العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11/12/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

إجراءات الطلاق .. غسان شربل

2-12-2011

«الحياة اللندنية»

منذ أسابيع تهدد تركيا سورية بالطلاق. تنصحها وتُحذرها. وتُخاطبها بلغة تعرف أن دمشق لا تقبلها. تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أشارت إلى أن موسم الود صار من الماضي. مشاركة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في لقاءات الوزراء العرب كانت بالغة الوضوح. لم ترد تركيا أن تتقدم الصفوف. وحين يُعاقب العرب وبشبه إجماع النظام السوري لا يبقى لتركيا غير اختيار الموعد.

ما أعلنه داود أوغلو مؤخرا ليس بسيطاً. إنه إعلان نهاية الفترة الذهبية اليتيمة في العلاقات بين البلدين. كان شهر العسل طويلاً وامتد سنوات. تسربت إليه بعض الشكوك مع عودة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى مكتبه.

وتصاعدت الشكوك مع قرار إقصاء زعيم تيار المستقبل اللبناني سعد الحريري عن مكتبه وقلب الأكثرية في لبنان. وجاءت الضربة القاضية مع بلوغ «الربيع العربي» الحلقة السورية. لا بد هنا من الالتفات إلى أن الرجل الذي أعلن إجراءات الطلاق هو مهندس الربيع التركي - السوري. إنه الرجل الذي دخل مكتب الرئيس السوري بشار الأسد ستاً وأربعين مرة.

عودة سريعة إلى السنوات الماضية تساعد على فهم خطورة الإجراءات التي أعلنها داود أوغلو وحجم الانهيار الذي أصاب العلاقات بين البلدين.

في 1998 وضعت تركيا سورية أمام خيار صعب: الحرب أو طرد عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني. اختارت دمشق طرد أوجلان لكن «اتفاق أضنة» لم يتجاوز التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب.

جاءت الرسالة الأولى من أنقرة بعد عامين. في حزيران (يونيو) 2000 شارك الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر في تشييع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد ودعا نجله بشار لزيارة تركيا على رغم الخلاف المزمن المتعلق بأراض متنازع عليها وسياسات متناقضة.

سهل رفض تركيا الغزو الأميركي للعراق، وامتناعها عن تقديم التسهيلات له، التقارب بين دمشق وأنقرة. وفي 2004 كان بشار الأسد أول رئيس سوري يزور تركيا منذ الاستقلال. وردت تركيا التحية بعد عام حين رفضت المشاركة في عزل سورية غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

الحاجة المتبادلة فتحت الباب لشهر العسل. أعطت سورية تركيا جواز مرور إلى العالم العربي وأعطت تركيا سورية فرصة القول إنها ليست أسيرة علاقتها مع إيران وإنها قادرة على الانتماء إلى المثلث التركي - السوري - الإيراني بدلاً من المثلث السعودي - المصري - السوري. ثم إن تركيا دولة مسلمة تعيش في ظل دستور علماني ولا تمنعها قبعتها الأطلسية من مقاربة مشاكل المنطقة بطريقة واقعية.

ذهبت العلاقات الثنائية بعيداً. واتسمت علاقات الأسد وأردوغان بدفء كاد يثير قلق الرئيس الايراني أحمدي نجاد. وفي 2008 قادت تركيا مفاوضات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل يقول أردوغان إنها كادت تكلل بالنجاح لولا تعنت رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود أولمرت. وبعد عام ولد مجلس التعاون الاستراتيجي بين تركيا وسورية ثم وقعت عشرات الاتفاقات وألغيت التأشيرات وفي شباط (فبراير) من العام الجاري وضع رئيسا الوزراء في البلدين حجر الأساس ل «سد الصداقة» على نهر العاصي.

مع اندلاع «الربيع العربي» شعرت دمشق أن أنقرة والدوحة «تملكان برنامجاً لتأهيل الإسلاميين ومساعدتهم على الوصول إلى الحكم».

وشعرت العاصمتان أن دمشق لم تكن تريد «أكثر من مظلة تتابع تحتها سياستها الإيرانية في المنطقة». وشكلت أعمال القمع في سورية فرصة الإعلان عن الافتراق على طريق الطلاق.

باستضافتها اللاجئين الوافدين من سورية ومعهم قائد «الجيش السوري الحر» أرسلت تركيا تحذيرها الأول.

وبإجراءات أوغلو مؤخرا أرسلت تحذيراً أشد ومهدت للانتقال إلى مرحلة جديدة. من المبكر الجزم بالمدى الذي يمكن أن تذهب تركيا إليه في عملية الضغط على النظام السوري أو المشاركة في إسقاطه.

 هذا التموضع التركي يعني إيران أيضاً ويُقلقها. المعركة في الحلقة السورية تختزن رهانات كثيرة تتعلق بمستقبل الوضع في سورية ومستقبل التوازنات في الإقليم.

في هذا السياق يمكن فهم «الممانعة الروسية» التي ستتعرض لاختبارات قاسية في الأسابيع المقبلة. ليس بسيطاً أن يعلن داود أوغلو أن بلاده تعاقب النظام السوري وتنتظر قيام نظام شرعي متصالح مع شعبه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لهذه الأسباب يفضل "الإسرائيليون" بقاء الأسد ! .. فادي شامية

المستقبل 2011-12-01

لم يكن سهلاً لكثير من الناس أن يقتنعوا بحقيقة نقلها كل من زار الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2005: اللوبي الصهيوني يضغط على البيت الأبيض لئلا يتحول الضغط الأميركي على النظام السوري بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وما تلاه، من ضغط على النظام إلى ضغط لإسقاط النظام. حقيقةُ أن "إسرائيل" واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، يفضل بقاء نظام "البعث" في سورية- على مشاكساته- باتت اليوم أوضح بفضل الثورة السورية المجيدة. ومع أن هذه "الحقيقة" كشفت عنها مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، في الأسبوع الأول من أيار 2011، فإن مجريات الثورة كشفت ما هو أبلغ من ذلك بكثير!. (كشف إيتامار رابينوفيتش مستشار إيهود أولمرت، أن الأخير ساعد "الرئيس السوري بشار الأسد في فك العزلة الدولية التي قادتها ضده الولايات المتحدة الأميركية على إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأن إسرائيل، تخشى من بدائل الأسد").

في 31/3/2011، أي بعد نحو أسبوعين فقط على بدء الثورة السورية، كتبت جانين زكريا، مراسلة "واشنطن بوست" في "إسرائيل" مقالاً تحت تحت عنوان: "إسرائيل تفضل بقاء الأسد"، قالت فيه: "إسرائيل دأبت على الشكوى من تحالف الرئيس السوري بشار الأسد مع إيران، ودعمه لميليشيا حزب الله الشيعية، وإيوائه خالد مشعل في دمشق، غير أن مواجهة الأسد أخطر تهديد جدي لحكمه منذ توليه السلطة قبل 11 عاماً، أجبر الإسرائيليين على إعادة التفكير في أنهم قد يكونون في أمن معه أكثر مما هم من دونه. فقد حافظ الأسد كوالده على هدوء الحدود السورية الإسرائيلية كأهدأ جبهة إسرائيلية لعقود، الأمر الذي مكّن سكان شمال سورية من العيش في رخاء في جو من السلام النسبي على الرغم من كون الدولتين من الناحية التقنية في حالة حرب". ونقلت عيسى عن لسان وزير في حكومة نتنياهو القول: "نحن نعرف الأسد، وعرفنا والده، ونحن بطبيعة الحال نود أن تكون جارتنا سورية دولة ديمقراطية... نحن نعلم أن هناك ديكتاتوراً، لكن رغم ذلك فإن الأوضاع كانت هادئة".

بعد ذلك بيوم واحد؛ نشرت صحيفة هآرتس العبرية (1/4/2011) مقالاً تحت عنوان: "الأسد ملك إسرائيل"، حيث ورد في المقال: "إن كثيرين في تل أبيب يصلّون من قلوبهم للرب بأن يحفظ سلامة النظام السوري، الذي لم يحارب إسرائيل منذ عام 1973 رغم شعاراته المستمرة وعدائه الظاهر لها". وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية أن "نظام الأسد يتشابه مع نظام صدام حسين، وهما كانا يحملان شعارات المعاداة لتل أبيب كوسيلة لإلهاء الشعب ومنعه من المطالبة بحقوقه" لافتة في النهاية إلى أن الإسرائيليين "ينظرون للنظام الحاكم في دمشق من وجهة نظر مصالحهم، متحدين على أن الأسد الابن، مثله مثل الأب، محبوباً ويستحق بالفعل لقب ملك إسرائيل".

في 2/4/2011 كتبت صحيفة "واشنطن بوست": "إن الأوضاع في سورية تثير حيرة إسرائيل التي تخشى من المجهول بسبب عدم معرفتها بتكوينات المعارضة في شكل دقيق". وقد نقلت الصحيفة عن إفراييم سنيه، الذي شغل منصب النائب السابق لوزير الدفاع الإسرائيلي قوله: "إننا نفضل شيطاناً نعرفه"، أما دوري غولد، المستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فشدد على أهمية أن تراقب إسرائيل "من هي المعارضة" في سورية لمعرفة ما إذا كان الأخوان المسلمون قد يختطفون ما يبدو على أنه رغبة جادة في الحرية". بدوره قال شلومو بوم، من معهد الدراسات الأمنية الوطنية في جامعة تل أبيب: "إن الرئيس بشار الأسد حافظ على هدوء الحدود مع إسرائيل وعلى الرغم من دعمه لحزب الله".

ولعل هذا التقييم الإسرائيلي هو الذي جعل السلطات في تل أبيب تسكت عن دخول الدبابات السورية إلى مناطق: نوى، وتسيل، وجاسم، والحارّة في حوران، المتاخمة للجبهة السورية- الإسرائيلية، ذلك أن الاتفاقية رقم 350 لمجلس الأمن بتاريخ 13/5/1974 والتي تعمل قوات UNDOF بموجبها، تمنع الجانب السوري من إدخال آليات ثقيلة إلى المنطقة.

وفي 1/5/2011 تحدثت الصحافة الإسرائيلية مجدداً ما مفاده أن "الإطاحة ببشار الأسد قد تشكل تهديداً غير مسبوق على استقرار جبهة إسرائيل الشمالية"، لأن "من تعرفه أفضل ممن لا تعرفه" (يديعوت أحرونوت نقلاً عن خبير الشؤون السورية موشي ماعوز) وقد اعتبر البروفيسور غوشوع لنديس، الخبير في الشأن السوري، ليديعوت أحرونوت "إنه من خلال وجهة النظر الإسرائيلية، يعتبر بشار الأسد ثروة ثمينة لإسرائيل"!.

وفي 4/5/2011 نقلت صحيفة "جيروزالم بوست" الإسرائيلية عن السفير السوري عماد مصطفى وزميله المبعوث السوري الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري دعوتهما إلى الحاخام الإسرائيلي يوشياعو بنتو "لزيارة دمشق ولإقامة الصلاة على ضريح أجداده في مقبرتهم في العاصمة السورية"!.

وفي 11/5/2011، وتحت تأثير الضغوط الشعبية المتواصلة على النظام؛ رمى رامي مخلوف ابن خالة بشار الأسد، وشريكه، وأحد أعمدة النظام، أوراق نظامه كلها وأعلنها بوضوح: "لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سورية"، ما يعني أن النظام السوري يربط استقرار "إسرائيل" باستقرار سورية!، خلافاً لكل شعارات الممانعة. أضاف مخلوف في مقابلة مع "نيويورك تايمز": "لا تدعونا نعاني، لا تضعوا الكثير من الضغوط على الرئيس، لا تدفعوا سورية إلى فعل شيء لن تكون سعيدة بفعله". (11/5/2011).

الترجمة العملية لهذه المعادلة تمثلت بسماح السلطات السورية للفلسطينيين، للمرة الأولى، للتوجه إلى الجولان، ونقلهم إلى هناك بحافلات سورية للتظاهر واختراق السياج، ما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات. وقد أدى هذا الاستغلال للدم الفلسطيني مرتين على التوالي إلى انتفاضة داخل مخيم اليرموك على الأمن السوري والفصائل الفلسطينية التابعة للنظام السوري، ولا سيما "الجبهة الشعبية –القيادة العامة". لكن المفاجىء أكثر أن الرئيس السوري بشار الأسد بعث برسائل طمأنة بعد ذلك ل "إسرائيل" تحدث فيها عن رغبته إحياء المفاوضات -على غرار ما فعله خلال حرب تموز 2006 بوساطة تركية-، وعلى ذمة صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن "الرئيس السوري بشار الأسد بعث خلال الأسابيع الأخيرة رسائل إلى الإدارة الأميركية عبّر فيها عن استعداده لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل، وقد قال الأسد في إحدى هذه الرسائل إن 98% من المواضيع المختلف عليها بين سورية وإسرائيل تم الاتفاق حولها، وأنه سيقترح استئناف المحادثات مع إسرائيل بعد أن تهدأ الأوضاع في سورية". (21/5/2011).

وفي 28/7/2011 نقلت صحيفة لو فيغرو الفرنسية، خبراً مفاده إن "إسرائيل طلبت رسمياً من حلفائها وقف الحملة ضد سورية"، مع أن الصحيفة وضحت أن دولاً عديدة لم تعد قادرة على التمسك بالأسد بعدما فعله.

وما كان تسريبات وتصريحات خجولة بات أوضح اعتباراً من 2/8/2011 حيث أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك رأيه فيما يجري في سورية: "يمكن للأسد أن يصمد لأسابيع، لكنه غير قادر على البقاء لفترة طويلة، والإطاحة به ليس تطوراً إيجابياً لصالح إسرائيل". وبشكل أكثر وضوحاً أكد الناطق باسم الجيش الاسرائيلي يوءاف موردخاي في 14/9/2011، "وجود قلق إسرائيلي من سقوط الرئيس السوري بشار الأسد لأنه يقف على جبهة مغلقة منذ سنين طويلة"!.

في 15/10/2011 أجرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية استفتاءً خلصت من خلاله إلى "أن 85% من الإسرائيليين يعتبرون بقاء الأسد لمصلحة إسرائيل"!.

وفي 16/11/2011 صدر موقف رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد، الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام العالمية: قال جلعاد "إن سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد سيترتب عليه حدوث كارثة تقضي على إسرائيل، وذلك نتيجة لظهور إمبراطورية إسلامية في منطقة الشرق الأوسط بقيادة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسورية". ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن جلعاد قوله إن "الفكر المعلن الذي تنتهجه جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسورية، يهدف إلى محو إسرائيل، وإقامة إمبراطورية إسلامية تسيطر على منطقة الشرق الأوسط".

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ فقد نقلت وسائل إعلام عديدة تقارير تفيد أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ما زال يعمل بقوة -رغم دعوة الإدارة الأمريكية للرئيس الأسد للتنحي- من أجل تكتيل الأقليات الدينية، وإقناعها أن بقاء الأسد لصالحها. وراحت صحيفة "الجمهورية" اللبنانية أبعد من ذلك عندما نقلت تقارير عن مشاركة مبعوثين سوريين في هذا الجهد باعتباره مصلحة مشتركة للأقليات ول "إسرائيل"!.

إن ما يثير الاستغراب فعلاً أن النظام السوري يتحدث إلى اليوم عن ممانعته، وعن مؤامرة خارجية يقودها الغرب و"إسرائيل" ضده، بسبب موقفه من الصراع العربي-الإسرائيلي، مع أن الوقائع على الأرض تكذب ذلك؛ إذ كيف لنظام معادٍ ل "إسرائيل" إلى هذا الحد؛ يتظاهر في القدس المحتلة من يؤيده، دون أن تتدخل الشرطة الإسرائيلية؟! (19/11/2011)، وكيف لنظام يدعي المقاومة والممانعة تكون الأراضي المحتلة فيه (الجولان) أكثر الأماكن تمرداً عليه، وأكثرها التزاماً بفعاليات الثورة السورية الهادفة إلى إسقاط النظام؟، بل كيف يفسر النظام السوري رفض الأسير السوري المحرر وئام عماشة (خرج في 20/10/2011 بصفقة جلعاد شاليط مع حماس) أن يرفع صورة بشار الأسد في مهرجان استقباله في الجولان، رغم تهديد مؤيدون للنظام السوري في الجولان بمقاطعة الاستقبال (تجاهل الاعلام السوري خبر إطلاق سراحه)، فما كان من الأهالي إلا أن رفعوه على الأكتاف، سيما أنه سبق وأعلن إضراباً عن الطعام بسبب قمع النظام السوري للمتظاهرين السلميين"!.

لعله في سورية فقط؛ يوجد نظام يختلف الناس في توصيف علاقته ب "إسرائيل" إلى هذا الحد؛ بين من يرى أنه متحالف موضوعياً معها في إطار معادلة "حفظ الحدود- حفظ النظام"، وبين من يراه "قلعة العروبة وحصن الممانعة الأول"، لكن إحدى محاسن الثورة السورية أن كثيراً من الأقنعة قد هتكت، ولعبة الخطابيْن لم تعد مقنعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على بشار الأسد أن يقول للشعب أنا لست بخالقكم..!! .. بدرالدين حسن قربي

قد يكون مستهجناً أن نقول بأن العلاقة التي عمل النظام على ترسيخها بينه وبين السوريين هي علاقة الآلهة بالعبيد، وهو ما تعمل عليه أيضاً كل أجهزة النظام وشبيحته لاستذلال الناس وإهانتهم وتعبيدهم بسلب حريتهم. وكيلانُتهَم بأننا نقول عن النظام المحتضِر ماليس فيه والعياذ بالله، فإن عنوان المقال هو استعارة من كلامٍ لرفعت الأسد العمّ أحد أركان النظام في عهد الأب، قاله لفضائية العربية قبيل أسبوعين على هامش مؤتمر في باريس عن مستقبل سوريا: على الرئيس بشار أن يبدأ بأن يقول للشعب السوري: أنا لست بخالقكم.

لانريد هنا مقاربة التأليه من منظورها الديني، وإنما من منظورها المدني والإنساني في عموم مجتمعنا يوم يصل الأمر حدّ تأليه المستذِلّ والقامع، ووضع ألوهيته في إطار المقدس وخطوطه الحمراء بل وفي النقاط الأشد قداسة. وعليه، فقد رأينا التطاول على نصٍ ديني باستبدال بعض أخص كلماته باسم بشار الأسد، من مثل لوحات مكتوب عليها: قل هو الله احد، الله الصمد،أعز الله شعبي، فاصطفى منه الأسد.أو الكتابة على جدران الشوارع: قل هو الله الأحد، الله الصمد، في الأعلى الله الأحد، وفي الأرض بشار الأسد. أو عندما يتصل مواطن ما ليعبّر عبر فضائية الدنيا عن شبقه وفنائه بحزب البعث ورئيسه: اسألوا آبائي، اسألوا جدي اسألوا نسبي، اسألوا الشموخ اسألوا لي الواحد الأحد، اسألوا ما شئتمُ، فأنا البعث ديني وربي بشار الأسد. أو عندما يقول المذيع في مظاهرة تأييد للنظام يوم 13 تشرين الثاني في ساحة السبع بحرات:قل هو الله احد، بشار الفرد الصمد.

وللمقاربة أكثر، يتهدد أحد مشبّحي النظام السوري وعلى فضائية حزب الله وبعبارات خالية من كل أنواع اللباقات، إلهَ كل من يفكر بالتحرر من عبودية النظام والخلاص من رئيسه، ويمضي أمره وكأن شيئاً لم يكن، في وقتٍ تتحول فيه حلقة حوارية تلفزيونية عبر شاشةMTV إلى حلبة للصراع، عندما استشاط أمين حزب البعث اللبناني فايز شكر غضباً من محاوره مصطفى علّوش من تيار المستقبل لوصف بشار الأسد بالكذّاب، وحوّل الحوار إلى تبادل شتائم على الهواء، بل وحاول شكر وهو في قمة هدوئه (حسب زعمه) ضرب محاوره بكرسيه الذي كان يجلس عليه. ومن يتابع المشهد ويرى غضبة شكر أمام محاوره وحركة عيونه ونظراته، يدرك بأن محاوره قد نال من قدس أقدس أقداسه ومقدساته.

وعليه، فإنه بمثل هذه المقاربات، يمكن فهم مايراه المتألّهون في خروج السوريين بعشرات الآلاف ومئاتها في تظاهراتهم واحتجاجاتهم قرابة تسعة أشهر طلباً للحرية السليبة والكرامة المستباحة، شكلاً من أشكال التطاول على الذات الأسدية ونوعاً من الخيانة والتآمر، وبعضاً من التمرد والعصيان في مزرعة الاستعباد والخضوع، مما يتوجب قمعه بالقتل وسفك الدماء جزاءً وفاقاً أو بالذهاب بهم إلى ظلمات السجن ومعه أشد أنواع العذاب. ومن ثم فقد رأينا صورة العبيد الوالهين ينادون بإلهٍ من مثلهم ويسجدون لصوره، ورأينا صورة المتمردين الثائرين الأحرار تمارَس عليهم كل أنواع الهمجية ليقولوا: لاإله إلا بشار أو أخيه ماهر، ويسامون الضرب والركل والدعوسة على رقابهم ورؤسهم باعتبارهم عند جلّاديهم كلاباً تطاولت وتتطاول على أسيادها.

أما المشهد الأبلغ، مما كبر عليهم في النيل من ألوهيتهم، يوم تداعى العرب للأخذ على يدهم بعد آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين والمفقودين وأكثر من ستة أشهر، كان فيها إخوانهم السورييون يواجهون آلة القمع الوحشية وفظائع الإجرام اليومية، فثارت ثائرتهم لأنه بعض العدوان على ألوهيتهم وتدخلاً فيما لايعنيهم، لنظام يعتبر قتلَ مواطنيه قرابينَ تقديسٍ لعائلته واستقرار سلطته وسلطانه، كما يرى التنكيل بهم شأناً داخلياً في مزرعته،فهم عبيد خدمتهم ولاقيمة لهم أمام الأسياد وعندهم.

نصيحة رفعت الأسد لابن أخيه هي شهادة وشاهد على حقيقة تركيبة السلطة الأسدية وعلاقتها بالشعب السوري، وكان يمكن أن يكون فيها بعض فائدة للنظام لو جاءت من اليوم الأول لإعلانه الحرب على أطفال درعا وأهلها ومن تضامن معهم، وإنما بعد خروج المارد السوري الصابر والمصابر من قمقمه بعد أكثر من أربعين عاماً من القهر والاضطهاد والنهب والفساد محققاً أروع وأنبل الأمثلة في العصر الحديث لثورة قرر معها إسقاط النظام ورحيله، فيمكن أن ينصح بما يشاء، ولكن على أن تكون خاتمتها لابن أخيه: يابشار..!! لقد فاتك القطار، وأن يسمع الجميع عماً وولداً وابن أخٍ ويعوووا مقولة السوريين لهم: لقد فاتكم القطار.

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=vjJURhfyPnk

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=498yhl2y61Y

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=QLTRjujPa50

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=WWFlhCumkjY

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=GYConufnFtM

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=IbK8rAPyokU

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=miw5UIzmxZ8

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=YCeWuNB6C5U

http://www.youtube.com/watch?feature=

player_detailpage&v=8eZxvbxwzz4

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى الأبد .. د.هشام الشامي

عندما رفع النظام الأمني الحاكم في سوريا شعار (إلى الأبد يا حافظ الأسد) ، لم يكن هذا الشعار عبثياً ، بل كان مدروساً بعناية فائقة ، و مرفوعاً عن سابق إصرار و تصميم ، فهم يعرفون أن حافظ سوف يموت أخيراً ، و لذلك بدؤوا يحضرون ابنه البكر باسل ، و عندما قضى باسل نحبه بحادث سير ، استدعي الطبيب بشار على عجل من انكلترا حيث كان يختص في طب العيون و تم إقحامه في عالم الأمن و الجيش و السياسة ، و الأمن هو هاجس النظام السوري الأول ، لأنه لا يوجد في سوريا سياسة (و لا أي شيء آخر ) بلا أمن ، فالأمن هو أولا وثانيا و ثالثا في سوريا الأسد.

و عندما توفي الأسد الأب عام 2000م ، تم لي عنق الدستور السوري الدائم كما سماه حافظ الأسد عندما وضعه عام 1973م ، خلال خمس دقائق داخل مجلس الشعب الصوري ، ليعدل سن الرئيس من 40 سنة إلى 34سنة تماماٌ كما هو عمر بشار الأسد يومئذ، و ليتم تطبيق مبدأ إلى الأبد المرفوع سلفاً ، و لتتحول سوريا إلى أول جملوكية عربية 0

أغرت هذه التجربة بقية الأنظمة الجمهورية العربية حتى التي كانت لم تحضَر نفسها لمثل هذه التجربة كمصر مثلاً ، فبدأت كافة الأنظمة الجمهورية العربية الديكتاتورية تقليد النظام السوري ، و بدأ شعار إلى الأبد يعم كافة أرجاء الوطن العربي الكبير00

و لكن رياح الربيع العربي سارت بغير ما تشتهي سفن هذه الأنظمة المهترئة ، فانطلقت شرارة البوعزيزي من تونس الخضراء و اتبعتها ثورة مصر المحروسة في 25 يناير ، و من ثم اليمن و ثم ليبيا في 15 فبراير و ثورة الكرامة السورية في 15 آذار ولا يزال الربيع العربي مستمراً00

فسارع بن علي تونس ليقول فهمتكم و لا توجد رئاسة للأبد ، و كذلك فعل حسني مصر حين قال في خطابه الموجه للشعب المصري بعد اندلاع الثورة : لم أكن أنوي أن أترشح لدورة رئاسية جديدة ، و نفى أي فكرة لتوريث جمال مبارك من بعده في الحكم ، أما علي اليمن فقالها صريحة و علنية و في خطاب أمام الشعب اليمني : لا رئاسة مدى الحياة ، لا توريث في الرئاسة 0 أما قذافي ليبيا فنفى أي يكون لديه أي منصب سياسي ، و أنه مجرد قائد للثورة ، وأنه لو كان لديه أي منصب لكان رمى استقالته في وجوه أبناء ليبيا و ذلك في خطاب علني متلفز و أمام أنصاره أيضاُ 0

أما في سوريا و بعد تسع أشهر من الثورة ، و بعد كل هذا الدمار و الخراب ، و بعد آلاف الشهداء و عشرات آلاف الجرحى و السجناء و المشردين ، و بعد كل هؤلاء الملايين من الشعب السوري الذين أسقطوا النظام بأعلى صوتهم داخل كافة المدن و القرى السورية ، و الذين هتفوا أمام الدبابات و المجنزرات و المصفحات ( ما في للأبد ما في للأبد عاشت سوريا و يسقط الأسد )، و بعد أن صرح كل زعماء العالم تقريباً ( باستثناء ديكتاتور الصين العظيم ، و مخبري الشيوعية بوتين و ميدليف الذين تنكّرا بقناعين ديمقراطيين ليخفوا حقيقتهما الشمولية و بدأا مسلسل تبادل الأدوار بين الرئاسة و رئاسة الوزراء ، و الحليف الطائفي الفارسي الذي زوَر الانتخابات الأخيرة وأخمد ثورة شعبية بعد فشله في انتخابات الرئاسة ، و كركوز فنزويلا الذي يتخذ مواقفه من عقدة محاربة أمريكا و الإمبريالية ) أن نظام الأسد قد فقد شرعيته ، بعد كل هذا لم يصدر عن الرئيس ولا عن نظامه أي تصريح و لو لذر الرماد في العيون أو قل للضحك على اللحى أن الرئيس لن يترشح لرئاسة قادمة ( عداك عن أن يستقيل الآن )، و حتى عندما تبجح مفتي النظام أحمد بدر حسون و صرح لصحيفة دير شبيغل الألمانية أن الأسد سوف يترك الرئاسة و يعود لطب العيون بعد ان يطبق الإصلاحات الموعودة !، عاد ليلحس كلامه و ينفي هذا التصريح ، و هذا أن دل على شيء فإنه يدل على حقيقة أن هذا النظام لا يفكر أيداً بالتخلي عن السلطة ، أو أن يشاركه فيها أحد ، فسوريا هي مزرعته و عزبته ، و أبناؤها خدمه و عبيده، و أي تنديد أو دعم أو امتعاض أو استنكار من أحد من العالمين لقتل أو تعذيب أو إهانة أو سجن أو تشريد لهؤلاء العبيد هو تدخل فاضح و صريح في شؤون سوريا الأسد . و يختصر كل هذا الكلام تصريح الأسد الأخير في لقائه الصحفي مع صنداي تايمز البريطانية (و كذلك ما قاله تلميذه المعلم في مؤتمره الصحفي الأخير)عن استعداده للقتال حتى النهاية ، ألا يزالون يرفعون شعار (الأسد أو لا أحد )0

و لكن أنَى لهم .....

20/11/2011

د.هشام الشامي:

مركز الدراسات الإستراتيجية لدعم الثورة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وأخيراً قالت لجنة حقوق الإنسان كلمتها في النظام السوري .. محمد فاروق الإمام

وأخيراً وبعد ثمانية أشهر سالت فيها الدماء أنهاراً من أجساد السوريين الثائرين على الظلم والاستبداد في احتجاجات سلمية حضارية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، خلفت ما يزيد على خمسة آلاف شهيد وأضعافهم من الجرحى والمفقودين وعشرات الآلاف من المهجرين والمعتقلين.. أقول أخيراً تمكنت لجنة حقوق الإنسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم أمس الثلاثاء 22/11/2011 من إدانة النظام السوري الهمجي المتوحش الذي استباح الإنسان والحيوان والحجر والشجر وكل ما يجد في طريق آلته العسكرية الجهنمية دون وازع من ضمير أو أخلاق أو قيم أو حتى من أبسط الحواس الإنسانية التي تبلدت في عقول وأفهام ساديي النظام السوري.

وأدان القرار بقوة "انتهاكات السلطات السورية المستمرة والخطيرة والمنهجية لحقوق الإنسان" مشيراً إلى "عمليات القتل التعسفية" و"اضطهاد" المحتجين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وجاءت الإدانة في قرار حصل على تأييد 122 صوتا مقابل اعتراض 13 صوتا وامتناع 41 عن التصويت.

واتهم مندوب سورية في الأمم المتحدة بشار الجعفري (الإيراني الأصل) الدول الأوروبية التي دعمت القرار وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا "بالتحريض على الحرب الأهلية". وبأنها تسعى لشن "حرب إعلامية وسياسية ودبلوماسية على سورية والتدخل في شؤونها الداخلية".

 وقال إن بريطانيا وفرنسا وألمانيا "جزء من تصعيد العنف في بلادي" وأنها "تنشر الفتنة العنيفة" في سورية، مضيفا أن مشروع القرار "تناسى الإشارة إلى الجماعات المسلحة التي تعبث بأمن المواطنين وسلامة الممتلكات العامة والخاصة".

وقد علق كثيرون على صدور هذا القرار، ومن بينهم (مارك ليال غرانت) سفير بريطانيا في الأمم المتحدة الذي قال أثناء مناقشة القرار إن "المجتمع الدولي لا يمكنه أن يظل صامتا"، مؤكدا إخفاق الحكومة السورية في تنفيذ خطة وقف العنف التي تقدمت بها الجامعة العربية.

أما السفير الفرنسي (جيرار ارو) فقال إن صدور إدانة من الأمم المتحدة أصبح الآن أمراً "ملحا لأن الوضع يتدهور باستمرار"، مؤكداً خلال الاجتماع أن سورية "رفضت" خطة الجامعة العربية وإن عدد الضحايا يتزايد.

في حين أكد السفير السعودي في الأمم المتحدة عبد الله المعلمي على جهود الجامعة العربية لإنهاء العنف، إلا أنه أشار بأصابع الاتهام إلى حكومة الأسد عندما قال إنه "تم وضع عوائق تعيق تحقيق هذه الأهداف"، وقال إن على المجتمع الدولي "أن يبعث برسالة إلى الشعب السوري" عن طريق هذا القرار.

وبالتزامن مع ذلك، دعا رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بشار الأسد إلى التنحي "لتجنب المزيد من إراقة الدماء" في سورية، كما صرح أمام الكتلة البرلمانية لحزبه "العدالة والتنمية" في مجلس النواب مخاطبا بشار الأسد "عليك التنحي من أجل خلاص شعبك وبلادك والمنطقة".

وعلق وزير الخارجية الفرنسي (آلان جوبيه) على قرار لجنة حقوق الإنسان في بيان جاء فيه: "منذ عدة أشهر والنظام السوري يمارس بحق شعبه القمع الوحشي الذي خلف أكثر من 3500 قتيل وعشرات الآلاف من المعتقلين الذين يمارس بحقهم التعذيب بصورة اعتيادية، هذا الوضع غير مقبول على الإطلاق".

وأضاف جوبيه أن "التصويت دليل على تحرك المجتمع الدولي لإدانة هذه الانتهاكات الخطيرة والمستمرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها النظام السوري، ليطلب الوقف الفوري للعنف ضد المدنيين، وليدعو سورية إلى إتاحة المجال للجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان للقيام بمهمتها على الأرض".

وفي نفس السياق، دعت فرنسا الثلاثاء سورية إلى استخلاص العبر من إدانة لجنة حقوق الإنسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة حملة القمع التي يشنها النظام السوري، وقالت إن فرنسا، التي تسعى منذ أشهر لاستصدار قرار يدين سورية في مجلس الأمن الدولي، توجه "دعوة مشددة إلى النظام السوري للإصغاء لرسالة الأمم المتحدة واعتبار ما يمكن أن يترتب عليها من عقبات. أمام الوضع الشديد الخطورة ستواصل فرنسا جهدها من أجل وقف انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات ضد المدنيين في سورية".

وفي رسالة واضحة إلى النظام السوري من عاصمتي أصدقائه في موسكو وبكين تلمحان فيهما إلى إمكانية تغيير موقفهما تجاه النظام السوري الذي لا يستمع إلى نصائح الأصدقاء ولا يفي بوعوده إليهم، امتنعتا عن التصويت على قرار الجمعية العامة، حتى لا يظن هذا النظام أن الفيتو الروسي والفيتو الصيني ملك يمينه تشهره موسكو وبكين لحمايته إلى ما لا نهاية، وتجنيبه أية عقوبات من المجتمع الدولي كما فعلت في مواجهة قرار لمجلس الأمن الدولي يدين حملة القمع في سورية منذ آذار الماضي والتي تقول الأمم المتحدة إنها خلفت أكثر من 3500 قتيل.

وبالتوازي مع إعلان قرار لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة في إدانة النظام السوري أعلن المجلس الوطني السوري الذي يضم معظم تيارات المعارضة في بيان أنه "يجري مشاورات موسعة مع عدد من الشخصيات والقوى السياسية السورية بهدف الإعداد للمرحلة الانتقالية وفق ما نصت عليه مبادرة جامعة الدول العربية".

واتفق مسؤولون في المجلس الوطني مع "عدد من الشخصيات الوطنية ومسؤولي قوى سياسية وناشطين من الحراك الثوري في القاهرة" على "تشكيل لجنة تحضيرية تضم ممثلين عن قوى سياسية وشخصيات مستقلة تتولى الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري يشرف على الإعداد للمرحلة الانتقالية برعاية الجامعة العربية".

وعلى صعيد العقوبات الاقتصادية المتوقعة من الجامعة العربية بعد أن تجاهل نظام دمشق المهلة التي وجهت إليه لإنهاء العنف الدموي، من المتوقع أن تعلن الجامعة العربية في اجتماع الخميس عقوبات اقتصادية على سورية بعد أن علقت عضويتها،

فقد أعلن محمد التويجري الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية مجموعة من التدابير التي قد تخنق البلاد، وقال إن هذه العقوبات تشمل "السفر، والتحويلات المصرفية، وتجميد الأموال في الدول العربية، وإيقاف المشاريع القائمة في سورية والمشاريع المشتركة، والتعاملات التجارية، وتعليق عضوية دمشق في منطقة التجارة العربية الحرة"، وكشف الأمين العام المساعد أن "اجتماعاً استثنائياً للمجلس الاقتصادي الاجتماعي سيعقد خلال الأيام المقبلة من المحتمل أن يكون في القاهرة، لإقرار العقوبات الاقتصادية على النظام السوري". وقال إنه يجري العمل بحيث "لا تطول العقوبات الاقتصادية الشعب السوري".

وعلق أحد أبواق النظام السوري على فرض مثل هذه العقوبات قائلاً: "نحن نعرف كيفية التعامل في الشدائد كوننا نعاني منذ سنوات من العقوبات"، وقال "إن كانت روسيا حصننا السياسي فإن العراق ولبنان وإيران هم أوكسجيننا الاقتصادي".

وجاء الرد الهمجي من قبل النظام على قرار لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة التي أدانت قمعه للمتظاهرين السلميين سريعاً على يد الكلاب المسعورة والذئاب الكاسرة والضباع الجائعة التي أطلقها من عقالها، لتقطّع أوصال المدن وتحاصر أحياءها، وتستبيح البيوت وتنتهك الحرمات وتقتل ما يزيد على ثلاثين مدني من بينهم أطفال ونساء وشيوخ، وتدك المدن بمدفعية دباباتها لتسقط المنازل على رؤوس ساكنيها بعد قطع الماء والغذاء والدواء والاتصالات عنها.

