العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10/06/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الأزمة السورية: نفاق روسيا وعجز أميركا .. غسان الامام

الشرق الاوسط

5-6-2012

أين وصلت الأزمة السورية؟ هي أسيرة نفاق الدبلوماسية الدولية. أميركا وأوروبا تحملان روسيا المسؤولية. فلاديمير بوتين يرد بأن الرفيق كوفي «أنانوف» ما زال صالحا لحل الأزمة. ينفي بوتين تسليح الرفيق بشاروفسكي، فيما دبابات الاقتحام الروسية حلت بحجمها المغلق الصغير، محل الدبابات الثقيلة والضخمة. أما مدافع الهاون (فخر الصناعة الروسية) فهي منهمكة في دك المدن والقرى المتمردة.

الرياء الدبلوماسي يغطي تدخل السلاح الروسي الجديد الذي تموله إيران «المفلسة». يقابله عجز أميركا وأوروبا عن التدخل. فهو مؤجل، ريثما يرتكب نظام بشار مجازر دموية، على شاكلة مجزرة الحولة. عندها قد يغدو التدخل جائزا من خلال الشرعية الدولية (مجلس الأمن) أو من خارجها.

كيف يمكن لجم بشار، إذا كان الرفيق أنان يكتفي بمتابعة المشهد بالنظارات من جنيف، لا من دمشق التي يزورها مجاملة؟! مع الغياب الأميركي، يتبنى أنان النفاق الروسي: وقف إطلاق النار. وجلوس المعارضة مع الجزار إلى مائدة واحدة. المهزلة يكشفها جان ماري جيهينو نائب أنان الذي أبلغ مأوى العجزة (مجلس الأمن) أن الحوار «مستحيل» في اللحظة الراهنة.

سوريا، إذن، ستبقى أسيرة دوامة النفاق الدبلوماسي، فيما نظام بشار يقصف، مسلحا بحماية «راسبوتين». ثم يدفع شبيحة الطائفة لاقتحام بيوت المدنيين المقصوفين وذبحهم. ثم... ثم يأخذ بنصيحة شيخ السنة البوطي، فيأمر المساجد بالصلاة لراحة «الشهداء»! هناك «شهداء» آخرون. هم أولئك العسكريون الذين يتم إعدامهم وقتلهم ميدانيا، عندما يرفضون إطلاق النار على المظاهرات السلمية.

لماذا تقف روسيا هذا الموقف السلبي من قضية إنسانية؟ لأن روسيا الخارجة من إهاب نظام آيديولوجي شمولي، بقيادة ضابط مخابرات خاض الحرب الباردة، كجاسوس في ألمانيا، لا تملك تقاليد عريقة في الحرية. وبعد أكثر من عشرين سنة ديمقراطية مهزوزة، ليست هناك منظمات وحركات روسية جادة تتبنى قضايا حقوق الإنسان، كما في أوروبا الغربية.

على أية حال، الصدام بين روسيا وأميركا وأوروبا، حول سوريا، ليس آيديولوجيا. لم يصل بعد إلى ذروة مواجهات الحرب الباردة، حول كوبا. فيتنام. برلين. أفغانستان. وبالتالي، فإمكانية التوصل إلى تسوية بين أوباما وبوتين واردة.

ما هو التصور الأميركي لهذه التسوية؟ إدارة أوباما في إلحاحها على تنحية بشار شخصيا، تعتقد أن ضمان المصالح الروسية في سوريا (قاعدة طرطوس البحرية. الاستثمارات النفطية. الانفراد بتصدير السلاح. أمن وسلامة المسيحيين الأرثوذكس) كاف لتخلي الرئيس الروسي عن بشار، وليس عن نظامه. وهكذا، فالدبلوماسية الأميركية تعتقد أن الرفض الشعبي السوري والرسمي الخليجي لبشار الذي بات عبئا ثقلا على كاهل روسيا، بسبب مجازره، كل ذلك يشكل أساسا منطقيا لتنحية سلالته. فمستقبل سوريا مرهون بعدم بقاء هذه السلالة. كما يقول القاضي والمحامي هيثم المالح، أبرز المعارضين السوريين الذي قضى سنين طويلة في سجون الأسد الأب والابن.

أما آلية إزاحة عشيرة الأسد العائلية الثلاثية (آل شاليش. الأسد. مخلوف) المتحكمة بأجهزة الأمن. الإدارة الحكومية. الحزب. الاقتصاد. الفساد، فالتصور الأميركي/ الخليجي يستحضر آلية تنحية الرئيس اليمني السابق. بوتين قد يكون قادرا على إقناع قادة الجيش السوري العلويين بالتخلي عن السلالة الحاكمة، في مقابل احتفاظهم بالسيطرة على القوة الضاربة للجيش «لحماية» الطائفة العلوية من محاولات الانتقام منها.

لكن لماذا هذا العجز الأميركي عن التدخل العسكري؟ أميركا قادرة عسكريا، وخاصة بعد انسحابها من العراق وأفغانستان. لكن المعنويات النفسية لدى الشعب الأميركي. وإدارة أوباما ضعيفة، بعد الفشل المرير في الحروب.

الرئيس أوباما، كمثقف رافض للحرب، يلعب دورا كبيرا في هذا العجز. وهو كسياسي مسؤول لا يريد حربا، في وقت يخوض حربا انتخابية لتحديد ولايته، فيما نصف الأميركيين يعتقد أنه رئيس «ناعم. متردد»، وأخفق في معالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة.

أما ميت رومني المرشح الرئاسي المحتمل للجمهوريين (تضعه استفتاءات الرأي على قدم المساواة مع أوباما) وغلاة المحافظين من أمثال جون ماكين، فهم يوبخون أوباما على تخاذله. لكنهم سيقفون موقفه الحذر إذا ما تولوا الحكم. هيلاري أكثر ميلا للتدخل، مستذكرة قرار زوجها الرئيس كلينتون بالتدخل العسكري الناجح ضد صربيا (1995) بعد مجزرة سريبرينيتسا التي أودت بحياة ثمانية آلاف مسلم.

جنرالات البنتاغون يقولون إنهم استكملوا وضع خطط للتدخل العسكري الطارئ، بما في ذلك في سوريا. لكن وزير الدفاع ليون بانيتا أشد حذرا. وكرئيس سابق للمخابرات المركزية، يدرك مدى تعقيد الأزمة السورية عربيا. إقليميا. دوليا. دينيا. مذهبيا. عنصريا.

هل تعترض روسيا على تدخل أميركا وأوروبا عسكريا في سوريا؟ روسيا يلتسين لم تتدخل لإنقاذ أبناء العمومة سلاف صربيا، عندما تدخلت أميركا كلينتون في البلقان في التسعينات. لكن بوتين أكثر حزما. فهو يقود روسيا الأقوى اليوم سياسيا وعسكريا. والأكثر تصميما على الاحتفاظ بدور نافذ في العالم. وخاصة في الشرق الأوسط المجاور لها.

حرب إسقاط القذافي دللت على أن أميركا طورت تقنية جوية ضاربة تعفيها من الحاجة إلى إنزال قوات برية في سوريا. تركيا وربما مع قوات عربية قادرة على إقامة مناطق «محررة»، بحماية جوية أميركية/ أوروبية، تنطلق منها قوات المعارضة المسلحة لاستنزاف جيش فقد مشروعيته الوطنية، ولاجتذاب عشرات ألوف المجندين السنة في صفوفه.

سوريا غير ليبيا. سوريا تملك منظومة دفاعية جوية قوية تعوض عن ضعف سلاح الطيران. هذه المنظومة التي شاركت مع مصر في تحييد سلاح الجو الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973، هي أقوى اليوم. لكن تقدير الخبراء العسكريين يشير إلى أنها لن تصمد سوى أيام قليلة أمام الضربات الجوية. سوريا تملك أيضا مخزونا ضخما من الأسلحة الكيماوية. إذا غامر النظام باستعمالها ضد دول مجاورة، أو نقل جانبا منها إلى «حزب الله». عند ذلك يغدو التدخل الغربي محتما.

لا أظن أني بحاجة إلى التعليق على انفجار الوضع في طرابلس بشمال لبنان. فقد توقعت ذلك في حديث الثلاثاء الماضي. تصريحات الأمير سعود الفيصل توحي بأن السعودية غير مقتنعة بنظرية «النأي» التي حملها معه الرئيس اللبناني في جولته الخليجية. اتهام الفيصل لنظام بشار بالضغط على لبنان، هو إشارة سعودية شديدة التهذيب، إلى أن الحكومة اللبنانية (المنحازة) باتت تستخدم الجيش ضد سنة طرابلس وعكار، بحجة منع تسلل المقاتلين والسلاح عبر الحدود.

سبق أن قلت مرارا إن تحليل الساسة اللبنانيين للأحداث يرتكز إلى العاطفة، وليس إلى المنطق والواقع. التحليل الرسمي اللبناني يراهن ضمنا على «انتصار» نظام بشار. وإيران. وشيعة «حزب الله» في الأزمة الراهنة. من هنا، كان خطأ توريط الجيش اللبناني في مواجهة مع السنة اللبنانية المتعاطفة مع الثورة السورية، فيما تسكت حكومة نجيب ميقاتي عن تسلل السلاح الإيراني/ السوري المتدفق عبر الحدود، على حزب الشيعة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة السورية والديسكو الروسي  .. اوكتافيا نصر

2012-06-05

النهار

أحرز الإيرانيون تقدّماً مع محاوريهم الأميركيين. فقد أجروا محادثات رسمية أخيراً مع أنه لم يتّضح بعد ما هو الموضوع الذي تمحورت عليه المحادثات أو إذا كانوا قد توصّلوا إلى اتفاق ما. ولكن يمكن القول إنهم ناقشوا مسائل ذات أهمّية للبلدَين، وحاولوا تحديد بعض النقاط المشتركة من أجل رسم مستقبل العلاقة بينهما.

وقد اتّخذت الحكومة التركية خطوة جريئة وطردت البعثة الديبلوماسية السورية بكاملها، فوجّهت بذلك رسالة واضحة بأنها ضاقت ذرعاً بنظام الأسد ولم تعد تعتبره الممثّل الرسمي للشعب السوري. لم تستدعِ تركيا السفير السوري للاعتراض على معاملة نظام الأسد لشعبه. ولم تطرد السفير السوري احتجاجاً على القتل الهمجي للسوريين الأبرياء على أيدي القوات الموالية للرئيس بشار الأسد. بل طردت البعثة السورية بكاملها من أجل إيصال رسالة واضحة لا لبس فيها. فتركيا تريد أن يعلم الأسد أنها قطعت كل علاقة به.

ثم انضم مزيد من البلدان إلى موجة المطالبة بطرد السفير السوري. فكان يوماً قاتماً لنظام الأسد، ومحطّة غير مشرِّفة في مسيرة السفراء السوريين، ووصمة عار على جبين الديبلوماسية السورية. ولكن لم يرف جفن للرئيس والمحيطين به. فبما أن الحليف الروسي لم يدر لهم ظهره بعد، لا يزالون يشعرون أنهم يتمتّعون بالنفوذ الذي يخوّلهم قلب الأمور لمصلحتهم. لقد رفعت روسيا حدّة خطابها المستنكِر، لكنها لا تبدو مستعدّة لإعطاء الضوء الأخضر لتسديد الضربة القاضية الى الأسد، وقد لا تفعل ذلك إطلاقاً.

ثم وردت أنباء بأن إسرائيل تطالب بتحرّك أشدّ صرامة ضد الأسد. قد يبدو غريباً أن الحكومة الإسرائيلية تتدخّل علناً وتصدر عنها مثل هذه الإدانة العلنية. فقد ظهر جلياً أن كل القيادات الإسرائيلية كانت تتصرّف وكأن وجود حافظ الأسد، ومن بعده نجله بشار، لا يزعجها. وكان واضحاً في مناسبات عدّة أن الإسرائيليين يفضّلون آل الأسد على الإسلاميين في السلطة. كما أن إسرائيل كانت تجري محادثات سرّية (أو ربما ليست سرية جداً) مع سوريا بوساطة تركية في شأن مرتفعات الجولان ومسائل أخرى. ويُعتقَد أيضاً أن البلدَين توصّلا إلى الكثير من الاتفاقات، لكنهما لم يكشفا عنها على الملأ بسبب أحداث خارجة عن سيطرتهما غيّرت مجرى التاريخ.

وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الوضع في سوريا في الآونة الأخيرة بأنه يشبه الرقص. وأضاف أنه خلافاً لرقصة التانغو التي تحتاج إلى شخصين لتأديتها، الوضع أشبه بحفلة ديسكو "حيث يشارك العشرات فيها".

ما يجري في سوريا بعيد كل البعد من الرقص. إنه واقع قاتم وعنيف حصد آلاف الضحايا حتى الآن. ففي وجه الثورة التي لا تستكين والديبلوماسية العاجزة، يُرتكَب عدد لا يُحتمَل من المجازر التي تقضي على مئات الأبرياء يومياً.

وفيما تؤدّي الدول المجاورة لسوريا، مثل إسرائيل ولبنان والعراق وإيران وتركيا والسعودية وسواها، أدواراً في النزاع، سوف تنتشر الفوضى ويشتدّ الجنون أكثر فأكثر قبل أن يصطلح الوضع ويصبح سوياً.

نظراً إلى كل المخاطر والمخاوف التي تلوح في الأفق، وعندما تهدأ العاصفة، هل يستمر حزب البعث في حكم سوريا إنما بوجود رئيس مختلف في سدّة القيادة؟ ليس هذا السيناريو مستبعداً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا ولعنة الجغرافية! .. غازي دحمان

المستقبل

5-6-2012

يشير تأكيد قادة الدول الثمانية الكبار، في قمتهم الأخيرة في كمب ديفيد، على ضرورة الحل السلمي والانتقال في سوريا واعتباره الخيار المفضل والوحيد، على أن العالم لم يعد يملك أي فعالية في الملف السوري، وهو يحيل الأزمة إلى حالة من الاستنزاف الطويل الأمد، لعل ذلك يفرز واقعاً جديداً يكون قابلاً للتفاوض والمساومة... وربما التكيف.

ما يعزز هذا الافتراض حقيقة أن قادة الدول الثمانية الكبار يملكون إطلاعاً معمقاً على واقع الأزمة في سوريا، ويعرفون أن إمكانية الحل السلمي وعملية انتقال السلطة مسألة غير واردة في تفكير النظام ولا في حساباته، كما يدركون أن أركان السلطة الذين يتهمون الشعب كله بالإرهاب ويحرضون العالم على مساعدتهم لمحاربة هذا الشعب، وأنهم تالياً لديهم الاستعداد لارتكاب الأهوال والمجازر، لن يفكروا بالتنازل عن السلطة ولا حتى عن أدنى مستوياتها، ولهم في حزمة الإصلاحات التي يجريها النظام خير مثال على ذلك.

ثم ان هذا النظام الذي لم يعترف حتى اللحظة بثورة الشعب على الظلم والقهر، ويصر على أن الثوار ليسوا سوى أفراد مغرر بهم وإرهابيين يتلقون الدعم من السعودية وقطر وتركيا، وحتى من حكومة لبنان الحليفة، بل ويذهب إلى إحصائهم بالواحد "تسعة وخمسون ألفاً" على ما يدعي فيصل المقداد نائب وزير الخارجية، وهم حسب التوصيف كلهم من الخارجين عن القانون، وبقية الشعب هانئة وراضية ومسبحة بحكم الأسد، ثم يقول نجري إصلاحات، هل في كل ذلك ثمة منطق سياسي سليم وعقلاني!.

أم هل هي مؤامرة على الشعب، كما بات يردد الكثيرون في الشارع السوري، رغم كل ما يجلبه هذا النمط من التفكير من شبهة الاقتراب من نظرية المؤامرة "سيئة الصيت"، غير أن ثمة من بات يفكر بشكل جدي بنظرية أخرى، لتفسير هذا الخليط المتنافر، وهي نظرية "لعنة الجغرافيا" بسبب التجاور الجغرافي بين سوريا وإسرائيل، بالنظر للقداسة التي تتمتع بها إسرائيل في الوجدان الغربي عموماً، والحرص تالياً على كل ما من شأنه حماية أمنها ومصالحها.

ثمة مؤشرات عدة على تطبيق مندرجات هذه النظرية في الواقع السوري، وربما يشكل عدد الضحايا من قتلى وجرحى ومخفيين ومسجونين مؤشرات مؤلمة لحجم المأساة التي تعيشها سوريا الآن، لكن مؤشرات المأساة أخطر من ذلك بكثير وأكثر ألماً، ذلك أن سوريا تشهد تفككاً بطيئاً ولكنه حثيث للكيان الدولتي فيها، وهي ليس بعيدة عن المرحلة التي ستتسارع فيها عملية التفكك، كما أن ارتفاع وتيرة القمع ورفع منسوب الدم سيدفعان بعد فترة، قد لا تطول، إلى نوع من الفوضى التي يصعب ضبطها في عقود قادمة، ذلك أن النظام الذي قتل وهجّر كل قادة الحراك السلمي، ليثبت روايته المزعومة عن لا سلمية الثورة، جهّز المجال لتعبيرات أخرى ربما تدفعها حاجتها إلى الدفاع عن الوجود والكرامة والعرض إلى انتهاج طرق وأساليب متطرفة، هذا ناهيك عن نهوض الدين الشعبي وسيطرته على المزاج العام وتأثيره المباشر في الحراك.

وفوق هذا وذاك بدأت مؤشرات التراجع في المجتمع السوري تظهر على السطح بشكل فاقع ومرعب، من زيادة نسبة الفقر والاحباط إلى تسرب التلاميذ من مدارسهم وجامعاتهم، وصولاً إلى ندرة حالات الزاوج على ما لاحظ مختصون ومهتمون بالشأن الاجتماعي.

ماذا يعني ذلك؟، مؤقتاً أن المجتمع السوري دخل مرحلة العطالة على كل المستويات، الأمر الذي سيدفع المجتمع إلى الحالة البؤرية بحثاً عن الأمان وايجاد حل لأزمته، أي إلى الحالة الما قبل وطنية، حيث تتحول العائلة والعشيرة والطائفة إلى ملاذات آمنة، الأمر الذي ستتشكل معه لبنات التفكك الأولى في الهيكل السوري.

التفسير الوحيد لهذه الحالة، هو أن لا ضمانات لإسرائيل في الداخل السوري إلا عائلة الأسد أو... لا أحد، بمعنى أنه لا يعود هناك مبرر لوجود سوريا الدولة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف : أيها القوميون الصادقون ... أنتم الأولى بالدفاع عن مشروعكم .. زهير سالم*

أتيح لي أن أتتبع جانبا من وقائع المؤتمر القومي العربي الثالث والعشرين الذي انعقد في تونس  ( 6 – 9 / 2012 ) ثم وصلتني عبر البريد الالكتروني نسخة من البيان الختامي للمجلس . فقمت بإعادة نشره في موقع مركز الشرق العربي لأضعه كشاهد إثبات بين يدي الرأي العام العربي والسوري بشكل خاص  ...

 

ولأننا حريصون على استدامة حبل الوصل الذي أنجزته أمتنا بالتقارب التاريخي بين التيارين القومي – والإسلامي أجدني مترددا في تقليب أوراق هذا المؤتمر وما ورد في بيانه الختامي . إن المقارنة بين ما ألح عليه البيان وبين ما تجاهله تثير الكثير من التساؤلات . أذكر بشكل خاص نسيان مصدري البيان أشلاء الأطفال المبعثرة في بابا عمرو وكرم الزيتون والحولة والقبير وعلى كل الأرض السورية ..

 

تحضرني في محاولة تفسير الموقف أمور كثيرة لها تاريخ طويل يثير الشجن . ومنها الشهادة القريبة التي أدلى بها الشاعر العربي المصري الكبير أحمد فؤاد نجم : أرسلوا إليه من طرف نظام دمشق يعرضون عليه شيكا مفتوحا على بياض مقابل زيارة لدمشق يقول فيها على شاشة التلفزيون السوري أنه هنا وأنه لا يرى في سورية شيئا مما يتحدث عنه الإعلام ..

 

إن عمرا مديدا من التحلق حول المستبدين ، والتصفيق في محافلهم ، والعشاء على موائدهم ، كان فيما أقدر – وقد أكون مخطئا – من الأسباب المباشرة لانحسار موج كان له مده وهديره  في الخمسينات والستينات . كما أن الخشوع في محراب نكسة السابعة والستين ، أكمل ما قد يكون الفكر القومي قد كسبه منذ العصر الذي أحبوا أن يطلقوا عليه عصر النهضة . وكان الصراع قد بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر. وقد اعتقدت لفترة طويلة أن ( شخصنة ) الصراع كان له دور في تعميمه وتأجيجه . وأن الدوران حول العناوين دون المضامين جعل هذا الصراع يمتد ويستطير

مما يثير القلق مع صدور البيان الأخير الشعور أن هناك من يريد العودة بالأمة إلى المربع الأول . بل إن المرء ليعجب أن يجد في لغة البيان الختامي للمؤتمر العتيد بعض المصطلحات المتسللة من مرحلة ما قبل النكسة الحزيرانية التي أحب منظمو المؤتمر أن يلتقوا في ظلالها ويسكتوا عنها وعن مخرجاتها غفلة أو قصدا . يقلق المرء رائحة الحبر الطائفي التي كتب بها البيان . الذي دبج لإعلان الحرب على الطائفية كما يزعمون  ولن أزيد .

 

أكتب هذا نداء أخويا حارا لكل الرجال الصادقين من حملة المشروع القومي العربي – وما أكثرهم - . حملة مشروع الكواكبي صاحب طبائع الاستبداد الرمز الذي يجب أن يكون الأول الذي نلتقي عليه .

 

إن الحقيقة التي لا تقبل المساومة ولا الجدل في زمن الربيع العربي أن التناقض الأول الذي يطوي كل التناقضات ، ويتقدم عليها ، ويفرض نفسه على العقول والقلوب هو تناقض ( الحرية – والاستبداد ) . لقد أضاعت الأمة نصف قرن تجرجر أذيال الخيبة في هياكل المستبدين الذين أقنعونا أن التحرير يتقدم على التحرر ، وأن سيادة الأوطان – وعنوا بها سيادتهم – تتقدم على سيادة الإنسان . وأن علينا أن نصفق للجزار الوطني أو  على هويته مهما طغى وبغى وتجبر. وينسى هؤلاء أن الظلم لا هوية له . وأنه عندما يصدر عن قاتل ومستبد يمت إلينا بسبب فإن ذاك أشنع له وأدعى لرفضه وأبلغ في استنكاره و الرد عليه ...

 

أكتب هذا قلقا وحذرا وإهابة بالرجال الصادقين من حملة المشروع القومي العربي أن يبادروا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . أن يبادروا إلى صون هذا المشروع من دجل كهنة الاستبداد ، ومن عبث العابثين ، ومن ردة تُنكح القومية العربية للولي الفقيه . وهل كان البيان الختامي الصادر عن الذين التقوا في تونس إلا صك الإشهار .

لندن 10 / 6 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

جدل "التدخل" بين موسكو وواشنطن  .. عبد الوهاب بدرخان

تاريخ النشر: الثلاثاء 05 يونيو 2012

الاتحاد

عندما يطرح أوباما، رئيس الدولة العظمى، مبدأ عدم التدخل العسكري لحل صراع في دولة ما، فهذا خبر جيد، بل تاريخي، يؤسس لنمط جديد من العلاقات مع الدول والشعوب، كما يقترح على المجتمع الدولي مقاربة أخرى لحل النزاعات الإقليمية. يبقى أن يصدّق العالم أن هذا المبدأ أصيل وهادف، والأهم أنه عملي وفاعل في إيجاد الحلول في الوقت المناسب. أما أن يُعطى كل الوقت اللازم لإراقة الدماء ومفاقمة الانقسامات وتصدّع الخرائط، وأن يكون هناك تدخل مباشر أو غير مباشر في كل ذلك، ثم يقال إن التدخل غير محبذ لأنه قد يتسبب بحروب أهلية، أو أنه غير ممكن بحجة تعذّر الاتفاق في مجلس الأمن، فهذا يطرح علامات استفهام حول الأهداف الحقيقية ل"عدم التدخل".

واقعياً، قد لا يكون التدخل مستحباً، ثم إن تجارب كثيرة أحدثها في العراق وليبيا انتهت إلى وقائع أقل ما يقال فيها إنها مثيرة للجدل، أو إنها أدت إلى نتائج كارثية على الأرض من أخطرها أن الأنظمة المستبدة التي وجب إسقاطها وتغييرها كانت نجحت ظاهرياً في توطيد "وحدة" بلادها ومجتمعاتها، حتى إذا انهارت لابد أن تظهر الشقوق والفوارق ولا تعود الفئات والمكوّنات قادرة على التعايش في ما بينها. وفي كل الأحوال كان هناك "تدخل"، قبل وبعد، لذلك فإن عدم التدخل -إذا كان صحيحاً- يجب أن يطبّق "قبل"، وإذا طرحه رئيس الدولة العظمى فلا بد أن يكون ضامناً أنه في صدد تأسيس نظام دولي جديد، وأن بقية الدول راغبة في أن تكيّف مصالحها مع قواعد مختلفة ليس بينها أي تدخل في شؤون الغير.

لكن الأمم المتحدة التي قامت على أسس احترام السيادة لا تستبعد الضرورات التي تحتم عليها التدخل، خصوصاً عندما يكون المدنيون يتعرضون لمخاطر دموية واضحة، أو عندما يبلغ نظام ما درجة من الإجرام والوحشية لا تترك مجالاً للتردد. غير أن أسوأ ظواهر ما بعد انتهاء الحرب الباردة رسمياً، كانت في استمرار تلك الحرب بأساليب ووسائل أخرى، مما عطّل المنظمة الدولية وأدى إلى تعجيزها. هذا ما شهده العالم في حال كوسوفو، وما يشهده اليوم في حال سوريا. فنتيجة للسلبية الروسية المعرقلة، وضعف الدوافع الأميركية أو الغربية عموماً، يصبح الواقع المفضل أن تفلت المنازلة الدموية رغم أن الجميع يعرف ما هو مؤداها، حتى إذا باغتت الصور المروعة اللاعبين الكبار في إدارتهم لشراء الوقت -كما في مجزرة الحولة- يبدأون الحراك لعل جثث الأطفال تساعدهم في صنع مقاربة أخرى للأزمة، ليكتشفوا أنهم لا يزالون يراوحون مكانهم.

غداة المجزرة لم تجد روسيا أن هناك ما يستحق فعلاً تغيير قواعد اللعبة. وعندما وافقت على بيان الإدانة في مجلس الأمن صوّرت الأمر، وكأنه "تنازل" تقدم عليه، فقط من أجل امتصاص الغضب والسخط على نظام أقنع موسكو أو هي أقنعته بأن المجزرة من ارتكابات "عصابات مسلحة". الأكثر إيلاماً هو التراشق بالاتهامات بين موسكو وواشنطن، فكل منهما تتهم الأخرى بأنها تتسبب في نشوب "حرب أهلية". ثم أن الروس استنكروا "الاستنتاجات" المستندة إلى مجزرة الحولة لتبرير تدخل عسكري غربي في سوريا. ورد حلف الأطلسي نافياً جملة وتفصيلاً. بل جلست وزيرة الخارجية الأميركية تعدد بالتفصيل مواقع الخيار العسكري: قوة الجيش السوري، الموقف الإيراني، غياب قرار دولي (الممانعة الروسية). لكن الواقع أن الروس يحذرون من أي تدخل فيما هم يتدخلون لمصلحة النظام (تسليح مستمر، رعاية مباشرة في التخطيط، دعم دولي...)، كما يحذرون من الحرب الأهلية ويقولون إنهم يعملون للحؤول دونها إلا أنهم يساندون النظام في استدراجه سوريا إلى هذه الحرب.

يدفع الشعب السوري ثمن هذا الجدل الدولي دماً، وفقد النظام كل مقومات مساعدة داعمية في عملية إنقاذه التي باتوا يعرفون أنها مستحيلة. أصبح معروفاً أن "عدم التدخل" الأميركي له علاقة بالانتخابات الرئاسية بمقدار ماله علاقة بالأهداف الإسرائيلية، فلماذا التدخل طالما أن هذه الأهداف تتحقق بفضل النظام السوري والأخطاء التاريخية التي يرتكبها. فحتى روسيا التي تعتقد أنها تدافع عن مصالحها إنما تخدم تلك الأهداف طالما أنها تؤخر سقوط النظام وتساهم في التعجيل بتفتت سوريا.

كاتب ومحلل سياسي- لندن

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خطاب الأسد.. تناقضات تعلوها مغالطات  .. الوطن السعودية

2012-06-05

المناورة والمماطلة باتتا سمتين بارزتين لطريقة تعامل نظام الأسد مع كل خطة حل تسعى لتجنيب سورية حالة فقدان الحكمة في التعامل مع الأزمة الداخلية التي بدأت تأخذ منحى خطرا في تمددها لخارج حدودها ووصولها إلى لبنان، حيث أحداث طرابلس التي أوقعت 14 قتيلا و48 جريحا، وهو ما دعا وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل إلى توصيف الحالة العامة ب"الخطرة جدا".

وعوضا عن أن يعمل النظام السوري على حل الأزمة دون تصديرها، جنح بها إلى ما هو أبعد من حالات القتل اليومي، وتصفية كل من يرفع شعار "رحيل النظام"، وذلك عبر إضفاء الصبغة الطائفية على ما يجري، وما مجزرة الحولة التي ترحم القاتل على ضحاياها، وحاول عبر خطابه التنصل منها، وإلصاقها بمن يصفهم ب"قتلة الشعب"، إلا دليل على بشاعة المخطط الذي يعمل عليه نظام الأسد.

لم يأت الأسد في خطابه الذي وجهه لأعضاء مجلس الشعب السوري بجديد، فما يطبقه جيشه على الأرض هو ترجمة عملية لما كان يتفوه به من منصة إلقاء الخطاب، والهدف هو مواصلة الحرب حتى القضاء على كل من يعارضه.

التناقضات المبتذلة كانت واضحة وجلية في خطاب الأسد، ففيما وصل بلهجته إلى أعلى درجات التصعيد والتهديد لمعارضيه، استغرب مقاطعتهم للانتخابات التشريعية الأخيرة، متناسيا أن أي انتخابات في العالم لا يمكن أن تكون حرة ونزيهة إذا كانت تجري تحت تهديد السلاح.

اقتصار الأسد لخطابه على الداخل دون توجيهه إلى الخارج، رسالة على المجتمع الدولي أن يدركها جيدا، فبعد 15 شهرا من الأزمة السورية، لا يزال النظام السوري يعتمد حلوله الداخلية، ولا يلتفت إلى أية مبادرات من الخارج، بما فيها تلك التي يسوقها أصدقاؤه الروس، وهو ما يعني استمراره في هذا النهج حتى يحقق ما يريد وبالطريقة التي يريد.

وباستثناء هذه النقطة، بدا كلام الأسد في مجمله فارغا من أية مضامين سياسية حقيقية تدرك أبعاد الأزمة الحالية، إلى درجة وصلت حالة عدم الفهم لمضامين الخطاب لأعضاء مجلس الشعب أنفسهم الذين أساؤوا فهم رئيسهم الأسد حينما ترحم على من قتلهم جيشه ووقفوا اعتقادا منهم بأن رئيسهم سيتلو الفاتحة على أرواحهم.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

كيف نوقف الشلل الدولي في سورية؟  .. عبدالعزيز حمد العويشق

الوطن السعودية

5-6-2012

وفقا لمبدأ "مسؤولية الحماية" فإن هناك التزاما دوليا بحماية المدنيين، بموافقة مجلس الأمن أو بدونها. فلماذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف الانتهاكات في سورية؟

في يوم الجمعة (1 يونيو 2012) ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف مذبحة الحولة، التي ذهب ضحيتها (108) من المدنيين، منهم (49) طفلاً و(34) امرأة. وفي ختام الاجتماع، تبنى قراراً بالإجماع تقريباً (عارضته روسيا والصين وكوبا فقط)، يدين الحكومة السورية. وكلف المجلس "الهيئة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في سورية"، التي شكلها المجلس العام الماضي، بإجراء "تحقيق سريع، مستقل وشفاف" عن هذه المذبحة، وجميع الجرائم ضد الإنسانية، والانتهاكات الأخرى للقانون الدولي التي تُرتكب في سورية، بهدف ملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم. وطلب من الهيئة تقديم نتائج هذا التحقيق إلى دورته القادمة، المقرر عقدها خلال الفترة من 18 يونيو إلى 6 يوليو 2012.

والحقيقة أن اجتماع يوم الجمعة الماضي هو رابع "دورة خاصة" يعقدها مجلس حقوق الإنسان عن سورية منذ بدء الأزمة السورية في مارس 2011، حيث أسس في دورته الثانية هيئة التحقيق المستقلة التي أشرتُ إليها، والتي قدمت أول تقرير لها في نوفمبر 2011، وخلُصت فيه، إذ ذاك، إلى تواتر الأدلة على ارتكاب قوى الأمن والجيش جرائم بحق المدنيين. ووضعت الهيئة في وقت لاحق قائمة بأسماء بعض المسؤولين عن ارتكاب الفظائع، بما في ذلك جرائم ضد الإنسانية.

وفي مارس 2012، بناءً على تقرير من هيئة التحقيق المستقلة، أدان مجلس حقوق الإنسان الحكومة السورية بسبب ارتكابها لانتهاكات "منظمة وواسعة النطاق" لحقوق المدنيين. وتأكيداً للإجماع الدولي بهذا الشأن، لم يعارض قرار المجلس في مارس سوى روسيا والصين وكوبا، تماماً مثل ما حدث يوم الجمعة الماضي.

ومع أن جهود المجلس وهيئة التحقيق المستقلة التي شكّلها مشكورة ومقدرة، إلا أن النتائج مازالت مخيبة للآمال، إذ استمرّ القتل في سورية، ولم يُعرْ النظام السوري اهتماماً لإدانة المجلس المتكررة لها، ولم يستجب لنداءات المنظمة الدولية بالسماح للمنظمات الإنسانية بالعمل في سورية لمساعدة المدنيين.

وتقدر المنظمة الدولية الآن أن أكثر من تسعة آلاف شخص، معظمهم مدنيون، قد قُتلوا في سورية منذ مارس 2011، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والنازحين واللاجئين والمشردين.

وغني عن القول أن الحكومة السورية لم تسمح لهيئة التحقيق الدولية بزيارة سورية، كما لم تسمح للمنظمات الدولية الأخرى، أو الصحافة العالمية، بالدخول إلى سورية. السبب يبدو واضحا: إنها تحاول منع أي تحقيق مستقل في الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب السوري.

وفيما رفض النظام السوري الاستجابة لجميع جهود مجلس حقوق الإنسان في جنيف، فإن روسيا ضمنت من جانبها ألا يتخذ مجلس الأمن في نيويورك أي إجراءات لإلزامه بوقف الانتهاكات بحق المدنيين العزل، حيث تستخدم سلاح الفيتو لإحباط أي مشروع قرار يُطرح على المجلس. وفي الوقت نفسه تستمر روسيا في تقديم السلاح لدعم قدرة النظام على قمع الاحتجاجات وقهر إرادة الشعب السوري، في معركة غير متكافئة أصلاً.

وهكذا نجد أنه على الرغم من أن نظام تقصي الحقائق في الأمم المتحدة قد توصل إلى قناعة بأن انتهاكات صارخة قد ارتُكبت في سورية، وعلى الرغم من أن ثمة إجماعاً دولياً على طبيعة تلك الانتهاكات وتوصيفها في القانون الدولي، فإن المجتمع الدولي يبدو كمتفرج على مسرح الأحداث، فيما تحمي روسيا حليفها من أي إجراء دولي رادع.

ولكن هل هذا ما يجب أن تكون عليه الحال في النظام العالمي؟ هل هو مشلول قانوناً عن التحرك كما يتوهم النظام السوري؟

ألا يستطيع المجتمع الدولي التحرك بشكل قانوني لحماية المدنيين، في ظل فشل النظام السوري في حمايتهم، بل ضلوعه في قتلهم؟ ما هي الوسائل الممكنة، في النظام الدولي، لتقديم مساعدة عاجلة وفعالة للمدنيين هناك؟

لدينا مثال سابق للحالة السورية: ففي عامي 1998-1999 كانت كوسوفو في وضع مشابه. وحينئذ، كما هو الحال اليوم، كانت ثمة معركة غير متكافئة بين الجيش الصربي والمدنيين العزل. ومثلما هو واقع اليوم، رفضت روسيا حينها أي إجراء طرح في مجلس الأمن للجم حليفتها صربيا. ولكن مجموعة من الدول اتفقت خارج نطاق مجلس الأمن، وبدون إذن منه، وتدخلت ونجحت في وقف المذابح التي كانت القوات الصربية ترتكبها في كوسوفو، كما تفعل القوات السورية اليوم في بلادها.

ألا يمكن استخدام مثال كوسوفو لحماية المدنيين في سورية؟ في الحقيقة أن مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي بدأ يستقر كأحد الأعراف الدولية، يمكن أن يسند أي جهد دولي أو إقليمي صادق لحماية المدنيين السوريين. وقد تطور هذا المبدأ على مدى السنوات القليلة الماضية، وتم تطبيقه بنجاح في عدد من النزاعات في مناطق مختلفة من العالم.

وقد أقرت الأمم المتحدة هذا المبدأ في مؤتمر دولي عُقد لهذا الغرض في عام 2005، حين تم الاتفاق على أن ثمة مسؤولية دولية مشتركة لمنع ووقف جرائم التطهير العرقي، والإبادة العنصرية، والجرائم ضد الإنسانية. وفيما بين عامي 2005 و2010، تم تطبيقه في ثلاثة قرارات وبيانات صادرة عن الأمم المتحدة، أما في عام 2011 فقد تم تفعيله في ستة قرارات على الأقل، منها أربعة صدرت عن مجلس الأمن، بشأن ليبيا وجنوب السودان واليمن. وتم تفعيله في الجهود الدولية التي أنهت النزاع في ساحل العاج.

