العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12/5/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

"البيضا" الحمراء!

د. محمود نديم نحاس

اللون الأبيض هو رمز للطهارة والنقاء والعفاف وحسن السيرة، ومن هنا قولنا صاحب الأيادي البيضاء وصاحب الوجه الأبيض. وفي الآخرة (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ويوصف شيء بأنه ناصع البياض للدلالة على جماله. وقد يرمز اللون الأبيض إلى الصمت والسكون الذي يترافق مع الحزن وكظم الغيظ، فيعقوب عليه السلام بعد فقده لولديه وصفه القرآن الكريم (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).

ربما كل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى تسمية بلدة البيضا بهذا الاسم، وهي بلدة جنوب مدينة بانياس السورية الساحلية الواقعة بين اللاذقية وطرطوس.

هذه البلدة تعرضت لمجازر خلال الأيام السابقة جعلت مجزرة دير ياسين الشهيرة التي قام بها اليهود في فلسطين شيئاً لا يُذكر. لقد انقلب لونها إلى الأحمر القاني مما نزف من ذبح رجالها وأطفالها وانتهاك أعراض نسائها بعد أن كانت بلدة آمنة، حيث قام جنود النظام والشبيحة بأعمال يندى لها الجبين كان ضحاياها مدنيون، منهم أسر بأكملها. ثم امتدت المجازر إلى بانياس نفسها والبلدات الأخرى التابعة لها.

وسمعنا أصواتاً تندد بالمجازر وأعمال القتل، وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات القانون وحقوق الإنسان، لكن بقي هذا كله كلاماً في الهواء وترطيباً للأجواء لا غير، وكأن الخطوط الحمراء التي خطتها الدول الكبرى خطوط وهمية، فقد تم تجاوزها كلها دون أن يتحرك في قلوبهم شيء. لقد وصفوا المجازر بأنها جريمةُ حرب، وطالبوا بإحالة المسؤولين عنها إلى القضاء الجنائي الدولي، واتهموا النظام بمواصلة سياسة الأرض المحروقة، عبر الدفع بشكل واضح إلى المواجهة بين الطوائف. كما قالوا عنها إنها عمليات تطهير عرقي، وإبادة جماعية بحق المدنيين بقصد تهجير السكان لإحلال غيرهم محلهم, لكن كل هذا كلام دون أي أثر على الأرض سوى فرار مئات الأسر من مدينة بانياس والبلدات التابعة لها خوفا من اندلاع المزيد من أعمال العنف الطائفية، بعد مقتل وذبح المئات بأيدي مجرمي الحرب. نعم! يحدث هذا في سوريا، البلد النموذجي للعيش المشترك بين الأديان والحضارات منذ الفتح الإسلامي.

لقد سبق ولحق هذه المجازر مجازر في (القصير) و(جديدة الفضل)، عدا عن المجازر التي حصلت من قبل في مختلف المدن الأخرى. فهل هي انتقام من الشعب الذي ثار على الظلم والاضطهاد مطالباً بالحرية والكرامة؟ أم إنها علامة على السقوط الوشيك؟ أم تخطيط لحرب طائفية؟ أم مزيج من كل هذا؟.

كيف يمكن الأخذ على يدَي الظالم المجرم لوقف هذه الإبادة الممنهَجَة، بالذبح تارة، وبالأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً تارة أخرى؟ وكيف يمكن ثني عزم الدول والقوى الحليفة للنظام لإيقافها عن دعمه؟

هناك من يخاف على حقوق الأقليات إذا انهار النظام! فهل هذا مبرر للوقوف مع المتفرجين الذين يرقبون ذبح الأكثرية؟

لله درُّك يا نزار القباني، كيف وصفت لنا الوضع قبل موتك بسنوات عندما قلت:

يا شامُ، إنَّ جراحي لا ضفافَ لهـا *** فامسحي عن جبيني الحزنَ والتعبا

أتيتُ من رحمِ الأحزانِ.. يا وطني *** أقبّـلُ الأرضَ والأبوابَ والشُّهبـا

يا ابنَ الوليدِ.. ألا سـيفٌ تؤجّرهُ؟ *** فكلُّ أسـيافنا قد أصبحـت خشـبا

دمشقُ ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي *** أشـكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا؟

ماذا سأقرأُ من شعري ومن أدبي ؟ *** حوافـرُ الخيلِ  داست عندنا الأدبا

وحاصرتْنا .. وآذتْنـا .. فلا قلـمٌ *** قـالَ الحقيقـةَ إلا اغتيلَ أو صُلبا

يا مَن يعاتبُ مذبوحاً على دمــهِ *** ونزفِ شـريانهِ ، ما أسـهلَ العتبا

حبلُ الفجيعـةِ ملتفٌّ على عنقـي *** من ذا يعاتبُ مشنوقاً إذا اضطربا ؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تصريح : حبل خلاص صهيوني للمجرم النازي .. لا يلام الذئب في عدوانه

06.05.2013

زهير سالم

تاريخيا يؤكد العديد من المحللين والمتابعين أن ما وقع على اليهود من عدوان نازي قد وقع بتنسيق مع القيادات الصهيونية العالمية ، هرتزل وشركاه ، لكي يبعثوا الرعب في قلوب يهود العالم ، وليستعين قادة المشروع الصهيوني بذلك على حشر هؤلاء الناس الخائفين إلى أرض فلسطين أرض الميعاد ..

إنه الدرس الذي مرد عليه الصهاينة ثم تلقفه منهم حافظ الأسد لنفسه ؛ وهو إيقاع المجرم الألم أو العدوان على نفسه للظهور بمظهر الضحية ، ولتوظيف الحدث في خدمة مخططاته وتحقيق أهدافه ..

يدرك الشعب السوري  بالغريزة الجرائم المفتعلة التي يفبركها المجرمون ،  لكثرة ما عانى هذا الشعب من جرائم هذه العصابة ، على مدى نصف قرن،  ومن ذلك التفجيرات المفتعلة ، والمجازر المدبرة ،  والاغتيال تحت عنوان الانتحار . وهكذا يأتي العدوان الصهيوني حلقة في سلسلة طويلة من الحلقات .  المجرم النازي يستجدي من المجرم الصهيوني عدوانا مفبركا متفقا عليه ، للتغطية على الجريمة المنكرة التي ما تزال مستمرة في بانياس منذ ثلاثة أيام والتي فاقت في بشاعتها كل ما ارتكبه بنو صهيون على أرض فلسطين من جرائم وشناعات ..

 وفي الوقت الذي ينفذ فيه المجرم الطائفي وشركاه الإيرانيون والحزبللاويون  أقسى وأطول مجزرة منذ انطلاق الثورة ، في مدينة  بانياس وريفها وعلى مدى ثلاثة أيام وبدون توقف ،  يبادر الشريك  الصهيوني التاريخي إلى تقديم الغطاء للجريمة الأبشع والأقسى ، بتنفيذ عدوان ظاهري جديد على الأرض السورية للتغطية على المجزرة الكبرى، ولإشغال الرأي العام المتشاغل أصلا عما وقع  على أرض بانياس بضحاياها من الأطفال والنساء والرجال ..

إننا من  إدراكنا الأولي أن حرب السابعة والستين بكل تداعياتها التاريخية الأثيمة أو حرب الأيام الستة ، أو حرب الساعات الستة كما يحب أن يسميها الصهاينة المعتدون كانت لعبة من ألعاب حافظ الأسد مع شركاه من الإسرائيليين نعلن ونؤكد ..

أولا - لا يلام الذئب في عدوانه . وإن الذين يستمرئون إدانة الذئب من فاقدي البوصلة هم الحطب الجزل الذي طالما أحرق هذا المستبد بناره المخلصين من شعبنا والشرفاء من أبنائنا ..

ثانيا - ندين ونشجب ، من يسمي نفسه قائدا لنظام المقاومة والممانعة لعجزه الفاضح والمهين عن حماية أرض الوطن وسمائه على مدى ما يقرب من نصف قرن . وندين ونشجب ونستنكر تخاذل الجبناء المتكرر عن الرد على العدوان .  الذين يتصاغرون أمام أعداء الوطن ويستأسدون على الأطفال فيمعنون بأوصالهم تقطيعا وبأجسادهم الغضة حرقا وتمزيقا ..

ندين ونشجب ونستنكر موقف الولي الفقيه الذي أعلن أكثر من مرة أن العدوان على سورية هو عدوان على إيران ، ثم نراه يدير ظهره للعدوان الصهيوني لأنه لا يهمه ، ويرسل وحوشه وزبانيته من كل فج ليذبحوا أطفال سورية وينتهكوا أعراض نسائها ...

ندين ونشجب ونستنكر كل إدانة وشجب واستنكار صدرت عن الصم البكم العمي الذين بادروا إلى إدانة الجريمة المهزلة المدبرة والمفتعلة وأغمضوا أعينهم عن المجزرة  الحقيقية المجزرة الضخمة التي تدور رحاها على شعبنا الحر الأبي منذ أكثر عامين ..

لقد حصحص الحق ، وأسفر الصبح ، وها هو المجرم يلعب أوراقه الأخيرة . وسيعلم نتنياهو وشريكه بشار  أن عصا موسى التي أصبحت بيد الشعب السوري ستلقف كل ما يأفكون ..

لندن : 24 / جمادى الآخرة / 1434

5 / 5 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (حلقة 19)

محاولة جاسم علوان الانقلابية وأسبابها وسر فشلها

محمد فاروق الإمام

نتابع في هذه الحلقة شهادة الرفيق أحمد أبو صالح وهو يكشف فيها المآسي التي كانت تدور من خلف ظهر القيادة السياسية، والمؤامرة التي حبكها بدقة أعضاء اللجنة العسكرية لتصفية الضباط الناصريين.

أحمد منصور: انسحب الوزراء الناصريين والقوميين من الحكم بعد 27 أبريل (نيسان) 63، وأضيفت لك وزارة المواصلات إلى جوار الأشغال العامة، أصبحت وزير مواصلات وأشغال عامة، شكلت حكومة جديدة لصلاح البيطار في 14/5، وشكلت محاكم الأمن القومي في 24/4، بعد ما مسكتم بأسبوع، قفلتم الجرايد، شكلتم محاكم أمن قومي، كل يوم والثاني تفنشوا في الضباط بتهم إنه هم بيشكلوا خطر عليكم، و18 يوليو (تموز) 63 قام جاسم علوان بمحاولة انقلابية لصالح جمال عبد الناصر، لكنها فشلت، أيه أسباب المحاولة؟ وأيه سر فشلها؟

أحمد أبو صالح: قبل ما آتي على ذكرها، أروي لك قصة وبإيجاز.

أحمد منصور: تفضل.

أحمد أبو صالح: أنا في اللاذقية وفي بيت عبد الحليم خدام، اللي عم بيشغل الآن منصب نائب رئيس الجمهورية في سورية، جمعنا عدد كبير من البعثيين السابقين، وطلبنا إليهم أن يعودوا إلى الحزب، يجددوا انتسابهم إلى الحزب، انبرى أستاذ رياضيات اسمه محمد بوستنجي، قال لي أستاذ أحمد أنت شو عم تحكي، بلا حزب بلا كذا، قلت له خير إنشاء الله، قال لي أنا أخوي مشلول بسجن المرضى في المزة، نقيب، شاب مثل الجمل مشلول، ومزتوت هناك وما عم يسمحوا لنا نعالجه أصلا، وبتجي بتطلب مني أنا أرجع لحزب قيادته بيد جزارين، و.. و.. وإلى آخره، أنا أسقط في يدي يعني ما عاد فيه عندي شيء أحكيه غير إنه أوعد بمعالجة هذا الإنسان، رجعت أنا لدمشق يا سيدي، أصريت على زيارته، استجابوا بالمحصلة، رغم رفضهم بالأول، ما بدهم أطلع على الحقيقة، رحت بعد ما زرته ووعدته، بأنه يتعالج مو على نفقته على نفقتنا، وإذا ما بعتوه يتعالج بألمانيا، أنا سأستقيل، وأنا طالع من غرفة هذا المسكين خالد بوستنجي النقيب خالد، وإذ أشوف ناس بالكريدور (الممر) عم يتمشوا، وزراء كانوا معانا بالوزارة، أستاذي في الجامعة عبد الوهاب حومد ويمكن يكون حي يرزق حتى اليوم، كان بالسجن، شفت نائب رئيس مجلس الوزراء اللي ذكرت اسمه نهاد (القاسم)، ذكرت اسمه قبل شوي هلا باتذكر لك اسمه مرة ثانية، هذا اللي كان نائب رئيس مجلس وزراء.

أحمد منصور: مين.. خيرة الناس حطيتوهم بالسجن.

أحمد أبو صالح: وعبد الصمد السيد.

أحمد منصور: وامتهنتم كرامتهم.

أحمد أبو صالح: لا وبدون علم، يعني مع وزراء، يعني أنا بافهم إنه إذا..

أحمد منصور: أنت وزير في الدولة ما تعرفش.

أحمد أبو صالح: وما بعرف أنا وزير بالدولة.. عضو قيادة.

أحمد منصور: وعضو مجلس قيادة ثورة.

أحمد أبو صالح: أيه وما بعرف.

أحمد منصور: وعضو قيادة قطرية.

أحمد أبو صالح: صح.. صح.

أحمد منصور: يعني في إيدك 500 منصب.

أحمد أبو صالح: صح.

