلطة الأمنية وفق معايير الأمن ذاته وشروطه، أو في صفوف الجيش كجنود لمن كان أقل حظاً وحظوةً. ولم تكن خطوات النظام مقتصرة على طائفته وإنما حاول شراء الأقليات الدينية والقومية كل وفق ظروفه ورجالات دينه أو مخبريه، إلى جانب محاولات شراء الطائفة السنية عبر عمليات طويلة ومعقدة، لكن عامل الثقة كان معيار تعامله مع طائفته بخاصة في مجالي الأمن والجيش.

... في سورية الآن ثورة يقمعها النظام، وسورية الآن بين كتلة الرصاص وكمية الدم. فهل ينجح الشعب السوري بثورته، ويعيد تفصيل سورية على مقاس تكويناته جميعها، أم يسير ويسيّرنا جميعاً في متاهات الصراع؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صدام النظام السوري محلي وإقليمي ودولي

الأربعاء ٨ أغسطس ٢٠١٢

رندة تقي الدين

الحياة

كم كان من المحبذ ان يعلن مبعوث الامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان استقالته مع تحديد سبب فشلها بوضوح، أنه مسؤولية النظام السوري، باستخدامه السلاح الثقيل والطوافات وكل انواع أداة الاجرام في جميع مدن سورية ضد شعبه. ان كوفي انان الامين العام السابق للامم المتحدة والحائز جائزة نوبل للسلام، شخصية كبرى لها تاريخ مجيد ومشرف في عمله الدولي. ولا شك في ان فشله في مهمته في سورية كان متوقعاً، لان النظام السوري لا يسمع منذ البداية، وهو يبتكر الحجج، من إرهاب مستورد ومؤامرات خارجية، ليستمر في قتل شعبه مع دعم روسيا والصين لهذا العمل الاجرامي. فطبيعة عمل كوفي انان كانت بالفعل وساطة وكان مجبراً على ارضاء الروس الذين وافقوا على تعيينه. ولكنه برر استقالته بمسؤولية اعضاء مجلس الامن من دون تحديد اي اعضاء بوضوح مما جعل تصريحه مبهماً مع امكانية قراءته كما يريد كل طرف. ففشله الذريع في تحديد المسؤولية افتقد شجاعة وهيبة لشخصية متميزة لها مكانة كبرى في تاريخ الامم المتحدة. ان خطته بالنقاط الست التي يقال عنها انها ما زالت قيد الحياة رغم استقالته لم يعد لها معنى مع ما يقوم به النظام السوري من تدمير وقصف في جميع مدن سورية العريقة. فبدأت بدرعا والآن انتشرت الى اينما كان ومشاهد الرعب والقتل مريعة. ورغم ذلك هناك لائحة مرشحين لخلافة انان في مهمته، من ميغيل انخيل موراتينوس الى عمرو موسى الى البرادعي... الخ، وكلهم شخصيات لها تاريخ وخبرة في الديبلوماسية، الا ان الديبلوماسية لم تكن فعالة يوماً مع النظام السوري، والآن اكثر من قبل، فقد أيدت 133 دولة في الجمعية العامة من الامم المتحدة المشروع السعودي حول سورية، ما اظهر عزلة روسيا والصين في موقفهما. وفي هذا الاطار هناك الموقف الجزائري، الذي عارض هذا المشروع ويعكس تخوف النظام الجزائري من ان يصل الاحتجاج الشعبي اليه. اما لبنان ونأيه المعروف بالنفس، فهو بهذه الحكومة لا ينأى بنفسه بل يعمل لخدمة حليفه النظام السوري القاتل الذي قتل فيه لمدة عقود. فنسمع تارة ان مواطنين سوريين لاجئين اعيدوا منه الى بلدهم، او توقيف مدير حملات «آفاز» في العالم العربي الناشط السوري وسام طريف في مطار بيروت ومنعه من السفر وأخذ جوازه، فهي ممارسات غير مشرفة للحكومة اللبنانية، فالنظام السوري اليوم هو في حرب مع شعبه والأسرة الدولية بأغلبيتها، وهو يحاول جر المنطقة الى حربه، وتهييج حلفائه في لبنان مع الدعم الايراني ليستمر في توسيع نطاق القتل. الا ان ايامه اصبحت معدودة، ومهما كان دعم ايران وروسيا له فرهان هؤلاء هو الخاسر، لان العالم سيستيقظ قريبا ويبلغ بنهاية النظام السوري كما حصل بنظام القذافي، ولكن في هذه الاثناء المآسي تزيد والاجرام مستمر. ولكن شجاعة الشعب السوري وصموده يستحقان التحية، وفي النهاية سيخرج من التاريخ الاسود الذي ادخله فيه نظام الاسد وفريقه. ومشهد معلم ديبلوماسيته في ايران، الى جانب نظيره الايراني بعد مقتل قادة اجهزة الامن السوري، يدعي ان لا شيء يهز النظام ككل تعليقاته التي اشتهر بها كمعلم اللغة الخشبية في الدفاع عن قمع ابناء بلده وقتلهم. والشعب السوري الباسل لن يغفر لمثل هؤلاء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نموذج الثورة السوري!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

8-8-2012

عرف العرب نموذجين من الثورة المسلحة: الجزائري، الذي قام على وجود تنظيم واحد لا شريك له، ويمنع بالقوة وجود أي تنظيم إلى جانبه، مثلما يرفض أي خلاف معه أو اختلاف عنه. والفلسطيني، الذي كان عكس الأول وقام على تعدد التنظيمات وتعايشها، ضمن ما كان ياسر عرفات، قائد الثورة الراحل، يسميه: الديمقراطية الفلسطينية، أو ديمقراطية البنادق الفلسطينية.

استند النموذج الأول على واحدية التنظيم والتفكير، فكان قيامه بداية نهاية كل ما كانت الساحة الوطنية الجزائرية قد عرفته من أحزاب وهيئات ومنظمات، وبدء تأسيس حياة سياسية ربطت كل شيء بقيادة العمل النضالي المسلح، الذي تبنته «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية، بعد أن كانت قد تخلقت في سياق كفاح سياسي متشعب بدأ في عشرينات القرن الماضي، وأدى اختناقه استعماريا إلى هجر فكرة السياسة والحزبية السياسية كأداة للتحرر الوطني من استعمار استيطاني متجذر في أرض احتلها طيلة قرن وثلث القرن، يصعب اقتلاعه بالعمل السلمي من بيئة تعرضت خلال هذا الزمن المديد لتغيير طاول طابعها الوطني بطريقة أرادت تغيير هوية المواطن الجزائري، فكان من المفهوم أن تأخذ الثورة طابعا اقتلاعيا يجتث الدخيل من الأصيل، والأجنبي من نسيج وطني تاريخي مجاف له. لا عجب أن جوبه عنف الواقع الاستعماري بعنف وطني شامل رفضت أداته النضالية المسلحة وجود أي تنظيم آخر إلى جانبها، لاعتقادها أن التعددية تشجع الانقسامات والتناقضات داخل الصف الوطني، التي لا يفيد منها أحد غير العدو الوطني المشترك، وتضعف الثورة وبالتالي فرص تحرر سيأخذ بالضرورة شكل انسلاخ عن جسدية أجنبية راسخة ومزودة بأفضل وأحدث الأسلحة.

قام النموذج الثاني، الفلسطيني، الذي واجه بدوره عدوا استيطانيا اقتلع الشعب الفلسطيني من وطنه بالقوة وأحل غرباء محل شعب البلاد الأصلي، على تعدد تخطى التنظيمات الحزبية السلمية المعروفة بأن أضاف إليها جميعها ذراعا مسلحة أو حولها بكاملها إلى ذراع كهذه، أراد للدولة الفلسطينية أن تنبثق منها، ورأى فيها مكونات أولية تكمن في هيكليتها دولة تحرر وطني مستقلة وسيدة ستنشأ بالضرورة منها، وستكون محصلة لها، فالتنوع يعني هنا التكامل الخلاق ولا يعني التناقض المضعف والمفتت، كما كان يعتقد في الحالة الجزائرية.

هل نجح النموذج الجزائري لأن التنظيمات السياسية والحزبية الوطنية لم تمثل عقبة جدية أمامه، ونجح التنوع في النموذج الفلسطيني لأنه كان موجودا قبل الثورة، وفي صورة منظمات مسلحة استقلت عن أحزاب عربية أو أسهمت في تأسيسها؟ مهما كان الرد، لم تشهد الساحة الفلسطينية تناقضات عدائية بين منظماتها تفضي إلى صراع عنيف، إذا ما استثنينا تلك المنظمات الواهية التي ارتبطت بأجهزة أمن عربية كتنظيمي الصاعقة البعثي السوري وتنظيم جبريل، المنشق عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي تحول إلى منظمة أمنية سورية ذات مهام داخلية وصار من الصعب اعتباره تنظيما فلسطينيا؟

يوجد اليوم في سوريا نموذج مختلط يجمع بصورة مشوهة بين النموذجين السابقين، فالمجلس الوطني يرى في نفسه «جبهة تحرير وطني» من الطراز الجزائري، لذلك عمل ويعمل على إقصاء واستبعاد غيره من منظمات المعارضة وشن عليها حملات تخوين عنيفة شوهت سمعة مناضلين ديمقراطيين حقيقيين تعرضوا لأسوأ أنواع البطش والقمع الرسمي عندما كان قادة المجلس ينعمون بالأمن والسلام في مهاجرهم، ولم يكن لهم أي وجود في النضال السوري المعارض. ولكن، ونظرا لوجود تنظيمات سورية أخرى معارضة، ولأن المجلس يفتقر تماما إلى القدرة على إبعادها عن العمل العام، فإنه يجد نفسه في موقف مليء بالتناقضات والمفارقات: من ذلك أنه يرفض التعاون معها تنظيميا ويقاوم العمل معها سياسيا، لاعتقاده أن ذلك يمس بتمثيله للمجتمع السوري. بالمقابل، يجد المجلس نفسه مجبرا بصورة متعاظمة على الإقرار بأنه ليس الجهة الوحيدة التي تعمل في الحقل العام السوري وتؤثر فيه. إلى هذا، طرح قادة المجلس حلا اقتصر على دعوة من ليسوا فيه إلى الانتساب إليه، ضمن نسب تمثيل عينها هو، بما أن الآخرين لم يقبلوا هذه الطريقة ولم يتفاعلوا معها بإيجابية، فقد مثل وجود المجلس مشكلة حقيقية وتحول إلى استعصاء سياسي يصعب تخطيه بدل أن يكون هو الحل. والغريب أن قادة المجلس ظلوا مصرين على تمثيل السوريين: على كونه التنظيم الوحيد الذي يعبر عنهم ويجسد ثورتهم، على الطريقة الجزائرية، بدل أن يقروا بالتنوع القائم فعلا ورغما عنهم، على الطريقة الفلسطينية، ويقيموا علاقات تشبه ما يقوم بين إخوة تضمهم أسرة واحدة، لا مصلحة لهم في الشقاق والصراع، وإنما توحدهم تربية متقاربة وأخلاقيات وأهداف موحدة، وتجمعهم حاضنة عامة هي البيت المشترك - الوطن الذي فيه نشأوا ويعيشون. هذا النموذج العملي والمنطقي، الذي صمد خلال عقود أمام حرب صهيونية ضارية على فلسطين، ونجح في تخطي مختلف أنماط التآمر على القضية الفلسطينية، وحفظ وحدة الشعب المشتت في أربع أقطار الأرض، وضمن له حدا من القوة والحراك السياسي والعسكري جعله رقم المعادلة الشرق أوسطية الصعب، كان يمكن اعتماده في سوريا، لبلوغ حال من التفاهم والتعاون والتنسيق داخل المعارضة تتخطى فكرة التمثيل قليلة الأهمية، وتفضي إلى تأسيس منظمة وطنية تشبه منظمة التحرير يقودها تنظيم لا يعلن انفراده بتمثيل الشعب والنطق باسم الثورة، فيسود الانسجام والتكامل داخل الصف الوطني السوري ونخرج من أكذوبة التمثيل المضحكة. لو اقتدى المجلس بحركة فتح، التي كانت أقوى منه بما لا يقاس، وموجودة على الأرض أكثر من مجموع المنظمات الفلسطينية الأخرى مجتمعة، دون أن تتطلع إلى تهميش غيرها أو إخراجه من العمل العام، لكان تجاهل مسألة التمثيل وأبرز عوضا عنها مسألة قيادة الساحة ووحدتها باعتبارهما المسألتين اللتين تنبع منهما جدارته بالتمثيل، ولركز جهوده على قدرة خطه السياسي الجامع على قيادة الساحة، بدل إخفاء حقيقة سياساته الإسلامية وراء غلالات ليبرالية لا حول لها ولا طول، وشحن الساحة بخلافات مفتعلة نابعة من رهانات حزبوية إسلامية ضيقة تتدثر بقصة التمثيل الوحيد والشرعي المزعوم.

ثمة متسع من الوقت لإصلاح «النموذج السوري» في المعارضة، لأنه ليس أصليا ولا ينبع من المصلحة الوطنية، بل تمليه رغبة طرف محدد في استغفال بقية أطراف المعارضة والواقع، وجعل وصوله إلى الحكم حتميا ومسلما به بعد سقوط النظام، بحجة أن هناك عقدا لا سبيل إلى التنكر له أو التنصل منه أو نقضه بين الشعب وبينه، منحه حقا لا يجوز أن يشاركه فيه أحد يخوله الاستيلاء على السلطة مستقبلا بوصفه ممثل الثورة ومعادلها الموضوعي، وإلا فإنها لن تحقق أهدافها.

بسبب هذا النموذج الفاشل، تم كل تطور داخلي سوري خارجه أو ضده: من «الجيش الحر» إلى فصائل التنسيقيات والجمعات الحزبية والهيئات المعارضة المتنوعة. السؤال الآن: هل يتم إصلاح المجلس باتجاه النموذج الفلسطيني، فيتسع للجميع دون استثناء ويقوم على الندية والشراكة في النضال والوطن، أم يكون هدف الإصلاح احتواء الآخرين داخله، أي إخضاعهم للإسلاميين المسيطرين عليه، فلا يحقق الإصلاح غير إضعاف المجلس وتهميشه ووقوعه في يد جهة واحدة تمسك به من داخله وتفتقر إلى ثقة أحد خارجه؟ للمجلس أن يختار: التمثيل أم الريادة، الاحتواء أم الإقرار بالتنوع والندية؟ ولنا أن نأمل أن يكون خياره صحيحا هذه الأيام، حيث يتجدد الحديث للمرة الرابعة عن إعادة هيكلته وإصلاحه، وأن يتسم بواقعية تلزمه بالتواضع، ويتفق مع حجمه المحدود داخل الحراك والمجتمع والمعارضة في سوريا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اخيرا.. فهم التلفزيون السوري معنى "السلمية" ... مازن العليوي

الوطن السعودية

بآخر تحديث: الأحد 5 أغسطس 2012, 1:47 ص

عد عام ونصف العام من القتل المستمر للشعب تنبه الإعلام السوري إلى أهمية نبذ العنف، وبدأ التلفزيون الرسمي يدعو المواطنين لأن يكونوا سلميين في مطالباتهم، متجاهلا أنهم بدؤوا سلميين أصلا، ولم يحمل أحدهم سلاحا ليواجه القتل والهمجية والتعذيب والسحل وغيرها من وسائل القمع.. وما زال صوت المواطن وهو يلهث مرعوبا من الرصاص المنهمر عليه وعلى أمثاله المتظاهرين ويصرخ "سلمية.. سلمية" يقدم على الفضائيات. حتى لتكاد سورية تكون الدولة الوحيدة في التاريخ التي خرج بها المتظاهرون وهم يهتفون بسلمية مظاهراتهم ويحملون لافتات مكتوبا عليها بالخط العريض "سلمية"، إما لأنهم يعتقدون أن النظام سيتعامل معهم بصورة حضارية شأن الدول الراقية فينبهونه إلى "السلم"، أو لأنهم يعرفون أنهم يواجهون نظاما لا يردعه شيء، ويريدون إدانته أمام العالم.

هذا الإعلام الذي يدعو لـ"السلمية" اليوم، هو نفسه الإعلام الذي ما زال يعرض مشاهد خادعة عن الأحياء الملتهبة بالثورة ليقدمها على أنها هادئة، وما زال يصر على تسمية المتظاهرين بالعصابات المسلحة الإرهابية.. ذلك المصطلح الذي ظل التلفزيون السوري يلوكه، حتى صار السلاح حقيقة على الأرض بعد عام على الثورة لاضطرار العسكريين من الشعب للانشقاق والدفاع عن أهاليهم ممن يقتلهم النظام، وتلك نتيجة حتمية لعمليات الإبادة التي انتهجت بحق المتظاهرين السلميين وغير المتظاهرين ممن ذبحهم أزلام النظام في بيوتهم. بعد عام ونصف العام، أُجبر الإعلام السوري بين أوقات احتفائه بالتصريحات الروسية على نطق مفردة "السلمية"، متناسيا أن المتظاهرين في حمص بداية الثورة رفعوا لافتات في حمص تناشد جيشهم الوطني باستخدام الرصاص المطاطي. أولئك المتظاهرون وغيرهم في المدن المدمرة هم أنفسهم من يلصق بهم ذلك الإعلام جرائم النظام معتبرا أنهم "عصابات إرهابية تدّعي الحرية".

بعد عام ونصف العام على استهتار رأس النظام بالمتظاهرين "السلميين" في الخطاب الأول وعدم اعترافه بهم، اكتشف إعلامه أن هناك مفردة تعني "السلم"، ونخشى أن يحتاج هذا الإعلام لزمن مماثل ليكتشف معنى "التظاهر"، وعام ونصف العام أخرى ليربط بين السلم والتظاهر، ثم عام ونصف العام لفهم مفردة "الحرية"، ثم الإصلاح... ثم... ثم..

لأن العدّ سوف يطول، أترك لكم حساب السنين بعد وضع المفردات التي يحتاج الإعلام السوري لاكتشافها وفهم معناها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية وتطور الجبهة الكردية

2012-08-05 12:00 AM

الوطن السعودية

نجاح القرار السعودي في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول سورية الذي يدين استخدام النظام السوري للأسلحة الثقيلة وينتقد عجز مجلس الأمن هو في النهاية قرار يعبر عن فقدان الثقة من أكثر دول العالم المصوتة لصالحه والتي بلغت 133 دولة في النظام السوري، وأنه فقد شرعيته، وعليه فإن القرار الذي دعا لعملية انتقال سلمي للسلطة ورحيل الأسد هو الخيار الأفضل اليوم لمعالجة الوضع دون إراقة مزيد من الدماء، رغم أن كل المؤشرات تقول بأن النظام السوري يرغب في مزيد من التصعيد واستخدام كل السلاح الممكن كما يحدث اليوم في حلب والتي وصل فيها الأمر لاستخدام الطائرات الحربية لشن غارات جوية.

الجبهة السورية مشتعلة اليوم وتشهد عدة تطورات لعل أهمها على الصعيد الكردي حيث إنه ومنذ بدء معارك حلب قامت قوات كردية سورية بالاستيلاء على عدة قرى كردية ومعابر حدودية مع تركيا، ولأن التركيبة الكردية في سورية معقدة فإن انعكاسات ما يحدث على الخط الكردي في سورية باتت لها أهمية كبيرة. ففي حين يبرز وجود تأثير قوي للزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني على مجموعة من أكراد سورية إلا أن تواجد حزب العمال الكردستاني المكثف في سورية وهو الورقة التي كان الأسد يستخدمها ضد الأتراك، دفعت بتركيا للتصريح بكل علني لأول مرة باتخاذ مواقف علنية ضد أي تواجد عسكري معين للأكراد شمال سورية. الخريطة الكردية معقدة، فبارزاني كونه زعيما كرديا مهما وأحد من يدفعون باتجاه إقامة الدولة الكردية في تصريحاتهم المستمرة ففي المقابل تربطه وتربط إقليم كردستان العراق بتركيا علاقات اقتصادية وثيقة جدا تجعل من بارزاني رقما صعبا في المعادلة.

إن الوضع الكردي مرجح للاشتعال بقوة، فالأكراد السوريون ربما يطمحون في إقامة إقليم مستقل شبيه بالإقليم العراقي، وبينما تمر الثورة السورية بامتحان صعب يتصاعد الملف الكردي ليزيد من تعميق الخلاف الذي ظهر أساسا بين الجيش الحر والمجلس الوطني على خلفية تشكيل حكومة انتقالية في الخارج. هذه التطورات تقع على خلفية مشهد يجب أن يكون موحدا لا منقسما، فالحديث عن إقليم كردي يعقد المسائل في الوقت الراهن هو طعم ألقى به النظام السوري للأكراد لعلمه بحساسية الملف بالنسبة إلى تركيا، بينما لا يزال القصف ووقوع القتلى مستمرين في حلب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلمة الرياض .. العالم يعطي صوته لأحرار سوريا.. يوسف الكويليت

الرياض

5-8-2012

استقال «عنان» من مهمته في سوريا، لأنه سعى لترضية الدول الأعضاء في مجلس الأمن على حساب حل الأزمة السورية، وطبيعي أن يواجه الموقف بالخروج منه، خاصة وأن من أبدوا امتعاضهم منه في المنطقة العربية وخارجها أكثر من مؤيديه.

ثم جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي صوتت (١٣٣) دولة مقابل (١٢) دولة معارضة من ضمنها الدول المتحالفة مع سوريا، روسيا والصين وإيران، وامتناع (١٣) دولة عن التصويت، ويعد ذلك اختباراً لرؤية عالم يرفض انتهاك حقوق الإنسان بدعم دول أعضاء في مجلس الأمن، بل يعد رسالة ضغط على أن الإنسانية لم تفقد وجهها الحقيقي إزاء قتل شعب أعزل.

نعرف، سلفاً، أن لا مجلس الأمن، ولا المندوب، ولا الأمم المتحدة لديهم الحلول الجاهزة، لأن كل طرف معارض أو متفق على إزاحة الأسد هم من يزاودون على سوريا لتكون أنبوب الاختبار لمن يملك القدرة على إزاحة الآخر، وحتى لو سلمنا أن دول حلف الأطلسي بمقاطعتها النظام اقتصادياً، وتحاصره سياسياً، فهي لا تخفي أهدافها من أن المعركة مع الصين وروسيا، كبداية لحرب باردة جديدة، وهذه المرة سوريا ليتبعها في مواقع أخرى صراعات قادمة مثل إيران وكوريا الشمالية، وربما بؤر نائمة قد تنفجر لأي سبب، ومع ذلك فكل من طرفي الصراع يواجه الأوضاع بمبرراته، ومصالحه.

لكن في الحالة السورية هناك نمط من المواجهة قد تخسرها روسيا والصين معاً لأن رهانهما على رئيس فقد شرعيته الدولية، يدعم مقولة أن الزمن يفرض حله، والشعب السوري هو الذي يواجه نظامه، وشبح الخسارة لروسيا، بشكل خاص، يقلقها، لأن اقتلاعها من المنطقة كلها مرهون بمن يحسم المعركة، وحتى لو فرضنا أن الأسد قاوم لعام آخر، فالمعارضة هي من تكسب كل يوم بعداً يضيف لها غطاءً شعبياً في الداخل، وتأييداً عالمياً في الخارج.

الغرب لم يرسل أساطيله عابرة البحار، وإنما يدير المعركة على نمط أفغانستان أثناء الاحتلال السوفييتي لها، بمعنى أن المساعدات المادية والعسكرية، حتى مع محدوديتها إذا كانت ذات نوعية تصلح لحرب المدن والشوارع، فقد تصبح أكثر كفاءة من الطائرة والدبابة، لأننا نتذكر، كيف وصلت صواريخ «ستنجر» التي كانت ذراع الأفغان في إسقاط العديد من طائرات السوفييت، وهي ليست من الأسلحة التي تخشى أمريكا انكشافها أو فتح أسرارها، وقد تعيد الكرَّة مع سوريا لنفس الهدف والغاية، حتى لو قال بعض المسؤولين إنهم ضد تسليح المعارضة، لأن ما تكشفه السياسة، غير ما يخفيه الهدف الآخر.

من يقف متحدياً كل الظروف وبطش السلطة وتحمل أعباء الحياة الصعبة لما يزيد على عام ونصف، وهو صامد، هو من يحدد مصير وطنه، وما حيّر السلطة وزاد من يأس روسيا والصين، أن هذه القدرة على الاستمرار بالثورة، معجزة وطنية، وهي بتداعياتها تؤرخ مع الثورتين البلشفية والفرنسية، بل لم تواجها سلاحاً مثل الذي يملكه نظام الأسد، ومع ذلك فحتمية السقوط يدركها مؤيدو النظام قبل غيرهم، غير أن المكابرة الروسية ستجعلها في صورة أكثر بشاعة عربياً وعالمياً، وأنها بهذا التصرف لا تختلف عن نزعة الدول الاستعمارية التي طالما نعتتهم بأبشع الأوصاف وصور الإدانة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معضلة النظام السوري وإلايراني ... نجيب غلاب

عكاظ

5-8-2012

يبدو أن النظام السوري يدير المعركة باستراتيجية الباحث عن السقوط المدمر لوطنه، وإدخال المنطقة في نزاعات طويلة الأمد. والهدف تنفيذ الأجندة الإيرانية، وتحويل مآلات الفوضى التي يعملون على إنتاجها إلى مدخل لحفظ ما يمكن حفظه من مصالح الطائفة العلوية عبر تشكيل دولة انفصالية محمية من الروس وإيران، وفي الوقت نفسه زعزعة أمن المنطقة عبر الصراع الطائفي لتدعيم قوة إيران. فالصراع الطائفي يمثل مصدر قوة لملالي طهران كبوابة للتحكم بالتكوينات الشيعية وتحويلها إلى أدوات عنيفة مدمرة.

من الواضح أن ملالي طهران لديهم خوف من الحقبة الجديدة التي تمر بها المنطقة. ففي ظل المشاكل التي يعاني منها الشعب الإيراني قد يتولد ربيع إيراني أشد وطأة. لذا يريدون سورية مدخلا لإعاقة أي تغيير في معادلة القوة الإقليمية وتحويلها إلى بؤرة لبناء جبهة داخلية متماسكة مسنودة بتيار شيعي عربي مراهن على ملالي طهران لا على مصالح بلدانهم.

المؤشرات الواضحة أن نظام الأسد سيسقط بشكل مريع، وخوف نظام الملالي قد يدفعهم إلى التهور واللجوء إلى فتح حروب محدودة في أكثر من مكان إلا أن سياسة كهذه ستنهكها وقد يدخلها في حرب شاملة مع أطراف متعددة، وفي المآل النهائي سيسقط النظام السوري، ويصبح ربيع إيران أمرا حتميا ولو بعد حين.