وهذا المبدأ مبني على أسس مستقرة في القانون الدولي المعاصر، بأن سيادة الدولة ليست مطلقة، بل مشروطة بمبادئ وأعراف القانون الدولي نفسه. وحيث إنه لا شك في أن هذا القانون يعتبر جرائم معينة مناقضة لأهدافه وأغراضه، فضلاً عن أسسه الأخلاقية، وتسمى تلك الجرائم ب "جرائم الفظائع الجماعية"، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فإنه يجب أن تكون هناك مسؤولية مشتركة، تقع على جميع الدول القادرة، لحماية المدنيين منها، حماية للنظام الدولي نفسه.

ولا شك كذلك، كما هو واضح من قرار مجلس حقوق الإنسان يوم الجمعة الماضي، أن مذبحة الحولة تندرج بوضوح تحت هذا النوع من الجرائم. ولذلك فإن مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي أشرتُ إليه يجب أن يدفع جميع الدول القادرة إلى العمل على وقف هذه الجرائم، بموافقة مجلس الأمن أو بدونها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

بشار في متاهته!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

5-6-2012

مثل عادته في الخطابات الطويلة، أفاض بشار الأسد واستفاض في الحديث عن المؤامرة التي تتعرض لها سوريا منذ عام ونيف، وتشارك فيها قوى دولية وإقليمية وعربية.

والحق أننا لم نكن إزاء خطاب بالمعنى التقليدي المعروف، لأن الخطاب عادة ما يحاول المجيء بجديد بالنسبة للناس، وإلا لن يكون له معنى، فقد كنا إزاء محاضرة مدججة بالإنشاء كتبها مستشار متمرس في الكتابة، لكن المصيبة أنها كانت بلا مضمون حقيقي، هي التي لم تغادر في مقارباتها السياسية ما تضمنته الخطابات السابقة، فضلا عن المقابلات الصحفية، مع توفر بعض النكهات الأفضل في المقابلات تبعا لقدرة الصحفيين الغربيين على الحصول على تصريحات تجعل المقابلة أكثر إثارة.

كان من الصعب على بشار الأسد إخفاء حالة الارتباك التي يعيشها؛ لا على ملامح وجهه ولا طريقة حديثه الأقرب إلى استجداء السوريين من أجل المحافظة على وطنهم من المؤامرة، أو محاولة دغدغة عواطفهم بالتبجيل واستثارة مشاعر الفخر، فضلا عن استدعاء النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين بدون مناسبة في سياق من الحديث عن الحروب الاضطرارية التي خاضوها (لا تخفى الدلالة هنا تبعا لحقيقة أن حلفه الإيراني لا يعترف بالمصطلح الأخير أصلا).

خلاصة الخطاب أن لا شيء نفعله في مواجهة هذه الموجة من الإرهاب غير الحل الأمني، لأن الإرهابيين لا يريدون الحوار ولا الإصلاح، بدليل أننا كلما تقدمنا على طريق الإصلاح ازداد الإرهاب، مع أن أحدا لا يدري بالطبع عن أي إصلاح يتحدث بعد الدستور الذي استبدل حزب البعث القائد للدولة والمجتمع، بالرئيس الوصي على الدولة والمجتمع، والذي تعود إليه مقاليد الأمور، ما ظهر منها وما بطن!!

ما يجري هو معركة حول سوريا ودورها، ومن يديرونها يريدون أن يضربوا هذا الدور ويقسِّموا هذا الوطن. هذا ما قاله بالنص، الأمر الذي يثير السخرية بالطبع، لأن من خرجوا إلى الشوارع لم يتلقوا أوامرهم من الخارج، أما العنف (الإرهاب كما يسميه) فلم يظهر منه شيء إلا بعد شهور طويلة من الثورة وما انطوت عليه من قمع دموي.

هذه المؤامرة الخارجية الرهيبة بحسب المحاضرة ينسجم معها مرتزقة من الداخل، والمرتزقة هنا هم الذين ينزلون إلى الشوارع من أجل الاحتجاج بعد أن يقبضوا الثمن (هذا ما قاله أيضا)، وهناك من بينهم صغار في السن يتلقون 2000 ليرة سورية (يا للثمن الرخيص) مقابل كل شخص يقتلونه، ما يعني أن فتيان سوريا ورجالها قد تحولوا إلى مرتزقة يعيشون على القتل، بينما يغامر كل واحد منهم بحياته حين ينزل للشارع مقابل الحصول على حفنة من الليرات السورية (لم يذكر الرقم بالدولارات أو اليورو أو الريالات نسبة إلى عواصم التآمر على نظام المقاومة والممانعة!!).

لقد كنا إزاء رجل يدفن رأسه في الرمال ويداري ارتباكه باستجداء الشعب من أجل الوقوف في وجه المؤامرة، لكن المصيبة أن الشعب الذي يخاطبه هو المتآمر الحقيقي، وأقله أداة المؤامرة الخارجية، فكيف يتأتى له أن يواجهها، ما يعني أنه ليس أمام الرئيس سوى مخاطبة الجيش لكي يقوم بمهامه، وهو ما كان حين توجه إليه بالتحية، ودافع عنه في مواجهة الذي يتهمونه بقتل الناس (اعتبر ما يسفكه من دماء مثل الدماء على يد الطبيب الجراح حين يخرج من غرفة العمليات!!)، وتوقف عند اتهام الجيش المذكور “الباطل” بمجزرة الحولة، وحيث انتقل المتآمرون بعد انكشاف أكاذيبهم حول مسؤوليته عنها إلى مليشيات النظام، الأمر الذي لم يحدث بالطبع، إذ بقي الاتهام للجيش قائما في الشق الأول من المجزرة المتعلق بقصف الدبابات، بينما كان الذبح التالي من نصيب الشبيحة الذين يطلقهم النظام مثل الكلاب المسعورة ضد الناس.

لم يتطرق بالطبع لكثير من التطورات الخارجية التي تحيط بالقضية السورية، من تلك التي تشي بضعف موقفه وترنح نظامه، مثل طرد السفراء الأوروبيين، فضلا عن موقف جامعة الدول العربية الجديد كما عكسه اجتماع الدوحة، كما لم يتطرق للتطورات الداخلية المستجدة مثل سيطرة الجيش الحر على العديد من مناطق سوريا، فضلا عن انخراط دمشق وحلب بقوة في الثورة.

بدأ الخطاب وانتهى من دون أن يقدم للمستمعين جديدا يذكر، اللهم سوى التأكيد على أن المعركة مستمرة حتى يحسمها أحد الطرفين، وقد ثبت لكل العقلاء أن النظام هو الخاسر، فيما جاءت التطورات الأخيرة لتؤكد أن المدى الزمني لصموده قد أخذ يتقلص بمرور الوقت.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دمشق و «إرهاصات التوافق» الأمريكي - الروسي  .. عريب الرنتاوي

القدس

7-6-2012

حققت “الماكينة الدبلوماسية” الروسية إنجازين مهمين، يمكن وصفهما ب”الاختراق” على ساحة العمل السياسي الدولي المتركّز حول الأزمة السورية...الأول، يتلخص في نتائج أول جولة خارجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد عودته للكرملين، حيث نجح بكسب تأييد المستشارة الألمانية أنجيلا ميريكل لخيار “الحل السياسي” للأزمة السورية، موسعاً بذلك الشرخ القائم في الموقفين الفرنسي والألماني، حيث تميل باريس لتبني خيارات أكثر تشدداً وصرامة، بل وتجنح للأخذ بسيناريو “الجراحة العسكرية” للأزمة السورية.

أما الإنجاز الثاني، والأكثر أهمية بكل المعاني والمقاييس، فهو التأسيس لشراكة أمريكية – روسية في تناول الملف السوري، بعد أن بات شبه المؤكد أن واشنطن وموسكو قررتا العمل سويةً على هذا الملف، وأن طواقماً تعمل على وضع تصورات مشتركة كما كشفت عن ذلك مصادر أمريكية...وسط تطور مفاجئ في مواقف السيدة هيلاري كلينتون التي لم تعد ترى في “تنحي الأسد” شرطاً لبدء الحل السياسي للأزمة، بل نتيجة لهذا الحل، وتأكيد روسي متكرر على أن موسكو لا تدعم نظام الأسد، ولكنها تعمل من أجل منع انزلاق سوريا إلى أتون الفوضى والحرب الأهلية التي حذر بوتين من أنها تطل برأسها.

لكن المفارقة “الصادمة” تأتي من دمشق هذه المرة...ففي الوقت الذي تتجه فيه عواصم القرار الدولي للاقتراب أكثر فأكثر من وجهة نظر حليف سوريا الرئيس على الساحة الدولية...تصدر عن الرئيس السوري في أول خطاب له منذ أزيد من نصف عام، تصريحات يقول فيها لا حل سياسياً للأزمة السورية، لأن الأزمة بالأساس ليست سياسية ولا داخلية، بل هي حرب على سوريا ومشروع فتنة و”تدخل دولي” وعصابات إرهابية...هكذا ببساطة، يُختزل المشهد السوري برمته، على أنه حرب الإرهاب على سوريا، وحرب سوريا على الإرهاب...إنه حقاً خطاب مُخيب للآمال، ويعكس “انفصال” النظام عن واقع الأزمة في بلاده، وإصراره على المضي في خياره الأمني العسكري “مهما كان الثمن”، ومهما سال من دماء من جسم المريض على أيدي الطبيب الجرّاح ؟!

والمؤسف حقاً، أن الرئيس السوري، بدا في خطابه “مقتنعاً” بأن ما يتخذه من إجراءات “هزلية” و”شكلية” كتعديل الدستور وإجراء انتخابات تشريعية من طراز “ما قبل الربيع العربي” وإصدار قانون هزيل للأحزاب، هي “ذروة سنام” عملية الإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي التي يطالب بها الشعب السوري ويتطلع إليها، وقدم من أجلها ألوف الشهداء وأضعاف أضعافهم من الجرحى والمعتقلين والمشردين في وطنهم وفي الشتات القريب والبعيد...المؤسف والمُفجع أن الرئيس الأسد، وبعد أزيد من عشرة آلاف قتيل، يعود لتذكرينا بمطالب الثورة السورية في إيامها الأولى، من نوع تعديل المادة الثامنة من الدستور وإصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، من دون أن تصدر عنه إشارة واحدة تفيد بأنه تأخّر كثيراً في الاستجابة لنداءات الثورة السلمية قبل أن تتحول إلى “السلاح”، وأن ما يعرضه اليوم تلخصه العبارة التي قيلت في سياقات الثورات العربية في مصر وتونس وليبيا من قبل: Too Little Too Late””.

والراهن أن خطاب الرئيس السوري أمام مجلس الشعب، قد سجّل أكثر من خطوة واحدة للوراء في توصيف النظام للأزمة وتعاملها معه...فالخطاب إذ ينكر وجود أساس سياسي – داخلي للأزمة السورية، ويرفض - استتباعاً - حلها سياسياً، يتنكر لمبادرة كوفي عنان شكلاً ومضموناً، ويتنصل من التزاماته ببنودها الست، السياسية بامتياز...والنظام الذي طالما اتهم المسلحين والإرهابيين بتلقي المال والسلاح من الخارج، يوسع اليوم دائرة اتهاماته للمتظاهرين السلميين، الذي يخرجون للشارع لقاء 2000 ليرة سورية، فتكون النتيجة أن لا أحد في سوريا ينتمي للمعارضة، وأن المعارضيين سلميين أكانوا أم مسلحين، هم عملاء ومأجورون، يعملون بنظام القطعة والمياومة لدى الجهات التي يتهمها النظام بالتدخل ودعم الإرهاب وزرع الفتنة واستهداف سوريا الدولة والوطن...ومع ذلك، ما زال النظام يتحدث عن “حوار وطني” و”أبواب مفتوحة” إلى غير ما هنالك من شعارات لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد.

من المفروض بالتحليل المنطقي، أن يكون النظام “سعيداً” بنجاحات حليفه الروسي على الساحة الدولية، وأن يقدم من المواقف والممارسات، ما تساعد سيّد الكرملين على جبه أوسع تحالف دولي ضد النظام في دمشق...لكن ما نراه على الأرض، وما نسمعه من مواقف وتصريحات، توحي بخلاف ذلك، بل وتذهب في الاتجاه المعاكس...فهل فقد النظام صلته بما يجري من حوله وأمام ناظريه ومن تحت أقدامه...أم أن النظام يخشى “التوافق الدولي” على الحل السياسي للأزمة السورية، بقدر خشيته من “سيناريو التدخل العسكري” وربما أكثر؟...هل تشعر دمشق بالارتياح للتقارب الروسي – الأمريكي، أم أنها تخشى خسارة هوامش المناورة بين القطبين الدوليين؟...كيف تقرأ دمشق إرهاصات التقارب الأمريكي الروسي الأخيرة؟...وهل تُدرجها في سياق “المكاسب” و”النجاحات” وتنظر إليها بوصفها “فرصة” للخروج من الاستعصاء، أم أنها ترى فيها ملامح “تحدٍ” جديدة، ونّذر ضغوط قادمة وإرهاصات لاستحقاقات سياسية لطالما سعت في تفاديها؟ّ!

أسئلة وتساؤلات قد تبدو غريبة في شكلها، لكنها واقعية جداً في مضمونها، خصوصاً إذا تأكد للنظام أن فاتورة هذا التوافق، ستكون ثقيلة جداً عليه....وأنه لن يقوى في المرات القادمة على الإفلات من شقوق الخلاف الدولي وثقوبه، بعد أن يصبح حليفه الأفعل و”صديقه الصدوق” ضامناً لحسن تنفيذ التزامات “التوافق” واستحقاقاته، ومشرفاً على سلامة ترجمتها ميدانياً وعلى الأرض.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

شعب يطالب بالحرية  .. رأي الراية

الراية

4-6-2012

بدا الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه أمام مجلس الشعب وكأنه خارج الزمان والمكان، ففي الوقت الذي كان يلقي فيه خطابه الذي تحدث فيه عن المؤامرة الخارجية التي تستهدف سوريا، كانت قوات النظام وأجهزة الأمن والشبيحة تقتل المواطنين السوريين الذين يطالبون بالحرية والتغيير.

بعد نحو ستة عشر شهرا من الثورة السورية وبعد أكثر من خمسة عشر ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى والمشردين لا زال رأس النظام في سوريا يعيد أسطوانة المؤامرة الخارجية ويصف المطالبين بالحرية بالإرهاب وأن سوريا لا تواجه مشكلة سياسية بل "مشروع فتنة أساسه الإرهاب وحربا حقيقية من الخارج". رافضا الاعتراف بوجود أزمة داخلية وشعب يطالب بالحرية والديمقراطية.

الشعب السوري الذي انتفض مطالبا بالحرية والكرامة وأثبت طوال شهور الثورة أنه عصي على الكسر لا يمكن أن يكون متآمرا على وطنه، ينفذ مؤامرة خارجية تستهدف تقسيم بلاده، فهو خرج مطالبا بالإصلاح والتغيير بعد عقود طويلة من حكم الديكتاتورية والاستبداد.

الرسالة التي أراد النظام في سوريا إيصالها أنه ماض في قمع الثورة السورية بالقوة مهما كان الثمن، ولن ترده عن ذلك أية مبادرات دولية، وهو ما يؤكد أن النظام السوري الذي وافق على خطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان ولم يطبق أيا من بنودها يناور ويماطل من أجل كسب مزيد من الوقت للإجهاز على الثورة.

لقد بادر النظام منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السورية في استخدام القوة والعنف لإجهاضها ولم يثنه عن ذلك وقوع الضحايا المدنيين، وهو ما أدى إلى انشقاق الآلاف من الجنود الذين رفضوا توجيه رصاصاتهم إلى صدور أبناء وطنهم، كما ساهم ذلك في امتداد الثورة إلى جميع المدن والبلدات السورية التي اضطر أبناؤها للدفاع عن أنفسهم في وجه أعمال القتل والاعتقال والتعذيب.

النظام الذي يتحدث عن إصلاحات لم يلمسها الناس ويدعو للحوار للخروج من الأزمة الطاحنة التي تعيشها البلاد لم يترك مجالا لبدء حوار حقيقي، فهو لم يلتزم عمليا بتهيئة الظروف الملائمة للحوار وأولها وقف العنف والقتل.

إن على مجلس الأمن الدولي الذي سيستمع إلى تقرير المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان عن مهمته في سوريا خلال أسابيع أن يضطلع بمسؤولياته وأن يتخذ الإجراءات لتوفير الحماية للشعب السوري من بطش النظام، من خلال إيجاد منطقة عازلة وتوفير ممرات آمنة لتقديم المساعدات الطبية والغذائية لضحايا النظام وتحويل مهمة المراقبين الدوليين إلى قوات حفظ سلام تكون قادرة على فرض وقف إطلاق النار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الجانب الأخطر في الأزمة السورية  .. خير الله خير الله

الرأي العام

4-6-2012

لعلّ الجانب الأخطر في الأزمة السورية انكشاف البلد امام الانقسام المذهبي والطائفي الذي حاول النظام القائم منذ ما يزيد على اربعة عقود تغطيته عن طريق الشعارات الفضفاضة والفارغة، من نوع الممانعة، احيانا والهرب الى لبنان والمتاجرة بفلسطين والفلسطينيين دائما وابدا. لم يعد من كلام بعد مجزرة الحولة القريبة من حمص سوى عن الشرخ المذهبي والطائفي الذي يستعين النظام به حاليا لمتابعة عملية الهروب الى الأمام.

هذا هو للاسف الشديد الواقع الذي بلغته الازمة السورية في ظل نظام يرفض الاعتراف بانه انتهى وان نهايته يجب الا تعني في الضرورة نهاية سورية بكيانها الحالي. هذا الكيان في اساس الازمات المتلاحقة التي كلّفت السوريين الكثير وكادت ان تقضي على المجتمع السوري الغني بتنوعّه وثقافته وعلى المهارات الفردية للسوريين وتفوقهم وقدرتهم على الصبر والثبور.

لا شيء يعيد عقارب الساعة الى الخلف سوى اعتراف النظام بانه انتهى والاعداد السريع لمرحلة انتقالية يعيد فيها السوريون ترتيب اوضاع بلدهم بعيدا عن اي نوع من الهيمنة لطائفة على اخرى. فاذا كان من أزمة طائفية ومذهبية، فانّ هذه الأزمة في سورية وليس لبنان...

لا بديل من العودة الى سورية الطبيعية، اي سورية بصفة كونها الدولة التي تهتم بشؤونها الداخلية وتعترف بأنّ عليها الانصراف الى مشاكلها الضخمة التي تفاقمت مع الزمن بسبب رفض النظام الاعتراف بها تمهيدا لمعالجتها. على رأس هذه المشاكل المشكلة المذهبية والنمو السكاني العشوائي وهبوط مستوى التعليم وتحوّل الدولة الى ربّ العمل الاكبر في البلد.

هل لا يزال هناك أمل في انقاذ سورية... ام ان الرئيس بشّار الاسد يعتبر ان مجرد انكاره للواقع والعيش في عالم خاص به يغنيه عن التحرك بسرعة في اتجاه التنحي بطريقة حضارية مستفيدا من التجربة اليمنية.

في كلّ يوم يمرّ يزداد الخطر على سورية. في كلّ يوم يمرّ تزداد مخاطر الحرب الاهلية. في كلّ يوم يمرّ يتوسع الشرخ الطائفي والمذهبي الذي لا يزال في الامكان تجاوزه في حال رحيل العائلة الحاكمة عن سورية. في النهاية ان بشّار الاسد ضحية نظام وجد نفسه على رأسه من دون ان يطرح على نفسه سؤالا في غاية البساطة يتعلّق بالشرعية. ما هي الشرعية التي يمتلكها النظام القائم منذ العام 1963، تاريخ وصول حزب البعث الى السلطة عن طريق انقلاب عسكري؟

هل الشرعية الحزبية أساس لأيّ شرعية من ايّ نوع كان؟ هل هناك شرعية مستمدة من انقلاب عسكري تلته عملية تصفية للقيادات السنّية في الجيش تلتها تصفية للقيادات الدرزية وحتى الاسماعيلية؟ هل من شرعية لطائفة معيّنة ثم لعائلة محددة تسيطر على السلطة والمرافق الاقتصادية وتوزع بعض المغانم على تجار دمشق وحلب وبعض ممثلي الاقليات؟

هل من شرعية لنظام يغطي نفسه في الداخل بالعلمانية والعروبة فيما يركّز في الخارج، خصوصا في لبنان، على تسليح احزاب مذهبية وطائفية؟

كان طبيعيا وصول النظام السوري الى ما وصل اليه، اي الى ارتكاب مجزرة الحولة. ما نشهده حاليا عملية تطهير عرقي في غاية الخطورة مسرحها حمص والقرى والبلدات المحيطة بها. يترافق ذلك مع محاولات واضحة لإثارة كلّ انواع القلاقل في لبنان مع تركيز على منطقة عكّار ومدينة طرابلس.

ما نشهده حاليا يندرج في التسلسل الطبيعي للامور. كانت هناك حاجة للنظام السوري في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد كي يلعب ادورا معيّنة. من بين هذه الادوار ايجاد توازن مع نظام البعث في العراق حيث كان هناك حاكم لا حدود لطموحاته ولقدرته على الدخول في مغامرات اقلّ ما يمكن ان توصف به انها غير محسوبة النتائج. كذلك، كانت حاجة الى الدور السوري لضبط المسلحين الفلسطينيين وابقاء القيادة الفلسطينية اسيرة الأزقة العربية بدل الانصراف الى تحقيق الهدف الكبير المتمثل في اقامة الدولة المستقلة. ولذلك، كان حافظ الاسد يعتبر القرار الفلسطيني المستقل الذي تمسّك به ياسر عرفات حتى لحظة وفاته مجرد «بدعة».

ارتكب النظام السوري الخطأ القاتل المتمثل في انه حسب انه اصبح لاعبا اقليميا. لم يفرّق يوما بين استخدامه في لعب ادوار اقليمية وبين ان يكون لاعبا اقليميا. لم يستوعب انه كان مسموحا له بلعب لعبة الغاء الآخر عندما كانت هناك حاجة اليه في الاقليم. هذه الحاجة انتهت في مرحلة ما.

لهذا السبب، اضطر الجيش السوري الى الانسحاب من لبنان بعدما انتفض اللبنانيون في وجهه اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في العام 2005. الى الآن، لم يفهم النظام السوري لماذا كان عليه مغادرة لبنان والانصراف الى مشاكله الداخلية التي ليس معروفا لا اين تبدأ ولا اين يمكن ان تنتهي. وهكذا، نراه متمسكا بالحل الامني القائم على فكرة الغاء الآخر. حسنا، ألغى رفيق الحريري، ماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة الوحيدة ان النظام صار اكثر من اي وقت اسير ايران، اكان ذلك في لبنان او داخل سوريا نفسها.

ليس امام النظام السوري سوى الرحيل اليوم قبل غد. ليس بعيدا اليوم الذي لن يجد الذين على رأس النظام ما يطرحونه على انفسهم سوى سؤال واحد: هل الحل اليمني لا يزال متاحا ام لا؟ الاكيد ان الخيار اليمني لا يعود خيارا لدى الايغال في لعبة سفك الدماء كما هو حاصل حاليا في حمص والمناطق القريبة منها. الاكيد اكثر من ذلك، ان استبعاد الخيار اليمني لا يبقي سوى خيار آخر هو مزيد من التباعد والتنافر والحروب بين الطوائف والمذاهب والمناطق السورية...

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الرئيس الرمادي! .. يوسف الكويليت

الرياض

4-6-2012

ذكرنا بشار الأسد وهو يلقي خطابه، بالرئيس كاسترو الذي اشتهر بمطولاته التي تجعل الحضور يضطرون للنوم، ومن حضروا وصفقوا سبق لغيره أن نال نفس الاحتفال، وذهبوا بلا رجعة، ولعل التركيز على الإصلاحات، وخروج الشعب بمظاهرت مؤيدة للسلطة، وكيف صوت بحس ديموقراطي للدستور والأحزاب بما في ذلك من يعارضون الدولة، ومما سبب اختلاط الألوان عنده وتحوله من طبيعي إلى رمادي وهي الأشكال السرابية بذهنه تجاه شعبه..

فهو يقول الحوار مع معارضة غير ممثلة من الشعب باطلة، لكن بأي شرعية يكون هو الطرف المفاوض وهو الذي وصل إلى الحكم بالتوريث وسلطة الطائفة، ومغالطات الأسد كثيرة، وأهمها لماذا لم تكن هذه الاصلاحات قبل انفجار الثورة، حتى يكسب شرعيته على الأقل بدوافع ما يفعل، وقد وعد بذلك عندما تولى بدايات الحكم، ولكنه لم يف أو يصل إلى قناعة بهذا العمل..

فقضية أنه حقق لشعبه نظاماً ديموقراطياً تعددياً لا يصدقها إلا من حضروا خطابه، والتنصل عن جرائم القتل بدفاع المستميت الذي يخشى المطاردات الدولية، وهو يعرف أن الإدانات لم تأت لتلاحق إرهابيين من القاعدة، بل جاءت الشواهد بالصور الناطقة، وشهود عائلات ممن قتلوا أو شاهدوا المذابح بأوامر مطلقة من السلطة للجيش وأجهزة الأمن والشبيحة..

فحكاية الإرهاب قال بها من سبقوه في مشهد الثورات العربية، وأهم الأمور أنه جاء متزامناً مع الحكم على الرئيس مبارك، وكأنه يرى صورته في قفص الاتهام مع طواقمه من القتلة، وهذا سبب في خلق الاتهامات والمؤامرات والخطط المبيتة لدولة المقاومة الأولى والممانعة الدائمة، وإذا كان، كما يقول، يكره الدماء، ولا يقبل بها أي إنسان، فماذا يقول عن مذابح حماة التي قادها عمه، وأمر بها والده، وهي من الثوابت في الجرائم الكبرى ضد الإنسانية؟!

من هذا الخطاب ثبت أن الحل السياسي مستحيل، إلا بما يقرره الأسد وحده وهذا أمر يضع دول مجلس الأمن الأعضاء أمام مسؤولياتهم بحماية الشعب الذي أنكر بشار أنه تسبب في جرح أي أصبع إنسان من المواطنين السوريين..

لقد ثبت أن الأسد مازال يعيش في المنطقة الرمادية من شعبه والمجتمع الدولي وهذه مشكلته، لا مشكلة الشعب السوري، الذي خرج أسوة بدول عربية كانت حكوماتها أقل قسوة من تسلسل حكم عائلة الأسد، وانتهوا بفعل ضغط شعب ثائر..

سوريا لم تعط للأسد بصك مفتوح، فهي كيان ثابت مر على تاريخها قتلة وحكومات عادلة، واحتلال واستعمار، لكنها تجاوزت كل أولئك وبقيت الوطن الثابت في جميع المعادلات، والأسد إذا كان يريد أن يعطي دروساً في الأخلاق ومعاييره، وطهارة الحكم وعدله، واعتبار ما ينطق به دستوراً يعمل به كل مواطن مهما علت قيمته المعنوية والثقافية، فإنه خارج زمنه وعصره، ونرجسيته وفوقيته وغروره المتناهي، أدوات تنفيس عن مكنونات صراع داخلي يعيشه ويدرك ما سيؤول إليه..

الشعب يرفض هذه السلطة لأنها بلا شرعية، وأكدت ذلك بالتعديات على حقوقه، واستخدام قانون الدولة البوليسية على شعب يريد حريته مهما دفع من أثمان من دمائه، وقضية انتقاء الكلمات ببلاغة الادعاء الفارغ، بهذا الخطاب تعرية أدبية وسياسية وأخلاقية لرئيس أشاع ثقافة الموت مع سبق الإصرار..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجزرة الحولة... "سربرنيتشا" السورية! .. د. عبدالله خليفة الشايجي

تاريخ النشر: الإثنين 04 يونيو 2012

الاتحاد

في الوقت الذي يستمر فيه نزيف الشعب السوري على أيدي نظامه في ثنائية القمع والدم التي ظلت تصبغ الثورة السورية خلال خمسة عشر شهراً مرت حتى الآن من عمرها، وقد بات كثيرون يخشون أن تتحول تدريجياً إلى حرب أهلية ومذهبية ستكون لها تداعيات على الشأنين السوري والإقليمي المثقلين بالهموم والمخاوف والسيناريوهات المخيفة. في هذه الأثناء يبرز العديد من المتغيرات على خلفية المجازر والتحرك الدولي المتصاعد، وتكثر السيناريوهات والمخاوف مجدداً من تمدد الحالة السورية إلى خارج حدودها كما عبر عن ذلك أكثر من مسؤول وجهة دولية وعربية، وتتزايد المخاوف أيضاً في المنطقة والغرب من احتمال تسرب ترسانة السلاح الكيماوي والبيولوجي التي يملكها النظام السوري، إلى قوى معادية للغرب، بكيفية قد تغير من قواعد اللعبة وتدفع نحو المزيد من المجهول في منطقة دخلت سلفاً مرحلة اللا حسم وعدم الاستقرار.

والراهن أن مجزرة الحولة البشعة التي سقط فيها أكثر من مئة قتيل معظمهم من الأطفال والنساء، تمت تصفيتهم حسب تقارير المراقبين بقصف تمهيدي ثم نحروا بالحراب والسكاكين، قد قادت لإدانة واسعة من المجتمع الدولي الذي تحرك أخيراً بعد خمسة عشر شهراً و13 ألف قتيل، وضمن هذا التحرك تم طرد الدبلوماسيين والسفراء والقائمين بالأعمال في أكثر من 13 دولة أوروبية، وكذلك الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، مما يزيد من عزلة النظام الذي أصبح دولة منبوذة ومحاصرة. وقد كان التنديد بالمجزرة البشعة واسعاً وغاضباً. وزاد الغضب بإعلان النظام السوري نتائج لجنة التحقيق الصورية التي زعم أنه شكلها لهذا الغرض، وقد حمّل بلا أدنى شعور بالخجل "الجماعات الإرهابية المسلحة" مسؤولية قتل وإبادة 108 أشخاص، نصفهم من الأطفال وثلثهم من النساء قصفاً وذبحاً وتنكيلًا. وكان هذا الإخراج فاشلاً طبعاً وغير مؤثر في عصر الانفتاح الإعلامي الذكي والفضائيات واليوتيوب الذي تصل فيه الحقيقة بأكثر من طريقة في وقت وقوعها إلى الجمهور العريض. وقد أدمعت عيوننا وبكينا، ونحن نرى جثث وأشلاء أطفال صغار ممددة أمامنا، ثم نرى الأكفان البيضاء ممددة في مقبرة جماعية لدفن ضحايا مجزرة تشكل وصمة عار في جبين الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

في كل أزمة وفي كل حرب تكون هناك انعطافة وحدث مفصلي يشكل نقطة ولحظة فاصلة تغير المسار وتشكل نقطة اللاعودة في تلك الأزمة أو الحرب. وللتذكير فقط ففي يوليو من عام 1995 قام سفاح صربيا ميلوسوفيتش، وأعوانه كقائد القوات الصربية ميلاديتش، بجمع وإبادة أكثر من 8000 شاب وفتى مسلم في البوسنة في منطقة ضمن المناطق الآمنة كانت تحت حماية قوات حفظ السلام الدولية- الهولندية، التي لم تحرك ساكناً وسمحت لآلة الموت الصربية المجرمة والمتعصبة بقتل ممنهج لآلاف المسلمين في أكبر مجزرة في قلب أوروبا، شكلت وصمة عار وجريمة ضد الإنسانية.

والحال أن تلك المجزرة المؤلمة والبشعة كانت نقطة تحول كبيرة في مسار الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك بعد سنوات من النزيف، وقد أدت إلى إدانة واسعة وتدخل دولي ليُشكل ذلك بداية النهاية لحرب البوسنة والهرسك الدامية، ومحاكمة مرتكبي المجزرة من أمثال ميلاديتش وكارديتش.

واليوم مثلما فشلت الأمم المتحدة سابقاً في حماية المدنيين العزل في البوسنة والهرسك وفي "سربرنتشا" بالتحديد ضمن المناطق الآمنة، فشل أيضاً 300 مراقب دولي في منع وقوع مجزرة الحولة -سربرنيتشا السورية- ومجازر أخرى للأسف. وحتى إقامة مناطق عازلة، وهو مطلب كثير من السوريين وغيرهم، لن تكون آمنة وحدها إذ كانت "سربرنيتشا" مثالًا على عجز القبعات الزرقاء عن حماية المدنيين ومنع إبادتهم.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي وقعت فيه مجزرة الحولة كانت محكمة جرائم الحرب الدولية تصدر حكماً غير مسبوق بسجن "تشارلز تايلور" رئيس جمهورية ليبيريا السابق، لمدة 50 سنة. وذلك لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وتزويده متمردي "الجبهة الثورية المتحدة" في سيراليون في الحرب الأهلية هناك بالسلاح، مقابل استغلال الألماس في تسعينيات القرن الماضي. وهي حرب أدت إلى مقتل 120 ألف شخص.

ومن الواضح أن مجزرة الحولة أيقظت الضمير العالمي، وحركت وحشيتها المجتمع الدولي لينتفض مجدداً مثلما فعلت مجزرة "سربرنيتشا". وفي الأسبوع الماضي نددت دول عربية وغربية بهذه المجزرة، وعبرت عن غضبها بطرد السفراء السوريين وانتقاد الدول الداعمة للنظام السوري، وعبّر المجتمع الدولي كله عن تقززه من تلك المجزرة عن طريق التصريحات التي استمع لها الجميع في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف الذي ندد بقوة بجرائم النظام السوري واصفاً إياها بأنها "جرائم ضد الإنسانية". وفي إدانة واضحة للنظام السوري ندد المجلس، بارتفاع وتيرة القتل وسط استمرار خرق حقوق الإنسان، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وممارسة العنف الجنسي ضد النساء والأطفال. وطالب بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في مجزرة الحولة، والسماح بدخول هذه اللجنة إلى سوريا لإجراء التحقيق والإعلان عن أسماء المسؤولين عن المجزرة، ومن أعطى التعليمات وارتكب تلك الأعمال البشعة.

واليوم تزداد المخاوف، وحتى يعود الحديث عن خيار التدخل العسكري والتحرك لمنع تفجر حرب أهلية في سوريا، وهي حرب لن تبقى تداعياتها مقتصرة عليها، بل ستتمدد إلى جوارها. وقد رأينا إرهاصات ذلك في لبنان مؤخراً، وقد يتكرر ذلك في العراق وغيره من دول الجوار السوري. كما نرى وجود خطر من نوع آخر بدأ الحديث عنه بجدية، وهو القلق من وضع ترسانة السلاح الكيماوي والبيولوجي التي طورها، ويملكها النظام السوري في أكثر من قاعدة وموقع عسكري، خاصة غازي الأنثراكس والسيرين القاتلين. ولذلك نرى وسنشهد المزيد من التحرك والسعي المحموم بقيادة واشنطن والدول الغربية لإقناعه بالموافقة على زيادة عدد المراقبين الدوليين إلى عدة آلاف مراقب مسلح وجلهم من الروس والدول التي ليس لها موقف متشدد من النظام السوري. ولذلك لم يكن مستغرباً مع بدء هذه الحملة التي سرعت مجزرة الحولة من تفعيلها تصريحات المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة سوزان رايس التي وصلت إلى الحديث حتى عن إمكانية العمل خارج الأمم المتحدة للالتفاف على "الفيتو" الروسي- الصيني للتعامل مع الشأن السوري.

وكل يوم يتأكد أكثر صواب قرار دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت أول من انحاز للشعب السوري وتصرف بمسؤولية سبقت حتى الدول الكبرى في سحب الشرعية عن النظام السوري. وكان لافتاً في نهاية الأسبوع الماضي اعتراف المبعوث العربي والدولي كوفي عنان بالإحباط، دون أن يعترف بفشل مبادرته، على رغم مسلسل المجازر، وخرق مبادرته وعدم الالتزام بها.

ومن الواضح أن مجزرة الحولة وتفاقم خرق النظام السوري للأعراف والقيم، وحّدا المجتمع الدولي ضده ما يشكل واقعاً بل نهجاً جديداً، يغير قواعد اللعبة ويحفز المجتمع الدولي ومعه العربي ضد النظام السوري الذي تزداد عزلته وحصاره، وبالتالي يسرع من سقوطه. ولكن للأسف ليس قبل أن يُراق المزيد من الدماء ويُرتكب المزيد من المجازر أمام سمع وبصر المجتمع العربي والدولي!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

توطين الأزمة في سوريا! .. فايز سارة

السفير

4-6-2012

تجاوزت الأزمة في سوريا شهرها الخامس عشر، وهي في ذلك، كانت الاطول والاكثر تكلفة بين ثورات الربيع العربي. غير ان ما سبق لا يبدو المشكلة الاهم في الازمة السورية، لان ثمة تعبيرات تؤشر الى مساع هدفها توطين الازمة، وجعلها تدوم الى أمد بعيد، وهذا ما يمكن أن يخلق بالفعل مشكلة لا يمكن احتمالها ولا حلها، خاصة في ظل التفاعلات الراهنة المحيطة بالازمة ومجرياتها، خصوصاً لجهة الخسائر البشرية والمادية الفادحة، التي تلحق بالسوريين من جراء استمرار المعالجة الأمنية العسكرية التي يتابعها النظام، وما تولّده من تداعيات ونتائج.