أحمد منصور: وما تعرفش، أمال مين اللي يعرف؟

أحمد أبو صالح: وما بعرف، اللي حدث كمان عملت نفس الشيء، إنه هلا دكتور تتصل بزوجتك، ولا أنت مسكوك في البيت، قال لي أبو طموح بلا.. يعني أنا.. أنا باحبك وباقدرك بس يعني الشغلة مو بإيدك، طالما أنت ما كنت عارف، فالشغلة معناها مو بإيدك، فشلون بدك تخليني اتصل بزوجتي، أنا اتصلت، بإصرار منه، إذا بدك أنت اتصل، قلت لها إنه الدكتور جاي، بالنسبة لنهاد هذا، هلا.. المهم رجعت أنا يا جماعة، لأما وصلت الأمور لدرجة إنه اللي كانوا معنا بالأمس القريب وزراء ومحترمين، ومقدرين على علمهم وعلى.. وعلى فهمهم، وعلى ما ضيهم وعلى تجربتهم وإذا هم الآن موجودين بالمزة، فما بقبل إلا بيطلعوا اليوم، أو أنا ماشي، فأصبحت بالنسبة إليهم إنه اللي بيشكل خطر من المدنيين عليهم هو أنا، لأنه في عدد كبير من الضباط عرفوا هم على أنه علاقتهم في  مباشرة، وقوية جدا جدا، وبقيادة العقيد محمود الحاج محمود، اللي كان في مجلس قيادة الثورة، ومسؤول المخابرات، وهو من قرية اسمها كفر كريجه.. عفوا من .. المهم من قرية جنب حلب - شايف - لذلك كان يطولوا بالهم واستجابوا، وبالفعل أفرجوا عنه، بس كثيرين، فيه قصة طارق الزيات، بعثي ضابط في المطار، أخذه حافظ الأسد حطه في الضمير، هدموه، حطموه من .. من التعذيب، لولا يجي عمه جوز أمه، لأن أبوه ميت ويقول لي إلي، إنه طارق موجود بالسجن بالضمير عند حافظ الأسد، يجوز يموت وما حدا يوصل له خبر، وكثيرين على هذه الشاكلة أنا باقول لك، كثيرين على هذه الشاكلة.

أحمد منصور: من المجرم إذن في حق الشعب؟

أحمد أبو صالح: نحنا، جاسم علوان عندما قام بمحاولته.. نحن مو أنا، مو شرط أنا، أنا باحكي باسم ها الشخصية، هاي المجرم اللي.. اللي حاكمته سورية، كلهم بيعرفوا إنهالساعة 11 بـ 18 تموز. بدهم يتحركوا الناصريين،  كلهم بيعرفوا لأنه كانوا ملغومين بضابط نصيري اسمه (محمد نبهان).

أحمد منصور: فعلا محمد نبهان كان مخترق للناصريين؟

أحمد أبو صالح: كان أيش؟

أحمد منصور: كان مخترق لهم؟ 

أحمد أبو صالح: طبعا أساسي وقائد في صفوفهم كمان، وبعدين خوفا عليه بعتوه على الجزائر، فهو اللي نقل الأخبار، وعندما أتى صلاح الضلي (رئيس محكمة الأمن القومي) جاب الأحكام على جاسم علوان ورائف معري ومحمد النبهان وإلى آخره، ويمكن جابهم لأخذ موافقة مجلس قيادة الثورة على إعدامهم، فكان في نقاش، و.. محمد النبهان.. محمد عمران بيقول إذا بدكم تعدموهم، شيلوا اسم محمد النبهان، أنا ما كنت أعرف قصة إنه هو اللغم كذا، قلت له بالله ليش أبو ناجح نشيل محمد نبهان؟ قال الإخوان بيعرفوا، يعني مين الإخوان بقي صلاح جديد، وأمين الحافظ العسكر، قلت له يا أخي أنا بدي أعرف، أنا.. أنا كمان موجود، وعم بتحمل مسؤولية، وقال هذا نحن داسينه في صفوف الجماعة، وعم بينقل لنا الأخبار، وهو اللي جاب لنا ساعة الصفر، قلت له هاي أكبر جريمة، إنه نحن نعرف ساعة الصفر، وليه نعتقل الناس ونحاكمهم، وننتظر لحتى يبدءوا بالتنفيذ من شان ننتظر.

أحمد منصور: وتعملوا مجزرة.

أحمد أبو صالح: قتلهم وحرام وكذا.

أحمد منصور: وتعملوا مجزرة.

أحمد أبو صالح: أيه ولذلك بعدين ما تم إعدامهم.

أحمد منصور: عدد الضباط اللي قتلوا قد إيه؟ 40 اللي قتلوا في هذه المجزرة.

أحمد أبو صالح: ما بعرف، بس بعرف فيه عدد منهم راحوا من دون محاكمة، وهاي..

أحمد منصور: وطبعا حطيتوا كل السلطات.

أحمد أبو صالح: فهاي من أسباب.. استقالة لؤي الأتاسي، للتاريخ هذا الإنسان وقت اللي جابوا الأضابير، وهذا يعني.. إنه محاكمات ميدانية، قال (يقصد لؤي الأتاسي) أنا شخصيا خلاص.

أحمد منصور: أصبح أمين الحافظ الحاكم العرفي، حتى خليتوه وزير داخلية، ووزير دفاع، ورئيس أركان وحاكم عرفي، وما خلتوش منصب في ذبح و..

أحمد أبو صالح: وبعدين صار.. وبعدين صار رئيس وزراء.

أحمد منصور: وبعدين رئيس وزراء، وبعدين رئيس جمهورية.

أحمد أبو صالح: أيه.

أحمد منصور: ما سبتوش حاجة فيها جذر وذبح إلا حطيتوها في أيده، وتخلوا الأحكام تصدر، وهو يمضي عليها.

أحمد أبو صالح: نعم.

أحمد منصور: طالما كما تقول إن أمين الحافظ لم يكن حتى يقرأ ما يوقع عليه إلا بالصدفة كما تقول، وأنا سجلت معه شهادته على العصر.

أحمد أبو صالح: وخطاباته يقرأها، بس وهو بالسيارة راح تكتب له أنا أو.. غيري أو منذر الموصلي هذا النائب بمجلس الشعب، يقول له.. ما هو مسكين، يقول له كثر له من هادول أبيات الشعر الجاهلية، ذكر لي مرة هيك بيخطب بيؤشر على مصر، بيقول لعبد الناصر والله يا صاحبي لو تعلي علي بشبر لأعلي برأسي لأنطح الغيمة هادول المساكين البسطاء، تصفيق حاد وما.. اللي مو عارفين إنه بيقصد عبد الناصر، يعني شغلة خطيرة.

أحمد منصور: بعد فشل طبعا اللي كان بيحصل بين مصر وسورية كان عبارة كما وصف من بعض المؤرخين عن محاولات معارك عبثية تقوم بها أكبر دولتين، من المفترض أنهما تواجهان إسرائيل، إسرائيل لم يكن لها حسابات لا عند عبد الناصر ولا عند السوريين، السوريين كل مجموعة بتحاول أن ترتب حالها، وعبد الناصر يرتب انقلاب على السوريين، فشلت المحاولة الانقلابية، وأعلن عبد الناصر في 22 يوليو (تموز) 63 عدم التزامه بميثاق الوحدة، اللي كان وقع عليه وما حدش التزم به أصلا، وقال.. شن هجوم على حزب البعث وقال: الأيام أثبتت أن سياسة البعث مجرد أساليب ملتوية، رخيصة، قائمة على المساومات، وأن قيادة البعث أرادت اقتسام مناطق النفوذ، فتسيطر هي هناك وتكون لنا منطقة نفوذنا.

هل كان عبد الناصر صادقا فيما وصف به البعث؟ باختصار شديد..

أحمد أبو صالح: يعني يكون عم أضحك على نفسي إذا قلت إنه عبد الناصر كان صادقا، يعني عبد الناصر الكلام اللي حكاه الآن، حزب البعث العربي الاشتراكي إلى حد كبير صحيح.

أحمد منصور: في 27 يوليو (تموز) 63 استقال لؤي الأتاسي من رئاسة الدولة، احتجاجا على ما قمتم به، واختير أمين الحافظ رئيسا، فترة رئاسة أمين الحافظ حدث فيها أحداث كثيرة، من أهمها أحداث حماة 64، وقضية الجاسوس (إيلي كوهين)..

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 20)

الطلاق البائن بين البعثيين والناصريين

محمد فاروق الإمام

أحمد أبو صالح في هذه الحلقة يميط اللثام عن الطلاق البائن بين رموز الوحدة الصادقين وبين البعثيين أصحاب شعار الوحدة المروجين لها ظاهراً والمقطعين لأوصالها حقيقة.

أحمد منصور: في 27 يوليو (تموز) 1963 استقال لؤي الأتاسي من رئاسة الدولة، واختير أمين الحافظ مكانه ليضم إلى جوار رئاسة الدولة وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، لماذا استقال لؤي الأتاسي؟

أحمد أبو صالح: إنصافا للحقيقة لؤي الأتاسي كان وحدويا، ويطلق عليه بأنه من أشد الناصريين حماسة لإعادة الوحدة بين سورية ومصر، وبدليل أنه شارك جاسم علوان في عصيان حلب في أول نيسان 1962 فعندما أتوا في أضابير ملفات الذين نفذ فيهم حكم الإعدام بطلب الموافقة عرف بأن حكم الإعدام قد نفذ..

أحمد منصور: بالفعل.

أحمد أبو صالح: بالفعل، وأتوا بالأضابير كغطاء لهذه الجريمة النكراء، استنكر ذلك..

أحمد منصور: وهو رئيس الدولة ولا يعرف.

أحمد أبو صالح: وهو رئيس الدولة ولا يعرف، فتقدم باستقالته انسجاما مع كونه وحدويا، وأن الوحدويين هم الذين تعرضوا للقتل و..

أحمد منصور: تذكر كم عدد الذين حكم عليهم بالإعدام أو الذين أعدموا؟

أحمد أبو صالح: أنا شخصيا كنت أظن أن العدد كبير، ولكن بعدما قرأت في بعض المصادر..

أحمد منصور: قرأت، ويعني أنت في الحكم وما عرفتش العدد بالضبط..

أحمد أبو صالح: لأ ما بعرف العدد.. بالعشرات، الشيء اللي قرأته..

أحمد منصور: فيه مصادر قالت إن هم أربعين ضابط.

أحمد أبو صالح: أربعين أيوه أنا هذا يمكن اللي قرأته، لكن كنت أظن أن العدد…

أحمد منصور: والرئيس أمين الحافظ أيضا قال إن العدد يعني لا يزيد على ذلك، وإنه عفا عن البعض.

أحمد أبو صالح: عفا، لم يصدر ذلك غير صحيح، إنه..

أحمد منصور: لا كده عفو.. هو أنتم كان عندكم حاجة بتصدر..

أحمد أبو صالح: لا.. لا، كان يدخل السجن وإذا استجار به أحدهم..

أحمد منصور: أجاره.

أحمد أبو صالح: أجاره، نعم، يعني على الطريقة الجاهلية.

أحمد منصور: على طريقة نظام الحكم..

أحمد أبو صالح: على طريقة نظام الحكم، أما بالنسبة لأمين الحافظ وإسناد رئاسة الدولة..

أحمد منصور: ده كان سؤالي التالي لماذا أمين الحافظ؟

أحمد منصور: مع الأسف الشديد كنا في ذلك الحين نعتقد أن المرحلة تحتاج إلى عسكري لرئاسة الدولة، عسكري لأن هيبة أكثر من أن يكون الرئيس مدنيا، تعودنا على ذلك..

أحمد منصور: الرئيس المدني عندكم صار بيشتغل موظف عند العسكر.

أحمد أبو صالح: صار بيشتغل موظف عند العسكريين.

أحمد منصور: يقولوا له روح البيت يروح، تعال يجي!

أحمد أبو صالح: يؤسفني أن أقول أيضاً بأن أول من اقترحه ميشيل عفلق، وثنى على اقتراح ميشيل عفلق الأستاذ صلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي، وأنا كنت موافقا طبعا لسببين لأنني مقتنع برأي الكثرية، وثانيا: أنا اعرف أمين الحافظ، ولكن ليس كما أعرفه الآن، كنت أظن أنه أكثر تركيزا، أكثر انضباطا، أكثر فهما، أكثر وعيا، لكن مع الأسف الشديد تبين أنه ضابط شجاع منضبط كعسكري، ولكن لا يصلح لأن يكون رئيس دولة.

أحمد منصور: أنت قلت مع الأسف اقترحه ميشيل غفلق، ايه مع الأسف؟

أحمد أبو صالح: لأن ميشيل عفلق يفترض في اذهان كثير من البعثيين وغير البعثيين بأنه رجل حكيم بعيد النظر.

أحمد منصور: بس أنت رأيك كان في ميشيل عفلق غير كده من أول مرة شفته سنة 49؟

أحمد أبو صالح: صح، بس أنا أقول كان قائم في أذهان كثير من البعثيين وكثير من الناس اللي سمعانين بميشيل عفلق بأنه رجل حكيم، ورجل رزين، ورجل بعيد النظر وإلى آخره.

أحمد منصور: لكن الحقيقة..

أحمد أبو صالح: لذلك الآن باقول إنه أنا يعني أستغرب إنه في ذلك الحين أول من رشح أمين الحافظ هو ميشيل عفلق.

أحمد منصور: طبعا اتكلمنا عن قضية تسريح الضباط وكيف كان أمين الحافظ يوقع على القوائم التي كانت تأتي من صلاح جديد، وكان هناك تركيز على تسريح الضباط السنة بشكل خاص من الجيش، وأنتم الذين سرحتموهم، وأنتم الذين تتحملون هذه المسؤلية وليس أحدا آخر، وأنتم الذين تسببتم في الطائفية من ثم بمثل هذه التصرفات.

