العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11/11/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

أعذرني لافروف فأنا لا أصدقكَ!!

محمد فاروق الإمام

كأن السيد لافروف وزير خارجية روسيا لم يسمع بقصة الذئب وليلى، وحتى لا يكون للافروف عذراً بعدم سماعه بهذه القصة أرويها له كما روتها لنا جدتنا.. القصة تقول: أنه في صباح أحد الأيام.. استيقظت ليلى من نومها مبكرة وهي متلهفة للذهاب إلى المدرسة.. إنه يومها المدرسي الأول وسوف يقام احتفال برفع العلم في ساحة المدرسة.

تناولت إفطارها على عجل ودست كتبها ودفاترها الجديدة في حقيبتها المدرسية وانطلقت الى خارج المنزل مسرعة.. ومن فرط لهفتها للوصول مبكرة ولقاء أصحابها وأحبابها قررت أن تسلك طريقاً مختصراً يتفرع من الطريق العام عبر الغابة.

وفي الطريق.. قفز أمامها أحد الذئاب قائلا لها بخبث: إلى أين أنت ذاهبة يا حلوه؟

قالت ليلى بكل براءة: إلى مدرستي.

قال الذئب: وأين هي مدرستك؟

أشارت ليلى بيدها قائلة: هناك.. في نهاية الشارع.. اسمحلي لقد تأخرت.

وانطلقت ليلى بخطواتها الصغيرة إلا أن الذئب سبقها إلى المدرسة ودخل إلى حجرة المديرة وبحركة سريعة واحدة التهمها ثم تنكر بملابسها وجلس محلها.

وصلت ليلى الى المدرسة فرحة وفكرت أنه لابد من إلقاء التحية على المديرة أولاً.. فهي طيبة كثيراً ولطالما ذكرتها بجدتها الحبيبة.

دخلت ليلى إلى حجرة المديرة ونظرت باستغراب إلى المديرة.

 قالت ليلى: ستي ستي..  لماذا أذناك كبيرتان جداً؟

قال الذئب "مقلداً صوت المديرة": حتى أستطيع أن أسمع شكاوي جميع المظلومين وكل من يستغيثون بي يا حبيبتي ليلى.

قالت ليلى: ستي ستي.. ولماذا عيناك كبيرتان جداً؟

قال الذئب: حتى أستطيع أن أرى كيف يتم تطبيق الديمقراطية والحرية في كل مكان يا حبيبتي ليلى.

قالت ليلى: ستي ستي.. ولماذا فمك كبير جداً؟

قال الذئب: حتى أستطيع أن أتكلم عن حقوق الإنسان والإنسانية وأنادي بها بأعلى صوتي يا حبيبتي ليلى.

وعندها.. وعلى حين غفلة.. قفز الذئب من وراء المكتب وابتلع ليلى بلقمة واحدة.

لافروف كيف تريدنا أن نصدقك بدعواك أن روسيا هدفها حماية الشعب السوري ومساعدته في تحقيق أمانيه وتطلعاته، وليس التمسك بأي شخص في النظام ولو كان بشار الأسد نفسه، وهذا الذي تنفي تمسكك به يذبحنا من الوريد إلى الوريد منذ تسعة عشر شهراً، ويدمر بيوتنا وينتهك مقدساتنا ويدك مدننا وبلداتنا وقرانا بأسلحتكم الفتاكة "قنابل فراغية، وقنابل عنقودية، وبراميل متفجرة" التي تقدمونها له عبر جسور بحرية وبرية وجوية متواصلة بحجة أنها تنفيذاً لعقود أبرمها الاتحاد السوفيتي السابق وتنفذونها أنتم بعد تفككه، وتحمونه دولياً بإشهار حق النقض "الفيتو" كلما اقترب المجتمع الدولي من إصدار قرار باهت بإدانة النظام على جرائمه لثلاث مرات، وهي سابقة لم يستخدمها الاتحاد السوفيتي السابق خدمة لكل حلفائه في العالم، وكان في حينها دولة قوية تنافس أمريكا على زعامة العالم، بينما أنتم دولة من الصف الثاني إن لم تكن من الصف الثالث.. والأخيرة أخلاقياً وإنسانياً، وتدعمونه إعلامياً عبر فضائياتكم وصحفكم فتسوّقون ما يلفقه إعلامه الرخيص من كذب ودجل وأباطيل ومفتريات، حتى ليخيل للمتابع لبرامجكم السياسية التي تكاد تقتصر على القضية السورية، أن سورية المحكومة من الأسد هي محمية من محميات بلدكم التي تستعمرونها منذ عهود وقرون ظلماً وعدوانا واحتلالاً غاشماً، وتطبقون فيها عن طريق عميلكم بشار ما قمتم به في الشيشان والأنغوش وغيرها من جرائم ستظل وصمة عار يحمّلها نظامكم لشعب روسيا المقهور كحال شعبنا لسنين طويلة.

لافروف.. لقد قلت بالأمس أنت ورفيقك وزير دفاع روسيا اناتولي سيرديوكوف، الذي أقاله اليوم الثلاثاء 6 تشرين الثاني بوتين لأسباب تتعلق بالفساد المالي، أن بشار الأسد باق ولن يترك الحكم، والآن تناقض ذلك بقولك أن روسيا ليست متمسكة ببشار الأسد، ومن جهة أخرى تطالب المجتمع الدولي بالضغط على المعارضة لتقبل الجلوس على طاولة المفاوضات التي ستكون برعاية بشار الأسد، ثم تقول أنك تدعم مبادرة الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، وتعتبر أن من أخطاء مؤتمر جنيف أنه لم يدعو إيران والسعودية لحضوره.. وكل الذي قلته في مؤتمرك الصحفي في القاهرة يشير إلى تخبط وعدم تركيز وفقدان توازن وارتباك، يعيدنا إلى ليلى عندما كانت تسأل الذئب الذي تقمص شخصية مديرة المدرسة: لماذا أذناك كبيرتان جداً؟.. ولماذا عيناك كبيرتان جداً؟ ولماذا فمك كبير جداً؟ وأعتقد أنك تحفظ الإجابة على تساؤلات ليلى عن ظهر قلب!!

لافروف.. أنتم تسيرون في الطريق الخطأ وتراهنون على "البغل" الخطأ فلم يسجل التاريخ منذ الأزل هزيمة شعب يثور كي ينتزع حريته، ولعل الثورة الفرنسية وثورة أجدادكم البلاشفة وثورة ماو في الصين - حليفكم في الفيتو – وعشرات الثورات الشعبية التي نقلها لنا التاريخ عبر مسيرة الحضارة الإنسانية يؤكد إلى ما ذهبنا إليه، من أن الشعوب ستنتصر في النهاية مهما امتلك الطغاة من أدوات القمع والقتل والتدمير، وما جيشوا من حلفاء وعملاء وشبيحة ومأجورين، فدولة الباطل 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كشكول مدينة كفرنبل الصامدة في وجه النظام الفاشي

إعداد/ بدرالدين حسن قربي

بلغ عدد شهداء الثورة السورية حتى يوم الأربعاء نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2012، الموثقين والمسجلين تسعة وثلاثون ألفاً وثلاثمئة وتسعة وستون. توزيعهم على الشكل والترتيب التالي: محافظة دمشق وريفها: 10212 ، حمص وريفها: 8356، ادلب وريفها: 5408، حلب وريفها: 4699، مـحافـظة درعــا وريفهـا: 3549، حماة وريفها: 3278 ، دير الزور وريفها: 2731 ، اللاذقية: 648 ، الرقة: 195 ، الحسكة: 112، طرطوس: 78 ، الســــــــــــــــــــويداء: 22.

اللهم اغفر لهم وارحمهم وتقبلهم، وألهم ذويهم السلوان وأفرغ عليهم صبراً، واجعل دمهم لعنة على قاتليهم.

http://syrianshuhada.com/Default.asp?a=st&st=20

&&&&&&&&&&

استهدفت طائرات الميغ المقاتلة السورية في غاراتها الدائمة واليومية المتكررة على المدن السورية في تمام الساعة الواحدة والربع من بعد ظهر يوم الاثنين 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وسط مدينة كفرنبل/معرة النعمان، مما تسبب بدمارٍ هائل وحرائق مريعة فيها، فضلاً عن عشرات  القتلى والجرحى، تضاف إلى أمجاد النظام السوري وشبّيحته في المقاومة والممانعة.

http://www.youtube.com/watch?v=G-do4U

rRcuM&feature=player_detailpage

&&&&&&&&&&

إن ماارتكبه النظام الأسدي الفاشي في اليوم الثاني بعد الستمئة من عمر الثورة السورية، يوم الاثنين 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 في قصفه لبلدة كفرنبل، يكفي في قوته وشدته ليدفع بالسوريين عزيمة وإصراراً أن يستمروا حتى التخلص من نظام متوحش قاتل لأطفالهم ونسائهم وشبابهم وكهولهم، لاتأخذه في قمعهم وسفك دمائهم وحرقهم وتدمير مدنهم وقراهم ذرة من رحمة أو قطرة من ضمير.

https://www.youtube.com/watch?v=99Ks06ebH

F0&feature=player_detailpage

&&&&&&&&&&&

ياجماعة..!! كل هذا القتل وكل هذا الإرهاب والتوحش، لم ولن ينفع الأسد ونظامه ، فالشعب السوري أعلنها أنه يريد إسقاط النظام. ومن كان لديه بعض الشكّ ولا يصدق فهذه مظاهرة كانت يوم الجمعة 2 تشرين الثاني المسمّاة بجمعة داريا العنب والدم في بلدة معربة /حوران العز والنخوة والشهامة.  فعلى أنقاض البلدة كانت هذه المظاهرة التضامنية، والتي أقل مايقال فيها أنها تأكيد المؤكد، بأن الشعب يريد إسقاط النظام ورحيل الأسد من حياتهم إلى الأبد في مقابل شعار النظام وشبيحته: الأسد أو حرق البلد.  وعلى وقع هتافاتهم ونداءاتهم مارح نركع مارح نركع، وغير ل الله مارح نركع، هيييه ويالله هيييه ويالله ، ومنصورين بعون الله، وطز فيك يايشار، ياللي حرقت الديار.

أرجو ألا تفوتنّكم رؤية هذا اليوتوب مهما كانت مشاغلك.  فكل توحش النظام، ووحشية شبيحته وكل ممارسات قتله وقمعه لأهالي حوران الأحرار، مامنع مثل هذه المظاهرة أن تخرج ودماء المتظاهرين على الأكفّ.  شعب هؤلاء ناسه وأبطاله، ومصرٌ على نيل حريته واستعادة كرامته، فلسوف يسقط الأسد طال الزمان أم قصر، إن لم يكن اليوم ففي الغد.

http://www.youtube.com/watch?v=aCD3T

D8Yi8g&feature=player_detailpage

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لوضع حدٍّ للعنجهية الروسية!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

7-11-2012

لو أن الولايات المتحدة لم تتخذ ،ومعها الغرب الأوروبي بكل دُوَله الرئيسية، هذا الموقف المائع الذي يغلب عليه التردد تجاه ما أصبح ثورة سورية فعلية وحقيقية ولو أن الروس ،بقيادة سيرجي لافروف وليس فلاديمير بوتين، لم يواصلوا التآمر على الشعب السوري وبطريقة قذرة ومكشوفة ولو أن إيران (الملالي) لم تدخل هذه الحرب ومنذ اللحظة الأولى ،بل قبل اللحظة الأولى، على أنها حربها وحرب مشروعها الشرق أوسطي فلما بقي بشار الاسد «صامداً»!! ومتمسكاً بموقفه حتى الآن ولبادر باكراً إلى حَزْم حقائبه وحقائب أولاده والقيام بتحويل أرصدته المالية وهي بعشرات المليارات ولفرَّ لا يلوي على شيء إلى مكان آمن لايستطيع أصحاب الثأر ، وهم كثيرون جداً، الوصول إليه كما وصل الموحدون (الدروز) إلى أديب الشيشكلي وقتله في البرازيل في أميركا اللاتينية في عام 1964.

خلال وجوده في القاهرة ،التي ما كان يجب أن يُستقبل لا فيها ولا في أي عاصمة عربية أخرى، قال لافروف ،بعدما رفض إقتراحاً للمبعوث العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي بضرورة صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي بتشكيل الحكومة السورية الانتقالية التي جاءت في بنود مبادرة كوفي أنان الستة، إن روسيا الاتحادية لا يهمها أي شخص في سوريا حتى بما في ذلك بشار الأسد وان ما يهمها هو الشعب السوري وحقيقة أن في هذا جانباً فيه الكثير من الصحة والصواب بينما الجانب الآخر هو نفاق وخداع وهدفه تشكيل غطاء للأطماع الروسية في هذا البلد العربي ،الذي غدا مدمراً ومنكوباً، وفي المنطقة الشرق أوسطية كلها.

إننا نصدق لافروف ،هذا الذي وصفه الأخضر الإبراهيمي بأنه النجم الدبلوماسي الدولي الصاعد فطرب لهذا الوصف حتى حدود التمايل شمالاً ويميناً، عندما يقول أن بلاده ،روسيا الإتحادية، لا يهمها الأسد على الإطلاق فهذه حقيقة واضحة ويدلُّ عليها أنه لو أن الروس يهمهم فعلاً مصير الرئيس السوري الذي سيكون مصيراً أسود في كل الأحوال فلما بقوا يخوضون معركته سياسياً وعسكرياً ولما بقوا يشجعونه على القتل والإستمرار بالقتل إلى أن أصبحت أيديهم ووجوههم بالإضافة إلى يديه ووجهه ملطخة بدماء السوريين ولأفهموه منذ البدايات إن عليه أن يرحل ويغادر بسلام ما دام أن شعبه مصرٌّ على مغادرته ورحيله.

لا يمكن الإدعاء بأن الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة ليس له مصالح في سوريا وفي المنطقة هي التي جعلته يتخذ هذا الموقف الذي لا يزال مائعاً فالعلاقات الدولية ،إنْ صداقةً أو عداوة، هي مصالح ولهذا فإنه لايوجد «أكْذَبُ» من روسيا عندما تتحدث على لسان لافروف أن ما يهمها هو الشعب السوري إذْ لو أن هذا صحيحٌ فلما بقيت تسابق بشار الاسد على القتل والتدمير وإذْ لو أن هذا صحيح فلما لجأت إلى إستخدام حق النقض «الفيتو» ثلاث مرات كي تمنع مجلس الأمن الدولي من إتخاذ قرار يضع حداً لهذه المأساة التي تجاوزت الحدود.

إن الموقف الإيراني معروف ومكشوف وهو ليس بحاجة إلى حشد الأدلة والبراهين لإثبات أن ما يهم دولة الولي الفقيه هو إنجاز وإنجاح مشروعها الإمبراطوري (الفارسي) في هذه المنطقة فهذه مسألة معروفة منذ أن أنشأ محمد حسن أختري ،وكيل الإمام في دمشق، حزب الله وأمسك بحركة «حماس» حتى قبل الإعلان رسمياً عن إنشائها ومنذ أن فتح كل أبواب الهيمنة الإيرانية ،العسكرية والأمنية والمذهبية، على سوريا أما الموقف الذي يحتاج إلى المزيد من «كَشْفِ الغطاء» فهو هذا الموقف الروسي الغاطس في الإنتهازية السياسية حتى الذقن والذي لولاه لما واصل بشار الاسد ذبح شعبه وتدمير بلده على هذا النحو الهمجي فروسيا الإتحادية ،التي ورثت الإتحاد السوفياتي غير العظيم الذي إضطهد الشعوب الإسلامية أكثر بألف مرة مما أُضطهدت في زمن العهد القيصري الظلامي، تحولت إلى دولة مصاصة دماء وإلى دولة صفقات سياسية وتجارية مريبة والدليل على ذلك هو تعاطيها المخزي مع ما يسمى الأزمة السورية.

ستبقى روسيا متمسكة بهذا الموقف الإنتهازي الذي بادرت إلى إتخاذه منذ بداية هذه الأحداث المؤلمة وهي بالتأكيد ستواصل عنجهيتها ما لم يبادر العرب وبخاصة عرب الخليج العربي إلى أشعارها ، بالأفعال وليس بمجرد الأقوال، بأنها إذا لم تغير هذا الموقف وتتوقف عن المشاركة في سفك دماء السوريين فإن الثمن سيكون مصالحها الحيوية في هذه المنطقة وهذا يجب أن ينطبق أيضاً على كل الدول العربية المعنية فعلاً بإنقاذ سوريا والشعب السوري من هذا الدمار ومن هذه المجازر والمذابح البشرية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لافروف والملكيات غير الديمقراطية

ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

7-11-2012

تصنع لحظة الحرب في سورية عندما تلتقي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي في نفس المطار، مع فارق أن المسافر الأميركي في طائرة مغادرة، والروسي في طائرة قادمة. وفي لقاءاته، يتحدث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وكأن الاتحاد السوفيتي لم يتفكك، إلى درجة الحديث عن صواريخ "ستينغر" التي ساهمت في هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، مع أنه يدرك أن دخولها يعني نهاية سلاح الجو السوري الذي تسقط طائراته بصواريخ ومضادات دون كفاءة "ستينغر".

عصبية لافروف سببها خوفه من القادم بعد الانتخابات الأميركية؛ فأيا كان الفائز، فسيكون من أولى قراراته رفع الحظر عن السلاح النوعي للثوار السوريين. وهو ما يعني دخول مضادات الطيران والدروع النوعية، التي ستجعل نهاية النظام وشيكة. فالثوار بدون السلاح النوعي تمكنوا من تحقيق تقدم نوعي في كل الجبهات. وخلال الشهرين الماضيين، لم يتمكن النظام من تحقيق أي تقدم في أي منطقة. وفي المقابل، تصرف بطريقة "ضربة مقفي"، مستخدما سياسة الأرض المحروقة، مدخلا مصطلحا جديدا في الحروب، وهو إلقاء "البراميل" المتفجرة على المناطق السكنية، محققا زيادة كبيرة في عدد المجازر التي بات صعبا إحصاؤها.

تشبه لغة لافروف في اللقاءات الخاصة أحاديث شبيحة النظام السوري في فضائية "دنيا". فهو يخوض صراعا مع أميركا، ويرفض أن يتكرر ما حصل في العراق وليبيا في سورية، وينتقد الملكيات باعتبارها غير ديمقراطية. وبالنسبة له، فإن القضية هي مع أميركا وليست مع الشعب السوري، والثمن الذي يطلبه لا يستطيع الشعب السوري دفعه. فما يريده هو النفوذ الأميركي في جورجيا؛ بمعنى مقايضة نفوذ روسيا البعيد في العراق وليبيا وسورية، بنفوذ أميركا القريب منها.

ما يتناساه لافروف هو أن الشعب السوري قاتل الأميركيين في العراق، وقضى زهرة شبابه في مواجهات مع القوات الأميركية. وقبل ذلك، كان جيش حافظ الأسد يقاتل ضد صدام حسين في الكويت. ومشكلة صدام وقتها أنه لم يدرك أن الحرب الباردة انتهت، وهو ما أدركه الأسد الأب. أما ليبيا، فقد باع القذافي نفسه للأميركيين، وسلم الأسرار النووية الباكستانية. وكانت علاقات سيف الإسلام والمعتصم بالأميركيين لا تقل عن علاقة محمد دحلان بهم. في المقابل، فإن عبدالحكيم بلحاج كان معتقلا في السجون السرية!

وبخصوص الملكيات، سواء الخليجية منها أم الأردنية والمغربية، وبمعزل عن منسوب الديمقراطية فيها، وعلى ما بينها من تفاوت، لم تمارس ضد شعوبها ما مارسه بشار الأسد. فالمظاهرات التي شهدتها الكويت مؤخرا، ومقارنة بعدد السكان، لم يشهدها بلد عربي، ومع ذلك لم يطلق الرصاص على المتظاهرين. وهذا حصل في الأردن والمغرب من قبل. والغرب لم يوفر الملكيات في ملف حقوق الإنسان.

لم يجد لافروف من يشتري كلامه. والمفارقة أنه يحاول إقناع رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب بأن روسيا لا تدعم النظام السوري، متناسيا أن حجاب بحكم موقعه السابق كان مطلعا على حجم الدعم، عسكريا وأمنيا واقتصاديا، ولذا اعتذر عن عدم تلبية دعوة لافروف لزيارة موسكو ما لم تغير موقفها. وفي الوقت الذي يتحدث فيه عن صواريخ "ستينغر"، لا يجيب عما ضبطته السلطات التركية في الطائرة القادمة من موسكو، والتي لم تكن تحمل مواد طبية لإسعاف من تقصفهم طائرات "الميغ".

لقد خسرت روسيا ملكيات جمهورية في ليبيا وسورية، ولا داعي لأن تخسر الملكيات الوراثية.

yaser.hilila@alghad.jo

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العالم والأردن في مواجهة "نيرونية" النظام السوري

إبراهيم غرايبة

الغد الاردنية

7-11-2012

هل كانت زيارات قادة المعارضة السورية إلى عمان في إطار تطور الموقف الأردني والعالمي تجاه الأزمة السورية؟ وهل كانت مقالة عبدالرحمن الراشد في "الشرق الأوسط" (التغيير القادم من الأردن، 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي)، والتي يقول فيها إن الأردن ليس مجرد أرض للاجئين السوريين، بل عاصمة الثورة السورية، وقد ينجح فيما عجز عنه الآخرون (هل يقصد تركيا؟)، وأن الأردن سيُفشل معادلة الأسد المتكئة على إيران والعراق وحزب الله، تؤشر على معلومات وأفكار عن تطور جديد في التعامل مع الأزمة السورية؟

يبدو أن النظام السياسي في سورية نفسه يشعر أن العالم تأخر زيادة عن اللزوم أو المتوقع، وكأنه يستعجل التدخل الدولي والإقليمي ليريحه من نفسه؛ فلا يمكن تفسير سلوك النظام السوري سوى بدفع العالم إلى التدخل. وحتى عندما أعلن باراك أوباما عن اجراءات ستتخذها الولايات المتحدة إذا استخدم النظام السوري الأسلحة الكيماوية، أجرى النظام، بالتعاون مع إيران، مناورات وتجارب استخدمت فيها الأسلحة الكيماوية؛ وكأنه يأمل أن تتدخل الولايات المتحدة وتطلق عليه رصاصة الرحمة، أو ألا تضطره إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري!

وربما يكون النظام السوري متأكدا تماما أن العالم يتفرج على المجازر والإبادة والقصف العشوائي ببراميل المتفجرات، وربما يتسلى بالمشهد، ولكن أي انتصار يعتقده حكام سورية بتدميرهم لمدنهم، وقتلهم شعبهم؟ ألا يعني ذلك ببساطة أنه لم يعد يربط رئيس سورية بالشعب السوري سوى القتل والإبادة، وأنه لا علاقة له بالمدن السورية سوى الكراهية وعدم القدرة على رؤيتها على الخريطة؟

لا يمكن بالطبع، ولا يجوز سياسيا وأخلاقيا، أن يظل العالم يتفرج على الدمار والجرائم بحق الإنسانية، ولا بد أن يكون للأردن دور أساسي في وقف الجرائم هذه. صحيح أن الأردن بلد محدود الإمكانات والموارد، ولكنه شريك فاعل ومهم للمجتمع العالمي، وهو أيضا متضرر، على نحو مباشر وكبير جدا، مما يجري في سورية. ولسنا بحاجة إلى الانتظار حتى تصل النار إلينا، ولا يمكن أيضا أن ننظر إلى الكارثة الإنسانية في سورية وكأنها مجرد فيلم رعب أو "آكشن" فظيع!

السوريون اليوم يدفعون ثمنا غاليا جدا لحريتهم وكرامتهم، ويجب على الأردن والأردنيين أن يساندوهم. والنظام السياسي في سورية بحاجة إلى من يريحه ويخلصه من نفسه!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

.. في ما خصّ مبادرة رياض سيف

بكر صدقي *

الأربعاء ٧ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

سبق للصناعي رياض سيف أن اقترح مبادرة مشابهة لمبادرته الراهنة قبل أكثر من سنة من الآن، على نطاق ائتلاف إعلان دمشق. كان ذلك في الأشهر الأولى للثورة السورية، بعدما شارك بضع مرات شخصياً في التظاهرات السلمية في مسقط رأسه حي الميدان الدمشقي، ونال قسطه من اعتداء الشبيحة عليه بالضرب في آخر مشاركة. اقترح النائب السابق حينذاك إنشاء إطار جديد ينطق باسم إعلان دمشق الذي كان من مؤسسيه، بعدما رأى من شلل أمانته العامة وعجزها في الاستجابة لثورة الشعب السلمية بعد أشهر على انطلاقها.

هكذا هو رياض سيف: مبادر حين تكون الساحة مقفرة والفاعلون عاجزين، متفائل يبث التفاؤل في من حوله حين يسود التشاؤم. كان نائباً في مجلس الشعب حين بدأ الكلام ضد النظام تحت قبته، وأدخل يده في عش الدبابير بهجومه على عقود تأسيس شركتي تخديم الهاتف الخليوي اللتين شكلتا الواجهة «الليبرالية» للطغمة العائلية الفاسدة في طور التوريث. كان مبادراً في مساهمته بقسطه في إطلاق ربيع دمشق، وأسس أحد المنتديات في بيته في ضاحية صحنايا الملاصقة للعاصمة، واعتقل بعد أول انعقاد له (أيلول/سبتمبر 2001) لينال حكماً بلغ خمس سنوات سجناً.

كان من المساهمين في إطلاق إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي في خريف 2005، وكرَّسَ وقته وجهده لإنقاذ أعرض ائتلاف للمعارضة السورية في تاريخها من خلال العمل على عقد «المجلس الوطني لإعلان دمشق» في بيته الجديد في ضاحية قدسيا (كانون الأول/ديسمبر 2007) ليعتقل بعد ذلك بشهرين بين من اعتقلوا في قيادة «الإعلان» المنتخبة. حكم عليه بسنتين ونصف سجناً كسائر قادة الإعلان، ثم خرج وأعلن استقالته من الأمانة العامة تحت ضغط الوضع السياسي القاتم الذي وجد فيه البلاد حينذاك، وشلل فاعلية الائتلاف الذي كان علق عليه كل آماله.

لكن الصناعي العصامي الذي خبر الحياة بكل تقلباتها، سيستعيد حيويته السياسية على رغم السرطان الذي تمكن منه، حين رأى التظاهرات الشعبية الكبيرة تهز أركان أعرق دكتاتورية فاسدة في المنطقة العربية، في حي الميدان بالذات حيث عاش طفولته وصباه. منعته السلطات من الخروج للمعالجة، فوجد متأخراً طريقه للتسلل إلى إسطنبول عاصمة المعارضة السورية في زمن الثورة. بعيداً عن محرقة الإعلام، تعرف سيف إلى نقاط ضعف المجلس الوطني السوري الذي كان عضواً مؤسساً فيه، وشخَّص أمراضه من غير أن يقع ضحية إغراء الهجوم عليه كما فعل كثيرون غيره من الباحثين عن الأضواء والمناصب. منذ مؤتمر القاهرة وهو يعمل بهدوء لانتشال واجهة الثورة السورية من مأزقها، ولم يعلن عن مبادرته الجديدة إلا قبل أيام معدودة على اجتماع الدوحة، المخصص لتفعيلها.

تشكل الحكومة الثورية الموقتة نواة مشروع رياض سيف، وهذه نقلة من سلطة تشريعية إذا جاز التعبير، كانها المجلس الوطني السوري، إلى سلطة تنفيذية تعمل كرجل واحد بعيداً عن هواجس التمثيل والتوافق السياسي التي شلت عمل المجلس وكادت تقضي عليه.

بمعنى من المعاني يحاول سيف معالجة المشكلة ذاتها للمرة الثانية. فبعد وقت قصير من تشكيل قيادة توافقية لائتلاف إعلان دمشق، تبين أنها تتألف من تيارين لا يمكن التوفيق بينهما (أحدهما ليبرالي والثاني اشتراكي ممانع) الأمر الذي شل عمل الائتلاف تماماً وحوَّلَهُ إلى مجرد اسم بلا مضمون وبلا عمل. فعمل سيف على الإعداد لعقد مجلس وطني هو بمثابة مؤتمر للائتلاف المعارض ينتخب قيادته انتخاباً. وإذ جاءت نتائج الانتخابات لصالح التيار الليبرالي، انشق عنه التيار الممانع الذي سيشكل بعد فترة من بداية الثورة الشعبية ائتلافاً جديداً باسم «هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي» برئاسة حسن عبد العظيم في الداخل وهيثم العودات (مناع) في الخارج.

مشكلة اليوم ليست بين تيار ليبرالي وآخر يساري ممانع، بل هي مرض متعدد الأبعاد يشل فاعلية الإطار الأهم للمعارضة السورية في زمن الثورة، لعل أهمها أنه بدلاً من قيادة ثورة الشعب نحو أهدافها المعلنة، كان مجرد صدى لمطالبها وشعاراتها إضافة إلى انقطاعها الواقعي عن وقائعها وجسمها الثوري. فلا انبثق المجلس من قلب الحراك الثوري ليحق له الادعاء بتمثيلها عضوياً، ولا انفصل عنها بالمسافة المطلوبة لقيادتها ومساعدتها. وإذ أعلن رفضه لأي تدخل عسكري خارجي للإطاحة بنظام الأسد، لم يبذل الجهد الكافي للاستقلال عن القوى الإقليمية والدولية المتنوعة التي تنطحت لدعم الثورة. وفشل في تأمين مصادر دعم للثورة، ليهدر القليل الذي توفر منها في الحسابات الحزبية الضيقة للقوى المشكلة له.

وإذا كان الإخفاق الديبلوماسي للمجلس في تأمين حماية أممية للثوار يعود إلى أسباب لا يد له فيها، فهو المسؤول عن عجزه عن تأطير القوى المعارضة الواقفة خارج مظلته. أخيراً وليس آخراً، المجلس الذي وضع معظم رهاناته على تركيا أردوغان، سيكتشف أن هذا الأخير مرتهن للموقف الأميركي أكثر مما كان متوقعاً، ومكبل اليدين داخلياً في مواجهة مشكلات من صنعه.

أثارت مبادرة سيف حتى قبل إعلانها الكثير من اللغط والهجوم والتشويش. وكما اتهم سابقاً من قبل التيار الممانع في إعلان دمشق بأنه قبل دعوة السفارة الأميركية للمشاركة في احتفالها بالعيد الوطني الأميركي، يتهمه اليوم قادة المجلس الوطني بالتنسيق مع السفير الأميركي روبرت فورد في مبادرته الجديدة. الواقع أن التصريحات المتعجرفة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قدمت مادة ملائمة لأولئك الذين لا يتقبلون الاعتراف بالفشل والتنحي ويقدمون مصالحهم الضيقة على مصالح الثورة ومصير الوطن.

هذا الوطن الذي يدمر اليوم أمام أعين العالم بحاجة لإنقاذ. هذا ما لا يجادل فيه أحد. الخلاف هو حول سبل الإنقاذ وأثمانه. أصبح ظهور شخصيات المعارضة الموجودة خارج البلاد على وسائل الإعلام، وحديثهم عن الثورة التي ستستمر حتى تحقيق أهدافها بفضل تضحيات الشعب وتراكم أعداد الشهداء والنازحين واللاجئين والمعتقلين والمفقودين، يثير الاستهجان الشديد، ولن تخفف منه أفواج السياحة الثورية من تركيا إلى المناطق المحررة بفضل بطولات الجيش الحر.

يبدي معارضو مبادرة سيف روحاً تطهرية صاخبة ترفض الوصاية الأميركية على المعارضة من جهة، والتفاوض مع النظام من جهة ثانية. بصرف النظر عن مدى صحة هذا الموقف المنطوي على تشكيك في النوايا، لا بد من القول إنه يخفي الوجع الحقيقي للمنتقدين وهو شعورهم بأن قطار التغيير قد فاتهم، وآن أوان تنحيهم عن المشهد.