ان السبب الرئيس في مساعي توطين الازمة، انما يعود أصلاً الى عدم القدرة على حسم وضعها الحالي، حيث أنها، منذ أشهر طويلة، باتت في مستوى من استقرار القوى، فلا النظام قادر على إخضاع الحراك الشعبي وإعادته الى بيت الطاعة، ولا الحراك الشعبي وصل بقدرته حد إسقاط النظام، وهذه المعادلة في توازناتها الداخلية، وجدت لها رديفاً اقليمياً ودولياً، فصارت الاصطفافات الاقليمية والدولية في السياق الداخلي ذاته من عدم القدرة على حسم الموقف في الازمة السورية، على الرغم من أن حجم وتأثير القوى الداخلة في الصراع متفاوت في ظل حقيقة ان الاكثر عاجز عن المبادرة الى الحسم، والاقل مستمر في ممانعته.

ويأخذ السعي الى توطين الازمة، من فكرة استنزاف الآخر، وتقوية القدرات الذاتية سنداً له، على أمل إجراء متغيرات في موازين القوة، ما يتيح له فرصة تحقيق الغلبة، ومنذ الاشهر الاولى وبعد ان استوعبت السلطات السورية حقيقة ما يجري حولها، وان الحراك الشعبي هدفه إسقاط لنظام وبناء نظام بديل، اتجهت نحو توطين الازمة وإدامتها الى أبعد وقت ممكن، وهو السلوك الذي كثيرا ما تم التعبير عنه بالقول ان السلطات السورية تسعى الى شراء الوقت لتعزيز محاولتها إلحاق الهزيمة بالحراك الشعبي عبر ثلاثة مسارات أساسية.

أول المسارات مواصلة تنفيذ الخطة الامنية العسكرية ضد الحراك وفعالياته الشعبية، بما فيها التظاهرات والاعتصامات وحركة الاحتجاج، وقد اتبعت في ذلك أقصى درجات العنف، بما فيها من قتل وجرح واعتقال وتهجير وتدمير ممتلكات ومصادر عيش، وتجاوز هذا المسار الحراك الشعبي ليصل في ممارسته الى حواضن هذا الحراك وبيئته الاجتماعية، فأصابت الخطة الامنية العسكرية وتوسعاتها مدناً وقرى كاملة، ولم تقتصر على أماكن الحراك وفعالياته ونشطائه.

والمسار الثاني، تمثل في تعزيز القدرات الذاتية للسلطات وأجهزتها، ليس من باب تنمية قدراتها البشرية بضم المزيد الى الجهاز الامني العسكري ورفع قدراته بالأداء فقط، بل بإنشاء قوة من نوع خاص ممسوكة ومضمونة الولاء للنظام ممثلة بمليشيات الشبيحة، إضافة الى تنمية قدرات الأجهزة والمؤسسات من الأسلحة والتجهيزات، التي تتلاءم مع المهمة الوظيفية الجديدة في إخضاع الحراك الشعبي ومنع استمرار فعالياته بكل الاحوال، وقد أدى ذلك في أغلب الاحيان والمواقع الى استخدام مفرط للقوة وغير مبرر بكل المعايير.

واذا كان المساران الاول والثاني قد جسدا الأساس في الخطة الامنية العسكرية للنظام في مواجهة الحراك الشعبي وفعالياته، فقد بدا المسار الثالث متمماً ومكملاً من خلال أخذه الجانب الدعاوي والسياسي للخطة العسكرية - الامنية، وفي هذا الجانب جرى التركيز على ان ما يحدث في سوريا انما هو مؤامرة خارجية تستهدف البلاد، وما يحصل في الداخل هو نشاط تقوم به جماعات إرهابية وأصولية مسلحة مرتبطة بالمؤامرة الخارجية، فيما السلطات تقوم بعملية إصلاح شامل للنظام، وهي تستجيب للمطالب المشروعة، التي تحتاج الى وقت لإنجازها.

ان مساعي السلطات السورية الى توطين الازمة، وجدت لها سنداً في مواقف أنصارها وحلفائها في الداخل، كما في المحيط الاقليمي والدولي من خلال دعم موقف السلطات وسلوكها الامني العسكري، وكان الاهم في ذلك موقف كل من روسيا والصين، وجسده بقوة استخدام الفيتو في مجلس الامن الدولي منعاً لتطوير موقف دولي من شأنه وقف السياسات والممارسات الامنية العسكرية للسلطات السورية في تعاملها مع الازمة القائمة.

غير ان فكرة توطين الازمة، ليست نتيجة مسعى للسلطات السورية ودعماً من حلفائها فحسب، بل انها من الناحية الموضوعية، ناتج طبيعي لسلوك وسياسات خصوم السلطات السورية ممن من يؤخرون معالجة الازمة في سوريا وحسمها، لان ذلك يساهم في توطينها وإطالة عمرها، ولا يكلف السوريين مزيداً من الضحايا والخسائر فحسب، بل يساهم في إدخالهم في نفق يهدد كيانهم ووجودهم، وهذا هو الخطر الاهم في الواقع السوري الراهن.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في سورية: النظام وحدَه حربٌ أهلية دائمة! .. مطاع صفدي

2012-06-03

القدس العربي

في لحظة امتناع الحلول السياسة عن أية نتائج عملية، تنفجر المجزرة، كأنها ثورة مضادة، تقلب معطيات الأزمة رأساً على عقب. ما بعد المجزرة ليست الحرب الأهلية القادمة حتماً، بل ربما هو الحسم صار بمثابة الضرورة القصوى. فقد آن للصراع أن يخرج من حال المراوحة في المكان الواحد لكلا الخصمين: النظام الهمجي والطلائع الشبابية المكافحة ضده في شوارع المدن السورية وأريافها. فالمجزرة ليست حدثاً طارئاً في سلوك النظام القائم أصلاً على قاعدة الأحادية المطلقة للسلطة، والقهر لكل آخر، سواء كان من أتباعها أو معارضيها، فالمجزرة تبدأ أولاً سياسية، بإفقار المجتمع من كافة حقوقه المدنية والطبيعية في آن، بتجريد المواطن من شخصيته المستقلة فكرياً وسلوكياً ومعاشياً، أما المجزرة الدموية فسوف تكون من نصيب كل معارضة منظمة أو عفوية، فردياً أو جماعياً.

لو أُتيح ذات يوم توثيقُ الوقائع اليومية لأنظمة الحكم السائدة في حقبة الاستقلالات الوطنية للدول العربية المعاصرة، لظهرت بينها وحدة تنافسية عجيبة في التزام أساليب القمع، على أن تكون هذه الأساليب محكومة جميعها بنموذج المجزرة الدموية خاصةً باعتبارها النتائج الواقعية لحصيلة القمع ذي الصفة الجماهيرية غالباً. وقد تميز النظام الأسدي عن أنداده في هذا المجال بجرأته اللامحدودة في اقتراف الأهوال بحق خصومه علنياً، ودون خشية من ردود الأفعال، محلياً أو إقليمياً ودولياً، فليس ثمة مقتلة كبرى عرفتها سورية، وبعض محيطها العربي خلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، كانت بعيدة في تخطيطها أو تنفيذها، أو بهما معاً، عن أجهزة الحاكم الدمشقي. وسواء كانت هذه المقتلات نصيب فئاتٍ أو أحزاباً أو مكونات إجتماعية معينة، بما فيها من الفتن والمؤامرات، حتى حدود إشعال الحروب الأهلية وأشباهها، السافرة أو المقنعة.

شعوب لبنان وفلسطين والعراق شهود أحياء، على المآثر الأسدية طيلة أربعين عاماً وأكثر في ظل الثورة الراهنة، حيثما يواجه النظام أصعب أيامه الأخيرة ربما، لم يتبق أمامه أية حدود لاعتبارات عامة، سوى جنون الهلع الهمجي الذي لا مكان بعده لأية غريزة أخرى، تُعقلن شيئاً من البطش أو تحاول حتى التنصل من أعبائه، بل من مفاخره التي تتباهى بإنجازاتها المروّعة وحوشُه الضارية، على رؤوس الأشهاد. لكن الجريمة الكبرى التي يرتكبها نظام البطش الفالت من عقاله ليس فيما يحدثه من المهالك الجمعية وحدها؛ بل بما يفجره أيضاً من غرائز عنف الانتقام والحقد والمرارة لدى قطاعات متزايدة من كتل الناس الآخرين. من هؤلاء المسالمين أو المحايدين أو المتوارين عن ساحات الفعل والانفعال المباشرة. وهي الكتل الأكبر والأوسع من جماهير المجتمع، فقد يكون عقل السلطة موغلاً في تبني شريعة الغاب إلى الحد الذي يتمنى فيه إشراكَ الجميع في الجريمة. حتى يصبح هؤلاء الجميع مشبوهين بارتكابها، إنه مصمم على تعميم المقتلات بحيث تختلط أسماء فُعلائها بين القتلة والمقتولين، وتضيع كل التصنيفات الحقوقية ما بين جماعاتها.

في ظل (إستراتيجية) تعميم المقتلات لا تعود ثمة ضرورة لاشعال نوع الحرب الأهلية الشاملة، إذ يصبح ما هو مطلوب منها متحققاً عملياً، وهو إغراق المجتمع المدني تدريجياً في نموذج مجتمع الغاب. فلا يتبقى ثمة خطوط فاصلة ما بين كبار الجلادين وضحاياهم، إذ يصير هؤلاء الاخرون مجرد جلادين صغار فحسب. هكذا يمكن للثورة أن تفقد بوصلتها مابين حماتها وأعدائها. تنسحب الأفكارُ العظيمة من ساحات الصراع، وتتهاوى حدود التصنيفات (الأخلاقية) ما بين المتاريس. فالنظام منخرط بكل وعي و(بطولة) في إلغاء كل تمايز فكري أخلاقي مع الثوار. يريد أن يحول بعضهم إن استطاع إلى نوع آخر من الشبيحة، ما أن يحاصرهم في منطقة رد الفعل الغريزي على مقتلاته. لعله بذلك يفاقم من محاولته المستمرة منذ بداية الانتفاضة في عزل الثوار عن الكتلة الجماهيرية الواسعة، غير المشاركة بعد في إيقاع التظاهرات المتلاحقة.

لكن الثورة تخوض كفاح النمو والانتشار، والنظام يصارع للبقاء والاستمرار. والثورة هي أفكار وانفعالات ومواقف، والنظام هو وحش مستبد ممسك بخناق الدولة والمجتمع معاً. فليس ثمة تعادل أو توازن ما بين الطرفين في رصيد التملك من وسائل القوى المادية على الأرض. كل امتياز الثورة هي غضبتها الإنسانية المشروعة، متوجةً بأبسط الأفكار المشتركة مابين كل بؤساء البشرية المظلومة منذ بداية التاريخ، يختصرها تعبير واحد هو الحق بالحياة الحرة. لكن ليس من غضب ثوري لا يصاحبه عنف ما، مهما تمسّك أصحابُه بفضائل السلم الأهلي. وقد يكون في البداية عنفاً معنوياً تجسده وسائل الاحتجاج المدنية المعروفة من إعلام وتحشيدات جماعية وتظاهرية وإضرابات، لكن حكومات الاستبداد العربي أثبتت أنها لا تشعر بحريتها وأمنها إلا بمقدار ما تحرم شعوبها من أبسط مكتسبات هذين الشرطين، الحرية والأمن معاً.

النظام الأسدي كان السيد المجلّي لهذا الملف. فكان دائماً مطلق الحرية ما فوق الأخلاق والقانون، بقدر ما كانت سورية الشعب والمجتمع مغيّبة سياسياً وثقافياً، وحتى تنموياً حضارياً. لقد قبض الأسد الأب على سورية الحرة، منتزعاً من يديها كل دور قيادي لها إبان لحظات الانعطافات الجيوسياسية والنهضوية التي حَفَلَ بها النصفُ الثاني من القرن العشرين، وخاصة فيما يتعلق بمعظم رهانات التحرر التي انخرطت في ممارستها طلائع أجيال متتابعة، كانت قدمت أعظم التضحيات من أجل أهداف إنسانية بسيطة بالنسبة لكل أمة حية، لكنها أمست أشبه بالمستحيلات في مواجهة العرب لها، لماذا لا يمكن للعرب أن ينهضوا، أن يتحرروا، أن يتحدوا. هل الأجوبة تحتاج إلى تدخّل ثقافة المعجزات. فقد انتهى عصر الجدل العقيم، سياسياً فكرياً وواقعياً، مابين ثقافتيْ الممكنات والمستحيلات، ولم يتبقَّ سوى أطلال الهزائم في كل ميدان، حتى تستمرئ الشعوب أخيراً كونها سجينة أنظمتها، تتقبلها وتتلاءم معها.

إن تحرير سورية اليوم من سجنها الأسدي هو الأصعب في مسيرة الربيع العربي. يصير هذا التحرير بمثابة عقدة الفصل بين ازدهار هذه المسيرة وبلوغها غايةَ التغيير الشاملة للخارطة العربية، أو انحدارها إلى مستوى مستنقعات دموية لمختلف عوامل التدمير الذاتي. ولذلك ليس من السهل أن يتنازل عقل النظام الدولي عن مدى سيطرته شعرة واحدة على هذه العقدة الجيوسياسية الحاسمة. فالانتفاضات الأربع السابقة، وفي ذروتها زعزعة الفرعنة المصرية، لن يُكتب لها الخلاص من تناقضاتها الشعبوية داخلياً، وتحديداً في مصر خاصة، دون أن يدخل العامل الإقليمي الأوسع كمعيار مرجعي كلي لتطورات هذه الانتفاضات مع ظروفها الداخلية المضادة؛ لن يتكون هذا العامل إلا مع تحقق نوع الانقلاب البنيوي لخارطة المشرق العربي، ومن عاصمته دمشق/الشام. فالربيع سيشكو من فقدان التوازن إن ظل الشارع المصري منقطعاً عن الشارع الشامي. إن طال انتظار الأول حتى يطيح الثاني بسُجّانه.

إشكالات ما بعد إسقاط حكّام الأقطار الأربعة أن ثوراتها فاقدة حتى اليوم لهويتها السياسية. إذ يجري إغراقُها في تفاصيل الصراعات السلطوية/الفئوية من دون أية آفاق فاتحة على ما هو كلي وراهني في آن معاً. هذه الحالة المعبأة بكل الاحتمالات لا يعرفها (النظام الدولي) فقط، بل يرعاها ويشجع نموها وتجذّرها مدركاً أن مبدأ التمزيق القطري لم ينفع في إحباط كل تاريخ النهضة المعاصرة فحسب، لكنه يصبح اليوم أكثر من ضرورة استراتيجية لإحباط ربيع الثورات واحدة بعد الأخرى. على أنه ينبغي ألا يفهم من هذا التواصل مجرد التعاون العملي ما بين انتفاضات متفاصلة جغرافياً، لكنها موحدة في جوهرها كمعارضة مشروعة ضد الظلم، وفي مآلها الإنساني والاجتماعي في تحقيق الحرية والعدالة. فتلك هي سيرورة عامة تشترك فيها معظم ثورات التاريخ على مظالم الناس ضد بعضهم؛ وتبرز خاصة عبر أركيولوجيا الدولة الحديثة. لكن ما يضفي على إنجازات 'الربيع العربي' معالمَه الذاتية المختلفة هو كونه ثورة (أمة) كاملة على ظروفها (القومية) العامة، متحققة من خلال أقطارها المجزأة، في نوع من إيقاع التناغم الاجتماعي العابر للحدود المصطنعة، من حيث تشابه ظروف الأقطار المتحركة، في خطوطها العامة، مع التنوع في تفاصيلها المباشرة؛ فالاستغراق في هذه التفاصيل قد يحرم الثورة من غذائها المعنوي الكبير، يجرُّها من شرطها البنيوي التاريخي؛ يُبعثر دَفَقَها الحيوي تحت وطأة الصدف الحَدَثية في أصغر ساحات الصراع اليومي المفتوحة سواء ضد عدوها السلطوي، أو تلك المتناسلة مابين مكوناتها أو شراذمها البشرية إزاء مصالحها الآنية. وقد يتغلّب هذا الصنف من نوازع الأنانية والتسلّط الذي هو من الدرجة الثانية، ليصبح من بين المحركات الأولى لما كان فعالية ثورية خالصة، منتهياً إلى مجرد حراك سياسوي عرضي وعابر لفئات وتشكيلات لا حصر لها. بيد أنه قد يطيح من جديد بدورة نهضوية كاملة، لمستقبل أمة فاشلة.

هذا المصير الكالح لا ينتظره أعداء الربيع دون حراك، إنهم ناشطون في إنتاجه وفي التعجيل بأحداثه. ولعل الجهد الأعظم في هذا السياق إنما يتناول ثورتيْ المحور النهضوي العربي ما بين مصر والشام؛ في استنزاف الأولى سياسياً، والثانية عسكرياً وكيانياً معاً. في القاهرة تحاول العسكرتاريا الحاكمة منذ عقود، أن تجعل المرحلة الانتقالية نحو سلطة الثورة، ترتدّ على أعقابها، كأنها تريد حصار الثورة في حدود تيار ما من بين تيارات أخرى كثيرة يتوزّع بينها شعب الناخبين، وذلك ما أن تصبح رئاسة مصر خياراً بين استبداديْن: عسكري قديم، وشعبوي ديني؛ لكن ثورة مصر ليست تياراً ولا حزباً، لا يمكن عزلُها أو حصارُها. وإلا فإن تحريف هذه العملية الرئاسية سوف يعيد وضع كل من السلطة والمجتمع في غالبيته، على طرفيْ استقطاب حديّ رأسيّ، لا يعيد إنتاج العصر الفرعوني البائد وحده، بل مضافاً إليه انقسام المجتمع أفقياً كتلوياً كذلك بين قبائل الشعبويات الدينية وتيارات الحداثة التقليدية والمستجدة.

لكنه هو الانقسام الذي تأمل العسكرتاريا من تجديده قلْبَ وجهة الصراع العمودية ضدها، الصاعدة من قاعدة المجتمع، إلى وجهة أفقية عرضانية تشقّ وحدة الثورة، وتُشغلها عنها إلى مرحلة مستقبلية ريثما تموت زهور 'الربيع'، ويبقى تمثال (أبو الهول) شاخصاً إلى آفاق الصحراء كماكان دائماً منذ الأزل.

ما يكسر شيئاً من سواد هذه اللوحة هي الفكرة الفلسفية القائلة أن خيار التاريخ قد يكون هو الأقوى من 'مؤامرات' البشر. ليس هذا تفاؤلاً غيبياً، بل قد تبلوره لغةٌ استراتيجية، وحتى أنها واقعية مادية، تثبت على الأقل هذا الحد الأدنى من يقين ساذج لكنه صادق مع نفسه، وتعرفه بعض الشعوب الواعية في لحظات التحولات المصيرية. يقول أن خارطة العالم العربي، مع الثورة أو بعدها، منهزمةً أو منتصرةً، لن تبقى كما كانت قبلها. هذه الحكمة ليست عقيمة ومكرورة، إن لها حاملاً ملؤه الحيوية والقوة الجديدة، في هذه المنطقة من عالم اليوم. إنهم شباب العرب الذين يكافحون شيخوخة الأمة: يولدون أحراراً طلقاء، كأنهم مصنوعون فقط من لُبُنات أفكارهم وسواعدهم. هؤلاء مبدعو التغيير، وهم الأولى برقابته وحراسته. وكل انحراف أو تحريف وطني أو مدسوس، سوف يلقى تقويمه العاجل. وإلا لن يكون هناك طبيعةٌ أو تاريخ ، والدليل الأقوى؛ من كان يتوقع ربيعاً ما ينفجر فوق صحارى العرب..!

' مفكر عربي مقيم في باريس

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سيناريوات سورية  .. ناصيف حتي *

الإثنين ٤ يونيو ٢٠١٢

الحياة

لا توجد دولة في الشرق الأوسط تشابه سورية من حيث عناصر التفجير والتعقيد، حين تلتقي المعطيات الخارجية، معطيات الجغرافيا السياسية والموقع الاستراتيجي الجاذب والدور القائم والمحتمل، ومعطيات البنية المجتمعية حيث الموزاييك السوري الذي هو مصدر غنى عادة وكما كان دائماً ويصبح مصدر جاذب وأساسي في صنع التفجر الداخلي في زمن احياء الهويات الأصلية وهي حالة عربية وشرق اوسطية وليست سورية فقط، إحياء العقائد والهويات الدينية والمذهبية والاثنية على حساب الهويات الوطنية والقومية وذلك بسبب غياب مفهوم المواطنة الذي ليس هو مجرد عنوان او شعار بل هو وضع قانوني ومناخ ثقافي سياسي واجتماعي. وهذا الغياب ايضاً حالة منتشرة في العالم العربي بدرجات مختلفة. خاصية الوضع السوري في تعقيداته وفي صعوبة اخراج سورية من مأساتها الحالية تكمن في التداخل والتفاعل المتفجر والذي يزيد الأمور تعقيداً بين مختلف هذه المعطيات.

في ظل انسداد الأفق السياسي وغياب احتمالات واقعية في المدى المنظور لإخراج سورية من ازمتها الدامية وحيث تبدو مهمة المبعوث الأممي العربي المشترك كوفي عنان مجرد هدنة ديبلوماسية تعفي الكل الخارجي من ان يقف في الواجهة بحثاً عن مخرج وتختبئ بالتالي الأطراف الخارجية وراء مهمة كوفي عنان الى ان تستطيع تحسين اوراقها في الصراع او تغيير مواقف الطرف الخارجي الآخر، في ظل هذا الوضع تتجه سورية الى واحد من سيناريوات خمسة:

أولاً، ادارة الاهتراء والتفكك والمواكبة الديبلوماسية لمحاصرة الحريق دون نجاح كبير وليس بالطبع لإطفاءه وتجفيف مصادره وتدخل سورية في ما يعرف بالصراع الاجتماعي الممتد ذات الدرجات المختلفة من العنف حيث تصبح هنالك مناطق مهما صغرت او اوقات مهما قصرت تكون خارج سيطرة السلطة فتتآكل مؤسسات الدولة، والدولة عادة اضعف من النظام في هذه الحالات ويصبح مسار الصراع العنفي المسلح بأنواعه المختلفة هو الحاكم والناظم للساحة السورية دون أي افق سياسي سلمي واضح.

ثانياً، الأفغنة التي تذكر بالصراع ضد نظام نجيب الله في افغانستان فمع استمرار العنف كوسيلة وحيدة لتسوية الأزمة وغياب أي افق سياسي للحل يزداد خطاب الثورة راديكالية ويزداد سلوكها عنفاً او تحديداً تزداد قوة الأطراف التي تؤمن بالحل العسكري العنفي كرد على سياسة العنف الرسمية وفي اطار خط الزلازل المذهبي الذي استقر بقوة في المنطقة والتي تقع سورية في قلبه تصبح الساحة السورية جاذبة ومحرضة للجهادية القتالية الدولية وقد شهدنا بعض ارهاصاتها. ويعد هذا السيناريو فيما لو استقر بقيام افغانستان عربية في قلب المشرق.

ثالثاً، العرقنة مع سقوط وتفكك السلطة مع الوقت وقيام صراعات داخلية بين الجماعات والمكونات الأصلية ولو تحت عناوين "وطنية" جامعة وجاذبة لكنها تصلح لتعبئة الجماعة ذاتها وليس لإقامة جسور مع الجماعات الأخرى فيصبح التحارب بين الجماعات بأشكال مختلفة هو العنصر الحاكم، فيما تجوف الدولة وتتآكل من الداخل وتشل قدراتها وأدوارها وتتعقد امكانيات ايجاد حل سياسي ذات مشروعية وطنية.

رابعاً، اللبننة او السقوط في حرب اهلية على الطريقة اللبنانية التي قد تنتهي بجذب التداخلات الخارجية القريبة والبعيدة وبلورة نظام على الطريقة اللبنانية نظام الديموقراطية القائمة على التوافقية الطائفية وهو نظام هش وجاذب دائماً للتدخل الخارجي وقد شهدنا كيف تمت لبننة النظام في العراق، فيما نرى سورية تعيش احتمال عرقنة لوضعها.

خامساً، اليمننة او اعتماد النموذج اليمني رغم صعوبات ذلك بسبب الفوارق الأساسية من حيث دور الخارج وقوة النظام في الداخل بين الحالتين السورية واليمنية، ولكن هذا الخيار يفترض مع انسداد الأفق اسقاط السلطة الفعلية برمزها رأس الدولة وبقاء النظام مع تغييرات طفيفة لا تمس جوهره. ولكن يبقى هذا السيناريو هشاً وقابلاً للتحول الى أحد السيناريووات المشار إليها سابقاً.

ان إخراج سورية من محنتها لا يكون برفع سقف الطروحات السياسية والديبلوماسية هنا وهناك وتعزيز منطق الحرب الباردة واستقراره بين الأطراف الخارجية الفاعلة في المسألة السورية، بل يستدعي قبل كل شيء احداث نوع من التوافق او تفاهم الحد الأدنى الخارجي الذي تتبلور على اساسه خريطة طريق تقوم على ادارة ومواكبة عملية التغيير الفعلي والتدريجي وعملية الانتقال في سورية من حالة الحرب الى حالة السلم المجتمعي عبر آلية حوار وطني ذات إطار زمني محدد وجدول اعمال واضح يلتزم به التفاهم الخارجي لإحداث التغيير المطلوب في النظام، والذي هو في نهاية الأمر تغيير تدرجي للنظام يحفظ سورية دولة ومجتمعاً وينقذها من السقوط في دوامة العنف والموت، الذي يشكل خطراً على جميع المعنيين باستقرار المشرق قلب الشرق الأوسط. انه ليس بالحل السحري ولا بالحل المستحيل ودونه صعوبات كبيرة، لكنه يبقى المخرج الوحيد لإنهاء المأساة السورية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لا ندم في دمشق.. ودموع تماسيح في موسكو! .. إياد أبو شقرا

الشرق الاوسط

4-6-2012

«محاولة التحاور مع شخص تخلى عن أي منطق أشبه بإعطاء الدواء لجثة هامدة».

(توماس باين)

ساعة ثقيلة جدا مضت علي يوم أمس وأنا أتابع خطاب الرئيس بشار الأسد في افتتاح أعمال مجلس الشعب السوري الجديد.

لقد تابعت المحاضرة التلقينية الديماغوجية و«التشريحية» بألم وأسى. ومر في بالي أثناء المحاضرة شريط قصة مأساوية حقيقية حصلت في إحدى القرى القصية في جرود جبل لبنان «بطلها» فلاح قتل ابن أخته بفأس إثر خلاف على دخول عنزة يملكها ابن الأخت إلى بستان الخال.

بعد الجريمة البشعة حكم على الخال القاتل بالسجن المؤبد، ولكن ل«حسن السيرة والسلوك» أفرج عنه بعد مرور 15 سنة. وخلال رحلة العودة إلى قريته برفقة عدد من أقاربه عطلت حالة الطقس السيئة مسيرة الحافلة فتوقف مع الأقارب في قرية مجاورة ليبيتوا ليلتهم في بيت بعض المعارف والأهل. وهناك على مائدة العشاء، أمام الموقد، بادر صاحب البيت ضيفه القاتل المفرج عنه بكلمات تجمل وتعاطف، انتهت بالقول كيف أن الشيطان يوسوس للناس فيقودهم إلى ارتكاب خطأ يندمون عليه لاحقا. وتابع أنه يقدر كم يشعر ضيفه بالندم على قتله ابن أخته، ومن ثم، على ضياع 15 سنة من عمره أمضاها خلف القضبان. غير أن القاتل انتفض بغضب بمجرد سماعه هذا الكلام، صارخا «نادم! على ماذا؟! أنا لم أكن على خطأ. لقد هددته بوضوح بأنه إذا سمح للعنزة بدخول البستان فإنني سأقتله، لكنها دخلت! كيف ألام إذن على قتله؟!».

عودة إلى الرئيس الأسد، الفخور بحمله شهادة الدكتوراه في الطب والجراحة - بدليل استشهاداته الطبية الدائمة - يبدو لي أننا أمام اللامنطق نفسه. فالرئيس السوري، لم يتعظ بعد بما حل بزملائه السابقين صدام حسين وزين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح، وطبعا «شريكه» الممانع في «النضال ضد (القاعدة)» معمر القذافي.

إنه مصر على الصورة السرابية التي اختار ترويجها للانتفاضة الشعبية السورية، منذ البداية، يوم كتب أطفال درعا على جدرانها عبارات لم يسامحهم عليها المسؤول الأمني المحلي السيد عاطف نجيب.

بعد 14 شهرا من القتل والخطف والإخفاء والتدمير لم يندم «السيد الرئيس» على شيء. إنه ما زال مقتنعا بأنه جراح يعمل في غرفة عمليات مهمته الاستئصال.. وهنا نحن بصدد استئصال «الإرهاب»!

«استئصال الإرهاب» كان حتى الأمس القريب عبارة تكثر من استخدامها إسرائيل و«القوى الإمبريالية» حسب وصف إعلام الممانعة في دمشق، تماما مثل كلمة «المخربين». وكان «الممانعون» في دمشق يستشيطون غضبا لتعمد واشنطن اعتبار «المقاومة» المشروعة و«النضال ضد الإمبريالية»، «إرهابا». ولكن فجأة هضمت دمشق كلمة «الإرهاب» كما استساغت استخدام كلمة «المخربين».. وصار «الإرهابيون» و«المخربون» العدو الألد لنظام الممانعة غير الممانع والمقاومة غير المقاومة.

ولم يكتف الرئيس الأسد بهذا، بل شاهدنا كم هو حريص على تنصيب معارضة برلمانية «زخرفية» تابعة ومأجورة يستخدمها للتمويه والتضليل حيث تدعو الحاجة. وهذا، مع أنه ما كان مضطرا لفضح بعض هؤلاء من الذين يصفون أنفسهم ب«معارضين» و«تقدميين».

ربما كان أشرف بكثير لبعض الوجوه التي تدعي أنها قيادات لتيارات وأحزاب سياسية «معارضة» - ولو كانت جزءا من ديكور «الجبهة الوطنية التقدمية» البائس - ألا تترشح لدخول مجلس الشعب الجديد جنبا إلى جنب مع «شبيحة» النظام المفضوحين إعلاميا وشعبيا.

كان أفضل لهؤلاء أن يظلوا خارج المجلس لمواصلة جولاتهم الخارجية التضليلية الهادفة إلى إرباك المعارضة والتشكيك بوحدة أهدافها.

ولكن ما العمل مع رئيس ينتمي إلى مدرسة الديكتاتوريات العربية ذاتها.. مدرسة الاجتثاث والاستئصال، واحتكار الوطنية والممانعة، ومناهضة الاستعمار.. وطبعا - على رأس القائمة - مواجهة الطائفية والطائفيين (!) من منطلقات طائفية مضادة؟!

أذكر أنه عندما تولى الرئيس بشار الأسد الحكم قبل 12 سنة، وهذه مدة تعادل ثلاث فترات رئاسية أميركية، سألت صديقا سوريا - رحل الآن عنا - عن شخصية الرئيس الجديد، فأجابني بمرارة «ليس ساذجا كما يظنه الناس، ولا هو ذكي كما يظن نفسه». وبمرور الأيام تأكد لي صدق كلام صديقي - رحمه الله. فهو اختار سياسة المواجهة المباشرة من دون أن يحاول أن يفهم أن الظروف التي ساعدت الأسد الأب على سحق انتفاضة حماه في مطلع عقد الثمانينات تختلف جذريا عن ظروف انتفاضة الشعب السوري في طول البلاد وعرضها اليوم. غير أن خيار المواجهة اليوم، وهنا لا أدري إن كانت كلمة «خيار» دقيقة، يرتبط باعتبارات عدة خدمت المشروع الدموي للنظام. فإسرائيل متحمسة جدا لتدمير النسيج الداخلي لسوريا والمنطقة عبر استقطاب تفجيري طائفي - عرقي لا يبقي ولا يذر. والإدارة الأميركية، التي لا تخرج عادة عن التصور الإسرائيلي العام في ما يخص المنطقة، منشغلة بحملة انتخابات رئاسية لا تريد خلال الأشهر المتبقية منها أن ترتكب هفوات مكلفة. والقيادة الروسية الجديدة - القديمة، بصلفها القيصري الفاقع الذي شاهده العالم في مراسم تنصيب فلاديمير بوتين، ما عادت ترضى بأقل من مقايضة مربحة ما في علاقاتها مع قيادة أميركية عديمة الطعم واللون والرائحة. وإيران، صاحبة المشروع الإقليمي الطموح، تعلمت منذ بعض الوقت أن «الهجوم خير وسائل الدفاع»، وأن مقارعة الخصوم خارج أرضها أفضل لها من مقاومتهم في شوارع مدنها وحقول قراها. وهي اليوم تطبق استراتيجية «شفير الهاوية» هذه بدقة.

الرئيس الأسد، عمليا، لا يريد أن يعترف أنه مجرد بيدق شطرنج صغير في لعبة غدت أكبر منه بكثير. والسؤال الوحيد المطروح هنا هو: هل كان بمقدور الرئيس السوري في أي وقت من الأوقات خلال السنوات الماضية أن يتصرف بصورة مغايرة؟ هل كان «سيد نفسه» حقا على الأقل منذ مطلع عام 2005، الذي اضطرت فيه دمشق لسحب جيشها من لبنان، تاركة الهيمنة عليه لإيران مباشرة؟

حاليا لا خلاف على أن الدور الإيراني ورقة مقايضة ابتزازية لموسكو مع واشنطن، وأن الواقع السوري أيضا ورقة مقايضة إيرانية - روسية مع تل أبيب وواشنطن. كذلك فإن سياسة «الأرض المحروقة» التي اعتمدتها القوات العسكرية للنظام السوري تشكل رسالة من الكتلة المصلحية المتحكمة بنظام دمشق، وامتداداتها اللبنانية، على أن النظام جاهز للذهاب بعيدا في التهديد بالتقسيم عبر التطهير الفئوي والمذهبي.

أخيرا، في بداية الانتفاضة السورية كانت الانتفاضة شعبية وسلمية. ولكن دموية النظام المستقوية ب«الفيتو» الروسي - الصيني أطالت أمدها. والعالم جرب وأدرك أنه في إطالة أمد الانتفاضات الشعبية استدعاء خطير لكل أنواع اللاعبين.

وبالتالي، عندما تذرف موسكو اليوم دموع التماسيح وتحذر من خطر انزلاق سوريا نحو الحرب الأهلية.. فعليها أن تقر، ولو ضمنيا، بأنها وراء تلك الحرب، وأنها مع بكين تتحملان مسؤوليتهما سياسيا وأخلاقيا.. إن بقيت بقية من أخلاق.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خطاب الأسد الإصلاحي! .. منار الرشواني

الغد الاردنية

4-6-2012

بعيداً عن الإنشاء المدرسي الممل، والتنظيري الأجوف على الأغلب، الذي اعتاده مستمعو خطابات بشار الأسد، يظل في خطابه أمس في افتتاح مجلس الشعب السوري "الجديد"، ما يلفت النظر، شكلاً ومضموناً.

في الشكل، يحسب للرئيس السوري تماسكه، بل وحتى تلعثمه، خلافاً لخطابات سبقت توزعت فيها إشارات الثقة بقهر الشعب بين القهقهة والضحك المجلجل والابتسام، رغم تصاعد أعداد الضحايا السوريين. وهي الرصانة التي قابلها مجلس الشعب بتصفيق خضع لمعايير "الترشيد" الذي يليق بكونه "مجلساً إصلاحياً" بخلاف مجالس التصفيق الهستيري السابقة!

أما في المضمون؛ فعلى قلّتها، تبرز أفكار يفترض أنها تستحق التأمل، وإن فقدت قيمتها سلفاً لأنها جاءت في خطاب عام، وكان الأولى أن تكون حواراً يجريه الرئيس مع ذاته، في سبيل الخروج من الأزمة التي أدخل فيها سورية.

فإذا كان الرئيس قد أغدق في استخدام مصطلح "الدولة" و"الوطن" اللذين لا ينتقمان من الأبناء العصاة "الفوضويين" في أحسن الأحوال، ولا يجوز التفريط بهما، إلا أن الأسد في ذلك لم يكتف بأن أقام تماثلاً تاماً –مكرراً في الواقع- بينه وبين الدولة والوطن، بل وأيضاً بينهما وبين الأجهزة الأمنية التي يصر الرئيس أن كل جرائمها منذ وصول البعث إلى السلطة، ناهيك عن الفظاعات التي ترتكبها منذ اندلاع الثورة السورية، ليست إلا إساءات فردية، لا تستحق التوقف والمحاسبة والمعاقبة!

في هذا السياق، يبدو الأهم في الخطاب احتواؤه على اعتراف بأسباب تدمير الدولة السورية، وبما يستحق وصف "من فمك أدينك"؛ وذلك عندما حذر الأسد من العجز عن رؤية القادم. أفليس العاجز هنا هو النظام السوري الذي أتيحت له الفرصة تلو الأخرى لمراجعة سياساته؛ بدءاً من وراثة بشار السلطة عن والده، ثم اندلاع الربيع العربي، وصولاً إلى اشتعال الانتفاضة في سورية؛ فما كان من هذا النظام إلا أن نظر إلى الماضي الاستبدادي ظاناً أنه صورة المستقبل السوري القادم، منذ الاطمئنان إلى قتل ربيع دمشق إلى اليقين بأن درعا 2011 ليست إلا حماة 1982؟

رغم أنه خطابه الخامس، والأول بعد استكمال منظومة التشريعات الإصلاحية، كما قال، يبقى السؤال المحير: ماذا يريد بشار الأسد فعلاً؟

فهو إذ يقر، في حديثه عن الانتقام، بأن العودة عن الثورة بات أصعب من إطلاقها، بسبب معرفة السوريين لدموية النظام وحقده لأكثر من أربعة عقود، إلا أن الأسد لا يرى في كل مظالم الناس إلا فوضى غير مبررة سببها أن شخصاً أساء له فرد أو موظف! وهو إذ يعلن فتح باب الحوار، إلا أنه يحدده بالمعارضة الوطنية التي تغلق عليها أبواب سجون وأقبية تعذيب، مع آلاف المواطنين الآخرين الذين لا ينقص عددهم إلا بالقتل!