أحمد أبو صالح: هذا يعني صحيح إلى حد كبير جدا.

أحمد منصور: ما بحماكش لوحدك، لكن أنت كنت عضو في مجلس قيادة ثورة وكنت وزير مسؤول..

أحمد أبو صالح: صح.. صح هذا.. هذا صحيح جدا، لأن حزب البعث العربي الاشتراكي من أحد الأركان الذي ارتكز عليها أثناء تأسيسه وممارسة بعض أوجه نشاطاته بين المثقفين والطلاب وإلى آخره كان يزعم - وهذا مدون في صلب المنطلقات النظرية - إنه حزب البعث العربي الاشتراكي جاء ليئد الطائفية والعائلية والقبلية والعشائرية وإلى آخره، وقد تبين أن هذا غير صحيح، يعني نحن لم نأت لنئد الطائفية والعشائرية والقبلية، وعلى العكس جئنا نحن بنفس طائفي، يعني الناس الذين كانوا يحكمون فعلا هم من غير السنة، وبالدرجة الأولى كانوا من الطائفة النصيرية.

أحمد منصور: كان من كله، كان فيه دروز..

أحمد أبو صالح: أيه..

أحمد منصور: شبلي العيسمي كان درزيا..

أحمد أبو صالح: ومنصور الأطرش درزي، وحمود الشوفي درزي.. أحمد منصور: وميشيل عفلق كان مسيحي.

أحمد منصور: محمود نوفل درزي، وحمد عبيد درزي صح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا بدها حنية!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 8/5/2013

لفتت نظري في الآونة الأخيرة تلك الثروة من الأفكار الذكية والمفردات الرائعة التي بلورها خلال الثورة أناس لم يسبق لأحد منا أن سمع بأسمائهم، وصاغها سكان قرى وبلدات كنا نجهل وجودها، ونظن أن مجهولي الهوية الذين يعيشون فيها يفتقرون إلى الثقافة والوعي السياسي، وربما إلى حس الدعابة أيضا، فهم على الجملة فلاحون خشنون أبناء أرياف نائية، بعيدة عن المناطق التي تصنع الأحداث أو تعيشها.

لكنني وقعت قبل أيام على صفحة في «فيس بوك» وضع صاحبها لها شعارا يقول «سورية بدها حنية»، وهي جملة خلت أنها تكمل الجملة الشهيرة والرائعة التي أطلقها مجهول آخر أبرزته الثورة هو شهيد الحرية إبراهيم القاشوش، التي قالت: «سورية بدها حرية». من الجلي أن الجملة الأولى تتلاعب بكلمات الثانية، دون أن تتنازل عن مطلبها، الذي هو الحرية، وأنها تضيف إليها بعدا إنسانيا يعبر أفضل تعبير عن واقع حال السوريين، الذين عوملوا بطرق مفعمة بالفظاظة والقسوة، حذفت مطلب الحرية من قاموسها وما يدخله إلى علاقات البشر من تراحم وتواصل، بحيث صار من الضروري تذكير الناس بهذا البعد الإنساني والأخلاقي من أبعادها، والمطالبة بـ«الحنية» باعتبارها جزءا من مطلب الحرية، بعد أن حرم الشعب خلال نصف قرن من أي مظهر من مظاهر التعاطف السلطوي معه، وتعرض لوحشية لا تبررها سياسة أو مصلحة، ووجد البشر أنفسهم في عالم عبثي ينكر حتى حقهم في الوجود، لا مكان لهم فيه ويستخدم ضدهم كل ما بحوزته من مستلزمات الهمجية، التي يوظفها ضدهم في جميع أماكن عيشهم، وحتى في معازلهم الجبلية النائية، التي ظنوا أنها تضعهم خارج قبضة العنف، وها هم يكتشفون أن حكامهم خصوا كل واحد منهم بصاروخ يحمل أطنانا من المتفجرات، وزنه 11 طنا، وينقض عليهم بسرعة تعادل 6 أضعاف سرعة الصوت، ليقتلعهم من جذورهم ويبددهم ويجعلهم هباء لا يترك وراءه أثرا.

يحدث هذا لمن تطاله كذلك المدافع والرشاشات والبنادق والراجمات، وتسحق بيته وأرضه وأدواته الزراعية وممتلكاته الدبابات والجرافات، ويعتقل أولاده وبناته مقتحمو قراه الذين يروعونه ويقتلونه بحجة أنه إرهابي ينضوي في عصابة مسلحة، مع أن بعض هؤلاء كثيرا ما خرجوا والدموع في أعينهم، التي رأت أن القوم لم يكونوا غالبا مسلحين، بل مسالمون، ولم ينخرطوا في عصابات، وتعرضوا دونما ذنب جنوه لإيذاء مفرط ولا مسوغ له، عرضهم وأسرهم لظلم لا مكان للرحمة أو للتسامح فيه، يبطش بهم لمجرد أنهم طالبوا بالحرية البارحة ويطالبونه اليوم بعلاقة تقوم بين أرحام ومتحابين يسمونها «الحنية».

صحيح أن «سوريا بدها حنية»، وإلا فإن إعادة إعمارها لن تتم، وشعبها الممزق لن يستعيد لحمته، ومدنها وقراها وبلداتها المدمرة لن تسترد ألقها وجمالها، وبشرها لن يبتسموا من جديد، ولن يغنوا للحياة ويفلحوا أرضا أو يرعوا غنما أو يحيكوا ثوبا أو يزرعوا شجرا أو يقيموا جدارا أو يغازلوا حبيبة، أو يشعروا بالابتهاج لأن شمس الله تشرق عليهم وعلى سائر خلقه. «سوريا بدها حنية»، ليكون بوسعها أن تغفر للعالم جريمة صمته على مأساتها، وتجاهله موتها، وسكوته على ما نزل بها من دمار وإذلال، ورفضه مطالبتها بالحرية، مع أنه لا يقلع عن التشدق بها وبضرورة أن تكون لجميع البشر غير السوريين على ما يبدو، وإلا لكانت سوريا على رأس ملفات دول تحدثت عنها يوميا طيلة أكثر من عامين، دون أن تدرجها يوما واحدا على جدول أعمالها، وحين بدأت تتعامل معها جديا في الآونة الأخيرة، حولتها إلى قصة إرهاب، كأنها ترفض رؤية الظلم الواقع على شعبها الذي لم يمارس الإرهاب ولم يشارك فيه ولو مرة واحدة، أو كأن قتله مسألة مقبولة بحجة أن موقفه ليس على المزاج!

يبدي السوريون قدرا هائلا من «الحنية»، بعضهم حيال بعض. لولا «حنيتهم» لما كانوا صمدوا خلال هذه الحرب الضروس التي تشن عليهم بلا حدود أو قيود. ولولا «حنيتهم» لما بقي الملايين منهم أحياء، ولولاها لما وجدوا طعاما ودواء، ولما عمل مئات آلاف الشابات والشبان ليلا ونهارا في الإغاثة، وعرضوا أنفسهم لخطر الموت بالرصاص أو تحت التعذيب، وتركوا كل شيء وكرسوا حياتهم لخدمة أناس لا يعرفونهم، ولم تكن لهم علاقة معهم في أي يوم قبل الثورة. أخيرا، لولا «حنية» وتراحم السوريين لنشبت حرب طائفية/ أهلية استمات النظام لإشعال نيرانها في كل مكان، ولكانت سوريا اليوم قد غدت أثرا بعد عين.

«سوريا بدها حنية»: سوريا ستكون أكثر الدول حنانا على البشر، لأن الظلم والقسوة القاتلة علماها معنى وأهمية «الحنية»، ولأنها ستنجو بجلدها وتدافع عن نفسها بفضل «حنية» لا حدود لها، يعوض السوريون بعضهم بعضا بواسطتها عن فظاعة وإجرام عالم يسعد بموتهم!

«سوريا بدها حرية» تعني اليوم «سوريا بدها حنية»!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الكيماوي» السوري فتنة إقليمية

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 2/5/2013

لا أخضر ولا أحمر. أوباما لن يتسرع ولن يتفرج... ليس مبالغة القول انه لا يعرف من أين يبدأ مسعىً جديداً لإعادة تعريف «الخط الأحمر» الذي أطلقه للفصل بين مرحلتين: الكر والفرّ بين الجيش السوري وقوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة، بما فيها «الجيش الحر» والإسلاميون و «جبهة النصرة»، وانتقال النظام إلى الحسم العسكري بالأسلحة الكيماوية. إنهما مرحلتا الإبادة بالتقسيط والإبادة بالجملة، بصرف النظر عن طروحات رأس النظام ورؤوس المتهمين بتنفيذ «المؤامرة» لتدمير سورية.

وحال الرئيس الأميركي بين المرحلتين، هي ورطة الحائر الذي «يجاهد» لتفادي السقوط في الكابوس العراقي (تجربة الغزو) مجدداً، ولا يعلم أي ضغط يُجدي مع النظام في دمشق- إذا استُثني الخيار العسكري- لإرغامه على بدء عملية سياسية انتقالية. حال أوباما انه يتفرّج مرغماً، لا يريد أن يكون مشاهداً، لكنه لا يقوى على دور اللاعب. لا يصل الى «الخط الأحمر»، لكنه يراوح عند الخط البرتقالي، ويواظب على تحصين موقعه «الأخلاقي» إزاء مأساة السوريين، بتوجيه النصيحة القديمة الى الرئيس بشار الأسد ليتنحى.

بين مرحلتين، تؤكد قوى الثورة أن سورية باتت في ثانيتهما، لا يتبدّل شيء في عنف المأساة، ولا العنف يزحزح تردد أوباما و «حكمته» في التريث الذي يوحّد الأميركيين والأوروبيين وراء مبدأ «سورية ليست ليبيا». ولأن الأمم المتحدة لن تتدخل بالقوة لتحقّق في استخدام أسلحة كيماوية، يبقى «الخط الأحمر» في عهدة واشنطن، فيما الروسي والإيراني يحولان دون تجفيف شرايين النظام الذي أعطى خلال الأسابيع القليلة الماضية مؤشرات كافية إلى «صموده» في حملة الهجوم المضاد، بقرار إيراني ورعاية إيرانية- روسية.

وإذا كان صحيحاً أن «الخط الأحمر» يترنّح أحياناً، بمحاولات لاختباره، لمصلحة النظام، فالصحيح ايضاً أن المحور الروسي- الإيراني ومعه قوى «الممانعة» أو ما بقي منها، تغني الجيش السوري و «نخبه» عن اللجوء إلى ضربات كيماوية. وهكذا لا يتبدّل شيء، إلا في عدد الضحايا، وفي مزيد من اندفاعة دمشق نحو القوّة المفرطة وقصف المدن بالصواريخ.

ولكن، هل تبخّرت أحلام المعارضة وطموحات الثورة؟ وهل تفجير سيارات مفخّخة في العاصمة نتاج إحباطٍ بعد تلك الاندفاعة؟ ألا تسفر التفجيرات عن مزيد من التوجّس الغربي من تسليح المعارضة، واحتمالات نسخ عضلات المتشددين والمتطرفين؟ أسئلة باتت كلاسيكية، فيما الكابوس يقترب، باحتمالات تكرار محنة بلاد الرافدين معكوسة: العراق في ظل الاحتلال الأميركي كان حاضنة للنفوذ الإيراني الذي انقلَب حاكماً، برعاية أمر واقع... أميركي! في نكبة سورية، تتجدد شرايين الاستبداد، وتُغذّى أوردة التطرف كلما طال الصراع، من دون تدخل دولي أو غربي. وكلما طال، تعززت أرجحية التفتيت والتقسيم.

المفارقة اليوم أن نوري المالكي الذي يتّهم معارضيه بالإرهاب، لا يرى خطراً على العراق إلا من «التحديات الطائفية» للنكبة السورية... وأن «البعث» في دمشق وحكم ما بعد «البعث» في بغداد، هما الجناحان «الضحية» لـ «المؤامرة الإرهابية». وعلى عكس تأتأة الغرب في التعاطف مع الثورة السورية، وشروط أوباما للانتقال من الخط البرتقالي الى الخط الأحمر، حسمت إيران أمرها لإنقاذ «الضحية».

بهذا المعنى، يصدُق قول الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله أن «المعركة طويلة» في سورية، ما دام المُعارِضون المسلّحون عاجزين عن إسقاط النظام. ويصدُق قوله خصوصاً لأن لسورية «أصدقاء لن يسمحوا بأن تسقط بيد أميركا أو إسرائيل أو الجماعات التكفيرية». هو إذاً إعلان صريح بأن الأصدقاء حسموا قرارهم: نظام الأسد لن يسقط. وأما الإشارة إلى عدم وجود قوات إيرانية في سورية «حتى هذه اللحظة»، فتبدو تلويحاً باستعداد محور الأصدقاء لهذا الاحتمال.