ما يشجع النظام السوري وملالي طهران أن المنظومة الدولية غير راغبة في التدخل المباشر لتسريع إسقاط النظام السوري. كما أن قوة النظام السوري وبنيته الشمولية مازالت متماسكة نوعا ما. ولكنها ستسقط في النهاية، إلا أن الحسابات الإقليمية والدولية المساندة للثورة يبدو أنها تقود معركة تفكيك البنية الشمولية، وتنتظر تغيرا في معادلة القوة داخل سورية، صحيح أن هذا الأمر سينتج عنه ضحايا كثر. إلا أنه سيجعل التدخل لاحقا مبررا وبإسناد قوي على المستوى الشعبي والرسمي في الإقليم والعالم، والأهم أن إيران وروسيا والصين ستتحمل وزر الدماء التي يسفكها الأسد يوميا. وهذا سيزيد من عزلتها، ويبدون في الوعي العربي والعالمي كداعمين للقتل والدمار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحديات الثورة السوريّـة ... سعود الجراد

عكاظ

5-8-2012

لاشك بأن بشار الأسد ونظامه ساقط لا محالة، وهي مسألة وقت لن تدوم طويلا، خاصة بعد تلك الاختراقات الأمنية الكبيرة والسياسية الأخيرة، ووصول أشلاء القتلى إلى عرين الأسد. لكن الخوف كل الخوف من تلك الفوضى والفراغ الأمني الذي يحدث عادة عندما يسقط من بيده كل خيوط الدولة واللعبة السياسية، ومن ثم تكون سوريا وليمة شهية لنسور التطرف، وبالتالي غير مستقرة وبؤرة توتر وصراع دولي تلقي بظلالها على الدول المجاورة.. منذ بداية الثورة السورية التي انطلقت بتاريخ 15/3/2011م، ومعظم أطياف المعارضة السورية في الخارج وأهل المشهد الثوري في الداخل لم يجتمعوا على كلمة سواء وصوت واحد وأجندة وطنية واضحة المعالم، تكون خارطة طريق للوطن الجديد بعد سقوط النظام المرتقب، وهي نقطة ضعف منذ بداية انطلاقة شرارة الثورة التي جعلت الكثير من الدول مترددة في دعم حق الشعب السوري في الحرية والعيش بكرامة كالشعوب الأخرى. ورأينا كم هي حجم الاختلافات وتضارب الأقوال بين أعضاء الجيش السوري الحر والمجلس الوطني وحتى بين أعضاء المجلس الواحد. لاشك أن تلك الانشقاقات السياسية والعسكرية التي حدثت وتحدث مهمة، ولكن النظام السوري بما يملكه من تاريخ استخباراتي ومؤامراتي قادر على اختراق الصفوف وتلك المعارضة غير المتناغمة!، وإيجاد نوع من البلبلة وعدم الثقة!.. في وضع كهذا لا يمكن للثوار أن يغلقوا الباب في وجوه من نكصوا وقالوا أخيرا: للنظام السوري الدموي لا.. ربما عن قناعة بعد انهيار جدار الخوف. ربما بعد مراجعة حسابات الربح والخسارة والنظام على وشك السقوط. فالثائر السوري من أجل استمرار ونجاح ثورته، عليه الأخذ بالظاهر وعدم الركون إلى النيات. فالنيات لا يعلمها سوى الله. وبالتالي يبقى هذا السؤال الوطني والأخلاقي لأي معارضة كانت: هل يمكن قبول وجوه تحولوا إلى الطرف النقيض، وكانت إلى عهد قريب من أهل الحل والعقد؟، بل من أهل السنام؟، وربما أيديهم ملطخة بالدماء!.. وفي هذا السياق، كتب الأستاذ أحمد رجب، منتقدا البعض الذي كان يشكك في كل من عمل في الدولة المصرية أيام الرئيس حسني مبارك، فقال: ( هل كل من خدم الدولة فلول؟ نفترض جدلا أنه فلول. ألم يكن خالد بن الوليد من كفار قريش وقتل المسلمين في (أحد) ثم أصبح سيف الله المسلول). الشاهد: أن أشقاء وأصدقاء الثورة السورية العظيمة، ومنذ البدايات وحتى كتابة هذه السطور، حاولوا ويحاولون توحيد صفوف الثوار والمعارضين، وجعلهم يتكلمون بلسان واحد، ولهدف واحد، ويؤمنون ببرنامج مدني ديمقراطي، يراعي التنوع الديني والعرقي السوري، ويكون بديلا إنسانيا وحضاريا مغايرا، يحفظ حقوق وواجبات الأغلبية والأقلية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد في الجحر! ... خلف الحربي

عكاظ

5-8-2012

بشار يختبئ في مكان مجهول خائفا من شعبه!، لا يستطيع الخروج على شاشة التلفزيون فيوجه رسائل خطية إلى جيشه كي يهدم البيوت على النساء والأطفال، فأي شرعية بقيت له وهو لا يستطيع أن يسير بموكبه من مقر إقامته المجهول إلى مكتبه؟، أي أسد هذا الذي يختبئ في الجحر رغم أنه يقود جيشا مجحفلا لم تظهر (مراجل) قادته إلا على النساء والأطفال؟!، لو كان قائدا حقيقيا لقام بزيارات ميدانية لكتائب جيشه التي ترتكب المجازر المخزية!، لو كان رئيسا شرعيا للجمهورية لبقي في قصره الجمهوري يستقبل الوزراء والسفراء.. فمن يحرص على التواري عن الأنظار ليس رئيسا للجمهورية بل مطلوب للعدالة!.

صدام حسين لم يكن أقل بطشا من بشار ولكنه رغم ذلك لم يختبئ خوفا من العراقيين بل خشية من استهداف الجيش الأمريكي له بعد احتلال العراق، ومعمر القذافي لم يختبئ إلا خشية من استهداف طائرات الناتو، بل وحتى حليف بشار السيد حسن نصر الله لم يختبئ خوفا من اللبنانيين بل توارى عن الأنظار خشية من الاستهداف الجوي الإسرائيلي، ولكن في حالة بشار لا توجد طائرات معادية تسيطر على الأجواء بل هو الذي يوجه الطائرات والدبابات والمدافع لقصف المدنيين.. فلأي سبب يختبئ هذا الزعيم (الأونطة) الذي كان سيحرر فلسطين؟!.

بشار ديكتاتور مترف ورث الجيش والمخابرات والبعث والشبيحة وفاروق الشرع عن أبيه!، لم يجرب القتال في يوم من الأيام فظن أن إصدار قرارات القتل الجماعي لا تكلف أكثر من رفع سماعة الهاتف، وها هو اليوم غير قادر على تأمين السلامة الشخصية له ولأفراد عائلته رغم كل ما يملكه من قوة عسكرية مدعومة بقطعان الشبيحة وعناصر الحرس الثوري الإيراني، أنه يقدم صورة جديدة للديكتاتور العربي الناعم الذي يملك سواد القلب ولكن تنقصه الصلابة.

لو قلبنا صفحات الذاكرة لوجدنا أنه حين ألقت القوات الأمريكية القبض على صدام حسين سمحت لبعض أعضاء المجلس الانتقالي برؤيته للتأكد من شخصيته فوجه أحدهم لوما شديدا إلى صدام بسبب جرائمه بحق الشعب العراقي فلم يكن من صدام إلا أن سأله: (أنت كاونت ؟) أي: هل قاتلت في يوم من الأيام؟، وحين أجاب العضو بنعم سأله صدام: (وين؟)، حيث لم يكن صدام يعير اهتماما لمن ينتقده ما لم يكن جرب القتال في يوم من الأيام، وهذا قد يفسر ذعر بشار اليوم، فهو لم يجرب القتال في يوم من الأيام بل كان يتعامل وكأنه لعبة فيديو، ولذلك كان في أيام الرخاء يتحدث بإسهاب عن المواجهة والمقاومة ويحاول أن يعثر على الفوارق السبعة بين الرجال وأشباه الرجال.. وحين جاء وقت الجد تحول الأسد الافتراضي إلى فأر مذعور واختبأ في الجحر!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جدل الأسلحة السورية ... محمد خالد الأزعر

التاريخ: 05 أغسطس 2012

البيان

وقفت اسرائيل وعالم الغرب برمته على أطراف الأصابع، لمجرد أن مسؤولا سوريا بارزا ألمح الى حيازة بلاده أسلحة كيماوية وبيولوجية، مؤكدا أن هذه الأسلحة لن تستخدم سوى لصد أي عدوان خارجي.

ردود أفعال هذا التصريح تزاحمت، على نحو عاجل ومتزامن ومتشابه، في كل من تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس وبرلين وبروكسل (بصفتها عاصمة الاتحاد الأوروبي).. وكانت محاورها تراوح بين وصف النظام السوري بأقذع الألفاظ وأكثرها دلالة على الوحشية واللاإنسانية، وبين تحذير هذا النظام بشدة وحزم من عواقب التفكير "ولو لثانية" في تفعيل هذه الأسلحة تحت أي ظرف.

ولم تفوت الماكينة الدبلوماسية والدعائية الاسرائيلية غمرة هذا المشهد، وما يتيحه من فرص يمكن عبرها اسقاط مزيد من السلبيات على صورة بعض أعدائها الألداء، فتحدثت مليا عن "احتمال وصول هذه الأسلحة الفتاكة ؛المحرمة، الى حزب الله، وربما الى خلايا نائمة أو يقظة تنتمى لتنظيم القاعدة..". وأشار أكثر من جنرال ووزير ومتحدث رسمي في اسرائيل الى أن أمرا كهذا سوف "يجبر" قواتهم على مهاجمة أية شحنة من هذا القبيل فور التأكد من حدوثها.

مطالعة التصريح السوري وهوجة التعليقات الغاضبة والتهديدات والتحذيرات التي تدافعت على حاشيته، تستدعى ضفيرة من التأملات والملاحظات..

فمن ناحية، يثور التساؤل عما ان كان لهذا التصريح الفارق علاقة باستشعار النظام السوري وجود نية حقيقية للتدخل الخارجي المسلح بذريعة حسم الأزمة الداخلية، على غرار المثل الليبي؟.. ويلح هذا الفرض بالنظر الى الضغوط الشديدة التي تتعرض لها موسكو وبكين للعدول عن موقفهما الرافض لهكذا خيار في مجلس الأمن.

ترى هل قصد نظام دمشق الايحاء بأنه لا يعتمد في اصراره على وأد الانتفاضة الداخلية، رغم التلويح الغربي باحتمال اللجوء الى الخيار العسكري، على مجرد الظهير الروسي الصيني، وأنه يدرك أن هذا الظهير قد ينصاع لمساومة أو صفقة يعقدها مع الغرب، تسوقه الى تغيير قلبه، وأنه سوف يلجأ عندئذ الى حلول دفاعية ذاتية شمشونية؟..

ومن ناحية ثانية، لنا أن نلاحظ التلاقي الى حد التطابق بين أصداء التصريح السوري لدى كل من اسرائيل وعواصم الغرب.. وفي ذلك بلاغ عن استمرار صلابة الاسناد الغربي للشريك الإسرائيلي، بما يبرر توقع توفير شبكة أمان غربية، لا تستثنى البعد العسكري، في حال تعرض هذا الشريك لأخطار أمنية.

وفي اطار مثل هذه الطمأنة، ليس من الحكمة توقع أية مرونة اسرائيلية على جبهة الحلول والتسويات السياسية مع الفلسطينيين والعرب. ومن ناحية ثالثة، تنطوي لغة الاشتباك والتراشق الموصولة بقضية الأسلحة غير التقليدية السورية على مزيج من خطابات الادعاء والتكاذب والتغابي والاستحماق...

فحين يعلق النظام السوري اللجوء الى هذه الأسلحة، التي يقال انه يمتلكها منذ أربعة عقود، على وقوع عدوان خارجي، فانه يبدو أقرب الى التهديد الدعائي ضعيف الصدقية، باعتبار أن مثل هذا العدوان واقع بالفعل على أرض الجولان السورية منذ 1967.. اللهم الا ان كان مفهوم العدوان في هذه الحالة لا يعني غير تهديد النظام الحاكم.

أما مفردات التغابي والاستحماق وازدواجية المعايير فتتجلى بحق في موقف القوى الغربية، التي تجاهلت طويلا الدعوات العربية الى اخلاء "الشرق الأوسط" من الأسلحة غير التقليدية، بينما استنفرت اليوم ضد الاعلان السوري، في محاولة لاستغلال الغضب العربي والدولي على ممارسات نظام بشار الأسد الداخلية، وصولا الى احتمال تدويل النظر في تجريد دمشق من هذه الأسلحة ؛بمعزل عن أية نيات مماثلة بحق الترسانة الاسرائيلية الرابضة بالجوار. ولعل أعصاب النظام السوري العارية على أكثر من صعيد تسمح بوقوع مثل هذا التصور.

الى ذلك، نكاد نقطع بأن كل الأطراف الذين تصنعوا الاستفزاز والغضب المضري جراء البوح السوري بحيازة اسلحة غير تقليدية، كانوا على دراية بهذه المعلومة التي لا يمكن اخفائها لأكثر من أربعين عاما..

لكن الأمر وما فيه أن كلا منهم سعى، ولن يكف عن السعي، الى توظيفها بما يخدم أجندته السورية الضيقة أو الشرق أوسطية الأوسع. والمؤلم أن معظم هؤلاء المعنيين عن قرب وعن بعد لم ينشغلوا جديا بغير التفكير في السيناريوهات الأمنية والحلول العسكرية، لما أرادوا تصويرها كمفاجأة سورية تستحق المواجهة.

ولأن النخبة الحاكمة في اسرائيل عادة ما تنتشى بمثل هذه الحلول وتحتفل بها، فقد عجلت بالإعلان عن زيادة الاقبال على اقتناء الأقنعة الواقية وتوفير الملاجئ المجهزة، وراحت تسرب أخبار الدورات التدريبية الرفيعة التي تلقتها وحدات اسرائيلية خاصة بالحرب الكيماوية في الولايات المتحدة.

وفي غضون تمثيل دور الضحية المرشحة للمبادرة السورية بشن هذه الحرب، يتناسى الاسرائيليون عموما أنهم كانوا ومازالوا في طليعة القوى "الشرق أوسطية" الحريصة على اقتناء كافة أنواع الأسلحة غير التقليدية وأجيالها. وأهم من ذلك أنهم يتجاهلون حقيقة كونهم طرفا هو أقل طاقة وقدرة واستعدادا، لوجستيا وسكانيا مثلا، من أن يواجه أو يتحمل تبعات حرب كهذه ان وقعت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إدانة دولية لسوريا ... كارول جيه. ويليامز

كاتبة ومحللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"

تاريخ النشر: الأحد 05 أغسطس 2012

الاتحاد

صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كاسحة يوم الجمعة على إدانة الهجمات الأخيرة التي شنّتها وتشنها الحكومة السورية على مواطنيها، وانتقدت القوى الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بسبب إخفاقها في اتخاذ إجراءات أكثر حسماً لإيقاف العنف.

وهذا القرار رمزي لحد كبير لأن الجمعية العامة لا تمتلك سلطة فرض قراراتها عن طريق نشر جنود حفظ سلام أو الأمر بفرض عقوبات، فذلك من سلطات مجلس الأمن الدولي وحده.

لكن التصويت الذي تم بأغلبية يبعث رسالة قوية للرئيس السوري مؤداها أن العالم يرى أن حملته القمعية على خصومه تمثل انتهاكاً لحقوقهم، ويمكن التأسيس عليها لتوجيه تهمة ارتكاب جرائم حرب ضده.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل التصويت إن الصراع في سوريا يمثل اختباراً لكل ما ترمز إليه الأمم المتحدة. وأضاف مشيراً لحوادث العنف الأخيرة التي اندلعت حول مدينة حلب ثاني أكبر المدن السورية: "إن الأعمال الوحشية التي تُرتَكَب، وتتناقلها وكالات الأنباء، تمثل جريمة ضد الإنسانية أو حرباً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى". وأردف الأمين العام قائلا: "الأعمال التي وقعت مؤخراً في تلك المدينة سوف يتم التحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها".

والقرار الصادر من الجمعية العامة والمقترح في الأساس من قبل المجموعة العربية، دعا الأسد للتنحي عن السلطة، وفرض عقوبات من جانب واحد على الحكومة السورية. لكن تلك البنود حذفت من القرار بإيعاز من روسيا والصين، وهما الدولتان العظميان والعضوان الدائمان في مجلس الأمن الدولي واللتان أحبطتا العديد من محاولات فرض عقوبات على نظام الأسد خلال فترة الستة عشر شهراً الماضية، أي منذ اندلاع الانتفاضة على حكمه.

وتضمن القرار ذكراً لما قامت به قوات الحكومة السورية من قتل وتمثيل بالجثث، والاعتقال العشوائي للمواطنين، وإساءة معاملتهم، بما في ذلك ارتكاب العنف الجنسي ضدهم واستخدامهم كدروع بشرية في المعارك ضد "الجيش السوري الحر".

وتضمن القرار بنداً ينص على ضرورة قيام الحكومة السورية باتخاذ الخطوة الأولى لإنهاء العنف من خلال سحب الأسلحة الثقيلة، وإصدار الأوامر بعودة القوات لثكناتها، والانسحاب من محيط المدن، وكذلك فرض السيطرة على مخزون البلاد من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

وقالت"سوزان رايس"، سفيرة الولايات المتحدة لدى المنظمة الأممية، إن القرار أورد المطالبة التي تقدمت بها الجامعة العربية للأسد بالاستقالة وتشكيل حكومة انتقالية، والأمر الذي يمثل في رأيها رسالة تعتبرها انعكاساً مهماً لرغبة المجتمع الدولي في رؤية الأسد وقد غادر سوريا.

وقبل صدور القرار كان مكتب كبير مفوضي الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد سجل زيادة كبيرة في أعداد السوريين الذين فروا من العنف المتصاعد في حلب حيث تذكر تقارير صحفية أن حوالي 600 سوري يعبرون الحدود إلى تركيا يومياً، كما يقدر عدد الفارين من ديارهم والنازحين إلى أماكن أخرى داخل البلد الذي مزقته الحرب، بمليون ونصف المليون نازح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مرحلة ما بعد بشار لبنانياً ... علي حماده

2012-08-05

النهار

دخلنا مرحلة ما بعد بشار، ومهما فعل إن في دمشق أو في حلب، وسواء بإعادة احتلال الاحياء الدمشقية او بتجريد حملة دموية تدميرية همجية ضد حلب، فإنه في طريقه الى السقوط. قد يكسب بعضا من الوقت. و قد لا يكسب، لكنه يتجه في كلا الحالين نحو السقوط. حتى المناطق التي كانت الى اليوم خارج النزاع المسلح (منطقة الساحل) سيتم ادخالها عنوة، وسيضيق الخناق حول معقله وبيئته الحاضنة التي ينبغي ان تدرك جيدا ان حكم القلة لسوريا صار من الماضي البعيد. فلا عودة الى ما كان، لا الى مرحلة البعث، ولا الى مرحلة الضباط العلويين الذين يعملون على تغليب العنصر العلوي في الجيش والمؤسسات. بعد اليوم لا حياة آمنة لأهل النظام لا في دمشق ولا في حلب ولا في اللاذقية ولا في اي مكان آخر من سوريا.

ما تقدم ليس موجها الى السوريين الذين يعرفون اكثر منا حقيقة الوضع على الارض. انه موجه الى الحلفاء في لبنان و هم يشرفون على مرحلة يُتم سياسي ومرجعي. انهم يشرفون على مرحلة تصحر ذاتي. فلا النظرية "الخنفشارية" القائلة بتحالف اقليات (موارنة – علويون) التي راودت الرئيس الراحل سليمان فرنجية وعليها بنى تحالفه مع آل الاسد تصلح، ولا النظرية الطوفانية القائلة بتحالف أعرض للأقليات (موارنة – علويون- شيعة) يمكن ان تصمد امام عاصفة المنطقة التي ستأخذ في دربها النظام في دمشق، وستحشر المشروع الايراني في المشرق العربي في زاوية ضيقة بين حارة حريك ومارون الرأس، ولا هذا الرهان الركيك بفهمه للمنطقة القائل بأن انظمة القتل والديكتاتورية والاغتصاب هي التي تحمي المسيحيين في الشرق و تحول دون تكرار سيناريو العراق. التغيير بدأ. التغيير يحصل في كل يوم. من هنا ضرورة ان يعيد حلفاء بشار من "حزب الله" الى سنة 8 آذار ومسيحييه، قراءة المشهد وتغيير الرهان بنقله من رهان على النظام في سوريا، والمشروع الايراني عبر السلاح غير الشرعي الذي بيد "حزب الله"، الى رهان على التغيير في العالم العربي، وبالاخص الى رهان على المشروع الوطني اللبناني. كيف؟

اولا وقبل اي شيء آخر بأن يتلبنن "حزب الله" فيسقط المشروع الذي يحمله و هو مشروع حروب دائمة مع الخارج والداخل على حد سواء. ففي المرحلة السابقة كان مشروع حرب داخلية مع غالبية اللبنانيين، ومشروع اشتباك مع اسرائيل نيابة عن ايران. اليوم اضيف الى كل ذلك مشروع حرب مع العمق السوري في مرحلة ما بعد بشار. ومن هنا فإن "حزب الله" مطالب بأن يكف عن التورط في قتل السوريين على ارضهم. وبأن يجلس الى طاولة الحوار مع بقية اللبنانيين على قاعدة تسليم سلاحه الى الدولة التي وحدها تمثل خشبة الخلاص لنا جميعا.

اما لبقية حلفاء او ايتام نظام الاسد، فنقول الا ترون قتل الاطفال وذبح الرجال واغتصاب النساء؟ الى كم من القتلى في سوريا تحتاجون لتدركوا انكم تنامون مع جزار في سرير واحد؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الامم المتحدة أقفلت أبوابها أمام حلّ الازمة السورية .. حرب رهانات خارجية تواكب حرب استنزاف طويلة ... روزانا بومنصف

2012-08-05

النهار

وافقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قبل يومين بغالبية 133 صوتاً من اصل 193 تتشكل منهم الجمعية على ادانة الحكومة السورية على ما تقوم به مطالبة بانتقال سياسي في سوريا. ويأتي هذا القرار بناء على مشروع اعدته المملكة العربية السعودية من اجل وضع المجموعة الدولية امام مسؤولياتها بعد فشل مجلس الامن الدولي في الاتفاق على قرار يساهم في وضع حد لما يجري في سوريا. وهذا اللجوء الى الجمعية العمومية للامم المتحدة هو الثاني الذي تقوم به الدول العربية بعدما كانت الجامعة العربية قد تقدمت بمشروع قرار يتضمن مطالبة الرئيس السوري بشار الاسد بالتنحي في 16 شباط من السنة الجارية ونتيجة عجز الدول الكبرى عن التوافق في مجلس الامن نتيجة الفيتو الصيني والروسي الذي استخدم ثلاث مرات متواصلة في الموضوع السوري واستمرارا لدعم النظام. والمفارقة في القرار الثاني للجمعية العمومية انه وبعد تعديل في بندين اساسيين فيه يتعلقان بفرض عقوبات على النظام والمطالبة الصريحة بتنحي الرئيس السوري حصل على حجم التصويت نفسه تقريباً الذي حصل عليه القرار السابق قبل أشهر قليلة. اذ ان المعارضة للقرار السابق كانت 12 دولة وبقيت مع التصويت على القرار الأخير قبل يومين 12 دولة وبعد مرور خمسة اشهر على القرار الاول فيما صوت مع القرار في المرة الاولى 137 دولة لقاء 133 في القرار الاخير وامتناع الدول الباقية من 193 اي حوالى 30 او 31 دولة. والمغزى من ذلك هو جملة امور من بينها ان بقاء النظام او استمراره يحظى بالقلة القليلة في المجتمع الدولي التي لا تزال تدافع عنه وهو لم يربح اي دولة الى جانبه على رغم كل ما قيل عن اصلاحات اجريت، كما ان الفريق الحليف الداعم له اي روسيا والصين لم يستطع ان يؤمن له حشداً أكبر او انه لم يفعل في الكباش الجاري دولياً حول سوريا باعتبار ان القرار في الجمعية العمومية يستهدف احراجهما معا واظهار مناهضتهما للتيار الدولي الواسع وليس للولايات المتحدة او للعرب فحسب. وقد زاد الاحراج ان كوفي انان قدم كخلاصة للمساعي التي اجراها فيما ارادت له روسيا والصين ان يستمر فيها "ان على الرئيس السوري الرحيل عاجلاً او آجلاً" بما يشي باتهامهما باطالة امد الازمة مع استمرار دعم النظام. ثم ان الفرز على مستوى مجلس الامن في ظل استمرار روسيا والصين على موقفهما الداعم للنظام واستخدامهما الفيتو ضد اي قرار في غير مصلحته ينسحب على الفرز على مستوى الجمعية العمومية لجهة ما يعنيه من استمرار الانقسام الدولي على كل المستويات في الأمم المتحدة بما يستمر في تعطيلها على رغم ان اهمية قرار الجمعية العمومية رمزي ومعنوي ليس الا، ويؤكد ان الكفة الدولية ترجح ضرورة رحيل الرئيس السوري.

هذه التطورات الاخيرة شكلت التوظيف الاقصى لمؤسسات الامم المتحدة بما فيها للجمعية العمومية في موازاة الشلل الذي أصاب مجلس الامن الدولي وتقديم الموفد الاممي العربي الى سوريا كوفي انان استقالته من مهمته نتيجة الفشل في انجازها، على رغم انها كانت "مكتوبة على الجدران منذ بعض الوقت"، كما يقول مطلعون، باعتبار ان مؤشرات الفشل كانت موجودة وهي تأخرت ولم تكن مفاجئة وقد سبقه الى الاستقالة مساعده جان ماري غيهينو. ومع ان أياً من الدول لن يسلم صراحة بان الطريق عبر الامم المتحدة بات مقفلاً في ما يتعلق بالازمة السورية حتى اشعار آخر يتمثل في تغيير جوهري في المواقف الدولية ، فان ما تخشاه مصادر ديبلوماسية معنية هو ان تدفع الاستهانة بآلية الامم المتحدة وبامكانات توظيفها لانهاء الامور سلمياً في سوريا الرهانات الخارجية الى اقصاها على التطورات الداخلية على صعد عدة من بينها في شكل اساسي:

الرهان على حسم احد طرفي المعركة الجارية على الارض الحرب لصالحه علما ان كل المعطيات والمعلومات تفيد بصعوبة كسب النظام للمعركة لاعتبارات مختلفة واساسية وعدم قدرته حتى لو كسب المعركة على حلب والعاصمة استعادة القدرة على الحكم او السيطرة في أحسن الأحوال. لكن التقديرات ترجح حرباً استنزافية طويلة بخسائر كبيرة. والكلام على "صمود" الرئيس السوري لا يجعلها اقل تأثيرا بل على العكس من ذلك. ولذا تتناول الاسئلة في شكل اساسي ما هي الخطة "ب" في استراتيجية الرئيس السوري حتى لو استطاع حسم الامور في حلب لمصلحته باعتبار ان هذه الخطة لم تتوافر لدى حسمه الامور لمصلحته في بابا عمرو لا بل ان الوضع ازداد سوءاً في حين ان استمرار امد الحرب في الداخل بات واضحا انه في غير مصلحته على كل الصعد. والكلام على انسحاب الرئيس السوري مع اركان طائفته الى المنطقة العلوية على الساحل السوري لا يبدو محتوما، في رأي هذه المصادر، على رغم امكان حصوله باعتبار انه وصفة اخرى لحرب طويلة قد تمتد لسنوات. لكن الكلام عن احتمالات التقسيم وامكان وروده يشبه الى حد كبير ما مرت به الازمة اللبنانية على هذا الصعيد خلال الحرب حين كان التقسيم من بين الاحتمالات المتداولة بين مد الحرب الطويلة وجذرها، علما ان لبنان لم يكن يحتمل ذلك ليس لصغر حجمه قياسا الى حجم سوريا لكن للتغييرات الجذرية لمثل هذا الاحتمال في المنطقة.