السياسة، قبل ذلك وبعده، خط متعرج مملوء بالمستنقعات القذرة.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النفاق الروسي وإعلان جنيف

عبدالله إسكندر

الأربعاء ٧ نوفمبر ٢٠١٢

لا يتوقف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن التشديد على ضرورة تطبيق اعلان جنيف الذي صدر عن مجموعة العمل من اجل سورية في 30 حزيران (يونيو) الماضي. لكنه في الوقت نفسه يعارض معارضة شديدة ان يتحول هذا الاعلان الى قرار ملزم من مجلس الامن، وفق الفصل السابع. وذلك بغض النظر عن صلاحية هذا الاعلان كآلية للحل، بعد كل ما شهدته سورية، منذ اطلاقه، من قتل وتدمير وتراكم التعقيدات.

الوزير الروسي يجول على المنطقة هذه الايام ليبشر بمحاسن هذا الاعلان ويهاجم معارضي النظام السوري والدول العربية والغربية التي تدعم مطالب المعارضة.

كيف يمكن الديبلوماسية الروسية ان توفق بين التبشير بإعلان جنيف ورفض تحويله الى قرار دولي؟ وكيف يمكنها ان تدّعي الحياد في النزاع السوري وهي تشن اوسع حملة على احد اطرافها.

يقوم لافروف بأكبر عملية تمويه ديبلوماسية، إن لم تكن اكبر عملية احتيال ونصب، لتبرير استمرار دعم بلاده للنظام السوري الحالي والإبقاء عليه كما هو وحماية أركانه الذين يتولون حالياً اوسع تدمير منظّم لسورية وشعبها، وباتوا في مواجهة اتهامات دولية بجرائم ابادة وضد الانسانية.

فالوزير الروسي يعرف جيداً ان اي وقف للعنف لن يكون في مصلحة النظام السوري، لسبب بسيط هو ان غالبية الشعب السوري ستنزل الى التظاهر في كل شوارع البلاد للمطالبة برحيل النظام، فور وقف استهداف المدنيين بنيران القوات النظامية. وهذا ما حصل مع المراقبين العرب ومن ثم الدوليين.

ولهذا السبب افشل النظام «هدنة الاضحى» التي تمناها الموفد الاخضر الابراهيمي، لأن مع بدء سريان الهدنة كانت التظاهرات تسير في الشوارع، فاستهدفتها نيران النظام بالقنص والهوان اولاً ومن ثم بالدبابات والمدفعية الثقيلة والغارات الجوية.

وهذا يعني ان النظام الذي افشل الهدنة سيفشل ايضاً اي وقف للنار، كما يطالب البند الاول من اعلان جنيف. وفي مثل هذه الحال سيكون الحامي الروسي في وضع محرج، خصوصاً اذا كان ثمة قرار دولي ملزم بتطبيق هذا البند.

اما عن حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة تتولى ادارة الحل السياسي، فإنها بطبيعتها، ككاملة الصلاحيات، ستهمش النظام وأركانه، وهو النظام الذي لم يجد احد في العالم محاسن له سوى موسكو التي اعتبرته حامي الاقليات وضامن الاستقرار. فكيف يمكنها ان تقبل بتهميشه في مرحلة انتقالية تفضي الى تغييره؟

بالتأكيد لا ترغب في رؤية سيناريو كهذا، وتسعى الى الالتفاف عليه بالمطالبة بأن تجري الامور تحت قيادته وسقفه، بدليل تمسكها بالدفاع عن اركانه ورأس الهرم فيه.

ومن اجل اضفاء مزيد من التعمية، تتمثل المشكلة في سورية، على لسان لافروف، بالدول التي تدعم المعارضة، في ترداد لما يقوله النظام نفسه عن الدعم الخارجي للعصابات المسلحة.

هكذا يبدو التمسك الروسي بإعلان جنيف مجرد نفاق سياسي، فما تفعله الديبلوماسية الروسية يتعارض مع بنود هذا الاعلان وروحه ايضاً. فكلمة «الحق» الروسية التي تُقال عن الاعلان يُراد بها «الباطل» في السعي الى تأييد استمرار النظام ودعم نهجه.

لا يبدو ان موسكو تريد فعلاً وضع حد للكارثة في سورية ولا يبدو انها مهتمة بمصير الشعب السوري، وإلا لكانت اندفعت الى ترجمة موقفها المعلن من اعلان جنيف الى خطوات عملية ملزمة، لا تأتي إلا بقرار دولي، من اجل تطبيقه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

اجتماعات الدوحة.. لكيلا تنحرف الثورة السورية

الوطن السعودية

التاريخ: 07 نوفمبر 2012

اجتماعات المجلس الوطني السوري المنعقدة بالدوحة، أفضت حتى الآن الى إعادة هيكلة المجلس بتقليص عضوية الأمانة السابقة واستيعاب 13 مجموعة معارضة أخرى، مما يشكل خطوة متقدمة نحو توحيد الفصائل كافة، وتشكيل جبهة موحدة لمواجهة نظام بشار الأسد.

المناقشات الساخنة التي شهدتها أروقة جلسات الاجتماعات، تمثل ظاهرة صحية طالما كان هدفها المصالح العليا للوطن النازف، وفي المقابل فإن تعنت المجلس وتصوير المطالب الرامية بتوسيع قاعدة المشاركة على أنها محاولة لتصفيته أو لفرض الوصاية، أمر مجاف للحقيقة، ذلك أن الثورة ملك لجميع فسيفساء الشارع السوري والمجلس الوطني لن يعزل بأي حال من معادلة المقاومة، لأن إسقاط النظام يستوجب تعزيز جبهة النضال.

إن الصراع الذي يدخل شهره العشرين، مع ارتفاع وتيرة الانتهاكات والأعمال الإجرامية للنظام بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتعذيب وتطبيق الإعدامات الخارجة عن القانون، يستدعي من جميع الرموز المعارضة الترفع عن التراشق ووقف الحرب الكلامية، وأن تكون أولوية التحرك الآن لإنقاذ أرواح المحاصرين داخل سورية، والالتفات لأزمات اللاجئين في دول الجوار خاصة مع زيادة أعداد النازحين والمشردين.

اجتماع يوم غد، والذي سيبحث تشكيل هيئة قيادية جديدة للمعارضة تقوم بتنسيق عمل الجيش السوري الحر على الأرض وتنبثق عنها حكومة منفى، يجب أن تسوده الروح الوطنية. ومهما يكن فإن أولويات أي كيان للمعارضة ينبغي أن تنصرف نحو تأمين الدعم العسكري للثوار، فضلا عن الدعم الإغاثي بعيدا عن المصالح الضيقة.

التفريط في جمع الكلمة من قبل أطياف المعارضة سيتيح المجال أمام المتربصين بالثورة، كما سيوفر أرضية خصبة للمتطرفين لتحويل مسارها والتشويش عليها أمام المجتمع الدولي الذي يريد تعزيز كافة أشكال دعمه للثورة، إلا أنه يبحث عن ضمانات من الثوار.

لقد آن الآوان لجمع شمل دعاة التغيير، لأن المستفيد الوحيد من تشرذم المعارضة هو النظام الباطش في دمشق

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الهجوم الأمريكي على الثورة والحسابات الخليجية

النقطة المهمة جدا للملف الأمني للخليج العربي، أن إيران أضحت تتقدم بجرأة نحو تثوير كلي لمحطات إقليمية عديدة..

مهنا الحبيل

الأربعاء 07/11/2012

المدينة

الهجوم الشرس على الثورة السورية الذي صدر من كلينتون، بعد مواقف غربية عديدة مماثلة، لم يكن إلاّ إعلان نوايا فقط، حيث كان هذا الموقف هو دعامة التفكير الإستراتيجي لواشنطن، وهو الخشية على مستقبل إسرائيل من الثورة السورية، وقد سبق أن قال المفكر الغربي الكبير نعومي شومسكي بأن روسيا تنفذ الخطة الأمريكية، فتخدمها باقتدار، وتساعد دورها المنافق.

وكان الثوار قد رصدوا ذلك فأطلقوا جمعة 19 أكتوبر الماضي باسم -أمريكا ألم يشبع حقدك من دمائنا- الذي كان إعلانًا مركزيًّا عن حقيقة تاريخية أدركها المراقبون بأن كل ضجيج واشنطن وحديثها عن وحشية نظام الأسد، بما فيها حلقات الجدل بين مرشحي الرئاسة لم تكن إلاّ إثارةً إعلامية، فيما كان القلق والفزع الإسرائيلي من الثورة السورية هو محرك المواقف العملية للغرب التي تحوّلت لبرنامج تنفيذي تُلقي واشنطن وباريس ولندن فيه كل ثقلها للتركيز على المسار الرئيس للحسم، وهو منع تسليح الثورة السورية، وسواءً كان ذلك لمنح مساحة للمحور الإيراني الروسي في المرحلة الأولى من الثورة لتصفيتها، أو كان ذلك لتكثيف فُرص آليات النظام لتحقيق أكبر مساحة من التدمير والقتل الوحشي لحواضن الثورة الشعبية؛ لإنهاكها قبل حسمها ووصولها للحكم المركزي الذي يزعج الأمن القومي لإسرائيل بشدة، ويثير الغرب، رغم إعلان الثورة أنها الآن في مرحلة بناء دولة حقوقية لحرية الشعب وكرامته.

هذا المسار أكده مجددًا في مطلع هذا الشهر أمين حلف الناتو في تصريح صريح ومباشر، أكد فيه رفض تسليح الجيش السوري الحر، لكنّ القضية لم تكن تصريحًا بل تهديد واشنطن للخليج، وتحذير شديد لأنقرة، وإن كانت الأخيرة لم تستجب لهذا التحذير، لكنها طلبت أن يتقدم الغطاء العربي بوضوح نحو تسليح الثورة السورية من خلال حدودها، ولكن التراجع العربي الكبير الذي شكا منه الأتراك عزز التدخل العسكري الأجنبي من إيران وميلشياتها المتعددة، ورغم كل هذه الدوائر من الحصار الدولي، وتشديده إلاّ أن الثورة فاجأت المشهد بنوعية متقدمة من الاختراق واكتسحت قيادة توجيه الفعل الإستراتيجي في الميدان، بمعنى أنّ كل جهود المعسكر الدولي وتقاطعه الإيراني بات فاشلاً في خطة محاصرة الثورة، أو إنهاكها للحد المطلوب في تقديرهم.

والنقطة المهمة جدًّا للملف الأمني للخليج العربي، أن إيران أضحت تتقدم بجرأة نحو تثوير كلي لمحطات إقليمية عديدة، تستغل هذه الفترة فتعزز تحريك فروعها في العراق ولبنان، في حين تُبعثر المشهد عبر منظوماتها الأُخرى برسائل فوضى واسعة للمنطقة لن يكون آخرها اغتيال وسام الحسن رئيس فرع المعلومات المتخصص بالشبكات الإسرائيلية والإيرانية، مع نجاح نوعي لطهران ضمنت فيه إيران دعم اختراق دولة خليجية تدعم مشروعها في سوريا.

هذه الرسائل لنتائج استثمار إيران لمرحلة التراجع العربي عن دعم الثورة أضحت تُقلق بشدة الرياض والدوحة، وتركيا أيضًا وصلتها هذه الرسائل الإيرانية المؤثرة عليها داخليًّا، والمفارقة هنا أن الثورة السورية التي ليس لديها مساحة دعم، وأضحت تلتصق بشعارها -ما لنا غيرك يا الله-، باتت في وضع إستراتيجي تغلبت فيه على ظروف حصارها والحرب الإيرانية عليها، غير أنّها تشكو من أن النظام يتغول في دماء المدنيين، وتطلب التسليح العربي لوقف هذا النزف، وحسم الثورة لتأمين انتقال مستقر ومدني لدولة الثورة الجديدة.

في حين باتت حسابات الرياض، وكذلك الدوحة قلقة وهي التي أضحت تقرأ التهديدات الإيرانية التي تُرسل من المركز، أو فرعي لبنان والعراق ومؤيديها في الخليج العربي بوعي إستراتيجي يتجاوز ضجيج الكلام، هنا بات التنسيق السعودي القطري أمام مواجهة الحقيقة، وهي أنّ التجاوب مع تحذير واشنطن لم يكن يخدم مصالحهم، وهو ما كان يعيه ويحذر منه وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، الذي يقضي فترة نقاهة لظرفه الصحي، هذه المعادلة الأمنية الصعبة أضحت على طاولة التنسيق، والمدار الذي ستفيد منه العاصمتان، وتستفيد منه الثورة، يعتمد على التعامل بوضوح وصراحة مع القيادة الشرعية التنسيقية للجيش السوري الحر، خاصة بعد فشل كل مشروعات واشنطن وباريس للتسويق لشخصيات أو مشروعات مقربة منها، وهي لا تحمل إلاّ أرقامًا من الوهم على ساحة المعركة.

والرسالة التي أرسلها الجيش السوري الحر للوسطاء العرب بشأن رفضه لمشروع الجيش الوطني، أو أي توافق فرنسي وأمريكي على مشروع محدد خارج قوة الثوار وقيادتهم المركزية تضمنت تصورًا واضحًا أمام الطرف العربي والتركي بتعهد كل قيادات الثورة وأركانها، بما فيها التوجه السلفي المحلي، بمشروع دولة مستقلة لا فوضوية تؤمّن الشعب، وتُهيئ لتأسيس الدولة المدنية، وحماية الطوائف بالمرجعية الطبيعية التي يختارها الشعب، والتي نرجو أن تعكسها نتائج مؤتمر الدوحة لتنطلق مرحلة دعم مركزي مطلوب بشدة للشعب الذبيح، وهو تسليح الجيش الحر نوعيًّا، هذه هي الضمانة -بإذن الله- لتحقيق المصلحة السورية والعربية.

mohanahubail@hotmail.Com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يأس الأسد

طارق الحميد

الشرق الاوسط

7-11-2012

من دون أدنى شك، فإن بشار الأسد يعي تماما أن تحريك الجبهة السورية الإسرائيلية هو آخر الحلول التي سيلجأ إليها في حال عدم سحقه للثورة السورية الشعبية، فالأسد يدرك أن فتح الجبهة الإسرائيلية لن يؤخذ كمناورة وحسب، بل إنه تغيير في قواعد اللعبة كلها في المنطقة، وسيترتب عليه الكثير، فلماذا يقوم الأسد بمناوشة إسرائيل الآن؟

الواضح أن نظام الأسد قد جرب كل الأوراق التي بيده من أجل أن يهرب إلى الأمام، حيث حاول إشعال لبنان، وإغراق الأردن باللاجئين، وكذلك خلط الأوراق في تركيا، سواء على الحدود، أو داخليا، حاول الأسد كل ذلك ولم ينجح إلى الآن، ولم يفلح في كسر الثورة السورية، بل إن الجيش الحر يتحرك ويتصرف وكأنه يتأهب لـ«ساعة الصفر»، فمن الواضح أن هناك أمرا يطبخ من قبل الثوار السوريين، والنظام الأسدي يستشعر ذلك جيدا، خصوصا مع نهاية فترة الغيبوبة السياسية بسبب الانتخابات الأميركية، وهنا يجب أن نتذكر التحركات السياسية الحثيثة في آخر ثلاثة أيام، سواء بالدوحة، أو عمان، أو أنقرة، وحتى جولات ولقاءات وزير الخارجية الروسي. فالنظام الأسدي بات يشعر بأن الأمور تسير باتجاه مختلف، وبالتأكيد لن تكون في مصلحة النظام الأسدي.

كل ذلك دفع الأسد للقيام بحركة يائسة، تدل على أن النظام بات محبطا، ودخل مرحلة المغامرة، والمقامرة، وهي التحرك على الحدود السورية الإسرائيلية، حيث بدأ بإرسال ثلاث دبابات، وبالأمس كانت هناك حادثة إطلاق نار على الحدود، فما يريده الأسد، كما ذكر البعض من قبل، هو إشعال الجبهة السورية الإسرائيلية الهادئة منذ أربعة عقود، من أجل أن يحول الثورة السورية إلى مسار آخر مختلف. وبالتأكيد الأسد يعي أن هذا التحرك، ضد إسرائيل، سيغير قواعد اللعبة تماما حيال الملف السوري، بالنسبة للأميركيين، أو الروس، وحتى للإسرائيليين الذين كانوا غير قلقين مما يحدث في سوريا، بل غير قلقين من بقاء الأسد، وهذا ما كان واضحا طوال الثورة السورية، وحتى بعد أن صرح ابن خالة بشار الأسد في بدايات الثورة السورية مهددا إسرائيل، فإن النظام الأسدي سعى لطمأنة تل أبيب بأن ذلك كلام للاستهلاك الإعلامي داخل سوريا تحديدا.

اليوم، وبعد التحرك العسكري لقوات الأسد على الحدود السورية الإسرائيلية، وعملية إطلاق النار، فمن المؤكد أننا أمام نظام يشعر باليأس، بل الخوف، مما هو قادم، نظام يشعر بأنه فعل كل ما بوسعه للقضاء على الثورة التي تقف صامدة وحدها وسط تواطؤ دولي مخزٍ، لكنه، أي الأسد، لم يستطع كسر تلك الثورة، أو إخماد فتيلها، فحتى عندما قرر الأسد استخدام لعبة هدنة عيد الأضحى لمدة ساعات فإنه فوجئ بالمظاهرات العارمة التي خرجت ضده بجميع أنحاء سوريا. ولذا فإن الأسد يقدم اليوم على لعبة الانتحار هذه باستهداف إسرائيل، خصوصا أن المشهد السياسي الدولي اليوم مختلف تمام الاختلاف، والحسابات قد تغيرت، سواء أميركيا، أو روسيا، أو إسرائيليا، ولذا فإن تحرش الأسد بالإسرائيليين ما هو إلا عملية انتحار، أو لعبة روليت سياسية، تقول لنا إن الأسد يائس ويستشعر خطر ما هو قادم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الانتخابات الأميركية.. من عبد الناصر إلى الأسد

عادل الطريفي

الشرق الاوسط

7-11-2012

في حوار تلفزيوني جرى عشية الانتخابات الأميركية عام 1968، تعمّد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مغازلة الحزب الجمهوري في أميركا، حيث قال إن المصريين كغيرهم يحترمون الشعب الأميركي، ومعجبون بنموذجه الحضاري، ولكنهم مستاءون من سياسة الرئيس ليندون جونسون (من الحزب الديمقراطي) الذي وقف إلى جوار إسرائيل في حرب 1967. مضيفا أن «مشكلة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، أنها مبنية على عناصر غير أميركية، مثل الحسابات الانتخابية». ما من شك في أن عبد الناصر كان يقصد في حديثه هذا، ما اصطلح على تسميته لاحقا «اللوبي الصهيوني». وتظهر بعض الوثائق التي أفرج عنها فيما بعد في بعض العواصم الغربية، أن الرئيس المصري تجاهل مفاوضات السلام مع الرئيس جونسون، التي كان بإمكانها آنذاك، المساهمة في الانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء، ولكن عبد الناصر فضل انتظار الانتخابات الأميركية، وما ستسفر عنه، متوهما أن الرئيس القادم سيعطيه ما لم يوفره سلفه، مما كبّد مصر خسارة استراتيجية كبيرة، وحرب استنزاف مكلفة.

في عام 1969، حين انتخب ريتشارد نيكسون رئيسا أميركيا جديدا، كتب عبد الناصر برقية تودّد لنظيره يقول فيها: «ما أتذكره منذ لقائي بك في القاهرة عام 1963، يجعلني مقتنعا بأن الثقة التي أولاها إياك الشعب الأميركي، ستخلق فرصة لها أهمية بالنسبة للوضع العالمي». من الواضح أن عبد الناصر، الذي كان يجاهر بخطاب ديماغوجي قومي، وراديكالي معاد للغرب، كان في الخفاء لا يدخر وسعا في استعطاف القادة الأميركيين. ولكن المشكلة لم تكن في محاولته التقرب من أميركا والابتعاد عن حليفه الاتحاد السوفياتي، بل لأنه كان يعتقد أن المشكلة ليست فيه، أي في سياساته الداخلية والإقليمية، بل في الخارج، وأن بوسع حدث مثل الانتخابات الأميركية أن يغير من مجرى حظه العاثر. موقف عبد الناصر هذا أضحى منهاجا سيئا، وأسس لمواقف عربية سلبية لعقود، حيث ظن - وما زال هناك من يظن من بعض الرؤساء والقادة العرب - أن المشكلة ليست في سياساتهم، ولكن في سوء سياسات الإدارات الأميركية التي عايشوها، أو يعايشونها.

ليس هذا التحليل تبرئة للسياسة الأميركية، التي لها سقطاتها الكثيرة، ولكن ثمة فرق بين الاعتراف بالخطأ، ومحاولة تحميل هذا الإخفاق للخارج.

من يراجع الوثائق التي تفرج عنها وزارة الخارجية الأميركية، أو ما تصدره المحفوظات الوطنية البريطانية من مراسلات السفراء، أو حتى تسجيلات صدام التي نشرتها جامعة كمبريدج السنة الماضية، يلاحظ أن كل رئيس عربي، يظن أنه يفهم السياسة الأميركية، ولكنه في الحقيقة، ربما يفهم بعضا من آلياتها وخطوطها، وله علاقة ببعض سياسييها. بيد أن في الأمر وهما أو قل «يوتوبيا» يخلقها هذا المسؤول - أو مستشاروه - في الذهن، بعيدا عن طبيعة السياسة الداخلية لأميركا.

بعيد الانتخابات الأميركية في عام 2008، نقل عن عبد الرحمن شلقم - وزير خارجية ليبيا السابق - استياء العقيد القذافي من الإدارة الأميركية، لأنها لم تكافئه على التخلي عن نشاطاته الإرهابية، أو تخليه عن مشروعه النووي السري، قائلا لإدارة أوباما: «لقد قدمنا بعض المعدات، وبعض أجهزة الطرد المركزي، على سبيل المثال لأميركا، لكن ماذا أعطيتمونا؟». وينقل مسؤول آخر عن القذافي قوله: «عندما كنتم أعداءنا، لم نكن نهتم، لكن الآن، من المفترض أن تكونوا أصدقاء لنا. نحن مندهشون».

كان القذافي يعتقد مهووسا، أن المشكلة ليست فيه، بل في الأميركيين. هذا الحديث ليس انتقائيا، بل هو مرتبط بالجدل الدائر حول الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث اتجه أول من أمس الأميركيون للإدلاء بأصواتهم، والتي لم تظهر، حتى كتابة هذا المقال، نتائجها بعد، ولكن كما كان الحال عليه أيام عبد الناصر، هناك بعض من التعويل في منطقة الشرق الأوسط على نتائج الانتخابات الراهنة، حيث يجادل البعض على أن فوز الرئيس الحالي باراك أوباما بولاية ثانية، سيجعله أكثر قدرة على مواجهة مسائل ملحة، مثل دعم المتمردين السوريين ضد نظام الرئيس الأسد المتورط في جرائم حرب، والتشدد ضد مساعي طهران النووية، أو حتى استعادة عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن هناك من يرى أن فوز المرشح الجمهوري ميت رومني هو أفضل للمنطقة، لأن أوباما لا يملك استراتيجية واضحة وحازمة، على الأقل بالنسبة لحلفاء أميركا، بل إن تحمسه لرحيل الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة، والترحيب بما يسمى «الربيع العربي» الذي أدى بالضرورة إلى انتخاب الإسلاميين، يعكسان مدى جهله أو تجاهله - كما يقول البعض - لظروف المنطقة وطبيعتها. نقاد إدارة الرئيس أوباما يرون أنه أظهر ترددا كبيرا في الشأن السوري، مما قاد – عمليا - إلى حرب أهلية مدعومة من القوى الإقليمية والدولية - لا سيما إيران والروس - وإلى ازدياد نشاط الحرس الثوري الإيراني في دول الخليج، وبروز حركة الإخوان - والجماعات المماثلة لها - كتحد لسياسة الاعتدال في المنطقة. أما فيما يخص المرشح الجمهوري ميت رومني، فهناك حالة من الانقسام، حيث يرى البعض أنه لا يملك التجربة، علاوة على محدودية ثقافته، وليست لديه آراء ثابتة أو بالكاد مختلفة عن منافسه، فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فيما يرى البعض أن كون رومني من تيار الوسط في الحزب الجمهوري، فهذا يعد باستعادة نموذج الرئيس رونالد ريغان، أي دعم حلفاء أميركا، والتركيز على القوى التي تهدد الأمن الإقليمي. برأيي، إن التعويل على الانتخابات الأميركية غير مجد، ليس لأن أميركا غير مهمة كقوة دولية، بل لأن دول الاعتدال في المنطقة عليها أن تقود السياسات الإقليمية لتحقيق مصالحها، لا أن تترقب نتائج الانتخابات في بلد أجنبي. خذ على سبيل المثال الموضوع السوري، ذهبت دول مثل تركيا وبعض دول الخليج إلى حد كبير في تحدي ممارسات النظام السوري بحق مواطنيه، وتم الحديث عن تمويل المنشقين العسكريين، وإقامة حكومة انتقالية، ولكن منذ ذلك الحين شهدنا ترددا في المواقف، حيث لم يتم توفير السلاح النوعي للمتمردين السوريين، ولم تنجح حتى الآن الجهود في جمع كلمة المعارضة السورية - نتائج قمة الدوحة لم تظهر حتى كتابة المقال - بعض المعلقين حملوا الإدارة الأميركية، التي ترددت في توفير السلاح، مستشهدين بمقتل السفير الأميركي في ليبيا، رغم أن هذا التردد سبق مقتل السفير بعام كامل. أيضا، هناك من استشهد بموقف الإدارة الرافض للمجلس الوطني السوري مؤخرا، كدليل على عدم جدية إدارة أوباما في إسقاط نظام الأسد. مشكلة تركيا ودول الخليج أنها متكلة على الإدارة الأميركية، ولم تخطط مسبقا لتداعيات قرارها أو توفر الوسائل والتجهيزات اللازمة، ليس فقط لإسقاط نظام سيئ مثل نظام الأسد، بل لبناء دولة مؤسسات ديمقراطية لتحل مكان هذا النظام المتطرف. إن مجيء رومني أو بقاء أوباما، قد لا يغيران من الظروف الواقعية شيئا. ليس هذا تقليلا من دور أميركا وأهميتها، ولكن كان على الدول التي تسعى لمواجهة تهديدات المحور السوري/ الإيراني، أن تتخذ خطوات عملية وشجاعة لإفشال تلك المخططات، لا أن تعتمد على التعاطف الغربي الإنساني – المحتمل - مع الكارثة الإنسانية في سوريا.

الدول غالبا ما تتحرك لمصالحها، وتركيا ودول الخليج كان عليها أن تبني تحالفا دوليا مبنيا على إثبات مصلحة المجتمع الدولي في التدخل، لإسقاط نظام ينتهج دعم الإرهاب، وسياسة الترويع بحق مواطنيه، وأن تقوم قبل غيرها بتهيئة السوريين لمرحلة انتقالية. في لقاء جمع بين الرئيس بشار الأسد وجون كيري رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ (فبراير/ شباط 2009)، أبلغ الأسد ضيفه بأنه كان يتطلع لانتخاب الرئيس أوباما، لخطابه العالمي المتسامح، ولعدم هجومه على سوريا، وفي مقابل ذلك وعده ضيفه بأن الرئيس أوباما سيعمل على سحب جنوده من العراق لطمأنة سوريا. وفيما بدا أنه اعتداد بالذات كبير، لما رآه ضعفا من قبل الرئيس الأميركي الجديد، رد الأسد قائلا: «ليس من أهدافنا أن يتم إهانة الولايات المتحدة». لا بد أن الأسد اليوم يدرك ما أدركه عبد الناصر متأخرا، أن الحل لا يأتي - بالضرورة - عن طريق الانتخابات الأميركية، بل في تغيير السلوك السياسي للنظام نفسه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سالمت سنة لبنان الأسد فما بادلها الوفاء

غسان الامام

الشرق الاوسط

6-11--2012

مُنَح الصلح أغزر آل الصلح فكرا. وأقلهم حظا. نظّر. وفكر. فانتظر. وانتظر. فما وصل التكليف بالترئيس. فهجا «المارونية السياسية». ودافع بحرارة عن «العروبية اللبنانية». عَبَر الثمانين فآثر الاعتزال. «تمورنت» علياء الصلح (ابنة رياض). فخالفت تراث أبيها العروبي. لو أن لبنان يرئس النسوان، لكانت هي جديرة برئاسة الحكومة. كانت أكثر شجاعة من مُنَح. ثم اعتزلت مثله. فماتت كأبيها قبل الأوان.

منح آل الصلح لبنان أربعة رؤساء حكومات: رياض سامي. تقي بك الذي كان يعاتبني، عندما قلت إنه آخر طربوش سني في لبنان. ثم رشيد القاضي الذي توزر. فترأس. لم يبال بالصعاليك والطرابيش. فوصفه الرئيس سليمان فرنجية (الجد) بـ«النمرود». يعترف رشيد بأنه ظل «نمرودا» طوال حياته في السياسة. لكن في البيت فهو إنسان «وديع». ناصري صامت.

قضى تقي بك حياته السياسية كلها تحت طربوش الانتظار. انتظر هو الآخر مرسوم التكليف. فإذا لم يأت مع التغيير الحكومي، دخل غرفة الإنعاش. يصحو من الصدمة. فَيُنقِّل فؤاده بين الرؤساء الموارنة، حيثما شاء له الهوى، على رأي المخضرم الراحل لويس الحاج رئيس تحرير «النهار».

في ربع الساعة الأخير من القرن العشرين، احتل سنة عصاميون آتون من كوكب القرية الإلكترونية سرايا السنة الحكومي. لكن نسيت أنا عمر كرامي الذي زاحم هؤلاء بأرستقراطية آل كرامي «أفندية» طرابلس. وانكسر مرتين. فقد دوخته دواليب الفقراء المشتعلة في الشارع. فما صبر على المكروه، كما فعل أخوه الراحل «الأفندي» رشيد. طارت شعبية «الأفندية». احتلتها التنظيمات التكفيرية والجهادية (السنية). فاحتمى عمر بسوريا الأسد. وما زال.

نجيب ميقاتي «أفندي» آخر من طرابلس. عصامي. ملياردير الإنترنت والهاتف المحمول. هو الآخر وصل. لكن محمولا على كتفي حسن حزب الله. وإيران. شكل له بشار حكومته. فخاصمته طائفته. ميقاتي مدافع صنديد عن الأسد: «علاقتي ببشار شرف لي». لكنه لم يحظ بشرف المصاهرة عندما كان بشار يبحث عن زوجة سنية.

أن تستقيل. أو لا تستقيل. هذه هي مشكلة ميقاتي. أن تكون. أو لا تكون. على كرسي السرايا، قرر أن لا يستقيل. على كرسي الاعتراف. نسي أنه قال يوما: عندما أشعر بأن الناس أصبحوا يرفضونني.. سأبتعد. لم يبتعد الحاج ميقاتي. فحاصره «الآذاريون» في البيت والسرايا.

فؤاد السنيورة حامل أختام آل الحريري. يتكلم بنعومة ويحمل هراوة غليظة: لا حوار على مائدة الرئيس ميشال سليمان، قبل استقالة الحاج ميقاتي. شكا السنيورة من الساسة. فغدا واحدا منهم. شكل حكومة وفاق وطني. فحاصرته شيعة حزب الله بـ«الأراكيل».

عذب الوفاق الكاذب السنيورة. وعذبني السنيورة عن غير قصد. فقد قلت يوما للراحل الحريري: «إنك تكثر من المستشارين». فرد علي معاتبا: «هل تقصد السنيورة؟» قلت مستدركا: «لم يخطر في بالي يوما أن السنيورة مستشار سوء».

مضى أبو بهاء في عتبه: «إذا كنت تقصد السنيورة؟ فهو موضع ثقتي. السنيورة يدير مشاريع لي بقيمة ثلاثة مليارات دولار».