المعركة طويلة، احتمال مرجّح، تدعمه وقائع المذابح والتهجير، والتدمير الشامل. ذلك كلّه سهلٌ خصبٌ للجماعات التكفيرية التي يدينها حديث السيد حسن نصرالله، وترفضها غالبية السوريين. لكن ما لم يُجِب عنه الأمين العام لـ «حزب الله» من هواجس اللبنانيين وقلقهم من رياح الفتنة، هو ما إذا كانت اندفاعة الحزب مع محور أصدقاء النظام السوري، قادرة على منع لهيب الفتنة من تخطي الحدود، فيما لبنان معلّق على حِبالها... على لائحة الانتظار المرير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية وقلق المصير

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 3/5/2013

يتذكر السوريون ما قرؤوا في كتب التاريخ عن الغزو المغولي والصليبي وعن الانتداب الفرنسي، فلا يجدون شبيهاً لما يعانون منه اليوم من أساليب القتل والإبادة الجماعية التي تستخدم فيها أسلحة لم تتوافر من قبل للغزاة، مثل "سكود" وبراميل المتفجرات وطائرات الميغ والسوخوي، وأشد من ذلك حالة الحقد والكراهية التي لم يصل إليها الغزاة الصليبيون ولا المغول، ولا الفرنسيون الذين بات السوريون يقارنون بين ثورة الأجداد ضدهم، وبين ثورتهم الراهنة لإصلاح النظام قبل المطالبة بإسقاطه، فيغبطون أجدادهم لأن الفرنسيين لم يفعلوا يوماً مجازر جماعية كالتي تحدث الآن، ولم يذبحوا أطفالاً ويحرقوا أحياء، وما يحدث من فظائع تقشعر لها الأبدان، هي عنف يستدعي عنفاً مضاداً يغرق البلاد في نهر دم، وتتسع ساحاته لتستقطب محاربين من كل حدب وصوب.

ولقد بدا التدخل الخارجي في المصير السوري مثيراً لمخاوف السوريين من أن تصير سوريا هدفاً لكل طامع بسلطة أو نفوذ، فالإيرانيون يحاربون الشعب السوري علانية، ويخوضون المعارك ضد شعبنا كأنه قد ثار عليهم شخصياً، و"حزب الله" الشيعي نسي عداءه لإسرائيل، وصار الشعب السوري ذو الغالبية السنية عدوه الأوحد، ومقاتلو "حزب الله" يقاتلون بضراوة لم يقدموا مثلها في معاركهم ضد إسرائيل، ففي سوريا تمكنوا من احتلال العديد من القرى، ومن قتل الآلاف من السوريين، وأكثر ضحاياهم من النساء والأطفال الآمنين في حملة الإبادة والترويع والتهجير التي يريد الحزب من خلالها تغيير الطبيعة السكانية لتحقيق أهداف يطمح لتحقيقها عبر تغيير خريطة سوريا ولبنان والعراق. وأما التدخل الروسي فهو يبدو بالوكالة عن إسرائيل، وبالتفاهم مع دول كبرى باتت تبحث عن ذرائع لتبرير خذلانها للشعب السوري، وتلكئها في دعمه إنسانياً، وهذا ما جعل السوريين يشعرون بأن ثورتهم يتيمة، وأنهم بلا سند وبلا معين غير الله، وقد وجدت روسيا في الثورة السورية فرصة سانحة كي تعود إلى المسرح الدولي الذي لعبت فيه لعقود خلت دور الكومبارس، وها هي ذي تبحث عن دور بطولة عالمي على حساب دم الشعب السوري، وقد بلغ التدخل حد تصريح خطير أعلن فيه لافروف أن روسيا لن تسمح للسنة أن يصلوا إلى السلطة في سوريا!

ثم يأتي التدخل العراقي الذي بات نذير مستقبل دموي لأهل السنة في العراق أيضاً، فالتصريحات الأخيرة عن تجهيز جيوش شيعية عراقية تستعد لغزو أهل السنة في سوريا يضع أهل السنة في العراق في موقف حرج، يشابه الموقف الذي يعانيه أهل السنة في لبنان حين وجدوا أنفسهم مضطرين لدق جرس الخطر، بعد أن نأوا بأنفسهم عما يجري في سوريا، ولكنهم وقد رأوا "حزب الله" يخوض حرباً شيعية ضد السنة تحديداً في سوريا باتوا مضطرين لفعل شيء حتى وإن كان دعوات إعلامية للقتال. والسوريون عامة عبروا عن شكرهم لكل من يساندهم لإيقاف شلال الدم، وأعلنوا أنهم لا يريدون رجالاً يدافعون عنهم، وإنما هم يريدون دعماً لوجستياً فقط لمواجهة الوضع الإنساني المرير الذي بات فاجعة كبرى أمام أعين العالم كله. ولابد من أن تحرض هذه التدخلات الأجنبية الكثيفة ضد الشعب السوري كثيراً من الناس الذين هرع بعضهم لنصرة هذا الشعب، واستغل بعضهم حالة الفوضى والدمار فأعلن عن أفكار لا شأن للثورة بها، ولا هي من أهدافها، فالثورة لم تقم من أجل إقامة دولة دينية، ولا من أجل إعلان خلافة إسلامية، ولا شأن للسوريين بتنظيمات "القاعدة" وسواها، ولم ينسَ أحد أن الثورة بدأت بهتافات تطالب بإقالة رئيس فرع أمن، ثم صعدت للمطالبة بإقالة محافظ، ثم تطورت إلى المطالبة بإصلاح النظام، وحين جاء الرد دموياً طالب المتظاهرون بإسقاط النظام، وأعلنوا أنهم يبدؤون ثورة الحرية والكرامة، ويطالبون بدولة مدنية ديمقراطية، وهذا ما يتفق عليه السوريون جميعاً، وأما الصبغة الدينية للثورة فهي أمر طبيعي لأن المتظاهرين لا يجدون مكاناً للتجمع غير المسجد يوم الجمعة، وهم يتوقعون الاستشهاد برصاص القناصة و"الشبيحة"، وإزاء توقع الموت يرجع الناس إلى الله فيستعينون به، وهم بالطبع مسلمون، ولم يكن التكبير بدعة في حياتهم، فهم يقولون الله أكبر في كل حال وتصدح المآذن مرات كل يوم بهذا النداء الذي ظن بعض المحللين أنه يشير إلى رغبة المتظاهرين بإقامة دولة دينية على غرار دولة إيران، وهم ينسون أو يتجاهلون أن أهل السنة لا يؤمنون بولاية فقيه، وأنهم بناة الدولة المدنية الأولى في التاريخ الإسلامي، وهي دولة بني أمية التي كانت مدنية بكل معايير الدول، وهي منسجمة مع وثيقة المدينة المنورة التي أسست للبنية المدنية الشاملة لكل الأعراق والأديان في الدولة الإسلامية الأولى التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم الخلفاء الراشدون بعده بنظرية الحق الإلهي، وإنما سمى أبوبكر نفسه خليفة رسول الله، ولا يغيب عن أحد أن التاريخ الإسلامي قدم لنا كل أشكال الحكم، من الخلافة إلى الإمارة إلى السلطنة إلى الإمام العادل وإلى الحاكم المستبد، وحكم المجالس ثم إلى الجمهوريات، ولا يوجد شكل مقدس بين هذه الأشكال، وللمجتمع أن يختار ما تراه الأكثرية مع الحفاظ على حقوق الأقليات وضمان خصوصياتها في كل الحقوق والواجبات الوطنية ومشاركتها في كل الأمور التي تعني الوطن.

ولقد جاءت تمثيلية "البيعة للظواهري" لتشويه صورة الثورة السورية، ولإرباك الدعم الدولي لها، مثلما كانت محاولات تحويل مسارها إلى حرب طائفية أو أهلية، وهذا ما حرص الثوار على تجنبه، وهم مصممون على شعارهم "الشعب السوري واحد" وعلى مبدأ المواطنة التي هي وحدها الأساس في العقد الاجتماعي، كما جاء إصرار النظام على تدويل القضية السورية عبر الاستعانة بالأجنبي متمثلاً بإيران وروسيا و"حزب الله" وعراق المالكي، دافعاً لتبرير تدخل آخرين، على رغم أن داعمي الثورة السورية يبحثون عن حلول سياسية، ويقدم بعضهم الدعم الإنساني الذي لا ينساه السوريون في شتاتهم ومخيمات لجوئهم، وأهم الداعمين إنسانياً، الإمارات وقطر والسعودية وتركيا، وبعض الدول الغربية، وهي دول تعمل في إطار ما اتفقت عليه دول أصدقاء سوريا وما وافقت عليه هيئة الأمم، ولم تقطع كل هذه الدول علاقاتها مع النظام السوري لأنها لا تزال تأمل بحلول سياسية، ولكن الشعب الذي ينتظر حلولاً بات يشعر بقلق نحو المصير الذي قد تقود إليه الأحداث والتدخلات الدولية، وبات يخشى إن حدث تدخل دولي عسكري أن يتم تدمير ما تبقى من سوريا. لا سمح الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قراءة في خطاب نصر الله الاخير

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 3/5/2013

خلال شهر نيسان (أبريل) المنصرم، لقي أكثر من 3300 مواطن سوري حتفهم على يد قوّات النظام السوري الموالية، أو أجهزته الأمنية المختلفة، أو قطعان الشبيحة وميليشيات ما يُسمّى بـ’اللجان الشعبية’ المسلّحة، أي بمعدّل 138 مواطناً كلّ يوم، وفق إحصائيات ‘الشبكة السورية لحقوق الإنسان’. بين هؤلاء 377 طفلاً (بمعدّل 13 يومياً)، و176 قضوا تحت التعذيب (ستة معتقلين في اليوم). هل كان لهذه الأرقام أيّ حظّ في احتلال كلمة واحدة من إطلالة حسن نصر الله، الأمين العام لـ’حزب الله’، على شاشة المنار، قبل أيام؟ كلا، بالطبع، لأنّ مساحة التباكي على سورية انحصرت عنده في أفعال المعارضة المسلحة؛ وليس، البتة، في ما ارتكبه ويرتكبه النظام السوري من جرائم وحشية، كلّ يوم، بل كلّ ساعة.

وخلال الشهر ذاته، قصف النظام مئذنة الجامع الأموي الكبير في حلب، أحد أهمّ المواقع الأثرية والتاريخية الإسلامية في سورية، الذي يعود تشييده إلى سنة 96 للهجرة، 716 ميلادية؛ وقبل هذا كانت عمليات قصف أخرى قد ألحقت أضرارا بالغة بجدران الجامع، فهُدم بعضها أو تشقق أو احترق. وكانت أبشع واقعة تخريب ضدّ الجامع قد سُجّلت باسم إمبراطور الروم نقفور فوكاس، سنة 962 ميلادية؛ كما تعرّض لتخريب على أيدي التتار، بأوامر من هولاكو، عند اجتياح حلب سنة 1260.

وفي درعا، خلال شهر ابريل أيضاً، قصف النظام مئذنة الجامع العمري، ويُنسب بناؤه إلى الخليفة عمر بن الخطاب عند زيارته إلى حوران، وتُعدّ مئذنته الأولى التي تُشيّد في بلاد الشام؛ ومنه انطلقت التظاهرات الأبكر في درعا، ساعة انطلاقة الانتفاضة السورية هناك، يوم 18 آذار (مارس) 2011. فهل كان للمئذنتين حظّ، مقدار كلمة واحدة يتيمة، في حديث نصر الله المستفيض عن مقام السيدة زينب، وما يمكن أن يتعرّض له من أخطار على يد ‘التكفيريين’؟ أليس للجامع الأموي في حلب، وللجامع العمري في درعا، ‘حساسية مفرطة جداً وبالغة جداً’، كما يصف نصر الله حال المقامات الشيعية الشريفة الأخرى؟

هنا نموذجان، لا أكثر، على سوية انحياز نصر الله إلى صفّ النظام السوري، ليس في مسائل سياسية أو عسكرية (إذْ أنّ مواقفه في هذه الميادين ليست بحاجة إلى استقراء، فهي قديمة قاطعة، وثابتة راسخة… كما عبّر ويعبّر مراراً)؛ بل في مسائل إنسانية، تخصّ معدّلات القتل؛ ومسائل روحية تشمل المقدّسات والمقامات الشريفة عند أهل السنّة، الذين يحلو لنصر الله مساواتهم بأهل الشيعة؛ وثالثة رمزية، تخصّ تراث السوريين، وتاريخهم، وآثارهم. كان في وسع الأمين العام لـ’حزب الله’ أن يبدي الأسف، ليس أكثر، على الجامعَين والمئذنتَين، ما دام قد أتى على ذكر المخاطر التي قد يتعرّض لها مقام السيدة زينب؛ أو كان في وسعه أن يتبنى رواية النظام السوري، فيتهم ‘جبهة النصرة’، أو أي طرف ‘تكفيري’ داخل صفوف المعارضة السورية، بالمسؤولية عن الجريمتين، خاصة أنه تبنى رواية مرتزقة ‘لواء أبو الفضل العباس العراقيين، الذين يحتلون مقام السيدة زينب.

كان لافتاً، في المقابل، مقدار القصور اللفظي الذي طبع أقوال نصر الله في ثلاثة ميادين، جديدة على خطابه المعتاد بصدد الانتفاضة السورية، أو هي بالأحرى ليست جديدة إلا بمعنى اتصافها بضيق عبارة لم نتعوّده، ولم يعوّدنا عليه، الأمين العام لـ’حزب الله’.

ففي تبرير أمر ‘شهداء’ الحزب على الأرض السورية، تعمّد نصر الله اللجوء إلى صياغات غائمة، وتأويلات تبسيطية تماماً، تتوسّل تمويه المعاني الفعلية وراء عبارات مثل ‘مَنْ يستشهد منا نشيّعه علناً’، و’كلّ مَنْ سقط شهيداً منا في أي مكان من الأمكنة، خصوصاً هؤلاء الشهداء في الأسابيع الأخيرة ومن سبقهم من إخوانهم نعتز بهم’، و’نحن لا نخجل بشهدائنا، لا نستحي بشهدائنا، نحن نعتز بهم، نرفع رؤوسنا بهم’.