الرهان على وعي النظام والمحيطين به لواقع الامور على الارض او توسط الدول المؤثرة عليه من اجل العمل لاستراتيجية خروج عبر مبادرة من المحيطين به من العسكر في شكل اساسي وغير الملوثة ايديهم بالدماء، ويفضل ان يكون هؤلاء من الطائفة العلوية، الى الاقرار بانه لا يمكن متابعة الحرب الداخلية على هذا النحو وان ما يجري هو حرب لا يمكن ان يربح فيها فريق النظام على المديين المتوسط والبعيد لاعتبارات متعددة لا مجال للدخول فيها لانه لا امكان للعودة الى الوراء كيفما كانت الامور. واطالة امد الازمة ستجعل الامور اكثر صعوبة من دون ضمان حصول مكاسب في المقابل. وهذا الاقرار يمكن ان يمهد لبدء الاعداد لتسوية يكون الرئيس السوري خارجها لكنها تساهم في حصر الاضرار التي اصابت مؤسسة الجيش في شكل اساسي ويمكن ان تستوعب ايضا الشرخ بين الطائفتين السنية والعلوية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : في يوم الجيش العربي السوري .. نداء لمن كانت فيه بقية ...

زهير سالم*

اعتبر الأول من آب من كل عام يوم الجيش ، في الجمهورية العربية السورية. طالما احتفل فيه الشعب السوري بهذا الجيش وتغنى بأمجاده . كان يفعل ذلك دائما كالوالدين يفرحان بولدهما فيتعهدانه ويغذوانه حبا وأملا .

 

سنوات طوال والشعب السوري يصطفي الجيش الذي أراده حصنا ودرعا وأداة تحرير للوطن بخيرة ما يملك من مال وجهد ، وكذا من توقير واحترام . فلم يكن أحد يذكر لفظ جيشنا العربي السوري – مع علمنا بكثرة العثرات - إلا ويتبعها بألفاظ التعظيم والتمجيد : جيشنا البطل .. وجيشنا الأبي وجيشنا العظيم .. وأبطال جيشنا الأماجد ..

 

لقد استطاعت الزمرة المتحكمة باسم أسرة الأسد خلال هذه السنوات العجاف أن تحكم الخناق على عنق هذه الجيش الوطني ، وتوظيفه في خدمة مشروع إجرامي رهيب . فبعد طول صمت على هوان احتلال الأرض انقلبت بعض وحدات هذا الجيش على شعبنا كالولد العاق يضرب أباه ويدوس أمه .

 

لقد تابع الشعب السوري بألم وحسرة واستنكار لسنوات طوال سلوك كبار الضباط المتحكمين برقاب هذا الجيش ؛ وهم يحولون مجندي الجيش إلى خدم في بيوتهم ، وفلاحين في مزارعهم ، وعمال في ورشاتهم أو لعلهم يقبضون أتاوات شهرية فيستلمون مخصصات الجندي وزيادة مقابل الإجازات المفتوحة ، كل ذلك لم يعد سرا في وطن أصبح العمل الماوفيوي فيه على المكشوف ..

 

واليوم والشعب السوري يخوض معركة مصيره ضد تحالفات زمر الشر التي يرأسها بشار الأسد ، ويشكل هذا الجيش الذي طالما كان موضع الأمل ؛ الأداة الطيعة لتنفيذ المهام القذرة بلا خلق ولا ضمير ولا أي شعور إنساني نبيل .

 

اليوم في عيد الجيش الذي طالما حلم الشعب السوري به محررا للأرض ، مدافعا عن العرض ، صانعا للخلاص الوطني نتوجه إلى كل من كانت فيه بقية من دين أو خلق أو وطنية أو شعور بانتماء أن تداركوا ما بقي لكم من فرصة لتنفضوا عن أنفسكم عار اغتصاب بناتكم وأنتم تنظرون ، وإثم ذبح أطفالكم وأنتم تتفرجون ..

 

إلى البقية ممن كانت فيه بقية:

إن مكانكم في معركة خلاص شعبكم ملحوظ ، ودوركم فيها مفقود ، وإن موقفكم اليوم هو عنوان مستقبلكم في الغد . وشعبكم الذي يخوض اليوم معركة تحرره المصيرية الكبرى سينبذ في الغد كل الذين يشاققون الوطن ويشاققون العدل والحرية ويصطفون وراء المجرمين في معركتهم ضد أعناق الأطفال . الصمت لم يعد مقبولا في معركة حمي وطيسها واتضحت أبعادها . الصمت يعني الرضا بما يجري على الأخت والبنت من انتهاك واغتصاب .

 

لم تترك المهام القذرة يشرف على تنفيذها بشار الأسد وعصاباته وقطعانه الهمجية لصامت عذرا . فتداركوا أمركم وتحيزوا إلى شعبكم لتبقوا اللبنات الصالحة في بناء الجيش الحقيقي الذي سيكون للوطن الوقاية وللمواطنين الحماية .

 

سيعود جيشنا العربي السوري بعد أن يفك عن عنقه أذرع الأخطبوط الخانق إلى مكانته الجيش العربي السوري البطل مروءة وشهامة وخلقا وانتماء ..

 

إلى البقية ممن كانت فيه بقية :

ما يفوتكم اليوم لن تكونوا قادرين عليه غدا ؛ لأنه في الغد القريب سيكون قد حصحص الحق ونادى الشعب السوري بصوته المجلجل : وامتازوا اليوم أيها المجرمون ...

 

لندن : 13 / رمضان 1433

1 / 8 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما تبقى من حكم الأسد بعد أن أحرق البلد ... ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

5-8-2012

يبدو الشعب السوري كاستشهادي فجر نفسه بعدوه، فقد تجاوزت قدرته على الصمود في وجه السفاح ما تعارف عليه البشر. كان من المتوقع أن يرحل الأسد بعد أن فشل في قمع الثورة، وبعد أن امتدت في كل الأرض السورية. لكن بشار الأسد أثبت أنه الأسوأ في طغاة العالم، وهو بعد عام ونصف من الثورة بر بوعيد أتباعه: "الأسد أو نحرق البلد". واليوم لا تجد حيا في سورية غير منكوب، وهو ما يجعلك تتساءل هل يستحق مجرم كهذا كل هذه الدماء حتى يزاح؟

يوم الجمعة في درعا، مهد الثورة، كان هناك 18 نقطة تظاهر، في الوقت الذي لم يتوقف قصف المدفعية والطيران لبلداتها، والذي لم يوفر ملجأ ولا مسجدا ولا طفلا ولا امرأة ولا جريحا. وهذا حال كل المحافظات السورية النازفة. والأسد مختبئ لا يظهر حتى في مناسبة وطنية مثل عيد الجيش، وكان حريا به أن يخاطب من ملجئه الحصين كاميرات فيديو أو هاتفا جوالا يحث الجنود في حلب على التقدم. خصوصا أنه عودنا على ظهوره المديد الممل من أيام القمم العربية الداثرة.

عنوان الثورة اليوم حلب، وهي المحطة قبل الأخيرة دمشق. لقد طاف طائف الثورة التي انطلقت في درعا على حماة وحمص وريف دمشق ودير الزور وإدلب واللاذقية وما من بلدة إلا ولها رصيد في الشهداء والجرحى والمفقودين والأسرى والمهجرين. ولو كنت مشاركا في صياغة قانون انتخابي بعد الثورة لحسبت وزن الشهداء في كل محافظة تماما كما يحسب ميزان الجغرافيا والديموغرافيا والطوائف والقوميات.

في معركة حلب تجلى بؤس النظام، وبدا جيشه عاجزا مترهلا غير قادر على التقدم على الرغم من الغطاء الناري المخيف بقصف الطيران والمدفعية والمدرعات. وهذا كل ما بقي للنظام. بقايا جيش وأجهزة لولا الدعم الإيراني والروسي لما استمر يوما واحدا. في المقابل يستبسل الجيش الحر بسلاحه الخفيف ويسطر ملاحم الفخار بأقصى تضحية وأقل أمكانيات.

حتى اليوم يرفض الأميركيون السماح للجيش الحر بالتزود بالسلاح النوعي المضاد للدروع والطيران. والذين يتحدثون عن مؤامرة أميركية، يدركون أن بشار كان سيغادر السلطة مع أول طلعة للطيران الأميركي. ولو أن الجيش الحر سمح له بالتسلح بمضادات الطيران لما بقيت طائرة من الطيران الروسي المهترئ تدك الآمنين.

سنة ونصف والشعب السوري يذبح من الوريد إلى الوريد ولم يسمح له بالتسلح دفاعا عن نفسه. في المقابل مخازن إيران وحزب الله مع الخبراء والمقاتلين تفتح بغير حساب للنظام، وفوقهما روسيا والصين. في المقابل تقرر إدارة أوباما دعم المعارضة بـ25 مليون دولار! هذا المبلغ يحصله في أقل من شهر رامي مخلوف من الشعب من خلال شركات الاتصال التي يحتكرها. هذا دعم لغايات الإساءة للثورة السورية باعتبارها تتلقى دعما أميركيا.

لم يبق من حكم بشار غير السلاح الروسي المهترئ وبقايا جيش محكوم بأجهزة الأمن. إن ما ينقله المنشقون عن وضع الجيش يكشف "عبقرية" عائلة الأسد في تصميم جيش خاضع للأوامر الأمنية. الجنود عبارة عن معتقلين يطلق عليهم الرصاص في أي شبهة. وهم غير قادرين على الانشقاق ولا على عصيان الأوامر. وفي ظل غياب مناطق آمنة فإن الانشقاقات تظل تدريجية بطيئة لا عمودية. في حال النجاح بفرض منطقة آمنة ابتداء من حلب فإن الجيش سينشق بشكل دراماتيكي. وهنا تكمن أهمية معركة حلب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا بعد استقالة عنان؟؟ ... رشيد حسن

الدستور

5-8-2012

بعبارة موجزة .. فان استقالة كوفي عنان ، المبعوث العربي والدولي لحل الازمة السورية، يعني اطلاق العنان للحرب ، بكل معنى الكلمة، حرب لا تتهي ، ولن تتوقف الا بانتصار طرف على أخر ، أو باتفاق بين الدول المتصارعة ،ونعني بالذات بين روسيا وأميركا .

ومن ناحية أخرى فان هذه الاستقالة غير المفاجئة، الى جانب تصريحات عنان عقب تقديمها، تؤشر وبجرأة على أسباب فشل واخفاق المبعوث الدولي .. فتعنت النظام ، وتسليح المعارضة ، وانقسام الدول الكبرى الى فريقين ، هي اسباب الفشل الذريع، وهي أيضا الاسباب التي تشي بدور الصراعات الدولية والاقليمية في الازمة، فلولا هذه الصراعات، والمصالح المتضاربة، لما استمرت الأزمة ، وقد أنفجرت حربا بالوكالة ، على حد تعبير عنان ، وهو وصف دقيق تماما ، فهذه الحرب بكافة تجاذباتها ، وتداعياتها ، تعيد الى السياسة الدولية ، اجواء الحرب الباردة، التي لفظت انفاسها بعد سقوط جدار برلين، وها هي تعود اليوم بعد عودة روسيا ، الى موقعها الطبيعي هي والصين الى جانب واشنطن ، لتنهيا تفرد واشنطن بقيادة العالم ، وسياسة القطب الواحد.

لا نريد أن نقف مطولا على ردود فعل الدول المعنية مباشرة بالازمة، فالموقف في حد ذاته يعكس الصراع وافتراق المصالح ، فالدول المؤيدة للمعارضة ، رحبت بهذه الاستقالة ، في حين أن الدول المؤيدة للنظام اعربت عن استيائها ، “فهي تضرب أي أمل بالحل السياسي” عل حد تعبير نائب وزير خارجية روسيا.

ومن هنا فرضت الاستقالة على الجميع توجيه الانظار.. كل الانظار الى حلب عاصمة سيف الدولة ، والعاصمة الاقتصادية لسوريا ، ففيها يتقررمصير سوريا القادم ، لا بل يرتسم مستقبل المنطقة ، وهي التي ستقرر استمرار الحرب ، وكيف؟؟ وهي بالنتيجة ستكشف الغطاء عن السيناريوهات المتوقعة .. ومنها هل ستبقى الحرب داخل سوريا ، ولا تمتد الى الخارج، حيث ستركز المعارضة أو بالاحرى الجيش الحر على حرب العصابات ، وستستغرق وقتا طويلا، وأكثر مما يتوقع البعض ، ما دام الروس والصينيون وايران مصممين على دعم النظام وبقائه ، باعتباره جزءا من استراتجية هذه الدول، في مواجهة امريكا وحلفائها في المنطقة ، والحلقة الاهم في مصالح هذه الدول وتواجدها في المنطقة .

ومن ناحية أخرى يتوقع البعض ، في حال اختلال موازين القوى بين القوى المتصارعة ، أن يمتد لهيب الحرب الى الدول المجاورة، وقد تتسبب في اشعال حرب ، او حروب اقليمية تأكل الاخضر واليابس .

باختصار....استقالة عنان ، تعني نهاية اي أمل بالحلول السياسية، والتوجه لحل الازمة عسكريا ، ما يعني حربا طويلة جدا ، سيكون وقودها مع الاسف الشعب السوري الشقيق ، وستصل نيرانها الى الجميع .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الإرهابيون» في الثورة السورية!! ... ياسر الزعاترة

الدستور

5-8-2012

لم ننكر منذ شهور وجود مقاتلين إسلاميين في الساحة السورية. لم ننكر ذلك لأننا لا ننكر الوقائع على الأرض كما يفعل شبيحة النظام داخل سوريا وخارجها. لم ننكر ذلك رغم علمنا بأن النظام يستخدم هذه الفزاعة لكي يثبت المؤامرة على “سوريا المقاومة والممانعة”.

لم يكن سرا بأي حال من الأحوال أن الإرهابيين الذين يتحدث عنهم النظام السوري هم أنفسهم الذين تحالف معهم بعد احتلال العراق، وهم أنفسهم الذين كانوا يحظون بمديح شبيحة اليسار والقومجية الذين يتحدثون اليوم عن المؤامرة الأمريكية الصهيونية التركية القطرية السعودية على نظام المقاومة.

كنا نتحفظ أحيانا على بعض نشاطات القاعدة في الساحة العراقية، لكن الشبيحة إياهم كانوا يبررونها، حيث كان بعضهم يتحدثون كما لو كانوا عناصر في التنظيم، وليسو أقواما لا يؤمنون بالله ولا برسوله، أقله بعضهم حتى لا نقع في مغبة التعميم.

تحالف النظام السوري مع عناصر القاعدة في العراق، وكانت حلب تشحن المفخخات نحو الأراضي العراقية. لم يعد ذلك سرا، تماما كما كانت معبرا للقادمين منهم من خارج العراق. ونحن هنا لا ننكر البتة دور النظام السوري في إفشال الغزو الأمريكي للعراق، وإن كان الإسلاميون بشتى ألوانهم (قاعدة ومجموعات إسلامية أخرى) هم أصحاب الإنجاز الحقيقي الذي ضاع شق منه بسبب عوامل كثيرة تحدثنا عنها مرارا ها هنا خلال السنوات الماضية.

ما إن وقع العراق بيد إيران، حتى انقلب النظام السوري على من كان يراهم مجاهدين، حيث سلم بعضهم للأمريكان، بل ولدول عربية أيضا، كما قتل بعضهم بطرق شتى، في ذات الوقت الذي زج بكثير من السوريين منهم في السجون.

انتهت مهمتهم بالنسبة إليه، مع أننا لا ننكر إنها كانت مهمة مقدسة، لأنها أفشلت أسوأ هجمة تعرضت لها الأمة منذ عقود طويلة، ولو نجح مشروع الغزو لكان مشهد المنطقة مختلفا على مختلف الصعد، ولما كان بوسع حزب الله أن يحقق انتصار تموز 2006، فضلا عن هزيمة العدو في قطاع غزة 2009.

ولأنهم لم يكونوا عملاء للنظام السوري، ولا لسواه، بل كانوا مجتهدين في طلب الحق، بصرف النظر عن مسلسل الأخطاء التي وقعوا فيها، ولا زالوا يقعون فيها مع الأسف الشديد؛ لأنهم كذلك، لم يكن مستغربا عليهم أن يشاركوا بهذا القدر أو ذاك في الثورة السورية.

لكن ما ينبغي أن يقال هنا هو أن تدفق الشبان الإسلاميين إلى سوريا لا يشبه بحال تدفقهم إلى العراق ولا طريقة عملهم. فهنا جاء أكثرهم فرادى لا ينتمي أكثرهم لأي تجمع سياسي، تماما كما كان حال الشبان الذي ذهبوا إلى العراق قبل الغزو بأسابيع وانتهت مهمتهم بطريقة درامية لأن أحدا في العراق لم يكن يريد مقاومة الأمريكان في ذلك الوقت، ربما بسبب الظلم الذي كانوا يشعرون به حيال حكم صدام، ولا نستثني هنا أكثر السنّة، وليس الأكراد والشيعة فقط.

إن تدفقهم هنا يشبه إلى حد بعيد نموذج أفغانستان، مع فارق أن أحدا لا يشجعهم هذه المرة، إذ يبادرون إلى ذلك بأنفسهم، لأن أحدا لا يريد تكرار تجربة الجهاد الأفغاني التي أعادت كثيرين إلى بلادهم بخبرات معينة، وربما بأفكار لا تناسب الأنظمة التي شجعتهم.

من هنا يبدو من العبث الحديث عن تشجيع من قبل الأنظمة لظاهرة المقاتلين الإسلاميين في سوريا، بل إن هناك ليبيين مثلا كان لهم دورهم الكبير في الثورة وتركوا موسم القطاف وجاؤوا للمساهمة في الثورة السورية دون إذن ولا تشجيع من أحد.

اليوم هناك تضخيم واسع النطاق لظاهرة المقاتلين الإسلاميين القادمين من الخارج، والسبب هو تكريس منطق المؤامرة، مع أن القاصي والداني، بما في ذلك الصحف والوكالات الأجنبية لا زالت تقر (البنتاغون أقرَّ بذلك أيضا) بأن نسبتهم محدودة، وأن غالبية الثوار الساحقة هي من أبناء الشعب السوري (منشقين عن الجيش وطلبة جامعات وحرفيين وأناسا عاديين).

لقد نبعت الثورة من ضمير الشعب السوري، وهي كانت ثورة سلمية قبل أن يرد عليها النظام بالقتل والتدمير، ما اضطرها إلى حمل السلاح، بل إن العمليات الأولى كانت نتاج اختراق للنظام في مجموعات خبر التعامل معها من أيام العراق. وقد كانت الثورة طوال الوقت، ربما باستثناء الأسابيع الأخيرة لا تملك من الأسلحة ما يكفي للدفاع عن النفس، فضلا عن الإثخان في الجيش والأجهزة الأمنية.

إنها ثورة سورية تطلب الحرية، ومن جاؤوا من الخارج هم أحرار يريدون مساعدة الشعب السوري، ولا تثريب عليهم، بل يستحقون التحية والتقدير، اللهم إلا من حاول منهم فرض شيء لا يريده السوريون، أكان خلال الثورة أم بعدها، وهم قلة قليلة لن تغير في مسار الأحداث.

ليس ذنب الشعب السوري أن تدخل بعض القوى الإقليمية والدولية على خط الثورة، بل هو ذنب النظام المجرم الذي تحرك وفق شعار “أنا وبعدي الطوفان”، لكن الطوفان سيجرفه دون شك، وستلملم سوريا جراحها وتعود قوية عزيزة أكثر انتماءً لأمتها وأكثر تعبيرا عن ضمير شعبها الأبي، ولكن المنافقين لا يعلمون.

التاريخ : 05-08-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحكومة الانتقالية: لحظة الحقيقة في الثورة السورية ... د. وائل مرزا

سيكون نجاحُ المعارضة في تشكيل حكومة انتقالية بالشروط التي تحقق أهداف الثورة الحقيقية، وتقديمُ هذا العرض إلى المجتمع الدولي، مدخلاً للضغط عليه وإحراجه سياسياً وإعلامياً

الأحد 05/08/2012

المدينة

قد يتسامح الشعب السوري مع أي ممارسةٍ قامت بها المعارضة السياسية السورية حتى الآن، لكنه لن يجد مجالاً للتسامح إذا دخلت أطراف هذه المعارضة في مسلسلٍ هزليٍ يتعلق بتأليف الحكومة الانتقالية.

أخطأت المعارضة في كثيرٍ من مراحل الثورة. وبغضّ النظر عن الدخول في ملابسات الأخطاء وأسبابها ومقترفيها، إلا أن الثوار في الداخل استطاعوا بتضحيتهم وإصرارهم إيصال الثورة إلى هذه اللحظة المفصلية في مسيرتها. وهي لحظةٌ بات البحثُ فيها عن الحكومة الانتقالية مشروعاً ومطلوباً مع تصاعد ملامح سقوط النظام، وإقرار العالم بذلك، تجنباً لحصول أي فراغٍ سياسي في سوريا. من هنا، يُصبح الخطأ في التعامل مع مشروع هذه الحكومة خطيئةً هي في حقيقتها أقرب للخيانة العظمى للثورة السورية.

يُخطىء من يعتبر البحث في مشروع الحكومة الانتقالية مجرد استجابةٍ لمطالب خارجية. فبقراءةٍ سياسية للواقع الراهن محلياً وإقليمياً وعالمياً، يظهر أن تكوين الحكومة بات حاجةً ملحةً للاستعداد لمرحلةٍ حساسةٍ قادمة، قد لايستطيع أحدٌ التكهّن بتاريخ بدايتها على وجه الدقة، لكنّ كثيراً من المعطيات توحي بأنها باتت قريبة. فالجيش الحر يخلق على الأرض واقعاً جديداً في مختلف أنحاء البلاد، بدءاً بالنقط الحدودية وصولاً إلى المدن، مروراً بمساحاتٍ كبيرة من المناطق المحررة خارجها. واستقالةُ كوفي عنان تبدو مؤشراً على طيّ صفحة مبادرته التي تحولّت إلى طوقٍ لإنقاذ النظام السوري، وعلى إدراك مؤيدي النظام لطبيعة الواقع الجديد الذي يحمل دلالات انهياره بشكلٍ متسارع.

من هنا، أصبح ضرورياً إظهار جدّية المعارضة السورية في العمل على تشكيل حكومة انتقالية، وإلا فإن هذه المعارضة بأسرها ستفقد صدقيّتها أمام الشعب السوري أولاً، وأمام النظام العالمي الذي يمكن أن يستعمل فشل المعارضة في الاستجابة لهذا الطلب ذريعةً لتأخير أي قرار يمكن أن يساهم في حسم موضوع إسقاط النظام.

إن رفض تشكيل حكومة انتقالية لايُشكّل خياراً سياسياً منطقياً الآن. فإضافةً إلى استخدام هذا الرفض من قبل الآخرين كذريعةٍ لاتهام المعارضة بالفشل الكامل، قد يكون ممكناً لجوء بعض القوى إلى وضع توليفة تشمل رموزاً منتقاةً من النظام مع شخصيات هامشية من المعارضة لتشكيل حكومة انتقالية، ثم محاولة فرضها كأمرٍ واقع ربما يُصبح مقبولاً من خلال مناورات سياسية ومالية على مستوى دولي. وسيكون هذا طعنةً في ظهر الثورة .

لهذا، سيكون نجاحُ المعارضة في تشكيل حكومة انتقالية بالشروط التي تحقق أهداف الثورة الحقيقية، وتقديمُ هذا العرض إلى المجتمع الدولي، مدخلاً للضغط عليه وإحراجه سياسياً وإعلامياً. ويُصبح المجال أمامه ضيقاً للتلاعب بمصير الثورة من هذا المدخل في لحظة سقوط النظام. ويمكن من خلال مساعدة الأصدقاء الحقيقيين للشعب السوري وبالتنسيق معهم فرض التصور الذي تطرحه المعارضة كخيارٍ سوريٍ عليه درجةٌ كبيرةٌ من إجماع الداخل والخارج، ويجب على الآخرين قبوله والتعامل معه، أيضاً كأمرٍ واقع.

لكن التحدي الحقيقي أمام المعارضة يكمن في تأمين شروط نجاح تشكيل الحكومة واستمرارها وقدرتها على أداء مهماتها. وتجنباً للتكرار، يمكن الإشارة في هذا المجال إلى البيان الذي صدر عن (لجان التنسيق المحلية) والذي يتضمن إشاراتٍ هامة ينبغي أخذها بعين الاعتبار: «يجب أن تأتي[الحكومة] نتيجة مشاورات متأنية بين القوى السياسية والتنسيقيات والجيش الحر، وأن لاتثير لدى أي قطاع من السوريين شعورا بالاستبعاد أوالتهميش ،وأن تنال أوسع إجماع وطني ممكن. وهوما يقتضي أن تتشكل من شخصيات ذات مصداقية تتحلى بأخلاقيات الخدمة العامة.وفي ظروف الثورة السورية الراهنة ،تقضي الحكمة بأن تكون حكومة صغيرة، قليلة الكلفة،وقادرة على التحرك الفعال داخليا وخارجيا.وللأسف فإننا بين ملايين السوريين،نلحظ تهافتا متسرعا من قبل هيئات وشخصيات،على تشكيل الحكومة المأمولة.وهومايضرب بعرض الحائط قيم الثورة، ويهين شهداء الشعب السوري وتضحياته الكبرى،خلال نحوعام ونصف من الثورة المجيدة،وقبلها خلال عقود من حكم الطغيان.