آن للعالم أن يتخذ قراراً سريعاً في مواجهة هذا النظام القمعي البشع الذي ما سبقه إلى همجيته أي نظام استبدادي في أي بقعة من عالمنا، فقد فاقت فعاله ما كان يجري في أقبية محاكم التفتيش وزنازين السجون النازية والفاشية.. آن لهذا العالم أن يتخذ قراراً سريعاً ينهي هذه المأساة الفظيعة وتضع حداً لآلة القتل الفتاكة، التي تحصد أرواح السوريين كل يوم منذ أكثر من ثمانية أشهر، وإلا فالتاريخ سيذكر بحروف سوداء قانية سفر حكومات هذه الدول التي تتحكم بهذا العالم الذي يدعي التحضر والمدنية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذا ما أكد عليه السوريون (المجلس الوطني يمثلني) .. محمد فاروق الإمام

إنها بوصلة الشعب السوري الثائر والمنتفض التي لا تخطئ وقد قالت كلمتها في جمعة (المجلس الوطني يمثلني) وهي لم تقل ذلك وتؤكده إلا ليقينها بأن هذا المجلس بكل أطيافه يستحق منح الثقة من هذه الجماهير الثائرة في طول البلاد وعرضها، وقد قرأت في قسمات أعضاء هذا المجلس الصدق والوطنية والثبات والإخلاص والتفاني والإيثار، وقد جعلوا مطالب الثوار نصب أعينهم فلا صوت يعلو على صوت المطالبين بالحرية والكرامة وهم الذين يدفعون مهر هذه الحرية وثمنها الغالي من دمائهم وأرواحهم وشظف عيشهم وترويع أبنائهم ونسائهم، وعذابات القهر والإذلال التي يتعرضون لها في بيوتهم وشوارع وساحات مدنهم وبلداتهم وقراهم على مدار الساعة على يد شبيحة النظام ورجال أمنه الأوباش، الذين تبلدت قيم الإنسانية لديهم وأحالتهم إلى ذئاب كاسرة وكلاب مسعورة وضباع جائعة!!

المجلس الوطني يستحق هذا التكريم من جماهير الشعب الثائرة والمحتجة وقد تمكن بحيوية ونشاط أعضائه من جعل الأحداث التي تجري في سورية هي رغيف خبز الإنسان في العالم كله وحديث يشغله عما سواه من أحداث، حتى وإن كانت تؤرق حياته الخاصة في موطنه.. وحتى في احتجاجه عما يجري في بلاده راح يسلك الطريق التي سلكها الثوار في سورية، وراحوا أبعد من ذلك فقد خطوا لوحات ويافطات غضبهم باللغة العربية وعلى الطريقة السورية، ورددوا نفس الأهازيج والطريقة التي يصدح بها بلابل الحرية في المدن والبلدات والقرى السورية المنتفضة والثائرة.

وبفضل نشاط وحيوية هذا المجلس تكثفت اللقاءات الدولية بشأن مستقبل سورية في الأيام الأخيرة بشكل كبير، حيث أصبح الوضع السوري محوراً رئيسياً في لقاءات رؤساء الدول، وسببا لاجتماعات مغلقة للدبلوماسيين في معظم عواصم دول العالم، وقد سقطت شرعية النظام السوري لدى غالبية أفراد الأسرة الدولية، وخير دليل على ذلك قرار الإدانة الذي اتخذ في الجمعية العمومية للأمم المتحدة والاجتماعات التي تعقد على مدار الساعة في عواصم القرار مع أعضاء من المجلس الوطني السوري، بما يضفي اعترافاً رسمياً مبطناً بالمجلس باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري الذي يناضل للخروج من دوامة قمع يمارسها نظام يائس يفقد تدريجياً جميع حلفائه وينتظر إطلاق رصاصة الرحمة عليه.

فقد صرح ميخائيل مارغيلوف رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي، صديق النظام السوري حتى النخاع، إن "روسيا استنفدت كل الوسائل التي تسمح للرئيس الأسد المحافظة على وضعه القانوني في المحافل الدولية"، وقد جاء ذلك في تصريحات أدلى بها إلى وكالة "إيتار – تاس" الروسية للأنباء يوم 23 تشرين الثاني، معلقا على نتائج التصويت في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة بشأن شجب خروقات حقوق الإنسان في سورية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الوفد الروسي قد امتنع عن التصويت على مشروع القرار الذي قدمته فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

وقال مارغيلوف "لقد كان الفيتو الأخير على قرار مجلس الأمن الدولي الوسيلة الأخيرة التي تسمح لبشار الأسد المحافظة على وضعه القانوني في المحافل الدولية. لقد كانت إشارة جدية للرئيس السوري من جانب روسيا، وبهذا الفيتو استنفدنا كافة الوسائل".

وحسب قوله فإن "على الرئيس السوري أن يفهم أن هذا الموقف ذو مدلول واحد: الإصلاحات ووقف أعمال العنف وإجراء انتخابات حرة. هذا ما يجب على القيادة السورية عمله فورا، بالرغم من أن هذا كان من المفروض عمله يوم أمس أو أول أمس".

وفي السياق ذاته التقى وفد المجلس الوطني السوري يوم الثلاثاء 22 تشرين الثاني 2011 برئاسة الدكتور برهان غليون بوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي السيدة (كاترين أشتون)، ثم بالسيد (بيير ريمون)، رئيس لجنة الأمن والسلام في الخارجية الأوروبية، ثم مع ممثلي الدول السبع والعشرين. وتم في هذه اللقاءات تداول أهم الملفات حول الوضع السوري ابتداء من استيضاح الموقف الروسي – بعد زيارة المجلس لروسيا - ومدى إمكانية تطوير هذا الموقف والأسباب التي توضحه. وتم أيضاً مناقشة الموقف العربي، حيث توقع الأوربيون أن يؤثر الموقف العربي الموحد في الموقفين الروسي والصيني. وطلب وفد المجلس من أوروبا إيجاد حل للوضع السوري حيث للأوربيين خبرة طويلة في حماية المدنيين، ولديهم التقنيات والأدوات التي تؤهلهم لِلَعِبِ دور عملي ومباشر في هذا الإطار من مساعدات إنسانية ومعونات وأدوية.

وقد أبدى ممثلو دول الاتحاد احترامهم لهذا الشعب العظيم الذي يضحي ليل نهار، وتأييدهم لتشديد العقوبات على النظام وسيقدم المجلس الوطني للاتحاد الأوربي المزيد من المقترحات في هذا الخصوص. وتم تباحث بعض الاستفسارات عن خطة المجلس لإسقاط النظام ووضع ضمانات لحماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية، والموقف من الجيش السوري الحر مع ضرورة الالتزام بالطابع السلمي للثورة وتأييد العمليات الدفاعية فقط التي تحمي المدنيين (حمص والرستن مثلاً). ويؤكد المجلس على ضرورة أن يكون العسكر تحت سيطرة المدنيين في سورية المستقبل وأن المجلس هو الممثل السياسي للجيش الحر.

كما استضافت مدينة الضباب لندن لقاءات للحكومة البريطانية مع وفد من المجلس الوطني رغم الضباب الذي يلف غالباً الأجواء اللندنية، إلا أن جميع الاجتماعات التي حصلت في المدينة منذ مطلع هذا الأسبوع قدمت صورة واضحة المعالم إلى حد بعيد عن الوضع السوري الذي دخل مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الأسد. فأطراف المعارضة السورية في المجلس الوطني تبنت مطالب الثوار التي أجمعت على إسقاط النظام، وقدمت رؤيا مستقبلية للبلاد متشابهة جدا سواء لحماية حقوق الأقليات وصون العيش المشترك ونبذ الطائفية وتأكيد مدنية الدستور، مما خلف انطباعاً ممتازاً لدى الحكومة البريطانية.

كما استقبل وزير الخارجية الفرنسي (آلان جوبيه)، يوم الأربعاء ٢٣ تشرين الثاني، وفد المجلس الوطني السوري برئاسة الدكتور برهان غليون وقد تناولت المباحثات التطورات في سورية، والموقف الفرنسي منها، وقد تعهد الوزير الفرنسي في استمرار الضغط على النظام السوري لوقف المجازر التي يرتكبها بحق الشعب الأعزل، ووضع الوفد بصورة الجهود التي تقوم بها بلاده من أجل الحصول على قرار دولي يدين الممارسات القمعية للنظام، ويفتح المجال لآليات من أجل حماية المدنيين، وهو المطلب الأساسي للمجلس الوطني السوري.

وفي معرض النقاش حول إمكانية إرسال مراقبين دوليين من أجل حماية المدنيين، تطرق الوزير الفرنسي إلى استياء الدول الأوربية والعربية من عدم تجاوب النظام السوري مع أي مبادرة في هذا الشأن، الأمر الذي يدفع المجتمع الدولي إلى التفكير بآليات أخرى، نظراً لوصول الوضع الإنساني المتردي في أماكن مثل حمص. وتم البحث في إمكانية إيجاد منافذ آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة التي تتعرض إلى حملات قمعية وتنكيل من قبل الأجهزة الأمنية وشبيحة النظام، بما ينسجم مع المبدأ القانوني الدولي الذي يحمل المجتمع الدولي المسؤولية في حماية المدنيين. كما أطلع وفد المجلس الوزير الفرنسي على الجهود الحثيثة التي يبذلها المجلس، من خلال الجامعة العربية، على صعيد استكمال بنيته التنظيمية وتقديم رؤيته للمرحلة الانتقالية التي تشمل تنحي بشار الأسد والانتقال السلمي للسلطة إلى حكومة انتقالية تقود البلاد إلى النظام الديمقراطي التعددي. وأثناء المؤتمر الصحفي للوزير جوبيه والدكتور غليون، أوضح الوزير الفرنسي أن استقباله لوفد المجلس هو اعتراف بأن المجلس هو الكيان الشرعي الذي ستتعامل معه الحكومة الفرنسية، في هذه المرحلة من نضال الشعب السوري من أجل نيل حريته وكرامته.

واللافت في الاجتماعات الأخيرة أيضاً البحث في آخر الدواء (الكي) أي التدخل العسكري، فالمجلس الوطني السوري يهمه بالدرجة الأولى حماية المدنيين بأي وسيلة كانت تلبية لمطالب الثوار الذين سموا إحدى جمع ثورتهم بجمعة (نريد حماية دولية) لذا فلا فارق عند المجلس الوطني من يقوم بفرض الحظر الجوي لحماية المواطنين وتأمين ملاذ آمن للمنشقين من الجيش ومؤسسات الأمن، وإن كان يفضل أن يتصدى العرب لهذا الأمر.

كما أكدت وزيرة الخارجية الإسبانية (ترينداد خمينز) أن حكومة بلادها ستتعامل مع المجلس الوطني السوري فيما يخص شؤون سورية، مؤكدة أن قنوات الحوار مع النظام السوري كلها قد أغلقت. وقد قام وفد من المجلس الوطني السوري برئاسة أحمد رمضان عضو المكتب التنفيذي بزيارة رسمية لإسبانيا يوم الأربعاء ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١١ والتقى عدداً من المسؤولين على رأسهم وزيرة الخارجية الإسبانية التي قالت "إن على بشار الأسد أن يرحل"، وعبرت عن "دعم بلادها للمجلس الوطني السوري كعنوان للشعب السوري الساعي للحرية والديمقراطية". واستعرض في اللقاء الخطوات التي قطعها المجلس في استكمال بنيته، والتطورات الأخيرة على صعيد جامعة الدول العربية ونية الأوربيين تصعيد العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي ضد النظام السوري.

لم تكن أبواب المجلس الوطني يوماً موصدة بوجه أي طيف معارض يتبنى مطالب الثوار ويعمل على تحقيقها ويؤمن بعدالتها، وهو يعمل بجدية لاحتواء هذه الأطياف المعارضة وقد نسمع قريباً عن قيام مؤتمر وطني مشترك ينسق المجلس الوطني السوري لعقده برعاية جامعة الدول العربية، وفي نفس السياق فقد أكد مصدر دبلوماسي عربي لجريدة "المستقبل" اللبنانية أن "تونس ستستضيف أول اجتماع للهيئة العامة للمجلس الوطني السوري في أول أيام كانون الأول المقبل".

لهذه الأسباب وغيرها اتخذ الثوار قرارهم بالاعتراف بالمجلس الوطني ممثلاً شرعياً ووحيداً لهم عندما قرروا تسمية إحدى جمعهم بجمعة (المجلس الوطني يمثلني).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فوضى المؤتمرات والبيانات وإشكالات المعارضة السورية .. الدكتور محمد أحمد الزعبي

أعدت هذه المداخلة في إطار المشاركة كضيف في مؤتمر هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديموقراطي في سورية ( هيئة الخارج ) " ، التي عقدت في برلين في الفترة من 23 25 سبتمبر 2011 .

1.

بداية أطمح ألاّ يكون ماستسمعونه من اخيكم في هذه الدقائق التي أتاحها لي الإخوة والأصدقاء منظمي هذا اللقاء الهام مشكورين ، تكرارا لما سبق لكم أن قرأتموه أو سمعتموه حول المعارضة السورية لنظام عائلة الأسد ، وفي هذه الحالة ، ومن جهة أخرى آمل أن يصطبغ ماسأقوله بالعلمية والموضوعية ماأمكن .

2.

أريد أن أحصر كلامي هنا حول مسألة واحدة فقط ، هي مسألة ، الاختلاف ، أو بالأصح عدم توافق أطراف المعارضة السورية ، نظرياً وعملياً ، على موقف موحد ، أو على الأقل متقارب سواء من شعارات ثورة 15 آذار 2011 ، أو من أطروحات النظام السوري الكاذبة عن المسلحين ، والعصابات الإرهابية ، والسلفيين والمندسين ...الخ ) التي يحاول النظام وأتباعه بها احتواء الثورة و / أو إجهاضها إذا أمكن .

3.

هذا مع العلم أن مخاطراً أساسية يمكن أن تنجم عن هذا الخلاف / الاختلاف ، من حيث إمكانية أن تصب مثل هذه الخلافات / الاختلافات في طاحونة النظام ، وبالتالي خطورة عودة الأمور إلى المربع الأول ، مربع عام 1970 ، أو في أحسن الحالات مربع عام 2000 .

هذا مع العلم أن العودة إلى المربع الأول سوف تعني عملياً عودة حليمة لعادتها القديمة ، من حيث الطابع الأمني الديكتاتوري المتوحش والأسروي للنظام ، ولاسيما فيما يتعلق با ستمرار القتل والذبح ، وقطع الحناجر ، وقطع الأعضاء التناسلية ، والاعتقال ، والتعذيب الجسدي والنفسي حتى الموت ، والمقابر الجماعية ، والشبيحة ( بمن فيهم شبيحة القلم Schabbiha of pen ) ، الأمر الذي معه ، سوف تندم كافة أطراف وأطياف وأجنحة المعارضة على الفرصة التي أضاعتها في دعمها وتبنيها لشعارشباب ثورة 15 آذار 2011 " الشعب يريد إسقاط النظام " ، ولكن قد يصبح ندمها هذا بعد فوات الأوان ، ولات ساعة مندم .

4.

تتكون المعارضة للنظام الأسروي الأسدي ( وفق وجهة نظري الخاصة ) من ثلاثة تيارات، تمثل عملياً ثلاث وجهات نظر متباينة بدرجات مختلفة ، سواءفيما يتعلق بالهدف النهائي لثورة 15/آذار 2011 ( سورية مابعد عائلة الأسد ) ،أومايتعلق ب "الوسيلة " التي ترى كل مجموعة من هذه المجموعات أنهما الطريق الصحيح لتحقيق الحرية والكرامة التي نادى وينادي بها شباب الثورة منذ ال 15.3.2011 ، هذه التيارات هي :

5.

التيار الأول ، وهو التيار الذي يرى أن الوصول إلى الحرية والكرامة لايمكن أن يتم إلاّ عبر إسقاط النظام ، مع وجود خلافات بين اطراف هذا التيار حول مسألة " الحماية الدولية " ، من حيث أن مفهوم الحماية الدولية بنظر متبنيه من المعارضة ، ولا سيما شباب الداخل لايتماهى ولا يعني ، التدخل العسكري المباشر، لأية قوة خارجية ، سواء على الطريقة العراقية أو الليبية .

 و يرى أتباع هذا التيار أن كل جماعة تتجنب في مؤتمراتها أو بياناتها ذكر " الشعب يريد إسقاط النظام " ، إنما هي جماعة تخفي وراء مؤتمراتها وبيانتها وكلامها المعسول موقفاً مختلفاً يتقاطع بهذه الدرجة أوتلك ، بهذه الصورة أو تلك مع مواقف النظام ، الذي يقدم للمعارضة الجزرة بإحدى يديه ، بينما تخفي يده الأخرى العصا ، التي سينتقم بها من كل من شارك في ثورة 15 آذار 2011 من قريب أو بعيد .

6.

التيار الثاني ، هو ذلك التيار الذي يرغب ويعمل نظرياً وعملياً ، على تغيير نظام عائلة الأسد الأمني بنظام

بنظام سياسي ديموقراطي تعددي ، ولكنه يخشى بنفس الوقت أن يأتي هذا البديل الديموقراطي التعددي بجماعة أو جماعات إسلامية تكفيرية متشددة وإقصائية إلى الحكم ، تقوم بالانقلاب على الديموقراطية والتعددية ، باسم مبادئ سماوية عليا . إن مايريده هذا التيار واقعياً ، هو إصلاح وتغيير سياسي واجتماعي مقنن ، أي مشروط بأن لايكون البديل لنظام بشارالأسد هو التيار الإسلامي . إن عناصر وأتباع هذا التار إنما يضعون وفق وجهة نظري قدما عند بشار الأسد وقدماً عند ثورة الشباب . إن موقفهم هذا إنما يدخل عملياً وحسب تقديرنا الخاص في إطار مفهوم / مقولة " الإزاحة / التحسين الشكلي " وليس " الإزالة / التغيير الجذري " الذي تنادي به وتتبناه ثورة 15.3.11 .

 إني أطلق على هذا التيار وصف / إسم " مجموعة نعم لتغيير النظام ولكن !!" ، وأعتبره تيارا إقصائياً

بسبب هذه ال " ولكن " .

7.

التيار الثالث ، ، هو تلك الجماعة أو الجماعات ، التي ترغب وتعمل ميدانيا على توكيد خطين متوازيين يمكن لهما ان يمثلا السكة الآمنة لكل من النظام والشعب ، هما : العلمانية المعتدلة التي تتمثل أساسا بفصل الدين عن الدولة، والإصلاحات المعتدلة التي ترضي جماهير وشباب ثورة 15 آذار ، ولكن دون أن تؤدي إلى إسقاط النظام .

إنني إذ أوافق هذا التيار في موضوع العلمانية إلاّ أنني اختلف معهم في موضوع الإصلاحات المعتدلة ، التي أعتبر أن " المسكوت عنه " فيها أكثر من الظاهر و" المعلن " . وإنني من جهتي أطلق على هذه المجموعة إسم " مجموعة نعم !! لبقاء النظام ولكن " وهو يعتبر بنظرنا بدوره تياراً إقصائياً .

8.

تشير مضامين أدبيات وبيانات كافة أجنحة المعا رضة السورية في الداخل والخارج إلى وجود أمور معلنه ، متقاربة المضامين ، وتحاكي شعرارات وهتافات شباب ثورة 15آذار ، ولاسيما منها :

 تغيير النظام الاستبدادي الأمني الأسروي في سورية ،

 إقامة نظام وطني ديموقراطي تعددي ، يقوم على أساس مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق

 والواجبات ، وسيادة الشعب ، وفصل السلطات ، وهو مايعني عملياً :

 أن الدستور والقانون ( اللذين سيتم وضعهما لاحقاً من قبل ممثلي الشعب المنتخبين والشرعيين )

 سيكونان هما فقط الحكم والفيصل بين الجميع ،

 و أن سورية المستقبل ، ستكون وطناً لجميع أبنائها دونما استثناء أو إقصاء لأحد أو لجماعة

 إجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، بأ ي صورة من الصور .

 و أن مفهوم الجميع يشمل هنا كلاًّ من : النساء والرجال ، الصغار والكبار ، المدنيين والعسكريين

 وأمور أخرى مسكوت عنها في هذه البيانات والأدبيات ،ولكن يمكن للعارفين ببواطن الأمورأن يكتشفوها ليس من خلال مايقال ويكتب وينشر ، وإنما من خلال ما هو وراء هذا الذي يقال ويكتب وينشر ، ولعل هذه المسائل الأخيرة هي سبب عدم تلاحم المعارضة وتوحدها ، على طريق إسقاط النظام .

9.

إن الأمور المسكوت عنها ، والتي تقف وراء عدم توحد المعارضة ، تختلف عملياً ، من جهة ، بين تياروآخر ، ومن جهة ثانية ، داخل التيار نفسه ( بين العناصر والأجنحة )، ولهذا فقد جاء هذا السيل الجارف من البيانات والمؤتمرات والندوات والمجالس الوطنية وهيئات التنسيق والمبادرات واللجان و..و.. الخ ، ليس لتقول تلك الجماعات والتيارات ماعندها ، وإنما على العكس لتخفي بعضا مما عندها عن الآخرين ، ومن هنا كانت تساؤلات الناس عن سبب كثرة هذه المؤتمرات ، وعن سبب عدم توحد المعارضة ، وبالتالي عدم تحولها إلى حالة سياسية واضحة المعالم والأهداف ، ومعترف بها وطنيا وعربياً وإقليمياً وعالمياً

10.

إنني ومن موقعي كمواطن عربي سوري علماني ديموقراطي أزعم أنني تقدمي ، أرغب أن أشدد ، وفي إطار انحيازي الكامل إلى ثورة 15 آذار ، وبالذات إلى مطلبها المشروع في إسقاط وتغيير( إزالة وليس إزاحة ) نظام عائلة الأسد الدكتاتوري الوراثي الفاسد ، وذلك في إطار المساهمة النظرية في محاولة رسم خارطة طريق للمعارضة السورية ، يساعد على الخروج من هذا النفق المظلم ، الذي وضعتنا فيه عائلة الأسد منذ 1970 ، والذي فاقت ضحياه البشرية ، على يد كل من الأب والإبن ، مئات المرات ضحايا حرب 1967( أنظر مقالنا ، الخاطرة الثالثة حول البلاغ 66 ) ، والتي أوصلت إسرائيل إلى مسافة مرمى حجر من عاصمة بلدنا دمشق ( مرصد جبل قاسيون ) ، على مايلي :

10.1

 تعاني المعارضة السورية سواء في الداخل أوالخارج من إشكالية سياسية وفكرية تتعلق بالعلاقة الأيديولوجية بين الرأي والرأي الآخر .

 إن المجتمعات البشرية ككل كما يعرف ويرى الجميع ومنها مجتمعنا العربي عامة والسوري خاصة هي ليست كأسنان المشط ، ولكنها أيضاً ليست كأسنان الغولة ، إنها كأصابع اليد ، تتفاوت طولاً وعرضاً وحجماً ، ولكنها تؤدي مجتمعة ومتعاونة وموحدة وظيفة معروفة ، هي وظيفة اليد .

 إننا هنا أما قانون إجتماعي جدلي هو قانون" وحدة وصراع المتضادات "، الذي يشير إلى مشروعية التضاد وبالتالي الصراع ،باعتبارهما من طبيعة الحياة الاجتماعية " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " ( البقرة /251 ) . ولكن شريطة أن يكون ويظل هذا التدافع والصراع في إطار الوحدة ، لأنه بدون هذه الوحدة ستعم الفوضى وتفسد الأرض ، أي المجتمعات .

إن كل مااطلعت عليه من البيانات والإعلانات والأدبيات والمبادرات الصادرة عن اطراف المعارضة إنما تشير بصورة لالبس فيها إلى " الحرية والكرامة " وذلك عن طريق الديموقراطية والتعددية . وغني عن القول أن كلا هذين المفهومين يتضمن الاعتراف والقبول بوجود كل من الرأي والرأي الآخر في مجتمعاتنا ، وما علينا إلاّ أن نحوّل كلماتنا إلى أفعال ملموسة ، أي ألاّ تخيفنا فوضى المؤتمرات واللقاءات والمجالس المؤقتة وغير المؤقتة بعد أن فتحت ثورة 15.3.11 المجيدة ، الباب على مصراعيه لكل من الرأي والرأي الآخر ، بعد قرابة نصف قرن من التصحر السياسي والفكري والأيديولوجي .

10.2

وتكمن من وجهة نظري وراء مادعوته " فوضى البيانات والمؤتمرات " ،أسباب موضوعية تتمثل

بتشكل هذه المعارضة تاريخيا على مدى قرن من الزمن ، أي على شكل تراكمي ، حيث كان كل من وصل إلى السلطة من أطراف هذه المعارضة ، يضطهد الأطراف الأخرى ويقصيها ، ويحولها بالتالي إلى فئات معارضة له.

 و يعود تاريخ هذه العملية التراكمية عملياً إلى مطلع القرن العشرين ، حيث وعد بلفور ، وسايكس بيكو ، والمؤتمر السوري ( مؤتمر بلاد الشام ) ، والاحتلال الفرنسي لسورية ولبنان ، والثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي ، والكتلة الوطنية ، وعصبة العمل القومي ، والمرحلة الاستقلالية بعد 1946

 ( حيث تحولت التناقضات الثانوية إلى تناقضات رئيسية ) ، ومرحلة الانقلابات العسكرية ، ومرحلة الوحدة السورية المصرية ، ومرحلة الانفصال ، ومرحلة 8 آذار 1963 ومرحلة انقلاب 23 شباط 1966

ومرحلة انقلاب حافظ الأسد 1970(الحركة التصحيحية ) وأخيرا وربما ليس آخراً مرحلة الثورة الشبابية الراهنة ( ثورة 15 آذار 2011 ) التي كانت السبب في مثل هذا اللقاء .

10.3

إن ماأرغب قوله حول مادعوته فوضى البيانات والمؤتمرات ، أن الإنسان عادة مايتعلم من تجاربه وأخطائه ، وبالتالي فإن على تيارات المعارضة أن تتجاوز وربما تنسى خلافاتها الأيديولوجية والسياسية السابقة ، أو على الأقل أن تؤجلها إلى مابعد تحقيق الهدف الرئيسي الذي يسعى ويناضل في سبيله جميع الوطنيين الشرفاء ألا وهو، إنهاء نظام الفساد العائلي الديكتاتوري الوراثي الحالي ، الذي حصد وما يزال يحصد منذ الثامن عشر من آذار 201 كل طلعة شمس ، عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المفقودين والمعتقلين ، واستبداله بنظام وطني ديموقراطي تعددي قائم على الحرية والكرامة والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان( وأصبح لابد بعد معركة الحمير من أن نضيف إليها والحيوان ) ، بغض النظر عن الخلافات الصغيرة أو الكبيرة ، بين هذه التيارات ، سواء حول الغاية أو حول الوسيلة .

10.4

تتكون المعارضة السورية من ستة تيارات سياسية اجتماعية هي : الديني ، القومي العربي ،الكوردي ، اليساري ، الليبرالي ، وتيار ثورة 15 آذار الشبابية (الذي هو مزيج وطني من كل هذه التيارات ) .

 وعادة مايتواجد في كل من هذه التيارات جناحان ، واحد معتدل ، وآخر متطرف ، ومن المفروض أن تلتحم وتنسق الأجنحة المعتدلة في كل هذه التيارات مع بعضها بعضاً ، وذلك عبر حوار وطني هادف وعقلاني وأخلاقي وملتزم ، ينصب على كيفية تغيير نظام الأسد ، باقل الخسائر الممكنة ، و يستند في شكله ومضمونه إلى : أولاً قوله تعالى " وجادلهم باللتي هي أحسن " ، وثانياً مقولة الإمام الشافعي " إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب " ، وثالثا مقولة فولتير " إنني أخالفك الرأي ، ولكني مستعد أن أقدم حياتي من أجل أن تقول رأيك بحرية " .

هذا مع العلم أن مثل هذا الحوار لايكون إلاّ بين أطراف متكافئة من حيث القوة المادية ، ذلك أن حواراً بين أعزل ومسلح لايمكن أن يكون حواراً ممكناًً أو مثمراً ، كماهي الحال بين النظام والمعارضة اليوم ( مؤتمر فاروق الشرع على سبيل المثال لاالحصر) .

وأستشهد هنا بما قرأته في أحد ى المقالات ، لشخص لاأعرفه ، حول موضوع الحوار/ المفاوضات ، مع نظام بشار الأسد ( على قاعدة : خذ الحكمة ولا تسأل من أي وعاء خرجت ) ، يعود تارخه إلى 21 سبتمبر 2011 ، جاء فيه :

" وبالنسبة للمفاوضات مع النظام ، يكون بعد أن يعترف النظام بالمعارضة ، ويستجيب النظام لشروط أهمها ، سحب القطع العسكرية والأمن والشبيحة من الشوارع ، وإنهاء محاصرة المدن والأرياف ، والسماح بالتظاهر السلمي ، فقط بموجب علو وخبرللشرطة ، وثانياً الإفراج عن جميع المعتقلين ، السياسيين ،وثالثاً محاسبة جميع الذين أجرموا بحق الشعب وتسببوا بمقتل آلاف الشهداء ، وبعد ذلك يتم المفاوضات على طريقة الانتقال السلمي إلى الدولة الديموقراطيةالتعددية المدنية " .

10.5

وأرغب أن أستفيد من وجودي بينكم ، لأصحح مابات متدولاً بين معظم أطراف المعارضة ، أحيانا عن حسن نية ، وأحياناً غير ذلك حول مسألتين راهنتين هما :

الأولى ، هي أن نظام عائلة الأسد هو نظام حزب البعث العربي الإشتراكي ، وقد تم تعبير المتظاهرين عن هذه المسالة ، بهتافهم ( مامنحبك مامنحبك ، إرحل عنا أنت وحزبك ) .

والثانية هي إشكالية العلمانية التي يتم توظيفها اليوم ، مرة بصورة صحيحة وبريئة ، ومرة بصورة " كلمة حق يراد بها باطل " !.

أما بصدد النقطة الأولى ، فبداية انا لست ضد هتاف ( إرحل عنا إنت وحزبك ) ، ولكن ماأريد تصحيحه هنا ، هو أن حزب بشار الأسد ، هوإسماً وشكلاً حزب البعث العربي الإشتراكي ، ولكنه مضمونا وفعلياً هومجموع الأحزمة الأمنية من الحرس الجمهوري ، والشبيحة ، والمرتزقة ، والحكومة ، والجبهة الوطنية التقدمية ، والاتحادات والهيئات الشعبية المعينة والمبرمجة .. الخ ، وهم من استخدمتهم وتستخدمهم عائلة الأسد منذ عام 1970تحت إسم حزب البعث العربي الإشتراكي لتغطي به عورتها الطائفية والعائلية والديكتاتورية و الأمنية . ولا علاقة لحزب البعث بهذا النظام . ( ولعلم القراء الكرام فإن الكاتب مستقيل من حزب البعث منذ 1969) .

وللتذكير فقط ، فإن حافظ الأسد قد اعتقل رفاقه في قيادتي حركة 23 شباط ، وزج بهم في سجن المزة العسكري قرابة ربع القرن دون سؤال أو جواب ، الأمر الذي أدى إلى وفاة كل من الدكتور نور الدين الأتاسي واللواء صلاح جديد داخل السجن ، وإلى وفاة اللواء أحمد سويداني ، ومحمد رباح الطويل ومحمد العشاوي خارج وبسبب هذا السجن ، كما أن الدكتور يوسف زعين مازال يعاني منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي ، من عقابيل وجوده في هذا السجن لمدة أحد عشر عاماً ، وينطبق هذا الأمر على كل من محمود فياض ، ومصطفى رستم ، وكامل حسين ، وأيضا على حاكم الفايز(الأردني) ، وسلمان العبد الله (العراقي )

 

وبخصوص النقطة الثانية ، فإني بعيداً عن الدهاليز والإشكالات النظرية والعملية المتعلقة بمفهوم وإشكالية العلمانية ، أرى أن نحدد هذا المفهوم ، بالعبارة المعروفة والدارجة ، ألا وهي " الدين لله والوطن للجميع " ،أي أن العلمانية وفق هذا المفهوم ليست ضد الدين ولا ضد التدين ، ولكنها ترى فيهما مسألة فردية خاصة بعلاقة المخلوق بخالقه ، بحيث يكون هذا المفهوم مقبولاً من التيارات العلمانية ومن التيار الديني على حد سواء ، ونتلافى بهذا محاولة استخدام المتطرفين من الطرفين ( الديني والعلماني ) لهذه المسالة ، لشق المعارضة ، وحرفها عن هدفها الأساسي والجوهري ألا وهو إسقاط النظام العائلي الراهن ، وإقامة نظام وطني ديموقراطي تعددي ، قائم على العدالة والمساواة ن وبالتالي على تحقيق الحرية وصون الكرامة على أنقاضه .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يلعب في الوقت الضائع .. أحمد النجار

29/11/2011

"ما المقصود بعبارة الشبيحة؟ وكيف يمكن تعريف الشبيحة؟... ما هو الفرق بين حماية المدنيين وحماية المواطنين؟"

هكذا بأعصاب تبدو باردة يراوغ وزير الخارجية السوري وليد المعلم ويمارس اللف والدوران مع الجامعة العربية ليخفي بشاعة الذبح الذي تمارسه قيادته بالشعب السوري الذي انتفض من دون رجعة. وهذا النهج لا يبدو بعيدا عن موقف النظام في بداية أحداث الربيع العربي، فبدلا من القيام بإصلاحات سريعة وفعالة, تغنت القيادة السورية والقنوات الإعلامية التي تدور في فلكها بممانعتها وتحقيقها لآمال وتطلعات الشعب، ساخرة من سقوط طاغيتي تونس ومصر ومعللة ذلك بسقوط فريق "كامب ديفيد" الذي باع نفسه لواشنطن وتل أبيب. هذا وقد استبعدت قيام مظاهرات الحرية على أراضيها في بلد يرفع شعار المقاومة لإسرائيل وأمريكا. وعندما ذهلت عصابة الأسد بانتقال عدوى الربيع العربي إلى أرض سوريا العريقة، دأبت على التقليل من شأنها ورميها بالتهم المعلبة المعدة مسبقا.

لكن ما يقال في الظاهر شيء وما يحصل خلف الكواليس شيء آخر تماما. فالناظر في تحركات النظام الطائفي في دمشق منذ فترة ينكشف له مدى التخبط الذي يعاني منه، وأن إظهار البلادة والتباطؤ متعمد لأجل كسب الوقت لا غير وليس حالة من الجهل أو الوهم السياسي. فمنذ بداية الثورة والتسليح على قدم وساق لقطاعات واسعة من الطائفة العلوية أملا بإشعال حربا طائفية طاحنة. أما اقتصاديا، فإن رفعت الأسد الملقب ب"جزار حماه"، عم الرئيس الحالي يشرع في بيع بعض قصوره الفاخرة في أكثر من عاصمة أوروبية حسب صحيفة "التلغراف" البريطانية، في إشارة إلى توقع السقوط المدوي. وحسب صحيفة "السياسة" الكويتية وغيرها، هناك أنباء عن نقل مخزون الذهب من مصرف سوريا المركزي وتحويله إلى جهات مجهولة. وأخيرا، البشارة التي جاءت على لسان المعلم في مؤتمره الصحفي الأخير عن سحب 95 في المئة من أرصدة النظام في الخارج سلفا. وهي بشارة في الحالتين: إن كان صادقا في ما يقول فهو يعبر عن حالة النظام المرتبكة والحاجة الماسة إلى السيولة المفقودة لدفع فاتورة القمع الكبيرة. وإن كان ذرا للرماد في العيون ولم تسحب الأرصدة، فالتجميد سيكون له بالغ الأثر في الحد من قدرتهم على التنكيل في الشعب الأعزل. أما عسكريا، وكأن الاستعانة بقوات حزب الله والحرس الثوري الإيراني لم تكن كافية، يجري الآن استعانة جديدة بمرتزقة عراقية من مقتدى الصدر، متوجا باستنفارا عسكريا كبيرا للجيش على الحدود تحسبا لعمل عسكري ما والذي نفاه المعلم مجددا.

وحيث أن الخناق يضيق سريعا الآن حول رقبة عصابة الأسد المجرمة، ينبغي وضع عدة أمور في الميزان. من الملاحظ أن الأسد كرر لقاءاته مع الصحف البريطانية عوضا عن مخاطبة شعبه المفجوع. وقد يقرأ ذلك على أنه رغبة في إظهار الطمأنينة والسيطرة والتقليل من خطورة الأزمة، لكنه كذلك مؤشر على عدم استطاعته مواجهة شعبه. فما هو الذي سيتكلم فيه معهم؟ هل يبرر إجرام عصاباته الوحشية أم يكرر الحجة السخيفة بوجود العصابات المسلحة أم يمجد إصلاحاته الورقية التي لا تساوي الحبر الذي كتبت أو لم تكتب به؟ ثم إن الأسد قد تعهد بالقتال حتى الموت، مكررا مقولة صديقه القذافي الذي اختاره الأخير ليجري آخر اتصال معه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. هناك فرق كبير بين القول أن الأمور تحت السيطرة والقول بأنه سيقاتل حتى الموت، ليسأله رئيس الوزراء التركي أردوجان محقا: "ستقاتل من؟ هل ستقاتل شعبك؟ هل ستقاتل المسلمين؟!"

إن احتمالات الحرب الإقليمية واردة، وهي ما هدد بإشعالها الأسد وأحمدي نجاد. وهناك تكهنات بالنسبة للتحركات الدولية الجديدة مثل خطة إبحار البوارج الروسية مستقبلا إلى الشواطئ السورية لتحمي ما تبقى لها من نفوذ سياسي وعسكري هناك. أما الخبر المرتبط بالخطة الروسية والذي كانت شركة "ستراتفور" ((Stratfor المتخصصة بالتحليلات الاستخباراتية أول من تكشفه، هو انتقال أحدث حاملة طائرات أمريكية والمسماة "جورج بوش" من مرساها في مضيق هرمز إلى البحر المتوسط. يأتي ذلك وسط تكهنات عن سبب التحرك في هذا التوقيت والذي ربطته مصادر استخباراتية إسرائيلية بالوضع السوري، رغم الرفض الأمريكي الرسمي لذلك.

الأحداث تتسارع كثيرا والأنباء متضاربة، ففي حين يؤكد البعض التحضير لإقامة منطقة حظر جوي برعاية تركية وعربية ومساعدة أمريكية حسب صحيفة "الراي" الكويتية، تأتي أنباء رسمية تركية تنفي ذلك حينا ولا تستبعده حينا آخر. والأمر نفسه ينطبق على المنطقة العازلة في الشمال التي يفترض أن تشمل كل مدينة حلب في نهاية الأمر. هذا عدا عن مقال روبرت فيسك في "الإندبندنت" البريطانية الذي تحدث فيه عن حصر النظام الأسدي بين فكي كماشة بإقامة منطقة عازلة أخرى في الجنوب، حسب مصدر في المجلس الوطني السوري. أما دبلوماسيا، لا يستبعد احتمال استصدار قرار غير ملزم من الجمعية العامة للأمم المتحدة في محاولة للالتفاف على الفيتو الروسي الصيني ضد قرار دولي يدين دمشق.