كان الرئيس أولى بخطابه، لو كان صادقاً فعلاً في اجتراح وتقديم حلول فعلية للأزمة. ولعله بتخبطه إنما يعبر عن إدراك بتأخر الوقت جداً للتفكير والتأمل في المسؤولية عن تدمير سورية طوال عقود.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا تحت الفصل السابع  .. رأي الراية

الراية

3-6-2012

وضع المجلس الوزاري للجامعة العربية مجلس الأمن الدولي أمام مسؤولياته وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وكجهة مسؤولة عن حفظ الأمن والسلم الدوليين من خلال مطالبته بعد اجتماعه في الدوحة بتطبيق خطة كوفي عنان عبر اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التطبيق الكامل والفوري لخطة عنان في إطار زمني محدد.

إن دعوة الاجتماع الوزاري العربي إلى ضرورة وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل الاتصالات وقفًا جزئيًا أو كليًا وقطع العلاقات الدبلوماسية تأتي في إطار الضغط على النظام السوري الذي استمر في مسلسل القتل والعنف الذي وصل إلى مستويات كبيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية أبرزها المذبحة التي وقعت في مدينة الحولة بريف حمص والتي ذهب ضحيتها أكثر من مئة قتيل نصفهم من النساء والأطفال.

لقد أكّد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في الكلمة التي افتتح بها اجتماع اللجنة الوزارية العربية الخاصة بسوريا ضرورة قيام المبعوث الدولي العربي إلى سوريا كوفي عنان بوضع إطار زمني لمهمته فلا يعقل استمرار المذابح والقتل في حين تبقى المهمة مستمرة إلى ما لا نهاية.

ان دعوة اللجنة الوزارية العربية لمجلس الأمن لتحمل مسؤولياته في الأزمة السورية لا تعني أن الجامعة العربية قد نفضت يدها من معالجة الأزمة السورية فقد أكّد معالي رئيس الوزراء وزير الخارجية أن الجامعة العربية مستعدة لتحمل مسؤولياتها ومستعدة أيضًا أن تقدم الحلول لكيفية الانتقال السلمي إذا كانت هناك جدية لدى النظام السوري كما لم يستبعد أن تكون هناك دعوة إلى قمة طارئة للجامعة العربية.

لقد كان قبول النظام السوري بخطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان المعروفة بالنقاط الست لذر الرماد في العيون فالنظام لم يلتزم بأي من بنود الخطة الأمر الذي أصبح يهدد باندلاع حرب أهلية طاحنة لن تقف تأثيراتها عند حدود سوريا بل ستمتد إلى دول الجوار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

معطف زهري في «الحولة»  .. زين الشامي

الرأي العام

3-6-2012

من المهن الصعبة اليوم ان تكون سوريا وتعمل في وسيلة إعلام، أي وسيلة إعلام، حيث تنهال عليك صور الموت لشعبك وناسك وأهلك وأقربائك من كل حدب وصوب. من وكالات الانباء، من «اليوتيوب» من «تويتر»... او من خلال صفحات اصدقائك على «الفايسبوك»..

من الصعب والقاسي ان تشاهد فيديو يظهر قريبا لك حملته يوما في حضنك عندما كان صغيرا، ورأيته يذهب للمدرسة عندما صار في السادسة، ورأيته لاحقا يصبح شابا وسيما وقوي البنية... ثم تغيب عنه لداعي السفر أو الهرب من النظام خوفا من الاعتقال لتراه لاحقا بعد سنين في فيديو على «اليوتيوب» غارقا في دمه ومحمولا على الأيدي، شهيدا.

من القاسي والمؤلم ان ترى الشبان في قريتك أو مدينتك، من خلال شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي، يتظاهرون تحت شرفة منزلك المهجور أو يعدون قرب نافذته، فيما انت ممنوع من دخول بلدك أو زيارته والمرور من قرب ذلك المنزل لتهتف مع أولئك الشبان للحرية أو تستشهد مثلهم.

من المؤلم والقاسي أن ترى صديقك الذي درست معه في الجامعة، ولم تره منذ نحو خمسة وعشرين عاما، من المؤلم ان تراه ثانية على «اليوتيوب» وقد غزا بعض الأبيض شعره، يحمل ولده الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاما مضرجا بدمه ويقول باكيا مكسور القلب ومخاطبا الله والعالم: «يا الله..يا عالميا ناس... ما ذنب هذا الطفل حتى يقتلوه بقذيفة؟» صديقي هذا من مدينة تلبيسة في حمص ولم أجرؤ الى اليوم أن أهاتفه معزيا، أما أنا فلدي أيضا طفل عمره اربعة عشر عاما.

من المؤلم جدا ان يأتيك ابنك الآخر، ذو ال17 عاما، بوجه حزين ومتألم وانت في الغربة ويقول لك حرفيا باللغة الانكليزية: «أبي لقد قررت أن أذهب لأقاتل جانب أهلنالقد فكرت طويلا... أنت تحجز لي في الطائرة إلى تركيا، ومن هناك أدخل الى ادلب أو جبل الزاويةثم أنضم للثوار» فيما أنت كأب مطلوب منك أن تطلب منه ان يصبر ويكمل تعليمه لأن في ذلك فائدة اكبر لسورية ولقضية سورية ولأن شعبنا ربما يحتاجه في الخارج الآن وليس كمقاتل هناكتقول له ذلك وتعرف تماما أن الذين قتلوا أو في طريقهم إلى الموت لا يقلون غلاوة عن ابنك، لا بل هم اكثر إيمانا وبطولة وشجاعة وتضحية وحبا. من المؤلم أن ترى فيديو عبر اليوتيوب لمجزرة وقعت في جبل الزاوية في أحد الأودية..وأنت تعلم وتعرف ذلك الوادي تماما وأكلت من شجر الكرز والتين والعنب والرمان المنتشر حوله عندما كنت في زيارة لصديق ما في إحدى تلك القرى المتناثرة هناك ولم تتوقع يوما في حياتك أن تصبح تلك القرى خبرا أو أن تصلها مجرد كاميرا فوتوغراف حتىمن المؤلم ان ترى اهلها الطيبون يموتون قتلا في... مجزرة وتراهم مذبوحين على «اليوتيوب».

من الصعب والقاسي والمؤلم جدا أن تعمل في وسيلة إعلام ما وتشاهد كل صور مجزرة «الحولة» في حمص وموت بعض من أهلك وشعبك، من النساء والأطفال، ومن المؤلم، أو ربما الأكثر ألما، أن ترى طفلة بمعطف زهري اللون، بشعر كستنائي ووجه حنطي، عمرها نحو ثمانية أعوام، تراها مذبوحة.. وان يكون عندك طفلة تملك معطفا زهريا مشابها وشعرا كستنائيا بذات الطول ووجهها حنطي وعمرها ثمانية أعوام .مثل ابنتك تماما.

كم هو مؤلم ان تكون سوريا اليوم. كم هو مؤلم أيها العالم أن تتفرج علينا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«الأطفال» هزموا «بشار» ! .. صيغة الشمري

عكاظ

3-6-2012

الذي حدث من قتل للأطفال في «الحولة» السورية أصاب كل شعوب العالم بالصدمة والحزن عدا النظام الحاكم في سوريا، فهو يرى بأنها تكتيك حربي وخطة من خطط الحرب التي قد تبقيه لأطول وقت ممكن على كرسي الحكم، كل الحروب التي حدثت على مر التاريخ لم تضع قتل الأطفال ضمن خططها أو حتى تفكر بذلك، لم يحدث ذلك منذ خلق أبونا آدم عليه السلام عدا أحداث لاتكاد تذكر كانت تحت مسمى حرب تطهير عرقي، بشار الأسد وزبانيته لايعرفون أنهم بارتكاب مذبحة الأطفال يثبتون للعالم أنهم يقودون حربا للتطهير العرقي وليست حكومة تقود بلدا وتحرص على أمنه، جميع الأعذار التي قالتها الحكومة السورية لتبرير هذه المذبحة النكراء تدينها أكثر من أن تدفع ببراءتها، الحكومة التي لا تستطيع المحافظة على الأرواح البريئة هي حكومة ضعيفة وهشة لا تستحق البقاء يوما واحدا في قيادة دفة بلد مثل سوريا، عرفنا الحكومة السورية منذ عشرات السنين، والتي أحالت البلد إلى بلد استخباراتي يعيش فيه الأخ متوجسا من أخيه، تفعل به الاستخبارات ما يحلو لها دون وازع أو ضمير، هدم المساجد وقتل الأطفال يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن بشار الأسد ما هو إلا ديكتاتوري ومجرم حرب إن لم يجد عقابه على أرض الميدان سيجد نفسه في قفص الاتهام الأممي ومطارد من قبل جميع دول العالم كمجرم حرب، كل الذين يدافعون عن النظام السوري تعرضوا لحرج بالغ بعد مذابح الأطفال في الحولة وبدأوا يخففون من لهجة تضامنهم مع نظام عسكري ديكتاتوري هالك لا محالة، لا يمكن أن يكذب التاريخ، فسقوط الديكتاتوريات حادث لا محالة، لم يستمر حكم ديكتاتوري دون أن يجد نفسه محاصرا بالانهيار والموت، التبريرات التي أطلقتها الحكومة الديكتاتورية في سوريا تدل أنها لا تحترم عقول الناس، ولا تقيم وزنا للضمير، لأنها تعرف تمام المعرفة أنها المسؤولة عن روح كل مواطن سوري، والأطفال الذين استشهدوا في الحولة لن تمر حادثة ذبحهم مرور الكرام، بل إنها قاصمة الظهر لنظام ديكتاتوري لا يقرأ تاريخ الدول الديكتاتورية جيدا ولا يريد أن يعتبر!

Shammriyah76@hotmail.com

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الخطر القادم من سوريا  .. د. صالح بن سبعان

عكاظ

3-6-2012

لطالما أعلنت المملكة منذ وقت مبكر من اندلاع أعمال العنف والقتل العشوائي التي ترتكبها على نحو منهجي آلة البعث العسكرية والأمنية بوحشية بربرية، بأن على المجتمعين الدولي والعربي أن يتخذا موقفا واضحا ومباشرا وفعالاً لوقف هذه المذابح التي يرتكبها نظام فقد شرعيته ضد شعبه الأعزل، لأنه ليس من المنطق ولا من الأخلاق في شيء أن يترك شعب أعزل في مواجهة آلة عسكرية بهذه القوة في العدد والعتاد لتحصده، ولا تفرق في عملياتها الوحشية بين طفل وامرأة وشيخ، ورجال وشباب مدنيين عزل، لا يتسلحون بغير هتافات يبددها الهواء لتتلاشى في الفضاء، إلا أن العالم أصم أذنيه عن نداءات المملكة وظلت مؤسساته تدور في فراغ الحلول التي لا تقود إلى أي مكان... وحين أطلقت المملكة تحذيراتها تلك، فلأنها كانت ترى بوضوح ما الذي ستقود إليه استراتيجية النظام السوري لمواجهة أزمة شرعيته، ولم يكن الأمر ليحتاج إلى ذكاء استثنائي ليعلم الجميع بأن النظام راهن بشكل مبدئي على الحل الأمني، وإنه لا يملك أي مشروع سياسي بديل لأزمته، وفي حال فشله في قمع الثورة بالقتل والتدمير والتشريد، فإنه سيلعب ورقة الفتنة الطائفية في الداخل، ثم لعب هذه الورقة بتوسيع نطاقها في المنطقة، لتشتعل المنطقة بفتنة وبحروب أهلية طائفية في دول الجوار. إلا أن البعض كان يستخف بتحليلات مثل هذه، بينما قفز البعض الآخر، نتيجة لسوء التقدير وخطأ في الحسابات، فافترض بأن شبح الحرب الطائفية كان قائما منذ البدء، ولم يكن ذلك بالضرورة هو الواقع، فالثورة على النظام منذ البدء لم تشتعل بسبب طابعه الطائفي، والثوار لم يثوروا كطائفة سنية ضد الطائفة العلوية، وإنما كانت ثورة شعب يتطلع إلى الحرية والكرامة بعد أن عانى لنصف قرن تقريبا من الديكتاتورية وانتهاك حقوقه الإنسانية... وما يحدث اليوم ما كانت تخشاه وتحذر منه المملكة، فقد انتقل النظام الذي وصف الرئيس الفرنسي رأسه بشار بالقاتل إلى خطوته التالية، وهي تصدير أزمته وإغراق المنطقة في المحرقة الطائفية، مع مؤيديه في روسيا وإيران ولبنان، فبينما تم رصد سفينة روسية يحمل أسلحة إلى سوريا، كشف التلفزيون الألماني يوم الخميس الماضي أن إيران تقوم بشحن الأسلحة والمتفجرات لسوريا ولبنان على متن طائراتها المدنية، بينما حكومة حزب الله في لبنان تغلق الحدود في وجه المدنيين السوريين الهاربين من جحيم الأسد، وتفتحها للطيران السوري ومشاة جيشه وآلياته لمطاردتهم في الأراضي اللبنانية... من الواضح من كل هذه الوقائع المؤكدة والموثقة أن النظام وحلفاءه الطائفيين يتحركون لإشعال نار الفتنة الطائفية ليس في سوريا وحدها وإنما في كل المنطقة، وإذا كان قد تأكد لبعض دول الخليج تدخل الأصابع الإيرانية في الأحداث الطائفية المفتعلة فيها وقبلها في اليمن، فإن البعض لا يستبعد ضلوع هذا الثالوث الطائفي في سوريا وإيران ولبنان في تفجير الكويت الذي استهدف مجمعا تجاريا، إلا أن المؤكد في كل الأحوال أن نار الفتنة الطائفية قد اشتعلت، ولو كان المجتمع الدولي قد أطفأها في سوريا قبل أن يلعب النظام البعثي الورقة الطائفية لكان كفى العالم والمنطقة مخاطر المرحلة الثالثة في استراتيجية النظام السوري الانتحارية التي تهدف إلى هدم المعبد مثلما فعل شمسون على رأس الجميع.

* أكاديمي وكاتب سعودي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا.. التقسيم على أجساد الأطفال  .. د. محمد سلمان العبودي

التاريخ: 03 يونيو 2012

البيان

عندما يتعلق الأمر بذبح الأطفال، فكل الأعذار تصبح مرفوضة أخلاقاً وشرعاً وقانوناً. لا أحد يستطيع التعليق على الديكتاتورية التي ما زالت تمرح وتسرح في أجزاء واسعة من وطننا العربي.

حيث غيّب الإنسان وتحول إلى أداة قص ولزق وتنفيذ لمخططات خارجية صريحة، وقد نصبر على الديكتاتورية أحيانا تحت ظرف من الظروف حتى يتسنى الوقت المناسب لإزالتها، وقد نعجب بالدكتاتور عندما يحارب الكبار ممن يقفون في مواجهته، غير أنه عندما يتحول الصراع إلى ذبح الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد لغرض في نفس فلان ضد فلان فهذه قمة الدناءة وقلة في المروءة.

يا ترى ما الذي يحدث في سوريا التي تحولت إلى ساحة حرب وصراع؟ كيف يجرؤ رجل واحد أو مجموعة من (الرجال) على سفك دماء الأطفال الأبرياء؟ ما هي تلك اللعبة القذرة التي تدور في شوارع ومدن سوريا؟ ويا ترى من هم الأبطال المقنعون الذين أخفوا وجوههم؟ ما هي تلك الخيوط التي تشابكت مصالحها على حساب دم الأطفال العرب والمسلمين النائمين في أحضان أمهاتهم؟

ثم ما هو دور ومسؤولية النظام القائم، وما هو دور المقاومة، وما هو دور جيش سوريا الحر، وما هو دور الولايات المتحدة الأميركية، وما هو دور إسرائيل، وما هو دور فرنسا، وما هو دور بعض البلدان العربية فيما يحدث هناك؟ الكل يلقي بالمسؤولية على الآخر، والكل يقدم الدلائل، والكل يضرب بالأطفال عرض الحائط. وأصبحنا نصدق ولا نصدق. إن الدفاع عن النفس ومحاربة الإجرام لا يعطي الحجة لأي عمل إجرامي آخر من نفس القوة والصنف.

لقد شبع النظام حكماً منذ أكثر من أربعين عاماً، وحان للشعب السوري أن يختار لنفسه نظاما آخر ورئيسا آخر وحكما آخر، وهذا ما سيحدث آجلاً أم عاجلاً. ولكن شريطة ألا يكون على حساب أرواح الأطفال الأبرياء.

قد يكون للدفاع عن النفس مبرر للقتال إلا أن جرجرة الآخر للقيام بأعمال إجرامية يعتبر في أحكام القانون جريمة في حد ذاتها. للقتال أحكام وقوانين ومبادئ ملزمة للطرفين. وإن لم يلتزم بها أي منهما فقد خرج على القانون والمبادئ ويجب محاسبته، حتى ولو كان على حق في غايته. وهذه المبادئ الأساسية نظمها الإسلام منذ بداية الدعوة والتزم بها الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم.

سوريا تواجه اليوم مصيراً مؤكداً لدينا. والمخطط الموضوع لتقسيمها بدأت بشائره تهل من خلال تصريحات الرئيس الفرنسي الجديد. وبدأت طبول الحرب الخارجية تدق في الغرب تحت قيادة الأمم المتحدة مستخدمين شعار إنقاذ المواطن السوري، كما كان تحت شعار إنقاذ الشعب الليبي وقبله العراقي والأفغاني، بعد أن تظاهروا لفترة وجيزة من الزمن بعدم التدخل في الشأن الداخلي السوري.

وكانت مجزرة الحولة التي راح ضحيتها عشرات الأطفال تمثل تلك الشرارة المنتظرة والمخطط لها لبدء الترتيبات اللازمة للمرحلة المقبلة. وقرار طرد الدبلوماسيين بشكل جماعي ما هو إلا بداية الغيث الذي لم ينهمر بعد. وما زلنا نجهل لماذا لم يحزن الغرب بنفس الكم والكيف على آلاف الأطفال الذين أبيدوا بدم بارد في جنوب لبنان على يد الجيش الإسرائيلي.

ولا على أطفال غزة الذين أحرقوا كالألعاب النارية على يد الطائرات الحربية الإسرائيلية، ولا على أطفال العراق وأفغانستان الذين لم يحظوا حتى بتنديد الأمم المتحدة. لن يرضى أحد على ما يحصل في سوريا، ولن يجرؤ أحد على تبرير طريقة النظام في البقاء في الحكم، ولا يمكن السكوت على التلاعب بأرواح الأطفال هناك ولا بتمزيق وحدة الشعب السوري من قبل الدول التي تدير سياساتها مجموعة من أصحاب النفوذ الصهيوني، سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو في فرنسا أو بريطانيا.

إن ما يضحك بحق في مأتم الحزن أن يعزي نتانياهو أرواح أطفال مجزرة الحولة!

السوريون مقبلون على مرحلة مخطط لها مسبقاً، وربما يتم تقطيعها كما تقطع أجساد أطفالها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما نتعلمه من مجزرة الحولة  .. المصدر: صحيفة «غارديان» البريطانية

التاريخ: 03 يونيو 2012

البيان

في إطار سرده قصة تغطيته حرب فيتنام لمجلة «إسكواير»، ذكر مؤلف كتاب «رسائل» مايكل هير أنه سأل مدفعياً أميركياً كيف يمكنه إطلاق النار على النساء والأطفال.

فأجاب الرجل: «تلك مسألة سهلة، كل ما في الأمر هو أنك لا تطلق عليهم الكثير من الرصاص». وكانت تلك إجابة وقحة تقشعر لها الأبدان عن سؤال يطرح نفسه في كل صراع: كيف ولماذا يرتكب المسلحون كل تلك الفظائع؟

وفي أعقاب المذبحة التي شهدتها قرية «تلدو» السورية، الواقعة قرب مدينة الحولة، يطرح ذلك السؤال مرة أخرى.

وبعد تغطيتنا لما يزيد على عشر حروب حاولنا خلالها فهم آليات العنف، أدركنا حقيقة مريعة، وهي أن المدفعي الذي سأله هير كان محقاً في رده القاسي.

ولأننا نشعر بالصدمة في مواجهة الوحشية وجرائم الحرب، لاسيما تلك التي تشمل النساء والأطفال، فإننا نميل إلى تغليفها بدراما أخلاقية -أو لا أخلاقية- وإحساس بالهدف غالبا ما يكونان غائبين عن المشهد.

وهذا لا يعني أنه لا ينبغي لنا أن نشمئز من هذه الجرائم، ونطالب بأن يتم تقديم مرتكبيها إلى العدالة. ولكن في هذه الظروف، يقدم الناس على القتل لأنهم يستطيعون ذلك.

ولأنهم يعتقدون أنهم يستطيعون الإفلات من العقاب، ولأن أحداً طلب منهم ذلك وسوغ لهم هذا الفعل، ولأنهم أقنعوا أنفسهم بأن إنسانية ضحاياهم تقل قيمة عن إنسانيتهم.

وفي رواندا، خلال مجزرة ال«إنتراهاموي»، كما كتب فيليب غوريفيتش، مؤلف كتاب «نحيطكم علماً بأننا سنقتل غداً مع عائلاتنا»، فإن العصابات كانت قد أشربت، من خلال إذاعات بث الكراهية، الفكرة القائلة إن ضحاياها كانوا مجرد «صراصير». .

ومع ذلك، فإنه من الخطأ أن نعتقد أنه يمكن إقناع الناس بارتكاب جرائم ضد الانسانية من خلال تعريضهم لخطاب الكراهية لفترة قصيرة.

وفي المجازر التي تحتوي على عنصر طائفي، وهو ما يبدو، للوهلة الأولى على الأقل، أنه كان عنصراً في مجزرة «تلدو»، بغض النظر عما أصدره مسؤولو النظام من أوامر، فإن عملية نزع الإنسانية استغرقت على الأرجح حياة كاملة.

وأوضح بول كونولي، وهو أكاديمي من إيرلندا الشمالية، في دراسة حول المواقف الطائفية أجريت في نهاية «الاضطرابات»، أن هذه العملية تبدأ في سن مبكرة جدا، ويتم تشكيلها من قبل الأسرة والمجتمع والثقافة.

. إذ اكتشف أن الأطفال الكاثوليك، بحلول عامهم الثالث، كانوا أكثر ترجيحا لأن يتخذوا موقفا عدائيا من قوة شرطة تعتبر موالية للبريطانيين بمقدار الضعف مقارنة بأقرانهم البروتستانت.

وبحلول عامهم السادس، كان ثلث الأطفال على صلة وثيقة بمجتمعهم، فيما كان بعضهم يدلي بالفعل بتصريحات طائفية.

. وفي هذه الأنواع من الصراعات، يحمل أولئك الذين يبدون أشد الولاء لجماعتهم وأشرس الكراهية للجماعات الأخرى فائدة خاصة، فهم لا يمثلون القتلة الأكثر قسوة فحسب، نظرا لأن أخلاقية ما يقومون به هي آخر ما يفكرون فيه، .

ولكنهم أيضا غالبا ما يشكلون أمثلة على ما «تتطلبه» ثقافة النزاعات الجديدة من جميع أعضاء الجماعة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مذبحة الحولة ومردود "تكنيس" سفراء الأسد من أوروبا والعالم! .. هوشنك أوسي

المستقبل

3-6-2012

كل العقوبات الأوروبيّة والغربيّة على نظام الأسد، لم تردعه سابقاً عن ارتكاب المزيد من المذابح بحقّ الشعب السوري الأعزل، المطالب بالحريّة والكرامة واسقاط النظام. وكل المبادرات العربيّة والأمميّة، لم تحل دون ازهاق المزيد من أرواح الاطفال والنساء والشيوخ والشباب بآلة الأسد المتوحّشة، التي لم يعد يرقى الى بربريّتها أي تعبيرٍ أو وصف! وليس آخر تلك المذابح، ما ارتكبته كتائب الأسد وشبّيحته في قرية الحولة التابعة لحمص، والتي راح ضحيّتها أكثر من مئة شخص. هذه المذبحة، لقيت ادانة دوليّة واسعة، حالت روسيا مجدداً دون إصدار بيان شديد اللهجة من مجلس الأمن يدين النظام السوري ويحمّله بشكل واضح ومباشر مسؤوليّتها، فتبعتها خطوات أخرى، حيث اتخذت العواصم الأوروبيّة وكندا واستراليا وأميركا، ما كان يجب عليها ان تتخذه، منذ الأشهر الأولى من عمر الثورة السوريّة، وقبل ان يصل عدد الضحايا الى ما يزيد عن 13 الف شهيد، بنيران قوّات الأسد، وذلك بطرد جماعي لسفراء القتل وارهاب النظام، سفراء الأسد، من بلدانها. وبالتأكيد ان هذه الخطوة، ولو انها أتت متأخّرة، سيكون لها مردودها السياسي القوي، على صعيد عزل نظام القتل والدمار في سوريا. كما سيكون لها مردودها المعنوي الذي سيزيد من عزم وحيويّة حركة الاحتجاج، بعد ان أحسّ السوريون بأنهم وحدهم، امام كتائب الاسد وشبّيحته، ما دفعهم لرفع شعار: "يا الله، مالنا غيرك يا الله"، وترديدها في تظاهراتهم.

وفوق كل ما سلف، حملة "تكنيس" سفراء ودبلوماسيي الأسد، هي ردّ على الموقف الروسي - الصيني، المتواطئ مع نظام الأسد ضدّ ثورة الحريّة والكرامة في سورية، وهذا الموقف هو مؤشّر على مضي الغرب نحو فرض فكرة انه؛ يجب على موسكو ان تتجه بشكل جدّي نحو تبنّي ما طرحته واشنطن، من ضرورة تغيير النظام في سوريا وفق السيناريو اليمني.

من الجانب الآخر، ربما يكون الموقف الأوروبي _ الأميركي _ الغربي، هو ورقة الضغط الأخيرة، لإجبار نظام الأسد على تطبيق خطّة كوفي أنان. وان هذه الضغوط السياسيّة والدبلوماسيّة، على دمشق وحلفائها، والأقليميين والدوليين، هي النتيجة الطبيعيّة لحزمة العقوبات الاقتصاديّة التي تمّ فرضها على نظام الأسد.

اللافت، ان الدول الأوروبيّة وأميركا وكندا واستراليا، سبقت تركيا في طرد سفراء الأسد، وخطفت من أنقرة بريق هذا الموقف الذي كان متوقّعاً ان تتخذه تركيا منذ أمد! وماا لبثت أن لحقت أنقرة بالمجموعة الدولية، وطردت القائم بالأعمال السوري، وربما تتخذ خطوات أخرى، تعيدها الى موقعها ودورها البارز في ما يجري في سوريا.

بتقديري، ان حجم الضغوطات على نظام الأسد، ستزداد، وأزمة النظام الاقتصاديّة والسياسيّة، ستتافقم. وان ذلك، يجب ان يعطي دفعاً للمعارضة السوريّة، بحيث تضعها امام مسؤوليّاتها التاريخيّة والملحّة، عبر تجاوزها لحالة التخبّط والتشتت والانقسام العبثي.

ربما لم يكن النظام السوري، يتوقّع حجم ردود الأفعال الدوليّة على مجزرة الحولة، قياساً على التغطية الروسيّة _ الصينيّة عليه، إلاّ ان المجتمع الدولي، أكّد أنه لن يعدم الوسائل التي يمكنه عبرها، رفع المظلّة الروسيّة _ الصينيّة عن نظام الأسد. وان الأمور، لن تبقى جارية في اطار لعبة استنزاف الزمن، وروتينيّة التعاطي الدولي مع الثورة السوريّة، (ريثما يجهز النظام على الحركة الاحتجاجية السلميّة والعسكريّة ضدّه)، الى ما لا نهاية. وبالتالي، قطار محاسبة نظام الأسد، انطلق، وستزداد سرعته في الأيّام المقبلة. ومعه، ستزداد وحشيّة النظام ودمويّته، محليّاً وربما إقليميّاً، وصولاً للحظة السقوط المدوّي. ما يفتح قوساً امام مصير بشّار الأسد، أمّا ان يواجه مصير القذّافي، ويُقتل وهو يحاول الهرب. أو يلقى القبض عليه كصدّام حسين، وتتم محاكمته ويعدم. أو ينجح في الهرب الى طهران. وبذلك، تكون ايران، قد غرست في أحشائها لغماً جديداً، في مواجهة العرب وسورية والمجتمع الدولي، اضافة الى ملفها النووي ومشاريعها التوسّعيّة.

غالب الظنّ ان الشعب السوري والقوى الثوريّة على الأرض، مضافاً إليها كل كتل المعارضة، لن تقبل بالسيناريو اليمني في سوريا، لجهة عدم الاكتفاء بتنحّي الأسد وطاقمه الحاكم، بل التأكيد والتشديد القطعي على ضرورة سوقهم للقضاء الدولي ومحاكمتهم كمجرمي حرب. ذلك ان الأسد، ذهب أبعد مما ذهب علي عبدالله صالح في اليمن، لجهة ارتكاب المجازر والمذابح، وممارسة إرهاب الدولة وسياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعيّة ضدّ حركة الاحتجاج المطالبة بإسقاطه. والأسد نفسه، يعي حقيقة ان الشعب السوري، والمعارضة السوريّة، لن يكتفيا بتنحّيه، وان الأمور لن تقف عند هذا الحدّ، بل سيتعدّاها الى مثوله امام محاكم جرائم الحرب الدوليّة. وكل جهود النظام السوري الآن، مركّزة على حيثيّة عدم وصول موسكو وواشنطن وبكين وباقي العواصم الأوروبيّة الى صفقة تضمن اقتسام النفوذ في سورية مابعد الأسد، بما يضمن مصالح الكلّ. الى جانب سعي النظام السوري، تصدير أزمته الى الخارج، عبر استهداف لبنان وتوتير الأجواء السياسيّة والشعبيّة والاعلاميّة فيه وصولاً للدفع بالحال اللبنانيّة نحو الانفجار.

أيّاً يكن من أمر، فإن سوريّة والمنطقة برمّتها، تقتربان من طيّ صفحة الطاغوت السوري، رغم ارتفاع الكلفة وارتفاع منسوب أنهار الدم التي تجري على أرض الشام.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إنقاذ الشعب السوري من نظامه الدموي مسؤولية العرب أولاً  .. خالد الحروب *

الأحد ٣ يونيو ٢٠١٢

الحياة

النظام الدموي في دمشق يُدخل سورية والشعب السوري (وربما لبنان والجوار العربي برمته) في نفق مظلم لا يعلم احد نهايته أو كيفية الخروج منه. الشبق المرضي في التمسك بالكرسي الذي يظهره النظام بشكل مذهل يعني جلب المزيد من الدمار الشامل على الجميع. والشيء المُدهش بعد كل الحريق الذي اشعله النظام، وبعد كل الدم الذي أراقه، والقتل الذي نشره في أرجاء سورية هو اعتقاده بإمكانية البقاء في الحكم وكأن شيئاً لم يكن. كيف يمكن لعاقل أن يتصور قبول الشعب السوري ببقاء النظام بعد كل جردة الحساب الاجتثاثي الذي راكمه حتى الآن ولم ينته منه بعد؟ لكن، وكما هو مُدرك عموماً، يعتاش النظام في هذه اللحظة السياسية على ما وفرته ظروف إقليمية ودولية غير عادية وربما شاذة من انسداد في وجه أي تدخل يوقف الآلة القمعية الأمنية الأسدية، واستراتيجيته القمعية والإبادية تستهدف توسيع هذه اللحظة وإطالة فترتها الزمنية بهدف السيطرة على الأمور والقضاء على الثورة. حتى الآن ينجح في زيادة القمع، لكن تتصاعد وتائر الثورة بنجاح أيضاً ورغم كل ذلك القمع المتزايد.

في ظل الانسداد العام الذي ينكشف أمامه عجز الأمم المتحدة والجامعة العربية وكل الحلول السياسية التي تُطرح لا يبدو في الأفق أي نشاط حقيقي سوى إراقة المزيد من الدم على يد حكام دمشق. في كل يوم تتفاقم المجازر التي ترتكبها مليشيات النظام بشكل يفوق الوصف، وكل مجزرة جديدة تتفوق على ما سبقها في الوحشية ومقدار الولوغ في الدم. تفاصيل ذبح الأطفال والناس الأبرياء في الحولة تقشعر لها الأبدان، وقصص الاغتصاب المتواترة، وتقطيع الأجساد، والتفنن في التعذيب والنحر، تشير إلى أن نظام دمشق تحول إلى عصابة من المجرمين الذين اعلنوا استعدادهم لإبادة الأخضر واليابس في بلدهم، وقتل أي كان وبأي أعداد كانت مقابل البقاء في كرسي الحكم. الثورة السورية وبتضحيات شبابها وشاباتها وكل شرائح المجتمع المنخرطة فيها بطولية بكل ما في الكلمة من معنى، واستمرارها وعنفوانها المستمر ينتزعان الإعجاب والتبجيل لأبعد الحدود. يتوازى مع ذلك توتر النظام وانكفاؤه الفئوي وخسائره الديبلوماسية الخارجية وخشيته من النهاية المحتومة. رغم ذلك، رغم استمرار الثورة وهشاشة النظام، إلا أن تلك اللحظة السياسية اللئيمة بظروفها الدولية، وبخاصة الحامل المركزي لها وهو الانحطاط الأخلاقي والسياسي الروسي الحامي للنظام والمدافع عنه، منحت النظام حظوظاً فريدة للاستمرار في السلطة على أجساد ألوف الشهداء وللاستمرار في المجازر اكثر من عام حتى الآن.

هل هناك من جديد وهل يمكن أن يتبدل الوضع، ويتم تسريع سقوط النظام وتغييره وتقليل الدمار الموازي لذلك السقوط المحتوم؟ الصورة العامة تبدو كما هي: عجز عربي وإقليمي، دعم عربي وخليجي خجول للثورة والجيش الحر، دعم إيراني/عراقي عسكري وأمني ومالي وقح وغير خجول للنظام الدموي، شلل أممي عن القيام بأي خطوة جدية من شأنها كبح توحش النظام، مبادرات أمم متحدة ومراقبين لا معنى حقيقي لها سوى الادعاء بأن «جهداً ما يُبذل»، تعنت روسي وعجرفة متصاعدة يريد بوتين من خلالهما إثبات نفسه أمام العالم والغرب، التحاق صيني بالموقف الروسي، غياب شبه تام للجامعة العربية. أوسع من ذلك وبعيداً عن الملف السوري نفسه، ثمة أبعاد أخرى للصورة العامة تعزز من احتمالات استمرار الانسداد وعدم القدرة على الفعل الخارجي. فمن أميركا المنشغلة بحملات الرئاسة، إلى أوروبا الغارقة في الأزمة الاقتصادية وأزمة إنقاذ اليورو، إلى تكبيل مجلس الأمن بالفيتو الروسي والصيني. في ظل تفاصيل هذا المشهد الخارجي شبه المقفل، يستفرد النظام بالمشهد الداخلي ويضاعف من مستوى ودرجة ونطاق البطش ونوعيته وعمقه وطائفيته. يعلم سدنة النظام أن كل جريمة يرتكبونها تُسجل بالصوت والصورة، ومع ذلك يبدون غير مكترثين بكل ذلك بسبب شعورهم بقوة الإسناد الروسي وما يسببه من لجم لأي فعل أو إجراء على مستوى أممي. كيف الخروج إذن من المأزق، وكيف يمكن حماية الشعب السوري الأعزل من حمم الجحيم التي يدكه بها النظام؟

إذا بقي الانسداد القائم على حاله ووتيرة إجرام النظام على حالها، والتي في الغالب سوف تتصاعد مع تصاعد احتمالات سقوطه، فلن يبقى أمام المجتمع الدولي إلا التحرك خارج طار مجلس الأمن، لتجاوز العقدة الروسية/الصينية. لن يتحمل الرأي العام العربي ولا العالمي استمرار المجازر وبقاء الأفق مفتوحاً للنظام ليمارس ما يريد، وسوف يصبح من الضروري والإنساني التدخل بشكل أو بآخر. قد يأخذ هذا التدخل اقل الصيغ التدخلية مثل إقامة مناطق آمنة على الحدود مع تركيا أو شمال لبنان مع حظر للطيران، وربما يصل إلى صيغ اكثر صرامة مثل تبني قصف جوي يحد من حركة الكتائب العسكرية المؤيدة للنظام والتي تشكل عموده الفقري وذراعه الوحشية في قمع الثورة. لكن لا احد يتحدث عن تدخل عسكري بري، كتكرار لتجربة التدخل في ليبيا والتي اقتصرت على القصف الجوي.

وقبل اللجوء إلى أي شكل من أشكال التدخل المتوقع هذا فإن المطلوب من المعارضة السورية والجامعة العربية أن تعملان على احتواء مضاعفاته السياسية اللاحقة بخاصة في خضم الكم الهائل من الشعارات التي ترددها الجهات المؤيدة لنظام الأسد وادعاءاتها بالقومية واليسارية والوطنية. سوف يتم تصوير أي تدخل عسكري لحماية الشعب السوري من النظام المنفلت من أية قيم إنسانية أو عربية أو إسلامية على أساس انه تدخل إمبريالي لخدمة إسرائيل. وسوف يتم تدوير هذه الأسطوانة ألوف المرات وكأن نظام الأسد كان يخوض الحرب تلو الأخرى ضد إسرائيل، وكأننا جميعاً لم نشهد «بطولات» الجيش الأسدي ضد السوريين العزل ولم نشهدها في الجولان أو غيرها من الأرض العربية على مدار عقود أربعة مرت.

