العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12/01/ 2014م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

صناعة الإرهاب ومحاربته- جماعة فتح الإسلام نموذجاً

بدرالدين حسن قربي

أدخلت تفجيرات برجي مانهاتن الأمريكيين في أيلول 2001 مصطلحَ الحرب على الإرهاب وملاحقته في سوق السياسة الدولية للمرة الأولى، وجاءت الغارات الأمريكية على أفغانستان بمثابة عملٍ استباقي وتطبيقٍ عملي للمصطلح المزعوم.  وهي مسألة سرعان ماالتقطها النظام الأسدي الإرهابي بحسه الاستخباراتي خشية أن تدور عليه الدائرة، للإفادة منها بتقديم نفسه محارباً عتيداً للإرهاب بما يضمن وجوده في السوق واستمراره في السلطة، مقدِّماً نفسه كأحد قدامى محاربيه معتمداً على ماقتله في ثمانينات القرن الماضي من عشرات الآلاف من مواطنيه باعتباره إرهاباً وليس حراكاً شعبياً ضد قمعه واستبداده وبطشه، وعارضاً خدماته على الأمريكيين بالتعاون الأمني الكامل معهم لهذا الغرض، وهو تعاون استمرّ حتى تموز/يوليو 2005 فيما أشار إليه فيما بعد عبد الحليم خدّام النائب السابق للرئيس السوري في إحدى مقابلاته.

جاء العمل الإرهابي في قتل رئيس الوزراء رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005 واتهام النظام الأسدي وحلفائه به سبباً رئيساً لرحيله من لبنان في ابريل من نفس العام، حيث دفع به غضباً أمريكياً، زاد في تخفيفه أو تهدئته أيضاً وعوده بالقبض على عناصر القاعدة من العائدين لسورية أو من العابرين بها إلى العراق المحتل.

ومابين دعم المقاومة للاحتلال الأمريكي، بعبور القادمين من خارج سوريا، وإرسالهم مع الشباب السوري المتحمس للجهاد، واعتماد طرق مختلفة في تجهيزهم ومساعدتهم وتسفيرهم بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق وكلائه ومعتمديه من مثل مانشأ في تلك الفترة باسم لجان نصرة العراق وغيرهم من مثل الشيخ أبوالقعقاع وأشباهه، الذي اشتهر في مدينة حلب شيخاً سلطوياً ناراً على علمأطلق على جماعته الجهادية اسم غرباء الشام، يحث فيها الشباب على جهاد الأمريكان في العراق ويجنّدهم للسفر لمحاربتها، فقد أنجز النظام الأسدي طريقة مزدوجة خبيثة نجح فيها صانعاً للإرهاب ومحارباً له في آن واحد.  فهو يستنفذ جهود شبابٍ يتطلعون إلى الجهاد فيجاهد بهم ويتخلص منهم هناك، بل وقبل ذهابهم أحياناً، ومن رجع منهم فإلى سجونه باعتبارهم إرهابيين تم القبض عليهم. فهو بالذاهبين يدعم المقاومة ويقاتل الأمريكان ويزيد في مستنقعهم من دون أن يُرَى، فيصنع بذلك إرهاباً في الاعتبار الأمريكي، ومن رجع منهم فإلى السجون، وهو بما يفعل يحارب إرهاباً شهوده في سجونه، يرفع بهم أسهم دعمه ويزيد به ثقة متروسي الحرب العالمية على الإرهاب به، وقصص الشباب السوريين ووقائعهم على هذه المسألة أكثر من أن تحصى.

تطورت صناعة الإرهاب ومحاربته لدى النظام الأسدي من شكلها البسيط المشار إليه إلى شكل آخر أكثر تعقيداً وخبثاً، وصل حدّ تشكيل منظمات له ومجموعات بأسماء ومسميّات وملثّمين وعمليات وبيانات وتهديدات تبدو معقدة وبعيدة عنه لحرفيتها العالية، ولكن ليس صعباً بالمتابعة والبحبشة والضبط والمقارنة والتحليل أن نصل إلى أن صناعة هذا الإرهاب الخبيث تتم في أجهزة استخباراته وفي أقبية أقذر رجالات أمنه ممن لايرعون ضميراً ولا خلقاً ولا إنسانية في مواطنيهم فضلاً عن غيرهم.  نستدعي هنا جماعة فتح الإسلام نموذجاً لهذه الصناعة الخبيثة القاتلة.

لقد أشار الكثير من اللبنانيين وفي مقدمتهم قوى 14 آذار وتيار المستقبل ضمناً، ومعركتهم جيشاً وشعباً مشتعلة في مخيم نهر البارد مع مجموعة فتح الإسلام إلى أنها صناعة سورية بامتياز.

دفع النظام الأسدي لرد هذه الفرية أن جماعة فتح الإسلام صناعة فلسطينية فتحاوية انتفاضية، أي أنها من صنع فتح الانتفاضة، وأنه لاعلاقة له بذلك البتة وإن كانت مقيمة على أرضه. وتأكيداً على براءة ذمته المعروفة تمّ اعتقال أبوخالد العملة مسؤول فتح الانتفاضة لفترة بسيطة على ماقيل حينها للتحقيق معه على أفعالٍ وترتيبات أمضاها دون علم الأجهزة الأمنية السورية حسب زعمهم مع شاكر العبسي.

ولمن لايعلم، فإن فتح الانتفاضة هي منظمة منشقة عن منظمة فتح/ياسر عرفات بجهود النظام السوري ودفعٍ منه بقيادة العقيد أبو موسى.  ولمن لايعلم أيضاً، فإن شـاكر العبسي المؤسس المزعوم لجماعة فتح الإسلام محكوم بالإعدام غيابياً لدى محكمة أمن الدولة الأردنية لإدانته في الاشتراك في اغتيال الدبلوماسي الأميركي لورنس فولي في عمان في خريف العام 2002 ، وهينفس القضية التي حكم فيها بالإعدام على أبومصعب الزرقاوي القاعدي أيضاً.  هرب إلى سورية وقُبض عليه فيها في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، لتستضيفه المخابرات السورية في زنازينها وسجونها بتهمة الانتماء لجماعة القاعدة، نفاها العبسي نفسه فيما بعد، مدعياً أن تهمته كانت محاولة تنفيذ عملية في الجولان، وحُكِم فيها بتهمة حيازة السلاح ونقله الى فلسطين، ولكنه أُخرج بقدرة قادر من قيعان السجن في حزيران/ يونيو 2005 على غير عادة المخابرات السورية مع ضيوفهم أي بعد سنتين ونصف فقط من سجنه، وبعد شهرين من خروج القوات السورية من لبنان(26 نيسان 2005 ) رغم كبير تهمته عند الجهات الأمنية السورية وعند الأمريكيين.  سُفّر العبسيإلى لبنان عقب خروجه، وظهر هناك كأحد المسؤولين القياديين في فتح الانتفاضة في العديد من مواقعها بالقرب من الحدود السورية.  ولم يلبث فيها غير قليل، حتى أعلن هذا العبسي مع قرابة مئتين من عناصره في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 خروجهم على فتح الانتفاضة وانشقاقه عنها وإعلان سيطرته على مواقعها والعتاد الذي فيها، وإطلاق اسم فتح الإسلام عليها، ثم الإعلان لاحقاً عن انتقالها وعتادها إلى مخيم نهر البارد.  وهكذا ظُهّرت المجموعة المنشقة وكأنها خروج عن فتح الانتفاضة ونَبْت إسلامي منها يؤكد رفضاً ومواجهةً لعصر (الأمركة) وسياسته في لبنان.  ثم لم تمضِ عشرة أيام (8 كانول الأول/ ديسمبر) على هذه التمثيلية حتى أعلنت السلطات السورية عن اعتقالها لأبي خالد العملة لأسباب ذكرناها سابقاً، أهمها ظهورها بأن لاعلاقة لها البتة بهذه الجماعة المنشقة.

ثم وفي 13 شباط/ فبراير 2007 أي بعد شهرين تقريباً من إشهار فتح الإسلام تمّ تفجير حافلتي ركاب في منطقة عين علق. وبعد شهر لاحق أعلنت السلطات اللبنانية رسمياً عن اتهام فتح الإسلام ووقوفها خلف التفجير وأن الاستخبارات السورية هي من يرعى هذا التنظيم.  أعقب ذلك قيام بعض عناصر التنظيم باعتداءات على قوى الأمن اللبناني واحتجازهم ومصادرة أسلحتهم، وقيامهم بعمليات سطو مسلح مما دفع بالسلطات الأمنية اللبنانية إلى إجراء مداهمات لأماكن مشتبهة لوجود عناصر هذا التنظيم، والذي ردّ بدوره ضد الجيش اللبناني باعتداءات وحشية أوقعت الكثير من الضحايا، مما أشعل مواجهة مشهودة في منطقة مخيم نهر البارد ومحيطه ابتدأت بتاريخ (20 أيار/مايو 2007 )أي بعد قرابة مئة يوم من تفجيرات عين علق، بين جيش خاض فيها حرباً ضروساً مع مجموعة جاهزةٍ ومجهزةٍ عُدَداً وعتاداً ومتهمةٍ بالإرهاب فضلاً عن أعمال القتل والسرقة، بهدف تسليم المتهمين أنفسهم إلى السلطات الرسمية أو استسلامهم.  وكانت معارك طاحنة خاضها الجيش مع منظمة لم يمض على إعلان تأسيسها وتشكيلها قرابة ستة أشهر، أظهرت فيها بأساً شديداً وامتلاكاً لكميات هائلةٍ مخيفةٍ ومريعة من أسلحة وذخائر وصواريخ لم يُسمع عن مصدرها ولاطريق وصولها، مكّنتها بقيادة شاكر بني عبس من مواجهة جيشٍ بحاله قرابة مئة يوم أو يزيد، قاتلوا فيها قتالاً شرساً تسبب بمقتل المئات من الضحايا والدمار لآلاف البيوت والعمارات، ومثلهم تشريداًلعشرات الآلاف من سكان المخيم، وسجلوا خلالها صموداً مشهوداً ومقاومة عنيدة وضعوا فيها لبنان على صفيح ساخن، وشغلوا قلوب أحبائه في وقتٍ أثلجوا فيه قلوب قوم آخرين ممن رسموا وخططوا وموّلوا وموّنوا وهدّدوا وسلّحوا وعلّقوا عليهم آمالاً في تخريب وتدمير لبنان على أهله وناسه، ولكن الله أحبط كيدهم بهرب الفتى العبسي مع بعض ناسه واختفائهم، بعد أقل من ستة أشهر على تاريخ التأسيس، وبعد أقل من عامين على إخراج المحارب العبْسي من سجنه السوري. 

يسجل للنظام الأسدي خلال معارك المئة يوم، أنه لم يتوقف عن إبداء قلقه اليومي وحزنه وأسفه لما يحصل في مخيم نهر البارد من ضربٍ لمنظمة مقاومة وممانعة.  ومثله فعلت المعارضة اللبنانية الشيعية على لسان حسن نصر الله التي اعتبرت في حينها أن مواجهة الجيش اللبناني لهذه الجماعة ودخول المخيم خط أحمر، فهدّدت وتوعدت وحذّرت من تجاوزه، ولكن جاء موقف الجبهة الشعبية- القيادة العامة على لسان أحمد جبريل بأن جماعة فتح الإسلام أنشأها وأنفق عليها الحريري، ويوم انقطعت عنها المعونات والرواتب بدأت بممارسة أعمال السطو على بنوكٍ كانت تقبض منها مرتباتها فضلاً عن جرائم القتل، وكذلك تصريح الجنرال عون بأن هذه جماعة إرهابية وعلى الجيش استئصالها. وعليه فقد بدت مواقف الجميع من هذه الجماعة الإرهابية وكأنها شكل من توزيع الأدوار.

انتهت معركة الجيش اللبناني في الأيام الأولى لشهر أيلول/سبتمبر 2007  بإعلان الدولة اللبنانية أن جيشها حقق أكبر انتصارٍ له على الإرهاب بضربه لمجموعة فتح الإسلام التكفيرية الإرهابية.  ولكن حقيقة الأمر ماكانت ذلك، بل هي أقرب لما يمكن تسميته، انتصار بطعم الهزيمة، أو هزيمة بطعم الانتصار، لأن المطلوبين بالنتيجة قد هربوا وفيهم شاكر بني عبس، ومعهم أعباء حملٍ كبير من تهم الإرهاب، فضلاً عن انكشاف زيف شعاراتهم في المقاومة والممانعة، وأسرار صناعتهم الاستخباراتية وصانعيهم مما جعل منها مجموعة مستنفذَة الدور والفعالية.  

ولم يمضِ عام بعدها، حتى تمّت عملية تفجّير ضخمة لسيارة أمام أحد أكبر المراكز الأمنية (فرع فلسطين) في دمشق في أيلول 2008، جيّرتها التصريحات الرسمية السورية مباشرة إلى أنها من عمل الإرهابيين التكفيريين رغم أنه لا أحد أعلن مسؤوليته عنها.  ورغم كل ماقيل ظنّاً عن الفاعل وتعدد الروايات والتحاليل، فإن أجهزة الأمن اتخذت المبادرة ودبلجت فيلماً تلفزيونياً في مطلع تشرين الثاني/أكتوبر، أعلن من ظهروا به أنهم من فتح الإسلام، وأنهم رجعوا إلى سوريا من لبنان لإعادة صلتهم بالقاعدة، وبقصد استهداف المراكز الأمنية والدبلوماسية الأجنبية، وأن عناصر سعودية من ضمن الجماعة نفسها وتيار المستقبل والتيار السلفي في طرابلس يدعمون تنظيمهم مالياً.  وعليه، فكانت الرسالة الأهم في الفيلم المفبرك إظهار أن سورية كما لبنان من قبله ومعها البعثات والدبلوماسييون الأجانب مستهدفة بإرهاب جماعة فتح الإسلام، وأن سوريا فيما فعلت واعتقلت، فهي في موقع المحارِب للإرهاب.