هل تدرك العصابة الأسدية أنها تلعب في الوقت الضائع؟ هلا أوقفت "المؤامرة الكونية" التي تنفذها هي ضد الشعب السوري التواق إلى الكرامة المفقودة؟ إلى متى والمواطن السوري يعذب ويقتل بسبب رفضه السجود على صورة بشار؟! لم يأبه المعلم في مؤتمره الصحفي الأخير بضحايا سوريا الأبرار وزهرة شبابها الذين يذبحون بدم بارد كالخراف لكنه تحسر مستهزئا على دول الخليج التي ستفتقد إلى الغنم العواس بعد تطبيق العقوبات الاقتصادية المرتقبة على بلده!

قريبا بإذن الله, عندما ينتهي الوقت الضائع ويتحقق مطلب الشعب الرئيسي بإسقاط النظام، قد نسمع المعلم وهو يسأل مستعجبا: "عن أي ثورة سورية تتحدثون؟!"

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موسكو ودمشق وجهان لنظام واحد  .. محمد فاروق الإمام

يعتقد الكثيرون أن روسيا التي ورثت الاتحاد السوفييتي بعد تفككه وتشرذمه قد دخلت نادي الديمقراطية من أوسع أبوابه، حارقة المراحل الطويلة التي فصلتها عنه لسنين طويلة وهي أسيرة الحكم الشيوعي الشمولي الذي دام أكثر من 70 عاماً، لكن الحقيقة أن الذي حصل هو تفكك البلدان التي كانت منضوية تحت مظلتها والانعتاق من العبودية والأسر التي عاشته في ظل قبضتها الحديدية، وجعلتها دولاً منهكة فاشلة وشعوب مقهورة وذليلة وفقيرة ومتخلفة، فالاتحاد السوفييتي التي طويت صفحته هو حاضر اليوم في موسكو من خلال مجموعة من الشخصيات الشيوعية التي تتبادل حكم روسيا بالتراضي وتتداول حكمه بالتوافق.

ففي يوم 3 تشرين الثاني من عام 1993 تحولت الأزمة الدستورية في روسيا إلى صدام مسلح بين أنصار مجلس الدوما (البرلمان) وقوات الشرطة والأمن والجيش، وبذلك وضعت روسيا على حافة الحرب الأهلية.

وانتهى النزاع بين السلطة التنفيذية التي كان يمثلها آنذاك الرئيس الروسي بوريس يلتسين والسلطة التشريعية بزعامة روسلان حسبولاتوف مؤيداً من نائب الرئيس الروسي روتسكي بشأن مسيرة الإصلاحات وسبل بناء الدولة الجديدة انتهى بتعرض مقر البرلمان الروسي لنيران الدبابات. وجاء المرسوم الرئاسي القاضي بحل مجلس نواب الشعب بحجة محاولة قلب النظام الديمقراطي والعودة إلى الشيوعية.

في حين كان الخلاف بين السلطة التشريعية ويلتسين يكمن في اختيار النموذج الاقتصادي للانتقال من الاشتراكية إلى الرأسمالية. وقد اختار البرلمان النموذج الانتقالي المرن بصفته نموذجاً أوروبياً مقبولاً. بينما كان يلتسين يصر على النموذج الأمريكي الذي سرعان ما صار يتعطل، الأمر الذي تسبب في تدهور الاقتصاد.

وكانت حركة يلتسن انقلاب فعلي على الديمقراطية والعودة بروسيا إلى حقبة الحكم الشمولي مجدداً ولكن دون الجمهوريات التي تمكنت من الانفلات من قبضة روسيا وتأسيس جمهوريات مستقلة ديمقراطية انضوت بعضها في مجموعة الاتحاد الأوروبي.

كان عهد حكم يلتسين فترة مظلمة في التاريخ الروسي الحديث لم يشهد الروس مثلها حتى في ظل الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية - أو قبل الثورة البلشفية - وهي فترة شهدت انتشار الفساد، وانهيار اقتصادي هائل، والمشاكل السياسية والاجتماعية، وهذا دفع يلتسين إلى البحث عمن يضمن له تقاعده في مأمن من احتمالات الملاحقة بتهمة الفساد وتبديد أموال الدولة، ليجد ضالته في شخص فلاديمير بوتين الصموت الغامض الذي خرج من معطف لجنة أمن الدولة (كي جي بي) ليعرض عليه خلافته مقابل ضمان مستقبله وأفراد عائلته إلى جانب الكثير من الامتيازات المادية.

وقبل بوتين بالصفقة التي جرى تنفيذها على مراحل بدأت بتوليه رئاسة الحكومة وانتهى بإعلان الرئيس يلتسين استقالته وتكليفه فلاديمير بوتين للقيام بأعمال الرئيس حتى انتخابه في عام 2000 رئيسا للدولة الروسية، وتمكن من الفوز بولاية ثانية وبقي حتى عام 2008، ليخلفه في الحكم صديقه ورئيس وزرائه ديمتري ميدفيديف، الذي عينه رئيساً للوزراء، وبالتالي يمكننا أن نقول أن بوتين لم يغادر الحكم بل بقي الرجل القوي الذي يحكم روسيا فعلياً من خلال منصبه الجديد.

شغل فلاديمير بوتين منصب رئيس الوزراء وعينه على الرئاسة التي استمرأ تبوأ منصبها، وهو يأمل في العودة إلى الكرملين واستئناف مسيرته التي بدأها مع مطلع هذا القرن، ويبرر دستورية ومشروعية طموحاته بتأكيده أنه وخلفه ميدفيديف لا ينويان القيام بأية خطوات من شأنها انتهاك نصوص الدستور الروسي. وعليه فإن توصل الزعيمان إلى اتفاق نهائي على اختيار المرشح من بينهما للانتخابات الرئاسية في عام 2012، يشير إلى توافقهما على لعبة تبادل المناصب والأدوار؛ وعليه فإن روسيا لن تشهد في الانتخابات الرئاسية المقبلة تنافساً حقيقياً؛ لأن توافق الثنائي الحاكم لا يسمح بالتنافس، الأمر الذي يطرح أسئلة كثيرة حول الديمقراطية في روسيا، وحول تبادل السلطة والنفوذ بين أقطاب الحزب الحاكم، مما يضع عودة بوتين إلى منصب الرئاسة نهاية لتمثيلية سياسية استمرت لنحو أربعة أعوام، فقد أخبر الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في الرابع والعشرين من سبتمبر الفائت مؤتمر حزب روسيا المتحدة الحاكم بأن فلاديمير بوتين سوف يذهب إلى الكرملين في أعقاب الانتخابات الرئاسية المقبلة في آذار من عام 2012، بينما أخبرهم بوتين بأن ميدفيديف سوف يظل في منصب رئيس الوزراء وزعيم حزب روسيا المتحدة.

وتنتقد قوى المعارضة الروسية توجهات بوتين ومدفيديف التي تغالي في إشادة نظام مركزي، يُعطل المبادرات المحلية والاجتماعية، ويلحق الضرر ببنية مؤسسات المجتمع المدني، فيما يعتبر بوتين أن روسيا بحاجة إلى فترة زمنية لإتقان ممارسة الديمقراطية الحقة، وهو يخفي في توجهاته حقيقة معاداته للممارسة الديمقراطية، ولا يختلف في هذا الخصوص عن أطروحات وتوجهات الرئيس ميدفيديف.

من هنا نتفهم مواقف روسيا المعادية للثورات والانتفاضات التي تجتاح العديد من البلدان العربية منذ نهاية عام 2010، التي تطالب بالحرية والديمقراطية، وتقف إلى جانب الديكتاتوريات المستبدة الحاكمة من خلال أحزاب شمولية تدعمها، فقد وقفت إلى جانب القذافي حتى سقوطه، واليوم تقف إلى جانب حاكم دمشق بشار الأسد ونظامه الاستبدادي الشمولي، مغمضة عينها عما يقترفه هذا النظام بحق شعبه من مذابح ومجازر لأكثر من ثمانية أشهر سقط خلالها ما يزيد على خمسة عشر ألف متظاهر سلمي بين قتيل وجريح، واختفاء واعتقال وسجن وتهجير عشرات الآلاف بحسب ما جاء بتقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية، ووصفها بأنها جرائم ضد الإنسانية تستحق إحالة مرتكبيها إلى محكمة العدل الدولية، وتقف إلى جانبه في المحافل الدولية وتستعمل حقها في نقض أي قرار أو مشروع يوقف آلة القتل الجهنمية التي يقمع بها النظام السوري شعبه، ولا تتوانى عن دعمه عسكرياً ومالياً ولوجستياً بهدف تمكينه من كسر إرادة الثائرين على حكمه ونظامه، ولا يتردد مسؤوليها عن كيل التهم لهذه الثورة السلمية المباركة تماهياً مع فبركات النظام ودعاويه الباطلة وأكاذيبه الصريحة الفاضحة، والتي كان آخرها قول وزير خارجيتها لافروف من أن العملية التي قامت بها مجموعة من الجيش السوري الحر التي استهدفت مقر المخابرات الجوية في الزبداني، الذي يقوم بقتل وتعذيب النشطاء والمعارضين السوريين حتى الموت، يشبه حرباً أهلية حقيقية.

من هنا فإننا نتفهم الدوافع وراء تأييد موسكو لدمشق.. كون من يقود الحكم في موسكو لا يختلفون عمن يقود الحكم في سورية فالشبيه بالشبيه يتمثل!!

 

أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الخميس17/11/2011، أن روسيا ترى انه يجب أن تكون مبادرة الجامعة العربية لتسوية الوضع بسورية بشكل أوضح وبتفاصيل أكثر.

وأكد لافروف خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الهندي سامانهالي كريشنا في موسكو أن جامعة الدول العربية يجب أن توجه مطالبها بوقف العنف ليس إلى السلطات السورية فحسب، بل والى المعارضة أيضاً.

ولفت الانتباه إلى أن المبادرة التي أقرتها الجامعة العربية يوم 2 تشرين الثاني، قد تضمنت هذا المطلب، واصفا إياه بالبند الرئيسي في المبادرة، لكنه أضاف أن هذا الموقف يحتاج إلى تقديمه بشكل أوضح وبتفاصيل أكثر.

وتابع وزير الخارجية الروسي قائلا: "من الضروري وقف العنف بسورية من أية جهة كان.. وان الإقرار بهذه الحقيقة شيء مهم، لان العنف بسورية مصدره ليس المؤسسات الحكومية وحدها.. وفي سورية تزداد كميات الأسلحة التي يتم تهريبها من الدول المجاورة".

وتابع قائلا: "ولذلك نحث جميع الدول المهتمة بتسوية الوضع في سورية سلميا إلى التوجه ليس إلى السلطات السورية فحسب بل والى المعارضة بطلب وقف العنف، وذلك من أجل تجسيد المبادرة العربية"، وأعرب لافروف عن اعتقاده بان هذه الدعوة يجب أن تأتي باسم الجامعة العربية وباسم الدول التي تعمل المعارضة السورية في أراضيها.

ترحيب روسي

وأعلن وزير الخارجية الروسي أن موسكو تؤيد فكرة إرسال الجامعة العربية بعثة مراقبين محايدة إلى سورية، كما أكد لافروف أن روسيا تدعو إلى فتح سورية أمام وسائل الإعلام الأجنبية.

وقال لافروف: "نحن نؤيد فكرة وجود مراقبين محايدين (في سورية) بالإضافة إلى منح وسائل الإعلام فرصة دخول سورية بحرية"، وتابع قائلاً "إن القيادة السورية، حسب معرفته، أعربت عن استعدادها لاستقبال مراقبي الجامعة العربية وتوفير فرص لها لزيارة أي مكان أو بلدة في البلاد، كي يشاهدوا بعيونهم ما يجري في سورية".

وأضاف "إن فكرة إرسال المراقبين إلى سورية ليست جديدة، بل هي كانت أحد أهم بنود المبادرة العربية، كي يتمكن هؤلاء المراقبون من متابعة تنفيذ مطالب الجامعة من قبل جميع الأطراف".

كما شدد الوزير الروسي على أهمية دعوة الجامعة العربية إلى بدء المفاوضات حول التسوية السلمية في سورية مباشرة بين كافة الأطراف، وتابع قائلا "إن من الأفضل أن تجري مثل هذه المفاوضات في مقر الجامعة العربية في القاهرة".

حرب أهلية

من جهته، دعا وزير الخارجية الهندي سامانهالي كريشنا الأطراف في سورية إلى التحاور وتجنب أي تصعيد يمكن أن يزج البلاد في أتون حرب أهلية، كما أكد كريشنا على ضرورة اضطلاع الجامعة العربية بدور أكبر لحلحلة الوضع في سورية.

وتابع قائلا: "إن موقف الهند هو أن هناك حاجة عاجلة لوقف جميع أعمال العنف في سورية، وهنا يمكن أن أذكر أيضا بما قاله رئيس الوزراء مانموهان سينغ في الأمم المتحدة، إن الهند لا تدعم حل الأزمات الداخلية عن طريق التدخل الخارجي، بل يجب على جميع الأطراف السياسية في الداخل السوري أن تلتزم بالحوار، وبوسع جامعة الدول العربية أن تلعب دورا مهما في جمع الأطراف ودعم الحوار ما يمكن أن يساعد سورية في إجراء التسوية، أتمنى أن لا تنقلب الأمور إلى حرب أهلية، لأن هذا سيصعد الأمور".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون في مواجهة فزاعة الحرب الأهلية .. فايز سارة *

الجمعة, 02 ديسيمبر 2011

الحياة

كثرت في الآونة الاخيرة التقولات حول ذهاب السوريين الى الحرب الاهلية، او كما يسميها البعض «الحرب الطائفية»، وفي هذا جاءت تصريحات وتلميحات وظهرت مقالات ودراسات، واتخذت هذه التقولات أبعاداً محلية وإقليمية ودولية، وتشارك في الحديث عنها مسؤولون أمميون ورسميون في دول كبرى وفي دول الجوار السوري. بل وردد بعض السوريين تلك التقولات باعتبارها بعضاً من الاحتمالات السورية او اهمها.

وغالبية تقولات الحرب الاهلية استندت الى ما يوصف بأنه احداث شهدتها محافظات الوسط السوري، وبخاصة مدينة حمص، التي قيل انها عاشت في الآونة الاخيرة أحداثاً وصفت بأنها «طائفية»، او هي احداث تقوم بها «عصابات مسلحة» و«جماعات ارهابية» ادت في كل الحالات الى قتل ابرياء وتدمير ممتلكات خاصة وعامة.

وعلى رغم انه لا يمكن نفي وجود بعض الاحداث المنتمية الى ذلك السياق غير المقبول والمرفوض، فمن الخطأ الشديد وضع تلك الاحداث خارج سياقها المحدد، ثم اعتبارها بمثابة مؤشر الى توجه السوريين نحو حرب اهلية، او انهم قد انخرطوا فيها على نحو ما يذهب قول البعض. ذلك ان هذه الاحداث لا تتعدى ارتباطها بثلاثة عوامل اساسية، اولها انها محلية الطابع مقتصرة على اماكن معينة لها ظروفها ومعطياتها الخاصة التفصيلية، وأن القائمين بها غالباً من عناصر تسعير الوضع وليسوا مجرد اشخاص عاديين، والثاني انها في حيثياتها ومعطياتها لا تمثل حضوراً مهماً في خريطة العنف الذي تشهده البلاد منذ اكثر من ثمانية اشهر، تقوم بها السلطات الرسمية وأجهزتها، كان من نتائجها قتل واعتقال وتهجير وإلحاق الضرر المادي الفاحش بمئات آلاف الاشخاص في أنحاء سورية كلها، والعامل الثالث، ان هذه الاعمال تتم وسط سيل من التحريض والتجييش والتضليل من هيئات ومؤسسات وأجهزة إعلامية وشخصيات متطرفة داخل سورية وخارجها، ولا تنفصل المشاركة الرسمية السورية عن غيرها، إن لم نقل انها الابرز في تلك الحملة، التي لا تأتي في اطار عملية تخويف للسوريين فقط، بل باعتبارها احدى بوابات النجاة للنظام من مواجهة الاستحقاقات السياسية للأزمة في سورية بالاستمرار في متابعة الحل الامني عبر سياسة خلط الاوراق، والاستعاضة عن مطالب السوريين في التغيير بدفعهم الى أتون حرب اهلية او الحديث عنها على الاقل.

واذا كانت المعطيات السابقة تؤشر الى ضعف الاساس الذي تقوم عليه تقولات الحرب الاهلية ومزاعم الذهاب اليها، فإن ثمة جوانب اخرى تؤكد صعوبة سير السوريين في اتجاه الحرب، وهي صعوبات تقترب من حد الاستحالة، وفي هذا السياق تمكن ملاحظة خليط من العوامل التاريخية والسياسية، الابرز فيها من الناحية التاريخية:

> ان السوريين شعب مسالم، وهو ابعد ما يكون عن العنف واستخدام السلاح. وتاريخ السوريين شاهد حي على حقيقة كهذه، بل ان السوريين هم شعب التسويات والمقاربات الهادفة الى معالجة المشاكل بطرق سلمية، وتلك ميزة من مزايا المجتمعات التاريخية، التي رسخت أشكالاً من الوجود الانساني المستمر من جهة، وكرست أشكالاً من التعاون بين البشر بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والدينية والاجتماعية، ويكفي التدقيق في واقع التنوع السوري للإقرار بقدرة السوريين على الاستمرار في العيش في نسيج واحد، وهو امر يتأكد في حدود دمشق التاريخية عاصمة السوريين، التي احتوت ولا تزال تعبيرات هذا التنوع والتعدد البشري ورغبته في العيش في اطار تجربة مستمرة منذ القدم.

> وإضافة الى السياق التاريخي الذي عاشته سورية، ففي تجارب السوريين الحديثة والمعاصرة الكثير مما يستحق التوقف عنده في تشديدهم على وحدتهم الكلية في انتمائهم الى جماعة وطنية واحدة مع الحفاظ على علاقاتهم بروابطهم المحيطة القومية والدينية والثقافية، وهي امور عبّرت عنها الجماعات السياسية في العقود الماضي وبخاصة في فترة ما بعد الاستقلال، وكان الامر واضحاً في تجارب الاحزاب العربية والكردية والأشورية، كما في تجارب الاحزاب الاسلامية واليسارية وغيرها، التي عكست طبيعة السوريين في مد جسور التواصل من دون ان يتسبب ذلك في نبذ او نفي مدمر لأي واحدة من تلك الجماعات من جانب المجتمع السوري.

> كما ان بين التجارب الحديثة والمعاصرة لتوافقات السوريين واتفاقاتهم على شخصياتهم الوطنية، والتي لم يكن الاساس في التوافق عليها سوى اندماجها في المصلحة الوطنية العليا على نحو ما كانت عليه زعامات النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي امثال صالح العلي وسلطان الاطرش وفارس الخوري وابراهيم هنانو وسعيد العاص ومئات غيرهم، لم يكونوا محكومين الا بمصلحة السوريين في التخلص من الاستعمار، وحصول السوريين على حريتهم واستقلالهم.

> وقد استمرت تجربة التوافقات السورية في فترة ما بعد الاستقلال في ظل النظام الديموقراطي البرلماني، سعياً من اجل ترسيخ نظام الاستقلال والتنمية الاقتصادية والاجتماعية على رغم دخول العسكريين على خط السلطة، الامر الذي حسم باستيلاء العسكريين على السلطة بصورة نهائية في آذار (مارس) 1963، ووضع البلاد في مسارات قادت الى الوضع الحالي بما فيه من احتدامات، يعتبرها البعض مؤشرات للدخول في بوابة الحرب الداخلية.

> التجربة المؤلمة لفترة الثمانينات من القرن الماضي، عندما اشتبكت جماعات «اسلامية» مسلحة مع النظام، واتخذت الاشتباكات طابعاً طائفياً استفاد منه النظام في تصفية الحراك الوطني الديموقراطي في حينه وفي اجهاض الحركة الشعبية، ومنذ ذلك الوقت والسوريون يتابعون تصفية الآثار السياسية والاجتماعية والانسانية لتلك الفترة وآلامها، والتي كلفت السوريين عشرات آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين والمشردين في العالم باستثناء ما اصابهم وأصاب سورية من خسائر مادية فادحة، وهذه التركة الثقيلة في تقديري تمنع السوريين من مجرد التفكير في الذهاب الى حرب داخلية.

وباستثناء تلك المعطيات، التي لها طبيعة تاريخية، فإن في الواقع معطيات سياسية كثيرة بعضها خارجي والآخر داخلي، يمكن اعتبارها بين موانع مباشرة لذهاب السوريين نحو الحرب الاهلية، ولعل الابرز في ذلك:

> ان اهم الاسباب الخارجية التي تمنع ذهاب السوريين نحو حرب اهلية، يبدو في ما حدث في العراق بعد الاحتلال الاميركي من حرب داخلية بين مكونات الجماعة الوطنية، كلفت العراقيين ولا تزال الكثير، ومثلها الحرب في ليبيا ضد نظام القذافي، وكانت تكلفتها على الليبيين كبيرة.

> اما الاهم في العوامل الداخلية، فيستند الى الخيار السلمي الذي تبناه السوريون في ثورتهم على النظام، حيث اتخذت الأحداث مسارها السلمي منذ البداية ولا تزال، وهذا الخيار لا يعكس فقط خوف السوريين من اختلالات ميزان القوى لمصلحة النظام من الناحية العسكرية بمقدار ما يعكس حرصهم على عدم الانجرار الى صراع يفقد الثورة تفوقها الاخلاقي، كما يتضمن استحالة تحقيق «نصر» فيه، ما يجعل الشعب الخاسر الوحيد والنظام الرابح في بقائه في سدة السلطة.

ان طبيعة السوريين ومسار حياتهم التاريخي والسياسي، كما وعيهم بظروف الحرب الداخلية وأخطارها، كلها تدفع لاختيار السلمية طريقاً في مواجهة النظام، والاصرار عليها على رغم القمع العاري الذي مارسه النظام ضد الحراك الشعبي، وجرى تحت ظله قتل آلاف السوريين وجرح واعتقال وتشريد مئات الآلاف في ثمانية اشهر فقط، وهي نتائج مأسوية دفعت لظهور اتجاهين في الداخل السوري، اولهما انشقاقات داخل القوى العسكرية، والثاني بروز اصوات تنادي بالتسلح وتحويل ثورة السوريين الى عمل مسلح، بل إن بعضاً من اعمال مسلحة حدثت في بعض المناطق ولا سيما في المناطق الملتهبة، لكن هذه التطورات، التي يعتبرها البعض اساس ذهاب السوريين الى حرب داخلية، لا يمكن اعتبارها مؤشرات حقيقية، وهي لا تصمد امام المعطيات الكثيرة التي تؤكد رفض السوريين الذهاب في هذا الاتجاه على رغم كل معاناتهم الراهنة واحتمالاتها.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استثنائية المعلم .. حسام عتياني

الجمعة, 02 ديسيمبر 2011

الحياة

يسع مؤيد الحكم في سورية الإشادة بأداء وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمره الصحافي الأخير واعتباره علامة على ثقة النظام بنفسه وبقدرته على تجاوز الأزمة التي يواجهها.

ولن يجد المؤيد ذاته غضاضة في تبرير سلوك المعلم أثناء اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي في جدة، وإرجاعه إلى الضرورات الديبلوماسية والبروتوكولية التي لا تشير إلى أي تراجع في مواقف دمشق من «المؤامرة الخارجية» التي ينفذها تحالف يجمع دهاة الأنس والجان، لإسقاط نظام الممانعة الوطني في دمشق.

بيد أن مشكلة ضخمة تعتور أداء المعلم في المؤتمر الصحافي وفي جدة، على السواء. ذاك أن التغني ببرودة الأعصاب وعدم إبداء أي انفعال، في مواجهة قاعة من الصحافيين المختارين الموالين والموافقين سلفاً على ما سيقول الوزير، يشير بين ما يشير، إلى رسوخ قدم في حالة من الاغتراب عن العالم الواقعي وعدم تقدير لمآلات السياسة التي يتبعها النظام السوري.

يصدر هذا الاغتراب عن تصور خاص بالنظام، وعن موقعه في العالم وعن أحجام وأوزان حلفائه الدوليين، ومستوى الاهتمام الذي تجده أزمته عند الخصوم والأصدقاء، وانشغالات المجموعة الدولية في مشكلاتها الاقتصادية. الجانب الثاني من التصور هذا هو إنكار وجود حراك داخلي بلغ ومنذ شهور طويلة نقطة اللاعودة وبات مطلبه الأول إنهاء الشكل الحالي للحكم. بكلمات أخرى، يحتل الإنكار موقعاً مركزياً في آلية تفكير الحكم. وغني عن البيان أن حصر أدوات التفكير بواحدة، مسألة تفضي إلى طرق مسدودة، في التحليل وفي إدراك الواقع والتعامل معه.

فبعد عقود من رفض الاعتراف ب «الداخل» والعمل على تحطيمه وتهميش أي فاعل سياسي فيه، والاقتناع أن الداخل السوري يعيش في سُبات شتوي طويل، بات من الصعب إقناع الفئة السياسية التي ينتمي المعلم إليها أن الداخل هو مصدر التغيير وليس الخارج، وأن هذا الأخير يمارس السياسة التي يؤديها كل خارج حيال الأزمات الوطنية والأهلية، أي البحث عن حماية مصالحه بكل السبل المتاحة.

لكن المبالغة في إسباغ النظام السوري الصفات الاستثنائية على نفسه قادته إلى حيث يقبع اليوم: عزلة شبه كاملة عن العالم وتحالفات تزيد كلفتها كل يوم مع أنظمة وحكومات لا تنقصها عوامل التصدع والتفكك الذاتيين.

التطبيق «السياسي» لهذه الممارسة يظهر في إضفاء أبعاد غيبية خارقة للطبيعة على النظام وعلى خصومه في آن واحد وإخراجهم، كفاعلين وكأفكار، من حيز الإدراك العقلاني والاندفاع إلى تصنيفات جوهرانية تحيل المشاركين في أي اشتباك سياسي إلى هويات طائفية ودينية وعرقية تقع دوافعها في أحداث جرت قبل مئات الأعوام. فتظهر الثارات والمنازعات القبلية والميول الشريرة لشعوب ودول تتربص ببعضها الشر الدفين، ومشاريع امبراطورية طواها النسيان منذ عقود، وقد استيقظت فجأة للإنقاض على الحكم السوري ولمنعه من أداء رسالته الخالدة في تحرير الأمة العربية وتحضيرها، على ما اكتشف البعض من مفوهي النظام أخيراً.

وفيما يصعب العثور على سبب برودة أعصاب المعلم في ثقة النظام بنفسه، من دون آلية الإنكار المذكورة، يلفت الانتباه أن الرجل ظهر، في جدة، شديد الود حيال وزراء عرب لم يترك إعلام النظام وأنصاره أياً من مفرداته المقذعة ولم يرمهم بها. لا معنى للحديث عن «الديبلوماسية» هنا. يمكن هنا توقع سماع بعض الأصوات تتحدث عن مصائر رسمها حكم دمشق لكل الدول العربية التي سيتقرر مستقبلها وفق ما قسم المعلم وحكومته من أرزاق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حرب المحاور والمراكز ... سوريا مقابل العراق  .. عريب الرنتاوي

الدستور

1-12-2011

أياً تكن نتائج زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن المفاجئة للعراق، فإن واشنطن، ومعها أطراف عربية (الخليج) وإقليمية (تركيا) ودولية أخرى (أوروبا)، أنها لن تقوى على وقف “التقارب الاستراتيجي” بين إيران والعراق...العراق الذي تحوّل بفعل الغزو الأمريكي للعراق، إلى “مجال حيوي استراتيجي” لنظام الثورة الإسلامية.

ولعل هذا ما يفسر إلى حد كبير، “استشراس” هذه الأطراف، معظمها على الأقل، في “إغلاق الملف السوري”، وعلى نحو يكسر “الهلال/المحور” في حلقته السورية المركزية، وربما قبل إتمام الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية العام الحالي أو في موعد ليس بعيداً عن هذا الاستحقاق، في أبعد تقدير.

واشنطن تدرك أن أية قوة دولية لن تكون قادرة على “ملء فراغها الكبير”...وأن البديل المرشح لملء هذا الفراغ سيكون من داخل المنطقة، ومن القوى الإقليمية الرئيسة فيه: تركيا وإيران...وبين هذين الخيارين، لن تتردد واشنطن في دعم “الخيار التركي” ومساعدته في اكتساب قاعدة نفوذ وتحالفات في العالم العربي وأوروبا والأطسي...ولعل هذا ما يفسر جزئياً، التطور الملموس الذي طرأ على علاقات أنقرة بواشنطن في الاونة الأخيرة....واشنطن تراهن بكل ما لديها من أوراق وقوة واقتدار، على “كسب” سوريا قبل أن “تخسر” العراق.

الخليجيون هم الأكثر خشية من بين جميع إخوانهم العرب من اكتمال هذا “الهلال”...لذا نراهم الأكثر حماسة من بين نظرائهم العرب لدعم “مسيرة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي” في سوريا ...نراهم الأنشط في الجامعة والمؤتمر الإسلامي، والأكثر اندفاعاً صوب الأمم المتحدة و”حماية المدنيين” وفرض العقوبات على سوريا...القلق الرئيس الذي ينتاب “نظرية الأمن الخليجية”، يمكن في هذا “الهلال” الذي تدور في فلكه أجرام عديدة، مبثوثة في المجتمعات الخليجية، ومن أبنائها الشيعة على نحو خاص...هكذا يقول الوعي و”اللاوعي” الخليجي على حد سواء.

تركيا بدورها، وهي تحتفظ بعلاقات تعاون “طيبة” عموماً مع إيران، تتطلع لدور إقليمي متزايد، وهي تشعر أنها مؤهلة أكثر من “منافستها” إيران للقيام بهذا الدور في البحر “السنّي” العربي، أولاً لامتلاكها نموذجا جاذبا للإسلام السياسي السنّي الصاعد في المنطقة، وثانياً، لأنها تمتلك قدرات اقتصادية وتجارية متنامية باطّراد، وثالثا، لانفتاحها على العالم بدوائره المختلفة، بالنظر لاعتمادها “القوة الناعمة” في سياستها الخارجية التي استخدمتها بنجاعة حتى الآن....هذا “الهلال/المحور” هو واحدة من العقبات التي تعترض الدور والطموح التركيين... ولهذا انضمت أنقرة بحماس، إلى المعسكر العربي السنّي في مقارعة النظام السوري والضغط عليه، خصوصاً بعد أن أفضت الأزمة السورية إلى ابتعاد دمشق عن أنقرة، واقترابها “اليائس” من طهران.

في مقابل كل هذا وذاك وتلك، تبدو طهران في حالة ترقب قلق ولصيق للمشهدين السوري والإقليمي، تبحث بعمق في خياراتها وبدائلها...هي مطمئنة من جهة لمستقبل دورها في العراق...لكن خسارتها لسوريا، تعني أن دورها في المشرق العربي برمته، وفي القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، سوف يتآكل...لقد مرّت السياسة الإيرانية بمراحل مراجعة وتقييم متتالية رافقت تطور الأزمة السورية، لكنها مؤخراً كما تشير مختلف الدلائل، حزمت أمرها، وقررت خوض المعركة حتى نهايتها، لا دفاعاً عن النظام في سوريا، بل حرصا على تعظيم مصالحها فيها ومن خلالها.

من هنا، يمكن تفسير التصريحات والتهديدات الإيرانية الأخيرة التي تذهب في كل اتجاه، تهديد لتركيا لاستضافتها منصات الدفاع الصاروخي الأمريكي...تحذير لأنقرة من مغبة التورط في تورط عسكري في سوريا، تهديدات لأكراد العراق من مغبة الاحتفاظ بقواعد عسكرية أمريكية بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، أو السماح بتورط عسكري في الأزمة السورية....تهديدات تطال القواعد الأمريكية والدول التي تستضيفها...تأزيم مبرمج للعلاقات مع بريطانيا...تهديدات لواشنطن وإسرائيل بأن أي ضربة عسكرية لإيران لن تكون نزهة قصيرة...قرارات مالية واقتصادية ولوجستية وعسكرية داعمة للنظام السوري...تعزيز قدرات ومكانة حزب الله...وليس مستبعداً أبداً، أن تكون حالة الاضطراب التي تشهدها دول خليجية ثلاث هي رجع صدى لهذه المقاربة.

ووفقا لبعض المصادر الإعلامية المقربة من إيران، فإن الجدل داخل النخب الحاكمة في إيران، قد حسم لصالح خوض المعركة مع النظام السوري حتى نهاية المطاف، حيث تفيد تقارير هذه المصادر، أن أنصار “عدم خوض المعركة نيابة عن الأسد”، قد تراجع دورهم، أو حتى أن بعضهم قد خرج من مواقع صنع القرار، بعد تدخل المرشد الأعلى للثورة على خط الجدل الداخلي حول الأزمة السورية، ولصالح أنصار إنقاذ النظام في سوريا.

من خلف المشهد الإقليمي المشتعل هذا، يواجه الإصرار الأمريكي – الأوروبي (الأطلسي) على حسم المعركة مع نظام الرئيس الأسد، بموقف روسي ما فتئ يتحدث عن “الدرس الليبي” ويرفض الإنذارات والضغوطات والمهل الزمنية، ويتحدث عن حوار ومصالحة، على طريقة المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية، لا المبادرة العربية لحل الأزمة السورية...روسيا تصعد الموقف كذلك، وتنشر درعها المضاد للدرع الصاروخي، وتتحدث عن إرسال حاملة طائراتها الوحيدة إلى المياه السورية، وترفض حتى “حظر السلاح” عن نظام الدكتور بشار الأسد، ويبدو أنها ماضية في لعبة عض الأصابع حتى النهاية، خصوصاً إن عاد فلاديمير بوتين إلى الكرملين مجددا بعد انتخابات الرابع من آذار القادم، وهذا أمر محسوم.

نحن إذن، بصدد ملف اجتاز “التعريب” إلى “الأقلمة” و”التدويل”...والمعركة في سوريا وعليها تجتذب يوما إثر آخر، مزيداً من “المحاربين” وتتسع ساحاتها وميادينها، لتشمل مزيداً من الدول واللاعبين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في ضرورات المؤامرة والاندساس  .. د أحمد الشامي - بيروت

2011-11-30

القدس العربي

كل نظام عربي يواجه معارضة داخلية لا يجد خيراً من نغمة المؤامرة الخارجية والعصابات المندسة لتفسير الحراك الشعبي والارهاصات الثورية التي يواجها.

نفس النغمة سادت في عراق صدام، يمن علي عبد الله صالح، ليبيا العقيد ومصر مبارك الخ. حتى نظام الملالي استطاب موضوع المؤامرة الخارجية والتدخلات الخارجية حين احتاج نجاد لمواجهة المحتجين على انتخابات رئاسة فاقدة المصداقية.

ما هذه 'الموضة'، ولماذا يحتاج هؤلاء لاختراع روايات سريالية عن مؤامرة لا يصدق وجودها حتى اطفال؟

هل عجزت قريحة جهابذة الطغيان ومثقفي البلاط عن اجتراح خطاب عقلاني يحترم ذكاء المتلقي ويوصل لنفس الهدف؟ أم أن للأمر وجهاً آخر؟

صحيح أن كل هذه انظمة شمولي ويرفض الاعتراف بالآخر وبحق الاختلاف ضمن اطار الوطنية الجامعة، مع ذلك هذا لا يفسر اتفاقهم جميعاً على النغمة ذاتها.

قبل أنظمة الأفّاقين العرب، كانت إسرائيل سباقة لوصف الفدائيين الفلسطينيين 'بالمخرّبين' فما سر هذا التوافق بين أنظمة الطغيان العربية والنظام العنصري الإسرائيلي في ذمّ طالبي الحرية أنّى كانت مشاربهم؟

علم النفس التطبيقي قد يعطي تفسيراً لهذه الظاهرة ولإجماع الظالمين على خطاب واحد.

في تجربة شهيرة قام باحثون بالطلب الى مجموعة من الممثلين أن يلعبوا دور أفراد يتظاهرون بالم حين يتلقون صدمات كهربائية وطلبوا من مجموعة من طلبة الجامعات أن يوجهوا صدمات كهربائية عقابية، على مزاجهم، لهؤلاء الممثلين وبغرض التسلية.

اغلبية الساحقة من الطلاب رفضت تطبيق صدمات كهربائية مؤلمة لافراد أبرياء لا يعرفونهم وليس لديهم من داع لمعاقبتهم. لكن امر اختلف قليلاً حين قال القائمون على التجربة للطلاب 'أن الممثلين، ضحايا الصدمات، هم مجرمون من نزلاء السجون وممن ارتكبوا جرائم مشينة'. بعض الطلاب وجدوا مقبولاً إعطاء صدمات كهربائية لمجرمين وقتلة. مع ذلك، لم يشارك الكثير من الطلاب في تعذيب الضحايا.

التجربة امريكية، التي جرت ابان الحرب الباردة، اختلفت نتيجتها جذرياً حين ذكر العلماء للطلاب 'أن الممثلين هم، في الحقيقة، عملاء سوفياتيون وكوبيون مندسون وأن الهدف من الصدمات الكهربائية هو اجبار هؤلاء الجواسيس على فضح اتصالاتهم وخططهم لبث البلبلة في الولايات المتحدة امريكية'

عملياً، كل الطلاب المثقفين والجامعيين الذين اشتركوا في التجربة، والذين سبق لهم وأن رفضوا تعذيب الضحايا، شاركوا بسعادة في اعطاء صدمات كهربائية مؤلمة لاشخاص لا يعرفونهم، لمجرد أن شخصاً يلبس قميصاً أبيض ويقدم نفسه على أنه عالم محترم، قال لهم أن هؤلاء الضحايا هم في الحقيقة عملاء ويشكلون خطراً على امن القومي لبلادهم !