هذه بلاغة تحصيل الحاصل، كما قد يقول قائل، لأنها في نهاية المطاف تحشد سلسلة أفعال من طراز ‘نعتز و’لا نخجل’ و’لا نستحي’ و’نرفع رؤوسنا’؛ وقد تكون كلّ هذه المشاعر والاحاسيس وردود الأفعال تكررت بالفعل كلما وصل جثمان قتيل من قتلى ‘حزب الله’ إلى أهله.

لكنها مسألة أخرى أن يكون القتيل ‘شهيداً’، ومسألة ثالثة أكثر تطلباً أن يُطرح السؤال حول موقع استشهاده، لأنّ خطاب الحزب الرسمي ـ منذ تصعيد تدخله العسكري المباشر إلى جانب النظام السوري، في منطقة القصير تحديداً ـ تقلّب في توصيف حال هؤلاء القتلى، وتدرّجت أنماط المماطلة في توصيفهم: تارة قُتل هذا ‘خلال قيامه بواجبه الجهادي’، ولا نعرف أين، ولماذا (ولكنننا على يقين من أنه لم يستشهد على أية جبهة مع العدو الإسرائيلي)؛ وطوراً قُتل ذاك دفاعاً عن القرى ذات الأغلبية اللبنانية، ولكنّ الواقعة جرت داخل الأراضي السورية؛ ومؤخراً، استقرّ الحزب على ما يشبه رشوة أهل القتيل، بالقول إنه كان يدافع عن العتبات الشيعية الشريفة، في ظاهر دمشق (مقام السيدة زينب، مقام السيدة سكينة)! هذه، في أخفّ ما يليق بها من حكم قيمة، مخاتلة ومخادعة، تكتسب بُعداً أخلاقياً فاضحاً حين تصدر عن طرف يزعم احتكار روح المقاومة ضدّ إسرائيل، ويتفاخر بـ’الوعد الصادق’؛ أمّا في حكم قيمة أثقل، فإنها انحراف عن الحقّ إلى الباطل، واصطفاف خلف الجلاد ضدّ الضحية.

ميدان القصور اللفظي الثاني هو هذه العبارة العجيبة: ‘بالخط العريض ـ ومثلما يقولون ويكتبون في آخر البحث العلمي: فافهم وتأمّل وتدبّر ـ إنّ لسورية في المنطقة والعالم أصدقاء حقيقيين لن يسمحوا لسورية أن تسقط في يد أمريكا أو في يد إسرائيل أو يد الجماعات التكفيرية. لن يسمحوا، كيف؟

هذا تفصيله وتفسيره يأتي لاحقاً، وأنا عندما أقول هذا أقوله من موقع المعلومات والمتابعة التفصيلية وليس من موقع التكهن والتحليل والأماني’. لافت، أوّلاً، أنّ نصر الله قرأ هذه الفقرة تحديداً من ورقة أمامه، ولم يرتجلها، ممّا يوحي بأنّ الضرورة اقتضت نطقها بحذافيرها، كأنما قد اتُفق عليها نصّاً، ربما خلال زيارته إلى طهران واجتماعه مع الولي الفقيه علي خامنئي (نشر موقع ‘العهد’ الإخباري صورة فوتوغرافية تجمع خامنئي مع ‘الأمين العام لحزب الله حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله’، أعاد نشرها موقع ‘المنار’ أيضاً).

لافت، ثانياً، أنّ الفقرة تعتمد ذرّ الرماد في العيون حين تتفادى الحديث عن سقوط النظام، وتستبدله بتهديد حول عدم السماح بسقوط سورية في يد أمريكا وإسرائيل والتكفيريين؛ رغم أنّ المنطوق الفعلي للفقرة يفيد المعنى الأوّل، لا الثاني. أمّا كيف، فإنّ نصر الله يؤجّل الإجابة (كما فعل مراراً بصدد تفاصيل كثيرة، خلال هذه الإطلالة تحديداً) إلى موعد لاحق، ويلمّح إلى أنه لا ينطق عن هوى، ولا يتكهن أو يأمل أو حتى يحلل، بل يصدر عن ‘المعلومات’. فما الذي يملكه من معلومات أخرى، سوى تلك التي تأتي من ‘أصدقاء حقيقيين’ للنظام، في المنطقة والعالم، أي إيران وروسيا والصين حصرياً (وليس ‘دول البريكس كما تفاءل!)؛ وترتدي طابعاً سرّياً يستوجب التكتم في هذه الإطلالة، والتأجيل حتى تفسير لاحق؟

وأمّا ميدان القصور اللفظي الثالث فهو هذا الارتداد إلى سردية النظام عن أسباب الانتفاضة ومساراتها، إذ يبدو نصر الله وكأنه يتبنى حرفياً ما قاله بشار الأسد في جميع خطاباته وتصريحاته الصحافية طيلة اكثر من سنتين، وما تكرره أبواق النظام وأدواته. يقول الأمين العام لـ’حزب الله’: ‘الهدف مما يجري في سورية لم يعد فقط إخراج سورية من محور المقاومة، هذا ما كنا نقوله في البداية، الموضوع أصبح أكبر من ذلك، لم يعد فقط إخراج سورية من محور المقاومة ومن معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وأيضاً لم يعد الهدف فقط أخذ السلطة بأي ثمن من النظام الحالي والقيادة الحالية، بل يمكن القول بشكل قاطع إن هدف كل الذين يقفون خلف الحرب في سورية هو تدمير سورية كدولة وشعب ومجتمع وجيش’. فكيف حدث أنّ هدف ‘إخراج سورية من محور المقاومة’ قد طُوي، ومَن الذي استبدله، ومتى، ولماذا، وما الفارق بين ‘إخراج’ و’أخذ سلطة’، و’تدمير’؟ ثمّ مَن الذي يدمّر سورية أكثر: النظام المسلّح بالنواجذ، الذي يستخدم الطائرات وصواريخ ‘سكود’ والمدفعية الصاروخية والثقيلة والبراميل المتفجرة وغاز السارين السامّ، ويقصف المساجد والكنائس والجسور القديمة وأوابد التاريخ، ويصيب البشر والحجر والزرع والضرع؛ أم ‘الجماعات التكفيرية’ التي يعرف نصر الله طبيعة تسليحها، ومواقع انتشارها، ونوعية مقاتليها، وقدراتها التدميرية؟

وفي سياقات هذا التبنّي التامّ لرواية النظام، لا يجد نصر الله أي حرج (وهو صاحب المقام الروحي، قبل ذاك السياسي أو الحزبي) في إعادة تكرار سلسلة من الاتهامات التي اعتادت أجهزة الأسد على اختلاقها، وعهدت بأمر ترويجها إلى الأبواق والأزلام والأتباع. يقول، مثلاً، إنّ الاتجاه المطالب بإسقاط النظام ‘ذهب إلى الخيار العسكري، وكان يعلق آمالاً كبيرة على الخيار العسكري. القتال والقتل والاستنزاف وابشع أنواع القتال أيضاً من ذبح وقطع رؤوس وإلقاء من على السطوح، وصولا إلى استدعاء التدخل الدولي العسكري، استدعاء سياسيا وميدانيا، وما لعبة السلاح الكيماوي في الأيام الأخيرة إلا محاولة أيضاً جديدة لاستدعاء تدخل خارجي، ليأتي هؤلاء ويدمروا سورية، كما دمرت من قبل دول أخرى’. هل هذه أفعال المعارضة السورية، حقاً؟ وهل يصدق صاحب ‘الوعد الصادق’ حين يلصق بأغلبية الشعب السوري، رافع شعار إسقاط النظام، أقذر التهم وأقبح الممارسات؟ وما الذي يمكن لأيّ تدخّل خارجي أن يخلّفه من دمار في سورية، أبشع من هذا الذي خلّفه ويخلّفه نظام الأسد؟

وفي خلاصة الأمر، أليس التدخل الخارجي الوحيد، اليوم، هو ذاك الذي أدخل إلى العمق السوري مقاتلي ‘حزب الله’ اللبناني، وميليشيات ‘حزب الله’ العراقي، ومرتزقة ‘لواء أبو الفضل العباس وأفراد ‘الحرس الثوري’ الإيراني؟ أليست عمليات قتال ‘حزب الله’ في صفّ نظام الاستبداد والفساد والفاشية، ضدّ أبناء الشعب السوري، بمثابة مشاركة مباشرة في تدمير سورية، الشعب والوطن والتاريخ؟ وما الذي تبقى من ‘الوعد الصادق’، ذائع الصيت، من صداقة مع سورية، وصدق مع التاريخ، ومصداقية… صرفة؟

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا استبدلت إيران الشطرنج بالمصارعة الحرة؟

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 5/5/2013

تميزت السياسة الإيرانية تاريخياً بأنها تشبه إلى حد كبير صناعة السجاد العجمي الذي برع في تصنيعه الإيرانيون، وجعلوه تحفة يتهافت العالم على اقتنائها، فمن المعروف أن صانع السجاد الإيراني يتميز بدقة في التفاصيل، وجلد، وصبر، ونفس طويل على تنفيذ، وربط كل الخيوط ببعضها البعض بحرفية وبراعة عز مثيلها، حتى لو استغرق تصنيع السجادة أعواماً وأعواماً. وبالتالي تكون النتيجة منتوجاً بديعاً في الشكل والحياكة والنسيج والملمس. وبالإضافة إلى أن الإيرانيين بارعون في حياكة السجاد العجمي، فهم معروفون تاريخياً بأنهم مخترعو لعبة الشطرنج، وهي لعبة السياسيين والمخططين، والإستراتيجيين والأذكياء. لكن لو نظرنا إلى الطريقة التي تتصرف بها إيران سياسياً منذ استيلائها على العراق وتمددها الأخطبوطي في المنطقة العربية لوجدنا أنها ضربت عرض الحائط بمهاراتها السجّادية، وحنكتها الشطرنجية المعهودة.

لا شك أن إيران تعلم من خلال معرفتها الوثيقة للمنطقة العربية أنها باتت في نظر السواد الأعظم من سكان تلك المنطقة عدواً خطيراً لا يقل خطورة عن العدو الصهيوني، لا بل إن البعض يرى إسرائيل أقل خطورة على العرب من إيران. بعض الإستراتيجيين الغربيين يتحدث عن صفقة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى تسمح لإيران بالتغلغل والتمدد في المنطقة العربية واستعداء العرب، وذلك لتخفيف الضغط عن إسرائيل، بحيث لا تبقى الدولة العبرية العدو الوحيد للعرب في المنطقة. لا ندري مدى صحة ذلك الزعم، لكن لو نظرنا إلى الأرض لرأينا أن الوضع بات كذلك فعلاً، فبإمكان إسرائيل الآن أن تفرك يديها فرحاً وتقول: "انظروا كيف أصبحتُ أنا في المرتبة الثانية من حيث العداء مع العرب. إنهم صاروا يكرهون إيران أكثر مني بكثير، ويعتبرون خطر بني صفيون أكبر من خطر بني صهيون".

هل تريد إيران أن تترسخ صورتها في العالم العربي من المحيط إلى الخليج على أنها قوة معادية وشريرة؟ لا أعتقد ذلك. فمهما امتلكت أي دولة في المنطقة من قوة ونفوذ، فلا بد لها في نهاية النهار أن تكون على علاقات طيبة مع محيطها وجوارها. ليت إيران تنظر إلى المحاولات الإسرائيلية المستميتة لاختراق الشارع المصري مثلاً بهدف التطبيع مع الشعب المصري. فرغم سطوتها على المنطقة، تظل إسرائيل تشعر بأنها جسم غريب في المنطقة، وهي تتوق دائماً لأن تصبح جزءاً طبيعياً منها. لكنها فشلت حتى الآن، بدليل أن السفير الإسرائيلي في القاهرة يبذل قصارى جهده كي يستميل فناناً هنا وفنانة هناك، لكن دون جدوى. وحتى لو استطاع تجنيد البعض، فإن الشعب في نهاية المطاف ينظر إليهم على أنهم عملاء. ولو ظل الوضع يسير بنفس الاتجاه، ستجد إيران نفسها في وضع مشابه للمأزق الإسرائيلي، إن لم يكن أسوأ، خاصة أن العداء المذهبي الرهيب بين العرب والفرس لا يقل حدة عن العداء لإسرائيل.

 لماذا لم تتعلم إيران من تجربتها الفاشلة في العراق؟ ألم تبذل الغالي والرخيص من أجل إزاحة نظام الرئيس الراحل صدام حسين بالتعاون مع الأمريكيين؟ ألم تنصّب أزلامها حكاماً على العراق من خلال عملية لها علاقة بالديمقراطية كعلاقتي أنا بالمريخ؟ ألم تتغلغل في كل مفاصل الدولة العراقية؟ ألم تصبح الآمر الناهي في العراق؟ لكن مع كل ذلك، لم تستطع السيطرة على العراق رغم كل العوامل المساعدة جغرافياً ومذهبياً. فرغم أن نسبة لا بأس بها من العراقيين يتبعون نفس مذهب إيران الشيعي، ورغم أن معظم الأحزاب العراقية الشيعية ترعرعت في طهران، إلا أنها لا تستطيع السيطرة على العراق، بدليل أن العراقيين يزلزلون الأرض الآن تحت أقدامها وأقدام أزلامها الحاكمين في بلاد الرافدين. لا بل إن بيدق إيران في العراق رئيس الوزراء نوري المالكي أصبح يخشى على العراق والمنطقة بأكملها بسبب اهتزاز الأرض تحت أقدامه. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأرض بدأت تميد تحت أقدام إيران وأتباعها في المنطقة رغم كل محاولاتهم اليائسة لتثبيت أقدامهم، ناهيك عن أن الشارع الإيراني نفسه لن يبقى بعيداً عن الهزات القريبة، خاصة عندما يعلم أن ثرواته تنفق على مشاريع توسعية استعمارية بينما أكثر من نصف الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر.