وعليه، فإن صانعي إرهاب فتح الإسلام ومصدّريه إلى لبنان، هدفوا في فيلمٍ فبركوه وزوروه، وأًحضِر من سجونهم ممثلوه، وعلى يد المخرج نجدت أنزور أخرجوه، وفي ذلك حدثني أحد من طُلب إليهم المشاركة في الفيلم مع عدد من السجناء مقابل إطلاق سراحهم لاحقاً مع ذكر اسم المخرج بالاسم، وأضاف أن سجناء غيره أيضاً رفضوا ذلك باعتباره بمثابة اعتراف بجريمة لاعلاقة لهم فيها وليسوا فاعليها.  طبعاً أرادوا من فيلمهم إجراء عملية غسل مخ إعلامي لجماهير الناس وغيرهم في الخارج أنهم المحارِبون للإرهاب لا الصانعون له، وهي مسألة يحرصون على الظهور بها دائماً، وإن كانوا في حقيقتهم ممسكين بالخطّين معاً صناعةً ومحاربةً لئلا يفوت عليهم شيء، ويكونوا المستفيدين كالمنشار في الحالين.   وعليه، فهم من طرف يظهرون براءة الأسد ومخابراته من جماعة فتح الإسلام صناعةً ودعماً وتخطيطاً وتحريكاً، ومن طرف آخر يؤكدون قدرته النوعية وكفاءته في ملاحقة الإرهاب والإرهابيين.

وأخيراً، فإن الفيلم المفبرك لم ينس أن يغلق ولو بشكل مؤقت ملف جماعة فتح الإسلام التي عرضنا بدايتها تشكيلاً وتأسيساً، بإظهار أحد سجنائه أبومحمد عوض الملتحي قائداً جديداً للمجموعة بديلاً عن محارب بني عبس الغائب عقب حرب مخيم نهر البارد، إما لاكتشافه بأن النظام السوري تخلّى عنه في النهاية ليحارب الإرهاب فيه ويكسب ثقة الغرب بذلك، فاختفى، أو أنه تعرض للتصفية من قبل النظام السوري بعد أن استنفد أغراضة منه ويدفن معه أسراراً كثيرة.

وأخيراً، فالإرهاب اغتيالاً وتفخيخاً أصله أَسَدي ومشهود له فيه على امتداد أكثر من أربعين عاماً بما يمتلك من أجهزةٍ أمنية متغوّلة متوحشة، وشبكات من رجال مالٍ وأعمال مرتبطة معه أشبه ماتكون بمافيات، وشركات ومكاتب تغطي الأعمال والمهمات والعمليات في سوريا ودول الجوار.   يسجل للنظام نجاحه في إجراء نقلات نوعيه في عمله الإرهابي بتحويله إلى صناعة من نموذج الصناعات الثقيلة بالدخول على خط المجموعات الإرهابية وتشكيل منظمات ومجموعات، إن بتجميع المكونات أو اختراقها بما هو مناسب، ينفّذ مايريد عبرها وبطريقة معقدة بالتعاون مع حلفائه الخبراء، كما يسجل له نجاحه في تسويق نفسه محارباً للإرهاب فضلاً عن صناعته لايُستغنى عنه خصوصاً امتلاكه مؤهلات القمع والقتل بدون حساب أو مخافة من الله ولا من الناس ولا من المجتمع الدولي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

داعش: هل هي فصيل معارض؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

السبت 4/1/2014

ليس بين نجاحات النظام ما يوازي نجاحه في فبركة وتصنيع تنظيمات أصولية - إرهابية قال عند بدء الثورة إنه يقاتلها ليحمي الشعب منها. هذه التنظيمات لم تكن موجودة في سوريا قبل قيام الثورة، لذلك قرر النظام صنعها، وبلغ نجاحه أوجه مع تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أو «داعش» كما يسميها السوريون، التي قدمت له خدمات جلى تركزت على:

- القضاء على الجيش الحر وانتزاع المناطق التي حررها منه، وإخضاعها لاستبداد مذهبي سرعان ما أخذ يقنع الشعب بقبول العودة إلى الاستبداد الأسدي.

- القضاء على الجهات والأوساط والشخصيات التي أسهمت في إطلاق الثورة وقيادتها، ولم يتمكن النظام في حينه من ضربها، والاقتصاص منها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الأسدية.

- القضاء على القوى والمؤسسات المدنية الساعية لإبقاء الرهان الديمقراطي حيا في السياسة السورية، وفي مقدمها «اتحاد الديمقراطيين السوريين»، الذي تأسس قبل نيف وشهرين من قوى وتنظيمات وشخصيات ديمقراطية ومدنية متنوعة المنابت، يجمعها النضال لإقامة نظام ديمقراطي في سوريا، ولقي تجاوبا مشجعا داخل سوريا وخارجها، لتوق قطاعات واسعة من السوريين إلى تعبير سياسي موحد عن القاعدة الشعبية الديمقراطية والمدنية الواسعة، التي لا يوجد من يتحدث باسمها ويعبر عنها اليوم، وترغب في وضع حد لخلافات الفئات السياسية المطالبة بالديمقراطية، أو التي تعلن انتماءها إليها، وفي انخراطها ضمن تنظيم أو تيار عريض موحد ليس لـ«اتحاد الديمقراطيين السوريين» من هدف غير الإسهام في تأسيسه، لإيمانه باستحالة أن يعبر تيار بمفرده عنه في الظرف الراهن، وأن وجوده ضروري كي يستأنف الشعب نشاطه السلمي ونضاله من أجل الحرية.

اتبعت «داعش» منذ تأسيسها على يد غزاة أغراب سياسات اقتصرت على التموضع في أماكن سبق أن حررها الجيش الحر، لكنه غادرها للقتال في مناطق أخرى. ولأن «داعش» لم تكن تملك في بداياتها غير عدد قليل من أغراب دخلوا سوريا بحجة نصرتها، فقد اتخذت من مدينة «الرقة» قاعدة لها، انتزعتها من الجيش الحر بعنف لم يسبق للمعارضين أن استخدموا ما يشبهه من قبل. في هذه الفترة، قضت «داعش» على تنظيمي أحفاد الرسول وصقور الشمال، عندما هاجمتهما بسيارات مفخخة حملتها بأطنان من المتفجرات، واستمالت عناصر من منظمات أخرى طالبتها بسلاحهم وحصتهم من غنائم الحرب، وإلا قاتلتها واستولت على ما لديها من أسلحة وذخائر، وحلتها. في مرحلة تالية، بدأت ترسل «مندوبين» عن «محكمتها الشرعية» لاعتقال قادة تنظيمات استضعفتها وخططت للقضاء عليها وضم مقاتليها إليها، بحجة فساد هؤلاء وكفرهم. فاتني القول إن «داعش» أصدرت فتاوى تكفر الجيش الحر، والائتلاف الوطني، والديمقراطيين، والمسلمين من رافضي مواقفها، وتوعدت هؤلاء جميعهم بالقتل، وقتلت بالفعل أو اعتقلت من وقع تحت أيديها منهم، بينما أرعبت غير المسلمين من خلال اختطاف وإخفاء كهنة ورجال دين مسيحيين أبرزهم المطرنان يازجي وإبراهيم والأب باولو، رغم أن الأخير دعمها وأيد تنظيمات الإسلام الجهادي الأخرى. أخيرا، وسّعت «داعش» عملياتها وسعت لاستمالة السكان بالمعونات الغذائية والمقاتلين بالأموال والسلاح، وجندت بصورة خاصة شبيحة النظام السابقين والمتعاونين معه، وقامت بعمليات قضم منظم للجيش الحر، ومطاردة حثيثة للديمقراطيين والمثقفين والإعلاميين ورجال الدين والفكر، الذين اعتقلهم وفق قوائم زودتها بها مخابرات النظام، وسلمتهم إلى فرع الأمن الجوي في مطار الطبقة العسكري، الذي فكت حصاره، وقاتلت من حاصروا أيضا الفرقة 17 واللواء 193 من جيش السلطة قرب الرقة.

بتطبيق هذا النهج في كل مكان تسللت إليه «داعش»، جرى إنهاك وقضم وحدات الجيش الحر المبعثرة والقضاء عليها، بينما أدى تعميمه إلى هيجان مذهبي اجتاح معظم فصائل الإسلام السياسي والجهادي، التي وجدت نفسها مكرهة على الدخول في مزايدات صعدت التطرف البادئ، الذي انخرطت فيه كي لا تتعرض للتآكل والموت.

خلال الفترة التي مرت على تأسيس «داعش»، لم يقم النظام بمقاتلتها أبدا، وإن شن قبل نيف وأسبوع غارة يتيمة بالطائرات على حاجز لها، هو أول عمل مسلح ضدها كتنظيم لا مصلحة له في إضعاف قدرته على قتل خصومه وأعدائه، في الجيش الحر والقوى الديمقراطية والإسلامية المعتدلة.

هل يجوز احتساب «داعش» على المعارضة؟ وهل يصح تحميل قوى تقاتل من أجل الحرية والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة مسؤولية أعمال يقوم بها تنظيم يرفض هذه الأهداف بقوة، ويقاتل من يقاتلون النظام أو من ثاروا عليه، ويكفر الحرية والنزعات المدنية وأنصارهما ويعد بالقضاء عليهم؟ أليس من الظلم عزو إرهابه، الذي لم يقتل إلى اليوم غير خصوم وأعداء الأسدية، إلى ثورة سلمية يقوض وجودها وسيقضي عليها إذا لم تنجح في القضاء قريبا عليه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : آيات وسياقات

06.01.2014

زهير سالم

عشنا حينا من الدهر ، وما نزال ، في ظل أنظمة استبدادية غاشمة ظالمة ضالة مضلة . سامتنا رهقا ، وأذاقتنا الظلم ألوانا ، وتفننت في إيذائنا ، وفي تجهيلنا وتضليلنا وخداعنا والكذب علينا ، ومراودتنا عن ديننا . تبذل كل جهد لإبعادنا عنه ، فإذا احتاجته اجتاحته لتوظيفه في خدمة مآربها ،واستخدمت ألسنة أناس باعوا قلوبهم وضمائرهم فحرفوا الكلم عن مواضعه ، ووظفوا آيات الله في غير سياقاتها ، ودفعوا بها في وجوه الناس في غير مواطنها ، يقلبون الحق باطلا ، والباطل حقا . حتى اعتاد الناس جميعا بما فيهم المنكرون على الظالم الفاسد المستبد ، الطريقة والأسلوب . في الرفض بالجملة ، والأخذ على السواء ، وتجاوز حكم الظاهر المتاح إلى حكم الباطن الذي لايعلمه إلا من يعلم ( السر وأخفى ) مدحا وذما ، وتعديلا وجرحا ، وتزكية وتعرية ...

وما أكثر ما سمعنا ألسنة الشر من دعاته ترمي المؤمنين الأطهار الأبرار لخلاف على بعض الأمر بأشد ما في كتاب الله من آيات ؛ من أمر في مواجهة المحادين لله ورسوله ، المشاققين لجماعة المؤمنين ، المفارقين لجماعتهم فيندفع لسان الشر في القذف بآيات الله في غير مواطنها في وجوه الناس : " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة " . أو" واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم " . أو أن يتهم بعض المسلمين وقد بغى بعضهم على بعض بآيات الحرابة دون آيات البغي فلا يجد من كتاب الله إلا قوله تعالى : " إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ " ..

ومع أن القرآن كله قرآن . ومع أنه آياته كلها كلمات ربنا جل وعلا ، وكلها نور مبين ، وحكمة بالغة ، وحجة بينة ؛ إلا أن أولي الألباب هم الأقدر دائما على إيراد الآية في سياقها ، والاستشهاد بها في موطنها ، إن كانت آية بشرى فلأهل البشرى بعموهم وحسب ظاهرهم ، وإن كانت آية نذارة أو عذاب أو وعيد فبحسبه أيضا وفي سياقه ...

أيها الناس اربعوا على أنفسكم فليست هذه شريعتكم وفي أحكامها كما تعلمون : الرجل يقتل كفرا ، والرجل يقتل حدا ، وفي شريعتها محارب مفسد ، وصائل يرد بما يرتد فيه ..

والجبان والضعيف والسفيه هو الذي يرمي بأكبر حجر ، أو بأغلظ عصا ، أو بأمضى سلاح في يده ، ويقذف بأعظم التهمة لمخالفه : الخيانة الوطنية ، والكفر الشرعي ، ومحاربة الله ورسوله والسعي بالفساد بين الناس ..

في شريعتنا حرب البغاة حرب تأديب حتى يفيئوا إلى أمر الله ، فإن فاؤوا فلا بغي ولا عدوان ، ولا يزفف على جريحهم ، ولا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ولا يغنم مالهم ..

أيها الناس : اربعوا على أنفسكم ، ولا تنسوا الفضل بينكم ، وهونا ما فعسى .. وعسى .. وعسى ..