اغرب هو أن من رفضوا وبشدة تعذيب الضحايا دون سبب في بداية التجربة، أظهروا تفانياً وجدية أكثر من غيرهم في تطبيق نفس العقوبة حين اعتقدوا أنهم بهذا الفعل المشين انما يؤدون خدمة لبلادهم! فوق ذلك، كلما بالغ الممثلون في اظهار الم، زادت شهوة معذبيهم لتطبيق العقوبة عليهم!

ماهي النتائج العملية لهذه التجربة؟

ليس من الضروري للمرء أن يكون 'شبيحاً' محترفاً لكي يقوم بأنذل افعال بحق مواطنيه، يكفي أن يكون هذا الشخص ساذجاً بما فيه الكفاية ليصدق ما ترويه له وسائل اعلام يثق بها وأن يعطل عقله وملكة التفكير المستقل لديه، وهذان أمران ليسا بالنادرين لدى شعوب لا تحترم التفكير المنطقي وتحكم عواطفها بدل تحكيم العلم والدلائل.

كيف يمكن مواجهة أشخاص لديهم قناعة بأنهم انما يخدمون قضية عادلة مع أنهم يقومون بأبشع الممارسات والرذائل ؟ هل يكفي فضح كذب السلطات وتشويهها للحقائق لإعادة الأمور إلى نصابها ؟ يبدو هذا كخطوة أساسية ولكنها قد لا تكون كافية مع الأسف.

ليس صدفة أن كل الانقلابات العسكرية في الماضي كانت تبدأ باحتلال مبنى اذاعة والتلفزيون! حين يتوقف المخدوعون عن تلقي الرسائل والتوجيهات التي تعطل عقولهم وتسيّر أفعالهم، فانهم يبدؤون في التفكير بشكل مستقل وبمحاكمة امور بشكل أكثر عقلانية.

القطريون أدركوا أهمية الخطاب الإعلامي والمصداقية فاستثمروا في قناة 'الجزيرة' وتبعهم آخرون. تباين الخطابات يعقد الأمور نوعاً ما أمام أقنية الشبّيحة التي تحتاج لكسب مصداقية لدى أزلام النظام ولسحب البساط من تحت أقدام الأقنية المعارضة. هذا ما يفسر منع دخول المراسلين غير الموثوق بهم ويفسر أيضاً مناورات الإعلام السوري، فيما يخص زينب الحصني مثلاً، لتكذيب الآخرين.

لنتصور أن ضابطاً في الجيش السوري قال لجنوده الذين يواجهون محتجين عزّل: 'هؤلاء مواطنون مسالمون، يرغبون بزوال الاستبداد وحكم العائلة اللصوصي، يريدون ديمقراطية وحكم قانون في ظل دولة مدنية، إنهم إخوتكم وأهلكم، أنتم منهم وهم منكم ولو اختلف المعتقد الديني بينكم وبينهم، لكن من واجبكم أن تقتلوهم!'. كم جندياً سيطلق النار على هؤلاء المتظاهرين؟ الأغلب أن أكثر الجنود سينضمون للمحتجين وسينشقون على الفور. من هنا ندرك لماذا يُمنع الجنود من متابعة محطات إعلامية غير تلك التابعة للنظام.

خطاب النظام التآمري موجه أساساً للداخل، لزبانيته ولمواطنيه لإقناعهم بشرعية القمع وبضرورة المشاركة في 'الدفاع عن الوطن المهدد'.

المهم أن يحافظ النظام على خطابه التجييشي والعاطفي وأن يتصدى لمنع أي خطاب نقدي أو حتى عقلاني. المطلوب أن يبقى عنصر الأمن أو الجندي المغرر به حبيس أفكاره المسبقة والخطاب العدواني للنظام. لا يريد نظام الشبيحة في دمشق الاعتراف بحق المعارضة في الوجود على الأرض والتعبير عن آرائها. يجب أن يبقى الجندي مقتنعاً، حين يسدد سلاحه ليقتل المتظاهرين، أنه يقوم بفعل وطني وأنه إنما 'يخلص' البلد من متآمر أو من إرهابي مندس. المهم أن يبقى زبانية النظام على غبائهم وعمى بصيرتهم وأن لا يحكّموا ضمائرهم ولا حتى عقولهم.

لا يستطيع النظام أن يغير خطابه في موضوع المؤامرة والاندساس. إن اعترف النظام بوجود الآخر، في شكل معارضة وطنية، وبوجود أزمة بينه وبين محكوميه فإنه يعرض نفسه لخطر انكشاف ألاعيبه وانهيار منظومته الفكرية والقيمية بالكامل.

حينها يدرك كل جندي يوجه سلاحه إلى صدور الشعب أنه قاتل، لا أكثر ولا أقل، ويدرك كل متعاون مع النظام أنه قد تم استغباؤه بغرض التآمر على بلده. كذلك سيدرك كل ضابط يقود عساكره بعيداً عن الجبهة وعن الأرض السورية المحتلة، أنه إنما يخدم أهداف أعداء الوطن والغرباء ويحارب لكي تستمر أسرة مستبدة في نهب البلاد والعباد.

إن خرج النظام السوري وأشباهه عن خطاب المؤامرة والإرهابيين فسيدرك كل أعوانه أنهم قد أصبحوا خونة، لا أكثر ولا أقل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن مخاوف الأقليات في سورية .. أكرم البني *

الخميس, 01 ديسيمبر 2011

الحياة

الحديث في هذه الآونة عن تنامي مخاوف الأقليات في سورية، يرتبط أساساً بالتحسب من خطر وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، والخشية من مظاهر التضييق والتنميط المرافقة لهذا النوع من الحكومات، التي تحاول عادة فرض أسلوب حياتها وثقافتها على المجتمع، ما يهدد هوية هذه الأقليات وحقوقها وطرق عيشها.

صحيح أن رياح التغيير وما تشهده بعض البلدان العربية من ثورات ليست أحداثاً، بل هي، وباعتراف كل القوى السياسية، انتفاضات شعبية عفوية نهضت من معاناة أجيال جديدة من الشباب المهمش، بعيداً عن الأطر الحزبية والأيدلوجيات الكبرى وشعارات الهوية، لكن الوزن الشعبي اللافت للإسلاميين في هذه الثورات، كتعويض ربما عن اضطهادهم المزمن، يرشحهم للعب دور مهم، يتفاوت بين بلد وآخر، في قيادة المرحلة الانتقالية، وصحيح أن مطلب الدولة المدنية التعددية والديموقراطية هو مطلب مشترك لكل الشعوب الثائرة، وأن الجماعات الإسلامية التي نصبت من نفسها وكيلاً عن شؤون الأكثرية، لا تمل من تقديم الوعود والضمانات للأقليات وطمأنتها على حقوقها واحترام خصوصياتها، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة شكوك بصدقية هذه الجماعات وارتياب بأنها تضمر غير ما تظهر ولن تفي بما تعد به، خاصة وأنها ليست قليلة التجارب التي يمكن أن يستند إليها للطعن بوفاء هذه القوى، في الجزائر والسودان وغزة وغيرها، زاد الطين بلة دعوة أحد قادة حزب النهضة التونسي ما إن تفوق نسبياً في الانتخابات الأخيرة، لإقامة الخلافة الإسلامية السادسة، وهو الحزب الذي دأب على إظهار تميزه في الدفاع عن الديموقراطية ومدنية الدولة وتداول السلطة.

والحقيقة، إنه لم يكن في سورية مشكلة أقليات وأكثرية، لولا تواتر حالات التمييز القومي أو الطائفي من قبل السلطة لضمان الولاء على حساب الرابطة الوطنية والسياسية ومعايير الكفاءة والنزاهة، ولولا استجرار وتشجيع ردود أفعال وولاءات من الطبيعة نفسها! فقد لعب السوريون من مختلف المكونات القومية والدينية، دوراً متكاملاً في بناء دولتهم وتاريخها الحديث، وشكلت عندهم قيم المواطنة والمساواة قاسماً مشتركاً، كما غلب انتماؤهم إلى الأحزاب الحداثية على أي انتماء، وطبعاً من حسن الحظ أن وقفت مشكلة الأقليات والأكثرية عند حدود الاستئثار بتوزيع المناصب والامتيازات ولم تتحول إلى تعبئة سياسية تخوض الصراعات وفق مشاريع فئوية خاصة، وتالياً إلى تخندقات متخلفة خطرة، مشحونة بالإقصاء المتبادل وبرغبة عمياء في إضعاف الآخر والنيل من قوته وحقوقه على حساب الهم الوطني العريض.

في الخصوصية السورية هناك أسباب موضوعية وبنيوية لغلبة مسار الانصهار الوطني في مواجهة نوازع التفرقة والتمييز، فالمجتمع لا يملك رصيداً من الأحقاد والمواجهات الحادة بين مكوناته يستحق التوظيف والاستثمار، ثم أن درجة الوعي العام للشعب السوري والتفافه المزمن حول مهام وطنية وقومية عريضة تركت آثاراً إيجابية على تضامنه ووحدته واندماجه، وأضعفت تالياً البنى العصبوية التقليدية وإمكانية تبلورها في مشروع سياسي خاص، كما ساعدت في تمكين بناء دولة وطنية نأت عن المحاصصة السياسية الطائفية، هذا وإذا أخذنا في الاعتبار أهمية التداخل الجغرافي بين مكونات المجتمع المختلفة وندرة وجود معازل أو أماكن نقية تحسب على أقلية أو أكثرية، فإن الأكثرية، حالها كحال الأقليات، ليست موحدة ثقافياً أو سياسياً، فما يجمعها هو الرابط الديني وإيمانها العفوي التقليدي، لكن تفرِّقها اجتهادات متنوعة في فهم علاقة الدين بالحياة، كما انتماءاتها المختلفة، إلى أطر سياسية، قومية أو ليبرالية أو شيوعية أو غيرها، عداك عن الدائرين في فلك السلطة، من المحازبين والمستفيدين، ونضيف أن الانتفاضة الشعبية التي تنتمي كتلتها الرئيسة إلى الإسلام بصفته دين الأغلبية، تنطوي على تنوع وتعددية لافتين، فإلى جانب العرب والأكراد، هناك مشاركة متفاوتة تبعاً لكل منطقة من مختلف الطوائف والمذاهب، والأهم أنه لم تسمع أصوات وازنة تدعو إلى حكم الشريعة ودولة الخلافة، بل غلبت في هتافات المحتجين الشعارات المناهضة للطائفية وإعلاء قيم المواطنة وأسس العيش المشترك.

لكن، وإضافة لما سبق، ثمة أسباب ذاتية لتمكين المسار الوطني تزداد حضوراً وإلحاحاً طرداً مع هذا التوغل المريع في القمع والتنكيل ضد المحتجين العزل، وإصرار أهل الحكم على إنكار مطالب الناس وإظهارهم كأدوات تآمرية وطائفية، منها أولوية الحفاظ على سلمية الانتفاضة الشعبية، وتجنب الانجرار إلى العسكرة وفخ العنف ما يدفع الاصطفافات إلى مكان خاطئ ويفتح الباب أمام صراعات فئوية ممزقة ومدمرة، ومنها ضرورة التمسك بدور الدولة ومؤسساتها، فتغيير السلطة يجب ألا يقود إلى تفكيك الدولة أو الإطاحة بدور المؤسسة العسكرية كمحتكر للسلاح وكعصب أساسي لحماية هذه الدولة وتمكينها، ومنها الارتقاء بدور المعارضة السياسية ووحدتها وقدرتها على تمثيل مختلف القوى والفعاليات بعيداً عن المحاصصة والحسابات الضيقة، وبالنتيجة تقديم بديل مقنع ويحظى بثقة الجميع، والأهم تشجيع المبادرات لتشكيل لجان أهلية مناهضة للطائفية والتمييز كما شهدنا في بعض المناطق والأحياء المختلطة، تعزز أسس التعايش والتسامح والتكافل وتساهم في حماية أرواح الجميع وممتلكاتهم ومحاصرة نوازع النزوح على أسس طائفية أو مذهبية.

وهنا يقع على عاتق الحركات الإسلامية المعارضة مسؤولية خاصة لنيل ثقة مجتمع تعددي ومتنوع، ليس فقط في تظهير دورها المدافع عن حقوق المواطنة والدولة الديموقراطية، وإنما في تبديل الصورة النمطية عن نكوث جماعات الإسلام السياسي عموماً بوعودها والانقلاب، ما أن تتمكن، ضد الحريات وتداول السلطة، والأهم إشهار موقف واضح من شعار الدولة المدنية يزيل ما يكتنفه من التباسات، فالدولة المدنية ليست شعاراً التفافياً للتهرب من جوهر العلمانية في فصل الدين عن الدولة، ولا يقتصر دورها في إبعاد رجال الدين والعسكر عن الحكم، وإنما هي الدولة التي تحافظ على استقلال السلطة في التشريع وإدارة الحكم عن المؤسسة الدينية واشتراطاتها، وتقف على مسافة واحدة من كل مواطن، بصرف النظر عن جنسه أو دينه أو معتقده.

لا خوف على الأقليات في سورية، لكن من لا يحضر السوق لا يبيع ولا يشتري، وبالتالي لا معنى للقول بمستقبل أفضل وآمن للأجيال القادمة وبدعم الديموقراطية وحقوق المواطنة إذا لم تنخرط مختلف مكونات المجتمع السوري في التغيير وفي عمليتي الهدم والبناء، فالخلاص مما نحن فيه لا تصنعه الدعوة للحفاظ على الوضع القائم بل نقضه، مثلما لا يحققه تسويغ الموقف المحايد أو الخائف والمتردد للأقليات واستسلامها لتشويش ومبالغات مغرضة في قراءة أحوال الانتفاضة الشعبية الناهضة، بل في هذا ما قد يطيل فترة المخاض ومعاناتها وآلامها.

* كاتب سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من محمد أحمد الزعبي الأمين العام المساعد الأسبق لحزب البعث العربي الإشتراكي إلى بشار الأسد

السيد بشار ،

. اسمح لي ألاّ أخاطبك بصفة " الرئيس" ، فأنت أعلم مني بالطريقة غير الشرعية وغير الديموقراطية التي منحت ( بضم الميم ) بها كوريث لوالدك !! هذه الصفة ،

. إن سورية هي ملك لشعبها ولمواطنيها بكل مكوناتهم والذين يعيشون فيها كما تعلم وأعلم منذ أكثر من خمسين قرناً ، وليست ملكاً لحكامها الذين وصلواعلى ظهرالدبابات والمجنزرات إلى سدة الحكم ،

. لقد عرفت ( بضم العين وتسكين التاء ) سوريا تاريخياً وقومياً ، بأنها " قلب العروبة النابض " ، ولكنها تحولت علي يدي أبيك ويديك إلى بلدٍ مغلوبٍ على أمره ، ولسان حال المواطن فيه ( لاأرى ، لاأسمع ، لا أتكلم ) ، اللهم إلاّ المأجورين ممن يمارسون التسبيح بحمد كم وحمد نظامكم صباح مساء من " شبيحة القلم " ومدمني النفاق والكذب والتدليس ( لاحاجة لذكر الأسماء فهم أشهر من نار على علم ) ،

. إن مهمة الجيش الرئيسية في العالم كله ، هي حماية الوطن والشعب من العدوان الخارجي ، أما في سورية فقد تحولت مهمة هذا الجيش من مهمة " حماة الديار " إلى مهمة " حماة النظام " من إمكانية أن يثور عليه شعبه طلباً للحرية والعدالة وتحرير الجولان ، وهي مهمة مدانة ومرفوضة ، ولا سيما في ظل هذا النظام المستبد والفاسد والمفرّط ،

. إن إصرارك ياسيادة الوريث على وجود " عصابات مسلّحة " في سورية ، وعلى أن مايقوم به " حماة الديار " بدباباتهم وطائراتهم ومدافعهم وشبيحتهم ، منذ اندلاع ثورة الحرية والكرامة في منتصف آذار 2011 ، وحتى هذه اللحظة ، لم يكن سوى حماية للشعب السوري من هذه العصابات ، إنما هو لعمري أمر مضحك ومبك في آن واحد!!.

. لطالما سمعت منك ومن " شبيحة القلم واللسان " من حولك ، أنكم إنما تريدون حلاٍّ عربياً عربياً لأزمتكم وأزمة نظامكم العائلي الخانقة . بخٍ بخٍ لقد جاءك هذا الحل العربي العربي ، ومن بعده الحل الإسلامي العربي ،على طبق من ذهب، ولكنك ياسبحان الله رفضتهما ، وأغمضت عينيك عن إيجابياتهما ،فلماذا أغمضت وتغمض عينيك عن كل ما يؤمن لك خروجاً آمناً وسلساً من أزمتك ياسيادة الوريث ؟ ، أم أنك تريدأن تتابع مهمتك القذرة والمشبوهة في زرع المقابر الجماعية والدماء والدموع في كل مكان من أرض الوطن ؟!!.

. وقع بروتوكول الجامعة العربية يابشار ، واسحب دباباتك وشبيحتك من المدن والقرى السورية ودع الشعب السوري يقرر مصيره بنفسه ، فلم يعد بحاجة إلى نظامكم الدموي !! بعد أن غيبتموه عن ساحة العمل الوطني والقومي أكثر من أربعة عقود ، وبعد أن قتلتم وجرحتم وسجنتم عشرات الألوف ، إن لم يكن مئات الألوف من أبناء هذا الشعب الأبي ، الذي يصرخ في وجوهكم منذ تسعة اشهر" الشعب يريد إسقاط النظام " .

. لقد كانت النصيحة بجمل ، وها أنا أقدمها لك مجاناً ، ولتعلم أنه " على الباغي تدور الدوائر" .

وليرحم الله شهداء الوطن الذين قضوا على يديك ياسيادة الوريث .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسئلة مخرسة صريحة ..لنظام وأنصارالشبيحة !! ... ( أسئلة مشروعة تبحث عن جواب عاقل !) ... عبدالله خليل شبيب

1- أين هي الممانعة والمقاومة والتصدي .. في نظام لم يطلق طلقة واحدة نحو العدو ..ويطلق وابل الرصاص والقذائف على المتظاهرين السلميين من الشعب السوري ؟

2- والذي طالما صالت الطائرات العدو وجالت في سمائه وضربت ..ولم تطلق عليها قذيفة واحدة ؟!

3- والذي أسقط الجولان ..أو بعبارة صريحة لا تخفى على عاقل ..سلمه تسليما متعمدا واضحا ..وحافظ على أمن محتليه طيلة السنين الماضية ..ولم يطلق رصاصة واحدة ..ولم يسمح بقيام أية عمليات فدائية من حدوده الوعرة والمناسبة لذلك أكثر من حدود الأردن المكشوفة والتي يفصلها عن العدو نهر ..ومع ذلك كانت المجموعات التابعة لسوريا ترسل من يقوم بعملياتها عبر الأردن !! لماذا ليس عبر الجولان ؟ والويل والتقطيع حيا لكل من حاول إقلاق راحة محتليه !!

4- لو فرضنا جدلا أن كل العالم متآمر على نظام [ الممانعة بالثرثرة – على حد تعبيرالشاعر أحمد مطر ] ! فهل يبرر ذلك كل هذا القتل البشع والإجرام الحاقد المتطرف بحق الشعب السوري ؟ ..حتى ضد النساء والعجزة وحتى الأطفال الرضع !

5- وهل يبرر ذلك نهب أموال سوريا التي آل معظمها لجيوب وحسابات آل مخلوف وآل الأسد ..ومحاسيبهم ..وذلك ما لا ينكره إلا أعمى أو مأجور ؟

6- هل من لوازم الممانعة السجون الأمريكية السرية في سوريا والتي يعذب فيها من ترسلهم أمريكا كماهرعرارالكندي .وكالأسطواني ..وغيرهما ؟..وهل من لوازم الصمود .. ذلك التحالف المتين مع أمريكا في ما يسمى مقاومة الإرهاب حيث أعطت سوريا للولايات المتحدة والسي آي إيه أكبر كمية معلومات في العالم؟.. ولا تنسوا التحالف الثلاثيني في حرب الخليج بقيادة الولايات المتحدة ..وحافظ أسد من أبرز المشاركين فيه ..مما حدا بكسنجر أن يعترف أن ذلك كشف أكبر عميل لهم في المنطقة [ حافظ أسد ]؟؟!!

7- لماذا لا تسمح سلطة قمع سوريا لأي صحفي عربي أو أجنبي محايد بالدخول والتجول ونقل الحقائق ..كما هي في الواقع ..إن كان الأمر بالبساطة التي تدعي – كما [ يهرف الكاذب – دون الأكبر – وليد المعلم وإن لم يكن هنالك ما تخشى من كشفه ..ولتنقل [ جرائم العصابات السلفية المسلحة – التي ينفيها العقل والواقع ومعظم السوريين ..والتي ظهرت فجأة في نظام قمعي نتن معروف أن مثل ما يدعي او عشره مستحيل حدوثه في ظل كل ذلك القمع المتطرف !!]..لولا أنها تخاف فضح المزيد والمريع من الجرائم التي تقشعر لها الأبدان..والتي لا يؤيدها إلا عديم الإنسانية والضمير والإحساس والأخلاق – بغض النظر عن أي اعتبار آخر -.. حتى لو جاهر بتأييد التوجهات المعلنة والمدعاة للنظام الذي ليس له من الصمود والتصدي والمقاومة .. إلا الاسم - الذي يمكن لكل إنسان أو نظام أن يدعيه ما دام وهْما ولا يكلف شيئا ؟!

 حتى بعثة من جامعتهم العربية التي هم فيها عضو مؤسس لم يسمحوا لها !

8- هل يصدق عاقل ..ان معظم الشعب وأحرار الجيش كلهم خون ؟

9- والصادقون الوطنيون المخلصون ..هم فقط قتلة الشعب وسارقو أمواله من الطغمة الحاكمة ..وأجهزتها القمعية الطائفية ال17؟

.. والأسئلة الصريحة الكاشفة لا تنتهي ونكتفي بهذا القدر ؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أي خريطة طريق أسود تنتظر الرئيس السوري وأعوانه؟ .. الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل سيسقط النظام في سورية؟ بل السؤال: متى وكيف؟ قد يستغرب البعض تأكيدنا على حتمية سقوط النظام رغم أنه استطاع الصمود على مدى أربعة عقود، وأن جيلين أي أكثر من75% من الشعب السوري لا يعرفون حاكما لسورية إلا حافظ أسد وابنه بشار أسد. من يشكك بحتمية سقوط النظام السوري هو واحد من اثنين: إما مستفيد من النظام لا يريده أن يرحل، أو أنه رجل يجهل من هو الشعب السوري؟!

نستبق السياق قليلا لنقرر أن قيام الحكم البديل لن يكون بالسهولة التي تم فيها هروب الرئيس التونسي "زين العابدين بن علي" أو تنحي الرئيس المصري "حسني مبارك"، وكان كلاً منهما يعتمد على رصيد له مزعوم لدى القوات المسلحة، ليتبين فيما بعد أن الرجلين كانا معزولين عن القوات المسلحة التي كان أفرادها لا يختلفون عن الشعب الذي فجر الثورة.

في سورية الأمر مختلف. فحافظ أسد صعد إلى الحكم بأسلوب ميكيافيلي. وقفز إلى السلطة بانقلاب "الحركة التصحيحية" على حكومة حزب البعث، وغدر برفيق دربه "صلاح جديد" وألقى به في السجن في عام1970 ليخرج منه عام 1994 "على قفاه"، ميتا، محمولا على "النعش"، ما جعل أعوان حافظ أسد المقربين منه يدركون أنه لا بقاء لأحد منهم ما لم ينس كل شيء في سورية إلا الإخلاص لحافظ أسد وأسرته، حتى ساعده الأيمن أخوه "رفعت أسد" نفاه خارج سورية ليضمن أن تبقى السلطة في ذريته: "أولاده وأحفاده".

حكم حافظ أسد سورية ثلاثين عاما بالتمام والكمال. كان خلالها يمهد الطريق ليرثه من بعده أولاده بكل ما تعني الكلمة من معانٍ وأبعاد. في طريقه للوصول إلى أهدافه اقترف الجرائم بحق السوريين. قتل، وسجن، ونفى، وجعل لقمة العيش وسيلة لإذلال الشعب. فكانت سنوات الثمانينات سنواتٍ عجافا في سورية، عانى فيها السوريون من شح المواد الضرورية، مع أن سورية بلد زراعي بامتياز. جاعلا نصب عينيه المثل المعروف: "جوّع كلبك يتبعك".

للوصول إلى أهدافه استعان حافظ أسد بالفاسدين من طلاب الثروة والمناصب، وكان أكثرهم من أبناء طائفته من "القرداحة" وما حولها. نؤكد أنه ليس كل أبناء الطائفة وافقوه على نهجه الإقصائي. لقد غدر بكثير من أبناء الطائفة. سجن البعض منهم مثل "صلاح جديد"، وآخرون لبثوا في السجن أكثر من 20 عاما. كما أرسل إلى بيروت من قتل اللواء "محمد عمران" عام 1972. مع أن جديد وعمران من كبار الطائفة العلوية، اشتركا مع حافظ أسد بتشكيل اللجنة العسكرية عام 1960، التي كان لها دور بسرقة انقلاب 1963 من شركائهم الناصريين.

الخطة الأمنية التي اعتمدها الرئيس حافظ أسد!

لإحكام سيطرته على السلطة في سورية تمثلت خطة حافظ أسد بأنه أراد جعل الجيش سياجا لحكمه. فوضع على رأس كل وحدة عسكرية (فرقة، لواء، كتيبة) ضابطا من الطائفة مقربا منه. وإذا اضطر لوضع ضابط من غير طائفته بسبب الأقدمية، كان يضع نائبا له من أنصاره يكون الآمر الناهي في القطعة، ويكون رئيس الوحدة السنّي أو المسيحي أو الدرزي "رِجْل كرسي" لا فاعلية له. أما أجهزة الأمن فقد ترك لقادتها الحبل على الغارب حتى غدا رئيس كل جهاز أمني دولة داخل الدولة، حتى لو صدر أمر الإفراج عن معتقل ما -ولو من قبل الرئيس- فيعمل الجهاز الذي اعتقله ابتداء، على إعادة اعتقاله ثانية قبل أن يصل بيته.

المعادلة التي أسهبنا في توضيحها للقارئ آنفا، هي التي أمنت للرئيس حافظ أسد ومن بعده الرئيس بشار أسد حكما مستقرا –باستثناء المواجهة مع الإسلاميين في بداية الثمانينات- على مدى أربعين سنة من غير أن يعكر صفو الحكم حتى ولا طلقة رصاص. كان ديدن الرئيس القمع والاستبداد، وديدن الشعب الخوف والهلع من بطش الأجهزة الأمنية.

الرئيس يحكم، لا يريد أن يُعَكّر صفو سلطانه أحد. ففتح لأعوانه خزائن سورية ينهبون منها مايشاءون كي يحصوا على المواطن أنفاسه ففعلوا ذلك، فكانوا السوط الذي أشاع الخوف في ربوع سورية. هذه الثلاثية: حاكم قمعي مستبد، وأعوان يعتقلون ويقتلون ويزرعون الرعب في القلوب. أما المواطن فمستكين مسكين خائف "يمشي الحيط الحيط ويقول يا رب الستر".

لا نعتقد أن قرار الجامعة العربية بفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري سيكون لها كبير أثر في إسقاط النظام. حتى تركيا لن تقبل بإدخال جيشها لإسقاط النظام السوري، فليس هناك جهة رسمية في سورية يمكن أن تطلب منها التدخل كما كان الوضع في بنغازي. ونفس السبب ينطبق على مجلس الأمن إذ أنه ليس مستعدا بالقيام بما قام به في ليبيا. وربما يكون التدخل الدولي عسكريا هو ما يطلبه النظام السوري للخروج من مأزقه، لاستثارة الرأي العام العربي وإفشال التدخل الدولي إن كان هناك هكذا مخطط. حتى الشعب السوري والمتظاهرون على وجه الخصوص يرفضون مثل هكذا سيناريو.

"أثافي" الثلاثية التي أشرنا إليها آنفا بدأت تتزعزع منذ 15 آذار 2011.فالمواطن الذي كان يرتجف فرقا من مجرد رؤية عنصر الأمن يمشي في الشارع، لم يعد يخاف الرصاص الذي تطلقه أجهزة الأمن على المتظاهرين، فقد سقط جدار الخوف عند السوريين. حتى بتنا نرى المعتقل يخرج من السجن فيسارع كي يلتحق بالمتظاهرين قبل أن يذهب إلى أهله. فلم يعد الخوف يملأ قلبه، بل يملأه شعور يوجز بجملة واحدة " الحرية أو الشهادة". كما لم يعد أحد يتظاهر وهو ينظر إلى ساعته للعودة إلى بيته، بل ينتظر المساء ليتظاهر مع رفاق له حتى منتصف الليل. نعتقد أنه كما أمضى حافظ أسد ثلاثة عقود في بناء "منظومته الأمنية"، فإن انهيار نظام حكمه لن يكون إلا بتفكيك هذه المنظومة.

صحيح أن ثالثة "الأثافي" وهي الحرس الجمهوري وأجهزة الأمن والشبيحة مازالوا صامدين يقتلون ويعتقلون، بل ازداد بطشهم وعدوانهم أكثر من ذي قبل، لكن الصحيح أيضا أن التعب والإرهاق من ملاحقة المتظاهرين بدأ يُضعِف عزائمهم، ويتسرب الوهن إلى نفوس معظمهم، وهم يفعلون ما يفعلونه ولا هدف لهم إلا إرضاء النظام.

كما تواترت الأخبار بقيام قادتهم بتهريب أموالهم إلى بنوك لبنان. وقد أحس هؤلاء أن الدائرة لن تدور إلاّ على صغار الضباط والجنود إذا ما اختلت المعادلة وبدأ قادة الأجهزة الكبار بالتخلي عن النظام والهروب بأهليهم وأموالهم خارج سورية. وسيترك هؤلاء الصغار إلى مصائرهم، ليجدوا أنفسَهم وجها لوجه مع الشعب الذي نكلوا به أربعة عقود. عندها قد يندم هؤلاء ولكن "لات ساعة مندم"! وعندها سيترك الرئيس وحاشيته إلى مصير كمصير الرئيس الليبي "معمر القذافي"، وربما أسوأ.

يبقى أن نقول أن ما يبشر به البعض من أن رموز النظام سينحازون إلى جبل العلويين الذي جاؤوا منه، إنما هو وهْم وسراب. فالشعب الذي ذاق الويلات من رموز النظام سيلحق بهم حتى آخر جحر يلجؤون إليه، وسوف نرى أن الأكثرية الصامتة من الطائفة العلوية الذين قُهِروا كما قُهِر معظم الشعب السوري ينتفضون ضد حكم العائلة، ولا يعلم إلا الله أي مصير أسود ينتظر الرئيس وأعوانه. فهل يتدارك الرئيس بشار أسد الأمر فيرضى بنصف المصيبة قبل أن تدهمه المصيبة الكارثة؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدستور وحقوق المواطن  .. حسين العودات

التاريخ: 03 ديسمبر 2011

البيان

ساهم فلاسفة أوروبيون عديدون في إرساء مفهوم العقد الاجتماعي خلال التاريخ الحديث، وكان من أهمهم (توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو) في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ووضعوا الأسس العامة لهذا العقد، الذي تحول إلى ما نسميه اليوم الدستور.

وهو ينظم علاقات المجتمع بالسلطة، ويرسم ملامح القوانين الناظمة لهذه العلاقة، وأسس التعاقد بين الناس في المجتمع الواحد، ويحدد القواعد الأساسية لعلاقاتهم مع الدولة، ويخط معالم هيكلية الدولة وبنية الحكم والقواعد التي تقومان عليها، كما ينسق بين السلطات العامة في الدولة والمجتمع، ويحدد مهمة كل سلطة.

ويفصل بين السلطات، ويضمن حقوق الأفراد والجماعة، أي باختصار يقرر شكل الدولة وهيكليتها ومؤسساتها وصلاحيات كل من هذه المؤسسات وعلاقتها بالمجتمع وبالأفراد، ويضع الأسس لسن قوانين مشتركة تتفق عليها الجماعة من جهة، وتخضع لها من جهة أخرى.

باعتبار أن الدستور عقد اجتماعي، يهم ويهتم ويتعلق بجميع أفراد المجتمع وشرائحه الاجتماعية والاقتصادية، وتياراته السياسية وأفراده من مختلف الآراء والمشارب والمنابت، وباعتباره يهم ويهتم بالفقير والغني، واليميني واليساري، وبسكان الريف والمدن، وبالمتعلمين وغير المتعلمين، فينبغي أن يكون دور لهؤلاء جميعاً وحق في المشاركة بإقراره.

وهو في النهاية اتفاق رضائي وتوافقي بين أبناء المجتمع يحفظون فيه التوازنات بين مصالحهم وحقوقهم جميعاً، لذلك لا ينبغي أن تقرر الدستور فئة واحدة، بل لابد أن تشارك في إقراره مختلف فئات المجتمع وطبقاته وصولاً إلى التوافق المرجو، وعلى ذلك فإنه من الخطأ الفادح، والتصرف الذي لا يستقيم، تكليف لجنة إدارية (بيروقراطية) بإنشاء الدستور، حتى لو كان جميع أعضائها من المختصين والأكاديميين.

ولهذا درجت المجتمعات المعاصرة على انتخاب هيئة تأسيسية أو مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، يمثل الشعب كله بكافة فصائله، مهمته وضع الدستور، وعندما توضع أسس هذا الدستور وتوجهاته المختلفة، عندها تكلف لجنة فنية من المختصين (لصياغته) لاقبل ذلك.

فاللجنة إذن لا تضعه وإنما تصيغ ما اتفق عليه أعضاء الهيئة التأسيسية، كما تلجأ المجتمعات إلى انتخاب هذه الهيئة عند أي تطور (مفصلي)، وهذا ما لجأ إليه المجتمع التونسي بعد تغيير نظامه قبل أشهر، حيث عمد أولاً إلى انتخاب هيئة تأسيسية لوضع الدستور.

وهو أيضاً ما قرره المجلس العسكري المصري عند توليه السلطة فور تغيير النظام، بعد أن وضع مبادئ دستورية مؤقتة تحكم المرحلة الانتقالية، وأقر تشكيل الهيئة وشكلها وبنيتها وطريقة انتخابها، وحدد مهمتها.

يندرج الدستور فوق القوانين والتشريعات الأخرى، مهما كان موضوعها أو مصدرها أو الذي يقررها، وهو المرجعية الشرعية لهذه التشريعات التي يعود المشرعون ورجال الإدارة إليها في كل حين. ويتناول عادة أسس توجهات المجتمع، ومصدر التشريع فيه، وصلاحيات السلطات الرئيسية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومهمات كل منها، وإيجاد الضمانات لفصلها وعدم تدخل إحداها بشؤون الأخرى ويضمن عدم هيمنة أحدها على السلطتين الأخريين، كما يحدد صلاحيات رئيس البلاد ومهماته وطرق انتخابه ومدة ولايته وعلاقته بمؤسسات الدولة المختلفة.

وطرق تشكيل المحكمة الدستورية العليا وصلاحياتها، باعتبارها السلطة العليا التي تكلف بتفسير القوانين وبيان شرعيتها ودستوريتها إذا حدث إشكال في هذا التفسير، وهكذا يشكل الدستور الأساس الصلب لتنظيم الدولة والسلطة والمجتمع، بما يضمن حقوق المواطن، وحقوق الإنسان عامة.

كما يضع الأسس أو على الأقل الملامح، لتحقيق تكافؤ الفرص في المجتمع الواحد، وتحقيق التوازن بين فئاته، بما في ذلك حفظ حقوق المرأة، ودورها الاجتماعي والاقتصادي، ومدى مشاركتها في شؤون البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فضلاً عن أنه يحدد من يتولى إعلان الحرب والسلم وكيف يتحقق ذلك، بهدف حفظ أمن البلاد واستقرارها، والدفاع عنها بوجه أي عدوان.

يتضمن الدستور عادة مواد تهتم بمعايير الدولة الحديثة، بما يؤكد هذه المعايير، كالمواطنة باعتبارها مرجعية وحيدة وأساس، حيث يتعامل الدستور مع المواطن الفرد الحر، دون اعتبار لتوجهاته الثقافية أو الدينية أو السياسية أو الطائفية أو الاجتماعية أو غيرها.

ولا يعتبر أي من هذه التوجهات مرجعية للمواطن، فالمواطنون بالنسبة إليه متساوون بالمطلق، ولهم مرجعية واحدة، ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة تحترم القانون إلى درجة تقارب التقديس، باعتباره ينطلق من المبادئ الدستورية ويحفظ حقوق جميع المواطنين.

ويتساوى جميع الناس أمامه، من رئيس البلاد إلى أي مواطن، ولعل احترام الدستور ومضمونه، والقانون ومقتضياته، في هذه البلدان، هي التي تحفظ أمن المجتمع واستقراره، وتزيل خوف المواطن من السلطة، ومن الظلم أو الجور أو الاعتداء على حقوقه.

وتهيئ المناخ لاحترام الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتتيح للمواطن تفتح مبادراته وإبداعاته، وللمجتمع تحقيق التنمية والتقدم.

لا تحترم الأنظمة الشمولية غالباً أحكام الدستور، وتتعامل معه وكأنه قانون أو تشريع يمكنها تغييره أو تعديله أو الإضافة إليه أو الحذف منه، وتعطي لنفسها أو للمؤسسة التي تسميها تشريعية في الدولة حق تعديل هذا الدستور دون الرجوع إلى الشعب، ولأن المؤسسة التشريعية في مثل هذه الأنظمة هي غالباً مؤسسة من المؤسسات أو إدارة من الإدارات التابعة للسلطة التنفيذية.

فيصبح احترام الدستور يشبه الملهاة، وتعديله أسهل من شرب الماء القراح، وبذلك يكون الحاكم في النظام الشمولي أقوى من الدستور والقانون والتشريع، وكثيراً ما قال مثل هؤلاء الحكام (أنا الدولة والدولة أنا) أي أن الحاكم نفسه مصدر السلطات والسيد المطاع الذي له الحق المطلق بتسيير الدولة على هواه، وإقرار القانون كما يريد، غير متقيد لا بدستور ولا بعقد اجتماعي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فترة تحول سريع؟!  .. ميشيل كيلو

السفير

3-12-2011

هناك تحولان مهمان يبدلان منذ بعض الوقت شروط ومسارات الحدث السوري: أولهما الانقلاب الواضح الذي تشهده البيئة السياسية العربية حيال النظام في دمشق، وهو جدي بكل معنى الكلمة ويفضي إلى مزيد من التدخل الخارجي في أحداثها، وثانيهما التحول المفزع الذي يشهده الحراك الشعبي الداخلي، ويجعل من الضروري والملح إجراء تغيير في نظرة المعارضة وقوى الحراك إلى أولوياتها.