سار السنيورة والحريري، في الاقتصاد، على مبادئ جون مينار كينيز عبقري الاقتصاد الذي كان ينصح وزراء الخزانة بعدم التقشف: «لا تخافوا من عجز الميزانية». الاستدانة والإنفاق ينعشان الاقتصاد. والإنتاج. وفرص العمل للشباب. ظل السنيورة وزير الخزانة في حكومات الراحل الحريري. وما زال يدافع عن نفسه: «لا توجد دولة في العالم وزير ماليتها رجل محبوب».

برحيل الحريري الأب. وغيبة الحريري الابن، صار السنيورة «حامل الهوى». وحامل الهوى تَعِبُ. فقد خَفَّه الطرب. السنيورة صوته جميل. يعالج داء السياسة بهواية الغناء. ويخوض مع تيار «المستقبل» و«14 آذار» أصعب معارك حياته «الصوتية» الصاخبة.

كان رفيق الحريري مشروعا سياسيا/ اقتصاديا ضخما. كان مقاول مشاريع خدمات ضخمة. عندما ترأس الحكومة في أوائل التسعينات، نفذ مشاريع بنى أساسية كبيرة ضايقت «حزب الله». أعاد بناء قلب بيروت المدمر، فرد الثقة إلى بيروت السنية والمسيحية. وعندما رحل كرمته بيروت بدفنه في حضن المدنية الصغيرة التي بناها.

بنى الحريري زعامة شعبية. هي الأولى من نوعها منذ رياض الصلح. ولأنه صاحب مشروع، فقد ألح على الاحتفاظ برئاسة الحكومة ليبني. ويعمر. فناصبه الساسة العداء. أنشأ تيارا شعبيا، كنت أود أن يكون حزبا مفتوحا لكل الطوائف.

لم يغفر بشار وحزب الله لزعيم سني، أن يكون على هذا المستوى من الانتشار في الداخل. والنفوذ الدولي في الخارج. كان الحريري وفيا لسوريا. كان وزير خارجيتها الحقيقي أكثر مما كان صديقه خدام أو الشرع. لكن ماذا يفعل ببشار حاقد. وبنظام غادر. عديم الوفاء؟

هل كان سليم الحص، على مستوى أخلاقيته السياسية الرفيعة، في عدائه لرفيق الحريري؟ أومن بأن الحص رجل مستقيم. من عائلة «الدوغري». أتى إلى السياسة من المصارف. ولم يكن صاحب مصرف. اختلف مع الرؤساء الموارنة. بمن فيهم الرئيس إلياس سركيس الذي أتى به معه من المصرف المركزي.

دور الحص السياسي لم يقل عن دور الحريري. لكنه اختلف معه في السياسة والاقتصاد. ظل الحص جاهزا لرئاسة الحكومة، كلما تضايقت سوريا الأسد من الحكومات الحريرية. وظل الحص من أنصار التقشف وعدم الإنفاق. فضايق اللبنانيين الذين ينفقون ما في الجيب، قبل أن يأتي ما في الغيب. فرشحوه رئيسا لسويسرا أو للسويد. وليس للبنان.

راهن الحص على سوريا الأسد. كان حليفا. وليس تابعا. أعتقد أن نزاهته السياسية هي وليدة نباتيته. لم يأكل لحوم البشر والحيوان. رفض إعدام المجرمين المحكومين قضائيا. كان وفيا لزوجته المارونية التي غادرته منذ 22 سنة. وتركته وحيدا مع ابنتهما وداد. وببغاء. وعصافير. وهرة. وكلبين. اعتزل الحريري. فقد أرهقه مرض الربو في عامه الثالث بعد الثمانين.

عاشت سنة لبنان تعددية ديمقراطية تنافسية. فيما عادت الطائفة الشيعية إلى شرنقة خانقة. اختفى فيها كل صوت شيعي سياسي. فكري. ثقافي. باستثناء صوت نبيه بري: «أردنا أن نحزب الطوائف. فإذا بنا نطيّف الأحزاب!».

السنة ملح لبنان. لم تحارب. هادنت. لكن لم تسالم. تسامحت. تساهلت مع نظام سوري طائفي. فما كان وفيا. اغتال دورها. واغتال زعماءها. وكان كما قال الشاعر القديم:

على أن قرب الدار ليس بنافعٍ

إذا كان من تهواه ليس بذي وُدّ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الدستور انقاذ سوريا ضرورة قومية

الدستور

6-11-2012

تمثل الجهود الدبلوماسية العربية والدولية التي تنشط على مدار الساعة الفرصة الاخيرة لانقاذ القطر السوري الشقيق من الحرب الاهلية القذرة التي تطحنه: وطنا وشعبا وحولت الشام الى ارض محروقة، مخلفة حتى الان اكثر من 32 الف قتيل، وتدمير البنية التحتية، والاقتصاد الوطني، وهجرة اكثر من مليون مواطن سوري الى دول الجوار هربا من الموت الذي بات يلاحقهم من مدينة الى مدينة، ومن قرية الى قرية ومن شارع الى شارع، وقد تحولت مدن الثورة الى مدن اشباح واطلال.

وفي هذا الصدد لا بد من التذكير بموقف الاردن الذي اعلنه اكثر من مرة جلالة الملك عبدالله الثاني وخاصة في كلمته بالامم المتحدة مؤخرا، بضرورة اعتماد الحلول السياسية لحل الازمة، كسبيل وحيد لانقاذ القطر الشقيق من التقسيم وهذا يستدعي وقف نزيف الدم والحرب الدائرة، وتشكيل حكومة مؤقتة خلال فترة انتقالية تتولى الاشراف على الوطن والعبور به الى الدولة المدنية الحديثة، القائمة على الديمقراطية والتعددية والانتخابات النزيهة وتداول السلطة وطي صفحة الدول الشمولية والحزب القائم، الذي كرس الاستبداد والقمع والفساد.

لقد اثبتت الحرب القذرة التي تطحن القطر الشقيق فشل الحلول العسكرية والامنية. فلم يستطع النظام وخلال حوالي 20 شهرا من القضاء على المعارضة كما لم تستطع المعارضة المسلحة تحرير القطر الشقيق والحاق الهزيمة بالنظام، واصبحت المعارك تراوح مكانها وبين كر وفر، وتحولت الساحة السورية الى ميدان للحرب الباردة ما يعني ان المأساة ستطول اكثر مما يجب، وان المتضرر الوحيد هو الشعب الشقيق، ودول الجوار التي استقبلت مئات الالوف من الاشقاء، وامكانية وصول لهيب الازمة الى كافة دول الاقليم، وقد بدا ذلك واضحا في لبنان وتركيا، ما يعني وكما يقول الاخضر الابراهيمي المبعوث العربي والاممي تقويض الاستقرار والامن في المنطقة كلها.

لم يعد سرا ان الدول العربية معنية بالدرجة الاولى بحل المشكلة حلا سياسيا. بعد تعذر الحلول العسكرية واضعة نصب عينها بضرورة الحفاظ على وحدة القطر الشقيق، والحيلولة دون تقسيمه الى دول طائفية متقاتلة، متناحرة، كما يخطط اعداء الامة، وهذا يستدعي دعم خطة مبعوثها ومبعوث الامم المتحدة، الذي يعمل وفق هذا التصور لاخراج القطر الشقيق والمنطقة كلها من الكمين الذي اعد لها باحكام، ويهدف الى اعادة تقسيمها من جديد، واحياء داحس والغبراء لمصلحة اعدائها وبالذات العدو الصهيوني.

مجمل القول: ان خطورة الاوضاع التي يمر بها القطر السوري الشقيق في ظل الحرب الاهلية التي تطحنه، والتدخلات الدولية التي تشي باستمرار الكارثة لوقت طويل، وامتداد نيرانها الى دول الجوار يفرض على الدول الشقيقة ان تعيد قراءة المستجدات، قراءة دقيقة متمعنة، وتخرج من خندق الخلافات وتضع كل ثقلها لحل الازمة حلا سياسيا، بعد فشل الحلول العسكرية، فاستمرار هذه المأساة تهدد بضياع سوريا الدولة.. وتقسيمها الى دول طائفية متناحرة وانتقال هذه العدوى الى كافة الدول العربية، والتي لن تكون بمنأى من تداعيات الحريق، الذي سيعبر الحدود حتما ويصعب السيطرة عليه في المستقبل القريب. والعاقل من اتعظ بغيره.

التاريخ : 06-11-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«قاعدة» شيعية بعد «القاعدة» السنية!! * ياسر الزعاترة

الدستور

6-11-2012

فيما يعلم الجميع أن الحرس الثوري الإيراني يشرف بشكل واسع النطاق على المعركة في سوريا بإشراف قاسم سليماني قائد فيلق القدس، فإن مشاركة حزب الله لم تعد سرا من الأسرار رغم حالة الإنكار التي تتلبس زعماءه، وفي مقدمتهم الأمين العام، من دون أن نتجاهل المشاركة الروسية الفاعلة، بل لعلها الأكثر فعالية أيضا.

لكن الجديد (نسبيا) هو اعتراف دوائر عراقية شيعية بمشاركة شبان من الطائفة في المعركة الدائرة في سوريا انطلاقا من ولائهم للمرشد الإيراني خامنئي، وقناعة بأن معركة سوريا سيترتب عليها تحجيم النفوذ الشيعي في المنطقة.

هذا البعد الأخير ممثلا في تداعيات سقوط الأسد ليس تحليلا، فكل دوائر الحكم الشيعي في العراق تعكسه في تصريحاتها، وهي تبثه في الأوساط الشيعية عموما، ولا تسأل بعد ذلك عن فتاوى وتصريحات لمراجع إيرانيين وعراقيين (سرية وعلنية) تعتبر ما يجري في سوريا معركة “ضد أعداء أهل البيت”.

كل ذلك يجعل من الطبيعي أن تنضم أعداد من الشيعة العراقيين إلى المعركة في سوريا إلى جانب النظام. وفي حين ينكر قادة منظمة بدر وعصائب أهل الحق وجيش المهدي إرسال مقاتلين إلى سوريا لأنهم يعتقدون “أن الصراع فيها شأن داخلي” كما قالوا لرويترز، فإن الجميع يعلم أنه لولا الحشد المذهبي، ولولا وجود تشجيع من طرف تلك القيادات لما ذهب أولئك للقتال في سوريا، فضلا عن الاعتراف بذلك دون تردد.

منشق عن جيش المهدي يكنى “أبو هاجر” قال لرويترز في اتصال هاتفي عن طريق الاقمار الصناعية من سوريا “شكلنا كتيبة أبو الفضل العباس التي تضم 500 من العراقيين والسوريين ومن جنسيات أخرى.” وقد قيل ذات الكلام لعدد من مراسلي الصحف الأجنبية ومن بينها نيويورك تايمز.

كتيبة صاحبنا تضم مقاتلين “من العراقيين والسوريين (الشيعة بطبيعة الحال)، ومن جنسيات أخرى”. لا يُعتقد أن من بين عناصرها لبنانيون، طبعا لأنهم يعملون تحت إشراف مبعوثي حزب الله.

واللافت أننا إزاء نموذج يشبه تنظيم القاعدة الذي يعمل في سوريا أيضا، ففي جبهة النصرة المحسوبة على القاعدة مثلا (إلى جانب فصائل أخرى) ستجد أناسا من شتى الجنسيات ينخرطون في القتال ضد النظام. والنتيجة أننا إزاء “قاعدة” شيعية، مقابل “القاعدة” السنية.

قلنا من قبل مرارا وتكرارا، ومنذ شهور طويلة إن الحالة السورية باتت تستنسخ النموذج الأفغاني. فإيران هنا تحل مكان الاتحاد السوفياتي، والحشد ضد الشيوعية يُستبدل بالحشد ضد الشيعة، فيما تحل تركيا نسبيا مكان باكستان، والمقاتلون العرب هم أنفسهم في الحالتين. يبقى أن موقف أمريكا والغرب هو الذي يختلف إلى حد كبير، إذا أيدت أمريكا المجاهدين الأفغان بكل ما أوتيت من قوة، لكنها مال في سوريا إلى خيار التدمير، ومعها الغرب، بل وقفت ضد تسليح الثوار بأسلحة تمنحهم فرص الحسم، هي التي زودتهم في أفغانستان بصواريخ “ستينغر” التي مكنتهم من حسم المعركة بحلها لمعضلة الطيران التي عانى منها المجاهدون.

ما يعنينا اليوم هو هذه العولمة الجهادية الشيعية مقابل العولمة الجهادية السنية، وهي عولمة تعكس صراعا داخل البيت الإسلامي، بدل أن تكون بين الإسلام والشيوعية كما كان الحال في الحرب الأفغانية (كانت هناك فصائل جهادية أفغانية شيعية مدعومة من إيران).

كل ذلك يعكس حجم الجريمة الرعناء التي ارتكبتها إيران وحلفاؤها بانحيازها للنظام السوري ضد شعبه الذي خرج يطلب الحرية كجزء من ربيع العرب، وليس ضد إيران أو ضد المقاومة والممانعة.

فرق كبير بين مقاتلين جاؤوا ينصرون شعبا مضطهدا ضد نظام دكتاتوري فاسد، وبين من جاؤوا ينصرون الأخير ضد شعبه. صحيح أن الحشد الطائفي قد فعل فعله في الحالتين، إلا أن كثيرا من المقاتلين العرب والمسلمين في سوريا لم يأتوا على أساس طائفي أو مذهبي، وإنما من أجل مساعدة شعب مضطهد ضد جلاديه. في المقابل لا يوجد في الطرف الآخر من جاء ينتصر لفكرة أو برنامج مقنع خارج السياق الطائفي. أما حديث بعضهم عن حماية مقام السيدة زينب، فلا يعدو أن يكون محاولة يائسة لتبرير موقف يستحيل تبريره.

مشهد مؤسف تتحمل إيران مسؤوليته بعد المجرم بشار الأسد، وليس الشعب السوري، ولا حتى من جاؤوا ينصرونه، لاسيما أن إيران ذاتها هي المسؤولة أيضا عن الحشد الطائفي، حتى لو أسهمت بعض الجهات العربية الرسمية في تصعيده لأسباب سياسية معروفة.

ستدرك إيران عما قريب أن قرارها دعم نظام بشار الأسد ضد شعبه هو أسوأ قرار اتخذته في تاريخها منذ انتصار الثورة عام 79 وحتى الآن، لكنه إدراك سيكون متأخرا إلى حد كبير.

التاريخ : 06-11-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

باتجاه الحسم!

محمد أبو رمان

الغد الاردنية

6-11-2012

مع ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإنّ الأزمة السورية ستدخل مرحلة جديدة باتجاه الحسم، بالتزامن مع الجهود المكثّفة المبذولة اليوم لإعادة "هيكلة" قيادة المعارضة السورية، من قبل قطر والولايات المتحدة الأميركية، في محاولة لترتيب أوراقها استعداداً للمرحلة الجديدة، وتمهيداً لتفاهمات إقليمية ودولية لليوم التالي لسقوط الأسد.

مصير الأسد حُسم مبكّراً، أمّا تمسّك الروس والصينيين والإيرانيين به، فما هو إلاّ ذريعة لحماية مصالحهم الإقليمية، ولإبقاء باب التفاوض والصفقة مفتوحاً. وبانتظار الرئيس الأميركي الجديد ومقاربته لمواجهة الملف السوري، الذي يمثّل أحد أبرز الأولويات اليوم في السياسة الخارجية الأميركية، سنشهد تحريكاً كبيراً في هذا الملف.

مقاربات الدول الكبرى الحالية تجاه النظام السوري، تواجه هزّات عنيفة مع تنامي التيارات السلفية والجهادية في سورية في الآونة الأخيرة، وما يحمله ذلك من تهديد لمستقبل نظام "ما بعد الأسد"، وللأمن الإقليمي. وهي "حالة" لا تصلح على المدى البعيد؛ فهنالك ضغوط إسرائيلية كبرى تجاه الملف النووي الإيراني، الذي يلعب عامل الوقت دوراً مهماً جداً فيه.

في الميدان، بالرغم من تماسك "العصبية العلوية" التي تحمل المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية في النظام، إلاّ أنّ الثوّار يحقّقون تقدّماً ملموساً وكبيراً في مختلف أنحاء البلاد، فيما لم يبق للنظام على الأرض إلاّ القتال في المدن الرئيسة؛ لاسيما دمشق وحلب، اللتين تشهدان قتالاً عنيفاً. وما يعيق تحقيق انتصارات حاسمة في هاتين المدينتين هو "الفيتو" الدولي ضد وصول أسلحة نوعية للثوّار.

الأسد اليوم في وضعٍ هزيل، مرهونٌ للتحولات الدولية والإقليمية، وصموده في الحكم يستند إلى "تناقض" الرهانات الخارجية في سورية. وإذا ما نجحت أي صفقة، فهو بالضرورة أوّل الخارجين من المشهد، وإذا ما فشلت هذه المرّة، فستتصاعد "الحرب بالوكالة" التي تجري حالياً على أراضي دولته، وما قد تؤول إليه من حروب أهلية، أو حالة من الفوضى الشاملة أو التقسيم الواقعي على أسس عرقية وطائفية!

ضمن هذه المعطيات الواقعية والجديدة، فإنّ بقاء الوضع الراهن في سورية لا يخدم مصالح الأردن الاستراتيجية، بل يهدد أمنه الوطني بصورة متزايدة، وهو ما قد يغيّر من حسابات "مطبخ القرار" في عمان، على ما يبدو. وقد بدت إرهاصات ذلك باستضافة اللقاءات الأولية (في عمان) لإعادة تشكيل القيادات الجديدة في المعارضة السورية.

المتغيرات الرئيسة التي تدفع إلى تغيير الموقف الأردني تتمثّل في صعود نجم التيارات السلفية والجهادية في سورية، والمجموعات المرتبطة بالقاعدة، ما أنضج قناعة متداولة على مستوى دولي ومحلي بأنّ أي تأخير في الحسم السياسي أو العسكري للوضع في سورية، سيعزز من حضور هذه المجموعات، مع انتشار حالة الفوضى على حدودنا الشمالية، لتصبح سورية بمثابة الحاضنة الاستراتيجية الجديدة للقاعدة، ثم الانتقال إلى الأدوار الإقليمية، ما يشكّل مصدر تهديد كبير للأمن الوطني الأردني. على الطرف الآخر، من الواضح أنّ بشار الأسد لن يستمر في الحكم، والجميع بانتظار إما قرار غربي بدرجة أكبر من التصعيد، أو صفقة دولية. ما يعني أن محاولة الإبقاء على "شعرة معاوية" معه لم تعد سياسة ناجعة، بخاصة أنّ الأشهر الأخيرة حملت دلالات متعددة على شعور النظام السوري بعدائية شديدة تجاه الأردن. على الأغلب، سينخرط الأردن في جهود دبلوماسية دولية لإعادة ترتيب بيت المعارضة السورية، وتقوية الجانب العلماني والمعتدل، مثل كتائب الجيش الحرّ، والانتقال السلمي ضد صعود الجهاديين. وسيحاول مطبخ القرار في عمان العمل مع الإدارة الأميركية والدول العربية الأخرى على إيجاد صيغة مطمئنة لليوم التالي لما بعد الأسد.

m.aburumman@alghad.jo

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الانتخابات الأميركية والسياسات الخارجية: مقاربة قيمية

العرب القطرية 2012-11-06

د. محمد عياش الكبيسي

الذي يتابع سير الانتخابات الأميركية بكل أبعادها وتفاصيلها لا يشك أنها تنطلق من منظومة قيمية منسجمة مع أرقى ما يمكن أن تتوصل إليه التجربة الإنسانية.

خمسون ولاية بشعوب مختلفة الأعراق والديانات والطباع تلتقي على نظام واحد بمنتهى الثقة والشعور بالمسؤولية والقبول المسبق بنتائجه النهائية، كل هذا يعني أن هؤلاء الناس قد قطعوا أشواطا بعيدة في بناء منظومتهم القيمية الحاكمة ووفق معايير تضمن لهم قدرا كبيرا من الاطمئنان النفسي والمجتمعي، وليس أمامنا كمسلمين إلا أن نقر لهم بهذا السبق والتميز فالقرآن يعلمنا «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ*وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا*اعْدِلُوا هُوَ أقرب لِلتَّقْوَىٰ» (المائدة 8).

لكن هذه التجربة على سبقها وتميزها لم تستطع أن تتحرر من قوانين الصراع التاريخي التي كرستها التجربة البشرية عبر تاريخها الطويل.

إن استئثار القوي بمصادر الثروة وتمدده جغرافيا وسياسيا على حساب الضعيف قد شكل ما يشبه القانون الثابت في العلاقات البشرية، على مستوى الأفراد والقبائل والدول، فالصراعات على موارد الماء والكلأ والتي عرفتها القبائل العربية والإفريقية والآسيوية وكذلك حروب القراصنة في عرض البحار الأوروبية إلى حروب البترول المعاصرة تؤكّد وجود هذا القانون في السلوك الإنساني، وعلى أساس هذا القانون قامت كل الإمبراطوريات الكبيرة على مدار التاريخ.

التجربة الوحيدة التي خرجت عن هذا القانون واستعلت عليه هي التجربة الإسلامية، فقد خرج الصحابة الفاتحون برسالة عالمية لا تفرق بين عربي وأعجمي ولا بين بعيد وقريب، ولم يفرضوا هذه الرسالة على الآخرين «لا إكراه في الدين»، وإنما فسَحُوا المجال أمامهم ليشاركوهم في حملها بل ولينافسوهم في الصدارة والسبق.

لقد فتح المسلمون العراق فأصبح عاصمة لهذه الأمة «الكوفة ثم بغداد»، وفتحوا الشام فكانت عاصمتهم أيام الأمويين، وقد دخل الناس أفواجا في الإسلام فتقدموا على الفاتحين أنفسهم فكانت ريادة الفقه لأبي حنيفة والذي كان مذهبه بمثابة القانون الرسمي للخلافة لما يزيد على ألف سنة «الخلافة العباسية والعثمانية»، وكانت ريادة الحديث للبخاري ومسلم وهما من أواسط آسيا، بل حتى في اللغة العربية وقواعدها حيث كان سيبويه وكتابه الذي يعد المرجع الأول في هذا الفن، وقل مثل هذا في الطب والفلك والرياضيات. وقد ذهب المسلمون الفاتحون بتجربتهم إلى أبعد من هذا فقد قدموا أبناء البلاد المفتوحة على أنفسهم حتى في القيادة السياسية والعسكرية فطارق بن زياد الذي رضيه المسلمون قائدا وفاتحا كان من الأمازيغ، وصلاح الدين الأيوبي الذي فضّله أهل مصر والشام والموصل على الخليفة العباسي نفسه كان كرديا، ثم آلت قيادة الأمة كلها إلى بني عثمان، وما زال العرب قبل غيرهم يتغنون بأيام محمد الفاتح ومواقف السلطان مراد الذي حرر بغداد من القبضة الصفوية والسلطان عبدالحميد الذي ضحى بعرشه في سبيل فلسطين!

اليوم يتقدم الأميركيون ودون منافس ليهيمنوا على موقع الصدارة العالمي ولكن بمنظومة قيمية متناقضة، فهم في داخل أميركا «ملائكة» وفي خارجها «شياطين»، في أميركا قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان وحقوق الحيوان والنبات أيضا، وخارج أميركا تنقلب كل هذه القيم رأسا على عقب. لقد احتلت أميركا أفغانستان والعراق احتلالا عسكريا مباشرا، وأصبحت بحكم القانون الدولي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن أمن هذين البلدين وحقوق شعبيهما الكاملة في الحرية والتعليم والخدمات وكل مستلزمات العيش الكريم، لكن الأميركيين لم يتجاوزوا القانون الدولي واتفاقية جنيف فحسب بل تجاوزوا كل القيم والمبادئ الديمقراطية التي يؤمن بها ويقدسها الأميركيون أنفسهم!

شجّع الأميركيون الطائفية السياسية في العراق وجعلوا من الكهنوت الطائفي مرجعا رئيسا لسياساتهم وأسلوب إدارتهم، وقد تكرر في مذكرات بريمر زياراته المتكررة للسيستاني وقوله للشيعة لا تفوتوا فرصتكم التاريخية في حكم العراق! ثم راح يشجعهم من خلال إقناعهم بأن السنة ليسوا إلا أقلية في العراق لا يتجاوزون العشرين بالمائة، وهذا ما كرره في كتابه كثيرا، وهذا لوحده انتهاك صارخ لمبادئ الديمقراطية فضلا عن انتهاكه للحق والحقيقة.

وقد ترتب على هذا هيمنة الشيعة على مراكز القوى في العراق كالجيش والشرطة مما أخل بالتوازن الأمني والمجتمعي بين المكونات العراقية، ولم يكتف الأميركيون بهذا بل شجعوا حركة المليشيات الشيعية المسلحة على الأرض وبغطاء جوي وقد نتج عن هذا تغيير ديموجرافي خطير خاصة في العاصمة بغداد.

في جانب حقوق الإنسان والمدنيين بشكل خاص كانت الانتهاكات الأميركية أكبر من أن تحصى، من سجن أبي غريب حتى استخدام اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض في أكثر من مواجهة والتي نتج عنها عشرات الآلاف من التشوهات الخلقية وربما تستمر هذه الظاهرة لآلاف السنين كما يؤكد الخبراء. في جانب الخدمات تراجع العراق إلى عصور الظلام حيث تعيش المحافظات العراقية كلها بلا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب ولا شبكات للصرف الصحي مع تهديم شبه كامل لكل البنى التحتية.

على مستوى التعليم فإن الموضوع أكثر مأساوية فالمدارس المبنية من الطين والقصب منتشرة خاصة في الأرياف، والتي تفتقر إلى أبسط متطلبات الحياة الآدمية فضلا عن التربوية والتعليمية، وقد اختفت المعايير العلمية في المناهج وأساليب التقويم لتحل محلها المعايير الطائفية، مع نزيف مستمر للكفاءات سجنا وقتلا وتشريدا.

لقد كنت أرى الجنود الأميركيين يدمرون بعجلاتهم وآلياتهم الثقيلة الحواجز المرورية والعلامات الإرشادية الموجودة على الطرق وأتساءل هل يمكن أن يقوم هذا الجندي بمثل هذا في شوارع واشنطن أو نيويورك؟!

والذي نسمعه ونقرأه عن أفغانستان ربما لا يختلف عن هذا وهو ما يؤكد وجود سياسة مقصودة وليست أخطاء بشرية فردية أو عفوية ناهيك عن الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني الغاصب وحرمان ملايين الفلسطينيين حتى من حق العودة والعيش في مساكنهم.

إن الديمقراطية الأميركية وربما الغربية بشكل عام فقدت مصداقيتها كرسالة إنسانية عالمية، لأنها لم تنطلق أساسا من قيم إنسانية عالمية بل انطلقت من حاجة محلية داخلية، والحاجة هذه لها أكثر من وجه، فالشعوب الأميركية أو الغربية التي أنتجت الديمقراطية لتحل بها مشاكلها وعقدها التاريخية من الاحتراب الطائفي والتمايز العرقي والتسلط الكنسي ومشاكل الإنتاج والتنمية.. إلخ هذه الشعوب نفسها تشعر بالحاجة إلى إضعاف الشعوب الأخرى وإبقائها تحت سقف معين من الاستقرار والتعايش والتعليم والإنتاج.

إن الغرب لا يرضى بنا كشركاء حتى لو آمنا نحن إيمانا كاملا بالديمقراطية، ومقولاتهم في نشر الديمقراطية لا تعدو كونها جسرا يعبرون عليه لتحقيق مصالحهم الممزوجة بقدر كبير من الأنانية والاستئثار.

ربما يعزو بعض المراقبين هذه الأنانية أو العدوانية إلى حالة الرفض التي تعاملنا بها نحن مع الغزاة أو الفاتحين الجدد، كما حصل لطالبان في أفغانستان وللمقاومة السنّية في العراق، وكأنهم يقولون لنا لو لم تقاوموهم لرأيتم منهم سلوكا آخر، وربما ينسى هؤلاء أن القارة الإفريقية التي تخضع للهيمنة الغربية منذ عقود طويلة وليس فيها أي شكل من أشكال الرفض أو المقاومة، فما الذي جعلها تعيش بهذا المستوى الأدنى في العالم؟

إن الإسلام هو الرسالة الوحيدة التي أثبتت أنها الأقدر على صناعة المظلة العالمية التي توفّر العدل والأمن لكل العالمين «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وأن ميدان التنافس مفتوح للجميع «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وإن الإسلام يحترم خصوصيات الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم حتى جعل العرف مصدرا من مصادر التشريع، وإنه لا يمانع من أخذ التجارب الناجحة من أي مكان جاءت فالحكمة ضالة المؤمن أين وجدها فهو أحق بها، وإذا كانت المصلحة هي القيمة المحورية في الغرب فإن الرحمة هي القيمة المحورية لمنظومتنا الإسلامية.

الذي ينقص المسلمين اليوم هو وجود النموذج العصري الناجح، وكلنا أمل أن نجد في الربيع الإسلامي المصري والتونسي إضافة إلى التجربة التركية ما يفتح الباب لصناعة هذا النموذج الذي طال انتظاره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران ... من الفرات الى النيل !!؟

بقلم: إبراهيم مهدي الفاخر

الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية

الأحد, 28 تشرين1/أكتوير 2012 18:36

بعد أحداث11 أيلول و الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، بمساعدة إيرانية. اتضحت السياسة الفارسية أكثر من السابق حيال العرب و المسلمين بمعناها السلبي و العدائي، حيث أعلنت إيران و من خلال قنواتها الرسمية عن المساعدات التي قدمتها للقوات الأمريكية ضد أفغانستان الجارة المسلمة. و لم تقف السياسة

الفارسية عند هذا الحد و إنما كانت مشاركتها في احتلال العراق و إثارتها للحرب الطائفية بين شعبه أكثر عدوانية و أكثر وقاحة من تلك المساعدات التي قدمتها لأمريكا ضد أفغانستان.

بعد أن تخلصت إيران من الجارتين أفغانستان و العراق و تمددت داخلهما، اتجه النشاط الإيراني داخل الدول العربية على حساب السيادة و الأمن القومي و تدخلت في التفاصيل اليومية لحياة المواطن العربي.

أصبحت القضية الفلسطينية أكثر ارتهانا من السابق عند إيران و أصبحت بعض الحركات الفلسطينية تتحرك بأوامر إيرانية حيث افتقدت القضية الفلسطينية بعض قدسيتها عند المسلمين و أصبحت ورقة رابحة بيد الفرس يلوحون بها متى ما شاءوا. أما لبنان فباتت ساحة خصبة للمشروع الفارسي بفعل عناصر حزب) الله ( و حركة أمل. وانتقل حلفاء إيران من موقع المعارضة إلى موقع الحاكم الفعلي للبنان و هذا يعد انتصارا آخر لصالح المحور الإيراني. وبدون الدخول في تفاصيل العبث الإيراني في الشأن اليمني و الكويتي و المغربي، حيث بات عبثها يتصدر أخبار القنوات و الجرائد اليومية. كل هذه الأحداث تعكس مدى الاكتساح الإيراني للساحة العربية و تغلغله فيها و مدى تأثيره على الكثير من القرارات و الأفعال السياسية.

إلى أن جاءت أحداث الربيع العربي فحاولت الدولة الفارسية أن تركب الموجة و تمتطي الثورات العربية لصالح مشروعها. و سعت جاهدة أن توهم الشارع العربي بأنها داعمة و مساندة لثوراته من خلال بعض تصريحاتها الهزيلة. لم تكتف إيران بهذا القدر من العهر السياسي و إنما أوعزت لعملائها في البحرين لأثارة الشغب و الاضطرابات و زعزعة الأمن و الاستقرار. فرفع صور خامنئي رأس الهرم في السلطة السياسية الإيرانية خلال الاضطرابات في البحرين خير دليل على وجود مشروع إيراني خبيث يستهدف البحرين. ورغم هذا جندت إيران جميع قنواتها الإعلامية و توابعها في الوطن العربي لإيهام العالم بوجود ثورة في البحرين على غرار تونس و مصر. كل هذه التصرفات السياسية تحدث على مرأى و مسمع الأنظمة و لا تحتاج إلى مجهر سياسي أو استخباراتي لكشفها.