يا أولي العلم : علمونا

3 / ربيع الأول / 1435

5 / 1 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النخب السياسية السوريّة كي لا تخجل مرة أخرى

منير الخطيب *

الحياة

السبت 4/1/2014

سألت، ذات يوم، أحد أعضاء القيادة القطرية السابقين لحزب البعث (قيادة صلاح جديد)، بعد خروجه من سجنه الذي دام أكثر من ربع قرن: ما الذي جعلكم في قيادة الحزب، عندما كنتم في السلطة، تسكتون على ممارسات صلاح جديد الطائفية؟ أجاب بطيبة فلاحّية: «يا أخي، كنا نخجل نحكي بهذه القصص، وكانت القضية الفلسطينية تهيمن على كل اهتمامنا».

أعتقد أن المسألة إلى حدود كبيرة كانت مسألة خجل، لكن في مستوى أعمق، هي مسألة وعي أساساً. عندما حضر الخجل بمعناه الشرقي الذي هو أحد علامات التصالح المبكر للفكر القومي مع التقليد، غاب الوعي النقدي، ومع غيابه، حجب الحضور الكثيف للقضية الفلسطينية قضايا الإنسان والحرية والدولة والوطنية، بالتالي بدأت تتشكل عناصر الأيديولوجية البعثية، بصفتها وعياً زائفاً للواقع أولاً، وقناعاً للمصالح ما دون الوطنية ثانياً.

يعيد التاريخ، مرة أخرى، طرح مسألة الخجل على النخب السورية، وإن في أشكال مختلفة وفي ظروف مختلفة. فبعد أن أدى توحش النواة العسكرية/ الأمنية للنظام، بالتعاضد مع الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية والدعم الإيراني غير المحدود، والتراخي الإقليمي والدولي أمام النكبة السورية، إلى إخراج المعارضة السياسية وقوى الحراك المدني السلمي من مجال الفعالية والتأثير، وبالتالي أبقى ذلك التنظيمات الإسلامية الجهادية في الواجهة وفي مجال الفعالية والقرار الفعلي على الأرض، وجدت المعارضات السياسية والنخب السورية عموماً نفسها، تمارس على استحياء نقداً خجولاً لممارسات هذه الفصائل الإسلامية، كونها الوحيدة القادرة على التصدي للبنية الأمنية للسلطة. وهذا واحد من التناقضات المستعصية التي فرزتها الثورة السورية في مرحلتها المسلحة.

لقد تحول ائتلاف قوى المعارضة السورية إلى مجرد «جبهة وطنية تقدمية» عند هذه الفصائل، وهذا يعيد إنتاج الإشكالية البعثية ذاتها.

لم تعد المسألة في سورية مسألة النظام، بل صارت مسألة الكيان السوري الذي أفصح عن هشاشة عميقة، ونقص صارخ في مسألة الاندماج الوطني، وكان شعار «الوحدة الوطنية» الذي تشدق به النظام، على الطالع والنازل، هو الغطاء الأيديولوجي الزائف لهذه الهشاشة.

إن الحفاظ على وحدة الكيان السوري ممكن بين ممكنات أخرى تتراوح ما بين تعفن الوضع الراهن والتقسيم، ومن أهم شروط وحدة الكيان السوري العودة إلى جذوة الثورة في مرحلتها الأولى، بصفتها ثورة من أجل الحرية والإنسان وبناء الدولة الوطنية، ويبدأ ذلك بالنقد الحاسم للعقل الفصائلي الإسلامي، من دون مواربة وتدليس، لأن مجال الوطنية مجال متخارج مع الأيديولوجيات الحصرية، والسوريون بعد كل هذا الخراب الذي لحق بهم، لا يمكنهم تحمّل إرادات خاصة تحتل مجالهم العام وتحكمهم لعقود مقبلة، مهما كانت المشروعية الأيديولوجية التي تتلطّى خلفها.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية إلى أين؟

حسين سليمان

القدس العربي

السبت 4/1/2014

كان عمر أميرلاي قد غاب عن عالمنا قبيل بدء الثورة بشهر وبضعة أيام، فقد رحل المخرج السوري صاحب الفيلم التسجيلي الكبير’طوفان في بلاد البعث’ في 5 شباط/فبراير بينما انطلقت شرارة ـ الطوفان – الثورة السورية، في 15 آذار/مارس من عام 2011. لم ير ما كان يأمله، ولم ير الاختبارات الأولى للثورة الطويلة والبعيدة المدى. لقد بدأت خجولة، فردية. كان عدد من الأفراد في أحياء دمشق يتظاهرون منادين بخفر للحرية، يهتفون ‘الله حرية وبس لا يمكن نسيان صدى أصواتهم، يشجع أحدهم الآخر في الهتاف، وينظر إليه ثم يهتف بصوت خفيض بالكاد نسمعه، وبعد قليل يعلو الهتاف ويصبح شبه جماعي، حتى تحولت هذه التظاهرات الفردية بعد فترة قصيرة إلى مسيرات عارمة ملأت المدن والبلاد تنادي بإسقاط نظام حافظ أسد- نظام حافظ أسد لأنه هو النظام الحقيقي، ولا يلعب فيه بشار سوى لعب صوري غير حقيقي. مازال حافظ اسد بيننا وهدف الثورة ليس فقط إسقاطه، بل إلى جانب ذلك، إعادة إعمار إنسان المنطقة. يبدو الآن هذا الكلام ممجوجا بعض الشيء بعد أن انكشف العمق الآخر من الحقيقة، وتبينت الطرق التي دُفعت إليها الثورة السورية، إلا أنني أحب أن أذكر أن ما عاناه الشعب السوري خلال الأعوام الماضية من هيمنة الواحدية الفردية – وتحويل سورية كلها الى سورية الأسد، كان طغيانا يخيم على الجميع، هذه المعاناة الظاهرية – من دون نسيان الهيمنة الكلية للمؤسسة الأمنية التي حولت الإنسان السوري إلى خادم يملأه الخوف من نظام صدّر له الرعب والموت – هذه المعاناة التي تبدو ظاهرية، هي المعاناة الأشد قسوة من حيث أنها لوثت الروح الجمعية للمجتمع السوري وحولتها إلى حيوان خائف مسالم يسيّره راع إله.

إلا أن ذلك لم يدفع السوريين إلى الصمت الكلي، طيلة الأعوام الماضية كانت السجون ـ الجحيم- تمتلئ بالمعارضين والمناوئين للنظام، فالروح التي أراد الأسد أن يطوعها أبت عليه ذلك. كان مقت النظام مبيتا عند إنسان المنطقة، إلا من كان من أعضاء مزرعته الذين في العادة تسكنهم أراوح تابعة، يرى المرء أمثالها في كل مكان وزمان. هؤلاء هم الذين قالوا للأسد ‘الوطن العربي قليل عليك ولازم انت تقود العالم يا سيادة الرئيس. هم الذين سلط عليهم عمر أميرلاي الضوء في ‘طوفان في بلاد البعث’، من أمثال مدير المدرسة الحزبي وشيخ العشيرة الأمي، لقد اعتمد الأسد على هؤلاء في بناء مؤيديه وقوته وبناء عناصر مخابراته، روبوتات إنسانية أضاعت روحها وسجنت حريتها لصالح الأسد ولصالح نظامه الطائفي ومصالحه مع أنظمة العالم.

لولا اللعبة الدولية المتشعبة المتراكبة لكان نظام الأسد قد انتهى الآن واندثرت الديكتاتورية، لكن على الشعب السوري أن يثور ليس على الديكتاتورية المحلية ممثلة بحكم الأسد العسكري، بل يثور أيضا على ما هو أكبر، يثور على العالم الذي يحكم وله يد في كل شيء. كأن الثورة السورية هي السباحة ضد التيار- تيار العالم- وكل ثورة جذرية ستكون هكذا. تيار قوي وثورة تبدو ضعيفة، إلا أنها ليست كذلك، حيث الروح الشرقية هي روح متدينة، ومن الصعب القضاء عليها وتشتيتها، وقد انتبه الغرب إلى ذلك فحول الثورة إلى صراعات طائفية شيعة وسنة على مبدأ الحديد بالحديد يفل، دفعها نحو تلك الصراعات كي ينتهي منها وتصبح سيطرته على البلاد أكبر مما كانت عليه من قبل. من جهة أخرى أراني أعلق ما يحصل الآن من حروب طائفية بين الشيعة والسنة على مشجب الغرب، إلا أن ذلك ليس صحيحا تماما ولا يمكن السكون إليه، فلولا قابلية النفوس الشرقية على حراث الظلم وعلى الحروب الطائفية لما نجح الغرب في استغلال مثل هذه الفرص. كان الاستغلال الوحيد الذي فعله هو وضع قدميه في الأراضي السورية عن طريق الحاكم نفسه، هذا الحاكم الذي حلل على نفسه ضرب مدنه وقصف أهله وحرم على نفسه التصدي لطائرات العدو التي اخترقت اجواءه ودمرت منشآته أكثر من مرة.

لم تنطلق الثورة السورية من العدم، لقد كانت لها أسبابها، ولم تحركها المؤامرة التي سيكون أصحابها في كل مكان من العالم يتربصون بالفرص كي ينتهزوها لتنفيذ مآربهم ومكاسبهم. إن الذي حرك الثورة السورية هو طموح ديني في التغيير، وهذا الطموح ليس طموح إمام جامع، ولا طموح جبهة النصرة أو داعش، ولا طموح سنة أو شيعة، بل هو طموح يعيش في الأعماق وقد استيقظ الآن ويأخذ بين فترة وأخرى أشكالا دينية في الأساس، أو أشكالا أخرى في الظاهر، إلا أنه في النهاية دلالة على بداية تحول جوهري في نفس الشرقي المتدين، الذي أمد العالم بأديان التوحيد.

هذه الثورة سوف تتقدم خطوات إلى الأمام ثم تعود القهقرى، إلى مكان يحسب من يراها فيه أنها انتهت وانطفأت، لكنها تستعر ومازالت متوهجة، وما رأيناه من نتائج لثورة مصر المحبطة وعودتها إلى مكان انطلاقها ليس سوى دليل على ما أقوله، هو القهقرى الذي ستقفز منه مرة أخرى نحو الأمام، وتنبذ العسكري وتعيد الأوراق كما تريد. إن كانت ثورة مصر هي ثورة رومانسية ومن السهل اللعب بنتائجها، فإن الثورة السورية هي ثورة دم بجدارة، لم تكن رومانسية لأنها نزلت وتلوثت بالطين والدم والدمار، وهذه الأضاحي لا تقبل النفس أن تمر من دون ثمن ومن دون نتائج. من قبيل أن العالم مركب على قانون لا يمكن خرقه، وهو العين بالعين، مبدأ المساواة، أو مبدأ حفظ الطاقة، وهو المبدأ الذي توسعت فيه وأشاعت سحره الفيزياء الحديثة التي أٌقرت أنه لا فوضى في هذا العالم، ما يحدث من نبض قلب هنا فإنه لا يضيع، لأنه سيتحول بعد فترة إلى علامة أخرى في مكان آخر. الكل مترابط ومتشابك، والظلام الذي يبدو للوهلة الأولى أنه سينتصر هو في الواقع يحفر حفرته كي يقع فيها.

لقد انتصرت الثورة السورية في اليوم الأول الذي قامت فيه، ذلك حين صعدت هتافها ‘الله حرية وبس. هذه الثورة التي تبدو الآن وكأنها تشوهت بالفصائل القادمة من خارج الحدود السورية، فصائل لمعاضدة الثورة وفصائل لإخمادها، سنة وشيعة، كل ذلك سيتم كنسه بمكنسة الزمن. إن مسبب هذه الفوضى هو النظام نفسه مع توجيه اسرائيل التي تحلم بحدودها من النيل إلى الفرات. في الواقع لقد كانت حدودها من النيل إلى الفرات ذلك حين كانت تتحكم في الأعوام الماضية وتسّير آلة مصر وسوريا، أما الآن فإن مخاض التغيير قد بدأ، وهذا التوسع غير المباشرة لها سوف تتم إعادة النظر فيه. ولا نرى الآن شيئا مختلفا سوى أن الثورة السورية قد كشفت الأقنعة، أقنعة العالم، وهالنا ما رأيناه من وجوه كان تبدي لنا عكس ما كانت عليه في الحقيقة.

‘ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أصبح النظام ومعارضوه مجرد أدوات في أيدي المتصارعين على سوريا؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 4/1/2014

لو نظرت إلى العناوين التي تطلقها وسائل الإعلام المختلفة على ما يجري في سوريا، لوجدت أن، حتى المؤيد منها للثورة لم يعد يسميها ثورة، فقد تكالب القاصي والداني عليها ليحولها إلى أكبر مأساة في هذا القرن. ومخطئ من يعتقد أن النظام السوري لا يحظى بدعم مخفي هائل من الأقربين والأبعدين لجعل الثورة السورية آخر الثورات، فقد أكدها رئيس النظام بنفسه في الخطاب الأول، الذي ألقاه في مجلس الشعب عندما قال: ‘سأقلب حركة دومينو الثورات في الاتجاه المعاكس، بحيث يتوقف قطارها في سوريا.

طبعاً، لن تكون الثورة السورية آخر الثورات، فعجلة التاريخ لا تتوقف في مكان معين، بل تواصل المسير حتى لو تعرقلت مؤقتاً. لكن الأكيد أن النظام، وبمباركة عربية وإقليمية ودولية، عمل على إفساد الثورة، وتحويلها وبالاً على الشعب السوري.

لا شك أن هناك الكثير من السوريين الذين ما زالوا مؤمنين بثورتهم، ويقاتلون مخلصين من أجل انتصارها، لكن أرض الواقع لم تعد تتحدث عن ثورة بالمفهوم الذي انطلقت به الثورة في الخامس عشر من شهر إبريل نيسان عام 2011.