على ذلك مطلوب من الجامعة العربية الآن أن تعيد إمساك زمام المبادرة وتقوم بتفعيل دورها من جديد وتسرع من الحراك السياسي الإقليمي والدولي، وتضغط الفترات الزمنية وجداول الوقت الموسع التي تُعطى للنظام في دمشق. وأن تقوم بذلك تحت شعار ومبدأ حماية الشعب السوري الآن وقبل الغد، وتحت شعار انه ليس هناك أية شرعية لنظام يقوم بإبادة شعبه بشكل ممنهج ومن دون أي تردد. أي تدخل خارجي عسكري أو غير عسكري، وبخاصة إن كان خارج إطار الأمم المتحدة، يجب أن تدعو إليه وتقوده الجامعة العربية عن قناعة وفاعلية وليس لتقديم غطاء إقليمي وعربي لقرار دولي. الجامعة العربية ممثلة للعرب في غالبيتهم، ما عدا حلفاء إيران، هم مع الشعب السوري قلباً وقالباً وينتظرون اللحظة التي يسقط فيها النظام الدموي. لهذا فإن الجامعة العربية والعرب يجب أن يكونوا اقل انشغالاً وقلقاً من العالم والإعلام العالمي والأطراف الدولية المختلفة. بقاء الجامعة العربية في مقدمة قيادة الحراك السياسي والديبلوماسي والعسكري في كل ما خص الملف السوري مسألة في غاية الأهمية من ناحية سياسية راهنة ومستقبلية متعلقة بشكل النظام السياسي الذي سيخلف نظام الأسد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المخاوف السورية: معظمها يغيب عندما يسكت السلاح! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

3-6-2012

مع مرور الوقت تتزايد المخاوف حول سوريا ومستقبلها، وذلك بخلاف ما كانت عليه التقديرات في بداية ثورة السوريين في أواسط مارس (آذار) 2011، حيث لم تكن هناك مخاوف تذكر، لأن مسار الثورة المحتمل، كان قريب النتيجة بحصول التغيير، وهتافات المتظاهرين السوريين، كانت تركز على سلمية الثورة، ووحدة السوريين وتضامنهم في الحاضر ومن أجل المستقبل. ومن الناحية العملية، فقد تشارك منتمون إلى مختلف تكوينات الجماعة الوطنية في حركة التظاهر والاحتجاج التي شهدتها المدن والقرى السورية حينذاك، واكتسبت تلك المشاركة طابعا احتفاليا إلى جانب مضمونها التشاركي، ووسط تلك الأجواء، كانت المخاوف أقل، بل إن معظم المخاوف الظاهرة اليوم، لم تكن مطروحة، ولا بيئتها كانت حاضرة أصلا.

بعد خمسة عشر شهرا، تبدو الصورة، وكأنها تغيرت. إذ ثمة مخاوف كثيرة، وبغض النظر عن جدية وأهمية هذه المخاوف، فإنها موجودة في داخل سوريا، كما في خارجها، وهي مخاوف عند الأفراد والجماعات وموجودة لدى الهيئات والدول، وقد غدا بعض هذه المخاوف أساسا معلنا في رسم مواقف البعض، والأساس الذي تقوم عليه بعض السياسات إزاء الأوضاع القائمة في سوريا واحتمالات تطورها.

ولعل من المهم الإشارة، إلى أن بعض المخاوف، يستند إلى معطيات ووقائع، وبعضها يعود إلى تقديرات ومقارنات، وقد تختلط المستندات، لكنها جميعا تعود أيضا إلى طول فترة الصراع في البلاد ومجرياتها، وما أثارته من عوامل قلق جسدت بيئة، تنامت فيها المخاوف، وخصوصا لدى الأطراف المترددة، والتي لا تملك أساسا متينا، تقوم عليه نظرتها ومواقفها حيال الأوضاع وما يمكن أن تتطور إليه.

إن من الصعب حصر المخاوف المطروحة حول سوريا، بل إن تلك المخاوف متداخلة ومعقدة، لكن ما سبق لا يمنع من إشارات إلى بعضها، ولعل أبرزها، هو الخوف من عسكرة الصراع، بحيث يتم تسليح وتنظيم سوريين ضد سوريين بعد تسعير نار العنف، وإدخالهم في مجاري حرب أهلية، تعم المناطق السورية أو أغلبها، فتجعل السوريين في مواجهة بعضهم بعضا طوائف وأديانا وجماعات من أصول قومية، تندرج جميعها في إطار الجماعة الوطنية.

كما أن بين المخاوف، أن تقود الصراعات المسلحة وغيرها إلى سيادة الفوضى وتدمير الدولة، وانتشار الجماعات المسلحة وأمراء الحرب الذين سيتوزعون طبقا لتوازنات القوى التي سيشكلها الصراع على الأرض والتوازنات الإقليمية والدولية في علاقاتها مع الداخل السوري بما فيه من تفرعات وتكتلات.

وبين المخاوف الماثلة في سوريا، ما يحيط بوجود الجماعات الإسلامية الأصولية والمسلحة، وما يمكن أن تشكله من حجم ووزن في البلاد ووسط سكانها، الأمر الذي من شأنه أن يحدث تغييرا جوهريا في الحياة السورية بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد يكون من شأنه إعادة طرح الأسس التي تقوم على أساسها الدولة والمجتمع، طبقا لمعتقدات وتوجهات وممارسات تلك الجماعات على نحو ما حصل في بلدان عربية وإسلامية من بينها العراق وأفغانستان وغيرهما.

ورغم أن المخاوف حالة مشروعة، وتستحق الاهتمام، فإن ذلك لا يعني أن كل المخاوف المثارة جدية، وأنها تستحق ذات القدر من الاهتمام خاصة لجهة البناء عليها، لكن الفطنة السياسية، تفترض الانتباه إلى كل المخاوف، ثم القيام بترتيب تلك المخاوف ووضعها في سياق من الأهمية والخطورة، والتعامل معها طبقا لذلك، مما يمنع تجاهل أو تقليل أهمية المخاوف، أو الذهاب نحو المبالغة في حجم تأثيرها، مما قد يحول بعضها في الحالتين إلى أسباب في كوارث غير محسوبة.

غير أنه وفي الحالة السورية المحددة، فإن أغلب المخاوف المثارة مقترنة باستمرار الحل العسكري الأمني الذي اختارته السلطات السورية مسارا في التعامل من الأزمة القائمة في البلاد، الأمر الذي وفر أساس بروز هذه المخاوف وتصاعدها، ولعله من الطبيعي القول، إن توقف مسار الحل الأمني العسكري وتوجه البلاد نحو معالجة سياسية للحالة السورية، سوف يخفف من تلك المخاوف، أو يغيب بعضها، ويوفر أساسا لمعالجة ما تبقى أو معظمه خاصة إذا كانت إرادة الحل السياسي متوفرة عند الأطراف المعنية، والجهود محكومة برغبة الخروج من الأزمة. وهذا يقودنا إلى خلاصة أن الأساس في معالجة المخاوف في سوريا وحولها، إنما يبدو في وقف استخدام السلاح، والأهم فيه هو وقف استخدام السلاح من جانب السلطات السورية والذهاب إلى خطوات تهدئة وتطمين، ثم معالجة ما يتبقى من مخاوف.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

السوريون في حرب أهلية منذ البداية  .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

3-6-2012

هناك إجماع على أن سوريا على شفير حرب أهلية، صرح بها تقريبا كل وزراء خارجية الدول الكبرى على اختلاف مواقفهم السياسية تجاه الثورة السورية، فهل سوريا - حقا - على حافة الهاوية؟ وما هي مواصفات الحرب الأهلية في الحالة السورية؟

فعليا، البلاد في حالة حرب أهلية منذ أكثر من عام لكننا لا نسميها كذلك. اختلفت التوصيفات ما بين ثورة وانتفاضة ومواجهات والبعض يسميها إرهابا ومؤامرات خارجية، إنما فيها خصائص الحرب الأهلية، حيث يوجد فريقان يقتتلان بغض النظر عن العناوين المرفوعة في ساحة الحرب.

النظام اكتشف مبكرا أنه أضعف من أن يقف أمام المد الاحتجاجي السلمي الهائل الذي وصل في مدينة حماه إلى أكثر من نصف مليون؛ لهذا سعى متعمدا إلى تحويلها إلى حرب أهلية، باستثناء أن هناك فريقا مسلحا، أي جماعة النظام، وفريقا أعزل قوته في كثرة عدده وإصراره على التحدي، وحديثا أصبح بعضه مسلحا. والنظام موجود كصورة للرئيس ومؤسساته من جيش وأمن لكنه بلا شرعية، أولا بسبب عجزه عن السيطرة على معظم أنحاء سوريا، وثانيا لأنه سعى لإعادة تأهيل نفسه وفشل بانتخابات برلمانية مزورة ومظاهرات موالية له قام بتنظيمها، وإعلام يعيد كتابة وتدوير قصته للحرب الأهلية الدائرة كل يوم في عشرات المدن.

لأنه يعرف أن الناس صارت تنظر إليه على أنه نظام مرفوض لم يجد حرجا في الترويج لكونها «مؤامرة سنية متطرفة»، لكنه لم يكمل الجملة.. «ضد العلويين وبقية الطوائف». كل يعلم أن الانتفاضة منذ أن بدأت لم تتضمن أبدا أي روح أو دعاوى أو أسباب طائفية. النظام هو الذي أراد دفع الطوائف إلى التصادم، وحاول الاحتماء بدرجة أساسية بطائفته العلوية، وتعمد توريطها في الحروب اليومية لأنه لم يعد يثق في ولاء بقية مكونات المجتمع السوري له. وفي نفس الوقت لجأ إلى تخويف الطوائف الأخرى، مثل المسيحيين السوريين، من مواطنيهم المسلمين، وسعى لشق صف الدروز، وأراد نقل الزعامة من يد إلى أخرى، وفعل الشيء نفسه مع الأكراد. واستهدف سنة سوريا أيضا مبكرا بتصنيف المعترضين عليه بأنهم سلفيون يريدون تغيير أسلوب الحياة السلمية المدنية الذي عرف به سنة سوريا.

مارسها في داخل الجيش والأمن، كما جرب فعله في الحواضر المدنية. زج بأبناء البلد من علويين وبقية الطوائف بأوامر صريحة بالقتل، وتعمد بث وترويج صور علويين يرتكبون جرائم ضد سنة، ويتلفظون بأقذع أنواع السباب ضد دينهم، بهدف شق الصف السوري وبث روح الانتقام بين الفئات السورية. وفي مواجهات بعينها كانت قواته تقصف من مناطق علوية، يسميها آمنة، ضد مناطق سنية، في حمص. لماذا؟ لأنه يريد إحدى نتيجتين، تخويف العالم من حرب أهلية، مذكرا بالنموذج اللبناني وحربه الأهلية وكذلك العراق، وثانيا لأنه يعتقد أن الصراع الطائفي الحل الأخير له بعد أن أصبحت الدولة فعليا في حال انهيار.

نحن نرى أمامنا حربا أهلية طرف فيها بخوذات رسمية، نظام طائفي يتعمد توريط العلويين اعتقادا منه أنهم عند سقوط السلطة سيكونون ملاذه الأخير ويدافعون عنه اعتقادا منهم بأنهم يدافعون عن أنفسهم ضد هجمة سنية.

بالتالي، فقد معناه التحذير من نشوب حرب أهلية طالما أن الناس تعتقد أنها في حرب أهلية، يحاربون فريقا مسلحا بالصواريخ والدبابات وهم ممنوعون من التسلح. وثقوا بأنهم سيتسلحون في النهاية لأنه لم يعد هناك من مخرج آخر لحماية الفرد نفسه من القتل اليومي سوى التسلح. ومع أنه أسوأ وأخطر النتائج فإن التسلح صار ضرورة؛ لأن الناس فقدت أملها في المجتمع الدولي الذي يمتنع عن التدخل، على الرغم من مناشدة الشعب السوري له طالبا ردع النظام ووقف الحرب الجارية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في سورية.. السبق الصحفي "عدد الضحايا"!  .. عضوان الأحمري

الوطن السعودية

2-6-2012

في سورية، المشهد يتكرر بشكل يومي، والمجازر في ازدياد. صور الأطفال المروعة تنتشر كل يوم أكثر من الذي سبقه، والناقل: صحفي أو سوري شاهد على المجزرة.

في سورية، الإعلام ناقل أكثر منه ناقداً، والصحفيون يتفاخرون بنقل أخبار المجزرة، والإعلام الأميركي، بكل غباء، لا يستحي من النقل وكتابة المقالات والآراء عن سورية، لكنه يستحي ويخجل من ذكر أسباب عدم التدخل العسكري.

لم يعقد المقارنات حتى ويسهب فيها ناقداً لموقف دولته التي اكتفت ب"التنديد" فقط، لكنها كانت أكثر تعطشاً للوعيد والقصف في الحالة الليبية قبل أن يقوم حلف شمال الأطلسي بالمهمة ويدك المدن الليبية دكاً حتى سقط معمر القذافي.

في سورية، الإعلام أصبح ساحة للمزايدين، لأخبار الفنانين والدعاة الذين يقتاتون على جراح وآلام اليتامى والضحايا... صورة للداعية، صورة للفنان، صورة للكومبارس حتى، يبتسم فيها الضحية رغماً عنه، وأحياناً يلتقطون الصور مع الأطفال، فيكون المشهد باسماً فيه براءة طفل تم استغلالها من أجل "فلاش".

في سورية، الحقيقة واضحة، لكن الإعلام يستحي من نقلها. الحسابات والموازين مختلفة، ولا أحد يعرف معيار الاختلاف، لكننا نتفق أننا جميعاً متواطئون، لأننا اعتدنا الصمت في مثل هذه المواقف، وإن تحدث أحدنا، كان موقفه "صفصفة حكي". في سورية، الصورة بلون الدم، ورائحة الدم. المشهد دموي، البعض يتأثر، ويظهر تأثره إعلامياً، وبعد دقائق تجده ضاحكاً مستبشراً في شأن آخر، ويموت أطفال سورية على يد الجزار، ويستحي الإعلام أن ينتقد الصمت الدولي ويبحث أسبابه، وتبدأ وسائل الإعلام التي تعاني من انحطاط مهني بتخويف أميركا من أن سقوط بشار هو سقوط لإسرائيل، ويصبح وقتها الإعلام مستخدماً من قبل المتنفعين لا خادماً للقضايا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية والحل على الطريقة الرومانية  .. عامر أرناؤوط

عكاظ

2-6-2012

تدحرجت سريعا في الأيام الماضية خطوات مواجهة المجازر البشعة التي يقترفها النظام السوري وشبيحته، لا سيما مجزرة (الحولة)، التي أصابت العالم بذهول غير مسبوق، ذكرته بأيام التطهير العرقي في البوسنة والهرسك.هذا العالم الّذي منح «جلاد سورية» خمس فرص متتالية للقتل، أدرك أو ربما بدأ يدرك، أن هذا القاتل لن يستطيع أن يلغي إرادة الحرية لدى شعبه، وأنه ساقط لا محالة بيد الثوار الّذين يسطرون أبهى عناوين التضحية والفداء .ربما تكون الثورة وحاضرها ومصير النظام السوري ورقة حوار ساخنة في قمة المكسيك، الّتي تجمع بنهاية حزيران الجاري كلا من الرئيس الأمريكي أوباما، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. هذا اللقاء على ما تقول «الواشنطن بوست» مناسبة لاتفاق الرئيسين، على حل لسورية، مشابه لما جرى في اليمن من عملية سياسية، قادت إلى تنحي الرئيس اليمني السابق صالح، والدخول في عملية انتقالية للسلطة قادها نائبه هناك.لكن سورية بالفعل تختلف عن باقي دول الحراك العربي، ففيها أبطش وأقسى الحكّام العرب، وأكثرهم دموية، بواقع سقوط أكثر من 15.000 شهيد حتى الآن، غير ما يمكن أن يتكشف عنه المشهد لاحقا، وليس فيها أيضا، وعبر سياسة ممنهجة لعقود من الزمن أي حراك سياسي معارض، محفوف بدولة أمنية مذهبية جائرة، أضف إلى ذلك أن راعي هذه الدولة هو «لص» سياسي غير صادق، ولا محب للعرب والمسلمين عموما، يتمثل في إيران .انطلاقا من ذلك، أعتقد أن مقاربة قمة المكسيك، لحلٍ المسألة السورية على الشاكلة اليمنية، سيشكّل مهلة جديدة سادسة للقتل وإبادة الشعب، كسابقاتها من المهل، وأن لا حل مع النظام السوري ورئيسه الجلاد، إلاّ (الحل الروماني)، الذي جعل من الشعب قضاة، وجعل من طلقات الإعدام منه رحمة للعالمين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الم يستمتع بعجزه! .. ميشيل كيلو

السفير

2-6-2012

يبدو العالم كمن يستمتع بعجزه. ويبدو كمن قبل أن يتحداه نظام خارج على أي ميثاق أو قانون أو عرف أو شرعية، قرر أن يضرب عرض الحائط بكل ما تواضعت البشرية عليه من حقوق إنسان ومواطن، وغمس يديه حتى المرفقين في دماء شعبه، وتلذذ طيلة عام ونصف تقريبا بالتنكيل ببناته وأبنائه، ودمر حياته معنويا وماديا، وصعد إلى أعالي الجبال ونزل إلى أعمق الوديان كي يقضي عليه حيثما يجده، لان سوريا لا تتسع للنقيضين: النظام والشعب في آن معاً، وليس لدى سلطتها أي خيار آخر غير التخلص من شعبها: بالغلبة والقهر والقتل، كي لا يتخلص هو منها، بالتمرد والانتفاض والثورة.

ورغم غرابة هذه المعادلة الرسمية، التي لا يقرها كائن عاقل، ولا يوافق عليها غير عتاة أعداء البشر، فإنها المعادلة التي تحكم علاقة النظام السوري بمواطنيه، وتبقي الدولة والمجتمع، عالم البشر والعالم السياسي، على حافة هاوية مرعبة، يعتقد أهل السلطة أنهما سيسقطان فيها بمفردهما، فلا بأس عليهم إن هم أمعنوا في دفعهما إليها، لتوهّمهم أن في ذلك نجاتهم، وأن سلطتهم استثناء فريد في تاريخ العالم، تستطيع العيش من دون مجتمع ودولة، لأنها هي ذاتها دولتها الخاصة ومجتمعها الخاص، فلا حاجة بها إلى دولة لمجتمع ومجتمع لدولة، ولا يضيرها أن تدمّر أياً منهما أو أن تدمّرهما كليهما، ما دامت تمتلك من الأتباع والخدم ما يجعل منها عالماً قائماً بذاته، لطالما قوض مجتمعه عن سابق عمد وتصميم، وحين تمرد عليه دمره وقضى على وجود قطاعات واسعة منه، واكتفى بذاته.

والغريب أن العالم كان يعلم أن النظام سيتصرف بهذه الطريقة، إن ثار مجتمعه عليه. والأغرب أنه ملأ الدنيا ضجيجا عند بدء الثورة، وغضب وزمجر واستنكر وأدان، لكنه وقف في واقع الحال متفرجاً على ما يجري، كأنه يكفي الغضب والكلام العاصف لكبح النظام ومنعه من ممارسة القتل سياسة رسمية وحيدة. ولأن النظام قدر منذ بداية الأزمة أن العالم لن يتدخل عسكرياً ضده، بحجة أنه ليس لديه نفط، كما قال وزير خارجيته وليد المعلم، فإنه لم يهتم كثيراً بالإدانات والاستنكارات والزمجرات، بل رأى فيها بالأحرى ضروبا غاضبة من التطمينات، جعلتنا نقتنع بمرور الوقت واستمرار القتل أنها بعثت السرور في نفسه، وأقنعته بقدرته على التمادي في الترويع والسحق، وبأنه يستطيع استخدام جيشه وأجهزته الأمنية بالترتيب والتتابع، منفردة أو مجتمعة، من دون أن يخشى تدابير جدية وإجراءات عملية توقفه عند حد. هكذا، تعايش خطان أفضيا إلى واقعين متناقضين: خط دولي يتنصل من القيام بأي فعل ويجهد لإيجاد حجج تتسم بالكثير من الضجيج يسوغ من خلالها تنصله، وخط رسمي سوري يوغل في تطبيق حلّ أمني يستغل مواقف العالم كي يصعّد أعماله العسكرية وانتهاكاته للمواثيق والأعراف الدولية الضامنة لحقوق الأفراد والشعوب وحياتهم. إنها واقعان يبدوان متناقضين: واقع دولي يوهم السوريين بقرب نهاية مأزقهم، وواقع محلي يقنعهم أن العالم لا يهتم كثيراً بهم وبمصيرهم. لا عجب إن كره السوريون سياسات العالم الوهمية، وسياسات نظامهم الواقعية، واتخذوا موقفاً اتسم بالشك حيال ما صدر عن جميع الأطراف الداخلية والعربية والدولية من مبادرات حوار وتفاوض وإصلاح وتغيير، وأنهم واجهوا مراقبي الجامعة العربية بالتوجس، ومثلهم مراقبو مهمة كوفي عنان، ولا جدال في أنهم كانوا محقين في توجسهم، ما دام أولئك وهؤلاء لم ينجحوا في وقف العنف ضدهم، وإنما تحوّلوا بسرعة إلى متفرّجين على مأساتهم، على العكس مما نصت عليه مهمتهم في الحالتين، الأمر الذي أدخل في روعهم أن هؤلاء لم يأتوا كي يحفظوا حياتهم، بل جاؤوا لإعطاء النظام فسحاً زمنية إضافية تمكنه من ممارسة مزيد من البطش والقتل ضدهم. لم يصدق السوريون أن نظامهم أقوى من العالم، الذي حقق معجزات فعلية في أماكن أخرى شهدت أزمات لا تقل تعقيداً عن أزمتهم، ولا يجد معجزة يحققها عندهم غير كسر يده والسماح لنظامهم بتحديه وفعل ما يريده.

واليوم، وقد مر قرابة عام ونصف العام على الثورة السورية، يطرح السوريون سؤالين مهمين ومترابطين، هما: لماذا لم يتدخل العالم سلميا أو عسكريا في الأزمة السورية رغم ما وجهه من إنذارات إلى نظامهم؟ وهل العالم عاجز حقاً عن التدخل لمصلحتهم، أم أنه راغب في وقوع ما حدث لهم: أي في تدمير وجودهم ومقومات حياتهم، وبالتالي في تقويض ما يمكن تقويضه من مجتمعهم ودولتهم؟

في الرد على السؤال الأول، ليس هناك أية ألغاز. لو كان العالم راغباً في التدخل، لعمل على امتلاك الوسائل الضرورية لذلك، بما فيها الوسائل السلمية القادرة على شل يد النظام ووقف عنفه، والعسكرية التي تستطيع القضاء على ما لديه من قوة قتل وفي النهاية عليه هو نفسه. لم يمتلك العالم هذه الوسائل والأدوات خلال الفترة المديدة التي انقضت منذ بدء الازمة، لأنه لم يكن راغبا في التدخل السلمي والعسكري، وبالتالي في وقف العنف ضد الشعب السوري المظلوم. في هذا السياق، يتساءل المواطنون السوريون إن كان نظامهم أقوى من نظام العراق أو أكثر تماسكاً منه، أو إذا كان التدخل ضده أشد خطراً على الغرب من التدخل في بغداد، أو إذا كانت معارضة العراق أقوى من المعارضة السورية وأكثر تماسكاً ووحدة منها؟ أما الجواب على السؤال الثاني فهو على النحو التالي تقريباً: ليس من الصحيح تفسير السياسات الدولية بالعجز، ولم يكن الغرب ولن يكون عاجزاً عن مواجهة نظام عجز هو نفسه عن قهر شعب أعزل، رغم ما استخدمه ضده من عنف متصاعد ومفتوح، ومارسه من تدمير منهجي لمقومات وجوده. يعلم الغرب فضلاً عن ذلك أن جيشه المتعب والمهدد بالتفكك ليس قادرا بأي حال من الأحوال على مواجهة حرب حديثة أو خاطفة، ولا يمتلك الأسلحة والتقنيات التي تمكنه من إنقاذ نفسه فضلا عن نظامه. هل خاف الغرب من روسيا، كما يقال؟ لا أحد يعتقد ذلك، فروسيا ليست راغبة في محاربة أحد كي تحمي نظاماً تعلم أنه لم يعد قادراً على الاستمرار والعيش، والدليل استخدامه العنف وسيلة وحيدة للتعامل مع شعبه. كما أنها ليست قادرة على خوض حرب، ولو كانت قادرة لمنعت توضع أميركا في البلقان، وحمت أهله، وهم سلاف مثلها، وتحرروا على يديها في الحرب العالمية الثانية، وكان لديهم جيش أقوى بكثير من جيش النظام السوري، ويخوض حرباً قومية ودينية بامتياز.

لن أسترسل في الحديث عن الغرب. ما قلته ليس رأيي فقط، بل هو رأي قطاعات كبيرة من الشعب السوري، الذي يعتقد ان العالم لم يفعل ما فيه الكفاية لحمايته، ليس لان النظام السوري غير قابل للكسر او لا يقهر ولا تنطبق عليه القوانين الدولية وقوانين القوة، أو لأن هناك خشية من الامتدادات الإقليمية والدولية لتدخل غربي فاعل في سوريا، لا يحتاج لأن يكون عسكرياً بالضرورة إذا ما اتفقت كلمة الدول المعنية بحرية السوريين، وسبق لها ان طردت النظام من لبنان دون أن تحرك جندياً واحداً ضده!

واليوم، ومهمة كوفي عنان مهددة بالفشل، ويمكن أن يفشل معها أي جهد دولي لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية يلبي مطالب الشعب، تمس الحاجة إلى تطوير وامتلاك وسائل قادرة على تحقيق ما لم يتحقق إلى الآن: إجبار النظام على الانصياع لإرادة شعبه، ونقل سوريا إلى نظام ديموقراطي هو خيار أغلبية مواطنيها الساحقة، ومصلحتهم جميعهم بلا استثناء.

هذه هي النقطة الجوهرية من الآن فصاعداً، فهل يعي العالم أهميتها، ويبدأ بالعمل للوفاء بالتزاماتها، أم أن أمد حل الصراع لم يحن بعد بذرائع غير مقنعة منها أن المعارضة غير موحدة، والنظام متماسك وقوي، والروس يمنعون وحدة الموقف الدولي في مجلس الأمن و... إلخ. وللعلم، فإن امتلاك وسائل وأدوات فاعلة دوليا وعربيا وداخليا ليس مصلحة وطنية سورية فقط، بل هو مصلحة خارجية عامة أيضاً، بعد أن أخذت سياسات النظام تهدد بنشر الفوضى في كل مكان، ولم يعد هناك أي شك في حجم التحدي الذي تمثله بالنسبة إلى أمن وسلام العالم، بعد أن حرّضت بعض أخطر صراعاته القديمة، وشرعت تهدّد بعودة الحرب الباردة، وبعد السماح للعالم بالاستمرار في الاستمتاع بعجزه، إن أردنا أن نكون سذجاً ونصدق أنه عاجز بالفعل!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا والتدخل المستحيل  .. سميح صعب

2012-06-02

النهار

بعدما وصلت الاوضاع الى ما وصلت اليه في سوريا، لا يبدو ان أحداً يحمل وصفة سحرية للحل. فما بدأ مطالبة بالاصلاحات تحول مناشدات من أجل عدم انزلاق البلاد الى حرب أهلية شاملة. ومن يحذر من حرب اهلية ومذهبية في سوريا اليوم، كان عليه ان يدرك منذ البداية خصوصية التركيبة السورية وان سوريا هي مجتمع متنوع ومتعدد العرق مثلما اكتشفت هيلاري كلينتون قبل يومين فقط عندما كانت تحاضر في طلاب دانماركيين في كوبنهاغن.

واذا كان النظام السوري في أزمة، فإن خصومه من العرب والغرب في أزمة أكبر. لأن العودة الى الرهان على الحل العسكري تفتح المنطقة على المجهول كما فعلت الحرب على العراق.

وتخطئ أميركا اذا ما ظنت أن الموقف الروسي هو الوحيد الذي يحول دون تنفيذ عملية عسكرية سريعة في سوريا تؤمن وصول المعارضة السورية الى الحكم على غرار ما جرى في ليبيا، إذ ان الحرب على الطريقة الليبية ستعني في سوريا نشوب حرب أهلية شاملة وتالياً سيكون على الغرب ارسال قوات برية للحؤول دون هذه الحرب مما سيقود حتماً الى احتلال سوريا على غرار الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003.

وهكذا لا ضمانات ألا يسفر التدخل العسكري الغربي في سوريا عن مثل النتائج التي اسفر عنها التدخل العسكري الغربي في العراق. ولعل الغرب هو الذي أوقع نفسه في خطأ الحسابات عندما اعتبر ان سوريا لن تكون غير تونس ومصر وليبيا واليمن، وانها لن تكون العراق.

لكن الواقع يقول ان سوريا هي تماماً مثل العراق زائد محاذاتها لإسرائيل. وبما ان الغرب يضع امن الدولة العبرية في سلم اولوياته عندما ينظر الى الشرق الاوسط، فإن تدخلاً عسكرياً غربياً في سوريا يمكن ان يجر الى نزاع طويل تتورط فيه اسرائيل، بحكم ان القراءة التاريخية للحروب الاهلية في العالم تدل على ان هذا النوع من النزاعات سرعان ما يمتد الى الدول المجاورة.

وحتى اذا ما نجح الغرب في تحييد روسيا فكيف يحايد ايران التي ستدافع عن سوريا باعتبار ان خسارتها لدمشق تعتبر بمثابة اقوى ضربة استراتيجية لطهران منذ 1979. واذا ما سقطت سوريا ستسهل محاصرة ايران وتصدير "الربيع العربي" اليها، تماماً كما ينادي مسؤولون أميركيون بتصدير "الربيع" الى روسيا عقاباً لها على وقوفها في وجه الخيار العسكري ضد دمشق.

كثيرة هي تشعبات الأزمة السورية. والحل العسكري الغربي اذا ما حصل سيفتح المنطقة على جحيم آخر مماثل لذلك الذي فتحه غزو العراق.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

القضية السورية  .. فالح الطويل

الرأي الاردنية

2-6-2012

أكد تقرير الأمم المتحدة المقدم إلى مجلس الأمن حول الوضع في سوريا، بداية الأسبوع الماضي، أن أقل من 20% من ضحايا مجزرة الحولة ال108 قد قتلوا بقصف مدافع الدبابات والرشاشات الثقيلة عن بعد، بينما قتل أكثر من 87 مدنيا داخل بيوتهم- بينهم32 طفلا و48 امراة- إما بالسلاح الأبيض أو بإطلاق النار عليهم، عن قرب، من قبل «شبيحة» يعملون بإمرة قوات النظام، فيما يشبه التطهير العرقي.

كان المندوبان الروسي والصيني في مجلس الأمن يصران على توجيه اللوم لكلا قوات النظام والمعارضة في هذا، ولكنهما وافقا على قرار المجلس، 28/أيار الماضي، بإدانة النظام بعد اطلاعهما على تقرير الجنرال مود، كبير المراقبين الدوليين في سوريا.

وقد سارع ذلك القرار والتفصيلات المرعبة عما حدث في الحولة في وضع العالم أمام مسؤولياته الإنسانية. ولعل أشد التفصيلات إثارة للغضب ما نشر في طهران من أن قوات فيلق القدس الإيرانية تقف مع قوات النظام، على الأرض، في جهد حليف للقضاء على المعارضة السورية، ممثلة، هذه المرة، بالحولة المنكوبة.

والحولة، بحسب معلومات ميدانية متواترة، قرية صغيرة محاطة بأربع قرى يسكنها أناس يساندون النظام ويرون في المعارضة خطرا عليهم وعليه. كما تناولت معلومات أخرى، سيقت كظروف هيأت لوقوع المجزرة، تشكيلات الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد شقيق الرئيس؛ وهي بقوة فيلق مجمع، وتكاد تكون محصورة في طائفة واحدة، قيادات وجنودا.

ربما كانت هذه المعلومات التي تنشرها الصحافة العالمية، على نطاق واسع، السبب الذي دفع بعدد كبير من دول العالم لطرد السفير السوري لديها، وهو إجراء ما زال في بدايته؛ وربما يتصاعد بسرعة نحو عزل سوريا عن العالم وأبلسة نظامها والتعرض له بدعم مباشر «لجيش سوريا الحر.»

تطور الأمور على هذا النحو، لو استمر، سينتهي، بالتأكيد، إلى إشعال حرب أهلية تتحول فيها المعارضة إلى «خصم،» بالمعنى القانوني للكلمة، يطالب دول العالم بالاعتراف الدبلوماسي به. عندها سيتحول الوضع في سوريا إلى قضية، بكل ما تعني القضية من ضرورة التدخل الخارجي لحلها بطرق صارت معروفة.

نحن، في الأردن، نخشى هكذا تطور. فحرب أهلية في سوريا سوف تحرقها وربما ستحرق كل المنطقة حولها. لكن هل مثل هذا الخوف وارد في حسابات قادة نظام دمشق؟ أم هم يظنون، فعلا، ان شعاراتهم، في أنهم نظام ممانعة، مقنعة للناس، وأنها قد ترجح كفة الصراع لصالحهم؟

ربما ينفع تذكيرهم، هنا، أن استهدافهم الشعب السوري، كما لو كان عدوا، سوف يغرق كل الشعارات. هل يعلمون أن رائحة الدم تمحو من الذاكرة كل ما عداها؟ وخاصة حين تكون دماء أطفال ونساء وعائلات بكاملها تستأصل داخل بيوتها، كما جاء في تقرير المراقبين الدوليين؟

لن يكون بإمكان أحد إلغاء التاريخ، وخاصة حين يكون وحشيا وملطخا. لا بد من تحرك دولي الآن، عبر الأمم المتحدة والجامعة العربية، باتخاذ قرار حاسم بمنع تكرار ما حدث في الحولة، وقبل فوات كل الفرص المتاحة الآن.

_*_*_*_*_*_*_*_*

إمَّا لجنة تحقيق!! .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

2-6-2012

«إذا كُنْت لا تخجل فافعل ما تشاء» فالنظام السوري ،الذي تجاوز الحدود كلها والذي بدأ بكذبة العصابات الإرهابية وبقي يرددها إلى أن صدّقها هو نفسه دون أن يقنع أي صاحب عقل في هذا العالم اللهم باستثناء الصين وروسيا، يريد بتشكيله للجنته المخابراتية للتحقيق في مذبحة الحولة ،التي لا تشبهها إلاّ مذبحة صبرا وشاتيلا إبان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، إقناع الرأي العام العالمي بأن الشعب السوري يقتل أطفاله وأنه يَئِد بناته وأن المعارضة التي قدمت أرتالاً متلاحقة من الشهداء هي التي ارتكبت هذه الجريمة البشعة ضد فلذات أكبادها نكاية بالأسد وتشويهاً لنظامه «الديموقراطي»!! الذي أزهق أرواح أربعين ألفاً في حماه دفاعاً عن «الديموقراطية والحريات العامة»!!.

«يقتلون القتيل ويمشون في جنازته» وفي مثل هذه الحالات فإن المجرم هو الأكثر تباكياً على الضحية ولهذا فإن المندوب السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري كاد أن يَقدَّ ثوبه من قِبَلٍ ومن دُبرٍ وهو يطلق تأوهات مفتعلة من فوق منبر الهيئة الدولية ويذرف الدموع المدرارة على أرواح أطفال الحولة الذين حزَّ أهلُهم أعناقهم لإلصاق الجريمة بنظام كانت ذروة إنسانيته ذلك الذي فعله بأطفال درعا في مارس (آذار) العام الماضي وذلك الذي فعله بأطفال بابا عمرو في حمص ولا يزال يفعله في كل مكان في سوريا من البوكمال في أقصى الشرق وحتى اللاذقية وجبلة وبانياس في أقصى الغرب.

إنه ليس جديداً على هذا النظام ذبح الأطفال والبكاء عليهم ولعل بعض «المبخِّرين» وبعض من حاولوا اختلاق «سيناريوهات مفبركة» للدفاع عن نظام صدر الحكم النهائي عليه من قبل شعبه منذ لحظة تقليع أظافر أطفال درعا في تلك الحادثة المرعبة التي ستبقى محفوظة في ذاكرة التاريخ إلى أبد الآبدين، يتعمدون عدم تَذكُّرِ ذَبْحِ أطفال تل الزعتر الفلسطيني والاستمرار بقصف هذا المخيم الذي أُقتلع من جذوره على مدى نحو أسبوعين داميين فعل خلالهما هذا «الجيش العقائدي»!! أكثر مما فعله جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم جنين.. وللأسف.. للأسف!!.

لن يصدق أحدٌ حكاية لجنة التحقيق هذه التي شكلها نظام بشار الأسد لمعرفة المجرمين القتلة الذين مزَّقوا أعناق أطفال «الحولة» بالسكاكين وثقَّبوا صدروهم بالرصاص الذي كان من المفترض أن تكون وجهته نحو الجولان المحتلة ويقيناً أن رموز هذه المجموعة الحاكمة في دمشق قد «برْطعوا» بالقهقهات الصاخبة عندما استعادوا قراءة تقارير هذه اللجنة التي كانت قد أُعدت مُسبقاً وسلفاً في فرع فلسطين المخابراتي.. وأعانك الله يا فلسطين كم ارتُكِبت باسمك من جرائم!!.