 لا أدري لماذا تبدو إيران أحياناً كما لو أنها تحاول إعادة تصنيع العجلة! لا أدري لماذا تكرر نفس أخطائها في العراق بسوريا؟ لماذا تحاول السيطرة على سوريا بنفس الطريقة العراقية الفاشلة وهي تعلم أن غالبية السوريين يعادونها مذهبياً، ويعتبرون أن بني صفيون لا يختلفون عن بني صهيون؟ ألم تر إيران كيف بدأت أحلامها تنهار في العراق الذي توالي نسبة غير قليلة من شعبه مذهبها الشيعي، ومع ذلك لم تستتب لها الأمور هناك؟ فكيف بسوريا التي تبلغ نسبة السنّة فيها أكثر من ثمانين بالمائة من الشعب السوري؟ هل تعتقد إيران أنها ستستطيع إخضاع الشعب السوري المعارض لها حتى العظم مذهبياً؟ ألم تر إيران أن النظام الذي تدعمه في دمشق لم يعد قادراً على حماية السياح الإيرانيين في سوريا، فكيف سيحمي لها مصالحها في البلاد؟ ألم تضطر إيران وحزب الله إلى الدفع بعشرات الألوف من المقاتلين إلى سوريا لمساعدة النظام الآيل للسقوط وحماية الأماكن المقدسة الشيعية؟ هل تعتقد إيران أنها قادرة على احتلال سوريا عسكرياً وأمنياً واقتصادياً؟ كان غيرك أشطر. هل تريدها إيران حرباً شيعية سنية لا تبقي ولا تذر؟

لقد آن الأوان لإيران أن تعود إلى ممارسة السياسة بعقلية لاعب الشطرنج بدل ممارستها بعقلية المصارعة الحرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في استراتيجية حزب الله

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 5/5/2013

قامت استراتيجية حزب الله في لبنان في الظاهر العلني على فكرة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وكانت الظروف اللبنانية والإقليمية والدولية تدعم قيام تلك الاستراتيجية، حيث هناك أجزاء من لبنان تحتلها إسرائيل، وثمة قوى إقليمية ودولية تعارض الاحتلال، وتدعم إخراج الإسرائيليين من الأراضي اللبنانية في موقف منسجم مع إرادة المجتمع الدولي، ومن أصول تلك المعطيات حصل حزب الله على دعم وتأييد متعدد الأوجه لاستراتيجيته في مواجهة الاحتلال وسياسة إسرائيل في المنطقة.. غير أن الظروف المحيطة باستراتيجية حزب الله، تغيرت بعد انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000، مما جعل استراتيجية حزب الله، تتحول في اتجاهات أخرى، وهذا لم يكن ممكنا من دون حدث مهم يفسر ويبرر التحول في استراتيجية حزب الله، وكانت الخطوة الحاسمة في حرب عام 2006 ونتائجها المدمرة على لبنان واللبنانيين، التي خلق أساسها حزب الله، ثم طورت إسرائيل تفاعلاتها، وجاءت الظروف الإقليمية والدولية لتضع بصماتها عليها، فتفرض بنتائجها اتفاقا يجعل حزب الله خارج أي معركة مباشرة مع الإسرائيليين.

ورغم الغرق اللفظي الذي مارسه حزب الله في اعتبار تلك الحرب نصرا، بل «نصرا إلهيا»، فإن اللبنانيين شعروا أن تلك الحرب هي آخر حروب حزب الله المباشرة مع الإسرائيليين، في ظل وقائع فرضتها تدخلات القوى الإقليمية والدولية في رسم نتائج الحرب على الأرض، من أبرزها ذهاب الجيش اللبناني إلى الجنوب في أول خطوة من نوعها عبر عقود الحرب اللبنانية، وتمت إقامة ساتر من القوات الدولية في الجنوب، بالتزامن مع ميل الأغلبية اللبنانية لتجنب حرب جديدة مع إسرائيل بموازين القوى القائمة، والتوجه لاتخاذ السياسة والدبلوماسية مسارا في السعي لاستعادة ما تبقى من أرض لبنان بيد المحتلين الإسرائيليين.

إن نهاية استراتيجية حزب الله في الصراع مع إسرائيل، جعلت الحزب يبدل ميدان اهتمامه فصار لبنان ساحته، فركز اهتمامه بالداخل اللبناني وانخرط في السياسة اليومية، وأخذ يبني استراتيجية جديدة أساسها السيطرة على الداخل اللبناني مستغلا معطيات كرسها في المرحلة الماضية، أبرزها وزنه في التركيبة الطائفية، وقوته المالية التي يوفرها الدعم الإيراني، وتنظيمه العسكري - المدني – الأمني الذي بنى عبره مرتكزات قوية في معظم المناطق اللبنانية، والسمعة التي اكتسبها في مرحلة المواجهة مع المحتل الإسرائيلي، ولم تكن ثمة اعتراضات جدية على هذا التحول في استراتيجية حزب الله، بل كان كثير من أوساط وقوى محلية وخارجية يميلون إلى هذا التحول.

المشكلة الأساسية المحيطة بالتحول في استراتيجية حزب الله، أنها لم تتضمن موقعا ووظيفة يخصان سلاح حزب الله.. ففي الداخل اللبناني، لم يكن هناك أطراف مسلحة غير الحزب، ولم يعد هناك مجابهات مع إسرائيليين بعد أن جرى فصلهم عن الحزب بحواجز لبنانية ودولية، مما جعل الحزب يلجأ إلى سلوكيات إعلامية دعاوية وأخرى عملية إجرائية للحفاظ على دور لسلاحه، وفي هذا الإطار كان الاستمرار اللفظي - الإعلامي في العداء لإسرائيل، وتأكيد حضور قوة الحزب والتهديد بها في الصراع مع خصومه في لبنان، إضافة إلى التطلع إلى دور خارجي لسلاح حزب الله بإعلانه دعم إيران في أي مواجهات تدخلها مع الأعداء، ثم دعمه السياسي والعملي للنظام في سوريا في وجه ثورة السوريين الذين وصفهم زعيم حزب الله بأنهم «جماعات مسلحة». ولولا ما يقال عن روابط سياسية وآيديولوجية بين الحزب وحليفيه في طهران ودمشق، لأمكن القول إن الحزب تحول إلى حامل بندقية للإيجار، لأن علاقاته مع الطرفين لا تخلو من مصلحية مباشرة أبرز تعبيراتها مال نظيف من طهران، ودعم قوي وخدمات استراتيجية من دمشق.

خارج تلك الصورة في وضعية حزب الله وعلاقاته وآفاق استخدامه لقوته، ثمة أسئلة جدية حول السبب الذي يجعل حزب الله، يتذكر سكان قرى سورية أصولهم لبنانية في وقت يتجاهل القرى اللبنانية التي يحتلها الإسرائيليون منذ قيام إسرائيل، والأراضي التي يقول إن الإسرائيليين يحتلونها من أواسط السبعينات في مزارع شبعا والغجر، ولماذا يرسل الحزب قواته للقتال ضد السوريين، بينما لم يرسل قواته إلى العراق للدفاع عن المراقد الشيعية في السنوات العشر الماضية، وهي تتعرض لخطر الدمار، بل لماذا لم يرسل الحزب قواته للقتال ضد الجماعات المسلحة من «فتح الإسلام» في الحرب الطويلة القاسية التي خاضها الجيش اللبناني في شمال لبنان.

ثمة أسئلة كثيرة يمكن طرحها قبل وبعد الحديث الأخير لزعيم حزب الله، حول تدخل قوات وأسلحة الحزب في الأزمة السورية ووقوفه إلى جانب النظام ضد الشعب والذي وصف فيه موقفه وموقف حزبه بأنه «إنساني وأخلاقي»، وأن أصدقاء النظام - وبينهم حزب الله - لن يسمحوا بإسقاط النظام، الذي يواجه الشعب منذ أكثر من عامين غارقا في قتل السوريين وتدمير قدراتهم وبلدهم.. هل ثمة بؤس أكثر من ذلك؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين هولوكوست بانياس والبيضا.... والغارة الإسرائلية!!

خالد هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 6/5/2013

هل بدأت إبادة أهل السنة في الساحل السوري من بانياس وقرية البيضا تحديدا ولماذا؟ سؤال طالما دار في خاطر الكثيرين ممن يفهمون حقيقة الوضع الجغرافي والديموغرافي والطائفي الذي شرع القاتل حافظ أسد في تكوينه وتعميقه منذ تسلمه مقاليد السلطة في سوريا عام 1970 حيث بدأ حكمه بتسريح آلاف الضباط الكبار السنة وأحل مكانهم علويين ثم زاد في أعدادهم على مدى ثلاثين عاما وأكمل المشوار ابنه القاتل بشار لتصبح نسبة الضباط من طائفتهم تسعين بالمائة وتبقى نسبة العشرة موزعة بين أهل السنة والمسيحيين والدروز والمكونات الصغيرة الأخرى على ما تحقق منه ضابط استخبارات كبير كان قد انشق عن النظام مجيبا بعض السائلين كيف لا يغلب أهل السنة في هذا الصراع على مدى عامين وكل جنود الجيش منهم، مبينا أنكم لو عرفتم من يقود هؤلاء الجنود بالحديد والنار من هؤلاء الضباط الطائفيين الحاقدين لما عجبتم، وشرح الجواب فاقتنعوا وكان هذا اللانظام منذ بداية حكم الأب يخزن الأسلحة في جبال العلويين ويعد لمثل هذا اليوم الذي يشهد نهايته المأساوية، وقد حدث أحد سائقي الشاحنات الكبيرة وأقسم على ذلك أنه كان مكلفا بنقل الأسلحة حتى إذا وصل إلى ما قبل قرية القرداحة مسقط الرئيس السابق القاتل حافظ وضعوا على عينيه ستارة قماش وأنزلوه وركب مكانه سائق علوي ليتم المشوار ولا يعرف السائق السني إلى أين ستذهب تلك الشاحنة، إن كل الحشد السابق واللاحق له تخزينا وتطويقا للمناطق الساحلية إنما كان للخوف من أهل السنة أن يتسلموا الحكم ويكون لهم حقهم الطبيعي هناك أو في أي موقع من سورية، وحين يحدث مكروه لأهل السنة حال اشتعال أي فتنة أو صراع فإنهم سيكون ضحية هذه السياسة الطائفية التي كان الأسد الأب يزرعها بأمر من أسياده وليحقق المبدأ الدنيء فرق تسد وجاء الابن بأمر الأسياد أنفسهم لرعايتها وما زال على ذلك.

وتأتي أحداث بانياس المروعة بهذه المذابح البشعة التي تمت في رأس النبعة الحي الفقير المتدين وفي قرية البيضا المشهود بدين أهلها وأخلاقهم الحميدة من بين جميع قرى الساحل السوري مع احترامها كلها كما عرفناهم وخبرناهم في زيارات صيفية متكررة حيث بدأ الضغط على تلك المناطق من بداية الثورة سلميا وقتل منهم من قتل وهجر من هجر وكانت نساء بانياس اللواتي استشهدن وهن يهتفن للثورة حيث سقطن من أمهات وبنات، ولا ينسى لأهل بانياس هذا الموقف البطولي منذ البدايات مما يدل على شجاعتهم ورفضهم للظلم والمذلة حتى لو كان الثمن العناء والجرح والموت والشهادة، لقد بين الأستاذ الشيخ أنس عيروط بن الشيخ عبد الرحمن عيروط رحمه الله -وهو رئيس المجلس الثوري في بانياس وعلى اتصال دائم بالمنطقة ومعروف لدينا بدينه وصدقه وجهاده وتضحيته- أنه تم استشهاد أربعمائة في رأس النبعة ذبحوا بالسكاكين ورموا بالحجارة حتى الموت وحرقوا وألقوا كالركام وتم استشهاد ثمانمائة في قرية البيضاء حتى عد أسماء الأسر كالبياسة والشغري ودلول وغيرهم ممن نعرف دينهم وأمانتهم منذ سنين، وكان القتلة من الشبيحة ومن سموه جيش الدفاع الوطني وهو غير الجيش الحكومي يهتفون أثناء القتل والذبح لبيك يا حسين، لبيك يا أسد، على اعتبار أن الطائفة العلوية قد صنفت مؤخرا عند الشيعة أنها فرع منهم بعد أن كانت الشيعة تكفرها لأنها تقول بألوهية علي وتختلف معها في أعداد الأئمة وتحديد المهدي الغائب وغير ذلك ولكن الحاقدين كلهم التقوا هذا العصر ليرموا أهل السنة عن قوس واحدة تنفيذا للمشروع الإيراني ونشره في العراق وسورية ولبنان خصوصا وهم يستخدمون المالكي الطائفي الذي دافع عن الأسد وقال إن نظامه لن يسقط ولماذا يسقط وإنه وطائفته فرع من الشيعة ونحن لابد أن ندافع عنهم، وساوقه نصر الله بحزبه ذي السياسة الطائفية التابعة لولاية الفقيه كذلك فأخذ منذ بداية الثورة يشترك مع الطاغية الأسد في الخبرة والإساءة للثوار ثم بالقتال ضدهم في دمشق وريفها وحمص بل وحماه بحجة الدفاع عن مزارات الشيعة كالسيدة زينب ثم اشترك في حرب القصير واعتبر ذلك جهادا وأن من قضوا من جنده استشهدوا في مهمة الواجب الجهادي وزادت وتيرة اشتراكه الدامي حتى استعمل الكيماوي في القصير كما استعمله الأسد الوحش، إن مجزرة بانياس التي صدمت العالم وفاقت مجازر السنتين الماضيتين توحشا ما كانت لتحدث لو أن الأسد مستقر في دمشق غير خائف على مصيره، إن المراد منها اليوم إنما هو تخويف أهلنا الصابرين في الساحل كي يهاجروا ويخلوا ديارهم كالسيناريو الذي طبقه الصرب على البوسنيين المسلمين في البوسنة، وكفعل الصهاينة لتهجير الفلسطينيين وتخويفهم بمثل مجزرة دير ياسين وأمثالها التي تعتبر أشبه بالنزهة إذا ما قورنت بمذابح الأسد المجرم في سورية اليوم، وإن ما شاهدناه من الصور المؤثرة المعبرة أكبر شاهد على ذلك، وإن كان المعلق السوري عصام خليل الحاقد قال: إنها ليست حقيقية وإنما هي مفربكة من قبل قناة الجزيرة وهكذا يفعلون، وقد كان القاتل حافظ الأب قد قالها بعد ما قتل سبعة وأربعين ألفا في حماة عام 1982: لقد قضينا على الإرهابيين فيها وكانت حوادث وانتهت وستر عليه الصهاينة والمجتمع الدولي الذي لا يريد إلا هذا النوع من الحكام الخدام والأجراء العملاء الذين يحققون مصالحه ويسرقون ثروات شعوبهم ثم لأن المستبد شريك المحتل الأصغر فكان لابد ونظام الأسد يتهاوى أن ينقذه الصهاينة قدر المستطاع سيما أن إيران وحزب الله والمالكي يدعون ممانعته ومقاومته ولذلك شنت إسرائيل الغارة صباح هذا السبت على مركز البحوث الكيماوي في جمرايا في ريف دمشق وقصفت جبل قاسيون والفرقة الرابعة حوله وفجرت أماكن للذخيرة والسلاح قالت إنها في طريقها إلى حزب الله في الوقت نفسه الذي ضج فيه خبر مذابح بانياس والبيضاء تغطية وصرفا للأنظار عنها وإن كان مثل هذا قد يكون مخططا له من السابق وما زيارة أوباما ووزير دفاعه إلى إسرائيل وتأكيدهما على ضمان حمايتها إلا جار في هذا السياق، ونحن كسوريين عارفون بطبيعة نظام الأسد الأب والابن ونؤكد أن التنسيق بينهم قائم برفع سهم اللانظام شعبيا وعربيا وإقليميا قد الإمكان وذلك بعد سقوطه الحتمي حيث لم يعد لديه متسع لذلك، ونحن نرى أن المراد من القصف الإسرائيلي إنما هو ضرب أي سلاح كي لا يقع بأيدي الثوار من الجيش الحر .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مزاعم الحرب الطائفية السورية