لا بد من الاعتراف بأن سوريا تحولت إلى ساحة صراع دولي وإقليمي وعربي فاقع المعالم، لا بل يمكن القول إن التاريخ كله استيقظ في سوريا، ففجر مختلف أنواع الصراعات على الأرض السورية، السياسية والعرقية والمذهبية والدينية والفكرية والاقتصادية والتكتيكية والاستراتيجية.

وكان رأس النظام قد هدد بذلك منذ أكثر من سنة في لقاء مع صحيفة ‘التايمز البريطانية، حيث قال إن ‘سوريا تقع على فالق زلزالي خطير، فإذا تحرك تحركت معه كل المنطقة’. وهذا ما حصل فعلاً، بحيث أصابت مفاعيل الزلزال السوري كل الدول المجاورة دون استثناء.

بعبارة أخرى، فإن النظام انتقم من الجميع بتحويل الصراع إلى صراع عربي وإقليمي ودولي. لكن نتيجةً لتحول سوريا إلى أرض صراع ومحاور متنافسة وجد السوريون أنفسهم، نظاماً ومعارضة، مجبرين على الانضواء تحت لواء هذا الفريق أو ذاك، دون أن يعلموا أنهم تحولوا إلى مجرد أدوات وبيادق رخيصة، إن لم نقل مرتزقة، في خدمة هذا المشروع أو ذاك، بدل أن يمسكوا بزمام الأمور في بلدهم ولمصلحتهم.

لاحظوا الآن كيف أصبح الاستقطاب مرعباً داخل سوريا، فكي يحمي نفسه، حتى لو على حطام سوريا، راح النظام يستعين بالقاصي والداني لمواجهة الطرف المعارض، الذي بدوره استعان، أو فرضت عليه الاستعانة، بكل من هب ودب لمواجهة النظام.

وقد وصل عدد الجماعات الأجنبية التي تساند النظام في حربه ضد خصومه إلى ثلاثين فصيلاً من مختلف بقاع العالم. وقد أصبح الشيعي الباكستاني والأفغاني والكوري الشمالي والروسي والإيراني أقرب إلى النظام من أبناء جلدته المعارضين لحكمه. ناهيك عن أن النظام رهن ثروات سوريا النفطية والغازية لروسيا على أمل أن تساعده في البقاء في السلطة.

وفي المقابل أصبح الشيشاني والعراقي والقوقازي أقرب إلى مقاتلي المعارضة من أبناء بلدهم المؤيدين للنظام. وهو ما يذكرنا بحروب ملوك الطوائف في الاندلس، الذين كانوا يستعينون بالأجنبي على بعضهم البعض، فانتهى بهم الأمر إلى زوالهم جميعاً. فلا يفلح الأرض إلا عجولها، كما يقول المثل الشعبي. ولا يمكن للمرتزقة أن يبنوا أوطاناً أو يحققوا انتصارات وطنية، بل سيتعامل معهم العالم كمطية. ولا يستبعد أن يصبح مصير سوريا كلبنان والعراق بعد أن تحولت إلى ملعب دولي وعربي وإقليمي بعد أن كانت لاعباً رئيسياً.

لقد كان لبنان الدولة العربية الوحيدة التي لا تمتلك قرارها الوطني المستقبل، فلا يمكن تعيين رئيس إلا بعد أن تتفق الأطراف الخارجية التي لها مصالح في لبنان. لكن يبدو أن لبنان لم يعد وحيداً في هذا الأمر، فالعراق الذي تحول بدوره إلى لعبة، أصبح كلبنان بالضبط، بدليل أن الأطراف الإقليمية والدولية لم تقبل بتعيين اياد علاوي رئيساً للوزراء، بالرغم من أنه فاز في الانتخابات، فعينت إيران وأمريكا وسوريا نوري المالكي بدلاً عن علاوي، لأن القرار العراقي الوطني خرج من أيدي العراقيين بعد أن قبلوا بأن يكونوا مجرد أدوات في مشاريع الخارج.

وبدورها أصبحت سوريا، التي كانت تتلاعب بسياسات الدول المجاورة، هي نفسها كلبنان والعراق، بعد أن فقدت قراراها الوطني المستقل.

لاحظوا الآن: لا يمكن حل الأزمة السورية بين السوريين أنفسهم، بل عندما تتفق مصالح الدول التي تعبث بسوريا فقط. ولا يمكن تعيين قيادة سورية جديدة إذا هدأت الأمور إلا بتوافق عربي إقليمي دولي!

أين تكمن مصلحة بلد تم دفع أبنائه الى الاقتتال في ما بينهم؟ يتساءل أحد الكتاب. ألم يؤد ذلك إلى دمار البنية التحتية والعمرانية للبلد، وجعل من مؤسسات الدولة خرابات تأوي اليها الغربان، ولا نفع منها.

وأياً كان الطرف الرابح في هذا الصراع، فهو خاسر، وأقصد أبناء البلد. أما القوى الخارجية العابثة في بلدنا فلديها الاستعداد ان تحرق سورية أرضا وشعبا لأجل مصالحها. ولا أحد يلومها عندما تجد أبناء البلد الواحد وقد تحولوا إلى ما يشبه المرتزقة في خدمة مشاريع الآخرين، كما يفعل النظام ومعارضوه.

إن الأطراف التي تدعي مساعدة السوريين بمختلف فصائلهم الرسمية والمعارضة لا تفعل ذلك لتحقيق مصالح السوريين، بل لتحقيق مصالحها. فالدول ليست جمعيات خيرية، عربية كانت أو ايرانية أو روسية أو أمريكية.

ولا بد أن نتساءل الآن: أين مصلحة سوريا والسوريين ضمن المصالح الخارجية المتصارعة على أرض سوريا؟ لا نراها أبداً. للأسف!

الآن وقد تحولت الثورة السورية إلى إقطاعيات تمتلكها جهات خارجية عدة متصارعة، على السوريين أن يعملوا جاهدين على استعادة بلدهم من براثن الخارج الذي لا يهمه لا سوريا ولا السوريون، بل يهمه مصالحه في سوريا بالدرجة الأولى، كما اعترف نعيم قاسم، نائب زعيم حزب الله بنفسه، حينما قال:’ نحن ندافع في سوريا عن مصالحنا فقط’.

وما قاله قاسم ينسحب على المجموعات الأخرى، التي تتصارع مع جماعة نعيم قاسم. لهذا على السوريين، شعباً ومعارضة ونخباً وجيشاً وأمناً، أن لا يسمحوا لأنفسهم بأن يبقوا مجرد أدوات في أيدي قوى آخر ما يهمها سوريا.

وإذا لم يستطع السوريون بمختلف انتماءاتهم أن يلعبوا دوراً إيجابياً، على الأقل يجب أن لا يستمروا في لعبة المصالح الدولية والإقليمية المتطاحنة على أرض بلدهم في غير صالحهم.

‘ كاتب واكاديمي واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يرتقي الائتلاف الوطني السوري إلى مستوى المسؤولية؟

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 5/1/2014

هل يرتقي الائتلاف الوطني السوري إلى مستوى المسؤولية؟مع نشر هذا المقال، تجتمع الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في استانبول فيما يمكن أن يُعتبر واحداً من أهم اجتماعات الائتلاف منذ تأسيسه. لاتنبع أهمية الاجتماع فقط من طبيعة القضايا الحساسة التي سيبحثها، وإنما من زاوية تأثيرها في مصير الثورة السورية ومستقبل سوريا.

فرغم كل مايمكن أن يُقال عن الائتلاف وسلبياته، وهو كثير. ورغم الاتهامات الموجهة له بعدم قدرته على أداء دوره في تمثيل الثورة سياسياً، وهذا صحيح، يبقى الائتلاف حتى الآن الجهة السياسية الرسمية التي اعترفت بها دول العالم بشكلٍ أو بآخر.

صحيحٌ أن هذا الاعتراف لم يُنتج عملياً دعماً حقيقياً للسوريين وثورتهم يُنصفهم إنسانياً على الأقل، فضلاً عن أن يساعدهم في تحقيق أهداف الثورة. وصحيحٌ أن (اعتراف) دولٍ كروسيا وإيران جاء تدريجياً كنوعٍ من الاعتراف بأمرٍ واقع، وإن بغرض احتوائه ومحاولة توظيفه عبر المناورات السياسية لمنع الثورة من تحقيق أهدافها.

لكن الائتلاف بقي حتى الآن جهةً رئيسةً تحمل كموناً يجب العمل لتفعيله وصولاً إلى أداء دوره المطلوب. وهو أمرٌ لاتبدو مقدماتهُ ظاهرةً للمحلل الذي يتابع الأمور عن قرب إذا بقي الحال على ماهو عليه.

لهذا تحديداً نستعمل كلمات مثل (حتى الآن) و (جهةً رئيسة) بدلاً من (الجهة الرئيسة).

فمع اقتراب الموعد المُفترض لمؤتمر جنيف2، ومع المُعطيات المتجددة على الأرض السورية بشكل عام وفي المناطق المحررة تحديداً، لاتوجد ثمة إشارات بأن الائتلاف قادرٌ على أن يُحدث نقلةً في المسار السياسي الذي يتصدى للعمل فيه. وهي نقلةٌ باتت مطلوبةً بكل المقاييس.

لايكفي في هذا الإطار بعض التطور الذي حصل في حقل العلاقات الخارجية، لأنه تطورٌ لايزال محصوراً في حفنةٍ من التصريحات الإيجابية التي تصدر من هنا وهناك، وتقف مسألة الدعم عندها دون أن تتجاوزها إلى الفعل. وهو لايتناسبُ بالتأكيد مع حجم التوقعات في درجة الدعم الذي سيتلقاه الثوار يوم وصلت قيادة الائتلاف الحالية إلى موقعها الراهن في الانتخابات الماضية.

وحتى في موضوع الحكومة المؤقتة الذي يُفترض فيه أن يكون مجال اهتمامٍ كبير ومتابعةٍ حثيثة من قبل الائتلاف، لاتزال الحكومة تبحث لنفسها عن دور بعد قرابة شهرين من تشكيلها والمصادقة عليها. فهي لم تضع حتى الآن خطةً واضحةً للعمل، كما أن مجرد الاقتراب من الأرض السورية يبدو أمراً صعباً عليها، وهو مايجعل مصيرها بأسره معلقاً في الهواء.

والمؤكد أن هذه الحقيقة الأخيرة تعطي مؤشراً على نقطة ضعفٍ رئيسةٍ في أداء الائتلاف، تتمثل في ضعف تواصله مع الداخل السوري بشكلٍ عام، ومع القوى العسكرية الرئيسة على وجه التحديد.

ورغم أن تلك القوى مُطالبةٌ بأن تتعامل مع الجهة التي يُفترض أن تكون الذراع السياسية للثورة، وتفتح معها حواراً جدياً وصريحاً ومباشراً على جميع المستويات وفي كل المجالات، إلا أن الائتلاف نفسهُ مُطالبٌ بأن يكون أكثر واقعيةً في إظهار قدرته وأهليته الفعلية على (تمثيل) الداخل الثوري. يَصدق هذا على مستوى الرؤية والخلفية الثقافية، إذ لايُعقل أن يتم تهميش الهوية الإسلامية للثورة في المسار السياسي والالتفاف عليها من خلال إظهار رموز لبعض القوى التي لاتملك رصيداً فعلياً على الأرض. كما يَصدق في مجال التمثيل الفعلي لتلك القوى، إن على مستوى الاعتراف بدورها الرئيس والمتزايد في الداخل السوري، أو حتى في تأمين وجود دورٍ لها في صناعة القرار داخل الائتلاف ومؤسساته المختلفة.

والحقيقة أن مثل هذه الممارسة يجب أن تكون محوراً من محاور التفكير السياسي للائتلاف لأن هناك تقدماً ملحوظاً في طريقة تفكير القوى المذكورة عسكرياً وسياسياً، فضلاً عن التقدم في دورها العملياتي. وقد ضربنا مثالاً على هذا الواقع الجديد عند الحديث عن الجبهة الإسلامية في المقال السابق.

ويأتي موقف الجبهة الجديد والعلني من تنظيم (داعش)، خاصةً بعد مقتل الطبيب حسين سليمان ليصب في خانة تعزيز دورها في الساحة السورية، وهو ما يبدو أن القوى الدولية أدركته من استقراء مواقفها المُعلنة. ومع تقاطع مواقف الجبهة بشكلٍ متزايد مع مواقف القوى الإقليمية والدولية حول هذا التنظيم وفكره بشكلٍ عام، تُصبح تلك المواقف الإقليمية والدولية مفهومةً وقابلةً للتطور من الجهتين، خاصةً مع ازدياد جرعة (الواقعية) لكلا الطرفين، ولو من زوايا رؤية مختلفة.

من هنا تأتي الحاجة لنقلةٍ في عمل الائتلاف ربما تصل إلى حد الانقلاب على طريقة عمله منذ إنشائه إلى يومنا الراهن. وإذا صحت الأنباء عن إمكانية ترشيح الدكتور رياض حجاب لرئاسة الائتلاف، فقد تكون هذه (ضربة معلم) على كثيرٍ من المستويات. فمن ناحية، تبدو علاقات الرجل مع القوى الإقليمية والدولية جيدة. ومن ناحية ثانية، يبدو مؤكداً أن علاقاته جيدة بالداخل السوري وقواه المختلفة. إضافةً إلى هذا، يمثل وجوده في مثل هذا الموقع رمزياً عملية استمرارية الدولة السورية وفصل هذه الاستمرارية عن مسألة إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه. وأخيراً، فإن وجوده في هذا الموقع قد يكون حلاً لمسألة الاستقطاب الداخلي في الائتلاف، وهي مسألةٌ لاتزال سائدةً حتى الآن.