ثورة الكرامة تتوقع الكرامة والنبل من ممثلي الشعب السوري. ومن أول قيم الثورة أن السوريين متساوون كرماء،وأن العمل العام تكليف وليس تشريفا،وأن طالب الولاية لايولى،على ما تقول القاعدة الحكيمة من تراثنا. والمعيارالعملي الذي نرى أن تكون له المكانة الأولى في تسمية أعضاء الحكومة الانتقالية هواستعداد أعضائها للإقامة الفورية داخل البلد،وأن يضعوا أنفسهم في مصاف جميع السوريين المعرضين للمخاطرفي كل حين. وأن تتجسد مبادئ المواطنة والكرامة والمساواة في سلوك السياسيين الذين تقدموا لأداء هذه المهمة. ومؤكدين من جديد على أن الأولوية التي يتعين على الحكومة تحقيقها،هي الإجماع الوطني،بعيداعن روح التنافس السلبي والتناحر،ومواجهة هذا الاستحقاق السياسي بمسؤولية بعيداعن الأنانيات الخاصة والضيقة».

هذه مبادىء عامة لن يختلف معها أحدٌ تهمه مصلحة الثورة، وإذا لم تستطع المعارضة العمل وفق ملامحها فسيكون هذا الفشل مسماراً في نعشها قبل أي شيءٍ آخر. قد يؤثر الأمر سلبياً على الثورة كما ذكرنا، لكن كل ماعرفناه عنها على مدى عامٍ ونصف يؤكد بأنها ستكون قادرةً على أن تتجاوز هذا الظرف، وتُفرز قيادةً تليق بها لتؤدي هذه المهمة في نهاية المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا..الحل الأمني يأخذ مداه ! ... سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

5-8-2012

الجرح السوري الغائر أخذ يتلوث وها هي حروب التدخلات والمخابرات القادمة من كل بقاع الدنيا وهي تختلط بكل الفصائل الجهادية وغير الجهادية المرّحلة من جغرافيا أخرى وتلك التي «فقسّت» للتو من حواضن الاسلاموية ترفع عقائرها وتعلن حروبها وتصنع حروب الدول على أرض سوريا بعد ان اختار النظام الحل الامني الى أن فسد المكان وتعفن وها هي الثورة السورية تمضي وهي تعلم أن باب جهنم الذي فتحه النظام عليها قد أدخل الصالح والطالح وحرق الارض في وجهها..

على المستوى الدولي فإن الحرب الباردة عادت من خلال الصراع في سوريا وعلى سوريا وها هي الحرب الباردة تنتقل من شد الحبل في مجلس الامن حيث روسيا والصين في مواجهة أميركا والغرب والعرب الى درجة من السخونة قد تصل للانفجار بعد أن أرسل الاميركان أسلحة تجاوزت ما يلزم المليشيات أو ما تقوى على حمله المقاومة الى اسلحة أخرى وبعد أن أرسل الروس بوارجهم المحملة بالسلاح في طريقها الى قاعدتهم في طرطوس لتفرغها للجيش السوري ..

الخارج السوري مستنفر ومتوتر..وهناك حشود وقواعد وجيوش يتقاطر وصولها..ومنظمات تتشكل باسم الجهاد وغيره بعضه وصل وبعضه ما زال يواصل السير عبر طرق مشروعة وغير مشروعة..

في الجولان المحتل حشود اسرائيلية وغير اسرائيلية وعلى الحدود مع الاردن يقظة واستنفار ومحاولات منع تصدير العنف أو التصدي للشظايا السورية المتطايرة أو حتى اعادة القراءة لأوضاع مستجدة لا نعلم المدى الذي تصله أو تصل بنا اليه فقد «كركبت» الأزمة السورية أوضاعنا وبدأت الحمى تسري نتاج سخونة جدران الجيران..

من الحدود العراقية الى سوريا تتدفق المليشيات الشيعية والسنية التي تعبر بترخيص والتي لا ترخيص لها فالعراق الرسمي يغض النظر عن متطوعين ايرانيين يعبرون من حدوده وغير الرسمي يرحل من اشتبكوا مع مكوناته الاخرى ومع الاميركيين..ويصل «الابوات» على اختلاف القابهم الى مدن سوريا وقراها وقد يسرقون الثورة ويغيرون اهدافها وقد يمنعون الوصول الى الاستقرار حتى بعد انتصارها فالجرح الغائر المفتوح يتلوث والأسد لم يداو الجرح الذي سببه في درعا وها هي سوريا تتداعى في حالة تصل الى التقسيم والانهيار والانشطار والتشظي حتى بعد رحيل الاسد وسقوط نظامه..

ما كنا نخشاه يقع فالأنظمة الدكتاتورية تخطف شعوبها تحت حد السكين حين تشعر بالخطر على استمرارها وهي تساوم على هذه الشعوب فإما أن تقبل بها حاكمة عليها ابد الدهر واما ان تزجها في حروب وصراعات لا تخرج منها وقصة العراق ما زالت ماثلة ولنا من ليبيا عبرة ودروس..

تضيع العناوين الان في سوريا وتختلط الاجندات والحابل بالنابل والشعارات الثورية البريئة السلمية تختفي ليخرج المسلحون والملثمون والاسلحة مختلفة المصادر والصناعة ويواصل الوقود اشتعاله من الشعب السوري نفسه الذي سيفقد لاحقاً قدرته على التصنيف من مع الثورة ومن ضد الثورة واين هي الثورة ؟ وهل ما زال النظام قائماً حتى بعد رحيله اذ سيتولى وكلاء عنه صنعتهم مخابرات الدول لمواصلة القتل والتفجير وحينها ستكون اسرائيل هي الحل بعد أن تدخل سباق التدخل متأخرة لتفوز أجندتها..

هناك في المنطقة من يملك المال ويبحث عن متطوعين، وهناك من يملك الايديولوجيا الجهادية أو الارهابية ويبحث عن متطوعين أو يسوّق متطوعين في مقابل النظام الذي قد لا يطاوعه جيشه الان فيبحث عن العائلة والطائفة وأصحاب المصالح في استمراره ..انها الحرب الاهلية التي لا تبقى ولا تذر فهل المتدخلون يريدون اطفاءها..

هل جاءوا يأخذون ناراً أم يشعلون البيت السوري ناراً..؟ ألم نقل أن هذه الأنظمة لا يهمها الا الحكم اما الاوطان فلا ؟ ألم يقل النظام السوري عشية سقوط الجولان واحتلاله المهم ان يبقى النظام الوطني في سوريا..ها هو قد بقي وهذه هي ثماره ..الاحتلال الاسرائيلي باق والسوريون أهداف للقتل بيد النظام!!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بعيداً من دمشق، "كردستان السورية" شبه المستقلة ... مارك سيمو

صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية (27 تموز 2012)

المستقبل

5-8-2012

في المناطق الكردية السورية، يرفرف العلم الكردي، بألوانه الثلاثة، فوق المباني الرسمية؛ أو بالأحرى ترفرف مختلف الأعلام الكردية التي تتنوع حسب المدن والقرى والأحياء، مجسدة بذلك الانقسامات السياسية التي تشغل كرد سوريا، القاطنين في شمال سوريا. لكن العلَم المهيمن هو علَم حزب الاتحاد الديموقراطي القريب من العمال الكردستاني التركي، المعروف بخوضه حرب عصابات طويلة مع النظام التركي. ويعرف عن حزب الاتحاد الديموقراطي انه أخذ في بداية الثورة السورية موقف الترقب، أو حتى التعاون مع النظام.

هناك علَم كردي آخر يرفرف أيضاً، يتوسط ألوانه الثلاثة شمسٌ ساطعة؛ انه علم كردستان العراق، المستقل عن حكومة بغداد المركزية، يتزعمها رئيسها "الإقليمي" مسعود برزاني، رمز النضال من أجل الاستقلال الكردي ورئيس الحزب الديموقراطي الكردي، الذي ينعم بنفوذ واسع في كردستان سوريا. يصف أحد المثقفين العائدين من المنطقة الوضع الجديد: "ليست هي الحرية الحقيقية حتى الآن؛ إذ ما زالت تتواجد بعض القوى الأمنية التابعة للنظام السوري في بعض المدن، ولكن عناصرها ملتزمون البقاء في ثكناتهم. أما الحركات الكردية فهي التي تقبض على السلطة الآن".

الأقلية الكردية السورية، البالغة نسبتها العشرة بالمئة تعرضت للتمييز لزمن طويل. مئات الآلاف من الكرد حرمهم النظام البعثي منذ سنوات صعوده الأولى من الهوية السورية، فعاشوا داخل بلادهم من دون أوراق ثبوتية. هذا لم يمنع دمشق من دعم متمردي الحزب العمالي الكردستاني لسنوات، قبل ان تطرد قائده عبد الله اوجلان عام 1998 (...).

بعد ستة عشر شهراً من بدء الانتفاضة السورية، ها هو حلم الكيان الكردي المستقل يتحقق؛ ومن دون اطلاق نار، تقريباً. يقول ناشط كردي سوري في معرض شرحه للحذر الكردي خلال الفترة الاولى من الثورة السورية: "كان يصعب على الكرد القتال في صفوف تمرد تدعمه كل من تركيا والعربية السعودية وقطر". فضلا عن ذلك فان المجلس الوطني السوري المعارض لبشار الأسد بقي على درجة عالية من الحذر تجاه أية فكرة تعطي الكرد استقلالهم، على الرغم ان رئيس هذا المجلس، عبد الباسط سيدا، هو كردي. ودمشق من ناحية اخرى، التي تحتاج إلى قواتها من أجل استعادة مدينة حلب، سحبت هذه القوات من الشمال الكردستاني.

الموظفون الكرد في الدوائر الرسمية بقوا في اماكنهم. وتجنبا لفراغ امني يتسبّب به انسحاب هذه القوات، شرعت المنظمات المختلفة في إقامة بنى إدارية موازية في النقاط اللازمة. وأمام خطر اقتتال كردي- كردي محتمل، بادر مسعود برزاني منذ أيام إلى جمع حزب الاتحاد الديموقراطي والمجلس الكردي السوري في أربيل، من أجل ان يفرض عليهم صيغة لسلطة سياسية وأمنية مشتركة. يقول أحد المقربين من الملف: "كل الأطراف وافقت على صيغة البرزاني: حزب الاتحاد الديموقراطي وافق من أجل اكتساب شرعية، ومن أجل تمويه مواقفه الملتبسة تجاه النظام السوري. أما الحزب الديموقراطي الكردي، فقد وافق على صيغة البرزاني لأنه متأكد من الفوز في أول انتخابات حرة في منطقة كردستان".

ولكن كلا القوتان عازمتان على الاحتفاظ بمناطق نفوذهما. فقد تدفّق مئات المقاتلين التابعين للحزب الديموقراطي الكردستاني، وعززوا بذلك قوات حزب الاتحاد الديموقراطي التي تسيطر على منطقة افرين، النقطة الاستراتيجية الواقعة بين حلب والحدود التركية. وللحزب الديموقراطي الكردي نقاط تمركز قوية، في القامشلي خصوصا، وهي المدينة الكردية السورية الرئيسية التي تضم ربع مليون نسمة. وتقول معلومات ان قوات هذا الحزب تغذت بمقاتلي "البشمركة" الكرد العراقيين.

الخطران الرئيسيان اللذان يحدقان بكردستان سوريا هما الاقتتال الأخوي وهجوم أبناء القبائل العربية المقيمة في جيوب بعينها؛ كما في منطقة دريك، في الأراضي الكردية، حيث تتركز الموارد النفطية الأساسية لسوريا.

النظام البعثي الآيل الى السقوط أراد ان يخلق تلك المنطقة المستقلة الكردية في الشمال بغرض تعقيد المعطيات الإقليمية وخلق المصاعب لتركيا، الداعمة للثورة، والتي أصبحت قاعدة خلفية لتموين الجيش السوري الحر. هناك 15 مليون كردياً في تركيا، يعيش معظمهم في مناطق قريبة من سوريا. "الحرب القذرة" التي خيضت بين الجيش التركي وقوات حزب العمال الكردستاني خلفت وراءها 40 ألف قتيل منذ العام 1984. وعلى الرغم من ان حزب الاتحاد الديموقراطي يتجنب التفوه بكلمة "استقلال"، إلا أن علاقاته مع حزب العمال الكردستاني تدفع بأنقرة إلى رفع صوتها. أردوغان منذ ايام قليلة أعلن: "لنا حق طبيعي بالتدخل في شمال سوريا".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نجاح الثورة ... نجاح المعارضة ... كامل عباس

المستقبل

5-8-2012

كتب الأستاذ يوسف بزي مقالاً تحت عنوان:" نجاح الثورة ..... فشل المعارضة" (المستقبل ـ نوافذ 8/7/2012) افتتحه كما يلي:" في بلدة حاس السورية حمل أهلها لافتة تقول: أيها العالم لسنا معارضة، نحن شعب يريد الحرية والكرامة"، واختتمه بالقول:" بهذا المعنى، في سوريا ليس مصير الثورة مناطا بمصير المعارضة، بل ربما يكون فشل هذه الأخيرة معبرا لولادة الجسم التمثيلي السياسي للثورة".

ومع احترامي وتقديري للكاتب وما كتبه عن اجتماعات لا تحصى للمعارضة السورية في اسطنبول وباريس والقاهرة وتونس، وعجزها في تلك الاجتماعات عن ان تصل الى وحدة فيما بينها ترتقي فيها الى مستوى نضالات شعبها، إلا أنني أرى أن المقال يحمل من لغة العواطف أكثر مما يحمل من لغة العقل، وبكل الأحوال السجال مفيد جدا للثورة السورية حول هذا الموضوع، ولذلك كانت هذه الكلمات:

بداية كان من المؤمل أن نصل الى القرن الواحد والعشرين وقد راكمت حضارة الانسان ثقافة تجعل تطور المجتمعات يقوم على الاصلاح بدلا من الثورة (الثورة هدم وبناء، والإصلاح بناء على البناء) ولكن وبكل أسف ومرارة نقول إن ربيعنا العربي بدأ بثورات لا تقل دموية وهدما عن الثورات القديمة، تتحمل مسؤوليتها السلطات العربية المتخلفة والمستبدة بسبب سلوكها الأرعن قبل وأثناء الثورة. وإذا كانت الثورات العربية تشبه الثورات السابقة في ما تقوم به من هدم وحرق لكثير من المؤسسات بسبب غضب الجماهير، فإنها لا تخلو من مسحة العصر كلياً، فهي أقرب الى الاصلاح في مطالبها وشعاراتها. ولذا، يصح وصفها حقا بأنها ثورية التوجه، اصلاحية الخطوات.

والثورة، اية ثورة، يشترك في تفجيرها عنصران: عنصر عفوي هو الجماهير، التي تعمل وفق عواطف ومشاعر وغرائز اكثر مما تعمل وفق العقل. وعنصر سياسي، هو القوى السياسية التي نطلق عليها اسم المعارضة.

تحدث الثورة بشكل عام نتيجة أزمة حادة في البلد المعني، تؤدي الى انفجار اجتماعي تنزل فيه الجماهير الى الشارع لتواجه قمع النظام وبطشه، بما في ذلك الرصاص الحي، كما هو حاصل في الثورة السورية الآن، بصدورها العارية، وأثناء ذلك تقوم الحركة السياسية بتعبئة وتنظيم وقيادة الجماهير المنتفضة نحو الهدف المنشود وهو اسقاط السلطة القائمة.

ولكن يحصل في التاريخ ألا يكون مسار الحركتين السياسية والعفوية متوازياً ومتناغماً لأسباب يجب دراستها في كل حالة على حدة. قد تخطئ الحركة السياسية في مراهنتها على الشارع وتدعو الى انتفاضة لا يتم التجاوب معها. وقد تسبق الحركة العفوية الحركة السياسية في النزول الى الشارع، كما حصل في الثورة السورية، ما يضطر الحركة السياسية للهاث وراءها. وقد تتناغم الحركتان جنباً الى جنب كما حصل في الثورة الروسية.

تكاد تكون الثورة السورية من أعرق الثورات التي عرفها التاريخ. جماهير نزلت الى الشارع تطالب بالحرية والكرامة، وقد عجزت آلة القتل، رغم كل الدعم المقدم لها، عن اعادتها الى بيت الطاعة، الملفت للانتباه ان الثورة السورية اندلعت في منطقة هي عصب الطاقة، والشرق والغرب(في هذه اللحظة التاريخية) متمثلا بمجلس الأمن لا يريد لثورة بهذا العمق أن تنجح لتطيح بمصالحه، ولذلك، اعطي النظام المهلة تلو الأخرى للقضاء على الثورة، وصلت الوقاحة ببعض أعضاء الفريق الدولي ان يقولوا للثوار:" لا تخرجوا غدا في مظاهرات حتى لا يطلقوا عليكم الرصاص" وبسبب طول المدة حتى الآن أفرزت الثورة معارضة جديدة متمثلة بالتنسيقيات، تعمل في ظروف يصعب تصورها. فهنا لا يوجد سجون بل تحطيم عظام وسحق جماجم بالدبابات.

لا يبدو في الأفق المنظور أن المجتمع الدولي يريد أن يضع حداً لمعاناة الشعب السوري. والمشكلة ستكون "ألعن وأدق رقبة" بعد سقوط النظام، فالمجتمع الدولي يريد أن تقوم في سورية دولة، مثل بعض دول الجوار، قائمة على المحاصصة الطائفية. ولمجابهة ذلك لا بد من تلاحم المعارضة السورية القديمة والحديثة من اجل الوصول الى دولة تعددية ديموقراطية لها قرارها الوطني المستقل كما كانت في الخمسينات.

بهذا المعنى يبدو القول بان" فشل المعارضة قد يعني فرصة لولادة الجسم التمثيلي السياسي للثورة" وليدة قراءة مبنية على تعثر المعارضة السياسية لا تأخذ بعين الاعتبار تكامل طرفي الثورة: الجماهير والقوى السياسية ناهيك عن تبعات القمع الوحشي الذي تعرض له المعارضون والثوار ما يجعلها قراءة متسرعة الى حد ما وضارة وغير نافعة للثورة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : كوفي عنان ..... أداء غير مأسوف عليه ومهمة .. عبثية تحتاج إلى بديل ... زهير سالم*

ستة أشهر من العبث بدماء الشعب السوري غطاها السيد كوفي عنان بجهوده الدبلوماسية الزائفة . حين أطلق الشعب السوري العنوان النابذ ( عنان عميل الأسد وإيران ) لم يكن النبذ لعنان الإنسان الذي لا يكن له السوريون غير الاحترام ؛ وإنما كان النبذ للمهمة التي منحت بشار الأسد الفرصة ليقتل عشرة آلاف سوري ، وينفذ عشرات المجازر يذبح فيها الأطفال بسكاكين المطبخ ، في الوقت الذي كان يقف فيه المراقبون – الهبل – من مراقبي بعثة عنان فاغري الأفواه . من حق الشعب السوري اليوم وأولياء الدم ، منهم بشكل خاص ، أن يقاضوا السيد عنان أمام المحاكم الجنائية الدولية على الغطاء السياسي الذي وفره السيد عنان لقتل عشرة آلاف سوري  مسترسلا في مهمة كان أي إنسان متوسط الذكاء منذ اللقاء الأول مع بشار الأسد ، أو مقاربة عملية للواقع سيدرك عبثيتها واستحالتها .

 

لم يكن من حق كوفي عنان أن يحمل على كاهليه صراعات مجلس الأمن واضطرابه وتخليه عن مسئولياته وإقناع الرأي العام الإنساني والدولي أن هناك جهدا يبذل ، وأن هناك محاولة أو مبادرة ستنجح قريبا في الأخذ على يد القاتل وإنقاذ الضحايا الأبرياء .

 

لقد استغل القاتل المجرم ، الذي ساعد كوفي عنان على تركه طليقا ، التصريحات الدبلوماسية للسياسي المهذب الذي كان حريصا على كسب ثقته وإقناعه  ، ولو بإصدار تصريحات غائمة أو غامضة تضيّع في كثير من الأحيان المسئولية الحقيقية عن الجرائم الواقعة على الأرض . كانت التقارير الصادرة عن بعثة المراقبين دائما متشككة مترددة مضيعة للحقائق ترفض استخدام أي منهج عقلي بالاستدلال وتصر على ربط الشهادة بالرؤية التي يحال دائما بينها وبينها. حتى عندما استهدف موكب سيارات المراقبين من رشاش دبابة لا يملك مثلها إلا المجرمون التابعون لبشار الأسد ، لم يجرؤ الدبلوماسيون المهذبون أن يقولوا إن الذين استهدفوهم هم من عصابات النظام . وتركوا الكلام مرسلا لاستنتاج المتلقي بطريقة تبعث على الريبة !!!

 

لا يستطيع عنان ولا مود من قبله أن يزعموا أن العنف في سورية يوم وصلوا إليها  قد بلغ الحد الذي هو عليه اليوم ، حدا كما قالوا فيما بعد لا يمكنهم التعامل معه . بل عليهم أن يعترفوا بمسئوليتهم ومسئولية المجتمع الدولي عن إيصال الوضع في سورية إلى الحال الذي هو فيه اليوم .

 

عجزُ عنان عن الإدراك ، ورفضه الاستفادة من تجارب الآخرين في إدراك اللامصداقية التي اشتهر بها بشار الأسد ، ثم إغراقه في ترك المجتمع الدولي يأمل أو يحلم أنه يفعل شيئا مهمّا أو مرجوا كل ذلك جعل الوضع في سورية يصل إلى ما وصل إليه  اليوم .

 

الحقيقة الوحيدة القائمة على الأرض هي أن هناك شعبا مصمما على الانتصار . وعلى الإطاحة بجلاديه وسارقيه . هناك شعب مصمم على بناء دولة الغد بعيدا عن كل القواعد الفاسدة لبناء الأمس الذي قام أصلا على شفا جرف هار ...

 

اليوم يزعمون أنه ولو ذهب عنان ستبقى مبادرته وستبقى بطريقة ما بعثته ، يصرون على أن يخدعوا أنفسهم ويخدعوا شعوب العالم فيتظاهروا أمام الرأي العام أنهم يفعلون شيئا لشعب قرروا أن يخذلوه وأن  يتركوه يواجه محورا للشر تتكاتف فيه مع بشار الأسد دول وملل من روسيا إلى طهران وتوابعهما في العراق ولبنان ...

 

يرحل عنان بأدائه غير المأسوف عليه وتبقى بعثته بدورها غير المرحب به . وأقل ما ينتظر من المجتمع الدولي أن يعلن العجز ليتحمل كل الذين يراوغون حيال دماء السوريين ومعاناتهم مسئولياتهم الإنسانية والسياسية على السواء .

 

وإذا كان للضمير العالمي أن يتطهر من الإثم الذي ألحقه به كوفي عنان فما عليه إلا أن يقدم بديلا لمبادرة الغفلة هذه . أن يقدم مبادرة عملية لا يبدو أنها ممكنة ، في ظل الشد الدولي الحاضر ، في مجلس الأمن . السؤال التلقائي ولماذا تأسست منظومة أصدقاء الشعب السوري إذا ؟! الشعب السوري لا ينتظر إشفاقا ولا تصفيقا .

لندن : 15 رمضان 1433

3 / 8 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية دخلت مرحلة التفتت؟ ... عبدالله اسكندر

الأحد ٥ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

أظهرت التطورات السياسية والميدانية المتعلقة بالأزمة السورية، خلال الايام الماضية، ان الوضع يتجه ليس فقط الى تصعيد عسكري مدمر وإنما الى انسداد سياسي يزيد الاقتتال شراسة. وذلك على نحو يدفع الى التساؤل ليس عن كيفية احتمال الخروج من هذا المأزق الكبير وانما بات التساؤل مشروعاً عن احتمال تحول تاريخي في وضع سورية كوطن ودولة موحدة.

على الصعيد الميداني والداخلي، انتقلت العمليات النظامية من ما كان يسمى «حفظ النظام» الى تدمير ممنهج لمناطق سكنية وتهجير وقتل جماعي، عبر اعتماد الاسلحة الثقيلة البعيدة المدى وسلاح الجو. وهذا يعني ان توجه النظام هو الى إنزال أكبر قدر من الخسائر البشرية وتشريد السكان، وايضاً إلحاق اوسع قدر من التدمير بممتلكاتهم. بما يشير الى اعتراف ضمني بأن هؤلاء السكان خرجوا من دائرة اهتمام النظام كمواطنين وتحولوا أعداء.

ويبدو ان كثرة الانشقاقات على مستوى القوات النظامية مؤشر الى تنامي الشعور لدى المنشقين بأنهم باتوا أداة في تحويل أهلهم الى اعداء، وبأنهم لا يرون كيفية معاودة التعايش مع الاهل في ظل مثل هذا النظام.

في المقابل، تأخذ عمليات المعارضة التي «تتعسكر» اكثر فأكثر طابع الحرب الاهلية. بمعنى ان هذه العمليات لم تعد تقتصر على حماية المتظاهرين من بطش النظام، وانما باتت تسعى الى اكتساب مزيد من المناطق «المحررة»، مع ما يعنيه ذلك من مضاعفات على النسيج الاهلي ومزيد من تفتيته. وما الاعمال الانتقامية الاخيرة في حلب الا نموذج لهذا التهديد. ولا يقلل من حجم القلق كون المستهدفين بالانتقام من السُنة او الادانة من المعارضة. فالاقليات، بكل طوائفها، تشعر بالقلق على المصير، ولم تتمكن المعارضة المسلحة ان تعطي، ميدانيا، ما يطمئن هذه الاقليات التي اضطر بعضها الى اللجوء خارج مناطق المعارضة خوفاً من تهديد فعلي او مفترض. وهذا يعني ان المعركة، كما تفيد اسماء «الالوية» التي تخوضها على الارض، تأخذ اكثر فأكثر طابع القتال الطائفي الذي، بطبيعته، يقضي على التعددية بكل اشكالها، سواء الطائفية او السياسية.

وفي هذا الاطار لا تقدم المعارضة السياسية، عبر كل بياناتها الكثيرة والمتعارضة، أي ضمان لوحدة عمل في اتجاه اهداف الحركة الاحتجاجية، خصوصاً التعددية والديموقراطية وقبول الآخر.

على الصعيد الاقليمي، وفي الوقت الذي بات جلياً انهيار خطة انان، لوحظ ان القوى المعنية بالازمة والفاعلة فيها اتجهت هي ايضا الى التصعيد الى حدود تحريك قطعات عسكرية، او التهديد بالتدخل العسكري. وهذا ما لوحظ، خصوصاً، بالنسبة الى تركيا وايران اللتين تواجهتا تاريخياً من أجل النفوذ في المنطقة، على أساس الإنشطار المذهبي.