هذه الأحداث و الوقائع تدلل على نجاح المشروع الفارسي المجوسي المبني على الطائفية في الوطن العربي و تبرهن على الضعف و الوهن اللذين وصلت اليهما الدول العربية. حيث انحصر دور الدول العربية شيئا فشيئا و أصبحت غالبيتها عاجزة عن صيانة أمنها داخل حدودها السياسية.

مع كل هذه التجاوزات للدولة الفارسية و تماديها بحق الدول العربية، مازال نفر غير قليل من العرب يدافع عن إيران و أفعالها المشينة و ينعتها بالمقاومة و الممانعة.

إلى أن اشتعلت الثورة السورية فأصبحت نقطة مفصلية في تاريخ المنطقة. أعلنت إيران الدولة الفارسية و صاحبة الفكر الصفوي عن دعمها لمافيا الأسد ضد الشعب السوري و نفذت بالأفعال قبل الأقوال هذه السياسة العدوانية تجاه الشعب العربي السوري. و أمدت المافيا الأسدية بالسلاح و العتاد و دعمتها اقتصاديا و لوجستيا و سندتها سياسيا و إعلاميا.

أما الأنظمة العربية لم ترتق إلى أدنى مستويات المسؤولية تجاه الشعب السوري و الثورة السورية. و كانت مواقفها و قراراتها تنم عن ضعف و تردد دائما. و في غالب الأحيان تأتي متأخرة في اتخاذ قراراتها و من بعد الدول الغربية و تركيا.

هذا واقع تعيشه الأمة العربية، حيث يمكن للإنسان المراقب أن يرى و بعين مجردة أن الشعار الذي أطلقته إسرائيل من النيل إلى الفرات حققته إيران حتى و إن لم تلتزم به فزادت عليه بعض الشيء من الجرائم و الانتهاكات و تمددت أكثر من الحلم الصهيوني. و لكنْ هناك سؤال يُطرح، متى تملك الأنظمة العربية إرادة سياسية كي تتخذ قرارات بمستوى دعم الثورة السورية عسكريا و دعم القضية الأحوازية و تقليم أطراف إيران في الوطن العربي حفاظا لأمنها القومي و مصالحها السياسية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية ... إلى متى..؟ والى أين ..؟ * د. ابراهيم بدران

الدستور

5-11-2012

لم يكن احد يتوقع قبل (21) شهراً، ان الأوضاع في سوريا سوف تؤول إلى ما هي عليه الآن، خاصة أن تونس ومصر لم تستغرقا بالمقارنة من الوقت والضحايا إلا القليل. في سوريا اليوم قتل وتدمير واختطاف، وتهجير للنساء و الأطفال، و بيوت يسكنها أبرياء و مدارس ومعابد كلها تحت النار، وتحت القصف بالمدفعية والطيران. سوريا بأمهات مدنها المتألقة على مدى التاريخ: دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية و درعا، وكل قرية صغيرة فيها، طالتها نار الحرب والتدمير، ولم تعد آمنة لسكانها ولا لزوارها. أعداد القتلى تجاوزت (32) ألفا، والجرحى تجاوزوا (120) ألفا، والمخطوفون وصلوا (28) ألفاً، والمعتقلون عشرات الآلاف والمهجرون إلى خارج سوريا (250) ألفا، والنازحون داخل سوريا أكثر من (1.5) مليون نسمة،. بمعنى أن ما يقرب من (10)% من سكان سوريا قد أصيبوا إصابات مباشرة في حياتهم, أو أجسامهم أو مساكنهم أو معاشهم ،و أكثر من ذلك بكثير أصيبوا بأحبائهم و أقربائهم. ومع مطلع كل صباح تتجدد الآلام والأحزان وتتسع.حتى خلال أيام عيد الأضحى لم تنجح الجهود الدولية والنداءات الإنسانية بالتوصل إلى هدنة قصيرة.

ولازالت المأساة في ذروتها: قتل وتدمير وترويع واغتصاب و تهجير. وحكومة غائبة، وقيادة مصممة على سياسة الأرض المحروقة، واستخدام القوة المفرطة والأسلحة المحرمة دوليا لإخماد الثورة مهما كان الثمن ومهما كانت النتائج. و في عين الوقت معارضة منقسمة على نفسها، لم تنجح في تكوين جسم سياسي متماسك يمكن التعامل معه على المستوى الدولي. وقوى دولية تتصارع على مصالحها في المنطقة، ومجموعات مسلحة محترفة للقتل مقابل المال و السلاح وتتسلل عبر الحدود في كل اتجاه، وتدخل أي بلد تتوافر فيه ظروف مشابهة.

تتمثل عقيدة النظام، بعدم تسليم السلطة، وعدم الاعتراف بالفشل سواء في إدارة الدولة، أو معالجة الأزمة. أما إستراتيجيته في مواجهة الموقف فهي في عناصر سبعة. الأول: استخدام القوة والبطش والترهيب والترويع دون تردد، ولأطول فترة زمنية متاحة، وإلى أبعد مدى ممكن. والثاني: الاختباء وراء الدعم الروسي الصيني وعصا الفيتو التي يشهرها كل من هاتين الدولتين في وجه أي قرار دولي فاعل. والثالث: التفاهم مع النظام العراقي و التحالف مع إيران وحزب الله في لبنان، والذي يعني انكسار النظام، الهزيمة العاجلة لكل منهما. والرابع: خلط الأوراق وتصدير الأزمة إلى الدول المجاورة و خاصة لبنان والأردن، من خلال إثارة الفتن والقلاقل والاغتيالات والتفجيرات ونقل الأسلحة و دخول المجموعات السلفية والمغامرة والباحثة عن المناطق الرخوة وسواها. والخامس: اللعب بورقة الطائفية والجهوية والمذهبية في كل مكان وعلى أي صعيد ممكن. و السادس:عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على التورط في أي مغامرة عسكرية. و السابع: عجز المجموعة العربية عن الفعل و التأثير.

و يرى واضعو هذه الإستراتيجية أن لا داعي للاستعجال، فالحرب الأهلية في لبنان، والتي كان للنظام دور بارز فيها، استمرت خمسة عشر سنة. فما المشكلة في أن تستمر بضع سنوات في سوريا ؟ خاصة وأن هناك الكثير من المشكلات الدولية الضاغطة في أوروبا وأمريكا تقلل من أولوية الحالة السورية. هذا إضافة إلى الموقف الإسرائيلي الذي يسوده عدم الرغبة بتغيير الأوضاع في سوريا نظرا للهدوء الكامل الذي شهدته الحدود السورية الإسرائيلية، وبالتالي السكوت عن ما يجري. فليس هناك أفضل لإسرائيل من أن تستنزف الأقطار العربية المحيطة بها إمكاناتها وجهودها، وتغرق في بحر من الصراع الأهلي وتمعن في خضم الفرقة والتخلف. ومن جانب آخر فإن المصالح الروسية تتمثل في القواعد البحرية في طرطوس وتصدير الأسلحة والمعدات،وفي نفس الوقت صرف النظر عما يجري في روسيا نفسها من ممارسات ضد الأقليات.

والسؤال الذي يتكرر للمرة الألف هو: أي نظام هذا الذي يحارب شعبه بهذه القسوة والوحشية؟ ولماذا ومقابل ماذا؟ آي نظام هذا الذي لا يستطيع آن يفهم ما يجري في العالم من تغيرات ويصر على أن يتملك “ملك اليمين” بلداً بأكمله تملكاً عائلياً عصبويا متوارثاً بقوة الحديد والنار حتى لو تم تدمير البلاد بأكملها؟ من أقصى شمال سوريا في ادلب إلى أقصى جنوبها في درعا..؟. و أي نوع من الحكم سيمارس وهناك المئات والآلاف من المواطنين يتحفزون للثأر و الانتقام لضحاياهم؟. حتى لو انتصر النظام، وهو بشكل مطلق لن ينتصر، فبأي شرعية سيواجه الناس والمواطنين البسطاء؟ ناهيك عن القوى السياسية والمفكرين والعلماء والجيل الصاعد من الشباب؟

لقد أطلق النظام مجموعة من القصص الهزيلة، وصدق أنها ستكون مقبولة للشعب السوري و للعالم، وأنها كافية لتبرر له كل ما يفعل و تبيح له كل ما يريد. هل يعقل إن الرئيس السوري لم يتأثر بالمحيط الذي درس فيه؟. هل يعقل آن رؤيته للحكم بقيت كما ورثها عن والده والحلقة المحيطة به وليس كما عاشها في لندن؟ ألقذافي كان لا يرى أحدا في العالم سوى نفسه وأولاده. ولا يرى في الليبيين المطالبين بالحرية والكرامة والحق الإنساني سوى جرذان. وعلي صالح لم يكن يرى في الثوار سوى عملاء. ومبارك كان ينظر إليهم أنهم مجرد مأجورين، تسلموا المال من أمريكا، وتدربوا في معسكراتها التي كان هو نفسه أكثر من خاضع لها.. وابن علي كان يستعصى عليه الفهم حتى اللحظة الأخيرة حين قال ( الآن فهمتكم). فهل يختلف الوضع في سوريا عن هؤلاء؟؟ يختلف أن الرئيس كان أكثر تعليماً واحتك بالحضارة الغربية القائمة على الحريات والديمقراطية والتقدم والمشاركة الشعبية والإبداع وحق الشعوب بتغيير حكامها . إن شهوة الحاكم العربي للسلطة لا يحدها حد، أو يحجمها سقف ،حتى لو كانت على جماجم الأطفال والنساء. وحتى لو دمر من اجلها أجمل المدن وأعرقها. الحاكم العربي لا يرى نفسه أبدا جزء من الشعب، أو ممثلا له ناهيك أن يكون خادماً له. وإنما هو دائما فوق الشعب، يمتطيه ليعدو في الفضاء كما يريد. ونقطة الانطلاق في امتطاء الشعب لديه يتمثل في إخضاع من حوله لرغباته ونزواته وشهواته المطلقة... والسؤال هو. لماذا لم يغير التعليم ولم تغير الثقافة على مدى خمسين سنة شيئاً من هذه الحالة النمطية؟

وللأسف فإن المعارضة السورية وهي ترى نظاما لا يردعه رادع، وترى شعبها يقتل صباحاً ومساءً وأطفالها يحرمون من حياتهم ومدارسهم هذه المعارضة تعجز عن الاتفاق وتقصر في التوافق وتفشل في التوحد.. ما الذي يقنع المعارضة أنها بانقساماتها وتنافسها وتناحرها تعطي النظام الفرصة الذي يريد ليستمر على ذات المنهج ويعلن للسوريين ان لا بديل. إن المأساة الإنسانية في سوريا لن تنتهي دون توحد المعارضة ودون المساندة العربية غير المترددة أو المتقطعة ودون أن يكون للأمم المتحدة دور فاعل. ولكن المستقبل هو دائما للشعوب المدافعة عن الحرية والمشاركة والنهوض.

التاريخ : 05-11-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«ممثل شرعي وحيد» للمعارضة السورية... بعد الدوحة؟

جورج سمعان

الإثنين ٥ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

«المجلس الوطني السوري» وكل أطياف المعارضة السورية التي تجتمع هذه الأيام في الدوحة أمام مفترق طرق مصيري. فإما أن تختار إعادة النظر في أسلوب عملها وخريطة تركيبتها وإما أن تواصل نهجها السابق الذي لم يثمر حتى الآن سوى مزيد من التشرذم والعجز عن مخاطبة العالم بلغة واحدة وعنوان واحد. ولا تعفيها هذه الردود الحادة على التصريح الأخير لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من مسؤوليتها التاريخية عن المسار الذي ستسلكه الثورة السورية بعد عشرين شهراً من الدم والدمار.

من حق «المجلس الوطني» بالتحديد أن يوجه نقداً لاذعاً إلى واشنطن. من حقه أن يأخذ عليها التلكؤ وغياب المبادرة بمساعدة الحراك الداخلي، وعدم الوقوف في وجه التصلب الروسي - الصيني والتدخل الإيراني الواسع إلى جانب النظام. من حقه أن يأخذ عليها عدم إمداد المجموعات المسلحة بالعتاد اللازم لمواجهة آلة القتل والتدمير. لكن هذه الردود قد تشكل قراءة مبتورة لموقف كلينتون. لا تريد هذه أن تريح ضميرها بالتعبير صراحة عن رأيها في «المجلس»، وهي تودع بعد أيام موقعها على رأس الديبلوماسية. بل ربما سعت إلى إرشاد المعارضة السورية إلى طريق جديد سيسمح ربما بتسهيل أي تحرك قد تقدم عليه الإدارة الجديدة لباراك أوباما إذا قيضت له العودة إلى البيت الأبيض بعد أيام.

لا جدال في أن «المجلس الوطني» لا يتحمل وحده مسؤولية انتشار مجموعات «جهادية» متشددة بدأت تشوه صورة الحراك الداخلي بمقدار ما بدأت تزرع الشكوك والمخاوف في صفوف «أصدقاء سورية» من المرحلة المقبلة. في المقابل لا يمكن تحميل المجتمع الدولي مسؤولية انسداد الأفق في الأزمة السورية والمأزق الذي يعتريها. ولا حاجة إلى تعداد الأسباب التي حالت وتحول دون تدخل الولايات المتحدة وأوروبا عسكرياً لحسم القتال لمصلحة الحراك. فالأميركيون لم يتعافوا بعد من حرب العراق ولا يزالون يعانون في أفغانستان. ولا يبدي قادة البنتاغون تالياً استعداداً لفتح جبهة جديدة. كما أن التدخل في سورية محفوف بأخطار ليس أهمها تدخل إيران التي تستميت في التمسك بنظام الرئيس بشار الأسد. هنا ثمة بيئة عسكرية مختلفة، من الأسلحة الكيماوية إلى ترسانة الصواريخ إلى شبكة الرادارات. وليس سهلاً تحييد كل هذه الأهداف عن المواقع المدنية في أي تدخل لإقامة منطقة آمنة بعيدة من الغارات الجوية للنظام. فضلاً بالطبع عن تردد أوروبا ومخاوفها وعجزها الاقتصادي... وكلها عوامل سببت وتسبب في إطالة آلام السوريين.

اجتماعات قطر هذا الأسبوع فرصة ليعيد «المجلس الوطني» النظر ليس في توسيع مكوناته وانضمام قوى أخرى إلى صفوفه. ما قالته كلينتون عن «المجلس» لا يختلف كثيراً عما يقوله بعض مكوناته. صحيح أنه يمثل شرائح واسعة من السوريين، وربما كان الأكثر تمثيلاً. لكن هذا يعني أن هناك قوى لا تزال خارج هذه التركيبة، فما الضير في قيام «مجلس موقت» تتمثل فيه قوى «الوطني» وقوى أخرى، خصوصاً أولئك الذين يتحركون على الأرض في الداخل السوري، فضلاً عن قوى غادرت النظام عندما سنحت لها الفرصة؟ أليست هذه هي الصيغة التي يروج لها رياض سيف وهو عضو في «الوطني»؟

لا جدال في أن تركيا كانت لها اليد الطولى في قيام «المجلس الوطني» ورعايته، إلى جانب قطر التي تبدو أكثر داعميه مادياً وفق ما دلت أرقام موازنته المنشورة أخيراً. ولا جدال في أن هذه الرعاية راعت «الإخوان» أكبر المجموعات في داخله، لكنها في المقابل تركت حساسية لدى قوى أخرى داخله وخارجه. وقد تكون الصيغة التي حملها رياض سيف إلى لقاء عمان قبل يومين، وحملها قبل ذلك إلى واشنطن ولم تغب عنه باريس وعواصم أخرى، فرصة لقيام مجلس موقت يمثل نصفه أهل الخارج وعلى رأسهم «الوطني» والنصف الآخر يمثل قوى الحراك الداخلي.

صيغة إذا نجحت ستساعد بالتأكيد «أصدقاء سورية» وعلى رأسهم الإدارة الأميركية الجديدة على الاعتراف بالمجلس الجديد «ممثلاُ وحيداً». وهو ما يفتح الطريق لمحاصرة النظام وبعثاته الديبلوماسية في الخارج. ويدفع المجموعات المسلحة إلى توحيد قياداتها ومرجعياتها بعيداً من «القوى الجهادية»، لتكون مسؤولة عن أي سلاح قد يمدها به الخارج من أجل كسر هذا التوازن القائم حالياً. مثل هذه الخطوات سيساعد حتماً في تغيير مسار الحرب خصوصاً في شمال البلاد وشرقها. ويسهل قيام مناطق آمنة ينتقل إليها المجلس الموقت الذي يتردد أنه قد يضم خمسين شخصية: 15 منها لقوى الحراك الميداني، و15 لـ «المجلس الوطني» و20 لقوى وشخصيات معارضة في الداخل والخارج.

يمكن قطر التي لم تتوان عن دعم «المجلس الوطني» أن تدفع باتجاه إنجاح الصيغة التي يحملها ريـــاض سيف، إذا كانت باتت على اقتناع بأن التجربة الماضية لم تحقق المطلوب. ولا يبقى أمام تركيا التي رعت طويلاً التركيبة الحالية لـ «الوطني» سوى إعادة النظر في موقفها، خصوصاً أن الأشهر الطويلة أثبتت أن المجلس القائم لم يستطع جذب كثير من القوى والشخصيات والمجموعات التي لا تروق لها سيطرة الإسلاميين على تركيبته. كما أن تداعيات الأزمة السورية بدأت تلقي بظلالها وتداعياتها الثقيلة على الداخل التركي. وإضافة إلى التحرشات شبه اليومية على حدودها، عادت قضية «حزب العمال الكردستاني» تفرض نفسها على حكومة رجب طيب أردوغان.

وإذا كانـــت نار الحدود ومشاكل اللاجئين السوريين تجد لها مخارج، فإن القضية الكردية تشكل التحدي الأكبر لحزب العدالة والتنمية. وليس سهلاً أن تجد أنقرة نفسها تلجأ إلى تعزيز علاقاتها مع كردستان العراق، بعدما أقفلت في وجهها أبواب دمشق وبغداد. لكن الذهاب بعيداً نحو أربيل يبعدها أكثر عن حكومة نوري المالكي ويدفع هذه أكثر فأكثر نحو أحضان إيران. كما أن تعزيز العلاقات مع كردستان لا يقوي شوكة كرد العراق فحسب، بل ينعش آمالاً لم تكن يوماً دفينة لدى الكرد في تركيا وسورية أيضاً، لتراودهم نزعة الاستقلال وإن بحدوده الدنيا. وهو ما يهدد أحد أكبر الثوابت في السياسة التركية.

مثل هذه الحسابات الدقيقة يجب أن تشكل هاجساً لأنقرة لتمارس هي الأخرى دورها في دفع قوى «المجلس الوطني السوري»، ولا سيما منها «الإخوان» غير البعيدين عما يروج له رياض سيف، إلى التوافق على صيغة جامعة لكل معارضي نظام الأسد. ولا شك في أن أردوغان، مهما بلغت انتقاداته لإدارة أوباما وعدم مبادرتها حيال الأزمة السورية، يشارك واشنطن مخاوفها من تنامي ظاهرة التطرف في الحراك السوري. ويشاركها في الخوف الكبير من انهيار الدولة السورية وما يستتبع ذلك من انهيار المؤسسات وعلى رأسها العسكرية والأمنية، وانتشار السلاح في أيدي مجموعات لا سلطة لأحد عليها.

إن تصريحات هيلاري كلينتون تفترض قراءة أخرى، بعيداً من مسؤولية واشنطن والمجتمع الدولي عن التخاذل في دعم الحراك السوري. فالإدارة الأميركية لا يمكنها بعد الانتخابات الرئاسية مواصلة «النأي بالنفس» أو الاختباء وراء الفيتو الروسي - الصيني. لن تبدل موقفها الرافض التدخل العسكري، لكن دعوة وزيرة الخارجية إلى لم شمل كل القوى المعارضة ترسم طريقاً يؤدي إلى قيام «عنوان» واحد لجميع خصوم النظام. لعل ذلك يساهم في تبديد المخاوف من البديل المحتمل ويحدد بوضوح الجهة المسؤولة عن تلقي الدعم المالي والعسكري لاحقاً بما يقلب المعادلة القائمة التي تتيح للنظام السيطرة على الميدان عبر السيطرة على سماء البلاد.

تحرص واشنطن والعواصم الأوروبية الفاعلة على عدم تجاوز مجلس الأمن، لأسباب كثيرة تتعلق بحسابات ومصالح دولية لها علاقة بأقاليم أخرى وتفترض حداً أدنى من التفاهم بين الكبار. لذلك ليس أمام السوريين سوى رفع مظلة واحدة لكل أطياف المعارضة السياسية والعسكرية. وحدها هذه يمكنها أن تفرض واقعاً جديداً لا يضعف الموقف الروسي ويتجاوزه فحسب، بل يحرج المختبئين وراء ذرائع وحجج على رأسها تشتت المعارضة، ويفتح الباب أمام مساعدات تمهد تدريجاً لكسر ميزان القوى الداخلي على أرض المعركة.

وبمـــــا أن كل أطياف المعارضة يجمع بينها الرفــــض الصارم لأي حوار مع النظـــام والإصرار على رحيله، ألا يهون عليها تجاوز كل الاعتبارات الأخرى وملاقـــاة كلينتون إلى منتصف الطريق فلا تعود ثمة حاجـــة إلى سلوك طريق بات معروفاً أن موسكو تقفله لأسباب عدة على رأسها عدم تكريس مبدأ تدخل المؤسسات الدولية لتغيير الأنظمة؟ إن اجتماعات الدوحة هذا الأسبوع توفر فرصة ثمينة وربما أخيرة لتغيير مسار الأزمة السورية وقلب المعادلات التي حكمتها حتى الآن، فهل تترفع جميع المعارضات عن حساباتها الخاصة والضيقة لمصلحة الحراك والحراك وحده؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الزلزال السوري والأمن التركي

أنور بن ماجد عشفي

عكاظ

5-11-2012

إن تفاقم الأوضاع في سوريا يزيد من التحديات التي تواجهها تركيا، والمعروف أن التحديات الخارجية سوف تزداد صعوبة إذا لم توضع الحلول للأزمات الداخلية. أوردوغان يتوسع في أجندته الخارجية دون أن يضع الحلول المناسبة للأزمات الداخلية.

فقضية الأكراد التي لم تجد حلا حتى اليوم في تركيا أصبحت تساعد على ظهور أزمة علوية داخل النسيج التركي.

فالأمن القومي التركي، أصبح يعاني من تهديدات داخلية وخارجية يعززها عدم وضع الحلول الحاسمة للقضية الكردية، علما أن هذه القضية لا تحل بالقوة. لقد فوجئت القيادة التركية بمظاهرة يسارية تطالب بدعم الأسد، وهذا ما شكل صدمة لحكومة أوردوغان التي لم تتمكن من تفسير التوجه اليساري إلى دعم بشار وهو الدكتاتور القاتل لشعبه، المدمر لمدنه.

حاولت إيران استخدام الطائفية كسفينة للنجاة من السقوط، لكن اليسار التركي بدأ بدعم البعث السوري، وبرزت قضية العرب العلويين المقيمين في هاتاي كمواطنين أتراك، فلم يتمكن أوردوغان من حل المسألة بحكمة، ولعله لم يدرك أبعادها، ما حدا بالعلويين دعم بشار والتظاهر من أجله.

لقد أطلقت المعارضة السورية مزاعم أن أوردوغان يطيل من عمر الأزمة في سوريا، كما أن بشار هو المسؤول الأول عما يحدث من قتل ودمار؛ بسبب إصراره على الحل الأمني، ورفضه في الماضي النصائح بالإصلاح من تركيا والدول العربية، وتركيا أحسنت صنعا عندما وقفت إلى جوار شعب يقتل، وتدمر ممتلكاته لأنه يطالب بالحرية والعدالة. فالموقف التركي موقف فرضته الأخلاق، لكن الأخلاق في حاجة إلى حكمة تسير بها الأمور، حتى لا تتسع الأزمة وتخرج من إطارها، لأن مخاطر النيران تتأتى من عدم محاصرتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية تعارض نفسها!

عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

5-11-2012

في يقيني أن المعارضة السورية ليست على مستوى الحدث والأخطار الجسيمة التي تعيشها البلاد. وفي يقيني أيضا أن سوء إدارة أقطاب المعارضة لملف إسقاط النظام الأسدي سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا هو أحد أسباب قوة نظام بشار الأسد وأحد العناصر المهمة في إطالة أمد هذا النظام الدموي.

المعارضة القوية المنظمة قادرة على زلزلة أركان أي نظام استبدادي، أما المعارضة المتفرقة المتناحرة فهي أفضل ما يتمناه الطاغية.

إن أزمة المعارضة السورية، في مجملها، أنها معارضة ذات علاقات ممتدة بقوى إقليمية أو دولية تقوم برعايتها سياسيا وماليا وتسليحيا. هذه الرعاية هي «نقطة التمكن» في سيادة وسلامة قرار المعارضة السوري.

في الحالة السورية نحن إزاء وضع تشترك فيه أجهزة استخبارات عشر دول إقليمية جارة أو بعيدة أو دولية ذات مصالح متشابكة داخل هذا الصراع. كل طرف له امتداده الخارجي، والقوى الخارجية قررت ألا تتفق، وقررت أن تمارس صراع الإرادات لديها من خلال أقطاب المعارضة.

أزمة أي معارضة، خاصة إذا كانت في المنفى الإجباري أو بحاجة إلى تمويل للإعاشة والتسليح، أنها تقع تحت نفوذ أو سيطرة من يدفع. وأخطر ما يواجه المعارضة السورية هذه الأيام هو حالة الانقسام، وتفتت التيارات المختلفة إزاء بعضها البعض، وعدم وجود تصور واضح لسوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه فإنني أعتقد أن الجهود التي تبذلها أنقرة من ناحية، والدوحة من ناحية أخرى، ستكون في خطر شديد. تسعى الدوحة وأنقرة إلى توحيد رؤية الفصائل المنقسمة على نفسها، وإيجاد صيغة تربط معارضة الداخل بالخارج، ومعارضة الدبلوماسية بمعارضة البندقية. وتسعى الدوحة وأنقرة إلى ربط التيارات الإسلامية بانقساماتها المختلفة مع بعضها البعض، وربط كل هذه التيارات بالمعارضة المدنية غير الدينية.

كل هذه الأمور هي إشكاليات معقدة وصعبة داخل الملف السوري. وفي يقيني أن محاولة الخروج بحكومة منفى خلال هذه الساعات، في اجتماعات الدوحة التي بدأت عشية أول من أمس في العاصمة القطرية، والتي تضم أكبر تجمع لأقطاب المعارضة، لن تكون الحل النهائي أو الدواء الشافي لأزمة هذه التيارات. المشكلة ليست في الإطار أو الشكل السياسي، ولكن في النوايا والاتجاهات والأفعال لفصائل المعارضة.

ويصبح مقياس الحكم على هذه الفصائل هو هل هي «فصائل قطاع خاص» تعمل لصالح القوى التي تدعمها، أم هي من ذلك النوع الذي يضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار في زمن التطهير العرقي والمجازر الدموية؟!

هذا هو السؤال.. وتلك هي المسألة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دبابات الأسد في الجولان

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

5-11-2012

أكاذيب الصراع العربي - الإسرائيلي كثيرة، لكن أكبرها الجولان وسوريا المواجهة والممانعة.

أول من أمس ثلاث دبابات سورية تجرأت ودخلت لأول مرة المنطقة العازلة، الفاصلة، بين إسرائيل وسوريا وفق اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب عام 1973. لم تقصفها إسرائيل ولم تحتج على خرق الاتفاق أيضا، فهي كانت دبابات تلاحق أفرادا من الثورة السورية، وبالتالي اعتبرها الإسرائيليون مسألة داخلية.

وصادف أن سمعت حديثا عن جدل في داخل المؤسسة الإسرائيلية، وأن الأمن الإسرائيلي حذر القيادة الإسرائيلية باحتمال لجوء عشرات الآلاف من السوريين المحاصرين بسبب القصف والقتل إلى الجولان، ودخول الحدود الإسرائيلية هربا. ويقال إن الإسرائيليين قلقون لأول مرة من تبعات الثورة على نظام بشار الأسد، وإنه قد يورطهم في النزاع، سواء عمدا منه أو نتيجة متوقعة للقتال الذي تتسع مساحاته.

الدبابات الثلاث تؤكد أن اللاجئين والفارين، وحتى المقاتلين الذين يضطرون للبحث عن ملجأ باتجاه الجولان، حقيقة على إسرائيل أن تعيها، وتحسب حسابها. منذ أكثر من عشر سنوات زرت الجولان في نصف نهار، الذي لم يستغرق الوصول إليها سوى نحو نصف ساعة فقط. واعترف لي المرافق الرسمي بأن الطريق السريع من العاصمة الممهد إلى القنيطرة يعني أيضا أن القوات الإسرائيلية قادرة على النزول باتجاه دمشق بسهولة إن فشلت الدفاعات الأرضية والقوات الفاصلة. طبعا، نحن نعرف أن سوريا التي فشلت في احترام كل الاتفاقات في لبنان وغيرها، احترمت بدقة متناهية تماما اتفاق وقف إطلاق النار الشهير، أكثر من الأردن ومصر في السنوات التالية للاتفاقات الموقعة.

نظام الأسد، الأب حافظ ولاحقا الابن بشار، استخدم لبنان في مواجهة الإسرائيليين أو بناء علاقات معهم أو المتاجرة بالقضية مع العرب، لكنه أغلق الجولان تماما. حزب الله وإيران وسوريا وفصائل مثل الجبهة الشعبية القيادة العامة، أو ما يعرف بأحمد جبريل، وفي مراحل متعددة كانت حركة حماس، موظفة عند الأسد أيضا. كل هؤلاء كانوا يستخدمون القضية الفلسطينية ويتاجرون بها لأغراضهم.

الآن، الوضع معقد جدا، لأن الشعب السوري ثار على نظام الأسد ليس استهدافا لأحد آخر، بما في ذلك إسرائيل، بل من أجل حريته وكرامته، والتخلص من نظام بوليسي إجرامي ربض على صدره أربعين عاما. خلال ثورته الحالية التي طال أمدها، وتسبب تلكؤ الدول الكبرى في دعمها إلى دخول أطراف جهادية ومشبوهة قد تريد توسيع المعركة إلى ما وراء حدود سوريا، بالاشتباك مع حزب الله في لبنان أو الأقليات السورية من مسيحية وعلوية أو شيعية في لبنان، وإسرائيل أيضا. وهذا كفيل بتخريب الثورة واستدراج القوى الإقليمية، والدولية الكبرى، لتخريب أماني الشعب السوري بدولة موحدة مستقرة، فيها نظام يرضى عنه الجميع تقريبا.

وقد يعمد النظام السوري إلى مقاتلة السوريين والدفع بعشرات الألوف من الأهالي باتجاه الجولان ودخول إسرائيل، كما حذرت من ذلك قيادات أمنية إسرائيلية، ثم يصبح هناك اشتباك ثلاثي يعقد القضية. لا أحد يريد من إسرائيل التدخل لصالح اللاجئين ولا ضدهم، لكن قد تصل الأمور إلى أن تدفع نيران الحرب بآلاف السوريين في الاتجاه نحو كل المنافذ الحدودية خشية القتل أو طلبا للمعيشة، في حال قطع مصادر المياه والكهرباء في وقت الشتاء خاصة.

نظام الأسد لن يمانع أن تقصف إسرائيل دباباته الثلاث حتى يزعم أنه يقاتل مؤامرة أميركية - صهيونية تريد إسقاط نظامه، نظام الممانعة المزعوم.

في الأخير هذه المسرحية في الجولان لن توقف محاصرة النظام في العاصمة دمشق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية رهينة الحسابات الأميركية

الدكتور خطار أبو دياب

جريدة الجمهورية

يعيش العالم وخاصة مناطقه الملتهبة على وقع الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكأن العالم ينتخب زعيمه كل اربع سنوات... على خلاف انتظار غودو بطل مسرحية بيكيت، الغائب الذي ينتظره الجميع ولا يأتي ابداً، يعوّل الكثيرون على مفاجآت أو أوامر عمليات ستأتي من وراء الأطلسي تعيد ترتيب الاوراق أو تغير موازين القوى في بعض الملفات الدولية حتى لو بقي اوباما سيّد البيت الأبيض.