وعلى عكس مايعتقده البعض، ربما يكون وجود الرجل في هذا الموقع ورقة قوية للائتلاف في حال تقرر أن مؤتمر جنيف2 يمكن أن يُسفر عن نتائج إيجابية في مصلحة الثورة. إذ لايُشترط بالضرورة أن يكون هو رئيس الوفد المفاوض، بل يكون الرئيس شخصاً آخر من المحبذ أن يكون من المعارضة في الداخل. وهذه ممارسةٌ لها دلالات رمزية وسياسية عملية، ويمكن لها أن ترفع سقف شروط المعارضة وتقوي أوراقها التفاوضية. كل هذا إذا انعقد المؤتمر أصلاً، لأن الشكوك في ذلك لاتزال قويةً لأسباب كثيرة.

خلاصة الموضوع أن الائتلاف بحاجة لانتفاضة سياسية وتنظيمية تُعطيه القدرة على تحريك المسار السياسي الراكد، وعلى القيام بمبادرات تضعه في موقع صانع الحدث، وعلى إحداث اختراق سياسي وعسكري ملحوظ. وبغير هذا، لايمكن لجنيف ولا لغيرها أن تكون مفارق طريق إيجابية على طريق تحقيق أهداف الثورة.

وقد تكون اجتماعات الهيئة العامة للائتلاف الفرصة الأخيرة لتأمين ذلك الاختراق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف السوري وتحدياته الراهنة

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 5/1/2014

يبدأ الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة دورة اجتماعات جديدة، تستمر يومين في استانبول، ما لم يجر تمديدها لإتمام جدول أعمالها يوما إضافيا على نحو ما تكرر مرات في اجتماعات الهيئة العامة للائتلاف، وهو أمر طبيعي في دورة أعمال جديدة هي الثالثة، يمكن القول إنها دورة ذات أهمية في عمر الائتلاف، بحكم المهمات الكبيرة الملقاة على عاتق الاجتماع الحالي.

ويشمل جدول أعمال الهيئة العامة للائتلاف ثلاثة مواضيع رئيسة، أولها سياسي، يجسد تحديا ليس للائتلاف فقط، وإنما لكل المعارضة وللشعب السوري. إذ مطلوب من الهيئة العامة للائتلاف اتخاذ قرار واضح ومحدد حول مشاركة الائتلاف في مؤتمر جنيف2 أو عدم المشاركة. والموضوع الثاني في المواضيع موضوع تنظيمي سياسي، يتصل بتعديل النظام الأساسي للائتلاف الذي يرسم ملامح الائتلاف، ويحدد طبيعة مؤسساته وعلاقاته الداخلية إضافة إلى تحديد الفضاءات السياسية التي يتحرك الائتلاف في حدودها. والنقطة الثالثة والمهمة هي انتخاب قيادات الائتلاف، حيث من المفترض انتخاب رئيس للائتلاف، وثلاثة نواب للرئيس وأمين عام، يشكلون الهيئة الرئاسية، كما يجري انتخاب مجموعة من الأعضاء يضافون إلى الهيئة الرئاسية ليشكلوا معا الهيئة السياسية للائتلاف.

وبخلاف جدول الأعمال المهم والخطير الذي ينبغي على الاجتماع إنجازه، فإنه من الطبيعي، أن تُطرح مواضيع أخرى على الاجتماع بغية معالجتها وفي هذا الجانب ثمة قضايا كثيرة ومهمة، يجري تبادل الرأي حولها بين التكتلات المؤتلفة أو بين الشخصيات المشاركة، بل إن بعض تلك المواضيع، سوف يطرح في وقته، ولا شك أن بين المواضيع المهمة التي سيجري البحث فيها موضوع التطورات السياسية والعسكرية التي تتواصل في الداخل، وخاصة في موضوع الصراع بين جماعات التطرف وأبرزها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مع الجيش الحر، وموضوع الحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد طعمة وما قامت به من أعمال أولية، والعلاقات بين قوى المعارضة السورية في ضوء احتمالات جنيف2 وإمكانية مشاركة الائتلاف فيه، وهناك كثير من النقاط، التي سيطرحها حضور الاجتماع ومنها موضوع اللجنة القانونية والمكتب الإعلامي اللذين لم يحدث أي تغيير فيهما منذ أن تم تشكيلهما قبل عام مضى، ولم يجر تقييم أدائهما من جانب الهيئة العامة للائتلاف، وقد بات ذلك مطلوبا في ضوء التغييرات الحاصلة في الائتلاف وحوله من البيئات الداخلية والخارجية.

الجديد في المواضيع المطروحة أمام الهيئة العامة للائتلاف، أنها مطروحة وسط أجواء توافقية، تأخذ بعين الاعتبار نموا أكبر من أي وقت مضى بالوعي الجمعي للائتلاف حول خطورة الظروف المحيطة، ليس بالائتلاف وحده، وإنما بالمعارضة السورية وبالقضية الوطنية كلها الواقعة اليوم تحت تأثير عوامل أبرزها تصاعد سياسة القتل والدمار والتهجير، التي يتابعها نظام الأسد وأدواته وتحالفاته من روسيا إلى إيران والميليشيات المسلحة مثل حزب الله اللبناني ولواء أبو الفضل العباس العراقي وغيرهما من قوى باتت تشكل قوى احتلال أجنبي في سوريا، تعمل على دعم النظام سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وتشارك بكل قوتها في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير سوريا، وسط تنامي نفوذ جماعات التطرف الديني والقومي، التي تمثل «داعش» و«جبهة النصرة» و«قوات الحماية الشعبية» التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أبرز تعبيراتها، وكله يتواصل وسط تغييرات سلبية في الموقف الدولي من حيث تعامله مع ثورة السوريين.

وحسب الأجواء العامة داخل الائتلاف، فإن المواضيع المطروحة أمام اجتماع الهيئة العامة سوف تمر بسلاسة، لم تحدث في المرات السابقة نتيجة توافقات جرت بين الكتل والشخصيات المؤثرة في الائتلاف، وهي توافقات تعززها تجارب الاجتماعات قبل الأخيرة، وتم فيها تمرير ثلاثة مواضيع بدت ذات إشكالية كبيرة في الائتلاف، وهي قضية تشكيل الحكومة السورية المؤقتة، وضم ممثلي المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف، وإقرار وثيقة تتعلق بمحددات مشاركة الائتلاف بمؤتمر جنيف2.

غير أن الأجواء الإيجابية والتوافقية المتوقعة في الاجتماعات الحالية للائتلاف، لن تعني أبدا، أنه لن يكون هناك شد وصراع ونقاشات حادة في الاجتماعات، وهذه أمور طبيعية في أي هيئة أو تحالف سياسي، لكن الأمور ستكون في النهاية في الحدود المقبولة، وإذا جرى ذلك، وأعتقد أنه سيجري، فإن الائتلاف سيكون أقدر في الفترة المقبلة على ترتيب أوضاعه الداخلية وكذلك علاقاته في المستويات الداخلية والخارجية، وسوف يكون بإمكانه الذهاب إلى الأبعد في ممارسة مهماته وإدارة الصراع مع النظام بطريقة أفضل مما كان عليه الحال في الفترة الماضية دون أن يعني ذلك أنه سيكون بالمستوى المطلوب منه في مواجهة احتياجات القضية السورية، التي باتت بالفعل ذات أبعاد إقليمية ودولية، صار السوريون فيها أضعف قوة مؤثرة، بينما كان من المفترض، أن يكونوا القوة الأكثر تأثيرا وفعلا، وهو ما يفترض أن يعمل عليه السوريون في الفترة المقبلة وينبغي أن يكون الائتلاف في مقدمة العاملين السوريين في هذا المجال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإنسانية ومثقفو الأسد

د. عوض السليمان

القدس العربي

الاثنين 6/1/2014

من المضحك أن نظام بشار الأسد، راسل الأمم المتحدة طالباً إليها تجريم ‘الفكر الوهابي’ وتحريم الانتماء إليه واعتباره فكراً يدعو إلى القتل وسفك الدماء. ومن المضحك أكثر أن ‘مجلس الشعب السوري’ راسل أيضاً برلمانات العالم للغاية نفسها.

بإلقاء نظرة بسيطة على ما يقوم به النظام في سورية من إلقاء براميل الموت على المدارس والمدنيين، وقتل الأطفال بالسلاح الكيماوي وتشريد الملايين، يوضح على الفور أي فكر ذلك الذي يجب أن تجرمه القوانين الدولية.

وبعيداً عن إجرام جيش بشارالأسد بتقتيل المسلمين ومحاولة إفراغ مدنهم، ثم تسليم بيوتهم إلى الإيرانيين والحوثيين وجماعة حزب الله. فلننظر بهدوء إلى مثقفي هذه الطائفة والذين ادعوا أنهم دعاة فكر وتنوير وطلاب حرية ومساواة.

أبدأ مع الممثل بشار إسماعيل الذي قال انه تحدث مع كلبه، واشتكى له كلبه أنه بحاجة لأكل لحم الثوار في القلمون، إلا أن بشار إسماعيل قال لصاحبه ‘وكيف تقبل أكل لحم الخنازير’.

أما نزار نيوف فقد طالب جيش الأسد بقصف أي حي مدني أو مسجد أو مشفى يتواجد بقربه الثوار، لأن ذلك المكان يصبح هدفاً مشروعاً.

أما علي إسبر الملقب بـ’أدونيس فهو من أوائل من وقف ضد الثورة السورية لأنها خرجت من المساجد، كما قال، وقد نسبت إليه قبل أسبوعين هذه الجمل ولم يقم بالرد عليها أو نفيها:’فلتحترق….احترقي يا دمشق…أبي جهل ومعاوية وعهر يزيد احترقي يا حلب …اجرام صلاح الدين احترقي حمص المكناة بإجرام ابن الوليد احترقي يا درعا …البداوة والجهالة والثأر والضباع المناكيد لتحترق كل هذه الهياكل لو كانت من الطيبات ما أنتجت كل هذي الرزايا.’

صفحات مؤيدة عديدة للأسد وشبيحته رحبت بقصف النظام للغوطة بالأسلحة الكيماوية بل ووضعت شعاراً لها :’الكيماوي يمثلني’.

سنا أبي حيدر مذيعة قناة الميادين التابعة لحزب الله قالت بعد تداول أخبار استشهاد عدد من الأطفال السوريين بسبب البرد في عرسال: ‘عرسال للاجئينôالله لا يشيل عن قلبكم شمتانه للسما يلي بدو يعطيني دروس في الانسانية يسكر تمو لأن صراحة لإجري هالخونة’ بينما تداولت مواقع أخرى عبارات مثل ‘هؤلاء الخونة لا يحتاجون إلى مساعدات غذائية وأدوية بل يحتاج أباؤهم إلى مانع للحمل كي لا ينجبوا مزيداً من الخونة’.

أما ابن سفير النظام في عمان بهجت سليمان فقد كتب على صفحته، ‘البراميل براميلنا والشعب شعبنا، نرمي براميلنا على من نشاء ولا علاقة لأحد بذلك.’

مؤيدو بشار في مدن الساحل وقراه، أنشؤوا صفحة على الفيس بوك تداعوا من خلالها لطرد النازحين من قراهم ومدنهم ودعوا إلى التنكيل بهم لأنهم سنّة وحسب.

لن أتكلم كثيراً عن مئات المصورات التي ظهر فيها شبيحة ‘الطائفة الكريمة’ وهم يقطعون الأحياء بالسكاكين، أو هم ينبشون قبور الصحابة أو هم يقصفون مسجد خالد بن الوليد رضي الله عنه أو المسجد العمري ولا عن تلك المصورات التي يتم فيها نتف لحية الشيوخ من وجوههم أو التسلية ببعض المرضى حتى الموت. ففي سوريا فقط وليس في أي مكان في العالم ولا حتى السجون الإسرائيلية يغمس الجرح في الأسيد حتى تذوب اليد كلها، أو يسحب من العين ماؤها بالحقن كما حدث مع ثوار داعل في بداية الثورة.

أي فكر يجب أن يجرم إذاً، وأي فكر لا يتصف بالإنسانية ولا يعرفها، وإذا كان ما سبق قد جاء ممن يفترض أنهم مثقفون وعليّة القوم فما بالك إذاً بشبيحتهم وفساقهم.

إنه فعلاً لمنطق غريب، أن يحاصر النظام الغوطتين سنوات حتى يموت أطفالها جوعاً، ويشرد نصف الشعب السوري فيموت أطفاله برداً، ثم يقصف بلاده بالبراميل والكيماوي ويطالب بتجريم الفكر الوهابي. كيف نفهم أن هذا النظام، وفي الوقت الذي كان يدمر فيه برزة قلب دمشق بالصواريخ والطيارات كان يسير المظاهرات تأييداً لما يفعل ويجمع المغنين في ساحة الأمويين وسط العاصمة ليهتفوا لأبي حافظ.

لا يمكن للثورة السورية أن تحقق أهدافها إلا إذا استأصلت شأفة هذا النظام وغيبته عن الوجود للأبد بحيث لا يتمكن بعدها من عودة أو قيام، وإلا فستكون الثورة ناقصة بل فستكون بلا قيمة وسرعان ما تكبو من جديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواقف متوقعة في «جنيف-2»

حسين العودات

البيان

الاثنين 6/1/2014 

ينشغل المهتمون من ممثلي الدول الكبرى والإقليمية والعربية، وممثلي المعارضة السورية والنظام السوري، بمؤتمر جنيف-2، وتجدهم مختلفين حول من يحضره، ومحاور جدول أعماله، وأسماء أعضاء الوفود المشاركة فيه، ومكان الاجتماع، ومدة المؤتمر، والإطار العام لمقرراته المحتملة، وهل هي ملزمة أم لا؟

ومن الذي سيلزم الأطراف المعنية كي تطبقها؟ وينشطون وكأن نتائج المؤتمر ستحل الأزمة السورية وتنهي عذابات الشعب السوري، وتوقف نهر الدماء الذي يسيل في سوريا وأعمال العنف والتهديم والتدمير والاعتقال والتشريد، مع أن معظم هؤلاء ليس لديهم في دواخلهم يقين أو شبه يقين بأن المؤتمر سيصل إلى نتائج تحقق الأهداف المطلوبة منه أو حتى بعضها.