- في المسار الأول: لم يقتصر الأمر على ما اتخذته جامعة الدول العربية من موقف ينحاز بكل جلاء إلى الشعب السوري المظلوم من جهة، ويطالب النظام بتغيير سياساته حياله من جهة أخرى، عبر وقف الحل الأمني وسحب الجيش من مدن سوريا وقراها، والاعتراف بفشل سياسات القوة في حل أزمة سياسية الطابع والمجريات والنتائج، تمهيدا للبحث عن تسوية تاريخية يشارك فيها الشعب، من شروط نجاحها أن لا يبقي النظام بعدها على ما كان عليه قبلها. هذه الرسالة الواضحة النص والمعاني، حاول النظام الالتفاف عليها عبر تعطيل المبادرة العربية بأحابيل وحيل مكشوفة قدر ما هي سخيفة. لذلك تخلت الجامعة عن موقفها التقليدي المتفهم حياله، الذي تمسكت به خلال سبعة أشهر، وصعدت قراراتها تجاهه، بينما كانت تصدر مواقف رسمية عن أعلى الجهات الحاكمة في بلدان عربية عرفت بصداقتها للنظام، منها الرئيس اللبناني الذي أعلن انحيازه للديموقراطية في البلدان العربية بوصفها خيارا لا عودة عنه، وملك الأردن عبد الله الثاني، الذي طالب الرئيس الأسد بالتنحي عن السلطة، لأن دوره انتهى، إلى فشل تعبر عنه طرق إدارة الأزمة السورية بأكثر الأشكال بعدا عن العقلانية ومجافاة لمصالح الشعب والدولة، ولأمن النظامين العربي والإقليمي، مع ما ترتب على ذلك من خروج الوضع الداخلي السوري عن السيطرة، وفتح أبواب البلاد أمام تدخلات دولية وإقليمية متعاظمة الخطورة. هذا التصريح لملك الأردن، الذي اشتهر بتحفظه حيال الأوضاع الرسمية العربية، وكان قد أقام صداقة وطيدة وحارة مع الرئيس بشار الأسد منذ لحظة توليه الحكم في سوريا، وأعانه على تخطي متاعب وعقبات كثيرة، ليس غير دليل قاطع على مدى التبدل في البيئة السياسية العربية حيال النظام في دمشق، الذي عالج أزماته بطريقة جعلت مخاطر الحدث السوري تتخطى حدود سوريا وتهدد المحيط العربي والإقليمي برمّته، مما دفع الملك إلى قطع شعرة معاوية من صديقه، والقول بصورة علنية: لو كنت مكانه لتركت السلطة.

في هذه الأثناء، كان الأتراك يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور، وينتقلون من سلبية التخبط، التي وصمت موقفهم السابق، إلى اتخاذ إجراءات عملية قالوا إنها ستكون متنوعة ومؤلمة منها احتضان وتسليح «الجيش السوري الحر»، الذي أعلن قائده رفض أي مخرج سلمي للأزمة، عندما قال إن النظام لن يسقط إلا بالقوة، وأعلن أنه سيبادر إلى شن عمليات متلاحقة ضد كل من لم يعلن انحيازه إلى الشعب من عناصر الأمن والقوات المسلحة، وكذلك قطع إمدادات الكهرباء عن سوريا! والتلويح بإقامة منطقة عازلة أو آمنة على الحدود، سيعني دخول تركيا على خط الصراع الداخلي السوري وبداية إضفاء طابع إقليمي عليه يمهد لطابع دولي يبدو أنه غدا وشيكا، بعد أن اكتسب طابعا عربيا من خلال قرارات الجامعة، سيزجان بسوريا في متاهة لا يعرف أحد متى تخرج منها، يمكن أن تسبب فوضى عارمة داخلها وخارجها، وأن تستمر لفترة غير قصيرة. في الوقت نفسه، تسارعت خطوات دولية تمهد لإجراءات قد تتخذ في مجلس الأمن يقال إن من شأنها إيجاد طرق لمعالجة الأزمة السورية تختلف عن ذلك النمط من التدخل العسكري المباشر، الذي حسم الأمور في ليبيا. أخيرا، أعلن بالأمس عن تشكيل لجنة خاصة بمتابعة الوضع السوري تضم أميركيين وبريطانيين وفرنسيين وأتراكا، في خطوة بالغة الأهمية والخطورة، تضع إدارة الأزمة السورية في يد بداية تحالف جديد، رأس حربته في تركيا، وقاعدته في العالم الغربي الفسيح، سيتسع دون شك في مقبلات الأيام، ليكون القوة التي ستتولى في النهاية حسم الأمور.

- في الداخل، وقع في الآونة الأخيرة انزياح حقيقي وخطير في الحراك الشعبي، ترتب على إمعان النظام في تطبيق حل أمني مفتوح ومتصاعد لا يراعي أي اعتبار سياسي أو أخلاقي أو وطني، من نتائجه اقتناع قطاعات متعاظمة الاتساع من المواطنين السوريين بضرورة اللجوء إلى السلاح: إما دفاعا عن النفس أو لضمان استمرار النضال في سبيل التخلص من النظام القائم. المشكلة أن هذا الانزياح يتم أكثر فأكثر بدفع منظم من السلطة، ومن بعض الأوساط المعارضة أيضا، ويخرج عن السيطرة السياسية سواء للمجلس الوطني أو لهيئة التنسيق، وأنه يسهم بدوره في فتح أبواب البلاد أمام أنواع مختلفة من التدخل الخارجي، بما في ذلك العسكري منه، بينما يهدد جديا بتعميق الانقسامات الاجتماعية والمذهبية داخل الصف الشعبي السوري، مع ما يحمله هذا التطور من دفع للأمور نحو حالة مركبة يتكامل فيها التدخل العسكري الخارجي مع العنف السلطوي المكثف والأعمى والاقتتال الداخلي المتعاظم، بعد أن صار جليا أن حل السلطة الأمني أوصلنا إلى حيث أريد له يصل بنا: إغلاق وتقويض سبل وإمكانات أي حل سياسي متوافق عليه يضع سوريا على طريق انتقالية تأخذها إلى الديموقراطية خلال فترة زمنية قصيرة، متوافق عليها بدورها؛ حل رفضه أول الأمر النظام، الذي استخدم العنف لإرغام الشعب على رفضه، من جانبه.

إلى الأمس القريب، كان هناك ضرب من سباق بين إمكانية الحل السياسي وواقع التدهور الأمني، واليوم تحول السباق إلى منحى آخر تختلط فيه احتمالات الانفلات الأمني الشامل، مع الاقتتال الداخلي المستنزف والمدمر، مع التدخل الخارجي المتدرج، مع تراجع الحراك المجتمعي السلمي الواسع والشامل، بما يعنيه ذلك كله من ظروف جديدة تتسم بتعقيد يتزايد بلا توقف ليجعل الأحوال المعقدة أصلا أشد تعقيدا باطّراد، ويخضع مصير سوريا لإرادات غير سورية، لم تعرف يوما بصداقتها للشعب السوري، ستضاف إلى إرادة سلطتها الراهنة التي فقدت حس الواقع والواجب بصورة مطلقة، وغدت أسيرة حل عنيف وفاشل قضى على أي وجود أو دور للعقلانية السياسية، أدى إلى انهيار مؤسسات السلطة وحزبها وجبهتها الوطنية، وإلى اختفائها العملي شبه التام من معظم مناطق سوريا، وخاصة من أريافها، وإلى تدمير الشأن العام إلى حد فرض عليها الانزواء جانبا والاكتفاء بالتفرج على الأحداث وهي تتفاقم وتتعاظم، والأخطار وهي تتراكم في كل قرية ومدينة وبيت وشارع، ضمن ظروف كان يجب أن تدفع بها إلى ممارسة دور استثنائي يتخطى دورها العادي والمألوف، لكنها ازدادت عجزا عن القيام بأي شيء، وانساقت وراء حل أمني دمرها وقوض مسوغات وجودها ذاتها، كما يلاحظ كل من يتابع الوضع السوري خلال الأشهر الثمانية الماضية، وجعلها عاجزة عن فهم الأزمة وإدراك معانيها، ووعي ضرورة حلها بما هي أزمة سياسية وليست مؤامرة خارجية تورط الشعب فيها، كما تقول قيادة الحل الأمني من أهل النظام.

يحدث هذا، بينما فقد الشعب صبره أكثر فأكثر، وانتقلت الأزمة إلى مجال لا يخضع لإرادة الحكام السوريين، ولن يتعين بخياراتهم، تحولوا فيه إلى طرف يتخذ موقفا دفاعيا ميؤوسا منه، كما تؤكد تناقضات وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمر صحافي له، فهم في الطريق إلى حال يكونون فيها قشة في مهب رياح داخلية وإقليمية ودولية، تتسم بدرجة متعاظمة من العداء ضدهم.

تزدحم سماء السياسة السورية باحتمالات بعضها منظور وبعضها الآخر خفي، بعضها جديد وبعضها الآخر قديم، بعضها يبرز بينما يختفي بعضها الآخر، مما يضع المسألة السورية أمام منعطف أخير وحاسم، تكتنفه أخطار لم تكن موجودة عند بدء الحراك، نجمت جميعها عن سياسات النظام الأمنية، العنيفة والفاشلة، ولكن التي يتمسك أهله بها إلى اليوم، ويبدو أنهم سيتمسكون بها في الغد أيضا، مع أنها ستلقي بسوريا عن عمد إلى الهاوية، بعد أن وضعتها على حافتها.

أمام هذا الواقع، لا يبقى من نجاة غير كثافة الحضور الشعبي في التظاهرات السلمية، واستعادة أهداف الحراك الأولى: المواطنة والحرية والمدنية والديموقراطية والوحدة الوطنية، مثلما برز بوضوح وقوة في تظاهرات يوم الجمعة الماضية (18/11/2011 )، التي كان الحضور الشعبي فيها كاسحا بحق، واستعادت أهزوجة مغني الانتفاضة شهيد حماه وسوريا إبراهيم القاشوش، التي تؤكد كلماتها بإصرار أن: سوريا بدها الحرية، وأضيف من عندي: في وقت يبدو أنه بات قريبا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل هنالك فعلا مؤامرة على سورية؟  .. مازن معروف

2011-12-02

القدس العربي

 لم يكن مستغربا على الإطلاق أن تجهر الأبواق الموالية للنظام السوري، سواء كانت داخلية أم خارجية (خصوصا في لبنان)، بالترويج لنظرية 'المؤامرة التي تحاك ضد سورية العروبة والممانعة'. قد يكون شيء من هذه الإدعاءات صحيحا. لكن ما لا شك فيه هو أن النظام السوري، المتمرس على استغلال الفرص لنيل المكاسب الاستراتيجية، بغية إطالة أمد حكمه وفرض شروط المنطقة ونسج ظروفها، لعب الدور الكبير في دفع نفسه إلى أحضان هذه المؤامرة.

كانت البداية مع الدموية المبالغ فيها والتي أخذت أشكالا لم نر لها مثيلا من قبل، وإن كنا، على الأقل في لبنان، من أولئك الذين نشأوا في بيئة راجت فيها حكايات عن وحشية التعذيب التي كان يمارسها النظام السوري ضد أسرى لبنانيين وفلسطينيين اعتبروا معتقلين سياسيين خلال سنوات الحرب في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. هؤلاء لا يزال معظمهم مفقودا إلى هذه اللحظة. تلك الصور، التي ثبتت في المخيلة بالتناقل الشفوي، كنا نفترض أنها ذات مصداقية عالية المستوى إلى حد ما، مستندين في ذلك إلى أسلوب تعاطي الجيش السوري مع المدنيين المعارضين له إبان وجوده في الشارع اللبناني، غير أننا لم نتيقن من صحتها مائة في المائة إلا عندما انتفض الشارع السوري ضد نظامه. عبر فيديوهات اليوتيوب (الذي يمكن لأحد أن يحاجج أنها مركبة، لكن لا يمكن لأحد أن يحاجج بأنها كلها مزيفة وغير صحيحة وجزءا من مؤامرة)، تحولت الصورة المركبة في الذهن، إلى تمثيل حقيقي، في تقاطع مذهل للمادة البصرية مع ما اكتسبته الذاكرة عن النظام السوري في لبنان. غير أن المخيلة ما كانت لتبلغ في أقصى إمكانياتها، حدود الوحشية التي صاغتها الشبيحة والجيش الموالي ضد المدنيين العزل. قد يكون مأزق النظام الأول أخلاقيا، من حيث فقدانه القدرة على إقناع العالم بأن كل فيديوهات اليوتيوب مؤلفة لضربه. ذلك أن لهذا النظام أرشيفا، على الأقل في لبنان، من خلال كل القمع الممارس ضد الأصوات المناوئة له، إضافة إلى حرب المخيمات التي شنت كعقاب جماعي وانتقامي لواقع عجز هذا النظام على الإمساك بسلطة القرار الفلسطيني المتمثل آنذاك بياسر عرفات. وهو الملف الذي بقي حتى هذه اللحظة محظورا فتحه في قنوات الإعلام اللبناني، نظرا لحساسيته ولارتباط شحصيات نافذة في السلطة اللبنانية بالمجازر التي ارتكبت بحق المخيمات آنذاك.

شنت تلك الحرب التي بلغ أمدها سنوات ثلاث، بتوافق أميركي سوري - سعودي وبرضى اسرائيلي كبير. كانت تلك أيضا مؤامرة، لكنها لم تقرأ على أنها ضد القومية العربية والممانعة، حتى أن النظام السوري المتمثل بشخص الرئيس حافظ الأسد وقتذاك، استخدم حرب المخيمات كرسالة طويلة وشخصية إلى ياسر عرفات. المخيمات الفلسطينية لم ترتكب آنذاك خطيئة كبرى من النوع الذي قد يثير حفيظة سورية إلى درجة إعلانها القصاص الجماعي الطويل الأمد. والمخيمات وإن كان غطاؤها فتحاوي كما هو معروف في تلك الأيام، فإنها لم تعلن الحرب على القوات السورية المتواجدة في لبنان آنذاك. مع ذلك، فإن النظام السوري لم يتردد للحظة في ممارسة أقسى أنواع الضغط عليها، عبر ذراعه الشيعي اللبناني 'حركة أمل'.

موالو النظام السوري لا يريدون مراجعة دلائل أخرى كأرشيف سقوط مخيم تل الزعتر، وكيف كانت إزالته خطوة استراتيجية لتفريغ المنطقة الشرقية في بيروت من التواجد الفلسطيني، وبالتالي تعزيز السلطة السورية فيه. هناك أمثلة عديدة أخرى يمكن تبينها بسهولة كدلائل على مرونة النظام السوري، وعدم تردده في التحالف مع أي طرف يكن، من أجل إرساء مكاسب استراتيجية منذ السبعينات. إلا أنها كلها أمثلة لم ترتق إلى مستوى إحراج النظام على مستوى العالم. ففي أواسط الثمانينات، كان هناك تجانس سياسي كبير بين عزف الجوقة السورية ومثيلتها الأميركية، الأمر الذي شكل غطاء لذلك النظام ومتنفسا له في الشرق الأوسط، ذلك أن واشنطن لم تكن تريد إغضاب دمشق المتحكمة بخطوط الملعب السياسي في الشرق الأوسط عموما، ولبنان خصوصا. كذلك فيما يتعلق بتحالفه مع إيران الفارسية (وهو التحالف الذي لم يتقاطع مع منهج البعث في المنادي بالقومية والعروبة)، ومشاركته في حرب الخليج إذ أُرسل الجيش السوري للمشاركة فيها تحت إمرة القوات الأميركية، ضد النظام العراقي يومذاك. أما على مستوى الداخل السوري، فقد مثلت أحداث حماة، التي لا يعرف على وجه الدقة عدد قتلاها إلى الآن، مخدرا طويل الأمد للمجتمع السوري. هكذا كان النظام السوري يعمل لنفسه محيطا مفتتا ومرنا كالمعجون، مقابل استحواذه على مجتمع سوري مشدود كمنصة. غير أن إحكام النظام قبضته على المجتمع السوري، أدى إلى تعزيز الجهد الدبلوماسي في الخارج سعيا لمكاسب استراتيجية. فالقوة السورية العسكرية استخدمت في لبنان للإمساك بمقاييض البلد، والسيطرة على المخيمات الفلسطينية المتواجدة فيها، وتعزيز قوة التنظيمات الموالية لها، كما الأحزاب اللبنانية أيضا. المفارقة أن هذا العسكر السوري أخفق في إثبات أي تفوق كان في المعارك التي خاضها مباشرة ضد اسرائيل (أو اضطر مرغما خوضها). أي أن هذه القوة العسكرية السورية التي تمعن اليوم قتلا وأسرا وتعذيبا وحصارا ضد المدن السورية المناوئة للنظام، لم تثبت في التاريخ الحديث انتصارا واحدا لها يسجل في مواجهة العدو الاسرائيلي. ذلك، لأنها كانت قوة تعمل من اجل نيل مكاسب استراتيجية، ولا 'تجازف' في الدخول في مواجهة مباشرة مع العدو الاسرائيلي، وهو ما يفسر دأب النظام السوري على تمتين البنية التحتية العسكرية ل'حزب الله'، كورقة يلوح بها لنيل مكاسب استراتيجية. كما أن وجود حزب الله كحزب حليف لسورية، يمكن النظام السوري من توسيع هامش خطابه فيما يخص المنطقة. ففي حين يدعو حزب الله إلى 'تحرير فلسطين' و'إزالة اسرائيل من الوجود' (وهما عنوانان يشبهان مستوعبا كبيرا بألوان جذابة من الخارج ومحتوى مجهول تماما)، يتحدث النظام السوري في هذه الأيام عن مضار أية عملية عسكرية اوروبية على 'السلام في الشرق الأوسط'. هذان المفهومان 'تحرير فلسطين' و'السلام في الشرق الأوسط' المتناقضان في الجوهر، واللذان ينطلقان من المصدر نفسه لكن بنبرتين مختلفتين، يمثلان على أرض الواقع حدود المجال الذي يمكَّن النظام السوري من التحرك بديناميكية في الملعب الدولي. هما مفهومان يقفزان فوق حاجات الانسان السوري والعربي للحرية والحقوق المدنية، وهي الحاجات البديهية التي تتقدم على مسألة تحرير فلسطين او السلام في الشرق الأوسط. وسواء سعى النظام حقيقة إلى 'تحرير فلسطين' (وهو أمر يظل مستبعدا نظرا لتجربة السوريين مع القضية الفلسطينية، وعملهم على تفتيت المنظمات الفلسطينية أوائل الثمانينات، والحروب العديدة التي شنت على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والتي عوقب فيها اللاجئون الفلسطينيون عموما في مخيمات لبنان)، أو إلى 'السلام في الشرق الأوسط' (وهو أيضا أمر مستبعد نظرا لعمل النظام على تمتين العلاقة بشكل وثيق استراتيجيا وعسكريا منذ أوائل الثمانينات مع النظام الإيراني المعارض لأية محاولة سلام مع اسرائيل)، فإنه لا يمكن للنظام أن يتجاهل تصدع الأرضية التي يقف عليها. نعني هنا، المجتمع السوري قبل اندلاع الثورة. أمنيا ومدنيا. فالحرب مع اسرائيل، أو السلام، لا يمكن لأي منهما أن يتم دون بناء شرعية سورية، مجتمعية حقيقية وصادقة، لا يُهيمَن فيها على الشعب بالقوة، ولا يُستولى على حقوقه السياسية والمدنية والمعيشية والأمنية. أما افتقار السلطة السورية لهذه الأرضية المجتمعية، يعني أن هناك صدعا بين هذه والسلطة والشعب، صدعا كان يمكن لحمه في اللحظات الاولى للثورة السورية، لا الأيام الاولى، بإصلاحات حقيقية وشفافة تصيب تطلعات الشعب السوري للتغيير الديمقراطي لكن مع إصرار النظام على القسوة والعنف واستخدام الشبيحة، فقد بات من المستحيل لحمه.

إلا أن النظام الذي استند دوما على تعزيز صورة الفرد الشامل (الرئيس)، مقابل محو كل صورة ممكنة للفرد السوري في المجتمع، كان من الطبيعي ان يصل مرحلة تصبح فيها المسافة بين صوت الشعب وأذن النظام كبيرة جدا، تتبدد اللغة فيها، ولا يعود مسموعا أي مطلب حق للجمهور، ما يفسر أن كل ما استطاع النظام السوري أن يراه هو تمتمات أفواه، لا أصوات. ولأنه نظام مُستعل ومنعطف على ذاته، ومتباه بمكاسبه الاستراتيجية وبواقع حساسية مجاورته لاسرائيل، وتحكُّمه بمنظومة حزبية مخيفة بالنسبة للدولة العبرية، لم يكن ممكنا له الالتفات إلى الثورة التونسية والمصرية والإتعاظ منهما. ذلك أن خطأ الرئيسين المخلوعين بن علي ومبارك كان في انعدام التجانس بين لغة الشارع ولغة السلطة. فالسلطة العربية عموما، والتي قامت إما على ديكتاتوريات، أو ملكيات عشائرية، أو عائلات، بقيت أسيرة نظامها وصوتها الخاص. الصوت الذي غالبا ما كان يرتد إلى مسامعها منعكسا عبر جدران غرفها المعزولة فيها. وهذا التفسخ في العلاقة بين الصوتين، لم يكن النظام السوري ليتصوره في نسخة سورية. غير أن التظاهرات التي بدا النظام السوري أمامها مرتبكا، وفاقدا لأي لغة حوار ممكنة مع الداخل، دفعت النظام السوري إلى استخدام العنف لغة لا بديل عنها. هذه اللغة، استطاع النظام استثمارها بنجاح في الآونة الأخيرة. فتصاعد مستوى العنف والتعذيب والاعتداءات على المدنيين، جذب اهتمام الصحافة الغربية، وأثارت استياء المجتمعات الأوروبية والعربية، كما إنها فتحت باب الفرصة امام الغرب المعادي لسورية وحزب الله سياسيا، إلى التلويح بضربة عسكرية على غرار ما حدث في ليبيا. وسواء اعتبر ذلك 'مؤامرة' على سورية أم لا، فإنه من المؤكد أن النظام السوري وبهذا التشديد على التعامل العنيف مع المتظاهرين السلميين، يكون ألقى بنفسه في أحضان 'المؤامرة'، ليصبح احد الاطراف التي صنعتها، كما يكون قد أسس لظرف دولي طارئ، يحول الانتباه أولا عن ممارساته القمعية التي لا تتوقف ضد شعبه (حتى مع إعلان اتفاق مع الجامعة العربية بهذا الخصوص)، ومن ثم يدفع الأطراف الدولية إلى موقف أقرب إلى الصراحة والحزم منه إلى الديبلوماسية، ما يقلب المعادلة لصالحه هو، النظام السوري نفسه، الذي يلوح اليوم بفتح حرب إقليمية واسعة تطال إسرائيل وتركيا وتشترك فيها إيران بلا شك و'حزب الله'، وقد يشهد لبنان بسبب هذا حربا أهلية جديدة بين الأطراف المعادية لسورية والأطراف التي تعتبر نفسها في خط 'الممانعة'، الذي يصح أن نغير اسمه ليصبح 'نفق الممانعة' بعد كل الإحراج الذي يعانيه جراء دعمه العنف تجاه المتظاهرين أو السكوت عنه.

وسواء نشبت حرب ما أم لا، فإن مسرح الأحداث على العموم في الشرق الأوسط اليوم، يضم شخصيات متطرفة، سواء على المستوى الإيراني، أو السوري، أو الإسرائيلي، أو السعودي أو الأوروبي. النظام السوري دفع بنفسه إلى تلك المؤامرة وقد أسهم بأسلوبه الدموي إلى لفت أنظار العالم المتربص به أصلا. هو نظام متمرس على استغلال الفرص لكسب استراتيجي في المنطقة، حتى وإن كانت إحدى هذه الفرص على حساب هيبته التي تفتت وكرامة شعبه الشجاع. النظام السوري، وعبر المقابلات الاعلامية التي يجريها الرئيس السوري بشار الأسد مع صحف دولية، يحاور بطريقة غير مباشرة الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل والعالم ، مقابل تغافله المقصود منذ بداية الثورة السورية عن مطالب الشعب السوري، التي كان يمكن للنظام تنفيذ جزء منها على الأقل، كأرضية تؤسس لحوار نحو تغيير ديمقراطي مستحق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

علاقات القوة بين بني البشر  .. خالص جلبي

الراية 7-12-2011

اجتمعت في منطقة القصيم في السعودية بطبيب مقيم جاء للعمل براتب زهيد. الطبيب من درعا. قال لي وهو ينفث دخان سيجارته كان بشار الأسد بجانبي في نفس الدفعة. لم يكن خبيثًا ولا مجرمًا ولا سيئًا. كان بشرًا ممن خلق الله. قلت له أنت الآن طبيب مقيم براتب بخس أما هو فمتربع على سُدة عرش هيأه له أبوه بالدم والخناجر والحشاشين من جيوش المخابرات ! هزّ الدكتور الدرعاوي رأسه بأسف وقال الدنيا تمشي هكذا.

السؤال لو ولد بشار الأسد في فرنسا أو ألمانيا هل كان سيتابع تخصصه الطبي أم سيجلس على رقبة الشعب الجرماني أو الفرنساوي مع عصابة من القتلة كما نرى في ميادين حمص وتلبيسة؟

القضية تقوم على علاقات القوة التي تحتاج إلى تفكيك فلسفي.

القوة نادرًا ما تظهر على شكلها العاري كما يصف ذلك الفيلسوف برتراند راسل في كتابه "السلطان"، ولا تحتاج أن تظهر على شكل سجن وسجَّانين وهراوات وقضبان، بل على شكل ألوان وملابس وشارات، فبين "مساعد" في الجيش، و"لواء" تهتز من تحته الأرض شارات على الكتف. ولون المعطف الأزرق لعمال الخدمات يكتب مكانة صاحبها أمام أصحاب المعاطف البيضاء من الأطباء معلقة في رقابهم السماعات، بل وحتى بين الأطباء، فكلما ثقل جيب المعطف بأدوات الفحص، كان صاحبها أقرب أن يكون طبيبًا مقيمًا، فإذا لبس الطبيب معطفًا خاليًا إلا من قلم بسيط كان عنوان المهابة: إنه رئيس الأطباء.

وفي فروع المخابرات السرية السورية إذا جاء "ملف" بلون معين إلى "موظف معين" دارت أعينه كالذي يغشى عليه من الموت: إنه من "المعلم" ومستعجل، ويضخ الأدرينالين في العروق ضخًا ليرفع ضغط الدم رفعًا، فكانت فاتحة لشلل وخرس وسكتة قلبية.

ما زلت أذكر أنا شخصيًا عندما "ضبطني" شرطي في بلدي المنكوب بالسرطان البعثي في مخالفة سير. كانوا كمن يلقي القبض على أفَّاك أثيم عتل بعد ذلك زنيم. لقد كانت متعة لهم بدون حدود في ممارسة القوة. وأتذكر بالمقابل في مدينة (براون شفايج Braunschweig) الألمانية عندما اقتربت مني "شرطية" لتقول لي بلطف وأدب: ألا ترى أنك مخالف؟ هل تحب أن تدفع عشرة ماركات؟

إنها روح تتخلل المشافي والمؤسسات الدينية والدوائر الحكومية والمدارس والشركات، بل وحتى ضمن العلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة. أليست تابعًا ماديًا له؟

إن المرأة يتملكها الخوف الشديد في المجتمع العربي بعد تبخر الجمال وزوال نضارة الشباب والتقدم في السن أن يطلقها زوجها ليلقي بها في الشارع بدون أي ضمانة وحماية أو تعويض عن كل رحلة الحياة. لذا تحاول الاعتماد على رفع مهر المتأخر بدون فائدة، أو تكويم الذهب والسلاسل والخلاخل والخواتم والأقراص والأساور وحب اللؤلؤ لعله ينفعها في يومها الأسود إذا زلزلت الأرض زلزالها وانفجر بركان الرجل.

إن هذا الوضع طوَّره الغرب، وفي الطلاق لا تخرج المرأة خاوية الوفاض صفر اليدين إلا من مهر متأخر دراهم معدودة غير مضمونة؛ بل بنصف ثروة الرجل.

هكذا تبدو تظاهرات القوة وفي كل مجال ومكان.

أحيانًا على نحو غامض وغالبًا في تفصيلات مخجلة ومهينة بسبب نظام "التراتبية" في المجتمع، وتقسيم الناس إلى أعلى وأسفل.

وفي مجلة "اليونسكو" أظهرت لوحة الغلاف في أحد الأعداد البشرَ على طبقات تحمل كل طبقة ما فوقها. السفلى أعرض وأمتن وفوقها تجلس شريحة مرتاحة أصغر حجمًا وأشد قوة. صعودًا حتى القمة، حيث تحكم الأقلية والنخبة.

وفي القاع تتمدد أكثرية خانعة خائفة محجوزة في مثلث الرعب تدفع الضرائب عن يد وهم صاغرون.

هكذا صدر المنشور الشيوعي في مطلع القرن: في القمة "القلة الحاكمة" وبجانبها كلمة "نحن نحكمكم". وتحتها شريحة أعرض من الكهنة ورجال الدين والحقوقيين وبجانبها كلمة "نحن نخدعكم"، وأسفل منه الجنود بالحراب وبجانبها كلمة "نحن نقتلكم". وفي الأسفل تمامًا العمال والفلاحون وبجانبها كلمة "نحن نطعمكم ونخدمكم"، وطبعًا ونحمل كل ثقلكم.

اعتبر الفيلسوف فردريك نيتشه: "أنه حيث الحياة هناك الرغبة، ولكنها ليست الرغبة في الحياة، بل الرغبة في امتلاك القوة". ولكن فيلسوف الحداثة "ميشيل فوكو" اعتبر أن كل المجتمع غاطس في حوض من علاقات القوة "فالكل يحارب الكل" في حرب أهلية مبطنة غير معلنة.

وفي هذا الخضم العارم من النزاع وعلاقات القوة فإن الأقوياء يسعون ليس إلى بناء علاقات إنسانية، بل إلى إزالة الطواغيت واستبدالهم بطواغيت جدد، ولذا فإن ما جاء بالقوة أعاد مرض القوة، وهذا سر استعصاء الحياة السياسية في العالم العربي؛ لأنه مبني على علاقات القوة؛ فمن أراد التغيير عمد إلى القوة، ومن ملك أراد أن يستمر في أي صورة وتحت أي اسم، طالما لا توجد قوة تقدر على الإطاحة به.

صرح بهذا مسؤول قومي، وأكده مفكر إسلامي، أن الحاكم يملك الرقاب تحت قانون "الغلبة والقهر"، فبهذا قال فقهاء العصر العباسي.

صدق، فالعالم الإسلامي انفك عن أحداث العالم، وانفصم عن صيرورة التاريخ، وأمواج المعاصرة، واستطاع الغرب فك هذه الإشكالية التي عجز عنها العالم الإسلامي.

إن المواطن العربي اليوم يضع على عينيه نظارة من صنع إيطاليا، ويستخدم التلفون الجوال، ويجري الجراح عملية مرارة بدون شق البطن، كما يستخدم الجندي العربي الصواريخ في الحرب، ولكن الوطن العربي يعجز عن نقل الوضع الدستوري، وبناء الديموقراطية، والتخلص من الأحكام العرفية، وحكم المماليك البرجية والبحرية، وتجديد أدعية وخطب المستنصر بالله العباسي. وإذا نقل المعاصرة فهي توابيت تحمل إلى العالم العربي.

وهكذا فالمجالس النيابية وظيفتها أن تقول نعم للحاكم. والتعددية ديكور سياسي. والصحافة مثل البيضة المسلوقة أمام ديك أوروبي يصيح على السياج، أما حرية التعبير فهي "ردة" أو "خيانة".

نحن نرى اليوم مرض "الطاغوتية" يعم البسيطة، بدءًا من هبل الأكبر أمريكا والشرك الأعظم "الفيتو"، وانتهاءً بالديكتاتوريين "الترانزستور" في العالم الثالث، أو عمالقة المال الذين يشترون كل شيء وتمتد إمبراطوريتهم عبر كل القارات، فلا تغيب عنها الشمس أبدًا، بما لم يحلم به هارون الرشيد والملكة فيكتوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تقارن الخسائر المادية بالخسائر البشرية في سورية؟!  .. يوسف الكويليت

الرياض

7-12-2011

 الأردن، والعراق، ولبنان ترى أن مقاطعتها لسورية ستضر باقتصادها، ونسيت تلك الدول أن سورية هي من بادر بتأزيم أوضاعها طيلة عقود طويلة، وقد استخدمت في سياستها ليس دعم مواقفها الخاصة بل لعب دور الآخر دون مراعاة لروح الأخوة العربية التي ترفع شعارها كدولة في قلب الأمة..

فأثناء أيلول الأسود في الأردن عام ١٩٧٠م دخلت القوات السورية إلى قلب القطر الشقيق الأردن تعزيزاً لعرفات، وبأوامر من صلاح جديد الذي دفع الثمن بانقلاب حافظ الأسد عليه وسجنه مع رئيس الوزراء آنذاك..

لبنان منذ السبعينيات، وإلى خروج القوات السورية كان محتلاً بواجهة حكومية لبنانية لا تأمر ولا تنهى إلا بموافقة الدولة المحتلة، ولم تخرج قواتها إلا بضغط دولي كاد أن يأخذ تدابير حادة معها..

العراق مع صدام حدث انشقاق الحزب الواحد للبعث، وهاجرت القيادة القومية إلى بغداد، وكانت القطيعة حادة إلى حد التآمر بين النظامين بإسقاط أحدهما لصالح الآخر، وبعد صدام كانت دمشق المقر والمعبر للمتطوعين العرب وغيرهم عندما قامت سورية بتدريبهم وإرسالهم للقاعدة، بل هي من احتضن أعضاء حزب البعث العراقي لتشكيل المعارضة ضد حكم بغداد.. فهل موقف تلك الدول جاء تأييداً مبطناً للنظام بلغة استجداء المصالح الاقتصادية؟

ورغم تباين سياسات البلدان الثلاثة، إلا أنها تتعامل مع مشروع الجامعة العربية بما يشبه خيبة الأمل، فكيف تتم مقايضة دم شعب يقود مظاهرات سلمية ويتعرض للإبادة بعشرات الملايين، وما هو رد فعل الشعب السوري لو استطاع اقتلاع قلاع الحكم، وما مدى رسم علاقات إيجابية مع بلدان دعمت وساهمت في تأييد النظام لسبب أناني فقط؟

لقد انشق العرب بعد مقاطعة مصر بعد سلامها مع إسرائيل ونقل مقر الجامعة العربية لتونس، وانقسموا حول احتلال الكويت من قبل قوات صدام بين فرحٍ، وآخر ضد ذلك التصرف المجنون ما تسبب في أضرار لتلك البلدان بفقدانها معونات ودعم الكويت لها بما في ذلك توظيف العديد من العمالة العربية في دوائرها الرسمية والأهلية، فهل يتكرر السيناريو ويفشل القرار العربي؟

الحكومة السورية هي من عاقبت شعبها بقطع المستلزمات الحيوية من مياه وكهرباء وملاحقة المصابين ومنعهم من دخول المستشفيات، والموقف العربي ناتج عن قيمة أخلاقية بتضامنه مع الشعب السوري، لا تسييس هذا الجانب، أو الإضرار بدول عربية أخرى..

الموقف التركي ظل أكثر إيجابية من موقف الدول الثلاث بتضامنها مع دول الجامعة رغم خسائرها المادية التي تفوق غيرها، لكنها أدركت أن النظام لايمكن ردعه إلا بتضامنٍ بينها وبين العرب، وهو وعي متقدم بكسب الشعب أمام سلطة لا تراعي أبسط القواعد الأخلاقية..

العقوبات ليست موجهة ضد الشعب السوري، ولا لاقتطاع مبادلات تجارية مع دول الجوار لسورية، بل كان الاتجاه من أجل الحد من جنون السلطة ووضعها في مواجهة مع أمة عربية لها كلّ الحق في الوقوف ضد أي مظالم يتعرض لها المواطنون.

سورية تقف في مفترق الطرق، فهي لا تقبل الحلول العربية إلا من خلال ما تريده، والأمور تتعقد، ولعل التعامل مع النظام بالصيغ المتقلبة بات أمراً مستحيلاً، والخاسر في النهاية هو النظام، لا الشعب..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأمم: موت وانبعاث  .. د.خالص جلبي

تاريخ النشر: الأربعاء 07 ديسمبر 2011

الاتحاد

مفهوم موت الأمم كان بالنسبة لي اكتشافاً مثيراً، وأدين لهذا المفهوم للمصدر الأول وهو القرآن الكريم حين يتحدث عن موت الأمم وليس الأفراد في الآية: "لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون"، والثاني لمالك بن نبي حين قرأت كتابه "ميلاد مجتمع"، وكيف أن أمماً كثيرة عبر التاريخ ماتت والتهمتها أمم جديدة صاعدة، فقد ابتلعت روما في طريقها المجتمع القرطاجني والغالي والفرعوني، ولولا ضربة شامبليون بإعادة الحياة للغة الهيروغليفية لما عرفنا شيئاً عن بقايا تلك الأمة من أهرامات ومسلات ونقوش تزينها. والآن ومن خلال علم الفيلولوجيا والكربون المشع، لدينا معلومات شبه أكيدة عن عمر الأهرامات، وعدد العائلات التي حكمت، والسلالات التي جاءت، والانقطاع التاريخي باحتلال الهكسوس مصر 150 سنة، وفيها جاء يوسف إلى مصر، ومنه كرر القرآن كلمة ملك ولم يكرر كلمة فرعون، حيث إن موسى جاء في الألف الثانية قبل الميلاد، بعد هذا الانقطاع، كما ذكر القرآن: "ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب".