حيال الصراع داخل سوريا وحولها تعطلت المجموعة الدولية بالفيتو المتكرّر للثنائي الروسي ـ الصيني، أما "غودو" الامريكي فقد أمعن في تردده وملاحظاته وأولوياته في مواجهة ما يشبه الحرب الباردة المتجددة.

إزاء الحصيلة المروِّعة للمأساة السورية من حيث عدد الضحايا والجرحى والمعاقين والمفقودين ومئات ألوف اللاجئين داخل الديار وخارجها، ناهيك عن حجم التدمير للبنية التحتية والنسيج الاجتماعي، تبدو الحسابات الاميركية والدولية لا صلة لها بحق الانسان في الحياة وأحقية مقاومته لطبائع الاستبداد وممارساته. ومن هنا اصبح الانتظار ثقيل الثمن وأخذ النزاع يتخطى الحدود السورية وغداً الاهتراء ينذر بمزيد من التفتيت والتدمير والحرب الطويلة.

من أجل فهم السياسة السورية لواشنطن لا بد من الاحاطة بالكثير من العوامل بدءاً من المصلحة العليا للولايات المتحدة التي تفضل أن تطبق نظرية التدخل الإنساني و تحمل المسؤولية الاخلاقية تحت سقف الشرعية الدولية، ولذا فإنها لا تريد الانغماس في حرب جديدة بعد حربي العراق وافغانستان حيث يبقى الانخراط في ليبيا الاستثناء وليس القاعدة.

ويأتي العامل الاسرائيلي في المقام الثاني. بالنسبة لإسرائيل لا تعد خسارة "الكنز الاستراتيجي" خسارة النظام المصري السابق لوحده، بل يأتي القلق الاساسي من احتمال سقوط النظام السوري بسبب الواقع الجديد والغامض في مجمل المنظومة الاقليمية وتغير الوضع على الحدود الشرقية مع إمكانية تواجد قوى راديكالية متشددة

أو قيام انظمة تحسن الدفاع عن مصالحها بشكل أفضل وأجدى. تبعاً لذلك، نفهم سبب عدم تسريع الجهد الأمريكي لإسقاط نظام الاسد، وعدم السماح بوصول أسلحة نوعية للقوى الثائرة حتى لا تتغير المعادلات قبل اتضاح صورة البديل في دمشق.

بالطبع تطول لائحة الموجبات أو الذرائع التي ردعت أو أخرت الانخراط الأميركي وأولها عدم وحدة المعارضة وثانيها الخوف على الأقليات وثالثها مخاطر صعود التطرف على ضوء التجربة الليبية وغيرها. لكن القطبة المخفية في الأداء الأميركي توجد في تطورات المسألة الايرانية ورغبة واشنطن في عدم حرق المراكب مع موسكو فيما يخص الأزمة السورية، بحيث تبقى روسيا لاعباً غير صدامي في موضوع الملف النووي الإيراني.

وفق ذلك ستكون الشهور القادمة حتى صيف 2013 شهوراً ترسم المشهد الاقليمي وربما تكون حاسمة لناحية الفوز في لعبة الصراع الاقليمي أو لجهة الدخول في لعبة امم معقدة ومفتوحة على كل الاحتمالات من طرطوس إلى انطاكية واصفهان.

ليس من الوارد تسليم واشنطن بخسارة اختبار القوة، والتضحية بمصالحها الكثيرة في الاقليم، ومنها صلاتها الحيوية مع تركيا ودول عربية في الخليج.

أياً كان الفائز في السباق إلى سدة الرئاسة في واشنطن، علمتنا التجارب تأرجح السياسة الأميركية بين الرغبة في التدخل والرغبة في الابتعاد أو عدم التأثير في مشكلات دولية معينة.

إلا أن لعبة المصالح سرعان ما تفرض منطقها، فتدخل اميركا الصراعات من بابها الواسع، وسيطاً أو شريكاً أو طرفاً بمعنى ترك الخيارات مفتوحة وفق برغماتية فلسفية تربط النظرية بالممارسة العملية.

انطلاقاً من هذه المراقبة التاريخية ومن جردة الحسابات الحالية إزاء الوضع السوري، يمكن القول إنّ الكلام الأخير لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن تنظيم المعارضة السورية، يُعدّ بالفعل تدشيناً لمرحلة سيتسارع فيها الدور الأميركي في الاسابيع القادمة.

بغض النظر عن التنبيه الموجّه ضد التطرف أو أمر العمليات في خصوص المجلس الوطني السوري والحكومة المؤقتة، يبدو ان واشنطن ترتب أوراقها وتعيد توزيعها كي تتعامل بشكل فعال مع الملف السوري.

في جلسة خاصة له مع معارضين سوريين قال السفير الاميركي في دمشق روبرت فورد إن "الحسم ضد نظام الاسد سيكون أما عسكرياً بعد حرب استنزاف أو سياسياً في حال فرض الحل السياسي الملائم بعد استكمال حصار النظام واضعافه". لكن مصدراً اوروبياً يعتقد أن الافضلية الاميركية هي "لتغيير موازين القوى كي يتم ارغام النظام على التفاوض".

يرتبط الدفع الاميركي نحو تفاوض المعارضة مع جزء من النظام في سياق استخلاص للدرس العراقي فيما يخص الحفاظ على ما أمكن من مؤسسات الدولة. بيد ان هذه القراءة لا تعبر عن فهم دقيق لطبيعة النظام السوري وتركيبته، وربما يتم تسويقها لمراعاة الطرف الروسي أو للتحكم بالبدائل الممكنة.

في انتظار التفاوض او الحسم، تبقى المسألة السورية أسيرة الحسابات الاميركية حيث ان القرار الجدي بأسقاط النظام لم يصدر بعد على رغم كل الكلام المسال منذ اغسطس ـ آب 2011 .

لن تحصل المعجزة غداة الانتخابات الاميركية، لكنّ بداية الخروج من المأزق اخذت ترتسم في موازاة غزارة شلال الدماء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصراع على سوريا في عالم مختل الأقطاب

طريف الخياط

الشرق الاوسط

5-11-2012

تتوجه أنظار العالم إلى الانتخابات الأميركية، ويترقب السوريون نتائجها، علها تضع حدا لمرحلة اللاقرار واللعب في الوقت الضائع، التي تمثلت بمبادرات وبعثات، اكتفت باستعراض مظاهر العمل الفارغ وتجارة الكلام في بازار سياسي مفتوح.

وبانتظار البيت الأبيض كي يستقبل سيده للأعوام الأربعة المقبلة، يبدو أن لا شيء يمايز بين رومني وأوباما بالنسبة للسوريين سوى الاسم ولون البشرة، فقد بينت المناظرات بين الرجلين تطابق مواقفهما برفض التدخل العسكري في سوريا، وتقاربهما بما يخص تسليح الثوار المشروط بتحديد الجهة التي ستستلم السلاح وتستخدمه، مما يضع العملية رهنا لاعتبارات يسهل المماطلة فيها.

تطرح تساؤلات كثيرة عن سبب البرود الأميركي في التعامل مع الملف السوري، والذي يستتبعه برود وارتباك في الموقف الغربي وخصوصا الفرنسي، إذ نحى مؤخرا إلى الاكتفاء بالتركيز على الجانب الإنساني والإغاثي، وقضايا الإدارة الذاتية للمناطق المحررة، ومحاولات تشكيل حكومة انتقالية، قد تحظى بشرعية دولية ما، تمكنها من اتخاذ بضعة قرارات، لن تخرج عن سياق الممكن للداعمين وحساباتهم الدقيقة. لتحمّل الأسطوانة الغربية بلازمة توحيد الجيش الحر إلى جانب اللازمة التقليدية بتوحيد المعارضة السياسية، وعلى الرغم من أن كلتيهما من المطالب المحقة، إذ أن التشكيلات السياسية السورية تتحمل - بتشرذمها والمصلحية البحتة التي نهجت عليها تياراتها وشخوصها في معظم الأحيان - قدرا كبيرا من المسؤولية، إلا أن الغرب المتردد أصلا قد استفاد من ذلك في استجرار الحجج لتبرير التلكؤ، فكان الاكتفاء والانكفاء خلف المساعي الكلامية، أحد أهم العوامل التي أوصلت الحال إلى ما هي عليه.

وبالعودة إلى غياهب موقف الولايات المتحدة، يرى كبير باحثي جامعة ييل الأميركية في ورقة نشرها مركز الجزيرة للدراسات، أن تردد إدارة أوباما في دعم الثورة السورية يعود إلى جملة من العوامل نذكر من أهمها، أن الشعب الأميركي وكبار ضباطه العسكريين قد سئموا الحروب، فوفقا لاستطلاعات للرأي أجريت مؤخرا، يرى الأميركيون أن حربي أفغانستان والعراق «خطأ يجب ألا يتكرر». ويضاف إلى ذلك توجس من «تزايد نفوذ القاعدة» بعد سقوط الأسد، وتصاعد «الصراع بين الفصائل بما يشبه أفغانستان بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1992». ولعل أهم ما أورده والرشتاين مخاوف من «تراجع العلويين إلى منشأهم الجبلي ليواصلوا القتال من هناك»، و«تعرض الأقليات بمن فيهم المسيحيون للاضطهاد»، بما يتساوق مع تصريح لافروف بأن «بشار الأسد يمثل ضمانة أمن الأقليات وبضمنهم المسيحيين». فالتعبير الروسي على فظاظته، يحمل كثيرا من المشتركات مع التشككات الأميركية، ضمن منظور لا يخرج عن وصف الصحافة الغربية للثورة السورية، التي يرد ذكرها حربا طائفية أو حربا أهلية بأحسن الأحوال.

يوحي ظاهر الموقف الروسي، بالتخوف من انعكاسات وتصعيد في الجمهوريات الإسلامية المضطربة ضمن حدوده، إلى جانب مصالح بالحصول على موطئ قدم في المياه الدافئة، يؤمنها ميناء طرطوس، عدا عن مبيعات الأسلحة والتي تجد في سوريا سوقا محدودة لها. لكن هل تكفي تلك المبررات لتفسير التعنت الروسي والتردد الأميركي؟ ثم إن المطالب الروسية، كما تبدو، يسهل احتواؤها والمساومة عليها، في حال كانت لا تستتر على مطامح أخرى.

لا شك أن نهاية الحرب الباردة، التي وضعت أوزارها مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وما رافقها من تحول النظام ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، قد غيرت قواعد اللعبة في مسرح السياسة الدولية، وحررت الولايات المتحدة ومن خلفها الكتلة الغربية، من عبء التوازنات الدقيقة في حسابات المصالح وردود الفعل، فتصرف ساسة البيت الأبيض كسادة العالم، وأتيح لهم القيام بمبادرات وتدخلات منفردة في مناطق عدة، خارج إطار الشرعية الدولية. وكان الدب الروسي في تلك الفترة منشغلا باعتلالاته الداخلية، واقتصاده المنهار. فبدأ سباتا شتويا طويلا لم يكن خلاله قادرا على الالتفات لأطرافه الحيوية حيث كان حلفاؤه وأصدقاؤه يتساقطون، فمع بداية القرن الحادي والعشرين، أطاحت قوات الناتو بالزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش عام 2000، وتم غزو العراق رغم الرفض الروسي في الحالتين، كما شهد محيطه الجيوسياسي المباشر ثورات غيرت نسبيا خريطة التحالفات الهشة، ثورة الورود في جورجيا 2003، والثورة البرتقالية في أوكرانيا 2004، كان من السهل حينها أن تواجه روسيا بـ«لا» وتنكفئ على خيبتها، أما اليوم فيبدو أنه من السهل أن يقال للولايات المتحدة: «لا».

لقد شهدت روسيا نقلة نوعية مع نهاية حكم يلتسين الضعيف في 1999، وبداية عهد بوتين الذي استطاع أن ينهض بالاقتصاد الروسي، ويضاعف متوسط الدخل الشهري للمواطن بضعة أمثال، ويراكم احتياطيات نقدية لا يستهان بها، مستفيدا من ارتفاع أسعار موارد الطاقة، التي كانت من جملة عوامل نهضته بالاقتصاد، وأعادت روسيا إلى نادي الكبار سياسيا واقتصاديا، لكنها أرادت أن تعود قوة عظمى. فكانت نقطة التحول الفاصلة في حرب الأيام الخمسة في جورجيا عام 2008، حيث بدا الدب الروسي كمن يقف في وجه محاولات انضمامها للناتو، لمنع الأخير من التمدد نحو حدوده المباشرة، وفي خطوة كانت ردا على الاعتراف الغربي باستقلال كوسوفو عن صربيا، اقتطعت روسيا جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيتا من جورجيا واعترفت بهما، لتعلن بذلك بداية مرحلة جديدة، وتبدأ الولايات المتحدة أيضا مرحلة مختلفة مع أزمة اقتصادية عاصفة، لا تزال تعاني بعضا من تبعاتها إلى اليوم، إلى جانب أعباء ثقيلة من حربين طويلتين في العراق وأفغانستان، فسحبت جيوشها من الأولى وحددت عام 2014 لانسحابها من الأخيرة. لقد فشل أوباما في تحقيق كثير من وعوده الاقتصادية، ويبدو أن سيد البيت الأبيض القادم سيمنح البلاد استراحة محارب، ويللفت إلى شؤونها الداخلية وعجوزات الموازنة التراكمية والمزمنة.

ومع ذلك لا تتمخض الساحة الدولية اليوم عن قوى عظمى بالمعنى التقليدي الذي عرفته الحرب الباردة، ولا على شاكلة مرحلة ما بعد الحرب الباردة أيضا، إذ يبدو العالم الراهن مختل الأقطاب، وربما بطريقه إلى العودة نحو تعددية الأقطاب التي وسمت فترة ما قبل الحربين العالميتين. ليست قوة روسيا هي المعيار إنما استشعارها بتراجع – قد يكون مرحليا - لندها القديم، والحاجة إلى ترسيخ قواعد جديدة لإدارة الأزمات الدولية، في نظام دولي جديد لم تتضح ملامحه بعد، بما يعيد لها بعضا من مكانتها، عبر إدارة صراع مع خصومها، وبالتحالف مع أصدقائها، في ساحات بعيدة عن أراضيها. فالمجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى الثورة السورية كثورة ضد ديكتاتور، بل إلى صراع بين حكومة ومعارضة مع أبعاد وامتدادات طائفية، لتسهيل إدارته واستقطاب عناصره واستثمار نتائجه، دون اعتبار لعامل الزمن وانعكاسات الصراع على سوريا كساحة له.

لقد قالت روسيا كلمتها بأن «الأسد لن يرحل»، وهددت باستمرار «حمام الدم» في حال لم تؤخذ مطامحها بعين الاعتبار، وهي بذلك ترسل رسالتها إلى سيد البيت الأبيض القادم قبل أن يتولى منصبه، رسالة لبدء التفاوض بين ندين، وليست لمساوم ينتظر ثمنا من سيد كبير، لتقول أيضا إن هناك نظاما دوليا جديدا يصنع الآن، على حساب دماء شعب، سيلعن التاريخ قاتليه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ألغام على طريق الثورة

علي العبدالله()

المستقبل

تمر الثورة السورية بمرحلة دقيقة وحرجة، فالخلاف حولها ليس بين الأطراف المؤيدة للنظام والمؤيدة للثورة فقط بل، وهو الأخطر في اللحظة السياسية الراهنة، ضمن الأطراف المؤيدة للثورة، وداخل صفوف المعارضة ذاتها. فالدول والقوى المؤيدة للثورة غير متفقة لا على الهدف السياسي ولا على طرق ووسائل تحقيقه، ناهيك عن الصراع الخفي فيما بينها على سوريا وقضايا أخرى.

يقود التدقيق في المبادرات المتتالية، الاقليمية والدولية، ازاء سوريا الى وجود حالة ارتباك، على خلفية العجز الذي يعيشه المجتمع الدولي في مواجهة عمليات القتل الوحشي والتدمير الممنهج الذي يقوم به النظام ضد المدنيين السوريين في المدن والبلدات والقرى، فالدول الموالية للنظام (روسيا، الصين، ايران) مازالت تصر على تحقيق مكاسب سياسية باستثمار الصراع الدائر في سوريا عبر دعم النظام بكل الوسائل التي تمكنه من الصمود في وجه الثورة الشعبية، وتتبنى روايته للأحداث، واعتباره ممثلا للدولة بكل مترتباتها من السيادة الى حق احتكار استخدام العنف، وتسعير المواجهة ريثما تنضج مساومتها حول مصالحها في سوريا وخارجها، ومازالت تعتمد الاسطوانة المشروخة ذاتها حول الجماعات المسلحة والدعوة الى وقف تسليحها، والإرهاب، وان لا حل من دون الجلوس على طاولة المفاوضات مع النظام، والحديث عن قوة النظام وشعبيته قبل ان يضيف السيد لافروف مبررا جديدا للتمسك به وظيفة حماية الاقليات.

الدول "المؤيدة" للثورة، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، مترددة بين خيارين صعبين: التنازل لروسيا، والتنازل للثورة السورية، فهي لا تريد التنازل لروسيا وتحقيق بعض مطالبها في سوريا وآسيا الوسطى والدرع الصاروخي، والموافقة على اعتبارها شريكا في القرار الدولي من جهة ومن جهة ثانية لا تريد للثورة السورية ان تنتصر انتصارا مبينا يجعلها حرة وسيدة قرارها، لما لذلك من تداعيات وانعكاسات على الإقليم، وخاصة على إسرائيل، لا تنسجم مع المصالح الامريكية، وهذا جعل موقفها يتداخل مع الموقف الروسي ويتقاطع معه في الابقاء على النظام، وان مشذبا، لكن من دون النفوذ الروسي والإيراني، وخاصة الايراني.

دفعت صعوبة اعلان تبني الخيار الثاني، في ظل عمليات القتل الوحشي الممنهج التي يرتكبها النظام ضد المدنيين العزل واشنطن الى لعب دور معطل بوضع العصي في عجلات الثورة بذرائع جلها مصطنعة، من تشتت المعارضة الى تواجد تنظيم القاعدة مرورا بمصالح الأقليات. ولما استهلكت هذه الذرائع لجأت الى تأجيل قرارها عبر طرح مبادرات تتعلق بإعادة صياغة المعارضة والثورة في مستوييها المدني والعسكري، على خلفية دفع الاطراف لقبول حل وسط يبقي جزءاً من النظام ويحقق للثورة جزءاً من مطالبها، وخاصة تنحي بشار الأسد، وهذا يفسر الدور الذي يلعبه روبرت فورد سفيرها في سوريا في محاولات استنزاف الثورة وتعقيد التحديات التي تواجهها عبر مباركة ودعم كل الخارجين على المجلس الوطني السوري، وتشجيع كل المبادرات وتبنيها، تلك التي تنطوي على تجاوزه او اضعافه وتبنيها وآخرها الدعوة لتشكيل هيئة المبادرة الوطنية السورية كمدخل لتشكيل حكومة مؤقتة من خارجه، والتي تعني انهاء دور المجلس الوطني السوري، وخلق كيان سياسي جديد. فالخط البياني للمبادرات والتصورات التي دعمها وتبناها السفير فورد تشير بوضوح الى سعيه لعرقلة التطور الحاصل في الثورة لجهة ادراك ضرورة التنسيق والوحدة بين قواها، وعلى كل المستويات، بتبنيه لخيارات وبدائل تعيد الموقف الى المربع الأول، ومن سعيه لإدخال قوى سياسية الى المجلس الوطني السوري بذريعة وحدة المعارضة، وهي لا تقبل موقف المجلس السياسي، للضغط عليه تمهيداً لتغيير مواقفه، الى العمل على فرض تشكيل لجنة المتابعة والاتصال بدور يتجاوز دور المجلس، وآخر هذه الخيارات تشكيل بديل للمجلس الوطني تحت اسم هيئة المبادرة الوطنية السورية، يناط بها تشكيل حكومة مؤقتة، وإطلاق رصاصة الرحمة على المجلس الوطني السوري.

فالتصور الجديد لتشكيل هيئة مبادرة وطنية سورية، في عمومه وتفاصيله، يقود الى استنتاج بوجود توجه لتطبيق النموذج العراقي في سوريا، والذي يقضي بتسليم البلاد لأشخاص ومكونات سياسية هزيلة ليست في صلب الثورة، وإقصاء القوى الحقيقية المعبرة عن تطلعات السوريين. وهذا واضح من بنية التصور حيث لم يكتف اصحاب المبادرة بعدم مشاورة قوى الثورة في الموضوع، بل لم يشركوها في تشكيل الهيئة وقدموا عليها مكونات لم تكن في الثورة، أو كيانات مصطنعة شكلت لتلعب دور حصان طروادة في اختراق المشروع الوطني للتغيير، الذي تبنته الثورة وتجاوز مطالبها وبخاصة إسقاط النظام. لان انتصارها وبلوغها أهدافها يتعارض مع المصالح الأميركية كما أسلفنا، عبر اعتماد حل وسط أو صيغة لا غالب ولا مغلوب تستجيب للمصالح الأميركية. هنا يجب ان لا ننسى دور أطراف في المجلس الوطني والمعارضة في الترويج لهذه السياسات والمواقف، فهي ولاعتبارات شخصية وأنانية تهرول لملاقاة مطالب الدول "الصديقة" علها تنال بعض الفتات، وفرض تشكيل حكومة مؤقتة مع ان المعطيات الواقعية لا تشير الى امكانية تشكيل حكومة مؤقتة، حقيقية، فلا انتصارات الثورة وسيطرتها على اجزاء من البلاد تسمح بإقامة منطقة آمنة تسمح للحكومة بالقيام بدورها منها، والنظام مازال يمتلك قدرات، وله حلفاء يدعمونه بقوة، لعرقلة تنفيذ هذا الخيار، ولا مستوى التنسيق والتعاون بين القوى السياسية والميدانية، عسكرية وغير عسكرية، يسمح بتشكيلها في ظروف صحية، فاحتمال انفجار الخلافات على خلفية تشكيلها شبه مؤكد، ناهيك عن ان ما حصل ويحصل مع المجلس الوطني السوري الآن يستدعي الحذر من التلاعب بموضوع تشكيل حكومة مؤقتة، والتعاطي معها كآلية لإدارة الازمة ما يعني استخدامها كأداة مرحلية ثم رميها في سلة المهملات. فالوضع لم ينضج لتشكيلها بشروط موضوعية ومحددات منطقية، سبق طرحها من قبل إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي وهي:

أ- أن تشكل بتوقيت مناسب عند التأكد من قرب سقوط النظام.

ب - أن تقوم على ارض محررة.

ج - ان تكون قوى الثورة في الداخل الطرف الرئيس في تشكيلها.

د - ان تكون مدتها محددة بسقوط النظام، وعندها يبدأ العمل على تنفيذ برنامج المرحلة الانتقالية، بدءا من عقد مؤتمر وطني جامع، وتشكيل حكومة للمرحلة الانتقالية مهمتها تنفيذ بقية برنامج المرحلة الذي اتفق عليه في مؤتمر المعارضة 2 و 3 تموز 2012 في القاهرة.

و - أن نضمن الاعتراف بها، والتعامل معها من قبل الدول الصديقة على أنها البديل السياسي للنظام.

يشير خيار تشكيل هيئة مبادرة وطنية لتشكيل حكومة مؤقتة، بالإضافة الى ما يحصل على الأرض من ممارسات بخصوص الدعم والتسليح باشراف أميركي، إلى وجود قرار بعدم تمكين الثورة من تحقيق انتصارات ميدانية تسمح لها بكسر توازن القوى الراهن على طريق حسم المعركة، فالتعاطي مع الدعم بالعتاد والمال يشير الى وجود قرار بالتحكم بإيقاع المواجهة من خلال السيطرة على وصول الدعم كما ونوعا وتوقيتا، وهذا بدوره يشير إلى خطة لاستنزاف الثوار، وإنهاكهم باعتماد تكتيك تليين الدفاعات المعروف في الاستراتيجية العسكرية، لدفعهم إلى حافة اليأس والاختيار بين قبول حل وسط او الهزيمة.

تستدعي المصلحة الوطنية، ونجاح الثورة في تحقيق أهدافها في اسقاط النظام، وولوج مرحلة التغيير الديمقراطي، رفض أي هيئة أو تشكيل سياسي فوق المجلس الوطني السوري، وأن لا يخدع المجلس نفسه، أو ينخدع لمروجي المبادرات، ويزعم انه قادر على الاحتفاظ بدوره مع قيام مثل هكذا تشكيل في الوقت نفسه، فالأمران لا يجتمعان، وان يعمل مع قوى المعارضة المنحازة للثورة على دراسة فكرة تشكيل حكومة مؤقتة وإنضاجها وتحديد آلية تشكيلها وشكلها وحجمها والتوقيت المناسب لقيامها، فالموضوع من الاهمية والخطورة بمكان تفرض التعاطي معه بما يستحق من المسؤولية والجدية والحصافة.

() كاتب سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جوبر بوابة الغوطة

صبر درويش

المستقبل

4-11-2012

يتفاخر سكان جوبر، المدينة المتاخمة للعاصمة دمشق من جهة الشرق، وإحدى البوابات الرئيسية للغوطة الشرقية، في أن مدينتهم لم تكف عن المشاركة في ثورة الشعب السوري، منذ منتصف مارس - آذار من العام الماضي، وذلك رغم كل المآسي التي عاشتها المنطقة، من اقتحامات لقوى الأمن والشبيحة الموالية لنظام الأسد، والقصف المستمر على المدينة والذي لم يتوقف للحظة.

قدمت المدينة حصتها من الموت السائد، فزفت أكثر من مئتين وثمانين شهيداً، ومئات المعتقلين، ومثلهم من المفقودين، ورغم كل هذا، لا تزال المدينة مستمرة في صمودها، ومشاركتها الفعالة في ثورة شعبها.

محمود،الشاب الذي صادف أن التقيناه في إحدى المظاهرات، والذي كان خارجاً لتوه من المعتقل، كان واضحاً عليه الإنهاك والتعب، بيد أن روحه المقاتلة، كانت بادية للعيان، بالنسبة له كانت المسألة واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الفقه اللغوي، يقول: هم اعتقلوني، وأخضعوني لكل أشكال التعذيب المتوفرة لديهم، وكل ذلك في سبيل إجباري على التراجع عن ثورتنا، بينما موقفي هو أن خسئتم! بدليل وجودي الآن في التظاهرة، المسألة بالنسبة لي باتت شخصية، إما أن يكسروني وإما أن أستمر في المقاومة، وما زلنا في بداية الطريق، يختم ضاحكاً.

لم يوفر نظام الأسد، وسيلة إلا واستخدمها من أجل كسر روح المقاومة في المدينة، وإعادة إحكام سيطرته عليها، قصف المدينة بالمدفعية وبالطيران الحربي، وعندما لم يجدِ ذلك نفعاً، اقتحم أحياءها الآمنة، وشن حملة اعتقالات عشوائية، وارتكب المجازر الجماعية، التي لم تستثنِ أحداً؛ عندما وصلنا رأينا جثثاً من الصعب وصف مشهدها، كانت بمجملها متفسخة بالكامل والكثير منها محروق حتى لم يبقَ شيء من ملامحها، إحدى النساء تعرفت على جثة زوجها، من قطعة قماش كانت متبقية على جثته، وعائلة من سبعة أفراد لم يبقَ منهم سوى أشلاء جمعت على عجل في كيس ووضعت في أحد القبور. كل شيء يثير السخط في هذه المعادلة، فحجم الجريمة وتفاصيلها، أكبر من ان تحيطه اللغة السائدة. ابو لؤي، وهو واحد من أبرز الناشطين في المدينة، قابلناه مصادفة في مقبرة المدينة، كان يقرأ الفاتحة على قبر أخيه الذي استشهد قبل فترة قصيرة، سألنا مبتسماً: تريدون أن تسمعوا حكايا شهدائنا؟ اتبعوني إذاً.

كان لدى أبو لؤي أرشيفاً مرعباً لصور الشهداء، وأسمائهم وتفاصيل مقتلهم، وفي المكان الذي يكرم فيه الشهيد قبل أن يدفن، روى لنا تفاصيل كل تلك الأحداث، غادرته ابتسامته، وبدا متوتراً، كانت رائحة الموت تعبق بالمكان، فقبل ساعات كان قد كفن إحدى الطفلات التي سقطت برصاصة قناص، كان حزيناً، فما رآه، وهو الحرفي الذي لم يكفن جثة من قبل، من الصعب نسيانه.

هل نبالغ فيما نروي؟ في الحقيقة نحن لا نسوق سوى القليل القليل مما حدث ويحدث في مدينة جوبر، المدينة الواقعة على تخوم الغوطة، والتي تضم العديد من فئات المجتمع السوري. وهو شيء سعى نظام الأسد للعب عليه، عبر إثارة فتن طائفية تحرف الثورة عن مسارها. ما توصلنا إليه عبر تحقيقنا، هو أن قوات الأمن قامت ببعث رسائل تهديد لكثير من الأسر المنتمية لطوائف أخرى تقطن في المدينة، وتطلب منها الخروج من المدينة، وهو الشيء الذي أثار لغطاً كثيراً، بينما أهل المدينة براء من هذا السلوك ونفاه أغلب الذين التقيناهم، حيث أكدوا على استمرار الكثير من العوائل في العيش داخل المدينة بسلام ومن دون أن يعترض سبيلهم أحداً.

وأياً يكن من امر تلك الادعاءات، فإن التظاهرات الحاشدة التي تخرجها المدينة بتنوعها السكاني، تثبت بما لا يدعو إلى الشك، أن ثوار جوبر لم تنطلِ عليهم ألاعيب النظام وأبواقه. وهو فشل إضافي يضاف إلى فشل النظام في قدرته على احتواء ثورة الشعب السوري.

فعلى الرغم من كل الدمار المحيط بالمدينة، ورائحة الموت المنتشرة في كل أنحائها، إلا أن ثوار جوبر لا يبدون تهاوناً أو تراجعاً في حراكهم.

يخرجون في تظاهرات حاشدة، يهتفون للحرية وللوحدة الوطنية، ينشدون أغاني الفرح، ويؤكدون حتمية انتصارهم، ويكتبون على لافتاتهم الشهادة أو النصر، في إشارة واضحة إلى صمودهم الذي لا يلين، وفي خيارهم الذي حسم أمره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نجونا من الهدنة.. بقي أن نتفاءل بالحرب!

عمر قدور

المستقبل

4-11-2012

كما هو متوقع أثبتت هدنة الإبراهيمي فشلها في سوريا، ولم ينخفض منسوب أعمال القتل والقمع الذي تمارسه قوات النظام، ربما باستثناء الفراغ الذي خلفه ضباطها وعناصرها الذين استحقوا أيضاً إجازات العيد على أدائهم، ولم يفلح زملاؤهم المناوبون في تزجية الفراغ بالحصة اليومية المعتادة من الضحايا. مع ذلك لم تتوقف وسائل الإعلام عن الإشارة إلى الخروقات التي تعرضت لها الهدنة، بل انقلبت وسائل إعلام النظام على ذاتها، وبدلاً من الأخبار التي لا تتوقف عن إنجازات قوات النظام في ملاحقة "الإرهابيين" وإبادتهم، راحت تبث أخباراً عن هجوم هنا أو هناك تشنه "العصابات المسلحة" على تلك القوات الوادعة المسكينة!