واضافة الى المناوشات على الحدود السورية مع كل من لبنان والاردن، تتحدث اسرائيل علانية عن استعدادات في الجولان وايضاً للتحرك في حال تعرض اسلحة الدمار الشامل السورية لتهديد، سواء عبر الاستخدام او الاستيلاء عليها من مجموعات معارضة. ما يدخل اسرائيل في الحلقة السورية، اضافة الى استعداداتها لعمل ما ضد ما تعتبره الخطر النووي الايراني.

كل ذلك يؤشر الى ان زمن الحديث عن الحلول بات بعيداً اكثر من أي وقت مضى من عمر الازمة السورية. خصوصا ان موقف الجامعة العربية، المعبر عنه أخيراً بالقرار الأخير للجمعية العامة للامم المتحدة، يستبعد أي حل بوجود النظام الحالي.

اما على المستوى الدولي، فأفضل تعبير عن عدم القدرة على الدفع بخطة قابلة للتنفيذ استقالة الموفد أنان، يأساً وإحباطاً. ولا يبدو في الافق أي مؤشر الى احتمال تفاهم ما على مستوى مجلس الامن، يفرض تراجعاً لعمليات القتل اولاً ومن ثم الدفع في حل سياسي.

لا بل ما يجري هو العكس تماماً. ففي حين تزداد المساعدات الغربية والعربية للمعارضة، تنخرط روسيا اكثر فأكثر في دفاع مستميت عن النظام وتزوده، مثلما تفعل ايران، بأدوات الاستمرار في نهجه الجديد. على اعتبار ان سورية هي المختبر الراهن لحرب باردة تشعر موسكو ان عليها ان تتقدم فيها، بعدما خسرت كل مواقعها في العالم نتيجة خسارتها الحرب الباردة السابقة.

والامر الخطير في هذا النهج، نهج الحرب الباردة، انه انتهى في السابق بعد كل حرب أهلية الى تقسيم للنفوذ وعلى الارض. فهو يدفع الاطراف المحليين الى التخلي عن أي رهان على الوحدة لمصلحة الرهان على اقتطاع موقع. وهذا ما يهدد سورية حالياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*

خالد الدخيل ... ما هي خيارات الأسد الآن؟

الأحد ٥ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

عندما ورث بشار الأسد رئاسة سورية عن والده في العام 2000، تفاءل البعض بالشاب الذي درس طب العيون في بريطانيا، والمغرم بالعلوم والإنترنت. لم يكن الشاب معروفاً خارج الدوائر المقربة، لكن سنه وقيافته وتعليمه، جعلته يبدو للبعض مختلفاً عن والده ضابط الجيش الذي ولد في كوخ صغير في قرية القرداحة في جبال العلويين، ونشأ في سورية وهي تنتقل من استعمار فرنسي مرير إلى استقلال مضطرب، وتربى في كنف البعث والمؤسسة العسكرية، وينتمي لمرحلة الحرب العربية الباردة في خمسينات القرن الماضي وستيناته. زادت جرعة التفاؤل بعد خطاب قسم الرئيس الشاب، الذي وعد فيه بحزمة إصلاحات سياسية واقتصادية أوحت بأن سورية مقبلة على انفتاح غير مسبوق. على خلفية ذلك انتشرت المنتديات والأنشطة السياسية والثقافية في دمشق، وهو ما عرف لاحقاً بربيع دمشق، ثم أثبتت الأيام أن شباب الرئيس الجديد، وتعليمه، واختلاف مرحلته التاريخية عن أبيه لم تغير في الأمر شيئاً. اشتهر عن بشار أنه أحياناً يقود سيارته مع زوجته وضيوفه في شوارع دمشق. وجهدت آلة الإعلام السوري في تركيز الانتباه على هذا الجانب من شخصيته. لم ينتبه هؤلاء إلى أن هذه تؤكد ما كانوا يريدون إخفاءه، وهو أنه ليس لدى بشار ما يفاخر به كرئيس لسورية إلا أنه يقود سيارته بنفسه. ما عدا ذلك كل شيء يجب إخفاؤه. وقد أثبتت أحداث الثورة أن الرئيس الذي كان يتناول طعامه أحياناً في أحد مطاعم العاصمة مستعد لدك هذه العاصمة بالدبابات والمدافع.

انحدر النهج السياسي لسورية في عهد الرئيس الشاب، سواء بالنسبة للداخل أو الخارج. سوف يسجل التاريخ للرئيس الجديد إنجازات ليس منها واحد له علاقة بالمقاومة التي يدّعيها. الإنجاز الأول أنه في عهده استشرى الفساد، وحصلت أول ثورة ريفية في تاريخ سورية الحديث على الأقل. فصلت سياسات النظام الريف عن المدن، وتركت حياة الناس تتدهور في الريف إلى أن انفجرت أخيراً، وأشعلت الثورة. الإنجاز الثاني أنه أدخل سورية في حلف إقليمي مغلق مع إيران و «حزب الله»، الأمر الذي عزل سورية عربياً وإقليمياً. والإنجاز الثالث أنه أعاد سورية لتكون موضوعاً للصراعات الإقليمية والدولية، كما كانت في المرحلة الأولى من حكم البعث، أيام رجل سورية القوي صلاح جديد الذي انقلب والد بشار عليه في حركته التصحيحية عام 1970. وأكثر ما عرفت به فترة جديد أنها كانت «فترة اليسار الطفولي». وقد لعب هذا اليسار المتطرف والمنغلق دوراً في دفع المنطقة نحو حرب حزيران (يونيو) التي خسرت فيها سورية هضبة الجولان لإسرائيل. وبسبب ذلك اليسار لم تكن سورية لاعباً مؤثراً، وإنما كانت ميداناً للصراع. والمفارقة أن الأسد الأب قام بانقلابه على صلاح جديد لإنقاذ سورية وإعادتها لدورها الإقليمي الذي تستحقه، وقد نجح في ذلك. ثم جاء الوريث، الأسد الابن، ليعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل والده. والأرجح أن فترة بشار الأسد ستعرف بفترة «المقاومة أو الممانعة الطفولية». أما الإنجاز الرابع للرئيس الشاب فهو أنه أول رئيس لسورية يدفع بلده دفعاً إلى أتون حرب أهلية مدمرة. ربما يعتقد الرئيس أن مثل هذه الحرب ستغير حظوظه، وتسمح بتحقيق انتصار استعصى عليه. الحرب الأهلية بطبيعتها قذرة، وعندما يفكر رئيس دولة بالانتصار على شعبه، فهذا هو الدليل القاطع والنهائي على أنه يسير بقدميه نحو الهاوية. في مثل هذه الحرب، وفي مثل ظروف سورية الاجتماعية والسياسية، ومحيطها الإقليمي، لا يمكن أن يكسب الرئيس. سيكون الخاسر الأول، والخاسر الأكبر.

ما هي خيارات الأسد إذاً التي تقف وراء إصراره على التصعيد العسكري؟ يفترض مع قياداته العسكرية أن التصعيد كفيل بكسر ظهر المعارضة ووقف الاحتجاجات. لكن بعد ما يقرب من سنة ونصف من الثورة، أصبح هذا الافتراض فاسداً، ولا يصح البناء عليه. ورغم ذلك لا يملك النظام أي مخرج سياسي. كل ما يملكه هو الاستمرار في التصعيد العسكري. وهنا تنكشف الطبيعة الحقيقية للنظام. وهي طبيعة لا تستقيم إلا باستقامة جدار الخوف وبقائه عند الناس. وعندما ينهار الجدار لا يملك شيئاً أمام ذلك إلا العنف، والمزيد من العنف. وقد انهار الجدار. حتى طبقة التجار التي يعتمد عليها تفقد سوقها بالتدريج، وبالتالي تفقد سبب وقوفها مع النظام.

هل يفكر بشار الأسد بخيار الدولة العلوية كملاذ أخير له ولعائلته؟ مثل هذا الخيار يناسب إيران، فدولة علوية معزولة في الجبال وإن ضعيفة وتابعة لطهران سياسياً، ستحفظ للأخيرة على الأقل شيئاً من دورها في المنطقة. لكن لا أظن أن الأسد سيقبل بمثل هذا، لأنه خيار بائس، يجعل من الرئيس السابق لسورية في الظروف الحالية مجرد خفير لحماية الدور الإيراني على شاطئ المتوسط. هل يأمل بشار إذاً بتدخل عسكري إيراني في اللحظة الحرجة لإنقاذ نظامه من السقوط، انطلاقاً من أن إيران تعتبر سقوطه انهياراً لدورها في المنطقة، وأن تكلفة إنقاذه تستحق المغامرة؟ لكن كيف سيكون هذا التدخل؟ وهل تملك إيران القدرات العسكرية واللوجستية للقيام بهذه المهمة الكبيرة؟ ربما ستحاول طهران إشعال أزمة في الخليج العربي ظناً منها أن هذا سيخفف الضغط على حليفها في دمشق. يجب أن نتذكر أنه إذا كانت مصلحة إيران قد تدفعها للتحرك، فإنها تتصادم رأساً مع مصالح دول كثيرة إقليمية ودولية لن تسمح لإيران بأن تقوم بمثل هذا التحرك مهما كانت تكلفة ذلك. ومن بين هذه الدول السعودية ودول الخليج، وتركيا، ومصر، والأردن، وأميركا، وأوروبا. ولعل في تولي السعودية مشروع القرار الأممي الأخير بالإسراع في تحقيق الانتقال السياسي في سورية دلالة لافتة، فالموقف السعودي، وهو الأول في تاريخها، يحمل في طياته، إلى جانب الدعم الكبير الذي تحقق له في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إصراراً واضحاً على مواجهة التداعيات التي قد تفرضها عملية الانتقال السياسي أو سقوط النظام في سورية. وقبل هذا وذاك تركز السياسة الإيرانية حالياً على تفادي مواجهة عسكرية مع الغرب على خلفية برنامجها النووي. أيهما يحتل الأولوية الاستراتيجية بالنسبة لإيران: إنقاذ نظام الأسد؟ أم إنقاذ برنامجها النووي؟

الموقف الروسي هو الأكثر تأثيراً على الأحداث. لكن روسيا لن تغامر عسكرياً بعلاقاتها ومصالحها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإنقاذ النظام السوري. وتعرف موسكو أن مستقبل بشار الأسد صار خلفه، ونظامه معزول في الداخل والخارج، ومن ثم فإن إمكانية إنقاذ النظام يجب أن تكون بمعزل عن الأسد. تصرّ موسكو على وضع مسافة بين موقفها وبين وضع الأسد. وما يربك روسيا أن السياسة الغربية حالياً تركز على ترك النظام السوري يستنزف نفسه، وأن هذا إذا لم يؤدِّ إلى سقوطه، أو انفجاره من الداخل، فإنه سيصل به إلى حالة من العزلة والضعف قد لا تتطلب عملية عسكرية كبيرة تستفز الروس.

في مثل هذا الظرف الحرج، حصلت عملية دمشق التي أودت بحياة أربعة من أهم القيادات العسكرية والأمنية لنظام بشار. كيف يتعامل بشار مع تداعيات هذه الخسارة الكبيرة؟ اختفاؤه بعدها يؤكد أنها كانت اختراقاً أمنياً كبيراً وخطيراً لم يعرفه النظام منذ 1970. لم يعد الرئيس، كما يبدو، مطمئناً لكفاءة أكثر من ستة عشر جهازاً على حماية أمنه الشخصي. يحتاج العزلة لإعادة ترتيب الأوراق. ما هو الأثر الذي تركه عليه قتل زوج شقيقته، آصف شوكت، وأبرز المؤتمنين على أمن النظام؟ بماذا يفكر بشار وسط الأزمة الخانقة التي تحيط به من كل جانب؟ ما هي الخيارات التي يقلبها أمام خطر داهم يقترب منه رويداً، وباضطراد لا ينقطع؟ هل هو يراجع أوراقه، وخياراته، وتحالفاته التي أوصلته إلى حيث هو الآن؟ هل أدرك أن الجمع بين ادعاء المقاومة والممانعة، وواقع الاستبداد والقبضة الأمنية الحديدية مع الشعب أمران لا يجتمعان إلا في جمجمة سياسي أرعن وفاشل؟ ربما أدرك الآن أن القدر اختاره دون غيره من إخوته، ومن شركاء والده ليكون هو الوريث، وأن يكون آخر رمز للاستبداد في سورية، وربما في المنطقة. سوف ينسى الناس خارج مصر حسني مبارك، وخارج تونس زين العابدين، وخارج اليمن علي صالح، لكنهم سيتذكرون لزمن طويل معمر القذافي، وسيتذكرون أنه عندما ادلهمت الأحداث في سورية لم يقدم بشار الأسد لا لنفسه ولا لشعبه مخرجاً سياسياً يليق باسم سورية وبتاريخها. سيتذكرون أن اسم بشار اقترن بالشبيحة، وبالمجازر المتنقلة، ودك الأحياء والمدن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أزمة المجتمع الدولي! ... ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

5-8-2012

مهما كانت نتائج الصراع الدائر اليوم في سوريا، وكائنا من كانت الجهة التي ستخرج فائزة منه، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها هي أن النظام الدولي أثبت فشلا ذريعا في مواجهة خروج صاخب على الشرعية الدولية، تمثل في الطريقة التي تعاملت سلطة النظام الحاكمة من خلالها مع شعب طالبها بحقوق أقرت بأحقيتها في ردود فعلها الأولى على حراكه السلمي، لكنها لم تلبث أن أعلنت الحرب عليه، ولم تترك وسيلة من وسائلها إلا واستخدمتها ضده، بما في ذلك المدافع، والدبابات، والصواريخ قريبة وبعيدة المدى، والطيران الحربي المزود بأكثر الذخائر فتكا وتدميرا، ولم توفر مكانا من أماكن عيشه إلا واستهدفته بأشد الأعمال الحربية المنظمة قتلا وتدميرا، حتى إن سوريين كثيرين باتوا يعتقدون اليوم أن وطنهم مستهدف بعملية تدمير منهجية ومنظمة، تتخطى كثيرا مطالبه وإرادات أطراف الداخل السوري الشعبية، إلى ما لا يدركون بعد مراميه، ويثقون أن فيه تدمير مجتمعهم ودولتهم.

يؤمن معظم السوريين بأن موقف العالم من أزمتهم لم يكن اعتباطيا، وأن هناك قوى كبرى كان لديها مصلحة حقيقية في شطب وطنهم من خريطة القوى وعلاقاتها في العالم العربي وما يتعداها إلى إقليم الشرق الأوسط بأكمله. وهم يعتقدون أيضا أن معركة العالم السورية أديرت بطريقة كان القصد منها جعل التعايش بين البطش المفتوح بشعبهم وبين سلبية الموقف الدولي أمرا ممكنا ومقبولا، ليس فقط من أجل التغطية على عجز المجتمع الدولي، بل كذلك تحقيقا لأهداف وأغراض تتخطى سوريا، لكنها تمر حتما من خلال صراعها الداخلي، الذي بدا محكوما منذ اللحظة الأولى بآليات حتمت إطالته، وزادت بالتالي من قدرته على استنزاف دولة سوريا ومجتمعها، وتغليب طرف إقليمي ودولي على طرف آخر، ومصلحة خارجية على مصلحة أخرى خارجية منافسة، بحيث يمكن القول: إن ما يسمى النظام أو المجتمع الدولي قد أشرف ليس على وقف العنف، بل على إطالته وإدارته ونقله من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى، وأنه يتحمل لهذا السبب مسؤولية جسيمة عما حل بالشعب السوري ودولته على يد نظامه: الجهة التي تولت تنفيذ عملية تحطيمهما وتكسيرهما.

ولأن العالم لا يحاسب هذا «المجتمع الدولي» ولا يحاكمه، فإنني أتحدث هنا عن أزمة يواجهها العالم وما يسمى «المجتمع الدولي»، الأول لأنه عجز عن وقف ما يجري في سوريا من عنف ضد شعب أعزل وآمن، والثاني لأنه أفاد منه ولعب دورا كبيرا وخفيا في جعله ممكنا، مع أن مهمته الرئيسية كان يجب أن تكون منع نشوئه، ناهيك بالسماح باستمراره خلال عام ونصف العام.

عندما وقعت أزمة رواندا، قال «المجتمع الدولي»: إنه لن يسمح بتكرارها إطلاقا. وها هو يتعايش بعد نيف وعقد مع أزمة إنسانية وسياسية لا تقل سوءا عنها بأي حال، تستمر منذ وقت جد طويل دون أن تعرف أي نوع من الأعمال السرية أو تجري في الخفاء، ومع أن وقائعها تبين كم هي معلنة وكم تتحدث مجرياتها عنها بأصوات صارخة تنطلق من أفواه رسميين ومعارضين سوريين، بينما قال المجتمع الدولي في حينه إن سرية أحداث رواندا وسرعتها حالت دون تدخله، فما الذي يمنع اليوم أن يكون له دور فاعل في وقفها ووضع حد نهائي لها؟

هناك من يعزو العجز الدولي إلى تضارب الإرادات وتصارعها، وهناك من ينسبها، بالمقابل، إلى تناقض خطط ومصالح الأطراف المعنية بإدارة الأزمات العالمية، وهناك من يرى أن الخاسر والرابح منها يخشيان نتائجها على مجمل علاقاتهما، وهناك.. وهناك. الحقيقة أن المجتمع الدولي إما أن يكون قد أفاد من الأزمة، أو أنه عجز عن وقفها، وفي الحالتين يكون من الضروري التعامل مع الحدث السوري بوصفه اختبارا محرجا للشرعية الدولية، التي وقفت مكتوفة اليدين وهي تتفرج على مأساة العصر السورية، التي شن النظام خلالها حربا مكشوفة على شعب أعزل، واستخدم خلالها جميع أنواع الأسلحة، وأجبر مئات الآلاف من مواطنيه على الدفاع عن حياتهم وممتلكاتهم بواسطة السلاح، رغم ما عرفوا به على مر التاريخ من اعتدال ونزوع نحو السلوك السلمي.

تبدو أزمة النظام الدولي واضحة كعين الشمس في الأزمة السورية. ويظهر قصوره عن مواكبة تطورات غير عادية فاضحا إلى أبعد حد، خاصة بعد أن توافقت جامعة الدول العربية مع مجلس الأمن على القيام بمهمة مشتركة بين فشلها عجز النظامين العربي والدولي عن إجبار النظام على وقف عنفه، وإلا فلي ذراعه. صحيح أنه تم إخراجه إلى حد بعيد من نسيج العلاقات والمؤسسات الدولية، لكن ذلك لم يفض إلى قيامه بتنفيذ ما طالبته الشرعية الدولية به، بل زاده عنتا وعنفا، وجعله يمعن في تحدي القانون الدولي والأعراف الإنسانية وكل ما يمت إلى القيم الكونية الناظمة للمصالح والعلاقات بين الدول والأمم، ويضرب عرض الحائط بكل ما تقرر حول سبل التعامل مع المأساة السورية من تدابير وإجراءات.

والآن: ماذا سيحدث إن قام نظام أو أكثر بمثل ما قام به النظام السوري من تحد للشرعية الدولية، ومن إفادة من تناقضات الكبار، لقطع طرق الملاحة الدولية على سبيل المثال، أو لارتكاب مذابح جماعية في مناطق حساسة من العالم؟ إن مجرد وجود نظم يمكن أن تمارس سياسات تشبه ما يقوم به النظام السوري منذ عام ونيف يعني أن النظام الدولي، والشرعية الدولية، مصابان بمرض عضال، وأن ما فيهما من نواقص وعيوب يتيح لمن يريد الخروج عليهما فعل ما يريده دون أن يرد أحد على تحديه بأي قدر من الفاعلية. فهل هناك مرض يمكن أن يصيب النظام الدولي يفوق في خطورته هذا المرض؟ وهل يجوز للعالم التعايش مع مرض كهذا، دون أن يطور في المستقبل أدوات ووسائل احتواء أوضاع كالوضع السوري، ربما عبر مؤتمر دولي يعقد لهذه الغاية، يسد ما ظهر في هذا النظام من عيوب وآفات تسمح بقتل وتشريد وتدمير مقومات عيش ملايين البشر على يد حكومتهم، لمجرد أنها قررت عدم الامتثال للقانون الدولي والفتك بمواطنيها بحجة ذرائع واهية كأن تتهمهم بالتآمر عليها!

لا بد من وقفة جدية جدا مع النظام الدولي. ولا بد من إعادة نظر فيه بما يجعله نظاما فاعلا حقا، ولا مفر من تعريف السيادة الوطنية في علاقتها مع الشرعية الدولية، ومن تحديد الأولويات التي يجب أن تنظم علاقاتهما. ومن الضروري أن توضع تعريفات وحدود واضحة خاصة بسيادة الحكومات على مجالها الداخلي، تتصل بأولوية حق الشعوب في الحياة والحرية على «حق» الحكومات في الخروج على عهود دولية أقرت رسميا بأنها تحمي حقوق مواطنيها وشعبها، ورغبتها في تقرير مصيرهم دون إرادتهم أو رغما عنهم، بالنظر لما ظهر خلال أزمتي رواندا وسوريا من عيوب جسيمة في قدرة المجتمع الدولي على ضبط المجال العالمي سلميا وسياسيا، انطلاقا من قيم وأسس الشرعية الدولية.

ولا بد، أخيرا، من أن تمثل الأزمة السورية، نقطة مفصلية يجب أن تفيد الشعوب والدول من دروسها المرعبة، كي لا يذهب العالم إلى أنماط من الفوضى والعنف كتلك التي تكاد تقضي اليوم على سوريا. وعلى العالم التعلم مما يلقاه السوريون اليوم من نظامهم، ومن نتائج أفعاله على العالم، إذا كان يراد للبشرية أن تنجو حقا من حقبة همجية وتوحش أثبت سلوك نظام دمشق أن الإنسانية لم تتخطاها بعد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تركيا ومشكلتها مع أكراد سوريا ... فايز سارة

الشرق الاوسط

5-8-2012

ثمة مخاوف جدية لدى تركيا من الوضع في سوريا وفي الشمال الشرقي بشكل خاص. وأساس هذه المخاوف لا يتركز فقط في موضوع الخلاف القائم بين تركيا والسلطات السورية حول الأزمة الراهنة، التي تترك ظلالها على تركيا في جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وإنما يضاف إليه واحد من حيثياته وتفاصيله، ارتقى ليصير موضوعا قائما بذاته، وهو يصعد ليصير موازيا في أهميته للموضوع الأساسي، والكلام يتصل بموضوع الأكراد في سوريا.

وأساس الاهتمام التركي بالموضوع، يكمن في تأثيراته على الداخل التركي من جهة، وتداعياته الإقليمية من جهة أخرى، غير أنه، وقبل الدخول في تلك التأثيرات والتداعيات، فإن من المهم مقاربة الوضع الكردي في سوريا على نحو ما تراه تركيا.

يؤلف السوريون الأكراد نحو عشرة في المائة من إجمالي السوريين، حسب أكثر التقديرات شيوعا، وإن كان بعضها يرفع أو يخفض هذه النسبة، وفي أغلب التقديرات يتراوح عدد السوريين الأكراد ما بين مليونين وثلاثة ملايين نسمة، وهي أكبر كتلة قومية بعد الكتلة العربية، ويتوزع القسم الرئيسي منها على بعض مدن وقرى شريط الحدود السورية - التركية التي تقارب الألف كيلومتر، وهي أكبر حدود بين سوريا وواحدة من جيرانها، وفي جزء كبير من هذه الحدود يوجد على الجانب التركي، أكراد جنوب وجنوب شرقي الأناضول الذين يشكلون كتلة كبيرة في تركيا تقدر بنحو عشرين مليون نسمة.

السوريون الأكراد بالنسبة لتركيا يشكلون هاجسا سياسيا وأمنيا، والسبب في ذلك أمران، أولهما صلات القربى التي تربطهم مع أقرانهم من أكراد تركيا، وهو أمر طبيعي نتيجة خط الحدود الذي رسمته اتفاقية سايكس - بيكو بين تركيا وسوريا بداية القرن الماضي، والذي لم يأخذ بعين الاعتبار الانتشار القومي على الجانبين. وقد استمرت تلك الصلات، وتعززت في أوقات سابقة بفعل تطورات سياسية عاشتها العلاقات السورية - التركية، ولا سيما في الفترة ما بين أواسط الثمانينات وأواخر التسعينات.

والأمر الثاني الذي يجعل السوريين الأكراد موضع تدقيق واهتمام تركي، هو الهاجس السياسي - الأمني، المستند إلى مخاوف الأتراك من عودة المناطق التي يعيش فيها الأكراد في شمال سوريا لتصير قاعدة لنشاطات سياسية وعسكرية مضادة لتركيا يقودها حزب العمال الكردستاني (PKK).

ويدعم هذا التصور التركي وقائع كثيرة، الأهم فيها حضور تنظيم قوي وفاعل لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو التعبير السوري عن حزب العمال الكردستاني (PKK)، ومعظم كوادره هم أعضاء سابقون في (PKK) الموصوف بتقاربه مع بعض أجهزة النظام. والأمر الثاني، هو توجه السوريين الأكراد نحو خلق إطار موحد لجماعاتهم السياسية بدعم ومؤازرة مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق، وتشكيل تحالف كردي واحد يجمعهم. والثالث تولي التحالف الكردي الجديد، وقوته الرئيسية المنظمة من حزب الاتحاد الديمقراطي، إدارة مدن وقرى انسحبت منها السلطات السورية، بينها عفرين وعامودا، وقد رافق هذه التطورات تصعيد في عمليات (PKK) العسكرية في تركيا، مما جعل الأخيرة تدخل بقوة دائرة التصعيد في نظرتها وتعاملها مع الموضوع الكردي في شمال سوريا.

مشكلة أكراد سوريا على نحو ما تراها أنقرة، تتجاوز ما يمكن أن تقوم به قواتها ضد ما تعتقد أنه قواعد (PKK) وحواضنه الاجتماعية في تركيا، لتقوم بنشاطات متعددة، أبرزها ثلاثة، أول هذه الأنشطة إطلاق حملة سياسية دعاوية ضد كل التحركات الكردية في سوريا، ولا سيما التي تؤشر إلى لبنات يمكن أن يبنى عليها كيان كردي مستقبلي في هذه المنطقة من طراز تشكيل لجان محلية وميليشيات توفر إدارة ذاتية في مدن أو بلدات ذات أكثرية كردية، ومن طراز تشكيل مجلس شعب غرب كردستان الذي تم انتخابه قبل أشهر علنا برعاية حزب الاتحاد الديمقراطي. والأمر الثاني تحشيد ما أمكن من المعارضة السورية، بمن فيهم سوريون أكراد، ضد توجهات أكثرية الجماعات الكردية الهادفة إلى بلورة عمل كردي مستقل عن عمل المعارضة السورية أو موازٍ لها. والأمر الثالث تحرك الأتراك نحو حكومة إقليم كردستان في شمال العراق لإدخالها طرفا في معالجة احتمالات تردي الأوضاع في شمال سوريا، لا سيما أن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني لعب ويلعب دورا نشطا وفاعلا في موضوع أكراد سوريا.