شاهدي من هذا الاستطراد أن أقول إن الشعوب إذا وقعت في قبضة نظام شمولي استبدادي فمصيرها إلى الموت حسب قوانين الفيزياء والبيولوجيا، لكن ما حدث في العالم العربي يحكي قصة مختلفة. ومما يطمئنني على مصير سوريا، رغم شراسة "الحلف" الذي يواجه ثورتها، شاهد قوي من القرآن ومفاده أن ما يدفع الأمة على الحركة ويخرجها من رقدة العدم هو روح الله في الإنسان.

أعترف للقارئ أنني شخصياً كنت قد غسلت يدي من سوريا، وأنا من ولدت فيها وأحببتها وابتنيت لنفسي بيتاً جميلاً فيها عسى أن أرجع إليه بعد تقدم العمر، لكن مع كل غصة وحسرة من وطن لم يبق وطناً.

كل مرة كنت أدخل البلد أشعر أنني يجب أن أضع كرامتي على الحدود وعقلي في جيبي وأفتح كتاب النبات فأدرس وظائف النبات جيداً، أن أتحول إلى نبات!

أفهم الآن طبيعة الثورة السورية، وأنه لا يمكن خنقها ووأدها لأنها من روح الله الذي يعلم السر وأبقى ولا تنطفئ في قلب البشر روحه. لذا فالأمم تموت كما نرى، لكن مع هذا هناك حالات من اليقظة عجيبة بولادة روحية أخلاقية.

درس الثورة السورية كبير وكان يمكن أن يمضي بشكل مختلف، ولكن النظام أبى إلا أن يعمِّد ولادة هذا الطفل بعملية قيصرية نازفة.

الأهم، وهو ما يجعلنا نفهم موقف روسيا وإيران، أن الثورات لها فيروسات. خوف روسيا هو من انتقال ذلك الفيروس إلى بلاد القوقاز فتلتهب بحمى الثورة.

أما "حزب الله" و"حماس" وسواهما من حملة البارودة والطبنجة، فقد انتهى دورهم وجاء دور الشعوب التي ترفض الطاعة والانصياع للأنظمة. وقد جاء ذلك المفهوم في القرآن: "كلا لا تطعه". إن رفض الأوامر يعني كسرها وإنهاء السيطرة.

ليس عندي تفسير لتبني الشعوب العربية هذه الاستراتيجية. "قل إن ربي يقذف بالحق علامُ الغيوب". "قل جاء الحق وزهق الباطل"، "وما يبدئ الباطل وما يعيد".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المتاهة والمأزق .. عبدالله إسكندر

الاربعاء, 07 ديسيمبر 2011

الحياة

متاهة جديدة تدخل فيها الأزمة السورية، ومعها الخطة العربية للحل، عبر دفاتر الشروط المتبادلة، والتغافل عن ان الهدف الأساسي للتحرك العربي هو وقف القتل في الداخل السوري، وليس الجدل حول سيادة سورية ووحدتها ووحدة اراضيها. واي انزلاق عربي، او خارجي عموماً، الى هذا الجدل او السعي الى ضمانات للحفاظ على هذه السيادة يعني استمرار القتل في الوقت الضائع، ومراكمة اسباب تعقيد الحل السلمي أكثر مما هو معقد، إن لم يكن بات مستحيلاً.

واضح ان الجهد السوري الرسمي، عبر تبادل الرسائل والمذكرات لانقطاع الاتصالات المباشرة، بعد تجميد عضوية دمشق في اجهزة الجامعة العربية، يهدف اساسا الى الدخول في متاهة الجدل النظري في شأن السيادة وكيفية العمل مع المراقبين... إلخ، وتالياً تأخير تنفيذ هذه الآلية اطول مدة ممكنة وتطويقها بجملة من الاجراءات، بما يجعلها غير ذات قيمة مع استمرار السلطات السورية في النهج الامني الذي يبدو وحيدا امامها في التعامل مع الحركة الاحتجاجية، مع ما يتضمنه ذلك من مواصلة القتل اليومي الذي تتصاعد ارقام ضحاياه مع مرور الايام.

ويبدو ايضا ان هذا التعامل الرسمي السوري مع الازمة بات مكشوف الاهداف لاعضاء اللجنة الوزارية العربية، ومعهم الامين العام للجامعة. وبحسب المعطيات الاولى، فمن غير المرجح ان تتعامل اللجنة مع الشروط السورية لتوقيع بروتوكول المراقبين، لا بل يُعتقد بأن دمشق وضعت هذه الشروط وهي تدرك سلفاً عدم قبولها، وتالياً توفر لها هذه الخطوة مبرراً سياسياً لإلقاء اللوم على العرب بعدما اتهمت بعضهم بالتآمر ضدها. وتوفر مبرراً داخلياً للاستمرار في الحل الامني. ولو كانت السلطات السورية ترغب فعلاً في التعاون مع خطة الجامعة، لعمدت فوراً ومن دون انتظار المراقبين، الى اخلاء الشوارع من القوات الامنية والشبيحة وإعادتها الى ثكناتها، وسمحت بالتظاهر السلمي. وعند ذلك تتكشف حقيقة «المجموعات المسلحة» ومدى دورها في الحركة الاحتجاجية وأهدافها، إن وجدت فعلاً.

تمتنع السلطات السورية عن تأكيد حسن نيات تسعى الى إظهارها. لا بل تدفع الوضع الى هذه المتاهة عمداً، لعلها مع الوقت تستطيع كسر ارادة المحتجين وترغمهم بقوة الاعتقال والتنكيل والخراب والقتل على الرضوخ لها والتخلي عن مطالبهم، وذلك في الوقت الذي تحاول الظهور فيه مظهرَ المتعاون مع جهود وقف القتل.

لكنها في ذلك ترتكب اخطاء في التقدير، ومن هذه الاخطاء الاساسية انها تراهن على صدقيةٍ هي مفقودة بالكامل، فكل مناوراتها باتت معروفة ومقروءة جيدا من الجميع، ولم يعد احد يصدق كل البلاغة التي تبذلها في مجال الدفاع عن ذاتها. ومنها ايضا عدم التقاط معنى هذه الدماء الغزيرة التي أسالتها آلة القتل الرسمية، وما ادى اليه ذلك من تقلص لمساحة التسامح معها الى ادنى حد ممكن.

وهذا ما يجعل تجذر شعارات الحركة الاحتجاجية على الحكم ورجالاته يترافق مع العقوبات الخارجية على الممسكين بآلة القتل، وما يعنيه ذلك من استحالة ان يستمر هؤلاء في مواقعهم مهما صدر من كلام ووعود عن اصلاحات لم يعد يصدقها احد، وستزداد صعوبة تصديقها مع مرور الوقت واستمرار القتل. وليواجه الوضع الداخلي مأزقاً مزدوجاً، سواء في ايجاد الحل السياسي العام او في لحمة المواطنة التي بدأت نذر تفككها تتواتر أكثر فأكثر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مدينة الحرية! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط 7-12-2011

لا تكون ثورة الشعب ضد نظام الاستبداد إلا ثورة من أجل الحرية. إذا كانت شيئا آخر، فإنها لا تكون ثورة ولا تحقق الأهداف التي تحققها الثورة.

والثورة السورية لا هدف لها، كثورة، غير الحرية. إنها ليست ثورة طبقة ضد طبقة، أو طائفة ضد طائفة، أو جهة ضد جهة، أو قبيلة ضد قبيلة، أو زعيم ضد زعيم، أو حزب ضد حزب.. الخ. بل هي ثورة هدفها إخراج الشعب من عالم الاستبداد ونظامه، فهي إرادة شعب سلب حريته طيلة قرابة خمسين عاما، يضحي زرافات ووحدانا منذ قرابة ثمانية أشهر من أجل استردادها كاملة غير منقوصة، فهي إذن ثورة سيفيد منها كل سوري، بما في ذلك الذين لا يشاركون فيها أو يعارضونها، وأكاد أقول إن أهل النظام أنفسهم سيفيدون منها، لأنهم سيكتشفون، عندما تقوم سوريا الحرة، كم كانت خسارتهم كبيرة بسبب الاستبداد، وكم أفقدهم إنسانيتهم ووطنيتهم، عندما جعلهم عبيدا له وأوهمهم أن حريتهم في عبوديتهم له.

عندما لا تكون ثورة شعب مضطهد معذب من أجل الحرية، فإنها لا تكون ثورة ولا تستحق اسم الثورة. لذلك، لا حاجة إلى القول: إن «هوجة» طائفية أو تحمل سمات طائفية لا تكون ثورة ولا تأتي بالحرية، بل تحمل في رحمها استبدادا جديدا، كثيرا ما يكون أشد لؤما وشراسة من الاستبداد القائم. وعندما يكون الصراع قتال منطقة ضد منطقة أو أيديولوجية ضد أيديولوجية أو مذهب ضد مذهب، فإنها لا تأخذ من يخوضونه إلا إلى عبودية مضاعفة. ولأن الشعب السوري قام بثورته من أجل الحرية، فإنه لا يستطيع السماح لأحد بأخذها إلى غير هدفها الوحيد: الحرية، كي لا تضيع تضحياته سدى، ويعانى الأمرين من فشله الأكيد والقاتل. لا عجب، إذن، أن ينبذ الشعب من يريدون زجه في فتن طائفية أو مذهبية، ويعلن في بداية ثورته شعارا رائعا هو: «واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد»، ويكرر مع حادي الحرية الشهيد إبراهيم القاشوش: «سوريا بدها حرية»، ويرفض طيلة أشهر الثورة الأولى حمل السلاح أو التقاطه من الشوارع التي ملأها رجال الأمن بالبنادق والذخائر، لإغرائه بأخذها واستعمالها، دون أن يفلحوا في ذلك ولو مرة واحدة. ولا عجب كذلك أن الشعب أدرك بفطرته السليمة أن الأمن يريد قلب ثورته السلمية من أجل الحرية والمواطنة والدولة الديمقراطية والمساواة إلى عنف يضيع هدفها الأصلي: الحرية، فيمكنه عندئذ تشويه نضاله ومقاصده النبيلة، والقول بأنه لم يكن يريد الحرية والخلاص من الاستبداد، بل الفوضى والحرب الأهلية. لم يسقط الشعب في الفخ، لأن أبناءه يرون في الآخر والمختلف حليفا في معركة الحرية، ويرفضون اعتباره عدوا لا بد من القضاء عليه في معارك طوائف أو جهات أو قبائل أو مناطق أو أي معارك أخرى.

رفض الشعب في كتلته الكبرى تحويل معركته من نضال في سبيل الحرية إلى اقتتال بين مكوناته وواجه محاولات تمزيقه بوحدته الوطنية وتماسكه، رغم ما فعلته السلطة منذ يوم الانتفاضة الشعبية الأول وحتى اليوم، وبذلته بعض القوى والتيارات من جهد لدفعه في هذا الاتجاه القاتل. ولعل تجربة مدينة حمص تمثل مرآة تعكس مواقف الطرفين المتصارعين: السلطة بسعيها إلى تحويل نضال الشعب في سبيل الحرية إلى اقتتال طائفي ومناطقي، والشعب، الذي أفشل مساعيها، وتمسك باستماتة بهدفه العظيم: الحرية بما هي مبدأ للجميع، بغض النظر عن الجهة أو الطائفة التي ينتمي المرء إليها، والعقيدة التي يعتنقها. أدركت حمص بحسها الأصيل، الذي كان وراء نضالها الأسطوري ضد الاستبداد وتضحياتها الغالية جدا على قلب كل إنسان حر في العالم بأسره، ما يريده النظام، فقاومته وعملت على إحباطه وإفشاله. لقد فعلت ذلك ليس فقط لأنها وعت مركزية دورها ومكانتها من الثورة في سبيل الحرية، بل لأنها تعلم أن هدفها هذا لا يتفق مع أي شيء دونه أو يتعارض معه، وأن الحرية لا تقبل أن يخالطها ما لا يتفق وهويتها الإنسانية، وفي مقدمها الطائفية والمذهبية. بهذا الفهم، ردت بوحدة بناتها وأبنائها على محاولات السلطة تشويه نضالها في سبيل الحرية، فألفت لجانا مشتركة تضم ممثلين عن جميع أطيافها وقفوا كالسد المنيع في وجه محاولات السلطة والقلة القليلة التي تشبهها في الشارع من دعاة الطائفية والمذهبية، وأثبتوا أن المدينة سترد كيدهم إلى نحورهم وستواصل نضالها إلى أن تنال الحرية: لها وللشعب السوري، الذي تتقدم نضاله ببسالة ستبقى في ذاكرته إلى الأبد.

استهدف النظام النضال الشعبي من أجل الحرية في حمص: حيث بلغ ذروته، متوهما أنه سيتمكن من إثارة فتنة تقوض الثورة في كل مكان، وتحرفها عن غايتها الحقيقية، فيدعي عندئذ أن مجموعات إرهابية مسلحة تضم طائفيين إرهابيين سعوا إلى قتل بنات وأبناء وطنهم، وكانوا سينجحون في تنفيذ جرائمهم لو لم يقم هو بمنعهم من ارتكابها!. بهذا المعنى، تنقذ حمص برفضها الانزلاق إلى الاقتتال الطائفي أو المذهبي الثورة والحرية في سوريا، وتقدم خدمة لشعبها وللعرب وللعالم يصعب اليوم تقدير أهميتها، بل إنه يمكن القول إن مصير سوريا والحرية يتوقف على حمص وما تختاره، وهي لن تختار بالتأكيد غير ما اختارته دوما، وخاصة منذ بدء الانتفاضة: الحرية ولا شيء غير الحرية.

بلغت ثورة الحرية ذروتها في حمص، فليس معقولا أو مقبولا أن تنحدر من هناك إلى حضيض الطائفية، التي يرى النظام فيها أداة تمكنه من نقل المعركة إلى داخل المجتمع، بعد أن كانت خلال الفترة الفاصلة بين المجتمع وبينه، لكن حمص تحبط مساعيه كي تواصل مسيرتها الظافرة نحو الحرية، التي جعلت منها رمزا للشجاعة والتضحية في سبيل هذه القيمة الإنسانية العليا، يحمل العالم بأسره له أصدق مشاعر الإعجاب ويراقب بانبهار بطولاته التي لا يصدق عقل أن بوسع بشر القيام بها، لكن الحرية ما إن تسكن روح إنسان حتى يصير غير قابل للقهر أو للهزيمة.

يا حمص، يا مدينة الحرية، لا تسقطي في كمائنهم، وليكن لك ما أنت أهل له: مجد الحرية!

..إلى نجاتي طيارة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

إسرائيل والديكتاتوريات العربية.. دفاع عن الوجود المشترك! .. علي الرشيد

من حسنات ربيع الثورات العربي أنه كشف التفاهمات السرية والعلنية والتوافقات الظاهرة والمستترة بين الأنظمة الدكتاتورية العربية وإسرائيل، والتي تتلخص في القلق المشترك من الحالة الديمقراطية التي تجتاح المنطقة حاليا والمطالبات الجماهيرية الشعبية في التغيير، والتخويف مما تمخض أو ما يتوقع أن يتمخض عنها تباعا ، ومحاولة كل منهما دعم بقاء الآخر.

لقد انكشف في هذا الربيع زيف المقاومة والممانعة اللتين لطالما تشدقت نظم عربية ديكتاتورية بهما بامتياز كسوريا، في حين أنها أسهمت لعقود في حماية الأمن القومي لإسرائيل، كما اتضح أن إسرائيل التي صرفت وقتها طويلا ليقتنع العالم أنها الواحة الديمقراطية في المنطقة، تمارس ازدواجية في التعامل مع هذه المسألة فهي حلال عليها وحرام على الشعوب العربية التي تنشد الحرية والعدالة بما ذلك مصر، مؤثرة بقاء واستمرار الأنظمة الديكتاتورية لوكان الأمر بيدها وداعية لتقديم الدعم لها لضمان عدم سقوطها، لأنها الأفضل والأضمن برأيها من مخرجات الاقتراع الحر والنزيه، وما يمكن أن يفرز من قوى وطنية تتوقع صعوبة التفاهم معها، وتأمين مصالحها بوجودها، مع تركيز أكبر على "فزاعة" الإسلاميين أو القوى السلفية، وتخويف الغرب منها.

ويتضح هذا التطابق مما نلمسه من تماثل أو تقارب في تصريحات ومواقف الطرفين ( إسرائيل من جهة ، الأنظمة الديكتاتورية العربية ما سقط منها وما هو آيل للسقوط بإذن الله) ، فهذا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتيناهو يقف قبل فترة أمام الكنيست، ويحتج بان الصحوة العربية تعيد العالم العربي "إلى الوراء" وتتحول إلى موجة "إسلامية، مناهضة للغرب، ومعادية لليبرالية ولاسرائيل وللديموقراطية"، ووصل الأمر بمجلة " إسرائيل اليوم" إلى القول بأن الربيع العربي يوشك أن يأتي "بالشتاء الإسلامي" . أما وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك فقال للقناة الإسرائلية الثانية قبل ايام إن ما سماه "عملية الأسلمة بالدول العربية مقلقة جدا" لدولته.

ونفس الشيء فعله كل رؤوساء الأنظمة التي تحركت شعوبها ضدها سواء من تنحى أو هرب أو قتل منهم أو من هم مازال يصارع طوفان الجماهير ضده أو مسؤولون في أنظمتهم المتهالكة ، فكلهم خوّفوا المنطقة من تبعات هذا الحراك وما سيؤديه من فوضى داخلية وخلخلة في أمن المنطقة و"حرب طائفية" و" اقتتال أهلي"، وكلهم حذروا من التيارات الإسلامية والأصوليين االتي ستصل للحكم كثمرة من ثمار الربيع العربي.

ولعل خوف اسرائيل على أمن بلادها، وتحسبها لانفراط عقد ما يسمى باتفاقيات السلام العلنية التي كانت موقعة مع دول مجاورة لها، أو تفاهماتها السرية مع دول أخرى لحفظ الأمن المتبادل أيضا هو سبب تشنيع الكيان الصهيوني على هذا الربيع وسبب تحذيراته من سقوط أنظمة كان تصنف على أنها معادية له كسوريا ، فهذا عاموس جلعاد رئيس القيادة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية يحذر في تصريح لشبكة إذاعة الجيش الإسرائيلي، من نتائج سقوط نظام بشار الأسد، مشيرا إلى أن ذلك يعني قيام إمبراطورية إسلامية جديدة في المنطقة، يتزعمها الإخوان المسلمون، موضحا بأن الأيدلوجيا الواضحة والمعلنة لدى الإخوان المسلمين، هي إقامة إمبراطورية إسلامية على أرض مصر وسوريا والأردن أولا، ثم محو إسرائيل من الوجود.

وذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك حينما عارضت قرار إدانة النظام السوري في الجمعية العامة في الأمم المتحدة مؤخرا ، حتى قال صحفي سوري معارض معلقا على هذا التصرف بسخرية على ذلك بإن إسرائيل قد "انضمت إلى جبهة المقاومة والمانعة".

ولا غرابة في ذلك فإسرائيل ليس من مصلحتها الإستراتيجية أنْ يتمخَّض "الحراك السياسي الإستراتيجي" في سوريا عمَّا يتسبَّب، أو قد يتسبَّب، بتعريض ما تنعم به من أمن وهدوء واستقرار في الجولان منذ ثلاثة عقود على الأقل، وهي قد فهمت تماما الرسالة التحذيرية لرجل الأعمال السوري وابن خال الرئيس بشار الاسد الموجهة للغرب وإسرائيل من وجوب دعمه وعدم ترك يسقط بفعل ضربات الاحتجاجات الشعبية حينما قال منذ بديات الحراك الاحتجاجي لصحيفة أمريكية : "لن يكون هناك استقرار في اسرائيل" اذا لم يكن هناك استقرار في سوريا، ملوّحا بأن "السلفيين" هم البديل عن النظام، وقد ترجم النظام ذلك عمليا في افساحه المجال لأول مرة لفلسطنيين وسوريين غاضبين حينما اقتحموا الحدود مع إسرائيل عبر الهضبة المحتلة قبل أشهر قليلة.

خوف إسرائيل من ربيع الثورات العربية غير مستغرب لأن نتائجه ستصل إليها ، إن عاجلا أو آجلا ، ويتمثل في إعادة النظر في اتفاقيات التسوية والاتفاقيات الاقتصادية الجائرة بحق أمتنا ( ومنها :الاتفاقيات الموقعة مع مصر والأردن ) أو إلغائها وفق مشيئة ديمقراطية شعبية، وانتهاء حالة الاسترخاء التي تنعم بها بسبب التفاهمات (المعلنة أو غير المعلنة) والتي كانت سائدة بينها وبين الأنظمة الديكتاتورية العربية، والمتصلة بحفظ حدودها وأمنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة ( معادلة بقاء واستمرار الأنظمة مقابل حفظ أمن الكيان الصهيوني )، وصولا إلى دول تتمتع فيها الشعوب بقرارها وسيادتها، والدفاع عن مصالحها القومية ، وهو ما يعتبر تغييرا جوهريا في المعادلات القائمة حاليا وإن بصورة تدريجية .

الجديد أن الربيع العربي كشف بصورة واضحة لا لبس فيها الدور المشبوه للأنظمة الديكتاتورية العربية وبخاصة من كانت منها تدعي الممانعة والمقاومة والتفاهمات التي كانت قائمة بينها وبين إسرائيل، وكان تصديق ذلك عسيرا على البعض على الأقل من قبل حلول هذا الربيع، حتى أن إسرائيل اضطرت للدفاع عن بقاء هذه الأنظمة وحذّرت علنا من مغبة سقوطها الوشيك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مخاطر تصريحات ومواقف مرفوضة في الشأن السوري .. مهمة المعارضة السياسية الآن.. نقل السلطة فقط  .. نبيل شبيب

لا يوجد الآن تفويض لأي طرف أن يتكلم ويتعهد باسم الشعب في سورية تفويضا شرعيا قانونيا، إنّما يكون التفويض شرعيا وقانونيا بعد أن تتحرّر إرادة الشعب، وتستقرّ سيادته، ويختار بنفسه اختيارا حرا نزيها مرجعيته ودستوره، وينتخب تبعا لذلك سلطة تحكم وتتحدث باسمه، وآنذاك أيضا يكون التفويض مشروطا بشروطه، فلا يحق لأي حكومة منتخبة أن تتنازل مثلا عن الأرض التي يملكها الشعب، ولا أن تتبنّى في علاقاتها الخارجية مثلا آخر، سياسة تتناقض مع ما طرحته في برنامج انتخابي جرى انتخابها على أساسه.

لا يوجد أصلا تفويض مطلق، ناهيك أن يوجد حاليا مثل ذلك التفويض، أي أثناء ثورة شعبية انتزعت كلمة "الشعب يريد.." على لسان الشعب سيادة الشعب على صنع مستقبله، من براثن الاستبداد والطغيان. أما أن يتحدث أفراد أو أحزاب، أو أن يتلاقى أفراد وأحزاب على سياسات ومواقف وإجراءات تتعلّق -فقط- بإيجاد آليات من أجل نقل السلطة من الاستبداد الفاسد إلى الشعب، فهذا تفويض محدود زمنيا، مشروط موضوعيا، وكلّ تجاوز له لا يمكن أن يلزم الشعب الثائر، بل مصيره كمصير التجاوزات الاستبدادية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

يسري هذا اليوم على جميع الأطراف، مثلما يسري على المجلس الوطني الذي اكتسب أكثر من سواه مشروعية مثل هذا التفويض المحدود المشروط، من خلال تعبير الشعب الثائر عن تأييده له، بالوسائل الشعبية الممكنة في مسار الثورة، وهو يملك من خلال هذا التفويض -مثلا- أن يقرّر جماعيا، باسم الشعب، اتخاذ الخطوات الكفيلة بتشكيل هيئة دستورية تمثل إلى أقصى درجة ممكنة جميع فئات الشعب وأطيافه، فإذا وضعت صياغة دستورية، تبقى المرجعية للشعب أن يوافق أو يرفض، على أن يكون الاستفتاء نزيها حرا مضمون الآليات والرقابة وسلامة النتائج، ثم ينبثق عن ذلك الدستور جهاز السلطات، وآنذاك فقط يمكن لتلك السلطات أن تمارس سياسات داخلية وخارجية في حدود التفويض المقرر دستوريا.

إلى ذلك الحين.. لا يملك المجلس الوطني بجماعاته وأفراده وبمجموعه، أن يقرّر الآن على ألسنة بعضهم أو في وثائق مشتركة، أنّ سورية المستقبل ستنهج هذه السياسة أو تلك، في التعامل مع الغرب أو الشرق، أو مع هذه الدولة الإقليمية أو تلك، ومع هذا الحزب وتلك الجماعة.. ناهيك عن التعامل مع قضايا كبرى مصيرية كقضية فلسطين.

قد يصدر مثل هذه المواقف والتصريحات والبيانات نتيجة الافتقار إلى خبرة سياسية، ولكنّ هذا لا يسوّغها، ولا يعطيها مشروعية بحال من الأحوال، ولا يمكن أن تلزم الشعب في سورية المستقبل.. والخطأ السياسي بحق الثورة والشعب الثائر الآن، كبيرة من الكبائر.

وقد يصدر نتيجة حسابات وتنافس وتوافق بين أفراد وجماعات، ولكن وجود هؤلاء في جهاز مشترك مرتبط بمهمة يؤدّونها، ولا ينبغي أن تتحوّل هذه المهمة إلى ساحة تنافس وتوافق فيما بينهم، فمثل هذه الساحة ستوجد في سورية المستقبل.. ولا علاقة لها بمهمتهم اليوم: نقل السلطة.. فقط.

أمّا أن تصدر -وهذا الأخطر والأدعى إلى الرفض المطلق- نتيجة مساومات سياسية مع قوى إقليمية ودولية، تطالبهم بضمانات مستقبلية تتوافق مع سياسات تلك القوى ومصالحها، للحصول على دعم لها، فلا بدّ أن يكون واضحا أنّ الثورة الشعبية لم تفوّضهم بتسديد أي ثمن مستقبلي بذريعة حقن الدماء، لا سيما إذا كان هذا الثمن ينطوي على مخاطر تمسّ السيادة الشعبية التي انطلقت الثورة لتحريرها من قبضة الاستبداد الإجرامية، ولا يمكن أن يكون -من الثمن- انتقاص تلك السيادة لحساب قبضة قوى إقليمية أو دولية.

شعب سورية يدفع الثمن يوميا.. ولا يحتاج إلى من يزيد هذا الثمن خطورة، لا سيما عندما يمسّ المستقبل.. الذي يريده الشعب خاليا من أوضاع يُضطر فيها إلى دفع "ثمن باهظ" أيضا من التضحيات ومن الحقوق الأصيلة.

شعب سورية لا يطالب بحماية دولية وما يرتبط بها مقابل قيود على سيادته تحدّ من صناعة قراره بنفسه، على صعيد أوضاعه الداخلية وسياسات دولته الخارجية.

من الخطوط الحمراء التي ترسم كلّ تفويض للتصرف باسم الشعب في المرحلة الراهنة: وحدة الشعب الوطنية، ووحدة أرض الوطن الجغرافية.. وجميع ما يتصل بالكرامة والحرية والعدالة.

ومن الخطوط الحمراء أيضا القضايا المصيرية التي لم يتخلّ عنها شعب سورية ولم يساوم على أي جانب من جوانبها المشروعة، في أي وقت من الأوقات، وفي مقدمتها قضية فلسطين.

لا ينبغي أن يتجاوز أحد تلك الخطوط الحمراء.. جميعا.

إنّ من يكتسبون ثقة الشعب وتأييده لأداء مهمة بعينها، يمكن أن يخسروا تلك الثقة وذلك التأييد سريعا، إذا تجاوزوا ذلك لأداء مهمة أخرى، لم يفوّضهم بها، ولا يمكن اعتبارها "أمرا بدهيا" مشروعا.

صحيح أن الكلام المباشر والإشارة بالبنان إلى فلان أو فلان، وإلى هذه المجموعة أو ذلك الحزب، يمكن أن يثير خلافا ينبغي تجنبه، إذ لا تحتمل المرحلة الحساسة الخطيرة في الوقت الحاضر الدخول في جدل على مواقف مرفوضة جملة وتفصيلا، ومن شأنه أن يصدّع الصفوف، وأن يوجد مزيدا من الثغرات في مسار الجهود الحالية لأداء مهمة نقل السلطة، إنّما هذا بالذات ما ينبغي -بالمقابل- أن يدفع المسارعين إلى الإدلاء بمواقفهم هم، والتعبير عن سياساتهم هم، وتصويرها كما لو كانت مواقف سورية المستقبل وسياساتها، دون تفويض الشعب الذي يملك وحده حق تحديد صورة سورية المستقبل وسياساتها، عبر أجهزة سلطة منتخبة دستورية.. ينبغي أن يدفعهم إلى الامتناع عن التمادي في مثل تلك المواقف والسياسات الانفرادية، فمن شأنها أن تثير الخلاف والفتنة، وأن تضعف من موقع الذين يثيرونها بهذه الطريقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«سورية أوّلاً»... بعد فوات الأوان! .. خيرالله خيرالله

الرأي العام

6-12-2011

هل طرح شعار «سورية أوّلا» يقدّم أو يؤخّر هذه الأيام؟ جاء الطرح عن طريق أوساط تابعة للنظام، جاء متأخرا، بل متأخرا جدا. لم يعد يفيد النظام اللجوء إلى مثل هذا النوع من الشعارات الذي كان يمكن أن يعني الكثير في مرحلة معينة كان يتوجب فيها على النظام الاهتمام بالشأن الداخلي بدل متابعة عملية الهروب إلى الأمام المستمرة منذ ما يزيد على أربعة عقود.

على الرغم من ذلك، يبقى مثل هذا الطرح مفيدا نظرا إلى أنه يكشف مدى تدهور أوضاع النظام الذي لم يعد من مجال لإنقاذه إلاّ في مخيلة بعض المرضى من السياسيين اللبنانيين من طراز النائب المسيحي ميشال عون الاختصاصي في التحالف مع كلّ من يريد الشرّ والأذى للبنان واللبنانيين.

هؤلاء السياسيون، وهم في الواقع اشباه سياسيين، لا يدركون أن المسألة مسألة أسابيع أو اشهر ليس إلاّ قبل أن تعود سورية إلى السوريين... أوّلا!

كان مهمّا طرح شعار «سورية أوّلا»، عن طريق صحيفة تابعة للنظام تصدر في دمشق وليس في مكان آخر نظرا إلى أنه يعني الكثير في مرحلة ما ستعود سورية فيها إلى كنف العروبة الحضارية. انها سورية التي ستسعى إلى تجاوز مشاكلها الداخلية ومشاكل شعبها الابي الذي يعرف ما هي طبيعة النظام القائم منذ وصول «البعث» إلى السلطة في العام 1963 ثم انتقالها تدريجيا إلى حكم الطائفة، ثم حكم العائلة الواحدة ابتداء من العام 1970.

إن هذا الشعب الذي ينفّذ أمّ الثورات العربية، وربّما أشرف ثورة في التاريخ العربي القديم والحديث، إنّما يعرف معنى شعار «سورية أوّلا». إنه يعني قبل كلّ شيء التوقف عن التلطي بالشعارات من نوع «المقاومة» و«الممانعة»، وهي شعارات لم تعد سوى بالويلات على السوريين قبل غيرهم.

يعاني هذا الشعار في طبيعة الحال الاهتمام بالسوريين وبتنمية ثروات سورية بدل نهبها. ويعني أيضا وقف المتاجرة بقضايا العرب والتوقف عن لعب دور الجسر الإيراني البديل المستخدم في اختراق كلّ منطقة عربية، بما في ذلك دول الخليج التي عانت كلّها من مؤامرات إيرانية. كانت سورية منطلقا لهذه المؤامرات وذلك بغرض التمويه على العمليات التي تنفّذ انطلاقا من الأراضي الإيرانية وتستهدف هذا البلد العربي أو ذاك.

إضافة إلى ذلك، يعني اعتماد هذا الشعار التوقف عن المتاجرة أيضا باللبنانيين والفلسطينيين. إنها تجارة يمارسها نظام ليس قادرا لا على الحرب ولا على السلام. لا همّ للنظام سوى ممارسة لعبة الابتزاز بدل الانصراف إلى معالجة المشاكل الحقيقية التي يعني منها الوطن والمواطن والتي جعلت مليون عامل سوري، إذا لم يكن أكثر، يعملون في لبنان بدل أن يكون هناك مليون عامل لبناني أو أردني يعملون في سورية.

لو قُدّر للنظام السوري الاعتراف، قبل اندلاع الثورة، بأنّ شعار «سورية أوّلا» كان يمكن أن يشكل بالنسبة إليه طريق الخلاص بدل اعتماد سياسة إلغاء الآخر، لما كان وزير الخارجية السوري السيّد وليد المعلّم مضطرا للشكوى من تهريب السلاح إلى سورية. كذلك، لم يكن مضطرا للجوء إلى التزوير في محاولته إثبات أن هناك «إرهابيين» في سورية. فطوال ما يزيد على أربعة عقود، لم يكن لدى النظام السوري من همّ سوى تهريب السلاح إلى دول الجوار، خصوصا إلى لبنان. من أين كانت تأتي الأسلحة التي حصل عليها الفلسطينيون في لبنان؟ من أين مصدر أسلحة الميليشيات التي تصدّت في البداية للوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان. ألم تكن الأراضي السورية، مصدر معظم هذه الأسلحة حتى لا نقول كلّها، طوال سنوات وسنوات؟

لا حاجة إلى البحث عن الاسباب التي دعت النظام السوري في كلّ ساعة إلى التفكير في كيفية الاعتداء على جيرانه العرب وغير العرب. ألم يقاوم دائما فكرة ترسيم حدوده مع الأردن؟ ألم يدرج لواء الاسكندرون في خرائط الكتب المدرسية طوال عقود عدة... إلى أن جاء يوم اكتشف فيه أن عليه الاستسلام للشروط التركية، بما في ذلك التنازل نهائيا عن «اللواء السليب» نتيجة اكتشافه أن أكراد عبدالله اوجلان لم يعودوا ورقة بمقدار ما صاروا عبئا عليه؟

لا حاجة طبعا، إلى الحديث عن ضرورة ترسيم الحدود مع لبنان. كلّ ما يمكن قوله في هذا المجال ان الحدود بين البلدين كان يمكن أن تشكل منطقة تسمح بتعاون نموذجي في مجالات عدّة بين بلدين عربيين شقيقين. ما حصل بدل ذلك، ان مناطق الحدود تحولت معبرا لمسلّحين فلسطينيين وغير فلسطينيين تابعين للأجهزة السورية أقاموا قواعد في الأراضي اللبنانية وحوّلوها مقرّا لهم. هل من هدف لهذه القواعد سوى الإساءة إلى لبنان واللبنانيين والقضية الفلسطينية في طبيعة الحال؟

لو طُبّق شعار «سورية أوّلا» باكرا، لكان النظام أيقن أن دعم ميليشيا مذهبية اسمها «حزب الله» الإيراني بالسلاح وكلّ أنواع التسهيلات في لبنان لا يتفق في أي شكل مع ما يدعيه مسؤولون سوريون عن تجاوز سورية الانقسامات الطائفية والمذهبية. من يصدّر السلاح لدعم المذهبية، لا يعود للأسف الشديد في منأى عن أخطار المذهبية والسلاح معا!

لا يمكن لنظام أن يكون ضدّ «الإخوان المسلمين» في سورية ومعهم خارجها، كما الحال مع «حماس» التي تشكّل أفضل تعبير عن الانتهازية السياسية. لم تتورّع «حماس» وهي من «الإخوان» عن ممارسة هذه الانتهازية مع النظام السوري نفسه بعدما اكتشفت أنه هالك لا محالة...

أخيرا وليس آخرا، لو اعتمد النظام السوري شعار «سورية أوّلا»، لما كان مضطرا لأن يكون شريكا في اغتيال أفضل اللبنانيين وأكثرهم رقيّا. هؤلاء، على رأسهم رفيق الحريري ورفاقه، وصولا إلى بيار أمين الجميّل، مرورا بباسل فليحان، وسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، ووليد عيدو، وانطوان غانم، هم من العرب الشرفاء حقّا الذين كان همّهم الأوّل محصورا بمساعدة سورية على الانتماء إلى العالم المتحضر والمحافظة على عروبتها...

المؤسف أن إطلاق شعار «سورية أوّلا» جاء بعد فوات الأوان. لم تعد المسألة مسألة شعارات تطلق من هنا أو هناك، شعارات كان النظام السوري يستخدمها في الأمس القريب في «تخوين» الآخرين الرافضين لسياسته القائمة على الابتزاز ليس إلاّ من جهة، وتحويله البلد مجرد تابع للنظام الإيراني من جهة أخرى. ما هو مطروح حاليا: أي سورية بعد رحيل النظام؟ وهل يمكن حماية سورية مستقبلا من دون شعار «سورية أوّلا»؟ إنه شعار للمستقبل وليس لنظام ينتمي إلى الماضي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليس المطلوب توحيد المعارضة السورية وإنما توحيد الهدف  .. د. خلدون الأسود

2011-12-05

القدس العربي

أقال نظام حافظ الأسد وإبنه بشار الدولة السورية من وظائفها وفتح خاصرة المجتمع وبدأ به تفكيكا. وعندما لم يبق للقانون، المستقل عن المتقاضين، أية سلطة، أصبح الإستزلام لرجال السلطة، الذين بدورهم أصبحوا فوق القانون وخارجه أنجع وسيلة للحماية والنفوذ. الأمر الذي أدى لإضعاف ولاء الأفراد لمجتمعهم وبالتالي وطنهم. تحت هذا النظام تخلّت الدولة السورية عن حياديتها تجاه مواطنيها بالإضافة إلى تخليها عن دور الضامن لهذه المواطنة، وأصبحت الدولة أداة بيد النظام للنهب والقمع فقط. حرص النظام لضمان استمراره، الغير مبني أصلا على أي عقد اجتماعي أو شرعية شعبية، على تفكيك المجتمع إلى لبناته البدائية.