ما يزيد على الأربعمائة قتيل في أربعة أيام؛ لعلها الهدنة الأقسى والأكثر كلفة عبر التاريخ، هذا إن لم نتوقف عند كونها سابقة من نوعها أن يعلن نظامٌ الهدنةَ على شعبه، بعد أن سجّل سابقة بإعلانه أن العدو في الداخل، أي أن عدوه هو شعبه الذي حاز تسمية "العصابات المسلحة"! إذاً كان من المستغرب أصلاً أن يقبل النظام بهدنة مع العصابات المسلحة، فهذه خيانة لواجباته أمام شبيحته ومواليه؛ لكن، وبما أنه لم يعتد على إقامة أي وزن لقدراتهم العقلية، فقد كان من السهل عليه أن يضرب بعرض الحائط هذه المحاكمة العقلية البسيطة، والتي سبق أن روّج لها بوصفها جوهر ديمومته. لذا، وكتعويض عن السلامة العقلية المهدورة، كان ينبغي مراعاة غرائز الجمهور، فالموالون قد ألفوا شبيحتهم المتعطشين للدماء، وعلى ذلك لا بأس بالهدنة إن أتت ملطخة بها، بل لعل ذلك يبلغ مدى العبقرية التي تُدهشهم حقاً، وتزيد من تراصهم خلف قيادتهم الحكيمة!

لم يتفاءل السوريون عامة بالهدنة، فهم خبروا أكاذيب النظام جيداً، ويعرفون أن موافقته عليها لا بد أن تكون مفخخة. المستغرب من قبلهم كانت تلك الرغبة الدولية في أن يصدق النظام هذه المرة، على الرغم من التجارب المريرة للمجتمع الدولي معه، إذ ليست بعيدة بعدُ أعمال القتل والتنكيل التي مارسها تحت أبصار المراقبين الدوليين الذين تم سحبهم مع فشل خطة كوفي عنان. هكذا تضاءلت الجهود الدولية إلى حد أن تكتفي بالمطالبة بأربعة أيام خالية من القتل؛ ليس مهماً أن النظام سيستمر في إبادة السوريين فيما بعد، أو أن الفرصة متاحة أمامه لتعويض ما يفوته في الهدنة المنشودة؛ هي أربعة أيام يُفترض أن يسعد بها السوريون ويعدّونها عيداً، فقط لأنهم سيكونون في أثنائها بمنجى من الإبادة، فقط لأن الوساطة الدولية أفلحت في تأجيل قتلهم لساعات معدودة ليس إلا.

مع ذلك لم يكن تأجيل قتل بعض السوريين بالأمر السهل، فقد تطلب ذلك جولات من المبعوث الدولي، وربما مساومات حول الحد المقبول من الإبادة اليومية، وأولاً وأخيراً تطلبت الهدنة موافقة ضمنية وتمنيات علنية من طهران وموسكو، ليخرج النظام بمظهر من يقدم هدية العيد لحلفائه. فالهدنة لو تمت فعلاً لم تكن غايتها حقن بعض الدماء، بل منح مسحة أخلاقية للمجرمين الدوليين الذين يُقتل السوريون يومياً بأسلحتهم وعتادهم، من أجل هذا فقط بدا أن النظام قد يكون مستعداً ليجافي طبيعته الدموية، من أجل خاطر أولئك المجرمين الدوليين الكبار، بدا أن كذبة الهدنة قد تنطلي بأقل قدر من الخسائر، لكن هذا الاحتمال كان ليتبدد بدوره أمام الشراكة التامة لتحالف الإجرام، وربما لم يكن وارداً أصلاً إلا من قبيل اليأس المطلق لا التمني الجدي.

لا معنى في الأصل لهدنة العيد إلا لمن يفترض، بسطحية، أن السوريين قادرون حقاً على بهجة العيد. مثل هذا الافتراض لا يدرك حقيقة العيد الذي ينتظره السوريون منذ عشرين شهراً، والذي يتخلص بكلمتين هما إسقاط النظام. لا يملك السوري ترف المهادنة في مطلبه هذا، مثلما لا يملك النظام خياراً آخر سوى المضي بالقتل حتى نهايته، وفي الواقع لم يمنح النظام السوريين هدنة من القمع طوال أربعة عقود، وكان مشروع الإبادة التي ينفذها اليوم سيفاً مصلتاً على رقابهم بلا هوادة، وعندما أسفر عن وجهه الدموي الوحشي بات متعذراً العودة إلى الهدنة المصطنعة فيما قبل الثورة. الهدنة تقوم بين طرفين متحاربين، وتقتضي في حدها الأدنى أخلاق المتحاربين، أي أنها تقتضي أخلاقاً تُمارس في الحرب أيضاً، وهذا ما يعجز عنه النظام، وسيكون من الشطط مطالبته بما يخالف جذرياً طبيعته.

هي الحرب إذاً؛ هذا هو الخيار الذي دُفع إليه السوري، وتكالبت الظروف والقوى الفاعلة لتجعل منه خياراً وحيداً. هي الحرب التي يخوضها السوري، ويقابلها النظام بالإجرام، فنحن لسنا أبداً أمام طرفين متحاربين. ثمة طرف يحارب، ويتحلى بأخلاق المحاربين؛ طرف يمتلك النزاهة ويحدد أهدافه بوضوح، طرف لا يبتغي القتل إلا إن اضطر إليه، وفي المقابل ثمة طرف آخر لا يملك هدفاً سوى الإبادة والتدمير. نعم، هي حرب السوري على نظامه، لكنها ليست أبداً حرب النظام، لأن الأخير لا يملك حتى مشروعية الحرب؛ هو بالأحرى فاقد الأهلية إلى حد لا يصلح معه أن يكون طرفاً في صراع، ولئن استبق الآخرين في إعلانه أنه في حالة حرب على شعبه، فذلك لا يضعه في مرتبة المحارب، لأن أقصى ما يطاله أن يكون مجرم حرب.

هكذا لم تكن كذبة الهدنة سوى مكسب للنظام، لا لأنه استمر في ممارسة القتل كما كان يفعل خارجها بل لأنه حاز معنوياً على صفة الطرف المحارب. وهي صفة بات يسعى إليها ليبرر جرائمه القديمة والجديدة بحق السوريين، وأيضاً بحق جيرانهم. على ذلك يأتي تصريح الإبراهيمي عن حرب أهلية في سوريا، بمثابة اعتراف بأهلية النظام كطرف فيها، ومع أن الأخير نفى إعلامياً وجود حرب أهلية في سوريا إلا. أن هذا يدخل في باب الدجل السياسي ليس إلا، فالصورة التي حاول تكريسها منذ بداية الثورة، كحامٍ للأقليات، لا تعني في الواقع سوى محاولته تكريس نفسه كطرف في الساحة السورية بعد أن أفقدته الثورة شرعيته الأخلاقية والسياسية.

من حيث الأساس لا ينتظر السوريون وسيطاً دولياً أو عربياً يستعطف النظام ليقلل من عدد الضحايا، فالمسألة السورية لم تكن يوماً عند هذه العتبة، وهم لم يثوروا ليحصلوا على الحق في الحياة الذليلة على أنقاض بيوتهم ومنشآتهم وتاريخهم. إن فكرة الوساطة بحد ذاتها تمنح الغطاء الذي ينشده النظام، وتشرعن الإجرام كوسيلة للكسب السياسي، ما دامت غير مبنية على إرادة دولية لتحويل الجناة إلى العدالة. نعم، قد تحقق الوساطة هدفها، إن كانت على المدى البعيد تبتغي زرع اليأس في نفوس السوريين، وإذا ما قُيّض للنظام البقاء حتى ذلك الأمد. بخلاف هذا التطلع إلى الخارج؛ لا شيء يتغير فعلياً على الأرض، فالثورة مستمرة في استنزاف قوى النظام، والذين يشعرون بالخذلان من المجتمع الدولي لا يشعرون به إزاء المجتمع السوري الذي يعيش حالة حرب حقيقية. في الواقع لم ينتظر السوريون من الهدنة أن تشكل انعطافة في مسيرة الثورة، وكان جلّ همهم أن ينجوا منها بأقل الخسائر، ولم يتبقَّ للناجين سوى التفاؤل بأن تُحسم حربهم بأقل الخسائر البشرية، مع التأكيد على أنها الحرب الأفظع لأنهم لا يواجهون طرفاً محارباً بالمعنى المعتبر للكلمة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تُرك الشعب السوري وحيداً؟

عمر كوش

المستقبل

4-11-2012

منذ بدايات الثورة السورية، كنا في جلساتنا شبه الدورية، التي تضم مجموعة واسعة من المثقفين السوريين والناشطين، نتناقش ونتجادل في أن النظام السوري لا يمكنه أن يتوغل في أعمال العنف والتدمير، مثلما فعل إبان بداية ثمانينات القرن الماضي، نظراً لاختلاف ما يحدث اليوم عما حدث بالأمس، ولاختلاف الظروف الدولية، وتغاير التحالفات والتوازنات، وسوى ذلك.

وذهب مراقبون كثر إلى القول بأن النظام السوري لا يمكنه أن يكرر ما ارتكبه من مجازر في حقبة ثمانينات القرن الماضي، وأنه لن تكون هناك "حماة" ثانية، بالنظر إلى أن ما يحدث اليوم مختلف عما حدث في تلك الأيام، حيث أن الشباب السوري يقوم بثورة، يدعمها غالبية السوريين، وهي لا تقتصر على مدينة أو اثنتين، ولا على حزب أو مجموعة أو جماعة بعينها، بل تشمل مختلف أطياف الشعب، وإن شاركت في حراكها بنسب مختلفة، وامتدت إلى معظم مدن وبلدات ومناطق سوريا، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وبدأت سلمية، تطالب بالحرية والكرامة والعدالة.

وما يدعم القول باختلاف اليوم عن الأمس هو تطور وسائل الاتصال، وبشكل لا يسمح لأحد التستر على جرائمه، فهناك الفضائيات التي تنقل الأحداث لحظة وقوعها، وهناك الأقمار الصناعية التي تصور بدقة عالية جميع التحركات على الأرض، وهناك التويتر والفيس بوك وكاميرات الهاتف المحمول، التي وظفها الشباب السوري في تصوير وتوثيق ونشر كل الأحداث والانتهاكات، وبالتالي اعتقد كثيرون أن هذا التطور في وسائل الاتصالات والمعلومات سيدفع المجتمع الدولي للتصدي لانتهاكات النظام ولوقفه عن الإمعان في نهجه، حماية للسلم ولحقوق الإنسان التي أقرتها كل الهيئات والمؤسسات الدولية.

لكن الخلاصات، التي كان يشاركنا بها العديد من المتابعين والمهتمين بالشأن السوري، ضرب بها النظام عرض الحائط، في ظل صمت المجتمع الدولي، إذ إن الانتهاكات بحق السوريين اعتبرتها أكثر من منظمة دولية جرائم ضد الإنسانية، تحدث على مرأى العالم ومسمعه، ولم نسمع من ساسة الدول الكبرى سوى تصريحات من دون أي عمل فاعل أو تهديد، يمكنه أن يردع النظام ويوقفه عن نهجه العنيف.

ولا شك في أن ساسة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا والدول الأخرى، يعرفون جيداً ممارسات هذا النظام، وعلى علم بأنه يتلقى الدعم المباشر من طرف إيران وروسيا وحزب الله اللبناني وأطراف عديدة في العراق، ويمدونه بالرجال والسلاح والمال، ويدافعون عنه في جميع المحافل الدولية، حيث استخدم الروس والصينيون الفيتو ثلاث مرات لإفشال صدور أي قرار يدين أعمال النظام. لذلك من المخجل أنه بعد أشهر عديدة من القتل اليومي، لم يفعل الساسة الغربيون سوى إطلاق تصريحات فارغة المضمون، في سعي منهم لإدارة الأزمة، وعدم بذل جهد كافٍ للبحث عن أي حلّ يجنب السوريين التكلفة الباهظة، التي يدفعونها يومياً، لذلك نجدهم يصرون على أن الحل في سوريا هو حلّ سياسي، من دون بذل أي فعل يحقق هذا الحل المنشود، ويكررون كلامهم ذاته في وقت أغلق فيه النظام كل أبواب السياسة مبكراً، واعتمد نهجاً أمنياً وعسكرياً لا يجيد سواه.

وبات العديد من السوريين يعتقدون أن ما يظهر على أنه انقسام دولي بين محورين، أحدهما داعم للنظام تقوده روسيا وإيران والصين، وآخر داعم للثورة تقوده الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، هو في حقيقة الأمر انقسام شكلي لا أكثر، وأن صفقة ما أو اتفاق، أبرم بين الفاعلين الأساسيين في كلا المحورين.

وفي مطلق الأحوال، يبدو أن هناك توافقاً دولياً بخصوص التعامل مع الأزمة السورية، يرتكز إلى مبدأ عدم الحسم، يؤكده سير التطورات والمواقف الدولية، وتعرجاتها، وتباين وتيرتها منذ أكثر من عام ونصف إلى يومنا هذا. وينهض جوهره على عدم الاستعجال في الحسم، والتعامل مع الأزمة وفق متطلبات إدارتها، بوصفها صراعاً أهلياً بين طرفين، لجأ كلاهما إلى استخدام العنف للقضاء على الطرف الخصم. وفي ذلك تجنٍ كبير على الثورة السورية، التي يشهد العالم بأجمعه على أنها بدأت سلمية، وكانت شديدة الطهورية، وأخلاقية بامتياز، لكن تغّول النظام في أعمال العنف، دفع قسماً من شبابها ومن أفراد الجيش إلى حمل السلاح، دفاعاً عن النفس وعن المدنيين السوريين.

غير أن السؤال الذي يحرق أنفاس السوريين يطاول الأسباب التي جعلت القوى الدولية تتوافق على ترك النظام السوري يفعل ما يريد بشعبه، ولماذا لجأت الدول الغربية إلى طمأنته، من خلال تكرار كلام مسؤوليها العلني حول عدم وجود نية لديها في التدخل العسكري، بمعنى يُفهِم النظام بأنه مهما فعل من انتهاكات، لن تكون هناك قوة دولية تردعه. إضافة إلى اعتراف قادة المحورين الدوليين بدور كل منهما في التعامل مع الأزمة السورية، لذلك أيد ساستهما خطة كوفي أنان، التي ولدت ميتة على يديهما، ويؤيدان اليوم مسعى الأخضر الإبراهيمي، ولا يكفان عن عقد الاجتماعات أو المشاركة فيها ودعمها، إلى جانب دعم مختلف المبادرات التي تطلق على كل المستويات الدولية والعربية، بالرغم من معرفتهما الأكيدة بعدم جدوها في وقف القتل اليومي للشعب السوري. ولعل كل هذه المبادرات والاجتماعات والمهمات التي طرحت، كانت تمنح النظام السوري المزيد من الوقت للمضي في نهجه.

ويبدو أن لدى كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإيران، ومن دار في فلك هذه الدول، مصلحة ودوافع مشتركة في دمار سوريا، وجعل الأوضاع فيها تسير نحو التعفن والتفكك والدمار، وذلك من منطلق الحرص على الاستقرار في المنطقة. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، فهي تتذرع بحسابات داخلية، تدخل في صلبها الأزمة المالية والاهتمامات الانتخابية، وتتذرع كذلك بالخصوصية السورية، المجسدة بالتنوع المذهبي والديني وانقسام المعارضة وسوى ذلك. وتتفق هذه الدول مع روسيا في عدم السماح لمفاعيل وإرهاصات الأزمة السورية بالامتداد إلى دول الجوار وتأثيراتها الإقليمية، لكنها تخفي جميعاً حسابها الأساس، المجسد في أن أي تغير في سوريا أو سواها من دول المنطقة، لا يضمن أمن إسرائيل، لن تسمح في حدوثه إن استطاعت، حيث أن اللوبي الإسرائيلي قوي في كل من روسيا والولايات المتحدة، وله تأثير كبير على صناع القرار في كلا الدولتين، ومعروفة المقولة الإسرائيلية التي تفسر موقفها، والقائلة: "عدو عدوي، ليس بالضرورة صديقي".

وبرز في الفترة الأخيرة، عامل جديد، يسهم في التوافق الأميركي والروسي حيال الأزمة السورية، وهو تنظيم "القاعدة" والجماعات الجهادية، حيث لم تخف روسيا من إظهار تخوفها من أن سقوط النظام سيسلم سوريا إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة، وهو ما يشكل خطراً على المنطقة وعلى دول الاتحاد الروسي وعلى العالم، حسب الزعم الزائف لساستها. بينما تريد استخبارات الولايات المتحدة الأميركية أن تحول سوريا إلى ساحة لجذب تنظيم القاعدة ومعه سائر الجماعات المتطرفة، كي تصفي حساباتها معها.

وبصرف النظر عن التوافق الدولي، وعن مدى تحققه الفعلي، فإن الثوار يعرفون جيداً أنهم يواجهون أعتى نظام ديكتاتوري قمعي في الشرق الأوسط، وأن حراكهم، المتعدد المركبات والفعاليات، هو الفاعل الأساس في إنهاء الأزمة السورية، والأهم هو أن حسابات الدول وتوافقاتها مختلفة تماماً عن حساباتهم، لذلك، لن يتوقفوا حتى يبلغوا مرادهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عبثيات أحمد جبريل في سوريا * ياسر الزعاترة

الدستور

4-11-2012

تقول الإحصاءات أن رقم الضحايا بين الفلسطينيين في سوريا قد تجاوز الخمسمائة من بينهم نساء وأطفال. ولو أخذنا الأمر بالنسبة والتناسب، فسنجد أن نسبة الضحايا من الفلسطينيين كبيرة، وإن لم تبلغ نسبتهم بين السوريين.

في الأيام الماضية عاد ملف فلسطينيي سوريا إلى الواجهة من جديد إثر اشتباكات في مخيم اليرموك بين فلسطينيين من جماعة أحمد جبريل وعناصر من الجيش الحر الذي بادر بدوره إلى تشكيل مليشيا من الفلسطينيين المؤيدين للثورة من أجل السيطرة المخيم وطرد أنصار النظام من جماعة جبريل.

خلال الشهور الماضية تعرض المخيم الذي لم يعد للفلسطينيين وحدهم بعد توسعه لعدد كبير من الهجمات والاقتحامات والقصف الجوي والبري خسر على إثرها أعدادا كبيرة من الضحايا، الأمر الذي ميزه عن كثير من المخيمات الأخرى التي نجحت فيها إلى حد ما سياسة الحياد بين الطرفين.

في الاشتباكات الأخيرة حصل المؤيدون لأحمد جبريل على دعم لوجستي كبير من الجيش النظامي في مواجهة الثوار، فيما يعلم الجميع أن إمكانات الرجل جد محدودة، هو الذي يتزعم فصيلا صغيرا لديه بعض الكوادر المتفرغين الذين يُستبعد أن يكونوا قادرين على فعل الكثير.

الأرجح أن كثيرا من المقاتلين الموالين لجيش النظام لا صلة بهم بجبريل، وأنهم يُدارون من قبل المؤسسة الأمنية والعسكرية السورية، وليس في هذا الكلام تبرئة لرجل وضع نفسه في خدمة النظام وداعميه، وفي المقدمة منهم إيران، لكنه التقدير الواقعي لفصيل هامشي الحضور في الداخل والخارج.

يحدث ذلك من طرف النظام على ما يبدو من أجل كسب البعد الرمزي للقضية، هو الذي سعى على الدوام إلى استثمار قصة المقاومة والممانعة في حشده ضد الثورة والثوار، وبالطبع عبر تصوير ما يجري بوصفه مؤامرة على سوريا بسبب مواقفها وليس ثورة على غرار ثورات الربيع العربي.

الذي لا خلاف عليه هو أن الفلسطيني في سوريا كان يعيش خلافا للحال في لبنان وضعا معقولا من الناحية المعيشية، إذ لم يكن ممنوعا من ممارسة أي نوع من المهن، بما فيها العمل في المؤسسات الرسمية.

لكن الفلسطيني أيضا ليس بعيدا عن التأثر بالأجواء العامة في البلاد وفي المحيط، لاسيما بعد أن دخلت الثورة السورية في منعطفات الفرز الطائفي، فضلا عن قناعته كإنسان بأن الثورة لم تكن ضد المقاومة والممانعة، بقدر ما كانت ثورة من أجل الحرية والكرامة.

على هذه القاعدة كان الانحياز النفسي واضحا لصالح الثورة والثوار، لكن ذلك لم يؤد إلى انخراطٍ واسع النطاق في فعالياتها، وبالطبع نظرا للحساسيات المعروفة، والتي تجعل أي مشارك في الثورة من الفلسطينيين أكثر استهدافا من سواه، إذ سيصوره النظام بوصفه ناكرا للجميل، لكأنه جميل النظام وليس الشعب الذي احتضن فلسطين، تماما كما احتضن لاجئي حرب تموز 2006 من دون النظر إلى أي بعد مذهبي، حتى عندما كان يسمع بعض الاستفزازات المذهبية بأذنيه كما قال كثيرون.

الذي لا شك فيه أن هناك عددا لا بأس به من الضحايا الفلسطينيين قد شاركوا في القتال إلى جانب الثورة، رغم أن معظم الشهداء لم يكونوا مشاركين في القتال، بل أصيبوا جراء القصف المتواصل على المخيمات، وتحديدا مخيم اليرموك.

لم يكن بوسع أحد لوم الفلسطينيين على حيادهم في الثورة، لكن مواقف أحمد جبريل وجماعته وبعض رموز الفصائل الفلسطينية الأخرى ذات الصلة بالنظام كانت مستفزة بما تنطوي عليه من إساءة أخلاقية، ولو سكتوا لكان بالإمكان الحفاظ على مبدأ الحياد.

أما وقد تورطوا فقد كان طبيعيا أن يحدث الفرز، وكان متوقعا أن يخرج من بين الشبان الفلسطينيين من يقف في المعسكر الآخر على أسس مختلفة، من بينها البعد الديني، وحيث يشعر الفلسطينيون بأن هذه الثورة تحظى بتأييد معظم أبناء الأمة وعلمائها، فضلا عن الفصائل الفلسطينية الكبيرة ومنها حماس وفتح، وإن تحفظت في مواقفها بعض الشيء.

هي إذن جريمة الذين رقصوا على إيقاع النظام وآلته الإعلامية والعسكرية، وفي مقدمتهم أحمد جبريل الذي ختم حياته بهذا الموقف البائس ضد شعب ثائر خرج يطلب الحرية والكرامة. شعب لم يكن يوما إلا محبا لفلسطين، منحازا لها ولشعبها على أساس مبدئي وليس على قاعدة المصلحة كما هو حال النظام.

التاريخ : 04-11-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مبادرات تحتاج إلى مراقبين مدعومين بقرار أممي

2012-11-04 12:00 AM

الوطن السعودية

يؤكد الإصرار الروسي على استمرار الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم، أن الدبلوماسية الروسية تسعى إلى إطالة الصراع في سورية آملة أن بمقدور النظام فيها حسم الوضع لمصلحته، لإثبات صواب موقفها المتعنت من الأزمة. غير أن الحقائق على أرض الواقع تأتي دائما مخالفة للطموحات الروسية والسورية مع استمرار صمود الشعب السوري بوجه آلة القتل التي يستخدمها النظام لإخضاع المحافظات والمدن التي خرجت عن سيطرته.

من هنا تلوح مسبقا إلى حد كبير نتائج الاجتماع الثلاثي المزمع عقده اليوم في القاهرة بين: الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي، ووزير خارجية روسيا سيرجي لافروف، والمبعوث الأممي العربي المشترك الخاص بسورية الأخضر الإبراهيمي، لبحث المستجدات على الساحة السورية. فتصريحات المسؤولين الروس خلال الأيام الماضية تُناقض المساعي الدولية لحل الأزمة، والراجح أن لافروف سيعيد أسطوانة الرؤية الروسية لحل الأزمة اعتمادا على مبادرة جنيف. وإن حدث ذلك، فهو لا يشير سوى إلى أن زيارة الإبراهيمي الأخيرة ل"موسكو" لم تكن مثمرة، وربما كانت زيارته ل"بكين" أكثر جدوى؛ فالصين الأقل تعنتا من روسيا قدمت بحسب المتحدث باسم خارجيتها الخميس الماضي مبادرةً تشتمل على مراحل لوقف إطلاق النار في المناطق واحدة تلو الأخرى، يرافق ذلك تشكيل جهاز حكومي انتقالي. وتستند المبادرة على حالة توفيقية بين النقاط الست لخطة المبعوث الدولي السابق كوفي أنان، والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، وبيان جنيف لوزراء خارجية مجموعة العمل حول سورية.

إشكالية المبادرة الصينية تكمن في حشر بيان جنيف فيها، رغم ما فيه من اختلاف بين الأعضاء الذين يرى أغلبهم تنحي الأسد، أما روسيا والصين فتقولان إن السوريين هم أصحاب القرار في تحديد مستقبلهم، وكأن كلمة الشعب الثائر لم تصل إليهما بعد.

أخيرا، الشعب السوري الذي يذبح منه المئات كل يوم ملّ المبادرات، ويريد نهاية لمأساته، والمبادرات لن تنفع إن لم يصحبها تطبيق عملي ومراقبون دوليون يحظون بدعم أممي عبر قرار يجيز استخدام القوة ضد النظام إن استخدم العنف. بغير هذا أو ما شابهه يصعب أن تنتهي الأزمة السورية، وزمن العنف سيطول كثيرا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا كما تريدها أميركا!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

4-11-2012

من الصعب القول بأن هناك توضيحات، وشروحا، مقنعة لما يقصده الأميركيون في مطالبتهم بتجاوز المجلس الوطني السوري، ولا في خفايا مؤتمر الدوحة، أو في التحركات الأردنية، خصوصا ما يتعلق برئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب، وبالطبع لا وضوح للآن بشأن مواقف الأكراد، أو الإخوان المسلمين. الأمر الوحيد الواضح هو الرغبة في إسقاط بشار الأسد.

هذا هو المشهد اليوم في الحالة السورية، دولياً، وعربياً، وبالطبع سورياً، فالجميع يقدم مبادرات، ورؤى، والواضح أنها محاولات لتدارك ما بعد يوم السادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، أي اليوم التالي للانتخابات الأميركية، وهو ما يفعله أيضا المقاتلون من الثوار السوريين على الأرض، فالواضح أنهم يحاولون فرض واقع على الأرض استعدادا لما هو قادم.

الأمر الوحيد الجيد في كل ذلك هو أن هناك حراكا حقيقيا يوحي بأن الجميع، بما فيهم الصين التي قدمت مبادرة هي أيضا، قد أدركوا أن عجلة التغيير ستتحرك قريبا بسوريا، وأن أيام الأسد معدودة، لكن الأمور ليست بتلك السهولة بالطبع، وهنا بيت القصيد؛ فردود فعل بعض من المعارضة السورية، وتحديدا المحسوبين على المجلس الوطني، حول التعليقات الأميركية الأخيرة على دور المجلس الوطني، توحي بالتوتر والانفعال، وبها استخدام لافت للغة التخوين، بمعنى أن كل انتقاد بحق المجلس يعني أن هناك من يريد منح البعثيين دورا في سوريا الجديدة، وهذه اللغة لم تنفع لا العراقيين، ولا المصريين بقصة الفلول، وغيرها من عبارات التخويف والاغتيال المعنوي. ولذا فإنه على المعارضة السورية اليوم عدم اللجوء لهذا الأسلوب الذي لم يثمر شيئا في الدول العربية التي خاضت مخاض التغيير، سلميا كان أو عسكريا.

المفترض بالسوريين، جميعا، اليوم أن يستفيدوا من أخطاء دول الربيع العربي، وقبلها عراق ما بعد صدام حسين، وذلك لتفادي الأخطاء الفادحة، والصعوبات، التي تواجه تلك الدول. فإقصاء ديكتاتور يجب ألا يأتي بديكتاتورية الأغلبية، أو الأقوى على الأرض، أو الأكثر حظوة عربيا، أو دوليا، كما يجب إفساد أي محاولة، وتحت أي ذريعة كانت، من أجل أخذ سوريا المستقبل على طريقة العراق أو لبنان من حيث المحاصصة الطائفية، فسوريا دولة موحدة، ويجب أن تبقى كذلك.

بوسع المعارضة السورية قول ما تريده بحق الأميركيين أو غيرهم، لكن الأفضل أن تتذكر المعارضة أن الجميع قد تشربوا تجارب المنطقة الأخيرة، من العراق لليبيا، مرورا بمصر، وقبلها تونس، وكذلك اليمن، ولا أعتقد أن الأمور ستكون سهلة لطرف مقابل الآخر، سواء «الإخوان»، أو الأكراد، أو غيرهم. فواجب المعارضة السورية أن تسعى لإفساد أي تدخل، أو نفوذ، أجنبي في سوريا المستقبل، لكي تكون سوريا مستقلة، ومحمية من كل جيرانها، والأهم من كل ذلك لئلا تكون دمشق غدا مرتهنة لأي طرف كما هي مرتهنة لإيران في عهد الأسد، الأب والابن. وكل ذلك لن يتحقق إلا برؤية واقعية لسوريا الغد، وتكمن واقعيتها في تمثيل الجميع، ونبذ الإقصاء والاستقواء والطائفية والرغبة في الانتقام، فالانتقام لا يبني الأوطان.

إذا ما تذكر السوريون ما سبق جيدا، وتفادوا أخطاء غيرهم، وهو ما لا يتم إلا بوحدة الصف، فحينها سيكون مصير سوريا المستقبل بيد السوريين وليس أميركا أو غيرها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسباب الانسداد السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

4-11-2012

بعد نحو عشرين شهرا من ثورة السوريين على نظامهم، تبدو المحصلة الإجمالية للوضع السوري شديدة القسوة، حيث تتوالى الخسائر البشرية والمادية، وتتصاعد بصورة تشير إلى أنها ماضية بالفعل نحو تدمير شامل للقدرات السورية، والسبب الرئيسي هو استمرار النظام في حله الأمني العسكري عبر ممارسة كل أنواع العنف وأعلى درجاته بهدف إعادة إحكام قبضته على الدولة والمجتمع، بينما ثورة السوريين مستمرة، تخلط في حراكها بين السياسي والعسكري من أجل إسقاط النظام دون أن يتحقق هدفها، مما يعني في المحصلة العامة، أن الطرفين في معادلة القوة الراهنة عاجزان عن الحسم، وهو ما يضع الوضع السوري أمام انسداد سياسي واضح.

وتدفع الخلاصة أعلاه إلى إثارة سؤال حول سبب الانسداد الذي صار إليه الوضع السوري. والجواب عن هذا السؤال في العادة، يحمل الخارج الإقليمي والدولي مسؤولية الانسداد، وهو جواب يحمل بعضا من الحقيقة، لكنه ليس كافيا، إذ لا يمكن القول، إن الخارج الإقليمي والدولي بملامحه وسياساته الحالية، يشكل العامل الحاسم في إدامة الأزمة السورية أو في العمل لإيجاد حل لها.

ولأن الخارج في مواقفه وسياساته لا يقدم لنا جوابا يفسر بصورة واضحة أسباب الانسداد السوري، فمن الطبيعي الذهاب نحو الداخل، بحثا عن الجواب، ليس فقط لأن في الداخل تتمركز أساسا قوى الصراع وطاقاته، وإنما أيضا لأنه المعني الأول بمجريات ونتائج الصراع، ولأن الداخل بأطرافه عنصر مؤثر على سياسات ومواقف الخارج الإقليمي والدولي من جهة ثالثة.

والتدقيق في أسباب الانسداد السوري، يجعلنا في مواجهة ثلاثة أسباب أساسية، أول هذه الأسباب هي السلطة في طبيعتها الاستبدادية والاستئثارية المغلقة، وقد قادتها طبيعتها نحو خيارات أغلقت عليها أبواب السياسة، وجعلت خياراتها في البحث عن حلول ومعالجات للأزمة محصورة في استراتيجية القوة والعنف، التي لجأت إليها مع بداية الأزمة، وكرستها تاليا متصاعدة مع استمرار الأزمة على أمل أن القوة والعنف كفيلان بمعالجة الأزمة، التي وإن حاولت السلطة مقاربتها خارج فكرة المؤامرة الكونية وأدواتها من العصابات الإرهابية والسلفية المسلحة، فقد أكدت، أن معالجة الجوانب الأخرى من الأزمة، إنما تأتي بعد القضاء على «العصابات»، واستعادة قبضتها وسيطرتها على البلاد والناس كافة.