لن يصدق حكاية هذه اللجنة وتقاريرها حتى أصحاب النظرات الحولاء المنحازون سلفاً إلى أبشع ما سيبقى يحتفظ به تاريخ سوريا والتاريخ الإنساني كله ومن بين هؤلاء بالطبع «الرفاق الصينيون» ،الذين نسوا أن سبب ما وصلت إليه بلادهم هو ما قام به ذلك القائد الملهم العظيم دينغ سياو بينغ ضد عصابة الأربعة التي هي صاحبة الثورة الثقافية البائسة والتي لا يشبهها إلاّ عصابات شبيحة النظام السوري، وأيضاً أولئك الذين اختطفوا الثورة الإصلاحية من ميخائيل غورباتشوف وحولوها إلى هذا التبادل السلطوي الذي هو عبارة عن ضحك على ذقون الروس وعلى ذقون المُغفلين العالم بأسره!!.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الوضع السوري ما بعد مجزرة الحولة  .. علي الصفدي

الرأي الاردنية

2-6-2012

الوضع السوري ما بعد مجزرة الحولة التي وقعت في ريف حمص وأودت بحياة (108) اشخاص بينهم (49) طفلا و (34) امرأة، تم قتلهم بصورة وحشية مروعة، يختلف عما كان عليه ذلك الوضع قبل اقتراف تلك الجريمة التي تعد انها صارخا للقيم الانسانية ولحياة الطفولة البريئة.

فقد وضعت نهاية لخطة مبعوث الامم المتحدة وجامعة الدول العربية (كوفي عنان) وأثبتت انها فشلت فشلا ذريعا لوقوع تلك الجريمة مع وجود المراقبين الدوليين في سوريا الذين انحصرت مهمتهم، كما ذكرت صحيفة (واشنطن بوست) بالقيام بعد جثث الضحايا من المدنيين الذين يلقون حتفهم على ايدي شبيحة الاسد. كما دفعت الى مزيد من الانشقاقات العسكرية التي اخذ نظامها يتسع بصورة غير مسبوقة عن الجيش النظامي للانضمام الى جيش سورية الحر الذي الذي صعد من مواجهة قوات النظام، والذي وجه تحذيرا شديد اللهجة بضرورة توقفها الفوري عن اطلاق النار وسحب كافة القوات والدبابات والآليات من المدن والقرى والمناطق السكنية، كما حث عنان على الاعلان رسميا عن فشل خطته.

وحركت المجزرة المجتمع الدولي الذي ما عاد باستطاعته السكوت عما يجري في سوريا من ارتكاب نظامها لجرائم ضد الانسانية فسارعت معظم دول العالم الى طرد السفراء والدبلوماسيين السوريين من عواصمها، كمقدمة لاتخاذ اجراءات تصعيدية قد يكون بينها التدخل العسكري ضد نظام الاسد، وقد المحت المندوبة الاميركية الدائمة في الامم المتحدة (سوزان رايس) الى ذلك بقولها انه قد يكون من الضروري التدخل عسكريا في سوريا دون تخويل اممي اذا اخفق مجلس الامن الدولي في الوصول الى اتفاق حول سبل التعامل مع الازمة السورية، وفي ذات السياق اكد وزير الدفاع الاميركي (ليون بانيتا) ان القوات المسلحة الامريكية على اهبة الاستعداد لتنفيذ عمليات ضد سوريا عند الضرورة، اذ لا يمكننا ان نرضى عما يجري فيها، وعلى المجتمع الدولي ان يتخذ الخطوات الكفيلة باجبار الاسد على ترك الحكم.

لقد حذر كل من الامين العام للامم المتحدة (بان كي مون) والمبعوث الدولي (كوفي عنان) من وقوع حرب اهلية كارثية في سوريا بعد مجزرة الحولة، والواقع ان ماتشهده سوريا هو بدايات تلك الحرب الاهلية التي يستشرس فيها الشبيحة العلويون من انصار الاسد في قتل المدنيين السنة والتنكيل بعائلاتهم، يشاركهم عناصر من حزب الله الذي يدعم امينه العام حسن نصرالله نظام الاسد، وقد كشفت وسائل الاعلام ان مجموعة (ثوار سوريا-ريف حلب) اعلنت مسؤوليتها عن احتجاز (11) شيعيا مختطفا في سوريا منذ (22) أيار، وان بينهم خمسة من الضباط التابعين لحزب الله وهم متورطون في مجازر سوريا، كما ان ايران تقوم بتهريب الاسلحة الى سوريا ولبنان عن طريق استخدام طائرات الخطوط الجوية الايرانية وفق ما اذاعه التلفزيون الالماني، وان صحت هذه الانباء فانها تدل دلالة واضحة على الاصطفاف الطائفي الذي لا ينجم عنه سوى اتساع رقعة الحرب الاهلية، فما كان عليه الوضع قبل المجزرة في طريقه الى التغيير الكلي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في الطريق إلى سورية  .. د. شهلا العجيلي

2012-06-01

القدس العربي

'في هذا البلد، لايوجد لاحقائق، ولا أكاذيب، لا يوجد سوى روايات'

بيير لامازيير

يربض المستقبل في واحدة من زوايا التاريخ، تلك مقولة قد تبدو طفوليّة، أو نسقيّة اندحرت، وقد ينكرها بعضهم، لكنّها تبقى في فكر ما بعد الكولونياليّة مقولة رئيسة، تقفز إلى السطح كلّما قرأ المرء في أدب الرحلة، أو في مذكّرات المستعمر، أو حتّى في روايات المستعمرات.

تشبه الطرق في سورية اليوم، الطرقَ التي مشى الناس فيها بعد (سايكس- بيكو): حرب، ومقاومة، ووصايات دوليّة، وجماعات مسلّحة، وحركات عنف، ودمار، وخوف، وقتل، تلك الطرق التي يحكي عنها بيير لامازيير في كتابه 'مسافر إلى سورية'، والذي ترجمته عن الفرنسيّة الدكتورة فوزية الزوباري، وقدّم له الروائي خيري الذهبي، ونشر عن دار المدى عام 2009.

يروي لامازيير حكاية النزاع على سورية، بين فرنسة والثائرين عليها، والعملاء الذين يصطفّون معها، والإنكليز الذين يحرّضون ضدّها، فيموّلون بعض الجماعات لإثارة العنف والاضطرابات، بحيث لايمكن، إلاّ للعارف، التيقّن من مرجعيّة أيّ حدث يمكن أن يحدث، تماماً كما هو الأمر اليوم، ف'في هذا البلد، لايوجد لاحقائق، ولا أكاذيب، لا يوجد سوى روايات'. ص59

تبدأ حكاية النزاع تلك منذ دخول غورو حتّى عام 1926، وتُروى من وجهة نظر استعماريّة، ترى في كلّ حركة ثوريّة ضدّ فرنسا، فوضى وإرهاباً، كأن تكون جماعة سلطان باشا الأطرش، كما يرى، مجموعة من المرتزقة، ذلك أنّهم يقفون ضدّ مصالح فرنسا. لكنّه يعترف وبالصورة الموضوعيّة التي يحبّ المستعمر أن يظهر بها أحياناً، قائلاً: 'كان يعدّ هؤلاء الرجال أبطالاً أو خونة، حسب الفريق الذي كان ينتمي إليه المرء'. ص77.

يقرّ لامازيير، استكمالاً لتلك الموضوعيّة بأخطاء الانتداب، الذي أصرّ موظفوه، وعساكره، وقوّاده أن يكون استعماراً، لا وصاية، ممّا أفقد فرنسا نفوذها في سورية، لأنّ موظّفي فرنسا لم يدركوا كنه السوريّين، لم يعرفوا طبيعتهم: 'لم يأبهوا بالطقوس والأعراف المحليّة، وبخصوصيّة كلّ مجموعة سكّانيّة، وبالحساسيّة الفرديّة أو الجمعيّة، متجاهلين أنّ سورية هي بلد قديم جدّاً، ذو ثقافة عميقة جدّاً، لقد تصرّفوا ، كما كانوا يتصرّفون مع عبيد تقريباً' ص155.

لعلّ أكثر ما يلفت في رواية لامازيير هو إعادة إنتاج الموتيفات الرئيسة للفكرة الاستعماريّة ، والتي ظهرت بعد سايكس-بيكو،وعادت في ما نعيشه اليوم ،رغم مرور ما يقارب تسعين عاماً، إذ تتشابه الأحداث الرئيسة، وتحضر فيها شخصيّات تقوم بالأدوار ذاتها، فهناك من يقاوم ، وهناك من يدعم، ومن يموّل، ومن يستضيف... ولعلّ أجمل الصور في تلك المدوّنة هي صورة عملاء فرنسة من العرب وهم في حضرة مندوب الاستعمار، إنّنا نراهم اليوم، وربّما اختلف لباس بعض منهم فحسب: 'مجموعة من الزعماء العرب الرائعين، المعتمرين الكوفيّة الحريريّة المزخرفة المثبتة على الهامة...ويرسمون بأيديهم الملوّحة في الفضاء التحيّة الشرقيّة: أحمل في قلبي، وعلى شفتي وعلى جبهتي، غبار حذائك.'. ص69

تمثل بين الأمس واليوم حالات استاتيكيّة نراها في كلّ مرحلة من المراحل التي عنوانها إرهاب الأفراد للدولة، والتي لا شكّ في أنّها أخطر بكثير من إرهاب الدولة للأفراد، لكنّ المجتمعات لاتدرك ذلك إلاّ بعد فوات الأوان، من تلك الحالات الاستاتيكيّة حالة العنف في النزاعات المسلّحة، التي يصفها صاحب الكتاب بقوله: إنّ 'العنف بكافّة أنواعه يصبح بطولة في الحرب'. ص136

لاتتغيّر الخصائص الأنثروولوجيّة الثقافيّة للمجموعات البشريّة، وغالباً ما تبقى ردود فعلها ثابتة، تجاه الآخر، أيّاً كان ذلك الآخر سواء أتمثّل بسياسة استعماريّة تجاهها، أم أراد النيل من أمنها واستقرارها لمصلحته، ويفصح الكاتب عن ذلك عبر رؤيته لكلٍّ من حلب ودمشق: 'حلب، حلب الحقيقيّة، حلب المسلمة، القاسية، والعصيّة على الفهم، والممتدّة بين القلعة والصحراء، لا تسلّم سرّها...الوجهة يجب أن تكون إلى دمشق، إذا ما أُريد حقّاً التعمّق في الروح السوريّة، ومتابعة خفقانها.' ص143

لعلّ أكثر ما يمتع في تصفّح المدوّنة الاستعماريّة هو الأوراق التي تعرّي الذات مثلما تعرّي الآخر، والتي تتسم بها مدوّنة بيير لامازيير في كثير من صفحاتها، من ذلك قوله في بيروت: 'وبيروت الجامعة لأجناس متعدّدة ومختلفة، بيروت الفاسدة، مشغولة بالمنافع الماديّة وحدها، مشغولة بالكسب، وهي تمارس بمهارة تامّة قول الكلام الذي يرغب السامعون في سماعه، وأيّاً كانوا.' ص143.

نجد، عطفاً على رؤيته للبنانيين، أنّه منذ ذلك الحين إلى اليوم، لم يدرك اللبنانيّون، خلا العسكريين منهم، أنّ سورية هي العمق الاستراتيجيّ للبنان، ومازال (جانوس بكركي الجليل في أوهامه الضائعة)ص53، ويمكن أن يتحوّل غبطة البطرك اليوم، رمزاً لكلّ فريق في لبنان يؤازر الرغبات في سورية، للانفراد بإقطاعيّة خاصّة، أو دويلة، لأقليّة أو أكثريّة، تعزل الداخل السوريّ عن البحر أو عن الجبل، لكنّه حينئذ سيصطدم بإرادة السوريين، كما فعل أهل حلب حينما فاجأوا (ريكلو) الذي أراد أن يصبح ملكاً عليها، وجمع تواقيع لذلك، عرضها أمام المندوب السامي، فطلع الحلبيّون عليه بوثيقة يرفضون فيها الانفصال عن دمشق، ويرفضون الاستقلال الذاتيّ، من أجل طموحات شاذّة لصعاليك العسكر، أومغامرات لأفّاقي السياسة.

دوّن لامازيير كثيراً من السياسات الفرنسيّة الخاطئة تجاه السوريين، إنّها أخطاء غورو، التي كانت سبباً في خسارة فرنسة لنفوذها في الشرق الأوسط، تلك التجارب التي جعلت الفكر الاستعماريّ يطوّر ذاته بتجنّبها، وهذا ما نشهده اليوم، بانفتاح المستعمرين الجدد على الأكثريّة، بدلاً من تقوقعهم على الأقليّة: 'قد مارسنا سياسة محاباة الأقليّة، فحملت إلينا الثورة والحرب. فلننفتح أمام سياسة الأكثريّة، السياسة الإسلاميّة. بهذا الثمن، وبهذا الثمن فقط، نعيد بناء السلام، ونستعيد في الوقت نفسه نفوذنا الضائع'. ص175

يمرّ لامازيير بالحوادث التي تنشط في مثل هذه المراحل كافّة، من الأعمال غير المشروعة في ارتكاب المجازر، وتجارة السلاح، إلى تنامي بيوت الدعارة، وعلاقة ذلك كلّه بالوطن والمواطن، وبالعسكر والثوّار، مثلما يحدث في معظم الحروب والنزاعات.

يندحر في النهاية الطامعون والمتآمرون، وسيقول كلّ من يغمس يديه في الدم السوريّ، ما قاله أحد الوزراء الفرنسيين آنذاك: 'آه! لو نستطيع الانسحاب من سورية خفية، وعلى أصابع أقدامنا، دون أن يدري أحد بذلك.'ص174. بل سيزيد على ذلك قول لامازيير ذاته في نهاية مدوّنته: 'لقد أرقنا ما يكفي من دمائنا، صرفنا ما يكفي من المليارات في هذه المغامرة، فلنترك السوريين واللبنانيين لمصيرهم، على الأقل، لأولئك الذين يرون أن يضطلعوا بمهمّة وصايتهم، ولنعد إلى بلدنا.' ص181.

ونحن ليس لدينا ما نقوله في هذا المقام التاريخيّ، ما بعد الكولونياليّ، أكثر من قولنا: ما أشبه الليلة بالبارحة!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحل غائب.. والمجازر مستمرة  .. رأي القدس

2012-06-01

القدس العربي

معظم التصريحات التي صدرت يوم امس عن مسؤولين غربيين كانت تحذر من حرب اهلية طائفية في سورية، ولكنها لم تقدم اي مخارج حقيقية من الازمة تضع حدا لاعمال القتل الاجرامية التي تستهدف الشعب السوري.

بان كي مون الامين العام للامم المتحدة قال ان المجازر التي وقعت في الحولة قرب حمص الاسبوع الماضي، وراح ضحيتها اكثر من مئة شخص، نصفهم من الاطفال قد تدفع بسورية الى حرب اهلية كارثية لن تنهض منها ابدا، وكرر مطالبته الحكومة السورية بتطبيق التزاماتها بموجب خطة كوفي عنان.

فلاديمير بوتين رئيس روسيا الاتحادية كرر الشيء نفسه تقريبا في المؤتمر الصحافي الذي عقده في برلين مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل وقال 'ان بلاده لا تؤيد اي جانب (في الازمة السورية) قد يكون مثار خطر نشوب حرب اهلية'.

مجزرة الحولة هزت الرأي العام العالمي، ولكن من المتوقع ان يطويها النسيان بعد بضعة اسابيع او اشهر مثلما كان مصير مذابح اخرى كثيرة في سورية وبلدان اخرى.

النظام السوري المتهم الرئيسي بارتكاب هذه المجزرة، سواء بشكل مباشر، او من خلال فرق 'الشبيحة' التابعة له او المدعومة منه، يراهن بدوره على النسيان، ويواصل تنفيذ حلوله الامنية بشراسة اكبر مطمئنا الى ضعف احتمالات التدخل الدولي.

المعارضة السورية اعتقدت ان فداحة مجزرة الحولة، والصدمة التي احدثتها، ربما تقربها اكثر من هذا التدخل على غرار النموذج الليبي، ولكن اعتقادها هذا يبدو في غير محله.

ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي اكد في تصريحات واضحة ان مثل هذا التدخل العسكري لن يتم الا بعد قرار دولي صادر عن مجلس الامن، وناقض بذلك تصريحات للسيدة سوزان رايس مندوبة بلاده في الامم المتحدة التي قالت ان هناك دولا تبحث امكانية التدخل عسكريا خارج مظلة الامم المتحدة.

الرئيس الامريكي باراك اوباما لا يريد تدخلا عسكريا في سورية في ذروة الحملات الانتخابية الرئاسية، ولانه يعلم ايضا ان مثل هذا التدخل لو حدث سيكون مكلفا لان سورية قوية وتملك جيشا مسلحا تسليحا جيدا خاصة بصواريخ مضادة للطائرات روسية الصنع من طراز 'اس 300' قادرة على اسقاط طائرات مغيرة على عكس الحال في ليبيا التي كانت صيدا سهلا لغارات طائرات حلف الناتو.

بوتين الرئيس الروسي الداعم الرئيسي للنظام السوري اتفق مع مضيفته المستشارة ميركل على ان الحل السياسي هو الطريق الامثل للخروج من الازمة السورية، واشار الى مهمة كوفي عنان المبعوث الدولي والعربي كطريق وحيد للوصول اليه، ولكن عنان نفسه محبط وبات يعتقد ان مهمته هذه وصلت الى طريق مسدود.

المؤكد ان مجازر كثيرة ستحدث قبل ان يتم الوصول الى حل سياسي يبدو سرابا في الوقت الراهن.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سيدفع النظام السوري ثمن مجزرة الحولة غاليا جدا! .. عبدالوهاب المجالي

2012-06-01

القدس العربي

النظام السوري كما يقول المثل 'يقتل القتيل ويمشي في جنازته'، مذبحة الحولة جريمة وحشية وسقوط اخلاقي مريع خارج القيمّ الانسانية لا يقدم على اقترافها عاقل تحت اي ظرف كان، ومرتكبوها ليسوا في عداد البشر وخارج المنظومة الانسانية وليسوا في عداد الحيوانات، وهذا الامر ليس بغريب على نظام يقتات على الدم!

تلك الحادثة لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة، ومن اعتاد القتل وسفك الدماء لا يتورع عن ارتكاب مثل تلك الحماقات، ومنذ اكثر من عام قتل وفقد عشرات الالاف واعتقل اضعافهم بدم بارد، كونهم هتفوا بالحرية الشعار الذي يرفعه النظام، حتى الجنائز انتهكت حرّمتها والتي كان الرسول الكريم يقف احتراما لها عندما تمرّ من امامه حتى لو كانت لغير مسلم! لكن على ما يبدو ان مفهوم النظام للحرية مختزل في اطار عبادته!

اطلاق العنان لقطعان الشبيحة وحماة الاسد لا الدولة للقيام باعمال القتل والنهب والسرقة الغاية منه باتت واضحة وضوح الشمس محاولة 'دب الرعب في نفوس المواطنين للكف عن التظاهر والمطالبة برحيل النظام'، هذا الامر كان ممكنا في الماضي عندما كانت الاحتجاجات تقتصر على منطقة او مدينة او مُعتقل وليس سورية بالكامل.

بعد كل اعمال القتل والتنكيل والتعذيب لا ندري عن اي شرعية او سيادة يتحدث النظام! الشرعية سقطت عنه عند استشهاد حمزة الخطيب ورفاقه، ولا يحق له الحديث باسم سورية والسوريين، وفقد السيادة بمجرد وصول المراقبين الدوليين للوقوف بينه وبين مواطنيه، وخروج كثير من المناطق عن سيطرته.

مهازل.. النظام اعلن براءته وبراءة قواته وامنه وشبيحته من المذبحة سلفا وقبل التحقيق، وفي نفس الوقت يعيب على الاخرين 'استسهال' توجيه التهمة لقواته حسب الناطق باسم وزارة الخارجية، بينما كان من السهل عليه توجيه الاتهام للمعارضة والجيش الحرّ بدون تحقيق، ومن باب الاحتياط اتهام طرف ثالث نكرة لا يعرف له احد هوية او عنوان!

ما الغاية من تشكيل لجنة تحقيق طالما ان النتيجة معروفة! والماساة الاكبر اسناد تلك المهمة للقتلة! ولا نعرف لمن سترفع نتائج عملها، ومن سيصدق ما ستتمخض عنه غير النظام؟ وكيف للعصابات المسلحة ان تقوم بمثل هذا العمل في الوقت الذي يحاصر فيه الجيش المدن والبلدات بالدبابات التي لم تعرف يوما طريقا الى الجولان وانتشار الحواجز العسكرية؟ بينما يهيم الشبيحته في الحواري والازقة وقناصته اعتلوا اسطح المنازل؟!

النظام وصل درجة عالية من الافلاس الاخلاقي الممزوج بالوقاحة والغباء! فكان في مقدمة من ادان المجزرة كما فعل نتنياهو! ولكن على غير العادة لم يقم جنازة رسمية للشهداء على غرار ما فعل لضحايا حوادث التفجير المدبرة في دمشق وغيرها!

الشمس لا تغطى بغربال، والحقيقة لا تحتاج الى بحث، والمؤكد ان البلدة تعرضت للقصف بالمدافع والصواريخ كما روى اهالي الضحايا وسكان البلدة، والمراقبون الدوليون، وما ظهر على اشرطة الفيديو، والجيش الحرّ لا يمتلك اسلحة ثقيلة كالتي تستخدمها كتائب الاسد الباسلة! وليس من المستغرب ان يقول شبيحة النظام ان حالة من الجنون المت بالاهالي وقتلوا ابناءهم!

لا يمكن اخفاء اثار الجريمة، ومخلفات القذائف التي امطرت بها الحولة وقتلت الاطفالهم والنساء والبنات والابناء بيد المكلومين وسيسلمونها للجنرال مود، واثار الدمار لايمكن اخفاؤها، ام انهم يعتقدون ان مود سيأخذ رواية النظام على علّاتها؟!

ماذا سيقول اهالي الضحايا والمصابين لبعثة المراقبين؟ العصابات المسلحة اقتحمت منازلهم واعتقلت ابناءهم واعادتها جثثا هامدة! وهل سيقول النظام ان تلك الاسلحة تمت سرقتها من ترسانة غزاة الديار قاتلي الاطفال.

مود يختلف عن 'الدابه' لكون الاول لا يمكن له ان يتبنى موقف بلاده السياسي من النظام السوري، وبالتأكيد سيدون مشاهداته، وما سمعه هو ورفاقه واقوال المواطنين ولن يكتفي برواية النظام، ولن يستمع للدجل الاعلامي والمهرج شريف شحادة وامثاله باتهام العصابات المسلحة بدعوى ان اهالي البلدة مؤيدون للاسد!؟

خطة عنان ومهمته قاب قوسين او ادنى، وقبول النظام بها ليس لتطبيق ما جاء فيها لانه ببساطة يعني رحيل الاسد وهذا ما لا يدور في خلد الاسد، وقبولها لغاية كسب الوقت ليس الا.

ومهلة الثلاثة ايام للكشف عن منفذي المذبحة انتهت، ولم ولن يكشف النظام عن القتلة الحقيقيين، ولن يستطيع محو الالام من نفوس المواطنين، وستضاف الى سجله الحافل بالجرائم بحق الشعب وسيدفع ثمن الفاتورة عاجلا ام اجلا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا وهذا الإصرار على الحسم الأمني! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

2-6-2012

نقطتان يمكن الاستناد إليهما في تفسير إصرار النظام السوري على الخيار الأمني والعسكري بعد أكثر من أربعة عشر شهرا على انطلاق الثورة وعجزه عن إخماد الحراك الشعبي، أو التخفيف من حدة الأزمة المتفاقمة، بما هو إصرار وتصميم على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه عبر سحق الاحتجاجات بالقمع والعنف العاريين، واستخدام كل أشكال الفتك والتنكيل وبلا حساب، لإخراج الشعب من السياسة وتثبيت حالة الخوف والرعب التقليدية في المجتمع!

النقطة الأولى، تتعلق بالبنية والطابع التكويني لهذا النوع من الأنظمة المعجونة بتاريخ طويل من القهر والغلبة، وبمنطق خاص في فهم السلطة والمسؤولية، جوهره ليس التنافس الصحي لاختيار الأفضل في إدارة المجتمع والأكثر كفاية للتعبير عن مصالح فئاته وتكويناته المتعددة، بل مبدأ القوة والجبروت ووسائل القمع والإرهاب، ما كرس عجزا مزمنا لدى السلطات في تعديل طرائق الهيمنة، حتى لو اضطرت إلى ذلك، لأنها تخشى من الانفتاح على المجتمع وتتحسب من المناخات السياسية، ومن القيام بأي مبادرة أو تنازلات جدية، ولأن لديها وفرة من التجارب تعزز ثقتها بأن العمل المجدي لدوام السيطرة ليس الاستجابة لمطالب الناس ومعالجة مشكلاتهم، بل الاستمرار في إرهابهم وشل دورهم، ربطا بسوء تقدير، ولنقل تضخيم للذات، والاعتقاد بأن ما كرس من قوى يشكل مدماكا راسخا لا يمكن بأي حال زعزعته، وهو قادر على سحق كل من يقف في طريقه!

ويزيد الطين بلة قوة لوبي الفساد المنتشر في مختلف المؤسسات، وتشبثه بمصالح وامتيازات لا يريد التنازل عنها أو عن بعضها حتى لو كان الطوفان، ثم شعور أصحاب الحل الأمني بأنهم وبعد ما اقترفته أياديهم قد وصلوا إلى نقطة اللاعودة، وأنهم يخوضون معركة حياة وموت يرتبط وجودهم ومستقبلهم بنتائجها، خاصة أولئك الذين أوغلوا في ارتكاباتهم ويخشون ساعة الحساب! الأمر الذي يفسر هذا التنافس المرعب في القمع والتنكيل بين أجهزة أمنية متعددة، يطلق كل منها مخيلته لابتكار أي جديد لم يجرب من شأنه إرهاب البشر، فإلى جانب الإفراط في استخدام القوة والعنف لإشعار جموع المتظاهرين بلا جدوى ما يقومون به وأنه ضرب من المحال تجاوز الحالة القائمة وتغيير الأوضاع، هناك التفنن في إرهاق الناس واستنزاف قوتهم وقدرتهم على الاستمرار، عبر تصعيد الاعتقالات الواسعة والعشوائية والحصار المزمن لبعض المناطق والأحياء والضغط على حاجاتها وخدماتها وشروط معيشتها، وأيضا توظيف ما يحصل من تفجيرات لتعميم حالة الرعب من أي حركة أو تجوال، وإشاعة أجواء اللامسؤولية وتغييب المحاسبة كضوء أخضر للآلة القمعية كي تتصرف على هواها، والأهم ترويج بعض الصور والحكايات عن فظاعة القمع والتنكيل دون اهتمام بالتشهير الإعلامي بقدر الاهتمام بوظيفتها في بث مزيد من الخوف والهلع في المجتمع وفي نفوس من لا يزالون مترددين في دخول الميدان والمشاركة!

النقطة الثانية ترجع إلى المناخ العام، إقليميا ودوليا، الذي يتسم بحالة من التردد والسلبية، ولنقل بردود فعل بطيئة ومائعة، لم ترقَ إلى مستوى الحدث السوري، لا بالزمن ولا بالمواقف، بالمقارنة مع سرعتها وقوتها تجاه الأحداث العربية الأخرى، الأمر الذي منح المؤمنين بالحسم الأمني مزيدا من الوقت لتجريب قوتهم وأدوات قهرهم، وهامشا واسعا للتوغل في العنف أكثر، إن لجهة حجم القوة المستخدمة وتنوعها أو لجهة الزمن والفرص! ولنقل شجعهم على استباحة كل شيء وممارسة أشنع وسائل القهر وأكثرها ضراوة وهم مطمئنون إلى أن ردود الفعل العربية والدولية لن تصل إلى المواجهة والردع، ولن تتجاوز حدود الإدانات والعقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، بل وممتلئون ثقة بأنهم يتمتعون بحصانة كبيرة وبأن العالم، وقد أعلنوا عن ذلك مرارا، عاجز عن التوصل إلى موقف موحد للتدخل في سوريا ووضع حد للعنف المتمادي، ومستندون من تجربتهم إلى حقيقة أن للخارج مصالح يركض وراءها، وسيأتي إليهم صاغرا، طلبا لها، ما أن تحسم الأمور لهم، فهم الذين فكوا العزلة الطويلة بعد اغتيال الحريري، وفرضوا بخروجهم منتصرين على الآخر إعادة النظر بمواقفه، والأهم أن لديهم خارجا آخر قويا، روسيا وإيران وحلفائهما، يشاركهم المنطق ذاته، منطق القوة والغلبة، في طرائق الحضور والهيمنة، ويراهنون على دوره في تغطية أفعالهم واستمرارهم في القمع، ومن هذه القناة يمكن النظر إلى الموقف الروسي الذي لا يزال يعيق إصدار قرار أممي لوقف العنف وحماية المدنيين، وأيضا ما يشاع عن دعم اقتصادي وأمني ومالي كبير قدمته قوى عربية وإقليمية للنظام السوري، لتعزيز قدرته على المواجهة وتعويض ما خسره بسبب معركته المتزايدة الضراوة!

يبدو مع كل لحظة تمر أن الحل الأمني عاجز عن إخماد نار الحراك الشعبي، وأعجز عن إحداث التحول الذي تريده السلطة، فالقمع على شدته لم يعد يستطيع إخافة الناس، بل يوسع مناطق الاحتجاج ويزيد عدد المتظاهرين، مظهرا معادلة جديدة في المشهد السوري، بأنه كلما ازداد العنف ارتفع سقف المطالب واتسعت دائرة الاحتجاجات، ولا ينفع هنا تكرار التصريحات الرسمية بأن الأمور بخير وأن الأزمة انتهت، فالأمور في تفاقم مستمر، والأسباب السياسية للاحتجاجات الشعبية تزداد حضورا ووضوحا، كاشفة هشاشة التبريرات وزيف الذرائع المسوغة لاستمرار العنف، وكلمة انكشاف لا تعني ظهور أمر غامض أو جديد بقدر ما تعني انهيار القدرة الإعلامية السلطوية على التغطية والتمويه!

ويبقى السؤال، إلى متى يستمر هذا العناد الأعمى في المعالجة الأمنية والعسكرية، دون اهتمام بآثارها السلبية، وبأنها تفتح أبواب البلاد على المجهول، نحو انفلات الصراعات على غير هدى، واستدراج المزيد من العزلة والحصار والتدخلات الخارجية، والأهم ما سوف يتكبده النسيج المجتمعي ومستقبل الأجيال من أضرار فادحة، وفي المقابل ما حجم التضحيات المفترض أن تقدمها الثورة الناهضة كي تصل إلى تحطيم الطرائق الأمنية والذهنية القديمة التي تدار بها البلاد، والتي أورثتنا ما نكابده من قهر وفساد وآلام ودمار!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحولة ومجازر أخرى  .. منار الرشواني

الغد الاردنية

2-6-2012

كما كان معروفاً سلفاً، انتهت لجنة التحقيق السورية الرسمية في المسؤولية عن مجزرة الحولة، والتي أعلنت نتائج عملها يوم الخميس الماضي، إلى ترديد ذات الكلام الذي كان قد أدلى به المتحدث باسم الخارجية السورية، جهاد مقدسي، قبل ذلك بأيام غداة المجزرة، دون تحقيق أو سواه؛ وذلك بأن المسؤولية لا يتحملها أبداً جيش الأسد وشبيحته، وإنما "مجموعات مناهضة للنظام"، هدفت بارتكاب فظائعها تلك إلى "تقويض وحدة الوطن واستجلاب التدخل العسكري الأجنبي في البلاد".

لكن حتى بتصديق هذا الكلام المعاد منذ بداية الثورة السورية قبل أكثر من أربعة عشر شهراً، فإن ذلك لا يمكن أن يقودنا إلا إلى إدانة نظام بشار الأسد باعتباره المسؤول أولاً وأخيراً عن كل المجازر التي عرفتها سورية، وليست الحولة إلا واحدة منها فقط.

فكما يردد النظام في كل مناسبة، فإن المجموعات الإرهابية المجرمة المقصودة هي جماعات سلفية تكفيرية، تنتمي فكرياً أو تنظيمياً إلى "القاعدة". ولمن لا يعرف أو لا يريد أن يتذكر، فإن تبني ورعاية هذه الجماعات، بافتراض التسليم بمسؤوليتها، لم يكن إلا من قبل النظام ذاته عقب الاحتلال الأميركي للعراق. لكن، وكما اتضح لاحقاً، فإن تسهيل عمل هذه المجموعات في الأراضي السورية وعبر الحدود مع العراق، لم يكن لتخليص الجار الشقيق من الاحتلال الأميركي أبداً، بل إشغالاً لهذا الاحتلال عن النظام السوري بداية، ومن ثم دعماً للاحتلال الإيراني الذي يبدو اليوم السبب الرئيس في اتجاه العراق نحو التقسيم على أسس طائفية وعرقية.

أهم من ذلك يبدو في السؤال البدهي: لماذا يتوقع مرتكبو المجزرة "الحقيقيون" أن كل الشبهات ستدور حول النظام السوري، وليس أي فريق آخر سواه، أكان معارضة أم "قاعدة"؟ أليس ذلك بسبب تاريخ النظام المليء بسفك دماء المواطنين السوريين الأبرياء، فرادى وجماعات ومدناً كاملة؟ أليس ذلك بسبب عقود من التعذيب والتنكيل بالمعتقلين السياسيين كأبشع مجرمين لأنهم عارضو النظام أو واحداً من قراراته أو سياساته؟ أليس بشار الأسد هو من أقر بنفسه في أحد خطاباته بعد اندلاع الثورة، ودونما خجل، أن خوف المواطن السوري من إرهاب النظام يمتد حتى إلى مراجعة السفارات السورية في الخارج؟! ومن ثم، يكون السؤال: هل تغير شيء من تلك الممارسات البشعة حتى اليوم، وفي زمن ما يسميه النظام "إصلاحاً!"؟ أبداً، ولا يستطيع أشد الأغبياء وأشد المستفيدين من النظام ادعاء خلاف ذلك!

بسبب كل ذلك، لا يتحمل نظام بشار الأسد المسؤولية فقط عن الحولة ومثيلاتها من مجازر وقعت، بل وسيتحمل المسؤولية تلقائياً عن كل مجزرة تقع مستقبلاً، حتى لو ارتكبها طرف ثان أو ثالث.. أو عاشر. فمن أجهز على الدولة السورية وشعور أبنائها بالمواطنة، لمصلحة الفاسدين والجلادين، وجعلها بالنتيجة نهباً للجميع، هو من حكمها لمدة تزيد على الأربعة عقود. وبدهي أن إنهاء المجازر لا يكون إلا بإنهاء هذا النظام الذي بات استمراره بما لا يعرف سواه، أي الاستبداد والقتل، لا يشكل خطراً على سورية وأبنائها كافة فحسب، بل وعلى المنطقة ككل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما بين كابل ودمشق: دمنا للأخ ودموعنا للشقيق ! .. فهد السلمان

الرياض

1-6-2012

الصيغة اللفظية المتداولة لوصف العلاقة بين الدول العربية شعوبا وحكومات هي صيغة " الأشقاء العرب " ( مصر الشقيقة وسوريا الشقيقة وهكذا ) . والحالمون من أبناء الأمة تذهب بهم أحلامهم كلما ادلهمت الخطوب إلى التشبث بالمعنى اللغوي لمفردة الشقيق ، وما ترتبه هذه العلاقة اللصيقة من واجبات والتزامات ، حتى يتوهمون أنهم أمام حبل متين ( الدم والدين واللغة ) ، غير أن هذا الوصف ومتى ما تم وضعه على طاولة الامتحان كما يحدث الآن في سوريا فإنه سرعان ما يتبيّن أنه أوهى من خيط العنكبوت ، إذ تتحول تلك العلاقة إلى عبء ثقيل لا حيلة للتخفف منه إلا بالشعور بالجزع وسكب المزيد من قطرات الدموع التائهة على جثة الشقيق الذبيح.

في المقابل الأفغان وصفهم العرب ( بالأخوة ) ، والأخ هي المرتبة الأدنى من الشقيق ، ومع هذا ولإنقاذهم من العدوان السوفييتي تقاطر العرب لنصرتهم بالمال والدم ، أما ( الأشقاء ) السوريون الذين ننام ونفيق على صور جثث أطفالهم منذ عام ونصف فليس لدينا ما نفعله لهم سوى البكاء على دمهم المسفوح تحت أرجل كرسي زعيم البعث ، حتى ونحن نرى كيف تداعت قوى الممانعة من قم إلى ضاحية بيروت الجنوبية لتساهم في حفلة التنكيل بهم . ترى هل هو نفاق تسميات ؟ ، أم لأن الذبح بسكين العدو البعيد حرام يقتضي التضحية بالنفس والنفيس ، أما الذبح بسكين ابن الوطن ففيه قولان حتى ولو بانت عداوته وآزرته كل أنصال المتربصين . لا أقول هذا لأدعو للماثلة لأني أعرف مما يتركب النظام العربي ، وكيف يصوغ حركاته وعلائقه ، ولكني فقط أقيس حجم المفارقة الرهيبة التي تبذل الدم من أجل ( أخ ) وتغص بدمعة ساخنة إزاء ( شقيق ) يذبح كل لحظة بدم بارد على مرأى ومسمع الجميع ؟ .