ولكي يأخذ دور الضامن للسلم الأهلي حرص النظام السوري على إعادة أحياء فروق طائفية كاد المجتمع السوري يتجاوزها قبل 49 عاما. أصبح وجود النظام السوري الحالي يتعارض مع وجود مجتمع موحد يحرص على أفراده ويلهمهم منظومة أخلاقية تنبع من ذواتهم وتقف بنفس الوقت خارجهم تنظم علاقاتهم بين بعضهم. وكلما أوغل النظام بإلغاء المجتمع السوري كوحدة تكاد تكون بيولوجية كلما ضعف انتماء الأفراد المجتمعي الأمر الذي إنعكس تحللا من الكثير من القيم التي تحافظ على حاضر ومستقبل المجتمعات، مثل قيم الصدق والتعاون والإيثار والعطاء إلخ من القيم التي تنبع من الوجود الاجتماعي للأفراد وتحكم بدورها علاقتهم مع المجتمع وبالتالي يرفعها الأفراد كقيم فوقية كثيرا ما ينسبونها لقوى ما وراء طبيعية. والأمثلة على الانحدار الأخلاقي المتسارع يعرفها كل السوريين ومن أحد مظاهرها الفساد الإداري المستشري المحمي من السلطة.

ليس أدل على عمق التناقض بين النظام السوري والمجتمع من أن بشار الأسد رئيس الجمهورية الذي يفترض أن يحرص على سلامة الكل بمن فيهم من حمل السلاح بوجهه، يعتبر المصالحة مع مجتمعه هزيمة ويفضل القتال حتى الموت ضد أفراد من هذا المجتمع على أن يلجأ لعملية مصالحة وطنية تستدعي اعترافا بالمجتمع وإعادة اعتبار له كمصدر للسلطة. وهو الذي لم يهدد بالقتال حتى الموت حتى من أجل السيادة الوطنية على الجولان السوري الذي تحتله 'إسرائيل' منذ 44 عاما. كان حافظ الأسد قد أضطر لممارسة القليل من السياسة في بداية حكمه، أما أبنه بشار فهو لا يعرف أية علاقة خارج استلاب محكوميه، الذين قرروا، ربما بدافع غريزة بقاء مجتمعية، في منتصف آذار/مارس 2011 أن بقاءهم كمجتمع يستدعي استعادة كرامتهم وحريتهم وبالتالي إعادة الاعتبار لوجودهم الاجتماعي.

أحد نتائج تفكيك المجتمع كان انقسام السوريين بعد انطلاقة الثورة الحالية إلى ثائرين وخائفين، وأقلية صغيرة مستفيدة وموالية، مما أدى إلى استمرار النظام السوري لمدة تسعة أشهر معتمدا ليس على ولاء مريديه بل على خوف السوريين من بعضهم البعض، الأمر الذي يعتبر أزمة وطنية يتوجب أن تدق لها نواقيس الخطر، خصوصا أن النظام السوري بعد أن خرج منتصرا بقوة القمع في عام 1982 أهمل معالجة تبعات أزمة الثمانينات ويدفع الآن باتجاه أزمة قد تعقد الوضع السوري بما لا يقاس.

ليس المهم 'توحيد' المعارضة في هذه المرحلة بقدر أهمية كسر حواجز الخوف التي تمنع بقية السوريين من الانخراط بالثورة المشتعلة في سورية بدون أيه إشارة إلى انحسارها بدون تحقيق أهدافها. على المعارضة أن تنشغل بتوفير مقومات إعادة الثقة مما سيعزز روح الانتماء إلى مجتمع تتناقض وحدته جذريا مع وجود النظام السوري الذي حرص على تقسيم الناس بين أزلام (جماعتنا) وحيادي إيجابي (صامت) ومعارض (ضد الوطن). العنف المرتكب من قبل النظام يوحد المجتمع، بينما عنف المعارضين سيؤدي لمزيد من زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع وبالتالي يمد بعمر هذا النظام. يدرك معظم السوريين هذه الحقيقة التي جعلت الكثيرين يحجمون عن المشاركة في الثورة بعد أن بدت بعض مظاهر العسكرة بالتزامن مع تصعيد عسكري وأمني ضد مجتمع لازال أعزل. خصوصا بعد أن إجتاحت قوات النظام مدينة درعا عسكريا وأمعنت بإذلال المواطنين لكي تدفعهم نحو قتال تجيد إدارته بامتياز وتضمن فيه تفوقها. حرص الثوار على إفشال مخطط النظام الدافع لعسكرة الثورة وكان هذا جليا من خلال الشعارات التي رفعتها الثورة في بدايتها (واحد واحد الشعب السوري واحد، الموت ولا المذلة، وخائن من قتل شعبه)، بينما تعكس الشعارات الحالية حالة، نأمل أن تكون مؤقتة، من فقدان الثقة على إنجاز ما طرحته الثورة على نفسها في بداية الثورة (الشعب يريد الحماية الدولية، والجيش السوري الحر يحميني)، لذلك تطالب الشعارات بتدخل دولي ليس مطروحا أصلا على أجندة الدول القادرة على التدخل العسكري، وحماية جوية غالبا ما ستكلف سورية دمارا كاملآ لدفاعاتها الجوية بدون أن تستطيع إنجاز حماية حقيقية، وممرات إنسانية قد تكون إعادة إحياء لمخطط تقسيم سورية طائفيا.

لا بد الآن من إعادة صياغة شعارات الثورة التي يجب أن تضع بناء الدولة المدنية اليمقراطية مرة ثانية على مقدمه شعاراتها. تكمن أهمية شعار بناء الدولة المدنية الديمقراطية من أنه يضمن للخائفين مستقبلهم وللثائرين إنتصارا حقيقيا لثورتهم.

' طبيب ومسؤول هيئة التنيق الوطنية في الولايات المتحدة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أجنحة المعارضة السورية... ماذا يجمع بينها وماذا يفرق؟  .. الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

بعد مدينة استانبول، بدأ معارضون سوريون يتوافدون إلى القاهرة تلبية لطلب الأمين العام للجامعة العربية "نبيل العربي" من هؤلاء المعارضين التوافد إليها لاختيار قيادة لهم للمشاركة في اجتراح حل لأزمتهم مع النظام السوري. كما هو معلوم، ومع أن المطلوب هو نفسه عند معارضة الداخل السوري وعند معارضة الخارج، وهو رحيل النظام الذي جثم على سورية قرابة نصف قرن، إلا أنهما يختلفان في مقاربة الحل للقضية السورية. وخلافا لما يعلنه قادة معارضة الداخل، تصر معارضة الخارج على أنه ليس هناك من حل إلا رحيل هذا النظام، وفورا، وذلك تساوقا مع مطلب الشارع السوري المتظاهر الذي يتفنن في أهازيجه بما يريد، وليس أقل من رحيل النظام أو إعدام الرئيس إن لم يرحل.

أولا: لا نعتقد أن هناك خلافا عميقا بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق فيما يتعلق في الهدف الرئيس لكل منهما، فكلا الطرفين يريد من النظام الحاكم أن يرحل، وإن كانت "هيئة التنسيق" تغلف هذه الرغبة بما تسميه "تخلي النظام عن الحل الأمني"، والكل يعرف أن النظام سوف يصبح خارج الحكم في اليوم التالي لتخليه عن الحل الأمني. هيئة التنسيق التي يعيش معظم أعضائها داخل سورية لا تستطيع أن تصرح برحيل النظام، وإلا فعلى من يصرح بذلك أن يغادر القطر كي لا يعتقل. هذه المشكلة غير موجودة عند المجلس الوطني، إذ أن أعضاءه يعيشون خارج القطر، ومن هم موجودون داخل سورية، لا تعرف السلطة أسماءهم. هذا الفرق دعا تنسيقيات الداخل الثورية إلى تأييد المجلس الوطني عندما رفعت لافتات مكتوبا عليها "المجلس الوطني يمثلني". ( في كل قرية وفي كل حي لجنة تنسيق خاصة).

ثانيا: ليس صحيحا على إطلاقه، وإن كان لا يخلو من بعض الصحة، ما يقال من أن الأمانة العامة للمجلس الوطني ترفض انضمام هيئة التنسيق ومعارضين آخرين إلى المجلس الوطني . فعلى الأقل، إن جماعة الإخوان المسلمين، وهي مكون أساسي في المجلس الوطني، سعت دائما، خصوصا في عهد مراقبها العام السابق "علي صدر الدين البيانوني" للعمل على تجميع المعارضين للنظام السوري في جبهة واحدة منذ أن أعلنت عن "ميثاق الشرف" في أيار عام 2001. رفْض الأمانة العامة للمجلس الوطني الذي أشرنا إليه، ألمح إليه المعارض السوري البارز "منذر خدام" رئيس ما سمي في حينه مؤتمر مثقفي "سمير أميس" الذي عقد قبل أشهر، وذلك في مقال نشرته النهار اللبنانية تحت عنوان "ماذا يجري في القاهرة بين المعارضتين السوريتين؟". فإذا لم يكن ما زعمه "خدام" صحيحا كلُّه، فليس هناك "دخان من دون نار".

لو عدنا للوراء قليلا عندما سارعت مجموعة شبابية في المنفى إلى تأسيس المجلس الوطني الأول في استانبول في15 أيلول الماضي، وكان مجموع عدد أعضائه في حدود70 عضوا. انتظر هؤلاء المؤسسون "تنسيقيات" الثوار بالداخل أن تبادر إلى رفع لافتات أثناء التظاهرات تعلن تأييدها للمجلس الوطني. لكن ذلك لم يحصل، لأن الأسماء المعلن عنها لم يكن فيها إلا القليل ممن هم معروفون بتاريخهم المعارض للنظام السوري، خصوصا والإخوان المسلمون ،الفصيل المعارض الأبرز للنظام السوري خارج سورية، لم يكونوا قد شاركوا بعد بالمجلس الجديد، رغم أن قلة ممن شملتهم قائمة تشكيل المجلس كان من خلفية إخوانية، لكنهم كانوا قد تركوا الإخوان. ما جعل أعضاء بالمجلس الوطني الأول يتصلون بقيادة الإخوان المسلمين، الذين اشترطوا إعادة تشكيل المجلس من جديد على أسس غير تلك التي تم تشكيل مجلس 15 أيلول عليها، شرط أن يحتوي المجلس المزمع إنشاؤه مختلف أطياف المعارضة.

بدون الدخول في التفاصيل، تمت إضافة بعض أطياف من معارضة الخارج وليس كلها. إذ ما يزال العديد من الشخصيات المعارضة الهامة الإسلامية والليبرالية واليسارية خارج إطار المجلس الوطني بسبب حرص المجموعة الشبابية على عدم إشراك تلك الشخصيات كي يبقى لهم الحصة الكبيرة في المجلس. وقد قدم الإخوان المسلمون تنازلات هامة، ورضوا بحصة لا تكافئ حجمهم في معارضة الخارج، في سبيل الوصول إلى مجلس وطني عريض يكون واجهة للمعارضة. وهي تضحية تحسب للإخوان المسلمين السوريين. استطرادا نحن نزعم أنه لو لم يرد اسم الإخوان المسلمين في التشكيل الذي أعلن عن مكونات المجلس الوطني ما رأينا ذلك الكم الكبير من اللافتات ترفع في جمعة:"المجلس الوطني يمثلني"، وذلك لم يحصل عندما أعلن عن تشكيل مجلس 15 أيلول في استانبول.

لكن إذا كان يحسب للإخوان المسلمين تنازلهم عن جزء من حصتهم للآخرين للوصول إلى مجلس وطني موحد، فإن جناحاً نافذا في قيادة الإخوان المسلمين قام بإقصاء رموز هامة في الإخوان المسلمين عن عضوية المجلس الوطني. كما احتكرت القيادة لنفسها عضوية الأمانة العامة وعضوية المكتب التنفيذي. وقد نأى المراقب العام للإخوان "رياض الشقفة" بنفسه عن المشاركة في عضوية المجلس الوطني تاركا ذلك للحريصين عليها.

ثالثا: نعتقد أن نجاح مكونات المجلس الوطني في الوصول إلى صيغة عددية للمجلس جعلت طرفا معينا نال حصة الأسد، حريصا على عدم إضافة أعضاء جدد إلى مكونات المجلس من هيئة التنسيق أومن خارجها حتى لا يختل تفوق حصة ذلك الطرف في المجلس. هذا الرفض لا علاقة له بكون هيئة التنسيق متهمة بأنها على علاقة مع النظام الحاكم في سورية. نحن هنا قد لا ننفي وجود أعضاء في معارضة الداخل لهم خيوط اتصال مع أطراف في النظام، لكن أولئك قلة. غير أن أكثرية المعارضين في الداخل من الذين أدمنوا الدخول إلى معتقلات النظام، نالهم من الأذى ما الله به عليم، وسرحوا من وظائفهم، ومنعوا الخروج من سورية، حتى للاستشفاء.

إذا كان الطرف الذي يرفض دخول آخرين من معارضة الداخل إلى المجلس الوطني بحجة علاقة مزعومة للمرفوضين بالنظام، فما حجة هؤلاء وهم يرفضون التحاق شخصيات هامة وطنية وإسلامية وكتاب معارضين بالمجلس الوطني؟ يبقى أننا نرفض اللغة التخوينية التي درج عليها البعض، لسبب أو لآخر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: كيف نسقط النظام ونمنع الحرب الأهلية  .. د . سمير التقي

2011-12-04

القدس العربي

سيسقط بشار الأسد لا محالة.. تراث من الغطرسة الاجرامية وركام عريق من العنجهية يخنقه، ويحكم على نظامه بالفناء. وليس ثمة ما يشير إلى انه تعلم او سيتعلم، بل إنه لن يتعلم. نظام الأسد، الذي اختار منطق ادارة البلاد بالأزمات وجد في القضية الوطنية أزمة عليه ان يتقن ادارتها لمداورة خواء الشرعية. لكن الشعب تعلم بسرعة ان ادارة الأزمة في الصراع العربي الاسرائيلي لم تحرر الأرض بل تعلم الشعب ان الوقفة ضد قوى الطغيان الاستعماري والهيمنة الاسرائيلية لا تكون الا بالحرية، فالطريق الوحيد إلى الجولان هو بالديمقراطية وليس بالاستبداد. ما بدا في البداية اخطاءً، سرعان ما فرخ امراضاً استشرت لتصبح جرائم أغرقت البلاد. ثم جاء الأنكى، ألا وهو ترف التوريث للنظام البائس الذي اسكره غرور التسطح وعمى التاريخ. تصلب شامل دب في اوصال عقل وبنية النظام، لخصته كلمة جوفاء 'منحبك'. لذلك سيكون بشار نهاية سوداء لحكم مستبد غرق في امراضه فتشرنق حتى الاختناق في منطق التعسف الذي افرزه كخيوط العنكبوت.

لقد ادمن هذا النظام سفك دماء السوريين حتى التسمم. ومنذ طلائع الربيع العربي الذي اطلقه ابطال ربيع دمشق أولاً عام 2000 لم يفهم بشار لغة الزمان، ولا لمس نبض المجتمع، ولا رأى عواصف التغيير وقد بدأت تتبرعم على يد هؤلاء الابطال. لم تستطع تقارير الأمن ان تكشف لبشار، كيف كان شباب الاحياء يشحذون ثورتهم، ثقافة وتضامناً وقيماً اسس لها مثقفو وفنانو بيان ال99.

اختزن الشعب السوري طويلاً هذا الحراك، انضجه وأطلقه في سياق تاريخي ملفت. ومع انطلاق الثورة، لم يفلح حتى حوار بشار مع نفسه في لجان التحقيق او لجان الحوار، وترسانة القوانين والمبادرات والمؤسسات التي اطلقها وانبتها من كنف جلده، سرعان ما لفظها بعدما كان يلوكها لحظة فقدت حلاوتها.

بشار عاجز عن المصالحة. لن يتمكن من مصالحة زقاق من ازقة جبلة، فكيف له بحمص او حماة أو الصنمين او درعا أو دمشق. الألم عميق عميق. لا لن تغطى السماوات بقبوات القصر الرئاسي. القوى الاجرامية التي عاثت في المجتمع نهباً وابتزازاً واضطهاداً على مدى اربعة عقود هي ذاتها التي افلتها بشار على الشعب الأعزل ذبحاً وقتلاً وتعذيباً. أصبح بشار، واكثر من أي وقت مضى، مديناً بكل ثانية من حياته لهذه القوى الشيطانية. كيف له ان يُصلح؟ وكيف له ان يصالح؟ ومن يصالح؟ فليس الدم وحده ما يفرق بيننا وبين طغمته بل الكرامة والبصيرة والأمل أيضاً. وبعد، فمثل نيرون، لم يغب عن ذكاء لبشار، الشك في ولاء المؤسسات التي صنعها النظام ذاته. فلجأ بعبثية شيطانية لإشعال نار الرهاب الطائفي في طول البلاد وعرضها، ليضع اقرب الناس اليه رهينة الذعر والجنون الطائفي أملاً في ان تحترق روما قبل قصره. فإما ان تقتل او تقتَل ولتحترق كل بيادر الحقل. في خضم هذه المتغيرات تقف الثورة السورية على منعطف حاسم سيتوقف عليه شكل انتصارها وثمنه. انه توازن ضعف بين قديم يموت وجديد قيد الولادة. نعم لقد وهُنَ المجتمع بكل جنباته على مدى اربعين عاماً. فلم يكن هذا النظام الضعيف بقادر على حكم المجتمع الا بإضعافه. فكك الاستبداد نسيج المجتمع وبعثره وافرغ قدراته من كل قوة بحيث اصبح الحل الفردي هو الغالب، فإما ان تنهار او تهاجر او تبقى تحت الابتزاز المذل. لم يبق لدينا زعيم في حارة او في صف مدرسة ابتدائية. فلا عجب ان لا تتمكن قوى المجتمع ان تتلمس اطرافها ومن العادي ان تنضج قوى المعارضة ببطء. الوقت الآن ليس من ذهب بل من دم ومن مصائر للشعب والوطن.

المجلس الوطني الذي شكل املاً كلف الشعب تضحيات ودماءً ليُنضج ولادته، لا يزال يحتاج للكثير ليستجيب للمهمات الكبيرة التي تواجهه. لكن، ثمة تحد تاريخي امام هذا المجلس الذي شكل خطوة كبرى على طريق بلورة القوى الأصيلة للمجتمع. إذ لا يزال بحاجة لفتح ابوابه أكثر فأكثر ليتحول إلى قبة على غرار حزب المؤتمر الهندي ليكون قادراً على أن يجمع تحتها الطيف الواسع ليس للمعارضة فحسب، بل ليكون اطاراً للوحدة الوطنية الحقيقة التي سنؤسس لها في سورية الجديدة. ولنكن واضحين، ينبغي للمجلس الوطني من الآن ان يقولها بجرأة معنوية لا لبس فيها: إن مهمة طمأنة وضمان والحماية الفعلية لكل الأقليات وصون حقوقها هي مهمة الأكثرية أولاً واخيراً. وذلك بدءا بالأقليات الأضعف وصولاً إلى الأكراد والعلويين. هذا هو الوطن الذي نريد ولا نريد سواه وبدون ذلك لا يمكن ان تغلق حلقة الوحدة الوطنية على رقبة بشار. الثورة هي ثورة الشعب كل الشعب وإلا فماذا؟ وبالمقابل فان مهمة كافة اطياف الشعب السوري ان تظهر انها تتقاسم مع الثورة الأتراح والآلام والآمال في سورية موحدة دمقراطية وحرة. يجب قطع الطريق على النظام من أخذ الأقليات رهينة فإما أنا او الطوفان. وتلك مسؤولية الجميع. سورية التي نطمح هي سورية الغنية بتنوعها وهي التي يكون فيها الانتماء للوطن هو اعلى الانتماء الأعلى والأسمى لتندمج سورية في هوية واحدة هي الهوية الوطنية. سورية التي يضحي في سبيلها شبابنا اليوم هي ثورة المواطنة فوق كل اشكال التمييز والتفرقة والمحسوبية والفساد والعصبيات وهي فوق منطق الأكثرية والأقلية، وفوق منطق كل الانتماءات لغير سورية الوطن الحر الديمقراطي حيث يتساوى المواطنون في الحقوق الواجبات. من هذه الروح بالذات وفي الاحياء الشعبية، والقرى يبذل وجهاء الاحياء والعائلات من ابناء شعبنا كل جهد لدرء حماقة الانزلاق نحو حل نيرون. يتحملون المخاطر واللوم والتخوين من اجل قطع الطريق على جنون النظام.

اولئك هم ابطال كما هم الابطال في التظاهرات السلمية. وتلك هي سورية التي تستحق كل هذه التضحيات. وبالمقابل ينبغي العمل على ان يتم تلافي الضعف الجوهري في دور المجلس الوطني الذي لا يزال يحتاج ليشغل مكانته ومسؤولياته ويقوم بكامل ادواره، ولينتج برنامجه الوطني لسورية الجديدة وخارطة الطريق الراهنة للثورة.وثمة تحد تنظيمي ايضاً في مواجهة المنظومة الأوامرية المحكمة للنظام، تتمثل في ضرورة شحذ وتطوير أدوات الادارة السياسية والتنسيق بين مختلف اطراف الثورة لرأب الكبير في سلسلة الادارة والسيطرة فيها. إذ يجب رأب نقاط الضعف في التواصل بين المجلس والقوى القاعدية للتنسيقيات التي تشكل روح الثورة وقوتها الفعلية ومصدر شرعية أي قرار فيها. انها هي التي ستحدد مصير الثورة ومآلاتها. الانقطاع هنا في الاتجاهين: في مستوى تمثيل المجلس الوطني للثورة وللتنسيقيات على الأرض وفي دقة قراءة المجلس للواقع كما تلمسه وتقوده هذه التنسيقيات من جهة، وانقطاع آخر في الزعامة والقيادة السياسية للمجلس في ادارة الثورة من خلال خارطة طريق وسيناريوهات يفهمها ويؤمن بها ويستميت في تطبيقها ثوار الداخل. القيادة تعني اولاً واخيراً الرؤية والتنظيم، تلك تجربة كل الثورات، وسيكلفنا اعادة اختراع الثورة من جديد ليس فقط الكثير من الدماء بل قد يكلفنا الكثير من مصير الوطن. إنني لا أتصور المجلس الوطني مجرد ممثل للمعارضة في الخارج بل ينبغي ان يكرس دوره اولاً كقيادة للثورة في الداخل ولقد ثبتت قواها الأساسية دعمها لهذا المجلس بكل وضوح.ولايزال الكثير مما يجب عمله من اجل تعزيز العلاقة بين المجلس الوطني والقيادة السياسية للقوى المدافعة عن المدنيين، ألا وهي الجيش السوري الحر المجيد. وثمة، وثمة، وثمة... لكن الثورة ستنتصر، فالولادة بدأت ولا رجعة فيها والسؤال بأي ثمن؟ ولأن بشار لم يعد يملك الا عصبية الطوائف والمماليك، ها هو يحاول في طيش اقحام دول الجوار ليجندها في اتون مجابهة طائفية اقليمية.

ثمة سيناريوهين اثنين للسقوط المدوي لهذا النظام:

السيناريو الأول: يفترض اساساً ان تبذل كل الجهود من اجل اكتمال حلقة الثورة حول عنق النظام من خلال عزله وتضييق حلقة حلفائه إلى اقصى حد ممكن وتوسيع الفئة الرمادية على حسابه مقابل توسيع دائرة حلفاء الثورة إلى اقصى حد ممكن. السيناريو الأول يفترض ان تنضج الثورة اشتعالاً عبر التظاهر والعصيان المدني وهذا أمر مما لاشك انه سيستمر. يفترض أن يكتمل تداعي سيطرة النظام على البلاد: فثمة جزء يتزايد من اراضي الوطن ليس فيها سلطة لبشار الا ان تواجدت المدرعات. والمدرعات لا تستطيع البقاء فالأرض ما عادت ارضاً صديقة. في هذه المناطق تغيب السلطة الا من المخبرين، لكن السلطة بما هي الدولة غير موجودة لا في المدرسة ولا في الحي فكيف في مصلحة الضرائب او في سيرياتل رامي مخلوف. وهو امر سيستمر ايضاً. ويفترض هذا السيناريو، ان تتكامل عملية حماية المدنيين من قبل ابطال جيشنا الحر بشكل متصاعد في القريب العاجل ليكتمل شلل قوات النظام. فالسلمية المطلقة للثورة، اتاحت لبشار ترف ان لا يتورط في تحريك قطعات الجيش التي لا يثق بها. وكانت فرق الموت التي اشعل سعارها بشار بالمخاوف الطائفية، كافية لإرواء عطش النظام للدماء وقمع الحراك في ادنى مستوياته دونما حاجة لتحريك الجيش. وعملية حماية المدنيين في تصاعد. ويفترض ان تتداعى قدرة النظام في السيطرة والادارة وتتصاعد ملامح عدم الثقة في ادارته ومنظومة اوامره حيث يعطل التكاسل والسلبية الكثير من فعاليته ومهماته، ومنذ الآن، لم تعد قدرته هي ذاتها حتى في حشد الشبيحة. ويتكامل هذا الوضع مع نضج الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالنظام والتي هي اولاً واخيراً نتاج نهبه قبل ان تكون نتاجاً للعقوبات. وهذا يتطلب تطوير كل اساليب التضامن الاجتماعي بين المواطنين وتطوير اساليب العصيان المدني في كل طول البلاد وعرضها حتى يسقط النظام جائعاً مفلساً. يفترض أيضاً، تصاعد الدعم الدولي لقضية حرية شعبنا ودعم قدرته في الدفاع عن نفسه والمزيد من عزل النظام والتضييق الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي الدولي عليه. لو تكاملت هذه العوامل واغلقت الحلقة الوطنية على النظام، فمن المفترض ان تبداً في الظهور التشققات بما يسمح بحماية كل الفئات والطوائف. العامل الدولي وقضية توحيد القوى الوطنية وقضية توسيع هوامش تحالفات الثورة هي جميعاً عوامل حاسمة في بناء هذا السيناريو.

السيناريو الثاني: يفترض احتمال ان لا تتكامل حلقة خنق النظام، عندها سيسير بنا الزمان نحو المزيد من العنف المتبادل، والمزيد من تصاعد العصبيات والتشنج الطائفي، الأمر الذي يهدد ليس فقط بنشوء حرب اهلية بل ويهدد بتحول البلاد إلى ساحة لصراع طائفي واقليمي مقيت، هدد به بشار الأسد في مقابلته مع الصانداي تايمز. وهذا ما تبقى لبشار من مخارج. فكيف نمنع ذلك؟ ينبغي ان يكون واضحاً أن لا رجعة للوراء. ولتدارك هذا السيناريو المقيت ينبغي على كافة الفئات المترددة في مجتمعنا حتى الأن، ادراك ان درء مخاطر السيناريو الثاني تكون بمنع الحريق من ان يطالهم سيكون بالانخراط ونصرة قضية الحرية والعدالة في مجتمعنا والمشاركة في عملية تعافي الأمة وتعافي الوطن من وزر اكثر من اربعين عاما من الاستبداد. ولتدارك هذا السيناريو لا بد من تضافر كل الجهود العربية والاقليمية والدولية لاستكمال قطع الطريق على محاولة تدويل الصراع وحماية الثورة والمدنيين. بفضل الروح الوطنية العالية للشعب والجيش السوري، كانت سورية على مدى العقود الماضية لاعباً استراتيجياً اساسياً في المنطقة. ازدراء النظام لمصالح الشعب وغطرسة السلطة في معالجة الأزمة بل وعمله المقصود في ان يشرع ابواب البلاد للقوى الدولية المناصرة له، يهدد سورية الوطن والدولة بأن تصير ساحة للعب الآخرين. فواه، الف واه يا لذكرى وروح يوسف العظمة الذي اسس لسورية البطولة والحرية والاستقلال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد إذ يفضح حقيقة المجموعات الإرهابية المسلحة!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

5-12-2011

في لقاء له مع عشرات من الطلبة الجامعيين، قال الرئيس السوري بشار الأسد كلاما كثيرا يستحق التوقف حول العرب وتركيا والموقف الأمريكي والغربي ومستقبل الأوضاع في سوريا، لكن أهم ما ورد في اللقاء هو توصيفه لحقيقة المجموعات المسلحة التي “تروع” برأيه المواطنين السوريين، وهي ثلاث مجموعات (الإخوان المسلمون، الوهابيون التكفيريون، والمجرمون المحكومون بأحكام عالية كالإعدام والمؤبد).

يستحق هذا التوصيف رغم عبثيته بعض التوقف، لاسيما أن خطاب الرئيس لا يكاد يعترف بوجود مشكلة في سوريا تتعلق بشعب يريد الحرية ويسعى إلى التخلص من نظام قمعي دموي، فيما الفساد برأيه أمر عادي وطبيعي تجري مكافحته (لم نسمع أن السيد رامي مخلوف ابن خال الرئيس قد أودع السجن وجمدت أرصدته!!).

على من يبيع الأسد هذا الكلام، هل يتحدث حقا عن سوريا أم عن بلد آخر؟! وهل كان الشبان الذين كانوا يجلسون قبالته مقتنعين حقا بأن هذا الدولة الأمنية التي تتميز بأن عدد المخبرين فيها قياسا بعدد السكان هو الأعلى في العالم تتوفر فيها كل هذه المجموعات “الإرهابية”، هكذا فجأة ومن دون مقدمات بعد زمن طويل من الاستقرار الأمني؟!

الإخوان المسلمون كما يعلم الجميع تنظيم محظور منذ عقود، وتنص المادة 49 على الحكم بالإعدام على أي شخص ينتمي إليه، فهل هبط هؤلاء الأعضاء الذين “يروعون الناس” من السماء خلال الشهور الثمانية الماضية، أم تسللوا عبر الحدود؟ وكيف عجز النظام الأمني السوري عن ملاحقتهم وتتبعهم، أم لعلهم كانوا خلايا نائمة تنتظر الأوامر؟!

القسم الثاني لا يختلف عن الأول، إذ يعلم الجميع أن أي نشاط ديني في سوريا كان يخضع للمراقبة، فضلا عن أن يكون لسلفيين تكفيريين، أو جهاديين، ونعلم أيضا أن هذا التيار قد سُمح له ببعض النشاط على نحو محدود في إسناد القاعدة في العراق من أجل إفشال المشروع الأمريكي في العراق (دعم النظام للمقاومة العراقية كان من حسناته من دون شك).

لكن هذه المجموعات ما لبثت أن استهدفت بشكل مباشر بعد نهاية تلك المرحلة، وبالطبع بعد أن استقر الوضع للحكومة التابعة لإيران، وفي السجون عدد لا بأس به من عناصر تلك المجموعات، فيما قتل عدد آخر بطرق شتى، وطوال الأعوام الثلاثة الماضية لم يعد أحد يسمع بهم، لكنهم ما لبثوا أن خرجوا إلى التداول بعد الانتفاضة الشعبية، وبالطبع من أجل ترويج حكاية المندسين والسلفيين والإرهابيين لتبرير القمع الدموي ضد الجماهير السورية.

الأسوأ من ذلك كله هو حديث الرئيس عن المجرمين المحكومين بالإعدام والمؤبد، ولا نعرف كيف يتجول هؤلاء أحرارا في الشوارع السورية، وكيف حكموا ثم هربوا من السجون وتحولوا إلى ثوار ضد النظام، ومن أين حصلوا على الأسلحة، وهل تعجز الأجهزة الأمنية التي اعتقلت عشرات الآلاف عن اعتقالهم؟!

كيف يعتقد الأسد أن هذا اللون من الخطاب يمكن أن يمر على السوريين، فضلا عن العرب والرأي العام الدولي، لاسيما أن الصحفيين الأجانب الذين دخلوا سرا وكتبوا لم يتحدثوا عن أي من الألوان المشار إليها، مع أن ذلك يُعد سبقا صحفيا، بقدر ما تحدثوا عن منشقين عن الجيش وشبان عاديين انتصروا لثورة شعبهم بالطريقة التي رأوها مناسبة، مع أن تطور الأوضاع نحو انخراط آخرين في العمل المسلح لم يكن إلا ردا على استمرار عمليات القتل والتعذيب.

في ذات السياق لم ينس الأسد أن يستخف بقصة الانشقاق في الجيش، لأن المنشقين برأيه لا يتجاوزون العشرات، وهؤلاء لا قيمة لهم على الإطلاق، وبالطبع في معرض التأكيد على روايته لطبيعة المنخرطين في العمل المسلح و”ترويع المواطنين السوريين”. هل تذكرون الفيلم المحروق لوليد المعلم حين استشهد على دموية الإرهابيين بمشاهد لجرائم وقعت في لبنان؟!.

ما تجاهله بشار الأسد هو تلك الجحافل من البشر الذين ينزلون إلى الشوارع يوميا مطالبين باسقاطه، بل باعدامه. هؤلاء جميعا لا قيمة لهم، ربما لأنه يرى أن بوسعه تجييش عدد كبير في ساحة العباسيين، مع علمه أنه لو سمح للناس بالتظاهر ضده في ذات الساحة دون قتل أو موت لافترشها الملايين من الشبان.

لو كان الحوار جديا مع الشبان المنتقين بعناية، لوقف أحدهم ليسأل عما إذا كان الآلاف الأربعة الذين قتلوا خلال الشهور الماضية ينتمون إلى المجموعات الثلاث المشار إليها، لاسيما أن من بينهم أطفال (حوالي 300) ونساء، وهل ينطبق ذلك على عشرات الآلاف من المعتقلين؟!

الأسد يهرب من الحقيقة المرة الماثلة أمام عينيه، والتي تقول بالفم الملآن: لقد آن لك أن ترحل، فهذا الشعب يريد الحرية ولا شيء غير الحرية، وهو ليس عميلا لأمريكا والغرب ولا تركيا، اللهم إلا إذا كانت الجماهير العربية التي انتفضت من قبله عميلة أيضا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كفرنبل الابتسامة والغصّة  .. بقلم رامي الأمين

الأحد 04 كانون الأول 2011

النهار

لم أزر سوريا البتة في حياتي. لم يحصل أن ذهبت برّاً الى خارج الأراضي اللبنانية، والسبب الأساس جهلي بسوريا، وعلمي اليقين بالنظام السوري. النتيجة أنني لا أزال أجهل سوريا حتى الآن، مع أن معلومات كثيرة بدأت تنساب داخل مخيلتي لترسم صوراً متقطعة عما ستكون عليه سوريا التي أبحث عن التعرف إليها. حتى تلك المناطق التي ترسخت في ذاكرتي، كالشام القديمة التي حدّثتني عنها أمي، وحمص التي لطالما سمعتُ النكات عن ابنائها، ودمشق التي شممت عبق ياسمينها في قصائد نزار قباني ومحمد الماغوط، ظلت بعيدة عن التحقق في الواقع، كأنها كما القصائد، لا تعدو كونها حبراً على ورق. ثم إن هذه المناطق كلها، كانت تتهمش غصباً عن تفكيري، عندما يحضر الحديث عن سجن المزة مثلاً أو مجزرة حماة، أو عنجر في البقاع، أو البوريفاج في بيروت. كانت تتقدم صور التعذيب والتنكيل والإهانات والاحتلال والقمع والقهر والعذابات والآلام والكوابيس والعسكر والسلاح والاستخبارات والجواسيس والكلاب، كلها تتقدم في الذاكرة لتحيل سوريا الخيال على أسفل درك في الدماغ، وتحمل إلى السطح كل ما سلف من كلمات وصفات لا تحتمل الإعادة لثقلها ووقعها المخيف في الأذن وعلى اللسان. بعد اندلاع الثورة السورية سمعتُ بدرعا. ثم طبعاً، بدأت حماة تخرج من قلب الرماد، وإدلب وريف دمشق، وحمص التي راحت تبكينا بدل أن تضحكنا، ودير الزور... وأخيراً كفرنبل. بدا الإسم للوهلة الأولى غريباً جداً، فلم يبد لي مألوفاً، ولا ذا إيقاع سوري، بل أقرب إلى أسماء القرى اللبنانية، ثم تذكرت "وحدة المسار والمصير"، ومع ذلك لم يبطل العجب. فكفرنبل راحت تفاجئني يوماً بعد يوم. أو بالأحرى أسبوعاً بعد أسبوع. مع كل نهار جمعة، تخرج كفرنبل لترسم لي ابتسامة على وجهي، وتضع في صدري غصة يصعب تجاوزها. هذه القرية الصغيرة، التابعة لمنطقة معرة النعمان في محافظة إدلب، كما قرأتُ على الإنترنت، استطاعت أن ترسل إلى العالم بأسره رسائل تجمع ما بين الطرافة والقسوة. نوع من الكوميديا السوداء يستخدمها ابناء هذه المنطقة، ليقولوا لنا إن شرّ البلية ما يضحك، كأن تطالب كفرنبل مثلاً بزيادة عدد الدبابات فيها للتخفيف عن حمص المنكوبة. أو أن تدعو اللهَ لافتةٌ مرفوعة في تظاهرة كفرنبلية إلى فك عقدة لسان الجامعة العربية الخرساء، أو أن تتوجه لافتة أخرى إلى المعارضة السورية بأغنية سميرة توفيق الشهيرة: "وصّلتينا لنص البير وقطعتي الحبلة فينا...". من هذا العيار تطلق كفرنبل صرخاتها من قلب سوريا إلى العالم كله، وغالباً بشكل صامت، لا يتعدى كتابة عبارة ذكية على قماشة بيضاء، ورفعها في تظاهرة أو تجمّع، لتلتقطها الكاميرات وترسلها عبر مواقع الإنترنت إلى العالم بأسره. كفرنبل في لغتها الثورية، الساخرة والمحنّكة، لا توفر أحداً، وتصيب مقتلاً من هدفها، فتتوجه إحدى اللافتات مثلاً إلى وزير الخارجية السوري وليد المعلم: "اضبط كرشك أولاً ثم اضبط أمن سوريا..."، أو أن تطلب أخرى من رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان على طريقة هيفاء وهبي: "رجب... حوش صاحبك عنا!". هذا ليس كل شيء. لأن كفرنبل رفعت لافتة تضع كل شيء على المحك، وتطالب بسقوط "كل شيء". هكذا، تعلن بكثير من الصدق والمباشرة أن الثورة السورية ليست موجهة فقط ضد النظام السوري، بل هي ثورة شاملة لتغيير كل شيء بلا استثناء. اللافتة تقول: "يسقط النظام والمعارضة... تسقط الأمة العربية والإسلامية... يسقط مجلس الأمن... يسقط العالم... يسقط كل شيء...". هل من فلسفة تفكيكية وتحطيمية أكثر من هذه العبارة، التي تختصر مفهوم ثورة الشعب السوري، التي لا تريد التغيير لمجرد التبديل، بل تبحث عن اجتثاث كل الكلاسيكيات بما في ذلك أدوات الثورة ومعارضوها وداعموها؟ كفرنبل صوّبت كثيراً على الجامعة العربية المتلكئة عن اتخاذ مواقف حاسمة من النظام السوري، فأخذت عليها أنها لا تستطيع حماية سفرائها، فكيف لها أن تحمي شعباً كاملاً من بطش نظامه، ووصلت ذروة الانتقاد للجامعة حينما شبّهتها لافتة بأنها "مثل الخيارة...". كفرنبل هي النبض الساخر للثورة، بالإذن من حمص وباقي المناطق الثائرة. هي استطاعت أن تصيب مقتلاً من جدية النظام وصرامته. جعلته محل سخرية تحطّم جبروته وطغيانه، فلا يخيفها أن تنقل الى بشار الأسد أن "سوريا ضاقت علينا بك فإما الشعب وإما أنت يا بشار"، ثم أتت الضربة القاضية في لافتة تطيح كل النهج الممانع الذي انتهجه حزب البعث السوري خلال حكمه البلاد لما يزيد على عقود أربعة، واللافتة تقول: "سيدي الرئيس، مؤامرة الي تخلع رقبتك"! الملاحظة التي لا يمكن إلا التوقف عندها، هي إصرار أهالي كفرنبل على توقيع لافتاتهم ب"كفرنبل المحتلة"، تأكيداً منهم أن ما يطالبون به هو الحرية وانسحاب النظام بكل أدواته وقاموسه وذكرياته من قريتهم الجميلة، التي أسجل هنا وعداً بأن تكون أول قرية أزورها في سوريا وأمكث فيها بعد تحررها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري: رهان الثورة  .. د. وائل مرزا

الأحد 04/12/2011

المدينة

حسناً. هاهو العالم يتحرك أخيراً ليقدم شيئاً لشعب سورية..