وتعززت استراتيجية السلطة وممارساتها بحضور دعم شامل من قوى إقليمية ودولية لها أهداف وغايات، لا تتصل كلها ببنية النظام وسياساته وبضرورة الحفاظ عليه، لكنها أدت إلى ذلك بالنتيجة، خاصة أن القوى الإقليمية والدولية التي عارضت استراتيجية النظام وسياساته، لم تذهب إلى خطوات سياسية وإجرائية قوية وفعالة من شأنها دفع الأطراف كافة إلى إعادة النظر في مواقفها وحساباتها، وهو ما ينطبق بصورة أساسية على السلطة في سوريا، التي شعرت بأنه ليس هناك ما يمنع من استمرار سيرها في الطريق الذي اختارته.

أما السبب الثاني في موضوع الانسداد، فتمثله المعارضة، ورغم أننا إزاء ثلاثة مستويات من المعارضة، أولها المعارضة السياسية، والثاني هو المعارضة العسكرية، والثالثة هي الحراك الشعبي، فإن المعني الأساسي باعتباره أحد أسباب الانسداد هو المعارضة السياسية، لأنها بحكم طبيعتها ووظيفتها المسؤولة مباشرة وصاحبة دور، ينبغي القيام به للخروج من الأزمة التي تحيط بالبلاد.

غير أن المعارضة وبسبب من طبيعتها وظروفها في ظل حكم استبدادي دمر فرص مشاركتها في الحياة العامة، ودفع بفعل القمع الدموي كثيرا من كادراتها إلى الخارج، وبفعل أن ثورة السوريين جاءت خارج توقعات ومشاركة المعارضة، فقد بدت مواقف الأخيرة وسياساتها أضعف من أن تناسب زخم الثورة ومطالبها، فهي من جهة تبنت شعارات الشارع دون أن تكلف نفسها الذهاب إلى صياغة استراتيجية وخطط هدفها تحقيق تلك الشعارات والمطالب، وهي في الجهة الأخرى، راهنت على المواقف الإقليمية والدولية دون أن تتقدم في الداخل للقيام بما ينبغي القيام به سياسيا وتنظيميا في المستويين الذاتي والشعبي، وقد كرس نهج المعارضة الانفصال القائم بينها وبين المجتمع، ولا سيما في العلاقة مع الفئات الشابة، التي لم تكن تعرف المعارضة، وهكذا أضاعت الأخيرة فرصتها الذهبية بالعودة إلى حاضنتها وأدواتها في التغيير الذي طالما سعت إليه وطالبت به.

ومما لا شك فيه، أن تحميل السلطة من جهة، والمعارضة من جهة أخرى، مسؤولية الانسداد القائم في الأزمة السورية، إنما هو إشارة إلى ما يتجاوزهما وهو المجتمع السوري الحاضن الكلي للطرفين وغيرهما من الفاعليات والأطراف، التي تتحمل مجتمعة مسؤولية مشتركة في واقع الانسداد الذي صار إليه الوضع، نتيجة استقالة المجتمع من مسؤولياته، واعتكاف فعالياته عن مباشرة مهماتها، وتساهله مع السلطة التي تغولت وأسرفت في الاستهانة بالمجتمع واستعباده وصولا إلى إنكاره، وهو الذي تقاعس عن حماية نخبه، ولا سيما نخبته السياسية، وقبل بتغيبها كما قبل في انتهاكها وتدميرها، وفي كل الحالات التي حاولت طلائع منها إعادة الاعتبار للسياسة ولدور المجتمع، كان الأخير يخذلها، بل إن بعض قطاعاته تعاملت بقدر أقل من المسؤولية مع الثورة، فظهرت بوادر خذلان للثورة في بعض الأنحاء، وظهرت تخوفات في أنحاء أخرى، بينما اصطفت أنحاء إلى جانب النظام في حربه، وقد أعاق ذلك الانقسام المجتمعي والذي كانت له تجليات اختلطت فيها عوامل سياسية وطائفية ومناطقية ومصلحية، قدرة سوريا والسوريين على حسم الصراع، وبالتالي الذهاب إلى مزيد منه، وغالبا إلى الأكثر وحشية وتخلفا في الصراع.

إن أسباب الانسداد السوري تكمن في سلطتها ومعارضتها وفي مجتمعها أصلا، وهذا لا يطرح فقط موضوع صعوبة الخروج من الأزمة الراهنة، بل يطرح أيضا الصورة التي سيكون عليها مستقبل سوريا ذاتها. ذلك أنه وفي ضوء المخرج الذي سوف يتم التوصل إليه للخروج من الانسداد، سيتم رسم مستقبل سوريا والسوريين، وإن كان ثمة عجز سوري راهن وقائم في الوصول إلى المخرج، فإن المطلوب مواجهة هذا العجز أولا، وهو جهد سيحتاج إلى مساعدة الآخرين من دول وهيئات ومنظمات إقليمية ودولية، مما يعني تكاتف الجهود من أوسع القوى الداخلية والخارجية للقيام بذلك قبل فوات الأوان قبل أن تفقد سوريا القدرة على معالجة وضعها، وقدرتها التالية على الاستمرار في كيانها ووحدة شعبها ومجتمعها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية ونفاد الوقت الضائع

عبدالله إسكندر

الأحد ٤ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

في موازاة حركة المعارضة السياسية السورية في الخارج من اجل بلورة هيكلية موحدة تتقدم المعارضة المسلحة على الأرض عبر قضم تدريجي لمواقع النظام ونقاط ارتكازه العسكري في مناطق كثيرة. وبات واضحاً أن أسلوب القصف الجنوني القاتل والمجازر المتنقلة في حق المدنيين، والذي يعتمده النظام في كل الاتجاهات، يعبر عن ضيق لفقدان سيطرته على مساحات إضافية في البلاد، وربما عن عجزه عن تحقيق أي تقدم على الأرض.

تزداد الضغوط الدولية والإقليمية على المعارضة لإعداد نفسها للمرحلة الانتقالية، بعد سقوط النظام. وتتسع رقعة انحسار السيطرة الميدانية للنظام داخل البلاد. ما يؤشر إلى أن فترة الوقت الضائع تقترب من نهايتها.

قد تكون الخلافات الدولية في شأن طبيعة الحل في سورية ومستقبلها السياسي من الأسباب التي جعلت فترة الوقت الضائع طويلة. كما أن الإدارة الأميركية التي شاءت الظروف أن تكون على عتبة انتخابات رئاسية لم تبد حسماً في أي اتجاه، ما جعل دولاً غربية تخفف من حماستها في تسريع الحل. وفي النتيجة، تُرك السوريون يواجهون الآلة الحربية الفتاكة للنظام بحد أدنى من التسلح يكفي من اجل مواجهات حرب شوارع لكنه غير قادر على مواجهة الأسلحة الثقيلة الطويلة المدى. وهذا بدوره أطال فترة الوقت الضائع نظراً إلى شبه استحالة الحسم العسكري على الأرض.

في هذه الفترة كانت المعارضة السياسية، بكل تلاوينها، تتخبط في نزاعات غلب على معظمها الشخصي، بما هو انعكاس للمرحلة السابقة من الحكم السوري الذي ركز كل أدواته القمعية لمنع نشوء تيار مدني معارض واقتلاع رموزه، تهجيراً وسجناً وقتلاً. وعندما اندلعت حركة الاحتجاج الشعبية، باتت الأحزاب والهيئات والشخصيات المعارضة تركض لاهثة وراءها، من دون أن تتمكن، بفعل انهاكها على مدى أربعة عقود، أن تقدم النموذج القيادي لسورية الغد. لتبقى الحركة الاحتجاجية حركة عفوية تحاول أن تتأقلم في كل منطقة مع معطيات الاستمرار على المستوى المحلي، من دون أن تجد البرنامج والقيادة الجامعين.

ومع انشقاق العسكريين الذين رفضوا إطلاق النار على مواطنيهم المدنيين المتظاهرين، راحت «العسكرة» تتوسع على الأرض، ولتسد فراغ المواجهة العسكرية الأطراف الأكثر تمسكاً وخبرة في القتال. وجاء مع سد الفراغ متشددون متجولون غير معنيين بأجندة المعارضة السياسية السورية... وصولاً إلى ما نشهده اليوم من ممارسات وشعارات تثير الحذر والتساؤل إزاء مآلها.

وفي الوقت الذي تعد المعارضة لاجتماعها «التوحيدي» في الدوحة، ولاختيار قيادة مشتركة، ثمة تحديات أمامها يتقرر على كيفية الاستجابة لها مستقبل البلاد.

معلوم أن الانتخابات الأميركية تنقضي بعد أيام قليلة، وسيكون الملف السوري هو الأبرز أمام الإدارة المقبلة. وبدت إشارات من الإدارة الحالية إلى نوعية هذا التعامل الذي سيعتمد، سواء مع الرئيس الديموقراطي الحالي باراك أوباما (وهذا هو المرجح) أو مع منافسه الجمهوري ميت رومني. هذه الإشارات تشدد على ضرورة هيئة تمثيلية واسعة تضم كل أطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج وتكون قادرة على إدارة البلاد مع انهيار النظام، وأيضاً تكون قادرة على مواجهة التيارات المتشددة والتكفيرية المنتشرة حالياً في سورية. ووجدت هذه الإشارات صدى لدى الغربيين فكرروها في تصريحاتهم، ونصحوا المعارضة في أن تأخذها في الاعتبار.

تنقلت مؤتمرات المعارضة، بحسب الانتماءات السياسية، بين إسطنبول والقاهرة والدوحة وأخيراً عمان، وبين عواصم غربية كثيرة. وكل من هذه المؤتمرات أراد أن يجعل من نفسه المرجعية السياسية للمعارضة، بما فيها العسكرية، ومن دون أن يكون له على الأرض أي وجود عسكري. قد تكون هذه المؤتمرات مناسبة للتحريض على النظام وضرورة إسقاطه وربما الحصول على بعض المساعدات المالية والعينية أنفق بعضها في إغاثة لاجئين في الداخل والخارج. لكنها في الوقت نفسه كانت مناسبة لتعميق الهوة بين فصائل المعارضة وتبادل النقد والاتهامات وأحياناً الشتائم. وفي أي حال لم تساهم فعلياً في المعركة الحقيقية على الأرض ولم تتمكن من تقصير عمر النظام.

الوقت السياسي الضائع آخذ في النفاد، والتطورات على الأرض تخلق وقائع جديدة وموازين قوى جديدة. وأمام مؤتمر الدوحة المفترض أن يكون جامعاً لقوى الداخل والخارج فرصة، ربما أخيرة، من اجل أن تعيد المعارضة الوجه المشرق للحركة الاحتجاجية الموحدة ومطالبها في دولة مدنية وديموقراطية للجميع، وأن تستعيد الصدقية السياسية التي فقدتها جراء التشرذم والانقسام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لا يدرج الرافضة في قائمة الإرهاب

مصطفى الهوساوي

المختصر 2012-09-29

قبل بضع سنوات .. بُعَيدَ ضرب برجي التجارة العالمية في أمريكا .. صدّع الغرب الكافر بقيادة أمريكا رؤوسنا بالحرب على الإرهاب , والتعاون الدولي لمكافحة الإرهاب , وغيرها من المصطلحات المغلّفة والمبهمة .. وجراء ذلك امتلأت السجون والمعتقلات بالأبرياء وغيرهم , وجمّدتْ أموال المؤسسات الإسلامية , وأخذ كثير من المسلمين ولوحقوا وقتلوا على الظنّة في بلدان كثيرة , واحتلّتْ أفغانستان والعراق , وجرتْ أمورٌ عظيمة لا يتسع المجال للتفصيل فيها , كلّ ذلك بسبب موت ثلاثة آلاف أمريكي تحت الأنقاض , والعجيب أن أمريكا والغرب في كل ما ارتكبوه واقترفوه من جرائم في حق الإسلام والمسلمين بحربهم تلك .. يزعمون دائماً أنهم لا يستهدفون المسلمين , وأن الإسلام دين سلام ولا علاقة له بالإرهاب , وغير ذلك من العبارات التطمينية التي يحاولون تبرئة ساحتهم بها ... لكنّ الواقع والحال يكذّبان كل ما يقولون ..

نحن سنسلّم جدلاً أنّ هذه الحرب التي يشنها الغرب على الإسلام هي حربٌ شريفة لمكافحة الإرهاب ونشر السلام والعدالة بين الأمم , وأنّ المعنيّ بها ليس الإسلام بذاته كدين , أو المسلمين كمسلمين ... إلا أننا يحق لنا في الوقت ذاته أن نتساءل : لماذا لا تتقصّد هذه الحرب غير المسلمين أهل السنة , ولماذا لا يتهم بالإرهاب إلا الذين يدافعون عن هذا الدين ؟ , ولماذا لا تحتلّ إلا البلدان التي يحكمها أهل السنة ؟ ..

نحن لو نظرنا إلى الذرائع التي تعتمد عليها الدول الغربيّة في إدراج من تصفهم بالإرهابيين في قائمة الإرهاب لديها , والتي على أساسها تُشَنّ الحروبُ وتحتلُّ الدولُ .. لوجدنا أنها لا تخرج عن أربعة أشياء رئيسية وهي :

1. قتل الأبرياء أو التنكيل بهم على أساس المعتقد أو العرق .

2. التفجيرات الإرهابية التي لا تميز بين الناس .

3. الفكر التكفيري الإقصائي والمستحلّ للدماء .

4. اضطهاد الأقليات العرقية والدينية وهضم حقوقها .

وهذه الأسباب الأربعة لو تأمّلناها جيّداً لوجدنا أنها قد توافرت كلُّها في طائفة خبيثة تعيش في جسد الأمة وتقتات منها وعليها , ألا وهي طائفة الروافض دعك من بقية الملل والأمم وإنما خصصتُ الروافض بالذكر هنا لأنّهم يحسبون على الأمة الإسلامية وإن لم يكونوا منها ... وحتى يتضح الأمر أكثر نريد أن نتناول هذه الأسباب الأربعة واحداً واحداً , ونسلّط الضوء عليها في أرض الواقع :

* لو نظرنا إلى ( جرائم قتل الأبرياء أو التنكيل بهم على أساس معتقداتهم أو أعراقهم ) لوجدنا أنّ ( النظام الإيراني المجوسي ) و ( النظام العراقي القرمطي ) و ( النظام السوري النصيري ) .. هذا الثالوث الخبيث المجرم الذي يمثّل كل رافضة العالم .. ما فتئ منذ أن وجد وهو يذبح أهل السنة بالجملة أينما تمكّن منهم بسبب معتقدهم السنّي تارة , وعروبتهم تارة أخرى .. ولا تسنح له الفرصة حتى ينتهزها أبشع انتهاز لإراقة دمائهم ويقيم المجازر الجماعية التي تقشعر منها الأبدان , هذا .. مع أنّ معتقلاته وسجونه تعجّ وتغصّ بأهل السنة من شباب وشيوخ ونساء وأطفال ... يرتكب فيهم أبشع أنواع التعذيب والتنكيل في كل يوم دون هوادة أو رحمة .. ولا يبالي لا بمجلس أمن ولا بلجان حقوق إنسان .. والإعدامات اليومية للأهوازيين في إيران , والذبح البطيء لأهل السنة في العراق , والمجازر التي ارتكبت وترتكب في حق أهل السنة في سوريا بأيدي النصيريين المجرمين غيرُ خافيةٍ على أحد , والعالم كلّه يرى ويسمع ذلك ولا يحرك ساكناً أو يستنكره , ويضاف إلى ذلك أنّ أهل السنة في هذه الدول الثلاثة ( إيران العراق سوريا ) وهم الأكثريّة فيها لا يتمتعون بأيّة حقوق حياتيةٍ أو إنسانيّة , فهم يعاملون كما تعامل البهائم والجمادات , والعجيب أنّه مع كل هذه الانتهاكات وهذا الإرهاب والإجرام الذي يرتكبه النظام الإيراني والنظام العراقي والنظام السوري في حق الأكثرية من أهل السنة عياناً جهاراً .. لا نرى مصطلح الإرهاب يلاحق واحداً منهم , ولا نسمع قرع طبول الحرب عليهم , بل إنّ الدول الغربية التي ما فتئتْ تتغنى بالديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات ما تزال تتعامل مع هذه الدول الإجرامية بكل مثاليّة , وكأنها تتعامل مع دولٍ ديمقراطية عادلة نزيهة , في حين أنّ الغرب المتغاضي عن تلك الدول الإجراميّة استطاع أن يجد سبيلاً لانتقاد مملكة البحرين والتشنيع عليها , لأنّ نظامها دافع عن شعبه وأرضه من إجرام غوغاء الرافضة ومكائدهم , وحال دون عبيد إيران ومبتغاهم , نعم .. لقد وجد الغرب السبيل لانتقاد الحكومة البحرينية مع أن نظامها العادل وشعبها السنيّ الواعد هو المعتدى عليه من قبل هؤلاء الأوباش المارقين , الذين وهبوا ولاءهم بالمجان لمجوس إيران .

* ولو نظرنا إلى ( التفجيرات الإرهابية التي تستهدف الأبرياء ولا تميز بين النساء والشيوخ والأطفال ) لوجدنا أيضا أنّ الرافضة وحكوماتهم متورطون فيها من خمص أقدامهم إلى آذانهم , فقد أقرّتْ الدول الغربية ذاتها التي تتعامل معهم أن معظم التفجيرات الإرهابية التي حصدت أرواح الأبرياء في العراق كانت من تدبير الحرس الثوري الإيراني والمليشيات التابعة له في العراق , حال تلك التفجيرات حال التفجيرات التي يصطنعها النظام النصيري في سوريا ثم يلصقها بالجماعات السلفية , ثم ليس منا ببعيد ذلك التفجير الضخم الذي هزّ لبنان وأودى بحياة الرفيق الحريري والذي توافرت فيه الأدلة القاطعة أنّ وراءه حزب الله ونظام بشار النصيري , ثم ما يقوم به النظام السوري اليوم من تدمير المدن على أهلها , وإلقاء القنابل على الشعب الأعزل , وقصف الأحياء بالصواريخ , وتهديم المنازل على أهلها , والإبادات الجماعية التي لا يستثني منها النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ .. كلُّ هذه الجرائم وهذا الإرهاب ليس بحاجة إلى أيّ أدلّة أو توثيقات تثبته , ومع ذلك فالدول الغربية ما تزال تغض الطرف عن كل جرائم نظام بشار وتتعامل معه تماماً كما تتعامل مع نظام طهران الدموي ونظام القرامطة في العراق , النظامين اللذين يمدان بشار بالجنود وآلة القتل والدمار لذبح الشعب السوري الأعزل والإجهاز عليه , وتدمير أرضه .

* ولو نظرنا إلى ( الفكر التكفيري الإقصائي والمستحلّ للدماء ) لوجدناه متأصّلاً أيضاً في دين الرافضة , حيث إنّ الرافضة يكفرون كلّ من لا يؤمن بالولاية ولا يسبُّ صحابة رسول الله أو يتبرأ منهم ... فالرافضة تكفيريون بامتياز , وإقصائيّون بامتياز , ودمويون بامتياز , وهم الذين يكفّرون الأمة الإسلامية من أولها إلى آخرها ولا يستثنون أحداً منها , وليس هناك فيما أعلم دمٌ أرخص عند الرافضة من دم أهل السنة , فرسالة الرافضة أينما وجدوا واضحةٌ تمام الوضوح , وهي ذبح أهل السنة ومحو الإسلام , وهم قد أثبتوا للعالم مراراً أنّهم دمويون وتكفيريون وإقصائيون بالأقوال وبالأفعال , حيث كتب القوم وندواتهم ومحاضراتهم المفتوحة والمغلقة تطفح بتكفير أهل السنة واستحلال دمائهم وأعراضهم وأموالهم , حتى مهديّهم المزعوم لا عجّل الله فرجه هو الآخر رجلٌ دمويٌّ , وخروجه في آخر الزمان ليس إلا لذبح أهل السنة والعرب ومحو الإسلام , ثم هذا الذي يفعله الرافضة في يوم عاشوراء من كلّ عام , من ضرب الأجساد بالسلاسل وطعنها بالسكاكين والسيوف وإراقة الدماء , وإطلاق المسيرات الاستعراضية في الطرقات والشوارع ما هو إلا تدريبٌ وتعويدٌ منهم لأنفسهم على رؤية الدماء وسفكها , واستعدادٌ لذبح أهل السنة فيما بعدُ إذاما سنحتْ لهم الفرصة ... فأين الدول الغربية راعية السلام ومكافحة الإرهاب من هذا المعتقد التكفيري الدموي , ومن هذه الطقوس الإرهابية التي يمارسها الرافضة حتى على أراضي الدول الغربية ولا يستنكرونها أو يمنعونها كما استنكروا ختان بنات المسلمين ولبس المسلمات للنقاب والحجاب , وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لأجل ذلك .

* ولو نظرنا إلى ( اضطهاد الأقليات العرقية والدينية وحرمانها من حقوقها ) لوجدنا أيضاً أنّ الرافضة قد حازوا على القدح المعلّى في ذلك , حيث إنّهم لا يضطهدون الأقليات فحسب , بل يضطهدون الأكثريّة السنيّة التي هي أولى منهم بالأرض وبالحقوق , ثم يحرمونها من كلّ شيء ويعاملونها على أرضها كدخيلة يجب التخلص منها , وناهيك أن تعلم أنه لا يوجد مسجدٌ واحدٌ لأهل السنة في طهران , حيث إنّ النظام الإيرانيّ المجوسي يمنعهم من بناء المساجد وإقامة أصغر شعائرهم الدينية , في الحين الذي تحظى فيه أقليات الرافضة في البلاد التي يحكمها أهل السنة بوافر حقوقها وأحسن المعاملات , وهم في ذلك لا يكفّون عن البكاء والعويل والتظلّم وإثارة القلاقل , والتحرّش بالأنظمة الحاكمة رغم إنصافها لهم وإحسانها إليهم .

إذن .. لماذا لا يدرج الرافضة في قائمة الإرهاب , وتشنّ عليهم الحروب كما تشنّ على غيرهم , وتجفّف منابعهم , وتجمّد أرصدة مؤسساتهم وشركاتهم , وقد ارتكبوا من بشاعات الإرهاب وصنوفه ما لم يخطر على قلب بشر , ولماذا تظلّ الدول الغربية تغض الطرف عنهم , وتتعامل معهم وتعقد الصفقات معهم , وهم متلبسون بكل هذا الإرهاب ...

لكي ندرك السرّ في تغاضي الدول الغربية عن كل انتهاهات الرافضة وجرائمهم , وحرصها على التعامل معهم والوقوف بجانبهم , وامتناعها عن إدراجهم في قائمة الإرهاب , لا بدّ أن نعرف الحقائق التالية :

1. أنّ الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ليستْ صادقة في كل ما تزعمه من نشر الحريات والعدالة والسلام , ومكافحة الإرهاب , بدليل أنها هي التي تمنع الحريات في بلدانها , وترتكب كل أنواع الإرهاب إذا أتيح لها ذلك , كما فعلوا في أفغانستان والعراق وغيرهما , ثم ما معنى حظرهم للحجاب والنقاب والمآذن في بلدانهم , وما معنى دعمهم المطلق لإسرائيل وعدم إدانتهم لها على كل جرائمها في حق الشعب الفلسطيني , بل ومن الذي جاء باليهود وبنى لهم دولة بين ظهراني المسلمين , ومن الذي أقام سجن أبو غريب وأنشأ معتقل غونتنامو , ومن الذي قتل الأفغان وقتل العراقيين , أسئلة كثيرة تطرح نفسها , وتثبت عظم الدجل الذي تمارسه الدول الغربية على المسلمين .

2. أنّ الرافضة ليس بينهم وبين الدول الغربية وإسرائيل عداوة حقيقية , وإنما عدوّهم المشترك هو الإسلام السنّي , وكلّ هذا الضجيج والتلاسن الذي نسمعه بينهم ما هو إلا مسرحية أعدّ لها السيناريو من قبل , فالرافضة منذ كانوا يتآمرون مع الدول الغربية على المسلمين , وهم مخلصون جداً في عمالتهم لهم ضدّ المسلمين , وهذا الذي بدأ يتكشّف شيئاً فشيئاً للشعوب الإسلامية التي كانت تحسن الظن بالرافضة .

3. أنّ الرافضة قدّموا للغرب ولإسرائيل مالم يكونوا يحلمون بمعشاره لو أنهم غزوا البلاد الإسلامية واحتلّوها بجيوشهم , حيث ساعدوا الغرب في احتلال أفغانستان والعراق , وأصدروا الفتاوى التي تمنع من جهاد المحتل الغازي في العراق , وهم الذين حموا دولة إسرائيل في جنوب لبنان وهضبة الجولان السورية عشرات السنين , وهم الذين أشغلوا الأمة الإسلامية قروناً متطاولة بالقلاقل والفتن والحروب عن رسالتها , وهم الذين ذبحوا من المسلمين أضعاف ما ذبحته دولة إسرائيل والمستعمرون الغزاة , وهم الذين أضعفوا الدول الإسلامية أمام أعدائها , وأصبحوا شوكة في خاصرة الأمة , كلّما تقدّمت أعادوها إلى الوراء .

4. أنّ الرافضة هم الحمار الذي تمتطيه الدول الاستعمارية الغازية كلما سنحتْ لها الفرصة لضرب دولة إسلاميّة أواحتلالها , وهم يعلمون أنّ الرافضة متربصون لذلك ومتهيئون له .

ما دام الأمر كذلك .. فلا غرابة أنّ تغفل الدول الغربية كل جرائم الرافضة وانتهاكاتهم وتقف في صفهم ضد أهل السنة , كيف لا .. والرافضة قد قاموا بالدور الذي عجزت عنه الدول الغربية في تطويق الإسلام والمسلمين وإضعافهم , وأصبحوا جيشاً يحارب المسلمين بالوكالة عنهم , ثم هم يحسبون على الأمة الإسلامية وإن لم يكونوا منها , ويصعب انفكاكهم عنها ما دامت التقيّة تسعة أعشار دينهم .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العقل الإيراني ومعركة دعم النظام السوري

عمر كوش

المستقبل

3-11-2012

يكشف تعامل النظام الإيراني مع التطورات الداخلية في إيران، ومع التطورات الإقليمية العاصفة، طبيعة وتركيبة العقل السياسي الإيراني السائد، المتحكم في ساسته، حيث يشير النهج الذي اتبعوه في معاداة الثورة السورية، والدعم الهائل للنظام السوري، قرين نظامهم في النهج والممارسة والتوجهات، إلى حجم التورط والتورّم الذي أصابهم، كي يحافظوا على عدم انفراط عقد "محور الممانعة"، الذي دخل في دائرة بركان ثائر، لن تهدأ حممه إلا بإسقاط أصحاب الرؤوس الحامية، الذين يتصرفون وكأنهم قادة دول عظمى، في وقت لا تظهر عظمتهم الجوفاء إلا على صورة إقصاء وقمع وقتل العُزّل من شعوبهم.

وكان الأجدى بالنظام الإيراني أن يحسب بدقة ارتدادات وإرهاصات معركة دعمه للنظام السوري، وأن يصرف مليارات الدولارات المهدورة، لتلبية احتياجات حياة ناسه واقتصاد البلد الذي يحكمه، الرازح تحت ثقل العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، وهو يعرف أن الأنياب النووية التي يطمح إلى امتلاكها، لن ينالها إلا على حساب إفقار غالبية الإيرانيين، بعد أن أفقر حياتهم السياسية، وصادر مجالهم العام، لصالح إطلاقية ما يراه الولي الفقيه، وتحكم الملالي بالمقدرات والقدرات.

ومثل نظرائهم السوريين، لم يجد قادة النظام الإيراني سوى مشجب التدخلات الخارجية، كي يواجهوا متغيرات الداخل وثورات شبابه، فراح محمود أحمدي نجاد، يفتش عن "حرب نفسية، تواكب الضغوط الخارجية"، كي يستخدمها ذريعة تبرير لانخفاض العملة الإيرانية، ويواجه بها مطالب جموع التجار المحتجين على آثار "حرب الريال" على أعمالهم وأشغالهم.

غير أن نزول الإيرانيين، لأول مرة، بعد قمع "الثورة الخضراء"، واقتراب الدولة العظمى من حافة الإفلاس، سيكون له دلالاته وتأثيراته، وبالتالي لن ينفع العقل السياسي الإيراني استعارته من رصيفه السوري المفردات المتقادمة نفسها ، ولن تنفع مزايداته التي تشبه الغرب بـ"ديدان تمتص دماء الشعب"، "الملتف حول قيادته"، مثلما زعم رأس النظام السوري، قبل اندلاع الثورة بأسابيع قليلة.

كل ذلك، يكشف تركيبة وطبيعة العقل السياسي، الذي ما زال مرشده الأعلى يعول على "صمود الشباب" في وجه الديدان الماصة للدماء، مع أن غالبية شباب إيران مقتنعون بأن المسؤولية لا تقع على الديدان. وهي، على الأقل، لا تطلق الرصاص وقنابل الغاز باتجاههم، وليست مسؤولة عن بؤس حياتهم، ولم تقمع - من قبل - ثورتهم الخضراء.

غير أن الثمن الذي يدفعه النظام الإيراني في معركة دعم النظام السوري، إلى جانب سعيه النووي الخطر، يدعوان إلى النظر في آلية تفكير ساسة النظام، وتلمس الأسباب والحيثيات التي جعلتهم، يتعاملون مع الوضع في سوريا، وكأنه القضية الأهم بالنسبة إليهم في منطقة الشرق الأوسط.

وتدعو الحاجة كذلك إلى التفكير في أبعاد الدور الإقليمي لإيران والمشروع الإيراني الارتدادي، الذي يضرب عمقه في التاريخ، وتحكمه مرجعيات الثأر لمعارك ومواجهات قديمة، لم يخضها عرب اليوم، ولا يسألون عنها، مع العلم أن العرب الذين دخلوا إيران، في غابر الأزمان، دخلوها كمسلمين، وفاتحين، ولم يكنّوا العداء للشعوب الإيرانية التي دخلت الإسلام من دون إكراه.

والناظر في عقلية المتشدّدين في إيران، يجد أنهم دعاة مشروع إيديولوجي، يتخذ تلاوين مختلفة في المنطقة، ويقف وراءه عقل سياسي، يزاوج ما بين الديني والقومي، أي ما بين العقيدة المؤولة مذهبياً، وفق فهم رجال دين متزمتين، وبين الطموح القومي الضارب في عمق الإيديولوجيا والتاريخ الغابر، الأمر الذي يجعل منه مشروعاً جامعاً ما بين السعي إلى الهيمنة وإلى التغيير، وهادفاً إلى تحقيقهما بمختلف الوسائل، المشروعة وغير المشروعة. ولا يقدم دعاته ومناصروه أية تنازلات، ولا يقبلون بالمساومات أو التسويات، حتى وإن تعلّق الأمر بالاسم فقط، حيث ما زالوا يرفضون تسمية "الخليج الإسلامي"، التي اقترحت كحل وسط لتسمية الخليج العربي، ويصرون على تسميته "الخليج الفارسي"، بل ويتخذون إجراءات عقابية صارمة بهذا الخصوص.

والمفارق في الأمر أن الشعب الإيراني، لا تسكن غالبيته هواجس هذا المشروع، ولا تكنُّ العداء للشعب السوري أو سواه من الشعوب العربية وغيرها، في حين أن الموقف الإيراني الرسمي حيال الأزمة في سوريا، اتسم بالانحياز الكامل للنظام السوري، منذ اندلاع شرارة الحراك الاحتجاجي الشعبي فيها، حيث تبنى الساسة الإيرانيون خطاباً داعماً للنظام في نهجه وسياساته الداخلية والخارجية، ونظروا إلى الأزمة بوصفها نتاج "مؤامرة خارجية"، هدفها النيل من مواقف النظام المعادية للمشاريع الأميركية والصهيونية، ولم يخفوا وقوفهم القوي إلى جانبه بكل إمكاناتهم الدبلوماسية والسياسية واللوجستية والعسكرية، بل دعموه بالرجال والمال والسلاح، وتبنوا وجهة نظره وطريقة تعامله مع الأوضاع الدامية والمتغوّلة في قتل المدنيين وتدمير البلاد.