غير أن الأهم من هذه النشاطات، هو إعلان تركيا استعدادها للمضي إلى الأبعد في التعامل مع الموضوع الكردي سوريا؛ ذلك أنه في ظل إحساس الأتراك بالمضي نحو مشروع كيان كردي على الجانب السوري من الحدود أو باستخدام الفكرة، وفي ظل استمرار وتصعيد العمليات العسكرية لمقاتلي (PKK) الأب المؤسس لحزب الاتحاد الديمقراطي، فإن تركيا ستدفع قواتها عبر الأراضي السورية بحجة ملاحقة «المسلحين الأكراد» على نحو ما فعلت مرارا في شمال العراق طوال سنوات كثيرة، بل إن تصريحات القادة الأتراك تضمنت تهديدهم بإقامة منطقة عازلة في الأراضي السورية انطلاقا من ملاحقة «المسلحين الأكراد» الموصوفين بأنهم عناصر (PKK).

ومما لا شك فيه أن الموضوع الكردي في شمال سوريا، والتدخلات التركية في تفاصيله وحيثياته، سوف يساهمان في زيادة تعقيدات الوضع السوري، وثمة مخاوف جدية من أن تؤدي التطورات هناك إلى دخول تركي عسكري إلى هذه المنطقة، مما سيوقع كثيرا من الخسائر البشرية والمادية في هذه المناطق، كما أن هناك مخاوف من خلافات وانقسامات بين سكان تلك المناطق من عرب وأكراد وداخلهما، حول ما تقوم به الجماعات الكردية هناك من خطوات منفردة إدارية وتنظيمية وما لها من دلالات سياسية، وهذان الأمران على الأقل يفرضان إعادة التفكير في الوضع الراهن، وإعادة بناء منظومة سياسية، تضمن تجنيب تلك المنطقة وسكانها من أكراد وعرب وآشوريين وغيرهم نتائج غير محسوبة من التحديات والخسائر البشرية والمادية والسياسية. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا والحاجة لحل دبلوماسي

المصدر: صحيفة «غارديان» البريطانية

التاريخ: 02 أغسطس 2012

البيان

يمكن القول إن الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يكن مصيبا في قراره، حين دعا العام الماضي إلى إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الموقف الذي تبعته فيه بريطانيا وحلفاء آخرون.

وقد كانت أسبابه مفهومة، وأولها أن النظام السوري كان يتصرف بشكل مروع، وثانيها أن الولايات المتحدة لم ترد أن تكون غائبة عن مرحلة أخرى من مراحل الربيع العربي، لا سيما وأن الحكومة في دمشق، خلافا لحكومة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لم تكن تروق لها، وكانت ترتبط بأعدائها في المنطقة.

وثالث تلك الأسباب، أن إسرائيل رحبت بأي شيء من شأنه أن يضعف سوريا، ورابعها أن أوباما ومستشاريه اعتقدوا، على الأرجح، أن الأسد كان قد تجاوز النقطة التي تتيح له أن يكون جزءا من أي حل.

ومع ذلك، فقد كان الاعتقاد بضرورة رحيل بشار الأسد وأقاربه وشركائه في مرحلة من المراحل أمرا، والتعبير عن ذلك علانية بصورة لا رجعة فيها أمر آخر.

وتمثلت النتيجة المؤسفة لذلك في استبعاد أي إمكانية للتفاوض بين الخصوم، وإغلاق الباب على التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وروسيا، وهما الدولتان اللتان تستطيعان، لو عملتا معا، قلب النتيجة في سوريا.

ويمكن القول، بالطبع، إن الحكومة السورية رفضت جميع الاقتراحات التي دعتها إلى تفهم أولئك الذين تصفهم بالإرهابيين، وإنها قوضت خطة عنان منذ البداية.

ولكن كان يمكن للوقت واليأس أن يغيرا ذلك، إذ يختلف موقف حكومة الأسد الآن، ويزداد سوءا، عما كان عليه قبل بضعة أشهر.

ومع ذلك، فلم قد يوافق النظام على التفاوض إذا كان لا بد من جعل تصفيته أول بند من بنود الأجندة؟ وبالمثل، فلم قد يفكر الثوار في أي حل وسط، في الوقت الذي يشعرون بأن القوى الغربية، فضلا عن العديد من الحكومات في المنطقة، تقف وراءهم؟ وأخيرا، لماذا ينبغي لروسيا أن تمضي قدما في سياسة تغيير النظام في سوريا، في حين يعرضها ذلك لتهمة التخلي عن حليف ويجعلها متواطئة في خطة، كما يعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحد من نفوذ روسيا وسمعتها في الشرق الأوسط؟

ولأنه لا أحد يستطيع الحراك دبلوماسيا، فقد وصلت نيران الحرب إلى الدرجة التي تهدد بتدمير بلد يحتضن 24 مليون نسمة. ومن المؤكد أن الصراع يتسبب أيضا في تمزيق نسيج سوريا الاجتماعي، وذلك لا يقتصر على العلاقات بين الطوائف والأديان، وإنما يشمل العلاقات بين الطبقات، واحتمال محاولة المتطرفين، تنظيم القاعدة وغيره، التدخل يبدو جليا.

ولا يزال هنالك أشخاص، ومنهم أعضاء المعارضة السورية الصغيرة الشجاعة والبعيدة عن العنف، يعتقدون أن هناك طريقة أخرى، وهو ما يذكرنا به بيان صدر بعد اجتماع "سانت إيجيديو" الأخير في روما، إذ تواجه القوى الخارجية الآن خيارين اثنين.

أحدهما أن تقف متفرجة فيما تحترق سوريا، مع مواظبة بعض الحكومات على إمداد الثوار بالأسلحة، وانتظار أن تؤدي الانشقاقات أو الاغتيالات أو حركات التمرد بين القوات المسلحة إلى إسقاط النظام.

ولكن ماذا لو استمر الأسد في الصمود؟ لأسابيع، لأشهر، بل لفترة أطول؟

هذا هو السبب في أن الخيار الثاني، وهو العودة إلى الدبلوماسية وفتح أميركا وروسيا، على وجه الخصوص، صفحة جديدة في التعامل مع هذه المشكلة الرهيبة، يحتاج إلى أن يتم النظر فيه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريون في المخيمات

رأي البيان

التاريخ: 02 أغسطس 2012

البيان

تجاوزت أعداد النازحين السوريين 400 ألف إلى خارج سوريا بحسب بيان للمجلس الوطني السوري، ومعظم هؤلاء لجأوا إلى الدول المجاورة، وبخاصة تركيا ولبنان والأردن. ووفقاً لتقارير حقوقية فإن أكثر من 200 ألف مدني نزحوا من مدينة حلب خلال الأسبوع الماضي نتيجة المعارك الضارية التي يخوضها الجيش الحر ضد القوات النظامية.

وبعيداً عن هذه الأرقام، فإن الأعداد الحقيقية تفوق ما ذكر بكثير، وتشهد سوريا حركة نزوح دائرية نادراً ما تحدث في العالم، فمع إحكام النظام سيطرته على طرق النزوح في بعض المناطق، يضطر المدنيون مع عائلاتهم إلى سلوك طريق دائري تأخذهم في رحلة متنقلة إلى أماكن بعيدة نسبياً عن نطاق الهدف المدفعي، وحالما تتغير الحال يتنقلون مرة أخرى إلى ان يجدوا أنفسهم ثانية في منزلهم.

هذه الفئة هي التي لم تسعفها حالها إلى الخروج من البلاد، وهناك في بعض المناطق من لا يستطيع مغادرة منزله مطلقاً نظراً لسوء الأوضاع الأمنية، والمفارقة أن هذه الحالة بدأت تفرض نفسها على سكان العاصمتين، السياسية (دمشق) والاقتصادية (حلب)، لتكون سوريا بكاملها تحت تهديد النزوح الذي عرفه السوريون ككلمة تخص الفلسطينيين الذين هجّرهم الاحتلال الإسرائيلي من أراضيهم، ولم يخطر ببالهم يوماً أن النزوح الأكثر مرارة سيأتي على يد من يرفع لواء محاربة إسرائيل ويتمسك بعودة اللاجئين الفلسطينيين حتى يخال المرء أن القضية الفلسطينية هي شأن محلي للنظام.

اليوم ينتظر السوريون في مخيمات أقامتها حكومات وجهات إغاثية في عدة دول، وهم يستذكرون يومياً حال اللاجئين الفلسطينيين والمتاعب المرهقة التي عانوا منها حتى وصولهم إلى المخيمات، فالرحلة لا تبدأ من المخيم بل من لحظة النزوح إليه، لأن الهارب من القصف يجد في خروجه منجاة له من الموت، لكن سرعان ما تبدأ العواطف بالنيل من الرغبة في النجاة، ولتبدأ معها أحلام العودة.

ومثلهم مثل الفلسطينيين، لم يخطر ببال النازحين السوريين بأن الأمور ستطول، بل توقعوا أن يستغرق الأمر بضعة شهور كحد أقصى حتى ينالوا حريتهم. فما أشبه الحال بين الناس المقيمين قسراً خارج أوطانهم؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة حلب أم معركة سقوط النظام؟

علي حماده

2012-08-02

النهار

في الايام الأولى لبدء معركة حلب، وصفها إعلام النظام في سوريا بأنها معركة النظام، وأصر على تشبيهها بمعركة دمشق التي استطاعت فيها قواته ان تحاصر الاحياء المنتفضة وتجبر الجيش الحر على الانسحاب. وفي هذه الأثناء قام وزير خارجية بشار الاسد وليد المعلم بزيارة لطهران خرج بعدها وبجانبه وزير الخارجية الايراني ليصرّح بأن بلاده تتعرض لـ"مؤامرة كونية" وان النظام سينتصر على الاعداء. ثم توالت تطمينات من النظام الى الحلفاء، او قل الايتام في لبنان، بأن حلب ستكون ضربة كبيرة للثورة و"الجيش الحر". مرّت الايام وسقطت فيها أكثر من نصف احياء حلب بيد "الجيش الحر"، وذلك بسهولة غريبة بعض الشيء، وخصوصاً اذا ما عرفنا ان بشار كان يعتبر منذ الايام الاولى للثورة أن حلب هي نقطة قوته الأساسية، وان تحالفه مع بورجوازية المدينة وعصابات الشبيحة والتهريب والمخدرات في هذه المنطقة كفيلة بمحاصرة اي حراك ثوري. ولذلك شهدنا طوال الأشهر الماضية اقتصار الحراك على المدينة الجامعية حيث الطلاب من كل ارجاء محافظة حلب والشمال السوري، والذين أبقوا على شعلة الثورة في أصعب ظروف وفي مناخات صعبة جداً. افتخر بشار بأن حلب بيده، واليوم يعيش مرحلة فقدان حلب برمتها. ومع انه يحشد لمعركة كبيرة في مقبل الساعات والايام، فإن حلب كشفت الكثير من مواطن ضعف النظام، وبيّنت حقيقة ان البيئة التي توهم النظام انها تواليه ولن تتزحزح هي متحركة بل متغيرة الى حد بعيد. ولعل أهم ما كشفته حلب يتلخص بحقيقة انه لو قيض لـ"الجيش الحر" الحصول على تسليح متطور مضاد للدبابات وللطائرات على علو منخفض، لانتهت المعركة اليوم قبل الغد. ولكن يبدو ان الضؤ الأخضر لم يصدر بعد الى الجهات المعنية برفع مستوى تسليح "الجيش الحر" الذي يستمد ٩٩ في المئة من سلاحه من غنائم المعارك التي يخوضها ضد جيش بشار. لذا عندما قالت مصادر فريق المراقبين الدوليين بالأمس إن "الجيش الحر" يمتلك في حلب دبابات واسلحة ثقيلة كنا تمنينا لو زادت بالتوضيح ان هذه غنائم المعارك. لقد وصف النظام معركة حلب بأنها أم المعارك وانها ستكون فاصلة. وفي المقابل، بدا الثوار محافظين في توقعاتهم مخافة ان يكرروا مناخات التفاؤل المبالغ فيها كالتي اشاعوها خلال معركة دمشق الأولى إثر تفجير مقر الامن القومي و قتل جنرالات بشار. ولكن النظام عاد وخفض منسوب التفاؤل بالتخلي عن وصف ام المعارك، بالرغم من كلام وليد المعلم. واللافت جدا ما حدث البارحة لمناسبة عيد الجيش في سوريا حيث لم يجر اي احتفال، ولو رمزياً، بالمناسبة، كما لم يوجه بشار كلمة مباشرة عبر اي وسيلة اعلامية اساسية، بل اقتصر الأمر على "أمر اليوم" الذي نشر في مجلة الجيش، وتحدث فيه عن "الاعداء في الظهر". وهذا تحديداً ما يكشف حال النظام راهناً وقد تخلّى عن مظاهر المكابرة والنكران.

بالأمس غرقت شبكة "تويتر" بهذه التغريدة: "ليست معركة حلب، بل معركة اسقاط النظام"!

فهل تصدق تغريدات انصار الثورة؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متى تستحي المعارضات السورية فتتّحد؟

راجح الخوري

2012-08-02

النهار

بعد اقل من 24 ساعة على الدعوة الاميركية – التركية الى تأليف حكومة سورية في الخارج، اعلن هيثم المالح المنشق عن "المجلس الوطني السوري" قيام ائتلاف باسم "مجلس امناء الثورة السورية" كلفه تشكيل حكومة انتقالية مقرها القاهرة!

وبعد ساعات قليلة انهمرت الانتقادات والتعليقات من التنظيمات المعارضة وما اكثرها، وبينها "المجلس الوطني" و"الجيش السوري الحر" وتشكيلات عسكرية تقاتل ضد النظام، اجمعت على ادانة هذه "الخطوة المتسرعة" واعتبرتها "مجرد فقاعة" او من "أرانب القبعات"!

يأتي هذا التطور في الانقسام بين المعارضين السوريين في وقت تدور اشرس المعارك في حلب وريف دمشق ودرعا وحمص، وكذلك مع ازدياد حدة "القتال الدولي" في سوريا وعليها، ليؤكد ان الفالج الانقسامي مستمر في صفوف المعارضين السوريين، الذين بذلت الامم المتحدة ودول كثيرة جهوداً متواصلة منذ ما يزيد على سنة، لجمع صفوفهم في اطار تنظيمي موحد ومتناسق يقدم طرحاً واضحاً ومقنعاً عن نظرة المعارضة وبرنامجها على الاقل للمرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام، وهو ما يرفع من الحماسة الخارجية لتقديم مساعدة الى المعارضة ولكن دون جدوى، بما ينعكس سلباً على صدقية هذه المعارضة وقدرتها على الامساك بزمام الامور في دولة حساسة وذات اهمية استراتيجية اقليمياً ودولياً!

الآن بات من الضروري طرح السؤال بحدة:

متى تستحي هذه المعارضات السورية المشرذمة فتتّحد وتنظم صفوفها وتقدم للسوريين والعالم صورة واحدة ولغة واحدة وخطة واحدة وتصوراً واحداً وحساً واحداً وترفعاً واحداً، لمرحلة انتقالية في انتظار الاحتكام الى ارادة الشعب السوري في صناديق الاقتراع احتراماً لروح الديموقراطية التي يتغرغر بها الجميع؟ متى يتوقف المنقسمون في الخارج عن التلطي بحجج التنوع والتعدد السخيفة في وقت تسيل دماء السوريين انهراً في طول الوطن وعرضه وتتشرد العائلات ويقتل الاطفال وتنتهك الحرمات؟

لقد بذلت جهود مضنية من السعودية وقطر وجامعة الدول العربية، ثم من تركيا والدول الاوروبية واميركا والامم المتحدة لجمع صفوف المعارضات السورية المنقسمة لكن دون جدوى وهذا امر فاضح، اولاً لأن من المعروف ان النظام ارسل كثيراً من معارضات "احصنة طروادة" الى داخل صفوف المعارضين بهدف تقسيمها، وثانياً لأن للدول حساباتها السياسية في الدعم والتأييد، فهل يخفى كل هذا على المعارضين الذين يتقاصفون على الفضائيات واحياناً بحماسة معيبة توازي وحشية القصف الذي يدك المدن والاحياء والمنازل السورية المنكوبة؟

فعلاً، امام هول الدم متى تستحي المعارضات السورية فتتّحد؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأممية الثورية في سورية

ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

2-8-2012

حذر الكثيرون منذ بداية تسلح الثورة السورية من دخول المجاهدين إلى سورية؛ فذلك على نبل قصد المتطوعين وحسن نواياهم، يشكل خدمة كبرى لنظام السفاح. فهو ما انفك يردد أساطير "الجماعات الإرهابية القادمة من وراء الحدود"، واستخدمها فزاعة لإخافة المواطن السوري والدول المجاورة، وقبل ذلك وفوقه أميركا وإسرائيل. ولا أميل إلى نظرية المؤامرة بأن النظام استفاد من علاقاته السابقة مع الجماعات الجهادية في العراق وورطها وسهل دخولها إلى بعض المناطق. وأميل إلى أن الحماسة الحقيقية، وانهيار الأوضاع الأمنية، ووجود الحاضنة الاجتماعية، هي ما سهل دخولهم.

بالنتيجة، استفاد النظام أيما فائدة من وجود المجاهدين العرب الذين دخلوا الساحة متأخرين، وصاروا عقبة أساسية في وجه التسليح النوعي للجيش الحر، وتحديدا مضادات الطيران والدورع. فأميركا تخشى أن توجه تلك الأسلحة إلى إسرائيل. والمفارقة أن ثقة إسرائيل وأميركا بالنظام السوري تجعلهما تقبلان بوجود كل أنواع السلاح لديه، حتى الكيماوي. وشغلهما الشاغل اليوم هو تأمينه في حال سقوط النظام، أي أنهما تثقان ببشار ولا تثقان ببديله.

في المقابل، ثمة وجه مشرق للأممية الثورية. واليوم، بعد أن أصبح الجيش الحر يمتلك زمام المبادرة ويسيطر على معظم حلب، يمكن القول إن ثمة مناضلين يتحركون بإخلاص وفق بوصلة إيمانهم، ويدفعون حياتهم ثمنا لذلك. تذكر سورية اليوم بإسبانيا أيام الحرب الأهلية؛ إذ تطوع كثير من اليسار العالمي في الحرب ضد الجنرال فرانكو (وهو قديس مقارنة بالسفاح بشار). وكان الروائي العالمي إرنيست هيمنغواي واحدا من أولئك، وألهمته تلك الحرب رائعة "لمن تقرع الأجراس". وبالمناسبة، لقي اليسار الأميركي عنت الأجهزة الأمنية عندما عاد متهما بالإرهاب والشيوعية.

الأممية الثورية اليوم إسلامية. لا نجد عالميا غيفارا ولا هيمنغواي، المسلمون والعرب خصوصا هم من لا يعترفون بالحدود. وقد احتفى العالم بالأممية الثورية في حرب أفغانستان الأولى، وكان الإعلام الغربي يصف المجاهدين العرب بأبطال الحرية، ولم ينقلب عليهم إلا بعد نهاية الحرب الأفغانية. وليس صحيحا أن تلك الأممية هي ما عرف لاحقا بـ"القاعدة"، فقد كان المجاهدون جزءا من سياق عربي وإسلامي يقاتلون في إطار القانون الدولي. حتى أسامة بن لادن نفسه لم يكن يغادر السعودية بدون إذن ولي الأمر، حتى حرب الخليج الثانية. وتكررت تلك الحالة في حرب البوسنة.

حتى الآن، تبدو تجربة الجهاد العالمي في سورية مطمئنة، وهي أقرب إلى النموذجين الأفغاني والبوسني منها إلى النموذج العراقي؛ فهي تأتي في مناخ عالمي متعاطف مع الشعب السوري، وفي ظل تحييد الأميركيين والإسرائيليين. صحيح أن النظام حارس أمين على الحدود في الجولان، وحزب الله حارس عليها في لبنان، لكن لم نشهد محاولات استهداف لا لقوات إسرائيلية ولا لقوات دولية أو سفارات غربية، والأهم من ذلك استهداف مدنيين في الحسينيات والكنائس والأسواق.

على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تفاجئك صور لمجاهدين كويتيين وسعوديين وأردنيين. وأطرف ما شاهدت مجاهد خرج من غزة وقتل في سورية. والليبيون الذين انتصروا على نظام القذافي لم يتنعموا بالنفط، بل واصلوا درب القتال في سورية.. بوصلة أولئك هي الحرية. والسوريون المتطوعون لا يقلون أهمية، تجد فتاة سورية كانت تدرس في كندا تطوعت في الجيش الحر، وآخر كان يدرس الطب في ألمانيا وترك دراسته ليقتل في حلب.

يؤمل أن يكون الجهاديون قد استفادوا من الدرس العراقي. ومنذ انطلاقة الربيع العربي، يلاحظ أنهم وعوا الدرس وابتعدوا عن الإرهاب. وعلى العموم، وفي أسوأ أخطائهم، لا يقارنون بإرهاب النظام وإجرامه. والنظام عندما سمح لإيران وحزب الله وروسيا بالمشاركة في القتال معه، عليه أن يقبل بالضيوف من العالم كله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية دائماً وأبداً * رضوان السيد

الدستور

2-8-2012

طمأَنَنا الرئيس نجيب ميقاتي، رئيس الحكومة اللبنانية في مقابلةٍ له بجريدةالحياة قبل أيام إلى أنه ليس معنياً ببقاء النظام السوري أو بذهابه. وكان بوسعه القول أيضاً: بل إنه معنيٌّ بالسلام والأمن وحريات الناس وحياتهم بسورية كما بلبنان! لكنه لم يفعل، إمّا ليبرِّئ نفسَه تماماً أو لأنه كِره الملفَّ السوريَّ لكثرة ما عانى منه بعد قيام الثورة قبل أكثر من ستة عشر شهراً!

لقد كانت العلاقة بحافظ الأسد وأبنائه وأقاربه وأبناء طائفته، شرفاً لمن يحظى بها. وإذا زادت بعض الشيء – كما في حالة الميقاتي- فإنها تعني غنائم ومناصب سياسية، إنما طبعاً في مقابل التزاماتٍ دائمة لا تنقضي حتى بانقضاء حياة المُنْعَم عليه(!). ويزيد من الإحراج لميقاتي أنه ظلَّ يتمتع بالنِعَم المتبادَلة من جانب آل الأسد إلى ما بعد استشهاد الرئيس الحريري والآخرين من قوى 14 آذار، وإلى ما بعد احتلال بيروت، فالتآمر على إسقاط حكومة سعد الحريري مع الأسد وحزب الله. ومصيبة ميقاتي أنه بعد تشكيل حكومة” الثأر” بشهرين نشبت الثورة السورية وتفاقمت. وما شعر ميقاتي بإحراجٍ شديد في البداية، لأنّ أكثرية المسؤولين عرباً ودوليين وإسر ائيليين .. وإيرانيين وروساً، كانت ما تزال مع الأسد، وتأمل منه الإصلاح. والحقيقة أنهم ما كانوا يطمعون منه بالإصلاح، بل إنما كانوا يكتفون منه بالتوقُّف عن قتل المتظاهرين السلميين! وما بلغ أكثر المسؤولين العرب والأجانب بالطبع مبلغ رئيس وزراء لبنان الحالي في تشابك العلائق مع الأسد الابن وأقاربه وأعوانه؛ لكنّ النظام السوري طال به الأمد، منذ الانقلاب البعثي الأول الناجح عام 1963. وقد حدثت تمرداتٌ علويةٌ وغير علويةٍ ضد النظام، لكنه ما كان مرةً مهدَّداً تهديداً حقيقياً. وبذلك فقد صار النظام السوريُّ جزءًا من الأمر الواقع بالمنطقة بعد نهاية الحرب الباردة. وصيرورته كذلك ليس بالمصادفة؛ بل لأنه استطاع تقديم خدماتٍ حُلَّى للأميركيين والإسرائيليين منذ السبعينات من القرن الماضي. فقد عادى ياسر عرفات عداءً شديداً، وتنافس مع صدام حسين على شرذمة المقاومة الفلسطينية، وضَرب الحركة الوطنية بلبنان، وأخر توقيع اتفاق إنهاء الحرب عشر سنواتٍ إلى أن سنحت الفرصة في حرب الخليج الثانية فأرسل جنوداً لمساعدة الأميركيين في إخراج صدام من الكويت، وحصل في مقابل ذلك على لبنان. وأقام توازُناً مع الإسرائيليين بأن يكونوا معاً بلبنان،وأن يدعم من جهةٍ أُخرى المقاومة (الإسلامية الإيرانية وليس غيرها) ضد الاحتلال الإسرائيلي! وعندما غزا الأميركيون العراق على أثر هجوم 11 سبتمبر 2001، دخل مع الأميركيين في الحرب على الإرهاب، واستقدم في الوقت نفسه الجهاديين وأرسهلم إلى العراق، ليقتلوا الأميركيين تارةً والشيعة تارةً أُخرى مع أنه حليف إيران والشيعة رسمياً.

وما بلغ أيُّ طرفٍ دوليٍّ من الانزعاج من آل الأسد، إلى حدّ المطالبة أو التفكير بتغييرهم. بل أقصى ما قاله الأميركيون منذ العام 2004 أنهم يطمحون إلى دفع النظام السوري لتغيير سلوكه(!).وهكذا فقد استقرّ نظامٌ للمصالح والمنافع ما تصوَّر أحدٌ في الإقليم أو في العالم أنه يمكن تغييره. ومن ضمن هؤلاء الأميركيون والروس والإسرائيليون وبالطبع الإيرانيون وحلفاؤهم وطوائفهم بالمنطقة! في السياسة كان هذا هو الوضع عندما قامت الثورات العربية. أمّا في الأخلاق فقد كان الأمر مختلفاً تماماً. وأحسب أنّ الثورات العربية كانت في أعماقها ثوراتٍ أخلاقية على الفساد والإفساد وانتهاك الحرمات وسفك الدم الحرام وهتْك الشرف الحرام وأكل المال الحرام!

إنّ الأمر الأخلاقي هو وحده الذي لا يخضع لحسابات الربح والخسارة في المنافع والمصالح. وهذا هو ما قامت عليه الثورة السورية بعد الثورات بتونس ومصر وليبيا واليمن. وهذا لا يفهمه بشار وحلفاؤه في البلدان العربية. فقد ظلَّ بشار الأسد يقول إنه لن تحدث ثورةٌ عنده لأنّ الأميركيين غدروا بأصدقائهم وأطلقوا الثورات، وهو ليس من أصدقاء الأميركيين! بل أنت من أصدقاء وأحباب كل الفرقاء مثل الإسرائيليين والأميركيين والروس والإيرانيين والأتراك. وأنت تتبادل معهم المنافع والمصالح، وتعتقد أن استقرارك واستقرارهم يخضعان لأيديولوجيا: الاعتماد المتبادل! لكنك لستَ صديقَ شعبك، الذي تجاوز الخَرْق في العلائق بينك وبينه حدود السياسة إلى حدود ومحرَّمات الأخلاق. ولذلك أمكن للسوريين أن يثوروا، كما أمكن لهم أن يتحملواعشرين ألف قتيل، ومليوني مهجَّر بالداخل والخارج، فضلاً على عشرات ألوف المعتقلين والمفقودين!