وهم في الواقع يتواطؤون مع أنفسهم وعلى أنفسهم، كما يتواطأ بعضهم على البعض الآخر، وينشغلون بالقضايا الثانوية والإجرائية ذات العلاقة بشكليات افتتاح المؤتمر، وبالاجتماعات والندوات الدبلوماسية وغير الدبلوماسية، بينما يسعى كل منهم ويبذل جهداً جهيداً لتحقيق مصالح بلاده أو تياره السياسي قبل كل شيء..

ولا يهتم معظمهم بأن الشعب السوري يدفع ثمناً غالياً لأي تأخير، ويعيش مأساة من المآسي الكبرى في التاريخ الإنساني، وينتظر الدبس من جنيف، التي لا دبس فيها ولا عنب ولا زيتون.

من جهة أولى، يرفض النظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون والروس رفضا مطلقاً، أي تنازل جدي ينبغي تقديمه لصالح الشعب السوري، مهما كان رأي المؤتمرين الآخرين في جنيف قابلاً أو رافضاً، ويرون أن المهمة الأساسية للمؤتمر هي توحيد الجهود لمقاومة الإرهاب في سوريا، إضافة لبعض الإصلاحات..

أما القضايا الأخرى من تغيير النظام وتحديثه أو تطويره أو إيقاف العنف والقتل والاعتقال والتدمير وغيرها، فهي أمور ثانوية في نظرهم، ويتساوى في ذلك الطرف الروسي مع الإيراني مع أهل السلطة السورية الذين صرحوا أكثر من مرة بأنهم لن يذهبوا إلى جنيف لتسليم السلطة أو تغيير بنية النظام وهيكليته، ويعتبرون أن هذه قضايا سورية داخلية تقع تحت مبدأ السيادة، ولا يحق لأحد بحثها سوى النظام وأهله.

ويؤكد الإعلام السوري يومياً، أن السلطة ذاهبة إلى جنيف لبحث إجراءات مقاومة الإرهاب وطرد الإرهابيين من سوريا ليس إلا، اللهم إلا باستثناء بحث بعض الأمور التي يسميها إصلاحية، وهي في الواقع تزيينية.

ومن جهة ثانية، يعمل الأميركيون والأوروبيون لإصدار قرارات عن المؤتمر تنبيْ بالوصول لشراكة "ودية" بين المعارضة والنظام، من تفصيلاتها توحيد الجيش النظامي السوري مع الجيش الحر، وتشكيل هيئة مشتركة بمثابة حكومة، ويأملون الاتفاق على تخفيف صلاحيات الرئيس..

أي أنهم في الخلاصة يتمنون تسوية سطحية بين الطرفين المتصارعين، لا تحل الأزمة ولا تؤسس لمستقبل واضح لسوريا، وتحافظ مقابل ذلك على مصالح الغرب والروس والإيرانيين في سوريا.

وهكذا تكون القرارات مرضية للجميع ومحافظة على مصالحهم، وتشكل الحد الأدنى المشترك من هذه المصالح، وتأخذ في اعتبارها تأمين القدرة على مقاومة الإرهاب في سوريا، في المرحلة اللاحقة.

أما المعارضة السورية فقد أعلنت من جهتها حزمة من الطلبات واسعة الطيف، لا تجد، رغم أحقيتها وصحتها، سنداً لها بين المشاركين في المؤتمر، ولذلك تتعرض هذه المعارضة لضغوط استثنائية من القريب والبعيد، تكاد لا تستطيع الوقوف في وجهها، إضافة إلى تشرذمها وتفرقها وتباين مواقف فصائلها.

وأخيراَ، فإن الشعب السوري الذي يدفع الثمن الأكبر ويعيش المأساة والظلم والقهر، لا يجد من ينتصر له في جنيف من القادرين على نصرته، أو من يهتم به من القادرين على الاهتمام، ومع ذلك هناك شرائح هامة وكبيرة منه ما زالت تنتظر "الترياق من العراق" والحل من جنيف، وتتواطأ مع أنفسها وعلى أنفسها، محاولة تصوير الوهم في وعيها ووعي جماهيرها إلى ما يشبه الحقيقة، في انتظار عودة غودو الذي لن يعود، وقرارات جنيف التي لن تصدر، وجميع الأطراف تنتظر معجزات لن تأتي أبداً..

لو توفرت النيات الصادقة لدى جميع الأطراف المهتمة بحل الأزمة السورية، لشكل مؤتمر جنيف - دون شك - وسيلة مناسبة وفعالة لوضع "خارطة طريق" جدية لخلاص الشعب السوري وبلده من المستنقع الذي هو فيه، ولو توفرت الجدية الكافية لدى هذه الأطراف للبحث عن حلول شاملة وموضوعية وقابلة للتطبيق، لكانت نتائج المؤتمر ذات جدوى حقيقية توصل إلى هذا الهدف.

ولكن الذي يبدو هو أن لكل طرف من هذه الأطراف رؤية مختلفة، وهدفاً خاصاً به يعطيه الأولوية الأولى.

وفي النهاية، فمثلما تحول الصراع في سوريا إلى صراع الآخرين على أرضها، سيتحول مؤتمر جنيف إلى تنافس الآخرين على توزيع قطعة الجبن السوري وامتداداته الداخلية والإقليمية، وسيتوزع الجميع قطعة الجبن هذه دون أن يبقوا للشعب السوري أي شيء يأكله أو حتى يتذوق طعمه.

وربما سيكون مؤتمر جنيف ملهاة لتسلية السوريين وغيرهم، تلهي الجميع بضعة أشهر بحثاً عن أسلوب مخدر آخر يشعر العالم بأن أصحاب الشأن يبذلون جهودهم للوصول إلى حل للأزمة.. وما الأمر في الحقيقة سوى سوق تباع فيها الأوهام وتشترى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وعار المنظمات الدولية

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 7/1/2014

ما يعتصر سوريا الآن من كوارث وآلام ومجازر، يُعتبر من قِبل مرجعيات دولية، حالات غير مسبوقة في هولها وإجراميتها، خاصة عندما تستهدف الأطفال تحديداً، وكثير من المعمرين ومن النساء، نجد أنفسنا أمام كائنات بربرية متوحشة، وإذا أضفنا إلى تلك المواصفات بعضاً مما تبثه أجهزة إعلام وناشطون هنا وهناك عما يحدث في سوريا، فإن حالات من القلق والخوف الهائلة تنتاب أعداداً متعاظمة من أولئك الأطفال والمعمرين والنساء إلى درجة الفوبيا (الرعب الفظيع). ومؤخراً تصل أخبار تعلمنا أن أطفالاً يموتون من الجوع والرعب والبرد، العار والشنار يا أيها القابعون في مؤسساتهم الدولية.

لم نُجب عن مهمات أولئك بشيء من التفصيل، ولكننا نعلم علم اليقين النقطة الحاسمة التي تلتصق بهم، إنها حماية البشر والدفاع عن حقوقهم في أثناء توزيع الموت يميناً وشمالاً على أيدي قتلة ظالمين محميين من قِبل مجموعة من الدول الفاشلة التي تتستر وراء مصالحها، وتعلن عن أسمائها باسم حماية القانون الدولي.

لقد استخدمت تلك الدول ما يغطي جرائمها باسم قانون (الفيتو) الذي وضع لحماية العدل، وليس من قِبل هذه أو تلك الدولة.

لقد جاء «الفيتو» تلو «الفيتو» من قبل دول يقوم نظامها السياسي على مبادئ الاستبداد والاستئثار بمعظم الثروة والسلطة والإعلام والمرجعية السياسية الشمولية.

أليس مبعثاً للاستفزاز أن يُضرب بالحائط بمصالح الشعب السوري لنتصور أن ضرورات الحياة تتوقف لدى أكثرية عظمى من هذا الشعب لمصلحة قتل وسحق مئات الألوف من هؤلاء، وتهجير ملايين آخرين لمناطق مختلفة من بلدهم ولبلدان متعددة خارجة.

وجاءت صواريخ «سكود» لتليها حرب كيماوية، وبعد ذلك لتلقى براميل متفجرة على الأفران والمنازل والمدارس، إضافة إلى بيوت العبادة كلها، وفوق ذلك كله لتسحق آثار الشعب السوري الحضارية، فيقف السوري ويتساءل بمرارة غير مسبوقة: هل في أيتام متيمون؟

دخلنا في العام الجديد ليبقى شهران اثنان على مرور ثلاث سنوات وحرب الإبادة تدور رحاها، لنكتشف أرضنا وقد زُرعت بلحم الشهيد من كل الفئات والطوائف والأعراق، ناهيك عن كل العسكريين والمدنيين، والسؤال الأعظم يفصح عن نفسه بكل الأسى البربري الذي يواجهنا بالتساؤل التالي: مَنْ الذين خططوا لهذا التسونامي، بعد أن ظهر في معظم الأوساط السورية؟ لماذا هذا كله؟ لمصلحة مَنْ هذا؟ ألم يكن العرض الذي قدمه معظم الشعب مناسباً لشفاء غليل سادة الموت والحقد والذبح، لِمَ لمْ يحاسب مَن فجّر الموقف في أوائل الحدث الجلل قبل ثلاث سنوات. إنه العار الثالث يأتينا بعين العار، ويسائلنا عما إذا لم نتعلم شيئاً من مُثل الحرية والعدل والكرامة، وكذلك من آيات الحب والتآلف والعيش المشترك.

لقد كاد الكثير أن ينسوا ذلك كله، ولم يتمكن فريق من العلماء المؤرخين الأجانب أن يصلوا في التاريخ العالمي إلى ما يقترب من الدماء السورية التي سفكت، خصوصاً أن الباعث على ذلك لا يقترب من نقطة دم تفجرت في رأس طفل أو امرأة أو شيخ أو رجل. ويبقى السؤال التالي الساذج الذي ينزف دماً: ما الذي أنجزه الرئيس في الولاية الأولى والولاية الثانية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تبدّل موقع الإسلاميين السوريين...

ياسين الحاج صالح *

الحياة

الثلاثاء 7/1/2014

طوال أكثر من ثلاثة عقود شغل الإسلاميون السوريون موقعاً تغييرياً من الأوضاع العامة في البلد. هذا الموقع يشهد اليوم تغيراً كبيراً، يرجح أن يكون مديداً أيضاً وكثير العواقب.

كان «الإخوان المسلمون» هم تيار «الإسلام السياسي» الرئيس بين الثمانينات ومطلع الثورة السورية، وإن ضم في ثناياه مجموعات جهادية، كان من أبرزها «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين» التي جرّت «الإخوان»، ليس من دون تردد، إلى مواجهة مع النظام في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وآل الأمر بمن نجوا من قادتها إلى الانخراط في حركة الجهاد الأفغانية والعالمية.

بين مطلع الثمانينات والثورة السورية كان «الإخوان» في موقع المعارضة للنظام الذي تحكم بالقوة بسورية (ولبنان والفلسطينيين). في العقدين الأخيرين من حكم حافظ الأسد ضمت سجون نظامه الإسلاميين مع يساريين وقوميين، عرباً وكرداً، وفلسطينيين ولبنانيين، هذا وقت كان المجتمع السوري كله يسحق وتستبيحه الاستخبارات والنهب. عبر هذه الخبرة العامة الكبيرة، برز ضرب من شراكة في معارضة النظام الأسدي بين الإسلاميين والطيف المعارض العلماني. شراكة موضوعية، إن جاز التعبير، تنال منها في كل حين الفوارق الكبيرة في الحساسية والمخيلة ونمط الحياة والمثال الاجتماعي الذي يجرى التطلع إليه. بعد عام 2000، وكان جميع السجناء اليساريين والقوميين قد خرجوا من السجون، وأكثر من بقي حياً من الإسلاميين، ظهرت علائم على التحول نحو ضرب من الشراكة الذاتية، أي التوافق في المنظورات والتفكير. على خلفية «ربيع دمشق» القصير العمر، وتراجع وزن المحددات الأيديولوجية في تفكير المعارضين العلمانيين، وهيمنة طرح ديموقراطي مجرد في أوساط المعارضة العلمانية، أصدر «الإخوان المسلمون» في أيار (مايو) 2001 وثيقة باسم «ميثاق الشرف الوطني»، نصوا فيها على التزامات في شكل الدولة ونظامها السياسي تقرّبهم من الطيف المعارض العام داخل البلد، وتفكر في الإسلام بصفته «مرجعية حضارية». وعبر مواقع إنترنت ناطقة باسم «الإخوان» أو قريبة منهم، وبرامج تلفزيونية قليلة، ولقاءات خارج البلد بين معارضين معروفين من الداخل وقياديين في «الإخوان»، تشكلت شبكة من التفاعلات بين عموم المعارضين والإسلاميين غير مسبوقة في تاريخ سورية منذ بداية الحكم البعثي.