دعونا من الشعارات. فنحن نعلم أن السياسة العالمية تقوم على المصالح. وأن منطق المبادىء في ساحة العلاقات الدولية ماتَ ووجبت عليه الرحمة منذ وقتٍ لم يعد يذكره أحد.

لم يبدأ المجتمع الدولي بالحركة إلا بعد أن أيقن أن سفينة النظام السوري غارقةٌ لامحالة. لم يتحرك النظام العالمي إلا لأنه بات على يقين بضرورة ربط مصالحه ببوصلة الشعب السوري، بعد أن أدرك أنه صاحب القرار الأخير، وأنه الذي سيحدد هذه المصالح في المستقبل القريب.

كنا نؤكدُ منذ أشهر أن مايجري هو ملحمةٌ سوريةٌ كبرى. كنا نقول أن هذا الشعب يكتب بدايةً حقيقية أخرى لتاريخه العظيم، وأنه يقدّم من خلالها نموذجاً إنسانياً يُحتذى سيتحدث عنه التاريخ طويلاً. وأن السوريين يقدمون في هذه الملحمة الإنسانية الراقية، بحياتهم وسلوكهم وممارساتهم ومواقفهم، نمطاً من الفعل الإنساني السامي يطمح لتحقيقه كل شعبٍ يتوق للحرية والكرامة، وكل أمةً تريد أن تبدأ فصلاً جديداً من فصول وجودها على هذه الأرض.

كنا نعيد ونكرر بان المقام ليس مقام الكتابة الأدبية، وأن كل كلامٍ منمقٍ سيكون تافهاً وقاصراً عن التعبير. وأن حديثنا يمثل محاولةً متواضعة نستقرئ من خلالها ظاهرةً اجتماعية إنسانية فريدةً أصبحت لها مفرداتها ونحويتها ولغتها الخاصة. ظاهرةً نُذكّر من جديد بالحاجة الماسة لدراستها من جانب علماء الاجتماع في كل المجالات، لأنها تتجاوز الفعل السياسي المباشر الذي يركّز عليه الكثيرون، وتقدّم شواهد وأمثلة يصعب حصرها على ولادةٍ جديدةٍ لواقعٍ إنسانيٍ جديد.

لكن البعض، حتى من بني جلدتنا من السادة (المثقفين) و(المنظّرين) كان، ولايزال أحياناً، يصف خطابنا بأنه خطاب عواطف وشعارات! بل كان بعضهم يستخدم نظرياته العلمية (التقدمية) و(الحداثية) ليؤكد لنا أن عمر الثورة السورية قصير، وأن (دراسات) هؤلاء و(حساباتهم) تؤكد أن مايجري هو مجردُ هبّةٍ حماسيةٍ عارضة.

حتى بعض مفكرينا (الكبار)،من الذين كنا ولانزال نأمل أنهم تجاوزوا بعطائهم الفكري وأفقهم المعرفي كل الحواجز والحدود الأيديولوجية والثقافية، تراهم اليوم وقدخفّ (عزمهم) وغاب صوتهم حتى صرنا نفتقده في الآونة الأخيرة، بعد أن كانت تحليلاتهم ورؤاهم المبكرة أقرب إلى (بشارةٍ) يقدمونها للشعب السوري..

وبشكلٍ عام، استكثرساسةٌ ومثقفون وكُتّاب في الشرق وفي الغرب على الشعب السوري أن يكون في موقع القيادة حين يتعلق الأمر بإرادة الشعوب في بحثها عن الحرية.

لم يفهم هؤلاء المعاني الكبرى والاستراتيجية لظاهرةٍ واحدة فقط من مئات الظواهر التي يُعبّر بها ثوار سورية عن حقّهم في احتلال ذلك الموقع. لم يدركوا المعاني الكامنة وراء خروج ثوارٍ محاصرين ومطاردين يعانون الأمّرين في مظاهراتٍ يفتدون بها عملياً، رغم ماهم فيه، إخوانهم من المواطنين في مناطق أخرى من سورية.

تستغرب إلى حدّ القهر كيف لم تتجلّ للعالم من خلال هذه اللقطة صورةٌ للإخاء بين أبناء سورية لايمكن إلا أن تكون تاريخية بكل المقاييس. وكيف لايرى هذا العالم (الأعور) مثل هذه الظاهرة الإنسانية النبيلة، رغم تجلّيها بكل هذا الوضوح، وتعبيرها عن نفسها بكل تلك العفوية والتلقائية.

كيف لايُكلّف المثقفون والحقوقيون والفنانون في هذا العالم المُتخم بالشعارات أنفسهم عناء التفكير بتلك الدرجةٍ من مشاعر الأخوة الإنسانية،والتي يصل إليها شعبٌ يخرج أفراده في مواجهة الموت بصدورهم العارية فداءً لإخوة لهم في الوطن هنا وهناك؟! إخوةٍ لايعرفون أسماءهم ولاأشكالهم ولاانتماءاتهم ولاخلفياتهم الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية. إخوةٍ لم تجمعهم بهم إلا مطالب الحرية والكرامة حصراً، وبعيداً عن أي مصلحة أخرى غير تلك المصلحة العامة التي صارت مرتكز عقدٍ اجتماعي جديد يفرض نفسه في سورية اليوم، ويجب أن يكون، مرةً أخرى، محلّ دراسة الدارسين وبحث الباحثين، خاصة في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية.

أين ذهبت مئات الأسماء العالمية التي ملأت سمع الناس وأبصارهم وهي تتحدث عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن دفاعها (المستميت) في سبيل حصول الشعوب على حريتها وحقها المشروع في محاربة الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية؟

أين اختفى السادة الحاصلون على جوائز نوبل وغيرها ممن كان الإعلام العالمي يحشر أسماءهم وإنجازاتهم وصورهم في حلوقنا وأمام أبصارنا على مدى سنوات؟

بل ربما يكون السؤال الأكبر: أين الإعلام العالمي (الحرّ) الذي يعتبر نفسه نصيراً لقضايا الإنسان في كل مكان؟ لايريد احد تعاطفكم ياسادة. أنتم أساطين (الاحتراف) و(الموضوعية)، وكل ماهو مطلوب أن تؤدوا مهمتكم في حدّها الأدنى: غطّوا أخبار هذه الملحمة بدرجةٍ من الموضوعية التي يستحقها، بدلاً من أن تبقى على هوامش النشرات الإخبارية وفي زوايا الصفحات الخلفية. لاعُذر لكم في التعتيم الذي يمارسه النظام السوري أو في منعكم من التواجد في الداخل. فأبطال سورية يرسلون إليكم الخبر ألف مرة كل يوم وبالتفاصيل. والجميع يعرف أنكم قادرون على اختراق مثل هذه الحواجز بألف طريقةٍ وطريقةٍ، حين تريدون..

رغم كل هذا، يخاطبكم السوريون بما تعلموه في ثقافتهم وحضارتهم حين لقّنهم أهلُهم بأن من لايشكر الناس لايشكر الله. ويقولونها لكم كما قالها ذلك الليبي البسيط: شكر الله سعيكم..

أما الاخوة العرب، ورغم غصةٍ في القلب باتت تعتصره كلما سمعنا كلمة (مهلة).. إلا أن امتنان الشعب السوري لهم حقيقيٌ وأصيل على ماوصلوا إليه، والأمل بهم كبيرٌ أن يتابعوا مسيرة دعم الشعب السوري بكل طريقةٍ ممكنة. وأن يتأمّلوا كثيراً فيما كتبناه سابقاً عن هذا الشعب محاولين وصف حاله:

«تحتارُ فيما تقول وفيما تكتب وفيما تتحدث وأنت تحاول أن تختصر الملحمة السورية العظيمة في مقال من صفحتين. ثم تقرأ تعريفاً للملحمة يقول بأنها: (قصة شعرية طويلة مليئة بالأحداث غالباً ما تقص حكايات شعب من الشعوب في بداية تاريخه)، فتشعر أن السوريين ماضون لابدّ في كتابة قصتهم وصناعة ملحمتهم التاريخية بطريقتهم وأبجديتهم الخاصة، وكأنما هم يعيدون اختراع الأبجدية للبشرية.. مرةً أخرى بعد أن قاموا بذلك منذ آلاف السنين».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستبداد أصل كل فساد .. ناجي صادق شراب

آخر تحديث:الأحد ,04/12/2011

الخليج

عبارة بليغة قالها عبدالرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد في مصارع الاستعباد”، وقال أيضاً إن “الداء استعباد البرية والدواء استرداد الحرية” . هاتان العبارتان توصفان الحالة السياسية التي تسود معظم أنظمة الحكم العربية، وتفسر الثورة الجماهيرية الجارفة ضد الاستبداد والفساد الذي جاء على حساب حريات وآدميات الشعوب . ولا شك أن العلاقة وثيقة بين الدائين: الاستبداد والفساد، فالاستبداد لا يستمر إلا في بيئة سياسية فاسدة، والفساد أيضاً لا يكبر وينمو إلا في ظل حكم مستبد .

وبقراءة ظاهرة الاستبداد والفساد يمكن الاستنتاج أنهما سمتان مرتبطتان بالإنسان، وحيث إن هذا الإنسان مخلوق ناقص، فإذا ما أتيحت له الفرصة لأن يمارس نزعة الحكم والسلطة، فإنه يمارسها بأقصى درجاتها، خصوصاً إذا عمد الناس إلى الخضوع والخوف، ولا تصحح هذه النزعة السلطوية والاستبدادية إلا بمعرفة الشعوب لحقوقها، ووقوفها في وجه الحاكم المستبد الذي يمارس استبداده وفساده على هؤلاء الناس، فلا يوجد حاكم مستبد من دون محكومين، هذه هي معادلة الحكم في أي نظام سياسي، والذي يختلف هو طبيعة العقد بين الطرفين، والأساس في هذا العقد هو الشعب الذي يمنح الحاكم حقه في الحكم، والحاكم بسبب نزعته السلطانية يعمل على التحرر ونقض كل بنود وشروط هذا العقد بأن يحوّل شعبه إلى مجرد رعايا من دون حقوق، وكي يضمن استمرار حكمه فإنه يخلق القوى المساندة والمنتفعة من حكمه، وأول خطوة يقوم بها تأسيس أجهزة قمع واحتكار لكل وسائل القوة والإكراه المادية، كما يحتكر وسائل الإعلام ويتدخل في وسائل التنشئة السياسية التي يوظفها لدعم حقه في الحكم، ويتحكم في وسائل الثروة والدخل ليكون الناس تحت رحمته، فتختفي كل مظاهر العدالة الاجتماعية .

وفي مثل هكذا بيئة تظهر بوادر الفساد من خلال حفنة قليلة يخلقها الحاكم، ففي أنظمة الحكم هذه تكون عبارة عن تحالف طفيلي بين طبقة رأسمالية مصطنعة وبين النخبة الحاكمة التي تنحصر في حاشية الحاكم، ولضمان ولائها يمنحها قدراً من الامتيازات المادية .

هذه هي الصورة التي يقوم عليها نظام الحكم المستبد، وهناك بعد آخر في التفسير وهو أن الحاكم المستبد، وعلى الرغم من احتكاره لكل مصادر القوة والثروة، إلا أن هذا النمط من الحكم مصاب بالعمى السياسي، أو بفقدان البصيرة السياسية، فهو لا يرى إلا نفسه، ولا يرى إلا الطبقة الضيقة التي تحيط به، وكأنه يحكم بلا مواطنين، لأن هؤلاء المواطنين ليسوا في دائرة حساباته . والعمى السياسي يجعل من الحاكم لا يعيش إلا لنفسه والاستمتاع بلعبة الحكم التي في الواقع هو يحوّلها لعبة سياسية في يده، وإذا لم تعجبه لعبة يأتي بغيرها، ويتناسى أن هناك شعباً يكبر ويكبر، وأن هناك بيئة سياسية شاملة تتحرك من حوله، وأن كل شيء يتغير، ولكن مشكلة الحاكم وبسبب درجة استبداده لا يشعر بهذا الحراك في البيئة السياسية التي تشبه الزلزال في أعماق الأرض .

فالثقافة الأبوية البطريركية التي يستند إليها الحاكم المستبد، تنهار ويظهر زيفها لأن هذا الحاكم لم يعد يمثل الصورة الإيجابية للأب الذي يحنو على أولاده وأبنائه، وأما ثقافة التقديس وكأن الحاكم يحكم بتفويض إلهي أيضاً، فتنهار أمام التحولات الحداثية والتكنولوجية التي أحدثت ثورة في القيم والمفاهيم السياسية السائدة . وهكذا تبدو الصورة، حاكم مستبد يحكم في زمن غير زمنه، وفي عصر غير عصره، وفي شعب غير الشعب الذي يريد، وفي عالم غير العالم الذي يبنيه ويتخيله لنفسه .

لا شك أن هذه النظم ومهما طال عمرها، مآلها إلى الزوال والاندثار، فهي أنظمة حكم قد تجاوزها زمن ثورات الشعوب ووعيها ونضجها وقدرتها على التغيير، وحقها في استرداد حريتها وحقوقها الطبيعية التي تحدث عنها عبدالرحمن الكواكبي في كتابه الذي أشرنا إليه، فالحرية والحقوق الطبيعية للشعوب لا تستقيمان ولا تتعايشان مع حكم مستبد وفاسد . وهذا هو قانون الحتمية السياسية في التغيير .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الاستعصاء السوري واحتمالاته  .. فايز سارة

الشرق الاوسط

4-12-2011

يبدو الوضع السوري الآن في حالة استعصاء كامل. ففي المعادلة الداخلية ليست هناك تغييرات منظورة بمعادلات القوة القائمة من جهة ولا في الخيارات السياسية المطروحة، حيث اللوحة تشير إلى حضور إرادتين؛ واحدة يمثلها النظام عبر آلة القوة العسكرية - الأمنية التي تحاول إعادة فرض حضورها وقرارها على السوريين عبر حل أمني - عسكري مستمر منذ قرابة تسعة أشهر، لم يتمكن في خلالها من الوصول إلى نتيجة رغم عشرات آلاف الضحايا من قتلى وجرحى ومعتقلين ومطلوبين ومهجرين مضافا إلى ما سبق من خسائر مادية كبيرة في المستويات الخاصة والعامة لحقت بالسوريين مجتمعا ودولة وأفرادا، وإرادة أخرى تمثلها ثورة السوريين ضد النظام معبرا عنها ميدانيا بحركتي تظاهر واحتجاج واسعتين وحاضرتين في عشرات المدن والقرى بما فيها مدن كبرى، كما تعبر عنها حركة داخلية - خارجية لجماعات المعارضة السورية ولا سيما الكتلتين الأساسيتين: المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية، اللتين تتوزعان على غالبية الأحزاب الكردية والمنظمة الآشورية في سوريا.

ومثلما هو عجز النظام بآلته العسكرية - الأمنية في حسم الوضع لصالحه، فإن ثورة السوريين ذات الطابع السلمي عجزت هي الأخرى عن حسم الأمر لصالحها، والقيام بإسقاط النظام الذي هو الهدف الأول الذي تبينه وتؤكده شعاراتها ومطالبها، وتؤيده جماعات المعارضة باعتباره الخيار والهدف الشعبي الأول، حيث إن المظاهرات وبفعل الآلة العسكرية/ الأمنية عجزت عن التحول إلى قوة تغطي الساحات الكبرى في المدن الرئيسية ولا سيما حلب ودمشق، وهي حالة يمكن اعتبارها بوابة إعلان إسقاط النظام.

وعجز طرفي الصراع في سوريا عن الحسم، ناتج طبيعي لعدة عوامل، بينها التفاوت في ميزان القوة، حيث يسيطر النظام على الآلة العسكرية - الأمنية في البلاد ويدخلها في مواجهة المتظاهرين والمحتجين وحاضناتهم الاجتماعية المصرة على التظاهر، والتي نشأت على هوامشها أنشطة شبه عسكرية أساسها منشقون عن قوى الجيش والأمن، وقد انضم إليهم أو يعمل إلى جانبهم مدنيون، غادروا حركة الاحتجاج والتظاهر خائفين أو ناقمين أو راغبين في الثأر لقتلاهم ولظروفهم التي صاروا إليها، لكن كل هؤلاء لا يمثلون سوى قلة ضعيفة في مواجهة حجم وقوة الآلة العسكرية/ الأمنية للنظام، بل يمكن القول إنهم لا يمثلون ظاهرة عامة، وإن كانوا حاضرين في عدد من المناطق السورية.

كما أن بين عوامل عدم حسم الصراع في سوريا عزوف قطاعات شعبية مهمة عن الاشتراك المباشر في الصراع القائم، وهو موقف تتحكم فيه المخاوف بدرجة ما ومنها مخاوف من الثمن الذي يدفعه المشاركون في التظاهر والاحتجاج ويصل الى حد القتل، ومخاوف أخرى، تتصل بما سيؤول إليه الوضع من احتمالات احتراب داخلي أو تدخل عسكري خارجي، أو بسبب مخاوف من مجيء متطرفين إسلاميين إلى السلطة بديلا عن النظام القائم، وكلها مخاوف يغذيها ويشجعها النظام لمنع فئات سورية من الذهاب إلى جانب الثورة.

غير أن الأهم في عوامل عدم القدرة على حسم الصراع الداخلي، هو الافتقاد لأية رؤية أو برنامج سياسي، يمكن أن يخرج البلاد نحو حل سياسي، يكون بديلا للحل الأمني/ العسكري القائم. لقد عجز النظام منذ بداية الأزمة وبسبب من طبيعته الأمنية عن التعامل مع الوضع باعتباره أزمة سياسية، اقتصادية اجتماعية، مصرا على اعتباره مشكلة أمنية، وهو بذلك لم يغلق ذهنه عن التفكير السياسي فقط، بل رفض في المستوى الداخلي أية أفكار حول المعالجة السياسية، مما دفع بالطرف الآخر في ظل تزايد العنف الممارس ضده إلى الذهاب بمطالبه وصولا إلى إسقاط النظام، مغلقا الباب أمام أي مشروع لا يقوم على إسقاط النظام.

وكان الأخطر في موقف النظام رفضه المبادرات الإقليمية والدولية، والتي كان آخرها مبادرة الجامعة العربية التي دعمها المؤتمر الأخير لمنظمة التعاون الإسلامي قبل أيام من أجل فتح الباب لمعالجة سياسية للأزمة القائمة، وكان أساس الرفض السوري يركز على نقطتين؛ الأولى وجود نشاط لجماعات مسلحة هدفها إشاعة الفوضى وتقويض النظام، والثاني وجود مؤامرة من أطراف محلية وإقليمية ودولية، تهدف إلى إطاحة النظام، وكلاهما ادعاء من شأنه بقاء الباب مفتوحا على استعمال القوة العسكرية/ الأمنية ويبررها، ويؤجل أية معالجات سياسية، بما في ذلك الإجراءات الإصلاحية التي يطرحها النظام.

ووصول الوضع السوري إلى الانسدادات الحالية، أخرج الأزمة من إطار المعالجة الداخلية بصورة تكاد تكون نهائية، وهو حال يماثل ما صار إليه الوضع السوري في معالجاته الإقليمية، ذلك أن تركيا، التي كانت حتى وقت قريب من أقرب حلفاء النظام تحولت إلى أبرز خصومه، والبلدان العربية التي سكتت نحو ثمانية أشهر، قبل أن تطلق مبادرتها لمعالجة الوضع، تحولت إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية، تمهد لنقل الموضوع السوري إلى الأمم المتحدة، حيث لا قدرة كبيرة للتأثير العربي والإقليمي على مجريات الأمور والقرارات التي تتخذ في هذا المستوى.

إن اعتماد النظام على مواقف دول مثل روسيا والصين وبدرجة أكبر على حلفاء صغار مثل إيران، لن يحول دون اتخاذ عقوبات دولية ليس فقط بالاستناد إلى تجارب مماثلة كما حدث على الأقل في موضوعي العراق عام 2003 وليبيا عام 2011، حيث باعت تلك الدول مواقفها، بل أيضا بفعل أن الرأي العام الدولي لن يكون بمقدوره الاستمرار في تعامله الراهن مع الملف السوري وقتل المحتجين المدنيين خاصة بعد الموقفين العربي والإسلامي، وهذا كله سيدفع إلى تسخين الملف السوري وقد بدأ ذلك بالفعل من خلال مجلس حقوق الإنسان من جهة، وتحرك بعض الدول الكبرى في مجلس الأمن، ولا شك أن ثمار ذلك سيكون عقوبات تمهد لتدخل دولي واسع وفعال في سوريا، ستكون فاتورته كبيرة على الجميع ولا سيما على السوريين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تقرير غولدستون بنسخة سورية مزيدة  .. عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

4-12-2011

لعل أكثر التقارير الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان حضوراً في الذاكرة العربية الجماعية، كان تقرير ريتشارد غولدستون، الذي تبناه هذا المجلس التابع للأمم المتحدة في جلسة استثنائية يوم 16/10/2009، دان فيها إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها في عدوانها الغاشم على قطاع غزة أوائل ذلك العام.

كان طبيعياً أن يستعيد الكثيرون بيننا بعضاً من حيثيات تقرير غولدستون، وهم يتابعون جلسة استثنائية مماثلة لمجلس حقوق الإنسان ذاته، انعقدت للمرة الثالثة في غضون ثمانية أشهر هي عمر الثورة السورية، لمناقشة الانتهاكات وأعمال القتل التي ترتكبها كتائب الأسد ضد المدنيين السوريين.

وكم بدت الليلة السورية، مع الأسف، تشبه البارحة الإسرائيلية في جنيف السويسرية، لدى التصويت على تقرير أعدته لجنة من ثلاثة خبراء دوليين محترمين، منعوا من دخول الأراضي السورية، تماماً كما منعت إسرائيل أعضاء لجنة غولدستون في حينه، من الدخول إلى الأراضي المحتلة لتقصي الحقائق.

ففي حين صوتت آنذاك خمس وعشرون دولة لصالح تقرير غولدستون وعارضته إحدى عشرة دولة، فيما امتنعت ست دول عن التصويت، صوتت هذه المرة سبع وثلاثون دولة لصالح التقرير الجديد، وعارضته أربع دول، وامتنعت ست فقط من مجموع سبع وأربعين دولة عضو في لجنة حقوق الإنسان الأممية.

وبينما دان التقرير السابق حكومة إسرائيل لارتكابها جرائم حرب في قطاع غزة، دان التقرير الجديد السلطات السورية لانتهاكاتها الجسيمة والمنهجية، ومقارفتها عمليات إعدام، وقيامها بفظاعات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وهي تهمة أشد درجة من جرائم الحرب، وإن كانت تقل عن جريمة الإبادة الجماعية.

ورغم هول ما اشتمل عليه تقرير غولدستون من مقارفات إسرائيلية بربرية في عدوانها الآثم على قطاع غزة، فقد جاء تقرير اللجنة الثلاثية الأخير أشد هولاً، وأدعى إلى الشعور بالخزي والعار والشنار، كون هذه الارتكابات حدثت على أيدي حماة الديار وليس على أيدي قوات احتلال أجنبي معادية.

ذلك أن إسرائيل التي قتلت الأطفال وهدمت البيوت وروعت المدنيين، وقامت بما تقوم به كل قوة عسكرية غازية، لم تبلغ هذا الدرك من السفالة والانحطاط الذي بلغته كتائب الأسد في حربها المجنونة للاحتفاظ بسلطة باتت مدانة ومنبوذة، وغير قابلة للاستمرار، مهما عاندت وتهربت من مواجهة النهاية الحتمية.

إذ يخبرنا هذا التقرير الذي اعتمد على شهادات أكثر من 220 من الضحايا، وعلى وثائق مصورة وأدلة كافية، أن أجهزة الأسد التي قتلت أكثر من أربعة آلاف إنسان، مارست التعذيب الجنسي على الذكور، واغتصبت الأطفال أمام آبائهم والنساء أمام أزواجهن، وحولت المستشفيات إلى مراكز تعذيب ومسالخ بشرية.

وفي التفاصيل التي غطت نحو ثلاثين صفحة، أوردت لجنة التحقيق الدولية ما لا يستطيع العقل السوي أن يتخيله من إهانات وتعذيب وفجور، وما يعف القلم عن ذكره من جرائم يندى لها الجبين، الأمر الذي يصعب معه بعد اليوم فهم كل دفاع أخرق، أو تعاطف ساذج، ما يزال يجاهر به البعض بين ظهرانينا مع هذا النظام الذي بز في جرائمه عتاة المحتلين.

ومع هذه الدرجة من الفضائح الأخلاقية المشينة حقاً، وهذه المهازل التي تجلل هامة نظام يهدد بزلزلة الشرق الأوسط إذا ما دنت نهايته، ولا يجرؤ على إلقاء حجر على إسرائيل في هضبة الجولان المحتلة، ينبغي القول دون تردد أن من بقي لديه أدنى تأييد لمثل هؤلاء القتلة، عليه أن يتوارى عن الأنظار، ويصمت خجلاً على أقل تقدير.

لقد كان تقرير غولدستون قبل نحو عامين بمثابة ورقة نعي مبكرة لمكانة إسرائيل الدولية ومركزها الأخلاقي كدولة للناجين من الهولوكست، الأمر الذي تآكلت معه سمعتها، وطعن في ديمقراطيتها، وشكك في شرعيتها، وعمّق من عزلتها، وأثار العديد من الأسئلة المصيرية عن قابليتها للعيش في عالم تعلو فيه راية حقوق الإنسان إلى أعلى درجة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإشاعات كوسيلة للسيطرة....النظام السوري مثالاً .. إياد شربجي

في ظل التضييق الكبير على مصادر المعلومات، والخنق المقصود لوسائل الإعلام، وتكريس بديل إعلامي عنها أقل وثوقية ومهنية كالفيسبوك والتويتر، ومع الاستخدام المفرط للعنف من قبل النظام، وما يسببه ذلك من استثارة للعواطف، وتغليب للغريزة على العقل، وللرغبة على المنطق؛ تنشأ أرضية مهيّئة وممهدة تماماً، ووضع مثالي لبثّ الإشاعات وانتشارها وتداولها بأوسع نطاق بين العامة.

 من المعروف تاريخياً أن الإشاعات (الشائعات بالفصحى) كانت دوماً وسيلة تتبعها الأنظمة السياسية -سيما البوليسية منها- لتمارس سيطرتها على الرأي العام، ولتنشر منظومة قيم وقناعات وأمزجة معيّنة تمكّنها من التلاعب بمزاج المجتمع وتوجيهه وفق ما تريد.

ولعل النظام السوري من أكثر الأمثلة الحية إتقاناً وتفنناً في استخدام هذهالوسيلة لإحكام سيطرته على المجتمع، تاريخ هذا النظام مع الإشاعات يعود إلى بداية ظهور حزب البعث كلاعب سياسي سيما بعد 8 آذار 1963، فالحزب الذي تآمر على دولة الوحدة هو من اتخذ الوحدة أول هدف في شعاره، ومن سجن وقتل آلاف المطالبين ب(الحرية) سمّاها له هدفاً ثانياً، ومن أنشئ منظومة فساد ولصوصية -سرق فيها قلةٌ أموال الكثرة- كانت الاشتراكية هدفه الثالث في شعاره الأممي الإنساني الكبير..!!

خلال تحقيقه كل ذلك، كانت أجهزة المخابرات تتكفل بصناعة وبثّ سيول من الإشاعات لخداع الناس، والتغطية على القضايا الكبرى، حافظ الأسد جوّع السوريين وألهاهم بريطة الخبز وتنكة السمنة في الثمانينات بالصدفة بعد أن ثارت عليه حماة وحلب ودمشق..!!، ورغم ذلك ما زال كثيرون من السوريين يعتقدون حتى اليوم أن سبب ذلك التجويع إنما كان حصار ريغان (أمريكا ) على سورية بعد مواجهتها لأطماع إسرائيل في لبنان عام 1982، ولا ننسى هنا التيارات الشعبية اليسارية التي نشأت حينها في البلاد معلنة نضالها ضدالإمبريالية الأمريكية، وصالت وجالت وهتفت وأزغبت وهي تظنّ نفسها فطنة، بينما كان تجار التهريب من النظام يكدّسون ملايينهم وهم يضحكون على هؤلاء المناضلين ومعاداتهم المزعومة للإمبريالية....الإمبريالية ذاتها التي لم يتوقّف الأسد الأب عن اللعب معها تحت الطاولة، فأعلن وفاة جبهة الجولان بدايةً، ثم شاركها حربها على العراق، وقاسمها سلة البيض(لبنان)...كل ذلك كان يحدث بينما نحن نصفق للقائد الرمز الذي واجه بمفرده وحنكته قوى التكبّر العالمي، وخلّصنا من عصابات الأخوان المسلمين العميلة؛ العصابات التي نعاديها حتى اليوم رغم أن معظمنا لم يقرأ عنها، ولم يتعرّف على فكرها، ولم يراقب تطوّر أدبياتها، ولم يلتقِ واحداً من أفرادها يوماً...لكننا بفعلقناعاتنا التي بناها النظام نفسه من تكرار الكذب والإشاعات (الغوبلزية) فإننا حتى اللحظة ما نزال نرتعد خوفاً من عودتها إلى سورية..... (تأثير الإشاعات ذاته سيجعل بعضكم يظنّ الآن أنني بقولي ذلك إنما أهدف بشكل خبيث للدفاع عن الأخوان المسلمين وتبرير عودتهم....كيف لا، إنها عقلية المؤامرة ذاتها)!!

عودة إلى ما يحدث الآن، وموقع الإشاعة من حدث الثورة السورية، لقد صنّفتُ أنواع الإشاعات التي سمعناها وما نزال منذ انطلاقة الثورة، إلى عدة أنواع، وذلك بحسب الهدف الذي تنشده مخابرات النظام وإعلامه وأدواته من كل منها، وأورد بعض الأمثلة عن كل نوع منها، آخذاً بعين الاعتبار أن الإشاعات ليست فقط تلك المنقولة ملاسنةً، بل إن كثيراً منها يبثّ بالتزامن مع مواكبة إعلامية كبيرة (صحف -تلفزيون -إذاعات- انترنت) تتعاون معاً لنشر ذات الشائعة المراد بثّها:

- إشاعات تهدف إلى تبرئة أشخاص من النظام، وتنحو باللائمة على آخرين:

 

- الأسد يريد حلّ الأزمة بشكل سلمي، هو طبيب في النهاية وقد درس في بريطانيا، لكنه لا يعرف الحقيقة، ومن حوله يخدعونه بمعطيات كاذبة.

- الأسد شخص مسالم وحضاري، لكن مشكلته هي طيبته وضعفه، ومن حوله من جيل أبيه يسيطرون عليه، ويمنعونه من التحرّك، وقد يقتلونه إذا لم يفعل ما يريدون.

- حكومة العطري(الفاسدة) هي سبب كل المصائب التي وصلت إليها البلاد.

 

- إشاعات تهدف لزرع الشقاق والفتنة الطائفية وتخويف الأقليات:

 

- إسلاميون يذبحون أفراداً من الطائفة العلوية، ثم يرمونهم في النهر بجسرالشغور (هناك فيديو تم تداوله بهذا الشأن ويسمع فيه صوت الله أكبر)

- جماعات إسلامية متطرفة تقتل على الهوية في حمص، وتجبر النساء على ارتداء الحجاب، والمسيحيين على دفع الجزية.

- إلقاء القبض على أمير قطنا و وزيري المالية والدفاع.

- متظاهرون في حمص يهتفون (العلوي ع التابوت.. والمسيحي ع بيروت)

 

- إشاعات تهدف إلى تخويف المتظاهرين ومنعهم من التظاهر:

 

- اكتشاف عبوة ناسفة في نفس المكان الذي يتظاهر فيه الأهالي أسبوعياً فيدوما

- معلومات عن أن الأمن لديه أوامر مباشرة بإطلاق النار (في منطقة ما)

 

- إشاعات تهدف إلى توريط فئات مجتمعية وطوائف معينة وإشراكها بالصراع، وتخويفها من الانتقام في حال سقط النظام:

- الفيديوهات المسرّبة التي تظهر أفراداً يعذّبون بشكل وحشي وهم ينطقون بلهجة ما.

- الفيديوهات والصور المسرّبة التي تظهر استهداف دور العبادة.

- الإشاعات التي تقول إن السنّة سيذبحون العلويين بعد ما ارتكبوه بحقهم فيالثمانينات والآن.

 

إشاعات تهدف إلى قلب الحقائق رأساُ على عقب، وتحويل الضحية إلى متهم:

- بعض صور تشييع شهداء من الجيش الذين يروّج أن العصابات المسلحة هي من قتلتهم، بينما من قتلهم حقيقة هم عناصر من الأمن والجيش بعد امتناعهم عن التصويب على المتظاهرين.

- نبش قبور عدد من الشهداء وإعادة دفنهم في مكان واحد وتصوير المشهد على أنه مقابر جماعية ارتكبتها العصابات المسلّحة.

 

- إشاعات تهدف إلى إفقاد الثقة بالقنوات الفضائية:

- شهود عيان يتصلون على الفضائيات وينشرون أخباراً كاذبة

- فبركة أخبار وفيديوهات لتنشر على الفضائيات ثم يجري تكذيبها لاحقاً (زينب الحصني مثالاً)

 - مصادرة حبوب هلوسة ترسلها قناة الجزيرة.

 

- إشاعات تهدف إلى دعم رواية النظام (المؤامرة):

- قناة الجزيرة تبني مجسمات للساحات السورية لتظهر أن بها مظاهرات ضخمة.

- الاعترافات المفبركة التي تظهر على القنوات الفضائية السورية، والتي يقول فيها المعترفون أنهم تلقوا دعماً بالمال والسلاح من بعض الدول والجهات.

- القبض على أفراد عصابات مسلحة وبحوزتهم أسلحة إسرائيلية، وإظهار هذهالأسلحة

 

- إشاعات تهدف إلى تلويث سمعة الأشخاص يعادون النظام:

- طل الملوحي ضبطت وهي تسرّب معلومات تجسسية

- برهان غليون يسبّ النبي محمد

- رضوان زيادة يموّل من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية

 

هذا غيض من فيض مما نسمعه، ومما يراد لنا أن نتداوله، وعندما يتم التداولبالطريقة المعتادة ذاتها، فإن مصدر الخبر سيضيع في النهاية، ومع تكرار مرددي الإشاعة يمنةً ويسرة ستتشكل لدى كثيرين قناعة بأنها صحيحة، وبعض من لم يقتنع في البداية ستدخل الإشاعة عقله الباطن، ومع مرور الزمن سيرددها ببغائياً، وهذا ما يحصل في الغالب، وهو ما يبرر الدفاع المستميت لبعض الأشخاص عن النظام بدعوى وجود مؤامرة كبرى، وملايين يدفعها بندر والشيخ حمد،و...و، وعندما تناقشه في دقّة المعلومات التي ذكرها، ومن أين استقاها فلن يجد الجواب غالباً، وسيقول لك: الكل صار يعرف...والأمور انكشفت..!!

 

إن ما هدفته من كتابة هذه المادة هو التأكيد على ضرورة أن نتمتع باليقظةوالفطنة، وأن نتحرّى الدقة في نقل ما يشاع، فمصادر المعلومات صارت كثيرة، ومتشعّبة، ومتنوعة، ومن الواجب أن نبحث دوماً عن مصدر المعلومة، وان نترصّدها من المنابر الإعلامية المهنيّة، او الأشخاص الثقاة الذين نعلم تعقّلهم في مثل هذه الأمور، فللأسف بعض الناس (ومنهم من المعارضة والثوار) يقعون في مطب خلق إشاعات أحياناً ، يدفعهم إلى ذلك الرغبة العارمة، والتوق الشديد لتسجيل انتصار، ونتذكر هنا تلك الإشاعة التي قيلت في أيار الماضي عن أن ماهر الأسد قد قتل في درعا، وأن ثمة من شاهده وهو يُنقل في طائرة هيلوكبتر من الملعب البلدي هناك، وثمة آخرون شاهدوه وهويُسعف إلى مشفى الشامي بدمشق، ثمّ تبين لاحقاً أنها مجرد إشاعة نتجت عن رغبة وحسب.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com