في السياسة وممارسة السلطة، يمكن الحديث عن حسابات الربح والخسارة وتوازن القوى وأين ميزان القوى، وفي صالح مَنْ؟ لكنّ ذلك كلَّه يصبح ذا معنى بين الدول أو بين الأحزاب المتنافسة. أمّا بين النظام وشعبه، وعندما تحين الساعة( حين يقسم المجرمون أنهم ما لبثوا غير ساعة!) فلا ميزان غير ميزان الأخلاق. وهذا هو ميزاننا نحن العرب جميعاً في النظر إلى سورية وشعبها، وإلى سائر شعوب الأمة العربية.

وإنه ليبلُغُ من هول ما يحدث في سورية أن يتمنى أحدنا وسط الغمِّ المُطْبِق لو لم يحدث من ذلك شيء رحمةً بالأطفال والنساء والشيوخ. ثم يؤول المرء إلى دينه وخُلُقه وكرامته الإنسانية، فيرى أنّ هذه الدماء هي الحدّ الفاصل بين الإنسانية والوحشية، وبين الكفر والإيمان، وبين العقل والجنون.

هكذا تبقى سورية العربية بالنسبة لنا دائماً وأبداً: ما يحتضنُهُ القلب، ويفقهُهُ العقل، وتعتزُّ به إنسانيةُ الإنسان. والذي نرجوه من الذين لا يهمهم ما يحدث في سورية أن يظلوا كذلك. لأنهم إن اهتموا يكونون عندها مثلنا ومثل السوري المعذَّب الذي قال: إنا إنسان وماني حيوان، وكل الناس اللي حولي مثلي! نعم، الجميع بشر إلاّ الذين يقتلون البشر، والذين يصفقون لهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية وإيران: من معركة حلب إلى الحرب ضد «المؤامرة الكونية»

الخميس ٢ أغسطس ٢٠١٢

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

اختار كوفي انان لحظة دوي المدافع في حلب ليُسمِع صوته قائلاً إنه كان «كبش فداء» للدول الكبرى التي عهدت اليه بمهمة لا تريد لها النجاح أصلاً. لعله ظن أن هناك من سيهتم لوسيط لم يحسن إبداء الاهتمام بالشعب السوري وأدار مهمته كما لو أنها موجهة الى تلميع النظام السوري وتمكينه من التحكّم بعمل بعثة المراقبين الدوليين. فكما اكتشفت الجامعة العربية أن محمد الدابي كان فخّاً، وقعت الأمم المتحدة بدورها في فخ روبرت مود، ففي سياق تقويم المهمة وأسباب إخفاقها يلقي فريق انان باللوم على تفاهمات مود مع أجهزة النظام وتقاريره غير الواقعية.

وعلى رغم أن مهمة انان صارت، مثل مستقبله، أي وراءه، إلا أن الطرف الذي لا يزال متمسكاً بها هو الذي أفشلها فعلاً، أي النظام السوري نفسه. اذ أكد وليد المعلم، متحدثاً من طهران، احدى عاصمتين مع موسكو يستطيع مسؤول سوري زيارتهما هذه الأيام، التزام حكومته تطبيق خطة المبعوث «الدولي - العربي»، خصوصاً أنها في رأيه تحقق أمرين: منع التدخل الخارجي وتغليب الحل السياسي للأزمة... وطالما أن المرشحين لـ «التدخل الخارجي» لا يزالون محجمين عنه، فأي «حل سياسي» يُرتجى من حاكم يدكّ عاصمتيه السياسية والاقتصادية؟ تأتي الاجابة من علي أكبر صالحي، الذي اعتبر أن حكومة انتقالية أو نقلاً منظماً للسلطة «ليس سوى وهم» وطالب بمنح الحكومة السورية «فرصة لتنفيذ الاصلاحات». من الواضح أن وزير الخارجية الايراني هذا لم يدرك أن تلك الاصلاحات لم تكن أيضاً سوى وهم، ومع ذلك يريد أن يبيعه للشعب السوري وللعالم.

ما الذي دعا دمشق الى إيفاد وزير الخارجية الى ايران في هذا التوقيت؟ ليقول وليد المعلم إن النظام أخمد معركة دمشق وأنه في سبيله الى حسم معركة حلب، التي اعتبرتها أبواقه «أم المعارك» وأنه بعدها سيسيطر مجدداً على كل البلد، فمَن يريد بعدئذ محادثته في «حل سياسي» فليتفضّل، لكن عليه أن يمرّ بطهران هذه المرّة. صحيح أن النظام مطمئن عموماً الى دور روسيا التي استطاعت تعطيل مجلس الأمن لمصلحته ولا تزال تحاول مع الولايات المتحدة للمضي في حل يقوده النظام، لكنه مدرك أن موسكو تسانده لأسبابها وليس اعجاباً به، لذا فهو يسعى الى التحوّط من أي مفاجأة روسية. وما دام النظام يعتقد أن حلب «آخر المعارك» وأنها ستنهي مرحلة دقيقة بالنسبة اليه، فقد حان الوقت اذاً لتفعيل دور الحليف الايراني، بالاعتماد عليه اقليمياً، لنقل الأزمة الى دول الجوار وما بعدها. والوزير علي أكبر صالحي قال إن «هناك دولاً تضع امكاناتها كافة من أجل إضعاف سورية»، وأن «عواقب ما يحصل في سورية ستتجاوزها الى المنطقة»...

يبقى أن يتأكد النظام السوري من صلابة بعض افتراضاته: 1 - أن تكون طهران مقتنعة فعلاً بإمكان انقاذه وبجدوى ذلك على المدى الطويل اذا صحّ أنه قادر على الصمود على المدى القصير، و2 - أن تكون واثقة بصواب الخيارات التي اتخذها لمواجهة «المؤامرة الكونية» عليه وبالتالي عليها، و3 - أن تكون مستعدة الآن لتسييل استثماراتها السياسية الاقليمية من أجله كحليف لا بديل منه، و4 - أن تكون مؤمنة بأن انقاذه هدف يستحق منها أن تساهم في زعزعة منطقتي الشرق الأوسط والخليج، فكما أن سورية و«لبنان حزب الله» شكّلا منذ عام 2000 ذراعاً ضاربة احتياطية دفاعاً عن ايران، فلا بدّ لها اليوم من أن تنبري لدرء الخطر عنهما، و5 - أن تكون موقنة بأن الاستحقاق المتوخى يوجب عليها المجازفة حتى لو لم يرتبط مباشرة بأمنها الوطني وبالتحديات التي تواجهها بسبب أزمة الملف النووي.

لا شك في أن ايران تراقب الوضع السوري وتواكبه عن كثب وعلى كل المستويات منذ بدايات الثورة الشعبية، وكما وصفت «الثورة الخضراء» التي شهدتها على أثر تزوير انتخابات 2009 بأنها «مؤامرة»، فإنها لا تحتاج الى من يقنعها بأن ثمة «مؤامرة» أيضاً في سورية. لكن طهران تمكنت من سحق المعارضين الايرانيين وتابعت مزاولة سياساتها القمعية كالمعتاد، وحين هبّت نسائم «الربيع العربي» لم تتردّد في ادّعاء أبوّته هنا وهناك الى أن بلغ سورية فانكشف زيف هذه الأبوة التي لم تعد ترى في ذاك «الربيع» سوى «مؤامرة» ينبغي إحباطها. وعلى رغم أن نظام دمشق لم يفلح في سحق معارضيه، إلا أن ما يريح ايران أنه لا يزال قائماً ومصمماً على القتل والتدمير، ما يعني في عرفها وفي ضوء تجربتها أنه قادر على البقاء والنهوض لمواصلة الوظيفة التي حددتها له. بديهي أن علاقته بها مختلفة نوعياً عن علاقته بروسيا، فهي لا تملك سوى التمسك به لعدم اتضاح معالم بدائله المفترضة، وعلى رغم اتصالاتها المعلنة وغير المعلنة عنها مع بعض اطراف المعارضة، إلا أن الوقت دهمها ولم تتمكن من بناء مصلحة وجسور معها. وقد تكون طهران درست احتمالات القيام بـ «انقلاب داخلي» يتيح لها فرض أمر واقع وتحريك خيوط حل «غير عسكري»، لكن طبيعة النظام أثبطت عزمها وفوّتت عليها مثل هذه الفرصة، فهي اشتكت من أنه لا يطلب نصحها إلا في اطار «الحل الأمني». يضاف الى ذلك أنه كلما مرّ يوم، أصبحت التنازلات المطلوبة لشراء «الحل» أكثر صعوبة، فالنظام لا يريد التنازل، بل أن يكون «بطل الثورة» و«بطل الاصلاح» في آن.

قد تكون طهران توقعت أن تؤدي الأزمة السورية الى فتح ملف المنطقة وخرائطها، لكن ليس الى هذا الحد، فالمعطيات الراهنة تفرض عليها مراجعة مجمل استراتيجيتها. كانت اعتادت طوال الأعوام الأخيرة وضع الأجندات أو التسلل اليها أو التحكّم بها، كما أنها حاربت بالعراقيين واللبنانيين والفلسطينيين وبتنظيم «القاعدة». أما اليوم فهي إزاء أجندة لم تتوقعها ومواجهة لم تخطط لها ولم تستدرجها ولم تحدد توقيتها ولا تضمن السيطرة على تطوراتها ونتائجها وتداعياتها على أمنها ومشاريعها. غير أنها مدعوة الى الانغماس فيها، فالاصطفاف الدولي بات واضحاً، و«المؤامرة» هي «المؤامرة»، وما دامت تصدّقها فإما أن تكسب «ورقة» سورية أو تخسرها. لكن كيف، ولماذا؟ طبعاً ليس من أجل المقاومة والممانعة. صحيح أن تشظي المنطقة يمكن أن يكون لمصلحتها، مثلها مثل اسرائيل، لكن الى متى، فإيران تنطوي أيضاً على تنوع إثني قابل للتفجير. وما الذي يضمن أن شيعة الخليج سيجارونها في اللعبة الجهنمية التي يدعوها النظام السوري الى خوضها ضد السعودية وقطر والبحرين من أجل انقاذه في حين أنها كانت بيّتتها لاستباق أي استهداف مباشر لها، إلا اذا كانت تعتبر أن هذا الاستهداف حاصل فعلاً من البوابة السورية.

فيما كان مغول النظام السوري يحاولون اقتحام حلب، قبلة مدن الشرق، وينتهكون تاريخها وعمرانها، ويرتكبون مجازر في معضمية الشام ودرعا، اتفق الوزيران الايراني والسوري على أن «المؤامرة الكونية» من صنع اسرائيل التي تصعب تبرئتها من أي تآمر. فهل حان الوقت لدفع «حزب الله» الى حرب جديدة ضد اسرائيل، وهل إن دمار لبنان يمكن أن ينقذ النظام السوري؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريون في المنفى!

فايز سارة *

الخميس ٢ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

خرج مئات آلاف السوريين من سورية تحت تأثير التطورات العاصفة التي احاطت ببلدهم في العام ونصف العام الماضيين نتيجة اعتماد النظام الحاكم الحل الامني العسكري في معالجة الازمة القائمة في البلاد، وعلى رغم ان مغادري سورية توزعوا في كثير من بلدان العالم، فإن قسماً مهماً منهم استقر في البلدان القريبة لاعتبارات متعددة، ربما كان الاهم فيها، انها كانت الاقرب الى مناطق سكنهم، وكان بين اهلها بعض من اقاربهم او معارفهم، وهي الانسب اليهم اجتماعياً وثقافياً، والأقل كلفة في موضوع الانتقال وفي تكاليف العيش ايضاً.

وفي سياق هذا الحراك السوري، توزع قسم من سوريي المنفى الجدد على الدول المحيطة، وفي ترتيب ذلك ذهب القسم الاكبر من سكان الجنوب الى الاردن، فيما اتجه سكان مناطق ريف دمشق الغربي وقسم من سكان حمص الى لبنان، ولجأ القسم الاكبر من نازحي ادلب وبعض مناطق غرب حلب الى تركيا، وغادر بعض اهالي الحسكة ولا سيما الاكراد الى شمال العراق.

غير ان السوريين الذين غادروا الى البلدان المحيطة، لم يسجلوا جميعاً في عداد اللاجئين الى تلك البلدان. اذ لم يتجاوز عدد المسجلين ما مجموعه 125 ألف لاجئ موزعين الى: 44 ألفاً في تركيا، و39 ألفاً في الأردن، و34 ألفاً في لبنان، و10 آلاف في العراق. وكلهم يقاربون نحو ربع عدد السوريين الذين غادروا الى بلدان الجوار، ولم يتم تسجيلهم فيها، وهو حال كثير من السوريين الذين غادروا في العام ونصف العام الماضيين الى بلدان اخرى، ولا سيما الى بلدان الخليج ومصر وأوروبا هرباً من التداعيات الامنية، لكن لا تتوافر احصاءات عن أعدادهم، والتقديرات تشير الى ان أعدادهم كبيرة، وفي مصر وحدها قيل ان عدد السوريين تجاوز نصف المليون نسمة، وهي تقديرات تقارب عدد السوريين الذين ذهبوا الى بلدان الخليج العربية، وقد شجع تصاعد أعداد السوريين في مصر، ان السلطات هناك لا تفرض شروطاً على اقامة السوريين، فيما منحت بعض دول الخليج العربية، ولا سيما السعودية السوريين تسهيلات استثنائية لإقامتهم هناك.

لقد واجه سوريو المنفى الجدد صعوبات كثيرة في خروجهم وإقامتهم، وكذلك في توفير سبل الحياة لهم، ولا سيما الفقراء الذين توجهوا الى بلدان الجوار عبر معابر غير شرعية. فقد غادر اغلبهم وسط ظروف شديدة القسوة بعد ان تعرضت مناطقهم للقصف والاجتياح والمداهمة الامنية، وفقد كثير منهم اقاربهم وممتلكاتهم ومصادر عيشهم، وتعرض كثير منهم الى ملاحقات وإطلاق نار من جانب دوريات الحدود على الجانبين ولا سيما من الجانب السوري، ثم واجهوا صعوبات الاقامة في بلدان اللجوء كلها بفوارق طفيفة، وكان لافتاً موقف كل من السلطات اللبنانية والعراقية في موضوع اللاجئين السوريين، حيث قيّدت الاولى تحركاتهم وضيّقت عليهم، ومنعت الثانية دخولهم حيث اغلقت الحدود في وجههم، وتناست حكومتا البلدين احتضان سورية الملايين من اللبنانيين والعراقيين على مدار العقود الثلاثة الماضية بفعل ما عاشه البلدان من تطورات عنف داخلية وحروب عدوانية خارجية تعرضا لها.

ولم يقابل اللاجئون السوريون بالإجحاف من جانب حكومات الجوار فقط، بل إن دولاً كثيرة، ضيّقت فرص سفر السوريين اليها بخاصة بعدما اغلق الكثير منها، لا سيما الاوروبية، سفاراته في دمشق، وصار الحصول على فيزا للذهاب الى تلك الدول صعباً ومحدوداً، وهو يترافق مع صعوبات الاقامة هناك، اذا تم السفر الى تلك البلدان.

وأُحيط موضوع اللاجئين السوريين ببعض حيثيات التجاذبات السياسية والطائفية في دول الجوار. فقد قاربت القوى المؤيدة للثورة اللاجئين واحتضنتهم على نقيض موقف القوى المؤيدة للسلطات السورية في تلك البلدان، وغالباً فإن التجاذبات الطائفية أطلت بوجهها القبيح في موضوع اللاجئين، حيث بدا المسلمون السنّة اقرب الى اللاجئين، فيما كان المسلمون الشيعة والعلويون على الضفة الاخرى وبخاصة في لبنان وتركيا، الامر الذي اشار الى تصاعد الاحتدامات الطائفية في دول المنطقة.

وباستثناء الظروف السياسية والامنية السيئة، فإن الظروف المعيشية لم تكن احسن، اذ عجزت المنظمات الانسانية عن القيام بمسؤولياتها في تأمين احتياجات اللاجئين المسجلين لديها، ولم تتمكن المنظمات الاهلية والمدنية هي الاخرى بسبب قلة امكاناتها من تغطية احتياجات اللاجئين من سكن وغذاء وطبابة وتعليم، ما جعل قسماً منهم يعيش ظروفاً غير انسانية.

خلاصة القول في موضوع سوريي المنفى الجدد، انهم ذهبوا الى المنفى في ظروف صعبة، وأن تلك الظروف رافقتهم في خروجهم، وأن الكثير منهم عانوا وما زالوا يعانون في بلدان المنفى، وأن الاعانات هي اقل من ان تغطي احتياجات اساسية لأغلب اللاجئين وأسرهم، وكلها تقع مسؤوليتها على النظام الحاكم اولاً، لكنها تستدعي من الدول، ولا سيما جوار سورية والهيئات الدولية والانسانية التدقيق في سياساتها في موضوع الذين يخرجون من بلادهم في الظروف الراهنة سواء سجّلوا في سجلات لاجئي الامم المتحدة او لم يسجلوا.

-*-*-*-*-*-*-*-*

خشى أن ينتقل إليه شرر من حريق الجيران

لبنان: توجس من تصعيد الجيش السوري

تاريخ النشر: الأربعاء 01 أغسطس 2012

الاتحاد

مع احتدام القتال في سوريا، يخشى كثير من اللبنانيين امتداد النزاع عبر الحدود، الأمر الذي يمكن أن يقلب التوازن الطائفي الهش الذي يحافظ على تماسك البلاد، وقد يفجّر أي تصعيد نزاعاً داخلياً دموياً تغذيه القوى الإقليمية.

وكانت الأسابيع الأخيرة شهدت اندلاع اشتباكات بمحاذاة الحدود، مما دق ناقوس الخطر بين السياسيين اللبنانيين والجمهور تحذيراً من احتمال تصعيد الجيش السوري لهجماته العسكرية ضد البلاد بسبب إيوائها ثواراً من المعارضة، الأمر الذي يمكن أن يجلب تدخلات قوى إقليمية أخرى مثل إيران وبعض دول الاعتدال العربية.

وفي هذا السياق، يقول مسؤول أمني كبير سابق في لبنان، وافق على الحديث شريطة عدم الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع: "إن العنف يزداد سوءاً وأخذ يصبح أكثر تعقيداً"، مضيفاً "سيكون ثمة المزيد من التدخل السوري إذا زاد الثوار من هجماتهم".

بيد أن إمكانية امتداد النزاع السوري عبر الحدود اللبنانية، وزعزعة استقرار المنطقة برمتها، مقلقة أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة حيث قال نائب وزيرة الخارجية ويليام بيرنز خلال زيارة قام بها إلى لبنان في منتصف يوليو: "إن الولايات المتحدة ما زالت قلقلة أيضاً لأن استعمال النظام السوري للعنف ضد شعبه يساهم في زعزعة الاستقرار في لبنان"، مضيفاً "إننا نشدد من جديد على مسؤولية النظام السوري في احترام سيادة لبنان".

وكان هجوم عابر للحدود في 21 يوليو هو أكثر حادث دراماتيكية يقع بمحاذاة الحدود، حيث قام الجيش السوري بقصف وإطلاق النار على قرى لبنانية قال إنها تؤوي ثواراً سوريين، وهو ما أسفر عن مقتل اثني عشر شخصاً على الأقل وجرح عدد هو الأكبر منذ شهر مايو. وفي ذلك اليوم، شن الثوار السوريون هجوماً على الجيش في بلدة جوسيه ثم فروا عبر الحدود مسرعين إلى التراب اللبناني. وبعدها شنت قوة من الجيش السوري قوامها نحو 30 جندياً غارة داخل الأراضي اللبنانية. فجُرح خمسة عشر لبنانيا في الغارة، وأُحرق منزل واحد من قبل الجنود السوريين.

وفي هذا الإطار، يقول وسام، وهو من سكان المنطقة ووافق على الحديث شريطة عدم ذكر اسمه الكامل لأنه يخشى على سلامته: "لقد اتهم السوريون اللبنانيين بمساعدة الثوار، فجاؤوا يطلقون النار ويغيرون على المنازل"، مضيفاً "إن الجيش اللبناني يرى كل الانتهاكات ولكنه لا يتدخل لأنه يريد تجنب المواجهة".

غير أن ذلك الهجوم أثار غضباً عاماً بين خصوم الحكومة السورية في لبنان؛ فطلب الرئيس اللبناني ميشيل سليمان من وزارة الخارجية إرسال رسالة شكوى رسمية إلى السفير السوري في بيروت، الذي طالب بعض اللبنانيين بطرده. ولكن الشكوى علقت وسط التحالفات الطائفية والإقليمية، وهي خاصية تميز الحياة السياسية اللبنانية. فوزير الخارجية اللبناني، عدنان منصور، عضو في حركة "أمل" الشيعية التي تعتبر من أشد أنصار الحكومة السورية؛ والرسالة التي بعث بها إلى السفير السوري جاءت في النهاية دون مستوى رسالة شكوى رسمية.

والواقع أن البلدين يتقاسمان تاريخاً معقداً ومضطرباً. فلسنوات، مديدة عاملت سوريا لبنان كإقليم تابع لها، وليس كبلد ذي سيادة. فقد دخل الجيش السوري لبنان ظاهرياً كقوة فصل في 1976، بعد وقت قصير على بداية الحرب الأهلية، ولكنه لم يغادره لقرابة ثلاثة عقود. والعديد من اللبنانيين لديهم ذكريات قاتمة عن الاحتلال وشبكة الاستخبارات السورية الواسعة التي نفذت اعتقالات عشوائية ومارست التعذيب.

ومن بين الشخصيات المحورية في النظام السوري التي تولت الملف اللبناني آصف شوكت، الذي كان من بين المسؤولين الكبار الأربعة الذين قضوا في تفجير قنبلة في دمشق في 18 يوليو. وفي 2005، طُرد الجيش السوري من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري. ولكنه مازال يدعم شبكة أمنية واستخبارية واسعة في لبنان، يمكن أن يستعملها للمساعدة على قمع الهجمات العابرة للحدود من الأراضي اللبنانية. ومن المستبعد أن يقوم السوريون بالرد بهجمات مماثلة على جارتهم الشمالية الأكبر والأقوى، تركيا، التي يستضيف مسؤولوها الكبار صراحة المعارضة السياسية والعسكرية السورية، ودعوا الأسد علانية إلى التنحي.

أما الحكومة اللبنانية فتقول إنها تقوم بكل ما في وسعها من أجل تأمين الحدود مع سوريا؛ وفي هذا الإطار، تم إرسال كتيبة من الجنود لتعزيز مواقع الجيش خلال الأسبوع الماضي. ولكن السياسيين اللبنانيين يدركون أنهم يجلسون على برميل بارود ، مثلما يقول بعض المحللين؛ حيث يقول تيمور جوكسل، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في بيروت، الذي كان عضواً ضمن فريق المراقبين التابع للأمم المتحدة في لبنان لعدة سنوات: "لقد قررت الحكومة اللبنانية انتهاج سياسة عدم التدخل... فأياً يكن الجانب الذي ينحاز اللبنانيون إليه، فإن ذلك يمكن أن يورطهم ويخلق لهم متاعب".

كما أن سوريا لديها علاقات عميقة أيضاً مع "حزب الله" الشيعي، الذي يعد أكثر مجموعة تسلحاً في البلاد. ومع تدهور الوضع في سوريا، هناك خطر أن يؤدي أي امتداد للعنف إلى معركة شاملة بين حلفاء النظام السوري في لبنان وأعدائه؛ ولاسيما أن الوضع متوتر أصلاً للغاية. ففي أواخر مايو الماضي، اختُطف 11 شيعياً لبنانياً في سوريا في طريق عودتهم إلى الحدود اللبنانية، وهو ما أطلق سلسلة من عمليات إحراق الإطارات ودعوات من الشيعة اللبنانيين إلى الانتقام من أنصار المعارضة السورية وحلفائهم في لبنان، إلى أن دعا زعيم "حزب الله" إلى الهدوء.

ومن غير المعروف الجهة التي نفذت عملية الاختطاف -فمجموعات المعارضة الأكبر في سوريا تنفي أي دور لها في ذلك- ولكن العديد من الشيعة في لبنان ما زالوا يلقون اللوم على الجيش السوري الحر، الذي يعتبر معظم أعضائه من السنة.

باباك ديجانبيشيه

الحدود اللبنانية - السورية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«تقاطع نيران» لسمر يزبك * معن البياري

الدستور

1-8-2012

“تقاطع نيران.. من يوميات الانتفاضة السورية” كتابٌ للروائية السورية، سمر يزبك، صدر قبل شهور في 300 صفحة عن دار الآداب في بيروت. لا تجاوزَ في وصفه، هنا، بأنه نصٌّ استثنائيٌّ في أَهميته، ليس فقط في سرديَّته التي تُدَوِّن فيها يزبك يومياتٍ رهيفةً في الشهور الأَربعة الأولى للانتفاضة في بلادها، بل، أَيضاً، لمنسوب الحرارة العالي في الشحنة الحاضرة فيه، اللاذعةِ بالضرورة، والبالغةِ الرفعةِ في إِنسانيَّتها. لا مطرحَ للسياسة في الكتاب، ولا للثرثرةِ عن الإقليميِّ والدوليِّ والتدخل الأَجنبي، لا شيء غير أَنفاس سمر يزبك وهي تقاوم الخوف، وهي ترى “الدماءَ لا تأتي إِلا بالدماء”، وهي تفكر في بيتِها بأَن تندسَّ “في نوم القتلة” لتسأَلهم أَسئلتها. وكذلك، وهي تشارك في مسيراتٍ ومظاهراتٍ، وهي تهزأُ من عيون المخبرين الذين يُراقبونها، وهي تلحظ قناصاً على هذا البيت وآخر على ذاك البيت، وهي تحاورُ شباناً وشابات في لقاءات سرية، للدفعِ بوتيرة الاحتجاج وغوث الناس، وهي في مركزٍ أَمنيٍّ ويصوِّبُ الضابطُ عليها تهمةَ خيانةِ طائفتها العلوية!.