عذرا ( أشقاءنا ) في سوريا .. سامحونا من الخليج وإلى ضفاف الأطلسي إن لم نجد ما ننصركم به سوى الدموع ، هكذا فعلنا ولا زلنا مع أشقائنا في فلسطين ، وعزاؤنا أنكم أنتم فعلتم الشيء ذاته معهم ، لأن قوى الغرب المتنفذة لم تشعل إشارات المرور الخضراء إلى الشام كما فعلت عندما كان الطريق باتجاه كابل ، والمدية في حنجرة الروس ، سامحونا فكم تمنيناكم أخوة لا أشقاء (!! ) . سامحونا رجاءً لأن الغرب لا يزال على أمل أن يُنضج طبخة نووي إيران حليف قاتلكم بمقلاة المالكي في بغداد ، وإن لم تنضج فلا بأس من نقلها إلى المطبخ الروسي الحليف الآخر الذي تُقتلون كل يوم بأسلحته . فقط انتظروا حتى تفقد إسرائيل صوابها بعد أن تتأكد من احتراق الطبخة ، أو تستطعم نتاجها ، عندئذ فقط سيكون لهؤلاء المراقبين الذين يجوبون طرقاتكم أعين يبصرون بها ، وآذان يسمعون بها ! ، أمّا لماذا ؟ .. فلأن نظام الممانعة الذي رقص طويلاً على معزوفة العروبة ولكن ب ( الكرنا ) والطبل الإيراني ، قد وضع دماءكم ضمن مقادير تلك الطبخة النيئة والدنيئة التي تضعها طهران على النار كلما أحست بالخوف والجوع ، وتبعدها عنها متى شعرت بالأمان .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المشهد السوري: سيناريوهات ما بعد خطة عنان  .. عبد الرحمن مظهر الهلوش

2012-05-31

القدس العربي

يتخذ النقاش والجدل حول سورية منذ ولادة خطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان مساراً جديداً (سورية ترفض توصيف عنان بالمبعوث العربي بسبب ما تؤكده دمشق من أنّ العرب لم يعطوها مثلما أخذوا منها). فخطة عنان تعتبر بنظر كثير من المراقبين والسّاسة في عواصم القرار نهاية طريق، فإما الحل أو الانزلاق إلى الحرب الأهلية(تصريح وليم هيغ- سيرغي لافروف 27/5/2012)، لذلك تلك الخطة والحلول المقترحة والتصريحات الدولية المتناقضة أصبحت مثيرة للجدل.

بعض القوى الكبرى ولا سيما روسيا تحاول الحفاظ على زخم المراقبين الدوليين على الرغم من العقبات الكبيرة التي تعترض عملهم من أكثر من جهة محلية وإقليمية وحتى دولية. أصبحت سورية ملعباً لكثير من القوى الكبرى والصغرى وحتى التابعة، تداخلت المصالح والخيارات والحلول للأزمة السورية فهناك من يريد تحقيق مكاسب اقتصادية على المدى الطويل والمتوسط وهناك من لا يريد للأزمة السورية أن تطول والبعض يريد تحقيق أجندة في الجوار السوري عبر تغيير النظام في سورية.

ولكن أمام تلك الأهداف المتناقضة على ما يبدو أنّ كل اللاعبين متفقون على مطلب وضع إستراتيجية خروج من الأزمة بعد خمسة عشر شهراً على بدايتها. عبر خطة دولية اتفقت عليها القوى الكبرى عبر توقيت زمني. فلا يجب علينا من الآن الدخول في تحليل متخّيل بشأن عواقب ما بعد خطة عنان، إنّ المطلب الحيوي اليوم سواءً من المعارضة بكل مكوناتها والحكومة السورية الخروج من نفق القتل والاغتيال وإنّ مزيد من الانتظار السياسي سيؤدي إلى مزيد من القتل، وأنّ المطلب الحيوي بالنسبة لسياسة خروج مقبولة من الأزمة السورية وفق حلول سياسية تبدو للكثير من المتابعين غامضة حتى اللحظة فلا يوجد حداً زمنياً يجبر أطراف الأزمة السورية على إنهائها عبر الدخول في مفاوضات وإن غير مباشرة، لأن النتائج في سورية ما بعد خطة عنان في حال استحالة تنفيذها أو لنقل عرقلتها من بعض الأطراف الإقليمية قبل الدولية، ستشكل عنوان العقد القادم في المنطقة تتمثل بسلسلة من التشنجات والانهيارات في التحالفات بين أكثر من طرف وعلى أكثر من صعيد؛ ومع استيعاب العالم لخطورة ما يجري في سورية فإنّ توافقاً غربياً أوربياً أمريكياً روسياً قد تبلور أكثر في القمة الدولية في شيكاغو الأميركية مفاده الأزمة في سورية إما حلها سياسياً أو حصول أزمة في العلاقات الدولية ربما تفوق أزمة الصواريخ الكوبية بعشرات المرات؛ أزمة مزدوجة سياسية واقتصادية، لأن تدخلاً عسكرياً في سورية كما تريد بعض الأطراف الإقليمية المجاورة لسوريا وبعض أجنحة المعارضة سيتعرض للفشل؛ والقوى الدولية الفاعلة تدرك ذلك وتصريحات المسؤول الأول في الأطلسي في القمة الأخيرة للدول الأعضاء في الولايات المتحدة (راسموسن) من أن التدخل الخارجي في سورية لا يمكن أن يكون فاعلاً؛ لأنه لا يوجد إستراتيجية قابلة للتطبيق في الحالة السورية المعقدة لجهة البعد الجيوسياسي؛ فالقضايا المطروحة في سورية بدأت تدريجياً تنحو منحاً سياسياً؛ لأن القوى الكبرى اليوم باتت تعيش في ظرف دولي جديد عقب تشكل أقطاب دولية منافسة للولايات المتحدة الأميركية والتي باتت مغلوبة على أمرها في منطقة من أخطر وأهم المناطق في العالم بالنسبة لأمريكا فكيف ترضى الولايات المتحدة بوصول الإسلاميين إلى الحكم في أكثر من عاصمة عربية ليس لأن توجه هؤلاء كما يشاع معتدلاً لكن لأن الولايات المتحدة لا حول ولا قوة لها وربما بدأت تنبؤات المفكر بول كنيدي.

إنّ العدالة والمسؤولية التي يتحدث بها الجميع من المعارضة إلى الحكومة إلى المجتمع الدولي هي أن يعمل هؤلاء جميعاً عبر طرق ومخارج تدعم قدرتهم على تشكيل مستقبل الشعب السوري بعيدا عن أي مصلحة أنية أو مستفبلية لأي طرف داخلي إقليمي أو دولي. ومن هنا يجب أن ننتبه إلى عدم السماح بأن يكون جعل السياسة القائمة لتطبيق خطة عنان أحادية الجانب يجب عدم ارتهان الأطراف الدولية الفاعلة لأي طرف من أطراف الأزمة في نزاع محتدم منذ 15/3/2011.

ستبقى الأهداف السياسية المطلوب تحقيقها من خلال خطة المبعوث الأممي كوفي عنان نظرية حتى يتم توفير أمن كاف في سورية؛ ففي مناخ تسوده الاغتيالات السياسية والقتل بالجملة وتدمير للبنية التحتية للبلد في هذا الجو لا يستطيع أي طرف دولي أن يعمل بحياد ومهنية؛ سيتم قياس نجاح أي إستراتيجية تحقيق للسلام والوفاق والمصالحة في سورية على أسس مبنية على أرضية من الانجاز والحقيقة؛ لا على حدود الوقت المصطنعة من هذا الطرف أو ذاك؛ المطلوب إجابات إيجابية وصريحة من المبعوث الدولي الزائر لدمشق: ما هي حدود الزمن لحل الأزمة السورية؟. خصوصاً إنّ هناك شبه إجماع دولي على حل الأزمة السورية بالطرق السلمية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المجزرة في سورية لا تُقاس بالعروبة! .. مرزوق الحلبي

الجمعة ١ يونيو ٢٠١٢

الحياة

ما يحصل في سورية الآن مع تصعيد حرب النظام ضد الشعب السوري وتتالي مجازره لا يحتمل التأويل. نظام قرّر الذهاب إلى حتفه عبر نفق الأرض المحروقة لكن ليس قبل أن يحفر بماكنته العسكرية قبوراً جماعية لأناس ما اختاروا الموت بل فُرض عليهم فرضاً فيما لم يتجاوز البعض منهم موسماً أو موسمي ثلج وربيع. مجازر الأيام الأخيرة علامات دموية لما قد يتطور لاحقاً بأيدي نظام أعلن الحرب على شعبه وعلى وطنه الخراب. فما الفائدة من مناكفة الشاشات أو عدسات الكاميرا أو الهواتف المحمولة والاستماتة في تفنيد صورها وأصواتها! ما الفائدة ما دامت المسألة تعدت سؤال العروبة والثورة والمقاومة والاستعمار الجديد والقديم والعمالة وعروش النفط وما أشبه من كلام يُراق بيُسر كالدم ويفتك بمعانيه كالأرواح في سورية!

يُفسّر لنا الحاصل في سورية الآن وردود الفعل عليه بشكل جليّ كيف حصلت مجزرة الأرمن وكيف وقعت المحرقة، وكيف حصلت حرب الإبادة في الصرب أو رواندا، وكيف حصلت النكبة ومفاعيلها المستمرة إلى الآن. فقد كانت هناك كما الآن معادلات وموازين قوى أتاحت للفاعل كل الوقت وزودته بكل أدوات الجريمة. وقد كان هناك كما الآن في سورية نظام حاكم ونظرية مكتملة وغسل أدمغة وقسر وإرهاب تؤلّف ماكنة تُخضع الإنسان وتضطرّ الفرد على أن ينصاع لجبروتها وأن ينصهر ك»أنا» في «كل» وحشي. هناك، وهنا في سورية يصير الإنسان ضحية مرتين، عندما يقتُل وعندما يُقتَل بنار الأخوة! هنا وهناك رأينا كيف يصير تأييد المجازر والقتل المنهجي مجرّد وجهة نظر وفلسفات مدعومة بتنظيرات من علم النفس والسياسة والتاريخ. هناك وهنا في سورية التي في الجغرافية وتلك التي في القلب أناس احترفوا تشغيل آلة الكذب والدجل والمماحكة الإعلامية بحجة وجود ماكنات مماثلة تعمل باتجاه آخر. هناك وهنا في حماة والحولة يُسجّل الإنسان الذي قال عنه برنارد شو أنه مُبدع في فنون القتل مشاهد مروّعة باسم «قيم» أو «مبادئ» أو «مقدّس». هناك كما هنا يداس الإنسان وكرامته وجثثه وموته بحجة «الأهداف النبيلة» إياها، الهوية وأمن الوطن والمقاومة وما شاكلها من تمثيلات حزّ نظام الأسد نفسه أعناقها وكواها بالتيار مدة خمسة عقود!

الجمود في موازين القوى العالمية لا يجعل روسيا أفضل ولا الصين أكثر عروبة من قطر أو السعودية. ولا هذا هو السؤال أصلاً. فليس مهماً لغرض اتخاذ موقف من مُحدث المجزرة، الذي يعدنا بمثلها وأفظع، أن نفحص هوية داعميه من اللاعبين الدوليين ولا هوية مناهضيه. فهي إدارة لمفتاح النقاش على محور غير المجزرة ومشهدها المروُع والانحراف بمعيار الحكم على الأمور إلى موضع الضباب والخطأ. فالشعب السوري المنتفض ضد طاغية مستبدّ ونظرية عقيمة في الحكم والعروبة والمقاومة وممارسة معطوبة للسلطة والإدارة الاقتصادية والسياسة ليس بطلاً ولا أسطورة وإنما شعب اختار أن يشارك شعوباً عربية أخرى الولادة من جديد. شعب قام بعد عقود استطاع النظام خلالها أن يغلق في وجهه كل أبواب التغيير سلمياً أو «طبيعياً». عقود فُصّل فيها الدستور وكُسر متنه ليلائم مقاس النظام ورأسه، ورُهنت البلاد لمصالح النظام وصودرت الحقوق كلها كرمى للنظام. هل يُمكننا - إلا إذا كنا من أصحاب الأخلاقية المثقوبة والفكر الأيديولوجي المعطوب - أن نطالبه بخاصة بعد هدر دمه واستباحة حيوات 13 ألفاً من أبنائه أن تظلّ حركته سلمية ترش الأرزّ والورد على عساكر مدرّبة على الفتك! وهل يحق لأحد أن يُطالبه بعدم التسلّح من أي مصدر كان لتوفير ولو بعض الحماية لمناطق ريفية نائية أو أحياء مدينية من بطش النظام! هل يحق لأحد بخاصة من خارج سورية ممن يجلسون وراء طاولاتهم مرفهين وفوق رؤوسهم خرزات زرقاء من عيون الحاسدين، أن يقولوا لهذا الشعب المنكوب، تريث قليلاً ريثما تمتلك إيران قنبلتها النووية! أو تريث واصبر ريثما يفقأ النظام عين لائميه وينتصر على القوى الدولية المعادية!

مثل هذه المواقف تماماً رافقت الحالات التي شهدت المجازر والكوارث السياسية المذكورة بحق الشعوب. ومثلها تماماً تشكل غطاء للمجازر وفاعليها وتمدّد لهم ليُتموا ما بدأوه أو لينجزوا منه ما أمكن!

المسألة السورية لم تبدأ مع الربيع العربي. فطبيعة النظام معروفة وتصنيفه العلم - سياسي معروف. وهي ليست حدثاً يُقاس بالعروبة ومدى سريانها في العروق أو بموقف روسي انتهازي أو إيراني أكثر انتهازية ولا بموقف قطري أو أميركي يريد الاستفادة من الأزمة ولا بجمود دولي يكشف بؤس هذا التجلي من تجلياتها، بل بميزان حقوق الشعوب في تغيير حكامها لا سيما إذا كانوا دمويين على هذه الشاكلة، حقّ الشعوب في أن ترفع صوتها وإن لم يكن المناخ الدولي مسانداً أو المجتمع الدولي مستعداً للتدخل، حق الشعوب في أن تكون حرة من كل طغيان ولا يهمّ بأي حجة يأتي ويتمدّد، حق الشعوب في أن تقول لا، حق الشعوب في أن تحقق ذاتها موفورة الكرامة الإنسانية.

_*_*_*_*_*_*_*_*

قراءة في إضراب تجار دمشق  .. عمر قدور *

الجمعة ١ يونيو ٢٠١٢

الحياة

قبل شهر من التاريخ الرسمي لاندلاع الثورة السورية، وبتاريخ 17/2/2011، اندلعت تظاهرة عفوية في قلب دمشق، في منطقة «الحريقة» التجارية إثر اعتداء عناصر من شرطة المرور على شاب من تجار الحي؛ يومها هتف المتظاهرون بشعار سيصبح واحداً من الهتافات المعتمدة لاحقاً «الشعب السوري ما بينذلّ». للتذكير: سارع وزير الداخلية آنذاك إلى الذهاب إلى منطقة الحريقة بغية احتواء غضب التجار، ووعد بمعاقبة عناصر الشرطة المعتدية، بل أُعطيت عناصر الشرطة تعليمات بالتساهل التام مع مختلف أنواع المخالفات في رسالة للمواطنين مفادها «افعلوا ما شئتم ولكن لا تتظاهروا». ومن الواضح أن النظام سعى بدءاً من ذلك التاريخ لعقد صفقة فاسدة مع أوسع شريحة ممكنة من «الجمهور»، تقضي بتخليه عن مسؤولياته في تطبيق القانون العام، وبالتالي إطلاق العنان للفساد وتجار الأزمات، مقابلَ الحفاظ بشدة على سطوته الأمنية وقمع الحريات السياسية؛ باختصار لم يخرج النظام عن مألوف عادته بشراء الذمم ما دام الدفع يتم أصلاً من مقومات الدولة لا من رصيده.

بعد تلك التظاهرة اليتيمة صمتت أحياء الوسط التجاري التقليدي في دمشق، ولم تنفع محاولات استثارتها من خلال تظاهرات محدودة العدد والمدة قام بها ناشطون من خارج المنطقة. أعرض التجار عن تلك التظاهرات، ولعب بعضهم دوراً سلبياً جداً، إنْ بإرشاد قوات الأمن إلى الناشطات والناشطين الهاربين من وجهها في الأزقة، أو حتى بمشاركة الشبيحة والأمن في ضرب المتظاهرين وتوجيه الشتائم إليهم. ظهر جلياً أن الطبقة التجارية لن تضحي بمكاسبها الآنية المرتبطة بالسلطة، ولعل هذا من العوامل التي أدت إلى التوقف عن دعوات الإضراب الشامل أو ما سُمّي حينها «إضراب الكرامة»، إذ اقتصرت الاستجابة على البلدات والأحياء الثائرة، فضلاً عن تقدّم خيار التسليح إلى الواجهة وما رافقه من اختلافات في وجهات النظر ضمن أوساط المعارضة. لذا لم يكن متوقعاً أن يلتزم تجار الوسط التقليدي بالإضراب المعلن بدءاً من 28/5/2012، ولم تكن النسبة العالية لالتزامهم بالإضراب متوقعة بدورها، وقوبل الأمر باحتفاء واضح من قبل الناشطين بعدّه مؤشراً واضحاً على النهاية الوشيكة للنظام.

على نحو ما قد يُنظر إلى إضراب التجار الدمشقيين على أنه بمثابة انشقاق دراماتيكي عن النظام، بخاصة بعد السمعة السلبية التي اكتسبوها في الأشهر الأخيرة، وقد تكون هذه هي نظرة النظام وأنصاره أيضاً الذين سارعوا إلى توجيه الأصابع إلى جهات خارجية أعطت الأمر، مستندين إلى عدم تعاون غرفة تجارة دمشق مع النظام من أجل فك الإضراب، بعد أن فشل الأمن والشبيحة في إجبار التجار على فتح محالهم بالقوة. سيأتي طرد السفراء السوريين في اليوم التالي ليوحي هذا التزامن بوجود تحول واسع النطاق، وحتى بوجود تناغم ضمني بين قوى داخلية وخارجية فاعلة، أي أن الحلقة بدأت تضيق حقاً حول رقبة النظام، ووفق منطق المؤامرة الذي يروّجه الأخير سيبدو أيضاً موقف التجار معزولاً عن السياق الداخلي العام.

إلا أن ما تسرب من أنباء قبل أسابيع قليلة عن الاجتماع بالتجار، وتوجيه التهديد لهم بإحراق دمشق، يكتسب صدقية اليوم لجهة وجود افتراق مطرد بين الطرفين، فلا يغيب عن الأجهزة الأمنية للنظام أن بعضاً من التجار تخلّف عن إعلان انحياز سياسي واضح لصالح الثورة لكنه لم يتخلف عن المساهمة المستترة في تقديم الإعانات للأسر أو المناطق المنكوبة على أيدي قواته، الأمر الذي لا يمكن التسامح معه من قبله. بل وصل البعض، بحسب ما يُشاع، إلى حد المساهمة المالية في تسليح كتائب تعمل ضمن الجيش الحر، ولا شك في أن التهديد بإحراق دمشق قد بني على معلومات من هذا القبيل.

طوال مدة أزمته اعتقد النظام أن بمقدوره السيطرة على النخبة الاقتصادية بحكم المصالح المشتركة بين الطرفين، وأيضاً بحكم القبضة الأمنية الشديدة، وجرياً على عادته أنكر التأثيرات القاسية والمديدة للعقوبات الاقتصادية الدولية؛ تلك التأثيرات التي قد لا تنال من أثرياء السلطة مباشرة لكن أثرها على النشاط الاقتصادي العام أكبر من أن يُنكر، ناهيك عن الكلفة اليومية الباهظة وغير المعلنة لحرب النظام. صحيح أن الأخير قد نجح في السيطرة على أسعار الصرف ضمن ارتفاع مقبول نسبياً إلا أن ذلك لا يدل أبداً على قوة الاقتصاد السوري، ولا يؤشر إلى التضخم الحقيقي الذي طال القوة الشرائية العامة ومن ثم الاقتصاد برمته. في الواقع إن الركود الاقتصادي، وحتى الشح الكبير في مصادر الطاقة اللازمة للإنتاج، وصلا إلى حد لم يعد احتماله سهلاً ما يتطلب حلاً جذرياً، وحيث أن النظام لم يثبت قدرته على الحسم فإن المزاج يتجه إلى التضحية به.

من جهة أخرى، لا يجوز عزل إضراب دمشق عن التأثيرات المتبادلة بينها وبين مدينة حلب، إذ من المرجح أن انخراط الأخيرة المتأخر والحثيث في الثورة قد أعطى إشارة للأولى بوصفهما المدينتين الأكبر والأثقل اقتصادياً، مع التنويه بأن التظاهرات لم تغب عن أحياء حلب التي تقطنها شرائح مؤثرة اقتصادياً. من الناحية النفسية انقلب تحييد المدينتين، الذي طالما ركز عليه ناطقون باسم النظام واستقووا به، فتقدمت المدينتان في وقت أُنهكت فيه بؤر الثورة الأخرى، وليس من المغالاة القول إن إشارة بدء طال انتظارها منهما قد انطلقت مؤخراً ما سيدفع بالثورة إلى عتبة غير مسبوقة. وغير بعيد عن ذلك يلوح أثر آخر محتمل يتمثل بعودة الثقل السلمي للثورة بعد تكاتف عوامل الإحباط واليأس، فالإضراب يبشّر، إذا ما قُيّض له ولثقافته الاستمرار، بالوصول إلى عصيان مدني شامل يرى فيه الكثيرون السبيلَ الأمثل والأقل كلفة لإسقاط النظام.

إذا تجاوزنا الاعتبارات الوطنية والأخلاقية بوسعنا القول إن المهلة الممنوحة للنظام من قبل النخبة الاقتصادية قد أخذت بالنفاد، ولن يفيده بشيء أن يحاول استرجاع تجربة الثمانينات حين ربح معركة كسر العظم مع التجار؛ إن الوسط الخالي سوى من عناصر الأمن والشبيحة ينذر بأنه لم يعد يحتمل وجودهم أيضاً.

_*_*_*_*_*_*_*_*

لا حل سياسياً في سورية .. الحياة

الجمعة ١ يونيو ٢٠١٢

دعوة النظام السوري الى الجنوح نحو حل سياسي تفاوضي أو الانخراط في عملية نقل للسلطة، تبدو أقرب إلى نكتة مستهلكة من نكات مسارح القوالين.

إذ كيف يمكن نظاماً كان هاجسه الأول منذ امساكه بالسلطة قبل نصف قرن، القضاء على كل أشكال الحياة السياسية في بلده، رعاية عملية سياسية معقدة تفضي حكماً إلى تخليه، ليس عن المناصب التي نصّب رؤوسه أنفسهم عليها، بل عن آليات الحكم والاستيلاء على المجال العام بما في ذلك الاقتصاد والتعليم ونظم القيم الرمزية؟

والأقرب الى الصواب أن النظام لم تخطر له فكرة المصالحة او التفاوض او أي تعبير من تعابير الحل السلمي على بال، على رغم تنظيمه عدداً من اللقاءات بين اشخاص ينتهي نسبهم العقدي والسلوكي والسياسي اليه. ولم تكن اللقاءات هذه في واقع الأمر سوى محاولات سطحية لاشغال الشارع السوري والالتفاف على الضغط الخارجي المطالب بإصلاحات واسعة.

ومَن يتابع مواقف المسؤولين السوريين اثناء اجتماعاتهم مع الموفدين الاجانب، يلاحظ من دون عناء، تمسكاً مستمراً منذ اندلاع الأزمة، بمستويين من الخطاب: التسويف أولاً، وإلقاء اللوم على الطرف الآخر ثانياً. ففي بدايات الثورة كانت الردود السورية الرسمية من نوع «اعطونا وقتاً كافياً لانجاز الاصلاحات» أو «نعمل بكل طاقتنا على تصحيح الأخطاء التي نعترف بها». مع تجذر الثورة وتقدمها وانضمام أعداد كبيرة من السوريين اليها، تحولت احاديث المسؤولين الى الاصرار على «وقف تسليح وتمويل الجماعات المسلحة» و «رفض التدخل الخارجي» و «غياب المحاور عن المعارضة المشتتة».

في كل الأحوال، كان الأمر الواضح الوحيد في هذه المواقف السعي إلى افراغ أي حوار وتفاوض من مضمونهما. ويختصر النظام رؤيته للتغيير بأنه هو الجهة القادرة على معالجة كل أزمات سورية، ولكن العنف الذي تمارسه عصابات لا تمت الى السوريين بِصِلة، يعوق تقدم المعالجات والاصلاحات. ويضيف بعض التوابل على هذه النظرة السطحية بكلام عن مؤامرات عالمية آخر مظاهرها طرد سفرائه من الدول الغربية. «فيك الخصام وأنتَ الخصمُ والحكمُ» على ما قال المتنبي (مع التشديد على الفوارق بين الأفراد المعنيين).

يقود ذلك وغيره إلى الجزم بعجز النظام السوري عن تقديم رؤية للخروج من المأزق الذي زج البلاد فيه من جهة، وعن قبوله الحل السياسي بأبسط أشكاله وهو الاعتراف بوجود أزمة كبرى تجتاح سورية وبدور متعاظم الأهمية لقوى المعارضة المختلفة التي تحظى بتأييد قطاعات حيوية من الشعب السوري ومن مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية.

النهج هذا الذي يعتمده الرئيس بشار الأسد ينطوي على معنى واحد: التشبث بالسلطة حتى لو دُمرت سورية وانزلقت نحو حرب اهلية طائفية بدأت تذر بقرنها. ولن تصل «القيادة الحكيمة» الى الاستنتاج اللازم لتجنيب السوريين وسورية هذه الكأس بسبب انفصالها عن الواقع ودرجة الإنكار الشديدة التي تعيش فيها واعتمادها في فهمها للأمور على أدوات امنية بائسة الأساليب والرؤى وعلى «خبراء استراتيجيين» جلّهم من حواضر البيت اللبناني، المفلس هو الآخر.

يطرح الاحتمال المظلم للمستقبل على القوى المعارضة، وخصوصاً تلك المؤثرة في الشارع والقادرة على المبادرة الميدانية، مهمة ملحّة تتمثل في الاسراع في تغيير المسار الذي يدفع النظام سورية اليه. ولا مفر من الاقرار بصعوبة هذه المهمة وبضآلة الخيارات فيها ومرارتها، بعدما قضى العقل الاقصائي- الاستحواذي على كل فرص الحوار السياسي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لا بديل عن تسليح المعارضة السورية  .. طارق محمد الناصر

الرياض

31-5-2012

هل كان المجتمع الدولي بحاجة لمجزرة دموية بحجم مجزرة الحولة كي يعاود التنديد بمجازر بشار الأسد ورجاله بعد فترة طويلة من الصمت. أليس واضحاً مقدار تعنت النظام السوري وعدم قبوله، مطلقاً، بأي تسوية تسمح برحيله سلمياً. هل الصمت الدولي وتمني أن تحل المشكلة نفسها بنفسها يمكن له أن يحسم الأمور؟

لا أظن أن عاقلاً يمكن له الآن أن يتحدث عن حل سياسي. فالمعارضة السورية في الخارج، للأسف، أثبتت فشلاً ذريعاً في الارتقاء لمستوى التضحيات التي يقدمها السوريون في الداخل. وإذا أضفت إلى ذلك عدم قدرتها على تشكيل جبهة تحظى بتمثيل شعبي حقيقي تستطيع التفاوض من خلالها مع النظام من موقع قوة وكذلك التحدث مع العالم أدركت ان الحديث عن دور لها في الحل يبقى متعذراً.

اما النظام فليس من الوارد، أبداً، ان يقبل بحل سياسي يفضي، في النهاية، لرحيله. كما ان بنية النظام وتركيبة القوى التي تدعمه وتورطت معه في سفك الدماء لن تسمح للأسد بالقبول بحل سياسي حتى لو رغب، افتراضا، بذلك. لهذا فان الحديث عن حل سياسي شبيه بنموذج الحل الخليجي في اليمن ليس إلا ترفاً يستعصي على التطبيق في الحالة السورية.

يبقى الحل المنطقي والوحيد هو في دعم المعارضة الداخلية وتشجيعها فهي، وليست معارضة الخارج، الطرف الفاعل على الأرض. وكي ينجح هذا الحل يتوجب على المجتمع الدولي إقرار منطقة آمنة تحت البند السابع من مجلس الأمن، ويترافق ذلك مع الإقرار بحق السوريين في الدفاع عن أنفسهم أمام آلة القتل الأسدية. فالإقرار بحق الدفاع عن النفس يعني، ببساطة، تمكن الجيش السوري الحر من عقد صفقات التسلح والتمتع بشرعية الدفاع عن المدنيين في وجه النظام.

يجب على العالم مواجهة الحقيقة المرة والنظر بواقعية للمأساة الدامية في سوريا. فأحداث الأشهر الماضية تجاوزت، عملياً، الجدل الدائر حول المخاوف من أن يؤدي تسليح المعارضة إلى حرب طائفية. فالحرب الطائفية مستعرة الآن وستستمر حتى إسقاط النظام سواء تم تسليح المعارضة أم لم يتم. والحديث هو عن الثمن الذي يجب أن يدفعه السوريون من دمائهم وأعراضهم قبل اقتناع الجميع بأن تسليح الشعب السوري سيساهم في التخفيف من معاناة الأبرياء.

لقد استفاد الرئيس السوري من مهل كثيرة وقدمت له مبادرات متعددة لكنه أفشلها الواحدة تلو الأخرى. أصبح جلياً انه يراهن على الوقت وعلى نشر الرعب في قلوب السوريين. إلا ان رهان الأسد وخطته يشكوان من خلل جوهري هو ان خمسة عشر شهراً من حملات القتل المنهجي لم تنجح في إيقاف زخم الثورة. فكيف يراهن، بسذاجة، على ان بإمكانه سحقها بارتكاب مزيد من المذابح.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجزرة الحولة  .. محمد بن حمد البشيت

عكاظ

31-5-2012

العالم بأسره، وأقصد العالم العربي والإسلامي، هزته مجزرة (أطفال) الحولة، الذين ذبحوا بالسكاكين من الوريد للوريد مع أمهاتهم، مذبحة جماعية ناهز تعدادها (104) قتلى كان من بينهم أربعون طفلا، وقد عرضت الفضائيات صور جثامينهم المروعة، إنه منظر تأنف منه وتجرمه الديانات السماوية، فبأي دين أو ذنب قتلوا.. ولكنه النظام الدموي الذي ليس له دين ولا رادع.. قد تجاوز بغيه كل الأعراف والقيم والأنظمة الدولية، والبركة في الروس والمجوس!!.

وإذا ما تتبعنا نهج حزب البعث وأفعاله فمن البديهي أن القتل والتعذيب هو ديدنه في معتقلاته ووسيلته التي جبل عليها لديمومة حكمه، فما كان خافيا بالأمس فيما يمارسه تحت الأرض ظهر اليوم علانية على سطحها.. بعد أن شعر بتداعي أركانه وزوال سلطته وتسلطه، فجن جنونه، وهو يرى ثورة شعبه الأبي يدافع ببسالة طيلة خمسة عشر شهرا عن حريته وكرامته بصدور عارية لم يثن القتل والتهجير من عزمهم عن مواصلة الثورة للإطاحة بنظامه الدموي، القائل: «إما أحكمكم أو أقتلكم»، وهو الذي لم يجد أمامه من حل لإسكاتهم غير العنف وسلاحه لإبادتهم. ورغم ذلك فالثورة تتصاعد لمواجهة الطاغية الذي حينما أعياه الدخول للمدن بترسانته الحربية، وقد تصدى له (الجيش الحر ) عمد لقصف المدن والمباني بالمدافع والطائرات بضراوة، فزاد تعداد القتلى والجرحى، في معظم المحافظات السورية وضواحيها وأريافها، حتى أنه وجد الكثير منهم ورائحة الحريق تفوح من أجسادهم، بمثل ما تفوح رائحة البارود من أجساد الذين يعدمون بشكل جماعي.

ولعلنا نتذكر قبل فترة وجيزة المقابر الجماعية، كان من بينها ما قام به وحوش جيش النظام قبل مجزرة الحولة الأخيرة.. وقد ألقي القبض على مواطنين في مظاهرة بحمص، فحفر لهم جنود النظام حفرة ودفنوا وهم أحياء، فمن يستطع أن يفسر لنا هذه الكوميديا البغيضة السوداء للنظام الإجرامي ؟!!!.

فمجازر بشار وأركان نظامه، بمثل مجزرة (الحولة) التي لم تجف دماء أطفالها، لن تكون آخر مجازره.. ومع ذلك لايزال الغرب وأمريكا لم يرف لهم طرف عين، عن هذه المذبحة الإنسانية!!، ورغم ذلك لازالت الشيوعية الروسية تزود النظام بالسلاح لقتل المزيد من الشعب السوري .. ففي أثناء مجزرة الحولة كانت سفينة روسية محملة بالأسلحة، ترسو في ميناء طرطوس، فموقف الغرب وأمريكا واضح من (الثورة السورية).. إنها لعبة سياسية خسيسة، للمماطلة في اتخاذ القرارات الحاسمة في إيقاف نزيف الدم السوري المراق، ما لم يتم التأكد مما ستكون الحال عليه لمرحلة ما بعد الأسد، لأجل أمن دويلة بني صهيون !!!.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الشعب السوري والحماية الدولية! .. د.علي راشد النعيمي

تاريخ النشر: الخميس 31 مايو 2012

الاتحاد

لقد بدأ الشعب السوري ثورته السلمية مطالباً بالحرية والعدالة، وساعياً لرفع ظلم كبير وقع عليه واستبداد عظيم حكمه سنين طويلة، ومطالبه عادلة بمقاييس العدالة الدولية والحقوق الأساسية التي أقرتها القوانين الدولية، ولكن هذه المطالب جوبهت بسياسة القتل والإبادة الجماعية والأرض المحروقة من قبل النظام، والعالم يطلق المبادرات الواحدة تلو الأخرى لعل النظام يستجيب أو يتوقف عن ذبح شعبه، ونتيجة تلك الجهود كان تلاعب النظام بهذه المبادرات والتعامل معها بأسلوب المناورات السياسية مع الاستمرار في حرب الإبادة دون تمييز بين نساء وأطفال ورجال، أمام مرأى العالم وسمعه، والمواقع الإلكترونية مليئة بالأدلة التي تثبت وتؤكد إجرام النظام ضد شعبه. فماذا يتنظر العالم لكي يتحرك لإنقاذ الشعب السوري؟ لو افترضنا أن أكاذيب النظام بوجود الجماعات المسلحة والمندسين صحيحة وهو عاجز عن حماية شعبه ألا يستحق الشعب السوري حماية دولية تواجه آلة التدمير التي يتعرض لها؟

لو قبلنا رواية النظام كما يدعيها وهو عاجز عن إيقاف القتل ألا يجدر بالمجتمع الدولي ومجلس الأمن وحلف "الناتو" التدخل لحماية الأبرياء من قصف الصواريخ والمدفعية والدبابات؟ هل يجهل العالم حقيقة ما يجري في سوريا، أم أنه يتعامى عن ذلك لأمور تتعلق بمصالحه هو ومصالح إسرائيل؟ هل يجهل العالم التدخل العسكري الخارجي ممثلا بإيران و"حزب الله" وميليشيات الصدر، في حرب الأسد ضد الشعب السوري؟

لقد كان من أبرز بنود مبادرة كوفي عنان، التي وافق عليها مجلس الأمن، سحب الأسلحة الثقيلة من المدن وإطلاق سراح المعتقلين وهما البندان اللذان لم يلتزم النظام بأي منهما. ألا يجدر بمجلس الأمن محاسبة النظام السوري على عدم تنفيذه لبنود المبادرة التي وافق عليها وتعهد بالالتزام بها؟ إن من حق الشعب السوري أن يعرف لماذا لا يعامل كبقية الشعوب في حقه الإنساني في المحافظة على وجوده وصيانة حقوقه الأساسية التي ضمنتها مواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان. والبعض يحذر من الحرب الأهلية وهو يرى النظام يرتكب المجازر، ويطالب السوريين بالالتزام بسلمية الثورة، وآخرون يحذرون من استغلال المتطرفين للوضع السوري وتحقيقهم مكاسب ويبقى متفرجاً على حرب إبادة همجية لم يوثق الإعلام لها مثيلا من قبل.

والسؤال الأهم لمصلحة من تترك سوريا وشعبها للغول الممثل بنظام الأسد وإيران و"حزب الله"؟ إن الشرعية الدولية قد خسرت مصداقيتها أمام دماء السوريين، وإن الإنسان السوري ليبحث عن ملاذ يوفر له ولأسرته الحماية من الإبادة، وإذا لم يتدخل المجتمع الدولي لتحقيق ذلك له، فإنه سيفتح عليه أبواب أن يستغل من دعاة الإرهاب والتطرف لتحقيق ذلك له، لأن الإنسان اليائس يبحث عن بريق الأمل لإنقاذه. إن توفير الحماية الدولية للشعب السوري، أولاً وقبل كل شيء، ثم الدخول في عملية الحل السياسي لهو واجب المجتمع الدولي، وأقل الخيارات تكلفة وأكثرها فعالية وجدية وأفضلها إقليمياً ودولياً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

متى دور السفراء الروس؟!  .. راجح الخوري

2012-05-31

النهار

ماذا يعني ان تقوم 11 دولة غربية بطرد الديبلوماسيين السوريين بعد الدوي الذي أحدثته مجزرة بلدة الحولة؟

هذا لا يعني شيئاً في حسابات دمشق التي سبق لوزير خارجيتها وليد المعلم ان أعلن في مؤتمر صحافي في 30 حزيران من العام الماضي: "سننسى ان اوروبا على الخريطة وسأوصي بتجميد عضويتنا في الاتحاد من أجل المتوسط وسنتجه شرقاً"، وهذا ما كان قد فعله عندما شطب الجامعة العربية ودول الخليج من الخريطة العربية!