في أواخر 2004 أصدر الإسلاميون وثيقة موسعة في عنوان المشروع السياسي لسورية المستقبل، تجمع بين التزامات «ميثاق الشرف»، و «تؤصلها» فكرياً وشرعياً، وتزكي مفهوماً إجرائياً للديموقراطية متمركزاً حول صندوق الاقتراع وحكم الأكثرية. وبعد حين أصدروا وثيقة حول الطائفية، تجمع بين المركزية الإسلامية وبين مساواة قائمة على: لهم ما لنا (نحن المسلمين السنّة، ضمناً) وعليهم ما علينا. وفي خريف 2005 انضم «الإخوان المسلمون» إلى ائتلاف «إعلان دمشق» بعد الإعلان عنه بساعات، في ما شكل ذروة التقارب السياسي بين المعارضة في الداخل و «الإخوان المسلمين».

ثم بعد حوالى شهرين من انضمامهم إلى «إعلان دمشق» ساهم «الإخوان المسلمون» مع عبدالحليم خدام، نائب الرئيس السوري الذي كان انشق حديثاً عن النظام وقتها، في تأسيس ما سمي «جبهة الإنقاذ الوطني».

وعلى رغم أن «الإخوان» أعلنوا «تجميد» معارضتهم للنظام، بالتفاعل مع العدوان الإسرائيلي على غزة في أواخر 2008 ومطلع 2009، فإن النظام ذاته تكفل ببقائهم ضمن الطيف المعارض، وفي موقع الفاعل التغييري من حيث المبدأ. وعلى كل حال، عادت الجماعة إلى المعارضة بعد الثورة.

الملمح العام لأزيد من عقد من السنين هو محاولة الإسلاميين الدخول في الحقل السياسي السوري بالمشاركة مع غيرهم، ومن موقع معارض وتغييري غالباً.

بعد الثورة عرض عنصران جديدان في ما يتصل بشراكة الإسلاميين مع غيرهم من المعارضين.

أولهما تذمر متواتر ومسموع الصوت من محاولة «الإخوان» الهيمنة على مؤسسات المعارضة الجديدة التي تشكلت أثناء الثورة، «المجلس الوطني السوري»، ثم «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» السورية. لا وجه لحصر اللوم بـ «الإخوان» عن محاولة الهيمنة، لكن يبدو الأمر محققاً، وهو مصدر توتر وثقة متراجعة بين الشركاء.

العنصر الثاني والأهم هو صعود مجموعات إسلامية مقاتلة من خارج إطار «الإخوان»، تحمل أيديولوجية سلفية، وبعضها تشكيلات جهادية، تعتبر «الإخوان» أنفسهم علمانيين، وقد تُكفِّرهم. بعض هذه المجموعات، مثل «داعش» («الدولة الإسلامية في العراق والشام») يكفر كل من خالفه، ويشكل قوة فاشية تعمل على السيطرة على الموارد العامة والحياة الاجتماعية في مناطق وجودها، وتعمل على تحطيم المجموعات المدنية والعسكرية الأخرى المرتبطة بالثورة. بعض آخر مثل «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» و «جيش الإسلام» ليس في سجله جرائم مثل «داعش» بعد، لكن منظوراته الفكرية والسياسية لا تبعد عنها كثيراً. والمشترك بين هذه التيارات أن قادتها كانوا في سجون النظام على خلفية ظهور مجموعات جهادية بارتباط مع الصراع العراقي، وبارتباطات متناقضة مع الأجهزة السورية.

لسنا هنا حيال تيارات سياسية جرى تهميشها وقمعها فاتجهت قطاعات منها نحو التطرف، بل حيال مجموعات لا سياسية جوهرياً، تشبه أجهزة الاستخبارات أكثر مما تشبه الأحزاب السياسية. العالم الفكري لهذه المجموعات لا يتعدى الأدبيات التحريضية والتعبوية الركيكة للسلفية الجهادية، وسمتها المشتركة الضمور التام للبعد الروحي والإيماني للتدين الإسلامي ذاته، فضلاً عن كل ما له علاقة بالعالم الثقافي والأخلاقي الحديث.

تبدو هذه التحولات خطوة ثانية في التطور النكوصي للدولة والسياسة في سورية، بعد الخطوة الكبيرة الأولى المتمثلة في نشوء المملكة الأسدية. لقد شكل تعثر الثورة السورية مناخاً ملائماً لخطوة نكوصية ثانية تتمثل نشوء إقطاعيات عسكرية دينية، تشكل مملكة الأسديين نموذجاً قياسياً لها. في المحصلة هناك تحول في موقع الإسلاميين من فاعل تغيير من حيث المبدأ إلى عبء وطني واجتماعي كبير، وإلى قوة تفتتٍ وتجزؤ تكمل الفعل التحطيمي الأساسي للفاشية الأسدية. وهو تحول مترافق مع إعادة تشكل الخريطة الإسلامية ذاتها لمصلحة التيارات السلفية، المجاهدة منها والجهادية، وعلى حساب التيار «الإخواني».

ماذا يحتمل أن يكون تفاعل «الإخوان» مع هذا الوضع؟ واضح اليوم أنهم ليسوا متن القوى الإسلامية، ولا هم مظلتها الجامعة العريضة، ولا في موقع قيادتها. وبينما لا يبعد أن «يتسلّفوا» على نحو كان المرحوم حسام تمام قد شخص ما يشابهه قبل سنوات بخصوص «الإخوان» المصريين، فإنه لا يبعد أيضاً أن ينقسموا بفعل عملية التجذر السياسي النفسي الكبيرة الجارية في بيئات سنّية سورية، وإعادة التشكل الواسعة في أوساط الإسلاميين. سبق لعملية تجذر سابقة بعد الانقلاب البعثي الأول أن تسببت في تمايز «الإخوان» الشوام (الدمشقيين) بقيادة عصام العطار عن «الإخوان» الحلبية والحموية (مروان حديد، عبدالفتاح أبو غدة وآخرين)، ومن طبائع الأمور أن تتسبب تحولات برية وزلزالية، غير مستوعبة وغير متحكم بها، في إعادة تشكل واسعة في إطار «الإخوان» أنفسهم، وقد يكون الانقسام بين حلبية (بقيادة المراقب العام السابق علي صدر الدين البيانوني) وحموية (بقيادة المراقب العام الحالي رياض الشقفة) أحد تجلياتها.

ختاماً، لن يتأخر هذا التغير الكبير في موقع الإسلاميين، في سياق إعاة التشكل الواسعة الجارية في البلد، عن حفز تفاعلات فكرية وسياسية مناسبة، مغايرة ومعاكسة لمسار العقود الثلاثة الماضية، وفي اتجاه علماني تحرري (مقابل العلمانية الفاشية للأسديين ووكلائهم الأيديولوجيين). لا ريب في أن المواجهة المستمرة مع النظام الأسدي تضعف إمكانات التمايز الفكري والسياسي على المستوى الوطني، وضمن الإسلاميين أنفسهم، إلا أن المعركة مفروضة من جانب المجموعات الفاشية المتشددة، والصراع لم يعد خياراً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيارات سورية!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الثلاثاء 7/1/2014

من الصعب اليوم استشراف منطويات وأبعاد تدمير سوريا، سواء في ما يتعلق بأهميتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أو بما تمثله من إرث حضاري ودور تاريخي. ومن المحال اليوم الحديث بدقة رقمية أو تفصيلية عن نتائج التدمير الذي تتعرض له، وطاول كل فرد من شعبها: من أعلى قمة هرمه وصولا إلى آخر فرد فيه، حتى ليمكن القول إن سوريا ستكون بحاجة لأن يعاد بناؤها حجرا حجرا وبيتا بيتا، وإن ما صنعه شعبها على مر تاريخه لا بد أن يعاد صنعه من جديد، وإلا فإنها لن تنهض من تحت ركام الدمار الشامل، الذي ألحقه بها نظام غاشم على يد جيشه وما يتفرع عنه من منظمات ومؤسسات أمنية وعنيفة، أسسها في الأصل كي تكون مستعدة في أي وقت لتدمير ما كان يسميه كذبا «وطنه».

ثمة نتيجتان متناقضتان سيتمخض عنهما الصراع الدائر اليوم في سوريا:

- انتصار النظام وبقاء سوريا بلدا نازفا، يجب أن يظل مدمرا إلى فترة طويلة لا يستطيع شعبه خلالها الخروج من الشلل العام، الذي أنزلته به آلة عسكرية فتاكة، ستحرص على عدم نهوضه من جديد، حتى لا يستأنف مقاومته ويكرر ما جرى بعد عام 1982، حين سحقت حماه وقال حافظ الأسد في اجتماع للقيادة القطرية إنه قصم ظهر المعارضة لمائتي عام. لكن ثورة عام 2011 أكدت أن قوله بني على الجهل بطبيعة الشعب السوري، الذي انتفض بعد أقل من ثلاثين عاما على أفظع مجزرة مروعة عاشتها مدينة في الشرق العربي على مر تاريخه، وانخرط في ثورة لا تشبه ما هو معروف من ثورات، ليكون هذا الإنجاز الخارق مفاجأة مزدوجة عبرت عن جدة الحدث وعظمة الشعب المبدع الذي صنعه من جهة، ووحشية النظام وغربته عن الشعب من جهة أخرى، والتي جعلته يرى في موت أبنائه وتدمير عمرانه انتصارا له، ودليلا يؤكد قدرته على إبقاء المواطن السوري مهزوما لا أمل له في انعتاق أو حرية.

- سقوط النظام وإعادة بناء سوريا جديدة ومغايرة، لا تشبه ما سيخلفه نظامها وراءه.. ستنهض دولتها الوطنية والديمقراطية على أسس مغايرة جذريا للأسس التي قامت عليها دولة الطغيان والاستبداد الراهنة.. سيكون السوري فيها إنسانا كامل الحقوق ومواطنا حرا وليس رعية خاضعة أو عبدا ذليلا وتابعا، وسينظم القانون، السيد الوحيد، الذي سيخضع له كل فرد فيها أينما كان موقعه، علاقة المواطن الحر بالسلطة وبالمجال العام، وسيضمن مجتمعها المدني، مجتمع المواطنين الأحرار والمنتجين، استقلالها ووحدتها. بذلك، سينشأ لأول مرة في تاريخنا تطابق بين ثالوث المواطن والمجتمع والدولة، أساسه المواطن الحر، حامل الشأن العام، الذي سيحميه القانون والقضاء المستقل والرأي العام القوي والإعلام الحر، ودوره في فضاء سياسي - اجتماعي مفتوح يمكن تحرك الفرد فيه بحرية من دون أن يرتطم ارتطاما عنيفا بغيره، فإن وقعت له فيه مشكلات تمت تسويتها بالوسائل السلمية والتوافقية كالحوار وتوازنات القوى والمصالح والتنازلات المتبادلة وغيرها. بعد سقوط النظام الحالي ستبني سوريا نفسها بطريقة تحصنها ضد الاستبداد، بأي صورة كان، وإلا فإنها لن تصير وطنا يحقق أهداف شعبها: العدالة والمساواة والكرامة.

ستأخذنا الحرب الظالمة، التي يشنها النظام وتفرعاته الأصولية والأمنية ضدنا، في واحد من اتجاهين متناقضين:

- هزيمة الثورة، وما ستنتجه من تفاقم في الاستبداد سيحول بين الشعب وبين العودة إلى مدنه وقراه، وسيقضي على أعداد كبيرة من أبنائه الذين لم يغادروا وطنهم، الذي سيبقى مدمرا ليظل عاجزا عن الوقوف على قدميه واستعادة عافيته، خشية أن يقوم بثورة جديدة.

- أو انتصار الشعب على الاستبداد السياسي والمذهبي - الفئوي، وإعادة بناء وتجديد سوريا في حاضنة تاريخية وقيمية مغايرة تماما للحاضنة التي خنقها النظام طيلة نيف ونصف قرن، وساقتها إلى هزائم خارجية متكررة ومجازر داخلية متلاحقة.

ليس لتدمير سوريا الراهن غير معنى وحيد: الإبقاء على السلطة ونظامها عبر القضاء على شعب يدفعه وعيه بمقاصد استبدادها وسياساتها إلى تقديم تضحيات يومية محملة بطابع إنقاذي يريد حماية حياة وحقوق كل فرد في وطننا، بينما يبقي أبواب المستقبل مفتوحة على الأمل في تحقيق ما خرج ناسنا لتحقيقه: الحرية للشعب والعدالة والمساواة للمواطن، الذي لن ينسى ما عاناه من وحشية، يقاومها منذ نيف وثلاثة أعوام بأفعال مفعمة بنكران الذات، يقدمها في العادة طلاب الحق والكرامة، وهم في الطريق إلى حريتهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مقاومة.. ممانعة ومتانحة

هيثم المالح

الشرق الاوسط

الثلاثاء 7/1/2014

عقب استقلال سوريا بدأت تجربة ديمقراطية كانت الأولى في العالم العربي، ولم يكمل المجلس النيابي الأول مدته، حين أقدم الضابط حسني الزعيم على اختطاف السلطة والانقلاب على الشرعية بتحريض ودفع من السفارة الأميركية في دمشق - لطفا انظر كتاب «لعبة الأمم» لمايلز كوبلن. وكان من مهام الانقلاب الدخول في المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي وتوقيع معاهدة تمرير خط التابلاين عبر الأراضي السورية، وتم ذلك.. وفي غضون أربعة أشهر ونصف الشهر تمت الإطاحة بحسني الزعيم، وأعدم هو ورئيس وزرائه محسن البرازي، وتتالت الانقلابات العسكرية التي كانت الأولى من نوعها في العالم العربي حتى وصلنا إلى انقلاب الضابط أديب الشيشكلي الذي حكم بين عامي 1951 ومطلع 1954 حين وقع انشقاق في الجيش بين شمال سوريا وجنوبها.. وعلى الرغم من أنه كان يملك القوة العسكرية القادرة على التغلب على الطرف الآخر، غإنه آثر الاستقالة ورفض السماح بسيلان الدم السوري من أجل السلطة، وأعقب زوال حكمه بداية مرحلة جديدة من الديمقراطية. وفي المجلس النيابي تقدم ناظم القدسي، الذي كان نائبا عن حلب، باقتراح لإصدار قانون لمحاسبة الانقلابيين الذين يعتبرون مجرمين باغتصاب السلطة بموجب قانون العقوبات السوري، إلا أن اقتراحه لم يلق قبولا، ثم جاء عهد الوحدة التي اشترط عبد الناصر لقيامها حل الأحزاب في سوريا، وتم له ذلك. وقد أجريت المفاوضات من أجل الوحدة بين فريق من العسكريين الذين زاروا القاهرة وتباحثوا مع عبد الناصر لإقامة الوحدة، وبدأ عهد جديد في سوريا تمثل في إنشاء حكم قائم على الأجهزة الأمنية، وانعدم فيه الحراك السياسي الذي اختصر في جهاز السلطة الحاكمة.