تتعرَّض سمر يزبك لضربٍ وإِهانةٍ في تحقيقاتٍ تافهةٍ معها، وتُفكر في أَثناءِ واحدةٍ منها باستخدام سكينٍ صغيرةٍ تحتفظ بها في صدريتِها. ويستنكرُ أَهلها وناسُ بلدها، جبلة في بانياس، ما تقومُ به وتنشط فيه، ويشعرُ قارئ سطورِها عن استفظاعِ كثيرين منهم مماشاتها، وهي العلوية، “المندسين” و”الإخوان المسلمين”، بقرفٍ مفزعٍ مما راكمه نظام آل الأسد من خرابٍ في الحالةِ السورية، لمّا بنى طبقاتٍ ثقيلةً من التربص والتحسب بين المكونين، السني والعلوي، في المجتمع، وهو الذي ظلَّ يزعمُ أَنه ينشدُ تحقيق الوحدة العربية. لا نقرأُ تنظيراً في “تقاطع نيران” في هذا الشأن، ولا تحليلا، ولا كلاماً إِنشائياً عن سوريا الموحدة وشعبها الواحد، بل كلاماً مستسرلاً ينطقُ به أَصحابُه عما يجوسُ في صدورِهم، وفي أَفهامهم ومداركهم. نقرأُ، أَيضاً، مشاعر ضافيةً بالوطنيةِ المحبّةِ لدى شهودٍ تُوثِّقُ سمر يزبك مروياتِهم، ينتسبون إِلى الطائفةِ العلوية الكريمة. ونقرأُ شهادات آخرين، أَطباءَ وناشطين وصحفيين وشهود عيان، من حمص وحماة ودمشق وبانياس وغيرها، مهمٌ أَن يقرأَها المولعون بفريةِ المؤامرةِ الكبرى على سوريا، وبنكتةِ فبركاتِ الفضائيات المغرضة، ليعرفوا، إِنْ توفَّرَت لديهم النية أَنْ يعرفوا، أَيَّ سفالةٍ ووضاعةٍ عليهما النظام السوري، حين ينشر ميليشياتِه وشبّيحته بين الناس، فيستسهل هؤلاءِ إِطلاقَ الرصاص على الصدور العزلاء.

فصولٌ من المأساةِ السورية في شهورها الأولى، وقد قضى، في غضونها بذلك الرصاص، نحو ثلاثة آلاف سوري، بأَوامر من آصف شوكت وداود راجحة وهشام بختيار وحسن توركماني، الذين أَبرق كتابٌ ومثقفون وفنانون أردنيون إِلى بشار الأَسد يعزونه فيهم، ولا أَظن أَنَّ أيا من هؤلاء الزملاء قرأ سمر يزبك وما وثقته، بلغة جذابة ورائقة، من مشاهداتِها ومشاهدات غيرها، ولم يكن قد تشكل جيشٌ حرٌّ ومجلسٌ وطنيٌ معارض، وقبل أَن ينشطَ التآمر العربي والدولي على سوريا الممانعة والمقاومة. لم يقرأْ أَيٌّ من أولئك حديث الضابط السوري للكاتبة عن إِطلاقه النار على جسدِه ليصيرَ في وسعه أَنْ يفرَّ من تنفيذ أَوامر القتل إِياها. تورد سمر تفاصيلَ ومعايناتٍ تُضيء على “انتفاضةِ شعبٍ مقهور يريد التحرر من ذله”، وتكتبُ أَنه “يجب كسر رواية النظام المجرم عن حقيقةِ هذه الثورة”. أَحسبُها أسهمت مساهمةً ثمينة في هذا، وأُشجعُ، هنا، على قراءَة كتابِها.

التاريخ : 01-08-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري والعلاج بالصدمة

إياد شربجي *

الأربعاء ١ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

في الأشهر الأولى للثورة السورية وتحديداً في 9 آب (أغسطس) 2011 وصل إلى دمشق أبو الديبلوماسية التركية ووزير خارجيتها أحمد داود أوغلو حاملاً في حقيبته للأسد خطةً تركية متكاملة للتعامل الرشيد مع الحراك الثوري الشعبي الذي يواجه الرئيس السوري، وتقترح الخطة - وفق ما أعلن أوغلو حينها - التعامل مع الحراك الشعبي وفق مبدأ «العلاج بالصدمة» بحيث يقدّم النظام من تلقاء نفسه مكتسبات متتالية للشارع تفوق ما كان يطالب به في التظاهرات، وبما يشبه ضربة استباقية تسقط كل مبرراته للثورة ضد نظام حكمه، وتفضي في النهاية إلى تهدئة النفوس وإعادة الأمور إلى نصابها، فيرضى الناس بالمكاسب غير المتوقّعة، ويستمر الأسد بحكمهم كقائد إصلاحي يستجيب لمطالب شعبه... بل وزيادة.

لكن الأسد وبدلاً من أن يتجاوب مع تلك الوصفة - المجرّبة تركياً - فقد رماها في وجه ضيفه، وهو ما كان واضحاً في المانشيتات التي خرجت في وسائل إعلامه في الصباح التالي والتي كانت بمعظمها تتمحور حول جمل من قبيل:

«لا يحق لتركيا التي تقمع شعبها في جنوب شرقي البلاد إعطاء دروسٍ في الديموقراطية للغير - علاج الأزمة داخلي وسورية لن تسمح لأحد بمسّ سيادتها الوطنية»، ثم ليخرج الأسد ذاته بعدها في أقل من أسبوعين في حوار مع التلفزيون السوري يوم 21 آب ليكرر العبارات ذاتها، وليصعّد لهجة خطابه حول المؤامرة والعصابات المسلحة و...

إن المتابع سلوك النظام السوري منذ 15 آذار (مارس) 2011 وحتى الآن صار يدرك أن بشار الأسد لم يرفض حينها الخطة التركية، «العلاج بالصدمة»، لأنه لم يفهمها هو، بل لأنه اعتبر أن الأتراك هم من لم يفهموها كما يجب. فبشار مقتنع بأن والده حافظ الأسد هو مخترع وصاحب براءة هذه النظرية، وهو من طبقها في شكلها الصحيح خلال تعامله مع من ثاروا ضده من شعبه ومن اللبنانيين والفلسطينيين، وهي ما أبقى الأخير محكِماً قبضته على البلاد وجوارها طيلة ثلاثة عقود. وانطلاقاً من هذه القناعة الراسخة فإن بشار سيثبت أنه ابن أبيه والمحافظ على مجده ونجاحاته، وهو لن يقبل احتمال نجاح الفهم التركي للنظرية، أمام النجاح المطلق لطريقة فهم والده إياها.

منذ بداية الثورة اعتمد النظام السوري «العلاج بالصدمة» أسلوباً عملياً في قمعها، فكلما شعر بتحقيق الثوار مكسباً ما واجهه برد فعل قوي جداً يفوق الحدث نفسه، ويصبح فيه ما كان يُعتقد مكسباً وبالاً على أصحابه.

فالمنطقة التي تخرج فيها تظاهرات كبيرة ترفع معنويات الثوار يعمد النظام وبأقصى قوة متوافرة إلى اقتحامها وتفتيتها وقمع أهلها وإذلالهم ليتحوّل ما كان انتصاراً بالأمس إلى هزيمة اليوم؛ هذا تماماً ما حصل في الجامع الأموي بدمشق عندما أصبح محرماً على الثوار بعد أول تظاهرة خرجت من هناك في 18 آذار، وانسحب الشيء نفسه على ساحات المحافظة في درعا، والعاصي في حماة، والساعة في حمص، وغيرها من ساحات الثورة التي امتلأت بمئات الألوف يوماً وهي اليوم تغصّ بالجنود والدبابات وصور القائد الرمز وشعارات الانتصار له والموت للخونة، وهو ذاته ما حدث أيضاً في بابا عمرو التي كانت مفخرة للثورة وتحدياً للأسد في قلب نظامه، فاقتحمها جيشه وأعمل فيها شتى صنوف السلاح الشرعي وغير الشرعي، ودمرها عن بكرة أبيها ونكّل بأهلها وشرّدهم، ثم قام الأسد ذاته – وعلى رغم كل الخطر - بزيارة خاطفة إلى هناك برفقة كاميرات التلفزيون فقط ليحرق قلوب الألوف الذين كانوا يهتفون ضده هناك قبل أيام فقط.

الحدث الكبير الذي حصل في دمشق وتمثل بمقتل عدد من رجالات النظام الكبار يدخل السياق ذاته تماماً، فبعد أن قضى السوريون في شكل عام والدمشقيون تحديداً نهارهم يرقصون فرحاً برحيل عدد من قاتليهم، جعل الأسد ليلهم جهنّماً، وتحولت زغاريد الصباح إلى عويل وصراخ في المساء عندما أمطر دمشق (في سابقة تاريخية وخطيرة) بوابل مجنون من قذائف الهاون والمدفعية ورصاص المروحيات طيّرت الفرح من عيونهم، وزرعت صدمة كبيرة في قلوبهم، وماذا يكون صدمةً أكبر من التجرؤ على دمشق بكل ما تعنيه هذه المدينة من قداسة رمزية وتاريخية، عدا كونها العاصمة ومعقل الأسد الأخير ومكان سكناه، وسكنى رجالات المال والأعمال الدمشقيين الذين حابوه كثيراً طيلة الفترة السابقة.

ما لم يدركه الأسد حتى الآن، أن سياسة «العلاج بالصدمة» هي تحديداً ما جعلت حفرته تزداد عمقاً وغوصاً، أو لربما هو أدرك وندم لأنه لم يأخذ بها بنسختها التركية المعدّلة التي كانت لتنجيه حينها! وسواءً أدرك أم لم يفعل، فإن الصدمة الحقيقية لبشار الأسد ستكون عندما يجد شعبه يحطم باب غرفة نومه في قصره بعد أن يتجاوز بواباته وساحاته الخارجية، وهذا تماماً ما يعنيه أن يكون الجيش الحر اليوم يقاتل بهذا العدد والضراوة في قلب دمشق التي كان يخرج فيها الملايين ليهتفوا له يوماً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: التعددية والمرحلة الانتقالية

الأربعاء ١ أغسطس ٢٠١٢

عبدالله اسكندر

الحياة

في سورية اليوم عدد غير قابل للحصر من التنظيمات والهيئات والمجموعات والتنسيقيات والمجالس والمنابر الخ... المنتمية إلى المعارضة، ولو أن بعضها فرض نفسه سواء عبر العمل السياسي أو العمل على الأرض ضد النظام، وبات اكثر شهرة من غيره. ويكاد المتابع أن يضيع بين الأسماء الكثيرة التي يتداولها الإعلام، ولو أن الشعارات الأساسية تبقى نفسها.

هذا الواقع قد يبدو مستغرباً في ظل الحملة العسكرية الدموية التي يشنها النظام على المدن والبلدات السورية، مع ما تحمله من ارتكابات ومآس بشرية وخسائر مادية، ومع ما تؤكده من استحالة التعايش مع مثل هذا النظام الذي استعدى غالبية الشعب السوري، ومع ما تظهره من تآكل في نظام لا بد انه آيل إلى السقوط، بسرعة متزايدة.

أي أن وضع المعارضة يكاد يتناسب عكساً مع وضع النظام. فكلما اقتربت ساعة انهيار النظام تزداد المعارضة تفتتاً وتشتتاً. في الوقت الذي ينبغي، كما تدعو كل القوى الإقليمية والدولية الداعمة للمعارضة، إلى إيجاد صيغة تجمع غالبية من اجل تشكيل البديل فور أن تتيح الظروف ذلك.

ثمة فرق جوهري بين التعدد السياسي المطلوب، في أي بديل ديموقراطي، يعكس تعدد المجتمع الأهلي السوري ويعبر عنه، وبين بروز أشكال لا حصر لها من التعبير السياسي يحاول كل منها أن يستأثر بالقرار. التعدد السياسي حالة طبيعية وضرورية في أي نظام ديموقراطي وفي تشكيل صورته. لكن هذا التشتت، وإن كان يصب في خانة السلبيات، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمر النظام الحالي الذي لم يدع أي مجال لنمو ما يمكن أن يشكل نواة لمعارضة أو لبديل. فطارد كل فكرة أو شخصية أو هيئة، واستخدم كل الأساليب من اجل تجفيف منابع السياسة في المجتمع المدني السوري. وإن تمكن النظام، عبر الاضطهاد والقهر والسجون والفساد والشعارات القومية الكبيرة، من فرض «استقرار» خلال أربعة عقود لم تشهده البلاد من قبل، فإن ذلك لم يكن ممكناً من دون استئصال السياسة من المجتمع.

واليوم مع انحسار هذا الشكل السلطوي، تتفتح كل الأصوات ويظهر الاعتراض على نحو ما نراه من كثرة أشكال التعبير عنه، ولو على نحو عشوائي.

وفي مقدار ما تكون التعددية السياسية تعبيراً عن الديموقراطية، في مقدار ما يعبر تعدد الأصوات في المعارضة عن الشعور بالانعتاق من وطأة النظام وبطشه وانحسار نفوذه.

واليوم، مع ازدياد الضغط، والحاجة أيضاً، من اجل إيجاد صيغة أو هيئة أو شكل من التنظيم العام ليتولى إدارة المرحلة الانتقالية، تكثر المشاريع الطامحة إلى مثل هذه الولاية. وهذا في ذاته مشروع، لكن عندما يعتبر صاحب أي من هذه المشاريع أنه وحده الممثل الشرعي والوحيد للمعارضة، ويعلن حكومته أو هيئته الانتقالية، يصبح التساؤل مشروعاً عن مدى إفادة برنامج تغيير النظام من مثل هذه التوجهات.

ويبقى أن القوى الفعلية للتغيير هي تلك العاملة على الأرض، سواء عبر المقاومة المسلحة أو التحرك السياسي والميداني أو العمل الإنساني والإغاثي. أما الذين يفترضون أن البرامج الحوارية والطلات التلفزيونية تؤمن لهم النفوذ السياسي، فإنهم يخلطون بين حاجة الفضائيات لتعبئة الوقت وبين برنامج التغيير لنظام أظهر تصميماً لا لبس فيه على استخدام كل قوته العسكرية من اجل البقاء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النفط والأزمة السورية بين كردستان والمالكي

الأربعاء ١ أغسطس ٢٠١٢

رندة تقي الدين

الحياة

تفاقم الخلافات بين إقليم كردستان وحكومة نوري المالكي في بغداد هو نتيجة سياسة المالكي التي يريدها تابعة لإيران كما أنه يرتكب أخطاء فادحة في تعامله مع الشركات النفطية العالمية. إن تمركز قوة من الجيش العراقي في منطقتي الخابور وزمار قرب الحدود مع سورية واعتراض قوة من البيشمركة على تمركزها تظهران أن رئيس الحكومة العراقية يريد منع انتقال الثوار السوريين إلى المنطقة حماية لنظام بشار الأسد. إن تبعية حكومة المالكي لإيران تجعله يدافع عن نظام هو أسوأ في الوحشية من نظام صدام حسين الذي قاومه المالكي. فصدام حسين كما بشار الأسد صفّى معارضيه من الشعب العراقي إلا أنه عندما سقط لم يكن هناك من يساعده كالمساعدات التي تأتي إلى النظام السوري من المالكي وإيران وروسيا والصين. وإدارة المالكي للعراق بالغة السوء. فالتعطيل السياسي مثلاً أدى إلى تأخر صدور قانون نفطي للبلد وأدى إلى توقيع شركات نفطية عملاقة مثل «اكسون موبيل» و «شيفرون» و «توتال» عقوداً للتنقيب عن النفط في إقليم كردستان وقد اشترت 35 في المئة من حصص «ماراتون» الأميركية للتنقيب في هذه المنطقة. فقد وقعت «اكسون موبيل» عقدي تنقيب في إقليم كردستان مما جعل المالكي يكتب احتجاجاً للرئيس أوباما الذي رد عليه بطريقة غامضة قائلاً إن الولايات المتحدة تؤيد وحدة واستقرار العراق. وأعلن المالكي بعد ذلك أنها رسالة تأييد له إزاء قيام «اكسون» بالتعاقد في كردستان ولكن سرعان ما أصدر البيت الأبيض تصحيحاً يؤكد استقلالية الشركات الأميركية وعدم تدخل الحكومة بما تقوم به. والحكومة العراقية أخرجت «اكسون» من إدارة مشروع كبير لضخ مياه في الحقول في الجنوب مما أخر انطلاقة هذا المشروع الضروري لحقولها. ومنذ بضعة أيام وقعت «شيفرون» عقدي تنقيب في كردستان والشركة النروجية «ستات اويل» تبحث أيضاً عن عقود هناك و «توتال» على وشك توقيع عقود تنقيب في منطقة كردستان وقد أبلغت الحكومة العراقية بنواياها.

لا شك أن شروط العمل والعقود مع الشركات الأجنبية في جنوب العراق شجعت هذه الشركات النفطية الكبرى التي تبحث عن مكاسب على التعاقد في كردستان حيث هناك مناطق شاسعة للتنقيب وحيث شروط العمل أفضل بكثير من الجنوب. فعلى سبيل المثال انسحبت الشركة النروجية «ستات اويل» من مشروع في الجنوب وباعت مساهمتها فيه إلى الشركة الروسية «لوك اويل» وفضلت البحث عن عقود في الشمال في إقليم كردستان. وتقول الشركات انه طالما ليس هناك قانون نفطي في البلد فهي لا تعمل خارج إطار قانوني.

فالخلاف أيضاً بين المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان وبغداد لن يرى حلاً مع سياسة المالكي في نشر قوات في المناطق المتنازع عليها لمنع دخول الثوار السوريين و «الجيش الحر» إليها كما أن شكوى بعض عناصر الأكراد من الجيش المركزي وتعرضهم للتهميش كلها أمور ستعزز النزاع بين الإقليم والحكومة المركزية. إن سياسة المالكي تزيد الانقسام في البلد. وواضح أن هناك عناصر كردية في حكومة المالكي لا تؤيد ما يقوم به بشار الأسد من قتل وقمع لشعبه. وقد ظهر ذلك في تصريحات ومواقف وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري. إلا أن كلامه يختلف عن سياسة رئيس حكومته المتحالف مع النظامين السوري والإيراني على رغم التأثير الأميركي على العراق. ويظهر أن الهيمنة الإيرانية على المالكي أقوى من تأثير الإدارة الأميركية عليه أو أنها تخدم على المدى الطويل الولايات المتحدة التي لها مواقف مبهمة في عدد من الدول خصوصاً في ظل رئاسة أوباما. فعلى رغم حضور ما زال ملموساً في العراق تبدو الإدارة الأميركية وكأنها غير معنية بحلف المالكي مع إيران أو بمساندته لنظام بشار الأسد. والمالكي بسياساته يبدو كأنه يسعى إلى تشجيع تقسيم العراق وإبعاد إقليم كردستان. فهل هناك من يريد تقسيم العراق وربما المنطقة بأسرها؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليبراليون منافقون وعلمانيون طائفيون

د.فيصل القاسم

بوابة الشرق 9 يونيو 2012

من فضائل الثورات العربية المباركة أنها أزالت الأقنعة عن الكثير من الوجوه الثقافية والفكرية والسياسية العربية، فقد "سقط القناع عن القناع"، كما قال الراحل محمود درويش يوماً، فبان الاعورار والعور والعورات وأوراق الشجيرات التي تستر بها الكثيرون من المدعين والمنافقين والكذابين. فكم أمطرنا مدعو العلمانية والليبرالية مثلاً بوابل من المقالات والتنظيرات اللامتناهية. وكم شنوا الحملة تلو الأخرى على بقية التيارات والكثير من الأنظمة السياسية، إلى حد أننا كدنا أن نصدقهم، بعد أن بدوا لنا، في كتاباتهم، كما لو أنهم رسل الحضارة والتنوير وتحرير العقول. لكن، كما قال الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لينكولن لأحد وزرائه:" يمكنك أن تكذب على بعض الناس طوال الوقت، ويمكنك أن تكذب على كل الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكنك أن تكذب على كل الناس كل الوقت". فلما جد الجد، واندلعت الثورات، وحدث الفرز الحقيقي، لم يعد بإمكان أحد التلطي وراء أقنعته المزيفة وواجهاته الثقافية والفكرية المفبركة، فسقط جدار الكذب والتدليس، وانكشف المستور.

لنتذكر كم قرأنا من المقالات على مدى الأعوام الماضية لأشخاص تلطوا وراء قناع الليبرالية والعلمانية والديمقراطية. ومن شدة حماسهم لتلك التيارات، ظننا، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أنهم قادمون إلى عالمنا لتحريره من الجهل والخزعبلات والطغيان والشمولية والديكتاتورية لكثرة ما حثونا على التخلي عن عقائدنا القديمة، الدينية منها والسياسية كونها السبب الرئيس في تأخر مجتمعاتنا وتخلفها. فكم رأينا هؤلاء المدّعين وهم يهاجمون مثلاً الإسلاميين "الظلاميين" كما كانوا يسمونهم. وكم نادوا بالليبرالية والعلمانية والتحضر. لكن ما أن سقط أول "هُبل" عربي حتى راحت تتكشف عوراتهم. وبدلاً من التهليل لبدء سقوط الديكتاتوريات التي طالما تظاهروا بأنهم ضدها ومع تخليص الشعوب من ويلاتها، راحوا يتململون في أماكنهم خوفاً على مستقبلهم، لا بل زادوا من هجماتهم على الإسلاميين الذي أخذوا يكتسحون صناديق الاقتراع في العديد من البلدان العربية. لماذا أيها العلمانيون والتنويريون المزعومون؟ ألم تصدعوا رؤوسنا بالديمقراطية وضرورة حسمها عبر صناديق الاقتراع؟ لماذا لا تجارون رغبة الشعوب الثائرة وخياراتها؟ لماذا تريدون فرض توجهاتكم على الشعوب؟ لماذا بدأتم تترحمون على الطواغيت الساقطين والمتساقطين؟ ألم تزعموا يوماً أنكم ضد الطغيان؟

لقد عرفت يوماً كاتباً ظنناه لكثرة ما كتب في الديمقراطية أنه جان جاك روسو العرب، فإذ به مجرد مخبر صغير وتابع ذليل لأحد الطواغيت الساقطين، بدليل أنه شعر بأن الأرض تزلزلت تحت أقدامه عندما سقط رئيسه. ومما فضحه، وفضح أمثاله أكثر، أنه، ما أن رأى بصيص أمل لعودة أحد ذيول النظام الساقط إلى الساحة السياسية حتى راح يدافع عن ذلك الذيل بقوة منقطعة النظير، لعل الديكتاتورية التي عاش في كنفها يوماً تعود. لم يكن ذلك الكاتب وأمثاله لا ليبراليين ولا علمانيين ولا تنويريين ولا "ضرّاب السخن"، بل مجرد كتبة مزيفين متدثرين بأقنعة الليبرالية والعلمانية والتنوير المزعوم؟

وفي بلد آخر كان أحدهم يمطرنا يومياً تقريباً بمدرار من المقالات التنويرية والعلمانية والليبرالية العتيدة، إلى حد أنه كاد أن يحصل على لقب "جاك بيرك" العرب أو ابن رشد عصره. لكن ما أن اندلعت الثورة في بلاده، وحدث الفرز الاجتماعي والشعبي والثقافي والسياسي، حتى راح ذلك العلماني الكاذب يتلطى وراء جدران طائفته. لقد سقط صاحبنا فوراً من عالم التنوير والحضارة العالمية والعلمانية والليبرالية التي كان يتظاهر بها إلى حضن الطائفة الضيق جداً، فراح يزيد من هجماته المسعورة على التيارات الشعبية الجارفة كالتيار الإسلامي وغيره، مما فضحه وفضح طائفيته البغيضة أكثر فأكثر. لقد كان ذلك المدّعي وغيره، يعيّر الإسلاميين مثلاً بأنهم متعصبون ومنغلقون وظلاميون، فإذا به أكثر تعصباً لطائفته من عتاة التكفيريين. وحدث ولا حرج عن انغلاقه الشديد الذي لا يريد الانفتاح على السواد الأعظم من المجتمعات العربية ألا وهم المسلمون. أين تنويركم يا سيادة العلماني الفظيع؟ أين العالم الواسع الذي كنتم تنادون به وتتشدقون ببنائه؟ لماذا لجأتم فوراً إلى جحر الطائفية عند أول هزة شعبية؟ أليس من المفترض أن تنحازوا إلى جانب الشعوب المظلومة التي ادعيتم زوراً وبهتاناً أنكم مظلومون مثلها؟ لماذا انحزتم للطواغيت الذين اهتزت الأرض تحتهم لمجرد أنكم تنتمون معهم إلى نفس المذهب؟ كيف تختلفون عن المذهبين الآخرين أيها العلمانيون المدّعون؟ لماذا أصبح الفائزون في الانتخابات الديمقراطية الجديدة مرفوضين لمجرد أنهم من غير طائفتكم أيها الليبراليون الكاذبون؟ قال ليبرالي قال.

كم قد فوجئت عندما رأيت أحد الأكاديميين الذين درسوا في أعرق الجامعات الغربية ينقلبون فوراً إلى طائفيين منغلقين صغار عندما اهتز، تحت ضربات الثوار، النظام الذي يناصرونه على أسس طائفية. أهذه الإنسانية الشكسبيرية التي درستموها في الأدب؟ أين تبخر الأدب الإنساني العظيم الذي قرأتموه في أشعار "ويردزويرث" وروايات "جيمس جويس"؟

ما أبشع بعض اليساريين الذين أمضوا أعواماً في زنازين الطغاة، ولما ثار الشعب على أولئك الطواغيت، راح أولئك اليساريون ينحازون لهم، لا لشيء إلا لأن التيار الذي بدأ يقوى في وجه الطغاة هو تيار إسلامي يختلف معهم مذهبياً وطائفياً. قال يساري قال.

وينسحب النفاق العلماني والتنويري والليبرالي على شخصيات كبيرة ذائعة الصيت كنا نعتقد أنها نظيفة من النزعات الطائفية والمذهبية الضيقة، فإذا بها في حضيض السلفية الطائفية، فالثورات لا تكون ثورات حقيقية، في رأي تلك الشرذمة العلمانية المدعية، إلا إذا كانت من لون مذهبي أو طائفي سياسي معين. أما الديمقراطية التي تفرز إسلاميين فليست ديمقراطية برأيهم، مع العلم أن الشعوب اختارت يوماً النازيين بطريقة ديمقراطية، فما بالك أن تختار الإسلاميين المنبثقين من رحم الأمة، بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا معهم ومع توجهاتهم.

وكي لا أبدو كما لو أنني أصولي، لا بد من التنبيه إلى أنني أختلف مع الأحزاب الدينية كثيراً جداً، لكن لا بد من احترام فوزها في أي انتخابات ديمقراطية، وإلا كنا منافقين وأفاقين كأولئك الليبراليين والعلمانيين والتنويريين المزعومين المفضوحين الذين أعادتهم الثورات العربية المباركة مشكورة إلى جحورهم خالدين فيها، وبئس المصير.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com