وماذا يعني ان يقول كوفي أنان بعد محادثاته مع الرئيس بشار الأسد: "لقد ناشدته اتخاذ خطوات جريئة الآن وليس غداً وان العنف يجب ان يتوقف لتنفذ النقاط الست فالوضع في سوريا على مفترق"؟

هذا أيضاً لا يعني شيئاً. أولاً لأن عدد القتلى تجاوز السبعين بينما كان أنان يُجري محادثات في دمشق، وثانياً لأن الأسد أقفل الباب تكراراً في وجه أنان ورسم له خريطة طريق تنقل مهماته من سوريا الى العواصم المجاورة، عندما أبلغه ان نجاح خطته يعتمد على وقف الأعمال "الإرهابية" ومن يدعمها، مشدداً على ان تلتزم الدول التي تقوم بتمويل "الإرهابيين" وتسليحهم وإيوائهم هذه الخطة".

منذ موافقة دمشق على خطة أنان سقط أكثر من ألفي قتيل، ويواجه المراقبون الدوليون الفشل الذي واجهه المراقبون العرب. وعندما يقال لأنان ان نجاح مبادرته منوط بدول الجوار فهذا يعني طرده بطريقة غير مباشرة وتحميل الآخرين مسؤولية فشلها. طبعاً هذا ليس خافياً على أنان الذي تم استحضاره من الاستيداع ولا يريد ان ينهي حياته الديبلوماسية بالفشل، ولهذا فإنه يبتلع المرارة ويقرر مثلاً زيارة لبنان والأردن عملاً بشروط الأسد. ولكأن ما يجري في سوريا من المذابح وحمامات الدم مسلسل من المآسي يرسمه الخارج لا الشعب السوري المطالب بالحرية والتغيير.

المثير أنه بينما كان أنان يكرر كلماته الخشبية عن ضرورة ضبط النفس "الآن وليس غداً"، كانت الأمم المتحدة تعلن بلسان إيرفيه لادسوس ان النظام هو المسؤول عن مجزرة الحولة لجهة القصف المدفعي وربما القتل والاعدامات على يد الشبيحة.

وفي عودة الى طرد الديبلوماسيين السوريين من الدول الغربية، ومع إصرار روسيا على تعطيل مجلس الأمن وتوفير شبكة أمان للنظام السوري بات من الضروري طرح السؤال:

إذا كان طرد الديبلوماسيين السوريين من العواصم الغربية لا ينفع، فمتى تفكر الدول العربية والإسلامية ليس بطرد الديبلوماسيين الروس من عواصمها ولا حتى بسحب ديبلوماسييها من موسكو بل باستدعائهم للتشاور في مشكلة انحياز روسيا التي تسعى الى استعادة دورها الاستقطابي ولو أدى ذلك الى حرب أهلية في سوريا؟!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سلامة سوريا : شعبا ووطنا أولا وأخيرا  .. رأي الدستور

الدستور

31-5-2012

في خضم حالة السخط الشديدة التي تعم العالم، وردود الفعل الدولية المنصبة على معاقبة النظام السوري، لاتهامه بارتكاب مجزرة “الحولة” وغيرها من المجازر بحق الشعب السوري الشقيق يأتي موقف الاردن الثابت والمبدئي بضرورة الحفاظ على سلامة سوريا شعبا ووطنا، والتركيز على حل الازمة حلا سلميا، محذرا من خطورة الانزلاق الى حرب اهلية قذرة، تأكل الاخضر واليابس، وتفتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي، وما قد تسفر عنه من دويلات طائفية متناحرة متقاتلة.

ما حدث ويحدث في الشام مؤلم لكل عربي ومسلم، ومؤلم لكل انسان يحترم انسانيته، ويحرص على ادميته، وهو يرى الاطفال تذبح كالنعاج والارامل والشيوخ وقد تناثرت اشلاؤهم في الشوارع والازقة والمنازل وقد هدمت على ساكنيها، بصورة كارثية مروعة يعجز القلم عن الاحاطة بتفاصيلها وقد حولت ريحانة الله في ارضه الى ارض محروقة.

النظام مسؤول اولا واخيرا لان حماية الشعب الشقيق من مسؤولياته، لا بل هي اولى اولوياته ومبرر وجوده بموجب الدستور، فهو صاحب الولاية، والموكل بتحقيق الكرامة، والعيش الكريم لهذا الشعب، وحماية الوطن السوري والحفاظ على ترابه، وبالتالي فلو افترضنا جدلا ان العصابات هي من اقترفت هذه المجزرة، او شاركت بقتل عدد من الاشخاص، فالمسؤولية تقع على النظام لانه لم يحم مواطنيه، ولم يرد الخطر الداهم عنهم ويحقق الامن والاستقرار للقطر الشقيق.

النظام السوري مسؤول، ويتحمل تبعات ما يحدث، لانه اختار الطريق الوعرة، واحتكم لقوة السلاح، وللحلول الامنية، ولم يحترم ارادة الشعب السوري في التظاهر سلميا، كما هو الحال في العديد من الدول الشقيقة، وقد ضمن الدستور هذا الحق، واصر على رفض مطالب الشعب في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة، وعمل على الالتفاف على المبادرة العربية باللجوء الى التسويف والتأجيل، حتى فشلها، وها هو يقوم بافشال المبادرة الدولية التي يقوم بها كوفي عنان لانقاذ الشعب السوري عن مأساة مروعة، من خلال وقف اطلاق النار، وسحب قطاعات الجيش، والشروع في حوار بناء هادف، يؤدي الى طي صفحة الماضي، وتشريع بناء سوريا الحديثة.

مجمل القول: الوضع في سوريا بعد مذبحة “الحولة” يتطلب جهدا عربيا ودوليا غير عادي لحماية الشعب السوري اولا واخيرا من المذابح والمجازر، والحفاظ على وحدته، وحمايته من حرب اهلية مدمرة بدأت نذرها في المجازر التي ترتكب والتي لن تتوقف بعد مجزرة “الحولة” الكارثية .

حماية الشعب السوري من الكارثة المحققة، واطفاء لهيب الحرب الاهلية بات امرا ملحا وعاجلا قبل ان تخرج الامور من تحت السيطرة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل الحرب الأهلية في سورية «قائمة أم قادمة»؟!  .. د. محمد ناجي عمايرة

الرأي الاردنية

31-5-2012

ما الذي يمكن أن يحدث في سورية أكثر مما حدث؟ هناك من يتحدث عن خشية من «حرب أهلية». ترى ما هي الحرب الأهلية إن لم تكن هذه التي تدور رحاها بين أنصار النظام وأنصار المعارضة، بين جيش النظام وجيش المعارضة الحرّ.. وكلاهما يحمل صفة « الجيش السوري»!

المعارضة السورية للأسف منقسمة وتعاني من التشظي والخلافات العميقة بين الدينيين والليبراليين! وهذا الكلام ليس من عندي، بل هو كلام برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري الذي استقال من منصبه حتى لا يكون وجوده سبباً في مزيد من الانقسام، فهو يقدم نفسه باعتباره حريصاً على وحدة المعارضة الشعبية، وضحية لمحركي الانقسام والتجزئة ومثيري الخلافات والمتردّدين.

هذا الانقسام بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج من جهة، وبين أعضاء المعارضة في الخارج أنفسهم من جهة أخرى.. وبين بعض أهل الداخل من جهة ثالثة، هو ما يعزز فرص النظام في البقاء والسيطرة ومواصلة أعمال القمع.

ومثل هذا الانقسام يصدق على مواقف الدول العربية التي لم تتخذ موقفاً حاسماً في دعم المعارضة وتلبية حاجتها إلى التسلح بعد أن زاد النظام من عملياته القمعية وارتفع عدد المذابح والمجازر التي لا نجد أحداً غير النظام يمكن أن يكون مستفيداً منها، والمراقبون الدوليون يرون أن أعوانه هم مقترفوها.

كما أن الموقف الدولي أكثر انقساماً وتردداً، وهذا واضح من استمرار سياسة الشجب والتنديد والاستنكار « بأقصى العبارات وأشدها « لممارسات قوات النظام وأساليبه القمعية !! ولولا الاتجاه الأخير إلى طرد سفراء النظام من عواصم القرار بل من معظم الدول الأوروبية واليابان وأميركا.. لولا ذلك لقلنا إن الدول الكبرى تواصل الصمت وتنتهج سياسة العين المُغْمَضة عن جرائم ترتكب كل يوم في مختلف المدن والقرى والأرياف السورية، ولا تقع مسؤوليتها على غير النظام وأجهزته الأمنية وأزلامه من « الشبيحة».

الانقسام في صفوف المعارضة، والتردد في المواقف العربية الحازمة، والاختلاف الدولي على المصالح بين الدول الغربية وأميركا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى.. يضاف إليها الدعم الإيراني ومؤازرة مقاتلي حزب الله، كل ذلك يساهم في إطالة أمد بقاء النظام في الحكم، لكنه لا يعطي هذا النظام أي فسحة للبقاء أكثر من شهور قليلة، هي أقرب لالتقاط الأنفاس، لكننا نعتقد أن الانتفاضة الشعبية سوف تتجه إلى التوحد في كيان أكثر تماسكاً، والمواقف الدولية سوف تتغير جذرياً.

إن طرد سفراء النظام من الدول الغربية سوف يتلوه طردهم من دول أسيوية وافريقية، أخرى، وهو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولا شك أن العقوبات الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها.. لكن المهم هو أن يأخذ العرب موقفاً أكثر جدية ويتحملوا مسؤولياتهم في حماية الشعب السوري، والدفاع عنه بعد كل هذه الجرائم التي يتعرض لها في مختلف المدن والقرى والأرياف.. وما أدى إليه ذلك من تشريد لآلاف السوريين نحو دول الجوار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجزرة الحولة أوصدت باب الحل السياسي للأزمة السورية  .. د. أميمة أحمد

2012-05-30

القدس العربي

يتجول الموت في شوارع وبلدات سورية منذ انطلاقة الثورة السورية قبل نحو خمسة عشر شهرا ضد الاستبداد الذي يهيمن على سورية لأكثرمن أربعة عقود، تناقله النظام وراثيا من الأب لنجله. لا أحد يمتلك الإحصاء الدقيق لعدد ضحايا القتل في سورية، فآخر إحصاء تتداوله وسائل الإعلام والأمم المتحدة 15.321 ألف شخص لقوا مصرعهم على أيدي قوات الجيش النظامية السورية، التي منذ البداية استخدمت الأسلحة الثقيلة في قمع المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية، في اللاذقية الساحلية استخدم النظام الزوارق البحرية، وفي حمص وحماه استخدم كل أنواع السلاح الثقيل دبابات تجتاح الأحياء ومروحيات ومدافع تقصف المدن. ومن يشاهد هذه المدن يظن أن زلزالا قد دمّرها، بيوت مهدمة، شوارع مليئة بالركام، أعمدة كهرباء سقطت أرضا، لاشيء سوى رائحة الموت، هنا وهناك بقايا دماء لأشلاء السوريين أطفالا ونساء وشيوخا.

هؤلاء المدنيون الأبرياء يصفهم النظام 'بالإرهابيين' ويحل دمهم، ويستبيح أعراضهم، ويفلت شبيحته على إذلالهم قبل قتلهم. هذه ليست حربا ضد عدو، حتى وإن كانت ضد الأعداء فإن المواثيق الدولية تحظر استباحة كرامة الإنسان، فما بالكم عندما يكون الطرف الآخر بالحرب هو الشعب السوري الذي يفترض بموجب العقد الاجتماعي للدولة أن النظام يحمي السكان لا يقتلهم بهذه المهانة؟

تحمّل السوريون هذا الإذلال على مدى خمسة عشر شهرا، وفي الشهرين الأخيرين مع مبادرة كوفي عنان المبعوث العربي الأمم ارتفعت وتنوعت وتيرة العنف إلى مجازر مروعة غير مسبوقة، وقد سمع وشاهد العالم بعضها في خان شيخون وإدلب ودرعا وحماه ودوما وما خفي كان أعظم، حيث هناك مقابر جماعية لاأحد يعرف عددها، وقد اكتشف بعضها في حمص 500 جثة مجهولة الهوية. والتطور النوعي الآخر التفجيرات في المناطق السكنية مستهدفة المقار الأمنية، واللافت بتلك التفجيرات أنها لاتترك آثارا تذكر على المباني الأمنية وتترك عشرات الضحايا، ما الذي يمنع انتحاريا أن يدخل إلى وسط المبنى؟ لماذا التفجيرات على الباب الخارجي فقط، وبلحظات يحضر التلفزيون الرسمي وتلفزيون الدنيا لصاحبه رامي مخلوف ويصورون، والمتتبع للصور بعين الصحفي يدرك من الوهلة الأولى أن خارطة التصوير كانت معدة مسبقا، والصحافي يذهب مباشرة للمكان المفروض تصويره. هذه الخدع الإعلامية لم تعد تنطلي على الشعب السوري، الذي عرف أن أبناءه قضوا بالتعذيب أو التفجير لأن هناك دفعات من المعتقلين شحنوهم أحياء لأماكن التفجير، وأقام النظام لهم مراسيم جنائزية مهيبة، ولكن من غير المعلوم إن كانت هويتهم الأصلية أم منحوهم أسماء أخرى، من بمقدوره التحقق من صحة هذا الاسم لذاك الجثمان في بلد مثل سورية التي منعت كل مصادر الخبر عن الإعلام الدولي والمحلي. سألت زميلا صحفيا سوريا عن إمكانية حصولهم عن الخبر، فقال ' أنت تمزحين بسؤالك ؟ فنحن خلف الأمن الذين يقدمون أنفسهم صحافة، وحيثما يأخذونا نذهب وندون ونصور مانراه 'سالته وماذا ترون ؟ قال ضاحكا' مايراه الأمن وتروه بالتلفزيون السوري وقناتي الدنيا والإخبارية وتقرأونه في صحف البعث والثورة وتشرين والوطن وووو 'تطاولت الشهور الخمسة عشر إلى أن خالها الشعب السوري دهورا، ورائحة الموت تملأ سماء سورية على مدار الساعة، وأصبح ضحايا الحرية في سورية أرقاما في نشرات الأخبار العالمية' 54 قتيلا سقطوا برصاص قوات النظام السوري في حمص وحماه وإدلب ... 35 قتيلا في حلب وحماه ومناطق أخرى ... 30 قتيلا في حلب بينهم 21 في جامعة حلب حيث هاجم الشبيحة مظاهرة طلابية داخل الحرم الجامعي، ورموا طالبا من الطابق الخامس، وذبحو آخر أمام زملائه بساحة الجامعة ......والكثير من الروايات عن التفنن في قتل السوريين لترويعهم وتركيعهم للعدول عن مطلبهم بالحرية، يرافق كل هذه المهانة والقتل مايسميها النظام 'إصلاحات' والمضحك المبكي أن روسيا التي أصبح رئيسها ووزير خارجيتها الناطقين الرسميين باسم النظام السوري، نسمع تصريحات ميدفيد يف وبعده بوتين 'أن النظام قام بإصلاحات جديرة باهتمام المجتمع الدولي' وسيرغي لافروف الذي غطى على وزير خارجية سورية وليد المعلم في تصريحاته لدعم النظام السوري، يؤكد المرة تلو المرة على ' الحل السياسي للأزمة السورية والحوار بين النظام والمعارضة ' أي حوار وأي حل سياسي؟

هل بعد مجزرة الحولة بقي أي أمل بالحوار؟ وهل أبقت جثامين 55 طفلا مذبوحين ذبخ النعاج فرصة لحل سياسي في سورية؟ أي عبثية في طرح كهذا وقد بلغ عدد ضحايا النظام السوري منذ بدء مبادرة عنان أكثر من ألفي قتيل في وقت ينص البند الأول على وقف العنف فورا، ألم يتعرض فريق المراقبين نفسه لعدة هجومات؟

نقولها بصراحة إن النظام السوري لديه ضوءا أخضرا من المجتمع الدولي (وتحديدا أمريكا وروسيا في مقايضات سياسية على جماجم الشعب السوري) للاستمرار في الحل الأمني وبهذا العنف غير المسبوق من نظام ضد شعبه. أجل إنها ترخيص للنظام لقتل الشعب السوري بما يحقق تأجيج الحرب الأهلية. أجل مجزرة الحولة التي راحت فيها عدة عوائل بكاملها تهدف إلى تأجيج الثأر والقتل المضاد في العائلات العلوية، ولا أستبعد مجزرة مماثلة في قرى علوية. أليس هذا دليل على تورط النظام في مؤامرة دولية ضد سورية الوطن والشعب لإنهاك سورية حد الخور، وما الذي يمنعه إذا كان فعلا رئيس البلاد أن يوقف العنف ويستمع لهؤلاء الشباب الذين ملأوا شوارع سورية؟ هل كلهم إرهابيون؟ هل كلهم مندسون؟ هذه الاتهامات للشعب تدلل أنه فاقد الشرعية لحكم شعب يتهمه هذا الاتهام الخطير.

هذا التصرف الأرعن من النظام رفع عقيرة المنادين بالتدخل الخارجي لحماية المدنيين السوريين، وعرض ليس أمن سورية بل أمن المنطقة لمخاطر الانزلاق في حرب أهلية لاتبقي ولاتذر، والنظام يعرف تماما أن المجتمع الدولي ليس بوارد التدخل في سورية بفضل جارته إسرائيل التي لم يطلق رصاصة عليها منذ حرب التسوية السياسية 1973، وخيار 'السلام الاستراتيجي'، لذا يقتل ويقتل غير مبال بكل التنديد والشجب الدولي، وهذا التنديد لايعدو أن يكون بيانات لاتساوي الحبر الذي كتبت به، بل هي مُهل للقتل.

لانريد تدخلا خارجيا، بل نريد تدخلا سوريا للشرفاء بالجيش السوري أن ينهوا هذه المأساة حفاظا على سورية الوطن وسورية الشعب، فآل الأسد ليسوا قدر سورية ولن يكونوا.

نريد حوارا بين السوريين لإنهاء مأساة الشعب السوري، يكون أطراف الحوار من عقلاء سورية في كافة الطوائف والأديان والعشائر، ورموز سياسية مشهود لها بالنزاهة والنضال، وهم معروفون، يمكن تسمية هؤلاء الشرفاء 'تجمع إنقاذ سورية' يتم الحوار في سورية تحت إشراف الأمم المتحدة، نقاط الحوار: الانتقال السلمي للسلطة إلى تجمع إنقاذ سورية، الذي يقود مرحلة انتقالية مدة ستة أشهر مع نهاية 2012، ينتخب الشعب رئيسا مؤقتا للبلاد، هو من يقوم بنقل سورية إلى الديموقراطية خلال سنة، يتشكل خلال 2013 برلمان منتخب ومنه حكومة تمثل الشعب، وفي عام 2014 انتخابات رئاسية تعددية.

الأمل في من لازال ساكتا من الشعب السوري عليه أن يحمي سورية بتخليصها من هذا النظام.

هذا النظام أشاع اللاأمن ليقول للناس 'أنا أو الفوضى'، قتل الناس بمجازر ليروع الناس ويلتزموا بيوتهم بعد كل هذه التضحيات لأجل الحرية والانعتاق من الاستبداد.

هل يمكن لقوات عربية أن تتدخل عبر الأردن لحماية سورية؟ هل يمكن لمجلس الأمن أن يستخدم آليات الأمم المتحدة لحماية المدنيين تحت البند السابع. كلها أمنيات وأضغاث أحلام. والشيء المؤكد 'ماحك جلدك مثل ظفرك' بعد مجزرة الحولة لم يعد هناك حوار ولا حل سياسي مع النظام أيها الحالمون في أروقة الأمم المتحدة، الحوار الممكن مع 'تجمع إنقاذ سورية' وما أكثر الأحرار والشرفاء في سورية ليطلعوا بهذا الدور النبيل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية: التدخل العسكري أو المناطق الآمنة  .. رأي القدس

2012-05-30

القدس العربي

الملف السوري يزداد سخونة، فبعد طرد وابعاد سفراء ودبلوماسيين سوريين من قبل الحكومات الغربية احتجاجا على مجزرة الحولة التي راح ضحيتها 108 اشخاص نصفهم من الاطفال، يجري بذل جهود مكثفة لعقد اجتماع عاجل لتكتل اصدقاء سورية في اسطنبول في الايام القليلة المقبلة.

وجاء العثور على 13 جثة مقيدة الايدي ومصابة باعيرة نارية في الرأس شرق سورية بعد ايام من المجزرة المذكورة ليضيف وقودا للضغوط الاوروبية والامريكية التي تريد اتخاذ المزيد من الخطوات لتشديد جهود عزل النظام وربما بحث امكانية التدخل العسكري.

رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي يتزعم هذه الجهود، وادلى يوم امس الاول بتصريحات قوية ضد النظام السوري، واكد ان النظام سيدفع ثمنا غاليا لمجزرة الحولة التي اتهمه بارتكابها، وقال ان دماء الضحايا لن تذهب هدرا.

التحرك الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية يبحث في الوقت الراهن عدة خيارات، ابرزها اقامة مناطق آمنة مثلما اقترحت الحكومة البلجيكية تتمركز فيها المعارضة، ويلجأ اليها المنشقون عن الجيش السوري، او التدخل العسكري على الطريقة الليبية، مثلما يطالب برنارد هنري ليفي الفيلسوف الفرنسي الصهيوني في رسالة بعث بها الى الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند.

مؤتمر اسطنبول لاصدقاء سورية قد يتبنى هذين الخيارين او احدهما، مستغلا حالة الغضب التي تسود اوساط الرأي العام العالمي على ارضية عمليات القتل والذبح المروعة لضحايا مجزرة الحولة.

الاعلام الغربي نشر تقارير مطولة وتفصيلية عن هذه المجزرة بعضها مصور، وطالبت افتتاحيات بعض الصحف بضرورة التدخل عسكريا لوقف هذه المجازر او بالاحرى الحيلولة دون تكرارها مستقبلا بشتى الطرق والوسائل.

الولايات المتحدة الامريكية تلتقي مع الصين وروسيا في معارضة هذا التدخل ولكن لاسباب مختلفة ابرزها خوفها من حالة الفوضى التي يمكن ان تنتج في حال اسقاط النظام واقدام جماعات اسلامية متشددة على ملء الفراغ.

مناورات 'الاسد المتأهب' التي انتهت قبل ايام واجريت في الاردن قرب الحدود السورية بمشاركة 19 دولة و11 الف جندي، هدفت بالدرجة الاولى الى التدخل بشكل سريع في سورية لمنع وقوع اسلحة كيماوية وبيولوجية في ايدي منظمات وجماعات 'ارهابية' حسب التسريبات الاردنية شبه الرسمية.

من الواضح ان النظام السوري لا يأبه كثيرا بمثل هذه الضغوط الدولية لاطمئنانه الى الدعمين الروسي والصيني، وقدرته على التأقلم حتى الان ولاكثر من عام مع الاوضاع المتفجرة على الارض في سورية.

مراقبون كثيرون لاحظوا ان سفيرا او دبلوماسيا واحدا من الذين ابعدتهم الحكومات الغربية لم ينشق او يطلب اللجوء السياسي في الغرب، وفسر هؤلاء ذلك على انه دليل على استمرار تماسك النظام، ولكن مراقبين آخرين لهم رأي آخر يقول ان عدم الانشقاق في بعض الحالات عائد الى خوف هؤلاء من اعمال انتقامية تستهدف عائلاتهم في حال انشقاقهم، وهو تفسير وجيه قد يرد عليه البعض بالقول ان ضباطا كبارا لهم عائلات في سورية ومع ذلك لم يترددوا في الانشقاق على النظام.

لا احد يستطيع ان يتنبأ اين يمكن ان تصل اليه الامور في سورية، لكن ما يمكن التنبؤ به هو ان احتمالات التسوية السياسية التي تتمحور حول مبادرة كوفي عنان مبعوث الامم المتحدة والجامعة العربية تضعف بشكل متسارع بسبب اتساع دائرة القتل رغم وجود المراقبين الدوليين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجزرة الحولة: تحولات دراماتيكية في المشهد السوري  .. د. أحمد عرفات الضاوي

2012-05-30

القدس العربي

منذ انطلاق الثورة السورية السلمية، وقبل أن ينشق جندي واحد، والنظام يعمل على قتل الثوار، وكان الأطفال عنوانا بارزا للموت منذ اللحظات الأولى مما يعني بالبديهة، أن النظام اتخذ قرارا بقتل الشعب الثائر وكان آنذاك لا يستطيع أن يتنصل من تهمة القتل المتعمد لكل من يرفع صوته، ولم ينف عن نفسه تلك التهمة لأن أداة القتل الوحيدة السائدة كانت بيد النظام وحده. وكان رجال الأمن (الشبيحة) هم ميليشيا النظام التي تتصدر مشهد القتل والتعذيب والحصار والتجويع والتصفيات الجسدية لكل الناشطين. لكن النظام اليوم ينفي وبشدة علاقته بمجزرة حولة، وهو صادق في ادعائه، ولكنه كاذب في إسناد الجريمة إلى مسلحي المعارضة والجيش الحر الذين ليس من مصلحتهم قتل سوري واحد من المدنيين وبخاصة أن مسعاهم منذ أن تحولت الثورة أن يستقطبوا تأييد الشعب . فإذا لم يكن النظام هو الذي اقترف هذه الجريمة وإذا لم يكن الجيش السوري النظامي، فمن هو الفاعل؟

مجزرة حولة تحول خطير في المشهد السوري، لأن الفاعلين جهة تحمل حقدا تاريخيا ولؤما مركبا، وليست معنية بردود فعل المجتمع الدولي أو بتوجيه الصراع إعلاميا، وهي جهة مسلحة محسوبة على النظام وسلاحها من النظام نفسه، أمعنت في الذبح والقتل دون أن تتوقع رد الفعل إزاء الفاجعة التي أحدثتها في حولة، دخلت بعد القصف بعلم النظام للتصفية والقتل، فأمعنت قتلا وذبحا في النساء والأطفال، بشكل عنصري وحاقد لا يقل فظاعة عن المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين، وهو سلوك ذو مرجعية طائفية وعرقية ارتكبته ميليشيات علوية، مما يعني أن الصراع قد اتخذ مسارا خطيرا، وأن النظام نفسه قد بدأ يلوذ برصيده الطائفي ليحسم الصراع ويزرع الرعب على الطريقة الصهيونية في نفوس الناس، وهو سلوك بائس ينذر بتحولات نحو حرب أهلية حقيقية، ويدل بشكل واضح على أن النظام قد بدأ يفقد زمام المبادرة بالسماح للمليشيات العلوية بالدخول الكثيف على خط الصراع. وهو بهذا السلوك واحد من اثنين: إما أنه سمح بهذه المجزرة تخطيطا وتنفيذا بأيدي المليشيات العلوية الحاقدة، وإما أن هذه المليشيات قد اتخذت قرارها بعيدا عن النظام بتوجيهات من زعامات علوية متنفذة، وفي كلا الحالتين فإن النظام بدأ يفقد السيطرة على الأرض وبدأ الصراع يأخذ طابعا طائفيا خطيرا، لأن السلوك في التعامل مع الضحايا بتقطيع الأجساد دون تمييز بين طفل ورجل وامرأة يعني أن المجرمين جاءوا برصيد هائل من الحقد والتعبئة الطائفية يذكرنا بجرائم الصرب والصهاينة الذين يقتلون دون هوادة ودون مرجعية خلقية.

الغرب يراقب الجريمة في سورية بدم بارد، ويطلق التصريحات الباردة التي لا تتناسب مع حجم الجريمة، يعني أنه موافق عل ما يحدث للشعب السوري، وربما يريد للفوضى الخلاقة لكوندليزا رايس أن تصل إلى مداها في إحداث التحولات الدراماتيكية بعد أن آل العراق إلى سلطته ونفوذه، ويجب أن يصفي السوريون بعضهم ليتحقق سيناريو التمزيق ورسم خرائط جديدة، وروسيا تريد تصفية حساباتها مع الغرب بعد أن نامت طويلا وخسرت كثيرا لتمسك بآخر أمل لها في النفوذ في الشرق الأوسط بتحالفها مع نظام عنصري بغيض، والعرب منقسمون بين متردد وخائف وضعيف، والشعب السوري بدأ يدرك هذا الأمر مبكرا فرفع شعار: (مالنا غيرك يا ألله).

إن مجزرة حولة تحول مرعب نحو حرب أهلية وهي محطة كارثية تتعذر بعدها أي مصالحة وطنية، ومؤشر على إفلاس الجيش السوري النظامي، وفقدان النظام لزمام المبادرة وانفلات الأمور نحو الكارثة، وعنان في هذه المرحلة مجرد بندول مسكن والمراقبون مجرد رأس حربة للدخول كطرف في الأزمة وتدويلها في الوقت المناسب عندما يصفي السوريون بعضهم وينهك الجميع، والغرب يراهن على النظام السوري الغبي الذي ينفذ سيناريو الفناء والإفناء.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خطة أنان: من القوة إلى الفعل  .. حسين عبد العزيز *

الخميس ٣١ مايو ٢٠١٢

الحياة

تدرك الدول العربية والغربية التي أشرفت على وضع الخطة الأممية حول سورية المسماة بخطة أنان أن مآلها الفشل بسبب افتقادها لأنياب قادرة على تنفيذها بقوة السلاح، وهذا ما عبرت عنه بعض الدول العربية التي حذرت من فشل الخطة.

فلم يستطع أنان إلى الآن إقناع النظام السوري بتطبيق بند واحد من بنود الخطة، ولم يستطع المراقبون أيضاً إنجاز أي شيء سوى تصريحات عامة هنا وهناك عن ضرورة وقف العنف من دون أن يكون لديهم تحديد واضح عن الجهة التي تقف وراء العنف، أو الرد عليها. إنهم عبارة عن سياح أو مؤرخين هدفهم الاستماع لهذا الطرف أو ذاك.

ومع ذلك لا ترفض الدول الغربية إعلان موت الخطة فحسب، بل تؤكد أكثر من مرة بأن الوقت لم يحن بعد لإعلان فشلها، مع الإشارة إلى أن فشلها يعني مزيداً من تدهور الوضع في سورية.

لقد أريد للخطة أن تستمر، وتعد المراحل الزمنية، ولتحقيق ذلك كان من الضرورة بمكان أن تأتي الخطة مبهمة وفضفاضة، وهذا سيكون سر بقائها واستمرارها فترة زمنية لا بأس بها (ثلاثة أشهر)، على عكس المبادرة العربية التي أطلقت في 22 كانون الثاني (يناير) الماضي والتي جاءت كخريطة طريق واضحة المعالم، وهذا سر فشلها.

أحد الأخطاء الكبرى المميتة في المبادرة العربية الثانية أنها حاولت دفع عجلات الحل قدماً إلى الأمام قبل أن تنضج الشروط الموضوعية لمثل هذا الحل، ولذلك ركلها النظام السوري ومعها مجمل المنظومة العربية.

لقد أدركت الدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة نتيجة خبرتها الكبيرة في إدارة الأزمات على مستوى العالم، أن الحل في سورية يتطلب وقتاً طويلاً بسبب حساسية الجغرافيا السياسية من جهة، وقدرات النظام السياسية والعسكرية من جهة ثانية، وتحالفاته المحلية والإقليمية والدولية من جهة ثالثة.

ومن هنا جاءت الخطة مبهمة، وتفتقر إلى رؤية واضحة المعالم، ولا تصلح حتى أن تكون لمرحلة انتقالية، ذلك أن المراحل الانتقالية تتطلب أولاً بناء الثقة وجسر الهوة بين الفرقاء قبل الشروع بأي خطوات على الأرض، كما تتطلب اتفاقاً مسبقاً أو فهماً مسبقاً بأن غاية المرحلة الانتقالية هو انتقال سلمي للسلطة وفق شروط يقبل بها الفرقاء المتنازعون، فهل تتضمن خطة أنان هذه الغاية؟ إن هذا السؤال يحيلنا بطبيعة الحال إلى سؤال أهم، وهو لماذا وضعت الخطة إذاً؟

لم توضع الخطة كي تحقق شيئاً هي عاجزة عنه، ولا لتخلق الشروط الموضوعية التي من شأنها أن تمهد لمرحلة جديدة. لقد وضعت الخطة بسبب غياب أي بديل عملي في ظل الستاتيكو القائم داخل مجلس الأمن، وفي ظل عجز النظام عن إنهاء الاحتجاجات، وعجز الثورة عن إسقاط النظام.

لكن، بالمقابل تهدف الخطة أو غيرها من الخطط المستقبلية إلى تحقيق أمور عدة ذات أهمية كبيرة، ويمكن أن تساهم على المدى البعيد في إنجاز حل للأزمة السورية:

- إبقاء المراقبين الدوليين على الأرض، وتقديم رواية مغايرة لرواية النظام على الأقل وإن لم تأت مناقضة لها.

- وهذا يعني ثانياً، رفض الرواية الرسمية للحكومة وتحميلها المسؤولية عن العنف في البلاد بأشكال مباشرة أو غير مباشرة.

- إبقاء الملف السوري بشكل دائم داخل مجلس الأمن، أي وضع سورية تحت رقابة المجهر الدولي.

- تمرير الوقت على أمل حدوث تطور ميداني يغير المعادلة، أو أن تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى أزمة بنيوية في النظام، وهذا ما تعول عليه واشنطن والاتحاد الأوروبي الذي بدأ مؤخراً تطبيق الجولة الخامسة من العقوبات.

- تمرير الوقت أيضاً على أمل توحيد المعارضة والخروج بخطاب سياسي موحد، ربما ينعكس إيجاباً على أداء المحتجين والثوار في الداخل.

- أخيراً، وهذا هو الأهم، إحداث تراكم سياسي واقتصادي وقانوني ضد النظام، يمكن استثماره لاحقاً لتغيير موازين القوى في مجلس الأمن، ونقل خطة أنان من القوة إلى الفعل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل يكفي طرد سفراء الأسد؟  .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

31-5-2012

لو أن عاصفة طرد سفراء ودبلوماسيي الأسد كانت قد هبت قبل ثمانية أشهر من الآن لربما كانت ستصبح لها مدلولات، وربما تأثير، على نظام بشار الأسد. لكن طرد أكثر من سفير ودبلوماسي أسدي من العواصم الغربية اليوم، وبعد قرابة 14 شهرا من عمر الثورة السورية، ومقتل أكثر من 13 ألف من السوريين، لن يكون بالأمر المجدي.

فطرد السفراء والدبلوماسيين يفترض أن يكون لفرض عزلة على نظام الطاغية، وسحب الشرعية عنه، وهذا بالطبع أمر واقع، منذ قرابة ثمانية أشهر. ويجب ألا ننسى أن دول الخليج قد بادرت إلى فعل الأمر نفسه، ومعها بعض الدول العربية، من قبل، كما قامت الجامعة العربية، وبكل عللها، بتعليق عضوية النظام الأسدي، ثم تأتي الدول الغربية الكبرى، أو تركيا، لفعل هذا الأمر اليوم وبعد سيل من الدماء السورية، فبالطبع إنه أمر غير مجد، لأنه تأخر كثيرا! وكما يقول لي دبلوماسي عربي رفيع فإن الخطوة الغربية بطرد سفراء الأسد تعني أيضا أن المجتمع الدولي ليس بصدد القيام بخطوات جدية تجاه طاغية دمشق، رغم كل هذه المجازر المتوالية، بل ها هو العالم يفيق على مجزرة جديدة، وبعد أيام من مجزرة الحولة!

ولذا، فإذا كان المجتمع الدولي غير راغب، أو قادر، على القيام بعمل عسكري حقيقي لوقف آلة القتل الأسدية، خصوصا في ظل انشغال الرئيس الأميركي في الانتخابات القادمة، فإن الواجب فعله اليوم، غربيا وعربيا، هو التصدي للدعم الروسي لنظام طاغية دمشق. فما يحدث في سوريا يجب ألا يلام عليه الأسد وحده، بل إن معه موسكو أيضا، فالدعم الروسي للأسد تجاوز كل الحدود، حتى إن الروس أنفسهم باتوا يستشعرون ذلك، وباتت لغتهم الدبلوماسية في الدفاع عن الأسد ضعيفة ومرتبكة، وأبسط مثال هنا تصريحات النائب الأول لوزير الخارجية الروسي أندريه دينيسوف التي كان يبرر فيها موقف بلاده تجاه الأوضاع في سوريا بالقول إن «هناك مبدأ في الطب يقول لا تجعل الأمر أسوأ.. ينبغي ألا ننساه. الأهم أن نبقى واقعيين حول ما يحدث في سوريا». والحقيقة أن كل حريص على السلم الاجتماعي السوري، بل وبقاء الدولة السورية ككل، وبالطبع أمن المنطقة الإقليمي، بات يعي أن العلاج الوحيد لسوريا هو زوال حكم بشار الأسد، وبأسرع وقت ممكن، وإلا سيصبح الثمن مكلفا جدا، وهذا ما نقوله، ويقوله العقلاء، منذ فترة ليست بالقصيرة.

ومن هنا فإذا كان المجتمع الدولي لا يريد اتخاذ موقف عسكري، أو فرض مناطق آمنة وعازلة على الأراضي السورية من شأنها تأمين مناطق حماية للمنشقين من العسكر السوريين، وحتى من يريد الانشقاق من الرموز السياسية السورية، أي أن تكون هناك بنغازي سورية، فإن على المجتمع الدولي، وكذلك العرب الفاعلين، التحرك اليوم جديا لاتخاذ مواقف حقيقية تجاه روسيا لتتوقف عن دعم طاغية دمشق وآلة قتله. أما طرد السفراء والدبلوماسيين فإنه أمر غير مجد اليوم، ولا يكفي على الإطلاق، حيث إنه لن يوقف آلة القتل الأسدية، وهذا هو الأهم من كل شيء.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com