ومنذ عقود عدة، يحاول النظام الإيراني تنفيذ معادلات، تنهض على قيام إيران بدور الدولة المحورية بأسنان نووية، وتتزعم المشرق الإسلامي تحت يافطة ذرائعية، فحواها الصراع مع إسرائيل ومجابهة الولايات المتحدة الأميركية. وهي يافطة شعاراتية فارغة، لأن هذا النظام سارع على الدوام إلى مهادنة المشاريع الأميركية والاستفادة منها، بل وساعد الإدارات الأميركية، التي تعاقبت على البيت الأبيض، على تنفيذ مرادها في أفغانستان وفي العراق. في حين أن الصراع المزعوم مع إسرائيل اكتسى معاني لفظية، طنانة فقط، لأن الهدف من ورائه ضمان أمن النظام الإيراني وسلامة نخبته الحاكمة، إلى جانب سعيه إلى إيجاد مجال حيوي يضمن نفوذه الإقليمي القوي.

وبالرغم من ذلك كله، فإن العقل السياسي الإيراني معروف بأنه ليس بعيداً عن عالم الصفقات، حيث توصف العقلية السياسية الإيرانية بعقلية "البازار"، القائمة على المساومة والمماطلة، وبالتالي قد تدخل القيادة الإيرانية في مساومات مع القوى الدولية الفاعلة للحفاظ على مصالحها، بالرغم من أن علاقاتها وتحالفاتها مع النظام السوري، لا تتوقف عند حدود سوريا الجغرافية، إنما تجاوزتها إلى حزب الله في لبنان وإلى القوى الحليفة له في العراق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أحجية إعلان موت المجلس الوطني السوري

منار الرشواني

الغد الاردنية

3-11-2012

يفترض النظر إلى إعلان وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، الأربعاء الماضي، عن أن المجلس الوطني السوري لم يعد الممثل الرئيس للمعارضة السورية، وإنما قد يكون جزءا من معارضة أوسع، باعتباره إعلاناً متأخراً عما هو معروف للجميع منذ أمد طويل، ربما يعود إلى ذات يوم تأسيس المجلس في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

مع ذلك، فإن توقيت الإعلان البدهي في مضمونه، ورد فعل المجلس الوطني السوري عليه، يثيران تساؤلات مهمة حول مسار الأزمة السورية، وضمن ذلك دور الأطراف الفاعلة فيها.

ففي إعلانها، "تكتشف!" كلينتون الآن فقط أن رموز المجلس شخصيات أمضت "20 أو 30 أو 40 سنة خارج سورية"، ما يستدعي السؤال: هل مالت كفة "الصراع" أخيراً إلى معارضة الداخل على حساب معارضة الخارج، لاسيما مع تصاعد الجهود الأميركية لعقد مؤتمر لقوى المعارضة السورية (من الداخل والخارج) في قطر الأسبوع المقبل، يتوقع أن ينبثق عنه "برلمان أولي/ تجريبي"، بحسب تعبير أحد كبار مسؤولي الإدارة الأميركية؟ ولعل تغير موازين الدعم الدولي لمعارضة الداخل والخارج يفسر رفض المجلس الوطني، في بيانه أمس، "تشكيل أي إطار جديد للمعارضة السورية يكون بديلا منه"، معتبرا أن هكذا بديل سيكون "محاولة لإيذاء الثورة السورية وزرع بذور الفرقة والاختلاف"، رغم حقيقة أن الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي لكل من المجلس الوطني وبديله القادم!

من ناحية أخرى، فإن الحديث عن دور أكبر لمعارضة الداخل، سواء كان مهيمناً أم لا في المجلس/ البرلمان الجديد، يفرض التساؤل عن موقف روسيا، الداعم الدولي الأهم لنظام بشار الأسد، والأقرب في الوقت ذاته لمعارضة الداخل التي تحظى بالاعتراف الروسي. فهل يعني دور معارضة الداخل في الجهود الأميركية الجديدة أن ثمة تفاهمات، أو إرهاصات تفاهمات روسية-أميركية بشأن مآلات الأزمة السورية؟ أم أن الولايات المتحدة قد قررت سحب البساط من تحت روسيا نهائياً فيما يتعلق بالشأن السوري؟

والسؤال الأخير خصوصاً، كما تجدد النشاط الأميركي على الجبهة السورية بحد ذاته، يفضي إلى السؤال الأهم عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية: هل قررت إدارة الرئيس باراك أوباما حسم الأزمة السورية، لا بالتدخل العسكري المباشر، بل عبر تقديم أسلحة نوعية للثوار، لاسيما صواريخ "ستينغر" المضادة للطائرات، بعد ضمان السيطرة على هؤلاء الثوار من قبل المجلس/ البرلمان السوري الجديد؟

يبقى السؤال الأخير عن جماعة الإخوان المسلمين السوريين، القوة المهيمنة على المجلس الوطني السوري، والمسؤولة بالتالي، وكما يذهب كثيرون، عن فشله وشلله وصولاً إلى انتهاء صلاحيته رسمياً؛ فهل تراجع دور الجماعة بانتهاء المجلس الوطني، أم أنها هي من باع المجلس سلفاً استعداداً للكيان "المعارض" الجديد؟ وقد كان ملفتاً حرص الجماعة على حضورها في كل مناسبة بشكل مواز للمجلس الوطني الذي تشارك فيه وتسيطر عليه!

إزاء كل هذه الأسئلة والأحجيات، يظل المعروف الوحيد أن الأزمة السورية خرجت من يد السوريين حاضراً، والأمل أن لا يكون ذلك مستقبلاً أيضاً!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اطلبوا الحل السوري ولو في... الصين!

عادل مالك *

السبت ٣ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

يصح في وصف المندوب العربي - الدولي الأخضر الابراهيمي بأنه «ابن بطوطة» العصر نظراً الى كثرة اسفاره وجولاته بحثاً عن ايجاد بيئة دولية حاضنة لأي حل يمكن التوصل آلية في شأن الأزمة في سورية.

وكانت آخر محطات جولتة الصين حيث يصح فيه القول: «اطلبوا الحل في سورية حتى ولو في الصين». وهو حض المسؤولين الصينيين على لعب دور بارز، بل اكثر بروزاً في السعي للعثور على السلام الصعب، ان لم يكن المستحيل في سورية في ظل المكونات والعوامل الاقليمية والدولية القابضة على الحل الذي يمكن أن يأتي، وربما لن يأتي ابداً في مستقبل منظور ليتحول الواقع الى مسلسل سوري طويل.

واستناداً الى كل المعطيات المتوافرة حتى كتابة هذه السطور على الأقل لم يعد من الذكاء السياسي التحليلي القول إن ازمة حل ازمة سورية لم يعد متاحاً بالسرعة التي راهن كثيرون عليها بسقوط او بإسقاط رأس النظام السوري. وأكد المسؤولون الروس مع الصينيين مرة جديده لكل من يتصل بهم سعياً لأي حل يوقف النزيف والدمار ان كل الحلول يجب ان تمر عبر بشار الأسد، وان العبور الى وضع جديد في سورية لنقل الازمة من الجانب العسكري الى الجانب السياسي. يجب ان يتم بمعرفة ومشاركة الأسد شخصياً فيما المعارضة بل المعارضات السورية ترفض حتى الآن التسليم بهذا الواقع وهي تصرعلى استبعاد بشار الاسد قبل الانخراط في الجولات الحوارية التي يمكن ان تؤدي الى اي حل او اي شبه حل.

ورغم انسداد كل الآفاق المتعلقة بأي حل، فإن الأخضر الابراهيمي لم يستسلم للفشل حتى الآن، ويبدو انه يريد ان ينهي حياته بانجاز ولو تمكن من فتح كوة صغيرة في جدار الأزمة.

وانقضت اجازة عيد الاضحى من دون الالتزام من قبل الاطراف المتنازعة على اختلافها بما اتفق على تسميتها بـ «هدنة الأضحى». ولم يكن ذلك مفاجئاً لمن يعرف تعقيدات الازمة السورية.

ومع تواصل الازمة تبرز بعض التداعيات التي تضيف الى الدراما السورية الحقيقية والفعلية المزيد من التعقيد. فعلى سبيل المثال لا الحصر لوحظ في الايام القليلة الماضية وجود بعض «التحولات والتبدلات» في مواقف دول كبرى متدخلة ومتداخلة في لعبة الحل ومن ابرزها الولايات المتحدة الغارقة حتى اذنيها في الانتخابات الرئاسية بعد ايام قليلة، والصورة الى الحياة بعد اعصار «ساندي» المدمر برز موقف جديد تجلى في تصريحات للوزيرة هيلاري كلنتون والتي حملت جديداً لا يساهم في الحلول المتداولة، بل يزيد في مخاطر مطبات الازمة السورية حيث طعنت بتمثيل «المجلس الوطني السوري» ودعت الى «ضرورة توحيد صفوف المعارضة مع الاعراب عن القلق الأميركي العميق من تزايد تأثير المتطرفين وحرف الثورة عن مسارها».

ومثل هذه المواقف من شأنها ان تطيل أمد ازمة حل الازمة السورية، كذلك هي تنطوي على تبرير فشل الطروحات والتوجهات الأميركية منذ اندلاع شرارة الأحداث في سورية حتى الآن، في ما يطلق بعض المراقبين على المواقف الاميركية المتراجعة بعد الاندفاعات المعلومة بـ «التخاذل الأميركي خاصة والغرب الاوروبي بشكل عام»، واستطراداً بقية الدول التي سعت بشتى الوسائل لإقتلاع «جذور حكم بشار الأسد، وهذه هي العقدة الاساسية التي تحكم وتتحكم بالأزمة وفي مفاصل الوضع البركاني المتفجر في سورية والمنطقة.

وهنا تبرز المخاطر الجديدة التي انعكست بوضوح على دول الجوار السوري، حيث تأكد بشكل قاطع ما تم التحذير منه مرات عديدة من حيث انتقال عدوى «الفيروس السوري» الى الدول المتاخمة للجغرافية السورية («الحياة» 20 تشرين الأول / اكتوبر 2012) والامثلة باتت واضحة مع «تناسل الثورة» في سورية الى دول الجوار وخير الامثلة على ذلك ما يشهده لبنان في هذه الازمة بالذات كتداعيات واضحة للمرجل السوري المتقد. فقد ذهبت قوى تجمع «14 آذار» الى توجيه الاتهام بشكل واضح وصريح بأن سورية هي التي اغتالت مدير فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبناني اللواء وسام الحسن، وما ترتب وسوف يترتب عليه توجيه مثل هذا الاتهام لجهة تأزيم الوضع اللبناني المأزوم في الأصل والامعان في تأجيج حالة الجاذب الحادة والقائمة بين مختلف «الفصائل اللبنانية». ذلك ان البيان الذي صدر عن «تجمع 14 آذار» كان عالي النبرة من حيث مقاطعة المعارضة لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، الذي عكس سقفاً عالياً من التصعيد بلغ حد الاصرار على استقالة الحكومة قبل متابعة الحوار بين مختلف الافرقاء.

وفي حقيقة الأمر وجد بعض المتابعين عن قرب للشأن اللبناني ان بيان المعارضة هو عبارة عن «بلاغ انقلابي» وكأنه جاء رداً على «الانقلاب الدستوري» الذي قامت به المعارضة في حينه بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري. ويعمل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على احتواء الوضع المتفجر لأنه يدرك المخاطر التي ينطوي عليها خروج الحالة الامنية والسياسية العامة عن السيطره في هذا التوقيت بالذات.

وفي خضم هذه التطورات شهد القصر الجمهوري في بعبدا صورة لم نشهدها من ذي قبل والتي تمثلت بظهور سفراء الدول الخمس الكبرى، ودول اخرى فاعلة ومؤثرة امام الاعلام بعدما اكد السفراء دعمهم الكامل لاستقرار لبنان في هذا الظرف العصيب بالذات، ومعارضة بلادهم لاستقالة الحكومة الميقاتية الآن، تحت ضغط المعارضة. واقترن هذا التحرك غير المسبوق بوصول مساعدة وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط اليزابيت جونز الى بيروت حيث ابلغت الرئيس سليمان والرئيسين نبية بري ونجيب ميقاتي حرص الادارة الاميركية على بقاء الوضع الداخلي في لبنان متماسكاً بخاصة في الظروف البالغة الحرج التى تجتاز المنطقة.

ومع ذلك لا تزال بعض المصادر المتابعة عن قرب لمسار التطورات تعرب عن خشيتها من حدوث المزيد من الاحداث التي تستهدف في جملة ما تستهدف تزايد حالة الارباك القائمة. وقد اختلف كل من الحكومة «الميقاتية» و «تيار المستقبل» مع سائر مكونات تجمع «14 آذار» حول الترجمه العملية لرسالة الدعم الاميركية والغربية بوجه الاجمال فيما اعتبرها الرئيس ميقاتي انها عملية دعم غير مباشر لاستمرار الحكومة في تحمل مسؤولياتها، وجدت المعارضة ان هذا التأييد للوضع اللبناني بشكل عام وليس للحكومة «الميقاتية» ستكشف الايام القليلة المقبلة مدى عمق الشرخ الداخلي اللبناني في ضوء اغتيال اللواء وسام الحسن، وتهديد عدد من الشخصيات المعارضة بالتعرض للاغتيال، لذا فان حراجة الظروف القائمة تحتم على كل الفصائل اللبنانية على اختلاف انتماءاتها تقدير الاوضاع الحرجة والارتقاء في تحمل المسؤولية الى اعلى درجات الحذر والحيطة حتى لا نكمل عمليات تصدير الازمة السورية من الجانب السوري، وعمليات استيرادها من قبل بعض الجهات والاطراف ولذا يكتمل حزام النار في تطويق لبنان وبقية دول المنطقة.

... وبعد:

اولاً: في ضوء كل ما تقدم وحيال فشل جميع السيناريوات التي أعدت كمشاريع حلول للأزمة في سورية، على كل هذه الجهات الأقليمية والدولية اجراء مراجعه شاملة وتكوين بعض الرؤى الجديدة لمواجهة المزيد من التصعيد سواء في الداخل السوري او في دول الجوار.

ثانياً: بشار الأسد بين العقدة والحل. وخلال الاجتماع الذي انعقد في باريس بين وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف ووزير خارجية فرنسا لوران فابيوس حدث التالي: «أكد الجانبان ان بقاء الرئيس الاسد في السلطة هو العقبة الرئيسية التي تقف في طريق التفاهم بين روسيا والدول الغربية للتوصل الى تسوية». وقال فابيوس: ناقشت مع لافروف مسألة رحيل الأسد وكنا متواجدين معاً في جنيف، وعندما وقعنا البيان وظهر خلاف بين الجانبين حول قراءة البيان، اذ نحن (باريس) اعتبرنا ان لا حل ممكناً ببقاء بشار الأسد والعمل في حين ان الزملاء الروس قالوا: ان بشار الاسد موجود في الحكم وينبغي العمل معه وهذه هي الصعوبة الاساسية. وأضاف: «كلما استمرت الازمة السورية وتزايد عدد الضحايا وتزداد صعوبة السيطرة على الصراع لأن التشدد والانقسام الطائفي يزيد ويزداد تدخل اشخاص من خارج سورية، ونحن والروس نؤكد ضرورة ضمان حقوق كل الطوائف في سورية ولا نريد ان نواجه الخطر الذي واجهناه في العراق حيث تغير الرئيس ولكن خلق نزاعاً ادى الى صراعات داخل العراق».

الم يقل الرئيس بشار: أنا او لا احد وانا او ارهاب «القاعدة»؟

الم نقل في هذا المكان بالذات منذ اسبوعين ان التاريخ سيكشف ان الدكتور بشار الأسد هو الرئيس الاكثر تكلفة في التاريخ؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل المعارضة السورية متطرفة؟

طارق الحميد

الشرق الاوسط

3-11-2012

لا إشكالية في أن تكون المعارضة السورية ممثلة من جميع السوريين، ومنهم المقاتلون على الأرض، وهذا أمر طبيعي ومهم، بل يجب ألا تكون المعارضة السورية ممثلة بلون واحد، خصوصا بعد كل تجارب دول الربيع العربي التي شهدت حضورا ساحقا للون واحد من المعارضين وهم الإسلاميون، لكن هل المعارضة السورية متطرفة، أو مختطفة من المتطرفين؟

هذا رأي غير دقيق، ولو أن من قالته هي وزيرة الخارجية الأميركية السيدة هيلاري كلينتون، وخصوصا أن بشار الأسد قد قاله قبلها، ومن أول يوم في عمر الثورة السورية، الحقيقة أن المعارضة السورية أُهملت قرابة العامين، أي عمر الثورة، ومن قبل الجميع، عربيا ودوليا، وكل الجهود التي بذلت لتوحيدها كانت إما محاولة استقطاب، فمن يفضلون الخط الإخواني يعززون صفوفهم، وإما أن التعامل مع المعارضة كان من باب تضييع الوقت، حتى إن بعض المسؤولين كان يتحرج من التقاط الصور مع المعارضة السورية! وبالتالي، وبعد قرابة العامين من عمر الثورة السورية، وستة وثلاثين ألف قتيل سوري، فمن الطبيعي أن تتعقد الأمور اليوم، ليس بسوريا فحسب، بل في صفوف المعارضة السورية نفسها، والواجب الآن هو وضع خطة عملية تراعي عدم تكرار أخطاء دول الربيع العربي، والتي جاءت معظمها برعاية غربية وبعضها عربية، من مصر إلى تونس، وبعض المحاولات في ليبيا، لفرض الإخوان المسلمين بتلك الدول على اعتبار أنهم الطرف الأقوى والمنظم، فهذا أمر لا يجوز إلا في حالة الاستقرار، حيث إن القوي في الشارع هو من يكسب الانتخابات، مثلا، أما في حالة الفوضى، وإعادة بناء الدول، فيجب أن تكون الدساتير، والتشريعات، هي الضامنة للجميع، مع إعطاء الفرص، وهذا الخطأ الذي تعاني منه دول الربيع العربي هو نفسه الذي حدث بعراق ما بعد الاحتلال، حيث أعطيت الغلبة للطرف المنظم والقوي على الأرض، وهم الشيعة، فأصبح العراق من حينها بلدا طائفيا، إقصائيا، والأمر نفسه في دول الربيع العربي، وهذا ما لا يجب تكراره بسوريا، سواء من قبل المجتمع الدولي، أو العرب، أو المعارضة السورية نفسها.

ولذا، فإن اللوم أمر غير مجدٍ الآن، وخصوصا أن الثورة السورية قد شهدت ما يكفي من عمليات تزوير وحيل منظمة، سواء من نظام الأسد، أو المجتمع الدولي، فالقول بأن ما يحدث في سوريا هو حرب أهلية كان تزويرا، بل هو ثورة جوبهت بعنف مسلح منظم، والقول بأن «القاعدة» متورطة مع الثوار هو تزوير أيضا، فمع استخدام الأسد لكل أنواع الأسلحة، ومشاركة الإيرانيين، بكل إمكاناتهم، وكذلك حزب الله، والأسلحة الروسية، لا يمكن أن يلوم أحد السوريين ولو استعانوا بالشيطان! والتزوير لا يقف هنا، فمهمات الدابي، وأنان، والإبراهيمي، أيضا كانت تزويرا وإضاعة للوقت، ولذا فإن مواصلة إلقاء التهم على المعارضة السورية الآن تعد عملا غير مسؤول، فالمطلوب هو العمل الجاد، وأولى خطواته بالنسبة للعرب والمجتمع الدولي هي عدم تفضيل طرف على آخر، وضرورة تحديد الإطار الذي يشمل جميع السوريين، مما يعني إعادة تشكيل المجلس الوطني من دون تفضيل أو محاباة، فسوريا الجديدة يجب أن تكون لكل السوريين، كما يجب أن تتفادى أخطاء دول الربيع العربي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تفرد الثورة السورية

عمر كوش

المصدر:الجزيرة نت 29/10/2012

لم تواجه أية ثورة شعبية -في العصر الحديث- ما واجهته الثورة السورية من أعمال قتل ومجازر وتصفيات، ارتكبها النظام الدكتاتوري الحاكم بحق الثائرين وحاضنتهم الاجتماعية. ولعل أهم ما يميز الثورة السورية، هو الإصرار المنقطع النظير لدى شبابها وناسها على مواصلة حراكهم الذي بدأ منذ أكثر من تسعة عشر شهراً، والاستعداد الهائل عندهم لتقديم التضحيات الجسام في الأرواح والممتلكات، وعزمهم على عدم التراجع أو التوقف عن الطريق الذي ساروا فيه، قبل أن تتحقق مطالبهم وآمالهم.

ويمكن القول إن خصوصية الثورة السورية لا تكمن في موقع سوريا الجيوسياسي أو في تركيبتها الاجتماعية والإثنية والدينية، بل في أنها تواجه أعتى نظام قمعي في منطقة الشرق الأوسط. نظام يعتبر بعض قادته العسكريين أنهم قوة احتلال، ويتصرفون على هذا الأساس، وبالتالي فمن المشروع أن يقاوم الشعب السوري الاحتلال حتى يتحرر وينال حريته، الأمر الذي ينسج تفرد الثورة السورية في الاقتران المشروع بين الحرية والتحرر.

الخصوصية السورية

منذ اليوم الأول للثورة واجه النظام جموع المحتجين السلميين بالعنف، وبإطلاق الرصاص والاعتقال والتصفية والتعذيب، واتبع سياسة أمنية منهجية، استمر فيها بشكل متصاعد، بعد أن صادر المجال العام، وأغلق أبواب السياسة، مطلقاً العنان لأجهزته الأمنية ومجموعات الشبيحة لسلوك أبشع الطرق وأقساها في القمع الشامل بغية إسكات أصوات المحتجين، وتصفية الناشطين الميدانيين، ثم تطور الأمر إلى إقحام الجيش، وزجه في معركة الدفاع عن النظام، فراحت آلياته العسكرية وطائراته الحربية تقصف الأحياء والبلدات المأهولة، الأمر الذي أفضى إلى ارتكاب المجازر المتنقلة، وتدمير وتهجير وترويع الناس الآمنين.

وباردت قوى النظام -خلال الأشهر الأولى من الثورة- إلى اعتقال وقتل الكوادر الشبابية المثقفة، بهدف إبعادها عن الحركة الاحتجاجية السلمية، وحرمان الثورة من قادتها السياسيين، كي يسهل قمعها وإخمادها. ومع تواصل القمع الأمني وتزايد أعمال القتل ضد المتظاهرين السلميين وقادة الاحتجاج السياسي، بدأت الحواضن الاجتماعية للثورة بالتفاعل، الأمر الذي أنتج مظاهر دفاعية مسلحة بغية الدفاع عن النفس وحماية المظاهرات السلمية، والوقوف ضد التوغلات العسكرية. يضاف إلى ذلك الانشقاقات العسكرية التي راحت تتسارع مع توغل قوى النظام في ارتكاب المجازر وقصف الأحياء والبلدات ومختلف المناطق المدنية.

ونشأ في إثر تركيز النظام على الحل العسكري غياب لسلطة الدولة عن مناطق وبلدات وأحياء مدن عديدة، وراح ساسة النظام وقادة عسكره يرددون كلاماً عن دخولهم مرحلة الحسم الهادف إلى قمع الثورة، وتحويل الأزمة الوطنية العامة الناتجة عن تعامل النظام مع الثورة إلى صراع مسلح.

واتبع النظام السوري للدفع في هذا الاتجاه أسلوب تدمير المناطق الثائرة، وقصفها بالطائرات والدبابات والراجمات والرشاشات وسواها، الأمر الذي يفسر سقوط عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى، وعشرات الآلاف من المفقودين والمعطوبين، فضلاً عن أكثر من مائة ألف معتقل، وتهجير وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين سوري، داخل سوريا وخارجها.

التميز والتفرد

لقد جرى التأسيس للثورة السورية حول مطالب وشعارات وطنية جامعة لكل السوريين، تمحورت حول الكرامة والحرية، حيث انطلق أول شعار "الشعب السوري ما بينذل"، هتفت به جموع من السوريين في منطقة "الحريقة" بدمشق، وتأقلم نفس الشعار في درعا في صيغة "الموت ولا المذلة"، بعد سقوط عدد من الشهداء، ثم تحولت لغة الشعارات من رفض المذلة وإعلاء قيمة الكرامة، وتفضيل الموت على الخضوع، إلى المطالبة بالحرية، وجعلها مقام تشييد للغة الثوار، وذلك بالتلازم مع رفض الاستمرار في العيش في ظل الوضع القائم. وبات شعار "الله.. سوريا.. حرية.. وبس"، يكمل ثنائية الكرامة والحرية، بوصفهما مركبيْ التأسيس للثورة السورية.

ومع الامتداد الأفقي للحراك الثوري، كرّس الالتفاف حوله تعاضد فئات وشرائح اجتماعية وسطى وفقيرة واسعة، أجمعت بواسطة الدم والتضحيات على لحمة خيوط النسيج الوطني الحديث، وعلى وحدة السوريين بمختلف مدنهم وبلداتهم وقراهم، وبمختلف مكوناتهم وأطيافهم الدينية والمذهبية والإثنية، جسدتها شعارات عديدة، يختصرها شعار: "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد"، بل إن الشعار ذاته "بالروح بالدم نفديك يا درعا" أعلن امتداد التعاضد والتكاتف إلى مختلف المناطق، حيث تناوبت وتتالت أسماء المدن والبلدات فيه، من جنوب سوريا إلى شمالها، ومن غربها إلى شرقها.

ومع تزايد سقوط الشهداء وسيلان الدم في الشوارع والساحات تغايرت لغة الشعارات ومضامينها، وراحت تطالب بإسقاط النظام ورحيل رموزه، وإظهار التضامن والتعاضد مع مختلف المدن والبلدات التي تعرضت للقمع الشديد. وعند بروز المكون العسكري -من منشقين عن الجيش النظامي ومتطوعين- راحت الشعارات تطالب بحماية المدنيين، وتحيّي الجيش الحرّ، وتطالب بالتسليح، وسوى ذلك.

وتشير الشعارات السياسية التي رفعت في مظاهرات الثورة السورية إلى رمزية خاصة، وإلى تحولها وتجسدها في ثنايا خطاب وطني يتوجه إلى عموم السوريين، حتى باتت مكوناً أساسياً للتواصل بين المحتجين والجمهور العام، وإطاراً للمفاهيم الثقافية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي شكّل ظاهرة لمأسسة مفاهيم الثورة، ومخاطبة جموع الداخل والخارج، والأهم هو أنها راحت تنهل من معين حياة الناس وذاكرتهم، وتعكس طموحاتهم ومطالبهم وآمالهم وتطلعاتهم، ولها تفاعلاتها الداخلية والخارجية.

ارتباط الحرية بالتحرر

أعطت الثورة السورية معنى جديداً لعلاقة الحرية بالتحرر، حيث إن ثورات العصر الحديث ربطت بين مفهوم الثورة والحرية، وليس العدالة أو الكرامة، وهو أمر يسم مختلف الثورات بشكل عام، والثورات العربية التي أطاحت بأنظمة الاستبداد في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن.

غير أن ارتباط الثورة السورية بالكرامة أرجح من ارتباطها بالعدالة، لكنه قد لا يفوق ارتباطها بالحرية، ذلك أن الحرية باتت الفكرة الحاضر في عالم اليوم، كما هي الحال عليه في عالم ما بعد الثورة الفرنسية، بوصفها -أي الحرية- تمثل المعيار الأعلى للحكم على الأنظمة السياسية، وبالتالي ليس فهم الثورة وحده، بل مفهوم الحرية -وهو ثوري بالأصل- هما اللذان عليهما يتوقف الترابط بين الثورة والحرية.

ويبدو أن النظام السوري حين عمد إلى منع المتظاهرين السلميين من الوصول إلى الساحات والأماكن العامة والتجمع فيها، وواجههم بالقتل والاعتقال والتنكيل، فإنه أراد أن يستكمل السيطرة والاستحواذ، أو بالأحرى احتلال البلاد الذي قام به العسكر الانقلابيون، الذين وطدوا بدورهم دعائم النظام الحالي، منذ أكثر من أربعة عقود.

وراحت قوى النظام وأجهزته ومافياته تحتل مؤسسات الدولة، لتجعل منها مجرد ملحق وتابع لسلطتها، فقامت بمصادرة مختلف الحريات الفردية والجماعية، واحتلت السلطة الفضاء العمومي بعد أن صادرت السياسة بمعناها المدني الواسع.

وجاءت الثورة السورية كي تكشف طبيعة الاحتلال السلطوي للدولة والمجتمع، إذ لم تتردد السلطة في إقحام قطعات الجيش للهجوم على مناطق المدنيين في مختلف مناطق وبلدات ومدن سوريا، وأطلقت العنان لأجهزة الأمن وفرق الشبيحة لقتل الناشطين والتنكيل بأي شخص غير موال، فتزايدت المجازر والجرائم، وتزايدت أعداد القتلى والجرحى والمعطوبين والمعتقلين والمهجرين، وتزايد الدمار والخراب، وظهرت الانشقاقات في الجيش، ولجأ كثير من السوريين إلى التسلح دفاعاً عن أنفسهم وأحيائهم وأماكن سكناهم، وبالتالي اكتسبت الثورة مركباً مسلحاً لمواجهة جيش النظام وأجهزة أمنه وشبيحته، وراحت تتعامل مع النظام بوصفه قوة احتلال من حقها المشروع مقاومتها.

ولعل من بين خصوصيات الثورة السورية أن التطور الذي طرأ على مسارها -خصوصاً في عامها الثاني- تجسد في تحولها من ثورة تنشد الحرية إلى ثورة تنشد التحرر والحرية معاً، الأمر الذي يستلزم النظر في علاقة الثورة بالتحرر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن معنى الثورة الشعبية يكمن في كونها فعلا مقاوما للظلم والقهر والقمع، أي أنها فعل مناهض للاستبداد في مختلف صوره، ومناهض للاحتلال بمختلف أشكاله وتجسيداته.

ولا شك في اختلاف التحرر عن الحرية، ومع أن التحرر هو شرط بلوغ الحرية لكنه لا يقود إليها بشكل آلي، كما أن الرغبة في الحرية مختلفة عن الرغبة في التحرر، مع أن التداخل في الحالة السورية بات واضحاً بين التحرر والحرية، بل ويمتلك مؤشرات واقعية، خصوصاً بعد استباحة قوى النظام الأحياء والبلدات التي تقتحمها قوات الجيش، حيث الدمار والهدم ونهب البيوت السكنية والمحال التجارية وسوى ذلك يجري علناً في وضح النهار، وبفعل مقصود وممنهج، ويشرعن لهذه العمليات بوصفها غنائم حرب، يجري نقلها في مواكب علنية واحتفالية من طرف قوى النظام.

وكم هو مفجع أن تجري احتفالات كرنفالية في الأحياء التي تضم غالبية من الفئات الموالية حين يقتحم الجيش حياً أو قرية أو مدينة ثائرة، بل حين يصور رموز النظام وساسته وأبواقه الإعلامية تلك العمليات وكأنها أعمال بطولية وإنجازات.

واللافت هو أن ساسة النظام السوري لا يخجلون من أنفسهم حين يصورون قصف مناطق المدنيين بالصواريخ والقنابل العنقودية والبراميل المتفجرة بأنها عمليات جراحية أو عمليات تعقيم وإبادة لجراثيم فتاكة.

وبات من الطبيعي اليوم أن الناظر في اللغة التي يستخدمها الثوار السوريون، ومعظم الناس العاديين، يجد أنهم باتوا يتحدثون لغة تحررية، حيث يتم الحديث عن المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر بوصفها "مناطق محررة"، فيما المناطق التي يعيد النظام السيطرة عليها توصف بالمناطق المغتصبة، بل إن ضباطاً من الجيش السوري العقائدي راحوا يصرحون علناً لوسائل الإعلام بأنهم يعملون كقوة احتلال وليس كقوة أمنية، وأنهم يعرفون تماماً أنهم باتوا قوة احتلال في نظر سكان المناطق السورية التي يجتاحونها.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com