حسين العودات

البيان

الاثنين 6/5/2013

دأب النظام السوري منذ اليوم الأول للثورة، على الحديث عن الطائفية والفتنة الطائفية، ولم تتورع الناطقة باسمه منذ الأسبوع الأول لأحداث درعا في مارس 2011، عن أن تتهم المتظاهرين المطالبين بحريتهم، بأنهم مندسون وطائفيون وعملاء للأجانب ومسلحون يقبضون الأموال لتخريب البلاد، وعرض التلفزيون السوري شريطاً لأسلحة مكدسة في الجامع العمري، قال إنها تعود للمنتفضين وأن جهات أجنبية زودتهم بها، ولم ينتبه التلفزيون العتيد إلى أن صناديق الأسلحة المعروضة مكتوب عليها "مؤسسة معامل الدفاع".

كما لم يهتم بأن الشعارات الرئيسة لتلك الانتفاضة كانت تطالب بالحرية والكرامة ووحدة الشعب السوري، وكان المتظاهرون، حسب جميع المراقبين، على استعداد ليقبلوا ببعض الإصلاحات التي تضمن لهم حريتهم وكرامتهم، وتكف أيادي أجهزة الأمن عنهم، إضافة إلى التعهد بمحاربة الفساد الذي استشرى في سوريا، ولم يكن وارداً في برامج المنتفضين، لا إسقاط النظام ولا حمل السلاح (كان شعارهم الرئيس "سلمية.. سلمية")، ولذلك استفزتهم تلك التصريحات واستفزت الشعب السوري كله، مما جعله ينتفض في مدن أخرى، مثل دوما وحمص وحماه ودير الزور وبانياس وغيرها، ثم ما لبثت انتفاضة السوريين أن اتسعت حتى شملت البلاد كلها.

وقد قابلتها السلطة منذ الأسبوع الأول بالعنف وبالرصاص الحي، ومع ذلك بقي شعار "سلمية وشعب واحد" هو الذي يتردد في جميع المظاهرات.

وربما كانت السلطة السياسية تعتقد أن العنف سيضطر المتظاهرين إلى التراجع والانكفاء في بيوتهم، لأنها لم تكن تتصور أن الشعب السوري قادر على الاستمرار في الاحتجاج والتظاهر، بعد أربعين عاماً من القمع والقهر والهيمنة الأمنية.

كان من الواضح أن التصريحات الأولى للسلطة التي اتهمت فيها المنتفضين بالطائفية، هي وسيلة للابتزاز وتبرير العنف. ولقصر نظر السلطة، لم تدرك أبعاد طرح مثل هذه الاتهامات (غير الموجودة)، وأنه إذا كان لا بد من إيجاد مبررات للعنف والقتل، فقد كان عليها أن تبحث عن مبررات أخرى غير تهمة الطائفية، لأن نتائج هذه التهمة ستكون مدمرة.

والغريب أن السلطة كانت تستجدي المتظاهرين ليرفعوا شعارات طائفية، وتستفزهم ليهاجموا ما يسمى بالأقليات الدينية والمذهبية، وأحياناً كانت تعرض على أبناء هذه الأقليات السلاح والمال ليقفوا في وجه المتظاهرين، دون أن تجد استجابة جدية منهم. وشرعت بعد ذلك في تخويف بعض الطوائف والمذاهب، وإنذارها بأن أماكن العبادة العائدة لها سوف تتعرض لاعتداءات قريباً.

وحاولت سياسة السلطة هذه، أن تقسم الشعب السوري إلى مجموعات وفرق ومذاهب وطوائف يخشى كل منها الآخر، مفترضة أن ذلك سيضطر بعض الطوائف والمذاهب للالتجاء للسلطة والتحالف معها ضد المنتفضين.

 لكن هذه السياسية الخرقاء التي أصرت عليها السلطة لم تجد نفعاً، ولم تساعدها في تقسيم الناس، كما لم تنقذها سياسة "فرق تسد". ولم تدرك السلطة، بسبب قصر نظرها، النتائج المدمرة لهذه السياسة إذا حصلت تراكمات سلبية مع الزمن، بحيث سيكون الشعب السوري كله من ضحاياها.

بعد توسع الصراع في سوريا وتحوله إلى صراع مسلح، وعسكرة الثورة، بدأ إعلام السلطة (ومسؤولوها) يؤكدون أن ما يجري في سوريا هو حرب أهلية، وبالتالي هي حرب بين فئة من الشعب وفئة أخرى، وبصريح العبارة؛ هي حرب طائفية ينبغي النظر إليها من خلال هذا التوصيف.

ورداً على ذلك أكدت المعارضة السياسية والمسلحة عشرات المرات، أنها ليست حرباً أهلية وإنما ثورة ضد النظام السياسي، وطالبت بعض "الأقليات" الدينية والمذهبية بأن تتحالف مع الثورة، وقد كسبت بالفعل شرائح هامة من هذه الفئات التي اصطفت إلى جانبها، بما يؤكد أنها ثورة وليست حرباً أهلية.

ولم تشهد "الأقليات" المذهبية والدينية في سوريا، أي ضغط أو استفزاز أو اعتداء من الثوار طوال سنتين من عمر الثورة، مع أن النظام وحلفاءه الإيرانيين يعملون بكل جهودهم كي تكون حرباً طائفية.

ولأن المعارضة السورية السياسية والمسلحة ما زالت ترفض فكرة وجود حرب طائفية، وتسمي السلوك الإيراني وسلوك حلفائها بأنه سياسة إيرانية وليست سياسة شيعية، مما حدا بالسياسة الإيرانية للضغط على حزب الله ليتدخل في الشؤون السورية من خلال إرسال مقاتليه إلى قرى حدودية مع لبنان، إضافة إلى إرسالهم لحراسة مواقع دينية (شيعية) لا يهددها أحد، وربما يحافظ عليها الثوار أكثر من غيرهم.

لحسن الحظ لم تستطع ضغوط النظام وسياساته، ولا السياسة الإيرانية، أن تؤثر على وجهة نظر المعارضة السورية السياسية والمسلحة وثورتها، فلم تحول نشاطها ونضالها إلى نشاط طائفي، وما زالت قوى الثورة تحترم الأقليات وتساعدها وتصادقها، وقد انضمت إليها شرائح كبيرة من هذه الأقليات، ولم يستطع النظامان السوري والإيراني تحويل الصراع إلى صراع طائفي، يحرّض على إطلاق شرارة الحرب الأهلية في سوريا.

ولكن ينبغي الاعتراف بأن سياسة السلطة وممارساتها هذه، راكمت أحقاداً طائفية، ربما تنفجر يوماً، سواء في وجود النظام أم بعدم وجوده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

500 مجزرة في سوريا

سمير الحجاوي

الشرق

الثلاثاء 7/5/2013

من المعيب على العرب والعالم وأصحاب الضمائر الحرة السكوت على مجازر نظام الأسد الإرهابي التي تجاوزت 500 مذبحة حتى الآن، آخرها مذابح بانياس والبيضا والقصير، الموثقة بالصوت والصورة والتي تمت على أساس طائفي من قبل أقليات باطنية تطبق شعار "اقتل القتيل وامش في جنازته" أو "اقتل القتيل ثم املأ الدنيا صراخا"، فهذه الأقليات التي تطالب العالم بحمايتها هي التي تقوم بعمليات القتل على الهوية، وتنفذ المجازر بحق المنتمين إلى الأغلبية السورية المسلمة.

من غير الأخلاقي السكوت على قتل 1250 سوريا مسلما بريئا في بانياس مرة واحدة، ومن غير المعقول السكوت على قتل 300 سوري مسلم بريء في البيضا، ومن المخزي السكوت على ما يجري في القصير المحاصرة من قبل مليشيات حزب الله ومليشيات الأسد والشبيحة وقوات الدفاع العلوية، من غير المعقول الصمت على حصار منطقة الحجر الأسود في دمشق للشهر السادس على التوالي.

هناك تغيير كبير فيما يجري في سوريا حاليا، فمليشيا حزب الله تخوض حرب عصابات في القصير مدعومة بمليشيات علوية وشيعية إيرانية، وهي تحاصر القصير بمشاركة قوات الأسد الإرهابية، وهذا يعني أن ما يجري هناك هو "تطهير عرقي وديني" بحق المسلمين السوريين، لتفريغ المنطقة من سكانها.

انا نقول سابقا إن الحديث عن تفريغ منطقة الساحلة من المسلمين السوريين مجرد خيال لا أكثر، ولم أكن أصدق من يتحدثون عن ذلك، لكن المذابح التي تجري هناك تؤكد أن هذا السيناريو يجري تنفيذه على قدم وساق، كل ذلك وسط حالة من التشويش الذي يمارسه الكيان الإسرائيلي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، فكيان الاحتلال الإسرائيلي نفذ ضربتين جويتين لخدمة مصالحه الذاتية وإرباك المشهد في سوريا، وتعقيد مهمة الثورة السورية، ونظام الأسد الإرهابي استفاد من هذا العدوان الإسرائيلي ليضع الشعب السوري الثائر في سلة واحدة مع الصهاينة والعصابات المسلحة ومن يطلقون عليهم التفكيريين، في الوقت الذي ترسل فيه تل أبيب رسائل سرية إلى الإرهابي بشار الأسد تطمئنه فيها أنه ليس هو المقصود، أما الأمم المتحدة فتدخل على الخط لخلط الأوراق في سوريا باتهامها المعارضة باستخدام غاز السارين بدون تقديم أدلة آو براهين، فعضو اللجنة الأممية كارلا ديل بونتي قالت "إن المحققين زاروا الدول المجاورة وأجروا مقابلات مع الضحايا والأطباء والمستشفيات الميدانية، ثم قدموا تقريرا الأسبوع الماضي، وهو يتضمن شكوكا قوية وملموسة ولكنها لم تصبح بعد دليلا مؤكداً على استخدام غاز السارين، مضيفة "هذا استخدمه مقاتلو المعارضة وليس السلطات الحكومية"، ولم تعط ديل بونتي في تصريحاتها التلفزيونية تفاصيل بشأن متى وأين استخدم السارين".

الأمم المتحدة مطالبة قانونيا وأخلاقيا وإنسانيا بإعلان الأسماء للعالم وتقديمهم للمحاكمة لكي نطالب بإعدامهم على الملأ، والسؤال الأهم هو كيف استطاع فريق دل بونتي من الوصول على هذه المعلومات وهم ممنوعون من دخول سوريا؟ وماذا لو كان من استخدمها شبيحة تحت اسم معارضة؟ باختصار تصريحات الممثلة الأممية بعيدة عن المهنية والدقة والشفافية والنزاهة.