عقب الانفصال الذي قاده انقلابيون عسكريون أواخر عام 1961 بدأت سوريا بالعودة للحياة الديمقراطية، إلا أن الاضطرابات التي وقعت عام 1962 بتحريض من قوى خارجية وامتداداتها الداخلية أدت للفشل في قيادة البلاد، مما مهد لوقوع انقلاب 8 مارس (آذار) 1963 بقيادة ضباط بعثيين وناصريين، وأعلنت في ذلك الوقت حالة الطوارئ، وأبعد عدد كبير من المفكرين والسياسيين عن الساحة العامة بصدور مرسوم العزل المدني الذي شمل هؤلاء.. وفي 17 يوليو (تموز) تمكن البعثيون من تصفية خصومهم من الناصريين واستفردوا بالحكم. وبغض النظر عن الاضطرابات التي وقعت في أعوام 1964 و1965 لا بد من وقفة قصيرة مع الكارثة التي ألمت بالأمة في الخامس من يونيو (حزيران) عام 1967 حين سقطت الجولان كما سقطت سيناء في يد الكيان الإسرائيلي في فلسطين.

كتب خليل مصطفى بريز، الذي كان ضابط استخبارات الجيش في الجولان، كتابا بعنوان «سقوط الجولان»، اتهم فيه حافظ الأسد بالخيانة العظمى، وكان الأسد في ذلك الوقت وزيرا للدفاع، ومن مخبئه في دمشق أعلن سقوط الجولان، وأمر الجيش بالانسحاب كيفيا أي من دون تحضير، في الوقت الذي لم يكن فيه أي جندي من جنود العدو قد وطئت قدماه الجولان. وفقط للعلم فإن تلك المنطقة كانت من أكثر المناطق تحصينا، إذ تحتوي على ملاجئ ضد الذرة واستحكامات قوية جدا، ولم يجر أي اشتباك بين الجيش السوري وجيش العدو.. وفي عام 1968 اختطف مؤلف الكتاب وجيء به من لبنان إلى دمشق، وحكم عليه من قبل محكمة عسكرية بالسجن خمسة عشر عاما قضاها ثمانية وعشرين عاما، ولم يسأل وزير الدفاع سؤالا واحدا حول سقوط الجولان، وبدل أن تتم تنحيته من منصبه - حتى لو سلمنا جدلا بتقصير غير مقصود - وصل إلى منصب رئيس الجمهورية، وهكذا قبض ثمن خيانته، ومع ذلك تدفقت على نظامه مليارات الدولارات من دول الخليج بداعي ما سمي دول الطوق، وطبعا سرقت كميات كبيرة من تلك الأموال وأودعت خارج سوريا في أماكن متعددة، وتحول نظام الخيانة إلى نظام «مقاومة وممانعة».

وأعقب كل ذلك حرب 1973 التي فاجأ بها الجيشان السوري والمصري الكيان الإسرائيلي ومع ذلك ولولا وصول امدادات عراقية ساندت الجيش السوري في الجهة الجنوبية لكان جيش الصهاينة قطع طريق دمشق درعا، وهكذا خسرنا في هذه المعارك ضعف ما خسرناه في عام 1967، ولم يتم استرداد القنيطرة مهدمة إلا بالمفاوضات وهي لا تزال مهدمة حتى الآن، وما زال أهلها مشردين خارجها. وورث بشار الأسد نظام أبيه القائم على استقرار العدو ،الإسرائيلي في الجولان منذ احتلالها وحتى الآن، فيما بقي النظام يرفع كذبا شعار الممانعة والمقاومة، وإذا شئنا المتانحة، ويتمترس النظام خلف هذه الشعارات، بينما هو يحافظ على أمن الكيان ،الإسرائيلي ومستوطنيه في الجولان المحتل، ولم يطلق رصاصة واحدة باتجاه أي غارة جوية شنها العدو الإسرائيلي على مواقع متعددة في سوريا، ولا على طيرانه الذي يحلق فوق سمائنا.

في موقع قرب دير الزور، ما سمي مفاعلا نوويا، هبطت طائرات العدو يومين متتاليين قرب الموقع فدمرته، واصطحبت طائراتها بعض الخبراء وعادوا سالمين إلى الكيان الذي احتلوه، ودائما تصرح خارجية النظام بأنها سترد في الوقت المناسب، بينما غصت سجون النظام بالآلاف من أصحاب الرأي، ومورس القمع والاضطهاد على أوسع مجال، وازداد الشعب احتقانا حتى كانت ثورته التي بدأت مع تباشير الربيع العربي في تونس ومصر، فما كان من أجهزة السلطة الحاكمة إلا أن واجهت المتظاهرين بالرصاص الحي طوال ستة شهور من بدء الثورة، وقد سقط في هذه الشهور خمسة آلاف شهيد صرعى رصاص الغدر والطغيان الأسدي الذي لا يزال يتمترس خلف شعار المقاومة والممانعة، في حين صرح رامي مخلوف مع بواكير الثورة بأن أمن إسرائيل هو من أمن سوريا.

قال تعالى في كتابه الكريم «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون»، فكانت شعارات الممانعة والمقاومة هي مجرد خداع الرأي العربي والداخلي. وقد انخدعت فعلا العديد من القوى والفعاليات العربية من دون أن يعلموا ماذا يجري في الداخل. واستمر نظام آل الأسد في حربه على المنتفضين من الشعب السوري فنشر ثلاثة آلاف دبابة على مختلف المدن والقرى السورية، وبدأ في استعمال كل أنواع الأسلحة لقمع الشعب المنتفض، وبدأت أجهزته تجري تمشيطا في البيوت فتكسر زجاج النوافذ وتطلق النار على خزانات المياه حتى لا يستفيد منها أحد، وتخلط المواد التموينية في البيوت، في خطوة واضحة تهدف إلى تجويع الشعب ورميه فريسة الأمراض، كما عمدت شبيحته ورجال أمنه في خطوة دنيئة للتحرش بالفتيات واغتصابهن في أسلوب ممنهج بهدف كسر شوكة الثورة.

دخلت كتائب عديدة لتحارب مع العصابة الحاكمة من الحرس الثوري الإيراني، واتخذ رئيس الحرس قاعدته في دمشق وكذلك من حزب الله في لبنان ومن ألوية أبو الفضل العباس وآخرين من العراق وحوثيين من اليمن وباكستانيين والعديد من دول ومناطق متعددة، حتى بلغ تعداد المقاتلين من هذه الجهات أكثر من ستين ألف مقاتل وخمس وعشرين كتيبة من جهات مختلفة.. كما دخلت إيران بكل قوتها المالية التي ضخت إلى العصابة الحاكمة دفعة واحدة اثني عشر مليارا من الدولارات وخمسمائة مليون دولار شهريا، علاوة عن السلاح الذي يتدفق عبر العراق. وقد صرح وزير خارجية العراق هوشير زباري مرارا معترفا بذلك، كما ضخت روسيا السلاح إلى العصابة الحاكمة بلا حدود، ووقفت في مجلس الأمن في وجه أي قرار ينقذ الشعب السوري ويوقف شلال الدم، ونشرت بعضا من أسطولها على الشواطئ السورية.. هذا المشهد الذي ذكرته آنفا هو ما ساعد العصابة الحاكمة على استمرارها في مقاتلة الشعب السوري.

وأضحت إيران مع كل أذيالها من حزب الله إلى ألوية شيعة العراق وغيرها وروسيا شركاء العصابة الحاكمة في قتل السوريين واستمرار سفك دمائهم، وقد تجاوز عدد الشهداء مائتي ألف سوري ونصف مليون معتقل ومليوني دار مدمرة وعشرة ملايين مشرد.

يحق لنا هنا أن نتساءل كيف يمكن لمثقفين وصحافيين كبار في مصر والأردن وغيرها أن يجاهروا بدعم نظام يقتل شعبه بغض النظر عن اعتقادهم بممانعة النظام ومقاومته؟.. فهل يجوز لأي نظام مهما كانت صفته أن يمارس القتل في شعبه والتنكيل به وتدمير بنيته التحتية والفوقية، وبعد ذلك نجد هؤلاء الذين يسمون مثقفين أو كتابا أو صحافيين يقفون مع المجرم ضد الضحية؟

لقد خلد التاريخ نيرون لإحراقه روما، ونحن الآن في سوريا أمام عصابة اغتصبت السلطة ابتداء لكنها دمرت دولة ومجتمعا، فهل يعتقد من يقف في جانب العصابة الحاكمة أن من دمّر مليوني مسكن هم المتطرفون الذين جاءوا إلى سوريا بسبب رؤيتهم لمشاهد ذبح الأطفال والنساء الذين تجاوز عدد شهدائهم خمسة وعشرين ألف شهيد، بينما تجاوز عدد المغتصبات سبعة آلاف وخمسمائة مغتصبة. وقد صرح هؤلاء المتطرفون بأنهم جاءوا لمساعدة الشعب السوري الذي يدافع عن نفسه، أفلم ير هؤلاء الذين يجاهرون بمعاونة نظام قاتل مجرم أنهم يقفون إلى جانب الجلاد؟ فلو عاد هؤلاء جميعا - حين كانت بلدانهم تئن تحت نير الاستعمار - إلى الشعب السوري الذي يقتل الآن سيجدون أنه كان هو الذي يساند جميع حركات التحرر في العالم العربي وغير العربي.

فشعبنا في سوريا وقف ولا يزال في مواجهة الاستعمار وأعوان الاستعمار، ففي مراحل الديمقراطية حين لم يكن هؤلاء الحكام موجودين على الساحة كانت الشعارات التي ترفع «فلسطين عربية وستبقى عربية ولو أطبقت عليها شعوب الأرض»، فلم يذهب حكام ذلك الزمان لحضور مؤتمر مدريد مصالحة مع الكيان الإسرائيلي، ولم يتخذوا شعار «السلام مع الكيان الإسرائيلي هو خيار استراتيجي» كما كان يقول حافظ الأسد قبل الرحيل إلى جهنم.

اغتيل السياسي اللبناني محمد شطح، وأستطيع أن أضمه إلى قافلة المستهدفين اغتيالا من قبل النظام السوري، وأولهم المرحوم سليم اللوزي صاحب جريدة «الحوادث» اللبنانية الذي اختطف ثم غطست يداه بالأسيد ومات تحت التعذيب في سجون النظام الدموي. وللعلم فلم نكن نعرف في تاريخ سوريا الحديث معنى الاغتيالات إلا بعد مجيء نظام أسرة الأسد إلى الحكم، وأذكر هنا فقط باغتيال مفتي لبنان الشيخ حسن خالد والمفكر الشيخ صبحي الصالح ورفيق الحريري والصحافيين الأخريين الذين سقطوا بمتفجرات الغدر للنظام السوري، الذي وصلت جرائمه إلى اغتيال زوجة الأستاذ عصام العطار، وكذلك صلاح البيطار في باريس، وباختصار شديد ودائما يجب أن توجه أصبع الاتهام في كل اغتيال على ساحتنا إلى العصابة المجرمة التي تحكم سوريا.

لدى عيسى شاليش ابن خالة بشار الأسد وأحد مسؤولي القصر استراحة ومحطة وقود في منطقة تدعى الكسارة على مسافة تقدر مائة كيلومتر من دمشق بعد بلدة الضمير، ويجري تخزين السيارات المسروقة من لبنان في تلك المنطقة، ومن هذه السيارات سيارة تم تفخيخها بإشراف اثنين من مركز البحوث التابع لجيش النظام وقادها إلى الحدود اللبنانية أربعة أشخاص بالتناوب، ثم أدخلت إلى لبنان ليجري تفجيرها في موكب الحريري، ويهرّب حسن نصر الله مسؤولين متهمين في حادثة الاغتيال من حزبه من وجه العدالة، ثم نرى مثقفين عربا يوجهون رسالة تأييد إلى هذا المجرم الذي يقتل الشعب السوري بإيعاذ من أسياده في طهران أصحاب ولاية الفقيه ومشاركة مع رأس الأجرام بشار الأسد.

أحببت بأن أضع هذه الإضاءات أمام القارئ الكريم حتى يرى كم انحدر من يسمون أنفسهم مثقفين ليمالئوا نظام الأجرام والخيانة في سوريا ويشدوا على عضد القتلة.

لا يحرر الأوطان إلا الأحرار، والعبيد مكانهم مزبلة التاريخ، ومن يحبون عطر البساطير فليذهبوا إلى الجحيم.. «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».

*عضو الائتلاف السوري المعارض

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com