ما تقوم به الأمم المتحدة يتناغم مع الولايات المتحدة التي "تلعب على الحبال" بهدف تدمير سوريا ومقدراتها وشعبها لصالح إسرائيل فقط، فالرئيس باراك أوباما لا يستطيع أن يرى الأسلحة الكيماوية التي اعتبرها خطا أحمر، ويبدو أن الإدارة الأمريكية مصابة بعمى الألوان وأصبحت لا تميز بين اللون الأحمر وغيره، فهذه الإدارة لا تستطيع أن ترى 500 مجزرة ارتكبها نظام الأسد، ولا تستطيع أن ترى القنابل الفراغية والعنقودية والبراميل المتفجرة ولا الأسلحة الكيماوية ولا المصابين في المستشفيات ولا تستطيع أن ترى 120 شهيدا سوريا قتلوا على يد نظام الإرهاب الأسدي وزبانيته وشبيحته وعصابته ومن معه من الباطنيين.

نظام بشار الأسد الإرهابي يعمل حسب الأجندة الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية التي تهدف إلى تدمير سوريا "حجرا حجرا" وقتل السوريين "فردا فردا" وهدم البيوت "بيتا بيتا"، وحرق المزارع "مزرعة مزرعة".. أجندة تهدف إلى قتل الإنسان وتدمير البنيان وتخريب الحجر والبشر والشجر، وهي "أجندة عقائدية" يتصدى له الشعب السوري وثواره وحدهم دون مساعدة تذكر أو معونة يعتد بها من أحد، بينما يتمتع نظام الأسد الإرهابي "بأصدقاء حقيقيين" كما قال حسن نصر الله وكما يقول المسؤولون الإيرانيون يوميا.

لا يجوز الركون إلى أمريكا والغرب، فهم حلفاء غير معلنين للأسد ونظامه، وعلى العرب أن يخوضوا معركتهم إلى جانب الشعب السوري الذي يقاتل دفاعا عن العرب والمسلمين في مواجهة حركات باطنية هدامة هدفها الثار من العرب والمسلمين وسوريا التي كانت دائما العمود الفقري للعروبة والإسلام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الضربات الإسرائيليّة: الموت كمطلب لذيذ

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 7/5/2013

حين تقصف إسرائيل، دفعة واحدة، 40 هدفاً في ضواحي دمشق، وحين تكون هذه الضربات الثالثة من نوعها في غضون أشهر، والثانية في غضون أيّام، وذلك من دون ردّ سوريّ عليها، فهذا يعني شيئين متلازمين: أنّ سوريّة لن تردّ، لا غداً ولا بعد غد، وبغضّ النظر عن كذبة اختيار المكان والزمان الملائمين، وأنّها، حتّى لو أرادت أن تردّ، غير مهيّأة لذلك، لا غداً ولا بعد غد، وإلاّ لما كان قد قُصف لها 40 هدفاً دفعة واحدة، ومن دون ردّ.

يترافق هذا العجز المعلن، وذو السوابق الكثيرة، مع استئساد بعيد تمارسه السلطة السوريّة على شعبها، يضطلع فيه سلاح الجوّ السوريّ (الذي لم يردّ على الإسرائيليّين) بدور بارز.

بيد أنّ المقارنة هذه التي لم تفت معظمَ السوريّين المعارضين، تدفع إلى الجزم في أمر واحد: إنّ هذا النظام وجيشه مصنوعان لهدف وحيد هو التحكّم بالشعب السوريّ ومنعه من الحرّيّة. وإنّما في الإطار هذا تعمل لفظيّة الصراع مع إسرائيل كواحدة من ديناميّات التحكّم المذكور.

يصحّ هذا التقدير لا في النظام السوريّ فحسب، بل أيضاً في منظومة الممانعة كلّها أنظمةً وتنظيمات: ذاك أنّ إيران شاركت في الردّ بعرضها التدريب على الجيش السوريّ! وحين ندرك كم تستغرق دورات التدريب من وقت، نفهم أنّ العرض الإيرانيّ إنّما يكتفي بإضافة الملهاة إلى المأساة. أمّا «حزب الله» الذي لم يعد يتستّر على مساعدته للنظام في معارك القصير وحمص، فيمتنع عن مساعدته في مواجهة الضربات الإسرائيليّة، علماً بأنّ خطب الأمين العامّ لـ «حزب الله» كادت تقنعنا بأنّ إسرائيل كلّها غدت في مرمى نيرانه وصواريخه.

المقارنة بين السلوكين ترقى إلى دعوة تُوجّه إلينا، للمرّة المليون، كي نغادر عالم الأكاذيب الملوّنة التي لا يزال بعضنا يعيش فيها. وحين يظهر معارضون سوريّون يقولون إنّ الضربات الإسرائيليّة جاءت للتغطية على ارتكابات النظام، فهم لا يفعلون سوى تجديد انتسابهم إلى تلك الأكاذيب، ولو من موقع سياسيّ مغاير. وبهذا فهم يردعوننا عن التوصّل إلى الاستنتاجات الجذريّة التي آن الأوان لتحصين عقولنا بها. ذاك أنّ الوطنيّة والقوميّة في أشكالهما الأكثر احتقاناً، البعثيّ منها وغير البعثيّ، ليستا سوى وصفة لإذلال الشعوب العربيّة والحؤول بينها وبين السير على طريق التقدّم. هذا ما كان معمولاً به في 1967، وما هو معمول به اليوم على نطاق أوسع. وما يصحّ في تلك الوطنيّات اللفظيّة المهتاجة، آنذاك واليوم، يصحّ في الأدوات التنفيذيّة التي تمتلكها تلك الوطنيّات جيوشاً ومخابرات وأجهزة أمن.

ولا يخلو من دلالة، فعليّة ورمزيّة في آن، أنّ «الفرقة الرابعة» التي استُهدفت إحدى وحداتها بالقصف، تحتلّ موقعاً متقدّماً جدّاً في البطش بالسوريّين وإذاقتهم الموت والهوان. لكنّ ذلك لم يحل دون ظهور الأصوات التي تطالب السوريّين بالتعبير عن الحزن والمرارة بسبب ما أصاب تلك «الفرقة الرابعة» لمجرّد أنّ إسرائيل، ولأغراض تخصّها وحدها، هي من نفّذ هذه العمليّة!

هكذا تصل المتاجرة بالأكاذيب والأوهام، أو إيديولوجيا الأكاذيب والأوهام عند الصادقين، إلى حدّ المطالبة بالتعامل مع الموت الآتي من «الفرقة الرابعة» كمجرّد محطّة لذيذة بين كذبتين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية في مواجهة حملات التوهين والتشكيك والتضليل

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 8/5/2013

كثيرون من أبواق النظام السوري أو من يدّعون الحرص على سوريا دأبوا على المساواة بين الجلاد والضحية، وتحميل الطرفين مسؤولية ما آلت الأمور فيها من خراب ودمار وتدخلات، ليصلوا في نهاية المطاف إلى نتيجة مؤداها ضرورة أن يجلس الطرفان إلى مائدة حوار يتفاهمون عليها، للتوصل إلى حل سياسي، مع رفضهم لاستثناء أو استبعاد الأسد من أي حل من هذا النوع.

هذا التحليل فيه تجنٍ واضح على الثورة السورية وثوارها، ومغالطة كبيرة بحقهما، فقد كان واضحا أن شعار الأسد منذ البداية: "أنا أو الطوفان"، وقد عبّر عنه للمبعوث التركي منذ وقت مبكر من عمر الثورة بأنه مستعد وقادر على إحراق المنطقة إن تعرّض حكمه للإسقاط، وتحدث مفتي بلاده أحمد حسون عن توعّد الولايات المتحدة وأوروبا بعمليات انتحارية انطلاقاً من أراضيهما إن هي قصفت سوريا أو لبنان، ورفع شبيحته بكل بجاحة شعار " الأسد أو نحرق البلد "، فيما ربط ابن خاله منذ بواكير أيام الثورة بين أمن بلاده وأمن الكيان الصهيوني، وهي مقايضة معروفة، قديمة جديدة.

لقد بات واضحا أن سوريا "إنسانا وبنية تحتية وبيئة" تتعرض لأكبر إبادة وأعظم محرقة وأضخم تدمير، بعد ما يزيد من عامين على عمر الثورة، ويتحمل نظام الحكم فيها وآلته العسكرية ومنظومته الأمنية المسؤولية كاملة عما آلت إليه الأمور فيها، لأنه لم يأل جهدا في فعل كل شيء، دون خطوط حمراء بالمرة.

الكل يتذكر أن الثورة بدأت سلمية وبقيت كذلك لمدة ستة أشهر، ونادت بادئ ذي بدء بإصلاح النظام وليس بإسقاطه، ولكن النظام بدلا من ذلك تعامل معها فورا بالقوة والعنف وقوة السلاح والاستعلاء، في محاولة لكسر إرادة المتظاهرين، ظنا منه أنه يستطيع وأد الثورة في مهدها، كما فعل في ثمانينيات القرن الماضي، ثم حاول عبر مخطط مدروس إجبار الثورة على سلوك مسارات أخرى، وتشويه صورتها من خلال ماكينته الدعائية هو ومن يدور في فلكه، ومنع الإعلام الحر من الوصول لمواقع الأحداث من أجل تقصي الحقائق ونقلها.

ما آلت إليه الأوضاع في سوريا من إهلاك للحرث والنسل، وتوسيع رقعتها إلى دول الجوار، ومحاولة الزج بها في أتون اقتتال أهلي.. يتحمل وزره النظام وحلفاؤه، في محاولات مستميتة منهم لمنع سقوطه، أو الإطالة في عمره على الأقل، كما يتحمله المجتمع الدولي الذي صمت عن جرائمه ولم يأخذ على يده حتى الآن.

أول ما قام به النظام استخدام السلاح في مواجهة المتظاهرين، وأشد أنواع التعذيب وأكثرها فتكاً بحق المعتقلين، فضلا عن الاختطاف والاغتصاب بحق النشطاء وذويهم، وهو أدى إلى نجاحه في اضطرار البعض لاسيَّما الجنود المنشقين عن الجيش النظامي إلى حمل السلاح للدفاع عن الأنفس والأعراض، وبالتالي عسكرة الثورة وبروز ما يعرف بالجيش الحرّ، وإن كان التظاهر والحراك الثوري السلمي لم يتوقف ولو ليوم واحد حتى الآن.

ومع ازدياد وتيرة قمع وتصفيات النظام للنشطاء وللمدنيين، والمجازر المروعة على يد النظام الأسدي، واستعانته بالمستشارين العسكريين والأمنيين والمقاتلين من الحرس الجمهوري وغيرهم، وطول أمد الثورة، وجدت عناصر من المجموعات الجهادية فرصة لها للقتال ضد النظام إلى جوار مقاتلين سوريين أداء لواجب إسلامي تؤمن به، ليقوم إعلام النظام وأبواقه في اختزال الثورة بهذه الجماعات، رغم قلة عددها، وتخويف الغرب والعالم من هذه الجماعات باعتبارها من تنظيم القاعدة، والدعوة لحشد الجهود من قبله لمحاربة الإرهاب وإخراج العصابات المسلحة المرتزقة ـ على حد تعبيره ـ من أراضيه.

لكن أكثر ما أدى إلى زيادة الخسائر البشرية وتزايد أعداد النازحين واللاجئين، هو استخدام كافة صنوف الأسلحة ضد المدنيين، وبث الذعر والخوف في صفوفهم، بما فيها قذائف الطائرات من البراميل وغيرها وراجمات الصواريخ، وغازات الأعصاب والكيماوي، لتصل أعداد النازحين واللاجئين إلى حوالي ستة ملايين شخص على الأقل.

ويشارك إلى جانب النظام قوات من حزب الله ومقاتلون علويون من لواء اسكندرون، ومقاتلون من جماعات شيعية عراقية متطرفة، ويرتبكون أفظع المجازر وحملات التطهير الطائفي في القصير وريف بانياس، مما يؤدي إلى زيادة وتيرة التهجير.

وتضرب إسرائيل الأراضي السورية لمنع وصول صورايخ متطورة لحزب الله، أو منشآت كيماوية أو أسلحة نوعية، خشية وقوعها في يد من يسمونها بالجماعات المتطرفة، فيفتح ذلك الاحتمالات على اتساع رقعة الحرب خارج الحدود وخلط الأوراق بترتيبات مسبقة أو غير مسبقة، رغم أنها في الحقيقة تغطية على عمليات الإبادة الجماعية للنظام في بانياس.

خلاصة هذا الأمر بكل المخاطر المحدقة بتشعباته، مؤداها أهمية عدم ضياع البوصلة الأساسية للثورة، من الثوار والنشطاء، رغم تأثرهم بها شئنا أم أبينا، بحيث لا تثنيهم عن مواصلة نضالهم، حتى الانتصار على الطاغية، وألا توهن من عزائمهم، بدعوى تحميلهم، وإن بصورة من الصور، مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد، بما في ذلك عدم توفر أبسط مقومات الحياة، أو تثبطهم باعتبار أنهم مسؤولون عن استمرار النظام في التدمير والمجازر التي قد يطول أمدها، أو لأنها قد تفتح الباب على مزيد من التدخلات وخلط الأوراق. لأنهم ببساطة غير مسؤولين عن إجرام عدوهم أولا، وباعتبار أنهم يخوضون غمار ثورة كبيرة نيابة عن الأمة ثانيا، ولكونهم لا يواجهون نظام الأسد فقط، وإنما يواجهون المخطط الإيراني والروسي البغيضين ثالثا، ومن شأن نجاح ثورتهم بإذن الله إحداث تأثيرات لا تقتصر على سوريا فحسب، بل تمتد إلى الإقليم والوطن العربي والإسلامي الكبيرين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com